Полный текст (5 685 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
فَائِدَةٌ: يَتَعَيَّنُ إحْضَارُهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ فِيهِ إنْ حَصَلَ ضَرَرٌ فِي غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: يَبْرَأُ بِبَقِيَّةِ الْبَلَدِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَعِنْدَ غَيْرِهِ إذَا كَانَ فِيهِ سُلْطَانٌ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: إنْ كَانَ الْمَكْفُولُ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ، فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فِيهِ بَرِئَ. وَلَا يَلْزَمُهُ إحْضَارُهُ مِنْهُ إلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ. وَيُمَكِّنُهُ الْحَاكِمُ مِنْ الْإِخْرَاجِ لِيُحَاكِمَ غَرِيمَهُ، ثُمَّ يَرُدَّهُ. هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ، كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: وَإِنْ قِيلَ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِعْلَامُهُ بِمَكَانِهِ لَا يُعَدُّ تَسْلِيمًا. قُلْنَا: بَلْ يُعَدُّ. وَلِهَذَا إذَا دَلَّ عَلَى الصَّيْدِ مُحْرِمًا كَفَّرَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، أَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ سَلَّمَ نَفْسَهُ: بَرِئَ الْكَفِيلُ) . إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ بَرِئَ الْكَفِيلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ تَوَانَى الْكَفِيلُ فِي تَسْلِيمِهِ، حَتَّى مَاتَ أَوْ لَا. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَبْرَأُ مُطْلَقًا. فَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفَائِقِ. وَقِيلَ: إنْ تَوَانَى فِي تَسْلِيمِهِ حَتَّى مَاتَ: لَمْ يَبْرَأْ، وَإِلَّا بَرِئَ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ. فَإِنْ اشْتَرَطَ الْكَفِيلُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ
стр. 2312
إنْ مَاتَ بَرِئَ بِمَوْتِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْكَفِيلَ يَبْرَأُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقِيلَ: لَا يَبْرَأُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ لَا مَالَ عَلَيْهِ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَكْفُولِ بِهَا. فَإِنْ اشْتَرَطَ بَرِئَ، قَوْلًا وَاحِدًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَوْتِ. الثَّانِي: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " أَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى " قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ. صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا إذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ فِي مَحِلِّهِ: فَإِنَّ الْكَفِيلَ يَبْرَأُ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ، مَعَ بَقَائِهِ: لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّيْنُ، أَوْ عِوَضُ الْعَيْنِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَفِي الْمُبْهِجِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَلْزَمُهُ، إنْ امْتَنَعَ بِسُلْطَانٍ. وَأَلْحَقَ بِهِ مُعْسِرًا أَوْ مَحْبُوسًا وَنَحْوَهُمَا، لِاسْتِوَاءِ الْمَعْنَى. وَكَوْنُ الْكَفِيلِ يَضْمَنُ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ إذَا لَمْ يُسَلِّمْهُ: مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: السَّجَّانُ كَالْكَفِيلِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ غَابَ أُمْهِلَ الْكَفِيلُ بِقَدْرِ مَا يَمْضِي فَيُحْضِرُهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ: ضَمِنَ) .
стр. 2313
إذَا مَضَى الْكَفِيلُ لِيُحْضِرَ الْمَكْفُولَ بِهِ، وَتَعَذَّرَ إحْضَارُهُ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا إذَا تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ خِلَافًا وَمَذْهَبًا.
قَوْلُهُ (وَإِذَا طَالَبَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مُدَّةً: لَزِمَهُ ذَلِكَ، إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ، أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ، وَإِلَّا فَلَا) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ إلَّا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ، وَطَالَبَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ بِحُضُورِهِ.
فَائِدَةٌ:
حَيْثُ أَدَّى الْكَفِيلُ مَا لَزِمَهُ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ كَالضَّامِنِ، وَأَنَّهُ لَا يُسَلِّمُهُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ، ثُمَّ يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ. بِخِلَافِ مَغْصُوبٍ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ، لِامْتِنَاعِ بَيْعِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا كَفَلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ، فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَبْرَأْ الْآخَرُ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: أَشْهَرُ الْوَجْهَيْنِ: لَا يَبْرَأُ. وَقِيلَ: يَبْرَأُ الْآخَرُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْكَافِي. وَنَصَرَهُ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ السَّامِرِيِّ فِي فُرُوقِهِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ، وَقَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا إنْ كَفَلَا كَفَالَةَ اشْتِرَاكٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَا " كَفَلْنَا لَك زَيْدًا نُسَلِّمُهُ إلَيْك " فَإِذَا سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَ الْآخَرُ. لِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُلْتَزَمَ وَاحِدٌ. فَهُوَ كَأَدَاءِ أَحَدِ الضَّامِنَيْنِ لِلْمَالِ.
стр. 2314
وَإِنْ كَفَلَا كَفَالَةَ انْفِرَادٍ وَاشْتِرَاكٍ، بِأَنْ قَالَا " كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا كَفِيلٌ لَك بِزَيْدٍ " فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُلْتَزِمٌ لَهُ إحْضَارَهُ، فَلَا يَبْرَأُ بِدُونِهِ، مَا دَامَ الْحَقُّ بَاقِيًا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ. فَهُوَ كَمَا لَوْ كَفَلَا فِي عَقْدَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ. وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي فِي ضَمَانِ الرَّجُلَيْنِ الدَّيْنَ. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ:
لَوْ سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ: بَرِئَ الِاثْنَانِ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَفَلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ، فَأَبْرَأهُ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَبْرَأْ الْآخَرُ) . بِلَا نِزَاعٍ.
فَوَائِدُ إحْدَاهَا: يَصِحُّ أَنْ يَكْفُلَ الْكَفِيلُ كَفِيلًا آخَرَ. فَإِنْ بَرِئَ الْأَوَّلُ بَرِئَ الثَّانِي، وَلَا عَكْسَ. وَإِنْ كَفَلَ الثَّانِيَ ثَالِثٌ: بَرِئَ بِبَرَاءَةِ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ، وَلَا عَكْسَ. فَلَوْ كَفَلَ اثْنَانِ وَاحِدًا، وَكَفَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ آخَرُ، فَأَحْضَرَهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَ هُوَ وَمَنْ تَكَفَّلَ بِهِ، وَبَقِيَ الْآخَرُ وَمَنْ كَفَلَ بِهِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ ضَمِنَ اثْنَانِ دَيْنَ رَجُلٍ لِغَرِيمِهِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا " أَنَا ضَامِنٌ لَك الْأَلْفَ " أَوْ يُطْلِقَ. فَإِنْ قَالَا " كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك الْأَلْفَ " فَهُوَ ضَمَانُ اشْتِرَاكٍ فِي انْفِرَادٍ. فَلَهُ مُطَالَبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْأَلْفِ إنْ شَاءَ. وَلَهُ مُطَالَبَتُهُمَا. وَإِنْ قَضَاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ إلَّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ. وَإِنْ أَطْلَقَا الضَّمَانَ، بِأَنْ قَالَا " ضَمِنَّا لَك الْأَلْفَ " فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَصِ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِحِصَّتِهِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْخِلَافِ، وَالْمُصَنِّفِ، وَقَطَعَ بِهِ الشَّارِحُ. وَقِيلَ: كُلُّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ لِلْجَمِيعِ، كَالْأَوَّلِ. نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا. وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ.
стр. 2315
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهَا احْتِمَالَيْنِ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْقَوَاعِدِ. وَبَنَاهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الضَّامِنَيْنِ، فَيَصِيرُ الضَّمَانُ مُوَزَّعًا عَلَيْهِمَا. وَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَ الْمَضْمُونُ دَيْنًا مُتَسَاوِيًا عَلَى رَجُلَيْنِ. فَهَلْ يُقَالُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِنِصْفِ الدَّيْنَيْنِ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِأَحَدِهِمَا بِانْفِرَادِهِ؟ إذَا قُلْنَا: يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُبْهَمِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ عَلَى اثْنَيْنِ مِائَةٌ لِآخَرَ، فَضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ. فَقَضَاهُ أَحَدُهُمَا نِصْفَ الْمِائَةِ أَوْ أَبْرَأهُ مِنْهُ وَلَا نِيَّةَ. فَقِيلَ: إنْ شَاءَ صَرَفَهُ إلَى الَّذِي عَلَيْهِ بِالْأَصَالَةِ، وَإِنْ شَاءَ صَرَفَهُ إلَى الَّذِي عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الضَّمَانِ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي الرَّهْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ رَهَنَهُ رَجُلَانِ شَيْئًا فَوَفَّاهُ أَحَدُهُمَا ". وَقِيلَ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ أَحَالَ عَلَيْهِمَا لِيَقْبِضَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ: صَحَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجْهًا لَا يَصِحُّ كَحَوَالَتِهِ عَلَى اثْنَيْنِ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ أَبْرَأَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْمِائَةِ، بَقِيَ عَلَى الْآخَرِ خَمْسُونَ أَصَالَةً.
