Полный текст (5 685 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
وَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْهَدْيِ وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِي اللَّبَنِ
قَوْلُهُ (وَلَا يُعْطِي الْجَازِرَ أُجْرَتَهُ شَيْئًا مِنْهَا) بِلَا نِزَاعٍ لَكِنْ إنْ دُفِعَ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الصَّدَقَةِ، أَوْ الْهَدِيَّةِ: فَلَا بَأْسَ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْأَخْذِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ بَاشَرَهَا وَتَاقَتْ نَفْسُهُ إلَيْهَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ قَوْلُهُ (وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَجُلِّهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: لَا خِلَافَ فِي الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهِمَا وَجِلَالِهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: لَا يَنْتَفِعُ بِمَا كَانَ وَاجِبًا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَحَنْبَلٌ، وَغَيْرُهُمَا: وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ وَجَزَمَ فِي الْفُصُولِ، الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِمَا: يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ الْهَدَايَا الْوَاجِبَةِ وَلَا يُبْقِي مِنْهَا لَحْمًا وَلَا جِلْدًا، وَلَا غَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: وَيُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِجِلَالِهَا قَوْلُهُ (وَلَا يَبِيعُهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهَا) يَحْرُمُ بَيْعُ الْجِلْدِ وَالْجَلِّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمْ وَعَنْهُ: يَجُوزُ وَيَشْتَرِي بِهِ آلَةَ الْبَيْتِ لَا مَأْكُولًا قَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَالتَّلْخِيصِ: وَعَنْهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِمَتَاعِ الْبَيْتِ، كَالْغِرْبَالِ وَالْمُنْخُلِ، وَنَحْوِهِمَا فَيَكُونُ إبْدَالًا بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَقْصُودُهُمَا كَمَا أَجَزْنَا إبْدَالَ الْأُضْحِيَّةِ انْتَهَى.
стр. 1717
وَقَطَعَ بِهِ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ وَعَنْهُ يَجُوزُ وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ أُضْحِيَّةً وَعَنْهُ يُكْرَهُ وَعَنْهُ يَجُوزُ بَيْعُهُمَا مِنْ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ دُونَ الشَّاةِ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: لَهُ بَيْعُ سَوَاقِطِ الْأُضْحِيَّةِ، وَالصَّدَقَةُ بِالثَّمَنِ قَالَ قُلْت: وَكَذَا الْهَدْيُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَإِنْ ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا) وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً هَذَا الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقِيلَ: ذَبْحُهُ لَمْ يُعَيِّنْهُ بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ عِنْدَنَا وَتَقَدَّمَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ: إنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ كَمَا لَوْ نَحَرَهُ وَقَبَضَهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ ذَبَحَهَا ذَابِحٌ فِي وَقْتِهَا بِغَيْرِ إذْنٍ أَجْزَأَتْ وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَابِحِهَا) [وَإِذَا ذَبَحَهَا غَيْرُ رَبِّهَا فَتَارَةً يَنْوِيهَا عَنْ صَاحِبِهَا، وَتَارَةً يُطْلِقُ، وَتَارَةً يَنْوِيهَا عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ نَوَى ذَبْحَهَا عَنْ صَاحِبِهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَابِحِهَا] هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالْمُخْتَارُ لُزُومُ أَرْشِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا صَحِيحَةً وَمَذْبُوحَةً وَإِنْ ذَبَحَهَا وَأَطْلَقَ النِّيَّةَ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: الْإِجْزَاءُ، وَعَدَمُ الضَّمَانِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُغْنِي، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمْ لِإِطْلَاقِهِمْ وَقَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمَا: وَجَزَمَ بِهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَإِنْ ذَبَحَهَا وَنَوَى عَنْ نَفْسِهِ فَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ صَاحِبِهَا وَالضَّمَانِ رِوَايَتَانِ
стр. 1718
ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ
إحْدَاهُمَا: لَا تُجْزِئُ وَيَضْمَنُهَا
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تُجْزِئُ مُطْلَقًا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: لَا أَثَرَ لِنِيَّةِ فُضُولِيٍّ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالتِّسْعِينَ: حَكَى الْقَاضِي فِي الْأُضْحِيَّةِ رِوَايَتَيْنِ وَالصَّوَابُ: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ تَنْزِلَانِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ لَا عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فَإِنْ نَوَى الذَّابِحُ بِالذَّبْحِ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ: لَمْ يُجْزِئْهُ، لِغَصْبِهِ وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ، وَإِتْلَافِهِ لَهُ عُدْوَانًا وَإِنْ كَانَ الذَّابِحُ يَظُنُّ أَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ، لِاشْتِبَاهِهَا عَلَيْهِ: أَجْزَأَتْ عَنْ الْمَالِكِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الصُّورَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ، وَسِنْدِيٍّ مُفَرِّقًا بَيْنَهُمَا مُصَرِّحًا بِالتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ وَكَذَلِكَ الْخَلَّالُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَعَقَدَ لَهُمَا بَابَيْنِ مُفْرَدَيْنِ فَلَا تَصِحُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَلِيَ رَبُّهَا تَفْرِقَتَهَا وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَأَمَّا إذَا فَرَّقَ الْأَجْنَبِيُّ اللَّحْمَ، فَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُجْزِئُ أَبْدَى [ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ] احْتِمَالًا بِالْإِجْزَاءِ وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ وَقَوَّاهُ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّقْهَا ضَمِنَ الذَّابِحُ قِيمَةَ اللَّحْمِ فَإِنْ كَانَ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ يَعُودُ مِلْكًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ تَصَرُّفِ غَاصِبٍ حُكْمِيٍّ عِبَادَةً وَعَقَدَ الرِّوَايَاتِ انْتَهَى قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالتِّسْعِينَ: إذَا عَيَّنَ أُضْحِيَّةً، وَذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ: أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا وَلَمْ يَضْمَنْ الذَّابِحُ شَيْئًا نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً ابْتِدَاءً، أَوْ عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ وَفَرَّقَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ بَيْنَ مَا وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ: الْمُعَيَّنَةُ عَمَّا فِي
стр. 1719
الذِّمَّةِ يُشْتَرَطُ لَهَا نِيَّةُ الْمَالِكِ عِنْدَ الذَّبْحِ فَلَا يُجْزِئُ ذَبْحُ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَضْمَنُ انْتَهَى فَعَلَى الْقَوْلِ بِالضَّمَانِ: يَضْمَنُ مَا بَيْنَ كَوْنِهَا حَيَّةً، إلَى مَذْبُوحَةً ذَكَرَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) بِلَا نِزَاعٍ وَيَكُونُ ضَمَانُ قِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا قَالَ الشَّارِحُ: وَجْهًا وَاحِدًا فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهَا: فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا صَاحِبُهَا عَلَى مَا يَأْتِي فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الْقِيمَةُ ثَمَنَ الْأُضْحِيَّةِ فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِيمَا إذَا أَتْلَفَهَا رَبُّهَا وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: ضَمِنَ مَا بَيْنَ كَوْنِهَا حَيَّةً إلَى كَوْنِهَا مَذْبُوحَةً ذَكَرَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ كَمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ (وَإِنْ أَتْلَفَهَا صَاحِبُهَا، ضَمِنَهَا بِأَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ: مِنْ مِثْلِهَا أَوْ قِيمَتِهَا) وَلَا خِلَافَ فِي ضَمَانِ صَاحِبِهَا إذَا أَتْلَفَهَا مُفَرِّطًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الضَّمَانِ فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّهُ يَضْمَنُهَا بِأَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ: مِنْ مِثْلِهَا أَوْ قِيمَتِهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالنَّظْمِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَضْمَنُهَا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ التَّلَفِ فَيُصْرَفُ فِي مِثْلِهَا كَالْأَجْنَبِيِّ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، [وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ] وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَالزَّرْكَشِيِّ فَعَلَى الْأَوَّلِ: تَكُونُ أَكْثَرُ الْقِيمَتَيْنِ: مِنْ الْإِيجَابِ إلَى التَّلَفِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ
стр. 1720
وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: مِنْ الْإِيجَابِ إلَى النَّحْرِ وَقِيلَ: التَّلَفُ إلَى وُجُوبِ النَّحْرِ وَجَزَمَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِأَكْثَرِ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ الْإِتْلَافِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَوْ مِنْ حِينِ التَّلَفِ إلَى جَوَازِ الذَّبْحِ عِنْدَ الشَّرِيفِ وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالشِّيرَازِيِّ، وَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ عَمَّنْ ذَكَرَ وَقَوْلُهُ (فَإِنْ ضَمِنَهُمَا بِمِثْلِهَا، وَأَخْرَجَ فَضْلَ الْقِيمَةِ: جَازَ وَيَشْتَرِي بِهِ شَاةً، أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ) لَا نِزَاعَ لَكِنْ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، الْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ: يَشْتَرِي بِهِ شَاةً فَإِنْ عَجَزَ: فَسَهْمًا مِنْ بَدَنَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ كَالْمُصَنِّفِ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ شَاةٍ، وَلَا سُبْعَ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ: اشْتَرَى بِهِ لَحْمًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ تَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ فَخَيَّرَهُ الْمُصَنِّفُ: إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْفَاضِلُ مَا يَشْتَرِي بِهِ دَمًا: خَيَّرَهُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ لَحْمًا تَصَدَّقَ بِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ شِرَاءُ لَحْمٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَمَا زَادَ مِنْهُمَا اشْتَرَى بِالْفَضْلَةِ شَاةً فَإِنْ عَجَزَ: فَسَهْمًا مِنْ بَدَنَةٍ فَإِنْ عَجَزَ: فَلَحْمًا يَتَصَدَّقُ بِهِ وَقِيلَ: بَلْ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلَةِ فَوَائِدُ
مِنْهُمَا: قَوْلُهُ (وَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ: لَمْ يَضْمَنْهَا) بِلَا نِزَاعٍ وَعِنْدَ
стр. 1721
الْأَكْثَرِ سَوَاءٌ تَلِفَتْ قَبْلَ ذَبْحِهِ أَوْ بَعْدَهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَنَقَلَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ: وُجُوبُ الضَّمَانِ كَالزَّكَاةِ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: إذَا نَذَرَ أُضْحِيَّةً، أَوْ الصَّدَقَةَ بِدَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ فَتَلِفَ: فَهَلْ يَضْمَنُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الْفِعْلِ، نَظَرًا إلَى عَدَمِ تَعَيُّنِ مُسْتَحِقٍّ، كَالزَّكَاةِ وَإِلَى تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِعَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، كَالْعَبْدِ الْجَانِي، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ تَلِفَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَلَا ضَمَانَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ إنْ قُلْنَا: يُسْلَكُ بِالنَّذْرِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ شَرْعًا: ضَمِنَ وَإِنْ قُلْنَا: مَسْلَكَ التَّبَرُّعِ: لَمْ يَضْمَنْ انْتَهَى.
