Полный текст (5 685 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
بِالْأَحَظِّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْأَحَظِّ عَلَى الْأَظْهَرِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَلَهُ رَدُّ مَا اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْحَجْرِ بِعَيْبٍ، أَوْ خِيَارٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فِي الثَّانِيَةِ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ فِيهِ حَظٌّ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ ضَمَانٍ، أَوْ إقْرَارٍ: صَحَّ. وَيُتَّبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ حَجْرٍ عَنْهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. فَلَا يُشَارِكُونَ مَنْ كَانَ دَيْنُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ. وَفِي الْمُبْهِجِ: فِي جَاهِلٍ بِهِ وَجْهَانِ. وَعَنْهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ إنْ أَضَافَهُ إلَى مَا قَبْلَ الْحَجْرِ، أَوْ أَدَانَهُ عَامِلٌ قَبْلَ قِرَاضِهِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارِكَهُمْ مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ لَزِمَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ عَيْنٍ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. وَتَقَدَّمَ نَقْلُ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ. وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الضَّمَانِ: أَنَّ صَاحِبَ التَّبْصِرَةِ حَكَى رِوَايَةً بِعَدَمِ صِحَّةِ ضَمَانِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا عَدَمُ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فِي ذِمَّتِهِ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ مَنْ عَامَلَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ لَا يَرْجِعُ بِعَيْنِ مَالِهِ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى
стр. 2382
وَقِيلَ: يَرْجِعُ أَيْضًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ مَعَ جَهْلِهِ الْحَجْرَ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَهُوَ حَسَنٌ. وَهَذَا الْأَخِيرُ الْمَذْهَبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (الثَّانِي: أَنَّ مَنْ وَجَدَ عِنْدَهُ عَيْنًا بَاعَهَا إيَّاهُ. فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا، وَلَمْ يَنْقُدْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا، وَالسِّلْعَةُ بِحَالِهَا. لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا، وَلَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهَا بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا، كَنَسْجِ الْغَزْلِ، وَخَبْزِ الدَّقِيقِ. وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ: مِنْ شُفْعَةٍ، أَوْ جِنَايَةٍ، أَوْ رَهْنٍ، وَنَحْوِهِ، وَلَمْ تَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً: كَالسِّمَنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِاخْتِصَاصِ رَبِّ الْعَيْنِ الْمُبَاعَةِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَ الْحَجْرِ فِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ شُرُوطًا. مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا. فَلَوْ مَاتَ كَانَ صَاحِبُهَا أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: ذَلِكَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْحَجْرِ.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ رَبَّ الْعَيْنِ لَوْ مَاتَ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَخْذُ السِّلْعَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ صَاحِبُهَا حَيًّا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ الْمُصَنِّفِ، وَالْمَجْدِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِمْ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَلِرَبِّهِ دُونَ وَرَثَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ أَخْذُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ
стр. 2383
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: مِنْ الشُّرُوطِ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ حَيًّا، إذْ لَا رُجُوعَ لِلْوَرَثَةِ. لِلْحَدِيثِ. وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ. انْتَهَى.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ نَقَدَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا. فَإِنْ كَانَ نَقَدَ مِنْهُ شَيْئًا كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا. وَكَذَا لَمْ يُزَلْ مِلْكُهُ عَنْ بَعْضِهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَقْفٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. إنْ كَانَ عَيْنًا وَاحِدَةً. وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ كَعَبْدَيْنِ، أَوْ ثَوْبَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا أَوْ نَقَصَ وَنَحْوُهُ: رَجَعَ فِي الْعَيْنِ الْأُخْرَى. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَعَنْهُ: لَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَجَمَاعَةٍ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَقَالَ: وَلَعَلَّ مَبْنَاهُمَا أَنَّ الْعَقْدَ: هَلْ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَبِيعِ أَمْ لَا؟ وَحُكْمُ انْتِقَالِ الْبَعْضِ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ حُكْمُ التَّلَفِ. انْتَهَى.
قُلْت: تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ كِتَابَةٍ وَبَيْعٍ " أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَبِيعِ، عَلَى الصَّحِيحِ.
تَنْبِيهٌ:
مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ تَلَفِ الْبَعْضِ: إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ. فَأَفْلَسَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، تَنْزِيلًا لِلْمُدَّةِ مَنْزِلَةَ الْمَبِيعِ، وَمُضِيِّ بَعْضِهَا بِمَنْزِلَةِ تَلَفِ بَعْضِهَا. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ: لَهُ الرُّجُوعُ. وَهَلْ يَلْزَمُهُ تَبْقِيَةُ زَرْعِ الْمُفْلِسِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
стр. 2384
ثُمَّ هَلْ يُضْرَبُ بِهَا لَهُ مَعَ الْغُرَمَاءِ؟ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، أَوْ يُقَدَّمُ بِهَا عَلَيْهِمْ؟ قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ.
فَوَائِدُ:
إحْدَاهُمَا: لَوْ وَطِئَ الْبِكْرَ: امْتَنَعَ الرُّجُوعُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَمْتَنِعُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا جُرِحَ الْعَبْدُ: فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَرْجِعُ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: يَرْجِعُ. فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا أَرْشَ لَهُ، كَالْحَاصِلِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ فِعْلِ بَهِيمَةٍ، أَوْ جِنَايَةِ الْمُفْلِسِ، أَوْ عَبْدِهِ، أَوْ جِنَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ: فَلَا أَرْشَ لَهُ مَعَ الرُّجُوعِ. وَإِنْ كَانَ الْجِرَاحُ مُوجِبًا لِلْأَرْشِ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ فَلِلْبَائِعِ إذَا رَجَعَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ مَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَوْ وَطِئَ الثَّيِّبَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْأَصَحِّ، إذَا لَمْ تَحْمِلْ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: لَا يَمْنَعُ الْأَخْذُ تَزَوُّجَ الْأَمَةِ. فَإِذَا أَخَذَهَا الْبَائِعُ بَطَلَ النِّكَاحُ فِي الْأَقْيَسِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ.
стр. 2385
الثَّالِثَةُ: لَوْ خَرَجَتْ السِّلْعَةُ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ، وَرَجَعَتْ بَعْدَ الْحَجْرِ، فَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ. قَالَ النَّاظِمُ: عَادَ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَوِيِّ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هِيَ كَعَوْدِ الْمَوْهُوبِ إلَى الِابْنِ بَعْدَ زَوَالِهِ. هَلْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ أَمْ لَا؟ . قُلْت: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ. عَلَى مَا يَأْتِي. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِرْثٍ، وَوَصِيَّةٍ لَمْ يَرْجِعْ. وَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِفَسْخٍ كَالْإِقَالَةِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْخِيَارِ وَنَحْوِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي رُجُوعِ الْأَبِ إذَا رَجَعَ إلَى الِابْنِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي الْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَحَيْثُ قُلْنَا: لَهُ الرُّجُوعُ: لَوْ اشْتَرَاهَا، ثُمَّ بَاعَهَا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا. فَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِهَا الْبَائِعُ الْأَوَّلُ، لِسَبْقِهِ. وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ الثَّانِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَمِنْهَا: بَقَاءُ صِفَةِ السِّلْعَةِ. فَلَوْ تَغَيَّرَتْ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا كَنَسْجِ الْغَزْلِ، وَخَبْزِ الدَّقِيقِ، وَطَحْنِ الْحِنْطَةِ، وَعَمَلِ الزَّيْتِ صَابُونًا، أَوْ قَطْعِ الثَّوْبِ قَمِيصًا، أَوْ نَجْرِ الْخَشَبِ أَبْوَابًا، أَوْ عَمَلِ الشَّرِيطِ أُبَرًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ امْتَنَعَ الرُّجُوعُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
стр. 2386
وَقَالَ فِي الْمُوجَزِ: إنْ أَحْدَثَ صَنْعَةً كَنَسْجِ غَزْلٍ، وَعَمَلِ الدُّهْنِ صَابُونًا فَرِوَايَتَانِ. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: لَا يَأْخُذُهُ. وَعَنْهُ: بَلَى، وَيُشَارِكُهُ الْمُفْلِسُ فِي الزِّيَادَةِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مِنْ عِنْدِهِ إنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَةُ الْحَبِّ بِطَحْنِهِ، وَالدَّقِيقِ بِخَبْزِهِ، وَالْغَزْلِ بِنَسْجِهِ: رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا.
فَائِدَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ حَبًّا فَصَارَ زَرْعًا، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ نَوَى فَنَبَتَ شَجَرًا، أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فَرْخًا: سَقَطَ الرُّجُوعُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الرُّجُوعَ. وَاخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ. وَرَدَّهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ خُلِطَ الْمَبِيعُ أَوْ بَعْضُهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ. فَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا: سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَطَعَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَدْ يُقَالُ: يَنْبَنِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الْخَلْطَ: هَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِتْلَافِ أَمْ لَا؟ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ. بَلْ وَجَدَهُ حُكْمًا. انْتَهَى.
قُلْت: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْخَلْطَ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ. وَإِنَّمَا هُوَ اشْتِرَاكٌ عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْغَصْبِ فِي قَوْلِهِ " وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ ". وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ شُفْعَةٍ. فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ شُفْعَةٍ: امْتَنَعَ الرُّجُوعُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ. وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، فِي مَوْضِعٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ.
