Полный текст (5 685 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يَجُوزُ لَهُ حَفْرُ السَّاقِيَةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ، مَا لَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ أَنَّ الْبَابَ، وَالْخَوْخَةَ وَالْكُوَّةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ: لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي دَارٍ مُؤَجَّرَةٍ. وَفِي مَوْقُوفَةٍ: الْخِلَافُ، أَوْ يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَلَّمًا لَمْ يُفِدْ. وَظَاهِرُهُ: لَا تُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ وَإِذْنُ الْحَاكِمِ. بَلْ عَدَمُ الضَّرَرِ، وَأَنَّ إذْنَهُ يُعْتَبَرُ لِرَفْعِ الْخِلَافِ. وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْوَقْفِ. وَفِيهِ إذْنُهُ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ الْمَأْذُونِ الْمُمْتَازِ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ، فَلِمَصْلَحَةِ الْمَوْقُوفِ أَوْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْلَى. وَهُوَ مَعْنَى نَصِّهِ فِي تَجْدِيدِهِ لِمَصْلَحَةٍ. وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ فِي تَغْيِيرِ صِفَاتِ الْوَقْفِ لِمَصْلَحَةٍ. كَالْحَكُّورَةِ. وَعَمِلَهُ حُكَّامُ الشَّامِ حَتَّى صَاحِبُ الشَّرْحِ فِي الْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ. وَقَدْ زَادَ عُمَرُ وَعُثْمَانَ ﵄ فِي مَسْجِدهِ ﷺ وَغَيَّرَا بِنَاءَهُ. ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ وَزَادَ فِيهِ أَبْوَابًا. ثُمَّ الْمَهْدِيُّ. ثُمَّ الْمَأْمُونُ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ صَالَحَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ مِنْ نَهْرٍ لِرَجُلٍ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ مِنْ عَيْنِهِ. وَقَدَّرَهُ بِشَيْءٍ يُعْلَمُ بِهِ: لَمْ يَجُزْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. فَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَيْهِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَمَالَا إلَيْهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
الرَّابِعَةُ: إذَا صَالَحَهُ عَلَى سَهْمٍ مِنْ الْعَيْنِ. أَوْ النَّهْرِ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَنَحْوِهِمَا جَازَ. وَكَانَ بَيْعًا لِلْقَرَارِ، وَالْمَاءُ تَابِعٌ لَهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ.
стр. 2347
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَمَرًّا فِي دَارٍ وَمَوْضِعًا فِي حَائِطِهِ يَفْتَحُهُ بَابًا، وَبُقْعَةً يَحْفِرُهَا بِئْرًا، وَعُلُوَّ بَيْتٍ يَبْنِي عَلَيْهِ بُنْيَانًا مَوْصُوفًا) بِلَا نِزَاعٍ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي وَضْعِ خَشَبٍ أَوْ بِنَاءٍ يَجُوزُ إجَارَةً، مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَيَجُوزُ صُلْحًا أَبَدًا. قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ: لَمْ يَجُزْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى. أَحَدُهُمَا يَجُوزُ أَيْ يَصِحُّ إذَا وَصَفَ الْعُلْوَ وَالسُّفْلَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ يَصِحُّ إذَا كَانَ مَعْلُومًا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنِ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَيْ لَا يَصِحُّ قَالَهُ الْقَاضِي. وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ. فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي كَلَامِهِ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ. وَهُنَا مُصَرَّحٌ بِهِ. وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ هُنَاكَ. وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَهَا هُنَا. وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ بِالصُّلْحِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ كَالْبَيْعِ هُنَا. فَالنَّقْلُ فِيهَا مِنْ الْمَكَانَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: حَيْثُ صَحَّحْنَا ذَلِكَ. فَمَتَى زَالَ فَلَهُ إعَادَتُهُ مُطْلَقًا، وَيَرْجِعُ بِأُجْرَةٍ مُدَّةَ زَوَالِهِ عَنْهُ. وَفِي الصُّلْحِ: عَلَى زَوَالِهِ، وَعَدَمِ عَوْدِهِ.
فَائِدَةٌ: حُكْمُ الْمُصَالَحَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: حُكْمُ الْبَيْعِ. لَكِنْ قَالَ فِي الْفُنُونِ: فَإِذَا فَرَغَتْ الْمُدَّةُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْجِدَارِ مُطَالَبَتُهُ. بِقَلْعِ خَشَبِهِ. قَالَ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ كَإِعَارَتِهِ لِذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ حُكْمِ الْعُرْفِ. لِأَنَّ الْعُرْفَ وَضْعُهَا لِلْأَبَدِ. فَهُوَ كَإِعَارَةِ الْأَرْضِ لِلدَّفْنِ.
стр. 2348
ثُمَّ إمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ إلَى حِينِ نَفَادِ الْخَشَبِ، لِأَنَّهُ الْعُرْفُ فِيهِ. كَالزَّرْعِ إلَى حَصَادِهِ، لِلْعُرْفِ فِيهِ، أَوْ يُجَدِّدُ أُجْرَةً بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَهِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ بِالدَّوَامِ بِلَا عَقْدٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ حَصَلَ فِي هَوَائِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ فَطَالَبَهُ بِإِزَالَتِهَا لَزِمَهُ. فَإِنْ أَبَى فَلَهُ قَطْعُهَا) . قَالَ الْأَصْحَابُ: لَهُ إزَالَتُهَا بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: فَإِنْ أَبَى لَوَاهُ، إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَلَهُ قَطْعُهُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ. وَقَالَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: يَقْطَعُهُ هُوَ؟ قَالَ: لَا. يَقُولُ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَقْطَعَهُ.
فَائِدَةٌ: إذَا حَصَلَ فِي مِلْكِهِ أَوْ هَوَائِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةٍ: لَزِمَ الْمَالِكَ إزَالَتُهُ إذَا طَالَبَهُ بِذَلِكَ. بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ إزَالَتِهِ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُجْبَرُ. وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ فِي عَدَمِ الْإِجْبَارِ. وَالثَّانِي: يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهِ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ، إنْ أُمِرَ بِإِزَالَتِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ. وَكَذَا قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ: لَمْ يَجُزْ) . وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يَجُوزُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا صِحَّتُهُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ
стр. 2349
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ. وَقِيلَ: إنْ صَالَحَهُ عَنْ رَطْبَةٍ: لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا جَازَ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَقَدَّمَ فِي التَّلْخِيصِ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي الرَّطْبَةِ، لِأَنَّهَا تَتَغَيَّرُ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْيَابِسَةِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ رَطْبَةٍ لَمْ يَجُزْ. وَقِيلَ فِي الصُّلْحِ عَنْ غُصْنِ الشَّجَرَةِ: وَجْهَانِ. انْتَهَيَا. وَأَطْلَقَ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ فِي النَّظْمِ، وَالْفَائِقِ. وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي لِلصِّحَّةِ: أَنْ يَكُونَ الْغُصْنُ مُعْتَمِدًا عَلَى نَفْسِ الْحَائِطِ. وَمُنِعَ إذَا كَانَ فِي نَفْسِ الْهَوَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْهَوَاءِ الْمُجَرَّدِ. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: يَجُوزُ مَعَ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الزِّيَادَةِ بِالْأَذْرُعِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لَهُ، أَوْ بَيْنَهُمَا: جَازَ، وَلَمْ يَلْزَمْ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: جَازَ فِي الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي جَعْلِ الثَّمَرَةِ بَيْنَهُمَا لَا أَدْرِي. وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي: أَنَّ ذَلِكَ إبَاحَةً، لَا صُلْحَ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: حُكْمُ عُرُوقِ الشَّجَرَةِ فِي غَيْرِ أَرْضِ مَالِكِهَا: حُكْمُ الْأَغْصَانِ. عَلَى
стр. 2350
الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ عَنْهُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَغْصَانِ إذَا حَصَلَ ضَرَرٌ، وَإِلَّا فَلَا.
الثَّانِيَةُ: صُلْحُ مَنْ مَالَ حَائِطُهُ، أَوْ زَلَقَ مِنْ خَشَبِهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ: كَالْأَغْصَانِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ. وَفِي الْمُبْهِجِ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ ثَمَرَةُ غُصْنٍ فِي هَوَاءِ طَرِيقٍ عَامٍّ لِلْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا وَلَا سَابَاطًا) . وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ دِكَّةً. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَمُهَنَّا، وَغَيْرِهِمْ. انْتَهَى. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَحُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ جَوَازُهُ بِلَا ضَرَرٍ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. وَاخْتَارَهُ هُوَ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا وَفِي الْمِيزَابِ الْآتِي حُكْمُهُ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِمْ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ بَابِ الْغَصْبِ. وَفِي سُقُوطِ نِصْفِ الضَّمَانِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ: وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ فِي بَابِ الْغَصْبِ. قُلْت: الصَّوَابُ ضَمَانُ الْجَمِيعِ. ثُمَّ وَجَدْت الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ قَالَا لِمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ يَضْمَنُ بِالنِّصْفِ لِأَنَّهُ إخْرَاجٌ يَضْمَنُ بِهِ الْبَعْضَ. فَضَمِنَ بِهِ الْكُلَّ، لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ فِي الضَّمَانِ. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَالَ الْأَصْحَابُ: وَبِأَنَّ النِّصْفَ عُدْوَانٌ. فَأَوْجَبَ كُلَّ الضَّمَانِ. فَظَاهِرُ مَا قَالُوا: أَنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ.
