Полный текст (1 048 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ فَجَزَمُوا بِالرُّجُوعِ فَعَزَمَ عَلَيْهِ عَمْرٌو ﵁ ثُمَّ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (أَمَّا وِفَاقُ الشَّافِعِيِّ زَيْدًا فِي الْفَرَائِضِ) حَتَّى تَرَدَّدَ حَيْثُ تَرَدَّدَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ زَيْدٍ (فَلِدَلِيلٍ لَا تَقْلِيدًا) بِأَنْ وَافَقَ اجْتِهَادَهُ وَقَدْ قَالَ ﷺ «أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَكَذَا الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ
(مَسْأَلَةُ الْإِلْهَامِ إيقَاعُ شَيْءٍ فِي الْقَلْبِ يَثْلُجُ) بِضَمِّ اللَّامِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا أَيْ يَطْمَئِنُّ (لَهُ الصَّدْرُ يَخُصُّ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لِعَدَمِ ثِقَةِ مَنْ لَيْسَ مَعْصُومًا بِخَوَاطِرِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ دَسِيسَةِ الشَّيْطَانِ فِيهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ أَمَّا الْمَعْصُومُ كَالنَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ إذَا تَعَلَّقَ بِهِمْ كَالْوَحْيِ
(خَاتِمَةٌ: قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ مَبْنَى الْفِقْهِ عَلَى) أَرْبَعَةِ أُمُورٍ (أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُرْفَعُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ اسْتِصْحَابُهُ (بِالشَّكِّ) وَمِنْ مَسَائِلِهِ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ يَأْخُذُ بِالطَّهَارَةِ (وَ) أَنَّ (الضَّرَرَ يُزَالُ) وَمِنْ مَسَائِلِهِ وُجُوبُ رَدِّ الْمَغْصُوبِ وَضَمَانِهِ بِالتَّلَفِ (وَ) أَنَّ (الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ) وَمَسَائِلُهُ جَوَازُ الْقَصْرِ وَالْجَمْعِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ بِشَرْطِهِ
ــ
[حاشية العطار]
كُلٍّ مِنْهُمْ حُجَّةٌ مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ قَوْلِ غَيْرِهِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: مَشْيَخَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشَّيْنِ وَفَتْحِ الْيَاءِ كَمُتَرَتِّبَةٍ مِنْ جُمْلَةِ جُمُوعِ شَيْخٍ (قَوْلُهُ: أَمَّا وِفَاقُ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ وَلَمَّا كَانَ هَاهُنَا مَظِنَّةَ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَرْجَحَ مِنْ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجَدِيدِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ حُجَّةً فَكَيْفَ احْتَجَّ بِقَوْلِ زَيْدٍ وَقَلَّدَهُ الْفَرَائِضَ أَشَارَ إلَى جَوَابِهِ بِقَوْلِهِ أَمَّا وِفَاقُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا تَقْلِيدًا) أَيْ فِي السِّيَاقِ وَالِاحْتِجَاجِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى السِّيَاقِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَالَ ﷺ إلَخْ) الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدُ الثَّنَاءِ عَلَى زَيْدٍ إذْ لَا شَاهِدَ فِيهِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ
[مَسْأَلَةُ الْإِلْهَامِ]
(قَوْله يَثْلُجُ لَهُ الصَّدْرُ) أَيْ يَطْمَئِنُّ شَبَّهَ حَالَةَ اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ بِالْوَارِدَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَسُكُونَ شُبْهَتِهِ بِحَالَةِ سُكُونِ حَرَارَةِ الْقِدْرِ الْحَاصِلَةِ بِإِصَابَةِ بَرْدِ الثَّلْجِ لَهُ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالثَّلْجِ فَأَطْلَقَ عَلَيْهَا لَفْظَهَا فَفِي الْكَلَامِ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ قَالَهُ النَّجَّارِيُّ (قَوْلُهُ: بِضَمِّ اللَّامِ إلَخْ) فَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ دَخَلَ وَعَلَى الثَّانِي مِنْ بَابِ طَرِبَ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ) اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وَبِقَوْلِهِ ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ﴾ [الغاشية: ١٧] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الْآمِرَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَلَمْ يَقَعْ الْأَمْرُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْعَقَائِدِ بِالرُّجُوعِ إلَى الْقَلْبِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي حَقِّهِ) أَيْ فِي حَقِّ الْمُلْهَمِ دُونَ غَيْرِهِ بِذَلِكَ صَرَّحَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيّ وَمَالَ إلَيْهِ التَّفْتَازَانِيُّ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ وَالْحَقُّ كَمَا قَالَ صَاحِبُ مَتْنِ الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَسْبَابَ الْعِلْمِ، وَالْإِلْهَامُ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعْرِفَةِ فَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ هُوَ الشَّرْعُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَيَقْرَبُ مِنْ الْإِلْهَامِ رُؤْيَا الْمَنَامِ فَمَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَوْمِهِ يَأْمُرُهُ بِشَيْءٍ أَوْ يَنْهَاهُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ اعْتِمَادُهُ مَعَ أَنَّ مَنْ رَآهُ فَقَدْ رَآهُ حَقًّا لِعَدَمِ ضَبْطِ الرَّائِي اهـ
[خَاتِمَةٌ مَبْنَى الْفِقْهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ]
(قَوْلُهُ: خَاتِمَةٌ) أَيْ فِي قَوَاعِدَ ثَبَتَ مَضْمُونُهَا بِالدَّلِيلِ فَشَبَّهَ ارْتِبَاطَ جُزْئِيَّاتِهَا بِهَا فِي تَعَرُّفِ حُكْمِهَا مِنْهَا بِارْتِبَاطِ الْمَدْلُولِ بِالدَّلِيلِ فِي تَعَرُّفِ حُكْمِهِ مِنْهُ فَنَاسَبَ لِذَلِكَ إيرَادُهَا خَاتِمَةً لِلْكَلَامِ فِي الْأَدِلَّةِ (قَوْلُهُ: مَبْنَى الْفِقْهِ) أَيْ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ أَوْ أَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ وَإِلَّا فَهِيَ تَزِيدُ عَلَى مَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: الْيَقِينُ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ) أَيْ مُطْلَقِ التَّرَدُّدِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا فَلَا يَنْصَرِفْ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ اسْتِصْحَابُهُ) أَيْ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهِ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَلَا يُعْقَلُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الشَّكِّ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ لَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يَبْقَى (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ وَإِنْ ثَبَتَ قُلْت إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ وَقَدْ عَزَا الْخَطَّابِيُّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ إلَى الشَّافِعِيِّ ﵁ عِنْدَ كَلَامِهِ عَلَى الذُّبَابِ يَقَعُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ وَيَقْرَبُ مِنْهَا الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَمِنْ ثَمَّ التَّيَمُّمُ وَالْمَسْحُ وَصَلَاةُ الْمُتَنَفِّلِ قَاعِدًا وَالرُّخَصُ إسْقَاطًا وَتَخْفِيفًا.
(قَوْلُهُ: مِنْ مَسَائِلِهِ جَوَازُ الْقَصْرِ إلَخْ)
стр. 912
(وَ) أَنَّ (الْعَادَةَ مُحَكَّمَةٌ) بِفَتْحِ الْكَافِ الْمُشَدَّدَةِ وَمِنْ مَسَائِلِهِ أَقَلُّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرُهُ (قِيلَ) زِيَادَةً عَلَى الْأَرْبَعَةِ (وَ) أَنَّ (الْأُمُورَ بِمَقَاصِدِهَا) وَمِنْ مَسَائِلِهِ وُجُوبُ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ وَرَجَّعَهُ الْمُصَنِّفُ إلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّ الشَّيْءَ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْيَقِينَ عُدِمَ حُصُولُهُ
ــ
[حاشية العطار]
وَمِنْهَا لَوْ تَنَجَّسَ الْخُفُّ بِخَرْزِهِ مِنْ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ فَغُسِلَ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ طَهُرَ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ الْخَرْزِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ وَقِيلَ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ يُصَلِّي فِي الْخُفِّ النَّوَافِلَ دُونَ الْفَرَائِضِ فَرَاجَعَهُ الْقَفَّالُ فَقَالَ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ قَالَ الرَّافِعِيُّ أَشَارَ إلَى كَثْرَةِ النَّوَافِلِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَلْ إلَى عُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ وَمَشَقَّةُ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ فَعُفِيَ عَنْهُ مُطْلَقًا وَكَانَ لَا يُصَلِّي فِيهِ الْفَرِيضَةَ احْتِيَاطًا لَهَا وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ (قَوْلُهُ: مُحَكَّمَةٌ) أَيْ حَكَّمَهَا الشَّرْعُ فَيُعْمَلُ بِهَا شَرْعًا فَهِيَ كَالْحُكْمِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ مَسَائِلِهِ أَقَلُّ الْحَيْضِ أَوْ أَكْثَرُهُ) وَكَذَلِكَ قِصَرُ الزَّمَانِ وَطُولُهُ عِنْدَ الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ الِاسْتِئْنَافِ، وَتَنَاوُلُ الثِّمَارِ السَّاقِطَةِ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمَمْلُوكَةِ فِي الطَّرِيقِ، وَأَخْذُ ظَرْفِ هَدِيَّةٍ لَمْ يُعْتَدْ رَدُّ مِثْلِهِ، وَحَمْلُ الْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ عَلَى الْكُفُؤِ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ، وَاعْتِمَادُ الْعُرْفِ فِي قَدْرِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَفِي قَدْرِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِمَنْ جَمَعَ تَقْدِيمًا، وَخِفَّةُ اللِّحْيَةِ وَكَثَافَتُهَا فِي الْوُضُوءِ، وَقَدْرُ الْمُحَقَّرَاتِ فِي الْبَيْعِ وَمِنْهَا كُتُبُ الْمُرَاسَلَاتِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاعِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ الشَّامِلِ حَكَى الْقَاضِي أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ لَا يَمْلِكُهَا الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ وَلَكِنْ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِحُكْمِ الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْأُمُورَ بِمَقَاصِدِهَا) أَيْ لَا تَحْصُلُ الْعِبَادَاتُ إلَّا بِقَصْدِهَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ وَأَرْشَقُ وَأَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ قَوْلُ مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ إنَّمَا «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
(قَوْلُهُ: وَرَجَّعَهُ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) رَجَّعَهُ غَيْرُهُ إلَى تَحْكِيمِ الْعَادَةِ فَإِنَّهَا تَقْضِي أَنَّ غَيْرَ الْمَنْوِيِّ كَغُسْلٍ وَصَلَاةٍ وَكِتَابَةٍ فِي عَقْدٍ لَا يُسَمَّى غُسْلًا وَلَا قُرْبَةً وَلَا عَقْدًا هَذَا وَقَدْ بَحَثَ بَعْضُهُمْ رُجُوعَ الْجَمِيعِ إلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ اهـ. زَكَرِيَّا.
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ رُجُوعَ الْجَمِيعِ الْأُمُورَ الْأَرْبَعَةَ فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ رُجُوعِ الْفِقْهِ كُلِّهِ إلَى قَاعِدَتَيْنِ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ كَمَا شَرَحَ ذَلِكَ فِي قَوَاعِدِهِ وَأَمَّا قَاعِدَةُ سَدِّ الذَّرَائِعِ فَقَدْ اُشْتُهِرَتْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَزَعَمَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَقُولُ بِهَا وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمَالِكِيَّةِ إلَّا مِنْ حَيْثُ زِيَادَتُهُمْ فِيهَا قَالَ فَإِنَّ مِنْ الذَّرَائِعِ مَا يُعْتَبَرُ إجْمَاعًا كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي طَعَامِهِمْ وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ عِنْدَ سَبِّهَا وَتُلْغَى إجْمَاعًا كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ فَإِنَّهَا لَا تُمْنَعُ خَشْيَةَ الْخَمْرِ وَمَا يُخْتَلَفُ فِيهِ كَبُيُوعِ الْآجَالِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ أَطْلَقَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ عَلَى أَعَمَّ مِنْهَا ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَقُولُ بِبَعْضِهَا وَسَنُوَضِّحُ لَك أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقُولُ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَأَنَّ مَا ذُكِرَ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ مُسَمَّى سَدِّ الذَّرَائِعِ فِي شَيْءٍ نَعَمْ حَاوَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ تَخْرِيجَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ الْأُمِّ عِنْدَ النَّهْيِ عَنْ مَنْعِ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلَأَ أَنَّ مَا كَانَ ذَرِيعَةً إلَى مَنْعِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَمْ يَحِلَّ وَكَذَا مَا كَانَ ذَرِيعَةً إلَى إحْلَالِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ اهـ.
فَقَالَ فِي هَذَا مَا يُثْبِتُ أَنَّ الذَّرَائِعَ إلَى الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ تُشْبِهُ مَعَانِيَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ اهـ.
وَنَازَعَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْوَالِدُ وَقَالَ إنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَحْرِيمَ الْوَسَائِلِ لَا سَدَّ الذَّرَائِعِ وَالْوَسَائِلُ تَسْتَلْزِمُ الْمُتَوَسَّلَ إلَيْهِ وَمِنْ هَذَا مَنْعُ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَ الْكَلَأِ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ وَنَحْنُ لَا نُنَازِعُ فِيمَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ الْوَسَائِلِ وَلِذَلِكَ نَقُولُ مَنْ حَبَسَ شَخْصًا وَمَنَعَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَهُوَ قَاتِلٌ لَهُ وَمَا هَذَا مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ فِي شَيْءٍ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي نَفْسِ الذَّرَائِعِ لَا فِي سَدِّهَا وَأَصْلُ النِّزَاعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي سَدِّهَا (قَوْلُهُ: عَدَمَ حُصُولِهِ) أَيْ شَرْعًا وَإِنْ وُجِدَتْ صُورَتُهُ فِي الْخَارِجِ
стр. 913
(الْكِتَابُ السَّادِسُ فِي التَّعَادُلِ وَالتَّرَاجِيحِ) بَيْنَ الْأَدِلَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِهَا (يَمْتَنِعُ تَعَادُلُ الْقَاطِعَيْنِ) أَيْ تَقَابُلُهُمَا بِأَنْ يَدُلَّ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مُنَافِي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْآخَرُ إذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَثَبَتَ مَدْلُولَاهُمَا فَيَجْتَمِعُ الْمُتَنَافِيَانِ فَلَا وُجُودَ لِقَاطِعَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ كَدَالٍّ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ وَدَالٍّ عَلَى قِدَمِهِ وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ تَقَابُلُ الدَّلِيلَيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ مُحَالٌ إلَى مَا قَالَهُ لِيُنَاسِبَ قَوْلَ تَعَادُلِ التَّرْجَمَةِ وَلِيَشْمَلَ قَوْلَ الْقَاطِعَيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَالنَّقْلِيَّيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِمَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَالْعَقْلِيُّ وَالنَّقْلِيُّ أَيْضًا وَالْكَلَامُ فِي النَّقْلِيَّيْنِ حِينَئِذٍ لَا يُنْسَخُ بَيْنَهُمَا وَلِبَاحِثٍ أَنْ يَقُولَ لَا بُعْدَ فِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِمَا الْخِلَافُ الْآتِي فِي الْأَمَارَتَيْنِ لِمَجِيءِ تَوْجِيهِهِ الْآتِي فِيهِمَا
(وَكَذَا) يُمْتَنَعُ تَعَادُلُ (الْأَمَارَتَيْنِ) أَيْ تَقَابُلُهُمَا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ لِإِحْدَاهُمَا (فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الصَّحِيحِ)
ــ
[حاشية العطار]
[الْكِتَابُ السَّادِسُ فِي التَّعَادُلِ وَالتَّرَاجِيحِ]
(قَوْلُهُ: فِي التَّعَادُلِ) أَفْرَدَهُ لِأَنَّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَجَمَعَ الثَّانِيَ لِأَنَّهُ أَنْوَاعٌ (قَوْلُهُ: بَيْنَ الْأَدِلَّةِ) تَنَازَعَهُ تَعَادُلٌ وَتَرَاجِيحُ وَقَوْلُهُ عِنْدَ تَعَارُضِهَا ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ وَالتَّرَاجِيحِ وَيَحْتَمِلُ التَّنَازُعَ وَالْمُرَادُ التَّعَارُضُ فِي اللَّفْظِ (قَوْلُهُ: إذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَثَبَتَ مَدْلُولُهُمَا) فِيهِ أَنَّ اللَّازِمَ عَلَى جَوَازِ التَّعَادُلِ جَوَازُ ثُبُوتِ الْمَدْلُولِ لَا نَفْسِ الثُّبُوتِ فَالْمُرَادُ لَجَازَ ثُبُوتُ مَدْلُولِهِمَا وَثُبُوتُ مَدْلُولِهِمَا مُحَالٌ وَمُسْتَلْزِمُ الْمُحَالِ مُحَالٌ أَوْ الْمُرَادُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ جَوَازًا وُقُوعِيًّا أَيْ لَوْ أَمْكَنَ وَوَقَعَ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ يَمْتَنِعُ تَعَادُلُ قَاطِعَيْنِ مَعْنَاهُ يَمْتَنِعُ وُقُوعُ ذَلِكَ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: كَدَالٍّ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ إلَخْ) الْمُرَادُ الدَّلَالَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إذْ مِنْ الْمُحَالِ اجْتِمَاعُ الْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ فِيهِ وَهَذَا لَا يُنَافِي الدَّلَالَةَ لَا بِحَسَبِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ حَقِيقَةِ مُقَدِّمَاتٍ قِيَاسِيَّةٍ كَدَلِيلِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْفَلَاسِفَةِ وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ فِي مُقَدِّمَةِ الْقِيَاسِ تَسْلِيمُهَا لَا حَقِيقَتُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِيُنَاسِبَ قَوْلُهُ تَعَادُلُ) مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ يُنَاسِبُ وَالتَّرْجَمَةُ بِالنَّصْبِ مَفْعُولُهُ وَتَعَادُلُ مَحْكِيٌّ بِالْقَوْلِ وَكَذَا قَوْلُهُ الْقَاطِعَيْنِ وَالْعَقْلِيَّيْنِ مَفْعُولُ قَوْلِهِ يَشْمَلُ وَالنَّقْلِيَّيْنِ وَمَا بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلَى الْعَقْلِيَّيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ حَيْثُ خَبَرٌ (قَوْلُهُ: وَلِبَاحِثٍ) أَيْ مَعَ الْمُصَنِّفِ وَتَصْوِيبُ مَا لِابْنِ الْحَاجِبِ (قَوْلُهُ: الْآتِي فِيهِمَا) أَيْ فِي النَّقْلَيْنِ الْقَاطِعَيْنِ حَيْثُ لَا نَسْخَ أَمَّا تَوْجِيهُ الْمَنْعِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا تَوْجِيهُ الْجَوَازِ فَلِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي تَعَادُلِ الْقَاطِعَيْنِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ الْمُصَوِّبَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ مُتَعَدِّدٌ بِتَعَدُّدِ الْمُجْتَهِدِينَ أَمَّا عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِ الْمُصَوِّبَةِ فَلَا يَتَأَتَّى تَعَادُلُ الْقَاطِعَيْنِ النَّقْلِيَّيْنِ كَالْعَقْلِيَّيْنِ
(قَوْلُهُ: تَعَادُلُ الْأَمَارَتَيْنِ) لَمْ يَقُلْ تَعَادُلُ الظَّنِّيَّيْنِ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ
стр. 914
حَذَرًا مِنْ التَّعَارُضِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، وَالْمُجَوِّزُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ يَقُولُ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ وَيَبْنِي عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي أَمَّا تَعَادُلُهُمَا فِي ذِهْنِ الْمُجْتَهِدِ فَوَاقِعٌ قَطْعًا وَهُوَ مَنْشَأُ تَرَدُّدِهِ كَتَرَدُّدِ الشَّافِعِيِّ الْآتِي (فَإِنْ تَوَهَّمَ التَّعَادُلَ) أَيْ وَقَعَ فِي وَهْمِ الْمُجْتَهِدِ أَيْ ذِهْنِهِ تَعَادُلُ الْأَمَارَتَيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِهِ حَيْثُ عَجَزَ عَنْ مُرَجِّحٍ لِإِحْدَاهُمَا (فَالتَّخْيِيرُ) بَيْنَهُمَا فِي الْعَمَلِ (أَوْ التَّسَاقُطُ) لَهُمَا فَيَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِمَا
ــ
[حاشية العطار]
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الظُّنُونِ تَعَارُضٌ كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعُلُومِ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي أَسْبَابِهَا اهـ. زَكَرِيَّا.
وَفِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ لِلْبُدَخْشِيِّ تَعَادُلُ الْأَمَارَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُجْتَهِدَيْنِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَاخْتُلِفَ فِي تَعَادُلِهِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَنَعَهُ الْكَرْخِيُّ مُطْلَقًا وَجَوَّزَهُ قَوْمٌ وَحِينَئِذٍ فَالتَّخْيِيرُ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي عَلِيٍّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ الْجُبَّائِيَّيْنِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُخَيَّرٌ فِي الْعَمَلِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَالتَّسَاقُطِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَيْ لَا يَعْمَلُ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا بَلْ يَرْجِعُ إلَى مُقْتَضَى الْعَقْلِ وَهُوَ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ تَفْصِيلًا وَقَالَ تَعَادُلُ الْأَمَارَتَيْنِ إمَّا أَنْ يَقَعَ فِي حُكْمَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ وَالْفِعْلُ وَاحِدٌ كَوُجُوبِ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ وَإِبَاحَتِهِ وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي فِعْلَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَغَيْرُ وَاقِعٍ فِي الشَّرْعِ وَأَمَّا الثَّانِي فَوَاقِعٌ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» فَالْحُكْمُ فِي مِلْكِ مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ وَهُوَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَاحِدٌ وَالْفِعْلَانِ هُنَا إخْرَاجُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَإِخْرَاجُ حِقَاقٍ مُتَنَافِيَانِ وَحُكْمُهُ التَّخْيِيرُ فَإِنَّ الْمَالِكَ لِمِائَتَيْ إبِلٍ مُخَيَّرٌ فِي إخْرَاجِ خَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» وَفِي إخْرَاجِ أَرْبَعِ حِقَاقٍ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇ «فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ قَالَ الْإِمَامُ مَعْنَى هَذَا التَّخْيِيرِ هُوَ أَنَّ هَذَا التَّعَادُلَ إنْ وَقَعَ فِي عَمَلِ نَفْسِهِ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْعَمَلِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَإِنْ وَقَعَ لِلْمُفْتِي كَانَ حُكْمُهُ أَنْ يُخَيِّرَ الْمُسْتَفْتِيَ فِي الْعَمَلِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ كَمَا يَلْزَمُهُ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ وَإِنْ وَقَعَ لِلْحَاكِمِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ فَإِنَّهُ نُصِّبَ لِقَطْعِ الْخُصُومَاتِ وَذَا يَكُونُ بِالتَّعْيِينِ اهـ. مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: حَذَرًا مِنْ التَّعَارُضِ) هَذِهِ الْعِلَّةُ تَقْتَضِي قَصْرَ الْأَمَارَتَيْنِ عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ الشَّرْعِ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مُطْلَقٌ وَلَعَلَّ الشَّارِحَ اطَّلَعَ عَلَى التَّقْيِيدِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ) نُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ فِيهِ التَّعَارُضَ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْغَرَضُ صَحِيحًا وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (قَوْلُهُ: مَا سَيَأْتِي) هُوَ قَوْلُهُ فَإِنْ تُوُهِّمَ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَيْ وَقَعَ فِي وَهْمِ إلَخْ) حَمَلَ الشَّارِعُ التَّوَهُّمَ هُنَا عَلَى مُطْلَقِ الْوُقُوعِ فِي الْوَهْمِ أَيْ الذِّهْنِ لَا يُقَالُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الشَّكَّ وَالْوَهْمَ وَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِالتَّسَاقُطِ أَوْ التَّخْيِيرِ أَوْ التَّوَقُّفِ بِمُجَرَّدِهِمَا لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ أَخْرَجَ مُجَرَّدَهُمَا بِتَقْيِيدِ الْوُقُوعِ فِي الْوَهْمِ بِقَوْلِهِ حَيْثُ عَجَزَ عَنْ مُرَجِّحٍ لِإِحْدَاهُمَا فَإِنَّ الْوُصُولَ إلَى حَدِّ الْعَجْزِ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا مَعَ حُصُولِ ظَنِّ التَّعَارُضِ فَإِنْ تَحَقَّقَ شَكٌّ أَوْ وَهْمٌ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْمُرَجِّحِ اتَّجَهَ الْقَوْلُ بِمَا ذُكِرَ حِينَئِذٍ إذْ مُجَرَّدُ احْتِمَالِ عَدَمِ التَّعَادُلِ أَوْ ظَنِّهِ مَعَ الْعَجْزِ الْمَذْكُورِ لَا أَثَرَ لَهُ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: فَالتَّخْيِيرُ) أَيْ الْخِيرَةُ فِيهِ فِي الِاجْتِهَادِ لِلْمُجْتَهِدِ وَفِي الْفَتْوَى لِلْمُسْتَفْتِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ (قَوْلُهُ: فَيَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِمَا) قَالَ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهِيَ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ
стр. 915
(أَوْ الْوَقْفُ) عَنْ الْعَمَلِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَوْ التَّخْيِيرُ) بَيْنَهُمَا (فِي الْوَاجِبَاتِ) لِأَنَّهُ قَدْ يُخَيَّرُ فِيهَا كَمَا فِي خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالتَّسَاقُطُ فِي غَيْرِهَا أَقْوَالٌ أَقْرَبُهَا التَّسَاقُطُ مُطْلَقًا كَمَا فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ هُنَا عَنْ تَقَابُلِ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ لِظُهُورِ أَنْ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا لِتَقَدُّمِ الْقَطْعِيِّ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَهَذَا فِي النَّقْلِيَّيْنِ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ لِانْتِفَاءِ الظَّنِّ أَيْ عِنْدَ الْقَطْعِ بِالنَّقِيضِ كَمَا تَمَّمَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فَهُوَ فِي غَيْرِ النَّقْلِيَّيْنِ كَمَا إذَا ظَنَّ أَنَّ زَيْدًا فِي الدَّارِ لِكَوْنِ مَرْكَبِهِ وَخَدَمِهِ بِبَابِهَا ثُمَّ شُوهِدَ خَارِجَهَا فَلَا دَلَالَةَ لِلْعَلَامَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى كَوْنِهِ فِي الدَّارِ حَالَ مُشَاهَدَتِهِ خَارِجَهَا فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ النَّقْلِيَّيْنِ فَإِنَّ الظَّنِّيَّ مِنْهُمَا بَاقٍ عَلَى دَلَالَتِهِ حَالَ دَلَالَةِ الْقَطْعِيِّ وَإِنَّمَا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ
(وَإِنْ نُقِلَ عَنْ مُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَعَاقِبَانِ) فَالْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ:) أَيْ الْمُسْتَمِرُّ وَالْمُتَقَدِّمُ مَرْجُوعٌ عَنْهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَاقَبَا بِأَنْ قَالَهُمَا مَعًا (فَمَا) أَيْ فَقَوْلُهُ مِنْهُمَا الْمُسْتَمِرُّ مَا (ذَكَرَ فِيهِ الْمُشْعِرَ بِتَرْجِيحِهِ) عَلَى الْآخَرِ كَقَوْلِهِ هَذَا أَشْبَهُ وَكَتَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ (فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ) بَيْنَهُمَا (وَوَقَعَ) هَذَا التَّرَدُّدُ (لِلشَّافِعِيِّ) ﵁ (فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مَكَانًا) سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ كَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ (وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِهِ عِلْمًا وَدِينًا) أَمَّا عِلْمًا فَلِأَنَّ التَّرَدُّدَ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ يَنْشَأُ عَنْ إمْعَانِ النَّظَرِ الدَّقِيقِ حَتَّى لَا يَقِفَ عَلَى حَالَةٍ وَأَمَّا دِينًا فَإِنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِذِكْرِهِ مَا يَتَرَدَّدُ فِيهِ إنْ كَانَ قَدْ يُعَابُ فِي ذَلِكَ عَادَةً بِقُصُورِ نَظَرِهِ كَمَا عَابَهُ بِهِ بَعْضُهُمْ (ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ) الْإسْفَرايِينِيّ (مُخَالِفُ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْهُمَا أَرْجَحُ مِنْ مُوَافِقِهِ) فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا خَالَفَهُ (الدَّلِيلُ وَعَكَسَ الْقَفَّالُ) فَقَالَ مُوَافِقُهُ أَرْجَحُ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لِقُوَّتِهِ بِتَعَدُّدِ قَائِلِهِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْقُوَّةَ
ــ
[حاشية العطار]
فَإِنْ قُلْت لَا يَنْبَغِي قَصْرُ الْغَيْرِ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بَلْ يَنْبَغِي جَعْلُهُ شَامِلًا لِأَمَارَةٍ ثَالِثَةٍ فَقُلْت لَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمَارَةَ الثَّالِثَةَ إمَّا أَنْ تُوَافِقَ كُلًّا مِنْ الْأَمَارَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ وَهُوَ مَحَلٌّ لِتَعَارُضِهِمَا أَوْ تُخَالِفُ كُلًّا مِنْهُمَا فَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا لِلْمُعَارَضَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلَا وَجْهَ لِلرُّجُوعِ إلَيْهَا دُونَهُمَا أَوْ تُوَافِقَ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَتَكُونَ مُرَجِّحَةً لِمَا وَافَقَتْهُ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَا تَرْجِيحَ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْوَقْفُ عَنْ الْعَمَلِ) أَيْ إلَى وُجُودِ مُرَجِّحٍ لِأَحَدِهِمَا فَيُعْمَلُ بِهِ بِخِلَافِ التَّسَاقُطِ (قَوْلُهُ: لِظُهُورِ أَنْ لَا مُسَاوَاةَ) أَيْ فِي دَلَالَتَيْهِمَا وَإِنْ كَانَتَا بَاقِيَتَيْنِ وَقَوْلُهُ لِتَقَدُّمِ الْقَطْعِيِّ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ الْمَنْسُوخِ بِالْآحَادِ قَرِينَةُ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ حُكْمُ تَقَابُلِ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ: فَلَا دَلَالَةَ إلَخْ) الْحَقُّ أَنَّ دَلَالَةَ الظَّنِّيِّ بَاقِيَةٌ، غَايَةُ الْأَمْرِ تَخَلُّفُ الدَّلِيلِ عَنْ الْمَدْلُولِ وَهَذَا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ دَلَالَتِهِ إذْ حَاصِلُ الدَّلَالَةِ كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَالَةٍ يَلْزَمُ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ الْعِلْمُ بِشَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا
(قَوْلُهُ: قَوْلَانِ مُتَعَاقِبَانِ) لَيْسَ التَّعَاقُبُ بِحَسَبِ النَّقْلِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ بَلْ بِحَسَبِ صُدُورِهِمَا عَنْهُ وَقَوْلُهُ لَهُمَا بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَاقَبَا بِأَنْ قَالَهُمَا مَعًا فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُولَهُمَا مَعًا لِأَنَّ قَوْلَهُمَا لَفْظِيٌّ وَاللَّفْظَانِ يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُمَا مَعًا قُلْت صُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا كَذَا وَالْآخَرُ كَذَا اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: الْمُشْعِرَ) مَفْعُولُ ذَكَرَ وَبَقِيَ مَا لَوْ جَهِلَ تَعَاقُبَهُمَا أَوْ عَلِمَ وَجَعَلَ الْمُتَأَخِّرَ أَوْ نَسِيَ وَحُكْمُهُ أَنْ لَا يُحْكَمَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ بِالرُّجُوعِ عَنْ أَحَدِهِمَا وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ رُجُوعَهُ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْأَوْلَى. اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: قَدْ يُعَابُ فِي ذَلِكَ عَادَةً) أَيْ لَا فِي الْوَاقِعِ فَإِنَّهُ مِنْ كَمَالِ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: مُخَالِفُ أَبِي حَنِيفَةَ) الظَّاهِرُ أَنَّ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ كَأَبِي حَنِيفَةَ اهـ. عَمِيرَةُ.