стр. 2387
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: لَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ. اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَقَالَ فِي الْكُبْرَى، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَإِنْ اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا فَلِبَائِعِهِ الرُّجُوعُ. وَقِيلَ: الشَّفِيعُ أَحَقُّ بِهِ. وَقِيلَ: إنْ طَالَبَ الشَّفِيعُ: امْتَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْكَافِي، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ رَهْنٍ. فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ رَهْنٍ: امْتَنَعَ الرُّجُوعُ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. لَكِنْ إذَا كَانَ الرَّهْنُ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ، فَمَا فَضَلَ مِنْهُ: رُدَّ عَلَى الْمَالِ. وَلَيْسَ لِبَائِعِهِ الرُّجُوعُ فِي الْفَاضِلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَجْزُومًا بِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يُخَرَّجُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ تَلَفَ بَعْضِ الْمَبِيعِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ. فَكَذَلِكَ ذَهَابُ بَعْضِهِ بِالْبَيْعِ. انْتَهَى.
فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ، فَرَهَنَ أَحَدَهُمَا. فَهَلْ يَمْلِكُ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي الْأُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا تَلِفَ أَحَدُ الْعَيْنَيْنِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ: لَهُ الرُّجُوعُ هُنَاكَ. فَكَذَا هُنَا.
فَائِدَةٌ:
لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ، وَضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْ الدُّيُونِ: قُدِّمَ الْمُرْتَهِنُ بِرَهْنِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ: هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ آخِرَ الرَّهْنِ.
стр. 2388
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ جِنَايَةٍ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا، ثُمَّ يُفْلِسَ بَعْدَ تَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ. فَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ وَالْكَافِي. وَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: حُكْمُهُ حُكْمُ الرَّهْنِ. وَعَلَى الثَّانِي: هُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهِ نَاقِصًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ. وَإِنْ شَاءَ ضَرَبَ بِثَمَنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، فَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمَ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَ: لَوْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ حَقُّ شُفْعَةٍ، أَوْ جِنَايَةٍ، أَوْ رَهْنٍ، ثُمَّ أَفْلَسَ. ثُمَّ أَسْقَطَ الْمُرْتَهِنُ، أَوْ الشَّفِيعُ، أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَقَّهُ: فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِزَوَالِ الْمُزَاحَمَةِ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. انْتَهَى.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا تَزِيدَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً. فَإِنْ زَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، كَالْكِتَابَةِ وَالْقُرْآنِ وَنَحْوِهِمَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالشِّيرَازِيُّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَرَدَّا غَيْرَهُ. قَالَ الْقَاضِي، فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ خِلَافِهِ: هُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَعَنْهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ. وَقَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْهِدَايَةِ،
стр. 2389
وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَقَالَ: وَهُوَ الْقِيَاسُ. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَلَعَلَّهُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ الْمَنْصُوصُ. وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. فَعَلَيْهَا: يَأْخُذُهَا بِزِيَادَتِهَا. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ الْبَنَّا فِي الْخِصَالِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ: فَلَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا. وَذَكَرَ فِي الْإِرْشَادِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْمُوجَزِ، فِي مَنْعِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْ الرُّجُوعِ: رِوَايَتَيْنِ. وَعِنْدَ أَبِي مُوسَى: يَمْنَعُ الْوَلَدُ الرُّجُوعَ فِي أُمِّهِ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ كَانَ حَمْلًا عِنْدَ الْبَيْعِ، أَوْ عِنْدَ الرُّجُوعِ: فَوَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: إنْ كَانَ حَمْلًا عِنْدَ الْبَيْعِ وَالرُّجُوعِ: لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ كَالسِّمَنِ. وَإِنْ كَانَ حَمْلًا عِنْدَ الْبَيْعِ، مُنْفَصِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ: فَوَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَمَعَ الرُّجُوعِ لَا أَرْشَ، عَلَى الْأَظْهَرِ. وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ، حَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ. فَقَالَ فِي الْكُبْرَى: فَوَجْهَانِ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هُوَ كَالسِّمَنِ، وَالْأَظْهَرُ: يُتَّبَعُ فِي الرُّجُوعِ كَالْبَيْعِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، قَالَ الْقَاضِي: إنْ اشْتَرَاهَا حَامِلًا. وَأَفْلَسَ بَعْدَ وَضْعِهَا: فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِمَا مُطْلَقًا.
стр. 2390
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّا إذَا قُلْنَا: لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ. فَهُوَ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ. وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ حُكْمٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنْ كَانَ هُوَ وَالْأُمُّ قَدْ زَادَ بِالْوَضْعِ، فَزِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَزِيدَا: جَازَ الرُّجُوعُ فِيهِمَا. وَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ: خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ تَلِفَ بَعْضُ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ الْبَيْعِ حَائِلًا، وَحَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَزَادَتْ قِيمَتُهَا: فَزِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ. وَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ الْوَضْعِ فَزِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ وَجَدَهَا حَامِلًا: انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ: هَلْ لَهُ حُكْمٌ، فَيَكُونَ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً، يُتَرَبَّصُ بِهِ حَتَّى تَضَعَ، أَوْ لَا حُكْمَ لَهُ كَزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ؟ انْتَهَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُلَخَّصًا قَوْلُهُ (وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ) هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ، وَالْمُجَرَّدِ، وَالشَّرِيفِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُصَنِّفِ. وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ. قَالَ فِي الْكَافِي: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَعَنْهُ: أَنَّهَا لِلْبَائِعِ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَالْخِلَافِ، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ. وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ. وَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ وَاللُّقَطَةِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ وَلَدًا صَغِيرًا: أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى بَذْلِ
стр. 2391
قِيمَتِهِ. وَكَذَا إنْ كَانَ كَبِيرًا، وَقُلْنَا: يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ. فَإِنْ أَبَى بَطَلَ الرُّجُوعُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ: يُبَاعَانِ، وَيُصْرَفُ إلَيْهِ مَا خَصَّ الْأُمَّ. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. فَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ وَلَدَ أَمَةٍ: فَلَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ بَيْعُ الْأُمِّ مَعَهُ. وَلَهُ قِيمَتُهَا ذَاتَ وَلَدٍ بِغَيْرِ وَلَدٍ. زَادَ فِي الْفَائِقِ: وَيُحْتَمَلُ مَنْعُ الرُّجُوعِ فِي الْأُمِّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يَدْفَعْ قِيمَتَهُ فَلَا رُجُوعَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ أَوْ قَصَرَهُ: لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ. وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ) .: هَذَا الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْوَجِيزِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُ: هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: إذَا صَبَغَ الثَّوْبَ، أَوْ لَتَّ السَّوِيقَ بِزَيْتٍ. فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لِبَائِعِ الثَّوْبِ وَالسَّوِيقِ الرُّجُوعُ فِي أَعْيَانِ أَمْوَالِهِمَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ إذَا زَادَتْ الْقِيمَةُ كَثَمَنِ الْعَبْدِ. وَقَالَا: وَإِنْ قَصَرَ الثَّوْبَ، فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ: فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ. وَإِنْ زَادَتْ: فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ: لَهُ الرُّجُوعُ. انْتَهَيَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا زَادَتْ الْعَيْنُ بِقِصَارَةٍ، أَوْ صِنَاعَةٍ وَنَحْوِهِمَا: امْتَنَعَ الرُّجُوعُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
стр. 2392
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ صَبَغَهُ أَوْ قَصَرَهُ. فَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي وَجْهٍ فِيهِمَا كَنَقْصِهِ بِهِمَا فِي الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ، أَوْ قَصَرَهُ: لَمْ يَمْنَعْ. وَيُشَارِكُهُ الْمُفْلِسُ فِي الزِّيَادَةِ. وَقِيلَ: لَا رُجُوعَ إنْ زَادَتْ الْقِيمَةُ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابًا فَصَبَغَهَا، أَوْ قَصَرَهَا، فَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: إنْ قَصَرَ الثَّوْبَ وَقُلْنَا: يَرْجِعُ فِي الْأَقْيَسِ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ رَجَعَ فِيهِ رَبُّهُ فِي الْأَصَحِّ. وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ فِي الْأَقْيَسِ. فَلَهُ مِنْ الثَّوْبِ بِنِسْبَةِ مَا زَادَتْ مِنْ قِيمَتِهِ. وَقِيلَ: بَلْ أُجْرَةُ الْقِصَارَةِ. إلَّا أَنْ يَتْلَفَ بِيَدِهِ. فَيَسْقُطُ. وَقِيلَ: الْقِصَارَةُ كَالثَّمَنِ. وَفِي أُجْرَتِهَا وَجْهَانِ. وَإِنْ لَمْ تَزِدْ وَلَمْ تَنْقُصْ: فَلَهُ الرُّجُوعُ، أَوْ مُشَارَكَةُ الْغُرَمَاءِ. وَقَالَ فِي صَبْغِ الثَّوْبِ: وَإِنْ صَبَغَهُ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصَّبْغِ: رَجَعَ الْبَائِعُ فِي الْأَصَحِّ. وَشَارَكَ الْمُفْلِسَ فِيهِ بِقِيمَةِ صَبْغِهِ. إلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا الْبَائِعُ. فَإِنْ أَبَى دَفْعَهَا: أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ حَقِّهِ. وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ قِيمَةِ الصَّبْغِ: فَالنَّقْصُ مِنْ الْمُفْلِسِ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا: فَالزِّيَادَةُ مَعَ قِيمَةِ الصَّبْغِ لَهُ. وَقِيلَ: يَشْتَرِكَانِ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ. وَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ: فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ مَجَّانًا، أَوْ يَكُونُ كَالْغُرَمَاءِ. وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ: لَمْ يَرْجِعْ فِي الْأَقْيَسِ. انْتَهَى.