السَّادِسَةُ: لَوْ ضَمِنَ ثَالِثٌ عَنْ أَحَدِهِمَا الْمِائَةَ بِأَمْرِهِ، وَقَضَاهَا: رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِهَا. وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْآخَرِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ كَضَامِنِ الضَّامِنِ.
стр. 2316
السَّابِعَةُ: لَوْ ضَمِنَ مَعْرِفَتَهُ: أُخِذَ بِهِ. نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ.
الثَّامِنَةُ: لَوْ أَحَالَ رَبُّ الْحَقِّ، أَوْ أُحِيلَ، أَوْ زَالَ الْعَقْدُ: بَرِئَ الْكَفِيلُ. وَبَطَلَ الرَّهْنُ. وَيَثْبُتُ لِوَارِثِهِ. ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ. وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي الصُّورَةِ الْأُولَى احْتِمَالَ وَجْهَيْنِ فِي بَقَاءِ الضَّمَانِ. وَنَقَلَ مُهَنَّا فِيهَا: يَبْرَأُ، وَأَنَّهُ إنْ عَجَزَ مُكَاتَبٌ رَقَّ. وَسَقَطَ الضَّمَانُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَوْ أَقَالَهُ فِي سَلَمٍ بِهِ رَهْنٌ حَبَسَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ. جَعَلَهُ أَصْلًا، كَحَبْسِ رَهْنٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ بِالْمُتْعَةِ.
التَّاسِعَةُ: لَوْ خِيفَ مِنْ غَرَقِ السَّفِينَةِ، فَأَلْقَى بَعْضُ مَنْ فِيهَا مَتَاعَهُ فِي الْبَحْرِ لِتَخِفَّ: لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، سَوَاءٌ نَوَى الرُّجُوعَ أَوْ لَا؟ وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مِنْ عِنْدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا نَوَى الرُّجُوعَ. وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ. انْتَهَى.
وَيَجِبُ الْإِلْقَاءُ إنْ خِيفَ تَلَفُ الرُّكَّابِ بِالْغَرَقِ. وَلَوْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ السَّفِينَةِ: أَلْقِ مَتَاعَك. فَأَلْقَاهُ. فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْآمِرِ. وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ وَأَنَا ضَامِنُهُ، ضَمِنَ الْجَمِيعَ. قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَمَنْ بَعْدَهُمَا. وَإِنْ قَالَ: وَأَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ، وَأَطْلَقَ. ضَمِنَ وَحْدَهُ بِالْحِصَّةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَا الشَّارِحُ، وَلَا الْحَارِثِيُّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَضْمَنُهُ الْقَائِلُ وَحْدَهُ. إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَقِيَّتُهُمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا ضَمَانُ حِصَّتِهِ. وَإِنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ وَانْفِرَادٍ بِأَنْ يَقُولَ " كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك مَتَاعَك،
стр. 2317
أَوْ قِيمَتَهُ " ضَمِنَ الْقَائِلُ ضَمَانَ الْجَمِيعِ. سَوَاءٌ كَانُوا يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ فَسَكَتُوا أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا. انْتَهَى.
قَالَ الْحَارِثِيُّ، فِي آخِرِ الْغَصْبِ: وَهُوَ الْحَقُّ. وَإِنْ رَضُوا بِمَا قَالَ: لَزِمَهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ الْوَجْهَانِ. وَإِنْ قَالُوا " ضَمِنَّاهُ لَك " ضَمِنُوا بِالْحِصَّةِ. وَإِنْ قَالُوا " كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنُهُ " ضَمِنَ الْجَمِيعُ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَمَنْ بَعْدَهُمَا. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي ضَمَانِهِمْ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ. وَيَأْتِي فِي آخِرِ الْغَصْبِ بَعْضُ هَذَا، وَمَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا. فَلْيُرَاجَعْ.
الْعَاشِرَةُ: لَوْ قَالَ لِزَيْدٍ " طَلِّقْ زَوْجَتَك. وَعَلَيَّ أَلْفٌ، أَوْ مَهْرُهَا " لَزِمَهُ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ أَيْضًا: لَوْ قَالَ " بِعْ عَبْدَك مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ وَعَلَيَّ مِائَةٌ أُخْرَى " لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَفِيهِ احْتِمَالٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2318
[بَابُ الْحَوَالَةِ]
ِ فَوَائِدُ
إحْدَاهَا: قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ. لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ الْحَقَّ وَتَنْقُلُهُ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ. فَإِنَّ " التَّحَوُّلَ " مُطَاوِعٌ " لِلتَّحْوِيلِ " يُقَالُ: حَوَّلْته فَتَحَوَّلَ.
الثَّانِيَةُ: " الْحَوَالَةُ " عَقْدُ إرْفَاقٍ. تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. وَلَيْسَتْ بَيْعًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. لِجَوَازِهَا بَيْنَ الدَّيْنَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ جِنْسًا وَصِفَةً. وَالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ. اخْتِصَاصِهَا بِجِنْسٍ وَاحِدٍ، وَاسْمٍ خَاصٍّ، وَلُزُومِهَا. وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَبِيعِ. لِعَدَمِ الْعَيْنِ فِيهَا. وَهَذَا الصَّوَابُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ أَشْبَهُ بِكَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ: " الْحَوَالَةُ " هَلْ هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ، أَوْ تَقْبِيضٌ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا بَيْعٌ. فَإِنَّ الْمُحِيلَ يَشْتَرِي مَا فِي ذِمَّتِهِ بِمَا فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. وَجَازَ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ رُخْصَةً. لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الرِّفْقِ. فَيَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَوَالَةَ تُشْبِهُ " الْمُعَاوَضَةَ " مِنْ حَيْثُ إنَّهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ. وَتُشْبِهُ " الِاسْتِيفَاءَ " مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبْرِئُ الْمُحِيلَ، وَيَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ إذَا أَحَالَ بِالثَّمَنِ. وَلِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ ذَلِكَ: أَلْحَقَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِالْمُعَاوَضَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَلْحَقَهَا بَعْضُهُمْ بِالِاسْتِيفَاءِ.
стр. 2319
الثَّالِثَةُ: نَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ بَعَثَ رَجُلًا إلَى رَجُلٍ لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ مِنْهُ دِينَارًا. فَأَخَذَ مِنْهُ أَكْثَرَ قَالَ: الضَّمَانُ عَلَى الْمُرْسِلِ، لِتَغْرِيرِهِ. وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الرَّسُولِ: ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ. أَحَدُهَا: أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ. فَإِنْ أَحَالَ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَوْ السَّلَمِ، أَوْ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) . وَكَذَا لَوْ أَحَالَ عَلَى الْأُجْرَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ (لَمْ تَصِحَّ. وَإِنْ أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ، أَوْ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ: صَحَّ) وَكَذَا لَوْ أَحَالَ بِالْأُجْرَةِ. اعْلَمْ أَنَّ الْحَوَالَةَ تَارَةً تَكُونُ عَلَى مَالٍ. وَتَارَةً تَكُونُ بِمَالٍ. فَإِنْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ عَلَى مَالٍ: فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُسْتَقِرًّا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ بَعْدَ حُلُولِهِ. وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ، لِصِحَّةِ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ، وَالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ وَبِهِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا يَظْهَرُ لِي مَنْعُ الْحَوَالَةِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ. وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ: صِحَّةُ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَعَلَى الْأُجْرَةِ بِالْعَقْدِ. وَإِنْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِمَالٍ: لَمْ يُشْتَرَطْ اسْتِقْرَارُهُ.
وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْكَافِي، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الزَّرْكَشِيّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي غَيْرِهِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ. ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ عَلَى مَا يَأْتِي.
