← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ) عَامِّيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ أَيْ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ لِلْمُجْتَهِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (وَقِيلَ بِشَرْطِ تَبَيُّنِ صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ) بِأَنْ يَتَبَيَّنَ مُسْتَنَدُهُ لِيَسْلَمَ مِنْ لُزُومِ اتِّبَاعِهِ فِي الْخَطَأِ الْجَائِزِ عَلَيْهِ. (وَمَنَعَ الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (التَّقْلِيدَ فِي الْقَوَاطِعِ) كَالْعَقَائِدِ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهَا. (وَقِيلَ لَا يُقَلِّدُ عَالِمٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا) ؛ لِأَنَّ لَهُ صَلَاحِيَّةَ أَخْذِ الْحُكْمِ مِنْ الدَّلِيلِ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ. (أَمَّا ظَانُّ الْحُكْمِ بِاجْتِهَادِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ لِمُخَالَفَتِهِ) بِهِ لِوُجُوبِ اتِّبَاعِ اجْتِهَادِهِ. (وَكَذَا الْمُجْتَهِدُ) أَيْ مَنْ هُوَ بِصِفَاتِ الِاجْتِهَادِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَقَعُ لَهُ (عِنْدَ الْأَكْثَرِ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِيهِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لِلتَّقْلِيدِ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ الْأَصْلِ الْمُمْكِنِ إلَى بَدَلِهِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ لِلتَّقْلِيدِ فِيهِ ــ [حاشية العطار] الَّذِي بِاعْتِبَارِهِ يُفِيدُ الْحُكْمَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلْمُجْتَهِدِ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ) أَيْ الْمُطْلَقُ أَيْ وَيَلْزَمُ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا أَخْذًا مِنْ التَّفْصِيلِ الْآتِي ثُمَّ إنَّ هَذَا شَامِلٌ لِلْعَقْلِيَّاتِ كَالْعَقَائِدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَمَنَعَ الْأُسْتَاذُ التَّقْلِيدَ فِي الْقَوَاطِعِ أَيْ كَالْعَقَائِدِ فَإِنَّهُ يَقْضِي التَّعْمِيمَ هُنَا وَفِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَقِلُّ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ بِمَعْرِفَةِ الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ وَهُمْ كَثِيرُونَ لَمْ يَصِلُوا فِي الْفُرُوعِ وَلَا يَلْزَمُهُمْ تَقْلِيدُ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ بَلْ الْمَطْلُوبُ عَدَمُ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ مُطْلَقًا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ غَيْرُ مُرَادٍ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ فِي التَّقْلِيدِ فِي الْفُرُوعِ لَا مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ وَيَلْزَمُ التَّقْلِيدُ أَيْ فِي خُصُوصِ الْفُرُوعِ لَا مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهُ) أَرَادَ بِهِ الْعِلْمَ غَيْرَ الْمُجْتَهَدِ وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ عَامِّيٌّ وَلَيْسَ فَقِيهًا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ يُطْبِقُ عَلَيْهِ فَقِيهٌ أَيْضًا لِمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ، وَدَخَلَ تَحْتَ الْغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ فَيُقَلِّدُ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ فِيمَا عَجَزَ عَنْ الِاجْتِهَادِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ جَوَازِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ (قَوْلُهُ: لِيَسْلَمَ إلَخْ) أُجِيبَ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ؛ لِأَنَّ إبْدَاءَ الْمُجْتَهِدِ مُسْتَنَدُهُ يُوجِبُ عِنْدَكُمْ اتِّبَاعَهُ مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ بِحَالٍ لِكَوْنِ الْبَيَانِ ظَنِّيًّا اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهَا) أَتَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْأُسْتَاذَ مَنَعَ وُجُوبَ التَّقْلِيدِ فِيهَا أَوْ مَنَعَ جَوَازَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يُقَلِّدُ إلَخْ) مُقَابِلُ وَيَلْزَمُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ الشَّامِلِ لِلْعَالِمِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا) الْوَاوُ لِلْحَالِ لِيُنَاسِبَ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَيَلْزَمُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُجْتَهِدِ هُنَا الْمُجْتَهِدَ بِالْفِعْلِ فَهُوَ الَّذِي فِيهِ هَذِهِ الْأَقْوَالُ السِّتَّةُ أَمَّا الْمُجْتَهِدُ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ أَمَّا ظَنُّ الْحُكْمِ إلَخْ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا فَقَوْلُهُ لَهُ أَمَّا ظَانُّ الْحُكْمِ أَيْ بِالْفِعْلِ وَلَمْ تُجْعَلْ الْوَاوُ عَاطِفَةً لِاقْتِضَائِهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي اللُّزُومِ عَلَى الْأَوَّلِ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ بَلْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّ لَهُ صَلَاحِيَّةً إلَخْ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ الصَّلَاحِيَّةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُضِرِّ فَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ صَلَاحِيَّةً إلَّا لِلْمُجْتَهِدِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الصَّلَاحِيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْعُلَمَاءِ. (قَوْلُهُ: أَمَّا ظَانُّ الْحُكْمِ) أَيْ بِالْفِعْلِ وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَيَلْزَمُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ فَهَذَا مُجْتَهِدٌ بِالْفِعْلِ وَمَا بَعْدَهُ مُجْتَهِدٌ بِالْقُوَّةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ مَنْ هُوَ بِصِفَاتِ الِاجْتِهَادِ أَيْ وَلَمْ يَجْتَهِدْ بِالْفِعْلِ لِيُغَايِرَ مَا قَبْلَهُ. (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ عِلْمِهِ

стр. 947

لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ الْآنَ (وَثَالِثُهَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي) لِحَاجَتِهِ إلَى فَصْلِ الْخُصُومَةِ الْمَطْلُوبِ إنْجَازُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، (وَرَابِعُهَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْأَعْلَمِ) مِنْهُ لِرُجْحَانِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُسَاوِي وَالْأَدْنَى، (وَخَامِسُهَا) يَجُوزُ (عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ) لِمَا يُسْأَلُ عَنْهُ كَالصَّلَاةِ الْمُؤَقَّتَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَضِقْ، (وَسَادِسُهَا) يَجُوزُ لَهُ (فِيمَا يَخُصُّهُ) دُونَ مَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ. (مَسْأَلَةٌ إذَا تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ) لِلْمُجْتَهِدِ (وَتَجَدَّدَ) لَهُ (مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ) عَمَّا ظَنَّهُ فِيهَا أَوَّلًا (وَلَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ وَجَبَ) عَلَيْهِ (تَجْدِيدُ النَّظَرِ) فِيهَا (قَطْعًا وَكَذَا) يَجِبُ تَجْدِيدُهُ (إنْ لَمْ يَتَجَدَّدْ) مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ وَلَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ (لَا إنْ كَانَ ذَاكِرًا) لَهُ إذْ لَوْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ الدَّلِيلَ كَانَ آخِذًا بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ الْأَوَّلُ بِعَدَمِ تَذَكُّرِهِ لَا ثِقَةً بِبَقَاءِ الظَّنِّ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ فَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُ النَّظَرِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ إذْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. (وَكَذَا الْعَامِّيُّ يَسْتَفْتِي) الْعَالِمَ فِي حَادِثَةٍ (وَلَوْ) كَانَ الْعَالِمُ (مُقَلِّدَ مَيِّتٍ) بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ وَإِفْتَاءِ الْمُقَلِّدِ كَمَا سَيَأْتِي، (ثُمَّ تَقَعُ) لَهُ (تِلْكَ الْحَادِثَةُ هَلْ يُعِيدُ السُّؤَالَ) لِمَنْ أَفْتَاهُ أَيْ حُكْمُهُ ــ [حاشية العطار] قَدْ يُقَالُ هُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا قَادِرًا عَلَى الْعِلْمِ. [مَسْأَلَةٌ تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ لِلْمُجْتَهِدِ وَتَجَدَّدَ لَهُ مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عَمَّا ظَنَّهُ فِيهَا أَوَّلًا وَلَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ] (قَوْلُهُ: مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ أَيْ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَفِي الْعِبَارَةِ مُسَامَحَةٌ، وَالْمُرَادُ مَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ لِاحْتِمَالِ اقْتِضَائِهِ خِلَافَ الْمَظْنُونِ أَوْ لَا وَقَرِينَةُ هَذِهِ الْمُسَامَحَةِ قَوْلُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ النَّظَرِ إذْ لَا مَعْنَى لِتَجْدِيدِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ مُقْتَضَى الرُّجُوعِ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: قَطْعًا) أَيْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ حَكَوْا قَوْلًا بِالْمَنْعِ بِنَاءً عَلَى قُوَّةِ الظَّنِّ السَّابِقِ فَيَعْمَلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ رُجْحَانِ غَيْرِهِ. اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَكَذَا يَجِبُ إلَخْ) فَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَ التَّجَدُّدِ أَقْوَى (قَوْلُهُ: إذْ لَوْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَهَذَا رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ مَعَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بَلْ فِي الْأُولَى فَقَطْ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلًا أَصْلًا كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ هُنَاكَ دَلِيلٌ، وَلَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْأُولَى. (قَوْلُهُ: مِنْ الصُّورَتَيْنِ) أَيْ صُورَةِ التَّجَدُّدِ وَعَدَمِهِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا إنْ كَانَ ذَاكِرًا إلَخْ رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ قَبْلَهُ لَا لِلثَّانِيَةِ فَقَطْ كَمَا هُوَ صَرِيحُ شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ إذَا لَمْ يَتَجَدَّدْ النَّظَرُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا تَجَدَّدَ فَالْمُرَادُ عَدَمُ وُجُوبُ النَّظَرِ لِاسْتِنْتَاجِ الْحُكْمِ فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ النَّظَرِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ بِالرُّجُوعِ إلَى الْمُرَجِّحَاتِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْعَامِّيُّ) أَيْ فِي الْأَصَحِّ، وَمَحَلُّهُ إذَا عَرَفَ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ رَأْيٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ شَكَّ فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ عَنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ لَمْ يُعِدْ السُّؤَالَ قَطْعًا اهـ. زَكَرِيَّا. وَفِي الْمَنْخُولِ هَلْ يَجِبُ تَكْرِيرُ مُرَاجَعَةِ الْمُفْتِي عِنْدَ تَكْرِيرِ الْوَاقِعَةِ وَقَدْ أَوْجَبَهُ قَوْمٌ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ لِأَنَّ احْتِمَالَهُ كَاحْتِمَالِ النَّسْخِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا لَا يُكَرِّرُونَ الْمُرَاجَعَةَ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَتْ شَاسِعَةً أَوْ الْوَاقِعَةُ كَانَتْ تُكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ كَالطَّهَارَةِ فَلَا يُرَاجَعُ قَطْعًا لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْمُقَلِّدَةَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَاقِعَةُ لَا يَكْثُرُ تَكْرِيرُهَا فَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُرَاجَعُ؛ لِأَنَّا نَسْتَدِلُّ بِعَدَمِ مُرَاجَعَتِهِمْ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ عَلَى مِثْلِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، ثُمَّ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ وُجُوبُ الْإِخْبَارِ عَلَى الْمُفْتِي إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مُقَلِّدَ مَيِّتٍ) هُوَ مَوْجُودٌ فِي نُسَخٍ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الشَّارِحِ وَاقْتَضَى كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَلَوْ كَانَ السَّائِلُ مُقَلِّدَ مَيِّتٍ فَاعْتَرَضُوهُ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي مُقَلِّدِ الْمَيِّتِ وَهُوَ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فَقَدَّرَهُ الشَّارِحُ لِدَفْعِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْعَالِمُ أَيْ وَهُوَ الْمَسْئُولُ مُقَلِّدَ مَيِّتٍ وَصُوَرُ الْمَسْأَلَةِ بِإِعَادَةِ الْمُقَلِّدِ السُّؤَالَ لِمَنْ أَفْتَاهُ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَتْ إعَادَتُهُ بِأَنْ مَاتَ مَنْ أَفْتَاهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ قَطْعًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ الْمَذْكُورُ اهـ. زَكَرِيَّا. وَفِي مَتْنِ الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ لِلْبُدَخْشِيِّ وَاخْتُلِفَ فِي تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ أَيْ جَوَازِ إفْتَاءِ مَنْ هُوَ حَاكٍ عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمَيِّتِ مُقَلِّدٍ لَهُ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ الْمَيِّتِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَيْ لِجَوَازِ انْعِقَادِهِ عَلَى خِلَافِهِ أَيْ خِلَافِ قَوْلِهِ. فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا لَمْ يَكُنْ الْإِجْمَاعُ الْمُخَالِفُ لِقَوْلِهِ مُعْتَبَرًا، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ لَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ

стр. 948

حُكْمُ الْمُجْتَهِدِ فِي إعَادَةِ النَّظَرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ السُّؤَالِ إذْ لَوْ أَخَذَ بِجَوَابِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ لَكَانَ آخِذًا بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَهُوَ فِي حَقِّهِ قَوْلُ الْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ ثِقَةٌ بِبَقَائِهِ عَلَيْهِ الِاحْتِمَالِ مُخَالَفَتِهِ لَهُ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ مِنْ دَلِيلٍ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ نَصٍّ لِإِمَامِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا. (مَسْأَلَةُ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ (أَقْوَالٌ) أَحَدُهَا وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ يَجُوزُ لِوُقُوعِهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مُشْتَهِرًا مُتَكَرِّرًا مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ، ثَانِيهَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ كَالْأَدِلَّةِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ فَكَمَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِالرَّاجِحِ مِنْ الْأَدِلَّةِ يَجِبُ الْأَخْذُ بِالرَّاجِحِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَالرَّاجِحُ مِنْهَا قَوْلُ الْفَاضِلِ يَعْرِفُهُ الْعَامِّيُّ بِالتَّسَامُعِ وَغَيْرِهِ (ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ يَجُوزُ لِمُعْتَقِدِهِ فَاضِلًا) غَيْرَهُ (أَوْ مُسَاوِيًا) لَهُ بِخِلَافِ مَنْ اعْتَقَدَهُ مَفْضُولًا كَالْوَاقِعِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِهَذَا التَّفْصِيلِ، (وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ هُنَا وَهُوَ هَذَا التَّفْصِيلُ الْمُخْتَارُ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَقُولُ (لَمْ يَجِبْ الْبَحْثُ عَنْ الْأَرْجَحِ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ ــ [حاشية العطار] لَا يُقَالُ فَلِمَ صُنِّفَتْ الْكُتُبُ وَاعْتُبِرَتْ مَعَ فَنَاءِ أَرْبَابِهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ لِاسْتِفَادَةِ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ وَكَيْفِيَّةِ بِنَاءِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَلِمَعْرِفَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْمُصَنِّفِ جَوَازُهُ أَيْ جَوَازُ الْإِفْتَاءِ لِلْمُقَلَّدِ الْمَيِّتِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ أَيْ جَوَازِ الْعَمَلِ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْإِفْتَاءِ فِي زَمَانِنَا إذْ لَيْسَ فِي الزَّمَانِ مُجْتَهِدٌ فِي الْأَحْكَامِ لِلْآمِدِيِّ الْمُخْتَارُ أَنَّ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ إنَّمَا يَجُوزُ إفْتَاؤُهُ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا عَلَى مَأْخَذِ أَقْوَالِ إمَامِهِ قَادِرًا عَلَى التَّفْرِيعِ عَلَيْهَا مُتَمَكِّنًا مِنْ الْجَمْعِ، وَالْفَرْقُ وَالنَّظَرُ وَالْمُنَاظَرَةُ فِيهَا لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى قَبُولِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفَتْوَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْتَاءُ. قَالَ الْبُدَخْشِيُّ وَالْحَقُّ فِي إفْتَاءِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْإِفْتَاءِ مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ مِنْ الْإِفْتَاءِ فِي الْمَذْهَبِ لَا بِطَرِيقِ نَقْلِ الْكَلَامِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ، الرَّابِعُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ يُسَمَّى بِالْمُجْتَهِدِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَإِنْ أُرِيدَ نَقْلُ الْعَدْلِ الْغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ عَنْ مُجْتَهِدٍ كَأَنْ يَقُولَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَذَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَذَا فَلَا نِزَاعَ فِي قَبُولِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا شُرِطَ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ كَمَا سَبَقَ، وَأَمَّا فِي الْإِفْتَاءِ بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَظُنَّ الْمُسْتَفْتِي عِلْمَ الْمُفْتِي وَعَدَالَتَهُ إمَّا بِالْأَخْبَارِ أَوْ بِأَنْ رَوَاهُ مُنْتَصِبًا لِلْفَتْوَى، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى سُؤَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ فَإِذَا ظَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِ أَوْ عَدَمَ عَدَالَتِهِ أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَا يَسْتَفْتِيهِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَجْهُولَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ الِاسْتِفْتَاءِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَيَلْحَقُ بِغَيْرِ الْعَالِمِ كَالشَّاهِدِ الْمَجْهُولِ عَدَالَتُهُ وَالرَّاوِي كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْعِلْمِ مَجْهُولَ الْعَدَالَةِ فَقِيلَ بِالِامْتِنَاعِ لِعَيْنِ مَا ذُكِرَ فِي مَجْهُولِ الْعِلْمِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَدَالَةِ لِلْقَوْلِ بِالْجَوَازِ وَجْهٌ أَيْضًا وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ الْعَدَالَةُ فَيَلْحَقُ الْعَالِمُ الْمُجْتَهِدُ الْمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ اهـ. بِاخْتِصَارٍ. (قَوْلُهُ: بِجَوَابِ الْأَوَّلِ) أَيْ بِجَوَابِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ. [مَسْأَلَةُ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ] (قَوْلُهُ: الْمَفْضُولِ أَيْ نَفْسُ الْأَمْرِ لَا بِحَسَبِ الِاعْتِقَادِ إذْ لَا يَتَأَتَّى حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ الْآتِي (قَوْلُهُ: لِوُقُوعِهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ) قَالَ فِي الْمَنْخُولِ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْأَفْضَلِ فِي الْفَتْوَى لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْعَبَادِلَةَ الْأَرْبَعَةَ كَانُوا يُرَاجَعُونَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. (قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ فَاضِلًا) فَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ) أَيْ كَرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَكَثْرَةِ الْمُسْتَفْتِينَ لَهُ وَقِلَّةِ الْمُسْتَفْتِينَ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: كَالْوَاقِعِ) أَيْ كَمَا أَنَّهُ مَفْضُولٌ فِي الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ مَفْضُولٌ فِي الْوَاقِعِ عَلَى كُلِّ الْأَقْوَالِ فَقَوْلُهُ كَالْوَاقِعِ حَالَ كَوْنِهِ مُمَاثِلًا لِلْوَاقِعِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ الْبَحْثُ إلَخْ) إنْ قُلْت هَذَا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا فَيُشْكِلُ تَخْصِيصُهُ بِالثَّالِثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ أَعْنِي مِنْ ثَمَّ قُلْت التَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمَامِ وَلَوْ سَلِمَ

стр. 949

لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ بِخِلَافِ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا (فَإِنْ اعْتَقَدَ) أَيْ الْعَامِّيُّ (رُجْحَانَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَعَيَّنَ) لَأَنْ يُقَلِّدَهُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فِي الْوَاقِعِ عَمَلًا بِاعْتِقَادِهِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ، (وَالرَّاجِحُ عِلْمًا فَوْقَ الرَّاجِحِ وَرَعًا فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ تَأْثِيرًا فِي الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْوَرَعِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ لِزِيَادَةِ الْوَرَعِ تَأْثِيرًا فِي التَّثَبُّتِ فِي الِاجْتِهَادِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ، وَيُحْتَمَلُ التَّسَاوِي لِأَنَّ لِكُلٍّ مُرَجِّحًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ الْأَرْجَحِ الْمَبْنِيِّ عَلَى امْتِنَاعِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ. (وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَيِّتِ) لِبَقَاءِ قَوْلِهِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَذَاهِبُ لَا تَمُوتُ أَرْبَابُهَا (خِلَافًا لِلْإِمَامِ) الرَّازِيّ فِي مَنْعِهِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِقَوْلِ الْمَيِّتِ بِدَلِيلِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُخَالِفِ. قَالَ وَتَصْنِيفُ الْكُتُبِ فِي الْمَذَاهِبِ مَعَ مَوْتِ أَرْبَابِهَا لِاسْتِفَادَةِ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ فِي الْحَوَادِثِ وَكَيْفِيَّةِ بِنَاءِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَلِمَعْرِفَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَعُورِضَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُجْمِعِينَ ــ [حاشية العطار] فَالْحَصْرُ إضَافِيٌّ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَوْلِ الثَّانِي كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا فَإِنْ قُلْت لِمَ آثَرَ الثَّالِثَ بِذِكْرِ ذَلِكَ قُلْت؛ لِأَنَّ الَّذِي يُتَوَهَّمُ مَعَهُ وُجُوبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ اعْتِقَادَ الْكَوْنِ فَاضِلًا أَوْ مُسَاوِيًا، وَذَلِكَ مَظِنَّةٌ لِهَذَا التَّوَهُّمِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ) أَيْ لِلتَّقْلِيدِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى اعْتِقَادِهِ فَاضِلًا أَوْ مُسَاوِيًا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا) أَيْ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْبَحْثَ لِأَجْلِ تَعَيُّنِ الْفَاضِلِ وَالْمُسَاوِي وَلَا يَكْفِي الِاعْتِقَادُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ اعْتَقَدَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمُخْتَارِ يَعْنِي أَنَّهُ مَتَى اعْتَقَدَ رُجْحَانَ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَأَنْ يُقَلِّدَهُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فِي الْوَاقِعِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ) صِفَةٌ لِاعْتِقَادٍ وَضَمِيرُهُ لِلتَّعْيِينِ فَالصِّفَةُ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ فَكَانَ الْأَوْلَى إبْرَازَ الضَّمِيرِ (قَوْلُهُ: مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ اخْتِيَارُهُ مِنْ وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ الْأَرْجَحِ أَوْ الْمُسَاوِي فِي اعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَرْجُوحٍ، وَيُجَابُ بِمَنْعِ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ الْأَرْجَحِ فِي الْوَاقِعِ بَلْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ اخْتِيَارُهُ مِمَّا ذُكِرَ، وَهَذَا لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى امْتِنَاعِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ فِي الْوَاقِعِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُخَالِفِ) أَيْ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ لِقَوْلِهِ بَقَاءً لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ لِبَقَاءِ الْمُخَالِفِ (قَوْلُهُ: وَعُورِضَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ) قَدْ يُقَالُ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ لَهَا مِنْ

стр. 950

، (وَثَالِثُهَا) يَجُوزُ (إنْ فُقِدَ الْحَيُّ) لِلْحَاجَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُفْقَدْ، (وَرَابِعُهَا قَالَ) الصَّفِيُّ (الْهِنْدِيُّ) يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ (إنْ نَقَلَهُ عَنْهُ مُجْتَهِدٌ فِي مَذْهَبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لِمَعْرِفَتِهِ مَدَارِكَهُ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ فَلَا يَنْقُلُ لِمَنْ يُقَلِّدُهُ إلَّا مَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. (وَيَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِالْأَهْلِيَّةِ) لِلْإِفْتَاءِ (أَوْ ظُنَّ) أَهْلًا لَهُ (بِاشْتِهَارِهِ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ) هَذَا رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ (وَانْتِصَابِهِ وَالنَّاسُ مُسْتَفْتُونَ) لَهُ هَذَا رَاجِعٌ إلَى الثَّانِي (وَلَوْ) كَانَ مَنْ ذُكِرَ (قَاضِيًا) فَإِنَّهُ يَجُوزُ إفْتَاؤُهُ كَغَيْرِهِ (وَقِيلَ لَا يُفْتِي قَاضٍ فِي الْمُعَامَلَاتِ) لِلِاسْتِغْنَاءِ بِقَضَائِهِ فِيهَا عَنْ الْإِفْتَاءِ وَعَنْ الْقَاضِي شُرَيْحٍ أَنَا أَقْضِي وَلَا أُفْتِي (لَا الْمَجْهُولِ) عِلْمًا أَوْ عَدَالَةً فَلَا يَجُوزُ اسْتِفْتَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الْبَحْثِ عَنْ عِلْمِهِ) بِأَنْ يَسْأَلَ النَّاسُ عَنْهُ، وَقِيلَ يَكْفِي اسْتِفَاضَتُهُ بَيْنَهُمْ (وَالِاكْتِفَاءُ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ) وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ عَنْهَا (وَ) الِاكْتِفَاءِ (بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) عَنْ عِلْمِهِ وَعَدَالَتِهِ بِنَاءً عَلَى الْبَحْثِ عَنْهُمَا وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ (وَلِلْعَامِّيِّ سُؤَالُهُ) أَيْ الْعَالِمِ (عَنْ مَأْخَذِهِ) فِيمَا أَفْتَاهُ بِهِ (اسْتِرْشَادًا) أَيْ طَلَبًا لِإِرْشَادِ نَفْسِهِ بِأَنْ تُذْعِنَ لِلْقَبُولِ بِبَيَانِ الْمَأْخَذِ لَا تَعَنُّتًا (ثُمَّ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَالِمِ (بَيَانُهُ) أَيْ الْمَأْخَذِ لِسَائِلِهِ الْمَذْكُورِ تَحْصِيلًا لِإِرْشَادِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ خَفِيًّا) عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَقْصُرُ فَهْمُهُ عَنْهُ فَلَا يُبَيِّنُهُ لَهُ صَوْنًا لِنَفْسِهِ عَنْ التَّعَبِ فِيمَا لَا يُفِيدُ وَيَعْتَذِرُ لَهُ بِخَفَاءِ الْمُدْرَكِ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى التَّفْرِيعِ وَالتَّرْجِيحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ (الْإِفْتَاءُ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ اطَّلَعَ عَلَى مَأْخَذِهِ وَاعْتَقَدَهُ) وَهَذَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ لِانْطِبَاقِ تَعْرِيفِهِ السَّابِقِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ لَهُ الْإِفْتَاءُ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ مُطْلَقًا لِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْأَعْصَارِ مُتَكَرِّرًا شَائِعًا مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ لِانْتِفَاءِ وَصْفِ الِاجْتِهَادِ عَنْهُ ــ [حاشية العطار] الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِكُلِّ فَرْدٍ (قَوْلُهُ: وَثَالِثُهَا يَجُوزُ إنْ فُقِدَ الْحَيُّ) قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ لَكِنْ إذَا قُلْنَا يُقَلِّدُ الْمَيِّتَ مُطْلَقًا، وَكَانَ الْحَيُّ دُونَهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَيِّتَ لَا رُجْحِيَّتِهِ، وَأَنْ يُقَلِّدَ الْحَيَّ لِحَيَاتِهِ وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ الِاسْتِوَاءُ لِتَعَارُضِ الْمُرَجِّحَيْنِ قُلْت بَلْ الْأَظْهَرُ الثَّانِي لِتَرَجُّحِهِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَقْلِيدِ الْحَيِّ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: فِي مَذْهَبِهِ) أَيْ مَذْهَبِ الْمَيِّتِ أَوْ النَّاقِلِ وَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُجْتَهِدٍ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِنَقْلِهِ. (قَوْلُهُ: لَا الْمَجْهُولِ) عَطْفٌ عَلَى مَنْ عُرِفَ بِالْأَهْلِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الْبَحْثِ إلَخْ) قَالَ سم لَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ أَوْ الظَّنِّ بِوَاسِطَةِ الِاشْتِهَارِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَ الْبَحْثِ الْمَذْكُورِ إذْ الْمَدَارُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ أَوْ الظَّنِّ فَإِذَا حَصَلَتْ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَالْوَجْهُ هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِهَا بَلْ لَا مَعْنَى رَأْسًا مَعَ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهَا بِالظَّنِّ إلَى اشْتِرَاطِ الْبَحْثِ بِالظَّنِّ إذْ غَايَتُهُ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ وَهُوَ حَاصِلٌ اهـ. (قَوْلُهُ: وَالِاكْتِفَاءُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) أَيْ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَهُوَ الْعَدْلُ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْعَالِمُ) مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ مُقَلِّدًا (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ خَفِيًّا) يُمْكِنُ أَنْ يُضْبَطَ بِمَا لَا يَسْهُلُ عَادَةً تَفْهِيمُ مِثْلِهِ لَهُ. [مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى التَّفْرِيعِ وَالتَّرْجِيحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا] (قَوْلُهُ: يَجُوزُ لِلْقَادِرِ إلَخْ) هَذَا مَعْلُومٌ تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهُ أَعَادَهُ لِأَجْلِ إفَادَةِ مَا فِيهَا مِنْ التَّفَاصِيلِ (قَوْلُهُ: عَلَى التَّفْرِيعِ) أَيْ تَفْرِيعِ الْوُجُوهِ وَهِيَ الْأَحْكَامُ عَلَى نُصُوصِ إمَامِهِ أَيْ اسْتِنْبَاطِهَا مِنْهَا أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ أَيْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِ لَا لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ لِيُنَاسِبَ الْخِلَافَةَ الْآتِيَةَ اهـ زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: اطَّلَعَ) أَيْ الْقَادِرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَاطَّلَعَ صِفَةٌ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إفْتَاءِ الْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ إفْتَاءِ مُجْتَهِدِ الْمَذْهَبِ لَكِنْ الْأَقْعَدُ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَالْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ إفْتَاءِ مُجْتَهِدِ الْفَتْوَى وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فَيُقَيَّدُ تَصْحِيحُ جَوَازِ إفْتَائِهِ وَيُعَلَّلُ مُقَابِلُهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ اهـ زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْقَادِرِ

стр. 951

وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ لِلْمُجْتَهِدِ وَلَا نُسَلِّمُ وُقُوعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَثَالِثُهَا) يَجُوزُ لَهُ (عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ) لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ الْمُجْتَهِدُ، (وَرَابِعُهَا) يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ الْإِفْتَاءُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا) عَلَى التَّفْرِيعِ وَالتَّرْجِيحِ (لِأَنَّهُ نَاقِلٌ) لِمَا يُفْتِي بِهِ عَنْ إمَامِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِهِ عَنْهُ وَهَذَا الْوَاقِعُ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ (وَيَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ) أَيْ أَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ مُجْتَهِدٌ (خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ) فِي مَنْعِهِمْ الْخُلُوَّ عَنْهُ (مُطْلَقًا وَلِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ) فِي مَنْعِهِ الْخُلُوَّ عَنْهُ (مَا لَمْ يَتَدَاعَ الزَّمَانُ بِتَزَلْزُلِ الْقَوَاعِدِ) فَإِنْ تَدَاعَى بِأَنْ أَتَتْ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ الْكُبْرَى كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ جَازَ الْخُلُوُّ عَنْهُ (وَالْمُخْتَارُ) بَعْدَ جَوَازِهِ أَنَّهُ (لَمْ يَثْبُتُ وُقُوعُهُ) وَقِيلَ يَقَعُ دَلِيلُ عَدَمِ الْوُقُوعِ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ بِطُرُقِ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ــ [حاشية العطار] الْمَذْكُورِ فَيَدْخُلُ فِي غَيْرِهِ مُجْتَهِدُ الْفَتْوَى وَهُوَ كَمَا مَرَّ الْمُجْتَهِدُ الْقَادِرُ عَلَى التَّرْجِيحِ دُونَ التَّفْرِيعِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يُسَمَّى مُجْتَهِدَ الْفَتْوَى وَفِيهِ مَعَ هَذَا تَنَاقُضٌ لَا يَخْفَى. قَالَ النَّاصِرُ وَأَجَابَ سم بِمَنْعِ التَّنَاقُضِ بِأَنَّ مَا هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْمُطْلَقِ أَوْ الْعَامِّ وَمَا مَرَّ مِنْ قَبِيلِ الْمُقَيَّدِ أَوْ الْخَاصِّ، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا بَلْ يُقَيَّدُ الْمُطْلَقُ وَيُخَصَّصُ الْعَامُّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ لِلْمُجْتَهِدِ) أَيْ الْمُطْلَقِ كَمَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْمُجْتَهِدِ فِي قَوْلِ الْمَتْنِ، وَثَالِثُهَا عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ اهـ. نَجَّارِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَرَابِعُهَا يَجُوزُ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ إلَخْ لَا لِمَنْطُوقِهِ لَكِنْ لَوْ عَبَّرَ بَدَلَ رَابِعِهَا بِقِيلِ كَانَ أَنْسَبَ إذْ لَيْسَ لِلْمَفْهُومِ مُقَابِلٌ غَيْرُ هَذَا اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ) عَنْ مُجْتَهِدٍ الْمُتَبَادِرُ مِنْ ذِكْرِ الْمُجْتَهِدِ هُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ لَكِنْ صَرَّحَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ بِإِجْرَاءِ هَذَا الْخِلَافِ فِي غَيْرِهِ أَيْضًا حَيْثُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ خُلُوُّ عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ عَنْ الَّذِي يُمْكِنُ تَفْوِيضُ الْفَتْوَى إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا مُطْلَقًا، أَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ وَمَنَعَ مِنْهُ الْأَقَلُّونَ كَالْحَنَابِلَةِ اهـ. سم. وَفِي النَّجَّارِيِّ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْجَوَازُ الشَّرْعِيُّ وَظَاهِرُ اسْتِدْلَالِ ابْنِ الْحَاجِبِ كَالْآمِدِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَقْلِيُّ وَفِي حَوَاشِي الْمَوْلَى سَعْدِ الدِّينِ مَا يُشْعِرُ بِتَجْوِيزِ كُلٍّ مِنْهُمَا انْتَهَى، وَفِي الْمَنْخُولِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هَلْ يَجُوزُ فُتُورُهَا وَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا سِوَى الْكَعْبِيِّ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ وُجُوبِ مُرَاعَاةِ الْأَصْلَحِ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ يُنَازِعُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ شَرْعَنَا كَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَفَرَّقَ فَارِقُونَ بِأَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ خَاتِمَةُ الشَّرَائِعِ وَلَوْ فَتَرَتْ لَبَقِيَتْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا فَاسِدٌ إذْ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يُحِيلُهُ وَاَلَّذِينَ فَتَرَتْ عَلَيْهِمْ الشَّرَائِعُ سَابِقًا قَدْ مَاتُوا وَقَامَتْ قِيَامَتُهُمْ إذْ لَمْ يَلْحَقُهُمْ تَدَارُكُ شَيْءٍ آخَرَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَخْتَلِفُ الرَّجُلَانِ فِي فَرِيضَةٍ فَلَا يَجِدَانِ مِنْ يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمَا» وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ظَاهِرٌ مُعَرَّضٌ لِلتَّأْوِيلِ، وَيُمْكِنُ تَخَصُّصُهُ بِالْقُرْآنِ دُونَ سَائِرِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ. وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَالْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْقِيَامَةَ إنْ قَامَتْ عَلَى قُرْبٍ فَلَا تَفْتُرُ الشَّرِيعَةُ وَإِنْ امْتَدَّتْ إلَى خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الدَّوَاعِيَ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى نَقْلِهَا فَلَا تَضْعُفُ إلَّا عَلَى تَدْرِيجٍ وَلَوْ تَطَاوَلَ الزَّمَانُ فَالْغَالِبُ فُتُورُهُ إذْ الْهِمَمُ عَلَى التَّرَاجُعِ مَصِيرُهَا إذَا فَتَرَتْ ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ فَهِيَ كَالْأَحْكَامِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ إنَّهُمْ يُكَلَّفُونَ الرُّجُوعَ إلَى مَحَاسِنِ الْعُقُولِ وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِنَا؛ لِأَنَّا لَا نَقُولُ بِتَحْسِينِ الْعَقْلِ اهـ. وَقَوْلُهُ وَإِنْ امْتَدَّتْ إلَى خَمْسِمِائَةٍ مَثَلًا أَيْ مِنْ عَصْرِهِ وَقَدْ مَضَتْ الْخَمْسُمِائَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَصْرِنَا وَالشَّرِيعَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ مَحْفُوظَةٌ وَلَكِنَّهُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْأَلْفِ اشْتَدَّ التَّنَاقُضُ وَفِي عَصْرِنَا وَهُوَ الْقَرْنُ الثَّالِثَ عَشَرَ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ بِتَرَاكُمِ عَظَائِمِ الْخُطُوبِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ اهـ. (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَبْقَى فِيهِ مُجْتَهِدٌ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَعَمُّ مِنْ أَنْ لَا يُوجَدَ فِيهِ أَصْلًا أَوْ يُوجَدَ ثُمَّ يُفْقَدَ لَا الْأَوَّلُ فَقَطْ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ لَفْظِ الْخُلُوِّ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَتَدَاعَ الزَّمَانُ) الْمُرَادُ بِتَدَاعِيهِ دُعَاءُ بَعْضِهِ بَعْضًا إلَى الزَّوَالِ كِنَايَةً عَنْ إشْرَافِهِ عَلَى الزَّوَالِ وَتَغَيُّرِهِ عَمَّا كَانَ، وَالْمُرَادُ بِالْقَوَاعِدِ الْأُمُورُ الْمَعْهُودَةُ فِيهِ فَتَزَلْزُلُهَا عَدَمُ بَقَائِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ قَوَاعِدُ الدِّينِ وَأَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ وَتَزَلْزُلُهَا تَعَطُّلُهَا. (قَوْلُهُ: لَمْ يَثْبُتْ وُقُوعُهُ) أَيْ لَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ وَقِيلَ يَقَعُ. (قَوْلُهُ: دَلِيلُ عَدَمِ الْوُقُوعِ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَثْبُتْ

стр. 952

ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ أَيْ السَّاعَةُ» ، كَمَا صَرَّحَ بِهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ أَيْ لِابْتِدَاءِ الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِقَوْلِهِ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَيَدُلُّ لِلْوُقُوعِ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا «أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا هَذَا» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَفِي مُسْلِمٍ حَدِيثُ «إنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيُتْرَكُ فِيهَا الْجَهْلُ» وَنَحْوُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ» ، وَالْمُرَادُ بِرَفْعِ الْعِلْمِ قَبْضُ أَهْلِهِ وَلِمُعَارَضَةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِلْأَوَّلِ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَثْبُتْ وُقُوعُهُ دُونَ لَا يَقَعُ وَيُمْكِنُ رَدُّ الْأَوَّلِ إلَيْهَا بِأَنْ يُرَادَ بِالسَّاعَةِ مَا قَرُبَ مِنْهَا.، (وَإِذَا عَمِلَ الْعَامِّيُّ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ) فِي حَادِثَةٍ (فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ) إلَى غَيْرِهِ فِي مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ الْتَزَمَ ذَلِكَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ (وَقِيلَ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ) بِهِ (بِمُجَرَّدِ الْإِفْتَاءِ) فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى غَيْرِهِ فِيهِ (وَقِيلَ) يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ (بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ) بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَشْرَعْ (وَقِيلَ) يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ ــ [حاشية العطار] وُقُوعُهُ أَوْ عَدَمُ وُقُوعِهِ لَكِنَّهُ آثَرَ التَّعْبِيرَ بِلَمْ يَثْبُتْ وُقُوعُهُ لِمُعَارَضَةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ) فِيهِ أَنَّ ظُهُورَهُمْ عَلَى الْحَقِّ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بِمَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ (قَوْلُهُ: وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ) أَيْ الْمُجْتَهِدُونَ حَتَّى تَتِمَّ الدَّعْوَى وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ) أَيْ عُمُومًا فَلَا يُنَافِي الْوُقُوعَ لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ، وَيَنْتَزِعُهُ بَدَلٌ مِنْ يَقْبِضُ الْمَنْفِيُّ فَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا وَرُؤَسَاءُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا وَفَتْحِ سِينٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ جَمْعُ رَئِيسٍ وَفِي رِوَايَةٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ بَعْدَهَا الرَّاءُ وَفَتْحِ السِّينِ مَنُونَةً جَمْعُ رَأْسٍ بِمَعْنَى رَئِيسٍ وَاِتَّخَذَ بِمَعْنَى صَيَّرَ مَفْعُولُهُ الْأَوَّلُ جُهَّالًا وَالثَّانِي رُءُوسًا أَيْ اتَّخَذَ النَّاسُ الْجُهَّالَ رُءُوسًا. (قَوْلُهُ: وَيُتْرَكُ فِيهَا الْجَهْلُ) أَيْ يُتْرَكُ بِلَا رَفْعٍ (قَوْلُهُ: وَلِمُعَارَضَةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إلَخْ) قَالَ النَّجَّارِيُّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْخُلُوِّ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ وُقُوعِ الْخُلُوِّ فَالْأَوَّلُ يُعَارِضُهَا فِي ثُبُوتِ الْوُقُوعِ فَالْمُنَاسِبُ إسْنَادُ الْمُعَارَضَةِ إلَيْهِ لَا إلَيْهَا كَمَا يُعْرَفُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ الْحَجَّاجِ فَقَالَ «اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ سَمِعْته مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ » قِيلَ وَكَيْفَ هَذَا وَقَدْ جَاءَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ لَا بُدَّ لِلزَّمَانِ أَنْ يَتَنَفَّسَ رَأَيْتُهُ فِي تَارِيخِ ابْنِ عَسَاكِرَ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي خُطْبَةِ كِتَابِ تَرْشِيحِ التَّوْشِيحِ وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ كُلَّ عَامٍ تُرْذَلُونَ فَلَا أَصْلَ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ رَدُّ الْأَوَّلِ إلَيْهَا إلَخْ) أَيْ فَيَثْبُتُ الْوُقُوعُ لِسَلَامَةِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُقُوعِ عَنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ غَيْرِ الْمُطْلَقِ وَحَمْلِ الْبَقِيَّةِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَهُوَ مَنْ اسْتَقَلَّ بِقَوَاعِدَ لِنَفْسِهِ يَبْنِي عَلَيْهَا الْفِقْهَ خَارِجًا عَنْ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ الْمُقَرَّرَةِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ مِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ الْمُنِيرِ وَابْنُ الْحَاجِّ وَمِنْ أَئِمَّتِنَا ابْنُ بُرْهَانَ وَالنَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ اهـ. زَكَرِيَّا. أَقُولُ قَدْ سَلَفَ مِنَّا نَقْلٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ أَثْبَتَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ لِوَالِدِهِ فِي تَرْشِيحِ التَّوْشِيحِ وَنُقِلَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ عَنْهُ أَقْوَالًا انْفَرَدَ بِهَا عَنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَأَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ عَصْرِ النَّوَوِيِّ لَكِنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ تِلْمِيذِهِ ابْنِ الْعَطَّارِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِمِائَةٍ بِدِمَشْقَ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا عَمِلَ الْعَامِّيُّ إلَخْ) قَالَ سم ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ إلَى فَرْعٍ مِنْ الْعَمَلِ وَيُؤَيِّدُهُ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِالشُّرُوعِ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الْعَمَلِ ثُمَّ أَبْطَلَهُ جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ كَمَا أَنَّ قَضِيَّةَ الِاكْتِفَاءِ بِالشُّرُوعِ عَلَى الْقَوْلِ الْآتِي أَنَّهُ لَوْ أَبْطَلَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ لِحُصُولِ الشُّرُوعِ اهـ. (قَوْلُهُ: فِي مِثْلِهَا) إفْصَاحٌ عَمَّا أَرَادَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ كَالزَّرْكَشِيِّ بِقَوْلِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا بِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْعَيْنِ النَّوْعُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَإِذَا عَمِلَ الْعَامِّيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: إلَى غَيْرِهِ فِيهِ) أَيْ فِي غَيْرِ

стр. 953

(إنْ الْتَزَمَهُ) بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، (وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ) يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ (إنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِحَّتُهُ) وَإِلَّا فَلَا (وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ) يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ (إنْ لَمْ يُوجَدْ مُفْتٍ آخَرَ فَإِنْ وُجِدَ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا، وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ) أَيْ جَوَازُ الرُّجُوعِ إلَى غَيْرِهِ (فِي حُكْمٍ آخَرَ) وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِسُؤَالِ الْمُجْتَهِدِ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ الْتِزَامُ مَذْهَبِهِ. (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ يَجِبُ) عَلَى الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ (الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ) مِنْ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ (يَعْتَقِدُهُ أَرْجَحَ) مِنْ غَيْرِهِ (أَوْ مُسَاوِيًا) لَهُ وَإِنْ كَانَ نَفْسُ الْأَمْرِ مَرْجُوحًا عَلَى الْمُخْتَارِ الْمُتَقَدِّمِ، (ثُمَّ) فِي الْمُسَاوِي (يَنْبَغِي السَّعْيُ فِي اعْتِقَادِهِ أَرْجَحَ) لِيُتَّجَهَ اخْتِيَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ (ثُمَّ فِي خُرُوجِهِ عَنْهُ) أَقْوَالٌ أَحَدُهَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْتِزَامُهُ، ثَانِيهَا يَجُوزُ وَالْتِزَامُ مَا لَا يَلْزَمُ غَيْرُ مُلْزَمٍ، (ثَالِثُهَا لَا يَجُوزُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ) وَيَجُوزُ فِي بَعْضٍ تَوَسُّطًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَالْجَوَازُ فِي غَيْرِ مَا عَمِلَ بِهِ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي عَمَلِ غَيْرِ الْمُلْتَزِمِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَالْآمِدِيِّ اتِّفَاقًا ــ [حاشية العطار] الْمُفْتِي فِيمَا أَفْتَاهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: إنْ الْتَزَمَهُ) أَيْ الْعَمَلَ بِأَنْ صَمَّمَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إلَخْ) نُقِلَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ مَا يُوَافِقُهُ وَاخْتَارَهُ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: فِي حُكْمٍ آخَرَ) هَذَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمِثْلِ وَمَا هُنَا فِي حُكْمٍ آخَرَ مُغَايِرٍ لَهُ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ فِي عَامِّيٍّ غَيْرِ مُلْتَزِمٍ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ الَّذِي قَلَّدَهُ فِي حَادِثَةٍ مَا كَالشَّافِعِيِّ قَلَّدَ مَالِكًا أَوْ أَبَا حَنِيفَةَ فِي حَادِثَةٍ، أَمَّا الْتِزَامُ الْمَذْهَبِ فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَإِنَّهُ يَجِبُ الْتِزَامُ إلَخْ وَفِي التَّحْرِيرِ لَا يَرْجِعُ فِيمَا قَلَّدَ فِيهِ اتِّفَاقًا، وَهَلْ يُقَلِّدُ غَيْرَهُ فِي حُكْمِ غَيْرِهِ الْمُخْتَارُ نَعَمْ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْمُسْتَفْتِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ إلَى الْآنَ كَانُوا يَسْتَفْتُونَ مَرَّةً وَاحِدًا مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَرَّةً غَيْرَهُ غَيْرَ مُلْتَزِمِينَ مُفْتِيًا وَاحِدًا فَلَوْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُبَيَّنًا كَأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ الشَّافِعِيِّ فَقِيلَ يَلْزَمُ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ اهـ. قَالَ شَارِحُهُ السَّيِّدُ بادشاه وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَهُ غَيْرَ مُلْزِمٍ إذَا لَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فَيُقَلِّدَهُ فِي كُلِّ مَا يَأْتِي بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالْتِزَامُهُ لَيْسَ بِنَذْرٍ حَتَّى يَجِبَ الْوَفَاءُ بِهِ اهـ. قَالَ السَّيِّدُ عَلِيٌّ السَّمْهُودِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِالْعِقْدِ الْفَرِيدِ فِي أَحْكَامِ التَّقْلِيدِ وَلَوْ نَذَرَهُ لَا يَلْزَمُهُ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْ الْأَعْلَمِ وَإِسْنَادُ الْمَذَاهِبِ عَلَى الْمُقَرَّرِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إلَخْ) حُكِيَ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ جَوَازُهُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْعُهُ فِي الْعَصْرِ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْمَذَاهِبُ، وَقَوْلُهُ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ أَيْ إنْ عَمِلَ وَإِلَّا فَالْمُعَلَّلُ أَعَمُّ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ فِيمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ (قَوْلُهُ: ثُمَّ فِي الْمُسَاوِي إلَخْ) الْقَرِينَةُ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْمُسَاوِي قَوْلُهُ ثُمَّ يَنْبَغِي السَّعْيُ فِي اعْتِقَادِهِ أَرْجَحُ إذْ لَوْ أُرِيدَ مَا يَعُمُّ الْأَرْجَحَ لَكَانَ قَوْلُهُ ثُمَّ يَنْبَغِي السَّعْيُ فِي اعْتِقَادِهِ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ اهـ. نَجَّارِيٌّ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ) أَيْ بِالتَّقْلِيدِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْتِزَامُهُ أَيْ ابْتِدَاءً (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَا عَمِلَ بِهِ) أَيْ وَعَدَمُهُ وَقَوْلُهُ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ أَيْ مِنْ مَفْهُومِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيمَا عُمِلَ بِهِ (قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَالْآمِدِيِّ اتِّفَاقًا) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَسْنَدَ نَقْلَ الِاتِّفَاقِ إلَيْهِمَا لِيَبْرَأَ عَنْ عُهْدَتِهِ لِقَوْلِ وَالِدِ الْمُصَنِّفِ فِي فَتَاوِيهِ إنَّ فِي دَعْوَى الِاتِّفَاقِ نَظَرًا، وَإِنَّ فِي كَلَامِ غَيْرِهِمَا مَا يُشْعِرُ بِإِثْبَاتِ خِلَافٍ بَعْدَ الْعَمَلِ اهـ. وَفِي رِسَالَةِ السَّيِّدِ السَّمْهُودِيِّ الْمُخْتَارُ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ اتَّصَلَ عَمَلُهُ بِهَا فَلَا مَانِعَ مِنْ اتِّبَاعِ غَيْرِ مَذْهَبِ الْأَوَّلِ وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي حِكَايَةِ إطْلَاقِ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْمَنْعِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ اتِّفَاقُ الْأُصُولِيِّينَ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ وَضْعِ الرُّجُوعِ حَيْثُ عَمِلَ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ الْمُنْقَضِيَةِ لَا مَا يَحْدُثُ بَعْدَهَا مِنْ جِنْسِهَا فَهُوَ ظَاهِرٌ كَحَنَفِيٍّ سَلَّمَ شُفْعَةً بِالْجِوَارِ عَمَلًا بِعَقِيدَتِهِ ثُمَّ عَنَّ لَهُ تَقْلِيدُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ حَتَّى يَنْزِعَ الْعَقَارَ مِمَّنْ سَلَّمَهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بَعْدَ تَقْلِيدِهِ الشَّافِعِيَّ بِإِعَادَةِ مَا مَضَى مِنْ عِبَادَاتِهِ الَّتِي يَقُولُ الشَّافِعِيُّ بِبُطْلَانِهِ لِمُضِيِّهَا عَلَى الصِّحَّةِ فِي اعْتِقَادِهِ فِيمَا مَضَى فَلَوْ اشْتَرَى هَذَا الْحَنَفِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَقَارًا آخَرَ، وَقَلَّدَ الشَّافِعِيَّ بِعَدَمِ الْقَوْلِ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ فَلَا يَمْنَعُهُ مَا سَبَقَ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِي ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ الْعَقَارِ الثَّانِي فَإِنْ قَالَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُمَا بِالْمَنْعِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَعَمَّمُوا ذَلِكَ جَمِيعَ صُوَرِ مَا وَقَعَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْ لَا فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَدَعْوَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ

стр. 954

فَالْمُلْتَزِمُ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَقَدْ حَكَيَا فِيهِ الْجَوَازَ فَيُقَيَّدُ بِمَا قُلْنَاهُ، وَقِيلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِيمَا يَقَعُ لَهُ بِهَذَا الْمَذْهَبِ تَارَةً وَبِغَيْرِهِ أُخْرَى وَهَكَذَا. (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ) فِي الْمَذَاهِبِ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا مَا هُوَ الْأَهْوَنُ فِيمَا يَقَعُ مِنْ الْمَسَائِلِ (وَخَالَفَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ) فَجَوَّزَ ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا النَّقْلَ عَنْهُ سَهْوٌ لِمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ حِكَايَةِ الْحَنَّاطِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَفْسُقُ بِذَلِكَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَفْسُقُ بِهِ وَالثَّانِي ــ [حاشية العطار] مَمْنُوعَةٌ فَفِي الْخَادِمِ أَنَّ الْإِمَامَ الطُّرْطُوشِيَّ حَكَى أَنَّهُ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَهَمَّ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ بِالتَّكْبِيرِ فَإِذَا طَائِرٌ قَدْ ذَرَقَ عَلَيْهِ فَقَالَ أَنَا حَنْبَلِيٌّ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّيْخَ شَافِعِيٌّ يَتَجَنَّبُ الصَّلَاةَ بِذَرْقِ الطَّائِرِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ عَمَلُهُ السَّابِقُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَفِي ذَلِكَ تَقْلِيدُ الْمُخَالِفِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَفِي الْخَادِمِ أَيْضًا أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا عَاصِمٍ الْعَامِرِيَّ الْحَنَفِيَّ كَانَ يُفْتِي عَلَى بَابِ مَسْجِدِ الْقَفَّالِ وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ الْمَغْرِبَ فَتَرَكَ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمَّا رَآهُ الْقَفَّالُ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يُثَنِّيَ الْإِقَامَةَ وَقَدَّمَ الْقَاضِيَ فَتَقَدَّمَ وَجَهَرَ بِالْبَسْمَلَةِ مَعَ الْقِرَاءَةِ وَأَتَى بِشِعَارِ الشَّافِعِيَّةِ فِي صَلَاتِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا عَاصِمٍ إنَّمَا يُصَلِّي قَبْلُ بِشِعَارِ مَذْهَبِهِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ سَبْقُ عَمَلِهِ بِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا قَالَ السَّمْهُودِيُّ ثُمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فِي ضِمْنِ مَسَائِلَ إلَى أَنْ قَالَ وَدَعْوَى الِاتِّفَاق فِيهَا نَظَرٌ وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِمَا مَا يُشْعِرُ بِإِثْبَاتِ الْخِلَافِ بَعْدَ الْعَمَلِ أَيْضًا، وَكَيْفَ يَمْتَنِعُ إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ وَلَكِنْ وَجْهُ مَا قَالَاهُ أَنَّهُ بِالْتِزَامِهِ مَذْهَبَ إمَامٍ مُكَلَّفٍ بِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ غَيْرُهُ، وَالْعَامِّيُّ لَا يَظْهَرُ لَهُ الْغَيْرُ بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ حَيْثُ يَنْتَقِلُ مِنْ إمَارَةٍ إلَى إمَارَةٍ وَلَا بَأْسَ بِهِ لَكِنِّي أَرَى تَنْزِيلَهُ عَلَى خُصُوصِ الْعَيْنِ فَلَا يَبْطُلُ عَيْنُ مَا فَعَلَهُ وَلَهُ فِعْلُ جِنْسِهِ بِخِلَافِهِ اهـ. كَلَامُ السَّمْهُودِيِّ. أَقُولُ: وَقَدْ وَقَعَ التَّقْلِيدُ بَعْدَ مُضِيِّ الْعَمَلِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَعْمُولِ بِهَا كَمَا نَقَلَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا يُوسُفَ صَلَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُغْتَسِلًا مِنْ الْحَمَّامِ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ وَتَفَرَّقُوا ثُمَّ أُخْبِرُوا بِوُجُودِ فَارَةٍ مَيِّتَةٍ فِي بِئْرِ الْحَمَّامِ فَقَالَ إذَنْ نَأْخُذُ بِقَوْلِ إخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خُبْثًا نَقَلَ هَذِهِ الشَّيْخُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ الْحَنَفِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ سَاكِتًا عَلَيْهَا، وَنَقَلَهَا بِيرِيّ زَادَهْ أَيْضًا فِي رِسَالَةٍ لَهُ مَعْمُولَةٍ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فَلِذَلِكَ تَعَقَّبَهَا بِقَوْلِهِ إنَّ مَا أَفَادَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهَا لِتَصْرِيحِهِمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَلَا عَمَلَ لِلدَّلَالَةِ مَعَ الصَّرِيحِ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْقُنْيَةِ عَلَى إعَادَتِهِ لِلصَّلَاةِ حَيْثُ قَالَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَذَكَرَ الْحِكَايَةَ ثُمَّ قَالَ فَاغْتَسَلَ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَأْمُرْ الْقَوْمَ بِالْإِعَادَةِ، وَقَالَ اجْتِهَادِي يَلْزَمُ نَفْسِي لَا غَيْرِي، وَنَقَلَ بِيرِيّ زَادَهْ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ فِي شَرْحِ آدَابِ الْخَصَّافِ مَسْأَلَةً يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْقُضَاةُ وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا جَاءَ إلَى الْقَاضِي وَهُوَ يَرَى مَذْهَبَ الْمُخَالِفِ وَادَّعَى الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ عَلَى رَجُلٍ هَلْ يَقْضِي لَهُ الْقَاضِي بِالشُّفْعَةِ أَمْ لَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَقْضِي؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِي أَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا يَدَّعِي فَإِذَا عَلِمَ الْقَاضِي ذَلِكَ لَا يَلْتَفِتُ إلَى دَعْوَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَقْضِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ الشُّفْعَةَ فَقَدْ رَكَنَ إلَى مَذْهَبِنَا فَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ وَيَقْضِي لَهُ وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إذَا تَقَدَّمَ لِلْقَاضِي يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولُ هَلْ يُعْتَقَدُ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ يَقْضِي وَإِنْ قَالَ لَا رَفَعَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ وَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ، وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَقَاوِيلِ وَأَحْسَنُهَا (قَوْلُهُ: وَقَدْ حَكَيَا فِيهِ) أَيْ فِي الْمُلْتَزَمِ (قَوْلُهُ: الْجَوَازَ) أَيْ عَلَى الْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: فَيُقَيَّدُ بِمَا قُلْنَاهُ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْمَلْ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ إلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَلْ يَسْتَفْتِي مَنْ شَاءَ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ لِلرُّخَصِ وَلَعَلَّ مَنْ مَنَعَهُ لَمْ يَثِقْ بِعَدَمِ تَلَفُّظِهِ النَّهْيَ. وَأَوْرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ صَحَّحَ جَوَازَ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ فِي حُكْمٍ آخَرَ بَعْدَ اسْتِفْتَائِهِ فِي غَيْرِهِ مَعَ إيجَابِهِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ ابْتِدَاءً، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إذَا جَازَ خُرُوجُ الْمُلْتَزِمِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا جَازَ خُرُوجُ الْمُلْتَزِمِ مَعَ إيجَابِ الْتِزَامِ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ اهـ. (قَوْلُهُ: فَجُوِّزَ ذَلِكَ) نَقَلَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ الْحَنَفِيُّ عَنْ السَّيِّدِ بادشاه فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ يَجُوزُ

стр. 955

وَقَدْ تَفَقَّهَ عَلَى الْأَوَّلِ إنْ أَرَادَ بِعَدَمِ الْفِسْقِ الْجَوَازَ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ وَامْتِنَاعُ التَّتَبُّعِ شَامِلٌ لِلْمُلْتَزِمِ وَغَيْرِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْيِيدُ الْجَوَازِ السَّابِقِ فِيهِمَا بِمَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى تَتَبُّعِ الرُّخَصِ. (مَسْأَلَةٌ اُخْتُلِفَ فِي التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ) ــ [حاشية العطار] اتِّبَاعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ إذْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْلُكَ الْمَسْلَكَ الْأَخَفَّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَهُ إلَيْهِ سَبِيلٌ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ بِقَوْلٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لِذَلِكَ الْأَخَفِّ اهـ.، وَقَالَ ابْنُ أَمِيرِ الْحَاجِّ إنَّ مِثْلَ هَذِهِ التَّشْدِيدَاتِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي الْمُنْتَقِلِ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ إلْزَامَاتٌ مِنْهُمْ لِكَفِّ النَّاسِ عَنْ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ، وَإِلَّا فَأَخْذُ الْعَامِّيِّ بِكُلِّ مَسْأَلَةٍ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ يَكُونُ قَوْلُهُ أَخَفَّ عَلَيْهِ لَا أَدْرِي مَا يَمْنَعُ مِنْهُ عَقْلًا وَشَرْعًا اهـ. هَذَا مَا نَقَلَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي فَتَاوِيهِ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَامِّيِّ إذَا قَلَّدَ إمَامًا فِي مَسْأَلَةٍ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِي سَائِرِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَةِ إلَى أَنْ ظَهَرَتْ الْمَذَاهِبُ يَسْأَلُونَ فِيمَا يَسْنَحُ لَهُمْ الْعُلَمَاءُ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ سَوَاءٌ اتَّبَعَ الرُّخْصَ فِي ذَلِكَ أَوْ الْعَزَائِمَ؛ لِأَنَّ مَنْ جَعَلَ الْمُصِيبَ وَاحِدًا وَهُوَ الصَّحِيحُ لَمْ يُعَيِّنْهُ وَمَنْ جَعَلَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا فَلَا إنْكَارَ عَلَى مَنْ قَلَّدَهُ بِالصَّوَابِ، وَأَمَّا مَا حَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ حَزْمٍ مِنْ حِكَايَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَنْعِ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ مِنْ الْمَذَاهِبِ فَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَتَبَّعَهَا عَنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ لِمَنْ قَالَ بِهَا أَوْ عَلَى الرُّخَصِ الْمُرَكَّبَةِ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ نَقَلَهُ عَنْ السَّيِّدِ السَّمْهُودِيِّ. فَيُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ جَوَازُ التَّقْلِيدِ وَجَوَازُ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ لَا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ مَا اعْتَبَرَهُ الْمُجْتَهِدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَ التَّقْلِيدُ فِيهَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّتُهَا كَيْ لَا يَقَعَ فِي حُكْمٍ مُرَكَّبٍ مِنْ اجْتِهَادَيْنِ كَمَا إذَا تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ لَمْسٍ مُجَرَّدٍ عَنْ الشَّهْوَةِ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ، وَهَذَا عَمَلُ مَنْ مَنَعَ التَّلْفِيقَ فِي التَّقْلِيدِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ التَّلْفِيقُ فِي أَجْزَاءِ الْحُكْمِ لَا فِي جُزْئِيَّاتِ الْمَسَائِلِ كَمَا نَقَلْنَاهُ، وَنَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ فِي تَمْهِيدِهِ عَنْ الْقَرَافِيِّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ جَوَازُ تَقْلِيدِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْقِعًا فِي أَمْرٍ يُجْمِعُ عَلَى إبْطَالِهِ إمَامُهُ الْأَوَّلُ وَإِمَامُهُ الثَّانِي فَمَنْ قَلَّدَ مَالِكًا مَثَلًا فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِاللَّمْسِ الْخَالِي عَنْ الشَّهْوَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُدَلِّكَ بَدَنَهُ وَيَمْسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، وَإِلَّا فَتَكُونُ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ اهـ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَمِنْ فُرُوع هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا نَكَحَ بِلَا وَلِيٍّ تَقْلِيدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ بِلَا شُهُودٍ تَقْلِيدًا لِمَالِكٍ وَوَطِئَ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ فَلَوْ نَكَحَ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ أَيْضًا حُدَّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَيْنِ قَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْبُطْلَانِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ وَالتَّتَبُّعُ فِي الْمَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ لِلْمُجْتَهِدِينَ الَّذِينَ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِمْ الْآنَ وَهُمْ الْأَرْبَعَةُ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِمَوْتِ أَصْحَابِهِمْ انْقَرَضَتْ مَذَاهِبُهُمْ، وَقَدْ كَانُوا كَثِيرِينَ أَوَّلًا وَيُقَيَّدُ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ بِقَيْدٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْعَزَائِمَ رَأْسًا بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ رِبْقَةِ التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ. وَأَمَّا الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فَقَدْ مَنَعَ تَتَبُّعَ الرُّخَصِ قَائِلًا إنَّ الْعَوَامَّ وَالْفُقَهَاءَ وَكُلَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَنْصِبَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا غِنَى لَهُمْ عَنْ تَقْلِيدِ إمَامٍ وَاتِّبَاعِ قُدْوَةٍ إذْ تَحْكِيمُ الْعُقُولِ الْقَاصِرَةِ الذَّاهِلَةِ عَنْ مَأْخَذِ الشَّرْعِ مُحَالٌ وَتَخَيُّرُ أَطْيَبِ الْمَذَاهِبِ وَأَسْهَلِ الْمَطَالِبِ بِالْتِقَاطِ الْأَخَفِّ وَالْأَهْوَنِ مِنْ مَذْهَبِ كُلِّ ذِي مَذْهَبٍ مُحَالٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ التَّمْيِيزِ وَالتَّشَهُّرِ، وَيَتَّسِعُ الْخَرْقُ عَلَى فَاعِلِهِ فَيَنْسَلُّ عَنْ مُعْظَمِ مَضَايِقِ الشَّرْعِ بِآحَادِ التَّوَسُّعَاتِ الَّتِي اتَّفَقَتْ أَئِمَّةُ الشَّرْعِ فِي آحَادِ الْقَوَاعِدِ عَلَى رَدِّهَا وَالْآخَرَانِ اتِّبَاعُ الْأَفْضَلِ مُتَحَتِّمٌ وَتَخَيُّرُ الْمَذَاهِبِ يَجُرُّ لَا مَحَالَةَ إلَى اتِّبَاعِ الْأَفْضَلِ تَارَةً وَالْمَفْضُولِ أُخْرَى وَلَا مُبَالَاةَ بِقَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ الْخِيَرَةَ فِي الْأَحْكَامِ تَلَقِّيًا مِنْ تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَسَادَهُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَفَقَّهَ عَلَى الْأَوَّلِ) أَرَادَ تَقْوِيَةَ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: لِلْمُلْتَزِمِ وَغَيْرِهِ) وَهُوَ صَاحِبُ الْحَادِثَةِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ لَهُ وَإِذَا عَمِلَ الْعَامِّيُّ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ فِي حَادِثَةٍ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ شُمُولِ الِامْتِنَاعِ وَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ يَعُودُ لِلْمُلْتَزِمِ وَغَيْرِهِ. [التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ] (قَوْلُهُ: فِي التَّقْلِيدِ هُوَ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ كَأَنَّهُ أَخَذَهُ قِلَادَةً فِي عُنُقِهِ فَهُوَ تَابِعٌ

стр. 956

أَيْ مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَوُجُودِ الْبَارِي وَمَا يَجِبُ لَهُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْ الصِّفَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ لَا يَجُوزُ بَلْ يَجِبُ النَّظَرُ ــ [حاشية العطار] لَهُ تَبَعَ الدَّابَّةِ لِقَائِدِهَا، وَلِذَلِكَ قِيلَ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُقَلِّدٍ يَنْقَادُ وَبَهِيمَةٍ تُقَادُ، وَأَمَّا التَّلَامِذَةُ فَإِنَّهُمْ بَعْدَ إرْشَادِ الْمَشَايِخِ لَهُمْ إلَى الْأَدِلَّةِ مِنْ الْعَارِفِينَ وَضَرَبَ السَّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ الْجَزَائِرِيَّةِ مِثَالًا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُقَلِّدِينَ بِجَمَاعَةٍ نَظَرُوا لِلْهِلَالِ فَسَبَقَ بَعْضُهُمْ إلَى رُؤْيَتِهِ فَإِنْ أَخْبَرَ الْبَاقِي وَصَدَّقُوهُ مِنْ غَيْرِ مُعَانَاةٍ وَتَطَلُّعٍ لَهُ كَانُوا مُقَلِّدِينَ وَإِنْ أَرْشَدَهُمْ بِالْعَلَامَاتِ حَتَّى عَثَرُوا عَلَيْهِ خَرَجُوا عَنْ التَّقْلِيدِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأُولَى إذَا سَأَلَتْ عَنْ الْهِلَالِ كَانَ جَوَابُهَا قَالُوا إنَّهُ ظَهَرَ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَتَقُولُ رَأَيْته بِعَيْنَيَّ فِي مَكَانِ كَذَا وَتَذْكُرُ الْعَلَامَاتِ وَأُصُولُ الدِّينِ قَوَاعِدُهُ وَهِيَ الْمَسَائِلُ الْكَلَامِيَّةُ لِابْتِنَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ مَسَائِلِ الدِّينِ عَلَيْهَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْخِلَافِ فِي التَّقْلِيدِ فِيهِ شَيْئًا لَكِنْ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ فِيمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ تَرْجِيحُ قَوْلِهِ وَقِيلَ النَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ فَيَكُونُ الرَّاجِحُ عِنْدَهُ وُجُوبُ التَّقْلِيدِ فِيهِ انْتَهَى، وَمَا فِي شَرْحِ الْكُبْرَى نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي أَنَّ التَّقْلِيدَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَمَرَ بِتَقْلِيدِ مَنْ شَاءَ لَزِمَ نَجَاتُهُ بِتَقْلِيدِ الضَّالِّينَ وَإِنْ أَمَرَ بِتَقْلِيدِ الْمُحَقِّقِينَ فَإِمَّا بِدُونِ دَلِيلٍ يَعْلَمُ بِهِ حَقِيقَتَهُمْ فَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ أَوْ بِدَلِيلٍ فَلَا يَكُونُ مُقَلِّدًا فَمُنْدَفِعٌ إذْ يَتَّفِقُ تَقْلِيدُ الْمُحَقِّقِ لِمُجَرَّدِ حُسْنِ ظَنٍّ بِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ التَّقْلِيدِ فَهُوَ مُقَلِّدٌ فِيمَنْ قَلَّدَهُ أَيْضًا. وَهَذَا وَاقِعٌ كَثِيرًا حَتَّى فِيمَنْ نُسِبَ إلَى الْعِلْمِ فَإِنَّا نَجِدُ مِنْهُمْ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِكَلَامٍ لَا أَصْلَ لَهُ لِحُسْنِ ظَنٍّ بِقَائِلِهِ وَشُهْرَتِهِ فِي الْعِلْمِ حَتَّى لَوْ بَرْهَنَ لَهُ عَلَى بُطْلَانِهِ أَوْ أَتَى لَهُ بِنَقْلٍ يُخَالِفُهُ عَنْ إمَامٍ مُحَقِّقٍ فِي هَذَا الْفَنِّ، إمَّا أَنْ لَا يَرْجِعَ أَصْلًا أَوْ يَرْجِعَ ظَاهِرًا أَوْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّ الشَّيْخَ لَهُ اطِّلَاعٌ كَثِيرٌ فَهُوَ أَدْرَى وَمَا دَرَى الْغَبِيُّ أَنَّ هَذَا الشَّيْخَ لَيْسَ مَعْصُومًا عَنْ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ (قَوْلُهُ: أَيْ مَسَائِلُ الِاعْتِقَادِ) وَهِيَ الْقَضَايَا الْمُعْتَقَدَةُ فَتَمْثِيلُ الشَّارِحِ لَهَا بِقَوْلِهِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ فِيهِ تَسَمُّحٌ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُدُوثِ وَمَا بَعْدَهُ يَقَعُ مَحْمُولًا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، كَأَنْ يُقَالَ الْعَالَمُ حَادِثٌ إلَخْ وَالْمُرَادُ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ إثْبَاتُهُ أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ كَثُبُوتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ بَلْ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ أَصْلٌ لَهَا كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إثْبَاتِ الْوَاجِبِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّاتِ وَبَقِيَّةِ الْعَقَائِدِ وَلِشَرَافَةِ هَذَا الْأَصْلِ اعْتَنَتْ الْمُحَقِّقُونَ بِإِفْرَادِهِ بِالتَّأْلِيفِ، وَكَثُرَ فِيهِ الْجِدَالُ وَالنِّزَاعُ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ فَصَارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ غَوَامِضِ عِلْمِ الْكَلَامِ وَأَكْثَرُ مَنْ أَلَّفَ فِي هَذَا الْفَنِّ يُصَدِّرُ كِتَابَهُ بِمَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ كَمَتْنِ عَقَائِدِ النَّسَفِيِّ وَمَتْنِ عَقَائِدِ الْعَضُدِ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ) أَيْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَبَاحِث النُّبُوَّةِ، وَقَدْ سَلَكَ الشَّارِحُ مَسْلَكًا لَطِيفًا فِي الْعَطْفِ يُعْلَمُ سِرُّهُ مِمَّا قَرَرْنَاهُ فِي كَوْنِ حُدُوثِ الْعَالَمِ أَصْلًا عَظِيمًا (قَوْلُهُ: فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إلَخْ) تَفْصِيلٌ لِلِاخْتِلَافِ (قَوْلُهُ: بَلْ يَجِبُ النَّظَرُ) أَيْ وُجُوبًا شَرْعِيًّا لَا عَقْلِيًّا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَاحْتَجَّتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ النَّظَرِ فِي الْمُعْجِزَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَسَائِرِ مَا يُؤَدِّي إلَى