стр. 2393
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَتْ السِّلْعَةُ صَبْغًا فَصَبَغَ بِهِ، أَوْ زَيْتًا فَلَتّ بِهِ: فَلَا رُجُوعَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: فَلَا رُجُوعَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَغَيْرِهِ. قَالَ الْقَاضِي: لَهُ الرُّجُوعُ. وَجَزَمَ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ: بِأَنَّهُ إذَا خَلَطَهُ بِمِثْلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ: يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ. كَخَلْطِ الزَّيْتِ وَالْقَمْحِ وَنَحْوِهِمَا بِمِثْلِهِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ الثَّوْبُ وَالصَّبْغُ مِنْ وَاحِدٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ كَمَا لَوْ كَانَ الصَّبْغُ مِنْ غَيْرِ بَائِعِ الثَّوْبِ. فَعَلَى قَوْلِهِمْ: يَرْجِعُ فِي الثَّوْبِ وَحْدَهُ. وَيَكُونُ الْمُفْلِسُ شَرِيكًا بِزِيَادَةِ الصَّبْغِ. وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِثَمَنِ الصَّبْغِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِمَا هَاهُنَا كَمَا لَوْ اشْتَرَى دُفُوفًا وَمَسَامِيرَ مِنْ وَاحِدٍ فَسَمَّرَهَا بِهِ. فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ (فَإِنْ غَرَسَ الْأَرْضَ، أَوْ بَنَى فِيهَا. فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَدَفْعُ قِيمَةِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ. فَيَمْلِكُهُ، إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ الْقَلْعَ وَمُشَارَكَتَهُ بِالنَّقْصِ) . إذَا اتَّفَقَا عَلَى قَلْعِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فَلَهُمْ ذَلِكَ. فَإِذَا فَعَلُوهُ فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي أَرْضِهِ. فَإِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ قَبْلَ الْقَلْعِ فَلَهُ ذَلِكَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَلْعِ غَرْسٍ وَبِنَاءٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّهُ إلَّا بَعْدَ الْقَلْعِ.
стр. 2394
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَلْزَمُهُمْ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا الْحَاصِلِ بِهِ. وَيَضْرِبُ بِالنَّقْصِ مَعَ الْغُرَمَاءِ. وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ. فَلَوْ امْتَنَعَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ مِنْ الْقَلْعِ: لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهِ. وَإِنْ أَبَى الْمُفْلِسُ الْقَلْعَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ لِلْبَائِعِ أَخْذَهُ وَقَلْعَهُ وَضَمَانَ نَقْصِهِ. وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ بَذَلَ الْبَائِعُ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ لِيَمْلِكَهُ، أَوْ قَالَ: أَنَا أَقْلَعُ وَأَضْمَنُ النَّقْصَ: فَلَهُ ذَلِكَ. وَعَلَى الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (فَإِنْ أَبَوْا الْقَلْعَ، وَأَبَى دَفْعَ الْقِيمَةِ: سَقَطَ الرُّجُوعُ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْخُلَاصَةِ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْأَرْضِ. وَيَكُونُ مَا فِيهَا لِلْمُفْلِسِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا تَفْرِيعَ. وَعَلَى الثَّانِي: إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ بِيعَا لَهُمَا. وَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُجْبَرَ، فَيُبَاعُ الْجَمِيعُ. وَاحْتَمَلَ: لَا فَيَبِيعُ الْمُفْلِسُ غَرْسَهُ وَبِنَاءَهُ مُفْرَدًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَلْ يُبَاعُ الْفَرْسُ مُفْرَدًا، أَوْ الْجَمِيعُ، وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى الْقِيمَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ.
стр. 2395
أَحَدُهُمَا: يُبَاعُ الْجَمِيعُ. قَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُبَاعُ الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ مُفْرَدًا. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَوَائِدُ
إحْدَاهَا: قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شَجَرًا أَوْ نَخْلًا، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَفْلَسَ وَهِيَ بِحَالِهَا. فَلَهُ الرُّجُوعُ.
الثَّانِي: كَانَ فِيهَا وَقْتَ الْبَيْعِ ثَمَرٌ ظَاهِرٌ، أَوْ طَلْعٌ مُؤَبَّرٌ، وَاشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي فَأَكَلَهُ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ، أَوْ تَلِفَ بِجَائِحَةٍ، ثُمَّ أَفْلَسَ: فَهَذَا فِي حُكْمِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَيْنَيْنِ وَتَلِفَ أَحَدُهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
الثَّالِثُ: أَطْلَعَ وَلَمْ يُؤَبَّرْ، أَوْ كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ لَمْ يَظْهَرْ وَقْتَ الْبَيْعِ. فَيَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ. فَلَوْ أَفْلَسَ بَعْدَ تَلَفِهِ أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ زَادَ، أَوْ بَدَا صَلَاحُهُ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ تَلَفِ بَعْضِ الْمَبِيعِ وَزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَهُوَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي الْأَصَحِّ.
الرَّابِعُ: بَاعَهُ نَخْلًا حَائِلًا فَأَطْلَعَتْ، أَوْ شَجَرًا فَأَثْمَرَتْ، فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: أَفْلَسَ قَبْلَ تَأْبِيرِهَا. فَالطَّلْعُ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ.
الثَّانِي: أَفْلَسَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ، وَظُهُورِ الثَّمَرَةِ: فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ. وَالطَّلْعُ لِلْمُشْتَرِي. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ. وَلَوْ بَاعَهُ أَرْضًا فَارِغَةً، فَزَرَعَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَفْلَسَ: رَجَعَ فِي الْأَرْضِ دُونَ الزَّرْعِ، وَجْهًا وَاحِدًا.
الثَّالِثُ: أَفْلَسَ، وَالطَّلْعُ غَيْرُ مُؤَبَّرٍ. فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى أُبِّرَ: فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ. كَمَا لَوْ أَفْلَسَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ. فَلَوْ ادَّعَى الرُّجُوعَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ، وَأَنْكَرَ الْمُفْلِسُ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
стр. 2396
وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت بَعْدَ التَّأْبِيرِ. وَقَالَ الْمُفْلِسُ: بَلْ قَبْلَهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ.
الرَّابِعُ: أَفْلَسَ بَعْدَ أَخْذِ الثَّمَرَةِ، أَوْ ذَهَابِهَا بِجَائِحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا: فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْأَصْلِ. وَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي، إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ.
الثَّانِيَةُ: كُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَتْبَعُ الثَّمَرُ الشَّجَرَ إذَا رَجَعَ الْبَائِعُ: فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُفْلِسِ بِقَطْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَوَانِ الْجِدَادِ. وَكَذَا إذَا رَجَعَ فِي الْأَرْضِ وَفِيهَا زَرْعٌ لِلْمُفْلِسِ. وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ أُجْرَةٌ. إذَا ثَبَتَ هَذَا. فَإِنْ اتَّفَقَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ الْقَطْعِ. فَلَهُمْ ذَلِكَ. وَإِنْ اخْتَلَفُوا، وَكَانَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ، أَوْ قِيمَتُهُ يَسِيرَةٌ: لَمْ يُقْطَعْ. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ كَثِيرَةً: قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْقَطْعَ، فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَالثَّانِي: يُنْظَرُ مَا فِيهِ الْأَحَظُّ فَيُعْمَلُ بِهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالثَّالِثُ: إنْ طَلَبَ الْغُرَمَاءُ الْقَطْعَ: وَجَبَ. وَإِنْ كَانَ الْمُفْلِسُ، فَكَانَ التَّأْخِيرُ أَحَظَّ لَهُ: لَمْ يُقْطَعْ.
الثَّالِثَةُ: إذَا كَمُلَتْ الشُّرُوطُ: فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِتَعَيُّنِهَا كَوَدِيعَةٍ. وَسَوَاءٌ زَادَتْ قِيمَتُهَا أَوْ نَقَصَتْ وَلَوْ بَذَلَ الْغُرَمَاءُ ثَمَنَهَا كُلَّهُ، وَهُوَ يُسَاوِي الْمَبِيعَ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ. وَقِيلَ: لَا يَأْخُذُهَا إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، بِنَاءً عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِكَوْنِهِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ: نُقِضَ حُكْمُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَفِيهِ احْتِمَالٌ: لَا يُنْقَضُ.
الْخَامِسَةُ: يَكُونُ الِاسْتِرْجَاعُ فِي السِّلْعَةِ بِالْقَوْلِ. فَلَوْ أَقْدَمَ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا
стр. 2397
ابْتِدَاءً لَمْ يَنْعَقِدْ، وَلَمْ يَكُنْ اسْتِرْجَاعًا. وَكَذَا الْوَطْءُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، لِتَمَامِ مِلْكِ الْمُفْلِسِ. وَفِي الْمُجَرَّدِ، وَالْفُصُولِ: يَكُونُ الْوَطْءُ اسْتِرْجَاعًا، وَأَنَّ فِيهِ احْتِمَالًا آخَرَ بِعَدَمِهِ. قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالْخَمْسِينَ.