(قَوْلُهُ: لِقُوَّتِهِ بِتَعَدُّدِ قَائِلِهِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْقَائِلِ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَالْأَصَحُّ التَّرْجِيحُ بِالنَّظَرِ فَمَا اُقْتُضِيَ تَرْجِيحُهُ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الْمُوَافِقِ لِأَبِي حَنِيفَةَ
стр. 916
إنَّمَا تَنْشَأُ عَنْ الدَّلِيلِ فَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَصَحُّ التَّرْجِيحُ بِالنَّظَرِ) فَمَا اقْتَضَى تَرْجِيحَهُ مِنْهُمَا كَانَ هُوَ الرَّاجِحُ (فَإِنْ وَقَفَ) عَنْ التَّرْجِيحِ (فَالْوَقْفُ) عَنْ الْحُكْمِ بِرُجْحَانِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
(وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلْمُجْتَهِدِ قَوْلٌ فِي مَسْأَلَةٍ لَكِنْ) يُعْرَفُ لَهُ قَوْلٌ فِي (نَظِيرِهَا فَهُوَ) أَيْ قَوْلُهُ فِي نَظِيرِهَا (قَوْلُهُ: الْمُخَرَّجُ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ) أَيْ خَرَّجَهُ الْأَصْحَابُ فِيهَا إلْحَاقًا لَهَا بِنَظِيرِهَا وَقِيلَ لَيْسَ قَوْلًا لَهُ فِيهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَذْكُرَ فَرْقًا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَوْ رُوجِعَ فِي ذَلِكَ (وَالْأَصَحُّ) عَلَى الْأَوَّلِ (لَا يُنْسَبُ) الْقَوْلُ فِيهَا (إلَيْهِ مُطْلَقًا بَلْ) يُنْسَبُ إلَيْهِ (مُقَيَّدًا) بِأَنَّهُ مُخَرَّجٌ حَتَّى لَا يُلْتَبَسَ بِالْمَنْصُوصِ وَقِيلَ لَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِهِ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ قَوْلُهُ (وَمِنْ مُعَارَضَةِ نَصٍّ آخَرَ لِلنَّظِيرِ) بِأَنْ يَنُصَّ فِيمَا يُشْبِهُ عَلَى خِلَافِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِيهِ أَيْ مِنْ النَّصَّيْنِ الْمُتَخَالِفَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ (تَنْشَأُ الطُّرُقُ) وَهِيَ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُقَرِّرُ النَّصَّيْنِ فِيهِمَا وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرِّجُ نَصَّ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْأُخْرَى فَيَحْكِي فِي كُلٍّ قَوْلَيْنِ مَنْصُوصًا وَمُخَرَّجًا عَلَى هَذَا فَتَارَةً يُرَجِّحُ فِي كُلٍّ نَصَّهَا وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَتَارَةً يُرَجِّحُ فِي إحْدَاهُمَا نَصَّهَا وَفِي الْأُخْرَى الْمُخَرَّجَ وَيَذْكُرُ مَا يُرَجِّحُهُ عَلَى نَصِّهَا (وَالتَّرْجِيحُ تَقْوِيَةُ أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ) بِوَجْهٍ مَا سَيَأْتِي
ــ
[حاشية العطار]
وَالْمُخَالِفِ لَهُ كَانَ هُوَ الرَّاجِحُ اهـ. نَجَّارِيٌّ.
(قَوْلُهُ: إنَّمَا تَنْشَأُ عَنْ الدَّلِيلِ) أَيْ لَا عَنْ كَثْرَةِ الْقَائِلِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَقَفَ) أَيْ نَظَرُ الْمُجْتَهِدِ
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَيْسَ قَوْلًا لَهُ فِيهَا) أَيْ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ مَذْهَبًا وَلِهَذَا لَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ مُطْلَقًا بَلْ مُقَيَّدًا بِأَنَّهُ مُخَرَّجٌ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ مُعَارَضَةِ نَصٍّ آخَرَ لِلنَّظِيرِ) أَيْ لِلنَّصِّ فِي نَظِيرِ مَسْأَلَةِ النَّصِّ فَقَوْلُهُ آخَرَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ نَصٍّ وَقَوْلُهُ لِلنَّظِيرِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقُ بِمُعَارَضَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ آخَرُ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هُوَ مَفْعُولٌ لِمُعَارَضَةٍ أَيْ مُعَارَضَةِ نَصٍّ نَصًّا آخَرَ فَقَوْلُهُ لِلنَّظِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَحْذُوفِ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَفِي سم اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ كَكُتُبِ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ أَنَّ الطُّرُقَ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ فِي نَقْلِ الْمَذَاهِبِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَوْ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمِنْ مُعَارَضَةِ نَصٍّ آخَرَ لِلنَّظِيرِ تَنْشَأُ الطُّرُقُ خَاصٌّ بِالْأَوَّلِ أَعْنِي اخْتِلَافَهُمْ فِي نَقْلِ الْمَذَاهِبِ عَنْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّصَّ فِي اصْطِلَاحِهِمْ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَكَذَا قَوْلُ الشَّارِحِ وَهُوَ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ إلَخْ خَاصٌّ بِالْأَوَّلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَفْصِيلًا لِذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ يُقَرِّرُ النَّصَّيْنِ إلَخْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّصَّ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَوَجْهُ اقْتِصَارِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ كَلَامَهُمَا فِي بَيَانِ أَحْوَالِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِ وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ مُعَارَضَةِ إلَخْ لِلِاهْتِمَامِ دُونَ الْحَصْرِ أَوْ هُوَ لِلْحَصْرِ الْإِضَافِيِّ أَيْ تَنْشَأُ الطُّرُقُ عِنْدَ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا عِنْدَ عَدَمِ تَعَارُضِهِمَا اهـ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَنُصَّ) أَيْ الْمُجْتَهِدُ وَهُوَ بِضَمِّ النُّونِ (قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ النَّصَّيْنِ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ وَمِنْ مُعَارَضَةِ نَصٍّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهِيَ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ وَأَنَّ الطُّرُقَ لَيْسَتْ نَفْسَ الِاخْتِلَافِ بَلْ مَلْزُومَةً مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ (قَوْلُهُ: فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ) الْأَوْلَى فِي تَقْرِيرِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ (قَوْلُهُ: وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا) لِاخْتِلَافِ التَّرَجُّحِ فَرْقًا لَا يُبْطِلُ الْقِيَاسَ، وَالتَّفْرِيقُ الْأَوَّلُ فِي اخْتِلَافِ الْحُكْمِ فَهُوَ قَادِحٌ فِي الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: وَيَذْكُرُ مَا يُرَجِّحُهُ عَلَى نَصِّهَا) وَلَا يُمْكِنُ تَرَجُّحُ الْمُخَرَّجِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إلْغَاءَ كُلٍّ مِنْ النَّصَّيْنِ (قَوْلُهُ: وَالتَّرْجِيحُ إلَخْ) قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ حَقِيقَةُ التَّرْجِيحِ تَقْدِيمُ أَمَارَةٍ عَلَى أَمَارَةٍ فِي مَظَانِّ الظُّنُونِ وَنِهَايَةِ إبْدَاءِ مَزِيدِ وُضُوحٍ فِي مَأْخَذِ الدَّلِيلِ وَهُوَ فِي اللِّسَانِ مُشْتَقٌّ مِنْ رُجْحَانِ الْمِيزَانِ اهـ.
فَقَوْلُهُ تَقْوِيَةُ أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ أَيْ بَيَانُ أَنَّ أَحَدَ الطَّرِيقَيْنِ قَوِيٌّ فَيُقَدَّمُ وَالْمُرَادُ بِالطَّرِيقَيْنِ هُنَا الدَّلِيلَانِ الظَّنِّيَّانِ بِدَلِيلٍ قَوِيٍّ الْآتِي وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَسُمِّيَ الدَّلِيلُ طَرِيقًا لِأَنَّهُ يُوَصِّلُ لِلْمَطْلُوبِ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْأَمَارَةِ كَانَ أَوْلَى لِشُيُوعِ اسْتِعْمَالِ الطَّرِيقِ فِي اخْتِلَافِ الْأَصْحَابِ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فَفِي التَّعْبِيرِ بِهَا إيهَامٌ (قَوْلُهُ: مِمَّا سَيَأْتِي) اعْتَرَضَهُ الْكَمَالُ بِأَنَّهُ قَيْدٌ ضَارٌّ لِأَنَّهُ مُخِلٌّ بِانْعِكَاسِ التَّعْرِيفِ إذْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ إلَّا بِمَا سَيَأْتِي مِنْ
стр. 917
فَيَكُونُ رَاجِحًا (وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ) بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَرْجُوحِ فَالْعَمَلُ بِهِ مُمْتَنِعٌ سَوَاءٌ كَانَ الرُّجْحَانُ قَطْعِيًّا أَمْ ظَنِّيًّا (وَقَالَ الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ (إلَّا مَا رُجِّحَ ظَنًّا) فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ (إذْ لَا تَرْجِيحَ بِظَنٍّ عِنْدَهُ) فَلَا يُعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِفَقْدِ الْمُرَجَّحِ (وَقَالَ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (الْبَصْرِيُّ إنْ رُجِّحَ أَحَدُهُمَا بِالظَّنِّ فَالتَّخْيِيرُ) بَيْنَهُمَا إذْ لَوْ تَعَارَضَتْ لَاجْتَمَعَ الْمُتَنَافِيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالْمُتَأَخِّرُ) مِنْ النَّصَّيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ (نَاسِخٌ) لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا آيَتَيْنِ كَانَا أَوْ خَبَرَيْنِ أَوْ آيَةً وَخَبَرًا بِشَرْطِ النَّسْخِ (وَإِنْ نُقِلَ التَّأْخِيرُ بِالْآحَادِ عُمِلَ بِهِ
ــ
[حاشية العطار]
وُجُوهِ التَّرْجِيحِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْمُرَجِّحَاتُ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِيمَا سَيَأْتِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ قُبَيْلَ الْكِتَابِ السَّابِعِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ قَوْلَهُ مِمَّا سَيَأْتِي شَامِلٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ آخِرَ الْبَابِ وَالْمُرَجِّحَاتُ لَا تَنْحَصِرُ وَمُثَارُهَا غَلَبَةُ الظَّنِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلًا وَمَا سَيَأْتِي إجْمَالًا وَلَا ضَرُورَةَ إلَى قَصْرِهِ عَلَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ مَبْنَى الِاعْتِرَاضِ.
(قَوْلُهُ: فَيَكُونُ رَاجِحًا) زَادَهُ لِحُسْنِ الدُّخُولِ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَرْجُوحِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الرَّاجِحِ عَلَى الْمَرْجُوحِ أَمَّا إذَا وُجِدَ قَاطِعٌ يُوَافِقُ الْمَرْجُوحَ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ لَا بِذَلِكَ الظَّنِّيِّ الرَّاجِحِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ) صَوَابُ الْعِبَارَةِ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ لِيُوَافِقَ قَوْلُهُ فَلَا يُعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا لِأَنَّ قَوْلَهُ وَاجِبٌ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا مَا رَجَحَ أَيْ فَلَا يَجِبُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَإِلَّا لَسَاوَى مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْقَطْعِيَّاتِ) قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ وَلَا مَجَالَ لِلتَّرْجِيحِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ لِأَنَّهَا وَاضِحَةٌ وَالْوَاضِحُ لَا يُسْتَوْضَحُ وَنَفْسُ الْمَذْهَبِ لَا يَتَرَجَّحُ فَإِنَّ التَّرْجِيحَ بَيَانُ مَزِيدِ وُضُوحٍ فِي مَأْخَذِ الدَّلِيلِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ. نَعَمْ يُقَدَّمُ مَذْهَبُ مُجْتَهِدٍ عَلَى مُجْتَهِدٍ بِمَسَالِكَ نَذْكُرُهَا فِي كِتَابِ الْفَتْوَى وَأَمَّا الْعَقَائِدُ قَالَ الْأُسْتَاذُ لَا يَتَرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَهَذَا إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى أَنَّهَا مَعَارِفُ وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْمَعَارِفِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْعَقَائِدَ يَتَرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عُلُومًا وَالثِّقَةُ بِهَا تَخْتَلِفُ وَسَبِيلُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُعْتَقِدُ انْطَبَقَ اعْتِقَادِي عَلَى اعْتِقَادِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ ﵃ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِكَذَا وَلَمْ يَنْفُوا كَذَا وَهُمْ أَجْدَرُ بِتَشْيِيدِ الِاعْتِقَادِ فِي قَوَاعِدِ الدِّينِ اهـ.
(قَوْلُهُ لِعَدَمِ التَّعَارُضِ) قَالَ الْجَارْبُرْدِيِّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ إنَّمَا لَا تَتَعَارَضُ الْقَطْعِيَّاتُ لِوُجُوبِ كَوْنِ مُقَدِّمَاتِ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ بَدِيهِيَّةً أَوْ مُنْتَهِيَةً إلَيْهَا وَوُجُوبِ كَوْنِ تَرْكِيبِهَا بَدِيهِيَّ الصِّحَّةِ فَإِذَا تَعَارَضَتْ اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ أَوْ ارْتَفَعَا اهـ.
وَمَعْنَى اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ إلَخْ أَنَّهُمَا لَوْ تَعَارَضَا لَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لِامْتِنَاعِ التَّرْجِيحِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ وَحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ النَّقِيضَانِ إنْ لَمْ يُعْمَلْ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا أَوْ يَجْتَمِعَانِ عُمِلَ بِهِمَا فَتَلَخَّصَ أَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الظَّنِّيَّيْنِ إمَّا مَنْقُولَانِ كَنَصَّيْنِ أَوْ مَعْقُولَانِ كَقِيَاسَيْنِ أَوْ مَنْقُولٌ وَمَعْقُولٌ كَنَصٍّ وَقِيَاسٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُتَأَخِّرُ مِنْ النَّصَّيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ نَاسِخٌ) بَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ عَدَمِ تَعَارُضِ الْقَطْعِيَّيْنِ وَأَنَّ التَّعَارُضَ فِيهِ لَيْسَ بِمَحْذُورٍ لِزَوَالِهِ بِالنَّسْخِ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ تَعَارُضِ الْقَطْعِيَّيْنِ النَّقْلِيَّيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا مَعْلُومًا اهـ. زَكَرِيَّا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ إنَّ التَّأَخُّرَ يَتَبَيَّنُ بِالزَّمَانِ تَارَةً كَمَا رُوِيَ أَنَّ قَيْسَ بْنَ طَلْقٍ رَوَى فِي مَسِّ الذَّكَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «هَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْك» وَكَانَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَرِيشٍ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ أَسْلَمَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسِتِّ سِنِينَ وَالْغَالِبُ أَنَّ حَدِيثَهُ مُتَأَخِّرٌ وَقَدْ يَظْهَرُ بِالْمَكَانِ فَالْمَنْقُولُ بِالْمَدِينَةِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ تَأَخُّرُهُ وَإِنْ اتَّفَقَتْ لَهُ ﷺ عَوْدَاتٌ إلَى مَكَّةَ وَقَدْ يَتَبَيَّنُ بِالْأَحْوَالِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «صَلَّى بِالنَّاسِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا وَهُمْ قِيَامٌ» فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَدِيثٍ مُطْلَقٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَيْثُ قَالَ «وَإِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ» اهـ (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ النَّسْخِ) أَيْ مِنْ كَوْنِ الْمَدْلُولِ
стр. 918
لِأَنَّ دَوَامَهُ) بِأَنْ لَا يُعَارِضَ (مَظْنُونٌ) وَلِبَعْضِهِمْ احْتِمَالٌ بِالْمَنْعِ لِأَنَّ الْجَوَازَ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ
(وَالْأَصَحُّ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ) فَإِذَا كَثُرَ أَحَدُ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِمُوَافِقٍ لَهُ أَوْ كَثُرَتْ رُوَاتُهُ رَجَحَ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ تُفِيدُ الْقُوَّةَ وَقِيلَ لَا كَالْبَيِّنَتَيْنِ.
(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُتَعَارَضِينَ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا) بِتَرْجِيحِ الْآخَرِ عَلَيْهِ وَقِيلَ لَا فَيُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ، مِثَالُهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» مَعَ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا «لَا تُنْفِقُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» الشَّامِلِ لِلْإِهَابِ الْمَدْبُوغِ وَغَيْرِهِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَرَوَى مُسْلِمٌ الْأَوَّلَ بِلَفْظِ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» .
(وَلَوْ) كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَارِضَيْنِ (سُنَّةً قَابَلَهَا كِتَابٌ) فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى (وَلَا يُقَدَّمُ) فِي ذَلِكَ (الْكِتَابُ عَلَى السُّنَّةِ وَلَا السُّنَّةُ عَلَيْهِ خِلَافًا لِزَاعِمَيْهِمَا) ، فَزَاعِمُ تَقْدِيمِ الْكِتَابِ اسْتَنَدَ إلَى حَدِيثِ مُعَاذٍ الْمُشْتَمِلِ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِضَا رَسُولِ اللَّهِ بِذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَزَاعِمُ تَقْدِيمِ السُّنَّةِ اسْتَنَدَ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] مِثَالُهُ قَوْلُهُ ﷺ «فِي الْبَحْرِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَتَنَاوَلُ خِنْزِيرَ الْبَحْرِ وَحَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى خِنْزِيرِ الْبَرِّ الْمُتَبَادَرِ إلَى الْأَذْهَانِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْعَمَلُ بِالْمُتَعَارَضِينَ أَصْلًا (وَعُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ) مِنْهُمَا فِي الْوَاقِعِ (فَنَاسِخٌ) لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا، (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا فِي الْوَاقِعِ (رَجَعَ إلَى غَيْرِهِمَا) لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ تَقَارَنَا) أَيْ الْمُتَعَارِضَانِ فِي الْوُرُودِ مِنْ الشَّارِعِ (فَالتَّخْيِيرُ) بَيْنَهُمَا فِي الْعَمَلِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (إنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَهُمَا (وَ) تَعَذَّرَ (التَّرْجِيحُ) بِأَنْ تَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ وَالتَّرْجِيحُ فَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ) بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ أَيْ لَمْ يُعْلَمْ بَيْنَهُمَا تَأَخُّرٌ وَلَا تَقَارُنٌ (وَأَمْكَنَ النَّسْخُ) بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَقْبَلَاهُ (رَجَعَ إلَى غَيْرِهِمَا) لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ النَّسْخُ بَيْنَهُمَا (تَخَيَّرَ) النَّاظِرُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَمَلِ
ــ
[حاشية العطار]
قَابِلًا لِلنَّسْخِ وَمِنْ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الَّتِي عُلِمَتْ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ دَوَامَهُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ دَوَامَ الْمُتَوَاتِرِ مَظْنُونٌ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الْمَتْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَطْعِيَّةِ الْمَتْنِ دَوَامُ الدَّلَالَةِ فَقَوْلُهُ بِأَنْ لَا يُعَارِضَ نَعْتٌ لِلدَّوَامِ وَحِينَئِذٍ يُسَاوِي الْآحَادَ فِي الظَّنِّ وَيُرَجَّحُ الْآحَادُ عَلَيْهِ بِالتَّأَخُّرِ (قَوْلُهُ: وَلِبَعْضِهِمْ احْتِمَالٌ بِالْمَنْعِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ نُقِلَ الْمُتَأَخِّرُ بِالْآحَادِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مُقَابَلَةِ الشَّارِحِ بِهِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ عُمِلَ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ مُتَوَاتِرَيْنِ أَوْ مَظْنُونَيْنِ أَوْ الْمُتَقَدِّمُ آحَادًا وَالْمُتَأَخِّرُ مُتَوَاتِرًا أَوْ بِالْعَكْسِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْجَوَازَ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ صُورَةُ مَا إذَا كَانَ الْمُتَقَدِّمُ مُتَوَاتِرًا وَالْمُتَأَخِّرُ آحَادًا.
(قَوْلُهُ: بِمُوَافِقٍ) أَيْ بِدَلِيلٍ مُوَافِقٍ وَلَوْ وَاحِدًا فَالْمُرَادُ بِالْكَثْرَةِ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ، ثُمَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّعَارُضَ دَاخِلٌ فِي الزَّائِدِ مَعَ أَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا كَالْبَيِّنَتَيْنِ) يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشَّارِعَ ضَبَطَ الْبَيِّنَةَ بِعَدَدٍ فَلَا دَاعِيَ إلَى اعْتِبَارِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ بِخِلَافِ رُوَاةِ الْأَدِلَّةِ إذْ الْمُعْتَبَرُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ قُوَّةُ الظَّنِّ وَهِيَ فِي الزَّائِدِ دُونَ النَّاقِصِ غَالِبًا اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ) أَيْ وَلَوْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ وَجْهٍ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ بِالْمُقَيَّدِ، وَقَوْلُهُ بِتَرْجِيحِ الْآخَرِ مُتَعَلِّقٌ بِالْفَاءِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. (قَوْلُهُ: مِثَالُهُ) أَيْ التَّعَارُضِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ بِالْمُتَعَارَضِينَ فَحَمَلْنَاهُ أَيْ الْإِهَابَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: وَرِضَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ إقْرَارُهُ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: مِثَالُهُ) أَيْ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ الْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ أَيْ مَعَ التَّرَاخِي كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ تَقَارَنَا؛ لِأَنَّهُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ أَحَدُهُمَا عَقِبَ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّقَارُنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ وُجُودُهُمَا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا رَجَعَ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ مِنْ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ.
стр. 919
(إنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَهُمَا (وَالتَّرْجِيحُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُتَقَارِنَيْنِ هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا تَسَاوَيَا فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ) مِنْ الْآخَرِ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ وَجْهٍ (فَكَمَا سَبَقَ) فِي مَسْأَلَةِ آخِرِ مَبْحَثِ التَّخْصِيصِ فَلْيُرَاجَعْ.
(مَسْأَلَةٌ يُرَجَّحُ بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ) أَيْ قِلَّةِ الْوَسَائِطِ بَيْنَ الرَّاوِي لِلْمُجْتَهِدِ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ (وَفِقْهِ الرَّاوِي وَلُغَتِهِ وَنَحْوِهِ) لِقِلَّةِ احْتِمَالِ الْخَطَأِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُقَابِلَاتِهَا (وَوَرَعِهِ وَضَبْطِهِ وَفِطْنَتِهِ وَلَوْ رَوَى) الْخَبَرَ (الْمَرْجُوحَ بِاللَّفْظِ) وَالرَّاجِحَ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ بِالْمَعْنَى (وَيَقَظَتِهِ وَعَدَمِ بِدْعَتِهِ) بِأَنْ يَكُونَ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ (وَشُهْرَةِ عَدَالَتِهِ) لِشِدَّةِ الْوُثُوقِ بِهِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ السِّتَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُقَابِلَاتِهَا (وَكَوْنِهِ مُزَكًّى بِالِاخْتِبَارِ) مِنْ الْمُجْتَهِدِ، فَيُرَجَّحُ عَلَى الْمُزَكَّى عِنْدَهُ بِالْإِخْبَارِ؛ لِأَنَّ الْمُعَايَنَةَ أَقْوَى مِنْ الْخَبَرِ (أَوْ أَكْثَرَ مُزَكِّينَ وَمَعْرُوفَ النَّسَبِ قِيلَ وَمَشْهُورَهُ) لِشِدَّةِ الْوُثُوقِ بِهِ، وَالشُّهْرَةُ زِيَادَةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْأَصَحُّ لَا تَرْجِيحَ بِهَا.
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: إنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ) فِيهِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَوْضُوعُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جُهِلَ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَعُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَعُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ (قَوْلُهُ: وَأَمْكَنَ النَّسْخُ) هَذَا مَوْضُوعُ جَمِيعِ مَا سَبَقَ.
[مَسْأَلَةٌ يُرَجَّحُ بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ]
(قَوْلُهُ: يُرَجَّحُ بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ أَيْ فِي الْإِخْبَارِ، وَأَنْوَاعُ التَّرْجِيحِ سِتَّةٌ الْأَوَّلُ بِحَسَبِ حَالِ الرَّاوِي وَهُوَ مِنْ هُنَا إلَى قَوْلِهِ وَكَوْنِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
الثَّانِي: بِحَسَبِ حَالِ الْمَرْوِيِّ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ وَالْقَوْلُ إلَى قَوْلِهِ وَقِيلَ عَكْسُهُ.
الثَّالِثُ: بِحَسَبِ الْمَدْلُولِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ وَالنَّاقِلُ عَنْ الْأَصْلِ إلَى قَوْلِهِ وَالْوَضْعِيُّ.
الرَّابِعُ: بِالْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُوَافِقُ دَلِيلًا آخَرَ إلَى قَوْلِهِ فَعَلَى الْخَامِسِ تَرْجِيحُ الْإِجْمَاعَاتِ.
السَّادِسُ: تَرْجِيحُ الْأَقْيِسَةِ اهـ. زَكَرِيَّا.
وَزَادَ الشَّيْخُ خَالِدٌ نَوْعَيْنِ وَهُمَا تَرْجِيحُ الْعِلَلِ وَتَرْجِيحُ الْحُدُودِ (قَوْلُهُ: لِلْمُجْتَهِدِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْتَجُّ بِالْأَمَارَاتِ الَّتِي هِيَ حَمْلُ التَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِهَا (قَوْلُهُ: وَفِقْهِ الرَّاوِي) قَالَ سم لَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ الْفِقْهُ الْمُتَعَلِّقُ بِذَلِكَ الْبَابِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ الْمَرْوِيُّ حَتَّى إذَا كَانَ الْمَرْوِيُّ مُتَعَلِّقًا بِالْبُيُوعِ قُدِّمَ خَبَرُ الْفَقِيهِ بِالْبُيُوعِ عَلَى خَبَرِ الْفَقِيهِ بِمَا عَدَاهَا دُونَهَا ثُمَّ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَقِيهًا بِذَلِكَ الْبَابِ حَالَتَيْ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ، وَالْآخَرُ فَقِيهًا بِهِ حَالَ الْأَدَاءِ فَقَطْ فَالْمُتَّجَهُ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْبُدَخْشِيِّ عَلَى الْمِنْهَاجِ يُرْوَى أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَقِيَ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ فَقَالَ مَا بَالُ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ، وَقَدْ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ» قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ حَدَّثَنِي حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ» فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ عَجَبًا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُعَارِضُنِي بِمَا حَدَّثَنِي أَعْلَى مِنْهُ إسْنَادًا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَمَّا حَمَّادٌ فَكَانَ أَفْقَهَ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمُ مِنْ سَالِمٍ، وَلَوْلَا سَبْقُ ابْنِ عُمَرَ لَقُلْت عَلْقَمَةُ أَفْقَهُ مِنْهُ.
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَعَبْدُ اللَّهِ أَيْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْفِقْهِ وَالضَّبْطِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ فَرَجَحَ حَدِيثُهُ بِزِيَادَةِ فِقْهِ رَاوِيهِ، فَإِنْ قُلْت حَدِيثُ الْأَوْزَاعِيِّ مُثْبِتٌ وَحَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ نَافٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَرْجِيحُهُ عَلَيْهِ قُلْنَا النَّفْيُ إنْ كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ وَعُرِفَ أَنَّ رَاوِيَهُ مِمَّنْ اعْتَمَدَ عَلَى الدَّلِيلِ لَا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحَوَادِثِ الْعَدَمُ فَهُوَ مِمَّا يُعَارِضُ الْإِثْبَاتَ حِينَئِذٍ، وَيُطْلَبُ التَّرْجِيحُ بِوَجْهٍ آخَرَ وَحَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَسْتَنِدُ إلَى الْحِسِّ يُؤَكِّدُهُ مَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ «كَانَ ﷺ يَرْفَعُ يَدَهُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ لَا يَعُودُ» اهـ.
(قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ إلَى مُقَابِلَاتِهَا) ذَكَرَ التَّرْجِيحَ بَيْنَ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمُتَعَاطِفَاتِ وَبَيْنَ مُقَابِلِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ لِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ مُرَجَّحٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِطْنَتِهِ) هِيَ كَمَالُ الْيَقَظَةِ فَالتَّرْجِيحُ بِهَا عَلَى ذِي الْيَقَظَةِ، وَالتَّرْجِيحُ بِالْيَقَظَةِ عَلَى ذِي الْغَفْلَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ رُوِيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَوْ الْفَاعِلِ، الْمَرْجُوحُ عَلَى كُلٍّ مَرْفُوعٌ بِالنِّيَابَةِ عَنْ الْفَاعِلِ عَلَى الْأَوَّلِ وَبِالْفَاعِلِيَّةِ عَلَى الثَّانِي وَعَلَيْهِ فَهُوَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ الرَّاوِي الْمَرْجُوحُ بِكَثْرَةِ الْوَسَائِطِ أَوْ قِلَّةِ فِقْهِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ وَالرَّاجِحُ بِالرَّفْعِ أَيْ الشَّخْصُ الرَّاجِحُ بِقِلَّةِ الْوَسَائِطِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ الْبِنَاءَ لِلْفَاعِلِ كَوْنُ الْكَلَامِ فِي التَّرْجِيحِ بِحَسَبِ حَالِ الرَّاوِي (قَوْلُهُ: أَوْ أَكْثَرَ مُزَكِّينَ) وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الشُّهْرَةَ فَلَا تَكْرَارَ (قَوْلَهُ
стр. 920
(وَصَرِيحُ التَّزْكِيَةِ عَلَى الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ وَالْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ) ، فَيُقَدَّمُ خَبَرُ مَنْ صُرِّحَ بِتَزْكِيَتِهِ عَلَى خَبَرِ مَنْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِ وَخَبَرِ مَنْ عُمِلَ بِرِوَايَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ قَدْ يُبْنَيَانِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ.
(وَحِفْظِ الْمَرْوِيِّ) فَيُقَدَّمُ مَرْوِيُّ الْحَافِظِ لَهُ عَلَى مَرْوِيِّ مَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ لِاعْتِنَاءِ الْأَوَّلِ لِمَرْوِيِّهِ.
(وَذِكْرِ السَّبَبِ) فَيُقَدَّمُ الْخَبَرُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى السَّبَبِ عَلَى مَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ لِاهْتِمَامِ رَاوِي الْأَوَّلِ بِهِ.
(وَالتَّعْوِيلِ عَلَى الْحِفْظِ دُونَ الْكِتَابَةِ) فَيُقَدَّمُ خَبَرُ الْمُعَوِّلِ عَلَى الْحِفْظِ فِيمَا يَرْوِيهِ عَلَى خَبَرِ الْمُعَوِّلِ عَلَى الْكِتَابَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُزَادَ فِي كِتَابِهِ أَوْ يُنْقَصَ مِنْهُ، وَاحْتِمَالُ النِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ فِي الْحَافِظِ كَالْعَدَمِ.
(وَظُهُورِ طَرِيقِ رِوَايَتِهِ) كَالسَّمَاعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِجَازَةِ، فَيُقَدَّمُ الْمَسْمُوعُ عَلَى الْمُجَازِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ طُرُقِ الرِّوَايَةِ وَمَرَاتِبِهَا آخِرَ الْكِتَابِ الثَّانِي.
(وَسَمَاعِهِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ) فَيُقَدَّمُ الْمَسْمُوعُ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ عَلَى الْمَسْمُوعِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ لِأَمْنِ الْأَوَّلِ مِنْ تَطَرُّقِ الْخَلَلِ فِي الثَّانِي.
(وَكَوْنِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ) فَيُقَدَّمُ خَبَرُ أَحَدِهِمْ عَلَى خَبَرِ غَيْرِهِ لِشِدَّةِ دِيَانَتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ ﵁ يُحَلِّفُ الرُّوَاةَ وَيَقْبَلُ رِوَايَةَ الصِّدِّيقِ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفٍ.
(وَ) كَوْنِهِ (ذَكَرًا) فَيُقَدَّمُ خَبَرُ الذَّكَرِ عَلَى خَبَرِ الْأُنْثَى؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ مِنْهَا فِي الْجُمْلَةِ (خِلَافًا) لِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ قَالَ وَأَضْبَطِيَّةُ جِنْسِ الذَّكَرِ إنَّمَا تُرَاعَى حَيْثُ ظَهَرَتْ فِي الْآحَادِ
ــ
[حاشية العطار]
وَالْأَصَحُّ لَا تَرْجِيحَ بِهَا) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْأَقْوَى أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مَشْهُورَ النَّسَبِ قَدْ يُشَارِكُهُ ضَعِيفٌ فِي الِاسْمِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَصَرِيحُ التَّزْكِيَةِ بِرَفْعِ صَرِيحٌ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ أَيْ وَيُرَجَّحُ صَرِيحُ تَزْكِيَةِ الرَّاوِي عَلَى الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ وَالْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ اهـ. كَمَالٌ.
قَالَ سم وَقَوْلُهُ عَلَى مَحَلِّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ مَجْمُوعُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لَا الْمَجْرُورُ فَقَطْ مَعَ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ عِنْدَهُمْ كَمَا تَقَرَّرَ فِي النَّحْوِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِ وَعُمِلَ بِرِوَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ وُقُوفٍ مِنَّا عَلَى تَفْصِيلِ الْأَمْرِ هَلْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ تَزْكِيَةٍ أَوْ لَا اهـ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَرْوِيِّ مَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ) كَأَنْ يَرْوِيَ عَنْ كِتَابٍ أَوْ تَلْقِينِ الْغَيْرِ لَهُ، وَقَالَ الْكَمَالُ فِي تَصْوِيرِهَا كَأَنْ يَرْوِيَا خَبَرًا تَشْتَمِلُ رِوَايَةُ أَحَدِهِمَا لَهُ عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَحْفَظْهَا الْآخَرُ فَيُقَدَّمُ مَرْوِيُّهُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ عَلَى مَرْوِيِّ الْآخَرِ الَّذِي سَقَطَتْ فِيهِ قَالَ وَهَذَا التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ حَالِ الرَّاوِي مِنْ جِهَةِ حِفْظِهِ لِمَا لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهُ، وَيَصِحُّ كَوْنُهُ تَرْجِيحًا بِحَسَبِ الْمَرْوِيِّ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى زِيَادَةٍ حَفِظَهَا رِوَايَةً اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّصْوِيرَ بَعِيدٌ عَنْ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: لِاعْتِنَاءِ الْأَوَّلِ إلَخْ) وَلِأَنَّ الْحِفْظَ أَبْعَدُ عَنْ الشُّبْهَةِ.
(قَوْلُهُ: وَذِكْرِ السَّبَبِ الْمُرَادُ بِهِ مَا لِأَجْلِهِ ذَكَرَ الْمَتْنَ لَا عِلَّةَ الْحُكْمِ ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ هَذَا فِي الْخَبَرَيْنِ الْخَاصَّيْنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَمَا كَانَ عُمُومًا مُطْلَقًا عَلَى ذِي السَّبَبِ. (قَوْلُهُ: لِاهْتِمَامِ رَاوِي الْأَوَّلِ بِهِ) أَيْ دُونَ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ سَبَبًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ فَقَدْ فَرَّطَ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ لَا سَبَبَ لَهُ.