стр. 957

لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهِ الْيَقِينُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى لِلنَّاسِ ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وَيُقَاسُ غَيْرُ الْوَحْدَانِيَّةِ عَلَيْهَا، وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ وَغَيْرُهُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ وَلَا يَجِبُ النَّظَرُ اكْتِفَاءً بِالْعَقْدِ الْجَازِمِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْتَفِي فِي الْإِيمَانِ مِنْ الْأَعْرَابِ وَلَيْسُوا أَهْلًا لِلنَّظَرِ بِالتَّلَفُّظِ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ الْمُنْبِئِ عَنْ الْعَقْدِ الْجَازِمِ، وَيُقَاسُ غَيْرُ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ. (وَقِيلَ النَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالِ لِاخْتِلَافِ الْأَذْهَانِ وَالْأَنْظَارِ بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ فَيَجِبُ بِأَنْ يَجْزِمَ الْمُكَلَّفُ عَقْدَهُ بِمَا يَأْتِي بِهِ الشَّرْعُ مِنْ الْعَقَائِدِ وَدَفَعَ الْأَوَّلُونَ دَلِيلَ الثَّانِي أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَعْرَابَ لَيْسُوا أَهْلًا لِلنَّظَرِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ النَّظَرُ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ كَمَا أَجَابَ الْأَعْرَابِيُّ الْأَصْمَعِيَّ عَنْ سُؤَالِهِ بِمَ عَرَفْت رَبَّك فَقَالَ: الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ وَأَثَرُ الْأَقْدَامِ تَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ ــ [حاشية العطار] ثُبُوتِ الشَّرْعِ عَقْلِيٌّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ إلَّا بِالشَّرْعِ لَزِمَ إفْحَامُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَمْ يَكُنْ لِلْبَعْثَةِ فَائِدَةٌ وَبُطْلَانُهُ ظَاهِرٌ وَوَجْهُ اللُّزُومِ أَنَّ النَّبِيَّ إذَا قَالَ لِلْمُكَلَّفِ اُنْظُرْ فِي مُعْجِزَتِي حَتَّى يَظْهَرَ لَك صِدْقُ دَعْوَايَ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ لَا أَنْظُرُ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ. لِأَنَّ تَرْكَ غَيْرِ الْوَاجِبِ جَائِزٌ وَلَا يَجِبُ عَلَى مَا لَمْ يُثْبِتْ الشَّرْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا وُجُوبَ إلَّا بِالشَّرْعِ وَلَا يَثْبُتُ الشَّرْعُ مَا لَمْ أَنْظُرْ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ نَظَرِيٌّ لَا ضَرُورِيٌّ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إذْ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَقُولَ لَا أَنْظُرُ مَا لَمْ يَجِبْ عَقْلًا وَلَا يَجِبُ عَقْلًا مَا لَمْ أَنْظُرْ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ نَظَرِيٌّ يَفْتَقِرُ إلَى تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَتَحْقِيقِ أَنَّ النَّظَرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ أَنَّ فِيهِ إلْجَاءَ الْخَصْمِ إلَى الِاعْتِرَافِ بِنَقِيضِ دَلِيلِهِ حَيْثُ دَلَّ عَلَى نَفْيِ مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهِ) أَيْ فِي أُصُولِ الدِّينِ الْيَقِينُ أَيْ وَلَا يَقِينَ مَعَ التَّقْلِيدِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ) مِنْ تَتِمَّةِ الدَّلِيلِ وَتَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ لِيُفِيدَ قَوْلَهُ وَاتَّبِعُوهُ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالْعِلْمِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ وَدَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِ الْأَمْرِ مَصْرُوفًا عَنْ ظَاهِرِهِ وَهُوَ الْوُجُوبُ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا الْوُجُوبُ وُجُوبُ أُصُولٍ فَيَكُونُ الْمُقَلِّدُ كَافِرًا أَوْ وُجُوبُ فُرُوعٍ فَيَكُونُ آثِمًا، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَعْرِفَةِ الْحَاصِلَةِ عَنْ تَقْلِيدٍ وَهِيَ جَزْمٌ بِلَا دَلِيلٍ فَالظَّانُّ وَالشَّاكُّ وَالْمُتَوَهِّمُ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ كَمَا ذَكَرَهُ السَّنُوسِيُّ فِي الْوُسْطَى (قَوْلُهُ: وَيُقَاسُ غَيْرُ الْوَحْدَانِيَّةِ) أَيْ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْأَمْرُ فِي ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْأَمْرُ فَتَكُونُ مَأْمُورًا بِهَا أَيْضًا. (قَوْلُهُ: بِالتَّلَفُّظِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ إنَّمَا اكْتَفَى الشَّارِعُ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ لِأَجْلِ الدُّخُولِ فِي الْإِيمَانِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُمْ بَعْدَ إيمَانِهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ النَّظَرُ (قَوْلُهُ:، وَيُقَاسُ غَيْرُ الْإِيمَانِ) أَيْ غَيْرُ الْإِيمَانِ بِمَضْمُونِ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ فَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ هُوَ الْإِيمَانُ بِمَضْمُونِ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ، وَالْمَقِيسُ بَقِيَّةُ الْعَقَائِدِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ النَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ) مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ النَّظَرِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَعَدَمُهُ النَّظَرُ فِي غَيْرِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَمَّا النَّظَرُ فِيهَا فَوَاجِبٌ إجْمَاعًا كَمَا ذَكَرَهُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ اهـ زَكَرِيَّا. قَالَ سم مَرْجِعُ الضَّمِيرِ فِي ذَكَرَهُ يَعُودُ لِقَوْلِهِ أَمَّا النَّظَرُ إلَخْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِ السَّعْدِ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَمْنُوعَةٌ أَلَا تَرَى إلَى تَمْثِيلِ الشَّارِحِ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ وَوُجُودُ الْبَارِي إلَخْ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ مُطْلَقًا عَلَى أَنَّ السَّعْدَ فِي أَثْنَاءِ اسْتِدْلَالِهِ عَلَى الْوُجُوبِ قَالَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ جَوَازُ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّقْلِيدِ فِي حَقِّ الْبَعْضِ فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي الْجُمْلَةِ اهـ. وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ قَاطِعٍ بِعُمُومِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ اهـ. مُلَخَّصًا. ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَا جَهِلَهُ كُفْرٌ كَصِفَاتِ السُّلُوبِ وَالصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ، أَمَّا صِفَاتُ الْمَعَانِي وَنَحْوُهَا مِمَّا لَا يَكْفُرُ مُسْكِرُهُ فَلَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشَّبَهِ) إذْ الِاسْتِدْلَال بِفَتْحِ بَابِ الْجِدَالِ وَنِهَايَةِ إقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالٌ وَلِلَّهِ الْقَائِلُ لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْت الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا ... وَسَرَّحْت طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ فَلَمْ أَرَ إلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ ... عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمٍ (قَوْلُهُ: كَمَا أَجَابَ الْأَعْرَابِيُّ) وَتَقُولُ الْعَامَّةُ إذَا رَأَتْ مَا يُعْجِبُهَا سُبْحَانَ الْخَالِقِ بَلْ الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ الَّذِينَ لَمْ

стр. 958

أَلَا تَدُلُّ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ، وَمَا يُذْعِنُ أَحَدٌ مِنْ الْأَعْرَابِ أَوْ غَيْرِهِمْ لِلْإِيمَانِ فَيَأْتِي بِكَلِمَتِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْظُرَ فَيَهْتَدِيَ لِذَلِكَ، أَمَّا النَّظَرُ عَلَى طَرِيقِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ تَحْرِيرِ الْأَدِلَّةِ وَتَدْقِيقِهَا وَدَفْعِ الشُّكُوكِ وَالشُّبَهِ هَهُنَا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ الْمُتَأَهِّلِينَ لَهُ يَكْفِي قِيَامُ بَعْضِهِمْ بِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْخَوْضِ فِيهِ الْوُقُوعُ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالِ فَلَيْسَ لَهُ الْخَوْضُ فِيهِ وَهَذَا مَحْمَلُ نَهْيِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ ﵃ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْكَلَامِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ تَصِحُّ عَقَائِدُ الْمُقَلِّدِ، وَإِنْ كَانَ آثِمًا بِتَرْكِ النَّظَرِ عَلَى الْأَوَّلِ. (وَعَنْ الْأَشْعَرِيِّ) أَنَّهُ (لَا يَصِحُّ إيمَانُ الْمُقَلِّدِ) وَشَنَّعَ أَقْوَامٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَكْفِيرُ الْعَوَامّ وَهُمْ غَالِبُ الْمُؤْمِنِينَ، (وَقَالَ) الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ (الْقُشَيْرِيُّ) فِي دَفْعِ التَّشْنِيعِ هَذَا (مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالتَّحْقِيقُ) فِي الْمَسْأَلَةِ الدَّافِعُ لِلتَّشْنِيعِ أَنَّهُ (إنْ كَانَ) التَّقْلِيدُ (أَخْذَ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ احْتِمَالِ شَكٍّ أَوْ وَهْمٍ) بِأَنْ لَا يَجْزِمَ بِهِ (فَلَا يَكْفِي) إيمَانُ الْمُقَلِّدِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا إيمَانَ مَعَ أَدْنَى تَرَدُّدٍ فِيهِ. (وَإِنْ كَانَ) التَّقْلِيدُ أَخْذَ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لَكِنْ (جَزْمًا) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ (فَيَكْفِي) إيمَانُ الْمُقَلِّدِ ــ [حاشية العطار] يَبْلُغُوا سِنَّ التَّمْيِيزِ يُقْسِمُونَ بِاَللَّهِ وَبِالنَّبِيِّ وَيَسْتَعْطِفُونَ وَالِدَيْهِمَا بِالْقَسَمِ بِهِ ﷺ وَهَذَا مِصْدَاقُ حَدِيثِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» . (قَوْلُهُ: أَلَا تَدُلُّ) أَيْ السَّمَاءُ وَالْأَبْرَاجُ وَالْأَرْضُ وَالْفِجَاجُ وَإِلَّا لَقَالَ يَدُلَّانِ أَيْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ (قَوْلُهُ: لِلْإِيمَانِ) أَيْ لَأَظْهَرَاهُ، وَإِلَّا فَالْإِيمَانُ هُوَ الْإِذْعَانُ فَيَنْحَلُّ الْمَعْنَى وَمَا يُذْعِنُ أَحَدٌ لِلْإِذْعَانِ (قَوْلُهُ: فِي حَقِّ الْمُتَأَهِّلِينَ) أَيْ فَإِذَا لَمْ يُقْسِمْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ لَمْ تَأْثَمْ الْعَامَّةُ. (قَوْلُهُ: وَعَنْ الْأَشْعَرِيِّ إلَخْ) هُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ نُسِبَ إلَى جَدِّهِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الصَّحَابِيِّ كَانَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ تَرْجَمَهُ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ مَالِكِيٌّ نَاقِلًا لَهُ عَنْ سَيِّدِي عَلِيٍّ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ عَقِيدَتِهِ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَمَا يُقَالُ أَنَّهُ وَاضِعُ عِلْمِ الْكَلَامِ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ آخِذٌ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَهُ تَأْلِيفٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ وَاضِعُ عِلْمِ الْكَلَامِ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ لَكِنْ قِيلَ إنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَكَلَّمَ فِيهِ، وَأَلَّفَ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِيهِ رِسَالَةً وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَقِيلَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. (قَوْلُهُ: وَتَكْفِيرُ الْعَوَامّ إلَخْ) رُدَّ بِأَنَّهُمْ عَارِفُونَ بِالدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ وَهُوَ كَافٍ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِدَلِيلٍ إجْمَالِيٍّ يَرْفَعُ النَّاظِرَ عَنْ حَضِيضِ التَّقْلِيدِ فَرْضُ عَيْنٍ لَا مَخْرَجَ عَنْهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَبِدَلِيلٍ تَفْصِيلِيٍّ يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ إزَاحَةِ الشَّبَهِ وَإِلْزَامِ الْمُنْكِرِينَ وَإِرْشَادِ الْمُسْتَرْشِدِينَ فَرْضَ كِفَايَةٍ لَا بُدَّ مِنْ أَنَّهُ يَقُومُ بِهِ الْبَعْضُ. (قَوْلُهُ: مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ النَّقْلَ عَنْهُ مَشْهُورٌ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمَقَاصِدِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ ابْتِنَاءِ الِاعْتِقَادِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْأُصُولِ عَلَى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ الِاقْتِدَارُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ وَعَلَى مُحَاوَلَةِ الْخُصُومِ وَدَفْعِ الشَّبَهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ حَتَّى حُكِيَ عَنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، لَكِنْ ذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ مُؤْمِنًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ لِوُجُودِ التَّصْدِيقِ لَكِنَّهُ عَاصٍ بِتَرْكِهِ النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ اهـ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْفُتُوحَاتِ إنَّ التَّقْلِيدَ فِي الدِّينِ لِضَعِيفِ النَّظَرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ الدِّينِ إنْ نَظَرَ فِيهِ لِقُصُورِهِ قَالَ وَقَدْ رَأَيْنَا جَمَاعَةً خَرَجُوا عَنْ الدِّينِ بِالنَّظَرِ لَمَّا كَانَتْ فِطْرَتُهُمْ مَعْلُومَةً، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ إنْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ النَّجَاةَ فَلْيَأْخُذْ عَقَائِدَهُ تَقْلِيدًا كَمَا أَخَذَ أَحْكَامَ دِينِهِ تَقْلِيدًا اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ وَهْمٍ) أَيْ فَيَكُونُ الْحَاصِلُ عِنْدَهُ ظَنًّا؛ لِأَنَّ الْوَهْمَ هُوَ الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ بِأَنْ لَا يَجْزِمَ إلَخْ أَشَارَ بِهِ إلَى دُخُولِ الظَّنِّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَا إيمَانَ مَعَ تَرَدُّدٍ) فِيهِ مِنْ هَذَا النَّمَطِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ السَّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ كُبْرَاهُ مِمَّا وَقَعَ سُؤَالٌ لِسَيِّدِي أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى وَغَيْرِهِ عَنْهُ مِنْ فُقَهَاءِ بِجَايَةَ فِيمَنْ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ إيمَانًا مِنْ إسْلَامٍ

стр. 959

عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ (خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ) فِي قَوْلِهِ لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْإِيمَانِ مِنْ النَّظَرِ وَعَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالتَّقْلِيدِ الْجَازِمِ فِي الْإِيمَانِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (فَلْيَجْزِمْ) أَيْ الْمُكَلَّفُ (عَقْدَهُ بِأَنَّ الْعَالَمَ) وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ وَصِفَاتِهِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ غَيْرَهُ كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ عَيْنَهُ (مُحْدَثٌ) ــ [حاشية العطار] وَلَا الرَّسُولَ مِنْ الْمُرْسِلِ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ مَعْنَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَقُولُ سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْته هَلْ يُحْكَمُ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ أَمْ لَا فَأَجَابُوا كُلُّهُمْ بِأَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِنَصِيبٍ وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِإِيمَانٍ وَلَا بِإِسْلَامٍ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَجُوسِيِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ إلَّا فِي الْقَتْلِ لِظَاهِرِ الشَّهَادَةِ. وَنَقَلَ هَذَا صَاحِبُ الْمِعْيَارِ الْوَنْشَرِيسِيُّ وَزَادَ لَا نِكَاحَ لَهُ وَلَا طَلَاقَ فَإِنْ عَلِمَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ الشَّرَائِعَ صَحَّ عَقْدُهُ عَلَيْهَا وَلَوْ بَعْدَ بَتَاتٍ سَابِقٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ عَقْدِهِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ فَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ الَّذِي هُوَ عَدَمُهَا قَالَ سَيِّدٌ الشَّاوِيُّ الْمَغْرِبِيُّ الْجَزَائِرِيُّ مَا فَرَضَهُ عُلَمَاءُ بِجَايَةَ مِنْ هَذَا الَّذِي حَكَمُوا عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمَجُوسِيِّ أَنَّهُ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَتُصَوِّرَ مِنْ هَذَا الْجَهْلِ يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّقْلِيدُ إذْ هُوَ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَخْتَصُّ الْمُقَلِّدُ بِمَنْ نَشَأَ فِي شَاهِقِ جَبَلٍ كَمَا قَالَهُ التَّفْتَازَانِيُّ قَائِلًا مَا مَنْ كَانَ يَنْظُرُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَهُوَ عَارِفٌ لَا مُقَلِّدٌ فَكَلَامُ التَّفْتَازَانِيِّ مُعْتَرَضٌ بِهَذَا الْمَنْقُولِ عَنْ فُقَهَاءِ بِجَايَةَ وَغَيْرِهِمْ وَبِالْمُشَاهَدَةِ الَّتِي نَرَاهَا فِيمَنْ مَعَنَا وَيُخَالِطُنَا وَيَحْضُرُ مَجَالِسَ الْعِلْمِ وَمَا وَصَلَ لِمَرْتَبَةِ التَّقْلِيدِ مِنْ الطَّلَبَةِ فَكَيْفَ بِالْعَوَامِّ، وَقَدْ رَأَيْت عَوَامًّا يَعْتَقِدُونَ الْجِهَةَ وَمَنْ أَنْكَرَ وُجُودَهُمْ فَقَدْ جَحَدَ الضَّرُورَةَ، وَيَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ الْعَبْدِ وَتَأْثِيرَ الْأَسْبَابِ بَلْ قَالَ الشَّيْخُ السَّنُوسِيُّ رَزَقَنِي اللَّهُ مَسَائِلَ قَدْ اُبْتُلِيَ بِالْغَلَطِ فِيهَا مَنْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ قِيلَ أَشَارَ لِابْنِ ذِكْرِيٍّ فَانْظُرْ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي لَا تُجْحَدُ كَيْفَ يَصِحُّ مَا قَالَهُ التَّفْتَازَانِيُّ. وَأَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ مَرَّاكُشَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ شَاهَدَ أَهْلَ بَلَدِهِ قُلُوبَهُمْ صَافِيَةً مِنْ التَّخْلِيطِ عَارِيَّةً عَنْ دَرَجَةِ التَّقْلِيدِ فَلَا يَعُمُّ حُكْمُهُ قَوْمًا نُشَاهِدُهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ فَإِنَّ أَحْمَقَ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ يَقِينَهُ لِظَنِّ غَيْرِهِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّاوِيِّ. (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ) قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ: وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ نَظَرَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَسَمِعَ مِنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي إجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي كُفْرِهِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّهُ هَلْ يُعَاقَبُ عِقَابَ الْكَافِرِ فَقَالَ الْكَثِيرُونَ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ، وَالْجَهْلُ بِذَلِكَ كُفْرٌ وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَدَخَلَ مَسْجِدَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَهُوَ مُسْلِمٌ» مَحْمُولٌ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ، وَقَالَ بَعْضُ ذَوِي التَّحْقِيقِ مِنْهُمْ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَكِنَّهُ مُصَدِّقٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ عِقَابُهُ لِذَلِكَ اهـ. بِنَصِّهِ وَلَا مِرْيَةَ فِي مُخَالَفَتِهِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ. اهـ. نَقَلَهُ النَّاصِرُ قَالَ سم لَوْ ثَبَتَتْ الْمُخَالَفَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تَضُرَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ إذْ لَا يَلْزَمُهُمَا تَقْلِيدُ التَّفْتَازَانِيِّ فِي كُلِّ مَا يَنْقُلُهُ وَكَثِيرًا مَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي النَّقْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَقْلِ غَيْرِ الْمُخَالِفِ لِنَقْلِهِ اهـ. وَهَذَا الْجَوَابُ كَافٍ فَلَا حَاجَةَ بَعْدَهُ لِمَا أَطَالَ بِهِ مِمَّا لَا يَكَادُ يَسْلَمُ عَنْ خَدْشٍ (قَوْلُهُ: فَلْيَجْزِمْ) أَيْ الْمُكَلَّفُ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ وَعَقَدَهُ أَيْ اعْتِقَادَهُ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ أَوْ الْمَفْعُولِيَّةِ بِتَضْمِينِ يَجْزِمْ مَعْنَى يَخْلُصْ وَكَانَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ قَوْلَ الْمَتْنِ عَقَدَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ وَيَكُونُ الْإِسْنَادُ حِينَئِذٍ مَجَازِيًّا وَمَا سَلَكَهُ الشَّارِحُ أَقْعَدُ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ إلَخْ) يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الْعَالَمَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْمُمْكِنَاتِ الْمَوْجُودَةِ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ لَهُ أَفْرَادٌ بَلْ أَجْزَاءٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ جَمْعُهُ فِي مِثْلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بَلْ هُوَ اسْمٌ لِلْقَدَرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْكُلِّ وَبَيْنَ كُلٍّ مِنْ الْأَجْنَاسِ إذْ يُقَالُ عَالَمُ الْأَجْسَامِ وَعَالَمُ الْأَعْرَاضِ وَعَالَمُ الْأَرْوَاحِ وَعَالَمُ الْإِنْسَانِ أَوْ الْحَيَوَانِ أَوْ النَّبَاتِ وَالْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ وَالْعَالَمُ السُّفْلِيُّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَزَيْدٌ لَيْسَ بِعَالَمٍ بَلْ مِنْ الْعَالَمِ هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْكَشَّافِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمَوْلَى الْخَيَالِيُّ (قَوْلُهُ: وَلَا حَاجَةَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَثْنَاهَا إلَى أَنَّ الْغَيْرَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَمَنْ لَمْ يَسْتَثْنِهَا وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ وَلَا حَاجَةَ إلَخْ نَظَرٌ إلَى أَنَّهُ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ، وَهُوَ أَنَّهَا لَيْسَتْ غَيْرًا مُنْفَكًّا فَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ لَكِنْ قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَاشِيَةِ الْخَيَالِيِّ

стр. 960

أَيْ مُوجَدٌ عَنْ الْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ أَيْ يَعْرِضُ لَهُ التَّغَيُّرُ كَمَا يُشَاهَدُ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ مُحْدَثٌ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ (وَلَهُ صَانِعٌ) ضَرُورَةً أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ (وَهُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ) إذْ لَوْ جَازَ كَوْنُهُ اثْنَيْنِ ــ [حاشية العطار] إنَّ حَمْلَ الْغَيْرِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ بَعِيدٌ عَنْ الْفَهْمِ (قَوْلُهُ: أَيْ مُوجَدٌ عَنْ الْعَدَمِ) هَذَا تَفْسِيرُ الْحُدُوثِ بِاصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ مَعْدُومًا فَوُجِدَ، وَالْفَلَاسِفَةُ لَمَّا قَالُوا بِقِدَمِ الْعَالَمِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ عِنْدَهُمْ فَسَّرُوا الْحُدُوثَ بِالِاحْتِيَاجِ إلَى الْغَيْرِ فَالْحُدُوثُ بِهَذَا الْمَعْنَى يُجَامِعُ الْقِدَمَ الزَّمَانِيَّ عِنْدَهُمْ وَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْيَوَاقِيتِ عَنْ الشَّيْخِ الْأَكْبَرِ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ مُخْطِئٌ فَإِنَّهُ قَدِيمٌ بِالنَّظَرِ لِعِلْمِ اللَّهِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قِدَمَهُ بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ يَرْجِعُ لِقَدَمِ الْعِلْمِ نَفْسِهِ، وَأَمْثَالُ هَذَا لَا يُؤْخَذُ بِظَاهِرِهِ (قَوْلُهُ: أَيْ يَعْرِضُ لَهُ التَّغَيُّرُ) بَعْضُهُ بِالْمُشَاهَدَةِ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَغَيْرِهِمَا، وَبَعْضُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا شُوهِدَ كَالْأَعْرَاضِ الْقَائِمَةِ بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ اخْتَصَرَ الشَّارِحُ الدَّلِيلَ وَكَأَنَّهُ عَوَّلَ عَلَى بَسْطِهِ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْأَعْرَاضَ هِيَ الَّتِي يُشَاهَدُ فِيهَا التَّغَيُّرُ، وَأَمَّا الْأَجْرَامُ فَلِمُلَازَمَتِهَا الْحَادِثَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشَاهَدُ تَغَيُّرُ ذَاتِ الْجُرْمِ لَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْعَرَضِ الْحَادِثِ، وَكُلُّ مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ. وَأَمَّا صِغَرُ الْأَجْرَامِ وَكِبَرِهَا فَرَاجِعٌ لِتَبَدُّلِ الْأَعْرَاضِ، وَكَذَلِكَ الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ وَالذُّبُولُ وَالنَّمَاءُ وَاسْتِحَالَةُ بَعْضِ الْأَجْسَامِ كَالْمَاءِ فِي الْمِلْحِ لَيْسَ انْعِدَامًا حَقِيقِيًّا كُلُّ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي الْكُتُبِ الْحُكْمِيَّةِ وَالْمَبْسُوطَاتِ الْكَلَامِيَّةِ، وَنَقَلَ سَيِّدِي يَحْيَى الشَّاوِيُّ عَنْ الْخَفَّافِ فِي شَرْحِ عَقِيدَةِ أَبِي عَمْرٍو أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ فِي حُكْمِ الْجُرْمِ أَنْ يَرَى الْجُرْمَ كَذَا وَكَذَا، فَتَغَيُّرُ الْأَحْكَامِ بِظُهُورِ الْأَعْرَاضِ فِي الذَّوَاتِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ وَبِعَدَمِ ظُهُورِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فِي الْمُشَاهَدَةِ مِنْ حَيْثُ الْأَحْكَامُ وَهِيَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ضَرُورِيَّةٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا الْعُقَلَاءُ إنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي كَوْنِ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ هَذَا عَنْ عَدَمِ مَحْضٍ أَوْ عَنْ كَوْنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَبِهِ يَسْقُطُ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ مُشَاهَدًا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ أَنَّهُ عَنْ كَوْنٍ وَقَدْ ذَكَرَ مُنْلَا جَامِي فِي الدُّرَّةِ الْفَاخِرَةِ بُرْهَانًا لَطِيفًا مُخْتَصَرًا فَقَالَ إنَّ فِي الْوُجُودِ وَاجِبًا، وَإِلَّا لَزِمَ انْحِصَارُ الْمَوْجُودِ فِي الْمُمْكِنِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُوجَدَ شَيْءٌ أَصْلًا فَإِنَّ الْمُمْكِنَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّدًا لَا يَسْتَقِلُّ بِوُجُودِهِ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا فِي إيجَادِهِ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ مَرْتَبَةَ الْإِيجَادِ بَعْدَ مَرْتَبَةِ الْوُجُودِ فَإِذَنْ لَا وُجُودَ وَلَا إيجَادَ فَلَا مَوْجُودَ لَا بِذَاتِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ فَإِذَنْ ثَبَتَ وُجُودُ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ بَعْدِيَّةٌ زَمَانِيَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ. قَالَ: وَأَمَّا الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فَهُوَ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ، وَيَعْنِي بِهِ قَوْلَهُ وَلَمَّا كَانَتْ الْفَلَاسِفَةُ اصْطَلَحُوا عَلَى إطْلَاقِ الْحُدُوثِ عَلَى الْمَسْبُوقِيَّةِ بِالذَّاتِ بِالْعَدَمِ بِمَعْنَى أَنَّ كَوْنَهُ مَسْبُوقًا بِوُجُودِ الْفَاعِلِ سَبَقًا ذَاتِيًّا يَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ عَدَمِهِ عَلَى وُجُودِهِ بِالذَّاتِ (قَوْلُهُ: ضَرُورَةَ أَنَّ الْمُحَدِّثَ إلَخْ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّرُورَةَ هُنَا جِهَةُ النِّسْبَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا قَابَلَ النَّظَرَ أَيْ أَنَّ الْعِلْمَ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ ضَرُورِيٌّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ اتَّفَقَ أَهْلُ الْمِلَلِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ فِي الْجُمْلَةِ خَلَا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنْ جَهَلَةِ الْفَلَاسِفَةِ زَعَمَتْ أَنَّ حُدُوثَ الْعَالَمِ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ بِغَيْرِ فَاعِلٍ وَهُوَ بَدِيهِيُّ الْبُطْلَانِ قَالَ الْفَخْرُ فِي الْمَعَالِمِ إنَّ الْعِلْمَ بِهَا أَعْنِي بِقَضِيَّةِ أَنَّ كُلَّ حَادِثٍ لَهُ مُحْدِثٌ مَرْكُوزٌ فِي فِطْرَةِ طَبْعِ الصِّبْيَانِ فَإِنَّك إذَا لَطَمْت وَجْهَ الصَّبِيِّ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاك وَقُلْت لَهُ حَصَلَتْ هَذِهِ اللَّطْمَةُ مِنْ غَيْرِ فَاعِلٍ لَا يُصَدِّقُك أَلْبَتَّةَ بَلْ فِي فِطْرَةٍ إلَيْهَا ثُمَّ فَإِنَّ الْحِمَارَ وَإِذَا أَحَسَّ بِصَوْتِ خَشَبَةٍ فَزِعَ؛ لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ فِي فِطْرَتِهِ أَنَّ حُصُولَ صَوْتِ الْخَشَبَةِ بِدُونِ الْخَشَبَةِ مُحَالٌ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ) لَوْ قَالَ وَهُوَ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ لَكَانَ أَحْسَنَ إذْ الْإِلَهُ كُلِّيٌّ فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِالْوَاحِدِ لَهُ فَائِدَةٌ (قَوْلُهُ: إذْ لَوْ جَازَ كَوْنُهُ إلَخْ) اسْتَدَلَّ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ دُونَ السَّمْعِيِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] جَرْيًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ إلَّا بِالْعَقْلِ وَقِيلَ يَصِحُّ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وَعَلَى الْأَوَّلِ