السَّادِسَةُ: يُسْتَثْنَى مِنْ جَوَازِ الْأَخْذِ، بَعْدَ كَمَالِ الشُّرُوطِ: مَسْأَلَةٌ. وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ صَيْدًا وَالْبَائِعُ مُحْرِمًا. فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَمَلُّكٌ لِلصَّيْدِ لَا يَجُوزُ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَقَطَعُوا بِهِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَسْخَ عَلَى الْفَوْرِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ.
السَّابِعَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ أَخْذَ السِّلْعَةِ عَلَى التَّرَاخِي كَخِيَارِ الْعَيْبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: عَلَى الْفَوْرِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَخَذَهُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْأَقْيَسِ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ. وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: الْوَجْهَانِ هُنَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ
الثَّامِنَةُ: حَيْثُ أَخَذَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ، فَرُجُوعُهُ فَسْخٌ لِلْعَيْبِ. فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ، وَلَا إلَى الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ. فَلَوْ رَجَعَ فِيمَنْ أَبَقَ صَحَّ: وَصَارَ لَهُ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ: أَخَذَهُ. وَإِنْ تَلِفَ: فَمِنْ مَالِهِ. وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ تَالِفًا حِينَ اسْتِرْجَاعِهِ بَطَلَ رُجُوعُهُ. وَإِنْ رَجَعَ فِي مَبِيعٍ اشْتَبَهَ بِغَيْرِهِ: قُدِّمَ تَعْيِينُ الْمُفْلِسِ، لِإِنْكَارِهِ دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ الْبَائِعِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ.
стр. 2398
التَّاسِعَةُ: مَتَى قُلْنَا لَهُ الرُّجُوعُ، فَلَوْ كَانَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ الْمَوْجُودِ مُؤَجَّلًا عَلَى الْمُفْلِسِ وَقُلْنَا: لَا يَحِلُّ بِالْفَلَسِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَأْخُذُ الْمَبِيعَ عِنْدَ الْأَجَلِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَقَالَا: هُوَ أَوْلَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: يَأْخُذُهُ فِي الْحَالِ. اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَقِيلَ: يُبَاعُ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ. وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقِيلَ: إنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ رَجَعَ فِيهِ مَجَّانًا. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
الْعَاشِرَةُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حُكْمَ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ إذَا وَجَدَهَا. وَكَذَا حُكْمُ الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ إذَا وَجَدَ عَيْنَهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَوْ كَانَ دَيْنُهُ سَلَمًا، فَأَدْرَكَ الثَّمَنَ بِعَيْنِهِ: أَخَذَهُ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: الرُّجُوعُ ثَابِتٌ فِي كُلِّ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ: مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ، كَالْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ، وَالصُّلْحُ بِمَعْنَى الْبَيْعِ. وَكَذَلِكَ الصَّدَاقُ، كَأَنْ يَصْدُقَ امْرَأَةً عَيْنًا، وَتَحْصُلَ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا، وَقَدْ أَفْلَسَتْ. وَكَذَا لَوْ وَجَدَ عَيْنًا مُؤَجَّرَةً لَمْ يَمْضِ مِنْ الْمُدَّةِ شَيْءٌ. فَلَوْ مَضَى بَعْضُ الْمُدَّةِ: فَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِهَا.
الْحَادِيَةَ عَشْرَ: لَوْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ عَيْنٌ مُؤَجَّرَةٌ: كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَحَقَّ بِمَنَافِعِهَا مُدَّةَ الْإِجَارَةِ. فَإِنْ تَعَطَّلَتْ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ: ضُرِبَ لَهُ بِمَا بَقِيَ مَعَ الْغُرَمَاءِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
قَوْلُهُ (الْحُكْمُ الثَّالِثُ: بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالَهُ) . يَعْنِي إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ (وَقَسْمُ ثَمَنِهِ) .
стр. 2399
يَعْنِي يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ. وَيَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ. قَوْلُهُ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَهُ وَيَحْضُرَ الْغُرَمَاءُ) يَعْنِي يُسْتَحَبُّ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ قَوْلُهُ (وَيَبِيعُ كُلُّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ) بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ الْمُسْتَقِرِّ فِي وَقْتِهِ أَوْ أَكْثَرَ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَيُتْرَكُ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إلَيْهِ حَاجَتُهُ: مِنْ مَسْكَنٍ) بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ إنْ كَانَ وَاسِعًا يَفْضُلُ عَنْ سُكْنَى مِثْلِهِ: بَيْعَ، وَاشْتُرِيَ لَهُ مَسْكَنُ مِثْلِهِ. وَلِابْنِ حَمْدَانَ احْتِمَالٌ: أَنَّ مَنْ ادَّانَ مَا اشْتَرَى بِهِ مَسْكَنًا: أَنَّهُ يُبَاعُ، وَلَا يُتْرَكُ لَهُ. انْتَهَى.
وَلَوْ كَانَ الْمَسْكَنُ عَيْنَ مَالِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ: أَخَذَهُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ. قَوْلُهُ (وَخَادِمٍ) بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ نَفِيسًا. وَكَذَا الْمَسْكَنُ. نَصَّ عَلَيْهِمَا.
فَائِدَةٌ:
يُتْرَكُ لَهُ أَيْضًا آلَةُ حِرْفَةٍ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ حِرْفَةٍ: تُرِكَ لَهُ مَا يَتَّجِرُ بِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مِنْهَا. وَقَالَ فِي الْمُوجَزِ، وَالتَّبْصِرَةِ: وَيُتْرَكُ لَهُ أَيْضًا فَرَسٌ يَحْتَاجُ إلَى رُكُوبِهَا. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يُتْرَكُ لَهُ دَابَّةٌ يَحْتَاجُهَا. وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: يُبَاعُ الْكُلُّ إلَّا الْمَسْكَنُ، وَمَا يُوَازِيهِ مِنْ ثِيَابٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُهُ.
تَنْبِيهٌ:
مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ بِتَرْكِ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ وَغَيْرِهِمَا: إذَا لَمْ يَكُنْ عَيَّنَ مَالَ الْغُرَمَاءِ.
стр. 2400
وَأَمَّا إنْ كَانَ عَيَّنَ مَا لَهُمْ: فَإِنَّهُ لَا يُتْرَكُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمَا. وَهُوَ وَاضِحٌ. فَكَلَامُهُمْ هُنَا مَخْصُوصٌ بِمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ قَسْمِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ) يَعْنِي: عَلَيْهِ وَعَلَى عِيَالِهِ. وَمِنْ النَّفَقَةِ: كِسْوَتُهُ وَكِسْوَةُ عِيَالِهِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: مَحَلُّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ. وَأَمَّا إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّكَسُّبِ: لَمْ يُتْرَكْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ. وَقَطَعَا بِهِ. وَهُوَ قَوِيٌّ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ مَاتَ جُهِّزَ مِنْ مَالِهِ كَنَفَقَةٍ. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَيُعْطِي الْمُنَادِي) يَعْنِي وَنَحْوَهُ (أُجْرَتَهُ مِنْ الْمَالِ) وَالْمُرَادُ: إذَا لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: إنَّمَا يُعْطِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَحَقُّ الْمُنَادِي مِنْ الثَّمَنِ، إنْ فُقِدَ مَنْ يَتَطَوَّعُ بِالنِّدَاءِ وَتَعَذَّرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَأُجْرَةُ الْمُنَادِي: مِنْ الثَّمَنِ، إنْ فُقِدَ الْمُتَطَوِّعُ. وَقِيلَ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ تَعَذَّرَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هِيَ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ ابْتِدَاءً. انْتَهَى.
стр. 2401
وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي: نَظَرٌ. وَلَعَلَّ النُّسْخَةَ مَغْلُوطَةٌ.
