Полный текст (1 048 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
أَنَّهُ حُجَّةٌ (بِشَرْطِ الِانْقِرَاضِ) لَا مِنْ ظُهُورِ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمْ بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ (وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ) إنَّهُ حُجَّةٌ (إنْ كَانَ فُتْيَا) لَا حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْفُتْيَا يُبْحَثُ فِيهَا عَادَةً فَالسُّكُوتُ عَنْهَا رِضًا بِهَا بِخِلَافِ الْحُكْمِ (وَ) قَالَ (أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ عَكْسَهُ) أَيْ أَنَّهُ حُجَّةٌ إنْ كَانَ حُكْمًا لِصُدُورِهِ عَادَةً بَعْدَ الْبَحْثِ مَعَ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقِهِمْ بِخِلَافِ الْفُتْيَا (وَ) قَالَ (قَوْمٌ) إنَّهُ حُجَّةٌ (إنْ وَقَعَ فِيمَا يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ) كَإِرَاقَةِ دَمٍ وَاسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِخَطَرِهِ لَا يَسْكُتُ عَنْهُ إلَّا رَاضٍ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ
(وَ) قَالَ (قَوْمٌ) إنَّهُ حُجَّةٌ إنْ وَقَعَ (فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ) لِأَنَّهُمْ لِشِدَّتِهِمْ فِي الدِّينِ لَا يَسْكُتُونَ عَمَّا لَا يَرْضَوْنَ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَقَدْ يَسْكُتُونَ (وَ) قَالَ (قَوْمٌ) إنَّهُ حُجَّةٌ (إنْ كَانَ السَّاكِتُونَ أَقَلَّ) مِنْ الْقَائِلِينَ نَظَرًا لِلْأَكْثَرِ
ــ
[حاشية العطار]
اهـ. كَلَامُهُ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ فِي مَوَاضِعَ بِالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ
وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ فِيهَا بِهِ فَقَطْ بَلْ بِهِ مَعَ ظُهُورِ قَرِينَةِ الرِّضَا مِنْ السَّاكِتِينَ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ أَغْلَبِيٌ وَإِلَّا فَسُكُوتُ الْبِكْرِ إذْنٌ عِنْدَنَا، وَقَدْ اسْتَثْنَى أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ مَسْأَلَةَ الْبِكْرِ مَعَ جُمْلَةِ مَسَائِلَ مِنْ قَاعِدَةِ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْبِكْرِ أَنَّهَا لَا تُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِنَا لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ؛ لِأَنَّا لَمْ نَنْسُبْ لِلْبِكْرِ بِالصُّمَاتِ قَوْلًا، وَإِنَّمَا نَسَبْنَا إلَيْهَا رِضًا دَلَّ عَلَيْهِ الصُّمَاتُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ نِسْبَةُ الرِّضَا بَلْ نَقُولُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا الرِّضَا أَيْضًا بَلْ الشَّارِعُ اكْتَفَى بِالصُّمَاتِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا حَيْثُ قَالَ إذْنُهَا صُمَاتُهَا كَمَا اكْتَفَى بِلَفْظِ الْبَيْعِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا، وَمِنْهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ هَذِهِ زَوْجَتِي فَسَكَتَ وَمَاتَ وَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ لَمْ يَرِثْهَا، وَمِنْهَا سُكُوتُ الْوَلِيِّ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ، وَقَدْ طُلِبَ فَإِنَّهُ عَضْلٌ، وَمِنْهَا السُّكُوتُ فِي جَوَابِ الدَّعْوَى كَالْإِنْكَارِ، وَمِنْهَا بَاعَ بِالْعَنَاءِ وَهُوَ سَاكِتٌ جَازَ الْإِقْدَامُ عَلَى شِرَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حُرًّا لَتَكَلَّمَ فَسُكُوتُهُ كَالتَّصْدِيقِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَكُلُّ حَقٍّ عَلَى الْفَوْرِ إذَا سُكِتَ عَنْهُ مَعَ الْإِمْكَانِ بَطَلَ كَالشُّفْعَةِ وَرَدِّ الْعَيْبِ وَالْقَبُولِ وَالِاسْتِثْنَاءِ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ جُمْلَةً مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ إذَا تَأَمَّلْت هَذِهِ الْفُرُوعَ عَرَفْت أَنَّا لَمْ نَنْسُبْ إلَى سَاكِتٍ قَوْلًا اهـ.
(قَوْلُهُ: بِشَرْطِ الِانْقِرَاضِ) أَيْ انْقِرَاضِ السَّاكِتِينَ وَالْقَائِلِينَ (وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ فُتْيَا لَا حُكْمًا) أَيْ إنْ كَانَ الْحُكْمُ الَّذِي قَالَهُ الْبَعْضُ وَسَكَتَ عَنْهُ الْبَاقُونَ فُتْيَا أَيْ مُفْتًى بِهِ بِأَنْ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْتَاءِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْحُكْمِ) أَيْ فَلَا يُبْحَثُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْخِلَافَ فَلَا يُعَدُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ إجْمَاعًا (قَوْلُهُ: عَكْسَهُ) بِالنَّصْبِ مَقُولُ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ وَبِالرَّفْعِ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَعِنْدِي عَكْسُهُ
стр. 737
وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ مُخَالَفَةَ الْأَقَلِّ لَا تَضُرُّ (وَالصَّحِيحُ) أَنَّهُ (حُجَّةٌ) مُطْلَقًا وَهُوَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّهُ الْمَشْهُورُ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ إنْ كَانَ عَنْ نَقْلٍ فَلَا إشْكَالَ وَإِلَّا فَقَدْ يَذْهَبُ مَنْ يَقُولُ بِضَرَرِ مُخَالَفَةِ الْقَلِيلِ إلَى أَنَّ سُكُوتَهُمْ لَا يَضُرُّ اهـ.
أَيْ لِأَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْمُخَالَفَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ الرِّضَا بَلْ ظَاهِرُهُ الرِّضَا بِخِلَافِ الْمُخَالَفَةِ وَالثَّانِي أَنَّ قَضِيَّةَ حِكَايَةِ هَذَا الْقَوْلِ مَعَ هَذَا الْبِنَاءِ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَعْنِي إذَا كَانَ السَّاكِتُونَ أَقَلَّ مِنْ أَفْرَادِ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْكُتْ الْأَقَلُّ بَلْ قَالُوا لَا يَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ السُّكُوتِيِّ بَلْ الصَّرِيحِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الِاتِّفَاقُ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ أَقْوَى مِنْهُ مَعَ سُكُوتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الصَّرِيحَ أَقْوَى وَلَا يَخْفَى إشْكَالُ ذَلِكَ وَغَرَابَتُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مَعَ كَوْنِهِ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا أَقْوَى مِنْ الْإِجْمَاعِ الصَّرِيحِ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى أَوْ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ فِي الصُّورَتَيْنِ إجْمَاعٌ صَرِيحٌ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ لَا يَزِيدُ عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ
стр. 738
عِنْدَ الْأَصْحَابِ قَالَ وَهَلْ هُوَ إجْمَاعٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (وَفِي تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا خِلَافٌ لَفْظِيٌّ) وَهُوَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْقَوْلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ قِيلَ لَا يُسَمَّى لِاخْتِصَاصِ مُطْلَقِ اسْمِ الْإِجْمَاعِ بِالْقَطْعِيِّ أَيْ الْمَقْطُوعِ فِيهِ بِالْمُوَافَقَةِ وَقِيلَ يُسَمَّى لِشُمُولِ الِاسْمِ لَهُ وَإِنَّمَا يُقَيَّدُ بِالسُّكُوتِيِّ لِانْصِرَافِ الْمُطْلَقِ إلَى غَيْرِهِ (وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا) حَقِيقَةً (تَرَدُّدٌ مَثَارُهُ أَنَّ السُّكُوتَ الْمُجَرَّدَ عَنْ أَمَارَةِ رِضًا وَسُخْطٍ مَعَ بُلُوغِ الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الْمُجْتَهِدِينَ الْوَاقِعَةَ (وَمُضِيِّ مُهْلَةِ النَّظَرِ عَادَةً عَنْ مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ تَكْلِيفِيَّةٍ) قَالَ فِيهَا بَعْضُهُمْ بِحُكْمٍ وَعَلِمَ بِهِ السَّاكِتُونَ وَهُوَ صُورَةُ السُّكُوتِيُّ (هَلْ يَغْلِبُ ظَنُّ الْمُوَافَقَةِ) أَيْ مُوَافَقَةِ السَّاكِتِينَ لِلْقَائِلِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَكُونُ إجْمَاعًا حَقِيقَةً لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ عَلَيْهِ
وَإِنْ نَفَى بَعْضُهُمْ مُطْلَقَ اسْمِ الْإِجْمَاعِ عَنْهُ وَقِيلَ لَا فَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا حَقِيقَةً فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَيُؤْخَذُ تَصْحِيحُ الْأَوَّلِ مِنْ تَصْحِيحِ أَنَّهُ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ مُدْرَكَهُ الْمَذْكُورَ هُوَ مُدْرَكُ ذَاكَ
ــ
[حاشية العطار]
وَهِيَ لَا أَثَرَ لَهَا اهـ. سم (قَوْلُهُ: قَالَ وَهَلْ هُوَ إلَخْ) أَيْ عَلَى الصَّحِيحِ
(قَوْلُهُ: فِيهِ وَجْهَانِ) هُمَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَفِي تَسْمِيَتِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: الْقَوْلُ الثَّانِي إلَخْ) خَصَّ الِاخْتِلَافَ بِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِاخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ وَالْأَوَّلُ يَنْفِي ذَلِكَ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ قَالَ إنَّهُ حُجَّةٌ لَا إجْمَاعٌ) مُرَادُهُ نَفْيُ تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا بِلَا تَقْيِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ أَفْرَادِ الْإِجْمَاعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ إذْ لَا عِلَّةَ لِذَلِكَ إلَّا كَوْنُهُ إجْمَاعًا اهـ سم
(قَوْلُهُ: مُطْلَقُ اسْمِ الْإِجْمَاعِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ اسْمِ الْإِجْمَاعِ الْمُطْلَقِ عِنْدَ التَّقْيِيدِ فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّيِّ فَإِنْ قُيِّدَ بِالسُّكُوتِيِّ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْإِجْمَاعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَالشَّامِلُ لِلسُّكُوتِيِّ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَيَّدَ) أَيْ عَلَى هَذَا وَأَنَّهُ يُسَمَّى (قَوْلُهُ: لِانْصِرَافِ الْمُطْلَقِ إلَخْ) عَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ التَّبَادُرُ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ أَيْ غَالِبًا (قَوْلُهُ: وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا) أَيْ دَاخِلًا فِيمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الْإِجْمَاعِ كَمَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَإِنَّ الِاتِّفَاقَ كَمَا يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ يَكُونُ مَظْنُونًا أَيْ وَعَدَمَهُ كَمَا هُوَ غَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ: عَنْ أَمَارَةِ رِضًا) أَيْ مُوَافَقَةٍ وَالْمُرَادُ بِالسُّخْطِ الْمُخَالَفَةُ (قَوْلُهُ: مَعَ بُلُوغِ الْكُلِّ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ وَقَوْلُهُ الْوَاقِعَةُ بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى الْإِسْنَادُ إلَى الْمَعْنَى وَسَوَاءٌ كَانَ الْبُلُوغُ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا بِأَنْ بَلَغَ فِي الشُّهْرَةِ مَا يَغْلِبُ احْتِمَالُ بُلُوغِ الْكُلِّ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عَنْ الْأُسْتَاذِ قَالَ وَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ) مَعْمُولٌ لِلسُّكُوتِ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِالصِّفَةِ (قَوْلُهُ: اجْتِهَادِيَّةٍ تَكْلِيفِيَّةٍ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الِاجْتِهَادَ يَكُونُ فِي غَيْرِ مَسَائِلِ التَّكْلِيفِ فَإِنْ أَرَادَ الِاجْتِهَادَ مُطْلَقًا فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ اجْتِهَادَ أَئِمَّةِ الشَّرْعِ فَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا تَكْلِيفًا
(قَوْلُهُ: قَالَ فِيهَا إلَخْ) كَالتَّوْضِيحِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَعَ بُلُوغِ الْكُلِّ وَإِشَارَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا كَمَا يَأْتِي لَهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ السُّكُوتُ الْمُقَيَّدُ بِالْقُيُودِ صُورَةٌ إلَخْ وَرَاعَى الْمُبْتَدَأَ فَذَكَرَ الضَّمِيرَ وَإِلَّا فَيَصِحُّ التَّأْنِيثُ مُرَاعَاةً لِلْخَبَرِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَفَى بَعْضُهُمْ إلَخْ) وَهُوَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ أَيْ فَلَا يَمْنَعُ هَذَا النَّفْيُ صِدْقَ التَّعْرِيفِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّ التَّعْرِيفَ غَيْرُ مَانِعٍ لِشُمُولِهِ لِمَا لَا يُسَمَّى إجْمَاعًا.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ التَّعْرِيفَ مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا) أَيْ لَا يَغْلِبُ ظَنُّ الْمُوَافَقَةِ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ فَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا حَقِيقَةً فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ تَصْحِيحُ الْأَوَّلِ) مُفَادُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ غَيْرُ كَوْنِهِ حُجَّةً مَعَ أَنَّهُ هُوَ هُوَ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مُدْرِكَهُ الْمَذْكُورُ) أَيْ بِقَوْلِهِ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فِي
стр. 739
وَفِي هَذَا الْكَلَامِ تَحْقِيقٌ لِحَاصِلِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُصَدَّرِ بِهَا الْمَسْأَلَةُ وَبَيَانٌ لِمُدْرِكِهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ تَحْرِيرٌ لِمَا اتَّفَقَ مِنْهَا وَمَا اخْتَلَفَ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ وَظِيفَةِ الشَّارِحِ زَادَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ مَعَ بُلُوغِ الْكُلِّ وَمَا عَطَفَ عَلَيْهِ عَنْ قَوْلِهِ تَكْلِيفِيَّةٍ لَسَلِمَ مِنْ الرَّكَاكَةِ وَلَوْ قَالَ هَلْ يُظَنُّ مِنْهُ الْمُوَافَقَةُ بَدَلَ مَا قَالَهُ لَسَلِمَ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي تَأْوِيلِهِ بِأَنْ يُقَالَ هَلْ يَغْلِبُ احْتِمَالُ الْمُوَافَقَةِ أَيْ يَجْعَلُهُ غَالِبًا أَيْ رَاجِحًا عَلَى مُقَابِلِهِ وَاحْتُرِزَ عَنْ السُّكُوتِ الْمُقْتَرِنِ بِإِمَارَةِ الرِّضَا فَإِنَّهُ إجْمَاعٌ قَطْعًا، أَوْ السُّخْطِ فَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ قَطْعًا وَعَمَّا إذَا لَمْ تَبْلُغْ الْمَسْأَلَةُ كُلَّ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ مُهْلَةِ النَّظَرِ فِيهَا عَادَةً فَلَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَعَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ
ــ
[حاشية العطار]
مِثْلِ ذَلِكَ هُوَ مُدْرِكٌ ذَاكَ أَيْ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ يَعْنِي الْمُدْرِكَ الَّذِي سَبَقَ بَيَانُهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْعُلَمَاءِ إلَخْ فَالْمُدْرَكُ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُ الْعَادَةِ تُفِيدُ ظَنَّ مُوَافَقَةِ السَّاكِتِ لِلْقَائِلِ (قَوْلُهُ: وَفِي هَذَا الْكَلَامِ تَحْقِيقٌ إلَخْ) الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا إلَخْ وَبَيَانُ ذَلِكَ التَّحْقِيقِ أَنَّ مُفَادَ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ قِيلَ إنَّهُ إجْمَاعٌ حَقِيقَةً فَيَكُونُ حُجَّةً وَهُوَ حَاصِلُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَقِيلَ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ حَقِيقَةً فَلَا يَكُونُ حُجَّةً وَهُوَ حَاصِلُ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَبَيَانٌ لِمُدْرَكِهِ فَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مَثَارُهُ إلَخْ فَمُدْرَكُ حَاصِلِ الْقَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَنَّ السُّكُوتَ الْمَذْكُورَ يَغْلِبُ ظَنَّ الْمُوَافَقَةِ وَمُدْرَكُ الْأَوَّلِ أَنَّ السُّكُوتَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: لِمَا اتَّفَقَ مِنْهُمَا) وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَقَوْلُهُ وَمَا اخْتَلَفَ أَيْ وَهُمَا الْقَوْلَانِ مَعَ غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ أُخِّرَ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ عَنْ رَكَاكَةٍ أَيْضًا لِتَكَرُّرِ لَفْظِ عَنْ بِدُونِ فَصْلٍ طَوِيلٍ نَعَمْ لَوْ عَبَّرَ بِلَفْظٍ فِي بَدَلٍ عَنْ الثَّانِيَةِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ التَّقْدِيمِ لَسَلِمَ مِنْ الرَّكَاكَةِ مُطْلَقًا اهـ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الرَّكَاكَةِ) الْحَاصِلَةِ بِالْفِعْلِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ بِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ قَوْلَهُ عَنْ مِثْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالسُّكُوتِ وَقَوْلُهُ مَعَ بُلُوغِ إلَخْ فَاصِلٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ وَرُدَّ بِأَنَّ مَعَ أَيْضًا مَعْمُولَةٌ لَهُ عَلَى أَنَّهَا ظَرْفٌ لَغْوٌ فَلَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّكَاكَةَ مِنْ حَيْثُ تَأْخِيرُ الْأَهَمِّ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حَالٌّ (قَوْلُهُ: لَسَلِمَ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي تَأْوِيلِهِ) بِأَنْ يُرَادَ بِالظَّنِّ الِاحْتِمَالُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الرَّاجِحِيَّةِ كَمَا هُوَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ أَنَّ أَصْلَ الظِّلِّ غَيْرُ كَافٍ فَضْلًا عَنْ
стр. 740
بِأَنْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً أَوْ لَمْ تَكُنْ تَكْلِيفِيَّةً نَحْوَ: عَمَّارٌ أَفْضَلُ مِنْ حُذَيْفَةَ أَوْ الْعَكْسُ فَالسُّكُوتُ عَلَى الْقَوْلِ فِي الْأُولَى بِخِلَافِ الْمَعْلُومِ فِيهَا وَعَلَى مَا قِيلَ فِي الثَّانِيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ وَإِنَّمَا فُضِّلَ السُّكُوتِيُّ بِأَمَّا عَنْ الْمَعْطُوفَاتِ بِالْوَاوِ لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً وَإِجْمَاعًا وَأَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ
(وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا لَمْ يَنْتَشِرْ) مِمَّا قِيلَ بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْكُلَّ وَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِ مُخَالِفٌ قِيلَ إنَّهُ حُجَّةٌ لِعَدَمِ ظُهُورِ خِلَافٍ فِيهِ وَقَالَ الْأَكْثَرُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُ الْقَائِلِ خَاضَ فِيهِ وَلَوْ خَاضَ فِيهِ لَقَالَ بِخِلَافِ قَوْلِ ذَلِكَ الْقَائِلِ وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ إنَّهُ حُجَّةٌ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خَوْضِ غَيْرِ الْقَائِلِ فِيهِ وَيَكُونُ بِالْمُوَافَقَةِ لِانْتِفَاءِ ظُهُورِ الْمُخَالَفَةِ بِخِلَافِ مَا لَمْ تَعُمَّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيهِ وَلَمْ يَزِدْ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحَيْهِ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فَيَكُونُ مُرَادُهُ هُنَا الْخِلَافَ فِي أَصْلِ الْحُجِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ رِعَايَةٍ لِلتَّفَاصِيلِ السَّابِقَةِ فِي السُّكُوتِيِّ.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعُ (قَدْ يَكُونُ فِي) أَمْرٍ (دُنْيَوِيٍّ) كَتَدْبِيرِ الْجُيُوشِ وَالْحُرُوبِ وَأُمُورِ الرَّعِيَّةِ (وَدِينِيٍّ) كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (وَعَقْلِيٍّ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (عَلَيْهِ) كَحُدُوثِ الْعَالَمِ
ــ
[حاشية العطار]
مُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ مَعَ أَنَّهُ كَافٍ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً) أَيْ مَقْطُوعٌ بِهَا كَالْوَحْدَانِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَالسُّكُوتُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَعْلُومِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَوْلِ (قَوْلُهُ: لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ اتِّكَالًا عَلَى الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ (قَوْلُهُ: لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً وَإِجْمَاعًا) أَيْ وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا أَيْ أَنَّهُ فَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ لِتَعَدُّدِ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِيهِ بِخِلَافِهَا فَإِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَاحِدٌ
(قَوْلُهُ: مِمَّا قِيلَ) أَيْ بِمَا قَالَ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَبْلُغْ الْكُلَّ) تَفْسِيرٌ لِعَدَمِ الِانْتِشَارِ (قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَوْضُوعُ فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ عَدَمُ الِانْتِشَارِ، وَقَدْ يُقَالُ عَبَّرَ بِالِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَجْزُومَ بِهِ عَدَمُ بُلُوغِ الْكُلِّ وَكَوْنُهُ لَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ أَفْرَادِ الْغَيْرِ فَلَا جَزْمَ بِهِ (قَوْلُهُ: فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى) أَيْ مِنْ الْأَفْعَالِ فَمَسُّ الذَّكَرِ هُوَ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ) أَيْ لِعُمُومِ الْبَلْوَى (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ ظُهُورِ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ كَانَ بِالْمُخَالَفَةِ لَظَهَرَتْ.
(قَوْلُهُ: دُنْيَوِيٍّ) أَيْ يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَلَا بُدَّ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ حَتَّى يَدْخُلَهُ الِاجْتِهَادُ، وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى الْمُقَابِلِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ فِيهِ لِعَدَمِ الثَّمَرَةِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَعَقْلِيٍّ) أَيْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ دِينِيٍّ بِمَعْنَى الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ (قَوْلُهُ: كَحُدُوثِ الْعَالَمِ) فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ
стр. 741
وَوَحْدَةِ الصَّانِعِ لِشُمُولِ أَيْ أَمْرِ الْمَأْخُوذِ فِي تَعْرِيفِهِ لِذَلِكَ أَمَّا مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ كَثُبُوتِ الْبَارِي وَالنُّبُوَّةِ فَلَا يُحْتَجُّ فِيهِ بِإِجْمَاعٍ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِجْمَاعِ (إمَامٌ مَعْصُومٌ) وَقَالَ الرَّوَافِضُ يُشْتَرَطُ وَلَا يَخْلُو الزَّمَانُ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ فَقَطْ، وَغَيْرُهُ تَبَعٌ لَهُ.
ــ
[حاشية العطار]
إثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ بِالْإِجْمَاعِ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْإِجْمَاعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى النُّبُوَّةِ وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ وَهُوَ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّا نُثْبِتُ بِإِجْمَاعٍ حُدُوثَ الْأَجْسَامِ، وَالْعِلْمُ بِوُجُودِ الصَّانِعِ يُمْكِنُ اكْتِسَابُهُ بِحُدُوثِ الْأَعْرَاضِ فَلَا دَوْرَ
قَالَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَالْحَقُّ أَنَّ إثْبَاتَ الصَّانِعِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ حُدُوثِ شَيْءٍ مَا بِمَعْنَى مَسْبُوقِيَّتِهِ بِالْعَدَمِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ مَشَايِخِ أَهْلِ السُّنَّةِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْعَالَمِ مُمْكِنًا إذْ لَا بُدَّ لِلْمُمْكِنِ لِاسْتِوَاءِ طَرَفَيْ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ مِنْ مُرَجِّحٍ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَلَوْ بِالْآخِرَةِ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ أَوْ التَّسَلْسُلُ كَمَا هُوَ الْمُقَرَّرُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْحِكْمَةِ وَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ إثْبَاتُ الصَّانِعِ بِإِمْكَانِ الْعَالَمِ، ثُمَّ نَعْلَمُ حَقِيقَةَ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ الْإِجْمَاعَ، ثُمَّ حُدُوثَ الْعَالَمِ، وَكَذَا يُمْكِنُنَا إثْبَاتُ وَحْدَةِ الصَّانِعِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَوَقِّفِ حُجِّيَّتُهُ عَلَى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ لَا عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ قَالَ وَالدَّلِيلُ فِي الصُّورَتَيْنِ الْعَمَلُ لِثُبُوتِهِمَا بِهِ قَبْلَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً إذْ ذَاكَ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ.
وَهُوَ كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ وَالْمَتَانَةِ لَا مَا قَرَّرَهُ هُنَا الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ سم (قَوْلُهُ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ) لِأَنَّ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى بَعْثَةِ الرُّسُلِ وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْبَارِي فَلَا يَصِحُّ إثْبَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وَفِي النُّبُوَّةِ ظَاهِرٌ إذْ الْإِجْمَاعُ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَخْلُو الزَّمَانُ عَنْهُ) أَيْ لَا يَخْلُو زَمَانُ التَّكْلِيفِ عَنْ إمَامٍ مَعْصُومٍ؛ لِأَنَّهُ لُطْفٌ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ عِنْدَهُمْ وَالْإِجْمَاعُ لِكَوْنِهِ رَأْيُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَالْحُجَّةُ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ لَا الْإِجْمَاعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَوْسُومِ الْمُنْقِذُ مِنْ الضَّلَالِ حِينَ تَعَرَّضَ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ أَنَّهُ لَا حَاصِلَ عِنْدَهُمْ وَلَا طَائِلَ لِكَلَامِهِمْ، وَلَوْلَا سُوءُ نُصْرَةِ الصَّدِيقِ الْجَاهِلِ لَمَا انْتَهَتْ تِلْكَ الْبِدْعَةُ مَعَ ضَعْفِهَا إلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ لَكِنَّ شِدَّةَ التَّعَصُّبِ دَعَا الذَّابِّينَ عَنْ الْحَقِّ إلَى تَطْوِيلِ النِّزَاعِ مَعَهُمْ فِي مُقَدِّمَاتِ كَلَامِهِمْ وَإِلَى مُجَاهَدَتِهِمْ فِي كُلِّ مَا نَطَقُوا بِهِ فَجَاحَدُوهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ الْحَاجَةَ إلَى التَّعْلِيمِ وَإِلَى الْمُعَلِّمِ وَضَعُفَ قَوْلُ الْمُنْكَرِينَ فِي مُقَابَلَتِهِ، اعْتَبَرَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قُوَّةِ مَذْهَبِهِمْ وَضَعْفِ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ لَهُ، وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ ذَلِكَ الضَّعْفَ نَاصِرٌ الْحَقَّ وَجَهْلٌ بِطَرِيقِهِ، بَلْ الصَّوَابُ الِاعْتِرَافُ بِالْحَاجَةِ إلَى الْمُعَلِّمِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُعَلِّمُ مَعْصُومًا وَلَكِنَّ مُعَلِّمَنَا الْمَعْصُومَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإِذَا قَالُوا هُوَ مَيِّتٌ فَنَقُولُ وَمُعَلِّمُكُمْ غَائِبٌ فَإِذَا قَالُوا وَمُعَلِّمُنَا قَدْ عَلَّمَ الدُّعَاةَ وَبَثَّهُمْ فِي الْبِلَادِ وَأَكْمَلَ التَّعْلِيمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَبَعْدَ كَمَالِ التَّعْلِيمِ لَا يَضُرُّ مَوْتُ الْمُعَلِّمِ كَمَا لَا تَضُرُّ غَيْبَتُهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ إنَّهُ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ الشِّفَاءِ الْمُنْجِي مِنْ ظُلُمَاتِ الْآرَاءِ شَيْءٌ بَلْ هُمْ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْ إقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَى تَعْيِينِ الْإِمَامِ طَالَمَا جَارَيْنَاهُمْ فَصَدَّقْنَاهُمْ فِي الْحَاجَةِ إلَى التَّعْلِيمِ وَإِلَى الْمُعَلِّمِ الْمَعْصُومِ وَأَنَّهُ الَّذِي عَيَّنُوهُ، ثُمَّ سَأَلْنَاهُمْ عَنْ الْعِلْمِ الَّذِي تَعَلَّمُوهُ مِنْهُ وَعَرَضْنَا عَلَيْهِمْ إشْكَالَاتٍ فَلَمْ يَفْهَمُوهَا فَضْلًا عَنْ الْقِيَامِ بِحَلِّهَا فَلَمَّا عَجَزُوا أَحَالُوا عَنْ الْإِمَامِ الْغَائِبِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السَّفَرِ إلَيْهِ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ ضَيَّعُوا عُمُرَهُمْ فِي طَلَبِ الْمُعَلِّمِ وَفِي التَّبَجُّحِ بِالظَّفْرِ بِهِ وَلَنْ يَتَعَلَّمُوا مِنْهُ شَيْئًا أَصْلًا كَالْمُضَمَّخِ بِالنَّجَاسَةِ يَتْعَبُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ حَتَّى إذَا وَجَدَهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا عَنْ عِلْمِهِمْ وَكَانَ حَاصِلُ مَا يَذْكُرُهُ شَيْئًا مِنْ رَكِيكِ فَلْسَفَةِ فِيثَاغُورْسَ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ قُدَمَاءِ الْأَوَائِلِ وَمَذْهَبُهُ أَرَكُّ مَذَاهِبِ الْفَلَاسِفَةِ وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ أرسطاطاليس بَلْ اسْتَرَكَّ كَلَامَهُ وَأَسْتَرَ ذُلَّهُ وَهُوَ الْمَحْكِيُّ فِي كِتَابِ إخْوَانِ الصَّفَا وَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ حَشْوُ الْفَلْسَفَةِ.