وَمِنْهَا: لَوْ فَقَأَ عَيْنَهَا: تَصَدَّقَ بِالْأَرْشِ وَمِنْهَا: أَوْ مَرِضَتْ، فَخَافَ عَلَيْهَا، فَذَبَحَهَا: لَزِمَهُ بَدَلُهَا وَلَوْ تَرَكَهَا فَمَاتَتْ: فَلَا شَيْءَ، عَلَيْهِ قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمِنْهَا: لَوْ ضَحَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ بِأُضْحِيَّةِ الْآخَرِ غَلَطًا: كَفَتْهُمَا وَلَا ضَمَانَ اسْتِحْسَانًا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الْقِيَاسُ ضِدُّهُمَا وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ فِي اثْنَيْنِ ضَحَّى هَذَا بِأُضْحِيَّةِ هَذَا وَهَذَا بِأُضْحِيَّةِ هَذَا يَتَبَادَلَانِ اللَّحْمَ وَيُجْزِئُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ نَحَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ وَلَكِنْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَوْ خَافَ أَنْ يَعْطَبَ ذَبَحَهُ وَفَعَلَ بِهِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ) يَعْنِي: يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ هُوَ وَرُفْقَتُهُ مِنْ الْهَدْيِ إذَا عَطِبَ وَهَذَا الْمَذْهَبُ
стр. 1722
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَأَبَاحَ الْأَكْلَ مِنْهُ: الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ مَعَ فَقْرِهِ وَاخْتَارَ فِي التَّبْصِرَةِ: إبَاحَتَهُ لِرَفِيقِهِ الْفَقِيرِ وَقَوْلُهُ " وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ " قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَلَا يَأْكُلُ هُوَ وَلَا خَاصَّتُهُ مِنْهُ قُلْت: وَهُوَ مُرَادُ غَيْرِهِ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الرُّفْقَةَ الَّذِينَ مَعَهُ: مِمَّنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ فِي السَّفَرِ قَوْلُهُ (فَإِنْ تَعَيَّبَتْ ذَبَحَهَا وَأَجْزَأَتْهُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً قَبْلَ التَّعْيِينِ، كَالْفِدْيَةِ وَالْمَنْذُورَةِ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَعَيَّنَ مَا عَيَّنَهُ فَتَارَةً يَكُونُ قَدْ عَيَّنَهُ عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ، كَهَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ فِي النُّسُكِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ، أَوْ وَجَبَ بِالنَّذْرِ وَتَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِ التَّعْيِينِ فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِ التَّعْيِينِ، مِثْلَ مَا لَوْ وَجَبَ أُضْحِيَّةٌ سَلِيمَةٌ، ثُمَّ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَهُنَا عَلَيْهِ ذَبْحُهُ وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ جَرَّهَا بِقَرْنِهَا إلَى الْمَنْحَرِ فَانْقَلَعَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْخِرَقِيُّ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ لَا تُجْزِئُهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَخْرُجُ بِالْعَيْبِ عَنْ كَوْنِهَا أُضْحِيَّةً قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْأَرْبَعِينَ فَإِذَا زَالَ الْعَيْبُ عَادَتْ أُضْحِيَّةً كَمَا كَانَتْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمْدَةِ الْأَدِلَّةِ فَلَوْ تَعَيَّنَتْ هَذِهِ بِفِعْلِهِ: فَلَهُ بَدَلُهَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ وَتَعَيَّبَ أَوْ تَلِفَ أَوْ ضَلَّ، أَوْ عَطِبَ،
стр. 1723
أَوْ سُرِقَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ: لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَزِمَهُ بَدَلُهُ وَيَلْزَمُ أَفْضَلُ مِمَّا فِي الذِّمَّةِ إنْ كَانَ تَلَفُهُ بِتَفْرِيطِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَنْ سَاقَ هَدْيًا وَاجِبًا، فَعَطِبَ أَوْ مَاتَ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ وَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ وَإِنْ نَحَرَهُ جَازَ أَكْلُهُ مِنْهُ، وَيُطْعِمُ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْبَدَلَ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ: كَذَا قَالَ وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ يَفْعَلُ بِهِ مَا شَاءَ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ انْتَهَى.
وَفِي بُطْلَانِ تَعْيِينِ الْوَلَدِ وَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَالزَّرْكَشِيِّ وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: فِي تَعْيِينِهِ هُنَا احْتِمَالَانِ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: إذَا قُلْنَا يَبْطُلُ تَعْيِينُهَا، وَتَعُودُ إلَى مَالِكِهَا: اُحْتُمِلَ أَنْ يَبْطُلَ التَّعْيِينُ فِي وَلَدِهَا تَبَعًا، كَمَا ثَبَتَتْ تَبَعًا قِيَاسًا عَلَى نَمَائِهَا الْمُتَّصِلِ بِهَا وَاحْتُمِلَ أَنْ لَا يَبْطُلَ، وَيَكُونَ لِلْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُ تَبِعَهَا فِي الْوُجُوبِ حَالَ اتِّصَالِهِ بِهَا وَلَمْ يَتْبَعَهَا فِي زَوَالِهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَصِلًا عَنْهَا فَهُوَ كَوَلَدِ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ إذَا وُلِدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ رَدَّهُ، لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي وَلَدِهَا، وَالْمُدَبَّرَةُ إذَا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا فَبَطَلَ تَدْبِيرُهَا، لَا يَبْطُلُ فِي وَلَدِهَا انْتَهَى وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ يَتْبَعُهَا قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ تَعْيِينُهُ لِأَنَّهُ بِوُحُودِهِ قَدْ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ أُمِّهِ، لَكِنْ تَعَذَّرَ فِي الْأُمِّ فَبَقِيَ حُكْمُ الْوَلَدِ بَاقِيًا قَوْلُهُ (وَهَلْ لَهُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا الْعَاطِبِ وَالْمَعِيبِ إلَى مِلْكِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالزَّرْكَشِيِّ
إحْدَاهُمَا: لَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ إلَى مِلْكِهِ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْفُقَرَاءِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ [وَتَصْحِيحُ الْمُحَرَّرِ]
стр. 1724
الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ إلَى مِلْكِهِ، فَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْفَائِقِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ قَوْلُهُ (كَذَلِكَ إذَا ضَلَّتْ فَذَبَحَ بَدَلَهَا ثُمَّ وَجَدَهَا) يَعْنِي: أَنَّ فِي اسْتِرْجَاعِ الضَّالِّ إلَى مِلْكِهِ إذَا وَجَدَهُ بَعْدَ ذَبْحِ بَدَلِهِ
الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فَالْحُكْمَانِ وَاحِدٌ وَالْمُذْهَبُ هُنَا كَالْمَذْهَبِ هُنَاكَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: فَإِنَّهُمَا قَطَعَا بِأَنَّهُ يَذْبَحُ الْبَدَلَ وَالْمُبْدَلَ، وَلَمْ يَحْكِيَا خِلَافًا وَلَكِنْ خَرَّجَا تَخْرِيجًا: أَنَّهُ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا: وَيَقْوَى لُزُومُ ذَبْحِهِ مَعَ ذَبْحِ الْوَاجِبِ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ فَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى التَّفْرِقَةِ، إمَّا لِأَجْلِ الْحَدِيثِ، أَوْ لِأَنَّ الْعَاطِبَ وَالْمَعِيبَ قَدْ تَعَذَّرَ إجْزَاؤُهُ عَنْ الْوَاجِبِ فَخَرَجَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ ذَلِكَ إلَى بَدَلِهِ وَأَمَّا الضَّالُّ: فَحَقُّ الْفُقَرَاءِ فِيهِ بَاقٍ وَإِنَّمَا حَقُّهُمْ لِتَعَذُّرِهِ وَهُوَ فَقْدُهُ وَجَزَمَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ: بِأَنَّهُ يَذْبَحُ الْبَدَلَ وَالْمُبْدَلَ، كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ
قَوْلُهُ فَصْلٌ
(سَوْقُ الْهَدْيِ مَسْنُونٌ وَلَا يَجِبُ إلَّا بِالنَّذْرِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ وَيَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) بِلَا نِزَاعٍ فَلَوْ اشْتَرَاهُ فِي الْحَرَمِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ إلَى عَرَفَةَ وَذَبَحَهُ: كَفَاهُ نَصَّ عَلَيْهِ
стр. 1725
قَوْلُهُ (وَيُسَنُّ إشْعَارُ الْبَدَنَةِ فَيَشُقُّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ وَكَذَا مَا لَا سَنَامَ لَهُ مِنْ الْإِبِلِ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ وَالْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ الشَّقُّ فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا، الْيُمْنَى عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ وَعَنْهُ الشَّقُّ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ أَوْلَى وَعَنْهُ الْخِيَرَةُ وَأَطْلَقَهُنَّ فِي التَّلْخِيصِ وَالْمُسْتَوْعِبِ
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُشْعِرُ غَيْرَ السَّنَامِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ وَقَالَ فِي الْكَافِي: يَجُوزُ إشْعَارُ غَيْرِ السَّنَامِ وَذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ عَنْ أَحْمَدَ وَظَاهِرُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يُشْعِرُ غَيْرَ الْإِبِلِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ: وَيُسَنُّ إشْعَارُ مَكَانِ ذَلِكَ مِنْ الْبَقَرِ قَوْلُهُ (وَيُقَلِّدُهَا وَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ النَّعْلَ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَآذَانُ الْقِرَبِ وَالْعُرَى) هَذَا الْمَذْهَبُ " يَعْنِي: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْلِيدُ الْهَدْيِ كُلِّهِ، مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: يُقَلِّدُ الْغَنَمَ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَالتَّلْخِيصِ: تَقْلِيدُ الْبُدْنَ جَائِزٌ وَقَالَ