стр. 2351
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْمِيزَابِ إلَى الطَّرِيقِ النَّافِذِ، وَلَا إلَى دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هُوَ كَإِشْرَاعِ الْأَجْنِحَةِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ كَمَا قَالَ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ احْتِمَالٌ بِالْجَوَازِ، مَعَ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ. وَحُكِيَ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. كَمَا تَقَدَّمَ. قُلْت: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: اخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: إخْرَاجُ الْمَيَازِيبِ إلَى الدَّرْبِ: هُوَ السُّنَّةُ. وَاخْتَارَهُ. وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ. فَعَلَى هَذَا: لَا ضَمَانَ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ عَدَمِ الْجَوَازِ وَالضَّمَانِ فِي الْجَنَاحِ وَالسَّابَاطِ وَالْمَيَازِيبِ: إذَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ. فَأَمَّا إنْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا فِيهِ: جَازَ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ، عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَوَّزَ ذَلِكَ الْأَكْثَرُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَقَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ عَنْ الْقَاضِي، وَالْأَكْثَرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالتَّعْلِيقِ الْكَبِيرِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَلَوْ أَذِنَ فِيهِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
стр. 2352
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ، فِي بَابِ الْغَصْبِ: وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ: عَدَمُ الْإِبَاحَةِ مُطْلَقًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصُّلْحِ. انْتَهَى.
وَقَدَّمَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّمَانِينَ. وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَمُهَنَّا، وَغَيْرِهِمْ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. قُلْت: بَلْ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ جَازَ. وَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: لَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ مِقْدَارَ طُولِ الْجِدَارِ الَّذِي يُشْرَعُ عَلَيْهِ الْجَنَاحُ، وَالْمِيزَابُ وَالسَّابَاطُ، إذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ. لَكِنْ حَيْثُ انْتَفَى الضَّرَرُ جَازَ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالتَّرْغِيبِ: يَكُونُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ عُبُورُ مَحْمَلٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يَكُونُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُرُورُ رُمْحٍ قَائِمًا بِيَدِ فَارِسٍ. قَوْلُهُ (وَلَا دُكَّانًا) . لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ دُكَّانًا فِي طَرِيقٍ نَافِذٍ، سَوَاءً أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ لَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْجَنَاحِ وَنَحْوِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مَعَ أَنَّ الْأَصْحَابَ لَمْ يُجَوِّزُوا حَفْرَ الْبِئْرِ وَالْبِنَاءَ فِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَكَأَنَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّوَامِ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: تَخْرِيجٌ يَعْنِي: فِي جَوَازِ حَفْرِ الْبِئْرِ وَالْبِنَاءِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: جَوَازُ إخْرَاجِ الدُّكَّانِ. وَإِنْ مَنَعْنَا مِنْ غَيْرِهِ عَلَى الْمُقَدَّمِ.
стр. 2353
فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُخْرِجَ إلَى دَرْبٍ نَافِذٍ مِنْ مِلْكِهِ رَوْشَنًا. وَلَا كَذَا، وَلَا كَذَا. وَقِيلَ: وَلَا دُكَّانًا. وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ، إنْ لَمْ يَكُنْ فِي النُّسْخَةِ غَلَطٌ.
تَنْبِيهٌ: مِمَّنْ ذَكَرَ " الدُّكَّانَ " كَالْمُصَنِّفِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ: أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَجَمْعٌ كَثِيرٌ. وَمِمَّنْ ذَكَرَ " الدَّكَّةَ " وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ " الدُّكَّانَ " جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ مُنَجَّى " الدُّكَّانَ " فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالدَّكَّةِ. قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ " الدُّكَّانُ " الدَّكَّةُ الْمَبْنِيَّةُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهَا. وَقَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ " الدَّكَّةُ " الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ يَجْلِسُ عَلَيْهِ. وَهُوَ الْمِصْطَبَةُ. وَجَمَعَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى بَيْنَهُمَا. فَقَالَ: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُخْرِجَ إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ دِكَّةً، وَقِيلَ: وَلَا دُكَّانًا. انْتَهَى.
فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ " الدُّكَّانُ " الْحَانُوتُ. انْتَهَى.
فَهُوَ غَيْرُ " الدَّكَّةِ " عِنْدَهُ. وَقَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ: وَ " الدُّكَّانُ " يُطْلَقُ عَلَى الْحَانُوتِ، وَعَلَى " الدَّكَّةِ " الَّتِي يَقْعُدُ عَلَيْهَا. انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: " الدَّكَّةُ " بِالْفَتْحِ. وَ " الدُّكَّانُ " بِالضَّمِّ: بِنَاءٌ يُسَطَّحُ أَعْلَاهُ لِلْمُقْعَدِ. [انْتَهَى.] قَوْلُهُ (وَلَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ، إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ) . بِلَا نِزَاعٍ. وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي هَوَاءِ جَارِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ صَالَحَ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ: جَازَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَصِحُّ صُلْحُهُ عَنْ مَعْلُومِهِ بِعِوَضٍ فِي الْأَصَحِّ،
стр. 2354
وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَجَزَمَ بِهِ فِي نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ. وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ ظَهْرُ دَارِهِ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ، فَفَتَحَ فِيهِ بَابًا لِغَيْرِ الِاسْتِطْرَاقِ: جَازَ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا بِإِذْنِهِمْ. وَهُوَ لِابْنِ عَقِيلٍ. وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ فَتَحَهُ لِلِاسْتِطْرَاقِ: لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهِمْ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَغَيْرِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: لَمْ يَجُزْ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ. قَوْلُهُ (وَلَوْ أَنَّ بَابَهُ فِي آخِرِ الدَّرْبِ: مَلَكَ نَقْلَهُ إلَى أَوَّلِهِ) . يَعْنِي: إذَا لَمْ يَحْصُلْ ضَرَرٌ مِنْ فَتْحِهِ مُحَاذِيًا لِبَابِ غَيْرِهِ وَنَحْوِهِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَقِيلَ لَا يَجُوزُ مُحَاذِيًا لِبَابِ غَيْرِهِ. فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ قَدَّمَ الْجَوَازَ مُطْلَقًا. وَهُوَ ضَعِيفٌ.
стр. 2355
قَوْلُهُ (وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ إلَى دَاخِلٍ مِنْهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي. لَكِنْ لَا يَفْتَحُهُ قُبَالَةَ بَابِ غَيْرِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَجُوزُ إنْ سَدَّ الْبَابَ الْأَوَّلَ. وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ يَعْقُوبُ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ مَنْ فَوْقَهُ. فَأَمَّا إنْ أَذِنُوا: ارْتَفَعَ الْخِلَافُ، عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ إذْنِ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ. وَهُوَ بَعِيدٌ. وَحَيْثُ قُلْنَا: بِالْإِذْنِ، وَأَذِنُوا. فَيَكُونُ إعَارَةً. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَكُونُ إعَارَةً فِي الْأَشْبَهِ. وَكَذَا قَالَ قَبْلَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
فَوَائِدُ إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ دَارَانِ، ظَهْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى وَبَابُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَى دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ، فَرَفَعَ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَهُمَا دَارًا وَاحِدَةً: جَازَ. فَإِنْ فَتَحَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَابًا إلَى الْأُخْرَى لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّطَرُّقِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَى كِلَا الدَّارَيْنِ. فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَمْ يَجُزْ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الصُّغْرَى: جَازَ فِي وَجْهٍ. وَقِيلَ: يَجُوزُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: الْأَشْبَهُ الْجَوَازُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
стр. 2356
قَالَ فِي النَّظْمِ: وَهُوَ الْأَقْوَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْجَارَ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِمَا يَضُرُّ بِجَارِهِ، كَحَفْرِ كَنِيفٍ إلَى جَنْبِ حَائِطِ جَارِهِ، وَبِنَاءِ حَمَّامٍ إلَى جَنْبِ دَارِهِ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ، وَنَصْبِ تَنُّورٍ يَتَأَذَّى بِاسْتِدَامَةِ دُخَانِهِ، وَعَمَلِ دُكَّانِ قِصَارَةٍ، أَوْ حِدَادَةٍ، يَتَأَذَّى بِكَثْرَةِ دَقِّهِ، أَوْ رَحًى، أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ يَنْقَطِعُ بِهِ مَاءُ بِئْرِ جَارِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ، فَانْقَطَعَ مَاءُ بِئْرِ جَارِهِ: أُمِرَ بِسَدِّهَا، لِيَعُودَ مَاءُ الْبِئْرِ الْأَوَّلَةِ. عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ لَمْ يَعُدْ كُلِّفَ صَاحِبُ الْبِئْرِ الْأَوَّلَةِ حَفْرَ الْبِئْرِ الَّتِي سُدَّتْ لِأَجْلِهِ مِنْ مَالِهِ. وَعَنْهُ لَا يُكَلَّفُ سَدُّ بِئْرِهِ، وَلَوْ انْقَطَعَ مَاءُ بِئْرِ جَارِهِ. قَالَ الْقَاضِي: فَيَخْرُجُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ الْحَمَّامِ، وَالتَّنُّورِ، وَدُكَّانِ الْقِصَارَةِ، وَالْحِدَادَةِ وَنَحْوِهَا رِوَايَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: رِوَايَةُ عَدَمِ الْمَنْعِ فِي الْجَمْعِ أَقْيَسُ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي تَعَالِيقِهِ عَنْهُ. وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْجَمِيعِ فِي الْفَائِقِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ ادَّعَى أَنَّ بِئْرَهُ فَسَدَتْ مِنْ خَلَاءِ جَارِهِ، أَوْ بَالُوعَتِهِ: طُرِحَ فِي الْخَلَاءِ أَوْ الْبَالُوعَةِ نِفْطٌ. فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ طَعْمُ النِّفْطِ وَلَا رَائِحَتُهُ فِي الْبِئْرِ: عُلِمَ أَنَّ فَسَادَهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُهُ أَوْ رَائِحَتُهُ فِيهَا: كُلِّفَ صَاحِبُ الْخَلَاءِ وَالْبَالُوعَةِ نَقْلَ ذَلِكَ، إنْ لَمْ يُمْكِنْ إصْلَاحُهَا.