стр. 2320
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُحَالِ بِهِ مُسْتَقِرًّا، كَالْمُحَالِ عَلَيْهِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَجَزَمَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا أَنْ تَكُونَ بِدَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، وَعَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِدَيْنٍ مَعْلُومٍ، يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، مُسْتَقِرًّا عَلَى مُسْتَقِرٍّ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: إنَّمَا تَصِحُّ بِدَيْنٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، مُسْتَقِرًّا فِي الْأَشْهَرِ، عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَتَخْتَصُّ بِدَيْنٍ يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ. وَيُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُهُ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، عَلَى مُسْتَقِرٍّ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ مُسْتَقِرٍّ، وَلَا عَلَى غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ. فَلَا تَصِحُّ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلَا فِي الْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا فِي الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَكَذَلِكَ دَيْنُ الْكِتَابَةِ. عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: تَصِحُّ حَوَالَةُ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَيَبْرَأُ الْعَبْدُ وَيُعْتَقُ، وَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ. انْتَهَى وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ: الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَوَالَةِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَهْرِ، وَالْأُجْرَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، فِي الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَهْرِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ: الدُّيُونُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: دَيْنُ سَلَمٍ، وَدَيْنُ كِتَابَةٍ، وَمَا عَدَاهُمَا. وَهُوَ قِسْمَانِ: مُسْتَقِرٌّ، وَغَيْرُ مُسْتَقِرٍّ. كَثَمَنِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَنَحْوِهِ. فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِدَيْنِ السَّلَمِ، وَلَا عَلَيْهِ. وَتَصِحُّ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ، دُونَ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ. وَيَصِحَّانِ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ مُسْتَقِرِّهَا وَغَيْرِ مُسْتَقِرِّهَا. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ عَلَى غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ بِحَالٍ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.
стр. 2321
وَقِيلَ: وَلَا بِمَا لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَتَبِعَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالسَّامِرِيُّ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ مِنْ الْمَالِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَالْمُحَالِ بِهِ: دَيْنُ السَّلَمِ. فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ وَلَا بِهِ، عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، إلَّا مَا تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ فِي طَرِيقَتِهِ، وَكَلَامِ الزَّرْكَشِيّ.
فَائِدَةٌ: فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَعَلَيْهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِهِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ الْقَبْضِ وَالضَّمَانِ مِنْ الْبُيُوعِ. فَقَالَ: لَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ فَسْخِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ بِحَوَالَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا. وَقِيلَ: يَصِحُّ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ السَّلَمِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
تَنْبِيهٌ: خَرَجَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: لَوْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى حَوَالَةً، بَلْ هُوَ وَكَالَةٌ فِي الْقَبْضِ. وَلَوْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ: فَهُوَ وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ، لَا حَوَالَةٌ. وَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ: فَهُوَ وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ أَيْضًا. فَلَا يُصَارِفُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْمُوجَزِ، وَالتَّبْصِرَةِ: إنْ رَضِيَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ بِالْحَوَالَةِ: صَارَ ضَامِنًا، يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ.
فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (الثَّانِي: اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ) . بِلَا نِزَاعٍ فِي الْجُمْلَةِ. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: عِلْمُ الْمَالِ، وَأَنْ يَكُونَ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ. وَفِي
стр. 2322
غَيْرِ الْمِثْلِيِّ كَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَإِنَّمَا تَصِحُّ بِدَيْنٍ مَعْلُومٍ، يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ. وَأَطْلَقَا فِي إبِلِ الدِّيَةِ الْوَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ فِي الْمَعْدُودِ، وَالْمَذْرُوعِ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: تَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِكُلِّ مَا صَحَّ السَّلَمُ فِيهِ، وَهُوَ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَاتِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مِثْلٌ كَالْأَدْهَانِ، وَالْحُبُوبِ، وَالثِّمَارِ أَوْ لَا مِثْلَ لَهُ، كَالْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ. وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ النَّاظِمُ: تَصِحُّ فِيمَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ. قَالَ الشَّارِحُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَرَّجَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا يُقْضَى بِهِ قَرْضُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ. انْتَهَى.
وَأَمَّا الْإِبِلُ: فَقَالَ الشَّارِحُ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ الدِّيَةِ، وَلَهُ عَلَى آخَرَ مِثْلُهَا فِي السِّنِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِأَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فِي السِّنِّ وَالْقِيمَةِ، وَسَائِرِ الصِّفَاتِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَصِحُّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ دِيَةٍ، وَلَهُ عَلَى آخَرَ مِثْلُهَا قَرْضًا، فَأَحَالَهُ. فَإِنْ قُلْنَا يُرَدُّ فِي الْقَرْضِ قِيمَتُهَا: لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ. لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ. وَإِنْ قُلْنَا يُرَدُّ مِثْلُهَا: اقْتَضَى قَوْلُ الْقَاضِي: صِحَّةَ الْحَوَالَةِ. وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ، فَأَحَالَ الْمُقْرِضُ بِإِبِلٍ: لَمْ يَصِحَّ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ) كَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَنَحْوِهِمَا. وَالصِّفَةِ، كَالصِّحَاحِ بِالصِّحَاحِ وَعَكْسِهِ.
стр. 2323
فَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ دِمَشْقِيَّةٌ بِدَرَاهِمَ عُثْمَانِيَّةٍ: لَمْ تَصِحَّ. قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَذَلِكَ لَا تَصِحُّ عِنْدَ مَنْ أَلْحَقَهَا بِالْمُعَاوَضَةِ. إذْ اشْتِرَاطُ التَّفَاوُتِ فِيهِمَا مُمْتَنِعٌ كَالْقَرْضِ. وَأَمَّا مَنْ أَلْحَقَهَا بِالِاسْتِيفَاءِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ تَفَاوُتًا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ عِنْدَ بَذْلِهِ، كَالْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ: صَحَّتْ. وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَالثَّالِثُ: أَنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ. وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَا رِضَى الْمُحْتَالِ، إذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا) . لَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحْتَالِ إذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. فَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يُعْتَبَرُ رِضَاهُ. ذَكَرَهَا ابْنُ هُبَيْرَةَ وَمَنْ بَعْدَهُ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: فَسَّرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ الْمَلِيءَ، فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ مَلِيئًا بِمَالِهِ وَقَوْلِهِ وَبَدَنِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: أَوْ فِعْلِهِ. وَزَادَ فِي الْكُبْرَى عَلَيْهِمَا: وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَدَاءِ. وَقِيلَ: هُوَ الْمَلِيءُ بِالْقَوْلِ وَالْأَمَانَةِ، وَإِمْكَانِ الْأَدَاءِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ تَفْسِيرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَلِيءَ بِالْمَالِ: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْوَفَاءِ، وَالْقَوْلِ: أَنْ لَا يَكُونَ مُمَاطِلًا. وَالْبَدَنِ: أَنْ يُمْكِنَ حُضُورُهُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
الثَّانِيَةُ: يَبْرَأُ الْمُحِيلُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ. وَلَوْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، أَوْ جَحَدَ، أَوْ مَاتَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي يَعْقُوبُ.
стр. 2324
قَالَ النَّاظِمُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّاظِمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِرِضَى الْمُحْتَالِ. فَإِنْ أَبَى: أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ. لَكِنْ تَنْقَطِعُ الْمُطَالَبَةُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ لَا يَبْرَأُ مُطْلَقًا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَتُفِيدُ الْإِلْزَامَ فَقَطْ. ذَكَرَهَا فِي النُّكَتِ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى.
فَهَذِهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، قَلَّ مَنْ ذَكَرَهَا. وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ: وَمَبْنَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ هَلْ هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ أَوْ تَقْبِيضٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ، لَمْ يُعْتَبَرْ لَهَا قَبُولٌ. وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ تَقْبِيضٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالْقَوْلِ، وَهُوَ قَبُولُهَا. فَيُجْبَرُ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ. انْتَهَى.
فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ لِلْمُحْتَالِ مُطَالَبَةَ الْمُحِيلِ قَبْلَ إجْبَارِ الْحَاكِمِ. وَذَكَرَ أَبُو حَازِمٍ، وَابْنُهُ أَبُو يَعْلَى: لَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ، كَتَعْيِينِهِ كِيسًا فَيُرِيدُ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ ظَنَّهُ مَلِيئًا. فَبَانَ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ: رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا) . هُنَا مَسَائِلُ. الْأُولَى: لَوْ رَضِيَ الْمُحْتَالُ بِالْحَوَالَةِ مُطْلَقًا بَرِئَ الْمُحِيلُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ مُفْلِسٌ، مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا رِضًى مِنْ الْمُحْتَالِ وَهِيَ إحْدَى مَسْأَلَتَيْ الْمُصَنِّفِ رَجَعَ بِلَا نِزَاعٍ. الثَّالِثَةُ: لَوْ رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ. وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْيَسَارَ وَجَهِلَهُ، أَوْ ظَنَّهُ مَلِيئًا، فَبَانَ مُفْلِسًا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ الثَّانِيَةُ: بَرِئَ الْمُحِيلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
стр. 2325
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ: وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَجْهًا. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ، وَنَظْمِهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي النَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقِيلَ: الْخِلَافُ وَجْهَانِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ الْبَنَّا.