стр. 742
(وَلَا بُدَّ لَهُ) أَيْ لِلْإِجْمَاعِ (مِنْ مُسْتَنَدٍ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِقَيْدِ الِاجْتِهَادِ) الْمَأْخُوذِ فِي تَعْرِيفِهِ (مَعْنًى وَهُوَ الصَّحِيحُ) فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي الدِّينِ بِلَا مُسْتَنَدٍ خَطَأٌ وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ بِأَنْ يُلْهَمُوا الِاتِّفَاقَ عَلَى صَوَابٍ وَادَّعَى قَائِلُهُ وُقُوعَ صُوَرٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مُعْتَرِضًا بِهِ عَلَى الْآمِدِيِّ فِي قَوْلِهِ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ دُونَ الْوُقُوعِ.
(مَسْأَلَةٌ الصَّحِيحُ إمْكَانُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ وَقِيلَ إنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَادَةً
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ إلَخْ) اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّنَدُ وَاجِبًا فِي الْإِجْمَاعِ لَكَانَ هُوَ الْحُجَّةُ فَلَا يَكُونُ لِلْإِجْمَاعِ فَائِدَةٌ حِينَئِذٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةٌ وَهِيَ كَشْفُهُ عَنْ وُجُودِ دَلِيلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى مَعْرِفَتِهِ وَالْبَحْثِ عَنْ كَيْفِيَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَدْلُولِ وَأَيْضًا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ وَسَنَدُهُ دَلِيلَيْنِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَيَكُونُ مِنْ تَعَاضُدِ الْأَدِلَّةِ وَفِي التَّلْوِيحِ فَائِدَةُ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ وُجُودِ السَّنَدِ سُقُوطُ الْبَحْثِ وَصَرْفُ الْمُخَالَفَةِ وَصَيْرُورَةُ الْحُكْمِ قَطْعِيًّا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي السَّنَدِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا وَأَنَّهُ وَاقِعٌ كَالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ قِيَاسًا عَلَى إمَامَتِهِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى قِيلَ رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَمْرِ دِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِأَمْرِ دُنْيَانَا وَذَهَبَ الشِّيعَةُ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا جَوَازُ كَوْنِهِ خَبَرُ وَاحِدٍ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يُلْهَمُوا الِاتِّفَاقَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا يَرْجِعُ لِلِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ مِنْ الْمُسْتَنَدَاتِ فَإِنْ أُرِيدَ مُسْتَنَدٌ ظَاهِرٌ تُفْصِحُ عَنْهُ الْعِبَارَةُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ وُجُودَ مَعْنًى تَقْصُرُ عَنْهُ عَادَةُ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا.
[مَسْأَلَةٌ الصَّحِيحُ إمْكَانُ الْإِجْمَاعِ]
(قَوْلُهُ: الصَّحِيحُ إمْكَانُهُ إلَخْ) مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهِ وَبَيَانِهِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَهُ فَبَيِّنٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ مُمْكِنٌ وَالْمُرَادُ إمْكَانُهُ عَادَةً بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ، وَقِيلَ إنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَادَةً وَمَا ذُكِرَ هُنَا يُعْلَمُ بَعْضُهُ مِنْ مَوَاضِعَ فِي كَلَامِهِ فَذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ وَإِنَّهُ قَطْعِيٌّ وَأَيْضًا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ هُنَا غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَادَةً) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ ذَهَبَ طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ إلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ وَاشْتَدَّ كَلَامُ الْقَاضِي ﵁ وَنَكِيرُهُ عَلَى هَؤُلَاءِ وَتَعَدَّى حَدَّ الْإِنْصَافِ قَلِيلًا وَنَحْنُ نَسْلُكُ مَسْلَكًا فِي اسْتِيعَابِ مَا لِكُلِّ فَرِيقٍ حَتَّى إذَا لَاحَتْ نِهَايَةُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَضَحَ مِنْهَا دَرْكُ الْحَقِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَمَّا الَّذِينَ مَنَعُوا تَصَوُّرَ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا قَدْ اتَّسَعَتْ خُطَّةُ الْإِسْلَامِ وَرَفَعْتَهَا وَعُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ مُتَبَاعِدُونَ فِي الْأَمْصَارِ وَمُعْظَمُ الْبِلَادِ الْمُتَبَايِنَةِ لَا تَتَوَاصَلُ الْأَخْبَارُ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَتَدَرَّجُ الْمُنْدَرِجُ مِنْ طَرَفٍ إلَى طَرَفٍ بِسَفَرَاتٍ وَتَرَبُّصَاتٍ وَلَا يُنْفَقُ انْتِهَاضُ رُفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَمُدَّتُهَا مُدَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ رَفْعُ مَسْأَلَةٍ إلَى جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْعَالَمِ، ثُمَّ كَيْفَ يُفْرَضُ اتِّفَاقُ آرَائِهِمْ فِيهَا مَعَ تَفَاوُتِ الْفِطَنِ وَالْقَرَائِحِ وَتَبَايُنِ الْمَذَاهِبِ وَالْمَطَالِبِ وَأَخْذِ كُلِّ جِيلٍ صَوْبًا فِي أَسَالِيبِ الظُّنُونِ، فَتَصْوِيرُ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْحُكْمِ الْمَظْنُونِ بِمَثَابَةِ تَصْوِيرِ اجْتِمَاعِ الْعَالَمِينَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمٍ عَلَى قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ وَأَكْلِ مَأْكُولٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي اطِّرَادِ الْعَادَةِ نَعَمْ إنْ انْخَرَقَتْ لِنَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ عَلَى رَأْيِ مَنْ يُثْبِتُ الْكَرَامَاتِ وَبِالْجُمْلَةِ لَا يُتَصَوَّرُ الِاجْتِمَاعُ مَعَ اطِّرَادِ الْعَادَةِ فَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ زَادُوا إبْهَامًا آخَرَ فَقَالُوا لَوْ فُرِضَ الْإِجْمَاعُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ النَّقْلُ عَنْهُمْ عَلَى التَّوَاتُرِ وَالْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ لَيْسَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ فَقَدْ أَسْنَدُوا كَلَامَهُمْ إلَى ثَلَاثِ جِهَاتٍ مُتَرَتِّبَةٍ فِي الْعُسْرِ أَوَّلُهَا تَعَذُّرُ عَرْضِ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْكَافَّةِ وَالْأُخْرَى عُسْرُ اتِّفَاقِهِمْ وَالْحُكْمُ مَظْنُونٌ
وَالثَّالِثَةُ تَعَذُّرُ النَّقْلِ عَنْهُمْ تَوَاتُرًا، وَاخْتَتَمُوا هَذَا بِأَنْ قَالُوا لَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى مَذْهَبٍ فَمَا الَّذِي يُؤْمَنُ مِنْ بَقَائِهِ عَلَيْهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ إلَى أَنْ يُطْبَقَ النَّقْلُ طَبْقَ الْأَرْضِ فَهَذِهِ عُيُونُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ قَالَ الْقَاضِي ﵀ مُعْتَرِضًا عَلَيْهِمْ مُتَّبِعًا مَسَالِكَهُمْ نَحْنُ نَرَى إطْبَاقَ جِيلٍ مِنْ الْكُفَّارِ يَرْبُو عَدَدُهُمْ عَلَى عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ يُدْرَكُ بِأَدْنَى فِكْرٍ بُطْلَانُهَا فَإِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ إجْمَاعُ أَهْلِ الدِّينِ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَإِنْ أَرَدْنَا فَرْضَ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ فَنَحْنُ نَعْلَمُ إجْمَاعَ عُلَمَاءِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵁ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْمَسَائِلِ مَعَ تَبَاعُدِ الدِّيَارِ وَتَنَائِي الْمَزَارِ وَانْقِطَاعِ الْأَسْفَارِ فَبَطَلَ مَا زَخْرَفَهُ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي
стр. 743
كَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ، وَقَوْلِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا لَا جَامِعَ لَهُمْ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِ شَهَوَاتِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ بِخِلَافِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إذْ يَجْمَعُهُمْ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ) بَعْدَ إمْكَانِهِ (حُجَّةٌ) فِي الشَّرْعِ قَالَ تَعَالَى
ــ
[حاشية العطار]
إحْضَارُ سَائِرِ الْمَمَالِيكِ بِجَوَازِمِ أَوَامِرِهِ الْمُنْفَذَةِ إلَى مُلُوكِ الْأَطْرَافِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْمَعَ مِثْلُ هَذَا الْمَلِكِ الْعَظِيمِ عُلَمَاءَ الْعَالَمِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يُلْقِيَ عَلَيْهِمْ مَا عَنَّ لَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ وَيَقِفَ عَلَى وِفَاقِهِمْ وَخِلَافِهِمْ فَهَذَا وَجْهٌ فِي الصُّورَتَيْنِ لَا يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُهُ عَلَى فَرْضِ خَرْقِ الْعَادَةِ فَهَذَا مُنْتَهَى كَلَامِهِ ﵀، وَنَحْنُ نُفَصِّلُ الْآنَ الْقَوْلَ مِنْ ذَلِكَ قَائِلِينَ لَا يَمْتَنِعُ الْإِجْمَاعُ عِنْدَ ظُهُورِ دَوَاعٍ مُسْتَحِثَّةٍ عَلَيْهِ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كُلُّ أَمْرٍ كُلِّيٍّ يَتَعَلَّقُ بِقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ فِي الْمِلَلِ فَإِنَّ عَلَى الْقُلُوبِ رَوَابِطَ فِي أَمْثَالِهَا حَتَّى كَانَ نَوَاصِي الْعُقَلَاءِ تَحْتَ رِبْقَةِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الدِّينِيَّةِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ الْقَاضِي ﵀ فِي إجْمَاعِ جَمْعِ الْكُفَّارِ عَلَى أَدْيَانِهِمْ وَمِنْهُ اجْتِمَاعُ اتِّبَاعِ الْإِمَامِ عَلَى مَذْهَبِهِ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رَأَّسَهُ الزَّمَانُ تُصْرَفُ إلَيْهِ قُلُوبُ الْأَتْبَاعِ وَبِذَلِكَ يَتَّصِلُ النِّظَامُ وَهُوَ مُتَبَيِّنٌ فِي الْخَفِيِّ وَالْجَلِيِّ وَمَا صَوَّرَهُ الْقَاضِي ﵀ مِنْ إحْضَارِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ مُنْكَرًا فَقَدْ تَكُونُ أَطْرَافُ الْمَمَالِكِ فِي حَقِّ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ كَأَنَّهَا بِمَرْأًى مِنْهُ وَمُسْتَمَعٍ فَلَا يَبْعُدُ مَا قَالَهُ عَلَى مَا صَوَّرَهُ.
وَأَمَّا فَرْضُ اجْتِمَاعٍ عَلَى حُكْمٍ مَظْنُونٍ فِي مَسْأَلَةٍ فَرْدَةٍ لَيْسَتْ مِنْ كُلِّيَّاتِ الدِّينِ مَعَ تَفَرُّقِ الْعُلَمَاءِ وَاسْتِقْرَارِهِمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ وَانْتِفَاءِ دَاعِيَةٍ تَقْتَضِي جَمْعَهُمْ فَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ مَعَ اطِّرَادِ الْعَادَةِ أَفَادَ أَنَّ مَنْ أَطْلَقَ التَّصَوُّرَ وَعَدَمَ التَّصَوُّرِ فَهُوَ زَالٌّ وَالْكَلَامُ الْمُفَصَّلُ إذَا أُطْلِقَ نَفْيُهُ أَوْ إثْبَاتُهُ كَانَ خَلَفًا وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ تَصْوِيرَ الْإِجْمَاعِ وُقُوعًا فِي زَمَانِنَا هَذَا فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ الْمَظْنُونَةِ مَعَ انْتِفَاءِ الدَّوَاعِي الْجَامِعَةِ هَيِّنٌ فَلَيْسَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ
نَعَمْ مَسَائِلُ الْإِجْمَاعِ جَرَتْ مِنْ صَحْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَكْرَمِينَ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ أَوْ مُتَقَارِبُونَ فَهَذَا مُنْتَهَى الْغَرَضِ فِي تَصْوِيرِ الْإِجْمَاعِ، هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ سُقْنَاهُ بِعِبَارَتِهِ، وَلَمْ نُبَالِ بِالتَّطْوِيلِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ رُكْنٌ عَظِيمٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ، وَقَدْ كَشَفَ الْإِمَامُ ﵀ عَنْهُ الْغِطَاءَ وَشَفَى بِشَرْحِهِ الصُّدُورَ بِعِبَارَاتِهِ الرَّشِيقَةِ الْجَامِعَةِ لِلْمَعَانِي الْأَنِيقَةِ. (قَوْلُهُ: كَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَكْلِ إلَخْ) تَنْظِيرٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ (قَوْلُهُ: فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ) يَرْجِعُ لِلِاثْنَيْنِ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا جَامِعَ لَهُمْ عَلَيْهِ) أَيْ لَا مُقْتَضَى لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ فَهُوَ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ بَعْدَ إمْكَانِهِ حُجَّةٌ) أَشَارَ إلَى أَنَّ
стр. 744
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] الْآيَةَ تَوَعَّدَ فِيهَا عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِمْ وَهُوَ قَوْلُهُمْ أَوْ فِعْلُهُمْ فَيَكُونُ حُجَّةً وَقِيلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] اقْتَصَرَ عَلَى
ــ
[حاشية العطار]
كَوْنَهُ حُجَّةً مُفَرَّعٌ عَلَى إمْكَانِهِ وَفِيهِ أَنَّ الْحُجَّةَ فَرْعُ الْوُقُوعِ لَا الْإِمْكَانِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِمْكَانُ الْوُقُوعِيُّ (قَوْلُهُ: مَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ الْآيَةَ) وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ تَعَالَى جَمَعَ بَيْنَ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ ﵊ وَهِيَ مُخَالَفَتُهُ الْحَرَامُ وَبَيْنَ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْوَعِيدِ فَتَكُونُ مُتَابَعَةُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مُحَرَّمَةً وَإِلَّا لَمَا جَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُشَاقَّةِ الْمُحَرَّمَةِ فِي تَرَتُّبِ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ لِامْتِنَاعِ تَرَتُّبِهِ عَلَى الْمُبَاحِ، وَمُتَابَعَةُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مُتَابَعَةُ قَوْلٍ أَوْ فَتْوَى تُخَالِفُ قَوْلَهُمْ وَفَتْوَاهُمْ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِمْ أَيْ وَمُتَابَعَةُ قَوْلِهِمْ وَفَتْوَاهُمْ إذْ لَا مَخْرَجَ عَنْ الْقِسْمَيْنِ فَإِذَا حُرِّمَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ وَجَبَ الْآخَرُ وَهُوَ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِمْ وَهُوَ الْمَعْنَى بِالْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبِيلَهُمْ وَغَيْرَهُ نَقِيضَانِ فَإِذَا تُرِكَا يَلْزَمُ ارْتِفَاعُهُمَا فَلَا خُرُوجَ عَنْهُمَا أَفَادَهُ الْجَارْبُرْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ
قَالَ الْبُدَخْشِيُّ، وَقَدْ كَانَ بُرْهَةً يَخْتَلِجُ فِي ذِهْنِي أَنَّ الْمُشَاقَّةَ وَإِنْ اسْتَقَلَّتْ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حُرْمَةُ مُخَالَفَةِ الْمُؤْمِنِينَ مَشْرُوطَةً بِاجْتِمَاعِهَا مَعَ الْمُشَاقَّةِ، فَتَرَتُّبُ الْوَعِيدِ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُخَالَفَةَ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ إلَّا بِالضَّمِّ إلَى الْمُشَاقَّةِ لَا مِنْ حَيْثُ الْعَكْسُ اهـ.
وَفِي الْبُرْهَانِ أَنَّ مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] الْآيَةَ فَإِذَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حُكْمٍ فِي قَضِيَّةٍ فَمَنْ خَالَفَهُمْ فَقَدْ شَاقَّهُمْ وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَتَعَرَّضَ لِلْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي سِيَاقِ الْخِطَابِ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْمُعْتَرِضُونَ، وَظَنِّي أَنَّ مُعْظَمَ تِلْكَ الِاعْتِرَاضَاتِ الْفَاسِدَةِ تَكَلَّفَهَا الْمُصَنِّفُونَ حَتَّى تَنْتَظِمَ لَهُمْ أَجْوِبَةٌ عَنْهَا وَلَسْتُ لِأَمْثَالِهَا بَلْ أُوَجِّهُ سُؤَالًا وَاحِدًا يُسْقِطُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ.
فَأَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ الرَّبَّ أَرَادَ بِذَلِكَ مَنْ أَرَادَ الْكُفْرَ وَتَكْذِيبَ الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَالْحَيْدَ عَنْ سُنَنِ الْحَقِّ وَتَرْتِيبَ الْمَعْنَى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الْمُقْتَدِينَ بِهِ ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] فَإِنْ سُلِّمَ ظُهُورُ ذَلِكَ فَذَلِكَ وَإِلَّا هُوَ وَجْهٌ فِي التَّأْوِيلِ لَائِحٌ وَمَسْلَكٌ لِلْإِمْكَانِ وَاضِحٌ فَلَا يَبْقَى لِلْمُتَمَسِّكِ بِالْآيَةِ إلَّا ظَاهِرٌ مُعْتَرِضٌ لِلتَّأْوِيلِ وَلَا يُسَوَّغُ التَّمَسُّكُ بِالْمُحْتَمَلَاتِ فِي مُطَالَبِ الْقَطْعِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُعْتَرِضِ إلَّا أَنْ يُظْهِرَ وَجْهًا فِي الْإِمْكَانِ وَلَا يَقُومُ لِلْمُحَصِّلِ عَنْ هَذَا جَوَابٌ إنْ أَنْصَفَ، وَإِنْ تَمَسَّك مُثْبِتُو الْإِجْمَاعِ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ»
وَقَدْ رَوَى الرُّوَاةُ هَذَا الْمَعْنَى بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلَسْت أَرَى لِلتَّمَسُّكِ بِذَلِكَ وَجْهًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَلَا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهَا فِي الْقَطْعِيَّاتِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا مِرَارًا وَلَا حَاصِلَ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَلَقَّاةٌ بِالْقَبُولِ فَإِنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ ذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَقُصَارَاهُ إثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ، عَلَى أَنَّهُ لَا تَسْتَتِبُّ هَذِهِ الدَّعْوَى أَيْضًا مَعَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ الْأَحَادِيثُ مُعَرَّضَةٌ لِتَأْوِيلَاتٍ قَرِيبَةِ الْمَأْخَذِ مُمْكِنَةٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» إشَارَةٌ مُشْعِرَةٌ بِالْغَيْبِ فِي مُسْتَقْبِلِ الزَّمَانِ مُؤْذِنَةٌ بِأَنَّ أُمَّتَهُ لَا تَرْتَدُّ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ
стр. 745
الرَّدِّ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قُلْنَا وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى حُجِّيَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ) بَعْدَ حُجِّيَّتِهِ (قَطْعِيٌّ) فِيهَا
ــ
[حاشية العطار]
الْحَدِيثُ مَقْطُوعًا بِهِ نَقْلًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ نَصًّا فَلَا وَجْهَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي مَظَانِّ الْقَطْعِ اهـ.
وَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَطْلَبِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] الْآيَةَ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ كَمَا فِي اللُّغَةِ وَحَيْثُ عَدَّلَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَجَبَ عِصْمَتُهُمْ عَنْ الْخَطَأِ قَوْلًا وَفِعْلًا كَبِيرَةً وَلَا صَغِيرَةً.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ عَدَالَةِ الْجَمِيعِ وَأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ كَبِيرَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَصْدُرَ عَنْهُمْ الْخَطَأُ الْمُؤَدِّي اجْتِهَادُهُمْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِصْيَانٍ لَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَلَا مِنْ الصَّغَائِرِ وَلِذَا يَكُونُ الْمُجْتَهِدُ مَأْجُورًا وَإِنْ أَخْطَأَ.
وَأَمَّا مَا قِيلَ إنَّ تَعْدِيلَ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُمْ لَا يُنَافِي صُدُورَ الصَّغِيرَةِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعُهُمْ مِنْ جُمْلَةِ صَغَائِرِهِمْ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْإِصْرَارَ مُنَافٍ لِلْعَدَالَةِ وَالْمُجْمِعُونَ مُصِرُّونَ، وَكَذَا مَا قِيلَ إنَّ الْآيَةَ تُفِيدُ عَدَالَتَهُمْ وَقْتَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُعْتَبَرُ حَالَ الْأَدَاءِ لَا حَالَ التَّحَمُّلِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَلَا تَجِبُ عِصْمَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَكُونَ اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَهُمْ حِينَئِذٍ عَلَى غَيْرِهِمْ مَعَ أَنَّ الْآيَةَ سَبَقَتْ لِتَمْدَحَهُمْ فَإِنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ يَكُونُونَ كَذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ ارْتِكَابِ الْخَطَأِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَجَابَ بِهِ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ بِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ صَيْرُورَتُهُمْ عُدُولًا فِي الْآخِرَةِ لَقِيلَ سَنَجْعَلُكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْوَاجِبَ الْوُقُوعِ فِي حُكْمِ الْوَاقِعِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُحَقِّقُ الْعُبْرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً لَمَا أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ الْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الْعَادَةَ تَحْكُمُ قَطْعًا بِأَنَّ جَمِيعَهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى الْقَطْعِيِّ فِي شَرْعِيٍّ بِمُجَرَّدِ التَّوَاطُؤِ أَوْ ظَنٍّ فَهُنَاكَ قَاطِعٌ بَلَغَهُمْ فَالْمُخَالِفُ مُخْطِئٌ فَالْإِجْمَاعُ حَقٌّ وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَكُمْ أَجْمَعُوا عَلَى تَخْطِئَةِ الْمُخَالِفِ فَيَكُونُ حُجَّةً فِيهِ مُصَابَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلَّ عَلَى نَصٍّ قَاطِعٍ فِي تَخْطِئَةِ الْمُخَالِفِ فَفِيهِ إثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِنَصٍّ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجْمَاعِ وَهُوَ مُصَادَرَةٌ أَيْضًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ وُجُودُ صُورَةٍ مِنْ الْإِجْمَاعِ يَمْتَنِعُ عَادَةً وُجُودُهَا بِدُونِ ذَلِكَ النَّصِّ سَوَاءٌ قُلْنَا الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ أَمْ لَا، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا إجْمَاعُ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ فَغَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ لِاسْتِنَادِهِ لِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وَتَعَارُضِ أَنْفُسِنَا، وَاشْتِبَاهُ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ فِيهِ كَثِيرٌ وَمِثْلُهُ إجْمَاعُ الْيَهُودِ عَلَى أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُوسَى ﵊ وَالنَّصَارَى عَلَى أَنَّ عِيسَى قَدْ قُتِلَ؛ لِأَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ اتِّبَاعٍ لِآحَادِ الْأَوَائِلِ وَلَيْسُوا عَلَى ثَبْتٍ مِنْ ذَلِكَ فَالْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِوُجُودِ خَطَئِهِمْ
أَمَّا الْيَهُودُ فَلِأَنَّ بُخْتَنَصَّرَ قَدْ أَفْنَاهُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَّا نَزْرٌ قَلِيلٌ لَا يُعْتَدُّ بِنَقْلِهِمْ وَلَا إجْمَاعِهِمْ وَدَفَنَ التَّوْرَاةَ بِالْقُدْسِ وَالْمَوْجُودَةُ الْآنَ مِنْ إمْلَاءِ الْعَزِيزِ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَمْرِ الْفِتْنَةِ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَلِأَنَّهُ بَعْدَ رَفْعِ السَّيِّدِ عِيسَى ﵇ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَقَعَ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ حَتَّى تَفَرَّقَ الْإِنْجِيلُ إلَى أَرْبَعَةٍ وَهِيَ فِي نُصُوصِهَا مُتَنَاقِضَةٌ، وَلَمْ يَزَلْ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي أَمْرِ الدِّيَانَاتِ وَاقِعًا حَتَّى الْآنَ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كُتُبُ التَّوَارِيخِ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ نَقْلُ الثِّقَةِ عَنْ الثِّقَةِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ الِاتِّصَالِ خَصَّ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ سَائِرِ الْمِلَلِ.
وَأَمَّا مَعَ الْإِرْسَالِ وَالْإِعْضَالِ فَيُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْيَهُودِ لَكِنْ لَا يَقْرُبُونَ فِيهِ مِنْ مُوسَى ﵇ قُرْبَنَا مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ يَقِفُونَ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُوسَى أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ عَصْرًا، وَإِنَّمَا يَبْلُغُونَ إلَى شَمْعُونَ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي صِفَةِ هَذَا النَّقْلِ إلَّا تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ فَقَطْ، وَأَمَّا النَّقْلُ بِالطَّرِيقِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى كَذَّابٍ أَوْ مَجْهُولِ الْعَيْنِ فَكَثِيرٌ فِي نَقْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَمَّا أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَلَا يُمْكِنُ الْيَهُودَ أَنْ يَبْلُغُوا إلَى صَاحِبِ نَبِيٍّ أَصْلًا وَلَا إلَى تَابِعٍ لَهُ وَلَا يُمْكِنُ النَّصَارَى أَنْ يَصِلُوا إلَى أَعْلَى مِنْ شَمْعُونَ وَبُولِصَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ إلَخْ) أَيْ فَالرَّدُّ إلَى الْإِجْمَاعِ رَدٌّ إلَى الْكِتَابِ (قَوْلُهُ: قَطْعِيٌّ) أَيْ عَادَةً وَفِي التَّلْوِيحِ ذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا حَتَّى لَوْ أَجْمَعْ الصَّحَابَةُ عَلَى حُكْمٍ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ جَازَ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْقَطْعِيَّ الْمُتَّفِقَ لَا يَجُوزُ
стр. 746
(حَيْثُ اتَّفَقَ الْمُعْتَبَرُونَ) عَلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ كَأَنْ صَرَّحَ كُلٌّ مِنْ الْمُجْمِعِينَ بِالْحُكْمِ الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشِذَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ لِإِحَالَةِ الْعَادَةِ خَطَأَهُمْ جُمْلَةً (لَا حَيْثُ اخْتَلَفُوا) فِي ذَلِكَ (كَالسُّكُوتِيُّ وَمَا نَدَرَ مُخَالِفُهُ) فَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ مُحْتَجٌّ بِهِ ظَنِّيٌّ لِلْخِلَافِ فِيهِ (وَقَالَ الْإِمَامُ) الرَّازِيّ (وَالْآمِدِيُّ) إنَّهُ (ظَنِّيٌّ مُطْلَقًا) لِأَنَّ الْمُجْمِعِينَ عَنْ ظَنٍّ لَا يَسْتَحِيلُ خَطَؤُهُمْ وَالْإِجْمَاعُ عَنْ قَطْعٍ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ
(وَخَرْقُهُ) بِالْمُخَالَفَةِ (حَرَامٌ) لِلتَّوَعُّدِ عَلَيْهِ حَيْثُ تَوَعَّدَ عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ (فَعُلِمَ تَحْرِيمُ إحْدَاثِ) قَوْلٍ (ثَالِثٍ) فِي مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ عَصْرٍ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ (وَ) إحْدَاثِ (التَّفْصِيلِ) بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا أَهْلُ عَصْرٍ (إنْ خَرَقَاهُ) أَيْ إنْ خَرَقَ الثَّالِثُ وَالتَّفْصِيلُ الْإِجْمَاعَ
ــ
[حاشية العطار]
تَبْدِيلُهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ يَجُوزُ تَبْدِيلُهُ كَمَا إذَا أَجْمَعَ الْقَرْنُ الثَّانِي عَلَى حُكْمٍ يُرْوَى فِيهِ خِلَافٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، ثُمَّ أَجْمَعُوا بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ أَجْمَعَ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِجَوَازِ أَنْ تَنْتَهِيَ مُدَّةُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ فَيُوَفِّقُ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ الْإِجْمَاعِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ، وَمَا يُقَالُ إنَّ انْقِطَاعَ الْوَحْيِ يُوجِبُ امْتِنَاعَ النَّسْخِ فَمُخْتَصٌّ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوَحْيِ، وَالْإِجْمَاعُ لَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ اتَّفَقَ إلَخْ) يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَيْثُ مُسْتَعَارَةً لِلزَّمَانِ أَيْ إذَا اتَّفَقَ الْمُعْتَبَرُونَ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِلْمَكَانِ أَيْ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ فِي مَكَان اتَّفَقَ إلَخْ وَيُرَادُ بِالْمَكَانِ الْمَكَانُ الْمَجَازِيُّ وَهُوَ الْمَسْأَلَةُ (قَوْلُهُ: الْمُعْتَبَرُونَ) أَيْ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْبَاحِثِينَ عَنْ الْإِجْمَاعِ الْقَائِلِينَ بِحُجِّيَّتِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ صُدُورُ ذَلِكَ عَنْهُمْ قَطْعًا بِسَمَاعٍ مِنْهُمْ أَوْ نَقْلٍ عَنْهُمْ بِطَرِيقٍ مُفِيدٍ لِلْعِلْمِ كَالتَّوَاتُرِ
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الِاتِّفَاقِ فَلَيْسَ فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: كَأَنْ صَرَّحَ إلَخْ) أَيْ أَوْ يُصَرِّحُ بَعْضٌ وَقَامَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ مِنْ الْبَاقِينَ (قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا (قَوْلُهُ: كَالسُّكُوتِيِّ) أَيْ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَإِلَّا كَانَ كَالصَّرِيحِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: مُحْتَجٌّ بِهِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ إجْمَاعٍ حُجَّةٌ وَلَا عَكْسَ (قَوْلُهُ: لِلْخِلَافِ فِيهِ) أَيْ خِلَافِ الْمُعْتَبَرِينَ (قَوْلُهُ: ظَنِّيٌّ مُطْلَقًا) أَيْ اتَّفَقَ الْمُعْتَبَرُونَ عَلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: لَا يَسْتَحِيلُ) أَيْ عَقْلًا وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً (قَوْلُهُ: وَخَرْقُهُ حَرَامٌ) أَيْ مِنْ الْكَبَائِرِ لِلتَّوَعُّدِ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ شُمُولُ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ مَعَ أَنَّ الظَّنِّيَّاتِ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا لِدَلِيلٍ فَأَمَّا أَنْ يَبْقَى كَلَامُهُ عَلَى عُمُومِهِ وَيُرَادُ أَنَّ خَرْقَهُ لِغَيْرِ دَلِيلٍ حَرَامٌ أَوْ يَخُصُّ بِالْقَطْعِيِّ أَيْ وَخَرْقُ الْقَطْعِيِّ مِنْهُ حَرَامٌ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ فَشَا فِي لِسَانِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ خَارِقَ الْإِجْمَاعِ يَكْفُرُ فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا فَإِنَّ مَنْ يُنْكِرُ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ لَا يَكْفُرُ وَالْقَوْلُ بِالتَّكْفِيرِ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ اهـ.