стр. 2357
هَذَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ أَقْدَمَ مِنْهُمَا. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لَا يَلْزَمُ مَالِكَ الْخَلَاءِ وَالْبَالُوعَةِ تَغْيِيرُ مَا عَمِلَهُ فِي مِلْكِهِ بِحَالٍ. قَالَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِ.
الرَّابِعَةُ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ تَعْلِيَةِ دَارِهِ، فِي ظَاهِرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. وَلَوْ أَفْضَى إلَى سَدِّ الْفَضَاءِ عَنْ جَارِهِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» مَنْعُهُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ، خَوْفًا مِنْ نَقْصِ أُجْرَةِ مِلْكِهِ بِلَا نِزَاعٍ. وَقَدْ قَالَ فِي الْفُنُونِ: مَنْ أَحْدَثَ فِي دَارِهِ دِبَاغَ الْجُلُودِ، أَوْ عَمَلَ الصَّحْنَاءِ: يَحْتَمِلُ الْمَنْعَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ فِي مِلْكِهِ قَنَاةً تَنِزُّ إلَى حِيطَانِ النَّاسِ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِي حَائِطِ جَارِهِ، وَلَا الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ رَوْزَنَةً، وَلَا طَاقًا إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ) . يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي ذَلِكَ حَتَّى بِضَرْبِ وَتَدٍ، وَلَا يُحْدِثُ سُتْرَةً. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. وَحَمَلَ الْقَاضِي قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ " يَلْزَمُ الشَّرِيكَ النَّفَقَةُ مَعَ شَرِيكِهِ عَلَى السُّتْرَةِ " عَلَى سُتْرَةٍ قَدِيمَةٍ انْهَدَمَتْ. وَاخْتَارَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وُجُوبَهَا مُطْلَقًا عَلَى نَصِّهِ. فَقَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ السُّتْرَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوبِهَا.
فَائِدَةٌ: يَلْزَمُ لِلْأَعْلَى بِنَاءُ سُتْرَةٍ تَمْنَعُ مُشَارَفَةَ الْأَسْفَلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ
стр. 2358
الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يُشَارِكُهُ الْأَسْفَلُ. وَأَمَّا إذَا تَسَاوَيَا، فَإِنَّ الْمُمْتَنِعَ يُلْزَمُ بِالْمُشَارَكَةِ. قَوْلُهُ (وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَيْهِ) يَعْنِي عَلَى حَائِطِ جَارِهِ، أَوْ الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ. (إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، بِأَنْ لَا يُمْكِنَهُ التَّسْقِيفُ إلَّا بِهِ) . إذَا أَرَادَ أَنْ يَضَعَ خَشَبَهُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ، أَوْ الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَتَضَرَّرَ الْحَائِطُ بِذَلِكَ أَوْ لَا. فَإِنْ تَضَرَّرَ بِذَلِكَ: مُنِعَ بِلَا نِزَاعٍ. وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْخَشَبِ مُسْتَغْنِيًا عَنْ ذَلِكَ، لِإِمْكَانِهِ وَضْعَهُ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ وَضْعِهِ، وَأَرَادَ وَضْعَهُ عَلَيْهِ: مُنِعَ مِنْهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ. وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ. وَأَطْلَقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ الْجَوَازَ. وَكَذَا صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْنِيًا، وَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: وَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَهُ وَضْعُهُ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْجِدَارِ مَنْعُهُ، وَإِنْ مَنَعَهُ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ.
стр. 2359
وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ إذْنِهِ فِي الْوَضْعِ. وَلَوْ صَالَحَهُ عَنْهُ بِشَيْءٍ جَازَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: جَازَ فِي الْأَصَحِّ انْتَهَى.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لَهُ وَضْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ رِوَايَةِ الْمَنْعِ مِنْ وَضْعِهِ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ. وَهُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ. وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضَعُهُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ حَقًّا. وَحَقُّ اللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ. وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ الضَّرُورَةَ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِلْجَارِ ثَلَاثَةَ جُدُرٍ، وَلَهُ جِدَارٌ وَاحِدٌ. مِنْهُمْ الْقَاضِي. وَابْنُ عَقِيلٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَالرِّعَايَةِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَلَيْسَ هَذَا فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، إنَّمَا قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " لَا يَمْنَعُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ، وَكَانَ الْحَائِطُ يَبْقَى " وَلِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ التَّسْقِيفُ عَلَى حَائِطَيْنِ، إذَا كَانَا غَيْرَ مُتَقَابِلَيْنِ، أَوْ كَانَ الْبَيْتُ وَاسِعًا يَحْتَاجُ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ جِسْرًا، ثُمَّ يَضَعُ الْخَشَبَ عَلَى ذَلِكَ الْجِسْرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى اعْتِبَارُهُ بِمَا ذَكَرْنَا، مِنْ امْتِنَاعِ التَّسْقِيفِ بِدُونِهِ. وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ الْبَالِغِ وَالْيَتِيمِ وَالْعَاقِلِ وَالْمَجْنُونِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَعَنْهُ لَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ) . أَنَّ الْمُقَدَّمَ: جَوَازُ وَضْعِهِ عَلَيْهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمَذْهَبِ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَيْسَ لَهُ وَضْعُهُ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ جَازَ وَضْعُهُ عَلَى جِدَارِ غَيْرِهِ. وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ.
стр. 2360
وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُذْهَبِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالْكَافِي.
فَوَائِدُ: إحْدَاهَا: لَوْ كَانَ لَهُ حَقُّ مَاءٍ يَجْرِي عَلَى سَطْحِ جَارِهِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ تَعْلِيَةُ سَطْحِهِ لِيَمْنَعَ الْمَاءَ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ. وَلَيْسَ لَهُ تَعْلِيَتُهُ لِكَثْرَةِ ضَرَرِهِ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَادُ إلَى حَائِطِ جَارِهِ وَإِسْنَادُ قُمَاشِهِ إلَيْهِ. وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ فِي مَنْعِهِ احْتِمَالَيْنِ. وَلَهُ الْجُلُوسُ فِي ظِلِّهِ، وَنَظَرُهُ فِي ضَوْءِ سِرَاجِهِ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يَسْتَأْذِنُهُ أَعْجَبُ إلَيَّ. فَإِنْ مَنَعَهُ حَاكَمَهُ. وَنَقَلَ جَعْفَرٌ قِيلَ لَهُ: أَيَضَعُهُ، وَلَا يَسْتَأْذِنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إيشْ يَسْتَأْذِنُهُ؟ ،. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: الْعَيْنُ وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا عَادَةً: لَا يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهَا عَقْدُ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ اتِّفَاقًا، كَمَسْأَلَتِنَا. . الثَّالِثَةُ: لَوْ مَلَكَ وَضْعَ خَشَبِهِ عَلَى حَائِطٍ. فَزَالَ لِسُقُوطِهِ، أَوْ قَلْعِهِ أَوْ سُقُوطِ الْحَائِطِ، ثُمَّ أُعِيدَ. فَلَهُ إعَادَةُ خَشَبِهِ إنْ حَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ بِتَرْكِهِ وَلَمْ يُخْشَ عَلَى الْحَائِطِ مِنْ وَضْعِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ خِيفَ سُقُوطُ الْحَائِطِ بَعْدَ وَضْعِهِ عَلَيْهِ: لَزِمَهُ إزَالَتُهُ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ كَانَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِ غَيْرِهِ: لَمْ يَمْلِكْ إجَارَتَهُ، وَلَا إعَارَتَهُ. وَلَا يَمْلِكُ أَيْضًا بَيْعَهُ، وَلَا الْمُصَالَحَةَ عَنْهُ لِلْمَالِكِ وَلَا لِغَيْرِهِ. وَلَوْ أَرَادَ صَاحِبُ الْحَائِطِ إعَارَتَهُ أَوْ إجَارَتَهُ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ هَذَا الْمُسْتَحِقَّ مِنْ وَضْعِ خَشَبِهِ: لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ. فَيُعَايَى بِهَا. وَلَوْ أَرَادَ هَدْمَ الْحَائِطِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ: لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ أَذِنَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِجَارِهِ فِي الْبِنَاءِ عَلَى حَائِطِهِ، أَوْ وَضْعِ سُتْرَةٍ عَلَيْهِ، أَوْ وَضْعِ خَشَبِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ وَضْعَهُ، جَازَ. وَصَارَتْ عَارِيَّةً لَازِمَةً، يَأْتِي حُكْمُهَا فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ.