стр. 1726
الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الْبُدْنُ تُشْعَرُ، وَالْغَنَمُ تُقَلَّدُ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسُوقَهُ حَتَّى يُشْعِرَهُ، وَيُجَلِّلَهُ بِثَوْبٍ أَبْيَضَ، وَيُقَلِّدَهُ نَعْلًا أَوْ عِلَاقَةَ قِرْبَةٍ
قَوْلُهُ (وَإِذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ: شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ) وَكَذَا سُبْعُ بَقَرَةٍ وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ لَوْ ذَبَحَ بَدَنَةً فَالصَّحِيحُ: وُجُوبُهَا كُلُّهَا قَدَّمَهُ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَقِيلَ: الْوَاجِبُ سُبْعُهَا فَقَطْ، وَالْبَاقِي لَهُ أَكْلُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْفَائِقِ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهَا فِي آخِرِ بَابِ الْفِدْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " كُلُّ هَدْيٍ ذَكَرْنَاهُ يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ " وَذَكَرْنَا فَائِدَةَ الْخِلَافِ هُنَاكَ
قَوْلُهُ (وَإِذَا نَذَرَ بَدَنَةً أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ) إذَا نَذَرَ بَدَنَةً فَتَارَةً يَنْوِي، وَتَارَةً يُطْلِقُ فَإِنْ نَوَى، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ: فَفِي إجْزَاءِ الْبَقَرَةِ رِوَايَتَانِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ
إحْدَاهُمَا: تُجْزِئُ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تُجْزِئُ الْبَقَرَةُ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْإِبِلِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ " فِي آخِرِ بَابِ الْفِدْيَةِ
قَوْلُهُ (فَإِنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ: أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا مِنْ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ إيصَالُهُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ بِمَوْضِعٍ سِوَاهُ)
стр. 1727
اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ بِنَذْرِهِ شَيْئًا إلَى مَكَّةَ، أَوْ جَعَلَ دَرَاهِمَ هَدْيًا فَهُوَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَابْنُ هَانِئٍ وَيَبْعَثُ ثَمَنَ غَيْرِ الْمَنْقُولِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يُلْقِيَ فِضَّةً فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ يُلْقِيهِ بِمَكَانِ نَذْرِهِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ عَقِيلٍ: فَيُكَفِّرُ إنْ لَمْ يُلْقِهِ وَهُوَ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ ثَمَنَ الْمَنْقُولِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدَّمَهُ وَيَبْعَثُ الْقِيمَةَ وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: إنْ نَذَرَ بَدَنَةً فَلِلْحَرَمِ، لَا جَزُورًا وَإِنْ نَذَرَ جَذَعَةً كَفَتْ ثَنِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَنَقَلَ يَعْقُوبُ فِيمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُضَحِّيَ كُلَّ عَامٍ بِشَاتَيْنِ، فَأَرَادَ عَامًا أَنْ يُضَحِّيَ بِوَاحِدَةٍ إنْ كَانَ نَذَرَ فَيُوفِي بِهِ، وَإِلَّا فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ وَإِنْ قَالَ: إنْ لَبِسْت ثَوْبًا مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ فَلَبِسَهُ: أَهْدَاهُ أَوْ ثَمَنُهُ، عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ
قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ) شَمَلَ مَسْأَلَتَيْنِ.
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا. فَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ مِنْهُ، بِلَا نِزَاعٍ. وَحُكْمُ الْأَكْلِ هُنَا وَالتَّفْرِقَةِ: كَالْأُضْحِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا يَأْكُلُ هُنَا إلَّا الْيَسِيرَ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَنَصَرَاهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ.
стр. 1728
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا بِالتَّعْيِينِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا فِي ذِمَّتِهِ. فَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ مِنْهُ أَيْضًا. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ مِنْهُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَأْكُلُ مِنْ وَاجِبٍ إلَّا مِنْ دَم الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ دَمِ الْمُتْعَةِ فَقَطْ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ. لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: كَأَنَّ الْخِرَقِيَّ اسْتَغْنَى بِذِكْرِ التَّمَتُّعِ عَنْ الْقِرَانِ. لِأَنَّهُ نَوْعُ تَمَتُّعٍ، لِتَرَفُّهِهِ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: لَا يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ أَيْضًا. وَقَدَّمَهُ فِي الرَّوْضَةِ. وَعَنْهُ يَأْكُلُ مِنْ الْكُلِّ، إلَّا مِنْ النَّذْرِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ. وَأَلْحَقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِهِمَا الْكَفَّارَةَ. وَجَوَّزَ الْأَكْلَ مِمَّا عَدَا ذَلِكَ. وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ: جَوَازَ الْأَكْلِ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ، كَالْأُضْحِيَّةِ. عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. لَكِنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
فَوَائِدُ
إحْدَاهَا: اسْتَحَبَّ الْقَاضِي الْأَكْلَ مِنْ دَمِ الْمُتْعَةِ.
الثَّانِيَةُ: مَا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ جَازَ لَهُ هَدِيَّتُهُ. وَمَا لَا فَلَا. فَإِنْ فَعَلَ ضَمَّنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعُوا بِهِ كَبَيْعِهِ وَإِتْلَافِهِ.
وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ بِلَا نِزَاعٍ فِيهِ.
стр. 1729
الثَّالِثَةُ: لَوْ مَنَعَهُ الْفُقَرَاءَ حَتَّى أَنْتَنَ. فَقَالَ فِي الْفُصُولِ: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ يَضْمَنُ نَقْصَهُ فَقَطْ. قُلْت: يَتَوَجَّهُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِمِثْلِهِ حَيًّا. أَشْبَهَ الْمَعِيبَ الْحَيَّ.
قَوْلُهُ (وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَيُكْرَهُ تَرْكُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الْغِنَى. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. وَذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَخَرَّجَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ مِنْ التَّضْحِيَةِ عَنْ الْيَتِيمِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْحَاضِرِ الْغَنِيِّ.
فَائِدَةٌ:
يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَحِّي مُسْلِمًا، تَامَّ الْمِلْكِ. فَلَا يُضَحِّي الْمُكَاتَبُ مُطْلَقًا. فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْفَائِقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُضَحِّي بِإِذْنٍ. كَالرَّقِيقِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا يَتَبَرَّعُ مِنْهَا بِشَيْءٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَذَبْحُهَا أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا) . كَذَا الْعَقِيقَةُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ تَعْيِينُ مَا تَقَدَّمَ فِي صَدَقَةٍ مَعَ غَزْوٍ وَحَجٍّ.
قَوْلُهُ (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثَهَا. وَيُهْدِيَ ثُلُثَهَا. وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا وَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ: جَازَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ إخْرَاجُ الثُّلُثِ هَدِيَّةً. وَالثُّلُثِ الْآخَرِ صَدَقَةً. نَقَلَهُ عَنْهُ
стр. 1730
ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ، وَغَيْرُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِيهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: لَا يَدْفَعُ إلَى الْمَسَاكِينِ مَا يَسْتَحْيِي مِنْ تَوْجِيهِهِ إلَى خَلِيطِهِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ: لَا يَتَصَدَّقُ بِمَا دُونَهَا. لِأَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِنْ هَدِيَّةِ ذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ: أَنْ لَا يُجْزِئَ فِي الصَّدَقَةِ إلَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُتَهَادَى بِمِثَالِهِ. انْتَهَى. قُلْت: حُكِيَ هَذَا الْأَخِيرُ قَوْلًا فِي الرِّعَايَةِ وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ مِنْهَا بِأُوقِيَّةٍ كَفَى. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْوَاجِبَ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى مَا يَأْتِي.
تَنْبِيهَانِ
أَحَدُهُمَا: هَذَا الْحَكَمُ إذَا قُلْنَا: هِيَ سُنَّةٌ. وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا قُلْنَا: إنَّهَا وَاجِبَةٌ. فَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. صَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ. وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرِهِمْ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَهُ أَكْلُ الثُّلُثِ. صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ. وَقَطَعَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ يَأْكُلُ كَمَا يَأْكُلُ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ. وَيَأْتِي هَذَا أَيْضًا قَرِيبًا.