تَنْبِيهٌ:
مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (وَيَبْدَأُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) إذَا كَانَ الْجَانِي عَبْدًا لِمُفْلِسٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنْ الْأَرْشِ أَوْ ثَمَنِ الْجَانِي) . سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْجَانِي هُوَ الْمُفْلِسُ فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ. فَيَخْتَصُّ بِثَمَنِهِ) ظَاهِرُهُ: إنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الرَّهْنُ لَازِمًا أَوْ لَا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يُقَيِّدْهُ جَمَاعَةٌ بِاللُّزُومِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِثَمَنِهِ إلَّا إذَا كَانَ لَازِمًا. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ: إذَا مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ أَفْلَسَ، فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ. وَلَمْ يُعْتَبَرْ وُجُودُ قَبْضِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَبْلَهُ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: ثُمَّ يَخْتَصُّ مَنْ لَهُ رَهْنٌ بِثَمَنِهِ. فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: يَخْتَصُّ بِثَمَنِ الرَّهْنِ، عَلَى الْأَصَحِّ. فَحَكَى الْخِلَافَ رِوَايَتَيْنِ. وَذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ فِي صُورَةِ الْمَوْتِ؛ لِعَدَمِ رِضَاهُ بِذِمَّتِهِ، بِخِلَافِ مَوْتِ بَائِعٍ وَجَدَ مَتَاعَهُ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الْمَذْهَبَ وَعَنْهُ: أَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ (فَإِنْ فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ: ضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ. وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ: رُدَّ عَلَى الْمَالِ)
стр. 2402
وَتَقَدَّمَ: أَنَّ الْفَاضِلَ يُرَدُّ عَلَى الْمَالِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. كَمَا جَزَمَ بِهِ هُنَا، وَأَنَّ الْقَاضِيَ اخْتَارَ: أَنَّ بَائِعَهُ أَحَقُّ بِالْفَاضِلِ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ بِمَنْ لَهُ عَيْنُ مَالٍ يَأْخُذُهَا) يَعْنِي بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَكَلَامُهُ هُنَا أَعَمُّ. فَيَدْخُلُ عَيْنُ الْقَرْضِ، وَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ، وَغَيْرِهِمَا. كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَذَا الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْمُفْلِسِ أَحَقُّ بِالْمَنَافِعِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ مِنْ بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. قَوْلُهُ (ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ بَاقِي الْغُرَمَاءِ عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ. فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ: لَمْ يَحِلَّ) هَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَهُوَ أَصَحُّ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا يَحِلُّ الدَّيْنُ بِالْفَلَسِ. رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا يَحِلُّ الثَّمَنُ الْمُؤَجَّلُ بِالْفَلَسِ، عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يُشَارِكْ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ: يَحِلُّ. ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يَحِلُّ إذَا وُثِّقَ بِرَهْنٍ، أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ، وَإِلَّا حَلَّ. نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ. فَمَتَى قُلْنَا: يَحِلُّ، فَهُوَ كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ. وَمَتَى قُلْنَا: لَا يَحِلُّ، لَمْ يُوقَفْ لِرَبِّهِ شَيْءٌ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِهِ إذَا حَلَّ.
стр. 2403
لَكِنْ إنْ حَلَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ شَارَكَ الْغُرَمَاءَ. وَإِنْ حَلَّ بَعْدَ قِسْمَةِ الْبَعْضِ شَارَكَهُمْ أَيْضًا. وَضُرِبَ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ وَبَاقِي الْغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ: لَمْ يَحِلَّ إذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ) يَعْنِي: بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوْ الدَّيْنِ. هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَالْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: يَحِلُّ هُنَا مُطْلَقًا، وَلَوْ قَتَلَهُ رَبُّهُ، وَلَوْ قُلْنَا: لَا يَحِلُّ بِالْفَلَسِ. اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَمَالَ إلَيْهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ تَعَذَّرَ التَّوَثُّقُ: حَلَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ. اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: وَلَا يَحِلُّ عَلَى الْمَدْيُونِ بِمَوْتِهِ مِنْ أَجْلِ الدُّيُونِ. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: يَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِذِمَّتِهِمْ. وَذَكَرَهُ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي الْحَوَالَةِ. فَإِنْ كَانَتْ مَلِيئَةً، وَإِلَّا وَثَّقُوا. وَقَالَ أَيْضًا: الصَّحِيحُ أَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَالتَّرِكَةِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَخْتَصُّ أَرْبَابُ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ بِالْمَالِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يُشَارَكُونَ بِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَمَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَدَيْنٌ مُؤَجَّلٌ قُلْنَا: لَا تَحِلُّ بِمَوْتِهِ وَمَالِهِ بِقَدْرِ الْحَالِ فَهَلْ يُتْرَكُ لَهُ بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهُ لِيَأْخُذَهُ إذَا حَلَّ دَيْنُهُ، أَوْ يُوَفَّى
стр. 2404
الْحَالُّ، وَيَرْجِعُ عَلَى رَبِّهِ صَاحِبِ الْمُؤَجَّلِ إذَا حَلَّ بِحِصَّتِهِ، أَوْ لَا يَرْجِعُ؟ يُحْتَمَلُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
فَوَائِدُ
الْأُولَى: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ. فَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: يَحِلُّ الدَّيْنُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ يَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُ. وَقَدْ عُدِمَ هُنَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ احْتِمَالَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ وَرِثَهُ بَيْتُ الْمَالِ: احْتَمَلَ انْتِقَالُهُ. وَيَضْمَنُ الْإِمَامُ لِلْغُرَمَاءِ وَاحْتَمَلَ حَوْلَهُ. وَذَكَرَهُمَا فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ. وَذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، لِعَدَمِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ. وَأَطْلَقَ فِي الْفَائِقِ وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: حُكْمُ مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ جُنُونٌ حُكْمُ الْمُفْلِسِ وَالْمَيِّتِ فِي حُلُولِ الدَّيْنِ وَعَدَمِهِ.
الثَّالِثَةُ: مَتَى قُلْنَا بِحُلُولِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ كُلَّهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ: وَالْمُخْتَارُ سُقُوطُ جُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ مُقَابِلِ الْأَجْلِ بِقِسْطِهِ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَضْعِ وَالتَّأْجِيلِ. انْتَهَى.
قُلْت: وَهُوَ حَسَنٌ.
الرَّابِعَةُ: هَلْ يَمْنَعُ الدَّيْنُ انْتِقَالَ التَّرِكَةِ إلَى الْوَرَثَةِ، أَمْ لَا يَمْنَعُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَا يَمْنَعُ. بَلْ تَنْتَقِلُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هِيَ الْمَذْهَبُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ الْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ. وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: أَنَّ الْمُفْلِسَ إذَا مَاتَ سَقَطَ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ انْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ.
стр. 2405
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ الِانْتِقَالُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَنْتَقِلُ. نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ. وَنَصَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِرِ الْقِسْمَةِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. وَلِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ يَأْتِي بَيَانُهَا قَرِيبًا. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، وَلَا بَيْنَ الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الْحَيَاةِ، وَالْمُتَجَدِّدَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي الضَّمَانَ، كَحَفْرِ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ. صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي. وَهَلْ يُعْتَبَرُ كَوْنُ الدَّيْنِ مُحِيطًا بِالتَّرِكَةِ أَمْ لَا؟ . قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ فِي التَّفْلِيسِ. وَقَالَ فِي الْفَوَائِدِ: ظَاهِرُ كَلَامِ طَائِفَةٍ: اعْتِبَارُهُ، حَيْثُ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ فِي الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ. وَمِنْهُمْ: مَنْ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ مِنْ الِانْتِقَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا. ذَكَرَهُ فِي مَسَائِلِ الشُّفْعَةِ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِالِانْتِقَالِ: يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِهَا جَمِيعًا، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَغْرِقْهَا الدَّيْنُ. صَرَّحَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ. وَهَلْ تَعَلُّقُ حَقِّهِمْ بِهَا تَعَلُّقَ رَهْنٍ. أَوْ جِنَايَةٍ؟ فِيهِ خِلَافٌ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: صَرَّحَ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ كَتَعَلُّقِ الرَّهْنِ. وَيُفَسَّرُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَقَالَ فِي الْفَوَائِدِ: يَتَحَرَّرُ الْخِلَافُ بِتَحْرِيرِ مَسَائِلَ:
إحْدَاهَا: هَلْ يَتَعَلَّقُ جَمِيعُ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ. وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، أَمْ يَتَقَسَّطُ؟ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِالْأَوَّلِ، إنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا. وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّدًا انْقَسَمَ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ. وَتَعَلَّقَ بِحِصَّةِ كُلِّ وَارِثٍ مِنْهُمْ قِسْطُهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَبِكُلِّ
стр. 2406
جُزْءٍ مِنْهَا، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا رَهَنَهُ الشَّرِيكَانِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا. وَالثَّانِيَةُ: هَلْ يَمْنَعُ هَذَا التَّعَلُّقُ مِنْ نُفُوذِ التَّصَرُّفِ؟ سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْفَوَائِدِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالثَّالِثَةُ: هَلْ يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ مَعَ الذِّمَّةِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هَلْ الدَّيْنُ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، أَوْ انْتَقَلَ إلَى ذِمَمِ الْوَرَثَةِ، أَوْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ لَا غَيْرَ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يَنْتَقِلُ إلَى ذِمَمِ الْوَرَثَةِ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ بِالْمُؤَجَّلِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي الِانْتِصَارِ، الصَّحِيحُ: أَنَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فِي التَّرِكَةِ. انْتَهَى.
وَمِنْهُمْ: مَنْ خَصَّهُ بِالْقَوْلِ بِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا، وَالْآمِدِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي ضَمَانِ دَيْنِ الْمَيِّتِ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يَتَعَلَّقُ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ فَقَطْ. قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَرُدَّ بِلُزُومِ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فِيهَا بِالتَّلَفِ. وَيَأْتِي هَذَا أَيْضًا فِي بَابِ الْقِسْمَةِ. إذَا عُرِفَ هَذَا: فَلِلْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ كَوْنُ الدَّيْنِ يَمْنَعُ الِانْتِقَالَ أَمْ لَا؟ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ. ذَكَرَهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي الْفَوَائِدِ مِنْ قَوَاعِدِهِ.
مِنْهَا: نُفُوذُ تَصَرُّفِ الْوَرَثَةِ فِيهَا بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ. فَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ النُّفُوذِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ قِيلَ: لَا يَنْفُذُ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ كِتَابَيْهِمَا.