(قَوْلُهُ: أَضْبَطُ مِنْهَا فِي الْجُمْلَةِ) قَالَ سم وَظَاهِرُهُ تَقْدِيمُ خَبَرِ الذَّكَرِ حَتَّى عَلَى خَبَرِ الْأُنْثَى الَّتِي عُلِمَتْ أَضَبْطِيَّتُهَا مِنْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ تَخْصِيصُ هَذَا بِمَا إذَا جُهِلَ الْحَالُ أَمَّا لَوْ عُلِمَتْ أَضَبْطِيَّةُ تِلْكَ الْأُنْثَى فَيُقَدَّمُ خَبَرُهَا وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَذَكَرًا وَقَوْلُهُ الْآتِي " وَصَاحِبَ الْوَاقِعَةِ " مُتَعَارِضَانِ فِي تَقْدِيمِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى صَاحِبَةِ الْوَاقِعَةِ إذْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، فَالْأَوَّلُ خَاصٌّ بِتَقْدِيمِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى صَاحِبَةِ الْوَاقِعَةِ أَوَّلًا.
وَالثَّانِي خَاصٌّ بِكَوْنِ الْمُقَدَّمِ صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ عَامٌّ فِي كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَإِنْ خُصَّ عُمُومُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِخُصُوصِ الْآخَرِ تَعَارَضَا فِي الْأُنْثَى صَاحِبَةِ الْوَاقِعَةِ إذْ قَضِيَّتُهُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْأَوَّلِ بِخُصُوصِ الثَّانِي تَقْدِيمُهَا عَلَى الذَّكَرِ، وَقَضِيَّةُ تَخْصِيصِ عُمُومِ الثَّانِي بِخُصُوصِ الْأَوَّلِ تَقْدِيمُ الذَّكَرِ عَلَيْهَا وَقَضِيَّةُ تَمْثِيلِهِمْ الْآتِي بِخَبَرِ مَيْمُونَةَ، وَعَمِلَ الْفُقَهَاءُ بِمُقْتَضَاهُ دُونَ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُمْ تَقْدِيمُ خَبَرِ الْأُنْثَى إذَا كَانَتْ صَاحِبَةَ الْوَاقِعَةِ عَلَى الذَّكَرِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
وَحِينَئِذٍ فَمَحَلُّ تَقْدِيمِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى إنْ لَمْ تَكُنْ صَاحِبَةَ الْوَاقِعَةِ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ) صَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْعِرَاقِيُّ وَأَقَرَّهُ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَأَضْبَطِيَّةُ جِنْسِ الذَّكَرِ)
стр. 921
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النِّسَاءِ أَضْبَطُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الرِّجَالِ، (وَثَالِثُهَا يُرَجَّحُ) الذَّكَرُ (فِي غَيْرِ أَحْكَامِ النِّسَاءِ) بِخِلَافِ أَحْكَامِهِنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ أَضْبَطُ فِيهَا.
(وَ) كَوْنِهِ (حُرًّا) فَيُقَدَّمُ خَبَرُهُ عَلَى خَبَرِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لِشَرَفِ مَنْصِبِهِ يَحْتَرِزُ عَمَّا لَا يَحْتَرِزُ عَنْهُ الرَّقِيقُ.
ــ
[حاشية العطار]
حَاصِلُهُ أَنَّ الْجِنْسَ وَإِنْ كَانَ أَشْرَفَ مِنْ الْجِنْسِ إلَّا أَنَّ الْجِنْسَ لَا وُجُودَ لَهُ إلَّا فِي ضِمْنِ الْأَفْرَادِ فَلَا تُرَاعَى الضَّبْطِيَّةُ إلَّا إذَا ظَهَرَتْ فِي الْأَفْرَادِ وَالظُّهُورُ فِيهَا لَا انْضِبَاطَ لَهُ إذْ كَثِيرٌ مِنْ النِّسَاءِ أَضْبَطُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الرِّجَالِ فَلَا تَقْدِيمَ بِالذُّكُورَةِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُمْ رَاعَوْا فِي ذَلِكَ الْأَعَمَّ الْأَغْلَبَ كَنَظَائِرِهِ اهـ. نَجَّارِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ) مِنْ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الضَّبْطِيَّةَ لَمْ تَظْهَرْ فِي جَمِيعِ الْآحَادِ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ أَحْكَامِ النِّسَاءِ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي تَرْشِيحِ التَّوْشِيحِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّ السِّرَّ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ نَقْلَ بَوَاطِنِ الشَّرِيعَةِ وَظَوَاهِرِهَا وَمَا يُسْتَحَى مِنْ ذِكْرِهِ وَمَا لَا يُسْتَحَى، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ نِسْوَةً يَنْقُلْنَ مِنْ الشَّرْعِ مَا يَرَيْنَهُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَيَسْمَعْنَهُ مِنْ أَقْوَالِهِ حَتَّى قَدْ يَسْتَحِي مِنْ الْإِفْصَاحِ بِهَا بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ فَيَتَكَمَّلُ نَقْلُ الشَّرِيعَةِ، وَكَثُرَ عَدَدُ النِّسَاءِ لِتَكْثِيرِ النَّاقِلِينَ لِهَذَا النَّوْعِ وَمِنْهُنَّ عُرِفَ غَالِبُ مَسَائِلِ الْغُسْلِ وَالْحَيْضِ وَالْعِدَّةِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِشَهْوَةٍ مِنْهُ ﷺ فِي النِّكَاحِ وَلَا كَانَ يُحِبُّ الْوَطْءَ لِلَّذَّةِ الْبَشَرِيَّةِ مَعَاذَ اللَّهِ، بَلْ إنَّمَا حُبِّبَ إلَيْهِ النِّسَاءُ لِنَقْلِهِنَّ عَنْهُ مَا يَسْتَحِي هُوَ مِنْ الْإِمْعَانِ فِي التَّلَفُّظِ فَأَحَبَّهُنَّ لِمَا فِيهِنَّ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى نَقْلِ الشَّرِيعَةِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ، وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلْنَ مَا لَمْ يَكُنْ يَنْقُلُهُ غَيْرُهُنَّ مِمَّا رَأَيْنَهُ فِي مَنَامِهِ وَحَالَةَ خَلْوَتِهِ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَمِنْ جِدِّهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَاتِ وَمِنْ أُمُورٍ يَشْهَدُ كُلُّ ذِي لُبٍّ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِنَبِيٍّ وَمَا كَانَ يُشَاهِدُهَا غَيْرُهُنَّ فَحَلَّ بِذَلِكَ خَيْرٌ عَظِيمٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ تَلْتَحِقُ بِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ فِي وَاقِعَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَقَدْ كُنْت أَسْتَحْسِنُهَا وَأَظُنُّهُ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ التَّعْجِيزِ سَبَقَهُ إلَيْهَا، وَسَاقَ عِبَارَتَهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرَهُ وَالِدُهُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي وَاقِعَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا هُنَا لَزِمَنَا ذِكْرُهُ لِنَفَاسَتِهِ وَانْفَرَدَ الشَّيْخُ بِهِ وَرُبَّمَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ فَيَعْسُرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ لِعِزَّةِ وُجُودِ ذَلِكَ الْكِتَابِ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ عِنْدَ ذِكْرِ خَصَائِصِهِ ﷺ وَقَالُوا إذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى امْرَأَةٍ فَوَقَعَتْ مِنْهُ مَوْقِعًا وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ تَطْلِيقُهَا لِقِصَّةِ زَيْدٍ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ امْتِحَانُ إيمَانِهِ بِتَكْلِيفِهِ النُّزُولَ عَنْ أَهْلِهِ وَمِنْ جَانِبِهِ ﷺ ابْتِلَاؤُهُ بِبَلِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ وَمَنْعُهُ مِنْ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمِنْ إضْمَارِ مَا يُخَالِفُ الْإِظْهَارَ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] اهـ. نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْوَسِيطِ سَاكِنًا عَلَيْهِ.
قَالَ لَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ مَرَّاتٍ هَذَا مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُعْجِبَهُ امْرَأَةُ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَقِصَّةُ زَيْدٍ إنَّمَا جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ قَطْعًا لِقَوْلِ النَّاسِ إنَّ زَيْدًا وَلَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِبْطَالًا لِلتَّبَنِّي فِي الْإِسْلَامِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] أَيْ مِنْ أَبَوَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] إلَى أَنْ قَالَ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] ثُمَّ سَاقَ اللَّهُ السُّورَةَ إلَى أَنْ قَالَ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] تَحْرِيضٌ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ تَعَالَى فِي طَلَاقِ امْرَأَةِ زَيْدٍ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] مِنْ أَمْرِ زَيْدٍ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ وَتَزَوُّجِك أَنْتَ إيَّاهَا لَا أَمْرِ مَحَبَّتِهَا مَعَاذَ اللَّهِ ثُمَّ مَعَاذَ اللَّهِ ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقَوْلِ الصَّرِيحِ بَعْدَ التَّعْرِيضِ الطَّوِيلِ أَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ إبْطَالُ التَّبَنِّي وَنَسْخُهُ وَرَفْعُهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِعِلْمِ النَّاسِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَلَدًا لَهُ لَمَا تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَعْدَهُ ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] فَمَنْ تَأَمَّلَ السُّورَةَ وَعَرَفَ شَيْئًا مِنْ حَالِ
стр. 922
(وَ) كَوْنِهِ (مُتَأَخِّرَ الْإِسْلَامِ) فَخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ مُتَقَدِّمِ الْإِسْلَامِ لِظُهُورِ تَأَخُّرِ خَبَرِهِ (وَقِيلَ مُتَقَدِّمُهُ) عَكْسُ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مُتَقَدِّمَ الْإِسْلَامِ لِأَصَالَتِهِ فِيهِ أَشَدُّ تَحَرُّزًا مِنْ مُتَأَخِّرِهِ وَابْنُ الْحَاجِبِ جَزَمَ بِهَذَا فِي التَّرْجِيحِ بِحَسَبِ الرَّاوِي وَبِمَا قَبِلَهُ فِي التَّرْجِيحِ بِحَسَبِ الْخَارِجِ مُلَاحَظًا لِلْجِهَتَيْنِ لَا أَنَّهُ تَنَاقَضَ فِي كَلَامِهِ كَمَا قِيلَ (وَ) كَوْنِهِ (مُتَحَمِّلًا بَعْدَ التَّكْلِيفِ) ؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ مِنْ الْمُتَحَمَّلِ قَبْلَ التَّكْلِيفِ (وَغَيْرَ مُدَلِّسٍ) ؛ لِأَنَّ الْوُثُوقَ بِهِ أَقْوَى مِنْ الْوُثُوقِ بِالْمُدَلِّسِ الْمَقْبُولِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي (وَغَيْرَ ذِي اسْمَيْنِ) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُمَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْخَلَلُ بِأَنْ يُشَارِكَهُ ضَعِيفٌ فِي أَحَدِهِمَا. (وَمُبَاشِرًا) لِمَرْوِيِّهِ (وَصَاحِبَ الْوَاقِعَةِ) الْمَرْوِيَّةِ فَإِنْ كُلًّا مِنْهُمَا أَعْرَفُ بِالْحَالِ مِنْ غَيْرِهِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا وَبَنَى بِهَا حَلَالًا قَالَ وَكُنْت الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» مَعَ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ «تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَمَاتَتْ بِسَرِفٍ» ، وَمِثَالُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي دَاوُد عَنْ مَيْمُونَةَ «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفٍ» ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْهَا «أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» مَعَ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ وُهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
(وَرَاوِيًا بِاللَّفْظِ) لِسَلَامَةِ الْمَرْوِيِّ بِاللَّفْظِ عَنْ تَطَرُّقِ الْخَلَلِ فِي الْمَرْوِيِّ بِالْمَعْنَى. (وَ) كَوْنِ الْخَبَرِ (لَمْ يُنْكِرْهُ رَاوِي الْأَصْلِ) كَذَا فِي الْمِنْهَاجِ كَالْمَحْصُولِ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَهِيَ نَادِرَةٌ فَلَا يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلَيْهَا، وَلَوْ زَادَ أَلْ فِي رَاوِي أَوْ حَذَفَهُ كَانَ أَصْوَبَ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي لَمْ يُنْكِرْهُ الرَّاوِي الْأَصْلُ
ــ
[حاشية العطار]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَيَقَّنَ بِالْعِلْمِ الْقَاطِعِ أَنَّ تَزَوُّجَ امْرَأَةِ زَيْدٍ إنَّمَا كَانَ لِذَلِكَ لَا لِغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ أَكْرَهَ النَّاسِ بِالطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ لِزَوَاجِهَا عَكْسَ مَا تَوَهَّمَهُ الْغَزَالِيُّ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَمَا كَانَ لِيُمْكِنَهُ أَنْ يُخْفِيَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فَنَزَلَتْ الْآيَةُ آمِرَةً لَهُ ﷺ بِإِظْهَارِ مَا أَمَرَ اللَّهُ مِنْ زَوَاجِهَا لِإِبْطَالِ التَّبَنِّي وَإِنْ كَانَ زَوَاجُهَا أَشَقَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ ﷺ قُلْت وَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْرِفَ هَذَا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَوْنِهِ مُتَأَخِّرَ الْإِسْلَامِ فِي مَعْنَاهُ مُتَأَخِّرُ الصُّحْبَةِ (قَوْلُهُ: فَخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ) قَالَ الْإِمَامُ هَذَا إنْ عُلِمَ مَوْتُ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ إسْلَامِ الْمُتَأَخِّرِ، أَمَّا إذَا اجْتَمَعَا فَلَا لِجَوَازِ أَنْ تَتَأَخَّرَ رِوَايَةُ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ رِوَايَةِ الْمُتَأَخِّرِ (قَوْلُهُ: لِظُهُورِ تَأَخُّرِ خَبَرِهِ) أَيْ عَنْ مُعَارِضِهِ (قَوْلُهُ: أَشَدُّ تَحَرُّزًا مِنْ مُتَأَخِّرِهِ) أَيْ وَأَكْثَرُ اطِّلَاعًا عَلَى أُمُورِ الْإِسْلَامِ مِنْ اطِّلَاعِ الْمُتَأَخِّرِ إسْلَامُهُ. (قَوْلُهُ: وَابْنُ الْحَاجِبِ جَزَمَ بِهَذَا إلَخْ) أَيْ لِمَا مَرَّ فِي التَّعْلِيلِ مِنْ كَوْنِ مُتَقَدِّمِ الْإِسْلَامِ أَشَدَّ تَحَرُّزًا لِكَوْنِهِ مُتَأَصِّلًا فِي الْإِسْلَامِ فَيَطَّلِعُ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ بِمَا قَبْلَهُ فِي التَّرْجِيحِ بِحَسَبِ ذَاتِهِ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّ تَأَخُّرَ إسْلَامِهِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي تَأَخُّرِ مَرْوِيِّهِ فِي الْخَارِجِ عَنْ مَرْوِيِّ مُتَقَدِّمِ الْإِسْلَامِ الْمُعَارِضِ لَهُ فَيَكُونُ نَاسِخًا لَهُ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُتَقَدِّمَ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ أَعْلَى مِنْ مُتَأَخِّرِهِ شَرَفًا وَرُتْبَةً إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ مَرْوِيِّهِ عَلَى مَرْوِيِّهِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْقَرِينَةِ الْخَارِجِيَّةِ الْمُشْعِرَةِ بِنَسْخِ مَرْوِيِّهِ بِمَرْوِيِّ مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ: بِحَسَبِ الْخَارِجِ) أَيْ عَنْ الرَّاوِي (قَوْلُهُ: مُلَاحِظًا لِلْجِهَتَيْنِ) وَبِهِ يَنْدَفِعُ التَّنَاقُضُ. (قَوْلُهُ: وَصَاحِبُ الْوَاقِعَةِ) هُوَ أَخَصُّ مِنْ الْمُبَاشِرِ فَإِنَّ الْمُبَاشِرَ قَدْ يَكُونُ رَسُولًا فِيهَا وَلَا يَكُونُ صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ أَنْ يَكُونَ مُبَاشِرًا لَهَا. (قَوْلُهُ: بِسَرِفٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مَحَلٌّ قَرِيبٌ مِنْ الْعُمْرَةِ الْقَدِيمَةِ بَعِيدٌ عَنْ مَكَّةَ بِنَحْوِ نِصْفِ يَوْمٍ (قَوْلُهُ: وَكَوْنِ الْخَبَرِ إلَخْ) قُدِّرَ لَفْظُ الْكَوْنِ هُنَا دُونَ مَا قَبْلَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ وَرَاوِيًا إلَخْ (قَوْلُهُ: مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَا نَعْتٌ مُخَصِّصٌ لِلرَّاوِي فَهُوَ
стр. 923
لِرَاوِيهِ وَهُوَ شَيْخُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا أَنْكَرَهُ شَيْخُ رَاوِيهِ بِأَنْ قَالَ مَا رَوَيْته؛ لِأَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ مِنْ الْأَوَّلِ أَقْوَى.
(وَكَوْنِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الصَّحِيحِ فِي غَيْرِهِمَا وَإِنْ كَانَ عَلَى شَرْطِهِمَا لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُمَا بِالْقَبُولِ.
(وَالْقَوْلُ فَالْفِعْلُ فَالتَّقْرِيرُ) فَيُقَدَّمُ الْخَبَرُ النَّاقِلُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّاقِلِ لِفِعْلِهِ وَالنَّاقِلُ لِفِعْلِهِ عَلَى النَّاقِلِ لِتَقْرِيرِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّشْرِيعِ مِنْ الْفِعْلِ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ التَّقْرِيرِ، (وَالْفَصِيحُ) عَلَى غَيْرِهِ لِتَطَرُّقِ الْخَلَلِ إلَى غَيْرِهِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَرْوِيًّا بِالْمَعْنَى (لَا زَائِدَ الْفَصَاحَةِ) فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْفَصِيحِ (عَلَى الْأَصَحِّ) ، وَقِيلَ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ أَفْصَحُ الْعَرَبِ فَيَبْعُدُ نُطْقُهُ بِغَيْرِ الْأَفْصَحِ فَيَكُونُ مَرْوِيًّا بِالْمَعْنَى فَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْخَلَلُ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي نُطْقِهِ بِغَيْرِ الْأَفْصَحِ لَا سِيَّمَا إذَا خَاطَبَ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ، وَقَدْ كَانَ يُخَاطِبُ الْعَرَبَ بِلُغَاتِهِمْ.
(وَالْمُشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةٍ) فَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ كَخَبَرِ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدِ سَبْعًا مَعَ خَبَرِ التَّكْبِيرِ فِيهِ أَرْبَعًا رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَأَخَذَ بِالثَّانِي الْحَنَفِيَّةُ تَقْدِيمًا لِلْأَقَلِّ، وَالْأَوْلَى مِنْهُ لِلِافْتِتَاحِ (وَالْوَارِدُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ) ؛ لِأَنَّ الْوَارِدَ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْوِيًّا بِالْمَعْنَى فَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْخَلَلُ، (وَالْمَدَنِيُّ) عَلَى الْمَكِّيِّ لِتَأَخُّرِهِ عَنْهُ، وَالْمَدَنِيُّ مَا وَرَدَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَالْمَكِّيُّ قَبْلَهَا (وَالْمُشْعِرُ بِعُلُوِّ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ ) لِتَأَخُّرِهِ عَمَّا لَمْ يُشْعِرُ بِذَلِكَ (وَالْمَذْكُورُ فِيهِ الْحُكْمُ مَعَ الْعِلَّةِ) عَلَى مَا فِيهِ الْحُكْمُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى فِي الِاهْتِمَامِ بِالْحُكْمِ مِنْ الثَّانِي مِثَالُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» مَعَ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» نِيطَ الْحُكْمُ فِي الْأَوَّلِ بِوَصْفِ الرِّدَّةِ الْمُنَاسِبِ وَلَا وَصْفِ فِي الثَّانِي
ــ
[حاشية العطار]
أَخَصُّ مِنْهُ لِصِدْقِ الرَّاوِي بِالْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (قَوْلُهُ: لِرَاوِيهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْأَصْلِ وَالضَّمِيرُ لِلْخَبَرِ فَقَوْلُهُ وَهُوَ أَيْ الْأَصْلُ شَيْخُهُ أَيْ الرَّاوِي وَقَوْلُهُ مُقَدَّمٌ خَبَرُ إنَّ.
(قَوْلُهُ: وَكَوْنِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ) أَيْ فَيُرَجَّحُ مَا فِيهِمَا عَلَى مَا فِي غَيْرِهِمَا وَعَلَى مَا فِي أَحَدِهِمَا، وَكَذَا مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَلَى مَا فِي مُسْلِمٍ ثُمَّ مَا كَانَ عَلَى شَرْطِهِمَا ثُمَّ مَا كَانَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَالْمُرَادُ بِالشَّرْطِ هُنَا الرِّجَالُ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُمْ.
(قَوْلُهُ: خَبَرُ النَّاقِلِ) أَيْ خَبَرُ الرَّاوِي النَّاقِلِ لِقَوْلِهِ ﷺ عَنْ النَّاقِلِ لِفِعْلِهِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَوْلَ أَقْوَى) أَيْ لِاحْتِمَالِ الْفِعْلِ الِاخْتِصَاصَ بِهِ ﷺ كَذَا وَجَّهَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَغَيْرِهِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قَوْلٍ أَقْوَى بَلْ الَّذِي انْتَفَى عَنْهُ هَذَا الِاحْتِمَالُ وَنَحْوُهُ فَلَا يُرَدُّ قَوْلُهُمْ أَنَّ الْإِحْرَامَ فِي الْعُمْرَةِ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ مِنْ التَّنْعِيمِ تَقْدِيمًا لِفِعْلِهِ ﵊ عَلَى أَمْرِهِ لِعَائِشَةَ ﵂ فَلَيْسَ أَقْوَى مِنْ فِعْلِهِ بَلْ هُوَ دُونَهُ كَمَا قَالُوا الِاحْتِمَالُ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهَا بِذَلِكَ لِضِيقِ الْوَقْتِ لَا؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَقَدْ حَمَلَ الْفُقَهَاءُ أَمْرَهُ لَهَا عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْفُرُوعِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْفِعْلِ) وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْكَيْفِيَّاتِ (قَوْلُهُ: وَالْفَصِيحُ عَلَى غَيْرِهِ) اسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي صُدُورَ غَيْرِ الْفَصِيحِ عَنْهُ ﷺ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَصْدُرُ عَلَى وَجْهِ التَّنْزِيلِ لِمَنْ لُغَتُهُ ذَلِكَ وَبِأَنَّ الْفَصِيحَ اقْتَرَنَ بِالْعَلَامَةِ عَلَى كَوْنِهِ لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِكَوْنِهِ مَرْوِيًّا بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: لَا بُعْدَ فِي نُطْقِهِ بِغَيْرِ الْأَفْصَحِ) أَيْ بِخِلَافِ غَيْرِ الْفَصِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةٍ) هُوَ مِنْ قَبِيلِ تَقْدِيمِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ فَيُقَدَّمُ خَبَرُهَا (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى مِنْهُ لِلِافْتِتَاحِ) كَانَ يَنْبَغِي زِيَادَةٌ، وَالرَّابِعَةُ لِلرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَاعْتَذَرَ عَنْ وَاحِدٍ وَتَرَكَ الْآخَرَ (قَوْلُهُ: مَا وَرَدَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ (قَوْلُهُ: وَالْمَكِّيُّ قَبْلَهَا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ (قَوْلُهُ: بِعُلُوِّ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ ) ؛ لِأَنَّ عُلُوَّ شَأْنِهِ ﷺ كَانَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَمَا أَشْعَرَ بِأَنَّ شَأْنَهُ أَعْلَى فَهُوَ الْمُتَأَخِّرُ، وَلِأَنَّ عُلُوَّ شَأْنِهِ وَإِظْهَارَ دِينِهِ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا كَانَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ ﷺ . (قَوْلُهُ: وَالْمَذْكُورُ فِيهِ الْحُكْمُ إلَخْ) قَالَ سم وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي وَالنَّهْيُ عَلَى الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا
стр. 924
فَحَمَلْنَا النِّسَاءَ فِيهِ عَلَى الْحَرْبِيَّاتِ.
(وَالْمُتَقَدِّمُ فِيهِ ذِكْرُ الْعِلَّةِ عَلَى الْحُكْمِ) فَيُقَدَّمُ عَلَى عَكْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى ارْتِبَاطِ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ مِنْ عَكْسِهِ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ (وَعَكَسَ النَّقْشَوَانِيُّ) ذَلِكَ مُعْتَرِضًا عَلَى الْإِمَامِ قَائِلًا إنَّ الْحُكْمَ إذَا تَقَدَّمَ تَطْلُبُ نَفْسُ السَّامِعِ الْعِلَّةَ فَإِذَا سَمِعَتْهَا رَكَنَتْ إلَيْهَا، وَلَمْ تَطْلُبْ غَيْرَهَا وَالْوَصْفُ إذَا تَقَدَّمَ تَطْلُبُ النَّفْسُ الْحُكْمَ فَإِذَا سَمِعَتْهُ قَدْ تَكْتَفِي فِي عِلَّتِهِ بِالْوَصْفِ الْمُتَقَدِّمِ إذَا كَانَ شَدِيدَ الْمُنَاسَبَةِ كَمَا فِي وَالسَّارِقُ الْآيَةَ وَقَدْ لَا تَكْتَفِي بِهِ بَلْ تَطْلُبُ عِلَّةً غَيْرَهُ كَمَا فِي ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ فَيُقَالُ تَعْظِيمًا لِلْمَعْبُودِ.
(وَمَا كَانَ فِيهِ تَهْدِيدٌ أَوْ تَأْكِيدٌ) عَلَى الْخَالِي عَنْ ذَلِكَ مِثَالُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي دَاوُد صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» مَعَ حَدِيثِ مُسْلِمٍ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» (وَمَا كَانَ عُمُومًا مُطْلَقًا عَلَى) الْعُمُومِ (ذِي السَّبَبِ إلَّا فِي السَّبَبِ)
ــ
[حاشية العطار]
مِنْ وَجْهٍ فَإِنْ خُصَّ عُمُومُ كُلٍّ بِخُصُوصِ الْآخَرِ تَعَارَضَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ مَعَ الْعِلَّةِ كَمَا فِي الْمِثَالِ أَعْنِي قَوْلَ الشَّارِحِ مِثَالُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» إلَخْ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ بِالنَّظَرِ لِمُجَرَّدِ مُقَابِلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُقَابِلُهُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَعَارُضِ اثْنَيْنِ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ وَلَيْسَ كَلَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: فَحَمَلْنَا النِّسَاءَ فِيهِ عَلَى الْحَرْبِيَّاتِ) لَا يُقَالُ هَذَا جَمْعٌ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِغَيْرِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ فَفِيهِ الْعَمَلُ بِهِمَا، وَالْكَلَامُ فِي التَّرْجِيحِ الَّذِي هُوَ إعْمَالُ أَحَدِهِمَا وَإِلْغَاءُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا مَمْنُوعٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ عُمُومًا مِنْ وَجْهٍ وَلَوْ خَصَّصْنَا عُمُومَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِخُصُوصِ الْآخَرِ تَعَارَضَ فِي الْمُرْتَدَّةِ فَرَجَّحْنَا الْأَوَّلَ حَيْثُ حَكَمْنَا بِقَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ الَّتِي دَلَّ الثَّانِي عَلَى مَنْعِ قَتْلِهَا، وَلَزِمَ مِنْ هَذَا التَّرْجِيحِ قَصْرُ الثَّانِي عَلَى الْحَرْبِيَّاتِ فَقَدْ أَشَارَ بِحَمْلِ الثَّانِي عَلَى الْحَرْبِيَّاتِ إلَى تَقْدِيمِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ فِي الْمُرْتَدَّاتِ الَّتِي تَعَارَضَا فِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّعَارُضَ بَيْنَهُمَا لَيْسَ إلَّا فِي الْمُرْتَدَّاتِ وَقَدْ أَلْغَيْنَا الثَّانِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا فَقَدْ أَعْمَلْنَا أَحَدَهُمَا وَأَلْغَيْنَا الْآخَرَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَعَارَضَا فِيهِ، وَذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ التَّرْجِيحِ اهـ سم.
(قَوْلُهُ: قَائِلًا إنَّ الْحُكْمَ إلَخْ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ كَانَ الْوَصْفُ ظَاهِرَ الْمُنَاسَبَةِ رَكَنَتْ النَّفْسُ إلَيْهِ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ وَإِلَّا لَمْ تَرْكَنْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] وَاغْسِلُوا إذَا قُمْتُمْ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: فَيُقَالُ تَعْظِيمًا لِلْمَعْبُودِ) أَيْ فَلَمْ يَكْتَفِ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ بَلْ بَيَّنَ فِيهِ عِلَّةَ الْقِيَامِ لِطَلَبِ الْوُضُوءِ، وَأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْمَعْبُودِ بِالْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى طَهَارَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَا كَانَ فِيهِ تَهْدِيدٌ) أَيْ يُرَجَّحُ عَنْ الْخَالِي عَنْهُ، وَكَذَا مَا كَانَ التَّهْدِيدُ فِيهِ أَكْثَرَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَأَكُّدِ الْحُكْمِ، وَقَدْ مَثَّلَ لِمَا فِيهِ التَّهْدِيدُ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» فَهُوَ لِتَضَمُّنِهِ التَّهْدِيدَ مُقَدَّمٌ عَلَى أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ فِي صَوْمِ النَّفْلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ تَقْدِيمِ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ أَوْ مُقَيَّدٍ عَلَى مُطْلَقٍ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَعَارِضَيْنِ قَدْ يُرَجَّحُ مِنْ وُجُوهٍ ثُمَّ إنَّ فُقَهَاءَنَا قَالُوا إنَّهُ يَحْرُمُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً لَهُ أَوْ يَصِلَهُ بِمَا قَبْلَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فَرْعَانِ لَمْ أَرَ فِيهِمَا نَقْلًا أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَادَةٌ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَلَا مِمَّنْ كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ مَا دَامَتْ لَهُ خُصُومَةٌ بِمَا إذَا ثَبَتَتْ الْعَادَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ أَجِدْهُ مَسْطُورًا، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يُلَوِّحُ بِثُبُوتِهَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ الرَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَهَّدَ مِنْهُ الْهَدِيَّةَ وَالْعَهْدُ صَادِقٌ بِمَرَّةٍ، وَالثَّانِي أَنَّهُمْ حَرَّمُوا صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ مَا لَمْ يُوَافِقْ عَادَةً لَهُ كَمَا إذَا كَانَ يَصُومُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ مَثَلًا فَصَادَفَ يَوْمُ الشَّكِّ أَحَدَهُمَا أَوْ يَصِلَهُ بِمَا قَبْلَهُ بِمَا إذَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ أَجِدْهُ، وَكَذَا فِي الصِّيَامِ بَعْدَ انْتِصَافِ شَعْبَانَ اهـ.
قَوْلُهُ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» يَدُلُّ بِحَسَبِ ظَاهِرِهِ عَلَى تَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا وَإِنْ احْتَمَلَ تَأْوِيلَهُ بِأَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بِإِذْنِهَا الصَّرِيحِ بِخِلَافِ الْبِكْرِ فَإِنَّ سُكُوتَهَا كَافٍ فَعَلَى تَقْدِيرِ دَلَالَتِهِ عَلَى تَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِمَا فِيهِ مِنْ التَّكْرَارِ الدَّالِّ عَلَى تَقْوِيَةِ الْحُكْمِ وَتَأْكِيدِهِ، وَالْأَيِّمُ هِيَ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا (قَوْلُهُ: عَلَى ذِي السَّبَبِ) كَمَا فِي
стр. 925
لِأَنَّ الثَّانِيَ بِاحْتِمَالِ إرَادَةِ قَصْرِهِ عَلَى السَّبَبِ كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ دُونَ الْمُطْلَقِ فِي الْقُوَّةِ إلَّا فِي صُورَةِ السَّبَبِ فَهُوَ فِيهَا أَقْوَى؛ لِأَنَّهَا قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ كَمَا تَقَدَّمَ (، وَالْعَامُّ الشَّرْطِيُّ) كَمَنْ وَمَا الشَّرْطِيَّتَيْنِ (عَلَى النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ) لِإِفَادَتِهِ لِلتَّعْلِيلِ دُونَهَا، وَقِيلَ الْعَكْسُ لِبُعْدِ التَّخْصِيصِ فِيهَا بِقُوَّةِ عُمُومِهَا دُونَهُ (وَهِيَ) تُقَدَّمُ (عَلَى الْبَاقِي) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ كَالْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ أَوْ الْإِضَافَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْهُ فِي الْعُمُومِ إذْ تَدُلُّ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالْقَرِينَةِ اتِّفَاقًا (وَالْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ) بِاللَّامِ أَوْ الْإِضَافَةِ (عَلَى مَا وَمَنْ) غَيْرِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ كَالِاسْتِفْهَامِيَّتَيْ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُمَا فِي الْعُمُومِ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَخُصَّ إلَى الْوَاحِدِ دُونَهُمَا عَلَى الرَّاجِحِ فِي كُلٍّ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَالْكُلُّ) أَيْ الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ وَمَا وَمَنْ (عَلَى الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ) بِاللَّامِ أَوْ الْإِضَافَةِ (لِاحْتِمَالِ الْعَهْدِ) فِيهِ بِخِلَافِ مَا وَمَنْ فَلَا يَحْتَمِلَانِهِ، وَالْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ فَيَبْعُدُ احْتِمَالُهُ لَهُ (قَالُوا وَمَا لَمْ يُخَصَّ) عَلَى مَا خُصَّ لِضَعْفِ الثَّانِي بِالْخِلَافِ فِي حُجِّيَّتِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ كَالْهِنْدِيِّ (وَعِنْدِي عَكْسُهُ) ؛ لِأَنَّ مَا خُصَّ مِنْ الْعَامِّ الْغَالِبِ، وَالْغَالِبُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ (وَالْأَقَلُّ تَخْصِيصًا) عَلَى الْأَكْثَرِ تَخْصِيصًا؛ لِأَنَّ الضَّعْفَ الْأَقَلَّ دُونَهُ فِي الْأَكْثَرِ (وَالِاقْتِضَاءُ عَلَى الْإِشَارَةِ وَالْإِيمَاءِ) ؛ لِأَنَّ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالْأَوَّلِ مَقْصُودٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّدْقُ أَوْ الصِّحَّةُ وَبِالثَّالِثِ مَقْصُودٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَبِالثَّانِي غَيْرَ مَقْصُودٍ كَمَا عُلِمَ ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَقْوَى.