الثَّانِي: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلِمِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ الصَّدَقَةَ وَالْهَدِيَّةَ أُضْحِيَّةُ الْيَتِيمِ، إذَا قُلْنَا: يُضَحَّى عَنْهُ، [عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِ الْحَجْرِ] . فَإِنَّ الْوَلِيَّ لَا يَتَصَدَّقُ مِنْهَا بِشَيْءٍ. وَيُوَفِّرُهَا لَهُ. لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ تَطَوُّعًا. جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمْ.
стр. 1731
قُلْت: لَوْ قِيلَ بِجَوَازِ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ مِنْهَا بِالْيَسِيرِ عُرْفًا: لَكَانَ مُتَّجَهًا. وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ: الْمُكَاتَبُ إذَا ضَحَّى عَلَى مَا قَطَعَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ لَا يَتَبَرَّعُ مِنْهَا بِشَيْءٍ.
فَوَائِدُ
إحْدَاهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَفْضَلِهَا. وَيُهْدِيَ الْوَسَطَ. وَيَأْكُلَ الْأَدْوَنَ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمَا. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: الْإِطْلَاقُ وَكَانَ مِنْ شِعَارِ السَّلَفِ: أَكْلُ لُقْمَةٍ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ مِنْ كَبِدِهَا أَوْ غَيْرِهَا تَبَرُّكًا قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ الْكَافِرَ مِنْهَا، إذَا كَانَتْ تَطَوُّعًا. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. أَمَّا الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ: فَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْهَا، كَالزَّكَاةِ. وَلِهَذَا قِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الْوَاجِبِ إلَى الْفَقِيرِ وَتَمْلِيكِهِ إيَّاهُ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِهْدَاءِ. فَإِنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ إلَى غَنِيٍّ وَإِطْعَامُهُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَتَجُوزُ الْهَدِيَّةُ مِنْ. نَقَلَهَا إلَى غَنِيٍّ. وَقِيلَ: مِنْ وَاجِبِهَا إنْ جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا.
الثَّالِثَةُ: يُعْتَبَرُ تَمْلِيكُ الْفَقِيرِ. فَلَا يَكْفِي إطْعَامُهُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَسُنَّ أَنْ يُفَرِّقَ اللَّحْمَ رَبُّهُ بِنَفْسِهِ. وَإِنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ جَازَ.
الرَّابِعَةُ: الصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الِادِّخَارِ مِنْ الْأَضَاحِيِّ مُطْلَقًا. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ.: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ إلَّا فِي مَجَاعَةٍ. لِأَنَّهُ سَبَبُ تَحْرِيمِ الِادِّخَارِ. قُلْت: اخْتَارَ هَذَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَهُوَ ظَاهِرُ فِي الْقُوَّةِ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ مَاتَ بَعْدَ ذَبْحِهَا أَوْ تَعْيِينِهَا: قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ. وَلَمْ تُبَعْ فِي دَيْنِهِ.
стр. 1732
قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقُلْت: إنْ وَجَبَ بِنَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَلَهُمْ أَكْلُ مَا كَانَ لَهُ أَكْلُهُ مِنْهَا. وَيَلْزَمُهُمْ زَكَاتُهَا إنْ مَاتَ قَبْلَهَا. ثُمَّ قَالَ: قُلْت إنْ كَانَ دَيْنُهُ مُسْتَغْرِقًا. فَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَّاهَا، أَوْ أَوْجَبَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَهَلْ تُبَاعُ كُلُّهَا أَوْ ثُلُثَاهَا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا " هَلْ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ أَمْ لَا؟ ".
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا ضَمِنَ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ فِي الصَّدَقَةِ مِنْهَا) وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَالشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ: يَضْمَنُ الثُّلُثَ. جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: يَضْمَنُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِصَدَقَتِهِ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا: فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: يَأْكُلُ كَمَا يَأْكُلُ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَأْكُلُ الثُّلُثَ. وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا: أَنَّ حُكْمَ الْهَدْيِ الْمَقْطُوعِ بِهِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ. عَلَى الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَدَخَلَ الْعَشْرُ: فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا) اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ: كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. فَظَاهِرُهُ. إدْخَالُ الظُّفْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْبَشَرَةِ. وَصَرَّحَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ: بِذِكْرِ الشَّعْرِ، وَالظُّفْرِ، وَالْبَشَرَةِ.
стр. 1733
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَابْنُ رَجَبٍ، وَغَيْرِهِمْ: لَا يَأْخُذُ شَعْرًا، وَلَا ظُفْرًا. فَظَاهِرُهُ: الِاقْتِصَارُ عَلَى الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ. وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. فَلَعَلَّ مَنْ خَصَّ الشَّعْرَ وَالظُّفْرَ: أَرَادَ مَا فِي مَعْنَاهُمَا، أَوْ أَنَّ الْغَالِبَ: أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ غَيْرُهُمَا. فَاقْتَصَرُوا عَلَى الْغَالِبِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْن مُنَجَّا، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ الزَّرْكَشِيّ.
أَحَدُهُمَا: هُوَ حَرَامٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَغَيْرِهِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالنَّاظِمُ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَمُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي الْمَجْدِ: وَيَحْرُمُ فِي الْأَظْهَرِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالْمَنْصُوصُ تَحْرِيمُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ. وَنَسَبَهُ إلَى الْأَصْحَابِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَالشِّيرَازِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ. الزَّرْكَشِيّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: يُكْرَهُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. وَالْبُلْغَةِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَتَبْصِرَةِ الْوَعْظِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَابْنِ رَزِينٍ، وَقَالَ: إنَّهُ أَظْهَرُ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى. وَأَطْلَقَ أَحْمَدُ الْكَرَاهَةَ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ. وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا. وَيَنْتَهِي الْمَنْعُ بِذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالشِّيرَازِيُّ، وَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِيِّ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِمْ.
стр. 1734
فَائِدَةٌ
: يُسْتَحَبُّ الْحَلْقُ بَعْدَ الذَّبْحِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَهُوَ عَلَى مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ تَعْظِيمٌ لِذَلِكَ الْيَوْمِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَوْلُهُ (وَالْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) يَعْنِي عَلَى الْأَبِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ إنَّهَا وَاجِبَةٌ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، وَأَبُو الْوَفَاءِ.
فَوَائِدُ
الْأُولَى: قَوْلُهُ (وَالْمَشْرُوعُ: أَنْ يَذْبَحَ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةً) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. مَعَ الْوِجْدَانِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الشَّاتَانِ مُتَقَارِبَتَيْنِ. فِي السِّنِّ وَالشَّبَهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَدِمَ الشَّاتَانِ: فَوَاحِدَةٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُغْنِي. فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَقْتَرِضُ، وَأَرْجُو أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَقْتَرِضُ مَعَ وَفَاءٍ. وَيَنْوِيهِ عَقِيقَةً وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: إنْ خَالَفَ وَعَقَّ عَنْ الذَّكَرِ بِكَبْشٍ: أَجْزَأَ.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (يَوْمَ سَابِعِهِ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: مِنْ مِيلَادِ الْوَلَدِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ: يُسْتَحَبُّ ذَبْحُ الْعَقِيقَةِ ضَحْوَةَ النَّهَارِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّاءِ أَنَّهُ يَذْبَحُ إحْدَى الشَّاتَيْنِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ. وَالْأُخْرَى يَوْمَ سَابِعِهِ.
стр. 1735
الثَّالِثَةُ: ذَبْحُهَا يَوْمَ السَّابِعِ أَفْضَلُ وَيَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ عَقَّ بِبَدَنَةٍ، أَوْ بَقَرَةٍ: لَمْ يُجْزِهِ إلَّا كَامِلَةً. نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَأَفْضَلُهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي أُضْحِيَّةٍ.
الْخَامِسَةُ: يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ الْمَوْلُودِ يَوْمَ السَّابِعِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: أَوْ قَبْلَهُ. جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَجَزَمَ فِي آدَابِهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ يَوْمَ الْوِلَادَةِ. وَهِيَ حَقٌّ لِلْأَبِ لَا لِلْأُمِّ.
السَّادِسَةُ: لَوْ اجْتَمَعَ عَقِيقَةٌ وَأُضْحِيَّةٌ فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْ الْعَقِيقَةِ إنْ لَمْ يَعُقَّ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: الْإِجْزَاءُ. قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: أَرْجُو أَنْ تُجْزِئَ الْأُضْحِيَّةُ عَنْ الْعَقِيقَةِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَفِي مَعْنَاهُ لَوْ اجْتَمَعَ هَدْيٌ وَأُضْحِيَّةٌ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ لَا تَضْحِيَةَ بِمَكَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ الْهَدْيُ.
قَوْلُهُ (وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا يَوْمَ السَّابِعِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَيْسَ فِي حَلْقِ رَأْسِهِ وَوَزْنِ شَعْرِهِ سُنَّةٌ أَكِيدَةٌ. وَإِنْ فَعَلَهُ فَحَسَنٌ. وَالْعَقِيقَةُ هِيَ السُّنَّةُ.
تَنْبِيهٌ:
الظَّاهِرُ: أَنَّ مُرَادَهُ بِالْحَلْقِ: الذَّكَرُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: لَا فَرْقَ فِي اسْتِحْبَابِ الْحَلْقِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَلِلْإِنَاثِ. قَالَ: وَلَعَلَّهُ يَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ إلَّا الْإِنَاثَ يُكْرَهُ فِي حَقِّهِنَّ الْحَلْقُ
стр. 1736
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ يَحْلِقُ.
فَائِدَةٌ:
يُكْرَهُ لَطْخُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ بِدَمِ الْعَقِيقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْبَنَّا فِي الْخِصَالِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: هُوَ سُنَّةٌ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: بَلْ يُلَطَّخُ بِخَلُوقٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَوْلَى. قَالَ ابْنُ الْبَنَّا، وَأَبُو حَكِيمٍ: هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الدَّمِ.