стр. 2361
وَإِنْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ: جَازَ، سَوَاءٌ كَانَتْ إجَارَةً أَوْ صُلْحًا عَلَى وَضْعِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَمَتَى زَالَ فَلَهُ إعَادَتُهُ. وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْبِنَاءِ وَالْعَرْضِ وَالطُّولِ وَالسُّمْكِ وَالْآلَاتِ.
السَّادِسَةُ: لَوْ وَجَدَ بِنَاءَهُ أَوْ خَشَبَهُ عَلَى حَائِطٍ مُشْتَرَكِ، أَوْ حَائِطِ جَارِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ سَبَبَهُ. فَمَتَى زَالَ فَلَهُ إعَادَتُهُ. وَكَذَا لَوْ وَجَدَ مَسِيلَ مَاءٍ يَجْرِي فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، أَوْ مَجْرَى مَاءِ سَطْحِهِ عَلَى سَطْحِ غَيْرِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ. فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْخَشَبِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ، فَانْهَدَمَ. فَطَالَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبِنَائِهِ مَعَهُ: أُجْبِرَ عَلَيْهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. بِلَا رَيْبٍ. وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَحَرْبٍ، وَسِنْدِيٍّ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا أَصَحُّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَزِمَ الْآخَرَ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ: أُجْبِرَ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَشْيَاخِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٌ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ لَا يُجْبَرُ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَقَالَا: هُوَ أَقْوَى فِي النَّظَرِ.
стр. 2362
وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، كَبِنَاءِ حَائِطٍ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا. فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: لَوْ بَنَاهُ، ثُمَّ أَرَادَ نَقْضَهُ. فَإِنْ كَانَ بَنَاهُ بِآلَتِهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ بَنَاهُ مِنْ عِنْدِهِ: فَلَهُ نَقْضُهُ. فَإِنْ قَالَ الشَّرِيكُ: أَنَا أَدْفَعُ إلَيْك نِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَلَا تَنْقُضْهُ: لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ أَرَادَ غَيْرُ الْبَانِي نَقْضَهُ، أَوْ إجْبَارَ بَانِيهِ عَلَى نَقْضِهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ. انْتَهَيَا. وَيَأْتِي الْحُكْمُ إذَا قُلْنَا: يُجْبَرُ، فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ بِنَائِهِ. لَكِنْ إنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا. وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ قِيمَةِ عَمَلِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ فِي الْأَشْهَرِ. كَمَا لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ. قَالَ فِي الْكَافِي: عَادَ بَيْنَهُمَا، كَمَا كَانَ بِرُسُومِهِ وَحُقُوقِهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ بِعَيْنِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالسَّبْعِينَ: هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْأَكْثَرِينَ. وَقَدَّمَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. وَقِيلَ: لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ حَتَّى يُعْطِيَهُ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَمَلِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. وَحَكَاهُ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: وَفِيمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ عَدَمِ مَنْعِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ قِيمَةِ عَمَلِهِ نَظَرٌ. بَلْ يَنْبَغِي أَنَّ الثَّانِيَ يَمْلِكُ مَنْعَ شَرِيكِهِ
стр. 2363
مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ، حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الْغَرَامَةِ الْوَاقِعَةِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَأَدَّى إلَى ضَيَاعِ حَقِّ الشَّرِيكِ. انْتَهَى.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَإِذَا بَنَى أَحَدُهُمَا الْحَائِطَ بِأَنْقَاضِهِ. فَهُوَ بَيْنَهُمَا، إنْ أَدَّى الْآخَرُ نِصْفَ قِيمَةِ التَّالِفِ. قَوْلُهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (وَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ لَهُ) . وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ حَاكِمٍ فِي بِنَائِهِ. صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ. وَاعْتَبَرَ فِي الْمُجَرَّدِ إذْنَ الْحَاكِمِ. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَلَى أَنَّهُ يُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ (وَلَيْسَ لِلْآخَرِ الِانْتِفَاعُ بِهِ) فَلَهُ مَنْعُ شَرِيكِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَمِنْ وَضْعِ خَشَبِهِ وَرُسُومِهِ حَتَّى يَدْفَعَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ. صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْقَوَاعِدِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: اخْتَصَّ بِهِ وَبِنَفْعِهِ دُونَ أَرْضِهِ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: مَلَكَهُ الْبَانِي خَاصَّةً، وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ الِانْتِفَاعُ بِهِ. فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ الْبَانِي عَلَيْهِ رَسْمُ طَرْحِ أَخْشَابٍ، فَالْبَانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ وَضْعِ أَخْشَابِهِ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَ قِيمَةِ الْحَائِطِ. وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِنَاءَهُ لِيُعِيدَ الْبِنَاءَ بَيْنَهُمَا. أَوْ يَشْتَرِكَانِ فِي الطَّرْحِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ بَنَاهُ بِغَيْرِهَا، فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ غَيْرِ رَسْمِ طَرْحِ خَشَبٍ. فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: عَدَمُ الْمَنْعِ مِنْ الرُّسُومِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِالْمَنْعِ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْفُرُوعِ بِالْجَوَازِ: إذَا كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي ذَلِكَ، وَأَرَادَ الِانْتِفَاعَ بَعْدَ بِنَائِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ بَعْدَ كَلَامِهِمَا الْأَوَّلِ بِقَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ.
стр. 2364
فَقَالَا: فَإِنْ كَانَ عَلَى الْحَائِطِ رَسْمُ انْتِفَاعٍ، أَوْ وَضْعِ خَشَبٍ، قَالَ لَهُ: إمَّا أَنْ تَأْخُذَ مِنِّي نِصْفَ قِيمَتِهِ. أَوْ تُمَكِّنَنِي مِنْ انْتِفَاعِي، وَإِمَّا أَنْ تُقْلِعَ حَائِطَك لِنُعِيدَ الْبِنَاءَ بَيْنَنَا. فَيَلْزَمُ الْآخَرَ إجَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ رُسُومِهِ وَانْتِفَاعَهُ بِبِنَائِهِ. انْتَهَيَا. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُمَا.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالسَّبْعِينَ، فَإِنْ قِيلَ: فَعِنْدَكُمْ لَا يَجُوزُ لِلْجَارِ مَنْعُ جَارِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِوَضْعِ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِهِ. فَكَيْفَ مَنَعْتُمْ هُنَا؟ . قُلْنَا: إنَّمَا مَنَعْنَا هُنَا مِنْ عَوْدِ الْحَقِّ الْقَدِيمِ الْمُتَضَمِّنِ مِلْكَ الِانْتِفَاعِ قَهْرًا. سَوَاءً كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَأَمَّا التَّمْكِينُ مِنْ الْوَضْعِ لِلِارْتِفَاقِ: فَذَلِكَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى. وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ يَشْتَرِطُونَ فِيهَا الْحَاجَةَ أَوْ الضَّرُورَةَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (فَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ) يَعْنِي الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَبْنِ: الِانْتِفَاعَ (خُيِّرَ الْبَانِي بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ مِنْهُ، وَبَيْنَ أَخْذِ آلَتِهِ) . وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ لَوْ اخْتَارَ الْأَخْذَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَ قِيمَةِ بِنَائِهِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ يَدْفَعُ مَا يَخُصُّهُ كَغَرَامَةٍ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ مَعْنًى. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
فَوَائِدُ:
إحْدَاهَا: إذَا قُلْنَا: يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ مَعَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَامْتَنَعَ: أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَخَذَ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَيْنُ مَالٍ بَاعَ مِنْ عُرُوضِهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَمَّرَهُ شَرِيكُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ إذْنِ حَاكِمٍ رَجَعَ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَرَادَ بِنَاءَهُ لَمْ يَمْلِكْ الشَّرِيكُ مَنْعَهُ. وَمَا أَنْفَقَ، إنْ تَبَرَّعَ بِهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ.