(قَوْلُهُ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ فِي مَسْأَلَةٍ) وَفَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إحْدَاثِ التَّفْصِيلِ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّ مَحَلَّ الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ مُتَّحِدٌ وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مُتَعَدِّدٌ فَسَقَطَ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَإِحْدَاثُ التَّفْصِيلِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ هَذَا يُغْنِي عَنْهُ مَا قَبْلَهُ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَقُولُ لَمَّا كَانَ الْمُفَصَّلُ مُوَافِقًا لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي شِقٍّ كَانَ جَوَازُهُ مُطْلَقَ مَظِنَّةِ التَّوَهُّمِ الْقَوِيِّ وَاحْتَاجَ الْمُصَنِّفُ إلَى التَّصْرِيحِ دَفْعًا لِذَلِكَ التَّوَهُّمِ اهـ. سم
стр. 747
بِأَنْ خَالَفَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَصْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَخْرِقَاهُ (وَقِيلَ) هُمَا (خَارِقَانِ مُطْلَقًا) أَيْ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ عَلَى قَوْلَيْنِ يَسْتَلْزِمُ الِاتِّفَاقَ عَلَى امْتِنَاعِ الْعُدُولِ عَنْهُمَا وَعَدَمُ التَّفْصِيلِ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ يَسْتَلْزِمُ الِاتِّفَاقَ عَلَى امْتِنَاعِهِ.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الِاسْتِلْزَامِ فِيهِمَا. مِثَالُ الثَّالِثِ الْخَارِقِ مَا حَكَى ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْأَخَ لَا يُسْقِطُ الْجَدَّ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ قِيلَ يَسْقُطُ بِالْجَدِّ وَقِيلَ يُشَارِكُهُ كَأَخٍ فَإِسْقَاطُهُ بِالْأَخِ خَارِقٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلَانِ مِنْ أَنَّ لَهُ نَصِيبًا وَمِثَالُ الثَّالِثِ غَيْرِ الْخَارِقِ مَا قِيلَ يَحِلُّ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ سَهْوًا لَا عَمْدًا وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ قِيلَ يَحِلُّ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقِيلَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: بِأَنْ خَالَفَا مَا اتَّفَقَ إلَخْ) الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَصْرِ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ هُوَ تَوْرِيثُ الْجَدِّ وَفِي إحْدَاثِ التَّفْصِيلِ الْعِلَّةُ وَهِيَ كَوْنُ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ مِنْ ذِي الْأَرْحَامِ وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَخْرِقَاهُ أَيْ لِعَدَمِ وُجُودِهِ مِنْ أَصْلِهِ
(قَوْلُهُ: أَيْ أَبَدًا) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِطْلَاقِ الدَّوَامُ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالْعِنَايَةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ خِلَافُ الْمُتَبَادِرِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ الْمُتَبَادِرُ خَرَقَاهُ أَمْ لَا وَلَا صِحَّةَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الِاسْتِلْزَامِ) لِأَنَّ عَدَمَ الْقَوْلِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ قَوْلًا بِعَدَمِهِ (قَوْلُهُ: مِثَالُ الثَّالِثِ الْخَارِقِ) أَيْ لِمَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ وَهُوَ تَوْرِيثُ الْجَدِّ وَأَنَّ لَهُ نَصِيبًا سَوَاءٌ كَانَ كُلُّ الْمَالِ أَوْ نِصْفُهُ، وَقَدْ مَثَّلَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ لِذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ مِنْهَا أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ نَاقِضٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا مَسُّ الْمَرْأَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْمَسُّ نَاقِضٌ لَا الْخُرُوجُ فَشُمُولُ الْوُجُودِ أَوْ شُمُولُ الْعَدَمِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ أَنَّ لَهُ نَصِيبًا) إمَّا اسْتِقْلَالًا أَوْ عَلَى طَرِيقِ الْمُشَارَكَةِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ) وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَهَذَا مِثَالٌ لِمُجَرَّدِ الْخَارِقِ وَإِلَّا فَلَا إجْمَاعَ هُنَا أَيْضًا الْمُفَصَّلُ سَابِقٌ
стр. 748
فَالْفَارِقُ بَيْنَ السَّهْوِ وَالْعَمْدِ مُوَافِقٌ لِمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ فِي بَعْضِ مَا قَالَهُ وَمِثَالُ التَّفْصِيلِ الْخَارِقُ مَا لَوْ قِيلَ بِتَوْرِيثِ الْعَمَّةِ دُونَ الْخَالَةِ أَوْ الْعَكْسُ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِهِمْ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ أَوْ فِي عَدَمِهِ كَوْنُهُمَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فَتَوْرِيثُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى خَارِقٌ لِلِاتِّفَاقِ، وَمِثَالُ التَّفْصِيلِ غَيْرِ الْخَارِقِ مَا قِيلَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ دُونَ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ قِيلَ تَجِبُ فِيهِمَا وَقِيلَ لَا تَجِبُ فِيهِمَا فَالْمُفَصِّلُ مُوَافِقٌ لِمَنْ لَمْ يُفَصِّلْ فِي بَعْضِ مَا قَالَهُ.
(وَ) عُلِمَ مِنْ حُرْمَةِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ (أَنَّهُ يَجُوزُ إحْدَاثُ دَلِيلٍ) لِحُكْمٍ أَيْ إظْهَارُهُ (أَوْ تَأْوِيلٍ) لِدَلِيلٍ لِيُوَافِقَ غَيْرَهُ (أَوْ عِلَّةٍ) لِحُكْمٍ غَيْرِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الدَّلِيلِ وَالتَّأْوِيلِ وَالْعِلَّةِ لِجَوَازِ تَعَدُّدِ الْمَذْكُورَاتِ (إنْ لَمْ يَخْرِقْ) مَا ذُكِرَ مَا ذَكَرُوهُ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَقَهُ بِأَنْ قَالُوا لَا دَلِيلَ وَلَا تَأْوِيلَ وَلَا عِلَّةَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ (وَقِيلَ لَا) يَجُوزُ إحْدَاثُ مَا ذُكِرَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَعَّدِ عَلَى اتِّبَاعِهِ فِي الْآيَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُتَوَعَّدَ عَلَيْهِ مَا خَالَفَ سَبِيلَهُمْ لَا مَا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ كَمَا نَحْنُ فِيهِ.
(وَ) عُلِمَ مِنْ حُرْمَةِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي مِنْ شَأْنِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ أَنْ لَا يَخْرِقُوهُ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: فَالْفَارِقُ بَيْنَ السَّهْوِ وَالْعَمْدِ إلَخْ) أَيْ فَلَمْ يُخْرَقْ الْإِجْمَاعُ لِعَدَمِ وُجُودِهِ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَخْرِقَاهُ بَعْدَ وُجُودِهِ أَوْ لَمْ يَخْرِقَاهُ لِعَدَمِ وُجُودِهِ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ
(قَوْلُهُ: وَمِثَالُ التَّفْصِيلِ الْخَارِقِ إلَخْ) فَعُلِمَ أَنَّ الْخَرْقَ قَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْعِلَّةِ بِأَنْ تَتَّحِدَ عِلَّةُ الْخِلَافِ كَمَا فِي مِثَالِ التَّوْرِيثِ فَإِنَّ الْعِلَّةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاحِدَةٌ وَهِيَ كَوْنُهَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فَاتِّحَادُهَا بِمَنْزِلَةِ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْإِمَامُ فَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ لَا تَفْصِلُوا بَيْنَهَا وَلَوْ قَالُوا ذَلِكَ امْتَنَعَ التَّفْصِيلُ بِلَا نِزَاعٍ اهـ. سم
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ هُنَا هُوَ الْعِلَّةُ (قَوْلُهُ: مَعَ اتِّفَاقِهِمْ إلَخْ) قَيَّدَ بِهِ دَفْعًا لِمَا عَسَى أَنْ يُقَالَ هَذَا التَّفْصِيلُ لَيْسَ خَارِقًا؛ لِأَنَّ الْمُفَصِّلَ مُوَافِقٌ لِمَنْ لَمْ يُفَصِّلْ فِي بَعْضِ مَا قَالَهُ (قَوْلُهُ: خَارِقٌ لِلِاتِّفَاقِ) أَيْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَلِّلَ بِغَيْرِ مَا عَلَّلُوا بِهِ فَقَدْ خَرَقَ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْإِرْثِ أَوْ عَدَمِهِ كَوْنُهُمَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ غَيْرُ خَارِقٍ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ التَّفْصِيلِ الَّذِي يَلِيهِ إذْ هُوَ أَخَذَ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ طَرَفًا فَلَمْ يَكُنْ خَارِقًا وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَا سَبَقَ.
[حُرْمَةِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ]
(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ حُرْمَةِ إلَخْ) لِأَنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُكْمٍ أَوْ دَلِيلٍ (قَوْلُهُ: إنَّهُ يَجُوزُ إحْدَاثُ دَلِيلٍ إلَخْ) كَأَنْ أُجْمِعَ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى النِّيَّةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] ، ثُمَّ قَالَ شَخْصٌ إنَّ الدَّلِيلَ قَوْلُهُ ﷺ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَبَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَ حُرْمَةِ الْخَرْقِ وَجَوَازِ الْإِحْدَاثِ الْمَذْكُورِ لِيَكُونَ الثَّانِي مَعْلُومًا مِنْ الْأَوَّلِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَحْرُمَ الْإِحْدَاثُ الْغَيْرُ الْخَارِقِ لِمَعْنًى يَقْتَضِي حُرْمَتَهُ، وَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ حَرَامًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْخَرْقِ جَوَازُ مَا لَا خَرْقَ فِيهِ إلَّا لِمُقْتَضٍ آخَرَ وَلَا مُقْتَضِيَ هَاهُنَا فِي الْوَاقِعِ أَوْ بِالنَّظَرِ لِلْأَصْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَيْ إظْهَارُهُ) نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْمُحْدَثَ إظْهَارُ الدَّلِيلِ لَا الدَّلِيلُ نَفْسُهُ وَالْمُرَادُ إظْهَارُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَأْوِيلٍ) كَمَا إذَا قَالَ الْمُجْمِعُونَ فِي قَوْلِهِ ﵊ «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» أَنَّ تَأْوِيلَهُ عَدَمُ التَّهَاوُنِ بِالسَّبْعِ بِأَنْ يُنْقَصَ عَنْهَا فَلَوْ أَوَّلَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ التُّرَابَ لَمَّا صَحِبَ السَّابِعَةَ صَارَ كَأَنَّهُ ثَامِنَةٌ كَانَ صَحِيحًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ عِلَّةٍ) كَأَنْ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي الرِّبَا فِي الْبُرِّ الِافْتِيَاتَ وَجَعَلَ آخَرُونَ بَعْدَهُمْ الْعِلَّةَ الِادِّخَارَ فَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُوَافِقَةٌ (قَوْلُهُ: غَيْرَ مَا ذَكَرُوهُ) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ تَعَبُّدِيًّا فَيَظْهَرُ لَهُ عِلَّةٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَيَّدُ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرُوهُ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْمُتَوَعَّدَ عَلَيْهِ إلَخْ) فَالتَّوَعُّدُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعَدَمِ لَا عَلَى عَدَمِ الْقَوْلِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي مِنْ شَأْنِ الْأَئِمَّةِ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ اتَّفَقَ الْمُعْتَبَرُونَ عَلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَمَقْصُودُ هَذَا التَّقْيِيدِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ الْمُعْتَبَرُونَ فِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا كَالسُّكُوتِيِّ وَمَا نَدُرَ مُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ لَيْسَ إجْمَاعًا مِنْ الْأَئِمَّةِ لَا يُبَالِي بِخَرْقِهِ وَلِأَنَّهُ عِنْدَهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ اهـ كَمَالٌ.
وَأَوْرَدَ أَنَّ قَوْلَهُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ
стр. 749
(أَنَّهُ يَمْتَنِعُ ارْتِدَادُ الْأُمَّةِ) فِي عَصْرٍ (سَمْعًا) لِخَرْقِهِ إجْمَاعَ مَنْ قَبْلَهُمْ عَلَى وُجُوبِ اسْتِمْرَارِ الْإِيمَانِ، وَالْخَرْقُ يَصْدُقُ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ كَمَا يَصْدُقُ الْإِجْمَاعُ بِهِمَا (وَهُوَ) أَيْ امْتِنَاعُ ارْتِدَادِهِمْ سَمْعًا (الصَّحِيحُ) لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» وَقِيلَ يَجُوزُ ارْتِدَادُهُمْ شَرْعًا كَمَا يَجُوزُ عَقْلًا وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ صِدْقِ الْأُمَّةِ وَقْتَ الِارْتِدَادِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى أَنْ يُوجَدَ مِنْهُمْ مَا يَضِلُّونَ بِهِ الصَّادِقَ بِالِارْتِدَادِ (لَا اتِّفَاقُهَا) أَيْ الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ (عَلَى جَهْلِ مَا) أَيْ شَيْءٍ (لَمْ يُكَلَّفْ بِهِ) بِأَنْ لَمْ تَعْلَمْهُ كَالتَّفْضِيلِ بَيْنَ عَمَّارٍ وَحُذَيْفَةَ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ (عَلَى الْأَصَحِّ لِعَدَمِ الْخَطَأِ) فِيهِ وَقِيلَ يَمْتَنِعُ وَإِلَّا كَانَ الْجَهْلُ سَبِيلًا لَهَا فَيَجِبُ اتِّبَاعُهَا فِيهِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ سَبِيلٌ لَهَا
ــ
[حاشية العطار]
إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ الِامْتِنَاعَ عَادِيٌّ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُ عَادِيٌّ وَالْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الْمُقَابِلِ أَنَّهُ سَمْعِيٌّ وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَمْعًا وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ إذْ الْمُرَادُ الشَّأْنُ الْمَأْخُوذُ مِنْ السَّمْعِ وَأَيْضًا كَوْنُ شَأْنِهِمْ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الثُّبُوتَ بِالسَّمْعِ (قَوْلُهُ: وَالْخَرْقُ يَصْدُقُ بِالْفِعْلِ) دُفِعَ بِهِ مَا يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِارْتِدَادِ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ (قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ) أَيْ لَا يُهَيِّئُهُمْ لَهَا وَلَا يُقْدِرُهُمْ عَلَيْهَا لِيَنْتِجَ الِاسْتِحَالَةَ.
وَأَوْرَدَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى امْتِنَاعِ ارْتِدَادِ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْإِجْمَاعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حُرْمَةَ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ دَلِيلٌ بِوَاسِطَةِ هَذَا الْحَدِيثِ فَصَارَ هُوَ الدَّلِيلُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا لِلنَّاصِرِ هُنَا مِنْ الْبَحْثِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ امْتِنَاعُ الِارْتِدَادِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَجُوزُ ارْتِدَادُهُمْ شَرْعًا) أَيْ لَيْسَ هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى الِاسْتِحَالَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الرِّدَّةَ تَجُوزُ فِي الشَّرْعِ إذْ هِيَ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ صِدْقِ الْأُمَّةِ وَقْتَ إلَخْ) لِأَنَّهُمْ بِارْتِدَادِهِمْ خَرَجُوا عَنْ كَوْنِهِمْ أُمَّةً (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ اسْمَ الْأُمَّةِ صَادِقٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الِارْتِدَادِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ اجْتِمَاعٌ عَلَى ضَلَالَةٍ وَالْحَدِيثُ يَنْفِيهِ اهـ زَكَرِيَّا
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ يُوجَدَ إلَخْ) فِيهِ رَمْزٌ إلَى التَّأْوِيلِ السَّابِقِ فِي الْحَدِيثِ فَيُرَادُ هُنَا أَيْضًا (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ نَعْلَمْهُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْجَهْلُ الْبَسِيطُ لَا الْمُرَكَّبُ (قَوْلُهُ: كَالتَّفْضِيلِ) الْمُرَادُ بِهِ التَّفَاضُلُ الَّذِي هُوَ أَثَرُهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُعْلَمُ.
وَأَمَّا التَّفْضِيلُ فَلَا عِلْمَ بِهِ، ثُمَّ هُوَ تَنْظِيرٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِثَالٌ لِمَا لَمْ تُكَلَّفْ بِهِ (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ اتِّبَاعُهَا فِيهِ) أَيْ بِآيَةِ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِمَنْعِ إلَخْ)
стр. 750
لِأَنَّ سَبِيلَ الشَّخْصِ مَا يَخْتَارُهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَعَدُّ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ أَمَّا اتِّفَاقُهَا عَلَى جَهْلِ مَا كُلِّفَتْ بِهِ فَيَمْتَنِعُ قَطْعًا (وَفِي انْقِسَامِهَا فِرْقَتَيْنِ) فِي كُلٍّ مِنْ مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ (كُلٌّ) مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ (مُخْطِئٌ فِي مَسْأَلَةٍ) مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ. (تَرَدُّدُ) الْعُلَمَاءِ (مَثَارُهُ هَلْ أَخْطَأْت) نَظَرًا إلَى مَجْمُوعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَيَمْتَنِعُ مَا ذُكِرَ لِانْتِفَاءِ الْخَطَأِ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ أَوْ لَمْ يُخْطِئْ إلَّا بَعْضُهَا نَظَرًا إلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَلَا يَمْتَنِعُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَرَجَّحَهُ الْآمِدِيُّ وَقَالَ إنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى الْأَوَّلِ. (وَ) عُلِمَ مِنْ حُرْمَةِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي مِنْ شَأْنِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ أَنْ لَا يَخْرِقُوهُ (أَنَّهُ لَا إجْمَاعَ يُضَادُّ إجْمَاعًا سَابِقًا خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّ) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ الْأَوَّلِ مُغَيًّا بِوُجُودِ الثَّانِي
ــ
[حاشية العطار]
لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي الْجَهْلِ الْبَسِيطِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَكَّبَ يَضُرُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ بِهِ لَا يَضُرُّ الْجَهْلُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ سَبِيلَ الشَّخْصِ مَا يَخْتَارُهُ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَارُونَ الْجَهْلَ (قَوْلُهُ: عَلَى جَهْلِ مَا كُلِّفَتْ بِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا كُلِّفَتْ بِهِ فِي الْحَالِ وَإِلَّا فَقَدْ يَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُجْتَهِدِينَ أَحْكَامٌ لَمْ تَكُنْ عَلَى زَمَنِ الصَّحَابَةِ كَمَا وَقَعَ لِلْمُجْتَهِدِينَ فَلَوْ أُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ لَلَزِمَ اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى جَهْلِ مَا كُلِّفَتْ بِهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ عِلْمُ الْمَسَائِلِ بِالْفِعْلِ.
وَأَمَّا لَوْ اكْتَفَيْنَا بِالْمَلَكَةِ فَلَا إشْكَالَ (قَوْلُهُ: فِي انْقِسَامِهَا) أَيْ وَفِي جَوَازِ انْقِسَامِهَا فِرْقَتَيْنِ كُلُّ فِرْقَةٍ مُخْطِئَةٌ فِي مَسْأَلَةٍ مُخَالِفَةٍ لِأُخْرَى كَاتِّفَاقِ فِرْقَةٍ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبٌ وَفِي الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالْفِرْقَةِ الْأُخْرَى عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ وَمَحَلُّ الْخَطَأِ وَعَدَمِهِ إذَا كَانَ الصَّوَابُ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ وَلِلْفَائِتَةِ أَوْ عَدَمَهُ فِيهِمَا فَإِذَا نُظِرَ إلَى مَجْمُوعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَقَدْ أَخْطَأَتْ الْأُمَّةُ؛ لِأَنَّهَا اتَّفَقَتْ عَلَى مُطْلَقِ خَطَأٍ وَإِذَا نُظِرَ إلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ عَلَى حِدَتِهَا لَمْ يَكُنْ جَمِيعُهُمْ مُخْطِئًا نَظَرًا إلَى خُصُوصِ الْخَطَأِ فَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى خَطَأٍ بِخُصُوصِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الصَّوَابُ الْوُجُوبُ فِيهِمَا، وَقَالَتْ إحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ وَبِعَدَمِهِ فِي الْفَائِتَةِ فَقَدْ أَخْطَأَتْ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَائِتَةِ، وَإِذَا قَالَتْ الْأُخْرَى بِالْعَكْسِ فَقَدْ أَخْطَأَتْ بِالنِّسْبَةِ لِلْوُضُوءِ فَلَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى خَطَأٍ بِعَيْنِهِ، وَإِذَا نُظِرَ إلَى مَجْمُوعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى مُطْلَقِ خَطَأٍ
(قَوْلُهُ: نَظَرًا إلَى مَجْمُوعِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا نُظِرَ إلَى مَجْمُوعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مُنْضَمَّةً إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى كَانَ الْجَمِيعُ مُخْطِئًا، وَإِذَا نُظِرَ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا عَنْ الْأُخْرَى نَجِدُ الْمُخْطِئَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا فَقَطْ هُوَ الْبَعْضُ وَفِي الْأُخْرَى فَقَطْ هُوَ الْبَعْضُ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّرَدُّدِ الْمَذْكُورِ لُزُومُ كَوْنِ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ مُصِيبًا دَائِمًا وَغَيْرِهِ مُخْطِئًا دَائِمًا (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ الْخَطَأِ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ) فِيهِ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ الضَّلَالَةُ وَخَطَأُ الْأَئِمَّةِ لَيْسَ ضَلَالًا بَلْ هُمْ مَأْجُورُونَ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ وَلَوْ أَخْطَئُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا الْخَطَأَ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ ضَلَالًا (قَوْلُهُ: إنَّهُ لَا إجْمَاعٌ يُضَادُّ إجْمَاعًا) أَيْ لَا يَجُوزُ إجْمَاعٌ عَلَى حُكْمٍ أُجْمِعَ عَلَى
стр. 751
(وَأَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ (لَا يُعَارِضُهُ دَلِيلٌ) لَا قَطْعِيٌّ وَلَا ظَنِّيٌّ (إذْ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ قَاطِعَيْنِ) لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ (وَلَا) بَيْنَ (قَاطِعٍ وَمَظْنُونٍ) لِإِلْغَاءِ الْمَظْنُونِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَاطِعِ (وَأَنَّ مُوَافَقَتَهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (خَبَرًا لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَنْهُ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ لَنَا اسْتِغْنَاءٌ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَنْهُ (بَلْ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنُهُ عَنْهُ هُوَ (الظَّاهِرُ إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ) بِمَعْنَاهُ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ وُجِدَ فَلَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَبَلْ هُنَا انْتِقَالِيَّةٌ لَا إبْطَالِيَّةٌ وَعَطَفَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى مَا قَبْلَهُمَا، وَإِنْ لَمْ تَنْبَنِيَا عَلَى حُرْمَةِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ تَسَمُّحًا وَلَوْ تَرَكَ مِنْهُمَا أَنَّهُ وَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ مَعَ الِاخْتِصَارِ.
(خَاتِمَةٌ: جَاحِدُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ) وَهُوَ مَا يُعْرَفُ مِنْهُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ لِلتَّشْكِيكِ فَالْتَحَقَ بِالضَّرُورِيَّاتِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَحُرْمَةِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ (كَافِرٌ قَطْعًا) ؛ لِأَنَّ جَحْدَهُ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا لَيْسَ بِمُرَادٍ لَهُمَا
ــ
[حاشية العطار]
ضِدِّهِ سَابِقًا أَيْ إذَا كَانَ قَطْعِيًّا (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ أَيْ الْإِجْمَاعُ إلَخْ) هَذَا أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ الْإِجْمَاعَ وَغَيْرَهُ (قَوْلُهُ: إنَّهُ قَطْعِيٌّ) هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إذْ لَا تَعَارُضَ إلَخْ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الظَّنِّيِّ كَالسُّكُوتِيِّ فَيُعَارِضُهُ الدَّلِيلُ كَسَائِرِ الظَّنِّيَّاتِ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ تَقْيِيدُ قَوْلِهِ لَا إجْمَاعَ يُضَادُّ إجْمَاعًا لَهُ سَابِقًا بِكَوْنِ السَّابِقِ قَطْعِيًّا وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا أَعَمُّ مِنْ ذَاكَ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ (قَوْلُهُ: إذْ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ قَاطِعَيْنِ) وَإِلَّا لَزِمَ حَقِيقَةُ النَّقِيضَيْنِ (قَوْلُهُ: لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْقَاطِعَ يَجِبُ تَحَقُّقُ مَدْلُولِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ تَعَارُضِهِمَا اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ وَهَذَا مُسَلَّمٌ إنْ كَانَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَا فِي زَمَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا إذْ الْأَحْكَامُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ
(قَوْلُهُ: وَإِنَّ مُوَافَقَتَهُ إلَخْ) كَمَا إذَا أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا فَقَدْ وَافَقَ إجْمَاعُهُمْ خَبَرَ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَهَذِهِ الْمُوَافَقَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مُسْتَنِدُونَ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ مَرَّ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى مُوَافَقَةِ خَبَرٍ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ وَالْفَرْضَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَإِنْ تَلَازَمَا (قَوْلُهُ: اسْتِغْنَاءً بِنَقْلِ إلَخْ) أَيْ اسْتِغْنَاءً عَنْ نَقْلِ ذَلِكَ الْغَيْرِ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ وُجِدَ فَلَا أَيْ فَلَا يَكُونُ الظَّاهِرُ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ عَنْ ذَلِكَ الْخَبَرِ (قَوْلُهُ: لَا إبْطَالِيَّةٌ) لِأَنَّ نَفْيَ الدَّلَالَةِ الْقَطْعِيَّةِ لَا يَنْفِي وُجُودَ الظَّاهِرَةِ.
[خَاتِمَةٌ جَاحِدُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ]
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ فَشَا فِي لِسَانِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ خَارِقَ الْإِجْمَاعِ يَكْفُرُ وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا فَإِنَّ مَنْ يُنْكِرُ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ لَا يَكْفُرُ وَالْقَوْلُ فِي التَّكْفِيرِ وَالتَّبَرِّي لَيْسَ بِالْهَيِّنِ (قَوْلُهُ: بِالضَّرُورَةِ) بِاعْتِبَارِ مَا طَرَأَ لَهُ بَعْدُ مِنْ الشُّهْرَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ نَظَرِيًّا كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: فَالْتَحَقَ بِالضَّرُورِيَّاتِ) أَيْ فِي إطْلَاقِ الْعِلْمِ بِالضَّرُورَةِ عَلَيْهِ بِجَامِعِ عَدَمِ قَبُولِ التَّشْكِيكِ فِيهِمَا وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ فِي قَوْلِهِمْ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَيْسَ مَعْنَاهَا اسْتِقْلَالَ الْعَقْلِ بِالْإِدْرَاكِ بِلَا دَلِيلٍ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: كَافِرٌ قَطْعًا) فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنْ مَسْأَلَتَيْ الْمَشْهُورِ مُخَالَفَةٌ لِقَوْلِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ مَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ يُعْلَمُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَرُورَةً كَفَرَ إنْ كَانَ فِيهِ نَصٌّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ جَحْدَهُ يَسْتَلْزِمُ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ مَوْجُودٌ فِي الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْخَفِيِّ إذَا كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ
(قَوْلُهُ: وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ الْآمِدِيِّ إلَخْ) أَمَّا الْآمِدِيُّ فَقَالَ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ جَاحِدِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فَأَثْبَتَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ إنْكَارَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ غَيْرُ مُوجَبٍ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَإِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ اسْمِ الْإِسْلَامِ كَالْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ وَوُجُوبِ اعْتِقَادِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ فَيَكُونُ جَاحِدُهُ كَافِرًا اهـ. مُلَخَّصًا.
وَأَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ فَقَالَ إنْكَارُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ أَنَّ نَحْوَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ يَكْفُرُ فَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا تَرَى حِكَايَةَ خِلَافٍ فِي تَكْفِيرِ جَاحِدِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ لَهُمَا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فَإِنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَقَدْ أَوَّلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَهُمَا بِأَنَّ الْمُجْمَعَ
стр. 752
(وَكَذَا) الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ (الْمَشْهُورُ) بَيْنَ النَّاسِ (الْمَنْصُوصُ) عَلَيْهِ كَحِلِّ الْبَيْعِ جَاحِدُهُ كَافِرٌ (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا تَقَدَّمَ وَقِيلَ لَا لِجَوَازِ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ (وَفِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ) مِنْ الْمَشْهُورِ (تَرَدُّدٌ) قِيلَ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِشُهْرَتِهِ وَقِيلَ لَا لِجَوَازِ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ (وَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ) الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ (الْخَفِيُّ) بِأَنْ لَا يَعْرِفَهُ إلَّا الْخُصُوصُ كَفَسَادِ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ قَبْلَ الْوُقُوفِ (وَلَوْ) كَانَ الْخَفِيُّ (مَنْصُوصًا) عَلَيْهِ كَاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ فَإِنَّهُ قَضَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الدِّينِ كَوُجُودِ بَغْدَادَ قَطْعًا.