تَنْبِيهٌ:
مَفْهُومُ قَوْلِهِ (فَإِنْ فَاتَ) يَعْنِي لَمْ يَكُنْ فِي سَبْعٍ (فَفِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ. فَإِنْ فَاتَ فَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ) أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ الْأَسَابِيعَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَيَعُقُّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَيِّ يَوْمٍ أَرَادَ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُهُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَإِنْ فَاتَ فَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ مَا بَعْدَهُ. قَالَ فِي الْكَافِي: فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ: ذَبَحَهَا بَعْدَهُ. لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ سَبَبُهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ اعْتِبَارُهَا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ. وَإِنْ فَاتَ فَفِي الْخَامِسِ وَالثَّلَاثِينَ. وَعَلَى هَذَا فَقِسْ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيد الْعِنَايَةِ. وَعَنْهُ تَخْتَصُّ الْعَقِيقَةُ بِالصَّغِيرِ.
فَائِدَةٌ:
لَا يَعُقُّ غَيْرُ الْأَبِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
стр. 1737
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرَّوْضَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ: إذَا بَلَغَ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَأَطْلَقَهُمَا فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَعَنْ الْحَنَابِلَةِ يَتَعَيَّنُ الْأَبُ، إلَّا إنْ تَعَذَّرَ بِمَوْتٍ أَوْ امْتِنَاعٍ.
قَوْلُهُ (وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ) هَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهَا شِرْكٌ فِي بَدَنَةٍ، وَلَا بَقَرَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَنَّهُ يَنْزِعُهَا أَعْضَاءً. وَلَا يَكْسِرُ لَهَا عَظْمًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُبَاعُ الْجِلْدُ وَالرَّأْسُ وَالسَّوَاقِطُ. وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ. وَحَمَلَ ابْنُ مُنَجَّا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَتُشَارِكُهَا فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِهَا كَالْأَكْلِ وَالْهَدِيَّةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالضَّمَانِ، وَالْوَلَدِ، وَاللَّبَنِ، وَالصُّوفِ، وَالزَّكَاةِ، وَالرُّكُوبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ بَيْعُ جِلْدِهَا وَسَوَاقِطِهَا وَرَأْسِهَا، وَالصَّدَقَةُ بِثَمَنِهَا. نَصَّ عَلَيْهِ. انْتَهَى قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُنْقَلَ حُكْمُ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى. فَيَخْرُجُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَحُكْمُهَا فِيمَا يُجْزِئُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَمَا يُجْتَنَبُ فِيهَا مِنْ الْعُيُوبِ وَغَيْرِهِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأُضْحِيَّةَ ذَبِيحَةٌ شُرِعَتْ
стр. 1738
يَوْمَ النَّحْرِ. فَأَشْبَهَتْ الْهَدْيَ. وَالْعَقِيقَةُ شُرِعَتْ عِنْدَ سُرُورٍ حَادِثٍ، وَتَجَدُّدِ نِعْمَةٍ. أَشْبَهَتْ الذَّبْحَ فِي الْوَلِيمَةِ. وَلِأَنَّ الذَّبِيحَةَ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ هُنَا. فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ. انْتَهَى.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَالتَّفْرِقَةُ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ. وَلَمْ يَعْتَبِرْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ التَّمْلِيكَ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَبِعَهُ: وَإِنْ طَبَخَهَا وَدَعَا إخْوَانَهُ فَحَسَنٌ.
فَوَائِدُ
إحْدَاهَا: طَبْخُهَا أَفْضَلُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لِأَحْمَدَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ. قَالَ: يَتَحَمَّلُونَ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُطْبَخَ مِنْهَا طَبِيخٌ حُلْوٌ، تَفَاؤُلًا بِحَلَاوَةِ أَخْلَاقِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْطَى الْقَابِلَةُ مِنْهَا فَخْذًا.
الثَّانِيَةُ: يُؤَذَّنُ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ حِينَ يُولَدُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُؤَذَّنُ فِي الْيُمْنَى. وَيُقَامُ فِي الْيُسْرَى.
الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحَنَّكَ بِتَمْرَةٍ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: بِتَمْرٍ أَوْ حُلْوٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَتَقَدَّمَ مَتَى يُخْتَنُ؟ فِي بَابِ السِّوَاكِ.
قَوْلُهُ (وَلَا تُسَنُّ الْفُرْعَةُ. وَهِيَ ذَبْحُ أَوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ. وَلَا الْعَتِيرَةُ وَهِيَ ذَبِيحَةُ رَجَبٍ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ: يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَلَا يُنَافِيهِ مَا تَقَدَّمَ.
стр. 1739
[كِتَابُ الْجِهَادِ]
ِ قَوْلُهُ (وَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْوَاجِدُ لِزَادِهِ وَمَا يَحْمِلُهُ، إذَا كَانَ بَعِيدًا) فَلَا يَجِبُ عَلَى أُنْثَى بِلَا نِزَاعٍ وَلَا خُنْثَى. صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ. وَلَا عَبْدٍ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ. وَلَا صَبِيٍّ، وَلَا مَجْنُونٍ. وَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ. صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. [وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي أَوَاخِرِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ] .
قَوْلُهُ (مُسْتَطِيعٍ. وَهُوَ الصَّحِيحُ) هَذَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ يُلْزَمُ الْعَاجِزُ بِبَدَنَةٍ فِي مَالِهِ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَلْزَمُ ضَعِيفًا، وَلَا مَرِيضًا مَرَضًا شَدِيدًا. أَمَّا الْمَرَضُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَمْنَعُ الْجِهَادَ كَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَالصُّدَاعِ الْخَفِيفِ فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ. وَلَا يَلْزَمُ الْأَعْمَى. وَيَلْزَم الْأَعْوَرَ. بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَا الْأَعْشَى. وَهُوَ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ. وَلَا يَلْزَمُ أَشَلَّ، وَلَا أَقْطَعَ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ، وَلَا مَنْ أَكْثَرُ أَصَابِعِهِ ذَاهِبَةٌ، أَوْ إبْهَامُهُ، أَوْ مَا يَذْهَبُ بِذَهَابِهِ نَفْعُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ. وَلَا يَلْزَمُ الْأَعْرَجَ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: وَالْعَرَجُ الْيَسِيرُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ، وَإِنَّمَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شِدَّةُ الْعَدْوِ: لَا يَمْنَعُ. قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: يَلْزَمُ أَعْرَجَ يَسِيرًا. وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ بَعْدَ تَقْدِيمِهِ عَدَمَ اللُّزُومِ وَقَدْ قِيلَ فِي الْأَعْرَجِ: إنْ كَانَ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ وَجَبَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَهُوَ الْوَاجِدُ لِزَادِهِ) كَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَمَنْ تَابَعَهُ وَهُوَ
стр. 1740
الصَّحِيحُ الْوَاجِدُ بِمِلْكٍ أَوْ بَذْلٍ مِنْ الْإِمَامِ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
تَنْبِيهٌ:
مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " بَعِيدًا " مَسَافَةُ الْقَصْرِ.
فَائِدَةٌ:
فَرْضُ الْكِفَايَةِ: وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ. وَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي سَقَطَ الْوُجُوبُ عَنْ الْبَاقِينَ. لَكِنْ يَكُونُ سُنَّةً فِي حَقِّهِمْ. صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ. وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ غَيْرِهِ، وَأَنَّ مَا عَدَا الْقِسْمَيْنِ هُنَا سُنَّةٌ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: إذَا فَعَلَ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مَرَّتَيْنِ، فَفِي كَوْنِ الثَّانِي فَرْضًا وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالزَّرْكَشِيِّ. قَالَ: وَكَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِي أَنَّ فَرْضِيَّتَهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ مُحْتَمَلٌ. انْتَهَى، وَقَدَّمَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ. وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ جَوَازُ فِعْلِ الْجِنَازَةِ ثَانِيًا بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ. وَإِنْ فَعَلَهُ الْجَمِيعُ كَانَ كُلُّهُ فَرْضًا. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مَحَلُّ وِفَاقٍ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَعَلَّهُ إذَا فَعَلُوهُ جَمِيعًا. فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَجِبُ الْجِهَادُ بِاللِّسَانِ. فَيَهْجُوهُمْ الشَّاعِرُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ: مِنْهُ مَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ، وَالدَّعْوَةِ وَالْحُجَّةِ، وَالْبَيَانِ، وَالرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ، وَالْبَدَنِ. فَيَجِبُ بِغَايَةِ مَا يُمْكِنُهُ.