стр. 2407
وَحَمَلَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ رِوَايَةَ ابْنِ الْمَنْصُورِ عَلَى هَذَا. وَقِيلَ يَنْفُذُ: قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الرَّهْنِ وَالْقِسْمَةِ، وَجَعَلَاهُ الْمَذْهَبَ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْخَمْسِينَ: أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ: صِحَّةُ تَصَرُّفِهِمْ. انْتَهَى.
وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ. قَالَهُ الْقَاضِي. قَالَ: وَمَتَى خَلَّى الْوَرَثَةُ بَيْنَ التَّرِكَةِ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ: سَقَطَتْ مُطَالَبَتُهُمْ بِالدُّيُونِ. وَنَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يُوفِيهِمْ مِنْهَا. وَلَمْ يَمْلِكْهَا الْغُرَمَاءُ بِذَلِكَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا تَصَرَّفُوا فِيهَا طُولِبُوا بِالدُّيُونِ كُلِّهَا. وَفِي الْكَافِي: إنَّمَا يَضْمَنُونَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوْ الدَّيْنِ. وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَنْفُذُ الْعِتْقُ خَاصَّةً كَعِتْقِ الرَّاهِنِ. ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ. وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي بَابِ الْعِتْقِ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ، مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ وَجْهَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مَعَ الْعِلْمِ. وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي مَأْخَذَهُمَا: أَنَّ حُقُوقَ الْغُرَمَاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرِكَةِ، هَلْ يَمْلِكُ الْوَرَثَةُ إسْقَاطَهَا بِالْتِزَامِهِمْ الْأَدَاءَ مِنْ عِنْدِهِمْ أَمْ لَا؟ وَفِي النَّظَرِيَّاتِ لِابْنِ عَقِيلٍ: عِتْقُ الْوَرَثَةِ يَنْفُذُ مَعَ يَسَارِهِمْ، دُونَ إعْسَارِهِمْ. اعْتِبَارًا بِعِتْقِ مَوْرُوثِهِمْ فِي مَرَضِهِ. وَهَلْ يَصِحُّ رَهْنُ التَّرِكَةِ عِنْدَ الْغُرَمَاءِ؟ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَا يَصِحُّ. وَمِنْهَا: نَمَاءُ التَّرِكَةِ. فَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِهِ أَيْضًا. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: فِيهِ وَجْهَانِ. هَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ أَمْ لَا؟ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ. وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّمَانِينَ، إنْ قِيلَ: إنَّ التَّرِكَةَ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ: تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِالنَّمَاءِ كَالْمَرْهُونِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ قُلْنَا: تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ تَعَلُّقَ رَهْنٍ يُمْنَعُ التَّصَرُّفُ فِيهِ،
стр. 2408
فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَإِنْ قُلْنَا: تَعَلُّقَ جِنَايَةٍ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّمَاءِ. وَأَمَّا إنْ قُلْنَا: لَا تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ إلَى الْوَرَثَةِ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ: لَمْ تَتَعَلَّقْ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِالنَّمَاءِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَخَرَّجَ الْأَدَمِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُغْنِي: تَعَلُّقَ الْحَقِّ بِالنَّمَاءِ مَعَ الِانْتِقَالِ أَيْضًا كَتَعَلُّقِ الرَّهْنِ. وَقَدْ يَنْبَنِي ذَلِكَ مِنْ أَصْلٍ آخَرَ. وَهُوَ أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ هُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، أَوْ انْتَقَلَ إلَى ذِمَّةِ الْوَرَثَةِ، أَوْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ لَا غَيْرُ؟ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قَبْلُ فَوَائِدَ. قَالَ: فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ: يَتَوَجَّهُ أَنْ لَا تَتَعَلَّقَ الْحُقُوقُ بِالنَّمَاءِ. إذْ هُوَ كَتَعَلُّقِ الْجِنَايَةِ. وَعَلَى الْأَوَّلَيْنِ: يَتَوَجَّهُ تَعَلُّقُهَا بِالنَّمَاءِ كَالرَّهْنِ.
وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ. فَهَلْ تَبْتَدِئُ الْوَرَثَةُ حَوْلَ الزَّكَاةِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ، أَمْ لَا؟ فَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ لَا تَجْرِي فِي حَوْلِهِ حَتَّى تَنْتَقِلَ إلَيْهِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ: هَلْ هُوَ مَضْمُونٌ فِي ذِمَّةِ الْوَارِثِ، أَمْ هُوَ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ خَاصَّةً؟ فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ فِي ذِمَّةِ الْوَارِثِ وَكَانَ مِمَّا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ انْبَنَى عَلَى الدَّيْنِ الْمَانِعِ: هَلْ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْحَوْلِ فِي ابْتِدَائِهِ، أَوْ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ فِي انْتِهَائِهِ خَاصَّةً؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. ذَكَرَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ. فَيَمْتَنِعُ انْعِقَادُ الْحَوْلِ عَلَى مِقْدَارِ الدَّيْنِ مِنْ الْمَالِ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّمَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ: مَنْعُ الْوُجُوبِ هُنَا آخِرَ الْحَوْلِ فِي قَدْرِهِ أَيْضًا. وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ فِي ذِمَّةِ الْوَارِثِ شَيْءٌ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: أَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالْمَالِ مَانِعٌ.
стр. 2409
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ لَهُ شَجَرٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَمَاتَ. فَهُنَا صُورَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يُثْمِرَ، ثُمَّ يُثْمِرُ قَبْلَ الْوَفَاءِ. فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِالنَّمَاءِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِهِ، خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَنْعِ الدَّيْنِ الزَّكَاةَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَالزَّكَاةُ عَلَى الْوَارِثِ. وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ. أَمَّا إنْ قُلْنَا: لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَنْفَكَّ التَّعَلُّقُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَمَا أَثْمَرَتْ. فَيَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِالثَّمَرَةِ. ثُمَّ إنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ: فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، إلَّا أَنْ نَقُولَ: إنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الْمَالِ الظَّاهِرِ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ إلَى الْوَرَثَةِ مَعَ الدَّيْنِ: فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَنْتَقِلُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِلَا خِلَافٍ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَثْمَرَتْ: تَعَلَّقَ بِهَا الدَّيْنُ. ثُمَّ إنْ كَانَ بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ: فَفِي الزَّكَاةِ رِوَايَتَانِ. وَكَذَا إنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَقُلْنَا: تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ مَعَ الدَّيْنِ، وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ. انْتَهَى.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ فِي بَابِ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ.
وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ وَلَهُ عَبِيدٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ. وَأَهَلَّ هِلَالُ الْفِطْرِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: فِطْرَتُهُمْ عَلَى الْوَرَثَةِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا فِطْرَةَ لَهُمْ عَلَى أَحَدٍ.
стр. 2410
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ حَيَوَانًا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: مِنْ التَّرِكَةِ كَمُؤْنَةٍ. وَكَذَلِكَ مُؤْنَةُ الْمَالِ، كَأُجْرَةِ الْمَخْزَنِ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ الْمَدِينُ وَلَهُ شِقْصٌ، فَبَاعَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَهُمْ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا. وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ شَرِيكَ الْمَوْرُوثِ وَبِيعَ نَصِيبُ الْمَوْرُوثِ فِي دَيْنِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا شُفْعَةَ لِلْوَارِثِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَهُ الشُّفْعَةُ
. وَمِنْهَا: لَوْ وَطِئَ الْوَارِثُ الْجَارِيَةَ الْمَوْرُوثَةَ وَالدَّيْنُ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ فَأَوْلَدَهَا فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا حَدَّ أَيْضًا لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَمَهْرُهَا. ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ. فَفَائِدَةُ الْخِلَافِ حِينَئِذٍ فِي الْمَهْرِ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَزَوَّجَ الِابْنُ أَمَةَ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: إنْ مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَقَالَ أَبُوهُ: إنْ مِتّ فَأَنْتِ حُرَّةٌ، ثُمَّ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ: لَمْ تُعْتَقْ. وَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ؟ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: يَقَعُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَقَعُ. فَقَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ: مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقَوْلُ الْقَاضِي: مَبْنِيٌّ عَلَى الثَّانِيَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُدَبِّرْهَا الْأَبُ سَوَاءً. وَقِيلَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لِشَخْصٍ، فَقَالَ: لَهُ فِي مِيرَاثِهِ أَلْفٌ. فَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ فِي إقْرَارِهِ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ. إذْ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا: أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ
стр. 2411
الْمِيرَاثَ. فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ فِي هَذِهِ التَّرِكَةِ أَلْفٌ. فَإِنَّهُ إقْرَارٌ صَحِيحٌ. وَعَلَى هَذَا: إذَا قُلْنَا: يَمْنَعُ الدَّيْنُ الْمِيرَاثَ، كَانَ مُنَاقِضًا بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَأَلْفَ دِرْهَمٍ، وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ، وَتَرَكَ ابْنًا. ثُمَّ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ الْوَرَثَةَ. فَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ ابْنَ الِابْنِ يَسْتَحِقُّ نِصْفَ التَّرِكَةِ بِمِيرَاثِهِ عَنْ أَبِيهِ. وَذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ إجْمَاعًا. وَعَلَّلَهُ فِي مَوْضِعٍ بِأَنَّ التَّرِكَةَ تَنْتَقِلُ مَعَ الدَّيْنِ. فَانْتَقَلَ مِيرَاثُ الِابْنِ إلَى ابْنِهِ. وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا: أَنَّهُ عَلَى الثَّانِيَةِ: يَخْتَصُّ بِهِ وَلَدُ الصُّلْبِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْبَاقِي مِنْ الْوَرَثَةِ.