(الْكِتَابُ الرَّابِعُ فِي) (الْقِيَاسِ) مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ (وَهُوَ حَمْلُ
ــ
[حاشية العطار]
عَلَيْهِ الْمَعْلُومَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَيْسَ التَّكْفِيرُ بِإِنْكَارِهِ لِكَوْنِهِ إنْكَارَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ بَلْ لِكَوْنِهِ إنْكَارَ مَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَلَمْ يَنْقُلَا عَنْ أَحَدٍ عَدَمَ التَّكْفِيرِ بِإِنْكَارِهِ بَلْ نَقَلَا إنْكَارَ اسْتِنَادِ التَّكْفِيرِ إلَى كَوْنِهِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ اهـ كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْأَصَحِّ) الْمَشْهُورُ مُطْلَقًا عَدَمُ التَّكْفِيرِ (قَوْلُهُ:، وَقِيلَ لَا) هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يَكْفُرُ إلَّا إذَا صَارَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَحِلِّيَّةُ الْبَيْعِ الْآنَ كَذَلِكَ.
[الْكِتَابُ الرَّابِعُ فِي الْقِيَاسِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ]
(الْكِتَابُ الرَّابِعُ فِي الْقِيَاسِ) (قَوْلُهُ: الْقِيَاسُ) هُوَ فِي اللُّغَةِ التَّقْدِيرُ يُقَالُ قِسْت الْأَرْضَ بِالْقَصَبَةِ أَيْ قَدَّرْتهَا بِهَا وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ أَيْضًا وَيُعَدَّى بِالْبَاءِ كَقَوْلِهِ:
خَفْ يَا كَرِيمُ عَلَى عِرْضٍ يُدَنِّسُهُ ... مَقَالُ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ بِكَا
قَالَ الْآمِدِيُّ هُوَ لِلتَّقْدِيرِ فَيَسْتَدْعِي أَمْرَيْنِ مُضَافٌ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ بِالْمُسَاوَاةِ فَهُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يُقَالُ فُلَانٌ لَا يُقَاسُ بِفُلَانٍ أَيْ لَا يُسَاوَى بِهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ فِي الشَّرْعِ قَاسَ عَلَيْهِ لِيَدُلَّ عَلَى الْبِنَاءِ فَإِنَّ انْتِقَالَ الصِّلَةِ لِلتَّضَمُّنِ (قَوْلُهُ: مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) حَالٌ مِنْ الْقِيَاسِ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَلْ لِلْعَهْدِ وَأَنَّ مَا عَدَا الشَّرْعِيِّ ذُكِرَ تَبَعًا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ الْقِيَاسُ مَيْدَانُ الْفُحُولِ وَمِيزَانُ الْأُصُولِ وَمَنَاطُ الْآرَاء وَرِيَاضَةُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا يُفْزَعُ إلَيْهِ عِنْدَ فِقْدَانِ النُّصُوصِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
إذَا أَعْيَا الْفَقِيهَ وُجُودُ نَصٍّ ... تَعَلَّقَ لَا مَحَالَةَ بِالْقِيَاسِ
(قَوْلُهُ: حَمْلُ إلَخْ)
стр. 753
مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ) مِنْ الْعِلْمِ بِمَعْنَى التَّصَوُّرِ أَيْ إلْحَاقِهِ بِهِ فِي حُكْمِهِ (لِمُسَاوَاتِهِ) مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ أَيْ لِمُسَاوَاةِ الْأَوَّلِ الثَّانِيَ (فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ) بِأَنْ تُوجَدَ بِتَمَامِهَا فِي الْأَوَّلِ
ــ
[حاشية العطار]
قِيلَ الْأَوَّلُ التَّعْبِيرُ بِالْمُسَاوَاةِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ فِعْلُ الْحَامِلِ فَيَكُونُ الْقِيَاسُ فِعْلُ الْمُجْتَهِدِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ نَصَبَهُ الشَّارِعُ نَظَرَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ أَمْ لَا كَالنَّصِّ فَلَا يَنْطَبِقُ التَّعْرِيفُ عَلَيْهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَهُ فِعْلَ الْمُجْتَهِدِ لَا يُنَافِي أَنْ يَنْصِبَهُ الشَّارِعُ دَلِيلًا إذْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَنْصِبَ الشَّارِعُ حَمْلَ الْمُجْتَهِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَيْ الْحَمْلُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ الْمُجْتَهِدِ لِلِاسْتِوَاءِ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ سَوَاءٌ وَقَعَ أَمْ لَمْ يَقَعْ بَلْ وَلَا مَانِعَ مِنْ نَصْبِ الشَّارِعِ فِعْلَ الْمُجْتَهِدِ دَلِيلًا لَهُ وَلِمَنْ قَلَّدَهُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ مَا وَقَعَ فِيهِ الْحَمْلُ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِحَمْلِ الْمَعْلُومِ عَلَى الْمَعْلُومِ إثْبَاتُ حُكْمِهِ لَهُ وَالْمُرَادُ بِالْإِثْبَاتِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ أَيْ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إثْبَاتًا قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا فَيَشْمَلُ كِلَا قِسْمَيْ الْقِيَاسِ الْمَقْطُوعِ وَالْمَظْنُونِ
(قَوْلُهُ: مَعْلُومٍ) عَبَّرَ بِهِ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ مَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسِ مِنْ مَوْجُودٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُعْلَمُ وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الِاعْتِقَادَ وَالظَّنَّ اهـ زَكَرِيَّا.
وَتَقْرِيرُ الشَّارِحِ يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ الْعِلْمَ عَلَى التَّصَوُّرِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاعْتِقَادَ وَالظَّنَّ مِنْ قَبِيلِ التَّصْدِيقِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ قِيَاسَ الْعَكْسِ وَقِيَاسَ التَّلَازُمِ وَهُوَ الِاسْتِثْنَائِيُّ وَالْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ خَارِجَةٌ عَنْ التَّعْرِيفِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِعَدَمِ تَمَاثُلِ الْحُكْمَيْنِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ نَقِيضِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ مِنْ آخَرَ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي الْعِلَّةِ كَمَا فِي قَوْلِنَا لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ الصَّوْمُ فِي صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا لَمَا وَجَبَ شَرْطًا لَهُ بِالنَّذْرِ كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا مُطْلَقًا لَمْ تَصِرْ شَرْطًا بِالنَّذْرِ فَالْمَطْلُوبُ إثْبَاتُ شَرْطِيَّةِ الصَّوْمِ وَالثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ نَفْيُ شَرْطِيَّةِ الصَّلَاةِ فَحُكْمُ الْفَرْعِ نَقِيضُ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَأَيْضًا افْتَرَقَا فِي الْعِلَّةِ إذْ هِيَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلِاعْتِكَافِ بِالنَّذْرِ وَهِيَ لَا تُوجَدُ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالنَّذْرِ.
وَأَمَّا خُرُوجُ الْأَخِيرَيْنِ فَظَاهِرٌ وَلَا يُسَمَّيَانِ قِيَاسًا فِي هَذَا الِاصْطِلَاحِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُنَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي مُشَابَهَةِ صُوَرٍ لِأُخْرَى وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْطِيِّ وَالِاقْتِرَانِيِّ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَعَلَى تَقْدِيرِ الِاصْطِلَاحِ عَلَى تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا يَكُونُ لَفْظُ الْقِيَاسِ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَرَّفِ فَالْحَدُّ هُنَا لِفَرْدٍ مَشْهُورٍ مِنْ الْقِيَاسِ كَمَا إذَا حَدَثَ الْعَيْنُ الْبَاصِرَةُ بِمَا يَخُصُّهَا لَا يَنْقُصُ حَدُّهَا بِخُرُوجِ الْجَارِيَةِ عَنْهَا تَأَمَّلْ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ أَرْجَعَهُ لِلْقِيَاسِ الِاسْتِثْنَائِيِّ وَلَا يَخْفَى تَقْرِيرُهُ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى التَّصَوُّرِ) ؛ لِأَنَّ الْمَحْمُولَ ذَاتُ الْأَرُزِّ مَثَلًا عَلَى الْبُرِّ
(قَوْلُهُ: لِمُسَاوَاتِهِ إلَخْ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ الْمُعَرَّفَ خَاصٌّ بِمَا عِلَّتُهُ مُتَعَدِّيَةٌ إذْ الْقَاصِرَةُ لَا مُسَاوَاةَ فِيهَا اهـ زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ) بِنَاءً عَلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْمَعْلُومِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِلْأَوَّلِ وَتَكُونُ الْإِضَافَةُ لِلْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ مُسَاوٍ الْفَرْعُ لَا الْأَصْلُ وَلِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِلثَّانِي فَتَكُونُ الضَّمَائِرُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ) إضَافَةُ الْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِيهِ وَمَعْنَى التَّأْثِيرِ الِارْتِبَاطُ بِمَعْنَى جَعْلِ الْفَقِيهِ الْحُكْمَ مُرْتَبِطًا بِهَا وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ مَا يَشْمَلُ الْإِيجَابِيَّ وَالسَّلْبِيَّ وَفِي التَّلْوِيحِ أَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْوَارِدِ فِي الْأَصْلِ وَالْقِيَاسُ بَيَانٌ لِعُمُومِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالْأَصْلِ وَهَذَا وَاضِحٌ. اهـ.
وَحِينَئِذٍ فَالْقِيَاسُ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتٌ لَهُ قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي شَرْحِ إصْلَاحِ التَّنْقِيحِ إنَّ الْقِيَاسَ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ فِي صُورَةِ الْفَرْعِ هَذَا فَالْمُرَادُ بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ هَذَا الْمَعْنَى لَا أَنَّهُ مُثْبِتٌ لَهُ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ لِلْحُكْمِ ابْتِدَاءً هُوَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَعَلَى هَذَا مَعْنَى مَا قَالُوا إنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ تُوجَدَ إلَخْ) أَيْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْفَرْعِ دُونَهَا فَالْأَصْلُ فَالْمُرَادُ بِالْمُسَاوَاةِ حِينَئِذٍ وُجُودُهَا فِيهِمَا لَا أَنَّهَا فِيهِمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فَلَا يُرَدُّ تَقْدِيمُ الْقِيَاسِ إلَى أَقْوَى وَأَدْنَى وَمُسَاوٍ
(قَوْلُهُ: بِتَمَامِهَا) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مُرَكَّبَةً مِنْ أَجْزَاءٍ لَا يُكْتَفَى بِوُجُودِ بَعْضِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْقَتْلِ فَيُقَالُ لَا يُقْتَلُ إلَّا بِقَتْلِ الْمُكَافِئِ الْحُرِّ الْغَيْرِ الْأَصْلِ، وَقَالَ بَعْضٌ إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِتَمَامِهَا أَيْ بِذَاتِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُرَكَّبَةً
стр. 754
(عِنْدَ الْحَامِلِ) هُوَ الْمُجْتَهِدُ وَافَقَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَمْ لَا بِأَنْ ظَهَرَ غَلَطُهُ فَتَنَاوَلَ الْحَدُّ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ كَالصَّحِيحِ (وَإِنْ خُصَّ) الْمَحْدُودُ (بِالصَّحِيحِ) أَيْ قُصِرَ عَلَيْهِ (حَذْفٌ) مِنْ الْحَدِّ (الْأَخِيرِ) وَهُوَ عِنْدَ الْحَامِلِ فَلَا يَتَنَاوَلُ حِينَئِذٍ إلَّا الصَّحِيحَ لِانْصِرَافِ الْمُسَاوَاةِ الْمُطْلَقَةِ إلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالْفَاسِدُ قَبْلَ ظُهُورِ فَسَادِهِ مَعْمُولٌ بِهِ كَالصَّحِيحِ.
(وَهُوَ) أَيْ الْقِيَاسُ (حُجَّةٌ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ) كَالْأَدْوِيَةِ (قَالَ الْإِمَامُ) الرَّازِيّ (اتِّفَاقًا) أَسْنَدَهُ إلَيْهِ لِيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَتِهِ.
(وَأَمَّا غَيْرُهَا) كَالشَّرْعِيَّةِ (فَمَنَعَهُ قَوْمٌ) فِيهِ (عَقْلًا) قَالُوا لِأَنَّهُ طَرِيقٌ لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَأُ وَالْعَقْلُ مَانِعٌ مِنْ سُلُوكِ ذَلِكَ قُلْنَا
ــ
[حاشية العطار]
فَلَا يَرِدُ عَدَمُ شُمُولِهِ لِلْعِلَّةِ الْبَسِيطَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْحَامِلِ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ لِمُسَاوَاتِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ) جَرَى فِيهِ عَلَى الْأَصْلِ وَعَلَى شُمُولِ الْمُجْتَهِدِ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ وَالْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ وَإِلَّا فَالْحَامِلُ أَعَمُّ مِنْهُ وَلِهَذَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ، وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْمُجْتَهِدِ لِيَتَنَاوَلَ الْمُقَلِّدَ الَّذِي يَقِيسُ عَلَى أَصْلِ إمَامِهِ اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: وَافَقَ) أَيْ الْقِيَاسُ (قَوْلُهُ لِانْصِرَافِ إلَخْ) لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ لِلْفَرْضِ الْكَامِلِ وَالْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِمْ الْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ تَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ الْأَوَّلَ (قَوْلُهُ: الْمُطْلَقَةِ) أَيْ الَّتِي لَمْ تُقَيَّدْ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا عِنْدَ الْحَامِلِ (قَوْلُهُ: وَالْفَاسِدُ قَبْلَ ظُهُورِ فَسَادِهِ) أَيْ وَهُوَ دَاخِلٌ حِينَئِذٍ فِي التَّعْرِيفِ وَدُفِعَ بِهَذَا مَا يُقَالُ الْفَاسِدُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ وَغَيْرُ دَاخِلٍ فِي التَّعْرِيفِ وَكُلُّ قِيَاسٍ يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ عَدَمُ شُمُولِ التَّعْرِيفِ لِشَيْءٍ مِنْهَا.
[الْقِيَاسُ حُجَّةٌ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ حُجَّةٌ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ، وَقَدْ حَرَّرَهُ صَاحِبُ التَّلْوِيحِ فَقَالَ وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ نَفَوْهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَقْلِ حَمْلُ النَّظِيرِ عَلَى النَّظِيرِ لَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ وَالْأُصُولِ الدِّينِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْخَوَارِجُ أَوْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَقْلِ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ خَاصَّةً إمَّا لِامْتِنَاعِهِ عَقْلًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشِّيعَةِ وَالنَّظَّامُ وَإِمَّا لِامْتِنَاعِهِ سَمْعًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فَقِيلَ هُوَ وَاجِبٌ عَقْلًا لِئَلَّا تَخْلُوَ الْوَقَائِعُ عَنْ الْأَحْكَامِ إذْ النَّصُّ لَا يَفِي بِالْحَوَادِثِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ وَجَوَابُهُ أَنَّ أَجْنَاسَ الْأَحْكَامِ وَكُلِّيَّاتِهَا مُتَنَاهِيَةٌ لِجَوَازِ التَّنْصِيصِ عَلَيْهَا بِالْعُمُومَاتِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ النَّهْرَوَانِيُّ وَالْقَاشَانِيُّ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاقِعٍ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِهِ فَقِيلَ بِالْعَقْلِ، وَقِيلَ بِالسَّمْعِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالسَّمْعِ فَقِيلَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وَقِيلَ قَطْعِيٍّ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ) ذِكْرُهُ هُنَا اسْتِطْرَادٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا هُوَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنْ رَجَعَ لِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ كَدَفْعِ الْمَضَارِّ كَانَ مُنْدَرِجًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (قَوْلُهُ: كَالْأَدْوِيَةِ) كَأَنْ يَكُونَ دَوَاءُ هَذَا الْمَرَضِ عَقَارًا حَارًّا فَيُفْقَدُ فَيَأْتِي الطَّبِيبُ بِمَا يُمَاثِلُهُ فِي الْحَرَارَةِ مَثَلًا لِمُوَافَقَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِمِزَاجِ الْمَرَضِ الْمَخْصُوصِ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْأَغْذِيَةُ وَوَجْهُ كَوْنِهِ دُنْيَوِيًّا أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ الْمَطْلُوبُ بِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ ثُبُوتُ نَفْعِ هَذَا الشَّيْءِ لِذَلِكَ الْمَرَضِ وَالْقِيَاسُ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ رُكْنٌ جَلِيلٌ مِنْ أَرْكَانِ قَوَاعِدِ الطِّبِّ وَهُوَ أَنْفَعُ وَأَسْلَمُ عِنْدَهُمْ مِنْ التَّجَارِبِ كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ النُّزْهَةِ الطِّبِّيَّةِ لِدَاوُدَ وَهُوَ شَرْحٌ جَامِعٌ لِمُهِمَّاتِ أُصُولِ الطِّبِّ أَلَّفْنَاهُ عِنْدَ اسْتِقْرَارِنَا بِمَدِينَةِ دِمَشْقَ حِينَ انْصِرَافِنَا مِنْ السِّيَاحَةِ بِالْبِلَادِ الرُّومِيَّةِ
(قَوْلُهُ: لِيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَتِهِ) فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِعَدَمِ الْمُخَالِفِ عُسْرَةٌ (قَوْلُهُ: لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَأُ) لِجَوَازِ. وُجُودِ فَارِقٍ لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ وَالْقِيَاسُ مَعَ الْفَارِقِ بَاطِلٌ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الدُّنْيَوِيِّ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يُخَفَّفُ فِي الدُّنْيَوِيِّ مَا لَا يُخَفَّفُ فِي غَيْرِهِ
стр. 755
بِمَعْنَى أَنَّهُ مُرَجَّحٌ بِتَرْكِهِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مُحِيلٌ لَهُ وَكَيْفَ يُحِيلُهُ إذَا ظُنَّ الصَّوَابَ فِيهِ (وَ) مَنَعَهُ (ابْنُ حَزْمٍ شَرَعَا) قَالَ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الْحَوَادِثِ بِالْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى اسْتِنْبَاطٍ وَقِيَاسٍ قُلْنَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ (وَ) مَنَعَ (دَاوُد غَيْرَ الْجَلِيِّ) مِنْهُ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: قُلْنَا بِمَعْنَى إلَخْ) أَيْ نُسَلِّمُ مَنْعَ الْعَقْلِ لَكِنْ بِمَعْنَى إحَالَتِهِ كَمَا اُدُّعِيَتْ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُرَجَّحٌ فَالدَّلِيلُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهَذَا لَا يُؤْخَذُ عَلَى عُمُومِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يُرَجِّحُ الْعَقْلُ الْعَمَلَ بِهِ إذَا جَزَمَ بِعَدَمِ الْفَارِقِ (قَوْلُهُ: لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مُحِيلٌ لَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُخَالِفَ يَقُولُ إنَّهُ مُحَالٌ عَقْلًا وَلَا صِحَّةَ لَهُ لِوُقُوعِهِ كَثِيرًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ الْعَمَلُ بِهِ لَكِنْ فِيهِ شَائِبَةُ تَحْكِيمِ الْعَقْلِ (قَوْلُهُ: وَكَيْفَ يُحِيلُهُ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ لِمَا قُلْنَا وَكَيْفَ يَكُونُ مُرَجِّحًا لِتَرْكِهِ إذَا ظُنَّ إلَخْ وَإِلَّا لَتَعَطَّلَتْ الْأَسْبَابُ فَإِنَّ تَرَتُّبَ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَيْهَا مَظْنُونٌ لِاحْتِمَالِ حُصُولِ مَانِعٍ (قَوْلُهُ: وَابْنُ حَزْمٍ) اسْمُهُ عَلِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ تَرْجَمَهُ الْعَلَّامَةُ الْمُقْرِي فِي تَارِيخِهِ نَفْحِ الطِّيبِ تَرْجَمَةً وَاسِعَةً مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لَهُ بَاعٌ وَاسِعٌ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ مَعَ كَمَالِ الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ إلَّا أَنَّهُ أَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَعْلَامِ الدِّينِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ وَلَا بِشَأْنِهِمْ، لَا جَرَمَ أَنَّهُ نُسِبَ لِلْبِدْعَةِ وَتَكَلَّمَ فِيهِ مَنْ بَعْدَهُ فَكَانَ الْحَالُ كَمَا قِيلَ مَنْ قَالَ شَيْئًا قِيلَ فِيهِ بِمِثْلِهِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ النُّصُوصَ) هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا شَرْعًا لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ وَرَدَ دَلِيلٌ يَمْنَعُهُ بَلْ نَحْنُ مَأْمُورُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يُنْتِجُ الْمَنْعَ الْمَطْلُوبَ، وَإِنَّمَا يُنْتِجُ عَدَمُهُ الِاحْتِيَاجَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: بِالْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ) أَيْ بِسَبَبِهَا مَثَلًا الْخَمْرُ لُغَةً لِكُلِّ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلْمُتَّخَذِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ فَلَا حَاجَةَ لِقِيَاسِ غَيْرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ) فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبْ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ فَإِنَّهُ وَرَدَ النَّصُّ الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، وَلَمْ يَرِدْ الرُّزُّ بِالرُّزِّ وَلَا يَشْمَلُهُ الْبُرُّ إلَّا عَلَى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ وَالْأَصْلُ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ وَمَنَعَ دَاوُد) هُوَ دَاوُد بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ أَبُو سُلَيْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ إمَامُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وُلِدَ سَنَةَ مِائَتَيْنِ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَحَدَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَهُدَاتِهِمْ وَلَهُ فَضَائِلُ الشَّافِعِيِّ مُصَنَّفَاتٌ سَمِعَ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْقَعْنَبِيَّ وَعَمْرَو بْنَ مَرْزُوقٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ كَثِيرٍ الْعَبْدِيَّ وَمُسَدَّدًا وَأَبَا ثَوْرٍ الْفَقِيهَ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ رَحَلَ إلَيْهِ إلَى نَيْسَابُورَ فَسَمِعَ مِنْهُ الْمُسْنَدَ وَالتَّفْسِيرَ وَجَالَسَ الْأَئِمَّةَ وَصَنَّفَ الْكِتَابَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ كَانَ إمَامَ النَّاسِ وَرِعًا نَاسِكًا زَاهِدًا وَفِي كُتُبِهِ حَدِيثٌ كَثِيرٌ لَكِنْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ عَزِيزَةٌ جِدًّا رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَزَكَرِيَّا السَّاجِيُّ وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الدَّرَاوَرْدِيُّ الْفَقِيهُ وَغَيْرُهُمْ قِيلَ كَانَ فِي مَجْلِسِهِ أَرْبَعُمِائَةِ صَاحِبِ طَيْلَسَانٍ أَخْضَرَ وَكَانَ مِنْ الْمُتَعَصِّبِينَ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ انْتَهَتْ إلَيْهِ رِيَاسَةُ الْعِلْمِ بِبَغْدَادَ
стр. 756
بِخِلَافِ الْجَلِيِّ الصَّادِقِ بِقِيَاسِ الْأَوْلَى وَالْمُسَاوِي كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي وَاقْتَصَرَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْكِرُ قِيَاسُ الْأَوْلَى وَهُوَ مَا يَكُونُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ فِي الْفَرْعِ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْأَصْلِ كَمَا سَيَأْتِي (وَ) مَنَعَهُ (أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالرُّخَصِ وَالتَّقْدِيرَاتِ) قَالَ
ــ
[حاشية العطار]
وَأَصْلُهُ مِنْ أَصْفَهَانَ وَمَوْلِدُهُ بِالْكُوفَةِ وَمُنْشَؤُهُ بِبَغْدَادَ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْمُسْتَمْلِي رَأَيْت دَاوُد بْنَ عَلِيٍّ يَرُدُّ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَمَا رَأَيْت أَحَدًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُجَيْرٍ سَمِعْت دَاوُد بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ دَخَلْت عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فَجَلَسْت فَرَأَيْت كُتُبَ الشَّافِعِيِّ فَأَخَذْت أَنْظُرُ فِيهَا فَصَاحَ أَيُّ شَيْءٍ تَنْظُرُ؟ فَقُلْت مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ فَجَعَلَ يَضْحَكُ. سُئِلَ عَنْ الْخُنْثَى إذَا مَاتَ مَنْ يُغَسِّلُهُ فَقَالَ يُغَسِّلُهُ الْخَدَمُ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْمُعَاصِرِينَ إنَّهُ يَتَيَمَّمُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَيْسَ جَوَابُ دَاوُد بِبَالِغٍ فِي الْإِنْكَارِ، فِي مَذْهَبِنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَآخَرُ نَشْتَرِي مِنْ تَرِكَتِهِ جَارِيَةً لِتُغَسِّلَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُغَسِّلُهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا لِلضَّرُورَةِ وَاسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ الصِّغَرِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الِاعْتِدَادِ بِخِلَافِ دَاوُد وَأَتْبَاعِهِ فِي الْفُرُوعِ وَعَدَمِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا اعْتِبَارُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ آخِرًا.
ثَانِيهَا عَدَمُ اعْتِبَارِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ رَأْيُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْجُمْهُورِ حَيْثُ قَالَ قَالَ الْجُمْهُورُ إنَّهُمْ يَعْنِي نُفَاةَ الْقِيَاسِ لَا يَبْلُغُونَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ الْقَضَاءَ وَأَنَّ ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرَهُ مِنْ الشَّافِعِيِّينَ لَا يَعْتَدُّونَ بِخِلَافِهِمْ فِي الْفُرُوعِ وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَعَزَاهُ إلَى أَهْلِ التَّحْقِيقِ فَقَالَ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ لَا يُقِيمُونَ لِأَهْلِ الظَّاهِرِ وَزْنًا، وَقَالَ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ مِنْ النِّهَايَةِ كُلُّ مَسْلَكٍ يَخْتَصُّ بِهِ أَصْحَابُ الظَّاهِرِ عَنْ الْقِيَاسِيِّينَ فَالْحُكْمُ بِحَسَبِهِ مَنْقُوضٌ قَالَ وَيَحِقُّ. قَالَ حَبْرُ الْأُصُولِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إنِّي لَا أَعُدُّهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَلَا أُبَالِي بِخِلَافِهِمْ وَلَا وِفَاقِهِمْ، وَقَالَ فِي بَابِ قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فِي السَّرِقَةِ كَرَّرْنَا فِي بَابِ " مَوَاضِيعُ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ " أَنَّ أَصْحَابَ الظَّاهِرِ لَيْسُوا مِنْ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا هُمْ نَقَلَةٌ إنْ ظَهَرَتْ الثِّقَةُ اهـ.
ثَالِثُهَا أَنَّ قَوْلَهُمْ مُعْتَبَرٌ إلَّا فِيمَا خَالَفَ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ رَأْيُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ وَسَمَاعِي عَنْ الشَّيْخِ الْوَالِدِ ﵀ أَنَّ الَّذِي صَحَّ عِنْدَهُ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ لَا يُنْكِرُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، وَإِنْ نَقَلَ إنْكَارَهُ عَنْهُ نَاقِلُونَ قَالَ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُ الْخَفِيَّ فَقَطْ قَالَ وَمُنْكِرُ الْقِيَاسِ مُطْلَقًا جَلِيِّهِ وَخَفِيِّهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ زَعِيمُهُمْ ابْنُ حَزْمٍ اهـ.
مِنْ طَبَقَاتِ الْمُصَنِّفِ بِاخْتِصَارِهِ، وَقَالَ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَقَفْت عَلَى مُصَنَّفٍ لِدَاوُدَ نَفْسِهِ وَهُوَ رِسَالَةٌ أَرْسَلَهَا إلَى الْمُزَنِيّ لَيْسَ فِيهَا إلَّا الِاسْتِدْلَال عَلَى نَفْيِ الْقِيَاسِ، ثُمَّ حَرَصْت كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ أُبْصِرَ فِيهَا تَفْرِقَةً بَيْنَ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ أَوْ تَصْرِيحِهِ بِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ فَلَمْ أَجِدْ مَا يَدُلُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ عِنْدِي بِخَطٍّ قَدِيمٍ مَكْتُوبٍ قَبْلَ الثَّلَاثِمِائَةِ، وَقَدْ قَرَأْت مِنْهَا عَلَى الْوَالِدِ ﵀ كَثِيرًا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ أَوْ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ، ثُمَّ الْآنَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ أَعَدْت النَّظَرَ فِيهَا لَأَرَى ذَلِكَ فَلَمْ أَرَهُ وَعِنْدِي مُخْتَصَرٌ لَطِيفٌ لِدَاوُدَ أَيْضًا فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْقِيَاسَ لَكِنَّهُ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ الْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ سَمَّاهَا الِاسْتِنْبَاطَ فَلَعَلَّ هَذَا مَأْخَذُ الْوَالِدِ ﵀ فِيمَا كَانَ يَنْقُلُهُ عَنْهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْجَلِيِّ) قَالَ الْآمِدِيُّ أَمَّا الْجَلِيُّ وَهُوَ مَا كَانَ الْمُلْحَقُ أَوْلَى مِنْ الْمُلْحَقِ بِهِ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ قَالَهُ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ حَزْمٍ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ اهـ. خَالِدٌ
(قَوْلُهُ: وَاقْتَصَرَ فِي شَرْحِ إلَخْ) أَيْ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُنْكِرُ الْمُسَاوِيَ فَيُخَالِفُ مَا هُنَا
(قَوْلُهُ: وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحُدُودِ) أَيْ مَنَعَ جَرَيَانَ الْقِيَاسِ لِأَجْلِ إثْبَاتِ الْحَدِّ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ فَفِي تَعْلِيلِيَّةٌ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ نَحْنُ وَإِنْ وَافَقْنَاهُ فِي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ لَا نُطْلِقُهُ بَلْ نُقَيِّدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يُدْرَكْ الْمَعْنَى فِيمَا مَنَعُوهُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْجَوَابِ اهـ.