стр. 961

لَجَازَ أَنْ يُرِيدَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا وَالْآخَرُ ضِدَّهُ الَّذِي لَا ضِدَّ لَهُ غَيْرُهُ كَحَرَكَةِ زَيْدٍ وَسُكُونِهِ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ الْمُرَادَيْنِ وَعَدَمُ وُقُوعِهِمَا لِامْتِنَاعِ ارْتِفَاعِ الضِّدَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَاجْتِمَاعِهِمَا فَيَتَعَيَّنُ وُقُوعُ أَحَدِهِمَا فَيَكُونُ مُرِيدُهُ هُوَ الْإِلَهُ دُونَ الْآخَرِ لِعَجْزِهِ فَلَا يَكُونُ الْإِلَهُ إلَّا وَاحِدٌ أَوْ إطْلَاقُ الْمُتَكَلِّمِينَ اسْمَ الصَّانِعِ عَلَيْهِ تَعَالَى مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] . (وَالْوَاحِدُ الشَّيْءُ الَّذِي ــ [حاشية العطار] جَرَى السَّنُوسِيُّ فِي كُبْرَاهُ وَكَلَامُ الْخَيَالِيِّ فِي حَوَاشِي الْعَقَائِدِ يَمِيلُ إلَى الثَّانِي، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أَدِلَّةَ الْعَقَائِدِ مِنْهَا مَا هُوَ عَقْلِيٌّ مَحْضٌ كَأَدِلَّةِ الصِّفَاتِ التَّأْثِيرِ وَمَا هُوَ سَمْعِيٌّ كَأَحْوَالِ الْمَعَادِ وَمِنْهَا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ كَالْوَحْدَانِيَّةِ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِنَادِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ إلَى الشَّرْعِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَمَيَّزْ عِلْمُ الْكَلَامِ عَنْ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ الْفَلَاسِفَةُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْخَيَالِيُّ إنَّ الْأَحْكَامَ الِاعْتِقَادِيَّةَ إنَّمَا يُعْتَدُّ بِهَا إذَا أُخِذَتْ مِنْ الشَّرْعِ وَالْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ جَعَلَ الْآيَةَ أَعْنِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] حُجَّةً إقْنَاعِيَّةً قَالَ: لِأَنَّ الْمُلَازَمَةَ عَادِيَةٌ عَلَى مَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْخِطَابِيَّاتِ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِوُجُودِ التَّمَانُعِ وَالتَّغَالُبِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْحَاكِمِ عَلَى مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وَإِلَّا فَإِنْ أُرِيدَ الْفَسَادُ بِالْفِعْلِ أَيْ خُرُوجُهُمَا عَنْ هَذَا النِّظَامِ الْمُشَاهَدِ فَمُجَرَّدُ التَّعَدُّدِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ لِجَوَازِ الِاتِّفَاقِ عَلَى هَذَا النِّظَامِ، وَإِنْ أُرِيدَ إمْكَانُ الْفَسَادِ فَلَا دَلِيلَ عَلَى انْتِفَائِهِ بَلْ النُّصُوصُ شَاهِدَةٌ بِطَيِّ السَّمَاوَاتِ رُفِعَ هَذَا النِّظَامُ فَيَكُونُ مُمْكِنًا لَا مَحَالَةَ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ بَعْضُ مُعَاصِرِيهِ إنَّهُ تَعْيِيبٌ لِبَرَاهِينِ الْقُرْآنِ وَهُوَ كُفْرٌ. وَأَجَابَ بَعْضُ مَنْ انْتَصَرَ لَهُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ يَحْتَوِي عَلَى الْأَدِلَّةِ الْإِقْنَاعِيَّةِ وَالْقَطْعِيَّةِ بِحَسَبِ أَحْوَالِ الْمُخَاطَبِينَ، وَهُوَ مِنْ الْبَلَاغَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَم أَنَّ مَبْحَث الْوَحْدَانِيَّةِ أَشْرَفُ مَبَاحِثِ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِهِ فَقِيلَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَقَدْ كَثُرَ ذِكْرُهُ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَرَمَزَ إلَيْهِ الْعَارِفُونَ فِي كَلَامِهِمْ قَالَ سَيِّدِي عَلِيٌّ وَفَا وَحَّدْت عَبْدَك فِي الْهَوَى يَا سَيِّدِي ... وَأَرَى الْعَبِيدَ تُوَحِّدُ السَّادَاتِ إنْ شِئْت عِدْنِي بِالْوِصَالِ وَلَا تَفِي ... أَوْ شِئْت وَاصِلْنِي مَدَى السَّاعَاتِ فَمَنْ اسْتَقَرَّ عَلَى شُهُودٍ وَاحِدٍ ... لَمْ يَلْتَفِتْ يَوْمًا إلَى مِيقَاتِ وَحَيَاةِ وَجْهِك قَدْ مَلَأْت جَوَانِحِي ... وَعَمَّرْت مِنِّي سَائِرَ الذَّرَّاتِ وَحَجَبْت عَنِّي الْغَيْرَ حِينَ ظَهَرْت لِي ... فَكَأَنَّمَا الْخَلَوَاتُ فِي الْجَلَوَاتِ حَضَرَ الْحَبِيبُ فَلَسْت أَذْكُرُ فَائِتًا ... أَبَدًا وَلَا أَلْهُو بِمَا هُوَ آتِ وَقَدْ نَقَلَ الشَّاوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الصُّغْرَى عَنْ البيلِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ ابْنِ عَرَفَةَ الْفِقْهِيِّ أَنَّ التَّوْحِيد مَصْدَرُ وَحَّدَ الْعَبْدُ رَبَّهُ يُوَحِّدُهُ تَوْحِيدًا فَهُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ حَادِثٌ، وَالتَّوَحُّدُ مَصْدَرُ تَوَحَّدَ اللَّهُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ يَتَوَحَّدُ تَوَحُّدًا بِمَعْنَى اتَّصَفَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ فَهُوَ قَدِيمٌ فَالتَّوْحِيدُ كَالتَّقْدِيسِ حَادِثٌ وَالتَّوَحُّدُ كَالتَّقَدُّسِ قَدِيمٌ اهـ. (قَوْلُهُ: لَجَازَ أَنْ يُرِيدَ إلَخْ) لَا يُقَالُ يَلْزَمُ هَذَا التَّمَانُعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ فِي فِعْلِ الْعَبْدِ عَلَى كَلَامِ الْقَدَرِيَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْكُفْرُ إثْبَاتُ شَرِيكٍ فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَاسْتِحْقَاقُ الْعِبَادَةِ لَا فِي تَأْثِيرٍ مَا فَالْقَدَرِيَّةُ وَإِنْ قَالُوا الْعَبْدُ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ إقْدَارَهُ عَلَيْهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يُقَالُ أَنَّهُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَلْ أَسْوَأُ حَالًا إذْ الْمَجُوسُ قَالُوا بِمُؤَثِّرَيْنِ وَهَؤُلَاءِ يُثْبِتُوا مَا لَا حَصْرَ لَهُ مِنْ الْمُؤَثِّرِينَ فَخُرِّجَ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ لِلزَّجْرِ. (قَوْلُهُ: كَحَرَكَةِ زَيْدٍ وَسُكُونِهِ) أَيْ بِأَنْ تَتَعَلَّقَ إرَادَتُهُمَا مَعًا بِإِيجَادِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا بِدْعَ فِي اجْتِمَاعِهِمَا إذْ لَا تَضَادَّ بَيْنَهُمَا بَلْ بَيْنَ الْمُرَادَيْنِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: دُونَ الْآخَرِ) أَيْ فَلَيْسَ إلَهٌ وَمَا يُقَالُ زِيَادَةً عَلَى مَا هُنَا وَمَا جَازَ عَلَى أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ جَازَ عَلَى الْآخَرِ فَيَلْزَمُ عَجْزُ الثَّانِي أَيْضًا فَيُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الْإِلَهِ الْمُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الْعَالَمِ الْمُشَاهَدِ زِيَادَةً فِي الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: مَأْخُوذٌ إلَخْ) بِنَاءً عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِوُرُودِ مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ عَلَى أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ

стр. 962

لَا يَنْقَسِمُ) بِوَجْهٍ (وَلَا يُشَبَّهُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ أَيْ لَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ شَبَهٌ (بِوَجْهٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدِيمٌ) أَيْ (لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ) وَلَا انْتِهَاءَ إذْ لَوْ كَانَ حَادِثًا لَاحْتَاجَ إلَى مُحْدِثٍ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ (حَقِيقَتُهُ) تَعَالَى (مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْحَقَائِقِ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ لَيْسَتْ مَعْلُومَةً الْآنَ) أَيْ فِي الدُّنْيَا لِلنَّاسِ، وَقَالَ كَثِيرٌ إنَّهَا مَعْلُومَةٌ لَهُمْ الْآنَ لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْعِلْمِ بِوَحْدَانِيِّتِهِ وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهِ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ التَّوَقُّفِ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ بِالْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ بِوَجْهٍ وَهُوَ تَعَالَى يُعْلِمُ بِصِفَاتِهِ كَمَا أَجَابَ بِهَا مُوسَى ﵊ فِرْعَوْنَ السَّائِلَ عَنْهُ تَعَالَى كَمَا قَصَّ عَلَيْنَا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] إلَخْ (وَاخْتَلَفُوا) أَيْ الْمُحَقِّقُونَ (هَلْ يُمْكِنُ عِلْمُهَا فِي الْآخِرَةِ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ لِحُصُولِ الرُّؤْيَةِ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي وَبَعْضُهُمْ لَا، وَالرُّؤْيَةُ لَا تُفِيدُ الْحَقِيقَةَ. (لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ) ــ [حاشية العطار] رَوَى أَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الصَّانِعَ لَمْ يَرِدْ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فَرْقًا بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَإِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مَفْهُومٍ كُلِّيٍّ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَا هُنَا ثُمَّ إنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِطْلَاقِ التَّوَاتُرُ كَمَا قَالَهُ الْمُقْتَرَحُ. وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَمَلِيَّةٌ لَا اعْتِقَادِيَّةٌ وَخَبَرُ الْآحَادِ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الْعَمَلِيَّاتِ. (قَوْلُهُ: لَا يَنْقَسِمُ بِوَجْهٍ) أَيْ لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْوَهْمِ وَلَا بِالْغَرَضِ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلْوَاحِدِ الْحَقِيقِيِّ وَنَفْيُ الِانْقِسَامِ نَفْيٌ لِلْكَمِّ الْمُتَّصِلِ، وَقَوْلُهُ وَلَا يُشْبِهُ إلَخْ نَفْيٌ لِلْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ فَالْكُمُّ الْمُتَّصِلُ هُوَ الْمِقْدَارُ وَالْكُمُّ الْمُنْفَصِلُ هُوَ الْعَدَدُ فَالْمَعْنَى أَنَّ التَّرْكِيبَ الْحَاصِلَ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِ الْأَجْزَاءِ وَالْعَدَدَ الْحَاصِلَ بِفَرْضِ نَظِيرٍ مَنْفِيَّانِ عَنْهُ فَقَوْلُهُمْ لِنَفْيِ الْكَمِّ أَيْ لِنَفْيِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْكَمُّ فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ) جَرَى عَلَى مَا هُوَ التَّحْقِيقُ مِنْ أَنَّ مَفْهُومَ الْقِدَمِ كَالْبَقَاءِ سَلْبِيٌّ وَعَلَيْهِ الْمُقْتَرَحُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَقَالَ الشَّرِيفُ زَكَرِيَّا وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ آخِرًا وَقَرَّرَهُ بِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إمَّا حَادِثٌ وَإِمَّا قَدِيمٌ فَالْحَادِثُ مَا لَهُ أَوَّلٌ وَهُوَ مَا سَبَقَ عَدَمُهُ وُجُودَهُ، وَالْقَدِيمُ مَا لَا أَوَّلَ لَهُ وَهُوَ سَلْبُ مَا وَجَبَ لِلْحَادِثِ فَالْقِدَمُ إذَنْ نَفْيُ الْأَوَّلِيَّةِ وَنَفْيُ الْأَوَّلِيَّةِ سَلْبٌ مَحْضٌ، وَكَذَا قَالَ فِي الْبَقَاءِ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ دَوَامِ الْوُجُودِ عَلَى وَجْهٍ يَنْتَفِي مِنْهُ الْعَدَمُ اللَّاحِقُ وَهَذَا مُخْتَارُنَا اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا انْتِهَاءَ) تَفْسِيرٌ لِلْقَدِيمِ بِاللَّازِمِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَفْهُومُ الْبَقَاءِ وَلَمَّا كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ أُخِذَ فِي أَحَدِهِمَا تَفْسِيرُ صَاحِبِهِ، وَقَوْلُهُ إذْ لَوْ كَانَ حَادِثًا إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلِابْتِدَاءِ لِوُجُودِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا انْتِهَاءَ فَتَرْكُهُ قِدَمَهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ. قَالَ الْعَكَّاوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْكُبْرَى اتَّفَقَتْ الْعُقَلَاءُ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَأُورِدَ عَدَمُنَا فِي الْأَزَلِ وَأُجِيبَ بِتَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالْمَوْجُودَاتِ فَإِنْ قُلْت عَدَمُنَا فِي الْأَزَلِ وَاجِبٌ كَعَدَمِ الْمُسْتَحِيلِ فَلِمَ جَازَ انْقِطَاعُهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ وُجُوبَ عَدَمِنَا مُقَيَّدٌ بِالْأَزَلِ فَهُوَ مُمْكِنٌ فِيمَا يُزَالُ، وَأَمَّا عَدَمُ الْمُسْتَحِيلِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَقَالَ الْفِهْرِيُّ إنَّ الْإِيرَادَ مِنْ أَصْلِهِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ وُجُودَنَا قَطَعَ عَدَمَنَا فِيمَا لَا يَزَالُ لَا فِي الْأَزَلِ، وَإِلَّا لَوُجِدْنَا فِي الْأَزَلِ وَهُوَ مُحَالٌ (قَوْلُهُ: حَقِيقَتُهُ تَعَالَى) ذَكَرَهَا لِلْمُشَاكَلَةِ وَإِلَّا فَقَدْ مَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا فِي اللَّهِ (قَوْلُهُ: وَبَعْضُهُمْ لَا) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ إنْ سَأَلَنَا سَائِلٌ عَنْ اللَّهِ مَا هُوَ قُلْنَا إنْ أَرَادَ مَا اسْمُهُ فَاَللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَإِنْ أَرَادَ مَا صِفَتُهُ فَسَمِيعٌ بَصِيرٌ وَإِنْ أَرَادَ مَا فِعْلُهُ فَخَلْقُ الْمَخْلُوقَاتِ وَوَضْعُ كُلِّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ وَإِنْ أَرَادَ كُنْهَهُ فَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ الْمِثَالِ وَالْجِنْسِ اهـ. اللَّهُ أَعْظَمُ قَدْرًا أَنْ يُحِيطَ بِهِ ... عِلْمٌ وَعَقْلٌ وَرُؤًى جَلَّ سُلْطَانَا (قَوْلُهُ: وَالرُّؤْيَةُ لَا تُفِيدُ الْحَقِيقَةَ) فَإِنَّهَا عَلَى خِلَافِ الرُّؤْيَةِ الْمُتَعَارَفَةِ فِي الدُّنْيَا إذْ هِيَ بِلَا كَيْفٍ وَلَا جِهَةٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي قَالَ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: وَأَمَّا مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْكُنْهِ فَغَيْرُ وَاقِعَةٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِامْتِنَاعِهَا كَحُجَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَلَمْ أَطَّلِعْ عَلَى دَلِيلٍ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ سِوَى مَا قَالَ أَرِسْطُو فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ كَمَا تَعْتَرِي الْعَيْنَ عِنْد التَّحَقُّقِ فِي جُرْمِ الشَّمْسِ ظُلْمَةٌ وَكُدْرَةٌ تَمْنَعُهَا عَنْ تَمَامِ الْإِبْصَارِ كَذَلِكَ تَعْتَرِي الْعَقْلَ عِنْدَ إرَادَةِ اكْتِنَاهِ ذَاتِهِ تَعَالَى حِيرَةً وَدَهْشَةً تَمْنَعُهُ عَنْ اكْتِنَاهِهِ وَهُوَ كَمَا تَرَى

стр. 963

لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الْحُدُوثِ وَهَذِهِ حَادِثَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَقْسَامُ الْعَالَمِ إذْ هُوَ إمَّا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَالثَّانِي الْعَرَضُ وَالْأَوَّلُ وَيُسَمَّى بِالْعَيْنِ وَهُوَ مَحَلُّ الثَّانِي الْمُقَوِّمِ لَهُ إمَّا مُرَكَّبٌ وَهُوَ الْجِسْمُ أَوْ غَيْرُ مُرَكَّبٍ وَهُوَ الْجَوْهَرُ، وَقَدْ يُقَيَّدُ بِالْفَرْدِ (وَلَمْ يَزَلْ وَحْدَهُ وَلَا مَكَانَ وَلَا زَمَانَ وَلَا قُطْرَ وَلَا أَوَانَ) هَذَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إذْ الْقُطْرُ مَكَانٌ مَخْصُوصٌ كَالْبَلَدِ وَالْأَوَانُ زَمَانٌ مَخْصُوصٌ كَزَمَانِ الزَّرْعِ وَالدَّاعِي إلَى الْعَطْفِ الْخَطَابَةُ فِي التَّنْزِيهِ أَيْ هُوَ مَوْجُودٌ وَحْدَهُ قَبْلَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُمَا. (ثُمَّ ــ [حاشية العطار] كَلَامٌ خَطَابِيٌّ بَلْ شِعْرِيٌّ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى امْتِنَاعِهَا بِأَنَّ حَقِيقَتَهُ تَعَالَى لَيْسَتْ بَدِيهِيَّةً وَالرَّسْمُ لَا يُفِيدُ الْكُنْهَ وَالْحَدُّ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ بَسْطٌ وَوَجْهُ ضَعْفِهِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْبَسَاطَةَ الْعَقْلِيَّةَ مُحْتَاجَةٌ إلَى الْبُرْهَانِ وَعَدَمُ إفَادَةِ الرَّسْمِ الْكُنْهَ لَيْسَ كُلِّيًّا إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى امْتِنَاعِ إفَادَتِهِ الْكُنْهَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَوَادِّ وَعَدَمُ الْبَدَاهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْأَشْخَاصِ مُحْتَاجٌ إلَى دَلِيلٍ فَرُبَّمَا يَحْصُلُ بِالْبَدِيهَةِ بَعْدَ تَهْذِيبِ النَّفْسِ بِالشَّرَائِعِ الْحَقَّةِ وَتَجْرِيدِهَا عَنْ الْكُدُورَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْعَلَائِقِ الْجِسْمَانِيَّةِ، وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى عَدَمِ حُصُولِهَا كَثِيرَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ «سُبْحَانَك مَا عَرَفْنَاك حَقَّ مَعْرِفَتِك» وَقَوْلُهُ «تَفَكَّرُوا فِي آلَائِهِ تَعَالَى وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِهِ فَإِنَّكُمْ لَمْ تَقْدِرُوا قَدْرَهُ» . اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ إلَخْ) فِيهِ قِيَاسٌ مِنْ الشَّكْلِ الثَّانِي هَكَذَا الْجَوَاهِرُ وَالْأَعْرَاضُ حَادِثَةٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْإِلَهِ بِحَادِثٍ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ بِإِلَهٍ وَيَنْعَكِسُ إلَى لَا شَيْءَ مِنْ الْإِلَهِ بِجَوَاهِرَ أَوْ أَعْرَاضٍ (قَوْلُهُ: الْمُقَوِّمُ لَهُ) أَيْ لِلثَّانِي الَّذِي هُوَ الْعَرَضُ يَعْنِي أَنَّ الْجَوْهَرَ الَّذِي هُوَ الْمَحَلُّ مُقَوِّمٌ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ لِلْعَرَضِ أَيْ أَنَّ وُجُودَ الْجَوْهَرِ هُوَ بِعَيْنِهِ وُجُودُ الْعَرَضِ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ حُلُولِ الصُّورَةِ الْجِسْمِيَّةِ فِي الْهَيُولَى عَلَى مَا تَزْعُمُ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ تَرَكُّبِ الْجِسْمِ مِنْهُمَا وَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَوْهَرٌ فَإِنَّ الصُّورَةَ الْجِسْمِيَّةَ عِنْدَهُمْ مُقَوِّمَةٌ لِلْهَيُولَى بِمَعْنَى احْتِيَاجِ الْهَيُولَى إلَيْهَا فِي التَّحَقُّقِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَيْضًا مُحْتَاجَةً إلَيْهَا فِي الْحُلُولِ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي حَوَاشِي مَقُولَاتِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ السِّجَاعِيِّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَيَّدُ بِالْفَرْدِ) أَيْ فَيُقَالُ جَوْهَرٌ فَرْدِيٌّ أَيْ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْقِسْمَةِ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ وَنَفَاهُ الْحُكَمَاءُ وَلِكُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ أَدِلَّةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا (قَوْلُهُ: لَمْ يَزَلْ وَحْدَهُ) أَيْ مُنْفَرِدًا مُتَوَحِّدًا وَفِي الْيَوَاقِيتِ نَقْلًا عَنْ الشَّيْخِ الْأَكْبَرِ مَنْ أَدْرَجَ فِي حَدِيثِ كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ مَا نَصُّهُ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ قَالَ تَعَالَى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [النحل: ٤٠] الْآيَةَ وَشَنَّعَ عَلَى ذَلِكَ وَلَحْنِ التَّعْبِيرِ بِالْآنَ قَالَ وَأَمَّا كَانَ فَانْسَلَخَتْ هُنَا عَنْ الزَّمَانِ اهـ. مُلَخَّصًا. وَهُوَ مَقَامٌ لِلشَّيْخِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ هَذَا الْقَائِلِ عَلَى حَالِ وِحْدَةِ الْوُجُودِ أَلَا تَرَى قَوْلَ بَعْضِهِمْ الْأَعْيَانُ الثَّابِتَةُ مَا شَمَّتْ رَائِحَةَ الْوُجُودِ مَنْ لَا وُجُودَ لِذَاتِهِ مِنْ ذَاتِهِ ... فَوُجُودُهُ لَوْلَاهُ عَيْنُ مُحَالٍ قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ الْعُلُومِ الْمُمْكِنُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ هَالِكٌ دَائِمًا، وَقَالَ فِي مِشْكَاةِ الْأَوَارْتَرَقِّي الْعَارِفُونَ مِنْ حَضِيضِ الْمَجَازِ إلَى ذُرْوَةِ الْحَقِيقَةِ فَرَأَوْا بِالْمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ هَالِكًا فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ بَلْ هُوَ هَالِكٌ أَزَلًا وَأَبَدًا اهـ. وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ إشَارَاتِ وِحْدَةِ الْوُجُودِ قَوْله تَعَالَى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] وَثَمَّ مَجَالٌ عَظِيمٌ جَالَتْ فِيهِ جِيَادُ أَفْكَارِ الْعُلَمَاءِ وَالْعَارِفِينَ حَتَّى أَنَّ الْجَلَالَ الدَّوَانِيَّ مَعَ رُسُوخِ قَدَمِهِ فِي الْمَعْقُولَاتِ وَالسَّيِّدَ الشَّرِيفَ الْجُرْجَانِيَّ عَرَّجَا عَلَى مَا عَرَّجَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَذَكَرَهَا الْأَوَّلُ فِي رِسَالَتِهِ الزَّوْرَاءِ وَالثَّانِي فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْأَصْفَهَانِيِّ عَلَى التَّجْرِيدِ رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ وَفِي الْيَوَاقِيتِ ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْبَابِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنْ الْفُتُوحَاتِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَقَّ تَعَالَى مُفْتَقِرٌ فِي ظُهُورِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ إلَى وُجُودِ الْعَالَمِ؛ لِأَنَّ لَهُ الْغِنَى عَلَى الْإِطْلَاقِ اهـ. إلَى أَنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ إنَّ الْأَشْيَاءَ فِي حَالِ عَدَمِهَا كَانَتْ مَشْهُودَةً لَهُ تَعَالَى كَمَا هِيَ مَشْهُودَةٌ لَهُ حَالَ وُجُودِهَا سَوَاءٌ فَهُوَ يُدْرِكُهَا سُبْحَانَهُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي حَقَائِقِهَا حَالَ وُجُودِهَا وَعَدَمِهَا بِإِدْرَاكٍ وَاحِدٍ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ إيجَادُهُ لِلْأَشْيَاءِ عَنْ فَقْرٍ

стр. 964

أَحْدَثَ هَذَا الْعَالَمَ) ــ [حاشية العطار] بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْحَقَّ تَعَالَى وَلَوْ أَعْطَاهُ حَرْفَ كُنْ وَأَرَادَ شَيْئًا مَا طَلَبَ إلَّا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ لِيَكُونَ عِنْدَهُ فَافْتَرَقَ الْأَمْرَانِ وَأَنْشَدَ الْكُلُّ مُفْتَقِرٌ مَا الْكُلُّ مُسْتَغْنِي ... هَذَا هُوَ الْحَقُّ قَدْ قُلْنَا وَلَا نَكْنِي إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا تَفَضَّلَ بِالْمَظَاهِرِ لِحِكْمَةٍ تَعُودُ عَلَى الْعَالَمِ فِي تَعَرُّفِهِمْ. وَمِنْ هُنَا قَالَ مَنْ قَالَ عَرَفْت اللَّهَ بِاَللَّهِ وَمَا ثَمَّ إلَّا اللَّهَ وَفِعْلَهُ لَكِنْ مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْوِحْدَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَ عَلَى خَطَرٍ، وَفِيهَا أَيْضًا مَا نَصُّهُ قَالَ فِي لَوَاقِحِ الْأَنْوَارِ مِنْ كَمَالِ الْعِرْفَانِ شُهُودُ عَبْدٍ وَرَبٍّ وَكُلُّ عَارِفٍ نَفَى شُهُودَ الْعَبْدِ فِي وَقْتٍ مَا فَلَيْسَ هُوَ بِعَارِفٍ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ صَاحِبُ حَالٍ وَصَاحِبُ الْحَالِ سَكْرَانُ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ، وَقَالَ فِي بَابِ الْأَسْرَارِ لَا يَتْرُكُ الْأَغْيَارُ إلَّا الْأَغْيَارَ فَلَوْ تَرَكَ تَعَالَى الْخَلْقَ مَنْ كَانَ يَحْفَظُهُمْ وَيَلْحَظُهُمْ لَوْ تُرِكَتْ الْأَغْيَارُ لَتُرِكَتْ التَّكَالِيفُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ وَمَنْ تَرَكَ التَّكَالِيفَ كَانَ مُعَانِدًا عَاصِيًا أَوْ جَاحِدًا فَمِنْ كَمَالِ التَّخَلُّقِ بِأَسْمَاءِ الْحَقِّ الِاشْتِغَالُ بِاَللَّهِ وَبِالْخَلْقِ. (قَوْلُهُ: الْخَطَابَةُ) أَيْ الْإِطْنَابُ وَالْمُبَالَغَةُ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْمَكَانِ) قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي الْأَرْبَعِينَ وَاجِبُ الْوُجُودِ سَابِقٌ عَلَى الْعَالَمِ بِالذَّاتِ وَالْوُجُودِ إذْ لَوْلَاهُ لَمَا وُجِدَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ مَعَهُ بِالذَّاتِ وَالْوُجُودِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ قَبْلَ وَمَعَ بِالذَّاتِ وَالْوُجُودِ جَمِيعًا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَهُوَ إذْنٌ مُتَأَخِّرُ الْوُجُودِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ وَاجِبِ الْوُجُودِ بِالزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الْوُجُودِ زَمَانِيًّا؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا مَعَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِضَافَاتِ كَالْأُخُوَّةِ وَالنُّبُوَّةِ فِي أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ إذْ لَوْ كَانَ مَعَ الثَّانِي بِالزَّمَانِ كَانَ الثَّانِي مَعَهُ بِالزَّمَانِ أَيْضًا بَلْ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ ثَبَتَتْ الْمَعِيَّةُ فِي أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَجَبَ عَلَيْك أَنْ تُثْبِتَهَا فِي الشَّيْءِ الثَّانِي، فَظَهَرَ أَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ وَجَائِزَ الْوُجُودِ لَا يَكُونَانِ مَعًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَاعْتِبَارٍ مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ، وَصَحَّ قَوْلُنَا كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ أَحْدَثَ إلَخْ) ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ أَوْ الْوُجُودِيِّ إذْ وُجُودُ الْخَالِقِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى وُجُودِ الْمَخْلُوقِ. قَالَ سَيِّدِي يَحْيَى الشَّاوِيُّ فَإِنْ قُلْت مَا مَعْنَى سَبْقُ الْخَالِقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَمِنْ أَيِّ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِ التَّقَدُّمِ وَكَمْ أَقْسَامُ التَّقَدُّمِ؟ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ صَعْبَةٌ عَلَى مَا اعْتَادَهُ الْوَهْمُ فِي التَّقَدُّمِ قُلْت هَذِهِ مَسْأَلَةٌ غَرِقَتْ فِيهَا سُفُنُ الْفَهْمِ وَالْوَهْمِ فَإِنْ فَازَتْ سَفِينَتُك هُنَا فُزْت بِقَصَبِ السَّبْقِ. فَأَقُولُ وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ فَإِذَنْ نَقُولُ إنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ الزَّمَانِيَّ يَجِبُ نَفْيُهُمَا عَنْ الْبَارِي وَكَمَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْعَالَمِ زَمَانًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ زَمَانًا فَإِنَّا كَمَا نَفَيْنَا التَّقَدُّمَ الزَّمَانِيَّ نَفَيْنَا الْمَعِيَّةَ فَخَلِّصْ سَفِينَتَك مِنْ هَذِهِ اللُّجَّةِ فَإِنَّ مَا لَا يَقْبَلُ الزَّمَانِيَّ، وَلَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ مَكَانِيًّا لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ وَالْمَعِيَّةُ الزَّمَانِيَّةُ كَمَا أَنَّ مَا لَا يَقْبَلُ الْمَكَانَ وَلَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ مَكَانِيًّا لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ الْمَكَانِيُّ، ثُمَّ قَالَ فَوَاجِبُ الْوُجُودِ سَابِقٌ عَلَى الْعَالَمِ بِالذَّاتِ وَالْوُجُودِ إلَخْ وَقَدْ لُخِّصَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لِلْفَخْرِ الرَّازِيّ رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ انْتَهَى وَلَمَّا افْتَتَحَ الْعَلَّامَةُ الْغُنَيْمِيُّ حَاشِيَتَهُ عَلَى شَرْحِ السَّنُوسِيِّ لِصُغْرَاهُ بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَدِيمِ بِالذَّاتِ وَالزَّمَانِ شَنَّعَ عَلَيْهِ بَعْضُ مُعَاصِرِيهِ مِنْ الْمَغَارِبَةِ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ الزَّمَانِ بِمَعْزِلٍ وَتَكَلَّفَ بَعْضٌ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ وَالْحَقُّ مَعَ الْمُعْتَرِضِ (قَوْلُهُ: أَحْدَثَ هَذَا الْعَالَمَ إلَخْ) قَالَ الْفَلَاسِفَةُ لَوْ كَانَ حَادِثًا لَكَانَ وُجُودُ الصَّانِعِ سَابِقًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَكَانَ حَادِثًا مِثْلَهُ فَإِمَّا بِغَيْرِ مُدَّةٍ وَهُوَ تَنَاقُضٌ أَوْ بِمُدَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ فَيَلْزَمُ ابْتِدَاؤُهُ أَوْ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ قِدَمِ الْعَالَمِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُدَّةَ حِينَئِذٍ عَالَمٌ قَدِيمٌ أَوْ فِيهَا عَالَمٌ قَدِيمٌ. وَأَجَابَ الشِّهْرِسْتَانِيّ فِي نِهَايَةِ الْإِقْدَامِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا جَاءَهُمْ مِنْ جَعْلِ التَّقَدُّمِ زَمَانِيًّا، وَنَحْنُ نَقُولُ هُوَ تَقَدُّمٌ ذَاتِيٌّ لَا فِي زَمَنٍ وَيُقِرُّ بِهِ تَقَدُّمُ أَمْسِ عَلَى الْيَوْمِ إذْ لَيْسَ زَمَنٌ ثَالِثٌ يَقَعُ فِيهِ التَّقَدُّمُ، وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَبْلَ اكْتِفَاءً بِالِاعْتِبَارِ فَالزَّمَنُ حَادِثٌ وَوُجُودُ الصَّانِعِ وَوُجُوبُهُ ذَاتِيٌّ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ اهـ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ رَفْعُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ يُقَرِّبُ الْأَمْرَ إلَى

стр. 965

الْمُشَاهَدَ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِهَا فِيهِمَا (مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ) إلَيْهِ، (وَلَوْ شَاءَ مَا اخْتَرَعَهُ) فَهُوَ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ لَا بِالذَّاتِ (لَمْ يَحْدُثْ بِابْتِدَاعِهِ فِي ذَاتِهِ حَادِثٌ) فَلَيْسَ كَغَيْرِهِ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ فَهُوَ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ــ [حاشية العطار] الْأَذْهَانِ فَرَفْعُهُمَا أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ وَمَنْ دَامَ فِي عُشِّهِمَا اخْتَبَطَ فِي الْجَهْلِ وَتَلَاطَمَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الشُّبَهِ فَظَنَّ الْمَدَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ بِالنِّهَايَةِ أَوْ بِعَدَمِ النِّهَايَةِ، وَالتَّأَخُّرُ وَالتَّقَدُّمُ وَذَلِكَ كُلُّهُ يُفْضِي إلَى جَهَالَاتٍ وَقَعَ فِيهَا الْفَلَاسِفَةُ. (قَوْلُهُ: الْمُشَاهَدُ) أَخَذَهُ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَيْهِ بِهَذَا، وَالْمُرَادُ الْمُشَاهَدُ بَعْضُهُ إذْ فِيهِ مَا لَمْ تُشَاهِدْهُ وَقَدْ أَثْبَتَ بَعْضُ الْمُتَأَهِّلِينَ مِنْ الْحُكَمَاءِ وَوَافَقَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ عَالَمًا يُسَمَّى عَالَمُ الْمِثَالِ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ عَالَمَيْ الْمَحْسُوسِ وَالْمَعْقُولِ لَيْسَ فِي تَجَرُّدِ الْمُجَرَّدَاتِ وَلَا فِي مُخَالَطَةِ الْمَادِّيَّاتِ، وَفِيهِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مِنْ الْمُجَرَّدَاتِ وَالْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ حَتَّى الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالْأَوْضَاعِ وَالْهَيْئَاتِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ مِثَالٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ مُعَلَّقٌ لَا فِي مَادَّةٍ وَمَحَلٍّ يَظْهَرُ لِلْحِسِّ بِمَعُونَةِ مَظْهَرٍ كَالْمِرْآةِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُنْتَقَلُ مِنْ مَظْهَرٍ إلَى مَظْهَرٍ، وَقَدْ يَبْطُلُ كَمَا إذَا فَسَدَتْ الْمِرْآةُ أَوْ الْخَيَالُ أَوْ زَالَتْ الْمُقَابَلَةُ أَوْ التَّخَيُّلُ وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ عَالَمٌ عَظِيمُ الْفُسْحَةِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ يَحْذُو حَذْوَ الْعَالَمِ الْحِسِّيِّ لَا تَتَنَاهَى عَجَائِبُهُ وَلَا تُحْصَى مُدَّتُهُ وَمِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الْمُدُنِ جَابَلْقَا وَجَابَرْصَا وَهُمَا مَدِينَتَانِ عَظِيمَتَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَلْفُ بَابٍ لَا يُحْصَى مَا فِيهِمَا مِنْ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ أَوْ يُتَخَيَّلُ فِي الْيَقَظَةِ بَلْ يُشَاهَدُ فِي الْأَمْرَاضِ وَعِنْدَ غَلَبَةِ الْخَوْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ الْمِقْدَارِيَّةِ الَّتِي لَا تَحَقُّقَ لَهَا فِي عَالَمِ الْحِسِّ كُلِّهَا مِنْ عَالَمِ الْمِثَالِ، وَكَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْغَرَائِبِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ كَمَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ أَنَّهُ مَعَ إقَامَتِهِ بِبَلَدِهِ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْ بَعْضِ جُدْرَانِ الْبَيْتِ أَوْ خَرَجَ مِنْ بَيْتٍ مَسْدُودِ الْأَبْوَابِ وَالْكَوَّاتِ، وَأَنَّهُ أَحْضَرَ بَعْضَ الْأَشْخَاصِ أَوْ الثِّمَارِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فِي زَمَانٍ قَرِيبٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ قَالَ وَلَمَّا كَانَتْ الدَّعْوَى عَالِيَةً وَالشُّبْهَةُ وَاهِيَةً لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْحُكَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. أَقُولُ جَعَلَ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ لِلصُّوَرِ الْمُشَاهَدَةِ فِي الْمِرْآةِ مِنْ جُمْلَةِ هَذَا الْعَالَمِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي شَرْحِهِ عَلَى هَيَاكِلِ السُّهْرَوَرْدِيّ وَقَدْ نَقْلنَا عِبَارَتَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (قَوْلُهُ: لَا بِالذَّاتِ) أَيْ بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ كَمَا قَالَ الْفَلَاسِفَةُ. (قَوْلُهُ: حَادِثٌ) أَيْ مِنْ تَعَبٍ وَنَصَبٍ كَمَا قَالَ الْيَهُودُ إنَّهُ ابْتَدَأَ خَلْقَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْأَحَدِ وَاسْتَرَاحَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ الْمَعْنَى لَمْ يَحْدُثْ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ بِإِحْدَاثِ الْعَالَمِ وَإِلَّا لَكَانَ إمَّا نَقْصًا وَهُوَ مُحَالٌ أَوْ كَمَالًا فَيَلْزَمُ النَّقْصُ قَبْلَ حُصُولِهِ فَإِنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ اسْتِوَاءُ الْأُمُورِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِحَيْثُ لَا غَرَضَ لَهُ يَبْعَثُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَإِنَّ هَذَا جَبْرٌ مُنَافٍ لِلِاخْتِيَارِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُنَزَّهٌ عَنْ تَقَلُّبَاتِ الْأَطْوَارِ وَتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ وَمَا وَرَدَ مُوهِمًا لِذَلِكَ أُوِّلَ بِالْحِكْمَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الرَّاجِعَةِ إلَيْنَا نَحْوُ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أَيْ لِيَسْعَدُوا بِعِبَادَتِي فَإِنَّهَا رَأْسُ النِّعَمِ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْكَافِ وَمِثْلُ صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ مِثْلُ بِمَعْنَى ذَاتٍ أَوْ صِفَاتٍ، وَقِيلَ إنَّهُ كِنَايَةٌ عَلَى حَدِّ مِثْلُك لَا يَبْخَلُ يُرِيدُونَ أَنْتَ لَا تَبْخَلُ وَقِيلَ بَلْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ لَكَانَ هُوَ مَثَلًا لِمِثْلِهِ فَلَا يَصْدُقُ نَفْيُ مِثْلِ الْمِثْلِ إلَّا بِنَفْيِ الْمِثْلِ مِنْ أَصْلِهِ نَظِيرُ لَيْسَ لِأَخِي زَيْدٍ أَخٌ أَيْ لَا أَخَ لِزَيْدٍ قَوْلُهُ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] لَا يُقَالُ إنَّ فِي تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلَى الْبَصَرِ مَا يُشْعِرُ بِأَفْضَلِيَّتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نَجْتَزِئُ عَلَى التَّفَاضُلِ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى بَلْ كُلُّهَا مُتَسَاوِيَةٌ نَعَمْ اخْتَلَفُوا فِي تَفَاضُلِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِي الْحَادِثِ وَلَا ثَمَرَةَ فِي ذَلِكَ، وَاتِّحَادُ الدِّيَةِ فِيهِمَا يَقْضِي بِالتَّسَاوِي وَفِي الْيَوَاقِيتِ لِلْعَارِفِ الشَّعْرَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الشَّيْخِ الْأَكْبَرِ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى مُتَسَاوِيَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِرُجُوعِهَا كُلِّهَا إلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ وَقَعَ تَفَاضُلٌ فَإِنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَقَالَ الشَّعْرَانِيُّ أَيْضًا كَانَ سَيِّدِي عَلِيٌّ وَفَا يَذْهَبُ إلَى التَّفَاضُلِ فِي الْأَسْمَاءِ وَيَقُولُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] هُوَ الِاسْمُ اللَّهُ