الرَّابِعَةُ: لَوْ شَرَطَ الْمُحِيلُ: أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مَلِيءٌ. ثُمَّ تَبَيَّنَ عُسْرَتُهُ: رَجَعَ الْمُحْتَالُ عَلَى الْمُحِيلِ. بِلَا نِزَاعٍ. وَتَقَدَّمَ إذَا أَحَالَهُ عَلَى مَلِيءٍ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، أَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِهِ. فَبَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ) بِلَا نِزَاعٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ: لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ) . إذَا فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ، أَوْ إقَالَةٍ، أَوْ خِيَارٍ، أَوْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَنَحْوِهَا، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ قَبْضِ الْمُحْتَالِ مَالَ الْحَوَالَةِ أَوْ قَبْلَهُ. فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ. قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَهُ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا، وَغَيْرُهُمْ. فَعَلَى هَذَا: لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ، فِي مَسْأَلَتَيْ حَوَالَتِهِ وَالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، لَا عَلَى مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَلَا عَلَى مَنْ أُحِيلَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ: لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ أَيْضًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. سَوَاءٌ أُحِيلَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِ الْمَبِيعِ، أَوْ أَحَالَ بِهِ كَمَا لَوْ أَعْطَى الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَرْضًا. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَالْحُكْمُ عَلَى هَذَا كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى. وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَائِعِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
стр. 2326
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ. وَهُوَ وَجْهٌ. كَمَا لَوْ بَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ اتِّفَاقِهِمَا. وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ وَنَظْمِهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالنَّظْمِ. وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ بِهِ لَا عَلَيْهِ، لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ. وَجَزَمَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ وَغَيْرِهِمْ: بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَهِيَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَأَطْلَقُوا الْوَجْهَيْنِ فِي بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ بِهِ. وَهِيَ الصُّورَةُ الْأُولَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. إلَّا فِي الْكَافِي. فَإِنَّهُ قَدَّمَ بُطْلَانَ الْحَوَالَةِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: هَلْ يَبْطُلُ إذْنُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَالثَّانِي: لَا يَبْطُلُ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَعَلَى وَجْهِ بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَبْضُ. فَإِنْ فَعَلَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَقَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ انْفَسَخَتْ. فَبَطَلَ الْإِذْنُ الَّذِي كَانَ ضِمْنَهَا. وَاحْتَمَلَ أَنْ يَقَعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ وَرَدَ عَلَى خُصُوصِ جِهَةِ الْحَوَالَةِ، دُونَ مَا تَضَمَّنَّهُ الْإِذْنُ. فَيُضَاهِي تَرَدُّدَ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَمْرِ إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ: هَلْ يَبْقَى الْجَوَازُ؟ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بَقَاؤُهُ. وَإِذَا صَلَّى الْفَرْضَ قَبْلَ وَقْتِهِ انْعَقَدَ نَفْلًا. انْتَهَى. قَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا بَطَلَ الْوَصْفُ: هَلْ يَبْطُلُ الْأَصْلُ، أَوْ يَبْطُلُ الْوَصْفُ فَقَطْ؟ .
стр. 2327
وَيَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ. وَهِيَ إذَا بَطَلَ الْخُصُوصُ: هَلْ يَبْطُلُ الْعُمُومُ؟ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. ذَكَرَهَا فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَحَلْتُك. قَالَ: بَلْ وَكَّلْتنِي. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك. قَالَ: بَلْ أَحَلْتنِي. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ.
قَوْله (وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَالَ: أَحَلْتُك، وَادَّعَى أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ: فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ. أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْوَجِيزِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ: لَوْ قَالَ " أَحَلْتُك بِدَيْنِي " وَادَّعَى أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
стр. 2328
وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي هَذِهِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَالَ " أَحَلْتُك بِالْمَالِ الَّذِي قِبَلَ فُلَانٍ " ثُمَّ اخْتَلَفَا. فَقَالَ الْمُحِيلُ: إنَّمَا وَكَّلْتُك فِي الْقَبْضِ لِي. وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ أَحَلْتنِي بِدَيْنِي. فَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ. وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ. وَيَأْتِي عَكْسُهَا. فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَحْلِفُ الْمُحِيلُ. وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ: لَا يَقْبِضُ الْمُحْتَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، لِعَزْلِهِ بِالْإِنْكَارِ. وَفِي طَلَبِ دَيْنِهِ مِنْ الْمُحِيلِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَالْفُرُوعِ. وَقَالَ: لِأَنَّ دَعْوَاهُ الْحَوَالَةَ بَرَاءَةٌ. أَحَدُهُمَا: لَهُ طَلَبُهُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ. وَعَلَى الثَّانِي: يَحْلِفُ الْمُحْتَالُ. وَيَثْبُتُ حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. وَيَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ. وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُحِيلِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ: إنْ كَانَ الْمُحْتَالُ قَدْ قَبَضَ الْحَقَّ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَقَدْ بَرِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ. وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمُحِيلُ طَلَبَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَ أَخْذَهُ مِنْهُ، وَيَمْلِكَ مُطَالَبَتَهُ بِدَيْنِهِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَمَا قَبَضَهُ الْمُحْتَالُ، وَلَمْ يَتْلَفْ: فَلِلْمُحِيلِ أَخْذُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
стр. 2329
وَقِيلَ: يَمْلِكُ الْمُحِيلُ أَخْذَهُ مِنْهُ. وَلَا يَمْلِكُ الْمُحْتَالُ الْمُطَالَبَةَ بِدَيْنِهِ، لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَةِ الْمُحِيلِ مِنْهُ بِالْحَوَالَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. انْتَهَيَا. وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِالْعَكْسِ، بِأَنْ قَالَ الْمُحِيلُ " أَحَلْتُك بِدَيْنِك. فَقَالَ: بَلْ وَكَّلْتنِي " فَفِيهَا الْوَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ. فَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ، فَحَلَفَ: بَرِئَ مِنْ حَقِّ الْمُحْتَالِ. وَلِلْمُحْتَالِ قَبْضُ الْمَالِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحْتَالِ، فَحَلَفَ: كَانَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ، وَمُطَالَبَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. فَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ قَبْلَ أَخْذِهِ مِنْ الْمُحِيلِ، فَلَهُ أَخْذُ مَا قَبَضَ لِنَفْسِهِ. وَإِنْ اسْتَوْفَى مِنْ الْمُحِيلِ دُونَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ: رَجَعَ الْمُحِيلُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا أَصَحُّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَإِنْ كَانَ قَبَضَ الْحَوَالَةَ، فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِتَفْرِيطٍ، أَوْ أَتْلَفَهَا: سَقَطَ حَقُّهُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ. وَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ. فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَسْقُطُ حَقُّهُ أَيْضًا. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ. وَلَيْسَ لِلْمُحِيلِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَحَلْتُك بِدَيْنِك. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ وَجْهًا وَاحِدًا) .
стр. 2330
يَعْنِي: إذَا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، وَادَّعَى أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْوَكَالَةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: الْحَوَالَةُ عَلَى مَالِهِ فِي الدِّيوَانِ إذْنٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ. وَلِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ وَمُطَالَبَةُ مُحِيلِهِ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ مَسْأَلَةَ الْمُقَاصَّةِ هُنَا. وَذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ فِي آخِرِ السَّلَمِ. وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ، وَذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي آخِرِ بَابِ السَّلَمِ فَلْيُعَاوَدْ.
[بَابُ الصُّلْحِ]
ِ فَائِدَةٌ: " الصُّلْحُ " عِبَارَةٌ عَنْ مُعَاقَدَةٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى إصْلَاحٍ بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: هُوَ الْمُوَافَقَةُ بَعْدَ الْمُنَازَعَةِ. انْتَهَى.
وَ " الصُّلْحُ " أَنْوَاعٌ: صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ. وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ. وَصُلْحٌ بَيْنَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْعَدْلِ. وَيَأْتِي. وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا، أَوْ خَافَتْ الزَّوْجَةُ إعْرَاضَ زَوْجِهَا عَنْهَا. وَيَأْتِي أَيْضًا. وَبَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ فِي غَيْرِ الْمَالِ، أَوْ فِي الْمَالِ. وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. وَهُوَ قِسْمَانِ: صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَصُلْحٌ عَلَى الْإِنْكَارِ. وَقِسْمٌ بِالْمَالِ. وَهُوَ الصُّلْحُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ. قَوْلُهُ فِي صُلْحِ الْإِقْرَارِ (أَحَدُهُمَا: الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ، مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ. فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَيْنٍ. فَيَهَبُ لَهُ بَعْضَهَا،
стр. 2331
وَيَأْخُذَ الْبَاقِي. فَيَصِحُّ إنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ. مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِيَ، أَوْ يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ) . إذَا أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ بِعَيْنٍ، فَوَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ وَهَبَ لَهُ بَعْضَهَا، وَمِنْ غَيْرِ شَرْطٍ: فَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إبْرَاءٌ. وَالثَّانِيَ هِبَةٌ بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ لَا يَصِحُّ بِلَفْظِ " الصُّلْحِ " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ. قَالَ فِي الْفَرْعِ: لَا بِلَفْظِ " الصُّلْحِ " عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ. وَهُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَغَيْرِهِمَا. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: وَمَنْ اعْتَرَفَ بِحَقٍّ فَصَالَحَ عَلَى بَعْضِهِ، لَمْ يَكُنْ صُلْحًا؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ. وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ. وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى. انْتَهَى. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ يَصِحُّ بِلَفْظِ " الصُّلْحِ " وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُوجَزِ، وَالتَّبْصِرَةِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا فِي خِصَالِهِ.
فَائِدَةٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِقْرَارِ لَا يُسَمَّى صُلْحًا. وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَسَمَّاهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ صُلْحًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: وَالْخِلَافُ فِي التَّسْمِيَةِ. وَأَمَّا الْمَعْنَى: فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَصُورَتُهُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَهُمْ: أَنْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِعَيْنٍ، فَيُعَاوِضُهُ عَنْهَا، أَوْ يَهَبَهُ بَعْضَهَا، أَوْ بِدَيْنٍ. فَيُبْرِئَهُ مِنْ بَعْضِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَيَصِحُّ إنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، وَلَا امْتِنَاعَ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ بِدُونِهِ. انْتَهَى. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ " إنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ " لَهُ صُورَتَانِ. إحْدَاهُمَا: أَنْ يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ. فَالصُّلْحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: بَاطِلٌ، قَوْلًا وَاحِدًا.
стр. 2332
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِيَ أَوْ كَذَا. وَمَا أَشْبَهَهُ. فَالصُّلْحُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَاطِلٌ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ. وَقِيلَ: يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، كَالْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ لَهُ وَنَحْوِهِمَا) إلَّا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ. بِلَا نِزَاعٍ فِيهِمَا. وَقَوْلُهُ (وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، إلَّا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ) . هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ أَيْضًا. قَطَعَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ.
فَائِدَةٌ:
يَصِحُّ الصُّلْحُ عَمَّا ادَّعَى عَلَى مُوَلِّيهِ، وَبِهِ بَيِّنَةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ (وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْمُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا: لَمْ يَصِحَّ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَفِي الْإِرْشَادِ، وَالْمُبْهِجِ: رِوَايَةٌ يَصِحُّ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ هُنَا. وَكَدَيْنِ الْكِتَابَةِ. جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ. وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ. وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عُمُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الْحَالِّ، وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ: صَحَّ الْإِسْقَاطُ دُونَ التَّأْجِيلِ) .
стр. 2333
أَمَّا الْإِسْقَاطُ: فَيَصِحُّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الْإِسْقَاطُ. وَأَمَّا التَّأْجِيلُ: فَلَا يَصِحُّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ. وَعَنْهُ يَصِحُّ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ رِوَايَةً: بِتَأْجِيلِ الْحَالِّ فِي الْمُعَاوَضَةِ، لَا التَّبَرُّعِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا هَذِهِ الرِّوَايَةُ. وَأَطْلَقَ فِي التَّلْخِيصِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي صِحَّةِ الصُّلْحِ. ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ: فِي الْبَرَاءَةِ. وَهُوَ الْإِسْقَاطُ. فَأَمَّا الْأَجَلُ فِي الْبَاقِي: فَلَا يَصِحُّ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ. انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ قَالُوا: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. فَقَالَ:
وَالدَّيْنُ إنْ يُوصَفْ بِالْحُلُولِ ... فَالصُّلْحُ لَا يَصِحُّ فِي الْمَنْقُولِ
عَلَيْهِ بِالْبَعْضِ مَعَ التَّأْجِيلِ ... رَجَّحَهُ الْجُمْهُورُ بِالدَّلِيلِ
وَقَالَ بِالْجَزْمِ بِهِ فِي الْكَافِي ... وَفَصَّلَ الْمُقْنِعُ لِلْخِلَافِ
فَصَحِّحْ الْإِسْقَاطَ دُونَ الْأَجَلِ ... وَذَاكَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ يَنْجَلِي
انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: مِثْلُ ذَلِكَ خِلَافًا وَمَذْهَبًا: لَوْ صَالَحَهُ عَنْ مِائَةِ صِحَاحٍ بِخَمْسِينَ مُكَسَّرَةً، هَلْ هُوَ: إبْرَاءٌ مِنْ الْخَمْسِينَ. أَوْ وَعْدٌ فِي الْأُخْرَى؟
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَ عَنْ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، مِثْلُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَإِ، أَوْ عَنْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا: لَمْ يَصِحَّ) .
стр. 2334
وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: الصِّحَّةَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ كَعِوَضٍ وَكَالْمِثْلِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ تَأْجِيلُ الْقِيمَةِ. قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا: رِوَايَةً بِالصِّحَّةِ فِيمَا إذَا صَالَحَ عَنْ الْمِائَةِ الثَّابِتَةِ الْإِتْلَافِ بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَهُ بِعَرَضٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا: صَحَّ فِيهِمَا) . بِلَا نِزَاعٍ.
فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلِيًّا، مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ. وَإِنْ صَالَحَ عَنْ قِيمَةِ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا: جَازَ. قَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ، كَكَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَ إنْسَانًا لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، أَوْ امْرَأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ: لَمْ يَصِحَّ) . بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَإِنْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةَ إلَى الْمُدَّعِي مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ: صَحَّ) . أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ دَفَعَتْ مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ عَلَيْهَا الزَّوْجِيَّةَ: لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ. وَكَلَامُهُمْ كَكَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَغَيْرِهِ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَغَيْرِهِ.
стр. 2335
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَمَتَى صَالَحَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ ثَبَتَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِإِقْرَارِهَا، أَوْ بِبَيِّنَةٍ. فَإِنْ قُلْنَا: الصُّلْحُ بَاطِلٌ. فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ صَحِيحٌ. احْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْضًا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَاحْتَمَلَ أَنْ تَبِينَ مِنْهُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ نِكَاحِهَا، فَكَانَ خُلْعًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، أَوْ أَقَلَّ، فَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ، لِتَتْرُكَ دَعْوَاهَا: لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ دَفَعَتْ إلَيْهِ مَالًا لِيُقِرَّ بِطَلَاقِهَا: لَمْ يَجُزْ. فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. قُلْت: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَفِي الْآخَرِ: يَجُوزُ كَمَا لَوْ بَذَلَتْهُ لِيُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا. قُلْت: يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ. وَيَحْرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُصَالِحَهُ عَنْ الْحَقِّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ. فَإِنْ كَانَ بِأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ، فَهُوَ صَرْفٌ) . يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّرْفِ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْأَثْمَانِ فَهُوَ بَيْعٌ) . أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ بِلَفْظِ " الصُّلْحِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ. وَقَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَفِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِلَفْظِ الصُّلْحِ تَرَدُّدٌ. يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ. وَعَلَّلَهُمَا. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
стр. 2336
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ الصُّلْحُ عَنْ دَيْنٍ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُطْلَقًا. وَيَحْرُمُ بِجِنْسِهِ بِأَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ. وَتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: لَوْ صَالَحَ بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ: حَرُمَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَهُ بِمَنْفَعَةٍ، كَسُكْنَى دَارٍ. فَهُوَ إجَارَةٌ. تَبْطُلُ بِتَلَفِ الدَّارِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ) . قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ، وَالْمُحَرَّرِ: لَوْ صَالَحَ الْوَرَثَةُ مَنْ وُصِّيَ لَهُ بِخِدْمَةٍ أَوْ سُكْنَى، أَوْ حَمْلِ أَمَةٍ، بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ: جَازَ لَا بَيْعًا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَتْ الْمَرْأَةُ بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا: صَحَّ. فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيْبٍ فِي مَبِيعِهَا. فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ: رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ لَا بِمَهْرِهَا) . وَهَكَذَا رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ قُرِئَتْ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَالْمُصَنِّفُ مُمْسِكٌ لِلْأَصْلِ، وَعَلَيْهَا خَطُّهُ. وَكَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ " فَبَانَ صَحِيحًا ". وَفِي مُنَوَّرِ الْأَدَمِيِّ وَمُنْتَخَبِهِ " فَبَانَ أَنْ لَا عَيْبَ ". وَفِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ " فَبَانَ بِخِلَافِهِ " وَعَلَيْهَا شَرْحُ الشَّارِحِ فَمَفْهُومُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهِ عَيْبٌ حَقِيقَةً، ثُمَّ زَالَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْوَجِيزِ: بِلَا خِلَافٍ. وَوُجِدَ فِي نُسَخٍ " فَزَالَ، أَيْ الْعَيْبُ " وَكَذَا فِي الْكَافِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. فَظَاهِرُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ: أَنَّهُ إنْ كَانَ بِهِ عَيْبٌ حَقِيقَةً. ثُمَّ زَالَ، كَالْحُمَّى مَثَلًا، وَالْمَرَضِ، وَنَحْوِهِمَا.