стр. 2365
وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ. فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ؟ . قَالَ فِي الشَّرْحِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ بِنِيَّةِ رُجُوعِهِ عَلَى الْأَوَّلِ: الْخِلَافُ. وَإِنْ بَنَاهُ لِنَفْسِهِ بِآلَتِهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً. فَإِنْ أَرَادَ نَقْضَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ شَرِيكُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ. فَلَا يَكُونُ لَهُ نَقْضُهُ. الثَّانِيَةُ: يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى الْعِمَارَةِ مَعَ شَرِيكِهِ فِي الْأَمْلَاكِ الْمُشْتَرَكَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَعَنْهُ لَا يُجْبَرُ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ اسْتُهْدِمَ جِدَارُهُمَا، أَوْ خِيفَ ضَرَرُهُ نَقَضَاهُ. فَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ. فَإِنْ تَعَذَّرَ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ إذَا أَشْهَدَ عَلَى شَرِيكِهِ. وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: بَلَى، إنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ بِنَقْضِهِ، وَأَيُّهُمَا هَدَمَهُ إذَنْ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَهَدَرٌ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ عَلَى صِفَتِهِ كَمَا لَوْ هَدَمَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى هَدْمِهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْغَصْبِ. فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَنُبَيِّنُ الرَّاجِحَ فِي الْمَذْهَبِ هُنَاكَ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ أَرَادَ بِنَاءَ حَائِطٍ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا: لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا. وَيَبْنِي الطَّالِبُ فِي مِلْكِهِ إنْ شَاءَ. رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَمْ يُفَرِّقْ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. اخْتَارَهُ شَيْخُنَا. يَعْنِي بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀.
الْخَامِسَةُ: لَوْ اتَّفَقَا عَلَى بِنَاءِ حَائِطٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، عَلَى أَنَّ ثُلُثَهُ لِوَاحِدٍ وَثُلُثَيْهِ لِآخَرَ: لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا شَاءَ: لَمْ يَصِحَّ لِجَهَالَتِهِ. وَإِنْ
стр. 2366
وَصَفَا الْحَمْلَ، فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ: صَحَّ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ بِئْرٌ، أَوْ دُولَابٌ، أَوْ نَاعُورَةٌ، أَوْ قَنَاةٌ، وَاحْتَاجَ إلَى عِمَارَةٍ. فَفِي إجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ: رِوَايَتَانِ) . إحْدَاهُمَا: يُجْبَرُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ: لَا يُجْبَرُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ هُنَا وَالْخِلَافَ كَالْخِلَافِ فِي الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ إذَا انْهَدَمَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، نَقْلًا وَمَذْهَبًا وَتَفْصِيلًا. قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُجْبَرُ هُنَا قَوْلًا وَاحِدًا. وَحَكَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْحَائِطِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَائِطَ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، بِخِلَافِ الْقَنَاةِ وَالْبِئْرِ. قَوْلُهُ (وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ عِمَارَتِهِ) . بِلَا نِزَاعٍ. قَوْلُهُ (فَإِذَا عَمَّرَهُ فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْمِلْكِ وَالْإِبَاحَةِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الْخِلَافِ الْكَبِيرِ لِلْقَاضِي، وَالتَّمَامِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ: لَهُ الْمَنْعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْقَنَاةِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَيَشْهَدُ لَهُ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ بِالْمَنْعِ مِنْ سُكْنَى السُّفْلِ
стр. 2367
إذَا بَنَاهُ صَاحِبُ الْعُلْوِ. وَمَنْعُ الشَّرِيكِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْحَائِطِ إذَا أُعِيدَ بِآلَتِهِ الْعَتِيقَةِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
فَوَائِدُ الْأُولَى: لَوْ اتَّفَقَا عَلَى بِنَاءِ حَائِطِ بُسْتَانٍ، فَبَنَى أَحَدُهُمَا. فَمَا تَلِفَ مِنْ الثَّمَرَةِ بِسَبَبِ إهْمَالِ الْآخَرِ: يَضْمَنُهُ الَّذِي أَهْمَلَ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ السُّفْلُ لِوَاحِدٍ وَالْعُلْوُ لِآخَرَ، فَالسَّقْفُ بَيْنَهُمَا، لَا لِصَاحِبِ الْعُلْوِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَالْإِجْبَارُ إذَا انْهَدَمَ السَّقْفُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَائِطِ الَّذِي بَيْنَهُمَا إذَا انْهَدَمَ. وَلَوْ انْهَدَمَ الْجَمِيعُ، فَلِرَبِّ الْعُلْوِ إجْبَارُ صَاحِبِ السُّفْلِ عَلَى بِنَائِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْبُلْغَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ: أُجْبِرَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَالْقَوَاعِدِ. وَعَنْهُ لَا يُجْبَرُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ يَنْفَرِدُ صَاحِبُ السُّفْلِ بِبِنَاءِ السُّفْلِ، أَوْ يُشْرِكُهُ فِيهِ صَاحِبُ الْعُلْوِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إذَا طَلَبَهُ صَاحِبُ السُّفْلِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ، وَالْقَوَاعِدِ. إحْدَاهُمَا: يَنْفَرِدُ صَاحِبُ السُّفْلِ بِالْبِنَاءِ إلَى حَدِّهِ. وَيَنْفَرِدُ صَاحِبُ الْعُلْوِ بِبِنَائِهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَالثَّانِيَةُ: يُشْرِكُهُ صَاحِبُ الْعُلْوِ فِيمَا يَحْمِلُهُ مِنْهُ. وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ بِنَاءُ السُّفْلِ، وَفِي مَنْعِهِ السُّكْنَى: مَا سَلَفَ مِنْ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ.
стр. 2368
الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَبَقَةٌ ثَالِثَةٌ، فَهَلْ يَشْتَرِكُ الثَّلَاثَةُ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ، وَالِاثْنَانِ فِي بِنَاءِ الْوَسَطِ؟ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ حُكْمًا وَمَذْهَبًا. وَكَذَا الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ فَأَكْثَرُ. وَصَاحِبُ الْوَسَطِ مَعَ مَنْ فَوْقَهُ كَمَنْ تَحْتَهُ مَعَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: إذَا كَانُوا ثَلَاثَ طِبَاقٍ. فَإِنْ بَنَى رَبُّ الْعُلْوِ، فَفِي مَنْعِ رَبِّ السُّفْلِ الِانْتِفَاعَ بِالْعَرْصَةِ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ: احْتِمَالَانِ. قُلْت: الْأَوْلَى: الْمَنْعُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
[كِتَابُ الْحَجْرِ]
ِ فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: " حَجْرُ الْفَلَسِ " عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ الْحَاكِمِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ يَعْجِزُ عَنْهُ مَالُهُ الْمَوْجُودُ مُدَّةَ الْحَجْرِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ (وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ) وَحَجْرٌ لِحَظِّ نَفْسِهِ. فَالْحَجْرُ لِحَقِّ الْغَيْرِ: كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَالْمَرِيضِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَالْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ، وَالْمُشْتَرِي إذَا كَانَ الثَّمَنُ فِي الْبَلَدِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ فَصْلِ خِيَارِ التَّوْلِيَةِ. وَالْمُشْتَرِي بَعْدَ طَلَبِ شَفِيعٍ. وَالْمُرْتَدِّ يُحْجَرُ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَالرَّاهِنِ وَالزَّوْجَةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فِي التَّبَرُّعِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْبَابِ. وَالْحَجْرُ لِحَظِّ نَفْسِهِ: كَالْحَجْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّفِيهِ فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَسْبَابٍ لِلْحَجْرِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يَحْجُرُ حَاكِمٌ عَلَى مُقَتِّرٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَاخْتَارَ الْأَزَجِيُّ: بَلَى. فَيَكُونُ هَذَا سَبَبًا آخَرَ، عَلَى قَوْلِهِ.
стр. 2369
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (فَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ: فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُ إلَّا أَنْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ) . بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ مِنْ شَرْطِ الْكَفِيلِ: أَنْ يَكُونَ مَلِيئًا. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. وَهُوَ وَاضِحٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَهُ: فَفِي مَنْعِهِ رِوَايَتَانِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرِهِمْ.
إحْدَاهُمَا: لَهُ مَنْعُهُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَلَهُ مَنْعُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: مُنِعَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَالْعُمْدَةِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي السَّفَرِ، سَوَاءٌ كَانَ مَخُوفًا أَوْ غَيْرَ مَخُوفٍ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَلَعَلَّهُ الصَّوَابُ. وَمَحَلُّهُمَا عِنْدَ صَاحِبِ الْفُرُوعِ إذَا كَانَ السَّفَرُ مَخُوفًا. كَالْجِهَادِ وَنَحْوِهِ. وَحَكَى فِي السَّفَرِ غَيْرِ الْمَخُوفِ وَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: فَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا مُدَّةً قَبْلَ أَجَلِ الدَّيْنِ، جَازَ كَالْجِهَادِ. وَأَدْخَلَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ فِي السَّفَرِ الْمَخُوفِ: الْحَجَّ. وَمَحَلُّهُمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَابْنِ الْبَنَّا، وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ،
стр. 2370
وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ: فِي غَيْرِ الْجِهَادِ. فَأَمَّا فِي الْجِهَادِ: فَيُمْنَعُ، حَتَّى يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمِينٍ، عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ. وَأَنَّ الْجِهَادَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فَلَهُ السَّفَرُ دُونَ أَجَلِهِ. وَعَنْهُ لَا يُسَافِرُ غَيْرَ مُجَاهِدٍ، حَتَّى يَأْتِيَ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمِينٍ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. فَإِنَّ ظَاهِرَهُ كَذَلِكَ. فَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَبَعِيدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِهَادِ: أَنَّهُ لَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ. وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الْخِلَافَ، وَأَنَّ لَنَا قَوْلًا: لَا يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، وَقَوْلًا: إذَا كَانَ الْمَدْيُونُ جُنْدِيًّا مَوْثُوقًا بِهِ لَا يَسْتَأْذِنُهُ. وَيَسْتَأْذِنُهُ غَيْرُهُ. وَمَحَلُّهُمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا. وَالشَّارِحِ، وَجَمَاعَةٍ: إذَا كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا. لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا رِوَايَةَ عَدَمِ الْمَنْعِ. فَقَالُوا: لِأَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ بِأَمَارَةٍ عَلَى مَنْعِ الْحَقِّ فِي مَحَلِّهِ. فَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْهُ. كَالسَّفَرِ الْقَصِيرِ. وَلَعَلَّهُ أَوْلَى. فَهَذِهِ سِتُّ طُرُقٍ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ: أَنَّ لِغَرِيمِهِ مَنْعَهُ حَتَّى يُقِيمَ كَفِيلًا بِبَدَنِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ. قُلْت: مِنْ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ، إذَا كَانَ لَهُ حِرْفَةٌ: يُلْزَمُ بِإِيجَارِ نَفْسِهِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ. فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُمْنَعَ لِيَعْمَلَ.