قَالَ سم وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ مَا يَقَعُ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ مِنْ أَنَّ الرُّخَصَ يُقْتَصَرُ
стр. 757
لِأَنَّهَا لَا يُدْرَكُ الْمَعْنَى فِيهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُدْرَكُ فِي بَعْضِهَا فَيَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ كَقِيَاسِ النَّبَّاشِ عَلَى السَّارِقِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ بِجَامِعِ أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ مِنْ حِرْزٍ خُفْيَةً وَقِيَاسِ الْقَاتِلِ عَمْدًا عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِجَامِعِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقِيَاسِ غَيْرِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ فِي جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِ الَّذِي هُوَ رُخْصَةٌ بِجَامِعِ الْجَامِدِ الطَّاهِرِ الْقَالِعِ
وَأَخْرَجَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ عَنْ الْقِيَاسِ بِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْحَجَرِ وَسَمَّاهُ دَلَالَةَ النَّصِّ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْهُ وَقِيَاسِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْكَفَّارَةِ فِي تَقْرِيرِهَا عَلَى الْمُوسِرِ بِمُدَّيْنِ كَمَا فِي فِدْيَةِ الْحَجِّ وَالْمُعْسِرِ بِمُدٍّ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْوِقَاعِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ يَجِبُ بِالشَّرْعِ وَيَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ وَأَصْلُ التَّفَاوُتِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الْآيَةَ
ــ
[حاشية العطار]
فِيهَا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ مَمْنُوعٌ عَلَى إطْلَاقِهِ فَتَفَطَّنْ لَهُ، ثُمَّ إنَّ إمَامَنَا الشَّافِعِيَّ ﵁ ذَكَرَ لَهُمْ مُنَاقَضَاتٍ فِي هَذَا الْبَابِ فَأَمَّا الْحُدُودُ فَإِنَّهُمْ قَاسُوا فِيهَا حَتَّى عَدُّوهَا إلَى الِاسْتِحْسَانِ فَأَوْجَبُوا الْحَدَّ عَلَى شَخْصٍ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعٌ بِأَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَعَيَّنَ كُلُّ شَخْصٍ مِنْهُمْ رِوَايَةً مَعَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْعَقْلِ فَلَأَنْ نَعْمَلَ فِيهِ بِمَا يُوَافِقُ الْعَقْلَ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ فَقَاسُوا فِيهَا الْإِفْطَارَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى الْإِفْطَارِ بِالْجِمَاعِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ نَاسِيًا عَلَى قَتْلِهِ عَامِدًا مَعَ تَقْيِيدِ النَّصِّ بِالْعَمْدِ، وَأَمَّا الْمُقَدَّرَاتُ فَقَالُوا فِي الْبِئْرِ يَقَعُ فِيهَا الْحَيَوَانُ فَيَنْزَحُ مِنْهَا لِلدَّجَاجَةِ مِائَةَ دَلْوٍ مَثَلًا وَلِلْفَأْرَةِ خَمْسِينَ دَلْوًا وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا، وَأَمَّا الرُّخَصُ فَقَاسُوا فِيهَا أَيْضًا فَإِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَحْجَارِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ رُخْصَةٌ وَقَاسُوا عَلَيْهِ سَائِرَ النَّجَاسَاتِ فَخَالَفُوا دَعْوَاهُمْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا يُدْرَكُ الْمَعْنَى فِيهَا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ لَهَا مَعْنًى وَلَكِنْ لَا يُدْرَكُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ التَّعَبُّدِيَّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْنًى لِاسْتِحَالَةِ الْعَبَثِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّ الْمَعْنَى لِدِقَّتِهِ لَا يُدْرَكُ وَالْمُرَادُ الْمَعْنَى الَّذِي يُجْعَلُ جَامِعًا وَهِيَ الْعِلَّةُ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا الْقِيَاسُ (قَوْلُهُ: فِي بَعْضِهَا) أَيْ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَيُقَالُ فِيهِ بِالْقِيَاسِ فَلَا تَتِمُّ كُلِّيَّةُ السَّلْبِ، وَقَدْ مَثَّلَ لِكُلٍّ مِنْهَا بِمِثَالٍ (قَوْلُهُ: كَقِيَاسِ النَّبَّاشِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّارِقِ؛ لِأَنَّهُ آخِذٌ لِلْأَكْفَانِ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهَا فَلَا حَاجَةَ لِلْقِيَاسِ مَعَ تَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُ (قَوْلُهُ: عَلَى السَّارِقِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْقَبْرِ (قَوْلُهُ: مِنْ حِرْزٍ إلَخْ) أَيْ وَالْقَبْرُ حِرْزٌ لِمَا وُضِعَ فِيهِ مِمَّا كَانَ مُبَاحًا وَالْمُرَادُ بِالْغَيْرِ الْوَرَثَةُ فِي الْكَفَنِ فَإِنَّ لَهُمْ تَقْدِيرًا لَوْ فُرِضَ أَنْ لَوْ أَكَلَ الْمَيِّتَ سَبُعٌ (قَوْلُهُ: فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ) هِيَ مَنْدُوبَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَقِيَاسُ غَيْرِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ) فَإِنْ قِيلَ غَيْرُ الْحَجَرِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ لَيْسَ رُخْصَةً إذْ الرُّخْصَةُ جَوَازُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ آلَةُ الرُّخْصَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ صَحَّ الْقِيَاسُ فِيمَا تَكُونُ بِهِ الرُّخْصَةُ صَحَّ فِيهَا أَيْضًا (قَوْلُهُ: بِجَامِعِ الْجَامِدِ الطَّاهِرِ) أَيْ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَامِدٌ طَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَأَخْرَجَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرَ الْحَجَرِ (قَوْلُهُ: بِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْحَجَرِ) فَالْمُرَادُ بِالْحَجَرِ فِي النَّصِّ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ
(قَوْلُهُ: وَسَمَّاهُ) أَيْ مَا ذَكَرَ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي مَعْنَى الْحَجَرِ أَيْ أَعْطَى غَيْرَ الْحَجَرِ حُكْمَ الْحَجَرِ (قَوْلُهُ: وَسَمَّاهُ) أَيْ سَمَّى إعْطَاءَ غَيْرِ الْحَجَرِ حُكْمَ الْحَجَرِ (قَوْلُهُ: دَلَالَةُ النَّصِّ) يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ أَقْسَامِ دَلَالَةِ النَّصِّ وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ اسْتِنْبَاطًا بِالْقِيَاسِ وَدَلَالَةُ النَّصِّ عِنْدَهُمْ هِيَ الْمُسَمَّاةُ عِنْدَنَا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ بِقِسْمَيْهِ الْأَوْلَى وَالْمُسَاوِي (قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ) أَيْ بِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْحَجَرِ عَنْهُ أَيْ عَنْ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الْحَجَرَ لَا يُطْلَقُ عَلَى نَحْوِ الْخِرْقَةِ فَلَا بُدَّ فِي إلْحَاقِهَا مِنْ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي فِدْيَةِ الْحَجِّ) أَيْ الْفِدْيَةِ الْوَاقِعَةِ بِارْتِكَابِ مَحْذُورٍ مِنْ مَحْذُورَاتِهِ مَثَلًا كَاللُّبْسِ وَالدُّهْنِ (قَوْلُهُ: وَأَصْلُ التَّفَاوُتِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ تَفَاوُتَ الْمُوسِرِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَى فِدْيَةِ الْحَجِّ فَأَجَابَ بِأَنَّ الثَّابِتَ إنَّمَا هُوَ أَصْلُ التَّفَاوُتِ لَا تَعْيِينُ الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ فَإِنَّهُ بِالْقِيَاسِ
стр. 758
(وَ) مَنَعَهُ (ابْنُ عَبْدَانِ مَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ) لِوُقُوعِ حَادِثَةٍ لَمْ يُوجَدْ نَصٌّ فِيهَا فَيَجُوزُ الْقِيَاسُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ بِخِلَافِ مَا لَمْ يَقَعْ فَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِيهِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ قُلْنَا فَائِدَتُهُ الْعَمَلُ بِهِ فِيمَا إذَا وَقَعَتْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةُ (وَ) مَنَعَهُ (قَوْمٌ فِي الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ) قَالُوا لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِيهَا يُخْرِجُهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ إذْ يَكُونُ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا هُوَ السَّبَبُ وَالشَّرْطُ وَالْمَانِعُ لَا خُصُوصُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ أَوْ الْمَقِيسِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُخْرِجُهَا عَمَّا ذُكِرَ وَالْمَعْنَى مُشْتَرَكٌ فِيهِ كَمَا هُوَ عِلَّةٌ لَهَا يَكُونُ عِلَّةً لِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا مِثَالُهُ فِي السَّبَبِ قِيَاسُ اللِّوَاطِ عَلَى الزِّنَا بِجَامِعِ إيلَاجِ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا مُشْتَهًى طَبْعًا (وَ) مَنَعَهُ (قَوْمٌ فِي أُصُولِ الْعِبَادَاتِ) فَنَفَوْا جَوَازَ الصَّلَاةِ بِالْإِيمَاءِ الْمَقِيسَةِ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِجَامِعِ الْعَجْزِ. قَالُوا لِأَنَّ الدَّوَاعِيَ تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِ أُصُولِ الْعِبَادَاتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَعَدَمُ نَقْلِ الصَّلَاةِ بِالْإِيمَاءِ الَّتِي هِيَ مِنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهَا فَلَا يَثْبُتُ جَوَازُهَا بِالْقِيَاسِ وَدَفْعُ ذَلِكَ بِمَنْعِهِ ظَاهِرٌ
(وَ) مَنَعَ (قَوْمٌ) الْقِيَاسِ الْجُزْئِيَّ (الْحَاجِيُّ) أَيْ الَّذِي تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى مُقْتَضَاهُ (إذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلَى وَفْقِهِ) فِي مُقْتَضَاهُ (كَضَمَانِ الدِّرْعِ) وَهُوَ ضَمَانُ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي إنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا الْقِيَاسَ يَقْتَضِي مَنْعَهُ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: وَمَنَعَهُ) أَيْ مَنَعَ الِاشْتِغَالَ بِهِ (قَوْلُهُ: ابْنُ عَبْدَانَ) هُوَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (قَوْلُهُ: فِيمَا إذَا) الْأَوْلَى حَذْفُ لَفْظَةِ فِيمَا وَتَأَخُّرُ الْقِيَاسِ إلَى الْوُقُوعِ فَلَا يُوجَدُ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْقِيَاسِ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: إذْ يَكُونُ إلَخْ) مَثَلًا الزِّنَا سَبَبٌ لِلْحَدِّ فَقِيسَ عَلَيْهِ اللِّوَاطُ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لَهُ أَيْضًا فَالْمَانِعُ الْقِيَاسَ يَقُولُ الْقِيَاسُ فِي السَّبَبِ يُخْرِجُهُ عَنْ السَّبَبِيَّةِ إذْ يَكُونُ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ إيلَاجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا مُشْتَهًى طَبْعًا هُوَ السَّبَبَ فِي الْحَدِّ لَا خُصُوصَ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَهُوَ الزِّنَا أَوْ الْمَقِيسُ وَهُوَ اللِّوَاطُ وَكَالْإِسْكَارِ فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْحَدِّ (قَوْلُهُ: الْمَقِيسِ عَلَيْهِ) كَمَا هُوَ الْفَرْضُ بِالْفَاءِ وَقَوْلُهُ أَوْ الْمَقِيسِ كَمَا هُوَ الْغَرَضُ بِالْغَيْنِ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ عِلَّةٌ لَهَا) أَيْ لِجَعْلِهَا أَسْبَابًا وَشُرُوطًا وَمَوَانِعَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْجَامِعَ هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا) أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ لَا أَنَّهُ عِلَّةٌ لِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا فَقَطْ (قَوْلُهُ: مِثَالُهُ فِي السَّبَبِ إلَخْ) وَمِثَالُهُ فِي الشَّرْطِ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ الْجَلْدُ فِي الزِّنَا عُقُوبَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْإِسْلَامُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّجْمِ وَمِثَالُ الْمَانِعِ قِيَاسُ مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنْ اسْتِدَامَةِ مِلْكِ الصَّيْدِ قِيَاسًا عَلَى مَنْعِهِ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ بِجَامِعِ حُرْمَةِ الْإِحْرَامِ
١ -
(قَوْلُهُ:) (بِالْإِيمَاءِ) أَيْ بِالْإِيمَاءِ بِالْحَاجِبِ وَنَحْوِهِ لَا بِالرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَعَلَيْهِ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ عَلَى صَلَاةِ الْمُومِئِ بِرَأْسِهِ اهـ زَكَرِيَّا
(قَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) كَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَاسِ فِي أُصُولِ الْعِبَادَاتِ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ فِي نَفْسِهَا أَوْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْإِيمَاءِ فِي الْمِثَالِ وَفِيهِ تَصْحِيحٌ لِلْمِثَالِ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: وَدَفْعُ ذَلِكَ بِمَنْعِهِ ظَاهِرٌ) أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ النَّقْلِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُودِهَا بَلْ عَلَى عَدَمِ الِاطِّلَاعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُجُودِ فِي الْوَاقِعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ (قَوْلُهُ وَمَنَعَ قَوْمٌ الْقِيَاسَ الْجُزْئِيَّ إلَخْ) قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لِلْأُصُولِيِّينَ، وَإِنَّمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ ابْنُ الْوَكِيلِ اهـ زَكَرِيَّا.
وَالتَّقْيِيدُ بِالْجُزْئِيِّ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ مَنْعَ الْقِيَاسِ الْجُزْئِيِّ مِنْ حَيْثُ إفْرَادُهُ بِدَلِيلِ الْأَمْثِلَةِ لَا مِنْ حَيْثُ مَاهِيَّتُه الْكُلِّيَّةُ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ مَفْهُومُهُ الْجَوَازُ عِنْدَ الْوُرُودِ، وَقَدْ يُشْكِلُ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ الْأَصْلِ شَامِلًا لِلْفَرْعِ اهـ.
وَأَقُولُ لَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ
стр. 759
لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ، وَعَلَيْهِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ
ــ
[حاشية العطار]
فِيهِ خِلَافٌ قَوِيٌّ حَتَّى نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عَنْ الْأَكْثَرِ جَوَازَ الْقِيَاسِ مَعَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْفَرْعِ بِالنَّصِّ وَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنَّ التَّقْيِيدَ؛ لِأَنَّهُ الْمَحَلُّ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ مُجَوِّزِي الْقِيَاسِ وَعِنْدَ التَّقْيِيدِ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ خُصُوصًا وَالْمَسْأَلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ ابْنِ الْوَكِيلِ وَهَذَا الْقَيْدُ فِي كَلَامِهِ وَلَعَلَّهُ مِمَّنْ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَنَقْلُ مَا قَالَهُ بِتَمَامِهِ هُوَ الِاحْتِيَاطُ فَلَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: كَضَمَانِ الدَّرْكِ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ كَأَنْ يُقَاسَ عَلَى ضَمَانِ الْوَاجِبِ فِي الْجَوَازِ بِجَامِعِ الْحَاجَةِ إلَى كُلٍّ مِنْهَا وَوَجْهُ الْمَنْعِ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِعُمُومِ الْحَاجَةِ وَأَيْضًا فَيَكُونُ الْقِيَاسُ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَقْتَضِي مَنْعَهُ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ وَحِينَئِذٍ فَالْمِثَالُ مُطَابِقٌ وَلَا حَاجَةَ إلَّا مَا تَكَلَّفَهُ الشَّارِحُ، وَتَعْلِيلُ الْمَتْنِ بِهَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ لَا يَضُرُّ فِيهِ كَوْنُ مُقْتَضَى الْأُولَى الْجَوَازَ وَالثَّانِيَةِ الْمَنْعَ اهـ.
وَأَقُولُ هَذَا الِاعْتِرَاضُ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ عَلَى الشَّارِحِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَمَلَ الْمِثَالَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي قَدَّرَهُ حَتَّى لَزِمَ عَدَمُ الْمُطَابَقَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْوَكِيلِ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الشَّارِحِ ذَكَرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ. مِنْ سم.
(قَوْلُهُ: الْقِيَاسُ يَقْتَضِي إلَخْ) أَيْ الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يَجِبْ يَقْتَضِي مَنْعَ الضَّمَانِ (قَوْلُهُ: مَنَعَهُ) أَيْ مَنَعَ اشْتِرَاطَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ) هَذَا عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَجِبْ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ ابْنُ سُرَيْجٍ) هُوَ الْقَاضِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ عُمَرَ بْنِ سُرَيْجٍ تَرْجَمَهُ الْمُصَنِّفِ فِي الطَّبَقَاتِ تَرْجَمَةً وَاسِعَةً قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ كَانَ يُقَالُ لَهُ الْبَازُ الْأَشْهَبُ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِشِيرَازَ وَكَانَ يُفَضَّلُ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَتَّى عَلَى الْمُزَنِيّ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالشَّافِعِيِّ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْمُزَنِيِّ يَقُولُ رَبِّ هَذَا قَدْ أَفْسَدَ عُلُومِي فَأَقُولُ أَنَا مَهْلًا بِأَبِي إبْرَاهِيمَ فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ فِي إصْلَاحِ مَا أَفْسَدَهُ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي عِلَّتِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أُرِيت الْبَارِحَةَ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لِي هَذَا رَبُّك تَعَالَى يُخَاطِبُك قَالَ فَسَمِعْت الْخِطَابَ بِمَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ فَقُلْت بِالْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ قَالَ فَقِيلَ بِمَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ قَالَ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّهُ يُرَادُ مِنِّي زِيَادَةٌ فِي الْجَوَابِ فَقُلْت بِالْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ غَيْرَ أَنَّا أَصَبْنَا مِنْ هَذِهِ الذُّنُوبِ فَقَالَ أَمَا إنِّي سَأَغْفِرُ لَك وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ لَنَا ابْنُ سُرَيْجٍ يَوْمًا أَحْسِبُ أَنَّ الْمَنِيَّةَ قَدْ قَرُبَتْ فَقُلْنَا وَكَيْفَ قَالَ رَأَيْت الْبَارِحَةَ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَالنَّاسَ قَدْ حُشِرُوا وَكَأَنَّ مُنَادِيًا يُنَادِي بِمَ أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ فَقُلْت بِالْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ فَقَالَ مَا سَأَلْتُمْ عَنْ الْأَقْوَالِ بَلْ سَأَلْتُمْ عَنْ الْأَفْعَالِ فَقُلْت أَمَّا الْكَبَائِرُ فَقَدْ اجْتَنَبْنَاهَا.
وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَعَوَّلْنَا فِيهَا عَلَى عَفْوِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَقُلْنَا لَهُ مَا فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي سُرْعَةَ الْمَوْتِ فَقَالَ أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] قَالَ فَمَاتَ بَعْدَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَةٍ قِيلَ إنَّ مُصَنَّفَاتِهِ بَلَغَتْ أَرْبَعَمِائَةٍ وَكَانَ يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ مُنَاظَرَاتٌ قَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ يَوْمًا أَبْلِعْنِي رِيقِي فَقَالَ أَبْلَعْتُك دِجْلَةَ، وَقَالَ مَرَّةً أَمْهِلْنِي السَّاعَةَ فَقَالَ أَمْهَلْتُك مِنْ السَّاعَةِ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَتَنَاظَرَا مَرَّةً فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فَقَالَ ابْنُ دَاوُد تُبَاعُ؛ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً تُبَاعُ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَزُولُ بِوِلَادَتِهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا لَا تُبَاعُ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهَا تُبَاعُ إذَا انْفَصَلَ الْحَمْلُ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ فَبُهِتَ ابْنُ دَاوُد
وَقَالَ لَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ مَرَّةً فِي أَثْنَاءِ الْمُنَاظَرَةِ أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِكِتَابِ الزَّهْرَةِ أَمْهَرُ مِنْك فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَوَ بِكِتَابِ الزَّهْرَةِ تُعَيِّرُنِي وَاَللَّهِ مَا تُحْسِنُ تَسْتَتِمُّ قِرَاءَتَهُ قِرَاءَةَ مَنْ يَفْهَمُ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَجَلِّ الْمَنَاقِبِ إذْ كُنْت أَقُولُ فِيهِ:
أُكَرِّرُ فِي رَوْضِ الْمَحَاسِنِ مُقْلَتِي ... وَأَمْنَعُ نَفْسِي أَنْ تَنَالَ مُحَرَّمَا
وَيَنْطِقُ سِرِّي عَنْ مُتَرْجِمِ خَاطِرِي ... فَلَوْلَا اخْتِلَاسِي رَدَّهُ لَتَكَلَّمَا
رَأَيْت الْهَوَى دَعْوَى مِنْ النَّاسِ كُلِّهِمْ ... فَمَا أَنْ أَرَى حَيًّا صَحِيحًا مُسْلِمَا
стр. 760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية العطار]
فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ أَوَعَلَيَّ تَفْتَخِرُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَأَنَا الَّذِي أَقُولُ:
وَمُسَاهِرٌ بِالْغُنْجِ مِنْ لَحَظَاتِهِ ... قَدْ بِتّ أَمْنَعُهُ لَذِيذَ سِنَاتِهِ
أَصْبُو لِحُسْنِ حَدِيثِهِ وَعِتَابِهِ ... وَأُكَرِّرُ اللَّحَظَاتِ مِنْ وَجْنَاتِهِ
حَتَّى إذَا مَا الصُّبْحُ لَاحَ عَمُودُهُ ... وَلَّى بِخَاتَمِ رَبِّهِ وَبَرَاتِهِ
فَقَالَ ابْنُ دَاوُد لِأَبِي عُمَرَ وَكَانَ حَاضِرًا بِمَجْلِسِ الْوَزِيرِ وَقْتَ الْمُنَاظَرَةِ أَيَّدَ اللَّهُ الْقَاضِيَ قَدْ أَقَرَّ بِالْمَبِيتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَادَّعَى الْبَرَاءَةَ مِمَّا يُوجِبُهُ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ مَذْهَبِي أَنَّ الْمُقِرَّ إذَا أَقَرَّ إقْرَارًا وَنَاطَهُ بِصِفَةٍ كَانَ إقْرَارُهُ مَوْكُولًا إلَى صِفَتِهِ
فَقَالَ ابْنُ دَاوُد لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ فَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قُلْته اخْتِيَارِيٌّ السَّاعَةَ وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْوَزِيرُ مُنْحَرِفًا عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ لِفَضْلِ تَرَفُّعِهِ وَتَقَاعُدِهِ عَنْ زِيَارَتِهِ مَائِلًا إلَى أَبِي بَكْرٍ الْمَالِكِيِّ الْقَاضِي لِمُوَاظَبَتِهِ عَلَى خِدْمَتِهِ وَلِذَلِكَ قَلَّدَهُ الْقَضَاءَ وَكَانَ أَبُو عُمَرَ مُتَرَفِّعًا عَلَى أَكْفَائِهِ مِنْ فُقَهَاءِ بَغْدَادَ لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ فَحَمَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَتَبُّعِ فَتَاوِيهِ حَتَّى ظَفِرُوا لَهُ بِفَتْوًى خَالَفَ فِيهَا الْجَمَاعَةَ وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ وَأَنْهَوْا ذَلِكَ إلَى الْخَلِيفَةِ وَالْوَزِيرِ فَعَقَدُوا مَجْلِسًا لِذَلِكَ وَفِيمَنْ حَضَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى السُّكُوتِ فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَا أَكَادُ أَقُولُ فِيهِمْ، وَقَدْ ادَّعَوْا عَلَيْهِ خَرْقَ الْإِجْمَاعِ وَأَعْيَاهُ الِانْفِصَالُ عَمَّا اعْتَرَضُوا بِهِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ قَوْلُ عِدَّةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَأَعْجَبُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ قَوْلُ إمَامِهِ مَالِكٍ وَهُوَ مَسْطُورٌ فِي الْكِتَابِ الْفُلَانِيِّ فَأَمَرَ الْوَزِيرُ بِإِحْضَارِ ذَلِكَ الْكِتَابِ فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَهُ فَأُعْجِبَ بِهِ غَايَةَ الْإِعْجَابِ وَتَعَجَّبَ مِنْ حِفْظِهِ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ وَغَفْلَةِ أَبِي عُمَرَ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَسَارَ هَذَا مِنْ أَوْكَدِ الصَّدَاقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَزِيرِ اهـ.
أَقُولُ مَنْ تَأَمَّلَ مَا سَطَّرْنَاهُ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّصَدِّي لِتَرَاجُمِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رُسُوخِ قِدَمِهِمْ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ لَهُمْ اطِّلَاعٌ عَظِيمٌ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْعُلُومِ وَإِحَاطَةٌ تَامَّةٌ بِكُلِّيَّاتِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا حَتَّى فِي كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ فِي الْعَقَائِدِ وَالْفُرُوعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ النَّقْلُ عَنْهُمْ فِي كُتُبِهِمْ وَالتَّصَدِّي لِدَفْعِ شُبَهِهِمْ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ تَجَاوُزُهُمْ إلَى النَّظَرِ فِي كُتُبِ غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَإِنِّي وَقَفْت عَلَى مُؤَلَّفٍ لِلْقَرَافِيِّ رَدَّ فِيهِ عَلَى الْيَهُودِ شُبَهًا أَوْرَدُوهَا عَلَى الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لَمْ يَأْتِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إلَّا بِنُصُوصِ التَّوْرَاةِ وَبَقِيَّةِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ حَتَّى يَظُنَّ النَّاظِرُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ مَا أَخَلُّوا فِي تَثْقِيفِ أَلْسِنَتِهِمْ وَتَرْقِيقِ طِبَاعِهِمْ مِنْ رَقَائِقِ الْأَشْعَارِ وَلَطَائِفِ الْمُحَاضَرَاتِ وَمَنْ نَظَرِ مَا دَارَ بَيْنَ الْمُصَنِّفِ ﵀ وَبَيْنَ عَصْرِيِّهِ الْأَدِيبِ الصَّلَاحِ الصَّفَدِيِّ مِنْ الْمُرَاسَلَاتِ الْبَلِيغَةِ وَالْأَشْعَارِ الرَّقِيقَةِ عَلِمَ أَنَّهُ ﵀ مِمَّنْ يَخْضَعُ لَهُ رِقَابُ الْبُلَغَاءِ وَتَجْرِي فِي مِضْمَارِهِ سَوَابِقُ الْأُدَبَاءِ
وَكَذَا مَا دَارَ بَيْنَ سُلْطَانِ الْمُحَدِّثِينَ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ وَمَنْ عَاصَرَهُ مِنْ فُحُولِ الْأُدَبَاءِ مِنْ لَطَائِفِ الْأَشْعَارِ وَالنِّكَاتِ الْأَدَبِيَّةِ، وَكَذَا الْعَلَّامَةُ الدَّمَامِينِيُّ بَلْ وَبَيْنَ الْحَافِظِ السُّيُوطِيّ وَالسَّخَاوِيِّ مِنْ الْمُنَاقَضَاتِ وَمَا أَلَّفَهُ مِنْ الْمَقَامَاتِ وَفِيمَا انْتَهَى إلَيْهِ الْحَالُ فِي زَمَنٍ وَقَعْنَا فِيهِ عُلِمَ أَنَّ نِسْبَتَنَا إلَيْهِمْ كَنِسْبَةِ عَامَّةِ زَمَانِهِمْ فَإِنَّ قُصَارَى أَمْرِنَا النَّقْلُ عَنْهُمْ بِدُونِ أَنْ نَخْتَرِعَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، وَلَيْتَنَا وَصَلْنَا إلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ بَلْ اقْتَصَرْنَا عَلَى النَّظَرِ فِي كُتُبٍ مَحْصُورَةٍ أَلَّفَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ الْمُسْتَمِدُّونَ مِنْ كَلَامِهِمْ نُكَرِّرُهَا طُولَ الْعُمُرِ وَلَا تَطْمَحُ نُفُوسُنَا إلَى النَّظَرِ فِي غَيْرِهَا حَتَّى كَانَ الْعِلْمُ انْحَصَرَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ عَلَيْنَا سُؤَالٌ مِنْ غَوَامِضِ عِلْمِ الْكَلَامِ تَخَلَّصْنَا عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا كَلَامُ الْفَلَاسِفَةِ وَلَا نَنْظُرُ فِيهِ أَوْ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ قُلْنَا لَمْ نَرَهَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ فَلَا أَصْلَ لَهَا أَوْ نُكْتَةٌ أَدَبِيَّةٌ قُلْنَا هَذَا مِنْ عُلُومِ أَهْلِ الْبَطَالَةِ وَهَكَذَا فَصَارَ الْعُذْرُ أَقْبَحُ مِنْ الذَّنْبِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَّا فِي مَجْلِسٍ فَالْمُخَاطَبَاتُ مُخَاطَبَاتُ الْعَامَّةِ وَالْحَدِيثُ حَدِيثُهُمْ فَإِذَا جَرَى فِي الْمَجْلِسِ نُكْتَةٌ أَدَبِيَّةٌ رُبَّمَا لَا نَتَفَطَّنُ لَهَا، وَإِنْ تَفَطَّنَّا لَهَا بَالَغْنَا فِي إنْكَارِهَا وَالْإِغْمَاضِ عَنْ قَائِلِهَا إنْ كَانَ مُسَاوِيًا وَإِيذَائِهِ بِشَنَاعَةِ الْقَوْلِ إنْ كَانَ أَدْنَى وَنَسَبْنَاهُ إلَى عَدَمِ الْحِشْمَةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ
وَأَمَّا إذَا وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ غَامِضَةٌ مِنْ أَيِّ عِلْمٍ كَانَ عِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الْقِيَامَةُ وَتَكْثُرُ الْمَقَالَةُ وَيَتَكَدَّرُ الْمَجْلِسُ وَتَمْتَلِئُ الْقُلُوبُ بِالشَّحْنَاءِ وَتُغْمِضُ الْعُيُونُ عَلَى الْقَذْي فَالْمَرْمُوقُ
стр. 761
لِعُمُومِ
الْحَاجَةِ
إلَيْهِ لِمُعَامَلَةِ الْغُرَبَاءِ وَغَيْرِهِمْ لَكِنْ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الرُّجُوعِ حَيْثُ يَخْرُجُ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا وَالْمِثَالُ غَيْرُ مُطَابِقٍ فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ فِيهِ إلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ إلَّا أَنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ الْحَاجِيَّ بِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ أَوْ إلَى خِلَافِهِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ ابْنِ الْوَكِيلِ، وَقَدْ قَالَ قَاعِدَةُ الْقِيَاسِ الْجُزْئِيِّ إذَا لَمْ يَرِدْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بَيَانٌ عَلَى وَفْقِهِ مَعَ عُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي زَمَانِهِ أَوْ عُمُومِ الْحَاجَةِ إلَى خِلَافِهِ هَلْ يُعْمَلُ بِذَلِكَ الْقِيَاسِ؟ فِيهِ خِلَافٌ وَذَكَرَ لَهُ صُوَرًا مِنْهَا ضَمَانُ الدَّرْكِ ذَكَرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مِثَالٌ لِلشِّقِّ الثَّانِي مِنْ الْمَسْأَلَةِ وَمِنْهَا وَهُوَ مِثَالٌ لِلْأَوَّلِ صَلَاةُ الْإِنْسَانِ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَغُسِّلُوا وَكُفِّنُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
الْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازَهَا وَعَلَيْهِ الرُّويَانِيُّ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ عَلَى غَائِبٍ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ لِذَلِكَ لِنَفْعِ الْمُصَلِّي وَالْمُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَرِدْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بَيَانٌ لِذَلِكَ وَوَجْهُ مَنْعِ الْقِيَاسِ فِي الشَّيْءِ الْأَوَّلِ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِعُمُومِ الْحَاجَةِ وَفِي الثَّانِي
ــ
[حاشية العطار]
بِنَظَرِ الْعَامَّةِ الْمَوْسُومِ بِمَا يُسَمَّى الْعِلْمَ إمَّا أَنْ يَتَسَتَّرَ بِالسُّكُوتِ حَتَّى يُقَالَ إنَّ الشَّيْخَ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ يَهْذُو بِمَا تَمُجُّهُ الْأَسْمَاعُ وَتَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ وَقَالُوا سَكِرْنَا بِحُبِّ الْإِلَهِ وَمَا أَسْكَرَ الْقَوْمَ إلَّا الْقَطْعُ فَحَالُنَا الْآنَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ بِبَغْدَادَ مَا فِي الدِّيَارِ أَخُو وَجْدٍ نُطَارِحُهُ حَدِيثَ نَجْدٍ وَلَا خِلٌّ نُجَارِيهِ
وَهَذِهِ نَفْثَةُ مَصْدُورٍ فَنَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَاللُّطْفَ.