стр. 2337
لَكِنْ أَوَّلَهُ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ: مَعْنَى " زَالَ " تَبَيَّنَ. وَذَكَرَ أَنَّهُ لِمَصْلَحَةٍ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي إصْلَاحِهِ، كَالنُّسْخَةِ الْأُولَى. وَمَثَّلَهُ: بِمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ أَمَةً ظَنَّهَا حَامِلًا لِانْتِفَاخِ بَطْنِهَا. ثُمَّ زَالَ. وَقَالَ: صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ. ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى هَذَا: إنْ كَانَ مَوْجُودًا أَيْ: الْعَيْبُ عِنْدَ الْعَقْدِ، ثُمَّ زَالَ. كَمَبِيعِ طَيْرٍ مَرِيضًا. فَتَعَافَى: لَا شَيْءَ لَهَا. وَزَوَالُ الْعَيْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ حَالَ الْعَقْدِ: لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَرْشِ. لَكِنَّ تَأْوِيلَهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالنَّظْمِ. فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الصُّورَتَيْنِ. وَجَعَلُوا حُكْمَهُمَا وَاحِدًا. إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ. فَهُنَا صُورَتَانِ. إحْدَاهُمَا: إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ. فَهَذِهِ لَا نِزَاعَ فِيهَا فِي رَدِّ الْأَرْشِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ الْعَيْبُ مَوْجُودًا ثُمَّ زَالَ. فَهَذِهِ مَحَلُّ الْكَلَامِ وَالْخِلَافِ. فَحَكَى فِي الرِّعَايَتَيْنِ فِيهَا وَجْهَيْنِ. وَزَادَ فِي الْكُبْرَى قَوْلًا ثَالِثًا.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَيْثُ زَالَ يُرَدُّ الْأَرْشُ. وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْكَافِي، وَالْفُرُوعِ. لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ " فَزَالَ ". وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَرْشَ قَدْ اسْتَقَرَّ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَلَوْ زَالَ الْعَيْبُ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ. وَهَذَا ظَاهِرُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُقْنِعِ فِي نُسْخَةٍ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ " فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ " اخْتَارَهُ ابْنُ مُنَجَّى. وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَا خِلَافَ فِيهِ. وَكَأَنَّهُ مَا اطَّلَعَ عَلَى كَلَامِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَلَنَا قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي الْمَسْأَلَةِ: اخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الْكُبْرَى.
стр. 2338
فَقَالَ، قُلْت: إنْ زَالَ الْعَيْبُ وَالْعَقْدُ جَائِزٌ أَخَذَهُ، وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى.
قُلْت: وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ. وَيُزَادُ " إذَا زَالَ سَرِيعًا عُرْفًا " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَعْدَهُ: الْقَوْلُ بِعَدَمِ الرَّدِّ. وَالْقَوْلُ بِالرَّدِّ مُطْلَقًا إذَا زَالَ الْعَيْبُ بَعِيدٌ. إذْ لَا بُدَّ مِنْ حَدٍّ يُرَدُّ فِيهِ. ثُمَّ وَجَدْته فِي النَّظْمِ قَالَ " إذَا زَالَ سَرِيعًا " فَحَمِدْت اللَّهَ عَلَى مُوَافَقَةِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ الْمَجْهُولِ بِمَعْلُومٍ، إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ لِلْحَاجَةِ) . سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، أَوْ كَانَ الْجَهْلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ مِمَّنْ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَغَيْرِهِمَا: عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي صُلْحِ الْمَجْهُولِ، وَالْإِنْكَارَ مِنْ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ. وَخَرَّجَهُ فِي التَّبْصِرَةِ مِنْ الْإِبْرَاءِ مِنْ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمَاهُ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ عَنْ أَعْيَانٍ مَجْهُولَةٍ. لِكَوْنِهِ إبْرَاءً. وَهِيَ لَا تَقْبَلُهُ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ. وَاخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَقَالَ: قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ الْكَبِيرِ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْمَجْهُولِ: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْهُ. وَهُوَ صَحِيحٌ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ كَالْبَيْعِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَغَيْرِهِ. وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ كَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَقَدْ نَزَّلَ أَصْحَابُنَا الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ الْمُقَرِّ بِهِ بِمَعْلُومٍ مَنْزِلَةَ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ. فَيَصِحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِقَطْعِ النِّزَاعِ.
стр. 2339
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الْمَجْهُولِ، فَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْهُ.
فَائِدَةٌ: حَيْثُ قُلْنَا: يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ الْمَجْهُولِ. فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ.
قَوْلُهُ (الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ عَيْنًا، أَوْ دَيْنًا. فَيُنْكِرَهُ أَوْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ. فَيَصِحُّ، وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي. حَتَّى إنْ وَجَدَ بِمَا أَخَذَهُ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الصُّلْحِ، وَإِنْ كَانَ شِقْصًا مَشْفُوعًا: ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ) . وَإِنْ صَالَحَ بِبَعْضِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَى بِهَا، فَهُوَ فِيهِ كَالْمُنْكِرِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ خِلَافٌ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَهُوَ كَالْمُنْكِرِ. وَفِي صِحَّتِهِ احْتِمَالَانِ. (وَيَكُونُ إبْرَاءً فِي حَقِّ الْآخَرِ. فَلَا يُرَدُّ مَا صَالَحَ عَنْهُ بِعَيْبٍ وَلَا يُؤْخَذُ بِشُفْعَةٍ) . اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: صِحَّةُ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ الْإِنْكَارِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَثْبُتُ فِيهِ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. لَكِنْ قَالَ فِي الْإِرْشَادِ: يَصِحُّ هَذَا الصُّلْحُ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُلْجَأٌ إلَى التَّأْخِيرِ بِتَأْخِيرِ خَصْمِهِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالتَّرْغِيبِ: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّ أَحْكَامَ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ لَا تَثْبُتُ فِي هَذَا الصُّلْحِ، إلَّا فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْبَيْعِ، مِنْ شُفْعَةٍ عَلَيْهِ، وَأَخْذِ زِيَادَةٍ، مَعَ اتِّحَادِ جِنْسِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ وَالْمُصَالَحِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَهُ أَخْذُ حَقِّهِ بِدُونِهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَ.
стр. 2340
وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: إذَا صَالَحَهُ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ بِتَأْخِيرٍ: جَازَ. وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: الصُّلْحُ جَائِزٌ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ وَمَعْنَاهُ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ. فَإِنَّهُ قَالَ: الصُّلْحُ بِالنَّسِيئَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ مُهَنَّا: يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ صُلْحًا بِتَأْخِيرٍ. فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُ لَمْ يُطَالِبْهُ بِالْبَقِيَّةِ. انْتَهَى.
قُلْت: مِمَّنْ قَطَعَ بِصِحَّةِ صُلْحِ الْإِنْكَارِ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ: ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ وَذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى. وَاقْتَصَرُوا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَ عَنْ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إذْنِهِ: صَحَّ) . إذَا صَالَحَ عَنْ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ، فَتَارَةً يَكُونُ الْمُدَّعَى بِهِ دَيْنًا، وَتَارَةً يَكُونُ عَيْنًا. فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ دَيْنًا: صَحَّ الصُّلْحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ لِغَيْرِ الْمَدْيُونِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَإِنْ كَانَ عَيْنًا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمُنْكِرَ وَكَّلَهُ. فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: صِحَّةُ الصُّلْحِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إنْ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ وَكَّلَهُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) . قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَظْهَرُهُمَا لَا يَرْجِعُ. وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ.
стр. 2341
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَرَجَعَ إنْ كَانَ أَذِنَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَرْجِعُ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمَنْ تَبِعَهُ: وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ الثَّابِتَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذَا التَّخْرِيجُ لَا يَصِحُّ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالتَّخْرِيجُ بَاطِلٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ لِنَفْسِهِ لِتَكُونَ الْمُطَالَبَةُ لَهُ، غَيْرَ مُعْتَرِفٍ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، أَوْ مُعْتَرِفًا بِهَا، عَالِمًا بِعَجْزِهِ عَنْ اسْتِنْقَاذِهَا: لَمْ يَصِحَّ) إذَا لَمْ يَعْتَرِفْ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. وَإِنْ اعْتَرَفَ لَهُ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، وَكَانَ الْمُدَّعَى بِهِ دَيْنًا: لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَيْنًا. فَقَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّك صَادِقٌ، فَصَالِحْنِي عَنْهَا. فَإِنِّي قَادِرٌ عَلَى اسْتِنْقَاذِهَا مِنْ الْمُنْكِرِ: صَحَّ الصُّلْحُ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ انْتِزَاعِهِ: فَلَهُ الْفَسْخُ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَيُحْكَى أَنَّهُ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ. تَبَيَّنَ أَنَّ الصُّلْحَ كَانَ فَاسِدًا. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَغَيْرِهِمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ. وَلَوْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ لِيَكُونَ الْحَقُّ لَهُ، مَعَ تَصْدِيقِهِ الْمُدَّعِي فَهُوَ شِرَاءُ دَيْنٍ أَوْ مَغْصُوبٍ. تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ الصَّوَابُ.