وَمِنْهَا: رُجُوعُ بَائِعِ الْمُفْلِسِ فِي عَيْنِ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُفْلِسِ، وَيُحْتَمَلُ بِنَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. فَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَقِلُ امْتَنَعَ رُجُوعُهُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْتَقِلُ، رَجَعَ. وَلَا سِيَّمَا وَالْحَقُّ هُنَا مُتَعَلِّقٌ فِي الْحَيَاةِ تَعَلُّقًا مُتَأَكِّدًا.
وَمِنْهَا: مَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ، وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ ابْنِهِ. فَقَالَ ابْنُهُ لِغُرَمَائِهِ: اُتْرُكُوا هَذِهِ الْأَلْفَ بِيَدِي، وَأَخِّرُونِي فِي حُقُوقِكُمْ ثَلَاثَ سِنِينَ، حَتَّى أُوفِيَكُمْ جَمِيعَ حُقُوقِكُمْ. قَالَ: إذَا كَانُوا اسْتَحَقُّوا قَبْضَ هَذِهِ الْأَلْفِ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُونَهُ لِيُوفِيَهُمْ لِأَجَلٍ، فَتَرَكُوهَا فِي يَدَيْهِ: فَهَذَا لَا خَيْرَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَقْبِضُوا الْأَلْفَ مِنْهُ وَيُؤَخِّرُوهُ فِي الْبَاقِي مَا شَاءُوا. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ، قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: تُخَرَّجُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّرِكَةَ لَا تَنْتَقِلُ. قَالَ: وَإِنْ قُلْنَا: تَنْتَقِلُ جَازَ. وَهُوَ أَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ، عَلَّلَهُ فِي الْقَوَاعِدِ.
وَمِنْهَا: وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّرِكَةِ إذَا كَانَتْ دَيْنًا وَنَحْوَهُ.
стр. 2412
فَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي وَدِيعَةٍ لَا يَدْفَعُهَا إلَّا إلَى الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ جَمِيعًا. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْغُرَمَاءِ وِلَايَةَ الْمُطَالَبَةِ وَالرُّجُوعَ عَلَى الْمُودَعِ إذَا سَلَّمَ الْوَدِيعَةَ إلَى الْوَرَثَةِ. وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاحْتِيَاطِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ إنْ قُلْنَا: التَّرِكَةُ مِلْكٌ لَهُمْ فَلَهُمْ وِلَايَةُ الطَّلَبِ وَالْقَبْضِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُمْ، فَلَيْسَ لَهُمْ الِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ. وَقَالَ الْمَجْدُ: عِنْدِي أَنَّ النَّصَّ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ وَالْغُرَمَاءَ تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُمْ بِالتَّرِكَةِ كَالرَّهْنِ وَالْجَانِي. فَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى بَعْضِهِمْ. انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْفَوَائِدِ مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ: رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هَذِهِ قِسْمَةٌ بِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهَا. فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَسَمَ أَرْضًا أَوْ مِيرَاثًا بَيْنَ شُرَكَاءَ، ثُمَّ ظَهَرَ شَرِيكٌ آخَرُ، أَوْ وَارِثٌ آخَرُ. قَالَ الْأَزَجِيُّ: فَلَوْ كَانَ لَهُ أَلْفٌ اقْتَسَمَهَا غَرِيمَاهُ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ ظَهَرَ ثَالِثٌ دَيْنُهُ كَدَيْنِ أَحَدِهِمَا: رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِثُلُثِ مَا قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ. وَأَصْلُ هَذَا: مَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَارِثِينَ بِوَارِثٍ. فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مَا فِي يَدِهِ إذَا كَانَ ابْنًا وَهُمَا ابْنَانِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الثَّانِيَةِ. بَلْ هُوَ خَطَأٌ فِيهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَرْجِعُ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ مَا قَبَضَهُ بِحِصَّتِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ كَمَفْقُودٍ رَجَعَ بَعْدَ قِسْمَةٍ وَتَلَفٍ. وَفِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ: لَوْ وَصَلَ مَالُ الْغَائِبِ، فَأَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا أَيْضًا. فَقَالَ: إنْ طَالَبَا جَمِيعًا اشْتَرَكَا، وَإِنْ طَالَبَ
أَحَدُهُمَا: اخْتَصَّ بِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَا يُوجِبُ التَّسْلِيمَ. وَعَدَمُ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ: وَلَمْ يُطَالِبْ أَصْلًا، وَإِلَّا شَارَكَهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ.
стр. 2413
قَوْلُهُ (وَإِنْ بَقِيَ عَلَى الْمُفْلِسِ بَقِيَّةٌ وَلَهُ صَنْعَةٌ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إيجَارِ نَفْسِهِ لِقَضَائِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ
إحْدَاهُمَا: يُجْبَرُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالنَّظْمِ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُجْبَرُ. قَدَّمَهُ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ الرَّزِينِ. كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْقَرْضِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْخُلْعِ وَالتَّزْوِيجِ. حَتَّى أُمِّ وَلَدِهِ، وَأَخَذَ الدِّيَةَ عَلَى قَوَدٍ. وَقِيلَ: لَا تَسْقُطُ دِيَتُهُ بِعَفْوِهِ عَلَى غَيْرِ مَالٍ أَوْ مُطْلَقًا، إنْ قُلْنَا: يَجِبُ بِالْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّ مَبِيعٍ. إذَا كَانَ فِيهِ الْأَحَظُّ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَبْقَى الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِبَقَاءِ دَيْنِهِ إلَى الْوَفَاءِ.
فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى إيجَارِ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ، وَإِيجَارِ أُمِّ وَلَدِهِ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُجْبَرُ عَلَى إيجَارِ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْقَوَاعِدِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ: وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
قَوْلُهُ (وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
стр. 2414
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَفْتَقِرُ زَوَالُهُ إلَى حُكْمٍ فِي الْأَصَحِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: يَزُولُ الْحَجْرُ بِقَسْمِ مَالِهِ.
تَنْبِيهٌ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ (وَإِنْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ حَقٌّ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ: لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَحْلِفُوا) . عَدَمُ وُجُودِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ شُبْهَةٍ.
قَوْلُهُ (الْحُكْمُ الرَّابِعُ: انْقِطَاعُ الْمُطَالَبَةِ عَنْ الْمُفْلِسِ، فَمَنْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا، أَوْ بَاعَهُ: لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةً حَتَّى يَفُكَّ الْحَجْرَ عَنْهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْمُبْهِجِ فِي الْجَاهِلِ. وَتَقَدَّمَ رِوَايَةٌ بِصِحَّةِ إقْرَارِهِ إذَا أَضَافَهُ إلَى مَا قَبْلَ الْحَجْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ إقْرَارٍ صَحَّ. وَيُتَّبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ".
قَوْلُهُ (الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ. وَهُوَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّفِيهُ. فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمْ قَبْلَ الْإِذْنِ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي الْجُمْلَةِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَظَاهِرُهُ: إنَّ هِبَةَ الصَّبِيِّ لَا تَصِحُّ، وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: مَتَى تَصِحُّ هِبَةُ الْغُلَامِ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ إذَا احْتَلَمَ، أَوْ يَصِيرُ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ رِوَايَةً فِي صِحَّةِ إبْرَائِهِ. فَالْهِبَةُ مِثْلُهُ. وَيَأْتِي: هَلْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ وَغَيْرُهَا. أَمْ لَا؟ .
стр. 2415
قَوْلُهُ (وَمَنْ دَفَعَ إلَيْهِمْ) يَعْنِي: إلَى الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّفِيهِ (مَالَهُ بِبَيْعٍ، أَوْ قَرْضٍ: رَجَعَ فِيهِ مَا كَانَ بَاقِيًا. وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهِ، عَلِمَ بِالْحَجْرِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْمَجْنُونُ. وَقِيلَ: يَضْمَنُ السَّفِيهُ إذَا جَهِلَ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى الضَّمَانَ مُطْلَقًا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. كَتَصَرُّفِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ. وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ عَسِرٌ.
تَنْبِيهٌ:
مَحَلُّ هَذَا: إذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ قَدْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ، وَنَحْوِهِمَا. كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. فَأَمَّا إنْ حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمْ بِاخْتِيَارِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ: كَالْوَدِيعَةِ، وَالْعَارِيَّةِ، وَنَحْوِهِمَا وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ مَالًا فَأَتْلَفُوهُ. فَقِيلَ: لَا يَضْمَنُونَ ذَلِكَ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقِيلَ: يَضْمَنُونَ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْعَبْدُ وَحْدَهُ. وَقَدْ قَطَعَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُقْنِعِ، وَالتَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمْ: بِضَمَانِ الْعَبْدِ إذَا أَتْلَفَ الْوَدِيعَةَ. وَأَطْلَقَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ: الْخِلَافَ فِي ضَمَانِ الصَّبِيِّ الْوَدِيعَةَ إذَا أَتْلَفَهَا. وَكَذَلِكَ أَطْلَقَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
стр. 2416
وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْعَبْدُ وَحْدَهُ. وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْعَبْدُ، وَالسَّفِيهُ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. وَأَطْلَقَهُنَّ الْمُحَرَّرُ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَاكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا مُحَرَّرًا.