стр. 2371
الثَّانِيَةُ: لَوْ طُلِبَ مِنْهُ دَيْنٌ حَالٌّ يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ، فَسَافَرَ قَبْلَ وَفَائِهِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ. وَإِنْ لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُ الدَّيْنُ الْحَالُّ، أَوْ يَحِلُّ فِي سَفَرِهِ، فَقِيلَ: لَهُ الْقَصْرُ وَالتَّرَخُّصُ، لِئَلَّا يُحْبَسَ قَبْلَ طَلَبِهِ كَحَبْسِ الْحَاكِمِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَ فِي قَضَائِهِ، لِئَلَّا يَمْنَعَ وَاجِبًا. ذَكَرَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ابْنُ عَقِيلٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْخَمْسِينَ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا ابْنُ حَمْدَانَ. وَقِيلَ: إنْ سَافَرَ وَكِيلٌ فِي الْقَضَاءِ: لَمْ يَتَرَخَّصْ. قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْبَنِيَ الْخِلَافُ هُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الدَّفْعِ قَبْلَ الطَّلَبِ وَعَدَمِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ الْقَرْضِ. وَالْمَذْهَبُ: لَا يَجِبُ قَبْلَ الطَّلَبِ. فَلَهُ الْقَصْرُ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ حَالًّا، وَلَهُ مَالٌ يَفِي بِهِ: لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ. وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِوَفَائِهِ. فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ) الْقَوْلُ بِالْحَبْسِ: اخْتَارَهُ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. وَهُوَ الصَّوَابُ. وَلَا تَخْلُصُ الْحُقُوقُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ غَالِبًا إلَّا بِهِ، وَبِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ: أَوَّلُ مَنْ حَبَسَ عَلَى الدَّيْنِ: شُرَيْحٌ الْقَاضِي. «وَمَضَتْ السُّنَّةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ ﵃: أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ عَلَى الدُّيُونِ، لَكِنْ يَتَلَازَمُ الْخَصْمَانِ» . وَأَمَّا الْحَبْسُ الْآنَ عَلَى الدَّيْنِ: فَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَتَكَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَأَطَالَ. ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالطَّبَقَاتِ.
فَائِدَةٌ:
إذَا حُبِسَ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ إخْرَاجُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُهُ، أَوْ يُبْرِئَهُ غَرِيمُهُ أَوْ يَرْضَى بِإِخْرَاجِهِ.
стр. 2372
فَإِذَا تَبَيَّنَ أَمْرُهُ: لَمْ يَسَعْ الْحَاكِمَ حَبْسُهُ، وَلَوْ لَمْ يَرْضَ غَرِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ مَحْضٌ. قَوْلُهُ (فَإِنْ أَصَرَّ: بَاعَ مَالَهُ. وَقَضَى دَيْنَهُ) إذَا أَصَرَّ عَلَى الْحَبْسِ، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: يَبِيعُ الْحَاكِمُ مَالَهُ. وَيَقْضِي دَيْنَهُ، مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: أَبَى الضَّرْبَ الْأَكْثَرُونَ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: إذَا أَصَرَّ عَلَى الْحَبْسِ، وَصَبَرَ عَلَيْهِ: ضَرَبَهُ الْحَاكِمُ نَقَلَهُ حَنْبَلٌ. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْمُنْتَخَبِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ: يَحْبِسُهُ. فَإِنْ أَبَى عَزَّرَهُ. قَالَ: وَيُكَرِّرُ حَبْسَهُ وَتَعْزِيرَهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: نَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ وَغَيْرِهِمْ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا، لَكِنْ لَا يُزَادُ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَى أَكْثَرِ التَّعْزِيرِ، إنْ قِيلَ بِتَقْدِيرِهِ. انْتَهَى.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: مَتَى بَاعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُحْبَسُ. فَإِنْ لَمْ يَقْضِ بَاعَ الْحَاكِمُ وَقَضَاهُ. فَظَاهِرُهُ: يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ بَيْعُهُ. نَقَلَ حَنْبَلٌ: إذَا تَقَاعَدَ بِحُقُوقِ النَّاسِ: يُبَاعُ عَلَيْهِ، وَيَقْضِي. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيعَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ طُولِبَ بِأَدَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ إمْهَالًا: أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا. لَكِنْ إنْ خَافَ غَرِيمُهُ مِنْهُ: احْتَاطَ عَلَيْهِ بِمُلَازَمَةٍ، أَوْ كَفِيلٍ، أَوْ تَرْسِيمٍ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ مَطَلَ غَرِيمُهُ حَتَّى أَحْوَجَهُ إلَى الشِّكَايَةِ، فَمَا غَرِمَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ يَلْزَمُ الْمُمَاطِلَ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ أَيْضًا.
стр. 2373
قُلْت: وَنَظِيرُ ذَلِكَ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي أَثْنَاءِ فَصْلِ " وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ " ثُمَّ قَالَ: وَإِلَّا أُمِرَ بِالتَّوْكِيلِ. وَإِنْ احْتَاجَ إلَى أُجْرَةٍ فَمِنْ مَالِ الْجَانِي. وَكَذَا أُجْرَةُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ عَلَى السَّارِقِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابٍ مِنْ الدَّعَاوَى: وَإِنْ أَحْضَرَ الْمُدَّعَى بِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلْمُدَّعِي: لَزِمَهُ مُؤْنَةُ إحْضَارِهِ وَرَدِّهِ، وَإِلَّا لَزِمَا الْمُنْكِرَ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ﵀ فِي الضَّمَانِ: إذَا تَغَيَّبَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ حَتَّى غَرِمَ الضَّامِنُ شَيْئًا بِسَبَبِهِ، أَوْ أَنْفَقَهُ فِي الْحَبْسِ: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ. وَقَالَ أَيْضًا: لَوْ غَرِمَ بِسَبَبِ كَذِبٍ عَلَيْهِ عِنْدَ وَلِيِّ الْأَمْرِ: رَجَعَ بِهِ عَلَى الْكَاذِبِ ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ فِي أَوَائِلِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى الْإِعْسَارَ، وَكَانَ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ: حُبِسَ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى نَفَادِ مَالِهِ، أَوْ إعْسَارِهِ. وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) إذَا ادَّعَى الْإِعْسَارَ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ، أَوْ يُعْرَفُ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ، كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَنَحْوِهِمَا. وَالْغَالِبُ بَقَاؤُهُ. أَوْ عَنْ غَيْرِ مَالٍ كَالضَّمَانِ وَنَحْوِهِ وَأَقَرَّ أَنَّهُ مَلِيءٌ. أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ: لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. ثُمَّ إنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَخْلُو: إمَّا أَنْ تَشْهَدَ بِنَفَادِ مَالِهِ، أَوْ إعْسَارِهِ. فَإِنْ شَهِدَتْ بِنَفَادِ مَالِهِ أَوْ تَلَفِهِ: حَلَفَ مَعَهَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنْ لَا مَالَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَحْلِفُ مَعَهَا عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: حَلَفَ مَعَهَا، وَفِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي،
стр. 2374
وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْلِفُ مَعَ بَيِّنَةٍ هُنَا. وَإِنْ شَهِدَتْ بِإِعْسَارِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ مِمَّنْ يَخْبَرُ بَاطِنَ حَالِهِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى نَفْيٍ قُبِلَتْ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَحْلِفُ مَعَهَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ: وَلَمْ يَحْلِفْ مَعَهَا، عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مُكَذِّبًا لِبَيِّنَتِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْلِفُ مَعَهَا. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ بَيِّنَتِهِ: أَنَّهُ مُعْسِرٌ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِالظَّاهِرِ.
فَوَائِدُ
إحْدَاهَا: يُكْتَفَى فِي الْبَيِّنَةِ أَنْ تَشْهَدَ بِالتَّلَفِ، أَوْ بِالْإِعْسَارِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمُحَقَّقُ. وِفَاقًا لِلْمَجْدِ وَغَيْرِهِ. قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ فِي التَّلْخِيصِ: أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي الشَّهَادَةِ بِالْإِعْسَارِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ بِالتَّلَفِ وَالْإِعْسَارِ مَعًا. وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: نَشْهَدُ بِذَهَابِهِ وَإِعْسَارِهِ، لَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا.