стр. 966

(الْقَدَرُ) وَهُوَ مَا يَقَعُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُقَدَّرُ فِي الْأَزَلِ. (خَيْرُهُ وَشَرُّهُ) كَائِنٌ ــ [حاشية العطار] فَإِنَّهُ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا. قَالَ وَنَظِيرُ ذَلِكَ ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أَيْ وَلَذِكْرُ الِاسْمِ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِ الْأَسْمَاءِ. (قَوْلُهُ: الْقَدَرُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مِنْهُ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ الْمُتَعَلِّقَ مَعَ كَوْنِهِ كَوْنًا عَامًّا وَاجِبَ الْحَذْفِ لِلْإِشَارَةِ إلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ شَرَّهُ وَخَيْرَهُ بَدَلٌ مِنْ الْقَدَرِ إلَّا لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْقَدْرُ مُبْتَدَأٌ أَوَّلُ، وَخَيْرُهُ وَشَرُّهُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ وَمِنْهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْأَوَّلِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ كَائِنَانِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يَقَعُ إلَخْ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْقَدَرَ بِمَعْنَى الْمَقْدُورِ وَفَسَّرَهُ بِذَلِكَ لِأَجْلِ قَوْلِهِ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ وَإِلَّا فَالْقَدَرُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ إيجَادُ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى قَدْرٍ مَخْصُوصٍ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وَهُوَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ قَرِينُ الْقَضَاءِ فِي عِبَارَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَضَاءُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ إرَادَتُهُ الْأَزَلِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِيمَا لَا يَزَالُ وَقَدَرُهُ إيجَادُهُ الْأَشْيَاءَ عَلَى قَدَرٍ مَخْصُوصٍ قَالَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ إرَادَةُ اللَّهِ مَعَ التَّعَلُّقِ ... فِي أَزَلٍ قَضَاؤُهُ فَحَقِّقْ وَالْقَدَرُ الْإِيجَادُ لِلْأَشْيَا عَلَى ... وَجْهٍ مُعَيَّنٍ أَرَادَهُ عَلَا وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ مَعْنَى الْأَوَّلِ ... الْعِلْمُ مَعَ تَعَلُّقٍ فِي الْأَزَلِ وَالْقَدَرُ الْإِيجَادُ لِلْأُمُورِ ... عَلَى وِفَاقِ عِلْمِهِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: خَيْرُهُ وَشَرُّهُ) كَوْنُ الْفِعْلِ شَرًّا إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ كَسْبِنَا، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ خَلْقِ اللَّهِ إيَّاهُ فَحَسَنٌ فَكُلُّ مَا صَدَرَ عَنْهُ فَضْلٌ أَوْ عَدْلٌ فِي عَبِيدِهِ وَلِسَيِّدِي مُحَمَّدٍ وَفَا ﵁ سَمِعْت اللَّهَ فِي سِرِّي يَقُولُ ... أَنَا فِي الْمُلْكِ وَحْدِي لَا أَزُولُ وَحَيْثُ الْكُلُّ مِنِّي لَا قَبِيحٌ ... وَقُبْحُ الْقُبْحِ مِنْ حَيْثِيّ جَمِيلُ فَالْفِعْلُ لَهُ جِهَتَانِ كَوْنُهُ مَقْضِيًّا لَهُ تَعَالَى وَكَوْنُهُ مُكْتَسَبَ الْعَبْدِ فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الرِّضَا بِالْقَدَرِ مِنْ الْجِهَةِ الْأُولَى لَا الثَّانِيَةِ وَلِذَلِكَ قِيلَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ وَيُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ ﷺ «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدْرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» ، وَأَمَّا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] فَوَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ أَيْ كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ التَّفْرِقَةُ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مُجَرَّدِ السَّبَبِيَّةِ. رَوَى الْأَصْبَغُ بْنُ نَبَاتَةَ أَنَّ شَيْخًا قَامَ إلَى عَلِيٍّ ﵁ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صِفِّينَ فَقَالَ أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِنَا إلَى الشَّامِ أَكَانَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ فَقَالَ: وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا وَطِئْنَا مَوْطِئًا وَلَا هَبَطْنَا وَادِيًا وَلَا عَلَوْنَا تَلْعَةً إلَّا بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ فَقَالَ الشَّيْخُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي مَا أَرَى لِي مِنْ الْأَجْرِ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ: مَهْ أَيُّهَا الشَّيْخُ عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ فِي مَسِيرِكُمْ وَأَنْتُمْ سَائِرُونَ وَفِي مُنْصَرَفِكُمْ وَأَنْتُمْ مُنْصَرِفُونَ وَلَمْ تَكُونُوا فِي شَيْءٍ مِنْ حَالَاتِكُمْ مُكْرَهِينَ وَلَا إلَيْهَا مُضْطَرِّينَ فَقَالَ الشَّيْخُ كَيْفَ وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ سَاقَانَا فَقَالَ وَيْحَك لَعَلَّك ظَنَنْت قَضَاءً لَازِمًا وَقَدَرًا حَتْمًا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَلَمْ تَأْتِ لَائِمَةٌ مِنْ اللَّهِ لِمُذْنِبٍ وَلَا مَحْمَدَةٌ لِمُحْسِنٍ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِالْمَدْحِ مِنْ الْمُسِيءِ وَلَا الْمُسِيءُ أَوْلَى بِالذَّمِّ مِنْ الْمُحْسِنِ تِلْكَ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَجُنُودِ الشَّيْطَانِ وَشُهُودِ الزُّورِ وَأَهْلِ الْعَمَى عَنْ الصَّوَابِ، وَهُمْ قَدَرِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمَجُوسُهَا إنَّ اللَّهَ أَمَرَ تَخْيِيرًا وَنَهَى تَحْذِيرًا وَكَلَّفَ يَسِيرًا لَمْ يَعْصِ مَغْلُوبًا وَلَمْ يُطِعْ مُكْرَهًا وَلَمْ يُرْسِلْ الرُّسُلَ إلَى خَلْقِهِ عَبَثًا وَلَمْ يَخْلُقْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ فَقَالَ الشَّيْخُ: وَمَا الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ اللَّذَانِ مَا سِرْنَا إلَّا بِهِمَا؟ قَالَ هُوَ الْأَمْرُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُكْمُ ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى

стр. 967

(مِنْهُ) تَعَالَى بِخَلْقِهِ وَإِرَادَتِهِ. (عِلْمُهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَعْلُومٍ) أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ مُمْكِنًا كَانَ أَوْ مُمْنَعًا. ــ [حاشية العطار] ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] . اهـ. (قَوْلُهُ: مِنْهُ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قُلْت سَيِّدِي وَمَوْلَايَ إذَا كَانَ الْكُلُّ مِنْك وَإِلَيْك كَانَ التَّكْلِيفُ بِمَنْزِلَةِ افْعَلْ يَا مَنْ لَا تَفْعَلْ فَقِيلَ لِي إذَا أَمَرْنَاك بِأَمْرٍ فَاقْبَلْ وَلَا تُحَاقِقْ فَإِنَّ حَضْرَةَ الْأَدَبِ لَا تَسَعُ الْمُخَالَفَةَ فَقُلْت يَا سَيِّدِي هُوَ نَفْسُ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّك إنْ كُنْت قَضَيْت عَلَيَّ بِالْأَدَبِ أَوْ بِالْمُحَاقَّةِ فَلَا خُرُوجَ لِي عَنْ قَضَائِك فَقِيلَ لِي لَنْ نُوجِدَكَ إلَّا عَلَى مَا عَلِمْنَا وَلَا نَعْلَمُك إلَّا عَلَى مَا أَنْتَ وَلَنَا الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ وَقَالَ أَيْضًا قَدْ غَلَبَ عَلَيَّ شُهُودُ الْجَبْرِ الْبَاطِنِيِّ حَتَّى نَبَّهَنِي تِلْمِيذِي إسْمَاعِيلُ وَقَالَ لِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ أَمْرٌ ظَاهِرِيٌّ مَا صَحَّ كَوْنُهُ خَلِيقَةً وَلَا مُتَخَلِّقًا بِالْأَخْلَاقِ فَدَخَلَ عَلَيَّ بِكَلَامِهِ مِنْ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى بِخَلْقِهِ وَإِرَادَتِهِ. ١ - (قَوْلُهُ: بِخَلْقِهِ وَإِرَادَتِهِ) وَالْعَبْدُ مَجْبُورٌ فِي صُورَةِ مُخْتَارٍ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْأُمُورُ بِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ قَضَاءٍ وَقَدَرٍ، وَلِذَلِكَ سُمُّوا قَدَرِيَّةً؛ لِأَنَّهُمْ نَفَوْا الْقَدَرَ، وَقَدْ طَالَ النِّزَاعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ فَصَّلَهَا الْفَخْرُ فِي كُتُبِهِ لَا سِيَّمَا الْمَطَالِبُ الْعَالِيَةُ وَاقْتَصَرَ فِي الْجَوَابِ عَلَى أَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ مُتَعَارِضَةٌ فَالتَّعْوِيلُ عَلَى الْعَقْلِيَّاتِ وَعُمْدَتُهُ فِي ذَلِكَ دَلِيلُ الدَّاعِي الْمُوجِبُ وَدَلِيلُ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ وَلِذَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَذْكِيَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هُمَا الْعَدُوَّانِ لِلِاعْتِزَالِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَمَّ الدَّسْتُ لَنَا وَقَدْ أَشَارَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ وَكَانَ مُتَغَالِيًا فِي الرَّفْضِ وَالِاعْتِزَالِ إلَى بَعْضِ أَدِلَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ كَيْفَ يَأْمُرُ بِالْإِيمَانِ وَلَمْ يُرِدْهُ وَيَنْهَى عَنْ الْكُفْرِ وَيُرِيدُهُ وَيُعَاقِبُ عَلَى الْبَاطِلِ وَيُقَدِّرُهُ وَكَيْفَ يَصْرِفُ عَنْ الْإِيمَانِ ثُمَّ يَقُولُ ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] وَيَخْلُقُ فِيهِمْ الْإِفْكَ ثُمَّ يَقُولُ ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] وَأَنْشَأَ فِيهِمْ الْكُفْرَ ثُمَّ يَقُولُ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] وَخَلَقَ فِيهِمْ لُبْسَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ ثُمَّ يَقُولُ ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١] وَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ ثُمَّ يَقُولُ ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٩] وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ ثُمَّ يَقُولُ ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾ [النساء: ٣٩] وَذَهَبَ بِهِمْ عَنْ الرُّشْدِ ثُمَّ قَالَ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وَأَضَلَّهُمْ عَنْ الدِّينِ حَتَّى أَعْرَضُوا ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] وَفِي كَلَامِ الْخَوَّاصِ شَيْخِ الشَّعْرَانِيِّ مِثْلُ الْعَبِيدِ فِي كَوْنِهِمْ مَظْهَرًا لِأَفْعَالِهِمْ فَقَطْ كَالْبَابِ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ لِلَّهِ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي نَفْيِ الْكِبْرِ وَالْعَجَبِ وَالْفَخْرِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مُقَدَّرَةٌ فِي الْأَزَلِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعَالَى أَرَاحَ نَفْسَهُ مِنْ تَشَبُّثِهَا بِأَذْيَالِ الْأَمَانِي وَسَلَّاهَا عَنْ مَرَامِهَا وَعَمَّا هِيَ فِيهِ بِاعْتِقَادِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَانٍ دَوَامُ حَالٍ مِنْ قَضَايَا الْمُحَالِ ... وَالصَّبْرُ مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالِ (قَوْلُهُ: شَامِلٌ لِكُلِّ مَعْلُومٍ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْعِلْمُ تَابِعًا لِلْمَعْلُومِ قَالَ الْفَخْرُ الْعِلْمُ بِالْوُقُوعِ تَابِعٌ لِلْوُقُوعِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ يَتْبَعُ الشَّيْءَ فَلَا يُوجِبُ فِيهِ تَأْثِيرًا حَتَّى يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ الْإِرَادَةِ، وَلَا يُوجِبُ فِيهِ قَلْبًا حَتَّى يَكُونَ جَهْلًا فَالْعِلْمُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ بِوَجْهِ الصَّوَابِ وَالْحَقِّ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا فِيهِ لَيْسَ بِحَقٍّ بِأَنْ يُصَيِّرَهُ حَقًّا فَإِنَّ كَوْنَ غَيْرِ الْحَقِّ حَقًّا هُوَ عَيْنُ الْجَهْلِ فَكَمَا تَقُولُ الْقُدْرَةُ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا مُمْكِنٌ وَتَعْنِي بِالْوَجْهِ اللَّائِقِ لَا بِكُلِّ وَجْهٍ حَتَّى تَعَلُّقَهَا بِجَمْعِ الضِّدَّيْنِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُمْكِنِ جِنْسُهُ الْمَقْدُورُ فِي أَصْلِهِ فَكَذَا لَا يُعْقَلُ مِنْ قَوْلِنَا إنَّ الْعِلْمَ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ يَعْلَمُ نَقَائِضَ الْوَاجِبِ ثَابِتَةً، وَيَعْلَمُ مَثَلًا نَفْيَ الْوَاجِبِ وَيَعْلَمُ ثُبُوتَ الصَّاحِبَةِ وَالشَّرِيكِ وَالْوَلَدِ أَخْذًا مِنْ عُمُومِ الْعِلْمِ فَإِنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ أَمْرٍ عَلَى وَجْهِهِ اللَّائِقِ وَنَفْيِهِ عَلَى الْوَجْهِ غَيْرِ اللَّائِقِ، وَهَذَا تَنْزِيهٌ لَهُ فَالْعِلْمُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ لَكِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَهُ جِهَةُ حَقٍّ وَجِهَةُ بَاطِلٍ فَيَعْلَمُ جِهَةَ الْحَقِّ أَنَّهَا حَقٌّ كَثُبُوتِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَيَعْلَمُ جِهَةَ الْبَاطِلِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ كَنَفْيِهَا وَلَا يَعْلَمُ الثُّبُوتَ لَلشَّرِيكِ؛ لِأَنَّهَا جِهَةُ بَاطِلٍ فَيَعْلَمُ أَنَّ ثُبُوتَهُ بَاطِلٌ، وَيَعْلَمُ نَفْيَهُ؛ لِأَنَّهُ جِهَةُ حَقٍّ ثُمَّ إنَّ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقًا وَاحِدًا تَنْجِيزِيًّا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فَيَتَعَلَّقُ بِالْمُمْكِنِ قَبْلَ وُجُودِهِ فَيَعْلَمُ وُجُودَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ، ثُمَّ مِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ عِلْمُ عَدَمِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ لَكِنْ مَحَطُّ الْعِلْمِ الْوُجُودُ وَكُلُّ مَا بَقِيَ مِنْ لَوَازِمِهِ وَلَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ صُلُوحِيٌّ قَدِيمٌ فَإِنَّ الصَّالِحَ لَأَنْ يَعْلَمَ لَيْسَ بِعَالَمٍ، وَقِيلَ إنَّ لَهُ تَعَلُّقَيْنِ صَلَاحِي وَتَنْجِيزِي فَيَتَعَلَّقُ بِالْأَشْيَاءِ كَوْنُهَا وَيُسَمَّى هَذَا عِلْمًا بِمَا

стр. 968

(جُزْئِيَّاتٌ وَكُلِّيَّاتٌ) . (وَقُدْرَتُهُ) شَامِلَةٌ (لِكُلِّ مَقْدُورٍ) أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُمْكِنُ بِخِلَافِ الْمُمْتَنِعِ. (مَا عُلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ) أَيْ يُوجَدُ (إرَادَةً) أَيْ أَرَادَ وُجُودَهُ (وَمَا لَا) أَيْ وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ (فَلَا) يُرِيدُ وُجُودَهُ ــ [حاشية العطار] سَيَكُونُ ثُمَّ يَعْلَمُ بَعْدَ كَوْنِهَا أَنَّهَا كَانَتْ، وَذَلِكَ عِلْمٌ بِمَا كَانَ وَالْعِلْمُ بِمَا سَيَكُونُ غَيْرُ الْعِلْمِ بِمَا كَانَ وَرُدَّ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِمَا كَانَ أَوْ سَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْلُومِ لَا بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ وَتَعَلُّقِهِ فَإِنَّهُ وَاحِدٌ فَالْمَعْلُومُ قَبْلَ كَوْنِهِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ وَبَعْدَ كَوْنِهِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ وَمَثَّلَهُ الشِّهْرِسْتَانِيّ بِمَا لَوْ أَخْبَرَنَا صَادِقٌ بِوُقُوعِ أَمْرٍ عَلِمْنَا كَوْنَهُ لَا مَحَالَةَ لَمْ يَخْتَلِفْ عِلْمُنَا قَبْلَ وُقُوعِهِ وَبَعْدَ وُقُوعِهِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْوَاقِعِ وَوُقُوعُ الِاخْتِلَافِ فِي عِلْمِنَا بِالْأَشْيَاءِ لِتَغَيُّرِ عِلْمِنَا بِعَدَمِ الْيَقِينِ وَالثَّبَاتِ، وَلِأَنَّهُ عَرَضٌ لَا يَبْقَى ثُمَّ فِي حَاشِيَةِ الشَّاوِيِّ عَلَى الصُّغْرَى قَالَ الضَّرِيرُ وَالْعِلْمُ بِالشَّيْءِ عَلَى التَّفْصِيلِ ... يُنَاقِضُ الْعِلْمَ عَلَى التَّجْمِيلِ قَالَ ابْنُ خَلِيلٍ سَمِعْت بَعْضَ الْمُدَرِّسِينَ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ يَقُولُ فِي دَرْسِهِ أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَذَلِكَ جَهْلٌ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى الْعِلْمِ حَيْثُ صَارَ يَتَوَلَّى تَدْرِيسَهُ مِثْلُ هَذَا قَالَ الشَّيْخُ وَالْعِلْمُ بِالشَّيْءِ إلَخْ فَإِنَّ الشَّيْءَ الْمُجْمَلَ هُوَ الَّذِي لَمْ تُدْرَكْ حَقِيقَتُهُ وَالْمُفَصَّلَ هُوَ مُدْرَكُ الْحَقِيقَةِ، فَيَجْتَمِعُ عِنْدَ ذَلِكَ مُدْرَكٌ لَا مُدْرَكٌ وَذَلِكَ مُحَالٌ وَنَظِيرُهُ لَوْ قُلْت اللَّهُ أَعْلَمُ بِالدَّلِيلِ الْجُمَلِيِّ وَالتَّفْصِيلِيِّ كَانَتْ تَنَاقُضًا اهـ. أَقُولُ لَيْتَ هَذَا الْقَائِلَ عَاشَ حَتَّى الْآنَ لِيَرَى مَا يَقُولُهُ الْمُدَرِّسُونَ فِي دُرُوسِهِمْ بَلْ مَا يَنْقُلُهُ الْمُؤَلِّفُونَ فِي عَصْرِنَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الصُّغْرَى وَمَا كُتِبَ عَلَيْهَا مِنْ الْحَوَاشِي وَالشُّرُوحِ عُمْدَةً وَإِمَامًا، وَلَمْ تَطْمَحْ نُفُوسُهُمْ بِمَا قَرَّرَهُ مُحَقِّقُوا هَذَا الْفَنِّ فِي كُتُبِهِمْ حَتَّى إنَّهُ لَوْ أَتَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَقْلٍ سَاطِعٍ أَوْ بِبُرْهَانٍ قَاطِعٍ لَمْ يَعْدِلْ عَمَّا اسْتَقَرَّ فِي ذِهْنِهِ مِمَّا يُخَالِفُ الصَّوَابَ، وَقَالَ لَا أَعْدِلُ عَمَّا رَأَيْته فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ، ثُمَّ إنِّي رَأَيْت فِي شَرْحِ الدَّوَانِي عَلَى الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ أَشْكَالًا حَاصِلَةً أَنَّهُ إذَا كَانَ صُدُورُ الْمُمْكِنَاتِ عَنْ الْوَاجِبِ تَعَالَى بِالِاخْتِيَارِ وَالْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ مَسْبُوقَةً بِالْعِلْمِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلْحَوَادِثِ وُجُودٌ أَزَلِيٌّ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى إذْ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِاللَّاشَيْءِ الْمَحْضِ مُحَالٌ بَدِيهَةً وَمَا يَقُولُهُ الظَّاهِرِيُّونَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ قَدِيمٌ وَالتَّعَلُّقَ حَادِثٌ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ إذْ الْعِلْمُ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالشَّيْءِ لَا يَصِيرُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَعْلُومًا فَهُوَ يُفْضِي إلَى نَفْيِ كَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا بِالْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا قُلْت الْمَخْلَصُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ سَابِقًا مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ بِالْعِلْمِ الْبَسِيطِ الْإِجْمَالِيِّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ، وَذَلِكَ الْعِلْمُ مَبْدَأٌ لِوُجُودِهِ التَّفْصِيلِيِّ فِي الْخَارِجِ كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ الْإِجْمَالِيَّ فِينَا مَبْدَأٌ لِحُصُولِ التَّفَاصِيلِ فِينَا. (قَوْلُهُ: جُزْئِيَّاتٌ وَكُلِّيَّاتٌ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ الْمُنْكِرِينَ عِلْمَهُ تَعَالَى بِالْجُزْئِيَّاتِ قَالَ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ اُشْتُهِرَ عَنْهُمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَادِّيَّةَ بِالْوَجْهِ الْجُزْئِيِّ بَلْ إنَّمَا يَعْلَمُهَا بِوَجْهٍ كُلِّيٍّ مُنْحَصِرٍ فِي الْخَارِجِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَقَدْ كَثُرَ تَشْنِيعُ الطَّوَائِفِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَرَّرَ كَلَامَهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْفِيرَ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت، وَقَالَ مُنْلَا جَامِي فِي الدُّرَّةِ الْفَاخِرَةِ اُشْتُهِرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ ادَّعُوا انْتِفَاءَ عِلْمِهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَلَكِنْ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ نَفْيُ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِالْجُزْئِيَّاتِ مِمَّا أَحَالَهُ عَلَيْهِمْ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَهُمْ إلَى آخِرِ مَا قَالَ، وَأَنَا أَقُولُ هُمْ وَإِنْ أُوِّلَ كَلَامُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ فِيهِ تَكْفِيرٌ فَلَهُمْ عَظَائِمُ أَجْمَعَ عَلَى كُفْرِهِمْ فِيهَا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَقَائِدِهِمْ الْفَاسِدَةِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمُمْتَنِعِ) أَيْ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ لَا لِنَقْصٍ فِيهَا بَلْ لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهِ لِلْوُجُودِ فَلَا يَصْلُحُ لَأَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ وَمِثْلُهُ الْوَاجِبُ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَمَا فِي دَلَائِلِ الْخَيْرَاتِ «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً تَعْظِيمًا لِحَقِّي خَلَقَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ مَلَكًا» إلَخْ فَمِنْ فِيهِ تَعْلِيلِيَّةٌ وَإِلَّا فَقَلْبُ الْعَرْضِ جَوْهَرًا مُحَالٌ عَقْلِيٌّ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ، وَأَمَّا الْمَسْخُ فَلَيْسَ فِيهِ قَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ أَتَمَّ الْبَيَانِ فِي حَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى. قَالَ الْإِمَامُ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى اسْمِهِ الْقَادِرِ فَإِنْ قُلْت فَهَلْ اطَّلَعَ أَحَدٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى صُورَةِ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورِ حَالَ الْإِيجَادِ أَمْ هُوَ مِنْ سِرِّ الْقَدَرِ الَّذِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ. فَالْجَوَابُ كَمَا قَالَهُ يَعْنِي ابْنَ الْعَرَبِيِّ فِي

стр. 969

فَالْإِرَادَةُ تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ. (بَقَاؤُهُ) تَعَالَى (غَيْرَ مُسْتَفْتَحٍ وَلَا مُتَنَاهٍ) أَيْ لَا أَوَّلَ لَهُ وَلَا آخِرَ. (لَمْ يَزَلْ) سُبْحَانَهُ مَوْجُودًا (بِأَسْمَائِهِ) أَيْ بِمَعَانِيهَا وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَى الذَّاتِ بِاعْتِبَارِ صِفَةٍ كَالْعَالِمِ وَالْخَالِقِ. (وَصِفَاتِ ذَاتِهِ) ــ [حاشية العطار] شَرْحِ تَرْجُمَانِ الْأَشْوَاقِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سِرِّ الْقَدَرِ وَسِرُّ الْقَدَرِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا أَفْرَادٌ. قَالَ وَقَدْ أَطْلَعَنَا اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَا يَسَعُنَا الْإِفْصَاحُ عَنْهُ لِغَلَبَةِ مُنَازَعَةِ الْمَحْبُوبِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَذَلِكَ لَنَا بِحُكْمِ الْوِرَاثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَوَى سِرَّ عِلْمِ الْقَدَرِ عَنْ سَائِرِ الْخَلْقِ مَا عَدَا سَيِّدَنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدًا ﷺ وَمَنْ وَرِثَهُ فِيهِ كَأَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَدْ وَرَدَ «أَنَّهُ ﷺ سَأَلَهُ يَوْمًا أَتَدْرِي يَوْمَ لَا يَوْمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ نَعَمْ ذَلِكَ يَوْمُ الْمَقَادِيرِ» أَوْ كَمَا قَالَ وَنَقَلَ عَنْهُ الشَّعْرَانِيُّ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الْمُحَالِ عَقْلًا، وَأَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ دَخَلَ الْأَرْضَ الْمَخْلُوقَةَ مِنْ بَقِيَّةِ خَمِيرَةِ طِينَةِ آدَمَ فَرَأَى فِيهَا ذَلِكَ بِعَيْنِهِ اهـ. وَأَقُولُ إنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَدْسُوسًا عَلَى الشَّيْخِ الشَّعْرَانِيِّ أَوْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِصَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَلَعَلَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ أَرَادَ بِهِ مَعْنًى آخَرَ يَعْلَمُهُ وَاعْتِقَادُ ظَاهِرِهِ لَا يَجُوزُ وَيُنْسَبُ لِأَبِي حَيَّانَ إنَّ عَقْلِي لَفِي عِقَالٍ إذَا مَا ... أَنَا صَدَّقْت كُلَّ قَوْلٍ مُحَالِ وَلَمْ يُثْبِتْ الْمُصَنِّفُ صِفَةَ التَّكْوِينِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ عَلَى طَرِيقَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُثْبِتُ لَهُ الْمَاتُرِيدِيَّةُ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ افْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ التَّكْوِينَ صِفَةً مُغَايِرَةً لِلْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ فَالْمُثْبِتُ لَهُ يَقُولُ إنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةٌ مِنْ شَأْنِهَا صِحَّةُ التَّأْثِيرِ وَالْإِيجَادُ عَنْ الْفَاعِلِ وَالتَّكْوِينُ صِفَةٌ مِنْ شَأْنِهَا الْإِيجَادُ بِالْفِعْلِ بِمَعْنَى أَنَّ الْمُمْكِنَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ الْقُدْرَةُ بِهِ فِي الْأَوَّلِ وَصَحَّ صُدُورُهُ عَنْهُ إذَا تَرَجَّحَ بِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ أَحَدُ جَانِبَيْهِ تَعَلَّقَ التَّكْوِينُ بِإِيجَادِهِ فَوُجِدَ فَعَلَى هَذَا تَعَلُّقَاتُ الْقُدْرَةِ كُلُّهَا قَدِيمَةٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَاتِ الَّتِي يَصِحُّ صُدُورُهَا عَنْ الْوَاجِبِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ وَالنَّافُونَ لِلتَّكْوِينِ قَالُوا إنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةٌ مِنْ شَأْنِهَا الْإِيجَادُ، وَأَمَّا صِحَّةُ الصُّدُورِ فَهُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ لِإِمْكَانِهَا الذَّاتِيِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الطَّرْفَانِ مُسْتَوِيَيْنِ صَلُحَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَثَرًا لِلْفَاعِلِ فَلَا تَحْتَاجُ صِحَّةُ الصُّدُورِ إلَى الْمُخَصِّصِ إنَّمَا الْمُحْتَاجُ صُدُورُ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ مِنْ الْفَاعِلِ إلَى الْمُخَصِّصِ وَهُوَ الْإِرَادَةُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ التَّكْوِينِ حِينَئِذٍ. (قَوْلُهُ: فَالْإِرَادَةُ) أَيْ السَّابِقُ تَعَلُّقُهَا تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ فِي التَّعَلُّقِ وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةٌ فِي الْفَاعِلِ بِهَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فَلَا تَصْلُحُ لِتَخْصِيصِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِالْوُقُوعِ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ إذْ نِسْبَتُهَا إلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فَلَا بُدَّ فِي تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالْوُقُوعِ مِنْ صِفَةٍ أُخْرَى وَهِيَ الْإِرَادَةُ التَّابِعُ تَعَلُّقُهَا لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ، ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّ لِلْإِرَادَةِ تَعَلُّقًا وَاحِدًا تَنْجِيزِيًّا قَدِيمًا، وَهُوَ تَعْيِينُهَا فِي الْأَزَلِ الْمُمْكِنِ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ صُلُوحِيٌّ قَدِيمٌ وَلَا تَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ فَتَبَعِيَّةُ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ التَّعَقُّلِ إذْ لَا يُعْقَلُ فِي الْقَدِيمِ تَرْتِيبٌ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لَهَا تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا حَادِثًا يَكُونُ التَّرَتُّبُ بِحَسَبِ التَّحَقُّقِ. (قَوْلُهُ: بَقَاؤُهُ غَيْرُ مُسْتَفْتَحٍ) أَيْ بَقَاءُ وُجُودِهِ أَيْ وُجُودِ الْبَاقِي الشَّامِلِ لِلْقَدِيمِ الْبَاقِي بِخِلَافِ الْبَقَاءِ الْآتِي هُوَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْقَدِيمَ كَنَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. (قَوْلُهُ: أَيْ بِمَعَانِيهَا إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْأَسْمَاءَ أَلْفَاظٌ لَا تُوصَفُ بِالْقِدَمِ وَفِي الْيَوَاقِيتِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الَّذِي أَعْطَاهُ الْكَشْفُ أَنَّ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ اسْمٌ وَاحِدٌ كَرَامَهُرْمُزَ اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ. (قَوْلُهُ: وَصِفَاتُ ذَاتِهِ) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهَا زَائِدَةً عَلَى الذَّاتِ أَوْ لَا وَهَلْ وُجُوبُهَا وَقِدَمُهَا ذَاتِيٌّ أَوْ هِيَ ذَاتُهَا مُمْكِنَةٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ النِّزَاعِ وَنِعْمَ مَا قَالَ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ أَنَّ مَسْأَلَةَ زِيَادَةِ الصِّفَاتِ وَعَدَمِ زِيَادَتِهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا تَكْفِيرُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَقَدْ سَمِعْت بَعْضَ الْأَصْفِيَاءِ يَقُولُ عِنْدِي أَنَّ زِيَادَةَ الصِّفَاتِ وَعَدَمَهَا وَأَمْثَالَهَا لَا يُدْرَكُ إلَّا بِكَشْفٍ حَقِيقِيٍّ لِلْعَارِفِينَ، وَأَمَّا مَنْ تَمَرَّنَ الِاسْتِدْلَالَ فَإِنْ اتَّفَقَ لَهُ كَشْفٌ فَإِنَّمَا يَرَى مَا كَانَ غَالِبًا عَلَى اعْتِقَادٍ بِحَسَبِ النَّظَرِ الْفِكْرِيِّ وَلَا أَرَى بَأْسًا فِي اعْتِقَادِ أَحَدِ طَرَفَيْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اهـ. وَقَالَ الشَّعْرَانِيُّ وَاَلَّذِي تَلَخَّصَ مِنْ جَمِيعِ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ قَائِلٌ