(وَيُرَجَّحَانِ) أَيْ الْإِشَارَةُ وَالْإِيمَاءُ (عَلَى الْمَفْهُومَيْنِ) أَيْ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَوَّلَيْنِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ بِخِلَافِ الْمَفْهُومَيْنِ (وَالْمُوَافَقَةُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ) لِضَعْفِ الثَّانِي بِالْخِلَافِ فِي حُجِّيَّتِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (وَقِيلَ عَكْسُهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ تُفِيدُ تَأْسِيسًا بِخِلَافِ الْمُوَافَقَةِ (وَالنَّاقِلُ عَنْ الْأَصْلِ) أَيْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ عَلَى الْمُقَرِّرِ لَهُ (عِنْدَ الْجُمْهُورِ) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَصْلِ بِخِلَافِ الثَّانِي وَقِيلَ عَكْسُهُ بِأَنْ يُقَدَّرَ تَأْخِيرُ الْمُقَرِّرِ لِلْأَصْلِ
ــ
[حاشية العطار]
«ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَإِنَّهُ عَامٌّ مُخَرَّجٌ عَلَى سَبَبٍ وَهُوَ قَوْلُهُمْ أَنَبْدَأُ بِالصَّفَا أَمْ بِالْمَرْوَةِ وَقَوْلُهُ إلَّا فِي السَّبَبِ أَيْ إلَّا فِي صُورَةِ السَّبَبِ أَيْ فَيُقَدَّمُ فِيهَا الْعُمُومُ ذُو السَّبَبِ عَلَى الْعُمُومِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى (قَوْلُهُ: لِإِفَادَتِهِ لِلتَّعْلِيلِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ نَحْوَ مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْكَلَامَ حَيْثُ صَلُحَ لَهُ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَحْتَمِلَانِهِ) أَيْ احْتِمَالًا قَرِيبًا (قَوْلُهُ: مَا خُصَّ مِنْ الْعَامِّ الْغَالِبُ) أَيْ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعَامِّ التَّخْصِيصُ فَالْغَالِبُ خَبَرُ إنَّ (قَوْلُهُ: يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّدْقُ إلَخْ) نَحْوَ رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْحَدِيثَ. (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَقْوَى) أَيْ دَلَالَةً وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِ أَنَّ الثَّالِثَ أَقْوَى مِنْ الثَّانِي. (قَوْلُهُ: فِي مَحَلِّهِ) مَحَلُّ الْأَوَّلَيْنِ مَبْحَثُ الْمَنْطُوقِ وَمَحَلُّ الثَّالِثِ مَسَالِكُ الْعِلَّةِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَوَّلِ) أَيْ فَلَا خِلَافَ فِي حُجِّيَّتِهِ وَإِنْ كَانَ فِي جِهَتِهَا خِلَافٌ هَلْ هِيَ لِكَوْنِ الدَّلَالَةِ قِيَاسِيَّةً أَوْ لِكَوْنِهَا لَفْظِيَّةً فُهِمَتْ مِنْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ مَجَازِيَّةً أَوْ نُقِلَ اللَّفْظُ لَهَا عُرْفًا أَوْ لِكَوْنِهَا مَفْهُومِيَّةً عَلَى مَا مَرَّ فِي مَبْحَثِ الْمَفْهُومِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ تُفِيدُ تَأْسِيسًا إلَخْ) قَالَ سم فِيهِ نَظَرٌ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيدُ التَّأْسِيسَ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَا يُفِيدُهُ الْمُخَالَفَةَ مُخَالِفٌ لِلْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَمَا يُفِيدُهُ الْمُوَافَقَةَ مُوَافِقٌ لَهُ، ثُمَّ رَأَيْت الْكُورَانِيَّ قَالَ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ كِلَا الْمَفْهُومَيْنِ مِنْ قَبِيلِ التَّأْسِيسِ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُوَافَقَةَ تُفِيدُ تَأْكِيدًا بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ فَإِنَّ نَوْعَ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ فِيهَا وَاحِدٌ فَالنَّوْعُ الَّذِي أَفَادَهُ الْمَفْهُومُ هُوَ مَا أَفَادَهُ الْمَنْطُوقُ كَنَوْعِ الْإِتْلَافِ فِي ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] بِخِلَافِ الْمُخَالَفَةِ فَإِنَّ نَوْعَ الْمَنْطُوقِ غَيْرُ نَوْعِ الْمَفْهُومِ كَنَوْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ نَوْعِ عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الْمَعْلُوفَةِ فِي خَبَرِ «فِي السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» وَأَظُنُّ هَذَا مُرَادَهُمْ وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّاقِلُ) أَيْ وَالدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنْ الْأَصْلِ كَأَنْ كَانَ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةَ فَدَلَّ هُوَ عَلَى الْحُرْمَةِ مَثَلًا فَنُقِلَ الشَّيْءُ مِنْ الْإِبَاحَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ إلَى الْحُرْمَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَصْلِ بِخِلَافِ
стр. 926
لِيُفِيدَ تَأْسِيسًا كَمَا أَفَادَهُ النَّقْلُ فَيَكُونَ نَاسِخًا لَهُ. مِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مَعَ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَعَلَيْهِ وُضُوءٌ قَالَ لَا إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْك» (وَالْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ وَقِيلَ عَكْسُهُ لِاعْتِضَادِ النَّافِي بِالْأَصْلِ (وَثَالِثُهَا سَوَاءٌ) لِتَسَاوِي مُرَجِّحَيْهِمَا (وَرَابِعُهَا) يُرَجَّحُ الْمُثْبِتُ (إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ) .
فَيُرَجَّحُ النَّافِي لَهُمَا عَلَى الْمُثْبِتِ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ مَعَ هَذَا عَكْسَهُ أَيْ يُرَجَّحَ الْمُثْبِتُ لَهُمَا عَلَى النَّافِي لَهُمَا (وَالنَّهْيُ عَلَى الْإِبَاحَةِ) لِلِاحْتِيَاطِ، (وَالْخَبَرُ) الْمُتَضَمِّنُ لِلتَّكْلِيفِ (عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ بِهِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ أَقْوَى مِنْهُمَا (وَ) خَبَرُ (الْحَظْرِ عَلَى) خَبَرِ (الْإِبَاحَةِ) لِلِاحْتِيَاطِ وَقِيلَ عَكْسُهُ لِاعْتِضَادِ الْإِبَاحَةِ بِالْأَصْلِ مِنْ نَفْيِ الْحَرَجِ (وَثَالِثُهَا سَوَاءٌ) لِتَسَاوِي مُرَجِّحَيْهِمَا (وَالْوُجُوبُ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى النَّدْبِ) لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْأَوَّلِ وَلِدَفْعِ اللَّوْمِ فِي الثَّانِي (، وَالنَّدْبُ عَلَى الْمُبَاحِ فِي الْأَصَحِّ) لِلِاحْتِيَاطِ بِالطَّلَبِ، وَقِيلَ عَكْسُهُ لِمُوَافَقَةِ الْمُبَاحِ لِلْأَصْلِ مِنْ عَدَمِ الطَّلَبِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ وَالْأَمْرُ فِي الْإِبَاحَةِ تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ فِيهِ الْإِيجَابُ لَا الطَّلَبُ وَهُمَا خِلَافٌ فِي حَقِيقَتِهِ تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ جَائِزِ التَّرْكِ (وَنَافِي الْحَدِّ)
ــ
[حاشية العطار]
الثَّانِي (قَوْلُهُ: بَضْعَةٌ مِنْك) بِفَتْحِ الْبَاءِ لَا غَيْرُ أَيْ قِطْعَةُ لَحْمٍ مِنْك جَمْعُهَا بَضْعٌ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ (قَوْلُهُ: وَالْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي) قَالَ سم تَمَيُّزُ هَذَا عَمَّا قَبْلَهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ ذَاكَ أَنَّ حُكْمَ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ وَحُكْمَ الْآخَرِ مُخَالِفٌ لَهُ، وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ نَسَبَ صُدُورَ شَيْءٍ كَالصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ إلَى الشَّارِعِ مَثَلًا وَالْآخَرُ فِي صُدُورِهِ عَنْهُ وَالتَّمَايُزُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَاصِلَيْنِ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ إلَى أَنَّ الْحَاصِلَ الثَّانِيَ صَادِقٌ إذَا كَانَ الْإِثْبَاتُ مُقَرِّرًا لِلْأَصْلِ وَالنَّفْيُ نَاقِلًا عَنْهُ فَيَخُصُّ الْحَاصِلَ الْأَوَّلَ بِهَذَا ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ مَا يُوَافِقُ هَذَا اهـ.
وَعِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ هَكَذَا لَا يُقَالُ هَذَا يَعْنِي عَمَّا قَبْلَهُ أَوْ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُثْبِتُ قَدْ يَكُونُ مُقَرِّرًا لِلْأَصْلِ كَالْمُثْبِتِ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّهُ مُقَرِّرٌ لِلْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّوْجِيَّةِ وَالرِّقِّيَّةِ فَرَجَعَ ذَلِكَ إلَى هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ الْأَوَّلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَثَالِثُهَا سَوَاءٌ) أَيْ يَتَسَاوَى الْمُثْبِتُ وَالنَّافِي (قَوْلُهُ: وَالْعَتَاقِ) بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ جَمْعُ عَتِيقٍ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَخُصُّهُمَا فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَدَمُهُ (قَوْلُهُ: مَعَ هَذَا) أَيْ مَعَ تَرْجِيحِ النَّافِي لَهُمَا عَلَى الْمُثْبِتِ (قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ عَلَى الْأَمْرِ) الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْحَظْرُ وَبِالْإِيجَابِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْجِيحُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: لِلِاحْتِيَاطِ بِالطَّلَبِ) أَيْ بِسَبَبِ مُرَاعَاةِ الطَّلَبِ (قَوْلُهُ: وَالْخَبَرُ) نَحْوَ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَمْرِ) نَحْوَ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (قَوْلُهُ: أَقْوَى مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الطَّلَبِ بِهِمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ مَدْلُولِهِ فِي الْخَارِجِ، وَيَكُونُ هُوَ حِكَايَةً عَنْهُ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُبَاحِ) الْأَنْسَبُ عَلَى الْإِبَاحَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ فِيهِ) أَيْ قَوْلَهُ وَالْأَمْرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَكْرَارٌ عَلَى مَا قَرَّرَهُ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْإِيجَابِ عَلَى الْإِبَاحَةِ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ وَالْوُجُوبُ إلَى قَوْلِهِ عَلَى الْمُبَاحِ فَفِي ذَلِكَ تَكْرَارٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اهـ. زَكَرِيَّا.
قَالَ سم يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ عِلْمَهُ مِنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى النَّدْبِ الْمُقَدَّمِ عَلَى الْإِبَاحَةِ يُوجِبُ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْمُقَدَّمِ مُقَدَّمٌ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِاللَّازِمِ مِنْ التَّكْرَارِ الْقَبِيحِ بَلْ فِيهِ تَنْبِيهٌ إذْ قَدْ يَغْفُلُ أَنَّ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْمُقَدَّمِ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّمٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَنَافِي الْحَدِّ إلَخْ)
стр. 927
عَلَى الْمُوجِبِ لَهُ لِمَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ الْيُسْرِ وَعَدَمِ الْحَرَجِ الْمُوَافِقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (خِلَافًا لِقَوْمٍ) وَهُمْ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي تَرْجِيحِهِمْ الْمُوجِبَ لِإِفَادَتِهِ التَّأْسِيسَ بِخِلَافِ النَّافِي (وَالْمَعْقُولُ مَعْنَاهُ) عَلَى مَا لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَدْعَى إلَى الِانْقِيَادِ وَأَفْيَدُ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ (وَالْوَضْعِيُّ عَلَى التَّكْلِيفِيِّ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفَهْمِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ بِخِلَافِ الثَّانِي، وَقِيلَ عَكْسُهُ لِتَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى التَّكْلِيفِيِّ دُونَ الْوَضْعِيِّ (وَالْمُوَافِقُ دَلِيلًا آخَرَ) عَلَى مَا لَمْ يُوَافِقْهُ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ فِي الْمُوَافِقِ أَقْوَى وَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَالْأَصَحُّ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَذُكِرَ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ، (وَكَذَا) الْمُوَافِقُ (مُرْسَلًا أَوْ صَحَابِيًّا أَوْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَوْ الْأَكْثَرَ) مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُوَافِقْ وَاحِدًا مِمَّا ذُكِرَ (فِي الْأَصَحِّ) لِقُوَّةِ الظَّنِّ فِي الْمُوَافِقِ، وَقِيلَ لَا يُرَجَّحُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ (وَثَالِثُهَا فِي مُوَافِقِ الصَّحَابِيِّ إنْ كَانَ) أَيْ الصَّحَابِيُّ (حَيْثُ مَيَّزَهُ النَّصُّ) أَيْ فِيمَا مَيَّزَهُ فِيهِ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ (كَزَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ) مُيِّزَ فِيهَا بِحَدِيثِ أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ، (وَرَابِعُهَا إنْ كَانَ) أَيْ الصَّحَابِيُّ (أَحَدَ الشَّيْخَيْنِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (مُطْلَقًا وَقِيلَ إلَّا أَنْ يُخَالِفَهُمَا مُعَاذٌ
ــ
[حاشية العطار]
كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ تَقْدِيمِ الْمُثْبِتِ وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَالتَّعَارُضُ شُبْهَةٌ وَبِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ لِمَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ التَّيْسِيرِ، وَاعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ بِأَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لُوحِظَ مَعَ هَذَا الْوَجْهِ نَظَرُ الشَّارِعِ إلَى دَرْءِ الْحُدُودِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَبِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الْحَدِّ الْعُسْرُ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ وَلَا بُدَّ بِخِلَافِ الْحَظْرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَازِمِهِ الْعُسْرُ إذْ قَدْ يَسْهُلُ التَّرْكُ بِلَا مَشَقَّةٍ خُصُوصًا إنْ وَافَقَ التَّرْكُ غَرَضَ النَّفْسِ كَمَا يَتَّفِقُ فِي بَعْضِ الْمَنْهِيَّاتِ اهـ. مِنْ سم.
(قَوْلُهُ: الْمُوجِبُ إلَخْ) هَذَا يَرْجِعُ إلَى تَقْدِيمِ الْإِثْبَاتِ عَلَى النَّفْيِ لِإِفَادَتِهِ التَّأْسِيسَ أَيْ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِخِلَافِ النَّفْيِ فَإِنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْهَا، وَيُجَابُ بِأَنَّ النَّفْيَ الشَّرْعِيَّ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَالْمَعْقُولُ) أَيْ وَالْخَبَرُ الْمَعْقُولُ مَعْقُولٌ مَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا لَمْ يُعْقَلْ) لِكَوْنِهِ تَعَبُّدِيًّا (قَوْلُهُ: وَالْوَضْعِيُّ) أَيْ وَالدَّالُّ عَلَى الْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ قَالَ سم وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ تَصْوِيرُ ذَلِكَ أَيْ بِأَنَّ التَّعَارُضَ فَرْعُ اتِّحَادِ الْمُتَعَلِّقِ فَكَيْفَ مَعَ اتِّحَادِهِ يَكُونُ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ وَضْعِيًّا وَالْآخَرُ تَكْلِيفِيًّا، وَقَدْ يُصَوَّرُ بِنَحْوِ أَنْ يَدُلَّ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ مَثَلًا عَلَى كَوْنِ شَيْءٍ شَرْطًا لِكَذَا مَثَلًا، وَالْخَبَرُ الْآخَرُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ فِي كُلِّ حَالِهِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ إلَخْ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يُمْنَعُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا حَصَلَتْ الْمُوَافَقَةُ لِكُلٍّ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ، وَكَانَتْ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ وَهَذَا فِيمَا إذَا حَصَلَتْ لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ بِقَرِينَةِ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ دُونَ هَذَا فَذِكْرُ ذَلِكَ مَقْصُودٌ لَا تَوْطِئَةٌ. اهـ.
وَأَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْعِبَارَةَ السَّابِقَةَ لَا تَشْمَلُ مَا هُنَا فَمَمْنُوعٌ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا غَيْرُ مَا هُنَا فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَإِنْ اسْتَدَلَّ بِحِكَايَةِ الْخِلَافِ هُنَاكَ لَا هُنَا فَفِيهِ أَنَّ ذَاكَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ هُنَا وَإِنَّمَا تَرَكَهُ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا تَوْطِئَةٌ لَا مَقْصُودٌ ثُمَّ رَأَيْت تَقْرِيرَهُمْ فِي الْمَحَلَّيْنِ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْمَحَلَّيْنِ وَاحِدٌ فَانْظُرْ قَوْلَ الصَّفِيِّ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ ﵄ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَذُكِرَ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ) اعْتَرَضَهُ الْكَمَالُ بِأَنَّهُ لَوْ حُذِفَتْ التَّوْطِئَةُ هُنَا لَاسْتُغْنِيَ عَنْهَا بِأَنْ يُقَالَ وَالْمُوَافِقُ مُرْسَلًا إلَخْ اهـ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّوْطِئَةِ التَّوَقُّفُ عَلَيْهَا بَلْ تَكْفِي الْمُنَاسِبُ وَاللِّيَاقَةُ فَإِنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ يُؤْنِسُ بِذِكْرِ مُجَانِسِهِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ (قَوْلُهُ: حَيْثُ مَيَّزَهُ النَّصُّ) حَيْثُ هُنَا لِلْمَكَانِ أَيْ فِي مَكَان مَيَّزَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ إلَّا أَنْ يُخَالِفَهُمَا مُعَاذٌ إلَخْ) فِيهِ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُوجِبُ صُعُوبَةَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ فَرْضِ
стр. 928
فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أَوْ زَيْدٌ فِي الْفَرَائِضِ وَنَحْوُهُمَا) أَيْ نَحْوُ مُعَاذٍ وَزَيْدٍ كَعَلِيٍّ فِي الْقَضَاءِ فَلَا يُرَجَّحُ الْمُوَافِقُ لِأَحَدِ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لَهَا مَيَّزَهُ النَّصُّ فِيمَا ذُكِرَ وَهُوَ حَدِيثُ «أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) ﵁ (وَ) يُرَجَّحُ (مُوَافِقُ زَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ فَمُعَاذٍ) فِيهَا (فَعَلْيٍ) فِيهَا (وَمُعَاذٍ فِي أَحْكَامِ غَيْرِ الْفَرَائِضِ فَعَلْيٍ) فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ يَعْنِي أَنَّ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْفَرَائِضِ يُرَجَّحُ مِنْهُمَا الْمُوَافِقُ لِزَيْدٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا قَوْلٌ فَالْمُوَافِقُ لِمُعَاذٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا قَوْلٌ فَالْمُوَافِقُ لِعَلِيٍّ وَالْمُتَعَارَضِينَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ يُرَجَّحُ مِنْهُمَا الْمُوَافِقُ لِمُعَاذٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا قَوْلٌ فَالْمُوَافِقُ لِعَلِيٍّ، وَذَكَرَ الْمُوَافِقَ لِلثَّلَاثَةِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ لِتَرْتِيبِهِمْ، كَذَلِكَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ فَقَوْلُ الصَّادِقِ ﷺ فِيهِ «أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ عَلَى عُمُومِهِ» وَقَوْلُهُ «وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ» يَعْنِي فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ» يَعْنِي فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ وَاللَّفْظُ فِي مُعَاذٍ أَصْرَحُ مِنْهُ فِي عَلِيٍّ فَقُدِّمَ عَلَيْهِ فِي الْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا (وَالْإِجْمَاعُ عَلَى النَّصِّ) ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَنُ فِيهِ النَّسْخُ بِخِلَافِ النَّصِّ (وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى) إجْمَاعِ (غَيْرِهِمْ) كَالتَّابِعِينَ؛ لِأَنَّهُمْ أَشْرَفُ مِنْ غَيْرِهِمْ (وَإِجْمَاعُ الْكُلِّ) الشَّامِلُ
ــ
[حاشية العطار]
الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي أَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ وَافَقَهُ صَحَابِيٌّ وَالْآخَرُ يُوَافِقُهُ صَحَابِيٌّ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ عَلَى مَا لَمْ يُوَافِقْ وَاحِدًا مِمَّا ذُكِرَ، وَمُقْتَضَى هَذَا الْقِيلِ الْمَذْكُورِ هُنَا أَنَّ الْأَوَّلَ الصَّحِيحُ تَقْدِيمُ مُوَافِقِ الصَّحَابِيِّ وَإِنْ كَانَ أَحَدَ الشَّيْخَيْنِ، وَقَدْ خَالَفَهُ مُعَاذٌ إلَخْ مَعَ أَنَّهُ إذَا خَالَفَ مُعَاذٌ كَانَ أَعْنِي مُعَاذًا مُوَافِقًا لِلْقَوْلِ الْآخَرِ فَيَكُونُ كُلُّ خَبَرٍ وَافَقَهُ صَحَابِيٌّ، وَذَلِكَ خِلَافُ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ لَا إفْصَاحَ فِيهِ بِأَنَّهُ إذَا خَالَفَ أَحَدَ الشَّيْخَيْنِ مُعَاذٌ إلَخْ يَتَعَارَضَانِ أَوْ يُقَدَّمُ مُوَافِقُ مُعَاذٍ إلَخْ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لَهَا مَيَّزَهُ النَّصُّ لِظُهُورِ أَنَّ الْمُمَيِّزَ رَاجِحٌ، وَالْمُوَافِقُ لِمَا يَأْتِي عَنْ الشَّافِعِيِّ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ) بِالْخِطَابِ رِوَايَةٌ لَهُ بِالْمَعْنَى وَإِلَّا فَلَفْظُ الْحَدِيثِ وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدٌ عَطْفًا عَلَى «أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ وَأَشَدُّهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ» .
(قَوْلُهُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) أَيْ فِيمَا إذَا وَافَقَ كُلٌّ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ صَحَابِيًّا، وَقَدْ مَيَّزَ النَّصُّ أَحَدَ الصَّحَابِيَّيْنِ فِيمَا فِيهِ الْمُوَافَقَةُ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَيْرُ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ) تَوْضِيحُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَعِلْمَ الْقَضَاءِ الْمُسْتَفَادَ مِنْ قَوْلِهِ أَقْضَاكُمْ عَامٌّ وَالْفَرَائِضَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ أَفْرَضُكُمْ خَاصٌّ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ فَيُخَصُّ الْعَامُّ بِهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَقَوْلُ أَصْرَحُ مِنْهُ يَعْنِي أَنَّ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ عَامٌّ مُصَرَّحٌ بِهِ وَعِلْمَ الْقَضَاءِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ بَلْ مُسْتَفَادٌ مِنْ أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ كَمَا أَوْضَحَ ذَلِكَ النَّاصِرُ (قَوْلُهُ: الْمُوَافِقُ لِمُعَاذٍ) وَأَمَّا زَيْدٌ فَكَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: يَعْنِي فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ) أَخَذَ هَذَا الْعِنَايَةُ مِنْ الْقَاعِدَةِ وَهِيَ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ خَاصٌّ وَعَامٌّ يُقَدَّمُ الْخَاصُّ.
(قَوْلُهُ: وَاللَّفْظُ فِي مُعَاذٍ) أَيْ لَفْظُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ (قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ عَلَى النَّصِّ) فِيهِ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ شَامِلٌ لِلْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ لِدَلِيلٍ فَكَيْفَ لَا يُقَدَّمُ النَّصُّ عَلَيْهِ فَالْمُتَّجَهُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَجَوَازُ مُخَالَفَتِهِ إلَى الْعَمَلِ بِالنَّصِّ، وَالثَّانِي أَنَّهُ شَامِلٌ أَيْضًا لِمَا إذَا عُلِمَ دَلِيلُ الْمُجْمِعِينَ بِعَيْنِهِ، وَأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لَهُمْ غَيْرُهُ وَوُجِدَ دَلِيلٌ آخَرُ مُخَالِفٌ لَهُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَيْضًا مُشْكِلٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ النَّصَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيُقَيِّدُ حُرْمَةَ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ بِغَيْرِهَا أَوْ يَلْتَزِمُ امْتِنَاعَ وُقُوعِ مِثْلِهَا عَادَةً لِاسْتِلْزَامِهِ خَطَأَ الْإِجْمَاعِ، وَقَدْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى انْتِفَائِهِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى إجْمَاعِ غَيْرِهِمْ) أَيْ وَكَذَا إجْمَاعُ التَّابِعِينَ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ وَهَكَذَا قَالَ
стр. 929
لِلْعَوَامِّ (عَلَى مَا خَالَفَ فِيهِ الْعَوَامُّ) لِضَعْفِ الثَّانِي بِالْخِلَافِ فِي حُجِّيَّتِهِ عَلَى مَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) الْإِجْمَاعُ (الْمُنْقَرِضُ عَصْرُهُ وَمَا) أَيْ وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي (لَمْ يُسْبَقْ بِخِلَافٍ عَلَى غَيْرِهِمَا) أَيْ مُقَابِلِهِمَا لِضَعْفِهِ بِالْخِلَافِ فِي حُجِّيَّتِهِ، (وَقِيلَ الْمَسْبُوقُ) بِخِلَافٍ (أَقْوَى) مِنْ مُقَابِلِهِ (وَقِيلَ) هُمَا (سَوَاءٌ) .
(وَالْأَصَحُّ تَسَاوِي الْمُتَوَاتِرَيْنِ مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ) ، وَقِيلَ يُقَدَّمُ الْكِتَابُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْهَا (وَثَالِثُهَا تَقَدُّمُ السُّنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] أَمَّا الْمُتَوَاتِرَانِ مِنْ السُّنَّةِ فَمُتَسَاوِيَانِ قَطْعًا كَالْآيَتَيْنِ.
(وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ بِقُوَّةِ دَلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ) كَأَنْ يَدُلَّ فِي أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ بِالْمَنْطُوقِ وَفِي الْآخَرِ بِالْمَفْهُومِ لِقُوَّةِ الظَّنِّ بِقُوَّةِ الدَّلِيلُ (وَكَوْنُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (عَلَى سُنَنِ الْقِيَاسِ أَيْ فَرْعُهُ مِنْ جِنْسِ أَصْلِهِ) فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى قِيَاسٍ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ بِالْجِنْسِ أَشْبَهُ فَقِيَاسُنَا مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ عَلَى أَرْشِهَا حَتَّى تَتَحَمَّلَهُ الْعَاقِلَةُ مُقَدَّمٌ عَلَى قِيَاسِ الْحَنَفِيَّةِ لَهُ عَلَى غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ حَتَّى لَا تَتَحَمَّلَهُ.
ــ
[حاشية العطار]
الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ هَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْإِجْمَاعَيْنِ الظَّنِّيَّيْنِ لَا فِي الْقَطْعِيَّيْنِ إذْ لَا تَرْجِيحَ بَيْنَ قَاطِعَيْنِ قُلْت وَلَا فِي الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ إذْ الْقَطْعِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّنِّيِّ مُطْلَقًا وَظَاهِرٌ أَنَّ وُجُودَ الظَّنَّيْنِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ غَفْلَةِ الْمُجْمِعِينَ ثَانِيًا عَنْ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى خِلَافِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَيُحْتَمَلُ جَوَازُهُ بِلَا غَفْلَةٍ إذَا اطَّلَعُوا عَلَى دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الْأَوَّلَيْنِ، وَيَكُونُ هَذَا مُقَيِّدًا لِقَوْلِهِمْ لَا يَجُوزُ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ اهـ. زَكَرِيَّا.
وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الشَّنَوَانِيُّ بِهَامِشِهِ قَوْلَهُ وَظَاهِرٌ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ إذْ بِزَوَالِ الْغَفْلَةِ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي وَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُصَوَّرَ بِمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ إجْمَاعَانِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَتَرَدَّدَ بَيْنَهُمَا فَرْعٌ اهـ.
وَقَالَ النَّاصِرُ قَوْلُهُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ إلَخْ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا نُقِلَ إجْمَاعَانِ مُتَعَارِضَانِ بِخَبَرِ الْآحَادِ قُدِّمَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى إجْمَاعِ غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا تَحَقُّقُ إجْمَاعَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ فَمُحَالٌ إذْ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ مُحَالٌ فَفَرْضُ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا لَا يُمْكِنُ إلَّا بِمَا تَأَوَّلْنَاهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِضَعْفِ الثَّانِي بِالْخِلَافِ فِي حُجِّيَّتِهِ) جَوَابٌ عَمَّا قِيلَ أَنَّ التَّرْجِيحَ لِمُوَافَقَةِ الْعَوَامّ يُنَاقِضُهُ مَا قَدَّمَهُ أَوْ الْإِجْمَاعُ مِنْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِوِفَاقِ الْعَوَامّ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ فَإِنَّ نَفْيَهُ إيَّاهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَثْبَتَهُ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَكْفِي فِي التَّرْجِيحِ بِالشَّيْءِ الْقَوْلُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ اهـ. نَجَّارِيٌّ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ) مُتَعَلِّقٌ بِالْخِلَافِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمَسْبُوقُ بِخِلَافِ إلَخْ) أَيْ لِزِيَادَةِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى الْمَأْخَذِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ تَسَاوِي الْمُتَوَاتِرَيْنِ) أَيْ مَتْنًا إذْ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْقَطْعِيَّيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَأَوْرَدَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يُقَدَّمُ الْكِتَابُ عَلَى السُّنَّةِ إلَخْ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا إذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا مِنْ وَجْهٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ ثَمَّ وَمَا هُنَا فِيمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِهِمَا (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُتَوَاتِرَانِ مِنْ السُّنَّةِ إلَخْ) نُكْتَةُ تَعْبِيرِهِ بِهِ دُونَ أَنْ يَقُولَ مِنْ السُّنَّةِ أَوْ الْكِتَابِ دَفْعُ إيهَامِ أَنَّ فِي الْكِتَابِ غَيْرِ مُتَوَاتِرٍ كَالسُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ) أَيْ عَلَى قِيَاسٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: أَيْ فَرْعُهُ مِنْ جِنْسِ أَصْلِهِ) احْتَرَزَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ
стр. 930
(وَالْقَطْعُ بِالْعِلَّةِ أَوْ الظَّنِّ الْأَغْلَبِ) بِهَا أَيْ بِوُجُودِهَا (وَكَوْنُ مَسْلَكِهَا أَقْوَى) كَمَا فِي مَرَاتِبِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ فِي الْقِيَاسِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ فِي مُقَابِلِهِ (وَ) تُرَجَّحُ عِلَّةٌ (ذَاتُ أَصْلَيْنِ عَلَى ذَاتِ أَصْلٍ وَقِيلَ لَا) كَالْخِلَافِ فِي التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ (وَذَاتِيَّةٌ عَلَى حُكْمِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّ الذَّاتِيَّةَ أَلْزَمُ (وَعَكَسَ السَّمْعَانِيُّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْحُكْمِ أَشْبَهُ) وَالذَّاتِيَّةُ كَالطَّعْمِ وَالْإِسْكَارِ وَالْحُكْمِيَّةُ كَالْحُرْمَةِ وَالنَّجَاسَةِ (وَكَوْنُهَا أَقَلَّ أَوْصَافًا) ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَةَ أَسْلَمُ (وَقِيلَ عَكْسُهُ) ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَةَ أَشْبَهُ أَيْ أَكْثَرُ شَبَهًا (وَالْمُقْتَضِيَةُ احْتِيَاطًا فِي الْفَرْضِ) ؛ لِأَنَّهَا أَنْسَبُ بِهِ مِمَّا لَا تَقْتَضِيهِ وَذَكَرَ الْفَرْضَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِاحْتِيَاطِ إذْ لَا احْتِيَاطَ فِي النَّدْبِ وَإِنْ اُحْتِيطَ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَعَامَّةِ الْأَصْلِ) بِأَنْ تُوجَدَ فِي جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ فَائِدَةً مِمَّا لَا تَعُمُّ كَالطَّعْمِ الْعِلَّةُ عِنْدَنَا فِي بَابِ الرِّبَا فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْبُرُّ مَثَلًا قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ بِخِلَافِ الْقُوتِ الْعِلَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلَا يُوجَدُ فِي قَلِيلِهِ فَجَوَّزُوا بَيْعَ الْحَفْنَةِ مِنْهُ بِالْحَفْنَتَيْنِ (وَالْمُتَّفَقُ عَلَى تَعْلِيلِ أَصْلِهَا) الْمَأْخُوذَةُ مِنْهُ لِضَعْفِ مُقَابِلِهَا بِالْخِلَافِ فِيهِ (، وَالْمُوَافِقَةُ الْأُصُولُ عَلَى مُوَافِقَةِ أَصْلٍ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَقْوَى لِكَثْرَةِ مَا يَشْهَدُ لَهَا (قِيلَ وَالْمُوَافَقَةُ عِلَّةٌ أُخْرَى إنْ جُوِّزَ عِلَّتَانِ)
ــ
[حاشية العطار]
بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَصْلِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ إذْ ذَاكَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ كُلِّ قِيَاسٍ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ بِالْجِنْسِ أَشْبَهُ أَيْ أَنَّ فَرْدَ الْجِنْسِ بِفَرْدِ الْجِنْسِ أَشْبَهُ، وَإِلَّا فَالْجِنْسُ هُنَا لَمْ يَخْتَلِفْ وَالْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ فِي مِثَالِ الشَّارِحِ الْجِنَايَةُ عَلَى الْبَدَنِ فَلْيُتَأَمَّلْ سم.