قَوْلُهُ (وَأَقَلُّ مَا يُفْعَلُ مَرَّةً فِي كُلِّ عَامٍ) مُرَادُهُ: مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى فِعْلِهِ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ تَدْعُوَ حَاجَةٌ إلَى تَأْخِيرِهِ) . وَكَذَا قَالَ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، مَعَ الْقُدْرَةِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: لِلْإِمَامِ تَأْخِيرُهُ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْ قِلَّةِ عَلَفٍ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ انْتِظَارِ مَدَدٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: فَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إلَى تَأْخِيرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ
стр. 1741
بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ فِي عَدَدٍ أَوْ عُدَّةٍ، أَوْ يَكُونُ مُنْتَظِرًا لِمَدَدٍ يَسْتَعِينُ بِهِ، أَوْ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ إلَيْهِمْ مَانِعٌ، أَوْ لَيْسَ فِيهَا عَلَفٌ أَوْ مَاءٌ، أَوْ يَعْلَمُ مِنْ عَدُوِّهِ حُسْنَ الرَّأْيِ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَطْمَعُ فِي إسْلَامِهِ إنْ أَخَّرَ قِتَالَهُمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ: جَازَ تَرْكُهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُفْعَلُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، إلَّا لِمَانِعٍ بِطَرِيقٍ. وَلَا يُعْتَبَرُ أَمْنُهَا. فَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى الْخَوْفِ. وَعَنْهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ لِحَاجَةٍ. وَعَنْهُ وَمَصْلَحَةٍ، كَرَجَاءِ إسْلَامٍ. وَهَذَا الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: خِلَافُ مَا قَطَعَا بِهِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، أَوْ حَضَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ: تَعَيَّنَ عَلَيْهِ) بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَا لَوْ اسْتَنْفَرَهُ مَنْ لَهُ اسْتِنْفَارُهُ بِلَا نِزَاعٍ.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ قَوْلِهِ " مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ " أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَبْدِ إذَا حَضَرَ الصَّفَّ، أَوْ حَضَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، فِي بَابِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ عِنْدَ اسْتِئْجَارِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ النَّاظِمُ: وَإِنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ: إيجَابُهُ عَلَى النِّسَاءِ فِي حُضُورِ الصَّفِّ دَفْعًا وَاحِدًا. وَقَالَ فِي الْبُلْغَةِ هُنَا: وَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ فِي مَوْضِعَيْنِ. إحْدَاهُمَا: إذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ وَهُوَ حَاضِرٌ. وَالثَّانِي: إذَا نَزَلَ الْكُفَّارُ بَلَدَ الْمُسْلِمِينَ تَعَيَّنَ عَلَى أَهْلِهِ النَّفِيرُ إلَيْهِمْ. إلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: مَنْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْأَهْلِ أَوْ الْمَكَانِ،
стр. 1742
أَوْ الْمَالِ، وَالْآخَرُ: مَنْ يَمْنَعُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْخُرُوجِ. هَذَا فِي أَهْلِ النَّاحِيَةِ وَمَنْ بِقُرْبِهِمْ. أَمَّا الْبَعِيدُ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ: فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُمْ كِفَايَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ: أَوْ كَانَ بَعِيدًا. أَوْ عَجَزَ عَنْ قَصْدِ الْعَدُوِّ. قُلْت: أَوْ قَرُبَ مِنْهُ وَقَدَرَ عَلَى قَصْدِهِ، لَكِنَّهُ مَعْذُورٌ بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ بِمَنْعِ أَمِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ بِحَقٍّ، كَحَبْسِهِ بِدَيْنٍ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ:
مَفْهُومُ قَوْلِهِ " أَوْ حَضَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ " أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْبَعِيدَ. وَهُوَ الصَّحِيحُ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ حَاجَةٌ إلَى حُضُورِهِ. كَعَدَمِ كِفَايَةِ الْحَاضِرِينَ لِلْعَدُوِّ. فَيَتَعَيَّنُ أَيْضًا عَلَى الْبَعِيدِ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْبُلْغَةِ تَنْبِيهٌ آخَرُ:
قَوْلُهُ " أَوْ حَضَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ " هُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَظَاهِرُ بَحْثِ ابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ بِالْمُهْمَلَةِ. وَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ. لَكِنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. وَيَلْزَمُ الْحَصْرَ الْحُضُورُ. وَلَا عَكْسُهُ.
فَوَائِدُ لَوْ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَالنَّفِيرِ مَعًا: صَلَّى وَنَفَرَ بَعْدَهَا، إنْ كَانَ الْعَدُوُّ بَعِيدًا. وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا نَفَرَ وَصَلَّى رَاكِبًا. وَذَلِكَ أَفْضَلُ. وَلَا يَنْفِرُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ لَهَا. نَصَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ: يَنْفِرُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقْتٌ. قُلْت: لَا يَدْرِي نَفِيرٌ حَقٌّ أَمْ لَا؟ قَالَ: إذَا نَادَوْا بِالنَّفِيرِ فَهُوَ حَقٌّ. قُلْت: إنْ أَكْثَرَ النَّفِيرَ لَا يَكُونُ حَقًّا؟ قَالَ: يَنْفِرُ بِكَوْنِهِ يَعْرِفُ مَجِيءَ عَدُوِّهِمْ كَيْفَ هُوَ؟ .
قَوْلُهُ (وَأَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ: الْجِهَادُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى هُنَاكَ، وَالْحَوَاشِي.
стр. 1743
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ الَّذِي لَمْ تَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ وَمَالُهُ. وَهِيَ فِي غَيْرِهِ بِعَدْلِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ. وَعَنْهُ: الْعِلْمُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا.
فَوَائِدُ
إحْدَاهَا: الْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنْ الرِّبَاطِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ الْحَكَمِ، فِي تَفْضِيلِ تَجْهِيزِ الْغَازِي عَلَى الْمُرَابِطِ مِنْ غَيْرِ غَزْوٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: الرِّبَاطُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ. لِأَنَّ الرِّبَاطَ أَصْلٌ وَالْجِهَادَ فَرْعُهُ. لِأَنَّهُ مَعْقِلٌ لِلْعَدُوِّ، وَرَدَّ لَهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَمَلُ بِالْقَوْسِ وَالرُّمْحِ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْرِ. وَفِي غَيْرِهَا نَظِيرُهَا. [وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا هُنَاكَ فِي أَوَّلِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ] .
الثَّانِيَةُ: الرِّبَاطُ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ. وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إجْمَاعًا. وَالصَّلَاةُ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالثَّغْرِ. نَصَّ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: [قِتَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ] . قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ (وَغَزْوُ الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ. وَمَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ) .
стр. 1744
بِلَا نِزَاعٍ. وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَحْفَظَ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مُخَدِّلًا، وَلَا مُرْجِفًا. وَنَحْوَهُمَا. وَيُقَدَّمُ الْقَوِيُّ مِنْهُمَا. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ
قَوْلُهُ (وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً. وَهُوَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِلْجِهَادِ) . وَهَكَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيهِمَا. وَيُسْتَحَبُّ وَلَوْ سَاعَةً. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرُهُمْ: وَأَقَلُّهُ سَاعَةٌ. انْتَهَى. وَأَفْضَلُ الرِّبَاطِ: أَشَدُّهُ خَوْفًا. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَوْلُهُ (وَلَا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أَهْلِهِ إلَيْهِ) . يَعْنِي يُكْرَهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يَنْتَقِلُ بِأَهْلِهِ إلَى مَدِينَةٍ تَكُونُ مَعْقِلًا لِلْمُسْلِمِينَ كَأَنْطَاكِيَةَ، وَالرَّمْلَةِ، وَدِمَشْقَ.
تَنْبِيهٌ:
مَحَلُّ هَذَا: إذَا كَانَ الثَّغْرُ مَخُوفًا. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. فَإِنْ كَانَ الثَّغْرُ آمِنًا لَمْ يُكْرَهْ نَقْلُ أَهْلِهِ إلَيْهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. فَأَمَّا أَهْلُ الثُّغُورِ: فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ السُّكْنَى بِأَهْلَيْهِمْ. وَلَوْلَا ذَلِكَ لَخَرِبَتْ الثَّغْرُ وَتَعَطَّلَتْ.
فَائِدَةٌ:
يُسْتَحَبُّ تَشْيِيعُ الْغَازِي لَا تَلَقِّيه. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ. لِأَنَّهُ تَهْنِئَةٌ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الشَّهَادَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي حَجٍّ، وَأَنَّهُ يَقْصِدُهُ لِلسَّلَامِ. وَنَقَلَ عَنْهُ فِي حَجٍّ: لَا إنْ كَانَ قَصْدُهُ، أَوْ كَانَ ذَا عِلْمٍ، أَوْ هَاشِمِيًّا، وَيَخَافُ شَرَّهُ. وَشَيَّعَ أَحْمَدُ أُمَّهُ لِلْحَجِّ.
стр. 1745
وَقَالَ فِي الْفُنُونِ: وَتَحْسُنُ التَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ لِلْمُسَافِرِ. وَفِي نِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي: وَتُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقَادِمِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُوَدِّعُ الْقَاضِي الْغَازِيَ وَالْحَاجَّ. مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ الْحُكْمِ. وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ: اسْتِحْبَابَ تَشْيِيعِ الْحَاجِّ وَوَدَاعِهِ، وَمَسْأَلَتُهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ.
قَوْلُهُ (وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ) بِلَا نِزَاعٍ فِي الْجُمْلَةِ. وَدَارُ الْحَرْبِ: مَا يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْكُفْرِ. زَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ: صَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ أَوْ بَلَدُ بُغَاةٍ أَوْ بِدْعَةٍ. كَرَفْضٍ وَاعْتِزَالٍ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَذَلِكَ مُقَيَّدٌ. بِمَا إذَا أَطَاقَهُ. فَإِذَا أَطَاقَهُ وَجَبَتْ الْهِجْرَةُ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً فِي الْعِدَّةِ. وَلَوْ بِلَا رَاحِلَةٍ وَلَا مَحْرَمٍ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] عَنْ الْقَاضِي: أَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ فَرْضًا إلَى أَنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِي الْحَجِّ بِمَحْرَمٍ: إنْ أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ الْفِتْنَةِ فِي دِينِهَا: لَمْ تُهَاجِرْ إلَّا بِمَحْرَمٍ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: إنْ أَمْكَنَهَا إظْهَارُ دِينِهَا، وَأَمِنَتْهُمْ عَلَى نَفْسِهَا: لَمْ تُبَحْ إلَّا بِمَحْرَمٍ كَالْحَجِّ. وَإِنْ لَمْ تَأْمَنْهُمْ: جَازَ الْخُرُوجُ حَتَّى وَحْدَهَا، بِخِلَافِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ (وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: تَجِبُ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا تُسَنُّ لِامْرَأَةٍ بِلَا رُفْقَةٍ. فَائِدَةٌ قَالَ: لَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْمَعَاصِي.