стр. 970

وَهِيَ (مَا دَلَّ عَلَيْهَا فِعْلُهُ) لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهَا (مِنْ قُدْرَةٍ) وَهِيَ صِفَةٌ تُؤَثِّرُ فِي الشَّيْءِ عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهِ (وَعِلْمٍ) وَهُوَ صِفَةٌ يَنْكَشِفُ بِهَا الشَّيْءُ عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهِ (وَحَيَاةٍ) وَهِيَ صِفَةٌ تَقْتَضِي صِحَّةَ الْعِلْمِ لِمَوْصُوفِهَا (وَإِرَادَةٍ) وَهِيَ صِفَةٌ تُخَصِّصُ أَحَدَ طَرَفَيْ الشَّيْءِ ــ [حاشية العطار] بِأَنَّ الصِّفَاتِ عَيْنٌ لَا غَيْرُ كَشْفًا وَيَقِينًا وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْلَى اهـ. وَقَالَ مُنْلَا جَامِي نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ ذَوَاتُنَا نَاقِصَةٌ، وَإِنَّمَا يُكَمِّلُهَا الصِّفَاتُ فَأَمَّا ذَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَهِيَ كَامِلَةٌ لَا تَحْتَاجُ فِي شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ إذْ كُلُّ مَا يُحْتَاجُ فِي شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ فَهُوَ نَاقِصٌ وَالنُّقْصَانُ لَا يَلِيقُ بِالْوَاجِبِ تَعَالَى فَذَاتُهُ كَافِيَةٌ لِلْكُلِّ فِي الْكُلِّ فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْلُومَاتِ عِلْمٌ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَقْدُورَاتِ قُدْرَةٌ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرَادَاتِ إرَادَةٌ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ لَيْسَ فِيهَا اثْنَيْنِيَّةٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ اهـ. وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْنَا قَبْلَ هَذَا التَّارِيخِ بَعْضٌ مِنْ عُلَمَاءِ بُلْغَارَ وَمَعَهُ سُؤَالٌ يَتَعَلَّقُ بِالصِّفَاتِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافَاتِ وَفِيهِ كَلَامٌ وَقَعَ بَيْنَ عُلَمَاءِ تِلْكَ الْبِلَادِ فَكَتَبْت فِي شَأْنِ ذَلِكَ رِسَالَةً اسْتَوْفَيْت فِيهَا أَطْرَافَ الْمَسْأَلَةِ، وَمَسْأَلَةُ الصِّفَاتِ مِنْ الْمُعْضِلَاتِ حَتَّى أَنَّ الْفَخْرَ الرَّازِيَّ ﵀ مَعَ كَمَالِ مَهَارَتِهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَمَزِيدِ تَقَدُّمِهِ فِيهِ اضْطَرَبَ كَلَامُهُ فِيهَا، وَزَلَّتْ قَدَمُهُ فِي بَعْضِ مَبَاحِثِهَا. قَالَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ فِي شَرْحِ الْمَعَالِمِ إنَّ الْحَاصِلَ فِي الْمَعْقُولِ هَهُنَا أَرْبَعَةٌ ذَاتٌ وَصِفَاتٌ وَأَحْوَالٌ وَتَعَلُّقَاتٌ فَالْقَاضِي أَثْبَتَ الْجَمِيعَ، وَالشَّيْخُ وَالْأُسْتَاذُ أَثْبَتَا الْجَمِيعَ إلَّا الْأَحْوَالَ فَإِنَّ مَا زَعَمُوا أَنَّهُ حَالٌ وَهُوَ الِاخْتِصَاصُ الزَّائِدُ عَلَى مَعْقُولِ الذَّاتِ وَالصِّفَةِ فَهُوَ مُجَرَّدٌ نِسْبَةً فِي الْعَقْلِ فَقَطْ، وَالْمُعْتَزِلَةُ أَثْبَتُوا الذَّاتَ دُونَ الصِّفَاتِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْمُعْتَزِلِيُّ أَثْبَتَ الذَّاتَ وَالتَّعَلُّقَاتِ كَمَا صَارَ إلَيْهِ الْفَخْرُ وَقَضَى بِصِحَّةِ تَجَدُّدِهَا عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْفَخْرِ ثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ أَنَّ الذَّاتَ الْمَخْصُوصَةَ مُوجِبَةٌ لِهَذِهِ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ ابْتِدَاءً إلَخْ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ عُقُولَ الْبَشَرِ قَاصِرَةٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَى هَذِهِ الْمَضَايِقِ مَعَ جَزْمِهِ بِأَنَّ الذَّاتَ مُوجِبَةٌ لِتِلْكَ الْإِضَافَاتِ إمَّا بِنَفْسِهَا أَوْ بِوَاسِطَةِ جَمْعٍ بَيْنَ جَرَيَانِ الْعَقْلِ وَوَقْفِهِ، وَهَذَا ظَاهِرَةُ تَنَاقُضٍ وَغَايَةُ مَا يُقْبَلُ كَلَامُهُ مِنْ التَّأْوِيلِ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِيجَابِ الِاسْتِلْزَامَ لَا التَّأْثِيرَ، وَيُرِيدَ أَنَّ اسْتِلْزَامَ النَّسَبِ مَعْلُومٌ قَطْعًا أَمَّا اسْتِلْزَامُ الذَّاتِ لِلصِّفَاتِ وَالصِّفَاتِ لِلْأَحْوَالِ وَالْأَحْوَالِ لِهَذِهِ الْإِضَافَاتِ أَوْ اسْتِلْزَامُ الصِّفَاتِ لِلْإِضَافَةِ بِدُونِ وَاسِطَةِ الْأَحْوَالِ أَوْ اسْتِلْزَامُ الذَّاتِ لِحَالَةٍ تَسْتَلْزِمُ هَذِهِ التَّعْلِيقَاتِ فَكَأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ تَوَقُّفٌ عَقْلِيٌّ لَمْ يَقُمْ لَهُ عَلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ. وَلَكِنَّهُ يَكُونُ وَاقِفًا فِي ذَلِكَ وَقْفَ حِيرَةٍ كَمَا وَقَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَخَصِّ وَصْفِ الْبَارِي وَفِي حَصْرِ الصِّفَاتِ وَسِرِّ الْقَدَرِ، فَالْمَحَلُّ الَّذِي جَزَمَ فِيهِ غَيْرُ الْمَحَلِّ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ سِوَى دَعْوَى عَدَمِ عِلْمٍ فَإِنَّ الْمَدَارِكَ الْعَقْلِيَّةَ فِيهِ غَامِضَةٌ وَنُصُوصَ الشَّرْعِ غَيْرُ مُفْصِحَةٍ فِيهِ إفْصَاحًا قَاطِعًا لِلِاحْتِمَالِ لَكِنَّ تَصْرِيحَهُ بِالْإِمْكَانِ وَالِافْتِقَارِ يُبْعِدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ كُلُّ دَاءٍ يُعَالِجُهُ الطَّبِيبُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَيْهَا فِعْلُهُ) يُشِيرُ إلَى دَلِيلِ إثْبَاتِ الصِّفَاتِ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الْمُتْقَنَةَ الْمُشَاهَدَةُ لَنَا دَالَّةٌ عَلَى وُجُودِ إلَهٍ وَاجِبٍ قَدِيمٍ مُتَّصِفٍ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ مُنَزَّهٍ عَنْ سِمَاتِ النَّقْصِ كَمَا قِيلَ: وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهِ) فَلَهَا تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ (قَوْلُهُ: يَنْكَشِفُ) فِيهِ أَنَّ الِانْكِشَافَ انْفِعَالٌ فَيُوهِمُ حُدُوثَ اتِّضَاحٍ بَعْدَ خَفَاءٍ وَعِلْمُهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ عِلْمٌ حُضُورِيٌّ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِأَنَّهُ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالشَّيْءِ عَلَى وَجْهِ الْإِحَاطَةِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ دُونَ سَبْقِ خَفَاءٍ ثُمَّ إنَّهُ خَرَجَ بِقَيْدِ الِانْكِشَافِ الصِّفَاتُ الَّتِي لَا تُوجِبُ انْكِشَافًا كَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، ثُمَّ إنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهَا إذَا لَمْ تَكُنْ صِفَةَ تَأْثِيرٍ (قَوْلُهُ: تَقْتَضِي صِحَّةَ الْعِلْمِ) وَكَذَا بَاقِي الصِّفَاتِ ثُمَّ الصِّحَّةُ هُنَا بِمَعْنَى الْجَوَازِ أَيْ لَا يَجُوزُ بِدُونِهَا فَالْجَوَازُ رَفْعُ الِاسْتِحَالَةِ أَيْ عِنْدَ وُجُودِ الْحَيَاةِ لَا يَسْتَحِيلُ الِاتِّصَافُ بِالْإِدْرَاكِ فَهُوَ إمْكَانٌ عَامٌّ شَامِلٌ لِلْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ فَفِي حَقِّ الْقَدِيمِ بِمَعْنَى الْوُجُوبِ وَفِي حَقِّنَا بِمَعْنَى الْجَوَازِ وَهِيَ فِي الْحَادِثِ مُرْتَبِطَةٌ بِالرُّوحِ

стр. 971

مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بِالْوُقُوعِ (أَوْ) دَلَّ عَلَيْهَا (التَّنْزِيهُ) لَهُ تَعَالَى (عَنْ النَّقْصِ مِنْ سَمْعٍ وَبَصَرٍ) وَهُمَا صِفَتَانِ ــ [حاشية العطار] بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَجْرَى عَادَتَهُ إذَا اتَّصَلَتْ الرُّوحُ بِالْجَسَدِ حَصَلَ لَهُ وَصْفُ الْحَيَاةِ فَحَيَاةُ الْجِسْمِ بِالرُّوحِ وَحَيَاةُ اللَّهِ بِلَا رُوحٍ لِاسْتِغْنَاءِ صِفَاتِهِ عَنْ مُقَوِّمٍ تَقُومُ بِسَبَبِهِ. (قَوْلُهُ: مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ) أَرَادَ بِهِمَا الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ وَلَوْ عَبَّرَ بِمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ بِتَخْصِيصِ الْمُمْكِنِ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَهِيَ الْمُتَقَابِلَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: الْمُمْكِنَاتُ الْمُتَقَابِلَاتُ ... وُجُودُنَا وَالْعَدَمُ الصِّفَاتُ أَزْمِنَةٌ أَمْكِنَةٌ جِهَاتُ ... كَذَا الْمَقَادِيرُ رَوَى الثِّقَاتُ لَكَانَ أَحْسَنَ لِعُمُومِهِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ تَعَالَى مَرِيدٌ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَزَعَمَ أَهْلُ الِاعْتِزَالِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الشَّرَّ فَيَلْزَمُهُمْ وُقُوعُهُ عَلَى خِلَافِ إرَادَتِهِ تَعَالَى وَهُوَ غَايَةُ الشَّنَاعَةِ حُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ مَا أَلْزَمَنِي أَحَدٌ مِثْلَ مَا أَلْزَمَنِي مَجُوسِيٌّ كَانَ مَعِي فِي السَّفِينَةِ فَقُلْت لَهُ لِمَ لَا تُسْلِمُ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ إسْلَامِي فَإِذَا أَرَادَ إسْلَامِي أَسْلَمْت، فَقُلْت لِلْمَجُوسِيِّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ إسْلَامَك وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتْرُكُك فَقَالَ الْمَجُوسِيُّ فَأَنَا إذًا أَكُونُ مَعَ الشَّرِيكِ الْأَغْلَبِ، وَقَالَ الْفَلَاسِفَةُ الْإِرَادَةُ هِيَ الْعِلْمُ بِالنِّظَامِ الْأَكْمَلِ وَيُسَمُّونَهُ الْعِنَايَةَ الْأَزَلِيَّةَ قَالَ ابْنُ سِينَا الْعِنَايَةُ هِيَ إحَاطَةُ عِلْمِ الْأَوَّلِ تَعَالَى بِالْكُلِّ وَبِمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْكُلُّ حَتَّى يَكُونَ عَلَى أَحْسَنِ النِّظَامِ اهـ. وَمِنْ هَهُنَا شَنَّعَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْغَزَالِيِّ فِي قَوْلِهِ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ بِأَنَّهُ مَيْلٌ لِكَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ وَانْتَصَرَ لَهُ آخَرُونَ فَقِيلَ مَدْسُوسٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ بِالنَّظَرِ لِتَعَلُّقِ عِلْمٍ بِمَا كَانَ فَلَا يُمْكِنُ غَيْرُهُ أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَسَعُهُ عُقُولُنَا وَفِي الْيَوَاقِيتِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ كَلَامٌ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّهُ مَا ثَمَّ لَنَا إلَّا رُتْبَتَانِ قِدَمٌ وَحُدُوثٌ فَالْحَقُّ تَعَالَى لَهُ رُتْبَةُ الْقِدَمِ وَالْمَخْلُوقُ لَهُ رُتْبَةُ الْحُدُوثِ فَلَوْ خَلَقَ ﵎ مَا خَلَقَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ رُتْبَةِ الْحُدُوثِ فَلَا يُقَالُ هَلْ يَقْدِرُ الْحَقُّ تَعَالَى أَنْ يَخْلُقَ قَدِيمًا مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ سُؤَالٌ مُهْمَلٌ لِاسْتِحَالَتِهِ اهـ. وَقِيلَ إنَّ مُعْظَمَ مَا فِي الْإِحْيَاءِ مَأْخُوذٌ مِنْ كِتَابِ قُوتِ الْقُلُوبِ لِأَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ أَجْمَلَ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ مِنْ قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ اعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ اللَّهَ لَوْ جَعَلَ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ عَلَى عِلْمِ أَعْلَمِهِمْ بِهِ وَعَقْلِ أَعْقَلِهِمْ عَنْهُ وَحِكْمَةِ أَحْكَمِهِمْ عِنْدَهُ ثُمَّ زَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلَائِقِ مِثْلَ عَدَدِ جَمِيعِهِمْ وَأَضْعَافِهِ عِلْمًا وَحِكْمَةً وَعَقْلًا ثُمَّ كَشَفَ لَهُمْ الْعَوَاقِبَ، وَأَطْلَعَهُمْ عَلَى السَّرَائِرِ وَأَعْلَمَهُمْ بَوَاطِنَ النِّعَمِ وَعَرَّفَهُمْ دَقَائِقَ الْعُقُوبَاتِ وَأَوْقَفَهُمْ عَلَى خَفَايَا اللُّطْفِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ دَبِّرُوا الْمُلْكَ بِمَا أَعْطَيْتُكُمْ مِنْ الْعُلُومِ وَالْعُقُولِ عَنْ مُشَاهَدَتِكُمْ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ ثُمَّ أَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَوَّاهُمْ لَهُ لَمَا زَادَ تَدْبِيرُهُمْ عَلَى مَا نَرَاهُ مِنْ تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَلَا أَوْجَبَتْ الْعُقُولُ وَالْمُكَاشَفَاتُ وَلَا الْعُلُومُ وَالْمُشَاهَدَاتُ غَيْرَ هَذَا التَّدْبِيرِ، وَلَا قَضَتْ بِغَيْرِ هَذَا التَّقْدِيرِ الَّذِي نُعَانِيهِ وَنَتَقَلَّبُ فِيهِ وَلَكِنْ لَا يُبْصِرُونَ وَمَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ دَلَّ عَلَيْهَا) التَّنْزِيهُ قَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيهُ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ هُنَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فِعْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّنْزِيهُ؛ لِأَنَّ أَضْدَادَهَا كَالْعَجْزِ وَنَحْوِهِ نَقْصٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ سَمْعٍ وَبَصَرٍ) هُمَا صِفَتَانِ أَزَلِيَّتَانِ زَائِدَتَانِ عَلَى الْعِلْمِ وَخَالَفَ الْكَعْبِيُّ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ يَرْجِعَانِ لِلْعِلْمِ بِالْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ وَهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا قَدِيمًا بِذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَتَنْجِيزِيًّا حَادِثًا، وَهُوَ تَعَلُّقُهُمَا بِالْحَوَادِثِ بَعْدَ وُجُودِهَا، وَلَيْسَ لَهُمَا تَعَلُّقٌ صَلَاحِيٌّ وَاخْتِصَاصُ سَمْعِنَا بِالْمَسْمُوعَاتِ وَبَصَرِنَا بِالْمُبْصَرَاتِ عَادِيٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْرِقَ اللَّهُ الْعَادَةَ وَيَتَعَلَّقَ سَمْعُنَا وَبَصَرُنَا بِكُلِّ مَوْجُودٍ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ عَقِيبَ صَرْفِ الْبَاصِرَةِ إدْرَاكَ الْأَصْوَاتِ مَثَلًا، وَتَعَلُّقُهُمَا بِكُلِّ مَوْجُودٍ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ السَّنُوسِيُّ وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ فُضَلَاءِ الْمَغَارِبَةِ وَهُوَ سَيِّدِي عُمَرُ الْمَغِيلِيُّ وَقَالَ إنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْمَعْدُومِ وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ تَأْلِيفًا نَحْوَ الْكُرَّاسَتَيْنِ يَرُدُّ بِهِ عَلَى السَّنُوسِيِّ قَالَ

стр. 972

يَزِيدُ الِانْكِشَافُ بِهِمَا عَلَى الِانْكِشَافِ بِالْعِلْمِ. (وَكَلَامٍ) وَهُوَ صِفَةٌ ــ [حاشية العطار] الشَّاوِيُّ وَلَا يَنْهَضُ رَدًّا وَأَمَّا قَوْلُ الْعَارِفِ بِاَللَّهِ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ مِفْتَاحِ الْفَلَاحِ إنَّ اللَّهَ سَمِعَ وَأَبْصَرَ فِي أَزَلِهِ ذَوَاتَ الْعَالَمِ حَاضِرَةً مَوْجُودَةً لَمْ يَغِبْ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ فَقَدْ سَمِعَ فِي أَزَلِهِ الْعَالَمَ بِمَا فِيهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ. قَالَ وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا غَوْرٌ بَعِيدُ الْعُقْرِ لَا يُدْرِك مُنْتَهَاهُ إلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ اهـ. فَلَهُ تَأْوِيلٌ (قَوْلُهُ: يَزِيدُ الِانْكِشَافُ إلَخْ) الْمُرَادُ أَنَّ حَقِيقَةَ الِانْكِشَافِ بِهَا غَيْرُ حَقِيقَةِ الِانْكِشَافِ بِالْعِلْمِ، وَإِلَّا فَعِلْمُهُ سُبْحَانَهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يُعْهَدُ فِي الشَّاهِدِ مِنْ أَنَّ الْبَصَرَ يُفِيدُ بِالْمُشَاهَدَةِ وُضُوحًا فَوْقَ الْعِلْمِ فَإِنَّ جَمِيعَ صِفَاتِهِ تَعَالَى تَامَّةٌ كَامِلَةٌ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهَا مَا كَانَ مِنْ سِمَاتِ الْحَوَادِثِ مِنْ الْخَفَاءِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ اتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقُ وَكَانَتْ الْجِهَةُ مُتَّحِدَةً بِالنَّوْعِ كَالِانْكِشَافِ فِي الْعِلْمِ وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ مَعَ جَزْمِنَا بِالْمُغَايَرَةِ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ صِفَةً) أَيْ قَدِيمَةً قَائِمَةً بِذَاتِهِ تَعَالَى مُنَزَّهَةً عَنْ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي إنْكَارِهَا وَلِلْكَرَامِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهَا مُؤَلَّفَةٌ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ الْحَادِثَةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَلِلْحَنَابِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهَا حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ بَلْ تَغَالَى الْبَعْضُ مِنْهُمْ وَقَالَ بِقَدَمِ الْجِلْدِ وَالْغِلَافِ، وَمَنْشَأُ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ هُنَا قِيَاسَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ وَهُمَا كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةٌ لَهُ وَكُلُّ مَا هُوَ صِفَةٌ لَهُ فَهُوَ قَدِيمٌ. كَلَامُ اللَّهِ مُؤَلَّفٌ مِنْ حُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ حَادِثٌ فَمَنَعَ كُلُّ طَائِفَةٍ بَعْضَ الْمُقَدِّمَاتِ فَالْحَنَابِلَةُ مَنَعُوا أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مُؤَلَّفٌ مِنْ حُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ فَهُوَ حَادِثٌ، وَالْمُعْتَزِلَةُ مَنَعُوا أَنَّ الْمُؤَلَّفَ مِنْ الْأَصْوَاتِ صِفَةُ اللَّهِ وَمَنَعَ الْكَرَّامِيَّةُ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ صِفَةٌ لَهُ فَهُوَ قَدِيمٌ ثُمَّ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي حُدُوثِ الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ إنَّمَا نِزَاعُهُمْ فِي إثْبَاتِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَعَدَمِهِ، وَحَقَّقَ الْمَوْلَى الْعَضُدُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّيْخِ أَنَّ الْأَلْفَاظَ أَيْضًا قَدِيمَةٌ، وَأَفْرَدَ فِي ذَلِكَ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً وَمَا زَالَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ لِأَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَنِ الْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمِ مِمَّا هُوَ مَسْطُورٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ التَّوَارِيخِ وَارْتَفَعَتْ الْفِتْنَةُ فِي زَمَنِ الْوَاثِقِ بِسَبَبِ أَنَّ شَيْخَنَا تَنَاظَرَ مَعَ الْقَاضِي أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ قَالَ لَهُ مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ الشَّيْخُ الْمَسْأَلَةُ لِي قَالَ سَلْ قَالَ مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ هُوَ مَخْلُوقٌ قَالَ الشَّيْخُ هَذَا شَيْءٌ عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَمْ لَمْ يَعْلَمُوهُ؟ فَقَالَ لَمْ يَعْلَمُوهُ فَقَالَ الشَّيْخُ: سُبْحَانَ اللَّهِ شَيْءٌ لَمْ يَعْلَمْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ تَعْلَمُهُ أَنْتَ يَا لُكَعُ ابْنُ لُكَعٍ فَخَجِلَ ثُمَّ قَالَ أَقِلْنِي وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا قَالَ قَدْ فَعَلْت قَالَ عَلِمُوهُ وَلَمْ يَدْعُوا النَّاسَ إلَيْهِ وَلَا أَظْهَرُوهُ لَهُمْ فَقَالَ أَلَا وَسِعَك وَوَسِعَنَا مَا وَسِعَهُمْ مِنْ السُّكُوتِ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْوَاثِقُ دَخَلَ الْخَلْوَةَ وَاسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ، وَجَعَلَ يُكَرِّرُ الْإِلْزَامَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ وَيُرْوَى أَنَّهُ جَعَلَ ثَوْبَهُ فِي فِيهِ مِنْ الضَّحِكِ عَلَى ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ وَسَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ ثُمَّ أَمَرَ الْحَاجِبَ أَنْ يُطْلِقَ الشَّيْخَ وَيُعْطِيَهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَسْأَلَةُ الْكَلَامُ مِمَّا كَثُرَ فِيهَا النِّزَاعُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ حَتَّى قِيلَ إنَّمَا سُمِّيَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ بِالْكَلَامِ. لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَغْمَضُ مَبَاحِثِهِ وَأَشْهَرُهَا وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ فِيهَا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الَّتِي نَتْلُوهَا وَنَتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهَا حَادِثَةٌ، وَالْقَوْلُ بِقِدَمِهَا سَفْسَطَةٌ إلَّا أَنَّ السَّلَفَ تَحَاشَوْا عَنْ الْقَوْلِ بِحُدُوثِهَا فَمَنَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنْ يُقَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ حَادِثٌ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ بِمَا أَوْهَمَ وَقَدْ يُلْبِسُ بِهِ الْمُبْتَدِعُ وَمَعْنَى كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَأْلِيفِ الْبَشَرِ بَلْ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَزَلَ بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا عَلَى مَا هُوَ التَّحْقِيقُ خِلَافًا لِمَا قِيلَ أَنَّ جِبْرِيلَ يُلْهَمُ الْمَعْنَى وَيُعَبِّرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَلِمَنْ قَالَ يُلْقِي الْمَعْنَى فِي قَلْبِهِ ﷺ وَهُوَ الَّذِي يُعَبِّرُ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ دَالَّةٌ عَلَى الصِّفَةِ النَّفْسِيَّةِ الْقَدِيمَةِ قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ مَدْلُولَ اللَّفْظِيِّ أَنَّهُ مَدْلُولُهُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْعِبَارَاتِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ وَكَيْفَ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ قِيَامَ الْحَوَادِثِ بِذَاتِهِ تَعَالَى بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ غَرَضُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ بِحَسَبِ تَغَيُّرِ الْعِبَارَاتِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ وَهُوَ الْأَصْلُ

стр. 973

عَبَّرَ عَنْهَا بِالنَّظْمِ الْمَعْرُوفِ الْمُسَمَّى بِكَلَامِ اللَّهِ أَيْضًا وَيُسَمَّيَانِ بِالْقُرْآنِ أَيْضًا. (وَبَقَاءٍ) وَهُوَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ. أَمَّا صِفَاتُ الْأَفْعَالِ كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْأَمَانَةِ فَلَيْسَتْ أَزَلِيَّةً خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ بَلْ هِيَ حَادِثَةٌ أَيْ مُتَجَدِّدَةٌ؛ لِأَنَّهَا إضَافَاتٌ تَعْرِضُ لِلْقُدْرَةِ وَهِيَ تَعَلُّقَاتُهَا بِوُجُودَاتِ الْمَقْدُورَاتِ لِأَوْقَاتِ وُجُودَاتِهَا وَلَا مَحْذُورَ فِي اتِّصَافِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ بِالْإِضَافَاتِ كَكَوْنِهِ قَبْلَ الْعَالَمِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ وَأَزَلِيَّةِ أَسْمَائِهِ الرَّاجِعَةِ إلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جُمْلَةِ الْأَسْمَاءِ مِنْ حَيْثُ رُجُوعُهَا إلَى الْقُدْرَةِ لَا الْفِعْلِ فَالْخَالِقُ مَثَلًا مِنْ شَأْنِهِ الْخَلْقُ أَيْ هُوَ الَّذِي بِالصِّفَةِ الَّتِي بِهَا يَصِحُّ الْخَلْقُ وَهِيَ الْقُدْرَةُ كَمَا يُقَالُ فِي الْمَاءِ فِي الْكُوزِ مُرْوٍ أَيْ هُوَ ــ [حاشية العطار] بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَلْفَاظِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمَعَانِي الثَّانَوِيَّةِ فِي الِاصْطِلَاحَاتِ انْتَهَى فَالدَّالُّ حَادِثٌ وَالْمَدْلُولُ قَدِيمٌ وَهَذَا الْمَدْلُولُ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ الْمَقْرُوءُ قَدِيمٌ وَالْقِرَاءَةُ حَادِثَةٌ. وَفَهِمَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَدْلُولُ الْوَضْعِيُّ فَقَالَ إنَّ بَعْضَ الْمَدْلُولِ قَدِيمٌ وَبَعْضَهُ حَادِثٌ إلَى آخِرِ مَا قَالَ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الدَّلَالَةَ عَقْلِيَّةٌ كَمَا سَمِعْت. (قَوْلُهُ: عَبَّرَ عَنْهَا إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الدَّلَالَةَ وَضْعِيَّةٌ كَمَا فَهِمَهُ الْقَرَافِيُّ فَإِنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ هِيَ الْمَدْلُولَاتُ اللُّغَوِيَّةُ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ بِأَنَّ الْمَعْنَى عَبَّرَ مِنْ أَجْلِهَا أَيْ أَنَّهَا مَنْشَأُ التَّعْبِيرِ وَمَبْدَؤُهُ وَفِي حَاشِيَةِ الشَّاوِيِّ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْمَتْلُوَّ النَّظَرُ فِي مَدْلُولِهِ بِحَيْثِيَّتَيْنِ فَبِحَيْثِيَّةِ مَدْلُولِهِ الَّذِي بِهِ حَصَلَتْ لَهُ التَّسْمِيَةُ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِهِ تَعَالَى يُقَالُ مَدْلُولُ هَذَا الْقُرْآنِ قَدِيمٌ بِلَا تَفْصِيلٍ إذْ مَدْلُولُهُ هُوَ الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ وَهُوَ قَدِيمٌ وَبِحَيْثِيَّةِ مَدْلُولِ مُفْرَدَاتِهِ وَتَرَاكِيبِهِ مِنْ حَيْثُ الِاقْتِضَاءَاتُ الْعَرَبِيَّةُ فَهَذَا يُقَالُ إنَّ مَدْلُولَهُ قَدِيمٌ كَمَدْلُولِ لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَمَدْلُولُ سَمِيعٍ وَعَلِيمٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَحَادِثٌ كَمَدْلُولِ لَفْظِ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْحَيْثِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَاحَظَهَا الْقَرَافِيُّ حَتَّى جَعَلَ الْقُرْآنَ مِنْهُ قَدِيمٌ وَمِنْهُ حَادِثٌ وَلَوْ رَاعَى أَنَّ مَدْلُولَهُ الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ مَا قَالَ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِذَاتِهِ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا النَّظْمُ مِنْ حُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ فَكُلُّ الْمَعَانِي الْمَفْهُومَةِ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ هِيَ مَفْهُومَةٌ مِنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِهِ وَالْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِهِ هُوَ مَدْلُولُ هَذِهِ الْحُرُوفِ أَيْضًا فَالْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِهِ دَالٌّ عَلَى مَدْلُولَاتِهِ وَمَدْلُولٌ لِلْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ وَلَا يَمْتَنِعُ كَوْنُ الشَّيْءِ مَدْلُولًا لِشَيْءٍ دَالًّا عَلَى غَيْرِهِ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ اهـ. (فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَوَّلُ مَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ أَحَدُ أَصْحَابِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵄ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بَدَّعَهُ وَهَجَرَهُ ثُمَّ قَالَ بِذَلِكَ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ إمَامُ الظَّاهِرِيَّةِ يَوْمَئِذٍ بِنَيْسَابُورَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ وَبَلَغَ ذَلِكَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ فَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّجَارُؤُ عَلَى ذَلِكَ وَالتَّكَلُّمُ بِهِ إلَّا فِي مَقَامِ التَّعْلِيمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ) ظَاهِرُهُ الْمُرُورُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ أَنَّ الْبَقَاءَ صِفَةٌ مَعْنًى، وَإِلَّا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الِاسْتِمْرَارَ، وَأَرَادَ لَازِمَهُ الَّذِي هُوَ سَلْبُ الْعَدَمِ اللَّاحِقِ وَقَدْ عَبَّرَ بِالِاسْتِمْرَارِ الْمُقْتَرَحِ وَقَالَ لَيْسَ الْمُرَادُ نِسْبَةً زَمَانِيَّةً بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ عَدَمٌ اهـ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ هُوَ وَالْقِدَمُ صِفَتَانِ سَلْبِيَّتَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا حَادِثٌ فَالْحَادِثُ مَا لَهُ أَوَّلٌ وَهُوَ مَا سَبَقَ عَدَمُهُ وُجُودَهُ وَالْقَدِيمُ مَا لَا أَوَّلَ لَهُ وَهُوَ سَلْبُ مَا وَجَبَ لِلْحَادِثِ فَالْقِدَمُ إذَنْ نَفْيُ الْأَوَّلِيَّةِ وَنَفْيُ الْأَوَّلِيَّةِ سَلْبٌ مَحْضٌ وَالْبَقَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ دَوَامِ الْوُجُودِ عَلَى وَجْهٍ يَنْتَفِي مَعَهُ الْعَدَمُ اللَّاحِقُ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ) أَيْ فِي جَعْلِهَا أَزَلِيَّةً وَإِرْجَاعِهَا إلَى صِفَةِ التَّكْوِينِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ (قَوْلُهُ: أَيْ مُتَجَدِّدَةً) أَيْ فِي الذِّهْنِ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الِاعْتِبَارِيَّةَ لَا وُجُودَ لَهَا إلَّا فِي الذِّهْنِ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي حَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الصُّغْرَى، وَأَشَارَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ إلَى أَنَّ فِي إطْلَاقِ الْحُدُوثِ عَلَيْهَا تَسَمُّحًا (قَوْلُهُ: وَأَزَلِيَّةُ أَسْمَائِهِ إلَخْ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ رُجُوعُهَا إلَخْ وَمُرَادُهُ مِنْ هَذَا دَفْعُ اعْتِرَاضٍ وَرَدٌّ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَزَلْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي جُمْلَةِ الْأَسْمَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ رُجُوعُهَا إلَخْ) الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ مِنْ حَيْثُ الرُّجُوعُ

стр. 974

بِالصِّفَةِ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ الْإِرْوَاءُ عِنْدَ مُصَادَفَةِ الْبَاطِنِ وَفِي السَّيْفِ فِي الْغِمْدِ قَاطِعٌ أَيْ هُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ الْقَطْعُ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْمَحَلِّ فَإِنْ أُرِيدَ بِالْخَالِقِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْخَلْقُ فَلَيْسَ صُدُورُهُ أَزَلِيًّا ذَكَرَ ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ، وَبَيَّنَ رُجُوعَ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا إلَى الذَّاتِ وَصِفَاتِهَا فِي الْمَقْصِدِ الْأَسْنَيْ. (وَمَا صَحَّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الصِّفَاتِ نَعْتَقِدُ ظَاهِرَ الْمَعْنَى) مِنْهُ (وَنُنَزِّهُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُشْكِلِ) مِنْهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ» «إنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مُغْرِبِهَا» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. (ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا أَنُؤَوِّلُ) الْمُشْكِلَ (أَمْ نُفَوِّضُ) مَعْنَاهُ الْمُرَادَ إلَيْهِ تَعَالَى (مُنَزِّهِينَ) لَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ (مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ جَهْلَنَا بِتَفْصِيلِهِ لَا يَقْدَحُ) فِي اعْتِقَادِنَا الْمُرَادَ مِنْهُ مُجْمَلًا، وَالتَّفْوِيضُ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَهُوَ أَسْلَمُ، وَالتَّأْوِيلُ مَذْهَبُ الْخَلَفِ وَهُوَ أَعْلَمُ أَيْ أَحْوَجُ إلَى مَزِيدِ عِلْمٍ فَيُؤَوَّلُ فِي الْآيَاتِ الِاسْتِوَاءُ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَالْوَجْهُ بِالذَّاتِ وَالْعَيْنُ بِالْبَصَرِ وَالْيَدُ بِالْقُدْرَةِ وَالْحَدِيثَانِ ــ [حاشية العطار] إلَى الْقُدْرَةِ مَجَازٌ قَطْعًا إذْ إطْلَاقُهُ حِينَئِذٍ مِنْ إطْلَاقِ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ اهـ. نَاصِرٌ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أُرِيدَ الْخَالِقُ إلَخْ) هَذَا عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ لَفْظِيٌّ وَالْحَقُّ أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَقْصِدِ الْأَسْنَيْ) فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى. (قَوْلُهُ: وَمَا صَحَّ) أَيْ ثَبَتَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: صَحَّ عِنْدَ النَّاسِ أَنِّي عَاشِقٌ ... غَيْرَ أَنْ لَمْ يَعْرِفُوا عِشْقِي لِمَنْ وَإِلَّا فَكُلُّ مَا فِي الْكِتَابِ صَحِيحٌ بِخِلَافِ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ فِي كُتُبِهَا أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ (قَوْلُهُ: مِنْهُ) قَدَّرَهُ لِأَجْلِ صِحَّةِ الرَّبْطِ فَهُوَ مِثْلُ السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ (قَوْلُهُ: وَنُنَزِّهُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُشْكِلِ) مُخَصِّصٌ لِمَا قَبْلَهُ أَيْ نَعْتَقِدُ ظَاهِرَ الْمَعْنَى إلَّا أَنْ يَكُونَ مُشْكِلًا فَنُنَزِّهُهُ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا) أَيْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَقَوْلُهُ أَنُؤَوِّلُ أَيْ يَجُوزُ أَنْ نُؤَوِّلَ أَوْ نُفَوِّضَ (قَوْلُهُ: مُنَزِّهِينَ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ نُفَوِّضُ وَفِيهِ أَنَّ التَّنْزِيهَ عَنْ ظَاهِرِهِ تَأْوِيلٌ لَهُ فَيَرْجِعُ إلَى التَّأْوِيلِ مُجْمَلًا (قَوْلُهُ: مَذْهَبُ السَّلَفِ) وَهُمْ أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَمَا بَعْدَهَا هُمْ الْخَلَفُ وَقِيلَ الْخَلَفُ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ أَحْوَجُ) وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْخَلَفَ أَعْلَمُ مِنْ السَّلَفِ (قَوْلُهُ: بِالِاسْتِيلَاءِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ: قَدْ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ وَفِي آخِرِ حُكْمِ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ يَا مَنْ اسْتَوَى بِرَحْمَانِيَّتِهِ عَلَى عَرْشِهِ فَصَارَ الْعَرْشُ غَيْبًا فِي رَحْمَانِيَّتِهِ كَمَا صَارَتْ الْعَوَالِمُ غَيْبًا فِي عَرْشِهِ فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ الرَّحْمَنُ اسْتَوَى بِرَحْمَانِيَّتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَرْشَ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا وَهِيَ مُغَيَّبَةٌ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] هُوَ صَغِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَيَغِيبُ فِيهَا كَمَا تَغِيبُ الْعَوَالِمُ فِيهِ إشَارَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وَيُمْكِنُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى اللَّطِيفَ هُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ أَنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» فَيُمْكِنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْكِتَابِ وَلَوْ قِيلَ الْقَهَّارُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَذَابَ الْعَرْشُ وَمَا فِيهِ وَمِنْ الْمُتَشَابِهِ حَدِيثُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْت بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ أَوْ كَمَا قَالَ فَيُؤَوَّلُ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَتَانِي إحْسَانٌ مِنْ رَبِّي وَيُؤَوَّلُ وَضْعُ الْيَدِ بِتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِإِنْزَالِ الْمَعَارِفِ بِالْقَلْبِ وَوُجُودُ بَرْدِ الْأَنَامِلِ بِعُمُومِ إشْرَاقِ تِلْكَ الْمَعَارِفِ فِي الصَّدْرِ بِأَرْجَائِهِ سَأَلَ الشَّعْرَانِيُّ شَيْخَهُ الْخَوَّاصَ لِمَاذَا