(قَوْلُهُ: وَالْقَطْعُ إلَخْ) يُغْنِي عَنْهُ مَا بَعْدُ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا هُوَ لِأَقْوَوِيَّتِهِ وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ بِأَقْوَوِيَّةِ مَسْلَكِ الْعِلَّةِ بَلْ يُغْنِي عَنْهُمَا قَوْلُهُ بَعْدُ وَمَا ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِالْإِجْمَاعِ إلَخْ زَكَرِيَّا قَالَ سم إنَّ قَوْلَهُ يُغْنِي عَنْهُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُتَعَلَّقَ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُتَعَلَّقُ هَذَا نَفْسُ وُجُودِ الْعِلَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ بِوُجُودِهَا وَمُتَعَلِّقُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ لَا وُجُودُهَا (قَوْلُهُ: أَيْ بِوُجُودِهَا) إشَارَةً إلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ فِي قَوْلِهِ بِالْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: وَكَوْنُ مَسْلَكِهَا) أَيْ الطَّرِيقِ الدَّالِّ عَلَى عَلِيَّتِهَا فِي أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي مَرَاتِبِ النَّصِّ) يَعْنِي مَعَ مَسْلَكٍ آخَرَ غَيْرِ النَّصِّ لِمَا يُصَرِّحُ بِهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ بَعْضِ مَرَاتِبِ النَّصِّ عَلَى بَعْضٍ غَيْرَ مَذْكُورٍ فِي الْمُرَجِّحَاتِ هَهُنَا اهـ. نَاصِرٌ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَمْثِيلٌ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَنْظِيرًا أَيْ كَمَا فِي مَرَاتِبِ النَّصِّ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ فَإِنَّ بَعْضَهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ. (قَوْلُهُ: ذَاتُ أَصْلَيْنِ) أَيْ وُجِدَتْ فِي حُكْمَيْنِ مَنْصُوصَيْنِ (قَوْلُهُ: وَذَاتِيَّتُهُ إلَخْ) الذَّاتِيُّ كَوْنُ الْعِلَّةِ صِفَةً ذَاتِيَّةً لِلْمَحَلِّ أَيْ وَصْفًا قَائِمًا بِالذَّاتِ كَالْإِسْكَارِ فِي قَوْلِك لَا يَحِلُّ شُرْبُ الْخَمْرِ لِلْإِسْكَارِ، وَالْحُكْمِيَّةُ هِيَ الْوَصْفُ الَّذِي ثَبَتَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَحَلِّ شَرْعًا كَالنَّجَاسَةِ وَالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَقُدِّمَتْ الذَّاتِيَّةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَلْزَمُ مِنْهَا وَفِي قَوْلِهِ كَالْحُرْمَةِ وَالنَّجَاسَةِ إشَارَةٌ إلَى الْخِطَابَيْنِ التَّكْلِيفِيِّ وَالْوَضْعِيِّ (قَوْلُهُ: كَالْحُرْمَةِ وَالنَّجَاسَةِ) فَإِنَّهُمَا لَا يُعْلَمَانِ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَلِيلَةَ أَسْلَمُ) أَيْ لِقِلَّةِ الْمُعَارِضِ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْفَرْضَ. . . إلَخْ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ صَحَّفَ الْفَرْضَ بِالْغَرَضِ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ هَذَا مَعَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ قَدْ يَجْرِي فِي غَيْرِ الْفَرْضِ كَمَا إذَا وَرَدَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِكَرَاهَةِ بَعْضِ الْبُيُوعِ أَوْ الْأَنْكِحَةِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْقُوتِ) حَقُّهُ بِخِلَافِ الْكَيْلِ فَإِنَّهُ الْعِلَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُوجَدُ فِي قَلِيلِهِ) أَيْ لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُكَالُ (قَوْلُهُ: الْحَفْنَةُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ (قَوْلُهُ: عَلَى تَعْلِيلِ أَصْلِهَا) أَطْلَقَ الْأَصْلَ هَهُنَا عَلَى الْحُكْمِ، وَسَمَّى أَصْلَهَا لِأَخْذِهَا وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْمَأْخُوذَةُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: بِالْخِلَافِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمُقَابِلِ وَهُوَ الْعِلَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِي تَعْلِيلِ حُكْمِ أَصْلِهَا، وَالْخِلَافُ فِي الْمُقَابِلِ يَنْشَأُ مِنْ الْخِلَافِ فِي تَعْلِيلِ أَصْلِهِ. اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَالْمُوَافِقَةُ الْأُصُولَ) أَيْ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ
стр. 931
لِشَيْءٍ وَاحِدٍ وَقِيلَ لَا كَالْخِلَافِ فِي التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ (وَمَا) أَيْ وَالْقِيَاسُ الَّذِي (ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِالْإِجْمَاعِ فَالنَّصِّ الْقَطْعِيَّيْنِ فَالظَّنِّيَّيْنِ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ فَالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ فَالْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ فَالنَّصِّ الظَّنِّيِّ (فَالْإِيمَاءِ فَالسَّبْرِ فَالْمُنَاسَبَةِ فَالشَّبَهِ فَالدَّوَرَانِ وَقِيلَ النَّصُّ فَالْإِجْمَاعُ) إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ (وَقِيلَ الدَّوَرَانُ فَالْمُنَاسَبَةُ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا) كَمَا تَقَدَّمَ فَكُلٌّ مِنْ الْمَعْطُوفَاتِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، فَالنَّصُّ يَقْبَلُ النَّسْخَ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ وَمَنْ عَكَسَ قَالَ النَّصُّ أَصْلٌ لِلْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ حُجِّيَّتَهُ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِهِ، وَرُجْحَانُ الْإِيمَاءِ عَلَى السَّبْرِ وَالْمُنَاسَبَةِ عَلَى الشَّبَهِ وَاضِحٌ مِنْ تَعَارِيفِهَا السَّابِقَةِ وَرُجْحَانُ السَّبْرِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ بِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ مَا لَا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ وَالشَّبَهِ عَلَى الدَّوَرَانِ بِقُرْبِهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ، وَمَنْ رَجَّحَ الدَّوَرَانَ عَلَيْهَا قَالَ لِأَنَّهُ يُفِيدُ اطِّرَادَ الْعِلَّةِ وَانْعِكَاسَهَا بِخِلَافِ الْمُنَاسَبَةِ، وَرُجْحَانُ الدَّوَرَانِ أَوْ الشَّبَهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْمَسَالِكِ وَاضِحٌ مِنْ تَعَارِيفِهَا.
(وَ) يُرَجَّحُ (قِيَاسُ الْمَعْنَى عَلَى) قِيَاسِ (الدَّلَالَةِ) لِمَا عُلِمَ فِيهِمَا فِي مَبْحَثِ الطَّرْدِ وَفِي خَاتِمَةِ الْقِيَاسِ مِنْ اشْتِمَالِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ وَالثَّانِي عَلَى لَازِمِهِ مَثَلًا (وَغَيْرِ الْمُرَكَّبِ عَلَيْهِ إنْ قُبِلَ) أَيْ الْمُرَكَّبُ لِضَعْفِهِ بِالْخِلَافِ فِي قَبُولِهِ الْمَذْكُورِ فِي مَبْحَثِ حُكْمِ الْأَصْلِ (وَعَكَسَ الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فَرَجَّحَ الْمُرَكَّبَ وَقَدْ قَالَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ لِقُوَّتِهِ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ فِيهِ (وَالْوَصْفِ الْحَقِيقِيِّ فَالْعُرْفِيِّ فَالشَّرْعِيِّ) ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ بِخِلَافِ الْعُرْفِيِّ، وَالْعُرْفِيُّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الشَّرْعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ عَبَّرَ هُنَاكَ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ لِلْفِعْلِ الْقَائِمِ هُوَ بِهِ (الْوُجُودِيِّ) مِمَّا ذُكِرَ (فَالْعَدَمِيِّ الْبَسِيطِ) مِنْهُ (فَالْمُرَكَّبِ) لِضَعْفِ الْعَدَمِيِّ وَالْمُرَكَّبُ بِالْخِلَافِ فِيهِمَا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَقِيقِيِّ وَالْعَدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَدَمِ الْمُضَافِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالْبَاعِثَةِ عَلَى الْإِمَارَةِ) لِظُهُورِ مُنَاسَبَةِ الْبَاعِثَةِ
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: فَالسَّبْرُ إلَخْ) فِي شَرْحِ الْبُدَخْشِيِّ عَلَى الْمِنْهَاجِ أَنَّ الْقِيَاسَ الثَّابِتَ بِالدَّوَرَانِ يُرَجَّحُ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالسَّبْرِ الْمَظْنُونِ لِاسْتِقْلَالِ الدَّوَرَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ بِخِلَافِ السَّبْرِ الْمُحْتَاجِ فِيهِ إلَى مُقَدِّمَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَأَمَّا السَّبْرُ الْمَقْطُوعُ الَّذِي مُقَدِّمَاتُهُ قَطْعِيَّةٌ فَهُوَ رَاجِحٌ عَلَى الدَّوَرَانِ قَطْعًا اهـ.
وَحِينَئِذٍ فَتَقْدِيمُ السَّبْرِ يَحْمِلُ الْمَقْطُوعَ (قَوْلُهُ: وَاضِحٌ مِنْ تَعَارِيفِهَا السَّابِقَةِ) أَمَّا الْوُضُوحُ مِنْ تَعْرِيفِ الْإِيمَاءِ فَلِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ التَّعْلِيلَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ، وَأَمَّا تَعْرِيفُ السَّبْرِ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّهُ مِنْ اسْتِنْبَاطِ الْمُجْتَهِدِ، وَالنَّصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ وَتَعْرِيفُ الشَّبَهِ بِأَنَّهُ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْمُنَاسِبِ وَالطَّرْدِ مُصَرَّحٌ بِتَقْدِيمِ الْمُنَاسَبَةِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَرُجْحَانَ السَّبْرِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ) أَيْ وَوَجْهُ رُجْحَانِ السَّبْرِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ، وَكَذَا يُقَدَّرُ فِيمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: مَثَلًا) إشَارَةٌ إلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْجَمْعَ فِي قِيَاسِ الدَّلَالَةِ بِلَازِمِ الْعِلَّةِ فَأَثَرِهَا فَحُكْمِهَا (قَوْلُهُ: إنْ قُبِلَ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِقَبُولِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْخِلَافِيِّينَ، وَتَقَدَّمَ تَرْجِيحُ مُقَابِلِهِ فِي شُرُوطِ حُكْمِ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي مَبْحَثِ الْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَا يَتَعَقَّلُ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى عُرْفٍ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْعُرْفِيِّ) فَإِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعُرْفِ (قَوْلُهُ: وَالْعُرْفِيُّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهِ مِثَالُ تَقَدُّمِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى الشَّرْعِيِّ الْمَنِيُّ خَلْقٌ آدَمِيٌّ كَالطِّينِ مَعَ قَوْلِ الْمُخَالِفِ مَائِعٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ كَالْحَيْضِ (قَوْلُهُ: الْقَائِمِ هُوَ بِهِ) مَعْنَى الْقِيَامِ التَّعَلُّقُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ الْعَدَمِ الْمُضَافِ) فَيَكُونُ كَالْوُجُودِيِّ (قَوْلُهُ: وَالْبَاعِثَةِ عَلَى الْأَمَارَةِ) هُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاعْتَرَضَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ دَائِمًا إمَّا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ أَوْ الْأَمَارَةِ أَوْ الْمُؤَثِّرَ إمَّا انْقِسَامُهَا لِلْبَاعِثِ وَالْأَمَارَةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ قَالَ وَكَانَ مُرَادُهُ أَنَّ ذَاتَ التَّأْثِيرِ وَالتَّخَيُّلِ أَرْجَحُ مِنْ الَّتِي يَظْهَرُ لَهَا مَعْنًى، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ لِظُهُورِ مُنَاسَبَةِ
стр. 932
(وَالْمُطَّرِدَةِ الْمُنْعَكِسَةِ) عَلَى الْمُطَّرِدَةِ فَقَطْ لِضَعْفِ الثَّانِيَةِ بِالْخِلَافِ فِيهَا (ثُمَّ الْمُطَّرِدَةِ فَقَطْ عَلَى الْمُنْعَكِسَةِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ ضَعْفَ الثَّانِيَةِ بِعَدَمِ الِاطِّرَادِ أَشَدُّ مِنْ ضَعْفِ الْأُولَى بِعَدَمِ الِانْعِكَاسِ (وَفِي الْمُتَعَدِّيَةِ وَالْقَاصِرَةِ أَقْوَالٌ) أَحَدُهَا تَرْجِيحُ الْمُتَعَدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا أَفْيَدُ بِالْإِلْحَاقِ بِهَا، وَالثَّانِي الْقَاصِرَةُ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهَا أَقَلُّ. (ثَالِثُهَا) هُمَا (سَوَاءٌ) لِتَسَاوِيهِمَا فِيمَا يَتَفَرَّدَانِ بِهِ مِنْ الْإِلْحَاقِ فِي الْمُتَعَدِّيَةِ وَعَدَمِهِ فِي الْقَاصِرَةِ (وَفِي الْأَكْثَرِ فُرُوعًا) مِنْ الْمُتَعَدِّيَتَيْنِ (قَوْلَانِ) كَقَوْلَيْ الْمُتَعَدِّيَةِ وَالْقَاصِرَةِ، وَيَأْتِي التَّسَاوِي هُنَا لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.
(وَ) يُرَجَّحُ (الْأَعْرَفُ مِنْ الْحُدُودِ السَّمْعِيَّةِ) أَيْ الشَّرْعِيَّةِ كَحُدُودِ الْأَحْكَامِ (عَلَى الْأَخْفَى) مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَى إلَى مَقْصُودِ التَّعْرِيفِ مِنْ الثَّانِي.
أَمَّا الْحُدُودُ الْعَقْلِيَّةُ كَحُدُودِ الْمَاهِيَّاتِ وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْغَرَضُ هُنَا (وَالذَّاتِيُّ عَلَى الْعَرَضِيِّ) ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْأَوَّلِ يُفِيدُ كُنْهَ الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ الثَّانِي، (وَالصَّرِيحُ) مِنْ اللَّفْظِ عَلَى غَيْرِهِ بِتَجَوُّزٍ أَوْ اشْتِرَاكٍ لِتَطَرُّقِ الْخَلَلِ إلَى التَّعْرِيفِ بِالثَّانِي (وَالْأَعَمُّ) عَلَى الْأَخَصِّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْأَعَمِّ أَفْيَدُ لِكَثْرَةِ الْمُسَمَّى فِيهِ، وَقِيلَ يُرَجَّحُ الْأَخَصُّ أَخْذًا بِالْمُحَقَّقِ فِي الْحُدُودِ (وَمُوَافَقَةُ نَقْلِ السَّمْعِ وَاللُّغَةِ) ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِمَا يُخَالِفُهُمَا إنَّمَا يَكُونُ لِنَقْلٍ عَنْهُمَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَرُجْحَانُ طَرِيقِ اكْتِسَابِهِ) أَيْ الْحَدِّ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ بِصِحَّتِهِ أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ (وَالْمُرَجِّحَاتُ لَا تَنْحَصِرُ) لِكَثْرَتِهَا جِدًّا (وَمُثَارُهَا غَلَبَةُ الظَّنِّ) أَيْ قُوَّتُهُ، (وَسَبَقَ كَثِيرٌ) مِنْهَا (فَلَمْ نَعُدُّهُ) حَذَرًا مِنْ التَّكْرَارِ مِنْهُ تَقْدِيمُ بَعْضِ مَفَاهِيمِ الْمُخَالَفَةِ عَلَى بَعْضٍ وَبَعْضُ مَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ عَلَى بَعْضٍ كَالْمَجَازِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ، وَتَقْدِيمُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ عَلَى الْعُرْفِيِّ وَالْعُرْفِيِّ عَلَى اللُّغَوِيِّ فِي خِطَابِ الشَّارِعِ، وَتَقْدِيمُ بَعْضِ صُوَرِ النَّصِّ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ عَلَى بَعْضٍ وَتَقْدِيمُ بَعْضِ
ــ
[حاشية العطار]
الْبَاعِثَةِ، هَذَا وَلَيْسَ فِي اعْتِرَاضِ الْمُصَنِّفِ كَثِيرُ جَدْوَى اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ وَالْمُطَّرِدَةِ) أَيْ الْمُسْتَلْزِمِ وُجُودُهَا وُجُودَ الْحُكْمِ وَالْمُنْعَكِسَةُ هِيَ الْمُسْتَلْزِمُ عَدَمُهَا عَدَمَ الْحُكْمِ. (قَوْلُهُ: أَشَدُّ مِنْ ضَعْفِ الْأُولَى) لِعَدَمِ الِاطِّرَادِ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ أَظْهَرُ مِنْ الْعَدَمِ فَالتَّخَلُّفُ فِيهِ أَشَدُّ ضَعْفًا (قَوْلُهُ: لِتَسَاوِيهِمَا) فَإِنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا جِهَةُ نَقْضٍ وَجِهَةُ كَمَالٍ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ) أَيْ مِنْ الِانْفِرَادِ بِالتَّعَدِّي فِي إحْدَاهُمَا وَالْقُصُورُ فِي الْأُخْرَى.
(قَوْلُهُ: وَيُرَجَّحُ الْأَعْرَفُ) أَيْ الْأَشْهَرُ وَالْمُرَادُ بِالْحُدُودِ مُطْلَقُ التَّعْرِيفَاتِ وَمَعْنَى كَوْنِهَا سَمْعِيَّةً أَنَّ مَحْدُودَهَا مَسْمُوعٌ مِنْ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: إلَى مَقْصُودِ التَّعْرِيفِ) مِنْ الْكَشْفِ وَالْإِيضَاحِ. (قَوْلُهُ: أَمَّا الْحُدُودُ الْعَقْلِيَّةُ) نِسْبَةً إلَى الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ مَحْدُودَهَا عَقْلِيٌّ (قَوْلُهُ: فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْغَرَضُ هُنَا) ؛ لِأَنَّ الْأُصُولِيَّ إنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ الشَّرْعِيَّاتِ (قَوْلُهُ: وَالذَّاتِيُّ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمُعْتَبَرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الذَّاتِيُّ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَالْأَعَمُّ) الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ أَكْثَرَ أَفْرَادًا وَأَشْمَلَ لَهَا وَبِالْأَخَصِّ ضِدُّهُ لَا الْأَعَمُّ وَالْأَخَصُّ بِاصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي الْأَعَمِّ مِنْ وَجْهٍ وَالْأَخَصِّ مِنْ وَجْهٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ (قَوْلُهُ: أَخْذًا بِالْمُحَقَّقِ إلَخْ) لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مَاهِيَّةُ الْمَحْدُودِ قَاصِرَةً عَلَى هَذِهِ الْأَفْرَادِ.
(قَوْلُهُ: وَرُجْحَانُ) عَطْفٌ عَلَى الْأَعْرَفِ أَيْ وَيُرَجَّحُ الْأَرْجَحُ مِنْ طُرُقِ اكْتِسَابِ الْحَدِّ فَيُقَدَّمُ الْحَدُّ الَّذِي طَرِيقُ اكْتِسَابِهِ أَرْجَحُ مِنْ طَرِيقِ اكْتِسَابِ حَدٍّ آخَرَ كَكَوْنِ طَرِيقِ الْأَوَّلِ قَطْعِيًّا وَالثَّانِي ظَنِّيًّا؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ السَّمْعِيَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ النَّقْلِ وَطُرُقُ النَّقْلِ تَقْبَلُ الْقُوَّةَ وَالضَّعْفَ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: اكْتِسَابِهِ) أَيْ اكْتِسَابِ أَجْزَاءِ الْحَدِّ وَإِلَّا فَبَعْدَ تَحْصِيلِ أَجْزَاءِ الْحَدِّ فَلَا طَرِيقَ لِاكْتِسَابِهِ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَسَبُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَمَثَارُهَا) أَيْ ضَابِطُهَا وَإِلَّا فَهِيَ مَثَارُ الظَّنِّ.
стр. 933
صُوَرِ الْمُنَاسِبِ عَلَى بَعْضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(الْكِتَابُ السَّابِعُ فِي الِاجْتِهَادِ) :
(الِاجْتِهَادُ) الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ فِي الْفُرُوعِ (اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ) بِأَنْ يَبْذُلَ تَمَامَ طَاقَتِهِ فِي النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ (لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فَقِيهٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ شَرْعِيٌّ
ــ
[حاشية العطار]
[الْكِتَابُ السَّابِعُ فِي الِاجْتِهَادِ]
الْمُرَادُ مُطْلَقُ الِاجْتِهَادِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ فِيهِ اجْتِهَادَ الْمَذْهَبِ وَالْفُتْيَا، وَأَعَادَهُ اسْمًا ظَاهِرًا مُرَادًا بِهِ الِاجْتِهَادُ فِي الْفُرُوعِ فَفِيهِ شِبْهُ اسْتِخْدَامٍ وَهُوَ لُغَةً افْتِعَالٌ مِنْ الْجَهْدِ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ وَهُوَ الطَّاقَةُ وَالْمَشَقَّةُ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الصَّخْرَةِ وَلَا يُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الْخَرْدَلَةِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَبْذُلَ إلَخْ) بَيَانٌ لِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ وَقَوْلُهُ تَمَامَ طَاقَتِهِ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْوُسْعِ، وَالْمُرَادُ بِتَمَامِ طَاقَتِهِ تَمَامُ مَقْدُورِهِ إذْ الْوُسْعُ بِالضَّمِّ الْمَقْدُورُ فَلَوْ قَالَ مِنْ النَّظَرِ بَدَلَ فِي النَّظَرِ كَانَ أَوْضَحَ اهـ. نَاصِرٌ.
وَوُجِّهَ سم بِأَنَّ الْمَقْدُورَ هُوَ نَفْسُ النَّظَرِ فَالتَّعْبِيرُ بِمِنْ لِيَكُونَ بَيَانًا لِتَمَامِ طَاقَتِهِ الَّذِي هُوَ تَمَامُ مَقْدُورِهِ أَوْضَحُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِفِي الْمُوجِبِ لِإِشْكَالِ الظَّرْفِيَّةِ وَالْمُحْوِجُ إلَى التَّكَلُّفِ فِيهَا؛ لِأَنَّ تَمَامَ طَاقَتِهِ هُوَ النَّظَرُ وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ مَبْذُولًا فِي نَفْسِهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ تَمَامَ الطَّاقَةِ وَالْمَقْدُورَ لَيْسَ نَفْسَ النَّظَرِ بَلْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ فَلَا إشْكَالَ فِي الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ مِنْ الْمَقْدُورَاتِ يُبْذَلُ فِي حُصُولِهِ اهـ.
قَالَ الْبُدَخْشِيُّ وَالْمُرَادُ الِاسْتِفْرَاغُ بِحَيْثُ يُحِسُّ مِنْ النَّفْسِ الْعَجْزَ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ اجْتِهَادُ الْمُقَصِّرِ فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ فِي الِاصْطِلَاحِ اجْتِهَادًا مُعْتَبَرًا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَنْ تَرَكَ هَذَا الْقَيْدَ جَعَلَ الِاجْتِهَادَ أَعَمَّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ قَيْدَ الْحَيْثِيَّةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْفَقِيهِ
стр. 934
فَخَرَجَ اسْتِفْرَاغُ غَيْرِ الْفَقِيهِ وَاسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ لِتَحْصِيلِ قَطْعٍ بِحُكْمٍ عَقْلِيٍّ، وَالظَّنُّ الْمُحَصَّلُ هُوَ الْفِقْهُ الْمُعَرَّفُ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ إلَخْ فَلَوْ عَبَّرَ هُنَا بِالظَّنِّ بِالْأَحْكَامِ كَانَ أَحْسَنَ، وَالْفَقِيهُ فِي التَّعْرِيفِ بِمَعْنَى الْمُتَهَيِّئِ لِلْفِقْهِ مَجَازًا شَائِعًا، وَيَكُونُ بِمَا يُحَصِّلُهُ فَقِيهًا حَقِيقَةً وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْمُجْتَهِدُ الْفَقِيهُ) كَمَا قَالَ فِيمَا تَقَدَّمَ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ وَالْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصْدُقُ عَلَى مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْآخَرُ وَلِتَحَقُّقِهِ شُرُوطٌ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمُجْتَهِدُ أَوْ الْفَقِيهُ مِنْ حَيْثُ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ (الْبَالِغُ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَكْمُلْ عَقْلُهُ حَتَّى يُعْتَبَرَ قَوْلُهُ (الْعَاقِلُ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا تَمْيِيزَ لَهُ يَهْتَدِي بِهِ لِمَا يَقُولُهُ حَتَّى يُعْتَبَرَ (أَيْ ذُو مَلَكَةٍ) هِيَ (الْهَيْئَةُ الرَّاسِخَةُ فِي النَّفْسِ) يُدْرِكُ بِهَا الْمَعْلُومَ أَيْ مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يَعْلَمَ وَهَذِهِ الْمَلَكَةُ الْعَقْلُ. (وَقِيلَ الْعَقْلُ نَفْسُ الْعِلْمِ) أَيْ الْإِدْرَاكُ ضَرُورِيًّا كَانَ أَوْ نَظَرِيًّا (وَقِيلَ ضَرُورِيُّهُ) فَقَطْ وَصِدْقُ الْعَاقِلِ عَلَى ذِي الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ عَلَى هَذَا
ــ
[حاشية العطار]
مَوْضُوعٌ فِي مَحَلٍّ شَرْعِيِّ الْمَزِيدِ فَيَخْرُجُ بِهِ مَا يُحْتَرَزُ بِشَرْعِيٍّ عَنْهُ، وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْرَاغٌ لِذَلِكَ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فَقِيهٌ وَلِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُحْتَرَزَاتِ اسْتِغْنَاءً بِقَوْلِهِ فَلَا حَاجَةَ، وَقَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِفْرَاغِ الْمُقَيَّدِ بِجَمِيعِ الْقُيُودِ الَّتِي قَبْلَهُ وَوَصْفُهُ مِنْ حَيْثُ آخِرًا إشَارَةٌ إلَى وُقُوعِهِ مَوْقِعَ شَرْعِيٍّ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ اهـ. نَاصِرٌ.
(قَوْلُهُ: بِحُكْمٍ عَقْلِيٍّ) قَيَّدَ بِالْعَقْلِيِّ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ حَاصِلٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى اجْتِهَادٍ (قَوْلُهُ: كَانَ أَحْسَنَ) أَيْ لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ قَالَ النَّاصِرُ: وَالْمُنَاسِبُ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ جَوَازِ تَجَزِّي الِاجْتِهَادِ مَا عَبَّرَ بِهِ هُنَا (قَوْلُهُ: مَجَازًا شَائِعًا) مُنَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إطْلَاقِ الْفَقِيهِ عَلَى الْمُتَهَيِّئِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَيُجَابُ بِأَنَّهُ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَاللُّغَةُ كَذَلِكَ، وَصَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي اصْطِلَاحِ هَذَا الْفَنِّ (قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْمُرَادِ بِالْفَقِيهِ الْمُتَهَيِّئُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصْدُقُ) أَيْ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّعْرِيفِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ بَيَانٍ لِمَا صَدَقَ فَتَسَاوَى الْأَفْرَادُ وَاخْتَلَفَ الْمَفْهُومُ (قَوْلُهُ: وَيَتَحَقَّقُ بِشُرُوطٍ) شُرُوطُ التَّحَقُّقِ هِيَ أَخَصُّ الشُّرُوطِ وَأَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّ تَحَقُّقَ الْمَاهِيَّةِ لَا يُوجَدُ إلَّا بِتِلْكَ الشُّرُوطِ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ) أَيْ كَوْنُهُ فَقِيهًا لَا مِنْ حَيْثُ مَفْهُومُهُ (قَوْلُهُ: حَتَّى يُعْتَبَرَ) عِلَّةً لِلْكَمَالِ الْمَنْفِيِّ وَحَتَّى بِمَعْنَى كَيْ (قَوْلُهُ: أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ إلَخْ) لَا الْمَعْلُومُ بِالْفِعْلِ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ ضَرُورِيُّهُ)
стр. 935
لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْإِنْسَانِ كَعِلْمِهِ بِوُجُودِ نَفْسِهِ كَمَا يَصْدُقُ لِذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَأْتِي مِنْهُ النَّظَرُ كَالْأَبْلَهِ
(فَقِيهُ النَّفْسِ) أَيْ شَدِيدُ الْفَهْمِ بِالطَّبْعِ لِمَقَاصِدِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الِاسْتِنْبَاطُ الْمَقْصُودُ بِالِاجْتِهَادِ (وَإِنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ) فَلَا يَخْرُجُ بِإِنْكَارِهِ عَنْ فَقَاهَةِ النَّفْسِ، وَقِيلَ يَخْرُجُ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ (وَثَالِثُهَا إلَّا الْجَلِيُّ) فَيَخْرُجُ بِإِنْكَارِهِ لِظُهُورِ جُمُودِهِ (الْعَارِفُ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ) أَيْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ (وَالتَّكْلِيفُ بِهِ) فِي الْحُجِّيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ حُجَّةٌ فَيَتَمَسَّكُ بِهِ إلَى أَنْ يُصْرَفَ عَنْهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ (ذُو الدَّرَجَةِ الْوُسْطَى لُغَةً وَعَرَبِيَّةً) مِنْ نَحْوٍ وَتَصْرِيفٍ (وَأُصُولًا وَبَلَاغَةً) مِنْ مَعَانٍ وَبَيَانٍ (وَمُتَعَلَّقَ الْأَحْكَامِ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ مَا تَتَعَلَّقُ هِيَ بِهِ بِدَلَالَتِهِ عَلَيْهَا
ــ
[حاشية العطار]
بِالْإِضَافَةِ لِلضَّمِيرِ أَيْ ضَرُورِيُّ الْعِلْمِ أَيْ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ وَالْمُرَادُ بَعْضُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنَّ مَنْ فَقَدَ الْعِلْمَ بِمُدْرِكٍ لِعَدَمِ الْإِدْرَاكِ غَيْرُ عَاقِلٍ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ضَرُورِيَّهُ يُقْرَأُ بِالتَّاءِ أَيْ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ) أَيْ مِنْ حَيْثُ اتِّصَافُ الْعَاقِلِ بِالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَا مِنْ حَيْثُ اتِّصَافُهُ بِالْعِلْمِ النَّظَرِيِّ لِصِدْقِ الْعَاقِلِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ كَمَا يَصْدُقُ لِذَلِكَ أَيْ لِأَجَلِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ عَلَى مَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ النَّظَرُ كَالْأَبْلَهِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: بِالطَّبْعِ) أَخَذَهُ مِنْ إضَافَةِ فَقِيهٍ لِلنَّفْسِ أَوْ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ فِقْهٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ السَّجَايَا وَقَوْلُهُ شَدِيدٌ أَخَذَهُ مِنْ مَادَّةِ فَقِيهٍ وَقَوْلُهُ الْفَهْمُ أَخَذَهُ مِنْ مَعْنَى الْفِقْهِ وَقَوْلُهُ لِمَقَاصِدِ الْكَلَامِ مُتَعَلِّقٌ بِشَدِيدِ الْفَهْمِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ اسْتِخْرَاجَاتِ الصُّوفِيَّةِ وَإِشَارَاتِهِمْ الْمَفْهُومَةِ لَهُمْ فَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ فِقْهًا وَاسْتِعْمَالُ الْفَقِيهِ بِمَعْنَى الْعَارِفِ بِالْفِقْهِ عُرْفِيٌّ أَيْضًا فَيَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُمْ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّكْلِيفُ بِهِ) أَيْ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَيْ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ وَقَوْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحُجِّيَّةِ أَيْ فِي كَوْنِهِ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ وَهُوَ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ حُجِّيَّةٌ أَيْ يُعْلَمُ أَنَّا مُكَلَّفُونَ بِهَا مَا لَمْ يَرِدْ مَا يَصْرِفُ عَنْهَا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَعَرَبِيَّةٌ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ إذْ اللُّغَةُ مِنْ أَفْرَادِهَا فَإِنَّهَا تَشْمَلُ اثْنَيْ عَشَرَ عَلَمًا جَمَعْتهَا فِي قَوْلِي:
نَحْوٌ وَصَرْفٌ عُرُوضٌ بَعْدَهُ لُغَةٌ ... ثُمَّ اشْتِقَاقٌ وَقَرْضُ الشِّعْرِ إنْشَاءُ
كَذَا الْمَعَانِي بَيَانُ الْخَطِّ قَافِيَّةٌ ... تَارِيخُ هَذَا لِعِلْمِ الْعُرْبِ إحْصَاءُ
وَبُلُوغُهَا إلَى هَذَا الْحَدِّ تَسَامُحٌ فِي الْعَدِّ كَمَا لَا يَخْفَى فَإِنَّ قَرْضَ الشِّعْرِ مِنْ فَوَائِدِ عِلْمِ الْعَرُوضِ وَالْإِنْشَاءَ ثَمَرَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَجْمُوعِهِمَا وَالتَّارِيخُ لَيْسَ بِعِلْمٍ بَلْ هُوَ نَقْلٌ مَحْضٌ، وَالِاشْتِقَاقُ دَاخِلٌ فِي عِلْمِ الصَّرْفِ عَلَى مَا تَحَرَّرَ، وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي حَوَاشِي لَامِيَّةِ الْأَفْعَالِ وَالْبَلَاغَةُ ثَمَرَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى مَجْمُوعَيْ عِلْمِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ مَعَ مُقَدِّمَاتِهَا مِنْ النَّحْوِ وَالصَّرْفِ وَاللُّغَةِ وَاشْتِرَاطُ مَعْرِفَةِ الْبَلَاغَةِ فِي الْمُجْتَهِدِ لَا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ لِرُجُوعِهَا إلَى الْمُخَاطَبَاتِ عَلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ تَحَقَّقَ قَبْلَ تَدْوِينِهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ فِي الِاجْتِهَادِ هُوَ النَّحْوُ وَالصَّرْفُ وَالْبَيَانُ لَا غَيْرُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَأُصُولًا) الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَإِنْ كَانَ عِلْمُ الْأُصُولِ قَدْ دُوِّنَ بَعْدَ تَقَدُّمِ نَحْوِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ (قَوْلُهُ: بِدَلَالَتِهِ عَلَيْهَا) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ
стр. 936
(مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ الْمُتُونَ) أَيْ الْمُتَوَسِّطَ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ لِيَتَأَتَّى لَهُ الِاسْتِنْبَاطُ الْمَقْصُودُ بِالِاجْتِهَادِ، أَمَّا عِلْمُهُ بِآيَاتِ الْأَحْكَامِ وَأَحَادِيثِهَا أَيْ مَوَاقِعِهَا وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فَلِأَنَّهَا الْمُسْتَنْبَطُ مِنْهُ، وَأَمَّا عِلْمُهُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ فَلِأَنَّهُ يَعْرِفُ بِهِ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِنْبَاطِ وَغَيْرِهَا لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَأَمَّا عِلْمُهُ بِالْبَاقِي فَلِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ الْمُرَادَ مِنْ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ إلَّا بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ بَلِيغٌ
ــ
[حاشية العطار]
مَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِذَلِكَ ارْتِبَاطُهَا بِهِ ارْتِبَاطَ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمُتَوَسِّطَ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ النِّهَايَةَ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يُبَلِّغَ اجْتِهَادَهُ لِلنَّاسِ وَلِذَلِكَ يُرْوَى عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِسَيِّدِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيِّ فِي الْمَطَافِ مِمَّا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيَّ أَنِّي بَلَغْت دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ فَقَالَ لَهُ سَيِّدِي وَلِمَ لَمْ تُظْهِرْهُ فَقَالَ أَخَافُ مِنْ تَشْنِيعِهِمْ عَلَيَّ كَمَا شَنَّعُوا عَلَى السُّيُوطِيّ هَكَذَا رَأَيْت هَذِهِ الْحِكَايَةَ مَسْطُورَةً بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ، وَأَظُنُّهَا مَوْضُوعَةً فَإِنَّ بُلُوغَ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ رُبَّمَا تَقْطَعُ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ، وَالْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيّ مَعَ تَبَحُّرِهِ فِي الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَدَوَاتُ الِاجْتِهَادِ لَمَّا ادَّعَاهُ قَامَ عَلَيْهِ النَّكِيرُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْحَافِظِ السُّيُوطِيّ وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ فِي مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالْوُقُوفِ عَلَى تَآلِيفِهِمَا، وَقَدْ ادَّعَى الْمُصَنِّفُ بُلُوغَ وَالِدِهِ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ فَقَالَ فِي تَرْشِيحِ التَّوْشِيحِ فَإِنْ قُلْت مَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ بُلُوغِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ وَقَدْ خَلَا الْعَصْرُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ، وَهَذَا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ بَلْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الْقَفَّالُ شَيْخُ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ الْوَسِيطِ سَاكِتِينَ عَلَيْهِ قُلْت قَدْ نَظَرْت هَذَا الْكَلَامَ وَفَكَّرْت فِيهِ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ وَمَنْ سَبَقَهُ إلَيْهِ إنَّمَا أَرَادُوا خَلَا عَنْ مُجْتَهِدٍ قَائِمٍ بِأَعْبَاءِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلِي الْقَضَاءَ فِي زَمَانِهِمْ مَرْمُوقٌ وَلَا مَنْظُورٌ إلَيْهِ بِكَثِيرِ عِلْمٍ بَلْ كَانَتْ جَهَابِذَةُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ يَرْبَئُونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ الْقَضَاءِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَعْصَارِ بِخُلُوِّهَا عَنْ مُجْتَهِدٍ هَذَا مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَالْقَفَّالُ نَفْسُهُ كَانَ يَقُولُ لِلسَّائِلِ فِي مَسْأَلَةِ الصُّبْرَةِ أَتَسْأَلُنِي عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَمْ مَا عِنْدِي وَقَالَ هُوَ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُمْ لَسْنَا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ بَلْ مُوَافِقِينَ وَافَقَ رَأْيُنَا رَأْيَهُ فَمَا هَذَا الْكَلَامُ مَنْ يَدَّعِي زَوَالَ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ قَالَتْ طَوَائِفُ لَا يَخْلُو كُلُّ عَصْرٍ عَنْ مُجْتَهِدٍ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ يُعْجِبُنِي فِيهَا قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو الْعَصْرُ عَنْ مُجْتَهِدٍ إلَّا إذَا تَدَاعَى الزَّمَانُ وَقَرُبَتْ السَّاعَةُ، وَهَذَا الْقَرْنُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ قَدْ كَانَ فِيهِ هَذَانِ الرَّجُلَانِ وَهُمَا الْوَالِدُ وَقَبْلَهُ شَيْخُهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَكَانَ مِنْ أَقْرَان ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مُجْتَهِدٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ تَلَامِذَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَنَّهُ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَهَكَذَا لَا يُعْهَدُ عَصْرٌ إلَّا وَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ فِيهِ الْحُجَّةَ بِعَالِمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَنْ تَبْرَحَ حُجَّةُ اللَّهِ قَائِمَةً وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُ الْقَائِمِينَ وَشَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ ظُهُورُهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ.