стр. 1746
قَوْلُهُ (وَلَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعُوا بِهِ. وَقِيلَ: يَسْتَأْذِنُهُ فِي دَيْنٍ حَالٍّ فَقَطْ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمَدْيُونُ جُنْدِيًّا مَوْثُوقًا لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْذَانُهُ، وَغَيْرُهُ يَلْزَمُهُ. قُلْت: يَأْتِي حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا مُحَرَّرًا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ أَقَامَ لَهُ ضَامِنًا، أَوْ رَهْنًا مُحْرِزًا، أَوْ وَكِيلًا يَقْضِيهِ: جَازَ.
تَنْبِيهَانِ
أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " لَا وَفَاءَ لَهُ " أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ: يُجَاهِدُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَصَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ. وَكَلَامُهُ فِي الْفُرُوعِ كَلَفْظِ الْمُصَنِّفِ. وَقِيلَ: لَا يُجَاهِدُ إلَّا بِإِذْنِهِ أَيْضًا. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُهُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمْ. لِإِطْلَاقِهِمْ عَدَمَ الْمُجَاهَدَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. قُلْت: لَعَلَّ مُرَادَ مَنْ أَطْلَقَ: مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. وَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَلَكِنَّ صَاحِبَ الرِّعَايَةِ وَمَنْ تَابَعَهُ حَكَى وَجْهَيْنِ. فَقَالُوا: وَيَسْتَأْذِنُ الْمَدْيُونُ. وَقِيلَ: الْمُعْسِرُ.
الثَّانِي: عُمُومُ.
قَوْلِهِ (وَمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ إلَّا بِإِذْنِ أَبِيهِ) . تَقْتَضِي اسْتِئْذَانَ الْأَبَوَيْنِ الرَّقِيقَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا كَالْحُرَّيْنِ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالنَّظْمِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْكَافِي، وَالْبُلْغَةِ، وَالْفُرُوعِ.
стр. 1747
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ وَقِيلَ: أَوْ رَقِيقٌ لَمْ يَتَطَوَّعْ بِلَا إذْنِهِ. وَمَعَ رِقِّهِمَا: فِيهِ وَجْهَانِ. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ:
لَا إذْنَ لِجَدٍّ وَلَا لِجَدَّةٍ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ شَيْءٌ. وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ وَاحْتِمَالٌ فِي الْجَدِّ أَبِي الْأَبِ. يَعْنِي: أَنَّهُ كَالْأَبِ فِي الِاسْتِئْذَانِ.
تَبِيهَانِ
أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ. فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ) . أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ: أَنَّهُ لَا يُجَاهِدُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: حُكْمُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي عَدَمِ الِاسْتِئْذَانِ حُكْمُ الْمُتَعَيِّنِ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ ﵀ بِقَوْلِهِ " فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ " أَنَّهُ تَعَلَّمَ مِنْ الْعِلْمِ مَا يُقَوِّمُ بِهِ دِينَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ. لِأَنَّهُ فَرِيضَةٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَجِبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَهَذَا خَاصَّةً بِطَلَبِهِ بِلَا إذْنٍ. وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ فِيمَنْ لَا يَأْذَنُ لَهُ أَبَوَاهُ يُطْلَبُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ. الْعِلْمُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مَنْ لَزِمَهُ التَّعَلُّمُ وَقِيلَ: أَوْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ. وَقِيلَ: أَوْ فَلَا وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِبَلَدِهِ، فَلَهُ السَّفَرُ لِطَلَبِهِ بِلَا إذْنِ أَبَوَيْهِ انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ: هَلْ يُجِيبُ أَبَوَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ .
فَائِدَةٌ قَوْلُهُ (وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ مِنْ صَفِّهِمْ إلَّا مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ، أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إلَى فِئَةٍ) .
стр. 1748
وَهَذَا الْمَذْهَبُ [مُطْلَقًا] وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعُوا بِهِ. وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: لَا يَلْزَمُ ثَبَاتُ وَاحِدٍ لِاثْنَيْنِ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَالنَّصِيحَةِ، وَالنِّهَايَةِ، وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ: يَلْزَمُهُ الثَّبَاتُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ مَنْ أَطْلَقَ. وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو طَالِبٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ قِتَالُ دَفْعٍ أَوْ طَلَبٍ. فَالْأَوَّلُ: بِأَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ كَثِيرًا لَا يَطِيقُهُمْ الْمُسْلِمُونَ. وَيَخَافُونَ أَنَّهُمْ إنْ انْصَرَفُوا عَنْهُمْ عَطَفُوا عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَهَهُنَا صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِوُجُوبِ بَذْلِ مُهَجِهِمْ فِي الدَّفْعِ حَتَّى يُسَلِّمُوا. وَمِثْلُهُ: لَوْ هَجَمَ عَدُوٌّ عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُقَاتِلَةُ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ، لَكِنْ إنْ انْصَرَفُوا اسْتَوْلَوْا عَلَى الْحَرِيمِ. وَالثَّانِي: لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُصَافَّةِ أَوْ قَبْلَهَا. فَقَبْلَهَا وَبَعْدَهَا حِينَ الشُّرُوعِ فِي الْقِتَالِ: لَا يَجُوزُ الْإِدْبَارُ مُطْلَقًا إلَّا لِتَحَرُّفٍ أَوْ تَحَيُّزٍ. انْتَهَى. يَعْنِي: وَلَوْ ظَنُّوا التَّلَفَ. [إذَا عَلِمْت ذَلِكَ] فَقَالَ الْأَصْحَابُ: التَّحَرُّفُ أَنْ يَنْحَازَ إلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ الْقِتَالُ فِيهِ أَمْكَنَ، مِثْلَ أَنْ يَنْحَازَ مِنْ مُقَابَلَةِ الشَّمْسِ أَوْ الرِّيحِ، وَمِنْ نُزُولٍ إلَى عُلْوٍ، وَمِنْ مُعَطِّشَةٍ إلَى مَاءٍ، أَوْ يَفِرَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِيُنْقِضَ صُفُوفَهُمْ، أَوْ تَنْفِرَ خَيْلَهُمْ مِنْ رَجَّالَتِهِمْ، أَوْ لِيَجِدَ فِيهِمْ فُرْجَةً، أَوْ يَسْتَنِدَ إلَى جَبَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَقَالُوا فِي التَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ: سَوَاءٌ كَانَتْ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً.
قَوْلُهُ (فَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ: فَلَهُمْ الْفِرَارُ) . قَالَ الْجُمْهُورُ: وَالْفِرَارُ أَوْلَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ، مَعَ ظَنِّ التَّلَفِ بِتَرْكِهِ. وَأَطْلَقَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي النُّسَخِ اسْتِحْبَابَ الثَّبَاتِ لِلزَّائِدِ عَلَى الضَّعْفِ.
فَائِدَةٌ:
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ: لَوْ خَشِيَ الْأَسْرَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَاتِلَ
стр. 1749
حَتَّى يُقْتَلَ، وَلَا يَسْتَأْسِرَ. وَإِنْ اسْتَأْسَرَ جَازَ. لِقِصَّةِ خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ، وَيَأْتِي كَلَامُ الْآجُرِّيِّ قَرِيبًا. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الظَّفَرُ. فَلَيْسَ لَهُمْ الْفِرَارُ. وَلَوْ زَادُوا عَلَى أَضْعَافِهِمْ) . وَظَاهِرُهُ: وُجُوبُ الثَّبَاتِ عَلَيْهِمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْوَجِيزِ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشِّيرَازِيِّ. فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُطِيقُوا قِتَالَهُمْ: لَمْ يَعْصِ مَنْ انْهَزَمَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ الثَّبَاتُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا: وَهُوَ قَوْلُ مَنْ عَلِمْنَا مِنْ الْأَصْحَابِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ ظَنُّوا الْهَلَاكَ فِي الْفِرَارِ، وَفِي الثَّبَاتِ. فَالْأَوْلَى لَهُمْ: الْقِتَالُ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْهِدَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ الْمُخْتَارُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ: يَلْزَمُ الْقِتَالُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ قَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَسْتَأْسِرَ. يُقَاتِلُ أَحَبُّ إلَيَّ. الْأَسْرُ شَدِيدٌ. وَلَا بُدَّ مِنْ الْمَوْتِ. وَقَدْ قَالَ عَمَّارٌ " مَنْ اسْتَأْسَرَ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ " فَلِهَذَا قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَأْثَمُ بِذَلِكَ. فَإِنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ يُسَنُّ انْغِمَاسُهُ فِي الْعَدُوِّ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا نُهِيَ عَنْهُ. وَهُوَ مِنْ التَّهْلُكَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أُلْقِيَ فِي مَرْكَبِهِمْ نَارٌ فَعَلُوا مَا يَرَوْنَ السَّلَامَةَ فِيهِ) .
стр. 1750
بِلَا نِزَاعٍ. فَإِنْ شَكُّوا فَعَلُوا مَا شَاءُوا، مِنْ الْمُقَامِ أَوْ إلْقَاءِ نُفُوسِهِمْ فِي الْمَاءِ. هَذَا الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُمْ الْمُقَامُ. نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْرُمُ ذَلِكَ. وَحَكَاهُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَصَحَّحَهَا.