стр. 975

مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ الْمَذْكُورِ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ نَحْوَ أَرَاك تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى يُقَالُ لِلْمُتَرَدِّدِ فِي أَمْرٍ تَشْبِيهًا لَهُ بِمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِإِقْدَامِهِ وَإِحْجَامِهِ فَالْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَالظَّرْفُ فِيهِ خَبَرٌ كَالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ إنَّ قُلُوبَ الْعِبَادِ كُلَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى شَيْءٌ يَسِيرٌ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ شَاءَ كَمَا يُقَلِّبُ الْوَاحِدُ مِنْ عِبَادِهِ الْيَسِيرَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الثَّانِي أَنَّهُ تَعَالَى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَلَا يَرُدُّ تَائِبًا كَمَا يَبْسُطُ الْوَاحِدُ مِنْ عِبَادِهِ يَدَهُ لِلْعَطَاءِ أَيْ لِلْأَخَذَةِ فَلَا يَرُدُّ مُعْطِيًا. (الْقُرْآنُ) وَهُوَ (كَلَامُهُ) تَعَالَى الْقَائِمُ بِذَاتِهِ (غَيْرُ مَخْلُوقٍ) وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا (عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا الْمَجَازِ مَكْتُوبٌ فِي مَصَاحِفِنَا) بِأَشْكَالِ الْكِتَابَةِ وَصُوَرِ الْحُرُوفِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ (مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِنَا) بِأَلْفَاظِهِ الْمَخِيلَةِ (مَقْرُوءٌ بِأَلْسِنَتِنَا) بِحُرُوفِهِ الْمَلْفُوظَةِ الْمَسْمُوعَةِ فَقَوْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إلَى كُلٍّ مِنْ مَكْتُوبٍ وَمَحْفُوظٍ وَمَقْرُوءٍ وَقُدِّمَ لِلْإِشَارَةِ إلَى ذَلِكَ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ لَا الْمَجَازِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَقِيقَةِ كُنْهَ الشَّيْءِ كَمَا هُوَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّ الْقُرْآنَ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ لَيْسَ فِي الْمَصَاحِفِ وَلَا فِي الصُّدُورِ وَلَا فِي الْأَلْسِنَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا مُقَابِلُ الْمَجَازِ أَيْ يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْقُرْآنِ حَقِيقَةً أَنَّهُ مَكْتُوبٌ مَحْفُوظٌ مَقْرُوءٌ وَاتِّصَافُهُ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَبِأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَيْ مَوْجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا اتِّصَافٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ وُجُودَاتِ الْمَوْجُودِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ وُجُودًا فِي الْخَارِجِ وَوُجُودًا فِي الذِّهْنِ وَوُجُودًا فِي الْعِبَارَةِ وَوُجُودًا فِي الْكِتَابَةِ فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْعِبَارَةِ وَهِيَ عَلَى مَا فِي الذِّهْنِ وَهُوَ عَلَى مَا فِي الْخَارِجِ. (يُثِيبُ) اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَةَ الْمُكَلَّفِينَ (عَلَى الطَّاعَةِ) فَضْلًا (وَيُعَاقِبُ) هُمْ (إلَّا أَنْ يَغْفِرَ غَيْرَ الشِّرْكِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ) عَدْلًا لِإِخْبَارِهِ بِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ [النازعات: ٣٧] ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: ٣٨] ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٩] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ــ [حاشية العطار] يُؤَوِّلُ الْعُلَمَاءُ الْمُوهِمَ الْوَاقِعَ مِنْ الشَّارِعِ وَلَا يُؤَوِّلُونَ الْوَاقِعَ مِنْ الْوَلِيِّ مَعَ أَنَّ الْمَادَّةَ وَاحِدَةٌ فِي الْجُمْلَةِ فَقَالَ لَهُ لَوْ أَنْصَفُوا لَأَوَّلُوا الْوَاقِعَ مِنْ الْوَلِيِّ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِضَعْفِهِ فِي أَحْوَالِ الْحَضْرَةِ بِخِلَافِ الشَّارِعِ فَإِنَّهُ ذُو مَقَامٍ مَكِينٍ. (قَوْلُهُ: مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ) الْمَذْكُورُ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ هُوَ تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنْ عِدَّةِ أُمُورٍ بِأُخْرَى قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمْثِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ إنَّمَا هُوَ فِي قَوْلٍ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ لَا فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِيثِ إذْ لَوْ قِيلَ إنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ شَاءَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَمْثِيلٌ قَطْعًا اهـ. وَلَك أَنْ تَقُولَ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّمْثِيلِ أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ فِي جَمِيعِ مِفْرَادَتِهِ إذْ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْهَيْئَةُ الْمُنْتَزَعَةُ مِنْ عِدَّةِ أُمُورٍ لَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. نَجَّارِيٌّ (قَوْلُهُ: كَمَا يَبْسُطُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ الْمُنَاسَبَةُ كَمَا يَبْسُطُ الْوَاحِدُ مِنْ عُبَادَةَ يَدَهُ لِلْإِعْطَاءِ فَلَا يَرُدُّ مُسْتَعْطِيًا قُلْنَا نَعَمْ لَكِنَّ الْأَبْلَغَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إذْ مَنْ بَسَطَ يَدَهُ لِلْأَخْذِ أَكْثَرُ مِمَّنْ بَسَطَ يَدَهُ لِلْإِعْطَاءِ. (قَوْلُهُ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ) خَبَرُ الْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ مَكْتُوبٌ خَبَرٌ ثَانٍ وَمَحْفُوظٌ خَبَرٌ ثَالِثٌ وَمَقْرُوءٌ خَبَرٌ رَابِعٌ وَعَدَّدَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْوُجُودَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لَهُ وُجُودَاتٌ أَرْبَعٌ (قَوْلُهُ: رَاجِعٌ إلَى كُلٍّ مِنْ مَكْتُوبٍ إلَخْ) أَيْ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْهَا مَعْنًى أَمَّا لَفْظًا فَبِالْأَوَّلِ فَقَطْ وَيُقَدَّرُ نَظِيرُهُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ إسْنَادَ كُلٍّ مِنْ مَكْتُوبٍ وَمَحْفُوظٍ وَمَقْرُوءٍ إلَى الْقُرْآنِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ إسْنَادٌ حَقِيقِيٌّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ وُجُودٍ مِنْ الْحَوَادِثِ الْأَرْبَعَةِ لَا إسْنَادٌ مَجَازِيٌّ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الِاتِّصَافَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي حَقِّ الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ مَجَازٌ قَطْعًا وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْوُجُودَاتِ الثَّلَاثَةِ غَيْرِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ بَيَانٌ لِلْعَلَاقَةِ الْمُصَحِّحَةِ لِلتَّجَوُّزِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْكَسْتَلِيُّ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ (قَوْلُهُ: لَيْسَ فِي الْمَصَاحِفِ) وَإِنَّمَا هُوَ قَائِمٌ بِالذَّاتِ الْعَلِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ إلَخْ) التَّحْقِيقُ أَنَّ الْوُجُودَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْوُجُودُ الْخَارِجِيُّ، وَأَمَّا الْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ فَأَثْبَتَهُ الْحُكَمَاءُ وَنَفَاهُ الْمُتَكَلِّمُونَ. قَوْلُهُ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] أَيْ مِنْ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ مَعَ التَّوْبَةِ

стр. 976

وَهَذَا الْأَخِيرُ مُخَصِّصٌ لِعُمُومَاتِ الْعِقَابِ. (وَلَهُ) سُبْحَانَهُ (إثَابَةُ الْعَاصِي وَتَعْذِيبُ الْمُطِيعِ وَإِيلَامُ الدَّوَابِّ وَالْأَطْفَالِ) لِأَنَّهُمْ مِلْكُهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشَاءُ لَكِنْ لَا يَقَعُ مِنْهُ ذَلِكَ لِإِخْبَارِهِ بِإِثَابَةِ الْمُطِيعِ وَتَعْذِيبِ الْعَاصِي كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَرِدْ إيلَامُ الدَّوَابِّ وَالْأَطْفَالِ فِي غَيْرِ قِصَاصٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ أَمَّا فِي الْقِصَاصِ «فَقَالَ ﷺ لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءَ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ «يُقْتَصُّ لِلْخَلْقِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى الْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاءِ وَحَتَّى لِلذَّرَّةِ مِنْ الذَّرَّةِ وَقَالَ لَيَخْتَصِمَنَّ كُلُّ شَيْءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى الشَّاتَانِ فِيمَا انْتَطَحَتَا» رَوَاهُمَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي الْأَوَّلِ رُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ وَفِي الثَّانِي إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَقَضِيَّةُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ الْقِصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى التَّكْلِيفِ وَالتَّمْيِيزِ فَيُقْتَصُّ مِنْ الطِّفْلِ لِطِفْلٍ وَغَيْرِهِ (وَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ) سُبْحَانَهُ (بِالظُّلْمِ) لِأَنَّهُ مَالِكُ الْأُمُورِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ فَلَا ظُلْمَ فِي التَّعْذِيبِ وَالْإِيلَامِ الْمَذْكُورَيْنِ لَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُمَا (يَرَاهُ) سُبْحَانَهُ (الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَبَعْدَهُ كَمَا ثَبَتَ فِي أَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ الْمُوَافِقَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ــ [حاشية العطار] وَبِدُونِهَا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي تَخْصِيصِهِمْ ذَلِكَ بِالصَّغَائِرِ وَبِالْكَبَائِرِ الْمَقْرُونَةِ بِالتَّوْبَةِ وَفِي شَرْحِ الْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ عَلَى الْعَقَائِدِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِأَنَّ الْكُفْرَ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَيْضًا كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ تَسَاوِي مَا نُفِيَ عَنْهُ الْغُفْرَانُ وَمَا ثَبَتَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا الْأَخِيرُ) أَيْ النَّصُّ الْأَخِيرُ وَهُوَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (قَوْلُهُ: مُخَصِّصٌ لِعُمُومَاتِ الْعِقَابِ) أَيْ النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي عِقَابِ الذُّنُوبِ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً إلَّا أَنَّهَا مُخَصَّصَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَمَنْ شَاءَ اللَّهُ غُفْرَانَ ذُنُوبِهِ لَمْ يُعَاقَبْ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَا يَقَعُ مِنْهُ ذَلِكَ) أَيْ فِي الْآخِرَةِ وَإِلَّا فَإِيلَامُ الدَّوَابِّ وَالْأَطْفَالِ مُشَاهَدٌ فِي الدُّنْيَا (قَوْلُهُ: وَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ تَعَالَى إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْوَصْفِ الِاتِّصَافُ أَيْ يَسْتَحِيلُ اتِّصَافُهُ تَعَالَى بِالظُّلْمِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الظُّلْمَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْكُلَّ مِلْكُهُ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَحْكُمُ الْحَاكِمِينَ وَأَعْلَمُ الْعَالِمِينَ وَأَقْدَرُ الْقَادِرِينَ فَكُلُّ مَا وَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ يَكُونُ ذَلِكَ أَحْسَنَ الْمَوَاضِعِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَإِنْ خَفِيَ وَجْهُ حُسْنِهِ عَلَيْنَا (قَوْلُهُ: لَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُمَا إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَلَهُ إثَابَةُ الْعَاصِي إلَخْ مِنْ الْجَائِزِ الْعَقْلِيِّ (قَوْلُهُ: يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ) أَيْ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْآخِرَيْنِ خِلَافٌ بَلْ فِي النِّسَاءِ أَيْضًا وَهَلْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ بِالْعَيْنِ فَقَطْ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ أَوْ بِالْوَجْهِ لِظَاهِرِ آيَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] أَوْ الذَّاتِ كُلِّهَا كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّاذِلِيُّ لَمَّا كُفَّ بَصَرُهُ انْعَكَسَ بَصَرِي لِبَصِيرَتِي فَصِرْت أُبْصِرُ بِكُلِّي كُلَّ مُحْتَمَلٍ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ قِيلَ وَلَا مَانِعَ مِنْ اخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَإِنَّ الرُّؤْيَةَ نَوْعٌ مِنْ الْإِدْرَاكِ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى مَتَى شَاءَ وَلِأَيِّ شَيْءٍ شَاءَ وَمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ تَوَقُّفِهَا عَلَى الْمُقَابَلَةِ وَالْجِهَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أُمُورٌ عَادِيَّةٌ يَجُوزُ تَخَلُّفُهَا وَدَعْوَاهُمْ الضَّرُورَةَ فِي ذَلِكَ مَمْنُوعَةٌ بِمُنَازَعَةِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ الْعُقَلَاءِ وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فِي الشَّاهِدِ فَلَا يَسْلَمُ فِي الْغَائِبِ لِأَنَّ الرُّؤْيَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَانِ إمَّا بِالْمَاهِيَّةِ أَوْ بِالْهُوِيَّةِ لَا مَحَالَةَ فَيَجُوزُ اخْتِلَافُهُمَا فِي الشُّرُوطِ وَاللَّوَازِمِ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ بِلَا كَيْفٍ ثُمَّ إنَّ وُقُوعَ الرُّؤْيَةِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَقَدْ احْتَجَّ عَلَيْهَا أَهْلُ السُّنَّةِ بِالْإِجْمَاعِ وَبِالنَّصِّ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ

стр. 977

وَالْمُخَصِّصَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أَيْ لَا تَرَاهُ. مِنْهَا ــ [حاشية العطار] قَبْلَ حُدُوثِ الْمُخَالِفِ عَلَى وُقُوعِهَا وَكَوْنِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا حَتَّى إنَّهُ رَوَى حَدِيثَ الرُّؤْيَةِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ شَارِحُ الْمَقَاصِدِ وَلِهَذَا احْتَجَّ الشَّارِحُ عَلَيْهَا بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] إلَخْ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النَّظَرَ الْمَوْصُولَ بِإِلَى إمَّا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ أَوْ مَلْزُومٌ لَهَا بِشَهَادَةِ النَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالتَّتَبُّعِ لِمَوَارِدِ اسْتِعْمَالِهِ وَإِمَّا مَجَازٌ عَنْهَا لِكَوْنِهِ عِبَارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الْحَدَقَةِ نَحْوَ الْمَرْئِيِّ طَلَبًا لِرُؤْيَتِهِ وَقَدْ تَعَذَّرَ هُنَا الْحَقِيقَةُ لِامْتِنَاعِ الْمُقَابَلَةِ وَالْجِهَةِ فَتَعَيَّنَ الرُّؤْيَةُ لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ الْمَجَازَاتِ بِحَيْثُ الْتَحَقَ بِالْحَقَائِقِ بِشَهَادَةِ الْعُرْفِ وَالتَّقْدِيمِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ وَرِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ دُونَ الْحَصْرِ أَوْ لِلْحَصْرِ ادِّعَاءً. بِمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لِاسْتِغْرَاقِهِمْ فِي مُشَاهَدَةِ جَمَالِهِ قَصَرُوا النَّظَرَ عَلَى عَظَمَةِ جَلَالِهِ كَأَنَّهُمْ لَا يَلْتَفِتُونَ إلَى مَا سِوَاهُ وَلَا يَرَوْنَ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّ إلَى هُنَا لَيْسَتْ حَرْفًا بَلْ اسْمًا بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَاحِدُ الْآلَاءِ وَنَاظِرَةٌ مِنْ النَّظَرِ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] وَلَوْ سُلِّمَ فَالنَّظَرُ الْمَوْصُولُ بِإِلَى قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: وُجُوهٌ نَاظِرَاتٌ يَوْمَ بَدْرٍ ... إلَى الرَّحْمَنِ يَأْتِي بِالْفَلَاحِ وَقَوْلِهِ: كُلُّ الْخَلَائِقِ يَنْظُرُونَ سِجَالَهُ ... نَظَرَ الْحَجِيجِ إلَى طُلُوعِ هِلَالِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ سَوْقَ الْآيَةِ لِبِشَارَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيَانِ أَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي غَايَةِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَالْإِخْبَارُ بِانْتِظَارِهِمْ النِّعْمَةَ وَالثَّوَابَ لَا يُلَائِمُ ذَلِكَ بَلْ رُبَّمَا يُنَافِيهِ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ مَوْتٌ أَحْمَرُ فَهُوَ بِالْغَمِّ وَالْحُزْنِ وَالْقَلَقِ وَضِيقِ الصَّدْرِ أَجْدَرُ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْقَطْعِ بِالْحُصُولِ عَلَى أَنَّ كَوْنَ إلَى اسْمًا بِمَعْنَى النِّعْمَةِ لَوْ ثَبَتَ فِي اللُّغَةِ فَلَا خَفَاءَ فِي بُعْدِهِ وَغَرَابَتِهِ وَإِخْلَالِهِ بِالْفَهْمِ عِنْدَ تَعَلُّقِ النَّظَرِ بِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَحْمِلْ الْآيَةَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بَلْ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ وَكَوْنِ النَّظَرِ الْمَوْصُولِ بِإِلَى سِيَّمَا الْمُسْنَدَ إلَى الْوَجْهِ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ الثِّقَاتِ وَلَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الْأَبْيَاتُ لِجَوَازِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَقْلِيبِ الْحَدَقَةِ بِتَأْوِيلَاتٍ لَا تَخْفَى وَقَوْلُ ابْنِ الْفَارِضِ: عِدِينِي بِوَصْلٍ وَامْطُلِي بِنِجَازِهِ ... فَعِنْدِي إذَا صَحَّ الْهَوَى حَسُنَ الْمَطْلُ فَذَاكَ مَذَاقٌ آخَرُ وَعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ قَوْلِي: وَإِنِّي لِمَا تَهْوَى مُطِيعٌ وَسَامِعٌ ... وَلَوْ كَانَ فِيهِ الْحَتْفُ يَا بَدْرُ فَأْمُرْنِي وَمَا كَانَ تَأْخِيرِي لِعُذْرٍ وَإِنَّمَا ... أَلَذُّ بِتَكْرَارِ الْحَدِيثِ عَلَى أُذْنِي إلَّا أَنَّ الْمَطْلَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْشُوقِ وَهُنَا مِنْ جِهَةِ الْعَاشِقِ وَالْهَوَى شُجُونٌ وَالْجُنُونُ فُنُونٌ. (قَوْلُهُ: وَالْمُخَصِّصَةِ لِقَوْلِهِ إلَخْ) هَذَا أَحَدُ أَجْوِبَةٍ عَنْ تَمَسُّكِ الْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي امْتِنَاعِ الرُّؤْيَةِ قَالُوا الْإِدْرَاكُ بِالْبَصَرِ هُوَ الرُّؤْيَةُ وَالْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ الْعَهْدِ، وَالْبَعْضِيَّةُ لِلْعُمُومِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فَاَللَّهُ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وَإِلَّا لَزِمَ تَخَلُّفُ الْخَبَرِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِدْرَاكَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ وَعَلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ لِلْعُمُومِ فَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالْإِدْرَاكِ الرُّؤْيَةُ عَلَى وَجْهِ الْإِحَاطَةِ أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إبْصَارُ الْكُفَّارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فَلَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى التَّخْصِيصِ قَالُوا أَيْضًا إنَّ نَفْيَ إدْرَاكِهِ بِالْبَصَرِ وَارِدٌ مَوْرِدَ التَّمَدُّحِ مُدْرَجٌ فِي أَثْنَاءِ الْمَدْحِ فَيَكُونُ نَقِيضُهُ وَهُوَ الْإِدْرَاكُ بِالْبَصَرِ نَقْصًا وَهُوَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَيَدُلُّ هَذَا الْوَجْهُ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ عُمُومُ الْإِبْصَارِ وَكَوْنُ الْكَلَامِ لِعُمُومِ السَّلْبِ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ عُمُومَهُ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ فَيُحْمَلُ عَلَى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَمَا يُقَالُ إنَّهُ تَمَدُّحٌ وَمَا بِهِ التَّمَدُّحُ يَدُومُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَا يَزُولُ يُجَابُ عَنْهُ

стр. 978

حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» إلَخْ وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَقَوْلُهُ تُضَارُّونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَالرَّاءُ مُشَدَّدَةٌ مِنْ الضِّرَارِ وَمُخَفَّفَةٌ مِنْ الضَّيْرِ أَيْ الضَّرَرِ أَيْ هَلْ يَحْصُلُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَا يُشَوِّشُ عَلَيْكُمْ الرُّؤْيَةَ بِحَيْثُ تَشُكُّونَ فِيهَا كَمَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَحَدِيثُ صُهَيْبٍ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إلَى رَبِّهِمْ تَعَالَى» وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أَيْ فَالْحُسْنَى الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إلَيْهِ تَعَالَى وَيَحْصُلُ بِأَنْ يَنْكَشِفَ انْكِشَافًا تَامًّا مَيَّزَهَا عَنْ الْمُقَابَلَةِ وَالْجِهَةِ وَالْمَكَانِ أَمَّا الْكُفَّارُ فَلَا يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ــ [حاشية العطار] بِأَنَّ امْتِنَاعَ الزَّوَالِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى الْأَفْعَالِ فَقَدْ يَزُولُ لِحُدُوثِهَا وَالرُّؤْيَةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَقَدْ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَيْنِ وَقَدْ لَا يَخْلُقُ ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ عُمُومُ الْأَوْقَاتِ فَغَايَتُهُ الظُّهُورُ وَالرُّجْحَانُ وَمِثْلُهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَمَلِيَّاتِ دُونَ الْعِلْمِيَّاتِ. قَالَ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ وَمَا قِيلَ مِنْ التَّمَدُّحِ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ لَنَا لِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَتْ الرُّؤْيَةُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَمَدُّحٌ إنَّمَا التَّمَدُّحُ لِلْمُمْتَنِعِ الْمُتَعَزِّزِ بِحِجَابِ الْكِبْرِيَاءِ مَعَ إمْكَانِ رُؤْيَتِهِ وَلِأَنَّ عَدَمَ رُؤْيَتِهِ فِي الدُّنْيَا مَعَ كَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَيْهِمْ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ كَافٍ فِي التَّمَدُّحِ اهـ. قَالَ سَيِّدِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْعَرَبِيِّ لَا غَرَابَةَ فِي رُؤْيَتِهِ تَعَالَى بِالْبَصَرِ مَعَ أَنَّهُ يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ مُنَزَّهًا فَكَذَا بِالْبَصَرِ إذْ كِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ قَالَ وَفِي الْحَقِيقَةِ الرُّؤْيَةُ هِيَ الْمَعْرِفَةُ فِي الدُّنْيَا كَمُلَتْ فَتَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِهَا وَجَعَلَهُ إشَارَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] كَمَا أَنَّ ظُلْمَةَ الْجَهْلِ إذْ ذَاكَ تَكُونُ حِجَابًا (قَوْلُهُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَذَا الْحَدِيثُ مُثْبِتٌ لِلرُّؤْيَةِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ كَمَا سَيَقُولُ الشَّارِحُ وَيَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ حَدِيثُ صُهَيْبٍ الْآتِي (قَوْلُهُ: لَيْلَةَ الْبَدْرِ) هِيَ لَيْلَةُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَالْهِلَالُ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ قَمَرٌ (قَوْلُهُ: لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ) لَعَلَّ السِّرَّ فِي ذِكْرِ هَذَا فِي الشَّمْسِ دُونَ الْقَمَرِ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي الْقَمَرِ مَا يُفِيدُهُ ظَاهِرًا وَهُوَ قَوْلُهُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ إذْ إضَافَةُ اللَّيْلَةِ إلَى الْبَدْرِ تُلَوِّحُ بِأَنَّ نُورَهُ مُمْتَدٌّ إلَى آخِرِهَا وَلَا يَكُونُ إلَّا بِدُونِ سَحَابٍ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ) أَيْ عَنْهُمْ فَهُمْ الْمَحْجُوبُونَ وَلَا حِجَابَ لَهُ تَعَالَى إذْ الْحِجَابُ مِنْ خَوَاصِّ الْأَجْرَامِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَأْلِيفٍ لَهُ لَطِيفٍ أَلَّفَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي حَقِّ اللَّهِ: إنَّ حِجَابَهُ النُّورُ وَفِي آخَرَ: إنَّ حِجَابَهُ النَّارُ: إنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَمْعَنَ النَّظَرَ مِنْ النُّورِ كَنُورِ الشَّمْسِ أَوْ الْبَرْقِ مَثَلًا أَوْ النَّارِ وَدَقَّقَ فِي ذَلِكَ لَا يَزْدَادُ يَقِينًا فِي إدْرَاكِ النُّورِ وَلَا يَصِلُ إلَى كُنْهِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَرُبَّمَا كَلَّ بَصَرُهُ أَوْ تَضَرَّرَ وَلَا يَنَالُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يُدْرِكْ الْإِنْسَانُ هَذَا الْحَادِثَ الْكَائِنَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ جِنْسِهِ فَكَيْفَ يُدْرِكُ مَنْ لَا يَطْمَعُ فِيهِ مَنَالٌ وَلَا لَهُ فِي خَلْقِهِ مِثَالٌ فَقَوْلُهُ حِجَابُهُ النُّورُ أَوْ النَّارُ مَعْنَاهُ أَنَّ حِجَابَ طَمَعِنَا فِي الْإِدْرَاكِ وَقَاطِعَ أَمَلِنَا مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ إدْرَاكِنَا لِلنُّورِ وَنَحْوِهِ فَصَارَ النُّورُ حِجَابًا لِلَّهِ مِنْ وُصُولِ الْأَطْمَاعِ إلَيْهِ حِجَابَ قِيَاسٍ أُخْرَوِيٍّ إذْ مَنْ لَا يَدْرِ إلَّا الْحَادِثَ يَيْأَسْ مِنْ الْقَدِيمِ اهـ. (قَوْلُهُ: فَالْحُسْنَى الْجَنَّةُ إلَخْ) هُوَ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ وَبَعْضُهُمْ فَسَّرَ الْحُسْنَى بِالْجَزَاءِ الْمُسْتَحَقِّ وَالزِّيَادَةَ بِالْفَضْلِ فَإِنْ قِيلَ الرُّؤْيَةُ أَصْلُ الْكَرَامَاتِ وَأَعْظَمُهَا فَكَيْفَ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالزِّيَادَةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهَا أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُعَدَّ فِي الْحُسْنَيَاتِ وَفِي أَجْزِيَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَنْكَشِفَ انْكِشَافًا تَامًّا) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي فَتَاوِيهِ الرَّبُّ تَعَالَى يُرَى بِالنُّورِ الَّذِي خَلَقَهُ فِي الْأَعْيُنِ زَائِدًا عَلَى نُورِ الْعَيْنِ فَإِنَّ الرُّؤْيَةَ تَكْشِفُ مَا لَا يَكْشِفُهُ الْعِلْمُ وَلَوْ أَرَادَ الرَّبُّ تَعَالَى أَنْ يَخْلُقَ فِي الْقَلْبِ نُورًا كَنُورِ الْأَعْيُنِ لَمَا أَعْجَزَهُ ذَلِكَ بَلْ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ نُورَ الْأَعْيُنِ فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ لَأَمْكَنَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ تَامًّا أَيْ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ إلَيْهِ إدْرَاكُ الْعَبْدِ لَا بِمَعْنَى الْإِحَاطَةِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: مُنَزَّهًا عَنْ الْمُقَابَلَةِ وَالْجِهَةِ) وَأَنْشَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي

стр. 979

﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] الْمُوَافِقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] (وَاخْتُلِفَ هَلْ تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ) لَهُ تَعَالَى (فِي الدُّنْيَا) فِي الْيَقَظَةِ (وَفِي الْمَنَامِ) فَقِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ: لَا أَمَّا الْجَوَازُ فِي الْيَقَظَةِ؛ فَلِأَنَّ مُوسَى ﵇ طَلَبَهَا حَيْثُ قَالَ ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وَهُوَ لَا يَجْهَلُ مَا يَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ عَلَى رَبِّهِ تَعَالَى وَالْمَنْعُ لِأَنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوهَا فَعُوقِبُوا قَالَ تَعَالَى ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣] وَاعْتُرِضَ هَذَا بِأَنَّ عِقَابَهُمْ لِعِنَادِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ فِي طَلَبِهَا لَا لِامْتِنَاعِهَا وَأَمَّا الْمَنْعُ فِي الْمَنَامِ؛ فَلِأَنَّ الْمَرْئِيَّ فِيهِ خَيَالٌ وَمِثَالٌ وَذَلِكَ عَلَى الْقَدِيمِ مُحَالٌ وَالْمُجِيزُ قَالَ لَا اسْتِحَالَةَ لِذَلِكَ فِي الْمَنَامِ وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْوُقُوعِ وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ فِي الْيَقَظَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَقَوْلُهُ لِمُوسَى ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] وَقَوْلُهُ ﷺ «لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ نَعَمْ اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي وُقُوعِهَا لَهُ ﷺ لَيْلَةَ ــ [حاشية العطار] الْكَشَّافِ: لَجَمَاعَةٌ سَمُّوا هَوَاهُمْ سُنَّةً ... وَجَمَاعَةٌ حُمُرٌ لَعَمْرِي مُوكَفَهْ قَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ فَتَخَوَّفُوا ... شَنَعَ الْوَرَى فَتَسَتَّرُوا بِالْبَلْكَفَهْ وَرَدَّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَكَابِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمِنْ أَلْطَفِهَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنِيرِ الْإِسْكَنْدَرِيِّ: وَجَمَاعَةٌ كَفَرُوا بِرُؤْيَةِ رَبِّهِمْ ... هَذَا لَوَعْدُ اللَّهِ مَا لَنْ يُخْلِفَهْ وَتَلَقَّبُوا النَّاجِينَ كَلَا إنَّهُمْ ... إنْ لَمْ يَكُونُوا فِي لَظًى فَعَلَى شَفَهْ وَقَوْلُ أَبِي حَيَّانَ: شَبَّهْتَ جَهْلًا صَدْرَ أُمَّةِ أَحْمَدَ ... وَذَوِي الْبَصَائِرِ بِالْحَمِيرِ الْمُوكَفَهْ وَجَبَ الْخَسَارُ عَلَيْك فَانْظُرْ مُنْصِفًا ... فِي آيَةِ الْأَعْرَافِ فَهْيَ الْمُنْصِفَهْ أَتَرَى الْكَلِيمَ أَتَى بِجَهْلٍ مَا أَتَى ... وَأَتَى شُيُوخُك مَا أَتَوْا عَنْ مَعْرِفَهْ إنَّ الْوُجُوهَ إلَيْهِ نَاظِرَةٌ بِذَا ... جَاءَ الْكِتَابُ فَقُلْتُمُو هَذَا سَفَهْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَأَنْتَ تَنْطِقُ بِالْهَوَى ... فَهَوَى بِكَ فِي الْمَهَاوِي الْمُتْلِفَهْ وَلَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ هَذَا أَلْطَفُ الرُّدُودِ وَآمَنُهَا لَسَلِمَ لَهُ فَالِاشْتِغَالُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ كَالتَّشَفِّي بِالْقَتِيلِ بَعْدَ قَتْلِهِ: مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلَامُ وَالْمُرَادُ بِآيَةِ الْأَعْرَافِ هِيَ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ سَيِّدِنَا مُوسَى ﵇ ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُمْتَنِعَةً لَكَانَ طَلَبُهَا جَهْلًا أَوْ سَفَهًا وَعَبَثًا وَطَلَبًا لِلْمُحَالِ وَالْأَنْبِيَاءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ بِاسْتِقْرَارِ الْجَبَلِ وَهُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ وَالْمُعَلَّقُ بِالْمُمْكِنِ مُمْكِنٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِثُبُوتِ الْمُعَلَّقِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْمُعَلَّقِ بِهِ وَالْمُحَالُ لَا يَثْبُتُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ التَّقَادِيرِ الْمُمْكِنَةِ قَوْلُهُ: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ﴾ [المطففين: ١٥] الْآيَةَ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا فَإِنَّهُمْ خُصُّوا بِكَوْنِهِمْ مَحْجُوبِينَ فَيَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ غَيْرَ مَحْجُوبِينَ وَهُوَ مَعْنَى الرُّؤْيَةِ وَالْحَمْلُ عَلَى كَوْنِهِمْ مَحْجُوبِينَ عَنْ ثَوَابِهِ وَكَرَامَتِهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ (قَوْلُهُ: لِعِنَادِهِمْ) أَوْ لِعَدَمِ تَأَهُّلِهِمْ لَهَا (قَوْلُهُ: لَا اسْتِحَالَةَ لِذَلِكَ) أَيْ لِلْخَيَالِ وَالْمِثَالِ فِي الْمَنَامِ لِأَنَّ الْمُسْتَحِيلَ التَّمْثِيلُ فِي الْوَاقِعِ وَالرُّؤْيَةُ الْمَنَامِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّمْثِيلِ وَالتَّخَيُّلِ فَيَرَى فِيهِ مَنْ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَصُورَةٍ ذَا جِسْمٍ وَصُورَةٍ وَتُرَى الْمَعَانِي عَلَى صُورَةِ الْأَجْسَامِ كَالْعِلْمِ عَلَى صُورَةِ اللَّبَنِ قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْمَضْنُونِ بِهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ: الْحَقُّ أَنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرَى فِي الْمَنَامِ كَمَا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرَى، وَلَكِنْ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَى رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يَفْهَمُ مَعْنَى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَعَلَّ الْعَالِمَ الَّذِي طَبْعُهُ قَرِيبٌ مِنْ طَبْعِ الْعَوَامّ يَفْهَمُ أَنَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَى حَقِيقَةَ شَخْصِهِ الْمُودَعِ فِي رَوْضَةِ الْمَدِينَةِ بِأَنْ شَقَّ الْقَبْرَ وَخَرَجَ مُرْتَحِلًا إلَى مَوْضِعِ الرُّؤْيَةِ وَلَا شَكَّ فِي جَهْلِ مَنْ يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يُرَى أَلْفَ مَرَّةٍ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي أَلْفِ مَوْضِعٍ بِأَشْخَاصٍ مُخْتَلِفَةٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي مَكَانَيْنِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ. وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ شَخْصٌ وَاحِدٌ