(قَوْلُهُ: لِيَتَأَتَّى لَهُ الِاسْتِنْبَاطُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إذَا رُفِعَتْ إلَيْهِ أَيْ الْمُجْتَهِدِ وَاقِعَةٌ فَلْيَعْرِضْهَا عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ فَإِنْ أَعْوَزَهُ فَعَلَى الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ ثُمَّ عَلَى الْآحَادِ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ لَمْ يَخُضْ فِي الْقِيَاسِ بَلْ يَلْتَفِتُ إلَى ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ فَإِنْ وَجَدَ ظَاهِرًا نَظَرَ فِي الْمُخَصَّصَاتِ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ خَبَرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَخْصِيصًا حَكَمَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى لَفْظٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ نَظَرَ إلَى الْمَذَاهِبِ فَإِنْ وَجَدَهَا مَجْمَعًا عَلَيْهَا اتَّبَعَ الْإِجْمَاعَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إجْمَاعًا خَاضَ فِي الْقِيَاسِ، وَيُلَاحِظُ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ أَوَّلًا وَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ كَمَا فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقِّلِ يُقَدِّمُ قَاعِدَةَ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْآلَةِ فَإِنْ عَدِمَ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً نَظَرَ فِي النُّصُوصِ وَمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ وَجَدَهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ أَلْحَقَ بِهِ وَإِلَّا انْحَدَرَ إلَى قِيَاسٍ مُخَيَّلٍ فَإِنْ أَعْوَزَهُ تَمَسَّكَ بِالشَّبَهِ وَلَا يَعُودُ عَلَى طَرْدٍ إنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَعْرِفُ مَأْخَذَ الشَّرْعِ هَذَا تَدْرِيجُ النَّظَرِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَلَقَدْ أَخَّرَ الْإِجْمَاعَ عَنْ الْأَخْبَارِ وَذَلِكَ تَأْخِيرُ مَرْتَبَةٍ لَا تَأْخِيرُ عَمَلٍ إذْ الْعَمَلُ بِهِ مُقَدَّمٌ لَكِنَّ الْخَبَرَ يَتَقَدَّمُ فِي الْمَرْتَبَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مُسْتَنِدٌ قَبُولَ الْإِجْمَاعِ، قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ (قَوْلُهُ: أَيْ مَوَاقِعُهَا) أَيْ مَوَاضِعُ ذِكْرِهَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا) فَيَكْفِيهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنْ الْأُصُولِ
стр. 937
(وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ (هُوَ) أَيْ الْمُجْتَهِدُ (مَنْ هَذِهِ الْعُلُومُ مَلَكَةٌ لَهُ، وَأَحَاطَ بِمُعْظَمِ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَارَسَهَا بِحَيْثُ اكْتَسَبَ قُوَّةً يَفْهَمُ بِهَا مَقْصُودَ الشَّارِعِ) فَلَمْ يَكْتَفِ بِالتَّوَسُّطِ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ وَضَمَّ إلَيْهَا مَا ذُكِرَ (وَيُعْتَبَرُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ (لَا يَقَعُ الِاجْتِهَادُ لَا لِكَوْنِهِ صِفَةً فِيهِ بَلْ كَوْنُهُ خَبِيرًا بِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ كَيْ لَا يَخْرِقَهُ) فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِمَوَاقِعِهِ قَدْ يَخْرِقُهُ حَرَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ لَا اعْتِبَارَ بِهِ (وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ) لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِهِمَا قَدْ يَعْكِسُ (وَأَسْبَابِ النُّزُولِ) فَإِنَّ الْخِبْرَةَ بِهَا تُرْشِدُ إلَى فَهْمِ الْمُرَادِ.
(وَشَرْطِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ) الْمُحَقِّقِ لَهُمَا الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِهِ قَدْ يَعْكِسُ (وَالصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ) مِنْ الْحَدِيثِ لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِهِمَا قَدْ يَعْكِسُ (وَحَالِ الرُّوَاةِ) فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ لِيُقَدِّمَ الْمَقْبُولَ عَلَى الْمَرْدُودِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِذَلِكَ قَدْ يَعْكِسُ وَفِي نُسْخَةٍ وَسِيَرِ الصَّحَابَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ بِعَدَالَتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَكْفِي) فِي الْخِبْرَةِ بِحَالِ الرُّوَاةِ (فِي زَمَانِنَا الرُّجُوعُ إلَى أَئِمَّةِ ذَلِكَ) مِنْ الْمُحَدِّثِينَ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمْ فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ لِتَعَذُّرِهِمَا فِي زَمَانِنَا إلَّا بِوَاسِطَةٍ، وَهُمْ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ فَالْخِبْرَةُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ اعْتَبَرُوهَا فِي الْمُجْتَهِدِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَبَيَّنَ وَالِدُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي الِاجْتِهَادِ لَا صِفَةٌ فِيهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي الْمُجْتَهِدِ (عِلْمُ الْكَلَامِ) لِإِمْكَانِ الِاسْتِنْبَاطِ لِمَنْ يَجْزِمُ بِعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِ تَقْلِيدًا (وَ) لَا (تَفَارِيعُ الْفِقْهِ) ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُمْكِنُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ
ــ
[حاشية العطار]
مَا إذَا رَاجَعَهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَاقِعَةِ ظَنَّ أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا، وَمَثَّلَ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ الْأَصْلَ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُد. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِمَا قَبْلَهُ مَعَ أَنَّ مَا قَبْلَهُ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِ الْمُجْتَهِدِ الْمُفَسِّرِ بِظَانِّ الْحُكْمِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِحَقِيقَةِ الْمُجْتَهِدِ بِمَعْنَى الْمُتَهَيِّئِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِكَوْنِهَا مَلَكَةً لَهُ. (قَوْلُهُ: لِإِيقَاعِ الِاجْتِهَادِ) أَيْ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: لَا لِكَوْنِهِ صِفَةً فِيهِ) أَيْ لَا لِكَوْنِ الِاجْتِهَادِ صِفَةً لَهُ بِتَهْيِئَةٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُتَهَيِّئًا مَعَ عَدَمِ خِبْرَتِهِ بِمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: بِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدُو عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَعْدَ انْقِرَاضِ أَصْحَابِ مُجْتَهِدِيهَا فَطَرِيقُ النَّقْلِ قَدْ انْقَطَعَ وَلَمْ يُجْمِعْ عَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ جَمِيعُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ.
(قَوْلُهُ: لَا اعْتِبَارَ بِهِ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْخَرْقَ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا لَا اعْتِدَادَ بِهِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْحَسَنَ فَيُقَدَّمُ عَلَى الضَّعِيفِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَرَاتِبَ الصَّحِيحِ وَمَرَاتِبَ الْحَسَنِ أَيْ يَعْلَمُ مَاصَدَقَاتِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْحَسَنَةِ وَالضَّعِيفَةِ لَا أَنْ يَعْرِفَ مَفَاهِيمَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي أُصُولِ عِلْمِ الْحَدِيثِ. (فَائِدَةٌ)
قَالَ فِي التَّمْهِيدِ إذَا ظَفِرَ بِحَدِيثٍ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ السُّؤَالُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ لَزِمَهُ سَمَاعُهُ لِيَكُونَ أَصْلًا فِي اجْتِهَادِهِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ قَالَا وَعَلَى مُتَحَمِّلِ السُّنَّةِ أَنْ يَرْوِيَهَا إذَا سُئِلَ عَنْهَا وَلَا يَلْزَمُهُ رِوَايَتُهَا إذْ لَمْ يُسْأَلْ إلَّا أَنْ يَجِدَ النَّاسَ عَلَى خِلَافِهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَحَالِ الرُّوَاةِ) وَمِنْهُمْ الصَّحَابَةُ ﵃ فَإِنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي الرُّوَاةِ وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ بِعَدَالَتِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا عُدُولًا لَمْ يَتَوَقَّفْ قَبُولُ رِوَايَتِهِمْ عَلَى تَعَرُّفِ أَحْوَالِهِمْ فَلَا مَعْنَى لِتَوَقُّفٍ إيقَاعِ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لَيْسَتْ كَغَيْرِهِمْ لَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَجِّحَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَفَارِيعُ الْفِقْهِ قَدَّرَ لَا فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ النَّفْيَ مُنْصَبٌّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرُدَّ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا إنَّمَا تُمْكِنُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ) أَيْ فَلَوْ جُعِلَتْ شَرْطًا فِيهِ لَزِمَ الدَّوْرُ لِتَوَقُّفِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ قَالَ النَّاصِرُ وَلَوْ قَالَ إنَّمَا تَحْصُلُ كَانَ أَظْهَرَ إذْ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى الِاجْتِهَادِ هُوَ الْحُصُولُ لَا الْإِمْكَانُ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْإِمْكَانَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ إمْكَانٌ وُقُوعِيٌّ وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ إمْكَانٌ ذَاتِيٌّ وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا وَمَنْشَأُ الْإِشْكَالِ
стр. 938
فَكَيْفَ تُشْتَرَطُ فِيهِ (وَ) لَا (الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِبَعْضِ النِّسَاءِ قُوَّةُ الِاجْتِهَادِ وَإِنْ كُنَّ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ عَنْ الرِّجَالِ، وَكَذَا الْبَعْضُ الْعَبِيدُ بِأَنْ يَنْظُرَ حَالَ التَّفَرُّغِ عَنْ خِدْمَةِ السَّيِّدِ (وَكَذَا الْعَدَالَةُ) لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ (عَلَى الْأَصَحِّ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْفَاسِقِ قُوَّةُ الِاجْتِهَادِ وَقِيلَ تُشْتَرَطُ لِيُعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِهِ.
(وَلِيَبْحَثَ عَنْ الْمُعَارِضِ) كَالْمُخَصِّصِ وَالْمُقَيَّدِ وَالنَّاسِخِ (وَ) عَنْ (اللَّفْظِ هَلْ مَعَهُ قَرِينَةٌ) تَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ أَيْ عَنْ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ لِيَسْلَمَ مَا يَسْتَنْبِطُهُ عَنْ تَطَرُّقِ الْخَدْشِ إلَيْهِ لَوْ لَمْ يَبْحَثْ، وَهَذَا أَوْلَى لَا وَاجِبٌ لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ عَلَى الْأَصَحِّ وَمِنْ حِكَايَةِ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْبَحْثِ عَنْ صَارِفِ صِيغَةِ أَفْعَلَ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى غَيْرِهِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ فِي كُلِّ مُعَارِضٍ.
(وَدُونَهُ) أَيْ دُونَ الْمُجْتَهِدِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ (مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَخْرِيجِ الْوُجُوهِ) الَّتِي يُبْدِيهَا (عَلَى نُصُوصِ إمَامِهِ) فِي الْمَسَائِلِ. (وَدُونَهُ) أَيْ دُونَ مُجْتَهِدِ الْمَذْهَبِ (مُجْتَهِدُ الْفُتْيَا وَهُوَ الْمُتَبَحِّرُ) فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ (الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَرْجِيحِ قَوْلٍ) لَهُ (عَلَى آخَرَ) أَطْلَقَهُمَا.
(وَالصَّحِيحُ جَوَازُ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ) بِأَنْ تَحْصُلَ لِبَعْضِ النَّاسِ قُوَّةُ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْأَبْوَابِ كَالْفَرَائِضِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَدِلَّتَهُ بِاسْتِقْرَاءٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ مُجْتَهِدٍ كَامِلٍ، وَيَنْظُرَ فِيهَا وَقَوْلُ الْمَانِعِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ مُعَارِضٌ لِمَا عَلِمَهُ بِخِلَافِ مَا أَحَاطَ بِالْكُلِّ وَنَظَرَ فِيهِ بَعِيدٌ جِدًّا.
(وَ) الصَّحِيحُ (جَوَازُ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]
ــ
[حاشية العطار]
الْتِبَاسُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ تُشْتَرَطُ لِيَعْتَمِدَ عَلَى قَوْلِهِ) تَبِعَ الزَّرْكَشِيَّ فِي جَعْلِ هَذَا مُقَابِلًا لِلْأَصَحِّ وَتَعَقَّبَهُ الْعِرَاقِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا إذْ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ لِاعْتِمَادِ قَوْلِهِ لَا يُنَافِي عَدَمَ اشْتِرَاطِهَا لِاجْتِهَادِهِ إذْ الْفَاسِقُ يَعْمَلُ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَمَدْ قَوْلُهُ اتِّفَاقًا أَيْ فَيَرْجِعُ الْخِلَافُ إلَى أَنَّهُ لَفْظِيٌّ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَالنَّاسِخِ) لَا يُقَالُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْكَلَامَ ثَمَّ فِيمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ دَلِيلٌ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ عَيْنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَهُنَا فِيمَا إذَا كَانَ دَلِيلٌ وَاحِدٌ وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ حُكْمٌ فَيُطْلَبُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ الْبَحْثُ عَنْ مُعَارِضٍ مِنْ نَاسِخٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: أَيْ عَنْ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ لَا عَنْ اللَّفْظِ وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ قَوْلُ الْمُصَنِّفُ هَلْ مَعَهُ قَرِينَةٌ إلَخْ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْقَرِينَةُ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ (قَوْلُهُ: وَمِنْ حِكَايَةِ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ أَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِالْعَامِّ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ هَلْ مَعَهُ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ فَمَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ بَيَانٌ لِمَا تَقَدَّمَ
(قَوْلُهُ: وَدُونَهُ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ دُونَ ظَرْفٌ لَا يَتَصَرَّفُ فِي الْمَشْهُورِ فَلَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً.
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ تَجَزُّؤُ الِاجْتِهَادِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُلَائِمُ مَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّهُ الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ اهـ. نَجَّارِيٌّ.
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَيَنْظُرُ إلَخْ) تَصْوِيرٌ لِمَاهِيَّةِ قُوَّةِ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ إنَّمَا يَصِحُّ كَوْنُهُ تَصْوِيرًا لِمَاهِيَّةِ الِاجْتِهَادِ أَيْ الِاسْتِفْرَاغِ لَا لِلْقُوَّةِ الَّتِي هِيَ مَلَكَةٌ بِمَعْنَى التَّهَيُّؤِ تَأَمَّلْ. قَالَهُ النَّاصِرُ قَالَ سم وَمَبْنَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ النَّظَرُ لِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ الْمُرَادُ النَّظَرُ فِي الْآلَاتِ الْمُحَصِّلَةِ لِقُوَّةِ الِاجْتِهَادِ كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ كَوْنُ الْكَلَامِ فِي شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ وَمَا يُحَقِّقُهُ.
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَخْ) وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] فَإِنَّهُ يَعُمُّهُ ﷺ وَغَيْرَهُ فَإِنَّهُ كَانَ ﷺ أَعْلَى النَّاسِ بَصِيرَةً وَأَكْثَرَهُمْ اطِّلَاعًا عَلَى شَرَائِطِ الْقِيَاسِ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ فَكَانَ الِاجْتِهَادُ عَلَيْهِ وَاجِبًا فَضْلًا عَنْ الْجَوَازِ، وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ أَشَقُّ مِنْ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ وَالْأَشَقُّ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا» أَيْ أَشَقُّهَا وَالْأَفْضَلُ يَتْرُكُهُ الرَّسُولُ ﵇ وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ وَلَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ النُّبُوَّةُ الَّتِي هِيَ مَعْدِنُ الْوَحْيِ وَسَائِرِ الْفَضَائِلِ، وَاسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وَبَيَّنَ الْفَارِسِيُّ وَجْهَ دَلَالَتِهِ فَقَالَ الرُّؤْيَةُ لِلْإِبْصَارِ نَحْوَ رَأَيْت زَيْدًا وَلِلْعِلْمِ نَحْوَ رَأَيْت زَيْدًا قَائِمًا وَلِلرَّأْيِ مِثْلَ أَرَى فِيهِ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ
стр. 939
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] عُوتِبَ عَلَى اسْتِيفَاءِ أَسْرَى بَدْرٍ بِالْفِدَاءِ وَعَلَى الْإِذْنِ لِمَنْ ظَهَرَ نِفَاقُهُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَلَا يَكُونُ الْعِتَابُ فِيمَا صَدَرَ عَنْ وَحْيٍ فَيَكُونُ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَقِيلَ يَمْتَنِعُ لَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ بِالتَّلَقِّي مِنْ الْوَحْيِ بِأَنْ يَنْتَظِرَهُ، وَالْقَادِرُ عَلَى الْيَقِينِ فِي الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ جَزْمًا وَرُدَّ بِأَنَّ إنْزَالَ الْوَحْيِ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ، (وَثَالِثُهَا) الْجَوَازُ وَالْوُقُوعُ فِي الْآرَاءِ (وَالْحُرُوبُ فَقَطْ) أَيْ وَالْمَنْعُ فِي غَيْرِهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ.
(وَالصَّوَابُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ ﷺ لَا يُخْطِئُ) تَنْزِيهًا لِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ عَنْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ وَقِيلَ قَدْ يُخْطِئُ
ــ
[حاشية العطار]
وَأَرَاك لَا يَسْتَقِيمُ لِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ لِاسْتِحَالَتِهَا فِي الْأَحْكَامِ وَلَا لِلْعِلْمِ لِوُجُوبِ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ الثَّالِثِ لَهُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الرَّأْيَ أَيْ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ رَأْيًا لَكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ وَحُذِفَ الْمَفْعُولَانِ مَعًا، وَإِنَّهُ جَائِزٌ وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ لِخَثْعَمَةَ «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ» «وَقَوْلُهُ لِعُمَرَ ﵁ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْته أَكَانَ يَضُرُّك» فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قِيَاسٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ﵇ عَلِمَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ لَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ لِمَا كَانَ مُوَافِقًا لَهُ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ وَفِي الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارُ أَنَّا لَا نَظُنُّ إسْنَادًا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ، وَيُسَوَّغُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فَهَذَا حُكْمُ الْعَقْلِ جَوَازًا وَأَمَّا وُقُوعُهُ فَالْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْتَهِدُ فِي الْقَوَاعِدِ وَكَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] أَيْ مَأْخُوذًا مِنْهَا الْفِدَاءُ ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] أَيْ يُكْثِرَ قَتْلَ الْمُشْرِكِينَ وَيَكْسِرَ شَوْكَتَهُمْ ثُمَّ إنَّ مَنْ قَرَأَ تَكُونَ بِالتَّاءِ أَمَالَ أَسْرَى وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ لَمْ يُمِلْ أَسْرَى، وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ مِنْ الْقِرَاءَةِ بِالتَّاءِ مَعَ عَدَمِ الْإِمَالَةِ فَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْقُرَّاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَلْفِيقٌ (قَوْلُهُ: لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ بِالتَّلَقِّي مِنْ الْوَحْيِ) أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يَتِمُّ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالِاجْتِهَادِ لَهُ ﷺ مُطْلَقًا بَلْ عَلَى الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ قَدْ يُخْطِئُ، وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُخْطِئُ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِمْ بِانْحِصَارِ سَبَبِ الْيَقِينِ فِي التَّلَقِّي مِنْ الْوَحْيِ بَلْ سَبَبُ الْيَقِينِ عِنْدَهُمْ أَمْرَانِ التَّلَقِّي مِنْ الْوَحْيِ وَالتَّلَقِّي مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَتَمَامُ الدَّلِيلِ عَلَى الْخَصْمِ لَا يَتَأَتَّى مَعَ عَدَمِ تَسْلِيمِهِ وَفِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي الْفُرُوعِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّصُوصِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْذِ بِالظَّنِّ مُطْلَقًا مَعَ إمْكَانِ الْقَطْعِ كَجَوَازِ الِاجْتِهَادِ بَيْنَ مِيَاهٍ تَنَجَّسَ بَعْضُهَا وَهُوَ عَلَى الشَّطِّ وَجَوَازِهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ مَعَ إمْكَانِ الْمَصِيرِ إلَى الْيَقِينِ انْتَهَى وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقِبْلَةَ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ إذْ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ لِمَنْ فِي نَحْوِ دُورِ مَكَّةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ بِنَحْوِ الْخُرُوجِ لِمُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الِاجْتِهَادُ عَلَى الْمُتَمَكِّنِ مِنْ الْيَقِينِ بِسُهُولَةٍ كَمَنْ يُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ نَحْوِ ظُلْمَةٍ فَتَأَمَّلْ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْقَائِلَ بِمَنْعِ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّهِ ﷺ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ وَأَنَّ كُلَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ فَهُوَ وَحَيٌّ وَهُوَ يَنْفِي الِاجْتِهَادَ.
لِأَنَّهُ قَوْلُ الرَّأْيِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّهُ رَدُّ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ افْتِرَاءٌ فَيَخْتَصُّ بِمَا بَلَّغَهُ وَيَنْتَفِي الْعُمُومُ وَلَوْ سَلَّمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَنْفِي الِاجْتِهَادَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ مَأْمُورٌ بِهِ فَلَيْسَ نُطْقًا بِهَوًى بَلْ هُوَ قَوْلٌ عَنْ الْوَحْيِ وَاسْتَدَلَّا أَيْضًا بِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ كَالظِّهَارِ وَاللِّعَانِ فَلَوْ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ لَمَا أَخَّرَ بَلْ اجْتَهَدَ.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بَلْ جَازَ التَّأْخِيرُ لِيَحْصُلَ الْيَأْسُ عَنْ النَّصِّ حَتَّى يَجُوزَ الِاجْتِهَادُ حِينَئِذٍ إذْ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ مَشْرُوطٌ بِالتَّيَقُّنِ بِعَدَمِ النَّصِّ، وَأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَجِدْ أَصْلًا يَقِيسُ عَلَيْهِ وَوَجَدَ أَنَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ مِنْ شَرَائِطِ الْقِيَاسِ أَوْ لِأَنَّ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ يَسْتَدْعِي زَمَانًا (قَوْلُهُ: جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ) فَإِنَّهَا فِي الْحُرُوبِ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ ﷺ لَا يُخْطِئُ) اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ﷺ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ فَلَوْ أَخْطَأَ وَجَبَ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فَيَلْزَمُ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ الْخَطَأِ وَهُوَ بَاطِلٌ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ قَدْ يُخْطِئُ) صَرَّحَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ مُخْتَارَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْخَطَأُ فِي اجْتِهَادِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ الْقَرَارُ عَلَيْهِ؛ «لِأَنَّهُ ﷺ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَرَأَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَخْذَ الْفِدْيَةِ
стр. 940
وَلَكِنْ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ سَرِيعًا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَتَيْنِ وَلِبَشَاعَةِ هَذَا الْقَوْلِ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالصَّوَابِ.
(وَالْأَصَحُّ أَنَّ الِاجْتِهَادَ جَائِزٌ فِي عَصْرِهِ) ﷺ وَقِيلَ لَا لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ فِي الْحُكْمِ بِتَلَقِّيهِ مِنْهُ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ وَحْيٌ فِي ذَلِكَ لَبَلَّغَهُ لِلنَّاسِ، (وَثَالِثُهَا) جَائِزٌ (بِإِذْنِهِ صَرِيحًا قِيلَ أَوْ غَيْرَ صَرِيحٍ) بِأَنْ سَكَتَ عَمَّنْ سَأَلَ عَنْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَلَا، (وَرَابِعُهَا) جَائِزٌ (لِلْبَعِيدِ) عَنْهُ دُونَ الْقَرِيبِ لِسُهُولَةِ مُرَاجَعَتِهِ (وَخَامِسُهَا) جَائِزٌ (لِلْوُلَاةِ) حِفْظًا لِمَنْصِبِهِمْ عَنْ اسْتِنْقَاصِ الرَّعِيَّةِ لَهُمْ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ بِأَنْ يُرَاجِعُوا النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا يَقَعُ لَهُمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ (وَ) الْأَصَحُّ عَلَى الْجَوَازِ (أَنَّهُ وَقَعَ) وَقِيلَ لَا (وَثَالِثُهَا لَمْ يَقَعْ لِلْحَاضِرِ) فِي قُطْرِهِ ﷺ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (وَرَابِعُهَا الْوَقْفُ) عَنْ الْقَوْلِ بِالْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى الْوُقُوعِ «بِأَنَّهُ ﷺ حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَالَ تُقَتَّلُ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذُرِّيَّتُهُمْ فَقَالَ ﷺ لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ حُكْمَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ.
(مَسْأَلَةُ الْمُصِيبِ) مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ
ــ
[حاشية العطار]
مِنْهُمْ وَعُمَرُ ﵁ ضَرْبَ أَعْنَاقِهِمْ وَاسْتَصْوَبَ ﵇ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ وَاخْتَارَهُ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الْآيَةَ أَيْ لَوْلَا حُكْمُ اللَّهِ سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَهُوَ أَنْ لَا يُعَاقِبَ أَحَدًا بِالْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ لَأَصَابَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ أَخْذِكُمْ الْفِدْيَةَ وَتَرْكِكُمْ الْقَتْلَ فَقَالَ ﵇ لَوْ نَزَلَ بِنَا عَذَابٌ لَمَا نَجَا إلَّا عُمَرُ» فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى خَطَئِهِ فِي الِاجْتِهَادِ اهـ.
وَعِبَارَةُ مَتْنِ التَّوْضِيحِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ ثُمَّ الْعَمَلُ بِالرَّأْيِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ لِعُمُومِ فَاعْتَبِرُوا إلَى أَنْ قَالَ وَمُدَّةُ الِانْتِظَارِ مَا يُرْجَى نُزُولُهُ فَإِذَا خَافَ الْفَوْتَ فِي الْحَادِثَةِ يَعْمَلُ بِالرَّأْيِ (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يُنَبِّهُ إلَخْ) .
وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ [الأنفال: ٦٧] الْآيَةَ مَا كَانَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِك بَعِيدٌ مِنْ سِيَاقِ مَا بَعْدَهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ (قَوْلُهُ: عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالصَّوَابِ) إشَارَةً إلَى أَنَّ مُقَابِلَهُ غَيْرُ صَوَابٍ.
(قَوْلُهُ: وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ وَحَيٌّ فِي ذَلِكَ لَبَلَّغَهُ لِلنَّاسِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْوَحْيِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اجْتِهَادَهُ ﷺ لَا يُخْطِئُ بَلْ فِي تَلَقِّي الْحُكْمِ مِنْهُ ﷺ بِوَحْيٍ أَوْ اجْتِهَادٍ مِنْهُ، وَقَدْ يُقَالُ أَنَّ اقْتِصَارَ الْمُعْتَرِضِ عَلَى الْوَحْيِ لِكَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ اهـ. نَجَّارِيٌّ.
وَفِي التَّمْهِيدِ إذَا رُوِيَ حَدِيثٌ لِغَائِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَمِلَ بِهِ ثُمَّ لَقِيَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ كِلَاهُمَا فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ السُّؤَالُ إذَا حَضَرَ لَكَانَتْ الْهِجْرَةُ تَجِبُ إذَا غَابَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ الْحَدِيثُ إنْ دَلَّ عَلَى تَغْلِيظٍ لَمْ يَلْزَمْهُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى تَرْخِيصٍ لَزِمَهُ (قَوْلُهُ وَثَالِثُهَا جَائِزٌ بِإِذْنِهِ) قَدْ يُفْهَمُ مِنْ مُقَابَلَةِ هَذَا لِلثَّانِي أَنَّ الثَّانِيَ يُمْنَعُ عِنْدَ الْإِذْنِ أَيْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسَعُهُ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مِنْ شَيْءٍ مَعَ إذْنِ الشَّارِعِ فِيهِ فَالثَّالِثُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُقَابِلُ الثَّانِيَ بَلْ يُوَافِقُهُ، وَإِنَّمَا يُقَابِلُ مَا عَدَاهُ وَإِنَّمَا حَكَى الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ أَطْلَقَ الْمَنْعَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّفْصِيلِ كَمَا تَعَرَّضَ لَهُ الثَّالِثُ فَحَكَاهُ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ مِنْهُ وَإِنْ لَزِمَهُ الْقَوْلُ بِتَفْصِيلِ الثَّانِي اهـ. سم.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِذْنِ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُبَاحُ لَهُ شَيْءٌ وَيَتْرُكُهُ أَدَبًا.