стр. 2342
وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ فِي آخِرِ بَابِ السَّلَمِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ الْمُسْتَقِرِّ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ ".
قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ الْقِصَاصِ بِدِيَاتٍ، وَبِكُلِّ مَا يُثْبِتُ مَهْرًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ بِمُبْهَمٍ مِنْ أَعْيَانٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيُحْتَمَلُ مَنْعُ صِحَّةِ الصُّلْحِ بِأَكْثَرَ مِنْهَا. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بِالْعَفْوِ وَالْمُصَالَحَةِ. فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ مِنْ الْجِنْسِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَالتَّلْخِيصِ: يَصِحُّ بِمَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ إذَا قُلْنَا: يَجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا. أَوْ اخْتَارَهُ الْوَلِيُّ، عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ أَحَدِ شَيْئَيْنِ. وَقِيلَ: الِاخْتِيَارُ يَصِحُّ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدِّيَةِ. وَلَا يَصِحُّ عَلَى جِنْسِهَا إلَّا بَعْدَ تَعْيِينِ الْجِنْسِ مِنْ إبِلٍ أَوْ غَنَمٍ حَذَرًا مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَرِبَا الْفَضْلِ. انْتَهَى.
وَتَابَعَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ، وَجَمَاعَةٌ. وَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ بَابِ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ. وَتَقَدَّمَ الصُّلْحُ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا.
فَوَائِدُ: الْأُولَى: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَصِحُّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا. وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ. قُلْت: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ الْقَوَدِ بِمَا يُثْبِتُ مَهْرًا وَيَكُونُ حَالًّا فِي حَالِ الْقَاتِلِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ صَالَحَ عَنْ الْقِصَاصِ بِعَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَخَرَجَ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا: رَجَعَ
стр. 2343
بِقِيمَتِهِ. وَلَوْ عَلِمَا كَوْنَهُ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا، أَوْ كَانَ مَجْهُولًا، كَدَارٍ وَشَجَرَةٍ. بَطَلَتْ التَّسْمِيَةُ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ، أَوْ أَرْشُ الْجُرْحِ. وَإِنْ صَالَحَ عَلَى حَيَوَانٍ مُطْلَقٍ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ: صَحَّ وَوَجَبَ الْوَسَطُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَخَرَجَ بُطْلَانُهُ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ صَالَحَ عَنْ دَارٍ وَنَحْوِهَا بِعِوَضٍ. فَبَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا: رَجَعَ بِالدَّارِ وَنَحْوِهَا، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ هُنَا بَيْعٌ حَقِيقَةً، إذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إقْرَارٍ. وَإِنْ كَانَ عَنْ إنْكَارٍ: رَجَعَ بِالدَّعْوَى. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، قُلْت: أَوْ قِيمَتِهِ مَعَ الْإِنْكَارِ. وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ قَوْلًا؛ لِأَنَّهُ فِيهِ بَيْعٌ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَ سَارِقًا) . وَكَذَا شَارِبًا لِيُطْلِقَهُ، أَوْ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ، أَوْ لِئَلَّا يَشْهَدَ عَلَيْهِ، أَوْ لِيَشْهَدَ بِالزُّورِ، أَوْ شَفِيعًا عَنْ شُفْعَتِهِ، أَوْ مَقْذُوفًا عَنْ حَدِّهِ: لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ بِعِوَضٍ عَنْ خِيَارٍ. قَوْلُهُ (وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَتَسْقُطُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَا تَسْقُطُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَتَسْقُطُ فِي وَجْهٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ.
стр. 2344
وَأَمَّا سُقُوطُ حَدِّ الْقَذْفِ: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ وَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ. وَغَيْرِهِمْ. وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ: هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. يَأْتِيَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَائِلِ بَابِ الْقَذْفِ. فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، لَمْ يَسْقُطْ، وَإِلَّا سَقَطَ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ. فَيَسْقُطُ الْحَدُّ هُنَا، عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ فِي الْأَصَحِّ. وَكَذَا الْخِلَافُ فِي سُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ. وَقِيلَ: إنْ جُعِلَ حَقَّ آدَمِيٍّ سَقَطَ، وَإِلَّا وَجَبَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُجْرِيَ عَلَى أَرْضِهِ أَوْ سَطْحِهِ مَاءً مَعْلُومًا: صَحَّ) . بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. لَكِنْ إنْ صَالَحَهُ بِعِوَضٍ. فَإِنْ كَانَ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ: فَهِيَ إجَارَةٌ، وَإِلَّا بَيْعٌ. وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى مَوْضِعِ قَنَاةٍ مِنْ أَرْضِهِ يَجْرِي فِيهَا مَاءٌ وَبِبِنَاءِ مَوْضِعِهَا، وَعَرْضِهَا وَطُولِهَا: جَازَ. وَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِ عُمْقِهِ. وَيُعْلَمُ قَدْرُ الْمَاءِ بِتَقْدِيرِ السَّاقِيَةِ. وَمَاءُ مَطَرٍ: بِرُؤْيَةِ مَا يَزُولُ عَنْهُ الْمَاءُ وَمِسَاحَتُهُ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ مَا يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ، لَا قَدْرُ الْمُدَّةِ لِلْحَاجَةِ كَالنِّكَاحِ.
[فَوَائِدُ]
ُ الْأُولَى: إذَا أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ مَاءً فِي أَرْضِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى أَرْضِهِ. لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا، إنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ وَلَا ضَرُورَةٌ. بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنْ كَانَ مَضْرُورًا إلَى ذَلِكَ: لَمْ يَجُزْ أَيْضًا إلَّا بِإِذْنِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
стр. 2345
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالشَّارِحُ: هَذَا أَقْيَسُ وَأَوْلَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ يَجُوزُ، وَلَوْ مَعَ حَفْرٍ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يَجُوزُ فِعْلُ ذَلِكَ إلَّا لِلضَّرُورَةِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَالْوَجِيزِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ. وَصَاحِبُ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: إنَّمَا حَكَوْا الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْحَاجَةِ. وَأَطْلَقَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي حَفْرِ بِئْرٍ، أَوْ إجْرَاءِ نَهْرٍ أَوْ قَنَاةٍ. نَقَلَ أَبُو الصَّقْرِ: إذَا أَسَاحَ عَيْنًا تَحْتَ أَرْضٍ، فَانْتَهَى حَفْرُهُ إلَى أَرْضٍ لِرَجُلٍ أَوْ دَارٍ: فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ ظَهْرِ الْأَرْضِ وَلَا بَطْنِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ فِي يَدِهِ بِإِجَارَةٍ، جَازَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهَا فِي سَاقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ لَا تُجَاوِزُ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ السَّاقِيَةُ مَحْفُورَةً: لَمْ تَجُزْ الْمُصَالَحَةُ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَا حُكْمُ الْمُسْتَعِيرِ. وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الصُّلْحُ عَلَى إجْرَاءِ مَاءِ الْمَطَرِ عَلَى سَطْحٍ. وَفِيهِ عَلَى أَرْضٍ بِلَا ضَرَرٍ احْتِمَالَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْجَوَازِ. ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَدَّمَهُ. وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي فِي يَدِهِ وَقْفًا. فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ كَالْمُسْتَأْجِرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
стр. 2346
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يَجُوزُ لَهُ حَفْرُ السَّاقِيَةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ، مَا لَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ أَنَّ الْبَابَ، وَالْخَوْخَةَ وَالْكُوَّةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ: لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي دَارٍ مُؤَجَّرَةٍ. وَفِي مَوْقُوفَةٍ: الْخِلَافُ، أَوْ يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَلَّمًا لَمْ يُفِدْ. وَظَاهِرُهُ: لَا تُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ وَإِذْنُ الْحَاكِمِ. بَلْ عَدَمُ الضَّرَرِ، وَأَنَّ إذْنَهُ يُعْتَبَرُ لِرَفْعِ الْخِلَافِ. وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْوَقْفِ. وَفِيهِ إذْنُهُ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ الْمَأْذُونِ الْمُمْتَازِ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ، فَلِمَصْلَحَةِ الْمَوْقُوفِ أَوْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْلَى. وَهُوَ مَعْنَى نَصِّهِ فِي تَجْدِيدِهِ لِمَصْلَحَةٍ. وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ فِي تَغْيِيرِ صِفَاتِ الْوَقْفِ لِمَصْلَحَةٍ. كَالْحَكُّورَةِ. وَعَمِلَهُ حُكَّامُ الشَّامِ حَتَّى صَاحِبُ الشَّرْحِ فِي الْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ. وَقَدْ زَادَ عُمَرُ وَعُثْمَانَ ﵄ فِي مَسْجِدهِ ﷺ وَغَيَّرَا بِنَاءَهُ. ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ وَزَادَ فِيهِ أَبْوَابًا. ثُمَّ الْمَهْدِيُّ. ثُمَّ الْمَأْمُونُ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ صَالَحَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ مِنْ نَهْرٍ لِرَجُلٍ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ مِنْ عَيْنِهِ. وَقَدَّرَهُ بِشَيْءٍ يُعْلَمُ بِهِ: لَمْ يَجُزْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. فَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَيْهِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَمَالَا إلَيْهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
الرَّابِعَةُ: إذَا صَالَحَهُ عَلَى سَهْمٍ مِنْ الْعَيْنِ. أَوْ النَّهْرِ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَنَحْوِهِمَا جَازَ. وَكَانَ بَيْعًا لِلْقَرَارِ، وَالْمَاءُ تَابِعٌ لَهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ.