الثَّانِيَةُ: تُسْمَعُ بَيِّنَةُ إعْسَارِهِ وَنَحْوِهَا قَبْلَ حَبْسِهِ وَبَعْدَهُ، وَلَوْ بِيَوْمٍ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
стр. 2375
الثَّالِثَةُ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِمُدَّعِي الْإِعْسَارِ بَيِّنَةٌ وَالْحَالَةُ مَا تَقَدَّمَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ غَرِيمِهِ مَعَ يَمِينِهِ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عُسْرَتَهُ بِدَيْنِهِ وَكَانَ لَهُ حَبْسُهُ وَمُلَازَمَتُهُ. قَالَهُ فِي الْكَافِي وَالتَّلْخِيصِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ حَلَفَ أَنَّهُ قَادِرٌ: حَبَسَهُ. وَإِلَّا حَلَفَ الْمُنْكِرُ عَلَيْهِمَا. وَخُلِّيَ. وَنَقَلَ ابْنُ حَنْبَلٍ: يُحْبَسُ إنْ عُلِمَ لَهُ مَا يَقْضِي. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ عُرِفَ بِمَالٍ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ مَلِيءٌ بِهِ، وَحَلَفَ غَرِيمُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عُسْرَتَهُ: حُبِسَ. وَفِي الرِّعَايَةِ: يَحْلِفُ أَنَّهُ مُوسِرٌ بِدَيْنِهِ، وَلَا يَعْلَمُ إعْسَارَهُ بِهِ. وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: إذَا حَلَفَ أَنَّهُ ذُو مَالٍ: حُبِسَ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجَمَاعَةِ: أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْمَدْيُونُ تَلَفًا أَوْ إعْسَارًا، أَوْ يَسْأَلَ سُؤَالَهُ. فَتَكُونُ دَعْوَى مُسْتَقِلَّةً. فَإِنْ كَانَ لَهُ بِبَقَاءِ مَالِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ: بَيِّنَةٌ. فَلَا كَلَامَ. وَإِلَّا فَيَمِينُ صَاحِبِ الْحَقِّ بِحَسَبِ جَوَابِ الْمَدْيُونِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا أَظْهَرُ. وَهُوَ مُرَادُهُمْ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى الْإِعْسَارَ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَهُ. انْتَهَى.
وَحَيْثُ قُلْنَا: يَحْلِفُ صَاحِبُ الْحَقِّ وَأَبَى: حَلَفَ الْآخَرُ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ
الرَّابِعَةُ: يُكْتَفَى فِي الْبَيِّنَةِ هُنَا بِاثْنَيْنِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ لَا يَكْفِي أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ. كَمَنْ يُرِيدُ أَخْذَ الزَّكَاةِ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالْغِنَى، وَادَّعَى الْفَقْرَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ: حَلَفَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ) . أَيْ وَإِنْ ادَّعَى الْإِعْسَارَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ، وَدَيْنُهُ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ،
стр. 2376
لَمْ يُقِرَّ بِالْمَلَاءَةِ بِهِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ وَالْغَالِبُ ذَهَابُهُ. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يُحْبَسُ إلَى ظُهُورِ إعْسَارِهِ. وَقَالَ فِي الْبُلْغَةِ: يُحْبَسُ إلَى أَنْ يَثْبُتَ إعْسَارُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ عُرِفَ بِمَالٍ، أَوْ كَانَ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ. كَمَا تَقَدَّمَ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِلْمُفْلِسِ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ، فَأَنْكَرَ، وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدٍ. أَوْ قَالَ " هُوَ لِزَيْدٍ " فَكَذَّبَهُ زَيْدٌ: قُضِيَ دَيْنُ الْمُفْلِسِ مِنْهُ. وَإِنْ صَدَّقَهُ زَيْدٌ، فَهَلْ يُقْضَى دَيْنُ الْمُفْلِسِ مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
إحْدَاهُمَا: لَا يُقْضَى مِنْهُ. وَيَكُونُ لِزَيْدٍ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِاحْتِمَالِ التَّوَاطُؤِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَالنَّظْمِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لِزَيْدٍ مُضَارَبَةً. قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إنْ صَدَّقَهُ زَيْدٌ، أَوْ كَانَ غَائِبًا. وَالثَّانِي: يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُهُ. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَدِينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّ الْبَيِّنَةَ هُنَا لَا يُعْتَبَرُ لَهَا تَقَدُّمُ دَعْوَى وَإِنْ كَانَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْمُصَدِّقِ بَيِّنَةٌ قُدِّمَتْ لِإِقْرَارِ رَبِّ الْيَدِ. وَفِي الْمُنْتَخَبِ: بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ.
стр. 2377
الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْسِرِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا حَقَّ عَلَيْهِ وَيَتَأَوَّلَ. نَصَّ عَلَيْهِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قُلْت لَوْ قِيلَ بِجَوَازِهِ. إذَا تَحَقَّقَ ظُلْمُ رَبِّ الْحَقِّ لَهُ وَحَبْسُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ الْقِيَامِ عَلَى عِيَالِهِ: لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَيْنِهِ. وَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ: لَزِمَهُ إجَابَتُهُمْ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ إنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ دُيُونِهِ، صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَيَأْتِي مَعْنَى ذَلِكَ قَرِيبًا.
تَنْبِيهَاتٌ
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَيْنِهِ " هَكَذَا عِبَارَةُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَنْ لَهُ دُونَ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ حَالٍّ، أَوْ قَدْرِهِ، وَلَا كَسْبَ لَهُ، وَلَا مَا يُنْفِقُ مِنْهُ غَيْرُهُ. أَوْ خِيفَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَجْرَ " أَنَّهُ لَوْ سَأَلَهُ الْبَعْضُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ: لَمْ يَلْزَمْهُ إجَابَتُهُمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي، وَجَمَاعَةٍ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ إجَابَتُهُمْ أَيْضًا. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَزِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِطَلَبِ غُرَمَائِهِ. وَالْأَصَحُّ: أَوْ بَعْضُهُمْ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَهُوَ الصَّوَابُ.
стр. 2378
الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: أَنَّ الْمُعْسِرَ لَوْ طَلَبَ الْحَجْرَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْحَاكِمِ لَا يَلْزَمُهُ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ زَادَ دَيْنُهُ عَلَى الْمَالِ وَقِيلَ: أَوْ طَلَبَ الْمُفْلِسُ الْحَجْرَ مِنْ الْحَاكِمِ لَزِمَهُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ طَلَبَهُ الْمُفْلِسُ وَحْدَهُ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: بِسُؤَالِهِ فِي وَجْهِهِ.
قَوْلُهُ (وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ أَحَدُهَا: تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ. فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ. وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ إلَّا بِالْعِتْقِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) .
اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ، وَتَصَرَّفَ. فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَهُ. فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ: صَحَّ تَصَرُّفُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَلَوْ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ مَالِهِ، حَتَّى قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَحَكَاهُ رِوَايَةً. وَاخْتَارَهُ. وَسَأَلَهُ جَعْفَرٌ: مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: الشَّيْءِ الْيَسِيرِ. وَقَضَاءُ دَيْنِهِ أَوْجَبُ عَلَيْهِ. قُلْت: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ، خُصُوصًا وَقَدْ كَثُرَتْ حِيَلُ النَّاسِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْخَمْسِينَ. وَقَالَ: الْمُفْلِسُ إذَا طَلَبَ الْبَائِعُ مِنْهُ سِلْعَتَهُ الَّتِي يَرْجِعُ بِهَا قَبْلَ الْحَجْرِ: لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَ نُصُوصٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمُطَالَبَةِ الْبَائِعِ.
стр. 2379
وَعَنْهُ لَهُ مَنْعُ ابْنِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِمَا يَضُرُّهُ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ تَصَدَّقَ وَأَبَوَاهُ فَقِيرَانِ رُدَّ عَلَيْهِمَا. لَا لِمَنْ دُونَهُمَا. وَنَصَّ فِي رِوَايَةٍ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَوْصَى لِأَجَانِبَ، وَلَهُ أَقَارِبُ مُحْتَاجُونَ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ: فَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ تَبَرَّعَ وَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ لِوَارِثٍ أَوْ دَيْنٌ، وَلَيْسَ لَهُ وَفَاءٌ: أَنَّهُ يُرَدُّ. وَلِهَذَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ فِي الدَّيْنِ خَاصَّةً عَلَى رِوَايَةٍ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِمَالِهِ كُلِّهِ قَالَ: هَذَا مَرْدُودٌ، وَلَوْ كَانَ فِي حَيَاتِهِ: لَمْ أُجَوِّزْ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ إنْ أَضَرَّ بِغَرِيمِهِ. ذَكَرَهُ الْأَدَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. وَهُوَ حَسَنٌ. وَإِنْ تَصَرَّفَ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَتَصَرَّفَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِغَيْرِهِ. فَإِنْ تَصَرَّفَ بِالْعِتْقِ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي صِحَّةِ عِتْقِهِ رِوَايَتَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
إحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ: هَذَا أَصَحُّ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
стр. 2380
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَصِحُّ عِتْقُهُ عَلَى الْأَقْيَسِ. وَإِنْ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ الْعِتْقِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَدْبِيرِ رَقِيقِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ بِالتَّدْبِيرِ: صَحَّ، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ. أَوْ غَيْرِهِ. فَإِنْ كَانَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ: لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ: يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِالصَّدَقَةِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَضُرَّ. قُلْت: إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ مِمَّا جَرَتْ بِهِ، وَيُتَسَامَحُ بِمِثْلِهِ: فَيَبْغِي أَنْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ. وَفِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا: تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ. بِشَرْطِ أَنْ لَا يَضُرَّ بِمَالِهِ. انْتَهَى.
وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ بِغَيْرِ الْيَسِيرِ: لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ: إنْ تَصَرَّفَ قَبْلَ طَلَبِ رَبِّ الْعَيْنِ لَهَا: جَازَ، لَا بَعْدُ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: لَوْ بَاعَ مَالَهُ لِغَرِيمٍ بِكُلِّ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ لِرِضَاهُمَا بِهِ. وَهُوَ ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامْ أَحْمَدْ ﵀. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَصِحّ. لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ غَرِيمٍ آخَرَ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
الثَّانِيَةُ: يَمْلِكُ رَدَّ مَعِيبٍ اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْحَجْرِ. وَيَمْلِكُ الرَّدَّ بِخِيَارٍ غَيْرِ مُتَقَيِّدٍ
стр. 2381
بِالْأَحَظِّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْأَحَظِّ عَلَى الْأَظْهَرِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَلَهُ رَدُّ مَا اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْحَجْرِ بِعَيْبٍ، أَوْ خِيَارٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فِي الثَّانِيَةِ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ فِيهِ حَظٌّ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ ضَمَانٍ، أَوْ إقْرَارٍ: صَحَّ. وَيُتَّبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ حَجْرٍ عَنْهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. فَلَا يُشَارِكُونَ مَنْ كَانَ دَيْنُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ. وَفِي الْمُبْهِجِ: فِي جَاهِلٍ بِهِ وَجْهَانِ. وَعَنْهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ إنْ أَضَافَهُ إلَى مَا قَبْلَ الْحَجْرِ، أَوْ أَدَانَهُ عَامِلٌ قَبْلَ قِرَاضِهِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارِكَهُمْ مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ لَزِمَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ عَيْنٍ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. وَتَقَدَّمَ نَقْلُ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ. وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الضَّمَانِ: أَنَّ صَاحِبَ التَّبْصِرَةِ حَكَى رِوَايَةً بِعَدَمِ صِحَّةِ ضَمَانِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا عَدَمُ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فِي ذِمَّتِهِ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ مَنْ عَامَلَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ لَا يَرْجِعُ بِعَيْنِ مَالِهِ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى
стр. 2382
وَقِيلَ: يَرْجِعُ أَيْضًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ مَعَ جَهْلِهِ الْحَجْرَ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَهُوَ حَسَنٌ. وَهَذَا الْأَخِيرُ الْمَذْهَبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (الثَّانِي: أَنَّ مَنْ وَجَدَ عِنْدَهُ عَيْنًا بَاعَهَا إيَّاهُ. فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا، وَلَمْ يَنْقُدْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا، وَالسِّلْعَةُ بِحَالِهَا. لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا، وَلَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهَا بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا، كَنَسْجِ الْغَزْلِ، وَخَبْزِ الدَّقِيقِ. وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ: مِنْ شُفْعَةٍ، أَوْ جِنَايَةٍ، أَوْ رَهْنٍ، وَنَحْوِهِ، وَلَمْ تَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً: كَالسِّمَنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِاخْتِصَاصِ رَبِّ الْعَيْنِ الْمُبَاعَةِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَ الْحَجْرِ فِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ شُرُوطًا. مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا. فَلَوْ مَاتَ كَانَ صَاحِبُهَا أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: ذَلِكَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْحَجْرِ.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ رَبَّ الْعَيْنِ لَوْ مَاتَ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَخْذُ السِّلْعَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ صَاحِبُهَا حَيًّا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ الْمُصَنِّفِ، وَالْمَجْدِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِمْ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَلِرَبِّهِ دُونَ وَرَثَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ أَخْذُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ
стр. 2383
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: مِنْ الشُّرُوطِ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ حَيًّا، إذْ لَا رُجُوعَ لِلْوَرَثَةِ. لِلْحَدِيثِ. وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ. انْتَهَى.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ نَقَدَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا. فَإِنْ كَانَ نَقَدَ مِنْهُ شَيْئًا كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا. وَكَذَا لَمْ يُزَلْ مِلْكُهُ عَنْ بَعْضِهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَقْفٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. إنْ كَانَ عَيْنًا وَاحِدَةً. وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ كَعَبْدَيْنِ، أَوْ ثَوْبَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا أَوْ نَقَصَ وَنَحْوُهُ: رَجَعَ فِي الْعَيْنِ الْأُخْرَى. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَعَنْهُ: لَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَجَمَاعَةٍ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَقَالَ: وَلَعَلَّ مَبْنَاهُمَا أَنَّ الْعَقْدَ: هَلْ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَبِيعِ أَمْ لَا؟ وَحُكْمُ انْتِقَالِ الْبَعْضِ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ حُكْمُ التَّلَفِ. انْتَهَى.
قُلْت: تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ كِتَابَةٍ وَبَيْعٍ " أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَبِيعِ، عَلَى الصَّحِيحِ.
تَنْبِيهٌ:
مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ تَلَفِ الْبَعْضِ: إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ. فَأَفْلَسَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، تَنْزِيلًا لِلْمُدَّةِ مَنْزِلَةَ الْمَبِيعِ، وَمُضِيِّ بَعْضِهَا بِمَنْزِلَةِ تَلَفِ بَعْضِهَا. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ: لَهُ الرُّجُوعُ. وَهَلْ يَلْزَمُهُ تَبْقِيَةُ زَرْعِ الْمُفْلِسِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
стр. 2384
ثُمَّ هَلْ يُضْرَبُ بِهَا لَهُ مَعَ الْغُرَمَاءِ؟ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، أَوْ يُقَدَّمُ بِهَا عَلَيْهِمْ؟ قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ.
فَوَائِدُ:
إحْدَاهُمَا: لَوْ وَطِئَ الْبِكْرَ: امْتَنَعَ الرُّجُوعُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَمْتَنِعُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا جُرِحَ الْعَبْدُ: فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَرْجِعُ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: يَرْجِعُ. فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا أَرْشَ لَهُ، كَالْحَاصِلِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ فِعْلِ بَهِيمَةٍ، أَوْ جِنَايَةِ الْمُفْلِسِ، أَوْ عَبْدِهِ، أَوْ جِنَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ: فَلَا أَرْشَ لَهُ مَعَ الرُّجُوعِ. وَإِنْ كَانَ الْجِرَاحُ مُوجِبًا لِلْأَرْشِ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ فَلِلْبَائِعِ إذَا رَجَعَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ مَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَوْ وَطِئَ الثَّيِّبَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْأَصَحِّ، إذَا لَمْ تَحْمِلْ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: لَا يَمْنَعُ الْأَخْذُ تَزَوُّجَ الْأَمَةِ. فَإِذَا أَخَذَهَا الْبَائِعُ بَطَلَ النِّكَاحُ فِي الْأَقْيَسِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ.
стр. 2385
الثَّالِثَةُ: لَوْ خَرَجَتْ السِّلْعَةُ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ، وَرَجَعَتْ بَعْدَ الْحَجْرِ، فَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ. قَالَ النَّاظِمُ: عَادَ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَوِيِّ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هِيَ كَعَوْدِ الْمَوْهُوبِ إلَى الِابْنِ بَعْدَ زَوَالِهِ. هَلْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ أَمْ لَا؟ . قُلْت: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ. عَلَى مَا يَأْتِي. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِرْثٍ، وَوَصِيَّةٍ لَمْ يَرْجِعْ. وَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِفَسْخٍ كَالْإِقَالَةِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْخِيَارِ وَنَحْوِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي رُجُوعِ الْأَبِ إذَا رَجَعَ إلَى الِابْنِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي الْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَحَيْثُ قُلْنَا: لَهُ الرُّجُوعُ: لَوْ اشْتَرَاهَا، ثُمَّ بَاعَهَا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا. فَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِهَا الْبَائِعُ الْأَوَّلُ، لِسَبْقِهِ. وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ الثَّانِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَمِنْهَا: بَقَاءُ صِفَةِ السِّلْعَةِ. فَلَوْ تَغَيَّرَتْ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا كَنَسْجِ الْغَزْلِ، وَخَبْزِ الدَّقِيقِ، وَطَحْنِ الْحِنْطَةِ، وَعَمَلِ الزَّيْتِ صَابُونًا، أَوْ قَطْعِ الثَّوْبِ قَمِيصًا، أَوْ نَجْرِ الْخَشَبِ أَبْوَابًا، أَوْ عَمَلِ الشَّرِيطِ أُبَرًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ امْتَنَعَ الرُّجُوعُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
следующие страницы →