قَوْلُهُ (فَإِنْ جَنَوْا فَعَلَيْهِمْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ) بِلَا نِزَاعٍ. وَيَضْمَنُونَ أَيْضًا: إذَا أَتْلَفُوا شَيْئًا لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ (وَمَتَى عَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَرَشَدَا: انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ مَا بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يَنْفَكُّ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقِيلَ: لَا يَنْفَكُّ فِي الصَّبِيِّ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، وَيَنْفَكُّ فِي غَيْرِهِ بِمُجَرَّدِ رُشْدِهِ. قَوْلُهُ (وَالْبُلُوغُ: يَحْصُلُ بِالِاحْتِلَامِ) بِلَا نِزَاعٍ (أَوْ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَبَاتِ الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْقُبُلِ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَحَكَى عَنْهُ رِوَايَةً: لَا يَحْصُلُ الْبُلُوغُ بِالْإِنْبَاتِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيَحْصُلُ الْبُلُوغُ بِإِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَعَنْهُ: الذَّكَرُ وَحْدَهُ. قَوْلُهُ (وَتَزِيدُ الْجَارِيَةُ بِالْحَيْضِ وَالْحَمْلِ) بِلَا نِزَاعٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ: وَحَمْلُهَا دَلِيلُ إنْزَالِهَا. وَقَدْرُهُ: أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ. وَكَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
стр. 2417
وَعَنْهُ لَا يَحْصُلُ بُلُوغُهَا بِغَيْرِ الْحَيْضِ. نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ أَوَّلُ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ وُجِدَ مَنِيٌّ مِنْ ذَكَرِ خُنْثَى مُشْكِلٍ: فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى بُلُوغِهِ. وَكَوْنِهِ رَجُلًا. وَإِنْ خَرَجَ مِنْ فَرْجِهِ أَوْ حَاضَ: كَانَ عَلَمًا عَلَى بُلُوغِهِ، وَكَوْنِهِ امْرَأَةً. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّلْخِيصِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْإِنْزَالَ عَلَامَةُ الْبُلُوغِ مُطْلَقًا. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَمًا عَلَى الْبُلُوغِ. قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: إنْ حَاضَ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، أَوْ احْتَلَمَ مِنْهُ، أَوْ أَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ: لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ؛ لِجَوَازِ كَوْنِهِ خِلْقَةً زَائِدَةً. وَإِنْ حَاضَ مِنْ فَرْجِ النِّسَاءِ، وَأَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ: فَبَالِغٌ، بِلَا إشْكَالٍ. انْتَهَى.
وَإِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ ذَكَرِهِ، وَالْحَيْضُ مِنْ فَرْجِهِ: فَمُشْكِلٌ. وَيَثْبُتُ الْبُلُوغُ بِذَلِكَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْقَاضِي: يَثْبُتُ الْبُلُوغُ بِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْفُرُوعِ. وَذَكَرَهُ فِي بَابِ مِيرَاثِ الْخُنْثَى. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ. وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ الْبُلُوغُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَإِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ وَالْحَيْضُ مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ: فَمُشْكِلٌ بِلَا نِزَاعٍ. وَهَلْ يَثْبُتُ الْبُلُوغُ بِذَلِكَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْصُلُ الْبُلُوغُ بِذَلِكَ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَالثَّانِي: يَحْصُلُ بِهِ.
стр. 2418
قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ أَمْنَى. وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ أَمْنَتْ وَحَاضَتْ. وَكِلَاهُمَا يَحْصُلُ بِهِ الْبُلُوغُ. ثُمَّ وَجَدْتُ صَاحِبَ الْحَاوِي الْكَبِيرِ قَطَعَ بِذَلِكَ. وَعَلَّلَهُ بِمَا قُلْنَا. قَوْلُهُ (وَالرُّشْدُ: الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ) . يَعْنِي لَا غَيْرُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الرُّشْدُ الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ وَالدِّينِ. قَالَ: وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِمَذْهَبِنَا. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَنَصَّ عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ مَالَهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ) يَعْنِي: بِمَا يَلِيقُ بِهِ وَيُؤْنَسُ رُشْدُهُ (فَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ التُّجَّارِ: فَبِأَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، فَلَا يُغْبَنُ) . يَعْنِي لَا يُغْبَنُ فِي الْغَالِبِ. وَلَا يُفْحَشُ قَوْلُهُ وَأَنْ يَحْفَظَ مَا فِي يَدَيْهِ عَنْ صَرْفِهِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، كَالْقِمَارِ، وَالْغِنَاءِ، وَشِرَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَنَحْوِهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَمَاعَةٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: أَنَّ التَّبْذِيرَ وَالْإِسْرَافَ: مَا أَخْرَجَهُ فِي الْحَرَامِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَوْ يَصْرِفُهُ فِي صَدَقَةٍ تَضُرُّ بِعِيَالِهِ، أَوْ كَانَ وَحْدَهُ وَلَمْ يَثِقْ بِإِيمَانِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: إذَا أَخْرَجَ فِي مُبَاحٍ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْمَصْلَحَةِ. انْتَهَى. وَهُوَ الصَّوَابُ.
تَنْبِيهٌ:
دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ وَرَشَدَتْ: دَفَعَ إلَيْهَا مَالَهَا. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ كَالْغُلَامِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ لَا يَدْفَعُ إلَى الْجَارِيَةِ مَالَهَا، وَلَوْ بَعْدَ رُشْدِهَا، حَتَّى تَتَزَوَّجَ وَتَلِدَ، أَوْ تُقِيمَ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ سَنَةً. اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالشِّيرَازِيُّ فِي الْإِيضَاحِ.
стр. 2419
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ فَقِيلَ: يَبْقَى الْحَجْرُ عَلَيْهَا. وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: تَبْقَى مَا لَمْ تُعَنِّسْ. قَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي أَنَّهَا إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ يَدْفَعُ إلَيْهَا مَالَهَا، إذَا عَنَّسَتْ وَبَرَزَتْ لِلرِّجَالِ. وَهُوَ الصَّوَابُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَوَقْتُ الِاخْتِبَارِ: قَبْلَ الْبُلُوغِ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَعَنْهُ بَعْدَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ. وَقِيلَ: بَعْدَهُ لِلْجَارِيَةِ لِنَقْصِ خِبْرَتِهَا، وَقَبْلَهُ لِلْغُلَامِ.
فَائِدَةٌ:
لَا يُخْتَبَرُ إلَّا الْمُمَيِّزُ وَالْمُرَاهِقُ الَّذِي يَعْرِفُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ، وَبَيْعُ الِاخْتِبَارِ وَشِرَاؤُهُ صَحِيحٌ بِلَا نِزَاعٍ. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ: التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ، وَحُكْمُ تَصَرُّفِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إلَّا لِلْأَبِ) . يَسْتَحِقُّ الْأَبُ الْوِلَايَةَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا. وَيَكْفِي كَوْنُهُ مَسْتُورَ الْحَالِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ: وَلِيُّهُمَا الْأَبُ مَا لَمْ يُعْلَمْ فِسْقُهُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. قَالَ فِي الْمُنَوِّرِ: وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ الْأَبُ، ثُمَّ الْوَصِيُّ الْعَدْلَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
стр. 2420
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ قَوْلِهِ (ثُمَّ لِوَصِيِّهِ. ثُمَّ لِلْحَاكِمِ) أَنَّ الْجَدَّ وَالْأُمَّ وَسَائِرَ الْعَصَبَاتِ لَيْسَ لَهُمْ وِلَايَةٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ. وَعَنْهُ: لِلْجَدِّ وِلَايَةٌ. فَعَلَيْهَا: يُقَدَّمُ عَلَى الْحَاكِمِ بِلَا نِزَاعٍ. وَيُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الزُّبْدَةِ. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ لِلْأُمِّ وِلَايَةً. وَقِيلَ: لِسَائِرِ الْعَصَبَةِ وِلَايَةٌ أَيْضًا بِشَرْطِ الْعَدَالَةِ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفَائِقِ. ثُمَّ قَالَ، قُلْت: وَيَشْهَدُ لَهُ حَجْرُ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ عِنْدَ خَرَفِهِ. انْتَهَى.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ حَيْثُ قُلْنَا: لِلْأُمِّ وَالْعَصَبَةِ وِلَايَةٌ: أَنَّهُمْ كَالْجَدِّ فِي التَّقْدِيمِ عَلَى الْحَاكِمِ وَعَلَى الْوَصِيِّ، عَلَى الصَّحِيحِ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ فِي الْحَاكِمِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَبِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ حَاكِمٌ: فَأَمِينٌ يَقُومُ بِهِ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ: الْحَاكِمُ الْعَاجِزُ كَالْعَدَمِ.
الثَّانِيَةُ: يَلِي كَافِرٌ عَدْلٌ مَالَ وَلَدِهِ الْكَافِرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ.
следующие страницы →