(قَوْلُهُ: لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) فِيهِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ عُمُومَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَضْمَنَهُ لَهُ أَحَدٌ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَدْ دَفَعَ ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ لِمُعَامَلَةِ الْغُرَبَاءِ فَإِنَّهَا لَا يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ) نَعْتٌ لِقَبْضِ وَقَوْلُهُ حَيْثُ يَخْرُجُ ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ فَهُوَ سَبَبٌ مُقَيَّدٌ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَخْ) أَيْ وَالْمُمَثِّلُ لَهُ مَا اقْتَضَتْ الْحَاجَةُ فِيهِ إلَى الْقِيَاسِ.
١ -
(فَائِدَةٌ) يُشْبِهُ هَذَا التَّعْلِيلُ قَاعِدَةً ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَهِيَ أَنَّ دَاعِيَةَ الطَّبْعِ تُجْزِي عَنْ تَكْلِيفِ الشَّرْعِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الْوَازِعُ الطَّبِيعِيُّ مُغْنٍ عَنْ الْإِيجَابِ الشَّرْعِيِّ قَالَ وَعَبَّرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُحَالُ عَلَى طَبْعِهِ مَا لَمْ يَقُمْ مَانِعٌ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُرَتِّبْ الشَّارِعُ عَلَى شُرْبِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ وَأَكْلِ الْعُذْرَةِ وَالْمَنِيِّ حَدًّا اكْتِفَاءً بِنَفْرَةِ الطِّبَاعِ عَنْهَا بِخِلَافِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لِقِيَامِ بَوَاعِثِهَا فَلَوْلَا الْحَدُّ لَعَمَّتْ مَفَاسِدُهَا قَالَ وَفِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ مِنْهَا لَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ وَشَذَّ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْوَطْأَةِ الْأُولَى لِتَقْرِيرِ الْمَهْرِ، وَمِنْهَا إقْرَارُ الْفَاسِقِ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ يَرْدَعُهُ عَنْ الْكَذِبِ فِيمَا يَضُرُّ نَفْسَهُ أَوْ مَالَهُ أَوْ عِرْضَهُ، وَمِنْهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ عَلَى وَجْهٍ اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْوَازِعَ الطَّبِيعِيَّ رَادِعٌ عَنْ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَمِنْهَا عَدَمُ وُجُوبِ الْحَدِّ بِوَطْءِ الْمَيِّتَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، قَالُوا لِأَنَّهُ لَا يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ وَمَا يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ، وَمِنْهَا أَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْوَجْهِ النَّظَرُ إلَى بَقَاءِ النَّسْلِ
وَقَدْ رَدَّهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَقَالَ فِي النُّفُوسِ مِنْ الشَّهْوَةِ مَا يَبْعَثُهَا عَلَى ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى إيجَابِهِ وَمِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُحَالُ عَلَى طَبْعِهِ مَا لَمْ يَقُمْ مَانِعٌ، ثُمَّ مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ إلَى قِتَالِ أَهْلِ قُطْرٍ رَغِبُوا عَنْ سُنَّةِ النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا اهـ. بِاخْتِصَارٍ.
(قَوْلُهُ: بِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ أَوْ إلَى خِلَافِهِ) أَيْ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ ثُبُوتًا وَنَفْيًا قَالَ الْكَمَالُ وَيَرِدُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ التَّمْثِيلُ أَيْضًا بِضَمَانِ الدَّرْكِ فَإِنَّهُ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ مَنْعُ الْقِيَاسِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ صِحَّتُهُ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مَنْعُ الْقِيَاسِ فِيهِ مَرْجُوحًا (قَوْلُهُ: فِي زَمَانِهِ) أَيْ زَمَنَ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْحَاجَةُ الْمُصَاحِبَةُ لِلْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: هَلْ يُعْمَلُ بِذَلِكَ الْقِيَاسِ) إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ (قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ) أَيْ ابْنُ الْوَكِيلِ (قَوْلُهُ: لِلشِّقِّ الثَّانِي) أَيْ مَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى خِلَافِهِ (قَوْلُهُ: وَكَفَّنُوا) لَيْسَ قَيْدًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْفُرُوعِ فَهُوَ قَيْدٌ لِوُقُوعِهَا كَامِلَةً إذْ الصَّلَاةُ بِلَا تَكْفِينٍ مَكْرُوهَةٌ قَالَهُ زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: فِي الْقِيَاسِ) يَقْتَضِي جَوَازَهَا قِيَاسًا عَلَى صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّجَاشِيِّ (قَوْلُهُ: فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الَّذِي تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِعُمُومِ الْحَاجَةِ) فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ
стр. 762
مُعَارَضَةُ عُمُومِ الْحَاجَةِ لَهُ وَالْمُجِيزُ فِي الْأَوَّلِ قَالَ لَا مَانِعَ مِنْ ضَمِّ دَلِيلٍ آخَرَ وَفِي الثَّانِي قُدِّمَ الْقِيَاسُ عَلَى عُمُومِ الْحَاجَةِ (وَ) مَنَعَ (آخَرُونَ) الْقِيَاسِ (فِي الْعَقْلِيَّاتِ) قَالُوا لِاسْتِغْنَائِهَا عَنْهُ بِالْعَقْلِ وَمَنْ أَجَازَ قَالَ لَا مَانِعَ مِنْ ضَمِّ دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ مِثَالُ ذَلِكَ قِيَاسُ الْبَارِئِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ فِي أَنَّهُ يَرَى بِجَامِعِ الْوُجُودِ إذْ هُوَ عِلَّةُ الرُّؤْيَةِ (وَ) مَنَعَهُ (آخَرُونَ فِي النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ) أَيْ بَقَاءِ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِأَنْ يَنْتَفِيَ الْحُكْمُ فِيهِ لِانْتِفَاءِ مُدْرَكِهِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ الْمُجْتَهِدُ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ فَإِذَا وُجِدَ شَيْءٌ يُشْبِهُ ذَلِكَ لَا حُكْمَ فِيهِ قِيلَ لَا يُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْقِيَاسِ بِالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَقِيلَ يُقَاسُ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ ضَمِّ دَلِيلٍ إلَى آخَرَ (وَتَقَدَّمَ قِيَاسُ اللُّغَةِ) فِي مَبْحَثِهَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ هُنَاكَ أَنْسَبُ مِنْ ذِكْرِ مُعْظَمِهِمْ لَهُ هُنَا وَنَبَّهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُ أَغْفَلَهُ
(وَالصَّحِيحُ) أَنَّ الْقِيَاسَ (حُجَّةٌ) لِعَمَلِ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِهِ مُتَكَرِّرًا شَائِعًا مَعَ سُكُوتِ الْبَاقِينَ
ــ
[حاشية العطار]
الْعَامَّةَ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِ مَا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَعَدَمُ التَّضْيِيقِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ» .
وَحَدِيثِ أَحْمَدَ «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى بِنَاءِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ وَالتَّوْسِيعِ الْمُنَافِي لِلتَّضْيِيقِ (قَوْلُهُ: مُعَارَضَةُ عُمُومِ الْحَاجَةِ) لَهُ مُتَعَلِّقُ الْحَاجَةِ مَحْذُوفٌ أَيْ عُمُومُ الْحَاجَةِ إلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ وَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُعَارَضَةِ (قَوْلُهُ: وَالْمُجِيزُ) أَيْ الْقِيَاسُ فِي الْأَوَّلِ قَالَ لَا مَانِعَ مِنْ ضَمِّ دَلِيلٍ أَيْ كَالْقِيَاسِ إلَى آخَرَ كَعُمُومِ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ قُدِّمَ الْقِيَاسُ عَلَى عُمُومِ الْحَاجَةِ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَدِّمُ لَهُ قَائِلًا بِعَدَمِ صِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرْكِ كَابْنِ سُرَيْجٍ وَأَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِصِحَّتِهِ مُسْتَثْنِيًا لَهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ كَأَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: مِثَالُ ذَلِكَ قِيَاسُ الْبَارِئِ إلَخْ) هَذَا الْقِيَاسُ يُسَمَّى عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ وَالْمَطْلُوبُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهِ فِيهَا الْيَقِينُ مَا فِي التَّعْبِيرِ بِالْغَائِبِ إسَاءَةُ أَدَبٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ ظَاهِرًا أَيْ الْغَائِبُ عَنْ الْعُيُونِ فِي دَارِ الدُّنْيَا إلَّا لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ كَمَّلَ الرُّسُلَ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ شَرْطَ الْجَامِعِ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مُشْتَرَكًا وَالْوُجُودُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ عَيْنُ الْمَوْجُودِ (قَوْلُهُ: وَفِي النَّفْيِ الْأَصْلُ) أَيْ فِي صَاحِبِ النَّفْيِ؛ لِأَنَّا لَا نَقِيسُ نَفْيًا عَلَى نَفْيٍ بَلْ نَقِيسُ شَيْئًا لَمْ نَجِدْ فِيهِ حُكْمًا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَهُوَ اسْتِمْرَارُ النَّفْيِ فِي الْحُكْمِ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ لِعَدَمِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ فَيُسْتَصْحَبُ النَّفْيُ عَلَى مَا كَانَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ أَيْ بَقَاءِ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَنْتَفِيَ الْحُكْمُ فِيهِ) أَيْ فِي الشَّيْءِ وَقَوْلُهُ لِانْتِفَاءِ مُدْرَكِهِ أَيْ مُدْرَكِ الْحُكْمِ فِيهِ أَيْ مَكَانَ إدْرَاكِهِ وَهُوَ الدَّلِيلُ (قَوْلُهُ: يُشْبِهُ ذَلِكَ) أَيْ يُشْبِهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي لَا حُكْمَ فِيهِ قَالَ الْكَمَالُ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا بَحَثَ عَنْ حُكْمٍ وَافَقَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ اكْتَفَى فِيهَا بِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْعَقْلِ لِانْتِفَاءِ الْأَحْكَامِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ فَإِذَا وُجِدَ صُورَةٌ تُشْبِهُ الَّتِي اكْتَفَى فِيهَا بِالِاسْتِصْحَابِ بَعْدَ بَحْثِهِ عَنْ حُكْمِهَا فَهَلْ يُسْتَدَلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِيهَا بِقِيَاسِهَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ أَيْضًا أَوْ يُسْتَدَلُّ اكْتِفَاءً عَنْ الْقِيَاسِ بِالِاسْتِصْحَابِ؟ الْمَذْهَبَانِ الْمَحْكِيَّانِ فِي الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى مَا انْتَفَى الْحُكْمُ فِيهِ لِانْتِفَاءِ مُدْرَكِهِ (قَوْلُهُ: إذْ لَا مَانِعَ إلَخْ) قِيلَ عَلَيْهِ لَا مُرَجِّحَ لِجَعْلِ أَحَدِهِمَا أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ وَجَعْلِ الْآخَرِ فَرْعًا عَنْهُ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا انْتَفَى الْحُكْمُ فِيهِ لِانْتِفَاءِ مُدْرَكِهِ اهـ.
وَجَوَابُهُ بِعِلْمٍ مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْكَمَالِ (قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ قِيَاسُ اللُّغَةِ إلَخْ) لَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْوَضْعِ قَدْ لَا يُرَاعِي الْوَاضِعُ الْمَعْنَى كَوَضْعِ الْفَرَسِ وَالْإِبِلِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَدْ يُرَاعِي الْمَعْنَى كَمَا فِي الْقَارُورَةِ وَالْخَمْرِ لَكِنْ رِعَايَةُ الْمَعْنَى إنَّمَا هِيَ لِأَوْلَوِيَّةِ الْوَضْعِ لَا لِصِحَّةِ الْإِطْلَاقِ حَتَّى لَا تُطْلَقَ الْقَارُورَةُ عَلَى الدَّنِّ لِقَرَارِ الْمَاءِ فِيهِ فَرِعَايَةُ الْمَعْنَى لِأَوْلَوِيَّةِ وَضْعِ هَذَا اللَّفْظِ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الصَّحِيحَ مُقَابِلُ الْمَنْعَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَا يُقَالُ إنَّ مُقَابِلَ الْمَنْعِ الْجَوَازُ إذْ لَا مَعْنَى لِجَوَازِهِ إلَّا لِكَوْنِهِ حُجَّةً إذْ الْجَوَازُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُجِّيَّةِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَكَأَنَّهُ أَعَادَهُ لِأَجْلِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ أَوْ الْخِلَافُ لَمْ يَتَقَدَّمْ وَكَوْنُهُ حُجَّةً يَتَضَمَّنُ وُقُوعَهُ (قَوْلُهُ: لِعَمَلِ
стр. 763
الَّذِي هُوَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ الْعَامَّةِ وِفَاقٌ عَادَةً وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] وَالِاعْتِبَارُ قِيَاسُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ (إلَّا فِي) الْأُمُورِ (الْعَادِيَّةِ وَالْخِلْقِيَّةِ)
ــ
[حاشية العطار]
كَثِيرٍ إلَخْ) قَدَّمَهُ عَلَى الدَّلِيلِ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ أَوْضَحَ مِنْهُ دَلَالَةً، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ جَعَلَ الدَّلِيلَ عَلَى الْحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ وَهُوَ ظَنِّيٌّ مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يَكُونُ قَطْعِيًّا
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَحَلَّ كَوْنِهِ ظَنِّيًّا إذَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةُ الرِّضَا وَإِلَّا كَانَ قَطْعِيًّا، وَقَدْ وُجِدَتْ هُنَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مَعَ سُكُوتِ إلَخْ (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ) أَيْ السُّكُوتُ وَقَوْلُهُ وِفَاقَ خَبَرُ هُوَ (قَوْلُهُ: فِي مِثْل ذَلِكَ) أَيْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْأُصُولِ بَيَانٌ لِمِثْلِ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ قَدْ ثَبَتَ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَإِنْ كَانَتْ تَفَاصِيلُ ذَلِكَ آحَادًا وَالْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ قَاطِعٍ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً، وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْهُ بِالتَّعْيِينِ، ثُمَّ قَالَ وَمَا نُقِلَ مِنْ ذَمِّ الرَّأْيِ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ إنَّمَا كَانَ فِي الْبَعْضِ لِكَوْنِهِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ أَوْ لِعَدَمِ شَرَائِطِ الْقِيَاسِ، وَشُيُوعُ الْأَقْيِسَةِ الْكَثِيرَةِ بِلَا إنْكَارٍ مَقْطُوعٌ بِهِ مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ الْعَمَلَ كَانَ بِهَا لِظُهُورِهَا لَا بِخُصُوصِيَّاتِهَا اهـ (قَوْلُهُ: وَلِقَوْلِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِعَمَلِ دَلِيلٍ ثَانٍ الْحُجِّيَّةُ الْقِيَاسُ وَقَوْلُهُ وَالِاعْتِبَارُ إلَخْ مِنْ تَتِمَّةِ الِاسْتِدْلَالِ وَطَرِيقُ الِاسْتِدْلَالِ أَنْ تَقُولَ الْقِيَاسُ اعْتِبَارٌ وَالِاعْتِبَارُ مَأْمُورٌ بِهِ يَنْتُجُ الْقِيَاسُ مَأْمُورٌ بِهِ. بَيَانُ الصُّغْرَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ افْتِعَالٌ مِنْ الْعُبُورِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ فِيهِ عُبُورَ الذِّهْنِيِّ مِنْ النَّظَرِ فِي حَالِ الْأَصْلِ إلَى حَالِ الْفَرْعِ وَدَلِيلُ الْكُبْرَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] الْآيَةَ وَيُرَادُ أَنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ تَامِّ التَّقْرِيبِ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَنْتَجَ وُجُوبَ الْقِيَاسِ لَا حُجِّيَّتَهُ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحُجِّيَّةَ لَازِمٌ لِلنَّتِيجَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى وُجُوبِ الْقِيَاسِ وُجُوبُ إثْبَاتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِمُشَارَكَتِهِ لِلْبَعْضِ الْآخَرِ فِي الْعِلَّةِ وَهَذَا مَعْنَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْعُبْرِيِّ عَلَى الْمِنْهَاجِ مِنْ مَنْعِ الصُّغْرَى بِسَنَدِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْقِيَاسِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فَغَيْرُ مُوَجَّهٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ لِلْمُقَدِّمَةِ بَعْدَ إثْبَاتِهَا وَمَا ذَكَرَهُ سَنَدًا غَيْرُ صَالِحٍ لِلسَّنْدِيَّةِ فَإِنَّ إطْلَاقَ الْمُعْتَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ شَائِعٌ بَيْنَهُمْ
وَمِنْهُ قَوْلُ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ وَضْعُ مَعَالِمِ الْعِلْمِ عَلَى مَسَالِكِ الْمُعْتَبِرِينَ أَرَادَ بِالْمَعَالِمِ الْعِلَلَ وَبِالْمُعْتَبَرِينَ الْقَائِسِينَ نَعَمْ يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ لَا يُرَادُ بِالِاعْتِبَارِ فِي الْآيَةِ الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الِاتِّعَاظُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤] وَقَوْلُهُ ﵊ «السَّعِيدُ مَنْ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ» إذْ حَمْلُهُ عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ لَا يُنَاسِبُ صَدْرَ الْآيَةِ لِرَكَاكَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ تَحَقُّقَ الرَّكَاكَةِ إذَا أُرِيدَ الصُّورَةُ الْخَاصَّةُ وَهِيَ بِعَيْنِهَا لَا تُرَادُ بَلْ الْمُرَادُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ وَالِاتِّعَاظِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْمُجَاوَزَةِ فَإِنَّ فِي الِاتِّعَاظِ مُجَاوَزَةً مِنْ حَالِ الْغَيْرِ إلَى حَالِ نَفْسِهِ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ تَمَامِيَّتِهِ أَيْضًا فَإِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْكُلِّيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ الْجُزْئِيِّ إذْ لَا دَلَالَةَ لِلْعَامِّ عَلَى خَاصٍّ بِعَيْنِهِ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ اعْتَبِرُوا عَامٌّ إذْ لَا عُمُومَ فِي الْفِعْلِ بَلْ فِي الضَّمِيرِ وَهُوَ لَا يُفِيدُ وَمَا وُجِّهَ بِهِ عُمُومُهُ بِأَنَّ مَعْنَى اعْتَبِرُوا افْعَلُوا الِاعْتِبَارَ وَهُوَ عَامٌّ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى افْعَلُوا اعْتِبَارًا وَالتَّعْرِيفُ فَاللَّامُ الِاسْتِغْرَاقِ زَائِدٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَمَا يُقَالُ إنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْعُمُومِ يُجْعَلُ مِنْ قِبَلِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ كَافٍ مَمْنُوعٌ أَيْضًا إذْ يَكْفِي فِي تَحَقُّقِهِ بَعْدَ إفْرَادِهِ كَالِاتِّعَاظِ مَثَلًا فَلَا يَشْمَلُ الْقِيَاسَ عَلَى أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِيَّةِ الْعُلُومِ تَكُونُ الدَّلَالَةُ ظَنِّيَّةً فَلَا يَصِحُّ دَلِيلًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَهِيَ كَوْنُ الْقِيَاسِ حُجَّةً، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِتَسْلِيمِ أَنَّهَا عِلْمِيَّةٌ أَيْ اعْتِقَادِيَّةٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْعَمَلَ كَفَى الظَّنُّ.
مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ إلَى الْيَمَنِ قَالَ: بِمَ تَحْكُمَانِ؟ قَالَا إذَا لَمْ نَجِدْ الْحُكْمَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَقِيسُ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ فَمَا كَانَ أَقْرَبَ نَعْمَلُ بِهِ فَصَوَّبَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى حُجَّةِ الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْعَادِيَّةِ وَالْخِلْقِيَّةِ) قَدْ يُقَالُ يُغْنِي عَنْهُ مَا بَعْدَهُ لِشُمُولِهِ لَهُ وَيُرَدُّ بِمَنْعِ ذَلِكَ إذْ الْعَادِيَّةُ وَالْخِلْقِيَّةُ غَيْرُ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَلَوْ سُلِّمَ شُمُولُهُ لَهُ بِتَأْوِيلِ أَنْ يُرَادَ بِالْأَحْكَامِ النَّسَبُ التَّامَّةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَفَادَةً مِنْ الشَّرْعِ أَوْ مِنْ الْعَادَةِ فَذِكْرُهُ مَعَهُ لِبَيَانِ الْمُقَابِلِ لَهُمَا الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ خِلَافًا لِلْمُعَمِّمِينَ، وَعَطْفُ
стр. 764
أَيْ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الْعَادَةِ وَالْخِلْقَةِ كَأَقَلِّ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ أَوْ الْحَمْلِ وَأَكْثَرِهِ فَلَا يَجُوزُ ثُبُوتُهَا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُدْرَكُ الْمَعْنَى فِيهَا فَيَرْجِعُ فِيهَا إلَى قَوْلِ الصَّادِقِ وَقِيلَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُدْرَكُ (وَإِلَّا فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ) فَلَا يَجُوزُ ثُبُوتُهَا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ مِنْهَا
ــ
[حاشية العطار]
الْخِلْقِيَّةِ عَلَى الْعَادِيَّةِ قِيلَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَالْأَوْجَهُ لَا لِتَغَايُرِهِمَا كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الْعَادِي فِي نَحْوِ أَقَلِّ الْحَيْضِ كَمِّيَّةُ الْعَدَدِ وَهُوَ الْمُضَافُ وَالْخِلْقِيُّ فِيهِ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ أَقْصَى الرَّحِمِ خِلْقَةً وَهُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ ثُبُوتُهَا بِالْقِيَاسِ) أَيْ فَلَا يُقَاسُ مَثَلًا النِّفَاسُ عَلَى الْحَيْضِ فِي أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ أَكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَعَدَلَ إلَى ذَلِكَ وَإِلَى نَظِيرَيْهِ الْآتِيَيْنِ عَنْ أَنْ يُقَالَ فَلَا يَكُونُ الْقِيَاسُ حُجَّةً فِيهَا الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إصْلَاحًا لِكَلَامِهِ إذْ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ لَا فِي عَدَمِ حُجِّيَّتِهِ اهـ. زَكَرِيَّا
(قَوْلُهُ: فَيَرْجِعُ فِيهَا إلَى قَوْلِ الصَّادِقِ) أَيْ الْمُخْبِرِ الصَّادِقِ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ وَمَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِذَلِكَ فَيُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَهَذَا الْخَبَرُ هُوَ مُسْتَنَدُ الِاسْتِقْرَاءِ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَكْثَرِهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالصِّدْقِ الشَّارِعُ وَكُلُّ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِذَلِكَ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ تَعَرَّضَتْ لِبَعْضِ ذَلِكَ وَهَذَا أَقْرَبُ اهـ. نَجَّارِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَلَا فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ) أَيْ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا نَظَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ صَحَّ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكُلَّ الْجَمِيعِيَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَشَيْءٍ يُقَاسُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ ثُبُوتُهَا إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ لَا فِي الْوُقُوعِ فَإِنَّهُ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ أَصْلٍ بِالنَّصِّ يُقَاسُ عَلَيْهِ
стр. 765
مَا لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ كَوُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَقِيلَ يَجُوزُ بِمَعْنَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَحْكَامِ صَالِحٌ لَأَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ بِأَنْ يُدْرَكَ مَعْنَاهُ. وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَهُ مَعْنًى يُدْرَكُ وَهُوَ إعَانَةُ الْجَانِي فِيمَا هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ كَمَا يُعَانُ الْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ بِمَا يُصْرَفُ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ.
(وَإِلَّا الْقِيَاسَ عَلَى مَنْسُوخٍ) فَلَا يَجُوزُ لِانْتِفَاءِ اعْتِبَارِ الْجَامِعِ بِالنَّسْخِ وَقِيلَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لِحُكْمِ الْفَرْعِ الْكَمِينِ وَنَسْخُ الْأَصْلِ لَيْسَ نَسْخًا لِلْفَرْعِ (خِلَافًا لِلْمُعَمِّمِينَ) جَوَازَ الْقِيَاسِ فِي الْمُسْتَثْنَيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ (وَلَيْسَ النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ) لِحُكْمٍ (وَلَوْ فِي) جَانِبِ التَّرْكِ (أَمْرًا بِالْقِيَاسِ) أَيْ لَيْسَ أَمْرًا بِهِ لَا فِي جَانِبِ الْفِعْلِ نَحْوُ أَكْرِمْ زَيْدًا لِعِلْمِهِ وَلَا فِي جَانِبِ التَّرْكِ نَحْوُ الْخَمْرُ حَرَامٌ لِإِسْكَارِهَا (خِلَافًا) (لِلْبَصْرِيِّ) أَبِي الْحُسَيْنِ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ أَمَرَ بِهِ فِي الْجَانِبَيْنِ إذْ لَا فَائِدَةَ لِذِكْرِ الْعِلَّةِ إلَّا ذَاكَ حَتَّى لَوْ لَمْ يُرَدْ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ اُسْتُفِيدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إلَّا ذَلِكَ بَلْ الْفَائِدَةُ بَيَانُ مُدْرَكِ الْحُكْمِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ (وَثَالِثُهَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ (التَّفْصِيلُ) أَيْ أَنَّهُ أُمِرَ بِهِ فِي جَانِبِ التَّرْكِ دُونَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي التَّرْكِ الْمَفْسَدَةُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ مِنْ انْعِدَامِهَا
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: مَا لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ) أَيْ لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ فِي الْفَرْعِ، وَإِنْ أُدْرِكَ فِي الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: وَإِعَانَةُ الْجَانِي إلَخْ) وَخُصَّ ذَلِكَ بِالْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِمْ مُنَاصَرَةُ الْجَانِي وَالذَّبُّ عَنْهُ لِكَوْنِهِمْ عُصْبَةً فَكَانَ اعْتِبَارُهُمْ أَقْرَبَ قَالَ زَكَرِيَّا الْقَوْلُ الرَّاجِحُ أَنْ يَقُولَ هَذَا لَا يَكْفِي فِي إدْرَاكِ الْمَعْنَى فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى خُصُوصِ الْعَاقِلَةِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ اهـ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مَا اجْتَرَأَ عَلَى مَا فَعَلَ إلَّا اعْتِمَادًا عَلَيْهِمْ وَأَيْضًا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَنْصُرُونَ الْجَانِيَ وَيَذُبُّونَ عَنْهُ فَجَزَاهُمْ الشَّارِعُ بِتَحَمُّلِهِمْ
(قَوْلُهُ: فِيمَا هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ) أَيْ فِي قَتْلٍ أَيْ فِي بَدَلِهِ.