стр. 2347
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَمَرًّا فِي دَارٍ وَمَوْضِعًا فِي حَائِطِهِ يَفْتَحُهُ بَابًا، وَبُقْعَةً يَحْفِرُهَا بِئْرًا، وَعُلُوَّ بَيْتٍ يَبْنِي عَلَيْهِ بُنْيَانًا مَوْصُوفًا) بِلَا نِزَاعٍ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي وَضْعِ خَشَبٍ أَوْ بِنَاءٍ يَجُوزُ إجَارَةً، مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَيَجُوزُ صُلْحًا أَبَدًا. قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ: لَمْ يَجُزْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى. أَحَدُهُمَا يَجُوزُ أَيْ يَصِحُّ إذَا وَصَفَ الْعُلْوَ وَالسُّفْلَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ يَصِحُّ إذَا كَانَ مَعْلُومًا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنِ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَيْ لَا يَصِحُّ قَالَهُ الْقَاضِي. وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ. فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي كَلَامِهِ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ. وَهُنَا مُصَرَّحٌ بِهِ. وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ هُنَاكَ. وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَهَا هُنَا. وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ بِالصُّلْحِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ كَالْبَيْعِ هُنَا. فَالنَّقْلُ فِيهَا مِنْ الْمَكَانَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: حَيْثُ صَحَّحْنَا ذَلِكَ. فَمَتَى زَالَ فَلَهُ إعَادَتُهُ مُطْلَقًا، وَيَرْجِعُ بِأُجْرَةٍ مُدَّةَ زَوَالِهِ عَنْهُ. وَفِي الصُّلْحِ: عَلَى زَوَالِهِ، وَعَدَمِ عَوْدِهِ.
فَائِدَةٌ: حُكْمُ الْمُصَالَحَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: حُكْمُ الْبَيْعِ. لَكِنْ قَالَ فِي الْفُنُونِ: فَإِذَا فَرَغَتْ الْمُدَّةُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْجِدَارِ مُطَالَبَتُهُ. بِقَلْعِ خَشَبِهِ. قَالَ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ كَإِعَارَتِهِ لِذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ حُكْمِ الْعُرْفِ. لِأَنَّ الْعُرْفَ وَضْعُهَا لِلْأَبَدِ. فَهُوَ كَإِعَارَةِ الْأَرْضِ لِلدَّفْنِ.
стр. 2348
ثُمَّ إمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ إلَى حِينِ نَفَادِ الْخَشَبِ، لِأَنَّهُ الْعُرْفُ فِيهِ. كَالزَّرْعِ إلَى حَصَادِهِ، لِلْعُرْفِ فِيهِ، أَوْ يُجَدِّدُ أُجْرَةً بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَهِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ بِالدَّوَامِ بِلَا عَقْدٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ حَصَلَ فِي هَوَائِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ فَطَالَبَهُ بِإِزَالَتِهَا لَزِمَهُ. فَإِنْ أَبَى فَلَهُ قَطْعُهَا) . قَالَ الْأَصْحَابُ: لَهُ إزَالَتُهَا بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: فَإِنْ أَبَى لَوَاهُ، إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَلَهُ قَطْعُهُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ. وَقَالَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: يَقْطَعُهُ هُوَ؟ قَالَ: لَا. يَقُولُ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَقْطَعَهُ.
فَائِدَةٌ: إذَا حَصَلَ فِي مِلْكِهِ أَوْ هَوَائِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةٍ: لَزِمَ الْمَالِكَ إزَالَتُهُ إذَا طَالَبَهُ بِذَلِكَ. بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ إزَالَتِهِ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُجْبَرُ. وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ فِي عَدَمِ الْإِجْبَارِ. وَالثَّانِي: يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهِ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ، إنْ أُمِرَ بِإِزَالَتِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ. وَكَذَا قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ: لَمْ يَجُزْ) . وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يَجُوزُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا صِحَّتُهُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ
стр. 2349
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ. وَقِيلَ: إنْ صَالَحَهُ عَنْ رَطْبَةٍ: لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا جَازَ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَقَدَّمَ فِي التَّلْخِيصِ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي الرَّطْبَةِ، لِأَنَّهَا تَتَغَيَّرُ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْيَابِسَةِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ رَطْبَةٍ لَمْ يَجُزْ. وَقِيلَ فِي الصُّلْحِ عَنْ غُصْنِ الشَّجَرَةِ: وَجْهَانِ. انْتَهَيَا. وَأَطْلَقَ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ فِي النَّظْمِ، وَالْفَائِقِ. وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي لِلصِّحَّةِ: أَنْ يَكُونَ الْغُصْنُ مُعْتَمِدًا عَلَى نَفْسِ الْحَائِطِ. وَمُنِعَ إذَا كَانَ فِي نَفْسِ الْهَوَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْهَوَاءِ الْمُجَرَّدِ. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: يَجُوزُ مَعَ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الزِّيَادَةِ بِالْأَذْرُعِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لَهُ، أَوْ بَيْنَهُمَا: جَازَ، وَلَمْ يَلْزَمْ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: جَازَ فِي الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي جَعْلِ الثَّمَرَةِ بَيْنَهُمَا لَا أَدْرِي. وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي: أَنَّ ذَلِكَ إبَاحَةً، لَا صُلْحَ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: حُكْمُ عُرُوقِ الشَّجَرَةِ فِي غَيْرِ أَرْضِ مَالِكِهَا: حُكْمُ الْأَغْصَانِ. عَلَى
стр. 2350
الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ عَنْهُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَغْصَانِ إذَا حَصَلَ ضَرَرٌ، وَإِلَّا فَلَا.
الثَّانِيَةُ: صُلْحُ مَنْ مَالَ حَائِطُهُ، أَوْ زَلَقَ مِنْ خَشَبِهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ: كَالْأَغْصَانِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ. وَفِي الْمُبْهِجِ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ ثَمَرَةُ غُصْنٍ فِي هَوَاءِ طَرِيقٍ عَامٍّ لِلْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا وَلَا سَابَاطًا) . وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ دِكَّةً. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَمُهَنَّا، وَغَيْرِهِمْ. انْتَهَى. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَحُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ جَوَازُهُ بِلَا ضَرَرٍ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. وَاخْتَارَهُ هُوَ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا وَفِي الْمِيزَابِ الْآتِي حُكْمُهُ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِمْ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ بَابِ الْغَصْبِ. وَفِي سُقُوطِ نِصْفِ الضَّمَانِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ: وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ فِي بَابِ الْغَصْبِ. قُلْت: الصَّوَابُ ضَمَانُ الْجَمِيعِ. ثُمَّ وَجَدْت الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ قَالَا لِمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ يَضْمَنُ بِالنِّصْفِ لِأَنَّهُ إخْرَاجٌ يَضْمَنُ بِهِ الْبَعْضَ. فَضَمِنَ بِهِ الْكُلَّ، لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ فِي الضَّمَانِ. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَالَ الْأَصْحَابُ: وَبِأَنَّ النِّصْفَ عُدْوَانٌ. فَأَوْجَبَ كُلَّ الضَّمَانِ. فَظَاهِرُ مَا قَالُوا: أَنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ.
следующие страницы →