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ) بِلَا نِزَاعٍ. وَلَوْ قُتِلَ فِيهِ صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ إذَا لَمْ يَقْصِدْهُمْ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ إحْرَاقُ نَحْلٍ وَلَا تَغْرِيقُهُ) بِلَا نِزَاعٍ. وَهَلْ يَجُوزُ أَخْذُ شُهْدِهِ كُلِّهِ بِحَيْثُ لَا يُتْرَكُ لِلنَّحْلِ شَيْءٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْفُرُوعِ.
إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ. قَوْلُهُ (وَلَا عَقْرُ دَابَّةٍ، وَلَا شَاةٍ، إلَّا لِأَكْلٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ) . يَعْنِي: لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ إلَّا لِذَلِكَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، الْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَعَنْهُ: يَجُوزُ الْأَكْلُ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا فِي غَيْرِ دَوَابِّ قِتَالِهِمْ. كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَذَكَرَا ذَلِكَ إجْمَاعًا فِي دَجَاجٍ وَطَيْرٍ وَاخْتَارَا أَيْضًا: جَوَازَ قَتْلِ دَوَابِّ قِتَالِهِمْ إنْ عَجَزَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ سَوْقِهَا، وَلَا يَدَعُهَا لَهُمْ. وَذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَكْسُهُ أَشْهَرُ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَقَالَ فِي الْبُلْغَةِ: يَجُوزُ قَتْلُ مَا قَاتَلُوا عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ،
стр. 1751
وَالشَّارِحُ، وَقَالَا: لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ. وَقَالَا: لَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَا
فَائِدَتَانِ
أَحَدُهُمَا: لَوْ حُزْنَا دَوَابَّهُمْ إلَيْنَا: لَمْ يَجُزْ قَتْلُهَا إلَّا لِلْأَكْلِ. وَلَوْ تَعَذَّرَ حَمْلُ مَتَاعٍ فَتُرِكَ وَلَمْ يُشْتَرَ: فَلِلْأَمِيرِ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ وَإِحْرَاقُهُ. نَصَّ عَلَيْهِمَا. وَإِلَّا حَرُمَ. إذْ مَا جَازَ اغْتِنَامُهُ حَرُمَ إتْلَافُهُ، وَإِلَّا جَازَ إتْلَافُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ. قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: وَلَوْ غَنِمْنَاهُ، ثُمَّ عَجَزْنَا عَنْ نَقْلِهِ إلَى دَارِنَا. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. وَكَذَا إنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ. وَعَنْهُ غَنِيمَةٌ.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ إتْلَافُ كُتُبِهِمْ الْمُبَدَّلَةِ. جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ فِي الْبُلْغَةِ: يَجِبُ إتْلَافُهَا. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يَجِبُ إتْلَافُ كُفْرٍ أَوْ تَبْدِيلٍ.
قَوْلُهُ (وَفِي جَوَازِ إحْرَاقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ: رِوَايَتَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. اعْلَمْ أَنَّ الزَّرْعَ وَالشَّجَرَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إتْلَافِهِ لِغَرَضٍ مَا. فَهَذَا يَجُوزُ قَطْعُهُ وَحَرْقُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
الثَّانِي: مَا يَتَضَرَّرُ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ. فَهَذَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ وَحَرْقُهُ.
الثَّالِثُ: مَا عَدَاهُمَا. فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْخِرَقِيُّ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ.
стр. 1752
وَالْأُخْرَى: لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ إلَّا بِهِ، أَوْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ بِنَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَظْهَرُ. وَقَدَّمَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي الْأَشْهَرِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: لَا يَحْرُقُ شَيْئًا وَلَا بَهِيمَةً إلَّا أَنْ يَفْعَلُوهُ بِنَا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لِأَنَّهُمْ يُكَافَئُونَ عَلَى فِعْلِهِمْ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ) . وَكَذَا هَدْمُ عَامِرِهِمْ. يَعْنِي: أَنَّ رَمْيَهُمْ بِالنَّارِ وَفَتْحَ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ كَحَرْقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا. وَهُوَ إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ. جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ [وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُقْنِعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمْ] .
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا. وَجَزَمَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ بِالْجَوَازِ إذَا عَجَزُوا عَنْ أَخْذِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَحُزْ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا ظَفِرَ بِهِمْ لَمْ يُقْتَلْ صَبِيٌّ، وَلَا امْرَأَةٌ، وَلَا رَاهِبٌ، وَلَا شَيْخٌ فَانٍ، وَلَا زَمِنٌ، وَلَا أَعْمَى. لَا رَأْيَ لَهُمْ، إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا) . قَالَ الْأَصْحَابُ: أَوْ يُحَرِّضُوا. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَيَّدَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَدَمَ قَتْلِ الرَّاهِبِ بِشَرْطِ عَدَمِ مُخَالَطَةِ النَّاسِ. فَإِنْ خَالَفَ قُتِلَ وَإِلَّا فَلَا. وَالْمَذْهَبُ: لَا يُقْتَلُ مُطْلَقًا. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحِ: فِي الْمَرْأَةِ، إذَا انْكَشَفَتْ وَشَتَمَتْ الْمُسْلِمِينَ رُمِيَتْ. وَظَاهِرُ نُصُوصِهِ وَكَلَامِ الْأَصْحَابِ لَا تُرْمَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: غَيْرُ الْمَرْأَةِ مِثْلُهَا إذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يُقْتَلُ غَيْرُ مَنْ سَمَّاهُمْ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ. أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي
стр. 1753
وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ: لَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ، وَلَا الْفَلَاحُ. وَقَالَ فِي الْإِرْشَادِ: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ إلَّا بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَنَقَلَ الْمَرْوَزِيِّ لَا يُقْتَلُ مَعْتُوهٌ مِثْلُهُ لَا يُقَاتِلُ.
فَائِدَةٌ:
الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ. صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي. وَيُقْتَلُ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَلَ. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ. فَيَكُونُ. بِمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَرْمِيَهُمْ، وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ) هَذَا بِلَا نِزَاعٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِالرَّمْيِ: عَدَمُ الْجَوَازِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ رَمْيُهُمْ حَالَ قِيَامِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ تَرْكَهُ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ فِي الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ: فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْجَيْشِ، أَوْ فَوْتُ الْفَتْحِ، رَمْينَا بِقَصْدِ الْكُفَّارِ.
فَائِدَةٌ:
حَيْثُ قُلْنَا لَا يَحْرُمُ الرَّمْيُ. فَإِنَّهُ يَجُوزُ، لَكِنْ لَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ. وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ فِي " فَصْلٌ وَالْخَطَأُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ". وَقَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: يَجِبُ الرَّمْيُ. وَيُكَفِّرُ. وَلَا دِيَةَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَوْ قَالُوا ارْحَلُوا عَنَّا وَإِلَّا قَتَلْنَا أَسَرَاكُمْ، فَلْيَرْحَلُوا عَنْهُمْ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ، إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ السَّيْرِ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ إكْرَاهُهُ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ)
стр. 1754
هَذَا الْمَذْهَبُ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ. وَعَنْهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ مُطْلَقًا. وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي قَتْلِ الْمَرِيضِ. وَفِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ قَتْلِهِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يُخَلِّيهِ وَلَا يَقْتُلُهُ.
فَائِدَةٌ:
يَحْرُمُ قَتْلُ أَسِيرٍ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ، عَلَى. الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ جَوَازَ قَتْلِهِ لِلْمَصْلَحَةِ. كَقَتْلِ بِلَالٍ ﵁ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَعَنَهُ اللَّهُ أَسِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁. وَقَدْ أَعَانَهُ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ. فَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ رَجُلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً عَاقَبَهُ الْأَمِيرُ. وَغَرَّمَهُ ثَمَنَهُ غَنِيمَةً. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَمَنْ قَتَلَ أَسِيرًا قَبْلَ تَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا.
قَوْلُهُ (وَيُخَيَّرُ الْأَمِيرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ بِمُسْلِمٍ أَوْ مَالٍ) يَجُوزُ الْفِدَاءُ بِمَالٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْخِرَقِيِّ، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْقَاضِي فِي كُتُبِهِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ بِمَالٍ. ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ [وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ] وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْبُلْغَةِ.
стр. 1755
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ فِيمَنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الْحُرِّيَّةُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ أَوْ الْفِدَاءُ. وَكَذَا قَالَ فِي الْإِيضَاحِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ فَظَاهِرُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَنُّ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ عَنْ الْخِرَقِيِّ إنَّهُ قَالَ: لَا يُقْبَلُ فِي غَيْرِ مَنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ. الظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْ الْخِرَقِيَّ، أَوْ حَصَلَ سَقْطٌ. فَإِنَّ الْفِدَاءَ مَذْكُورٌ فِي الْخِرَقِيِّ. وَذَكَرَ فِي الِانْتِصَارِ رِوَايَةَ: يُجْبَرُ الْمَجُوسِيُّ عَلَى الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ (إلَّا غَيْرَ الْكِتَابِيِّ، فَفِي اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْبُلْغَةِ وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ.
إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَإِلَيْهِ مِيلُ الْمُصَنِّفِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ. اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالشِّيرَازِيُّ فِي الْإِيضَاحِ. قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: هَذَا أَصَحُّ. وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا. وَقَالَ الشَّارِحُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ. فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ أَخْذِهَا جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ، وَإِلَّا فَلَا.
تَنْبِيهٌ:
مُرَادُهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ: مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ. فَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْمَجُوسُ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. وَمُرَادُهُ بِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ: مَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ وَمَنْ تَبِعَهُمَا، يَحْكُونَ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس. وَأَبُو الْبَرَكَاتِ جَعَلَ مَنَاطَ الْخِلَافِ فِيمَنْ لَا يُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ. فَعَلَى قَوْلِهِ: نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ يَجْرِي فِيهِمْ الْخِلَافُ، لِعَدَمِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ.
следующие страницы →