[الْقِيَاسَ عَلَى مَنْسُوخٍ]
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا الْقِيَاسَ عَلَى مَنْسُوخٍ إلَخْ) هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي النُّسَخِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ نَسْخَ الْأَصْلِ لَا يَبْقَى مَعَهُ حُكْمُ الْفَرْعِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ إلَخْ) قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّ مُفَادَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَلَا يَخْلُو كَلَامُهُ عَنْ غُمُوضٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَكَأَنَّهُ اتَّكَلَ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ إلَّا الْحُجِّيَّةُ وَعَدَمُهَا (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَجُوزُ) فِيهِ نَظَرًا لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ لَمْ يَبْقَ لَهُ وُجُودٌ فِي الشَّرْعِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْأَحْكَامُ لِقِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: الْكَمِينِ) أَيْ الْمُسْتَتِرِ (قَوْلُهُ: وَنَسْخُ الْأَصْلِ لَيْسَ نَسْخًا إلَخْ) لِأَنَّ الْفَرْعَ لَهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ وَهُوَ الْكَمِينُ (قَوْلُهُ: لِلْمُعَمِّمِينَ جَوَازَ الْقِيَاسِ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لِلْمُعَمِّمِينَ حُجِّيَّةَ الْقِيَاسِ فِي الْمُسْتَثْنَيَاتِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحُجِّيَّةِ لَكِنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ الْخِلَافِ فِي الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ النَّصُّ إلَخْ) مُرَادُهُ فِي هَذَا بَيَانُ دَلِيلٍ عَلَى حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ غَيْرُ مَرَضِيٍّ عِنْدَهُ
(قَوْلُهُ: فِي الْجَانِبَيْنِ) أَيْ جَانِبِ الْفِعْلِ وَجَانِبِ التَّرْكِ (قَوْلُهُ: إلَّا ذَلِكَ) أَيْ رَبْطَ الْحُكْمِ بِهَا وُجُودًا وَعَدَمًا (قَوْلُهُ: لَوْ لَمْ يَرِدْ التَّعَبُّدُ إلَخْ) الْأَمْرُ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] (قَوْلُهُ: اُسْتُفِيدَ) أَيْ الْأَمْرُ بِالْقِيَاسِ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْ فِي صُورَةِ النَّصِّ عَلَى الْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: بَلْ الْفَائِدَةُ بَيَانُ إلَخْ) هَذَا سَنَدٌ لِلْمَنْعِ فَاللَّائِقُ أَنْ يَقُولَ الْجَوَازُ أَنْ يَكُونَ الْفَائِدَةُ إلَخْ كَمَا هُوَ مُصْطَلَحُ النُّظَّارِ وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ الْغَصْبُ وَهُوَ غَيْرُ مُوَجَّهٍ عِنْدَهُمْ إلَّا عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ جَوَّزَهُ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ ذَكَرَ السَّنَدَ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ وَتَمَامُ هَذَا الْكَلَامِ فِيمَا كَتَبْنَاهُ عَلَى الْوَلَدِيَّةِ فِي عِلْمِ الْمُنَاظَرَةِ (قَوْلُهُ: يَحْصُلُ الْغَرَضُ) عَبَّرَ بِالْغَرَضِ لِكَوْنِهِ عَلَى
стр. 766
بِالِامْتِنَاعِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا تَصْدُقُ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ وَالْعِلَّةُ فِي الْفِعْلِ الْمَصْلَحَةُ وَيَحْصُلُ الْغَرَضُ مِنْ حُصُولِهَا بِفَرْدٍ. قُلْنَا قَوْلُهُ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا تَصْدُقُ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ مَمْنُوعٌ بَلْ يَكْفِي عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُعَلَّلُ.
(وَأَرْكَانُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (أَرْبَعَةٌ) مَقِيسٌ عَلَيْهِ وَمَقِيسٌ وَمَعْنًى مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَحُكْمٌ لِلْمَقِيسِ عَلَيْهِ يَتَعَدَّى بِوَاسِطَةِ الْمُشْتَرَكِ إلَى الْمَقِيسِ وَلَمَّا كَانَ يُعَبَّرُ عَنْ الْأَوَّلَيْنِ مِنْهَا بِالْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي ضِمْنِ تَعَدِّيهَا فَقَالَ الْأَوَّلُ (الْأَصْلُ وَهُوَ مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهُ بِهِ) بِالرَّفْعِ صِفَةُ الْمَحَلِّ أَيْ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ (وَقِيلَ دَلِيلُهُ) أَيْ دَلِيلُ الْحُكْمِ (وَقِيلَ حُكْمُهُ) أَيْ حُكْمُ الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْفَرْعَ الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ وَقِيلَ حُكْمُهُ وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ قَوْلٌ بِأَنَّ دَلِيلَ الْحُكْمِ كَيْفَ وَدَلِيلُهُ الْقِيَاسُ فَالْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى الثَّالِثِ وَكَذَا عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ تَفَرُّعُ الْحُكْمِ عَنْ الْحُكْمِ
ــ
[حاشية العطار]
لِسَانِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ الْمُعْتَزِلِيِّ (قَوْلُهُ: بِالِامْتِنَاعِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ إلَخْ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّرْكِ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ (قَوْلُهُ مِمَّا تَصْدُقُ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ) أَيْ تُوجَدُ فِيهِ وَهِيَ الْإِسْكَارُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ إسْكَارُ خَمْرٍ أَمْ إسْكَارُ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: مِمَّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُعَلَّلُ) أَيْ مُتَعَلِّقُ الْمُعَلَّلِ أَوْ مَحَلُّهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْحُكْمُ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَحَلُّ فَالْمُرَادُ الْمُعَلَّلُ مِنْ حَيْثُ حُكْمُهُ يَعْنِي فَلَا يَلْزَمُ الْقِيَاسُ.
[أَرْكَانُ الْقِيَاسِ]
[الرُّكْن الْأَوَّلُ الْأَصْلُ]
(قَوْلُهُ: مَقِيسٌ عَلَيْهِ) لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ كَمَا سَتَرَى (قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَا هُمَا هَلْ هُمَا الْمَقِيسُ وَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُمَا كَحُكْمِ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ أَوْ الْأَصْلُ دَلِيلُ حُكْمِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَيْ حُكْمُ الْمَحَلِّ) فَفِيهِ تَشْتِيتُ الضَّمَائِرِ (قَوْلُهُ: كَيْفَ وَدَلِيلُهُ الْقِيَاسُ) أَيْ فَيَلْزَمُ جَعْلُ الشَّيْءِ رُكْنًا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ قَدْ جُعِلَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، نَعَمْ إنْ لَمْ يُعَدَّ الْفَرْعُ رُكْنًا تَأَتَّى ذَلِكَ فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ (قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ) أَيْ مِنْ
стр. 767
صَحَّ تَفَرُّعُهُ عَلَى دَلِيلِهِ لِاسْتِنَادِ الْحُكْمِ إلَيْهِ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي فِي التَّسْمِيَةِ لَا تَخْرُجُ عَمَّا فِي اللُّغَةِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَالْفَرْعَ مَا يَنْبَنِي عَلَى غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ مِنْ الْأَقْوَالِ فِيهَا أَقْرَبُ كَمَا لَا يَخْفَى وَلِكَوْنِ حُكْمِ الْفَرْعِ غَيْرَ حُكْمِ الْأَصْلِ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ، وَإِنْ كَانَ عَيْنُهُ بِالْحَقِيقَةِ صَحَّ تَفَرُّعُ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي بِاعْتِبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلَيْ الْفَرْعِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْ مِنْ أَقْوَالِ الْأَصْلِ وَهَذَا اقْتِصَارٌ عَلَى مَا هُوَ الْأَنْسَبُ لِلتَّفْرِيعِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ بِالْأَوَّلِ هُنَا وَبِالثَّانِي فِيمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: صَحَّ تَفَرُّعُهُ عَنْ دَلِيلٍ) لِأَنَّ فَرْعَ الْفَرْعِ فَرْعٌ (قَوْلُهُ: لِاسْتِنَادِ الْحُكْمِ) أَيْ حُكْمِ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ فِي التَّسْمِيَةِ) أَيْ فِي مُتَعَلِّقِهَا (قَوْلُهُ: أَقْرَبُ) أَيْ لِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ وَالنُّظَّارِ
(قَوْلُهُ: وَلِكَوْنِ حُكْمِ الْفَرْعِ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى تَفَرُّعِ الْحُكْمِ عَنْ الْحُكْمِ ابْتِنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَغَايُرَهُمَا وَتَقَدَّمَ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْهُمَا فِي الْوُجُودِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى النَّفْسِيُّ الْقَدِيمُ وَهُوَ وَصْفٌ وَاحِدٌ لَا تَكْثُرُ فِيهِ فَلَا يُوصَفُ بِالتَّأْخِيرِ لِقِدَمِهِ وَلَا بِالتَّغَيُّرِ لِوَحْدَتِهِ، وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْحُكْمَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فِي ذَاتِهِ لِكَوْنِهِ صِفَةً وَاحِدَةً لَكِنَّهُ يَتَكَثَّرُ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَهِيَ الْمَحَالُّ فَفِي مَحَلٍّ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِالنَّصِّ وَفِي مَحَلٍّ آخَرَ الْقِيَاسُ عَلَى مَحَلِّ النَّصِّ لِأَمَارَةٍ نَصَبَهَا الشَّارِعُ وَهِيَ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَيَكُونُ حُكْمُ الْأَصْلِ غَيْرَ حُكْمِ الْفَرْعِ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ يَعْنِي فَالتَّغْيِيرُ حَقِيقَتُهُ فِي الْمَحَلِّ لَا فِي الْحُكْمِ وَقَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا إلَخْ يَعْنِي فَالتَّفَرُّعُ حَقِيقَةٌ فِي الدَّلِيلِ لَا فِي الْمَدْلُولِ وَفِي عِلْمِ الْمُجْتَهِدِ بِالدَّلِيلِ لَا فِي الْحُكْمِ فَقَوْلُهُ عِلْمِ الْمُجْتَهِدِ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى مَا يَدُلُّ أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا وَبِاعْتِبَارِ عِلْمِ الْمُجْتَهَدِ بِهِ أَيْ بِمَا يَدُلُّ اهـ. نَجَّارِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ عَيْنُهُ بِالْحَقِيقَةِ) فَإِنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ وَهُوَ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ وَلَا تَفَرُّعَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْحُدُوثَ وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ لَنَا عَلَى أَنَّهُ حَادِثٌ بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ فَلَا مَانِعَ فِيهِ مِنْ التَّعَدُّدِ وَالْفَرْعِ (قَوْلُهُ: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا) وَهُوَ دَلِيلُ الْأَصْلِ وَهُوَ النَّصُّ وَدَلِيلُ الْفَرْعِ وَهُوَ الْقِيَاسُ بِاعْتِبَارِ فَهْمِ الْمُجْتَهِدِ وَدُفِعَ بِهِ مَا يُقَالُ
стр. 768
وَعِلْمُ الْمُجْتَهِدِ بِهِ لِاعْتِبَارِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ قَدِيمَةٌ وَلَا تَفَرُّعَ فِي الْقَدِيمِ
(وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي الْأَصْلِ الَّذِي يُقَاسُ عَلَيْهِ (دَالٌّ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِهِ وَلَا اتِّفَاقٌ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ خِلَافًا لِزَاعِمَيْهِمَا) بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ زَاعِمِ اشْتِرَاطِ الْأَوَّلِ وَهُوَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَزَاعِمِ اشْتِرَاطِ الثَّانِي وَهُوَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ، فَعِنْدَ الْأَوَّلِ لَا يُقَاسُ فِي مَسَائِلِ الْبَيْعِ مَثَلًا إلَّا إذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ فِيهِ، وَعِنْدَ الثَّانِي لَا يُقَاسُ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ بَلْ لَا بُدَّ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ مُعَلَّلٌ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ عِلَّتَهُ كَذَا وَمَا اشْتَرَطَاهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
ــ
[حاشية العطار]
الِاخْتِلَافُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ لَا يُصَحِّحُ التَّفَرُّعَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْحُدُوثَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّفَرُّعَ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُ الْحُكْمِ بَلْ حَيْثُ دَلِيلُهُ (قَوْلُهُ: وَعِلْمُ الْمُجْتَهِدِ بِهِ) أَيْ بِالدَّلِيلِ لَا الْحُكْمِ فَإِنَّهُ بَعِيدٌ
(قَوْلُهُ: عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ) أَيْ الْمُعَيَّنَةِ فَالنَّعْتُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ مُعَلَّلٌ (قَوْلُهُ: أَيْ زَاعِمِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ خِلَافًا لِزَاعِمَيْهِمَا عَلَى التَّوْزِيعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَعَمَ الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (قَوْلُهُ: عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ نِسْبَةً إلَى بَيْعِ الْبُتُوتِ جَمْعُ بَتٍّ وَهِيَ الثِّيَابُ كَانَ يَبِيعُهَا بِالْبَصْرَةِ وَقِيلَ إلَى الْبَتِّ مَوْضِعٍ بِنَوَاحِي الْبَصْرَةِ وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ فَقِيهُ الْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ نِسْبَةً إلَى مَرِّيسَةَ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مِصْرَ وَهُوَ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ كَانَ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ اهـ. زَكَرِيَّا.
وَلَيْسَ هُوَ مِنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَلَا مِنْ مِصْرَ، وَإِنَّمَا كَانَ بِبَغْدَادَ قَالَ صَاحِبُ عُيُونِ التَّوَارِيخِ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمُعْتَزِلِيُّ قَالَ الْخَطِيبُ كَانَ أَبُوهُ يَهُودِيًّا وَسَمِعَ الْفِقْهَ مِنْ أَبِي يُوسُفَ اشْتَغَلَ بِعِلْمِ الْكَلَامِ فَقَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَكَانَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ يَقُولُ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ زِنْدِيقٌ لَهُ أَقْوَالٌ شَنِيعَةٌ وَمَذَاهِبُ مُسْتَنْكَرَةٌ كَفَّرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهَا، وَكَانَ إذَا دَعَا قَلَبَ يَدَهُ إلَى الْأَرْضِ وَجَعَلَ بَاطِنَهَا إلَيْهَا وَيَقُولُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ رُوِيَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ بِبَغْدَادَ فَمَرَّ بِهِمْ يَهُودِيٌّ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ احْذَرُوهُ لَا يَفْسُدْ عَلَيْكُمْ دِينَكُمْ وَكِتَابَكُمْ كَمَا أَفْسَدَ عَلَيْنَا أَبُوهُ دِينَنَا وَكِتَابَنَا يَعْنِي التَّوْرَاةَ. قَالَ بَعْضُهُمْ رَأَيْت بِشْرًا شَيْخَنَا قَصِيرًا ذَمِيمًا قَبِيحَ الْمَنْظَرِ وَسِخَ الثِّيَابِ أَشْبَهَ شَيْءٍ بِالْيَهُودِ. قَالَ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ دَخَلَ بِشْرٌ عَلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ إنَّ هَاهُنَا رَجُلًا قَدْ هَجَانَا فِيمَا أَحْدَثْنَاهُ مِنْ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَعَاتَبَهُ فَقَالَ إنْ كَانَ شَاعِرًا لَمْ أَقْدَمْ عَلَيْهِ فَقَالَ إنَّهُ يَدَّعِي الشِّعْرَ وَلَيْسَ بِشَاعِرٍ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ حَتَّى أَخْتَبِرَهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ:
قَدْ قَالَ مَأْمُونُنَا وَسَيِّدُنَا ... قَوْلًا لَهُ فِي الْكِتَابِ تَصْدِيقُ
إنَّ عَلِيًّا يَعْنِي أَبَا حَسَنٍ ... أَفْضَلُ مِمَّا أَقَلَّتْ النُّوقُ
بَعْدَ نَبِيِّ الْهُدَى وَإِنَّ لَنَا ... أَعْمَالُنَا وَالْقُرْآنُ مَخْلُوقُ
فَكَتَبَ الْجَوَابَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ ... لِمَنْ يَقُولُ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقُ
مَا قَالَ ذَاكَ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ ... وَلَا الرَّسُولُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ صِدِّيقُ
وَلَمْ يَقُلْ ذَاكَ إلَّا مُبْتَدِعٌ ... عِنْدَ الْعِبَادِ وَعِنْدَ اللَّهِ زِنْدِيقُ
وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يُوسُفَ الزَّمِنِ قَالَ رَأَيْت إبْلِيسَ فِي الْمَنَامِ مُشَوَّهَ الْخَلْقِ وَهُوَ مُلَبَّسٌ بِالشَّعْرِ وَرَأْسُهُ إلَى أَسْفَلَ وَرِجْلَاهُ إلَى فَوْقُ وَفِي يَدَيْهِ عُيُونٌ مِثْلُ النَّارِ وَهُوَ يَقُولُ مَا مِنْ مَدِينَةٍ إلَّا وَلِي فِيهَا خَلِيفَةٌ قُلْت وَمَنْ خَلِيفَتُك بِالْعِرَاقِ قَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ دَعَا النَّاسَ إلَى مَا عَجَزْت عَنْهُ اهـ. مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ عِلَّتَهُ
стр. 769
(الثَّانِي) مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ (حُكْمُ الْأَصْلِ وَمِنْ شَرْطِهِ ثُبُوتُهُ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ قِيلَ وَالْإِجْمَاعِ) إذْ لَوْ ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ كَانَ الْقِيَاسُ الثَّانِي عِنْدَ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ لَغْوًا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقِيَاسِ الْفَرْعِ فِيهِ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا غَيْرَ مُنْعَقِدٍ لِعَدَمِ اشْتِرَاكِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِيهِ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ قِيَاسُ الْغُسْلِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ بِجَامِعِ الْعِبَادَةِ ثُمَّ قِيَاسُ الْوُضُوءِ عَلَى الْغُسْلِ فِيمَا ذُكِرَ وَهُوَ لَغْوٌ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَمِثَالُ الثَّانِي قِيَاسُ الرَّتْقِ وَهُوَ انْسِدَادُ مَحَلِّ الْجِمَاعِ عَلَى جَبِّ الذَّكَرِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بِجَامِعِ فَوَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ، ثُمَّ قِيَاسُ الْجُذَامِ عَلَى الرَّتْقِ فِيمَا ذُكِرَ وَهُوَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ الِاسْتِمْتَاعِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْأَصْلِ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ مُسْتَنَدُهُ النَّصُّ فَيُسْنَدُ الْقِيَاسُ إلَيْهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ عَنْ قِيَاسٍ وَيُدْفَعُ بِأَنَّ كَوْنَ حُكْمِ الْأَصْلِ حِينَئِذٍ عَنْ قِيَاسٍ مَانِعٌ فِي الْقِيَاسِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَانِعِ.
(وَكَوْنُهُ غَيْرَ مُتَعَبَّدٍ فِيهِ بِالْقَطْعِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ؛ لِأَنَّ مَا تُعُبِّدَ فِيهِ بِالْقَطْعِ إنَّمَا يُقَاسُ عَلَى مَحَلِّهِ مَا يُطْلَبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَيْ الْيَقِينُ كَالْعَقَائِدِ وَالْقِيَاسُ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ وَاعْتُرِضَ
ــ
[حاشية العطار]
كَذَا) الْأَوْلَى عَلَى أَنَّهُ عِلَّتُهُ كَذَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ لِيُوَافِقَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ
[الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ حُكْمُ الْأَصْلِ]
(قَوْلُهُ: الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ) هَذَا رَابِعٌ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: حُكْمُ الْأَصْلِ) يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْأَصْلِ هُنَا مَحَلُّ الْحُكْمِ أَوْ دَلِيلُ الْحُكْمِ لَا الْحُكْمُ لِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً (قَوْلُهُ: وَمِنْ شَرْطِهِ إلَخْ) جَعْلُهُ شَرْطًا يَقْتَضِي فَسَادَ الْقِيَاسِ عِنْدَ عَدَمِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ فَسَادٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُسَلَّمٌ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ (قَوْلُهُ: الْفَرْعُ فِيهِ) أَيْ فِي الْقِيَاسِ الثَّانِي وَكَذَا مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ اشْتِرَاكِ إلَخْ) فَإِنَّ الْعِلَّةَ فِيهِمَا مُخْتَلِفَةٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ قِيَاسُ الْوُضُوءِ عَلَى الْغُسْلِ فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ بِجَامِعِ الْعِبَادَةِ (قَوْلُهُ: لِلِاسْتِغْنَاءِ إلَخْ) لِأَنَّ الْجَامِعَ مُتَّحِدٌ (قَوْلُهُ: وَمِثَالُ الثَّانِي قِيَاسُ الرَّتْقِ) فِيهِ تَسَامُحٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْجَبِّ وَالرَّتْقِ سَبَبٌ لِلْفَسْخِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْحُكْمِ إذْ مَحَلُّ الْحُكْمِ مُتَعَلِّقُهُ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ كَفَسْخِ النِّكَاحِ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ نَظَائِرَهُ (قَوْلُهُ: فِي فَسْخِ النِّكَاحِ) أَيْ فِي جَوَازِ فَسْخِ النِّكَاحِ لِيَصِحَّ كَوْنُهُ حُكْمًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ فَوَاتَ الِاسْتِمْتَاعِ) غَيْرُ مَوْجُودٍ فَإِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِمَنْ بِهِ الْجُذَامُ مُمْكِنٌ، فَإِنْ أَرَادَ فَوَاتَ تَمَامِهِ فَكَذَلِكَ فَإِنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ فَوَاتُ أَصْلِ الِاسْتِمْتَاعِ لِإِتْمَامِهِ (قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي التَّوَرُّكِ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ: وَالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: مُسْتَنَدُهُ النَّصُّ) بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ وَعَلَى هَذَا فَيُعْلَمُ بِمَعْنَى يُعْرَفُ لِعَدَمِ وُجُودِ مَفْعُولَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ يُعْلَمُ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ إلَخْ بِزِيَادَةِ أَنَّ فَالنَّصُّ خَبَرُهَا (قَوْلُهُ: نَعَمْ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَيْ نَعَمْ هُنَاكَ دَلِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ قِيَاسٍ (قَوْلُهُ: حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ تَحَقَّقَ هَذَا الِاحْتِمَالُ (قَوْلُهُ: عَنْ قِيَاسٍ مَانِعٍ) هَذَا رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ وُجُودِ شَرْطٍ لَا إلَى وُجُودِ مَانِعٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ عَنْ قِيَاسٍ وَالْأَصْلُ هَذَا الِاحْتِمَالُ (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَانِعِ) لِأَنَّ الشَّكَّ فِي الْمَانِعِ لَا يُؤَثِّرُ
(قَوْلُهُ: وَكَوْنُهُ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ فِيهِ يُشْكِلُ هَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَرْجِيحُهُ مِنْ جَوَازِهِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَ.
أَقُولُ لَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّ الْعَقْلِيَّاتِ أَعَمُّ مِنْ الْقَطْعِيَّاتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَمُجَرَّدُ جَوَازِهِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ لَا يُنَافِي هَذَا الِاشْتِرَاكَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الَّذِي أَوْرَدَهُ لِجَوَازِ أَنْ لَا يُوَافِقَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ وَالْغَرَضُ مَنْعُ التَّعَارُضِ فِي كَلَامِهِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: وَاعْتُرِضَ إلَخْ) اُعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الِاحْتِجَاجُ بِهِ إلَّا مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ جَرَيَانِهِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ كَالْغَزَالِيِّ بِخِلَافِ مَنْ يَقُولُ بِجَرَيَانِهِ فِيهَا كَمَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا الْيَقِينُ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ فَلَا يَتَأَتَّى الِاحْتِجَاجُ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ
стр. 770
بِأَنَّهُ يُفِيدُهُ إذَا عُلِمَ حُكْمُ الْأَصْلِ وَمَا هُوَ الْعِلَّةُ فِيهِ وَوُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ.
(وَ) كَوْنُهُ (شَرْعِيًّا إنْ اسْتَلْحَقَ) حُكْمًا (شَرْعِيًّا) بِأَنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ إثْبَاتُهُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ بِأَنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ إثْبَاتُهُ غَيْرَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاللُّغَوِيَّاتِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ غَيْرَ شَرْعِيٍّ وَلَا بُدَّ فَإِنَّ غَيْرَ الشَّرْعِيِّ لَا يَسْتَلْحِقُهُ إلَّا غَيْرُ الشَّرْعِيِّ كَمَا أَنَّ الشَّرْعِيَّ لَا يَسْتَلْحِقُهُ إلَّا شَرْعِيٌّ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا الشَّرْطَ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاللُّغَوِيَّاتِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ زَادَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ لِيَبْقَى عَلَى شَرْطِيَّتِهِ مَعَ جَوَازِ الْقِيَاسِ فِيهِمَا الْمُرَجَّحِ عِنْدَهُ.
(وَ) كَوْنُهُ (غَيْرَ فَرْعٍ إذَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْوَسَطِ) عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ فَرْعًا.
(فَائِدَةٌ) :
فَإِنْ ظَهَرَتْ جَازَ كَوْنُهُ فَرْعًا (وَقِيلَ) يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ (مُطْلَقًا)
ــ
[حاشية العطار]
الْيَقِينَ. اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يُفِيدُ إلَخْ) أَيْ كَمَا فِي قِيَاسِ ثُبُوتِ الْإِدْرَاكِ لَهُ تَعَالَى عَلَى ثُبُوتِ الْعِلْمِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا صِفَةُ كَمَالٍ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ كَمَالًا فِي الظَّاهِرِ أَنْ يَكُونَ كَمَالًا فِي الْغَائِبِ (قَوْلُهُ: وَوُجُودُهَا) عَطْفٌ عَلَى " حُكْمُ " وَالضَّمِيرُ لِلْعِلَّةِ
(قَوْلُهُ: فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعَقْلِيَّاتِ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ شَرْعِيَّةً وَلِذَا مَثَّلَ الْعَقْلِيَّةَ فِيمَا تَقَدَّمَ بِجَوَازِ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ إلَخْ) أَيْ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ شَرْعِيًّا وَغَيْرَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَغَيْرُهُ إنْ اسْتَلْحَقَ غَيْرَهُ وَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ لِأَنَّ غَيْرَ الشَّرْعِيِّ لَا يَخُصُّنَا وَاعْتِنَاءً بِالشَّرْعِيِّ وَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ قِيَاسِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْعَقْلِيِّ خُصُوصًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ التَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ عَقْلِيَّانِ (قَوْلُهُ: هَذَا الشَّرْطُ) أَيْ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِقَوْلِهِ إنْ اسْتَلْحَقَ إلَخْ بِنَاءً وَهَذَا هُوَ مَحَطُّ الْبِنَاءِ فَكَانَ يَنْبَغِي زِيَادَتُهُ لِلشَّارِحِ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: زَادَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ الْقَيْدَ) أَيْ فِي الشَّرْطِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ جَوَازِ الْقِيَاسِ فِي غَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ (قَوْلُهُ: لَا يَبْقَى عَلَى شَرْطِيَّتِهِ) أَيْ كَوْنِهِ شَرْعِيًّا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْإِضَافَةُ إذْ هُوَ عِنْدَ الْآمِدِيِّ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْقِيَاسِ مُطْلَقًا وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَلْحَقُ شَرْعِيًّا (قَوْلُهُ: فِيهِمَا) أَيْ فِي اللُّغَوِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ (قَوْلُهُ: الْمُرَجَّحُ) أَيْ الْجَوَازُ
(قَوْلُهُ: لِلْوَسَطِ) أَيْ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَإِنْ كَانَ فَرْعًا وَلِذَلِكَ أَظْهَرَ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ فَالْوَسَطُ هُوَ مَا بَيْنَ التُّفَّاحِ وَالْبُرِّ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ كَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْأُرْزِ (قَوْلُهُ: عَلَى تَقْدِيرِ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِيَظْهَرُ تَوْضِيحٌ لِمَعْنَى كَوْنِهِ وَسَطًا فَالْوَسَطِيَّةُ
стр. 771
وَإِلَّا فَالْعِلَّةُ فِي الْقِيَاسَيْنِ إنْ اتَّحَدَتْ كَانَ الثَّانِي لَغْوًا أَوْ اخْتَلَفَتْ كَانَ الثَّانِي غَيْرَ مُنْعَقِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَدَفَعَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَظْهَرُ لِلْوَسَطِ الَّذِي هُوَ الْفَرْعُ فِي الْأَوَّلِ وَالْأَصْلُ فِي الثَّانِي مَثَلًا.
فَائِدَةٌ:
كَمَا يُقَالُ: التُّفَّاحُ رِبَوِيٌّ قِيَاسًا عَلَى الزَّبِيبِ بِجَامِعِ الطَّعْمِ، وَالزَّبِيبُ رِبَوِيٌّ قِيَاسًا عَلَى التَّمْرِ بِجَامِعِ الطَّعْمِ مَعَ الْكَيْلِ، وَالتَّمْرُ رِبَوِيٌّ قِيَاسًا عَلَى الْأُرْزِ بِجَامِعِ الطَّعْمِ وَالْكَيْلِ مَعَ الْقُوتِ، وَالْأُرْزُ رِبَوِيٌّ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ بِجَامِعِ الطَّعْمِ وَالْكَيْلِ وَالْقُوتِ الْغَالِبِ، ثُمَّ يَسْقُطُ الْكَيْلُ وَالْقُوتُ عَنْ الِاعْتِبَارِ بِطَرِيقَةٍ فَيَثْبُتُ أَنَّ الْعِلَّةَ الطَّعْمُ وَحْدُهُ وَأَنَّ التُّفَّاحَ رِبَوِيٌّ كَالْبُرِّ وَلَوْ قِيسَ ابْتِدَاءً عَلَيْهِ بِجَامِعِ الطَّعْمِ لَمْ يَسْلَمْ مِمَّنْ يَمْنَعُ عِلِّيَّتَهُ فَقَدْ ظَهَرَ لِلْوَسَطِ بِالتَّدْرِيجِ فَائِدَةٌ وَهِيَ السَّلَامَةُ مِنْ مَنْعِ عِلِّيَّةِ الطَّعْمِ فِيمَا ذُكِرَ فَتَكُونُ تِلْكَ الْقِيَاسَاتُ صَحِيحَةً بِخِلَافِ مَا قِيسَ التُّفَّاحُ عَلَى السَّفَرْجَلِ وَالسَّفَرْجَلُ عَلَى الْبِطِّيخِ وَالْبِطِّيخُ عَلَى الْقِثَّاءِ وَالْقِثَّاءُ عَلَى الْبُرِّ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلْوَسَطِ فِيهَا؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ مَا عَدَا الْبُرَّ إلَيْهِ بِالطَّعْمِ دُونَ الْكَيْلِ وَالْقُوتِ نَعَمْ اُعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ هُنَا مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ وَمِنْ شَرْطِهِ ثُبُوتُهُ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ تَكْرَارٌ.