(قَوْلُهُ: عَنْ اسْتِنْقَاصِ الرَّعِيَّةِ لَهُمْ) فِيهِ أَنَّ مُرَاجَعَتَهُ ﷺ هُوَ الْكَمَالُ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنْ يُفْرَضَ فِي الرَّعَايَا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَجْلَافِ الْأَعْرَابِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لِاسْتِدْلَالِ هَذَا الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ اُشْتُهِرَ) كَاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَشْتَهِرْ لِقِلَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَرَابِعُهَا الْوَقْفُ) اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَدُلَّ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِهِ وَمَا يُنْقَلُ مِنْ الْآحَادِ لَا يَكْفِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ (قَوْلُهُ: وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْوُقُوعِ إلَخْ) أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عِلْمِيَّةٌ وَهَذَا خَبَرُ آحَادٍ يُفِيدُ ظَنَّ الْوُقُوعِ لَا الْقَطْعَ بِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْ تَتَبَّعَ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ ظَفِرَ بِمَا يُفِيدُ مَجْمُوعُهُ التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِمَا رُوِيَ «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَتَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ يَطْلُبُ سَلَبَهُ فَقَالَ رَجُلٌ سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي وَطَلَبَ مِنْهُ ﵊ أَنْ يُرْضِيَهُ عَنْهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ -
стр. 941
(فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ) وَهُوَ مَنْ صَادَفَ الْحَقَّ فِيهَا لِتَعَيُّنِهِ فِي الْوَاقِعِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَثُبُوتِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ وَبَعْثَةِ الرُّسُلِ.
(وَنَافِي الْإِسْلَامِ) كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ كَنَافِي بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ (مُخْطِئٌ آثِمٌ كَافِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ الْحَقَّ (وَقَالَ الْجَاحِظُ وَالْعَنْبَرِيُّ لَا يَأْثَمُ الْمُجْتَهِدُ) فِي الْعَقْلِيَّاتِ الْمُخْطِئُ فِيهَا لِلِاجْتِهَادِ (قِيلَ مُطْلَقًا، وَقِيلَ إنْ كَانَ مُسْلِمًا) فَهُوَ عِنْدَهُمَا مُخْطِئٌ غَيْرُ آثِمٍ (وَقِيلَ زَادَ الْعَنْبَرِيُّ) عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ (كُلٌّ) مِنْ الْمُجْتَهِدَيْنِ فِيهَا (مُصِيبٌ) وَقَدْ حُكِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمَا قَبْلَ ظُهُورِهِمَا.
(أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا)
ــ
[حاشية العطار]
لَاهَا اللَّهِ ذَا لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنْ الرَّأْيِ دُونَ الْوَحْيِ وَصَوَّبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ صَدَقَ» أَيْ فِي الْحُكْمِ، وَأَمَّا لَاهَا اللَّهِ فَالْأَصْلُ لَا وَاَللَّهِ حَذَفَ الْوَاوَ وَعَوَّضَ عَنْهُ حَرْفَ التَّنْبِيهِ وَذَا مَقْسَمٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْخَلِيلِ، وَالْمَعْنَى وَلَا وَاَللَّهِ لِلْأَمْرِ ذَا فَحُذِفَ الْأَمْرُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ إنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْقَسَمِ مُؤَكَّدًا كَأَنَّهُ قَالَ ذَا قَسَمِي وَالْمُرَادُ بِأَسَدٍ أَبُو قَتَادَةَ وَالْخِطَابُ فِي فَيُعْطِيك لِلرَّجُلِ الَّذِي عِنْدَهُ السَّلَبُ وَيَطْلُبُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إرْضَاءَ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ ذَلِكَ السَّلَبِ، وَفَاعِلُ يُعْطِي وَيَعْمِدُ ضَمِيرٌ يَعُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
[مَسْأَلَةُ الْمُصِيبِ مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ]
(قَوْلُهُ: فِي الْعَقْلِيَّاتِ) أَيْ فِيمَا دَلِيلُهُ عَقْلِيٌّ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْمُخْتَلِفِينَ دُونَ الْمُجْتَهِدِينَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا اجْتِهَادَ بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ فِي الْأُصُولِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ (قَوْلُهُ: لِتَعَيُّنِهِ فِي الْوَاقِعِ) أَيْ بِخِلَافِ الشَّرْعِيَّاتِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ بِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ الْمُصِيبِ وَاحِدًا اتِّفَاقًا وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ الْعَنْبَرِيِّ وَالْجَاحِظِ؛ لِأَنَّهُ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بَعْضُهُ فِيهِ بَحْثٌ إذْ الْبَعْضُ صَادِقٌ بِالْأَعْمَالِ الْفَرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ كَمَا سَيَجِيءُ هُوَ الْأَعْمَالُ قَوْلِيَّةٌ أَوْ فِعْلِيَّةٌ وَالْأَعْمَالُ الْفَرْعِيَّةُ مِنْهَا مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَالْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ اجْتِهَادِيٌّ وَهَذَا فِي ثُبُوتِ الْخَطَإِ فِيهِ خِلَافٌ وَلَا خِلَافَ فِي انْتِفَاءِ كُفْرِهِ وَلَا إثْمَ فِيهِ اهـ. نَاصِرٌ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا سَيَأْتِي الَّذِي هُوَ الْأَعْمَالُ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِيمَانُ بِدَلِيلِ تَمْثِيلِ الشَّارِحِ لِبَعْضِهِ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ضَرُورَةً أَنَّهَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ مُسَمَّى الْإِسْلَامِ كَمَا لَا يَخْفَى وَإِطْلَاقُ الْإِسْلَامِ بِمَعْنَى الْإِيمَانِ غَيْرُ عَزِيزٍ وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَلَوْ سَلَّمَ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَعْلُومُ التَّخْصِيصِ بِمَا ذَكَرَهُ فِي خَاتِمَةِ كِتَابِ الْإِجْمَاعِ فَحَاصِلُ مَا هُنَا مَعَ هُنَاكَ عَامٌّ وَخَاصٌّ أَوْ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ وَلَا إشْكَالَ فِيهِمَا بِوَجْهٍ وَلَا فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى الْآخَرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَثِمَ) أَتَى بِهِ لِتَصِحَّ الْمُقَابَلَةُ بِقَوْلِ الْعَنْبَرِيِّ وَالْجَاحِظِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ الْحَقَّ) وَعَدَمُ مُصَادَفَةِ الْحَقِّ لَا يَكُونُ عُذْرًا فِي الْقَطْعِيَّاتِ، وَنَقَلَ التَّفْتَازَانِيُّ عَنْ الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ تَفْصِيلًا حَسَنًا فَقَالَ النَّظَرِيَّاتُ قَطْعِيَّةٌ وَظَنِّيَّةٌ وَالْقَطْعِيَّةُ كَلَامِيَّةٌ وَأُصُولِيَّةٌ وَفِقْهِيَّةٌ وَنَعْنِي بِالْكَلَامِيَّةِ مَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ السَّمْعِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الْمُحْدِثِ وَصِفَاتِهِ وَبَعْثَةِ الرُّسُلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ وَالْمُخْطِئُ آثِمٌ فَإِنْ أَخْطَأَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَافِرٌ وَإِلَّا فَآثِمٌ مُخْطِئٌ مُبْتَدِعٌ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ وَإِرَادَةِ الْكَائِنَاتِ وَلَا يَلْزَمُ الْكُفْرُ.
وَأَمَّا الْأُصُولِيَّةُ كَمِثْلِ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَدِلَّتُهُ قَطْعِيَّةٌ فَالْمُخَالِفُ فِيهَا آثِمٌ مُخْطِئٌ، وَأَمَّا الْفِقْهِيَّةُ فَالْقَطْعِيَّاتُ مِنْهَا مِثْلُ وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخَمْرِ وَكُلُّ مَا عُلِمَ قَطْعِيًّا مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ فَإِنْ أَنْكَرَ مَا عُلِمَ ضَرُورَةً مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَكَافِرٌ، وَإِنْ عُلِمَ بِطَرِيقِ النَّظَرِ كَحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْفِقْهِيَّاتِ الْمَعْلُومَةِ بِالْإِجْمَاعِ فَآثِمٌ مُخْطِئٌ لَا كَافِرٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ الْحَقَّ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ مُخْطِئٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُخْطِئًا أَنْ يَكُونَ آثِمًا وَلَا مِنْ كَوْنِهِ آثِمًا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَكَوْنُهُ آثِمًا كَافِرًا لَمْ تُذْكَرْ عِلَّتُهُ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْجَاحِظُ وَالْعَنْبَرِيُّ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ قِيلَ آثِمٌ.
وَأَمَّا مُقَابِلُ مُخْطِئٌ فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَقِيلَ زَادَ الْعَنْبَرِيُّ كُلُّ مُصِيبٍ فَفِي كَلَامِهِ نَشْرٌ وَلَفٌّ مُشَوَّشٌ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مُسْلِمًا) أَيْ مُنْتَسِبًا إلَى الْإِسْلَامِ وَمُدَّعِيًا لَهُ إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ كَافِرٌ
стр. 942
مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ (فَقَالَ الشَّيْخُ) أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ (وَالْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ (وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (وَابْنُ سُرَيْجٍ كُلٌّ مُجْتَهِدٌ) فِيهَا (مُصِيبٌ ثُمَّ قَالَ الْأَوَّلَانِ حُكْمُ اللَّهِ) فِيهَا (تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ) فَمَا ظَنَّهُ فِيهَا مِنْ الْحُكْمِ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مُقَلِّدِهِ (وَقَالَ الثَّلَاثَةُ) الْبَاقِيَةُ (هُنَاكَ مَا) أَيْ فِيهَا شَيْءٌ (لَوْ حَكَمَ) اللَّهُ فِيهَا (لَكَانَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الشَّيْءِ (وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ هُنَا وَهُوَ قَوْلُهُمْ الْمَذْكُورُ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (قَالُوا) أَيْضًا فِيمَنْ لَمْ يُصَادِفْ ذَلِكَ الشَّيْءَ (أَصَابَ اجْتِهَادًا لَا حُكْمًا وَابْتِدَاءً لَا انْتِهَاءً) فَهُوَ مُخْطِئٌ حُكْمًا وَانْتِهَاءً (، وَالصَّحِيحُ وِفَاقًا لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُصِيبَ) فِيهَا (وَاحِدٌ وَلِلَّهِ تَعَالَى) فِيهَا (حُكْمٌ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ قِيلَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ) بَلْ هُوَ كَدَفِينٍ يُصَادِفُهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ (وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ أَمَارَةً وَأَنَّهُ أَيْ) الْمُجْتَهِدُ (مُكَلَّفٌ بِإِصَابَتِهِ) أَيْ الْحُكْمِ لِإِمْكَانِهَا وَقِيلَ لَا لِغُمُوضِهِ (وَأَنَّ مُخْطِئَهُ لَا يَأْثَمُ بَلْ يُؤْجَرُ) لِبَذْلِهِ وُسْعَهُ فِي طَلَبِهِ وَقِيلَ يَأْثَمُ لِعَدَمِ إصَابَتِهِ الْمُكَلَّفَ بِهَا.
(أَمَّا الْجُزْئِيَّةُ الَّتِي فِيهَا قَاطِعٌ) مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ وَاخْتُلِفَ فِيهَا لِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ (فَالْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ وِفَاقًا) وَهُوَ مَنْ وَافَقَ ذَلِكَ الْقَاطِعَ (وَقِيلَ عَلَى الْخِلَافِ) فِيمَا لَا قَاطِعَ فِيهَا وَهُوَ بَعِيدٌ (وَلَا يَأْثَمُ الْمُخْطِئُ) فِيهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ (عَلَى الْأَصَحِّ)
ــ
[حاشية العطار]
لِأَنَّهُ نَفَى الْإِسْلَامَ (قَوْلُهُ: مُصِيبٌ) أَيْ بِحَسَبِ مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَبَذَلَ وَمَعَهُ سَوَاءٌ وَافَقَ الْوَاقِعَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مُصِيبٌ فِي الْوَاقِعِ وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ طَوْرِ الْعُقَلَاءِ كَمَا إذَا أَدْرَكَ أَحَدُهُمَا قِدَمَ الْعَالَمِ وَالْآخَرُ أَدْرَكَ بِاجْتِهَادِهِ حُدُوثَهُ وَفِي الْمَنْخُولِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأُصُولِ لَا يُصَوَّبُ وَأَجْمَعَ الْعُقَلَاءُ عَلَيْهِ سِوَى الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ حَيْثُ صَوَّبَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَلَا يُظَنُّ بِهِ طَرْدُ ذَلِكَ فِي قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَفْيِ النُّبُوَّاتِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ وَأَمْثَالِهَا.
[الْمَسْأَلَةُ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ]
(قَوْلُهُ: مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ) كَالْوِتْرِ وَكَالْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ، وَفِي الْمَنْخُولِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَجْرَانِ وَلِلْمُخْطِئِ أَجْرٌ وَاحِدٌ وَغَلَا غَالُونَ وَأَثَّمُوا الْمُخْطِئَ وَصَارَ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي طَبَقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُصِيبٌ. (قَوْلُهُ: حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا تَابِعٌ إلَخْ) فَيَكُونُ الْحُكْمُ عِبَارَةً عَنْ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ (قَوْلُهُ: هُنَاكَ) أَيْ وَلَيْسَ هُنَاكَ حُكْمٌ فِي الْوَاقِعِ أَيْ مِنْ حَيْثُ التَّعَلُّقُ بِالْفِعْلِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ فِيهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً حَصَلَ فِيهَا تَعَلُّقٌ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: لَوْ حَكَمَ اللَّهُ فِيهَا) أَيْ لَوْ تَعَلَّقَ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا وَإِصَابَةُ الْمُجْتَهِدِ عَلَى هَذَا مِنْ حَيْثُ مُصَادَفَتِهِ مَا لَوْ حَكَمَ اللَّهُ لَكَانَ بِهِ (قَوْلُهُ: أَصَابَ اجْتِهَادًا) أَيْ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ وَاللَّازِمُ فِي الِاجْتِهَادِ لَيْسَ إلَّا بَذْلُ الْوُسْعِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ وَقَوْلُهُ لَا حُكْمًا أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَعْلَمْ يُصَادِفْ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي لَوْ حَكَمَ اللَّهُ كَانَ بِهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ فِيمَنْ لَمْ يُصَادِفْ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَقَوْلُهُ وَابْتِدَاءً أَيْ لِأَنَّهُ بَذْلُ وُسْعِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ، وَهَذَا إنَّمَا يَبْدَأُ بِبَذْلِ وُسْعِهِ ثُمَّ تَارَةً يُؤَدِّيهِ إلَى الْمَطْلُوبِ وَتَارَةً لَا وَقَوْلُهُ لَا انْتِهَاءً أَيْ لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ لَمْ يَنْتَهِ إلَى مُصَادَفَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْخَطَأُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ فَهُوَ مُخْطِئٌ حُكْمًا غَيْرُ الْخَطَأِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ حُكْمًا هُنَا مَعْنَاهُ عَدَمُ مُصَادَفَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي لَوْ حَكَمَ اللَّهُ لَكَانَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْهُ بِهِ فَعُدَّ مُخْطِئًا هُنَا لِعَدَمِ إصَابَةِ مَا لَهُ الْمُنَاسَبَةُ الْخَاصَّةُ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ وَالْخَطَأُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مَعْنَاهُ عَدَمُ مُصَادَفَةِ مَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ بِعَيْنِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ مُخْطِئٌ حُكْمًا) بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَصَابَهُ حُكْمًا (قَوْلُهُ: قِيلَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ) أَيْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ارْتِبَاطٌ أَصْلًا، وَقَدَّمَ الْمُقَابِلَ لِيُسَلِّطَ الصَّحِيحَ عَلَى الثَّلَاثِ مَسَائِلَ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالِاخْتِصَارِ.
(قَوْلُهُ: بَلْ هُوَ كَدَفِينٍ إلَخْ) لَا يُقَالُ فَلَا فَائِدَةَ عَلَى هَذَا لِلنُّصُوصِ وَلِلنَّظَرِ فِيهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ النُّصُوصُ وَالنَّظَرُ فِيهَا عَلَى هَذَا أَسْبَابٌ عَادِيَةٌ لِلْمُصَادَفَةِ أَلَا تَرَى لَوْلَا السَّعْيُ إلَى مَحَلِّ الدَّفِينِ وَحُصُولِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ كَحُفْرَةٍ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ مَثَلًا لَمَا صَادَفَهُ، فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَمَرَّ فِي مَحَلِّهِ لَمْ يُنْقَلْ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَلَا صَدَرَ مِنْهُ فِعْلٌ مُطْلَقًا لَمْ يُصَادِفْ ذَلِكَ الدَّفِينَ مَعَ كُلٍّ مِنْ سَعْيِهِ وَمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ الْأَفْعَالِ لَيْسَ عَلَامَةً عَلَى ذَلِكَ الدَّفِينِ، وَإِنَّمَا أَدَّيَا إلَيْهِ بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ وَالْمُصَادَفَةِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ) أَيْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْءٍ مَا ارْتِبَاطٌ
стр. 943
لِمَا تَقَدَّمَ وَلِقُوَّةِ الْمُقَابِلِ هُنَا عَبَّرَ بِالْأَصَحِّ.
(وَمَتَى قَصَّرَ مُجْتَهِدٌ) فِي اجْتِهَادٍ (أَثِمَ وِفَاقًا) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ بَذْلِهِ وُسْعَهُ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الِاجْتِهَادِيَّاتِ) لَا مِنْ الْحَاكِمِ بِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ اخْتَلَفَ الِاجْتِهَادُ (وِفَاقًا) إذْ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ لَجَازَ نَقْضُ النَّقْضِ وَهَلُمَّ فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحَاكِمِ مِنْ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ (فَإِنْ خَالَفَ) الْحُكْمَ (نَصًّا) أَوْ ظَاهِرًا جَلِيًّا وَلَوْ قِيَاسًا وَهُوَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ نُقِضَ لِمُخَالَفَتِهِ لِلدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ (أَوْ حَكَمَ) حَاكِمٌ (بِخِلَافِ اجْتِهَادِهِ) بِأَنْ قَلَّدَ غَيْرَهُ نُقِضَ حُكْمُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِاجْتِهَادِهِ وَامْتِنَاعِ تَقْلِيدِهِ فِيمَا اجْتَهَدَ فِيهِ (أَوْ حَكَمَ) حَاكِمٌ (بِخِلَافِ نَصِّ إمَامِهِ غَيْرُهُ مُقَلِّدُ غَيْرِهِ) مِنْ الْأَئِمَّةِ (حَيْثُ يَجُوزُ) لِمُقَلِّدِ إمَامٍ تَقْلِيدَ غَيْرِهِ بِأَنْ لَمْ يُقَلِّدْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا لِاسْتِقْلَالِهِ فِيهِ بِرَأْيِهِ أَوْ قَلَّدَ فِيهِ غَيْرَ إمَامِهِ حَيْثُ يَمْتَنِعُ تَقْلِيدُهُ
ــ
[حاشية العطار]
مَا بِحَيْثُ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ أَمَارَةٌ دُونَ قَوْلِهِ دَلِيلٌ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْمُقَابِلِ السَّابِقِ إشَارَةً إلَى رَدِّ مَا قَالَهُ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ أَنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا قَطْعِيًّا وَلَا إثْمَ لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ وَغُمُوضِهِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ بَذْلِهِ الْوُسْعَ (قَوْلُهُ: وَلِقُوَّةِ الْمُقَابِلِ) أَيْ بِخِلَافِ الْمُقَابِلِ فِيمَا سَبَقَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالْأَصَحِّ (قَوْلُهُ: عَبَّرَ بِالْأَصَحِّ) أَيْ الْمُشْعِرِ بِالْمُشَارَكَةِ فِي الصِّحَّةِ بِخِلَافِ الْمُقَابِلِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: وَمَتَى قَصَّرَ مُجْتَهِدٌ إلَخْ) قَالَ النَّاصِرُ فِي تَسْمِيَةِ الْمُقَصِّرِ مُجْتَهِدًا تَجُوزُ إذْ الِاجْتِهَادُ هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ إلَخْ أَيْ وَالْمُقَصِّرُ لَمْ يَسْتَفْرِغْ وُسْعَهُ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ هَذَا الْإِيرَادَ وَهْمٌ مُنْشَؤُهُ تَوَهُّمُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ هُنَا بِمَعْنَى الْمُسْتَفْرِغِ لِلْوُسْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْمُتَهَيِّئِ وَهُوَ مَعْنًى آخَرُ لِلْمُجْتَهِدِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الِاجْتِهَادِيَّاتِ]
(قَوْلُهُ: لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الِاجْتِهَادِيَّاتِ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ الصُّورَةِ الْآتِيَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ إذَا قَضَى عَلَى عِلْمٍ أَمَّا إذَا قَضَى عَلَى جَهْلٍ فَإِنَّ حُكْمَهُ يُنْقَضُ وَإِنْ صَادَفَ الْحَقَّ نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ وَالِدِهِ قَالَ: وَأَمَّا إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ فِي حَادِثَةٍ بِاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّصِّ ثُمَّ أَلِفَاهُ كَمَا حَكَمَ بِهِ فَهَذِهِ حَادِثَةٌ وَقَعَتْ بِمَدِينَةِ أَصْبَهَانَ فِي حُدُودِ السَّبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَاسْتُفْتِيَ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَصْبَهَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْخُجَنْدِيُّ فَأَفْتَى بِأَنَّ الْحُكْمَ نَافِذٌ وَاسْتُفْتِيَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ فَأَفْتَى بِأَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ حِينِ وُجُودِ النَّصِّ كَذَا نَقَلَ وَلَدُ أَخِيهِ أَبِي مَنْصُورٍ فِي الْفَتَاوَى الَّتِي جَمَعَهَا مِنْ كَلَامِ عَمِّهِ الْمَعْرُوفَةِ بِفَتَاوَى صَاحِبِ الشَّامِلِ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ غَرِيبَةٌ لَمْ أَجِدْهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْفَتَاوَى، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَاَلَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي مَا قَالَهُ الْخُجَنْدِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا أَعْيَاهُ النَّصُّ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ فَإِذَا صَادَفَ الصَّوَابَ كَانَ نَافِذًا، وَكَانَ وُجُودُ النَّصِّ سَعَادَةً وَتَوْفِيقًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ يَنْفُذُ مِنْ حِينِ وُجُودِ النَّصِّ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا وَجَدَ النَّصَّ جَدَّدَ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَاهُ لِيَكُونَ مُسْتَنِدًا إلَيْهِ فَهُوَ قَرِيبٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ مُتَجَدِّدٍ وَيَكُونُ قَبْلَهُ فَاسِدًا فَلَا وَجْهَ لَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ خَالَفَ نَصًّا إلَخْ) الْمُرَادُ بِالنَّصِّ مَا يُقَابِلُ الظَّاهِرَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِجْمَاعُ الْقَطْعِيُّ وَفِي الظَّاهِرِ الظَّنِّيِّ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي النَّصِّ الْوُجُودُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ فَإِنْ حَدَثَ بَعْدَهُ وَهُوَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي عَصْرِهِ ﷺ لَمْ يَنْقَضِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُقَاسُ بِالنَّصِّ الْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قِيَاسًا) أَيْ جَلِيًّا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ النَّقْضِ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ وَعَزَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى إلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ أَرَادُوا بِهِ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ مِمَّا نَقْطَعُ بِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ قِيَاسًا مَظْنُونًا مَعَ كَوْنِهِ جَلِيًّا فَلَا وَجْهَ لَهُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ ظَنٍّ وَظَنٍّ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِخِلَافِ اجْتِهَادِهِ إلَخْ) صَادِقٌ بِأَنْ يَتَحَقَّقَ اجْتِهَادُهُ بِالْفِعْلِ فَيَحْكُمَ بِخِلَافِ مَا أَدَّى إلَيْهِ بِتَقْلِيدٍ لِغَيْرِهِ أَوْ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خِلَافُ اجْتِهَادِهِ فَفِي اقْتِصَارِ الشَّارِحِ عَلَى الْأَوَّلِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَصِّ إمَامِهِ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي التَّمْهِيدِ نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ إذَا تَوَلَّى مُقَلِّدٌ لِلضَّرُورَةِ فَحَكَمَ بِمَذْهَبِ غَيْرِ مُقَلَّدِهِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ بَلْ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ مُقَلَّدِهِ نُقِضَ حُكْمُهُ، وَإِنْ قُلْنَا لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ لَمْ يُنْقَضْ اهـ.
وَنَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ أَنَّ الدَّامَغَانِيَّ قَاضِيَ بَغْدَادَ الْحَنَفِيَّ سُئِلَ عَنْ حَنَفِيٍّ وَلَّى شَافِعِيًّا فَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ يَصِحُّ فَإِنَّ أَبَا حَازِمٍ الْحَنَفِيَّ فِي أَيَّامِ
стр. 944
وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ (نَقْضُ) حُكْمِهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ إمَامِهِ الَّذِي هُوَ فِي حَقِّهِ لِالْتِزَامِهِ تَقْلِيدَهُ كَالدَّلِيلِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ، أَمَّا إذَا قَلَّدَ فِي حُكْمِهِ غَيْرَ إمَامِهِ حَيْثُ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لِعَدَالَتِهِ إنَّمَا حَكَمَ بِهِ لِرُجْحَانِهِ عِنْدَهُ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ) بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ يُصَحِّحُهُ (ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ) إلَى بُطْلَانِهِ (فَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ) لِظَنِّهِ الْآنَ الْبُطْلَانَ، وَقِيلَ لَا يَحْرُمُ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِالصِّحَّةِ (وَكَذَا الْمُقَلِّدُ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُ إمَامِهِ) فِيمَا ذُكِرَ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ.
(وَمَنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ) بَعْدَ الْإِفْتَاءِ (أَعْلَمَ الْمُسْتَفْتِي) بِتَغَيُّرِهِ (لِيَكُفَّ) عَنْ الْعَمَلِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ (وَلَا يُنْقَضُ مَعْمُولُهُ) إنْ عَمِلَ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يَضْمَنُ) الْمُجْتَهِدُ (الْمُتْلَفَ) بِإِفْتَائِهِ بِإِتْلَافٍ (إنْ تَغَيَّرَ) اجْتِهَادُهُ إلَى عَدَمِ إتْلَافِهِ (لَا لِقَاطِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِخِلَافِ مَا إذَا تَغَيَّرَ لِقَاطِعٍ كَالنَّصِّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِتَقْصِيرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ) مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى (لِنَبِيٍّ أَوْ عَالِمٍ) عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ (اُحْكُمْ بِمَا تَشَاءُ) فِي الْوَقَائِعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ (فَهُوَ صَوَابٌ) أَيْ مُوَافِقٌ لِحُكْمِي بِأَنْ يُلْهِمَهُ إيَّاهُ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ جَوَازِ هَذَا الْقَوْلِ، (وَيَكُونُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ (مُدْرَكًا شَرْعِيًّا وَيُسَمَّى التَّفْوِيضَ) لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ (وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ) فِيهِ (قِيلَ فِي الْجَوَازِ وَقِيلَ فِي الْوُقُوعِ) وَنُسِبَ إلَى الْجُمْهُورِ فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ خِلَافٌ فِي الْجَوَازِ وَفِي الْوُقُوعِ عَلَى تَقْدِيرِ الْجَوَازِ، (وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ دُونَ الْعَالِمِ) ؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ لَا تَبْلُغُ أَنْ يُقَالَ لَهُ ذَلِكَ (ثُمَّ الْمُخْتَارُ) بَعْدَ جَوَازِهِ كَيْفَ كَانَ أَنَّهُ (لَمْ يَقَعْ)
ــ
[حاشية العطار]
الْمُعْتَضِدِ وَلَّى ابْنَ سُرَيْجٍ الْقَضَاءَ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْتَزَمَ ذَلِكَ اهـ. (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ) أَيْ فِي أَوَاخِرِ مَبَاحِثِ التَّقْلِيدِ (قَوْلُهُ: نُقِضَ حُكْمُهُ) مَجَازٌ عَنْ إظْهَارِ بُطْلَانِهِ إذْ لَا حُكْمَ فِي الْحَقِيقَةِ حَتَّى يُنْقَضَ.
(قَوْلُهُ: فَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُهَا) ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ فِعْلٌ لَا حُكْمٌ عَلَى الْغَيْرِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَحْرُمُ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ إلَخْ) نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ عَنْ وَالِدِهِ قَالَ أَنَا أَسْتَحِي أَنْ يُرْفَعَ إلَيَّ نِكَاحٌ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُطْلَانُهُ ثُمَّ أُقِرُّهُ عَلَى الصِّحَّةِ أَيْ فَعِنْدَهُ الْحُكْمُ يُنْقَضُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ. (قَوْلُهُ: فِيمَا ذَكَرَ) أَيْ مِنْ تَزَوُّجِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَعْلَمَ الْمُسْتَفْتِيَ لِيَكُفَّ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ قَبْلَ الْإِعْلَامِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّجُوعُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلِمْ الْمُسْتَفْتِيَ بِرُجُوعِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ فِي حَقِّهِ اهـ. سم (قَوْلُهُ: وَلَا يُنْقَضُ مَعْمُولُهُ) أَيْ فِي غَيْرِ الْإِيضَاحِ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِتَقْصِيرِهِ) هَذَا قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُقَرَّرُ فِي الْفُرُوعِ فِي مَسْأَلَةِ الْغُرُورِ عَدَمُ الضَّمَانِ مُطْلَقًا لَا عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَلَا عَلَى الْمُفْتِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى السَّبَبِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ وَإِنْ تَلِفَ بِفَتْوَاهُ مَا اسْتَفْتَاهُ فِيهِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ خَالَفَ الْقَاطِعَ أَوْ نَصَّ إمَامِهِ لَمْ يَغْرَمْ مَنْ أَفْتَاهُ وَلَوْ أَهْلًا لِلْفَتْوَى إذْ لَيْسَ فِيهَا إلْزَامٌ.
[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيٍّ أَوْ عَالِمٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ اُحْكُمْ بِمَا تَشَاءُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ]
(قَوْلُهُ: عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِعَالِمٍ وَحَذَفَ صِلَةَ نَبِيٍّ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ أَوْ بِطَرِيقِ الْإِلْهَامِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ صَوَابٌ) مِنْ جُمْلَةِ الْقَوْلِ لِلنَّبِيِّ أَوْ الْعَالِمِ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ مُوَافِقٌ لِحُكْمِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلَّهِ تَعَالَى مَشِيئَةَ الْمَقُولِ لَهُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى حُكْمِهِ فِي الْوَاقِعِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُلْهِمَهُ إلَخْ) تَصْوِيرٌ لِمُوَافَقَةِ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: مُدْرِكًا شَرْعِيًّا) أَيْ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ مَا يَشَاؤُهُ ذَلِكَ الْمَقُولُ لَهُ (قَوْلُهُ: وَيُسَمَّى التَّفْوِيضَ) أَيْ تَفْوِيضَ الْحُكْمِ لِمَنْ ذُكِرَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ التَّفْوِيضِ (قَوْلُهُ: لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ) أَيْ لِدَلَالَةِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ عَلَى تَفْوِيضِ الْحُكْمِ لِمَنْ ذُكِرَ (قَوْلُهُ: وَنَسَبَهُ) أَيْ الْقَوْلَ بِتَرَدُّدِ الشَّافِعِيِّ إلَى الْجُمْهُورِ كَيْفَ كَانَ أَيْ لِنَبِيٍّ أَوْ عَالِمٍ
стр. 945
وَجَزَمَ بِوُقُوعِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَاسْتَنَدَ إلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» أَيْ لَأَوْجَبْته عَلَيْهِمْ وَإِلَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وَالرَّجُلُ هَذَا هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خُيِّرَ فِيهِ أَيْ خُيِّرَ فِي إيجَابِ السِّوَاكِ وَعَدَمِهِ وَتَكْرِيرِ الْحَجِّ وَعَدَمِهِ، أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَقُولُ بِوَحْيٍ لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. (وَفِي تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِاخْتِيَارِ الْمَأْمُورِ) نَحْوَ افْعَلْ كَذَا إنْ شِئْت أَيْ فِعْلَهُ (تَرَدُّدٌ) قِيلَ لَا يَجُوزُ لِمَا بَيْنَ طَلَبِ الْفِعْلِ وَالتَّخْيِيرِ فِيهِ مِنْ التَّنَافِي، وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ وَالتَّخْيِيرُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الطَّلَبَ غَيْرُ جَازِمٍ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ أَيْ رَكْعَتَيْنِ» كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد.