стр. 980

الْمِعْرَاجِ وَالصَّحِيحُ نَعَمْ وَإِلَيْهِ اسْتَنَدَ الْقَائِلُ بِالْوُقُوعِ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ رَأَيْت رَبَّك قَالَ رَأَيْت نُورًا» وَفِي رِوَايَةٍ «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» ؟ ، بِتَشْدِيدِ نُونِ أَنَّى وَضَمِيرُ أَرَاهُ لِلَّهِ أَيْ حَجَبَنِي النُّورُ الْمُغَشِّي لِلْبَصَرِ عَنْ رُؤْيَتِهِ وَقَدْ ذَكَرَ وُقُوعَهَا فِي الْمَنَامِ الْكَثِيرُ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ــ [حاشية العطار] فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ شَيْخٍ وَشَابٍّ طَوِيلٍ وَقَصِيرٍ إلَخْ وَيُرَى عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَمَنْ انْتَهَى حُمْقُهُ إلَى هَذَا الْحَالِ فَقَدْ انْخَلَعَ عَنْ رِبْقَةِ الْعَقْلِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَاطَبَ ثُمَّ حُقِّقَ أَنَّ الْمَرْئِيَّ مِثَالٌ صَارَ وَاسِطَةً بَيْنَهُ، وَبَيْنَهُ فِي تَعْرِيفِهِ فَكَمَا أَنَّ جَوْهَرَ النُّبُوَّةِ أَعْنِي الرُّوحَ الْمُقَدَّسَةَ الْبَاقِيَةَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ مُنَزَّهَةٌ عَنْ اللَّوْنِ وَالشَّكْلِ وَالصُّورَةِ لَكِنَّ الْعَبْدَ يَعْرِفُ ذَاتَهُ بِوَاسِطَةِ مِثَالٍ مَحْسُوسٍ مِنْ نُورٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مِثَالًا لِلْجَمَالِ الْحَقِيقِيِّ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي لَا صُورَةَ لَهُ وَلَا لَوْنَ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمِثَالُ صَادِقًا حَقًّا وَوَاسِطَةً فِي التَّعْرِيفِ فَيَقُولُ الرَّائِي رَأَيْت فِي الْمَنَامِ لَا بِمَعْنَى رَأَيْت ذَاتَهُ كَمَا يَقُولُ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ لَا بِمَعْنَى أَنِّي رَأَيْت ذَاتَ رُوحِهِ أَوْ ذَاتَ شَخْصِهِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ رَأَى مِثَالَهُ فَإِنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ لَهُ مِثْلٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا مِثْلَ لَهُ قُلْنَا هَذَا جَهْلٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْمِثَالِ وَلَيْسَ الْمِثَالُ عِبَارَةً عَنْ الْمِثْلِ إذْ الْمِثْلُ الْمُسَاوِي فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ وَالْمِثَالُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْمُسَاوَاةِ فَإِنَّ الْعَقْلَ مَعْنًى لَا يُمَاثِلُهُ غَيْرُهُ مُمَاثَلَةً حَقِيقِيَّةً وَلَنَا أَنْ نَضْرِبَ الشَّمْسَ لَهُ مِثَالًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَحْسُوسَاتِ تَنْكَشِفُ بِنُورِ الشَّمْسِ كَمَا تَنْكَشِفُ الْمَعْقُولَاتُ بِالْعَقْلِ فَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ كَافٍ فِي الْمِثَالِ وَيُمَثَّلُ فِي النَّوْمِ السُّلْطَانُ بِالشَّمْسِ وَالْوَزِيرُ بِالْقَمَرِ وَالسُّلْطَانُ لَا يُمَاثِلُ الشَّمْسَ بِصُورَتِهِ وَلَا بِمَعْنَاهُ وَلَا الْوَزِيرُ يُمَاثِلُ الْقَمَرَ إلَّا أَنَّ السُّلْطَانَ لَهُ اسْتِعْلَاءٌ عَلَى الْكُلِّ وَيَعُمُّ أَمْرُهُ الْجَمِيعَ وَالشَّمْسُ تُنَاسِبُهُ فِي هَذَا الْقَدْرِ وَالْقَمَرُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْأَرْضِ فِي إفَاضَةِ النُّورِ كَمَا أَنَّ الْوَزِيرَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ السُّلْطَانِ وَالرَّعِيَّةِ فِي إفَاضَةِ نُورِ الْعَدْلِ فَهَذَا مِثَالٌ وَلَيْسَ بِمِثْلٍ وَقَالَ اللَّهُ ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥] الْآيَةَ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ نُورِهِ وَبَيْنَ الزُّجَاجَةِ وَالْمِشْكَاةِ وَعَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ اللَّبَنِ فِي الْمَنَامِ بِالْإِسْلَامِ، وَالْحَبْلِ بِالْقُرْآنِ وَأَيُّ مُمَاثَلَةٍ بَيْنَ اللَّبَنِ وَالْإِسْلَامِ وَبَيْنَ الْحَبْلِ وَالْقُرْآنِ إلَّا فِي مُنَاسَبَةٍ وَهُوَ أَنَّ الْحَبْلَ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي النَّجَاةِ وَاللَّبَنَ غِذَاءُ الْحَيَاةِ الظَّاهِرَةِ وَالْإِسْلَامَ غِذَاءُ الْحَيَاةِ الْبَاطِنَةِ فَهَذِهِ كُلُّهَا مِثَالٌ وَلَيْسَتْ بِمِثْلٍ. فَذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يُرَيَانِ فِي الْمَنَامِ. وَإِنَّ مِثَالًا يَعْتَقِدُهُ النَّائِمُ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى وَذَاتَ النَّبِيِّ ﷺ يَجُوزُ أَنْ يُرَى وَكَيْفَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِهِ فِي الْمَنَامَاتِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَرَهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ تَوَاتَرَ إلَيْهِ مِنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ اهـ. بِتَصَرُّفٍ وَقَدْ اتَّفَقَ لِي تَأْلِيفُ رِسَالَةٍ أَشْبَعْت فِيهَا الْقَوْلَ فِي رُؤْيَتِهِ ﷺ مَنَامًا وَفِيهَا كَلَامٌ نَفِيسٌ غَيْرُ هَذَا ثُمَّ إنَّ اخْتِلَافَ رُؤْيَتِهِ ﷺ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الرَّائِي فَهِيَ صِفَاتُ الرَّائِي ظَهَرَتْ لَهُ كَمَا تَظْهَرُ فِي الْمِرْآةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الرُّؤْيَةِ التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لِاحْتِمَالِ الْخَطَإِ فِي التَّحَمُّلِ وَعَدَمِ ضَبْطِ الرَّائِي (حُكِيَ) أَنَّ رَجُلًا رَآهُ ﷺ فِي الْمَنَامِ يَقُولُ إنَّ فِي الْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ رِكَازًا اذْهَبْ فَخُذْهُ وَلَا خُمْسَ عَلَيْك فَذَهَبَ فَوَجَدَهُ فَاسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَخْرِجْ الْخُمْسَ فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ وَقُصَارَى رُؤْيَتِك الْآحَادُ (قَوْلُهُ: الصَّحِيحُ نَعَمْ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَأُجِيبَ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّارِحُ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ صَرَاحَتِهَا فَأَبُو ذَرٍّ نَافٍ وَغَيْرُهُ مُثْبِتٌ وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي إنْ قُلْت رُؤْيَتُهُ ﷺ كَانَتْ فِي السَّمَاءِ وَالدُّنْيَا اسْمٌ لِمَا فِي جَوْفِ فَلَكِ الْقَمَرِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ رَآهُ فِي زَمَنِ وُجُودِ الدُّنْيَا لَا فِي مَكَانِهَا وَالْآخِرَةُ اسْمٌ لِمَا بَعْدَ النَّفْخَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ وَهُمَا فِي مَحَلِّهِمَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ حُوِّلَا لِقَلْبِهِ. (قَوْلُهُ: أَيْ حَجَبَنِي النُّورُ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ نُورٌ فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ حَجَبَنِي نُورٌ قَوْلُهُ أَنَّى أَرَاهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ بِمَعْنَى كَيْفَ (قَوْلُهُ: مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ) رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ فَقُلْت يَا رَبِّ مَا أَفْضَلُ مَا

стр. 981

وَعَلَى ذَلِكَ الْمُعَبِّرُونَ لِلرُّؤْيَا وَبَالَغَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي إنْكَارِهِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنْعِ (السَّعِيدُ مَنْ كَتَبَهُ) أَيْ اللَّهُ (فِي الْأَزَلِ سَعِيدًا) أَيْ لَا فِي غَيْرِهِ (وَالشَّقِيُّ عَكْسُهُ) أَيْ مَنْ كَتَبَهُ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ شَقِيًّا لَا فِي غَيْرِهِ (ثُمَّ لَا يَتَبَدَّلَانِ) أَيْ الْمَكْتُوبَانِ فِي الْأَزَلِ بِخِلَافِ الْمَكْتُوبِ فِي غَيْرِهِ كَاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَالَ تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] أَيْ أَصْلُهُ الَّذِي لَا يُغَيَّرُ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ «فَرَغَ رَبُّك مِنْ الْعِبَادِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» (وَمَنْ عَلِمَ) أَيْ اللَّهُ (مَوْتَهُ مُؤْمِنًا فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ) بَلْ هُوَ سَعِيدٌ وَإِنْ تَقَدَّمَ مِنْهُ كُفْرٌ وَقَدْ غُفِرَ وَمَنْ عَلِمَ مَوْتَهُ كَافِرًا فَشَقِيٌّ وَإِنْ تَقَدَّمَ مِنْهُ إيمَانٌ وَقَدْ حَبِطَ وَفِي قَوْلٍ لِلْأَشْعَرِيِّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إيمَانًا فَالسَّعَادَةُ الْمَوْتُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالشَّقَاوَةُ الْمَوْتُ عَلَى الْكُفْرِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْأُولَى الْخُلُودُ فِي الْجَنَّةِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ الْخُلُودُ فِي النَّارِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٨] وَقَالَ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ - خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٧] (وَأَبُو بَكْرٍ) ﵁ (مَا زَالَ بِعَيْنِ الرِّضَا) مِنْهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ الْأَشْعَرِيُّ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْإِيمَانِ قَبْلَ تَصْدِيقِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ . لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ حَالَةُ كُفْرٍ كَمَا ثَبَتَ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ آمَنَ (وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ) مِنْ اللَّهِ (غَيْرُ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ) مِنْهُ فَإِنَّ مَعْنَى الْأَوَّلَيْنِ الْمُتَرَادِفَيْنِ أَخَصُّ مِنْ مَعْنَى الثَّانِيَيْنِ الْمُتَرَادِفَيْنِ إذْ الرِّضَا الْإِرَادَةُ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ وَالْأَخَصُّ غَيْرُ الْأَعَمِّ (فَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) مَعَ وُقُوعِهِ مِنْ بَعْضِهِمْ بِمَشِيئَتِهِ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ نَفْسُ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ (هُوَ الرَّزَّاقُ) كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٨] أَيْ فَلَا رَازِقَ غَيْرُهُ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مَنْ حَصَلَ لَهُ الرِّزْقُ بِتَعَبٍ فَهُوَ الرَّازِقُ لِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ تَعَبٍ فَاَللَّهُ هُوَ الرَّازِقُ لَهُ (وَالرِّزْقُ) بِمَعْنَى الْمَرْزُوقِ ــ [حاشية العطار] يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُتَقَرِّبُونَ قَالَ كَلَامِي يَا أَحْمَدُ فَقُلْت يَا رَبِّ بِفَهْمٍ وَبِغَيْرِ فَهْمٍ قَالَ بِفَهْمٍ وَبِغَيْرِ فَهْمٍ وَرَآهُ أَحْمَدُ بْنُ حَضْرَوَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا أَحْمَدُ كُلُّ الْخَلْقِ يَطْلُبُونَ مِنِّي إلَّا أَبَا يَزِيدَ فَإِنَّهُ يَطْلُبُنِي (قَوْلُهُ: وَعَلَى ذَلِكَ الْمُعَبِّرُونَ) فَإِنَّهُمْ يَعْقِدُونَ فِي كُتُبِهِمْ بَابًا لِرُؤْيَةِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا (قَوْلُهُ: لَا فِي غَيْرِهِ) أَخَذَهُ مِنْ مَفْهُومِ الظَّرْفِ أَعْنِي قَوْلَهُ فِي الْأَزَلِ لِأَنَّ الظَّرْفَ لَهُ مَفْهُومٌ (قَوْلُهُ: كَاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ) أَشَارَ بِإِدْخَالِ الْكَافِ عَلَيْهِ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِ مَا ذُكِرَ إذْ مِثْلُهُ الصُّحُفُ الَّتِي يَكْتُبُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِي الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. ثُمَّ تَطَرُّقُ الْمَحْوِ وَالْإِثْبَاتِ إلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أُمَّ الْكِتَابِ هُوَ عِلْمُ اللَّهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ أَمَّا عَلَى أَنَّ أُمَّ الْكِتَابِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَإِنَّمَا فِيهِ طِبْقُ مَا فِي الْعِلْمِ الْقَدِيمِ فَلَا مَحْوَ وَلَا إثْبَاتَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُمَا فِي صَحَائِفِ الْحَفَظَةِ. (قَوْلُهُ: فَرَغَ رَبُّك) أَيْ قَضَى ذَلِكَ وَقَدَّرَهُ (قَوْلُهُ: وَمَنْ عَلِمَ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ التَّفْرِيعُ أَوْ حَذْفُهُ وَهَذَا هُوَ إيمَانُ الْمُوَافَاةِ (قَوْلُهُ: بَلْ هُوَ سَعِيدٌ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السَّعَادَةَ الْأَزَلِيَّةَ هِيَ الْمَوْتُ عَلَى الْإِيمَانِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ غُفِرَ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وَقَعَتْ آخِرَ الْكَلَامِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ وَقَدْ حَبِطَ وَأَشَارَ بِهِمَا لِدَفْعِ مَا يُقَالُ إنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِيمَانِ أَوْ الْكُفْرِ لَيْسَ إيمَانًا وَلَا كُفْرًا أَيْ بَلْ هُوَ إيمَانٌ أَوْ كُفْرٌ وَلَكِنَّهُ غُفِرَ أَوْ حَبِطَ (قَوْلُهُ: خَالِدِينَ فِيهَا إلَخْ) سَقَطَ مِنْهُمْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (قَوْلُهُ: وَأَبُو بَكْرٍ إلَخْ) أَيْ فَهُوَ سَعِيدٌ فَنَاسَبَ ذِكْرُهُ عَقِبَ قَوْلِهِ السَّعِيدُ إلَخْ (قَوْلُهُ: مَا زَالَ بِعَيْنِ الرِّضَا) أَيْ قَرِيرًا بِهَا أَيْ مَسْرُورًا بِهَا (قَوْلُهُ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ حَالَةُ كُفْرٍ) أَيْ كَسُجُودٍ لِصَنَمٍ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ) أَيْ عَلَى الْفِعْلِ الْمُرَادِ بَلْ قَدْ يَكُونُ مَعَ إنْعَامٍ وَإِفْضَالٍ قَالَ النَّاصِرُ اعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ فِي مَفْهُومِ الرِّضَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْإِيمَانَ مِنْ الْكَافِرِ غَيْرُ مَرْضِيٍّ وَفِيهِ لَا يَخْفَى فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ الرِّضَا عَدَمُ الِاعْتِرَاضِ كَمَا فِي الْمَوَاقِفِ. (قَوْلُهُ: وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَخْ) قَالَ بِذَلِكَ أَيْضًا قَوْمٌ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ. وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] بِأَنَّهُ لَا يَرْضَاهُ دِينًا وَشَرْعًا بَلْ يُعَاقِبُ عَلَيْهِ وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادِ مَنْ وُفِّقَ لِلْإِيمَانِ وَلِهَذَا شَرَّفَهُمْ بِإِضَافَتِهِمْ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وَقَوْلِهِ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] اهـ. زَكَرِيَّا

стр. 982

(مَا يُنْتَفَعُ بِهِ) فِي التَّغَذِّي وَغَيْرِهِ (وَلَوْ) كَانَ (حَرَامًا) بِغَصْبٍ أَوْ غَيْرِهِ. خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ لَا يَكُونُ إلَّا حَلَالًا لِاسْتِنَادِهِ إلَى اللَّهِ فِي الْجُمْلَةِ وَالْمُسْتَنِدُ إلَيْهِ لِانْتِفَاعِ عِبَادِهِ يَقْبُحُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ قُلْنَا لَا قُبْحَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَعِقَابُهُمْ عَلَى الْحَرَامِ لِسُوءِ مُبَاشَرَتِهِمْ أَسْبَابَهُ وَيَلْزَمُ الْمُعْتَزِلَةَ أَنَّ الْمُتَغَذِّيَ بِالْحَرَامِ فَقَطْ طُولَ عُمْرِهِ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ أَصْلًا وَهُوَ مُخَالِفُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَتْرُكُ مَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ (بِيَدِهِ) تَعَالَى (الْهِدَايَةُ وَالْإِضْلَالُ) وَهُمَا (خَلْقُ الضَّلَالِ) وَهُوَ الْكُفْرُ (وَ) خَلْقُ (الِاهْتِدَاءِ وَهُوَ الْإِيمَانُ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] وَزَعَمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّهُمَا بِيَدِ الْعَبْدِ يَهْدِي نَفْسَهُ وَيُضِلُّهَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّهُ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ (وَالتَّوْفِيقُ خَلْقُ الْقُدْرَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى الطَّاعَةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ــ [حاشية العطار] (قَوْلُهُ: مَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَخْ) قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ الرِّزْقُ اسْمٌ لِمَا يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى الْحَيَوَانِ فَيَأْكُلُهُ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ حَلَالًا وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِهِ بِمَا يَتَغَذَّى بِهِ الْحَيَوَانُ لِخُلُوِّهِ عَنْ مَعْنَى الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي مَفْهُومِ الرِّزْقِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) قَدْ فَسَّرُوا الرِّزْقَ تَارَةً بِمَمْلُوكٍ يَأْكُلُهُ الْمَالِكُ وَتَارَةً بِمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا حَلَالًا وَيَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ لَا يَكُونَ مَا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَالْعَبِيدُ رِزْقًا وَهُوَ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وَعَلَى التَّعْرِيفَيْنِ أَنَّ مَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ إلَخْ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْكُلِّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي. (قَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ) إنَّمَا قَالَ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ الرِّزْقَ عِنْدَهُمْ قِسْمَانِ مَا كَانَ بِتَعَبٍ فَهُوَ مِنْ الْعَبْدِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُ الْمُعْتَزِلَةَ إلَخْ) . أُجِيبَ بِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ سَاقَ إلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ الْمُبَاحَاتِ إلَّا أَنَّهُ أَعَرَضَ عَنْهُ بِسُوءِ اخْتِيَارِهِ عَلَى أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُلْ حَلَالًا وَلَا حَرَامًا قَالَهُ الْخَيَالِيُّ فَإِنْ أُجِيبَ بِمَنْعِ وُجُودِ مِثْلِ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَإِنَّهُ قَدْ انْتَفَعَ بِدَمِ الْحَيْضِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُوَى الْحَيَوَانِيَّةِ فَكَذَا يُقَالُ فِي مَادَّةِ مَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي تَرْشِيحِ التَّوْشِيحِ عَنْ وَالِدِهِ رَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الرِّزْقُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْفَاقِ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْمَأْمُورِ بِالْإِنْفَاقِ مِنْهُ بِحَرَامٍ يُنْتِجُ لَا شَيْءَ مِنْ الرِّزْقِ بِحَرَامٍ وَبَيَانُ الصُّغْرَى ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧] وَالْكُبْرَى أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ الْمُحَرَّمِ اهـ. (قَوْلُهُ: بِيَدِهِ الْهِدَايَةُ إلَخْ) أَيْ بِقُدْرَتِهِ أَيْ أَنَّهُ خَالِقٌ لَهُمَا لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ خَالِقٌ لِجَمِيعِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. (قَوْلُهُ: خَلْقُ الْقُدْرَةِ) أَيْ عَلَى الطَّاعَةِ وَقَوْلُهُ وَالدَّاعِيَةُ أَيْ الرَّغْبَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهَا لِلْعِلْمِ بِهَا مِنْ خَلْقِ الْقُدْرَةِ الْمُقَارِنَةِ لِلْفِعْلِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُحَقِّقُونَ (قَوْلُهُ: خَلْقُ الطَّاعَةِ إلَخْ) أَيْ لَا خَلْقُ الْقُدْرَةِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ الْحَادِثَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ. وَأَقُولُ بِأَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي ذَاتِ الْفِعْلِ لَكِنْ عَلَى وَفْقِ مَشِيئَةِ الرَّبِّ وَإِرَادَتِهِ فَقَدْ نُسِبَ إلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ بِهِ وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ لَعَلَّنَا نَذْكُرُهَا فِيمَا بَعْدُ قَالَ فِي شَرْحِ الْكُبْرَى وَلَا يَصِحُّ نِسْبَتُهَا لَهُمْ بَلْ هِيَ مَكْذُوبَةٌ عَنْهُمْ وَلَئِنْ صَحَّتْ فَإِنَّمَا قَالُوهَا فِي مُنَاظَرَةٍ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ جَرَّ إلَيْهَا الْجَدَلُ اهـ. وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ قَدْ نَقَلَهَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فِي كُتُبِهِمْ عَنْهُمْ وَاشْتُهِرَتْ وَقَدْ نَقَلَهَا صَاحِبُ نِهَايَةِ الْإِقْدَامِ عَنْ أَرْبَابِهَا وَاحْتَجَّ عَلَى صِحَّتِهَا وَفِي الشَّامِلِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ التَّصْرِيحُ بِمَا نُسِبَ إلَيْهِ وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ السَّنُوسِيُّ حُسْنُ ظَنٍّ مِنْهُ. قَالَ الشَّاوِيُّ وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ مَنْ أَخَذَ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ الْكُتُبِ يُحَرِّضُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خُصُوصًا وَيَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْعَوَامّ مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ عَلَى وَفْقِ مَشِيئَةِ الرَّبِّ حَتَّى كَانَ عِنْدَهُ إدْخَالُ هَذَا الْعَقْدِ عَلَى

стр. 983

خَلْقُ الطَّاعَةِ، وَالْخِذْلَانُ ضِدُّهُ) فَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالدَّاعِيَةُ إلَيْهَا أَوْ خَلْقُ الْمَعْصِيَةِ (وَاللُّطْفُ مَا يَقَعُ عِنْدَهُ صَلَاحُ الْعَبْدِ أَخَرَةً) بِأَنْ تُقْطَعَ مِنْهُ الطَّاعَةُ دُونَ الْمَعْصِيَةِ (وَالْخَتْمُ وَالطَّبْعُ وَالْأَكِنَّةُ) الْوَارِدَةُ فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ﴿جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: ٥٧] عِبَارَاتٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ (خَلْقُ الضَّلَالِ فِي الْقَلْبِ) كَالْإِضْلَالِ (وَالْمَاهِيَّاتِ) لِلْمُمْكِنَاتِ أَيْ حَقَائِقِهَا (مَجْعُولَةً) بَسِيطَةً كَانَتْ أَوْ مُرَكَّبَةً أَيْ كُلُّ مَاهِيَّةٍ بِجَعْلِ الْجَاعِلِ وَقِيلَ: لَا مُطْلَقًا بَلْ كُلُّ ــ [حاشية العطار] النَّاسِ مِنْ الْقُرَبِ وَلَوْ عَلِمَ مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ لَمَا تَوَلَّعَ بِهَذِهِ الشَّهْوَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْوَرْطَةِ وَغَايَةُ الْأَخْذِ عَنْهُ الْجَهْلُ وَعَدَمُ الْإِدْرَاكِ بِالْأَحْوَطِ. (قَوْلُهُ: أَخَرَةً بِوَزْنِ دَرَجَةٍ) أَيْ آخِرَ عُمْرِهِ (قَوْلُهُ: وَالْمَاهِيَّاتُ إلَخْ) جَمْعُ مَاهِيَّةٍ تُطْلَقُ عَلَى مَا بِهِ يُجَابُ عَنْ السُّؤَالِ بِمَا هُوَ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا وَعَلَى مَا بِهِ الشَّيْءُ هُوَ هُوَ وَهَذَا الْمَعْنَى يُقَالُ لَهُ بِاعْتِبَارِ تَشَخُّصِهِ هُوَ بِهِ وَمَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ مَاهِيَّةً. وَبِاعْتِبَارِ تَحَقُّقِهِ حَقِيقَةً وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ أَيْ حَقَائِقِهَا. (قَوْلُهُ: بِجَعْلِ الْجَاعِلِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كَوْنَ الْمَاهِيَّةِ مَاهِيَّةً بِجَعْلِ الْجَاعِلِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا مُغَايَرَةَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنَفْسِهِ حَتَّى يُتَصَوَّرَ بَيْنَهُمَا جَعْلٌ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ أَثَرَ الْفَاعِلِ نَفْسُ الْمَاهِيَّاتِ أَوْ الْمَاهِيَّاتُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ فَمَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ يَقُولُ إنَّهَا أَثَرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَى تَأْثِيرِ الْفَاعِلِ ثُمَّ الْعَقْلُ يَنْتَزِعُ مِنْهَا الْوُجُودَ وَيَصِفُهَا بِهِ فَالْوُجُودُ اعْتِبَارٌ عَقْلِيٌّ انْتِزَاعِيٌّ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ وَقَالَ بِهِ الْحُكَمَاءُ الْإِشْرَاقِيُّونَ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى الثَّانِي يَقُولُ إنَّ أَثَرَ الْفَاعِلِ الْمَاهِيَّةُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ لَا مِنْ حَيْثُ نَفْسُهَا وَلَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا تِلْكَ الْمَاهِيَّةَ بَلْ أَثَرَ الْفَاعِلِ. ثُبُوتُهَا فِي الْخَارِجِ

стр. 984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية العطار] وَوُجُودُهَا فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمَاهِيَّةَ مُتَّصِفَةً بِالْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ فَالْمَاهِيَّةُ أَثَرٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ بِأَنْ تَكُونَ نَفْسُهَا صَادِرَةً عَنْهُ وَلَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا تِلْكَ الْمَاهِيَّةَ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمَاهِيَّةَ مَاهِيَّةً وَإِلَى

стр. 985

مَاهِيَّةٍ مُتَقَرِّرَةٌ بِذَاتِهَا. (وَثَالِثُهَا) مَجْعُولَةً (إنْ كَانَتْ مُرَكَّبَةً) بِخِلَافِ الْبَسِيطَةِ (أَرْسَلَ الرَّبُّ تَعَالَى رُسُلَهُ) مُؤَيَّدِينَ مِنْهُ (بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ) أَيْ الظَّاهِرَاتِ (وَخُصَّ مُحَمَّدٌ ﷺ ) مِنْهُمْ بِأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ــ [حاشية العطار] هَذَا ذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ لِلْمَاهِيَّةِ ثُبُوتًا فِي الْقِدَمِ وَكَذَلِكَ الْحُكَمَاءُ الْمَشَّاءُونَ وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ أَثَرُ الْفَاعِلِ هُوَ الشَّيْءُ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ إمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِاعْتِبَارِهِ الْوُجُودَ وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إلَى أَنَّ الْمَاهِيَّاتِ مَجْعُولَةً بِمَعْنَى كَوْنِ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ مَاهِيَّةً. إذْ لَا مَعْنَى لَهُ هَذَا هُوَ تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ حَسْبَمَا حَقَّقَهُ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ فِي حَوَاشِي الزَّوْرَاءِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْجَعْلِ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَجْعُولَةً لَارْتَفَعَتْ الْمَجْعُولِيَّةُ بِالْكُلِّيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي نَفْسِهَا أَوْ فِي وُجُودِهَا وَاتِّصَافِهَا بِالْوُجُودِ وَلَوْ ارْتَفَعَتْ بِالْكُلِّيَّةِ لَزِمَ اسْتِغْنَاءُ الْمُمْكِنِ عَنْ الْمُؤَثِّرِ وَهُوَ بَاطِلٌ وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْجَعْلِ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الْإِنْسَانِيَّةُ مَثَلًا بِجَعْلِ الْجَاعِلِ لَمْ تَكُنْ الْإِنْسَانِيَّةُ عِنْدَ عَدَمِ جَعْلِ الْجَاعِلِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ أَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ؛ فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَثَرًا لِلْجَعْلِ وَيَكُونُ أَثَرًا لَهُ يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ، وَأَمَّا بُطْلَانُ الثَّانِي؛ فَلِأَنَّهُ سَلْبُ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ لَمْ تَكُنْ الْإِنْسَانِيَّةُ إنْسَانِيَّةً قَضِيَّةٌ مَعْدُولَةٌ يَكُونُ مَوْضُوعُهَا مَوْجُودًا فَلَا نُسَلِّمُ هَذَا وَإِنْ أُرِيدَ قَضِيَّةٌ سَالِبَةٌ فَلَا نُسَلِّمُ اسْتِحَالَةَ سَلْبِ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ أَلَا يُرَى أَنَّ الْمَعْدُومَ فِي الْخَارِجِ دَائِمًا مَسْلُوبٌ عَنْ نَفْسِهِ فَإِذَا ارْتَفَعَ الْجَعْلُ فِي وَقْتٍ أَوْ دَائِمًا ارْتَفَعَ الْإِنْسَانِيَّةُ كَذَلِكَ فَيَصْدُقُ قَوْلُنَا لَيْسَ الْإِنْسَانِيَّةُ إنْسَانِيَّةً هَذَا مَا يُقَالُ هُنَا وَأَمَّا اسْتِيعَابُ أَطْرَافِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَقَدْ أَوْدَعْنَاهُ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً وَبَعْدَ إحَاطَتِك بِمَا قَرَّرْنَاهُ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ الْغُنَيْمِيِّ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الصُّغْرَى إنْ كَانَ الْجَعْلُ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ فَلَا مَعْنَى لِتَصْيِيرِ الشَّيْءِ نَفْسَهُ لِلُزُومِ الْمُغَايَرَةِ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْإِيجَادِ فَهِيَ مَجْعُولَةٌ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَرَجْعُ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا لَا فَرْقَ بَيْنَ بَسِيطٍ وَمُرَكَّبٍ سَاقِطٌ جِدًّا. كَيْفَ وَقَدْ فَرَّعَ كُلُّ فَرِيقٍ عَلَى قَوْلِهِ مَا لَمْ يَقُلْ بِهِ الْآخَرُ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ مَبْسُوطَاتِ الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: أَرْسَلَ الرَّبُّ تَعَالَى رَسُولَهُ) قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ عِنْدَ قَوْلِ النَّسَفِيِّ وَفِي إرْسَالِ الرُّسُلِ حِكْمَةٌ أَيْ مَصْلَحَةٌ وَعَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إرْسَالَ الرُّسُلِ وَاجِبٌ لَا بِمَعْنَى الْوُجُوبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ قَضِيَّةَ الْحِكْمَةِ تَقْتَضِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ كَمَا زَعَمَتْ السُّمَنِيَّةُ وَالْبَرَاهِمَةُ وَلَا بِمُمْكِنٍ يَسْتَوِي طَرَفَاهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ اهـ. قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِاقْتِضَاءِ الْحِكْمَةِ أَنَّهَا تَقْتَضِيهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْحِكْمَةَ تُرَجِّحُ جَانِبَ وُقُوعِ الْإِرْسَالِ وَتُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الْمُسَاوَاةِ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ فِي نَفْسِهِ وَهَذَا الْوُجُوبُ هُوَ الْوُجُوبُ الْعَادِيُّ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَفْعَلُهُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ جَائِزًا فِي نَفْسِهِ كَعِلْمِنَا بِأَنَّ جَبَلَ أُحُدٍ لَمْ يَنْقَلِبْ ذَهَبًا مَعَ جَوَازِهِ وَلَيْسَ مِنْ الْوُجُوبِ الَّذِي زَعَمَهُ الْمُعْتَزِلَةُ بِحَيْثُ يَكُونُ تَرْكُهُ مُوجِبًا لِلسَّفَهِ وَالْعَبَثِ اهـ. وَالرُّسُلُ جَمْعُ رَسُولٍ، فَعُولٌ مِنْ الرِّسَالَةِ وَهِيَ سِفَارَةُ الْعَبْدِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ ذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْ خَلِيقَتِهِ لِيُزِيحَ بِهَا عِلَلَهُمْ فِيمَا قَصُرَتْ عَنْهُ عُقُولُهُمْ مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْيَوَاقِيتِ وَالْجَوَاهِرِ إنَّ الْإِرْسَالَ اخْتِبَارٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِبَعْضِ الْبَشَرِ كَمَا قَالُوا ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وَأَيْضًا عَامَّةُ الْخَلْقِ لَا يُنَاسِبُهُمْ إرْشَادُ الرُّوحَانِيِّ الْمَحْضِ وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَالْيَوَاقِيتِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ يَمْتَنِعُ رِسَالَةُ نَبِيَّيْنِ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَا يَنْطِقَانِ فِي رِسَالَتِهِمَا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ مُوسَى وَهَارُونَ ﵉ فَلَمْ يَكُنْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عِبَادَةٌ تَخُصُّهُ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ أَيْ خَتْمُ النُّبُوَّةِ قَاصِرٌ عَلَيْهِ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصَائِرِ لَمَّا كَانَ فَائِدَةُ الشَّرْعِ دَعْوَةَ الْخَلْقِ إلَى الْحَقِّ وَإِرْشَادَهُمْ إلَى مَصَالِحِ الْعَرْشِ وَالْمَعَادِ وَإِعْلَامَهُمْ الْأُمُورَ الَّتِي تَعْجَزُ عَنْهَا عُقُولُهُمْ وَتَقْرِيرَ الْحِجَجِ الْقَاطِعَةِ وَإِزَالَةَ الشُّبَهِ الْبَاطِلَةِ وَقَدْ تَكَفَّلَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ الْأَكْمَلِ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ مَزِيدٌ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الْآيَةَ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ حَاجَةٌ لِلْخَلْقِ إلَى بَعْثَةِ نَبِيٍّ فَلِذَلِكَ خُتِمَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ اهـ
следующие страницы →