وَأَجَابَ بِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمُ
ــ
[حاشية العطار]
مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَقْرِيرِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ بِنَاءِ الْكُلِّ عَلَى أَجْزَائِهِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ كَوْنَهُ غَيْرَ فَرْعٍ بَلْ أَجَازَ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا (قَوْلُهُ: كَانَ الثَّانِي لَغْوًا) لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: وَدَفَعَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ) أَيْ الْقَوْلَ بِالْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ الْفَرْعُ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَخِيرُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ وَسَمَّاهُ أَوَّلًا لِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ أَوَّلًا وَهُوَ قِيَاسُ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ طَرِيقَ التَّرَقِّي فِي الْعِلَّةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ التُّفَّاحِ وَمَا بَعْدَهُ يَزِيدُ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِعِلَّتِهِ وَلَوْ أُرِيدَ بِالْأَوَّلِ الْأَوَّلُ فِي الْمِثَالِ لَمَا صَحَّ قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي الثَّانِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ الْأَوَّلَ فِي الْمِثَالِ هُوَ قِيَاسُ التُّفَّاحِ عَلَى الزَّبِيبِ وَالتُّفَّاحُ الَّذِي هُوَ فَرْعٌ فِي الْأَوَّلِ لَيْسَ أَصْلًا فِي الثَّانِي وَأَيْضًا لَيْسَ هُوَ وَسَطًا وَقَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي الثَّانِي الْمُرَادُ بِهِ مَا قَبْلَ الْأَخِيرِ فِي مِثَالِ الشَّارِحِ لِمَا ذَكَرَ فَإِنَّ الْأُرْزَ فَرْعٌ فِي الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ أَعْنِي قِيَاسَ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ وَهُوَ وَسَطٌ وَأَصْلٌ فِي الْقِيَاسِ الثَّانِي أَعْنِي قِيَاسَ التَّمْرِ عَلَى الْأُرْزِ (قَوْلُهُ: مَثَلًا) رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَسْقُطُ الْكَيْلُ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ الْكَيْلُ غَيْرُ عِلَّةٍ لِوُجُودِهِ فِي الْحَبْسِ، وَالْقُوتُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي الْخَوْخِ مَعَ أَنَّهُ رِبَوِيٌّ (قَوْلُهُ: بِطَرِيقِهِ) أَيْ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ الْآتِي فِي السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قِيسَ إلَخْ) إشَارَةٌ لِفَائِدَةِ الْوَسَطِ (قَوْلُهُ: مِمَّنْ يَمْنَعُ عِلَّتَهُ) أَيْ الطَّعْمَ وَيَقُولُ الْعِلَّةُ الْقُوتُ الْغَالِبُ (قَوْلُهُ: فَتَكُونُ تِلْكَ الْقِيَاسَاتُ إلَخْ) أَيْ كُلُّ قِيَاسٍ فِي حَدِّ ذَاتِهِ صَحِيحًا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعِلَلُ.
وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّهَا كَيْفَ تَكُونُ صَحِيحَةً وَمَا عَدَا الْقِيَاسَ الْأَوَّلَ لَمْ يُشَارِكْ فِيهِ الْفَرْعُ الْأَصْلَ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ إذْ عِلَّةُ الرِّبَوِيَّةِ فِي الْأُرْزِ هِيَ الطَّعْمُ وَالْكَيْلُ وَالْقُوتُ الْغَالِبُ وَهَذِهِ مُنْتَفِيَةٌ فِيمَا قَبْلَ قِيَاسِ الْأُرْزِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ صَحِيحَةٌ بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ وَتَحْقِيقِ مَا هُوَ عِلَّةٌ فِي الْوَاقِعِ وَإِسْقَاطِ الزَّائِدِ عَنْ الِاعْتِبَارِ وَفِيهِ أَنَّهَا حِينَئِذٍ تَرْجِعُ لِلْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ قِيَاسَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَلَا فَائِدَةَ لِلْوَسَطِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ جَعْلَهَا قِيَاسَاتٍ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ اُعْتُرِضَ إلَخْ) دَفَعَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِمُجَارَاتِهِ (قَوْلُهُ: وَأَجَابَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ بِقَوْلِهِ إلَخْ حَاصِلُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ غَيْرَ فَرْعٍ فِيهِ قِيَاسٌ مُرَكَّبٌ مِنْ قِيَاسَيْنِ فَأَكْثَرَ كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ قَبْلُ، فَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْقِيَاسِ مُرَكَّبٌ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْوَسَطِ فَائِدَةٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْقِيَاسِ الْخَاصِّ أَعْنِي الْمُرَكَّبَ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ ثَابِتًا بِغَيْرِ الْقِيَاسِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ بِقِيَاسٍ وَلَا يَكُونُ فَرْعًا فِي هَذَا الْقِيَاسِ الْخَاصِّ وَإِنْ كَانَ فَرْعًا لِأَصْلٍ آخَرَ كَقِيَاسِ الزَّبِيبِ عَلَى التَّمْرِ فِي الرِّبَوِيَّةِ بِجَامِعِ الطَّعْمِ، وَالتَّمْرِ عَلَى الْأُرْزِ بِجَامِعِ الطَّعْمِ مَعَ الْكَيْلِ ثُمَّ يَبْطُلُ مَا عَدَا الطَّعْمَ بِطَرِيقَةِ فَالْأُرْزُ غَيْرُ فَرْعٍ فِي هَذَا الْقِيَاسِ الْخَاصِّ مَعَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ مَثَلًا وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ إلَخْ بَيَّنَ بِهِ نَفْيَ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ الْمَشْرُوطَيْنِ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ نَفْيَهَا بَيْنَ الِاشْتِرَاطَيْنِ وَأَحَدُ النَّفْيَيْنِ لَازِمٌ لِلْآخَرِ وَتَعْلِيلُ كُلٍّ مِنْهُمَا تَعْلِيلٌ لِلْآخَرِ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي عَنَاهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ
стр. 772
مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ غَيْرَ فَرْعٍ اشْتِرَاطُ ثُبُوتِهِ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ وَلَا يَكُونُ فَرْعًا لِلْقِيَاسِ الْمُرَادِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فَرْعًا لِأَصْلٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ فَرْعٍ أَنْ لَا يَكُونَ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فَرْعًا فِي هَذَا الْقِيَاسِ الَّذِي يُرَادُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِيهِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى التَّكْرَارِ لَا يَدْفَعُ الِاعْتِرَاضَ وَكَيْفَ يَنْدَفِعُ وَالْمُدْرَكُ وَاحِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ اقْتَصَرَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى الْمَقُولِ أَوَّلًا وَالْآمِدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى الْمَقُولِ ثَانِيًا أَعْنِي كَوْنَهُ غَيْرَ فَرْعٍ فَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ وَاسْتَرْوَحَ بِمَا أَجَابَ، وَتَقْيِيدُهُ لِلثَّانِي بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْوَسَطِ فَائِدَةٌ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْجُوَيْنِيِّ فِي السَّلْسَلَةِ كَمَا بَيَّنَهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَعَلَى تَقْدِيرٍ بِاعْتِبَارِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي حَمْلُ إطْلَاقِهِمْ عَلَيْهِ لَا أَنْ يَحْكِيَ بِقِيلَ وَيُصَرِّحَ فِيهِ مُطْلَقًا وَهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ.
(وَأَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ) فَمَا عَدَلَ عَنْ سُنَنِهِ أَيْ خَرَجَ
ــ
[حاشية العطار]
الْمُشْتَمِلِ عَلَى التَّكْرَارِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ غَيْرَ فَرْعٍ) أَيْ الْمَذْكُورِ هُنَا وَقَوْلُهُ اشْتِرَاطُ ثُبُوتِهِ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ وَهُوَ مَا هُنَاكَ أَيْ فَمَا هُنَا لَا يُغْنِي عَمَّا هُنَاكَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إلَخْ) أَيْ فَيُوجَدُ الشَّرْطُ الثَّانِي بِدُونِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ فَرْعًا إلَخْ) أَيْ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ فَرْعٌ فِي الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: الْمُرَادُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ) أَيْ حُكْمُ الْفَرْعِ فِي الْقِيَاسِ وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنْ لَا يَكُونَ فَرْعًا فِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا صِحَّةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ حَتَّى يُنْفَى
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فَرْعًا لِأَصْلٍ) أَيْ فِي الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا هُوَ نَفْسُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ إلَخْ أَيْ فَاحْتِيجَ لِلثَّانِي هُوَ غَيْرُ قَوْلِهِ اشْتِرَاطُ ثُبُوتِهِ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَوَّلَ زَادَ فِيهِ اشْتِرَاطٌ.
(قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَكُونَ ثَابِتًا إلَخْ) هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ وَلَا يَكُونُ إلَخْ (قَوْلُهُ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُرَادُهُ بِهِ الْجَوَابُ) لَمْ يَعْنُونَهُ بِهِ إشَارَةً لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ لِسُقُوطِهِ (قَوْلُهُ: الْمُشْتَمِلِ عَلَى التَّكْرَارِ) إمَّا لِتَكْرِيرِ سَنَدِ الْمَنْعِ وَهُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ فَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَإِمَّا لِأَنَّ أَحَدَ النَّفْيَيْنِ لَازِمٌ لِلْآخَرِ لَكِنَّ التَّصْرِيحَ بِاللَّازِمِ لَا يُعَدُّ تَكْرَارًا فِي عُرْفِهِمْ (قَوْلُهُ: لَا يَدْفَعُ الِاعْتِرَاضَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ نَفْيَ الْفَرْعِيَّةِ فِي خُصُوصِ الْقِيَاسِ الَّذِي يُرَادُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِيهِ بَلْ الْمُرَادُ كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ أَصْلًا وَمَتَى كَانَ غَيْرَ فَرْعٍ أَصْلًا كَانَ ثَابِتًا بِغَيْرِ الْقِيَاسِ وَمَتَى كَانَ فَرْعًا كَانَ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: وَالْمُدْرَكُ) أَيْ فِي اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ وَاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ غَيْرَ فَرْعٍ وَاحِدٌ وَهُوَ لُزُومُ كَوْنِ الْقِيَاسِ الثَّانِي لَغْوًا أَوْ غَيْرَ مُنْعَقِدٍ (قَوْلُهُ: لَا طَائِلَ تَحْتَهُ) لِأَنَّ غَايَتَهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّطْوِيلِ السَّلَامَةُ عَنْ مَنْعِ الْعِلِّيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ مَعَ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ إذْ الْمَنْعُ لِعِلِّيَّةِ مَا ذُكِرَ عِلَّةٌ فِي قِيَاسِ التَّمْرِ وَمَا قَبْلَهُ مُتَوَجِّهٌ لَا مَحَالَةَ وَيُغْنِي عَمَّا ذَكَرَهُ بِتَقْدِيرِ مَنْعِ الْعِلِّيَّةِ إثْبَاتُهَا بِطَرِيقَةِ (قَوْلُهُ: حَمْلُ إطْلَاقِهِمْ) أَيْ الْقَوْمِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا وَكَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ وَلَمْ يُقَيِّدُوا بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْوَسَطِ فَائِدَةٌ كَمَا قَيَّدَ بِهِ وَلَمْ يَقُولُوا مُطْلَقًا فَعِبَارَتُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ لِلْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ بِمَا قَيَّدَ (قَوْلُهُ: لَا أَنْ يَحْكِيَ) أَيْ إطْلَاقَهُمْ
(قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ) أَيْ طَرِيقِهِ وَيَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَلِلْفَاعِلِ وَإِلَى الثَّانِي مَيْلُ الشَّارِحِ وَالْعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ إمَّا بِأَنْ لَا يُعْقَلَ الْمَعْنَى فِي الْحُكْمِ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ أَوْ بِأَنْ يُعْقَلَ الْمَعْنَى لَكِنْ لَمْ يَتَعَدَّ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ كَرُخَصِ السَّفَرِ لَمَّا امْتَنَعَ تَعْلِيلُهَا بِمَا يَتَعَدَّى وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَشَقَّةِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ مَرْتَبَةٍ مِنْهَا تُعْتَبَرُ مَنَاطًا لِلْحُكْمِ تَعَيَّنَتْ مَشَقَّةُ السَّفَرِ وَهِيَ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ أَيْضًا فَاعْتُبِرَتْ مَظِنَّتُهَا وَهِيَ السَّفَرُ لِانْضِبَاطِهِ مَنَاطًا لِلْحُكْمِ فَامْتَنَعَتْ التَّعْدِيَةُ
стр. 773
عَنْ مِنْهَاجِهِ لَا لِمَعْنًى لَا يُقَاسُ عَلَى مَحَلِّهِ لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيَةِ حِينَئِذٍ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ «قَالَ ﷺ مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ فَحَسْبُهُ» فَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَعْلَى مِنْهُ رُتْبَةً فِي الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ مِنْ التَّدَيُّنِ وَالصِّدْقِ كَالصِّدِّيقِ ﵁ وَقِصَّةُ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ ﵁ رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَحَاصِلُهَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ فَجَحَدَهُ الْبَيْعَ وَقَالَ هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ عَلَيَّ فَشَهِدَ عَلَيْهِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْ دُونَ غَيْرِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا وَلَمْ تَكُنْ حَاضِرًا مَعَنَا فَقَالَ صَدَّقْتُك فِيمَا جِئْتَ بِهِ وَعَلِمْتُ أَنَّك لَا تَقُولُ إلَّا حَقًّا فَقَالَ ﷺ مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَحَسْبُهُ» هَذَا لَفْظُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد «فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ وَذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ ذَلِكَ الْفَرَسَ هُوَ الْمُسَمَّى مِنْ خَيْلِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمُرْتَجِلِ لِحُسْنِ صَهِيلِهِ» .
(وَ) أَنْ (لَا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِهِ) أَيْ الْأَصْلِ (شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ)
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: عَنْ مِنْهَاجِهِ) وَهُوَ أَنْ يُعْقَلَ الْمَعْنَى فِي الْحُكْمِ وَيُوجَدَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: لَا لِمَعْنًى يُقَاسُ عَلَى مَحَلِّهِ) أَيْ لَا لِمَعْنًى يَتَعَدَّى؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الْمَعْنَى فِي مَبَاحِثِ الْقِيَاسِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ لَا لِمَعْنًى لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى ثُمَّ إنَّ اخْتِصَاصَ خُزَيْمَةَ بِمَا ذُكِرَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ مُقَيِّدَ الِاخْتِصَاصِ هُوَ النَّصُّ فَقَطْ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَقَالَ الْكَمَالُ فِي تَحْرِيرِهِ إنَّ مُفِيدَ الِاخْتِصَاصِ لَيْسَ هُوَ النَّصُّ وَحْدَهُ بَلْ هُوَ مَعَ دَلِيلِ مَنْعِ التَّعْدِيَةِ وَهُوَ تَكْرِيمُ خُزَيْمَةَ لِاخْتِصَاصِهِ بِفَهْمِ حِلِّ الشَّهَادَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ اسْتِنَادًا إلَى إخْبَارِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ وَالتَّعْدِيَةُ تُبْطِلُ ذَلِكَ اهـ.
ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ غَيْرَ خُزَيْمَةَ فَهِمَ ذَلِكَ أَيْضًا تَكُونُ الْخُصُوصِيَّةُ فِي سَبْقِهِ إلَى هَذَا الْفَهْمِ (قَوْلُهُ: فَحَسْبُهُ) أَيْ كَافِيهِ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: الْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ) أَيْ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ (قَوْلُهُ: فَجَحَدَهُ الْبَيْعَ) أَيْ جَحَدَ الْأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ ﷺ (قَوْلُهُ: بِمَا جِئْت بِهِ) أَيْ وَمِنْ جُمْلَتِهِ اشْتِرَاءُ هَذَا الْفَرَسِ مِنْ الْأَعْرَابِيِّ (قَوْلُهُ: لَا تَقُولُ إلَّا حَقًّا) أَيْ وَهَذَا مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ (قَوْلُهُ: أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ) أَيْ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ أَخْذًا مِنْ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَلَا يَرِدُ الزِّنَا (قَوْلُهُ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ) فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ إذْ لَا يُعْلَمُ لَهُ مَعْنًى وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ الْإِيمَاءُ وَهُوَ أَنْ يَقْتَرِنَ الْحُكْمُ بِمَعْنًى لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالتَّعْلِيلِ كَانَ مُسْتَبْعَدًا كَمَا فِي «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَلَا إذَنْ» ، وَهُنَا قَدْ اقْتَرَنَ الْحُكْمُ وَهُوَ مَنْ شَهِدَ لَهُ إلَخْ بِقَوْلِهِ صَدَّقْتُك إلَخْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ التَّصْدِيقُ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ كَانَ الِاقْتِرَانُ مُسْتَبْعَدًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَقِسْ عَلَيْهِ مَنْ شَارَكَهُ لِجَوَازِ الْخُصُوصِيَّةِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الِاقْتِرَانَ كَمَا فِي حَدِيثِ «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ» أَقْوَى لِاقْتِرَانِهِ بِالْفَاءِ وَإِذًا فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ بِخِلَافِ مَنْ شَهِدَ لَهُ إلَخْ فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ يَرُدُّهُ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا مِنْ أَمْثِلَةِ الْإِيمَاءِ حَدِيثَ الْمُوَاقِعِ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ اقْتِرَانَ الْأَمْرِ بِالْعِتْقِ فِيهِ بِالسُّؤَالِ عَنْ الْوِقَاعِ دَلِيلٌ عَلَى
стр. 774
لِلِاسْتِغْنَاءِ حِينَئِذٍ عَنْ الْقِيَاسِ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ جَعْلُ بَعْضِ الصُّوَرِ الْمَشْمُولَةِ أَصْلًا لِبَعْضِهَا بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ مِثَالُهُ مَا لَوْ اُسْتُدِلَّ عَلَى رِبَوِيَّةِ الْبُرِّ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، ثُمَّ قِيسَ عَلَيْهِ الذُّرَةُ بِجَامِعِ الطَّعَامِ فَإِنَّ الطَّعَامَ يَتَنَاوَلُ الذُّرَةَ كَالْبُرِّ سَوَاءً، وَسَيَأْتِي مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ دَلِيلُهَا حُكْمَ الْفَرْعِ بِعُمُومِهِ أَوْ خُصُوصِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ فَمُقَابِلُهُ الْمَبْنِيُّ عَلَى جَوَازِ دَلِيلَيْنِ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ كَمَا سَيَأْتِي لَا يَأْتِي هُنَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْعِلَاوَةِ السَّابِقَةِ فِي التَّوْجِيهِ وَأَتَى الْمُصَنِّفُ بِالظَّاهِرِ
ــ
[حاشية العطار]
أَنَّهُ لِعِلَّةٍ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُرَتَّبْ بِالْفَاءِ وَإِذَا.
وَأَجَابَ سم أَخْذًا مِنْ كَلَامِ النَّاصِرِ بِأَنَّ الْإِيمَاءَ غَايَةُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْعِلِّيَّةِ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَمْرٌ آخَرُ قَائِمٌ بِخُزَيْمَةَ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ الْحُكْمَ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ إيمَاءٍ فَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ كَمَا أَفَادَهُ هُوَ أَيْضًا أَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ الْمَعْنَى الْمُتَعَدِّي عَلَى مَا مَرَّ وَاَلَّذِي أَفَادَهُ الْمَسْلَكُ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَتَعَدَّى فَإِنَّهُ أَفَادَ أَنَّ الْعِلَّةَ وَهُوَ إيمَانُ خُزَيْمَةَ الْقَائِمُ بِهِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالتَّصْدِيقِ فَإِنَّ اقْتِرَانَهُ أَوْجَبَ عِلَّةً لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَزِيَّةَ لَا تُوجِبُ الْأَفْضَلِيَّةَ وَالْعِلَّةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَعَدِّيَةً كَانَ الْحُكْمُ خَارِجًا عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: لِلِاسْتِغْنَاءِ) عِلَّةٌ لِلِاشْتِرَاطِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الدَّلِيلُ شَامِلًا فَلَا حَاجَةَ لِلْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ إلَخْ) أَيْ فَفِي جَعْلِ أَحَدِهِمَا أَصْلًا دُونَ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ فَالْقِيَاسُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَضْلًا عَنْ الِاسْتِغْنَاءِ، وَكَانَ الشَّارِحُ ذَكَرَ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْعِلَاوَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ مُرَجِّحٌ لِأَحَدِهِمَا كَالشُّهْرَةِ أَوْ الْمُلَاحَظَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الطَّعَامَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ مِثَالُهُ أَيْ وَجْهُ كَوْنِهِ مِثَالًا؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ إلَخْ) وَذَلِكَ كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ الْإِسْكَارِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْإِسْكَارِ بِمَا وَرَدَ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» فَهَذَا الدَّلِيلُ شَامِلٌ لِلنَّبِيذِ فَلَا حَاجَةَ لِلْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: بِعُمُومِهِ) بِأَنْ يَعُمَّ الْأَصْلَ وَفُرُوعًا كَثِيرَةً وَقَوْلُهُ أَوْ خُصُوصِهِ بِأَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْأَصْلِ وَالْفَرْعِ الْوَاحِدِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إذَا كَانَ خَاصًّا كَيْفَ يَتَعَدَّى (قَوْلُهُ: لَا يَتَأَتَّى هُنَا) أَيْ فِي دَلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ الشَّامِلِ لِحُكْمِ الْفَرْعِ يَعْنِي لَا يُمْكِنُ الْمُقَابِلُ عَدَمَ اشْتِرَاطِ نَفْيِهِ وَإِلَّا لَزِمَ التَّحَكُّمُ إذْ الْحُكْمَانِ مَدْلُولَانِ لِلدَّلِيلِ عَلَى السَّوَاءِ فَالْقِيَاسُ مُنْتَفٍ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ وَهُوَ التَّحَكُّمُ.
وَأَمَّا هَاهُنَا فَلَا تَحَكُّمَ إذْ مَحَلُّ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْأَصْلُ غَيْرُ مَدْلُولٍ لِدَلِيلِهَا فَالْحُكْمَانِ غَيْرُ مَدْلُولَيْنِ لِلدَّلِيلِ عَلَى السَّوَاءِ إذْ الْمَدْلُولُ هُوَ الْفَرْعُ دُونَ الْأَصْلِ فَالْقِيَاسُ صَالِحٌ لَأَنْ يَكُونَ دَلِيلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ اجْتِمَاعِ دَلِيلَيْنِ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ، وَبُحِثَ فِيهِ بِأَنَّ دَلِيلَ الْعِلَّةِ دَالٌّ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ قَطْعًا إذْ مَعْنَى الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِلَّةِ الدَّلَالَةُ عَلَى كَوْنِهَا مُعَرِّفَةً لِلْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ أَوْ بَاعِثًا عَلَيْهِ فَإِذَا فُرِضَ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ كَانَ دَالًّا عَلَى الْحُكْمَيْنِ قَطْعًا فَمَا قِيلَ فِي أَحَدِهِمَا يُقَالُ فِي الْآخَرِ إذْ هُمَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ
وَأُجِيبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا إثْبَاتُ حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ فَإِذَا كَانَ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ أَيْضًا فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِ أَحَدِهِمَا أَصْلًا وَالْآخَرِ فَرْعًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَيْنِ تَسَاوَيَا فِي شُمُولِ النَّصِّ لَهُمَا مَعَ قَصْدِ إثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ حَتَّى يُجْعَلَ أَصْلًا لَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجْرِ ذَلِكَ الْمُقَابِلُ هُنَا بِخِلَافِ مَا سَيَأْتِي فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ إثْبَاتُ مُجَرَّدِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ الدَّلِيلِ الشَّامِلِ لِحُكْمِ الْفَرْعِ مَعَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِدَلِيلٍ آخَرَ يَخُصُّهُ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهَذَا الدَّلِيلِ إثْبَاتَهُ بَلْ مُجَرَّدَ إثْبَاتِ عِلَّتِهِ حَتَّى صَارَ هَذَا الدَّلِيلُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَهُ مَزِيَّةٌ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْعِلَاوَةِ السَّابِقَةِ) أَيْ لِأَنَّهَا تُفِيدُ التَّحَكُّمَ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي دَلِيلِ الْعِلَّةِ إذَا لَمْ يَجْعَلْ إحْدَى الصُّورَتَيْنِ أَصْلًا لِلْأُخْرَى مَعَ تَنَاوُلِ الدَّلِيلِ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الصُّوَرِ وَغَايَةُ مَا هُنَاكَ دَلِيلَانِ وَقَوْلُ النَّاصِرِ الْعِلَّةُ وَالدَّلِيلُ مُتَلَازِمَانِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى دَلِيلِ الْعِلَّةِ أَيْ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ فَمَا قِيلَ فِي أَحَدِهِمَا يُقَالُ فِي الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ فَارِقٍ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ عَدَمِ التَّحَكُّمِ فِي الْعِلَّةِ بِخِلَافِ الدَّلِيلِ (قَوْلُهُ: وَأَتَى الْمُصَنِّفُ بِالظَّاهِرِ إلَخْ)
стр. 775
بَدَلَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إلَى حُكْمِ الْأَصْلِ الْمُحَدَّثِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ دَلِيلُ حُكْمِهِ وَفِي قَوْلِهِ
(وَكَوْنُ الْحُكْمِ) أَيْ فِي الْأَصْلِ (مُتَّفَقًا عَلَيْهِ) وَإِلَّا فَيَحْتَاجُ عِنْدَ مَنْعِهِ إلَى إثْبَاتِهِ فَيَنْتَقِلُ إلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَيَنْتَشِرُ الْكَلَامُ وَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ (قِيلَ بَيْنَ الْأُمَّةِ) حَتَّى لَا يَتَأَتَّى الْمَنْعُ بِوَجْهٍ (وَالْأَصَحُّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ لَا يَعْدُوهُمَا (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ) مَعَ اشْتِرَاطِ اتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ فَقَطْ (اخْتِلَافُ الْأُمَّةِ) غَيْرِ الْخَصْمَيْنِ فِي الْحُكْمِ بَلْ يَجُوزُ اتِّفَاقُهُمْ فِيهِ كَالْخَصْمَيْنِ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ لِيَتَأَتَّى لِلْخَصْمِ الْبَاحِثِ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَا مَذْهَبَ لَهُ
(فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَّفَقًا) عَلَيْهِ (بَيْنَهُمَا وَلَكِنْ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ) كَمَا فِي قِيَاسِ حُلِيِّ الْبَالِغَةِ عَلَى الصَّبِيَّةِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ عَدَمَهُ فِي الْأَصْلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْعِلَّةُ فِيهِ عِنْدَنَا كَوْنُهُ حُلِيًّا مُبَاحًا، وَعِنْدَهُمْ كَوْنُهُ مَالَ صَبِيَّةٍ (فَهُوَ) أَيْ الْقِيَاسُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (مُرَكَّبُ الْأَصْلِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَرْكِيبِ الْحُكْمِ (فِيهِ)
ــ
[حاشية العطار]
جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَأَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُهُ بِحَذْفِ لَفْظَةِ حُكْمٍ إذْ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ هُوَ حُكْمُ الْأَصْلِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ مِنْ إقَامَةِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَكَانَ وَجْهُ الْعُدُولِ دَفْعَ تَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَى غَيْرِ الْحُكْمِ مِنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ. (قَوْلُهُ: بَدَلَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إلَخْ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أَتَى بِهِ (قَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَتَى
(قَوْلُهُ: وَكَوْنُ الْحُكْمِ إلَخْ) إنْ أَرَادَ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ بِمُقْتَضَى الْقِيَاسِ فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْعَمَلِ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَقِيسَ عَلَى مَا وَافَقَ مَذْهَبَهُ وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَيَحْتَاجُ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ مَحَلَّ الشَّرْطِ إذَا أَوْرَدَ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمَ الْأَصْلِ عَلَى وَجْهٍ يَقْبَلُ الْمَنْعَ بِأَنْ ذَكَرَهُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِدَلِيلٍ وَإِلَّا قُبِلَ عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ: عِنْدَ مَنْعِهِ) أَيْ حُكْمِ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: فَيَنْتَقِلُ الْكَلَامُ إلَخْ) أَيْ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَرُمْ الْمُسْتَدِلُّ إثْبَاتَ الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ وَإِلَّا فَلَيْسَ مَمْنُوعًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فَلَا يُؤَثِّرُ حِينَئِذٍ عَدَمُ الِاتِّفَاقِ (قَوْلُهُ: وَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ) وَهُوَ إثْبَاتُ حُكْمِ الْفَرْعِ (قَوْلُهُ: بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) أَيْ بِالْفِعْلِ أَوْ مَنْ يُوجَدُ عَلَى فَرْضِ أَنْ لَوْ رَدَّ الْغَيْرُ بَعْدَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لِيَتَأَتَّى إلَخْ) فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ مَعَ اشْتِرَاطِ اتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ عَلَيْهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَأَتِّي مَنْعِهِ مِنْ حَيْثُ الْعِلَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ مَنْعُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَاشْتِرَاطُ اتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ إنَّمَا هُوَ لِسَدِّ بَابِ الْمَنْعِ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ فَلَا يُنَافِي التَّمْكِينَ مِنْ مَنْعِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَكْفِي اخْتِلَافُ الْأُمَّةِ فِي الْعِلَّةِ دُونَ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا مَذْهَبَ لَهُ) أَيْ لَا مَذْهَبَ لَهُ يَلْتَزِمُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ خَصْمًا بَاحِثًا وَإِنْ كَانَ لَهُ مَذْهَبٌ مِنْ حَيْثُ الِاتِّفَاقُ مَعَ خَصْمِهِ وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يَتَأَتَّى لِلْخَصْمِ الْمَنْعُ مِنْ كَوْنِهِ مُوَافِقًا عَلَى الْحُكْمِ
(قَوْلُهُ:، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ إلَخْ) تَعْبِيرُهُ بِأَدَاةِ الشَّكِّ يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ:، فَإِنَّ عَدَمَهُ) أَيْ الْوُجُوبَ (قَوْلُهُ: أَيْ الْقِيَاسُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ) تَحْوِيلٌ لِلْعِبَارَةِ عَنْ
следующие страницы →