(مَسْأَلَةُ التَّقْلِيدِ أَخْذُ الْقَوْلِ) بِأَنْ يُعْتَقَدَ (مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ) فَخَرَجَ أَخْذُ غَيْرِ الْقَوْلِ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّقْرِيرُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، وَأَخْذُ الْقَوْلِ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ فَهُوَ اجْتِهَادٌ وَافَقَ اجْتِهَادَ الْقَائِلِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الدَّلِيلِ إنَّمَا تَكُونُ لِلْمُجْتَهِدِ لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى مَعْرِفَةِ سَلَامَتِهِ عَنْ الْمُعَارِضِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْهُ وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى اسْتِقْرَاءِ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا الْمُجْتَهِدُ (وَيَلْزَمُ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: وَجَزَمَ بِوُقُوعِهِ) أَيْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَطْ (قَوْلُهُ: لَأَمَرْتهمْ) أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ اُحْكُمْ بِمَا تَشَاءُ عَلَى مَا زَعَمَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ (قَوْلُهُ: قَالَهَا ثَلَاثًا) أَيْ لَفْظَ كُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ (قَوْلُهُ: لَوَجَبَتْ) أَيْ هَذِهِ الْفَرِيضَةُ فِي كُلِّ عَامٍ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُدَّعَى) وَهُوَ الْوُقُوعُ (قَوْلُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ فِي تَخْيِيرِهِ رُدَّ هَذَا الْحُكْمُ إلَى خِيرَتِهِ وَفِيهِ تَفْوِيضٌ لِلْحُكْمِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَيْ خَيْرٌ فِي إيجَابِ إلَخْ) أَيْ فِي خُصُوصِ هَذَا الْحُكْمِ لَا عُمُومًا. (قَوْلُهُ: وَفِي تَعَلُّقِ الْأَمْرِ) لَا يَخْفَى مُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ بِجَامِعِ التَّفْوِيضِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَلِذَا جَمَعَهُمَا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الطَّلَبَ إلَخْ) أَيْ فَلَمْ تَكُنْ صِيغَةُ أَفْعَلَ لَغْوًا
[مَسْأَلَةُ التَّقْلِيدِ]
(قَوْلُهُ: أَخْذُ الْقَوْلِ) أَيْ قَوْلِ غَيْرِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ فَخَرَجَ مَا لَا يَخْتَصُّ بِالْغَيْرِ كَالْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَلَيْسَ أَخْذُهُ تَقْلِيدًا، وَالْمُرَادُ الْأَخْذُ الْمَعْنَوِيُّ وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ إلَخْ لَا مُجَرَّدَ السَّمَاعِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلِهِ قَيْدٌ بَلْ لَوْ أَخَذَ الْمُقَلِّدُ الْقَوْلَ مَعَ دَلِيلِهِ مِنْ كَلَامِ الْمُجْتَهِدِ لَا يَكُونُ مُجْتَهِدًا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ عَرَفَ الْقَوْلَ مِنْ مَذْهَبِهِ مَعَ دَلِيلِهِ لَا أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ الْقَوْلَ بِالدَّلِيلِ الَّذِي هُوَ شَأْنُ الْمُجْتَهِدِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِأَخْذِ الْقَوْلِ هُوَ النُّسْخَةُ الْقَدِيمَةُ، وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ضَرَبَ عَلَى الْقَوْلِ وَكَتَبَ بَدَلَهُ الْمَذْهَبَ لِيَعُمَّ الْفِعْلُ وَالتَّقْرِيرُ إذْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَذْهَبِ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا، وَقَدْ أَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى مَنْ أَخَذَ الْقَوْلَ قَيْدًا فِي الْحَدِّ لِذَلِكَ وَقَالَ يَنْبَغِي الْإِتْيَانُ بِلَفْظٍ يَعُمُّهُمَا، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْقَوْلَ يُطْلَقُ عَلَى الرَّأْيِ وَالِاعْتِقَادِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ تَارَةً وَبِالْفِعْلِ تَارَةً وَبِالتَّقْرِيرِ الْمُقْتَرِنِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ارْتِضَائِهِ تَارَةً أُخْرَى، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ شَائِعٌ كَثِيرٌ لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ فَخَرَجَ أَخْذُ غَيْرِ الْقَوْلِ لَا يُنَاسِبُ هَذَا الْجَوَابَ وَقَدْ جَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى طَرِيقَةٍ لَعَلَّهُ اطَّلَعَ عَلَيْهَا وَأَلْحَقَ خِلَافَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّقْلِيدَ أَخْذٌ بِمَذْهَبٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَذْهَبُ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا فَذِكْرُ الْقَوْلِ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالشَّارِحُ لَمْ يُؤَوِّلْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَخَرَجَ إلَخْ فَالْحَقُّ أَنَّ مَا أَخْرَجَهُ الشَّارِحُ لَيْسَ بِخَارِجٍ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْهُ) مَبْنِيٌّ عَلَى مَرْجُوحٍ فَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْهُ فَلَوْ قَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ لِتَوَقُّفِهَا إلَخْ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الدَّلِيلِ مِنْ الْوَجْهِ
стр. 946
غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ) عَامِّيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ أَيْ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ لِلْمُجْتَهِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (وَقِيلَ بِشَرْطِ تَبَيُّنِ صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ) بِأَنْ يَتَبَيَّنَ مُسْتَنَدُهُ لِيَسْلَمَ مِنْ لُزُومِ اتِّبَاعِهِ فِي الْخَطَأِ الْجَائِزِ عَلَيْهِ.
(وَمَنَعَ الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (التَّقْلِيدَ فِي الْقَوَاطِعِ) كَالْعَقَائِدِ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهَا.
(وَقِيلَ لَا يُقَلِّدُ عَالِمٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا) ؛ لِأَنَّ لَهُ صَلَاحِيَّةَ أَخْذِ الْحُكْمِ مِنْ الدَّلِيلِ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ.
(أَمَّا ظَانُّ الْحُكْمِ بِاجْتِهَادِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ لِمُخَالَفَتِهِ) بِهِ لِوُجُوبِ اتِّبَاعِ اجْتِهَادِهِ.
(وَكَذَا الْمُجْتَهِدُ) أَيْ مَنْ هُوَ بِصِفَاتِ الِاجْتِهَادِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَقَعُ لَهُ (عِنْدَ الْأَكْثَرِ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِيهِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لِلتَّقْلِيدِ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ الْأَصْلِ الْمُمْكِنِ إلَى بَدَلِهِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ لِلتَّقْلِيدِ فِيهِ
ــ
[حاشية العطار]
الَّذِي بِاعْتِبَارِهِ يُفِيدُ الْحُكْمَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلْمُجْتَهِدِ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ) أَيْ الْمُطْلَقُ أَيْ وَيَلْزَمُ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا أَخْذًا مِنْ التَّفْصِيلِ الْآتِي ثُمَّ إنَّ هَذَا شَامِلٌ لِلْعَقْلِيَّاتِ كَالْعَقَائِدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَمَنَعَ الْأُسْتَاذُ التَّقْلِيدَ فِي الْقَوَاطِعِ أَيْ كَالْعَقَائِدِ فَإِنَّهُ يَقْضِي التَّعْمِيمَ هُنَا وَفِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَقِلُّ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ بِمَعْرِفَةِ الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ وَهُمْ كَثِيرُونَ لَمْ يَصِلُوا فِي الْفُرُوعِ وَلَا يَلْزَمُهُمْ تَقْلِيدُ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ بَلْ الْمَطْلُوبُ عَدَمُ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ مُطْلَقًا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ غَيْرُ مُرَادٍ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ فِي التَّقْلِيدِ فِي الْفُرُوعِ لَا مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ وَيَلْزَمُ التَّقْلِيدُ أَيْ فِي خُصُوصِ الْفُرُوعِ لَا مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهُ) أَرَادَ بِهِ الْعِلْمَ غَيْرَ الْمُجْتَهَدِ وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ عَامِّيٌّ وَلَيْسَ فَقِيهًا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ يُطْبِقُ عَلَيْهِ فَقِيهٌ أَيْضًا لِمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ، وَدَخَلَ تَحْتَ الْغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ فَيُقَلِّدُ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ فِيمَا عَجَزَ عَنْ الِاجْتِهَادِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ جَوَازِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ (قَوْلُهُ: لِيَسْلَمَ إلَخْ) أُجِيبَ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ؛ لِأَنَّ إبْدَاءَ الْمُجْتَهِدِ مُسْتَنَدُهُ يُوجِبُ عِنْدَكُمْ اتِّبَاعَهُ مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ بِحَالٍ لِكَوْنِ الْبَيَانِ ظَنِّيًّا اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهَا) أَتَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْأُسْتَاذَ مَنَعَ وُجُوبَ التَّقْلِيدِ فِيهَا أَوْ مَنَعَ جَوَازَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يُقَلِّدُ إلَخْ) مُقَابِلُ وَيَلْزَمُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ الشَّامِلِ لِلْعَالِمِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا) الْوَاوُ لِلْحَالِ لِيُنَاسِبَ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَيَلْزَمُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُجْتَهِدِ هُنَا الْمُجْتَهِدَ بِالْفِعْلِ فَهُوَ الَّذِي فِيهِ هَذِهِ الْأَقْوَالُ السِّتَّةُ أَمَّا الْمُجْتَهِدُ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ أَمَّا ظَنُّ الْحُكْمِ إلَخْ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا فَقَوْلُهُ لَهُ أَمَّا ظَانُّ الْحُكْمِ أَيْ بِالْفِعْلِ وَلَمْ تُجْعَلْ الْوَاوُ عَاطِفَةً لِاقْتِضَائِهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي اللُّزُومِ عَلَى الْأَوَّلِ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ بَلْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّ لَهُ صَلَاحِيَّةً إلَخْ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ الصَّلَاحِيَّةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُضِرِّ فَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ صَلَاحِيَّةً إلَّا لِلْمُجْتَهِدِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الصَّلَاحِيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْعُلَمَاءِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا ظَانُّ الْحُكْمِ) أَيْ بِالْفِعْلِ وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَيَلْزَمُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ فَهَذَا مُجْتَهِدٌ بِالْفِعْلِ وَمَا بَعْدَهُ مُجْتَهِدٌ بِالْقُوَّةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ مَنْ هُوَ بِصِفَاتِ الِاجْتِهَادِ أَيْ وَلَمْ يَجْتَهِدْ بِالْفِعْلِ لِيُغَايِرَ مَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ عِلْمِهِ
стр. 947
لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ الْآنَ (وَثَالِثُهَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي) لِحَاجَتِهِ إلَى فَصْلِ الْخُصُومَةِ الْمَطْلُوبِ إنْجَازُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، (وَرَابِعُهَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْأَعْلَمِ) مِنْهُ لِرُجْحَانِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُسَاوِي وَالْأَدْنَى، (وَخَامِسُهَا) يَجُوزُ (عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ) لِمَا يُسْأَلُ عَنْهُ كَالصَّلَاةِ الْمُؤَقَّتَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَضِقْ، (وَسَادِسُهَا) يَجُوزُ لَهُ (فِيمَا يَخُصُّهُ) دُونَ مَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ.
(مَسْأَلَةٌ إذَا تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ) لِلْمُجْتَهِدِ (وَتَجَدَّدَ) لَهُ (مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ) عَمَّا ظَنَّهُ فِيهَا أَوَّلًا (وَلَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ وَجَبَ) عَلَيْهِ (تَجْدِيدُ النَّظَرِ) فِيهَا (قَطْعًا وَكَذَا) يَجِبُ تَجْدِيدُهُ (إنْ لَمْ يَتَجَدَّدْ) مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ وَلَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ (لَا إنْ كَانَ ذَاكِرًا) لَهُ إذْ لَوْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ الدَّلِيلَ كَانَ آخِذًا بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ الْأَوَّلُ بِعَدَمِ تَذَكُّرِهِ لَا ثِقَةً بِبَقَاءِ الظَّنِّ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ فَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُ النَّظَرِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ إذْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
(وَكَذَا الْعَامِّيُّ يَسْتَفْتِي) الْعَالِمَ فِي حَادِثَةٍ (وَلَوْ) كَانَ الْعَالِمُ (مُقَلِّدَ مَيِّتٍ) بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ وَإِفْتَاءِ الْمُقَلِّدِ كَمَا سَيَأْتِي، (ثُمَّ تَقَعُ) لَهُ (تِلْكَ الْحَادِثَةُ هَلْ يُعِيدُ السُّؤَالَ) لِمَنْ أَفْتَاهُ أَيْ حُكْمُهُ
ــ
[حاشية العطار]
قَدْ يُقَالُ هُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا قَادِرًا عَلَى الْعِلْمِ.
[مَسْأَلَةٌ تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ لِلْمُجْتَهِدِ وَتَجَدَّدَ لَهُ مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عَمَّا ظَنَّهُ فِيهَا أَوَّلًا وَلَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ]
(قَوْلُهُ: مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ أَيْ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَفِي الْعِبَارَةِ مُسَامَحَةٌ، وَالْمُرَادُ مَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ لِاحْتِمَالِ اقْتِضَائِهِ خِلَافَ الْمَظْنُونِ أَوْ لَا وَقَرِينَةُ هَذِهِ الْمُسَامَحَةِ قَوْلُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ النَّظَرِ إذْ لَا مَعْنَى لِتَجْدِيدِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ مُقْتَضَى الرُّجُوعِ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: قَطْعًا) أَيْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ حَكَوْا قَوْلًا بِالْمَنْعِ بِنَاءً عَلَى قُوَّةِ الظَّنِّ السَّابِقِ فَيَعْمَلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ رُجْحَانِ غَيْرِهِ. اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا يَجِبُ إلَخْ) فَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَ التَّجَدُّدِ أَقْوَى (قَوْلُهُ: إذْ لَوْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَهَذَا رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ مَعَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بَلْ فِي الْأُولَى فَقَطْ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلًا أَصْلًا كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ هُنَاكَ دَلِيلٌ، وَلَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْأُولَى.
(قَوْلُهُ: مِنْ الصُّورَتَيْنِ) أَيْ صُورَةِ التَّجَدُّدِ وَعَدَمِهِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا إنْ كَانَ ذَاكِرًا إلَخْ رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ قَبْلَهُ لَا لِلثَّانِيَةِ فَقَطْ كَمَا هُوَ صَرِيحُ شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ إذَا لَمْ يَتَجَدَّدْ النَّظَرُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا تَجَدَّدَ فَالْمُرَادُ عَدَمُ وُجُوبُ النَّظَرِ لِاسْتِنْتَاجِ الْحُكْمِ فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ النَّظَرِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ بِالرُّجُوعِ إلَى الْمُرَجِّحَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْعَامِّيُّ) أَيْ فِي الْأَصَحِّ، وَمَحَلُّهُ إذَا عَرَفَ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ رَأْيٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ شَكَّ فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ عَنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ لَمْ يُعِدْ السُّؤَالَ قَطْعًا اهـ. زَكَرِيَّا.
وَفِي الْمَنْخُولِ هَلْ يَجِبُ تَكْرِيرُ مُرَاجَعَةِ الْمُفْتِي عِنْدَ تَكْرِيرِ الْوَاقِعَةِ وَقَدْ أَوْجَبَهُ قَوْمٌ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ لِأَنَّ احْتِمَالَهُ كَاحْتِمَالِ النَّسْخِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا لَا يُكَرِّرُونَ الْمُرَاجَعَةَ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَتْ شَاسِعَةً أَوْ الْوَاقِعَةُ كَانَتْ تُكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ كَالطَّهَارَةِ فَلَا يُرَاجَعُ قَطْعًا لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْمُقَلِّدَةَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَاقِعَةُ لَا يَكْثُرُ تَكْرِيرُهَا فَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُرَاجَعُ؛ لِأَنَّا نَسْتَدِلُّ بِعَدَمِ مُرَاجَعَتِهِمْ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ عَلَى مِثْلِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، ثُمَّ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ وُجُوبُ الْإِخْبَارِ عَلَى الْمُفْتِي إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُقَلِّدَ مَيِّتٍ) هُوَ مَوْجُودٌ فِي نُسَخٍ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الشَّارِحِ وَاقْتَضَى كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَلَوْ كَانَ السَّائِلُ مُقَلِّدَ مَيِّتٍ فَاعْتَرَضُوهُ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي مُقَلِّدِ الْمَيِّتِ وَهُوَ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فَقَدَّرَهُ الشَّارِحُ لِدَفْعِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْعَالِمُ أَيْ وَهُوَ الْمَسْئُولُ مُقَلِّدَ مَيِّتٍ وَصُوَرُ الْمَسْأَلَةِ بِإِعَادَةِ الْمُقَلِّدِ السُّؤَالَ لِمَنْ أَفْتَاهُ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَتْ إعَادَتُهُ بِأَنْ مَاتَ مَنْ أَفْتَاهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ قَطْعًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ الْمَذْكُورُ اهـ. زَكَرِيَّا.
وَفِي مَتْنِ الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ لِلْبُدَخْشِيِّ وَاخْتُلِفَ فِي تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ أَيْ جَوَازِ إفْتَاءِ مَنْ هُوَ حَاكٍ عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمَيِّتِ مُقَلِّدٍ لَهُ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ الْمَيِّتِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَيْ لِجَوَازِ انْعِقَادِهِ عَلَى خِلَافِهِ أَيْ خِلَافِ قَوْلِهِ.
فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا لَمْ يَكُنْ الْإِجْمَاعُ الْمُخَالِفُ لِقَوْلِهِ مُعْتَبَرًا، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ لَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ
стр. 948
حُكْمُ الْمُجْتَهِدِ فِي إعَادَةِ النَّظَرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ السُّؤَالِ إذْ لَوْ أَخَذَ بِجَوَابِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ لَكَانَ آخِذًا بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَهُوَ فِي حَقِّهِ قَوْلُ الْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ ثِقَةٌ بِبَقَائِهِ عَلَيْهِ الِاحْتِمَالِ مُخَالَفَتِهِ لَهُ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ مِنْ دَلِيلٍ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ نَصٍّ لِإِمَامِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا.
(مَسْأَلَةُ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ (أَقْوَالٌ) أَحَدُهَا وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ يَجُوزُ لِوُقُوعِهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مُشْتَهِرًا مُتَكَرِّرًا مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ، ثَانِيهَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ كَالْأَدِلَّةِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ فَكَمَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِالرَّاجِحِ مِنْ الْأَدِلَّةِ يَجِبُ الْأَخْذُ بِالرَّاجِحِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَالرَّاجِحُ مِنْهَا قَوْلُ الْفَاضِلِ يَعْرِفُهُ الْعَامِّيُّ بِالتَّسَامُعِ وَغَيْرِهِ (ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ يَجُوزُ لِمُعْتَقِدِهِ فَاضِلًا) غَيْرَهُ (أَوْ مُسَاوِيًا) لَهُ بِخِلَافِ مَنْ اعْتَقَدَهُ مَفْضُولًا كَالْوَاقِعِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِهَذَا التَّفْصِيلِ، (وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ هُنَا وَهُوَ هَذَا التَّفْصِيلُ الْمُخْتَارُ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَقُولُ (لَمْ يَجِبْ الْبَحْثُ عَنْ الْأَرْجَحِ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ
ــ
[حاشية العطار]
لَا يُقَالُ فَلِمَ صُنِّفَتْ الْكُتُبُ وَاعْتُبِرَتْ مَعَ فَنَاءِ أَرْبَابِهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ لِاسْتِفَادَةِ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ وَكَيْفِيَّةِ بِنَاءِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَلِمَعْرِفَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْمُصَنِّفِ جَوَازُهُ أَيْ جَوَازُ الْإِفْتَاءِ لِلْمُقَلَّدِ الْمَيِّتِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ أَيْ جَوَازِ الْعَمَلِ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْإِفْتَاءِ فِي زَمَانِنَا إذْ لَيْسَ فِي الزَّمَانِ مُجْتَهِدٌ فِي الْأَحْكَامِ لِلْآمِدِيِّ الْمُخْتَارُ أَنَّ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ إنَّمَا يَجُوزُ إفْتَاؤُهُ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا عَلَى مَأْخَذِ أَقْوَالِ إمَامِهِ قَادِرًا عَلَى التَّفْرِيعِ عَلَيْهَا مُتَمَكِّنًا مِنْ الْجَمْعِ، وَالْفَرْقُ وَالنَّظَرُ وَالْمُنَاظَرَةُ فِيهَا لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى قَبُولِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفَتْوَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْتَاءُ. قَالَ الْبُدَخْشِيُّ وَالْحَقُّ فِي إفْتَاءِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْإِفْتَاءِ مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ مِنْ الْإِفْتَاءِ فِي الْمَذْهَبِ لَا بِطَرِيقِ نَقْلِ الْكَلَامِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ، الرَّابِعُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ يُسَمَّى بِالْمُجْتَهِدِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَإِنْ أُرِيدَ نَقْلُ الْعَدْلِ الْغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ عَنْ مُجْتَهِدٍ كَأَنْ يَقُولَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَذَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَذَا فَلَا نِزَاعَ فِي قَبُولِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا شُرِطَ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ كَمَا سَبَقَ، وَأَمَّا فِي الْإِفْتَاءِ بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَظُنَّ الْمُسْتَفْتِي عِلْمَ الْمُفْتِي وَعَدَالَتَهُ إمَّا بِالْأَخْبَارِ أَوْ بِأَنْ رَوَاهُ مُنْتَصِبًا لِلْفَتْوَى، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى سُؤَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ فَإِذَا ظَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِ أَوْ عَدَمَ عَدَالَتِهِ أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَا يَسْتَفْتِيهِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَجْهُولَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ الِاسْتِفْتَاءِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَيَلْحَقُ بِغَيْرِ الْعَالِمِ كَالشَّاهِدِ الْمَجْهُولِ عَدَالَتُهُ وَالرَّاوِي كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْعِلْمِ مَجْهُولَ الْعَدَالَةِ فَقِيلَ بِالِامْتِنَاعِ لِعَيْنِ مَا ذُكِرَ فِي مَجْهُولِ الْعِلْمِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَدَالَةِ لِلْقَوْلِ بِالْجَوَازِ وَجْهٌ أَيْضًا وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ الْعَدَالَةُ فَيَلْحَقُ الْعَالِمُ الْمُجْتَهِدُ الْمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ اهـ. بِاخْتِصَارٍ. (قَوْلُهُ: بِجَوَابِ الْأَوَّلِ) أَيْ بِجَوَابِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ.
[مَسْأَلَةُ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ]
(قَوْلُهُ: الْمَفْضُولِ أَيْ نَفْسُ الْأَمْرِ لَا بِحَسَبِ الِاعْتِقَادِ إذْ لَا يَتَأَتَّى حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ الْآتِي (قَوْلُهُ: لِوُقُوعِهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ) قَالَ فِي الْمَنْخُولِ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْأَفْضَلِ فِي الْفَتْوَى لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْعَبَادِلَةَ الْأَرْبَعَةَ كَانُوا يُرَاجَعُونَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. (قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ فَاضِلًا) فَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ) أَيْ كَرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَكَثْرَةِ الْمُسْتَفْتِينَ لَهُ وَقِلَّةِ الْمُسْتَفْتِينَ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: كَالْوَاقِعِ) أَيْ كَمَا أَنَّهُ مَفْضُولٌ فِي الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ مَفْضُولٌ فِي الْوَاقِعِ عَلَى كُلِّ الْأَقْوَالِ فَقَوْلُهُ كَالْوَاقِعِ حَالَ كَوْنِهِ مُمَاثِلًا لِلْوَاقِعِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ الْبَحْثُ إلَخْ) إنْ قُلْت هَذَا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا فَيُشْكِلُ تَخْصِيصُهُ بِالثَّالِثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ أَعْنِي مِنْ ثَمَّ قُلْت التَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمَامِ وَلَوْ سَلِمَ
стр. 949
لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ بِخِلَافِ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا (فَإِنْ اعْتَقَدَ) أَيْ الْعَامِّيُّ (رُجْحَانَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَعَيَّنَ) لَأَنْ يُقَلِّدَهُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فِي الْوَاقِعِ عَمَلًا بِاعْتِقَادِهِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ، (وَالرَّاجِحُ عِلْمًا فَوْقَ الرَّاجِحِ وَرَعًا فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ تَأْثِيرًا فِي الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْوَرَعِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ لِزِيَادَةِ الْوَرَعِ تَأْثِيرًا فِي التَّثَبُّتِ فِي الِاجْتِهَادِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ، وَيُحْتَمَلُ التَّسَاوِي لِأَنَّ لِكُلٍّ مُرَجِّحًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ الْأَرْجَحِ الْمَبْنِيِّ عَلَى امْتِنَاعِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ.
(وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَيِّتِ) لِبَقَاءِ قَوْلِهِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَذَاهِبُ لَا تَمُوتُ أَرْبَابُهَا (خِلَافًا لِلْإِمَامِ) الرَّازِيّ فِي مَنْعِهِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِقَوْلِ الْمَيِّتِ بِدَلِيلِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُخَالِفِ. قَالَ وَتَصْنِيفُ الْكُتُبِ فِي الْمَذَاهِبِ مَعَ مَوْتِ أَرْبَابِهَا لِاسْتِفَادَةِ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ فِي الْحَوَادِثِ وَكَيْفِيَّةِ بِنَاءِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَلِمَعْرِفَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَعُورِضَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُجْمِعِينَ
ــ
[حاشية العطار]
فَالْحَصْرُ إضَافِيٌّ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَوْلِ الثَّانِي كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا فَإِنْ قُلْت لِمَ آثَرَ الثَّالِثَ بِذِكْرِ ذَلِكَ قُلْت؛ لِأَنَّ الَّذِي يُتَوَهَّمُ مَعَهُ وُجُوبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ اعْتِقَادَ الْكَوْنِ فَاضِلًا أَوْ مُسَاوِيًا، وَذَلِكَ مَظِنَّةٌ لِهَذَا التَّوَهُّمِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ) أَيْ لِلتَّقْلِيدِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى اعْتِقَادِهِ فَاضِلًا أَوْ مُسَاوِيًا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا) أَيْ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْبَحْثَ لِأَجْلِ تَعَيُّنِ الْفَاضِلِ وَالْمُسَاوِي وَلَا يَكْفِي الِاعْتِقَادُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ اعْتَقَدَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمُخْتَارِ يَعْنِي أَنَّهُ مَتَى اعْتَقَدَ رُجْحَانَ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَأَنْ يُقَلِّدَهُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فِي الْوَاقِعِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ) صِفَةٌ لِاعْتِقَادٍ وَضَمِيرُهُ لِلتَّعْيِينِ فَالصِّفَةُ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ فَكَانَ الْأَوْلَى إبْرَازَ الضَّمِيرِ (قَوْلُهُ: مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ اخْتِيَارُهُ مِنْ وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ الْأَرْجَحِ أَوْ الْمُسَاوِي فِي اعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَرْجُوحٍ، وَيُجَابُ بِمَنْعِ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ الْأَرْجَحِ فِي الْوَاقِعِ بَلْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ اخْتِيَارُهُ مِمَّا ذُكِرَ، وَهَذَا لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى امْتِنَاعِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ فِي الْوَاقِعِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُخَالِفِ) أَيْ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ لِقَوْلِهِ بَقَاءً لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ لِبَقَاءِ الْمُخَالِفِ (قَوْلُهُ: وَعُورِضَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ) قَدْ يُقَالُ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ لَهَا مِنْ
стр. 950
، (وَثَالِثُهَا) يَجُوزُ (إنْ فُقِدَ الْحَيُّ) لِلْحَاجَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُفْقَدْ، (وَرَابِعُهَا قَالَ) الصَّفِيُّ (الْهِنْدِيُّ) يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ (إنْ نَقَلَهُ عَنْهُ مُجْتَهِدٌ فِي مَذْهَبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لِمَعْرِفَتِهِ مَدَارِكَهُ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ فَلَا يَنْقُلُ لِمَنْ يُقَلِّدُهُ إلَّا مَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(وَيَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِالْأَهْلِيَّةِ) لِلْإِفْتَاءِ (أَوْ ظُنَّ) أَهْلًا لَهُ (بِاشْتِهَارِهِ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ) هَذَا رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ (وَانْتِصَابِهِ وَالنَّاسُ مُسْتَفْتُونَ) لَهُ هَذَا رَاجِعٌ إلَى الثَّانِي (وَلَوْ) كَانَ مَنْ ذُكِرَ (قَاضِيًا) فَإِنَّهُ يَجُوزُ إفْتَاؤُهُ كَغَيْرِهِ (وَقِيلَ لَا يُفْتِي قَاضٍ فِي الْمُعَامَلَاتِ) لِلِاسْتِغْنَاءِ بِقَضَائِهِ فِيهَا عَنْ الْإِفْتَاءِ وَعَنْ الْقَاضِي شُرَيْحٍ أَنَا أَقْضِي وَلَا أُفْتِي (لَا الْمَجْهُولِ) عِلْمًا أَوْ عَدَالَةً فَلَا يَجُوزُ اسْتِفْتَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الْبَحْثِ عَنْ عِلْمِهِ) بِأَنْ يَسْأَلَ النَّاسُ عَنْهُ، وَقِيلَ يَكْفِي اسْتِفَاضَتُهُ بَيْنَهُمْ (وَالِاكْتِفَاءُ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ) وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ عَنْهَا (وَ) الِاكْتِفَاءِ (بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) عَنْ عِلْمِهِ وَعَدَالَتِهِ بِنَاءً عَلَى الْبَحْثِ عَنْهُمَا وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ (وَلِلْعَامِّيِّ سُؤَالُهُ) أَيْ الْعَالِمِ (عَنْ مَأْخَذِهِ) فِيمَا أَفْتَاهُ بِهِ (اسْتِرْشَادًا) أَيْ طَلَبًا لِإِرْشَادِ نَفْسِهِ بِأَنْ تُذْعِنَ لِلْقَبُولِ بِبَيَانِ الْمَأْخَذِ لَا تَعَنُّتًا (ثُمَّ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَالِمِ (بَيَانُهُ) أَيْ الْمَأْخَذِ لِسَائِلِهِ الْمَذْكُورِ تَحْصِيلًا لِإِرْشَادِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ خَفِيًّا) عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَقْصُرُ فَهْمُهُ عَنْهُ فَلَا يُبَيِّنُهُ لَهُ صَوْنًا لِنَفْسِهِ عَنْ التَّعَبِ فِيمَا لَا يُفِيدُ وَيَعْتَذِرُ لَهُ بِخَفَاءِ الْمُدْرَكِ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى التَّفْرِيعِ وَالتَّرْجِيحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ (الْإِفْتَاءُ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ اطَّلَعَ عَلَى مَأْخَذِهِ وَاعْتَقَدَهُ) وَهَذَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ لِانْطِبَاقِ تَعْرِيفِهِ السَّابِقِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ لَهُ الْإِفْتَاءُ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ مُطْلَقًا لِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْأَعْصَارِ مُتَكَرِّرًا شَائِعًا مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ لِانْتِفَاءِ وَصْفِ الِاجْتِهَادِ عَنْهُ
ــ
[حاشية العطار]
الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِكُلِّ فَرْدٍ (قَوْلُهُ: وَثَالِثُهَا يَجُوزُ إنْ فُقِدَ الْحَيُّ) قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ لَكِنْ إذَا قُلْنَا يُقَلِّدُ الْمَيِّتَ مُطْلَقًا، وَكَانَ الْحَيُّ دُونَهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَيِّتَ لَا رُجْحِيَّتِهِ، وَأَنْ يُقَلِّدَ الْحَيَّ لِحَيَاتِهِ وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ الِاسْتِوَاءُ لِتَعَارُضِ الْمُرَجِّحَيْنِ قُلْت بَلْ الْأَظْهَرُ الثَّانِي لِتَرَجُّحِهِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَقْلِيدِ الْحَيِّ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: فِي مَذْهَبِهِ) أَيْ مَذْهَبِ الْمَيِّتِ أَوْ النَّاقِلِ وَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُجْتَهِدٍ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِنَقْلِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا الْمَجْهُولِ) عَطْفٌ عَلَى مَنْ عُرِفَ بِالْأَهْلِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الْبَحْثِ إلَخْ) قَالَ سم لَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ أَوْ الظَّنِّ بِوَاسِطَةِ الِاشْتِهَارِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَ الْبَحْثِ الْمَذْكُورِ إذْ الْمَدَارُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ أَوْ الظَّنِّ فَإِذَا حَصَلَتْ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَالْوَجْهُ هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِهَا بَلْ لَا مَعْنَى رَأْسًا مَعَ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهَا بِالظَّنِّ إلَى اشْتِرَاطِ الْبَحْثِ بِالظَّنِّ إذْ غَايَتُهُ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ وَهُوَ حَاصِلٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالِاكْتِفَاءُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) أَيْ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَهُوَ الْعَدْلُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْعَالِمُ) مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ مُقَلِّدًا (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ خَفِيًّا) يُمْكِنُ أَنْ يُضْبَطَ بِمَا لَا يَسْهُلُ عَادَةً تَفْهِيمُ مِثْلِهِ لَهُ.
[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى التَّفْرِيعِ وَالتَّرْجِيحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا]
(قَوْلُهُ: يَجُوزُ لِلْقَادِرِ إلَخْ) هَذَا مَعْلُومٌ تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهُ أَعَادَهُ لِأَجْلِ إفَادَةِ مَا فِيهَا مِنْ التَّفَاصِيلِ (قَوْلُهُ: عَلَى التَّفْرِيعِ) أَيْ تَفْرِيعِ الْوُجُوهِ وَهِيَ الْأَحْكَامُ عَلَى نُصُوصِ إمَامِهِ أَيْ اسْتِنْبَاطِهَا مِنْهَا أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ أَيْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِ لَا لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ لِيُنَاسِبَ الْخِلَافَةَ الْآتِيَةَ اهـ زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: اطَّلَعَ) أَيْ الْقَادِرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَاطَّلَعَ صِفَةٌ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إفْتَاءِ الْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ إفْتَاءِ مُجْتَهِدِ الْمَذْهَبِ لَكِنْ الْأَقْعَدُ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَالْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ إفْتَاءِ مُجْتَهِدِ الْفَتْوَى وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فَيُقَيَّدُ تَصْحِيحُ جَوَازِ إفْتَائِهِ وَيُعَلَّلُ مُقَابِلُهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ اهـ زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْقَادِرِ
следующие страницы →