Полный текст (5 685 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
قَالَ الْحَارِثِيُّ: فَيَطَّرِدُ الْحَدُّ هُنَا، عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْمِلْكِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْجَهْلَ وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ (وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ فَهُوَ حُرٌّ. وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَشْتَرِي بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهُ. وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ) . يَعْنِي تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إنْ قُلْنَا: هِيَ مِلْكٌ لَهُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهَا: لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ. وَهِيَ وَقْفٌ بِحَالِهَا.
قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) . يَعْنِي قِيمَةَ الْوَلَدِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ قِيمَةُ الْوَلَدِ إذَا أَوْلَدَهَا. وَعَزَاهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ إلَى اخْتِيَارِ أَبِي الْخَطَّابِ.
قَوْلُهُ (وَتَجِبُ قِيمَتُهَا فِي تَرِكَتِهِ، يَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا تَكُونُ وَقْفًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: تُصْرَفُ قِيمَتُهَا لِلْبَطْنِ الثَّانِي، إنْ تَلَقَّى الْوَقْفَ مِنْ وَاقِفِهِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ. وَقَالَ: فَدَلَّ عَلَى الْخِلَافِ. وَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُغْنِي، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ: الْبَطْنُ الثَّانِي يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْ وَاقِفِهِ، لَا مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ. وَصَحَّحَهُ الطُّوفِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ. فَلَهُمْ الْيَمِينُ مَعَ شَاهِدِهِمْ. لِثُبُوتِ الْوَقْفِ، مَعَ امْتِنَاعِ بَعْضِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مِنْهَا. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهَلْ يَتَلَقَّى الْبَطْنُ الثَّانِي الْوَقْفَ مِنْ الْبَطْنِ الَّذِي قَبْلَهُ، أَوْ مِنْ الْوَقْفِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ: فَالْوَلَدُ حُرٌّ. وَعَلَيْهِ
стр. 3082
الْمَهْرُ لِأَهْلِ الْوَقْفِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ، وَإِنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، يَشْتَرِي بِهِمَا مِثْلَهُمَا) . يَعْنِي يَشْتَرِي بِقِيمَةِ الْوَلَدِ وَقِيمَةِ أُمِّهِ إذَا تَلِفَتْ. الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَشْتَرِي بِهِمَا مِثْلَهُمَا إنْ بَلَغَ، أَوْ شِقْصًا إنْ لَمْ يَبْلُغْ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ. " وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ قِيمَةَ الْوَلَدِ هَاهُنَا ". يَعْنِي يَمْلِكُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْوَلَدِ هُنَا، عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْهِدَايَةِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ أَتْلَفَهَا إنْسَانٌ: لَزِمَهُ قِيمَتُهَا، يَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا. وَإِنْ حَصَلَ الْإِتْلَافُ فِي جُزْءٍ بِهَا كَقَطْعِ طَرَفٍ مَثَلًا فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَشْتَرِي بِأَرْشِهَا شِقْصًا يَكُونُ وَقْفًا. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَقِيلَ: يَكُونُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي التَّلْخِيصِ. وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ: فَالْأَرْشُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِ.
فَائِدَةٌ أُخْرَى:
لَوْ قَتَلَ الْمَوْقُوفَ عَبْدٌ مُكَافِئٌ. فَقَالَ فِي الْمُغْنِي: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ. لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ قَاتِلُهُ. كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ. انْتَهَى. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَتَحْرِيرُ قَوْلِهِ فِي الْمُغْنِي: أَنَّ الْعَبْدَ الْمَوْقُوفَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُلَّاكِ وَمِنْ شَرْطِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ: مُطَالَبَةُ كُلِّ الشُّرَكَاءِ، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ. قَالَ: وَفِيهِ بَحْثٌ وَذَكَرَهُ وَمَالَ إلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: وَقْفِيَّةُ الْبَدَلِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، لِاسْتِدْعَاءِ
стр. 3083
الْبَدَلِيَّةِ ثُبُوتَ حُكْمِ الْأَصْلِ لَا الْبَدَلِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ. وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ عَقْدِ الْوَقْفِ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا خَرِبَ الْوَقْفُ، وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا: بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ، وَجُعِلَ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَكَذَا نَصَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵀ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ. قَالَ: وَبِهَذَا أَقُولُ. وَيَأْتِي فِي آخِرِ بَيْعِ الْوَقْفِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. وَكَلَامُ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ. وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ:
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَلَهُ تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ ". يَعْنِي إذَا قُلْنَا: يَمْلِكُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْوَقْفَ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ. وَعَلَى الثَّالِثَةِ: يُزَوِّجُهَا الْوَاقِفُ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ، وَالْحَارِثِيُّ لَكِنْ إذَا زَوَّجَ الْحَاكِمُ اُشْتُرِطَ إذْنُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِ. وَهُوَ وَاضِحٌ. وَكَذَا إذَا زَوَّجَهَا الْوَاقِفُ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ عِنْدِهِ. قُلْت: هُوَ مُرَادُ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ قَطْعًا. وَقَدْ طَرَدَهُ الْحَارِثِيُّ فِي الْوَاقِفِ وَالنَّاظِرِ، إذَا قِيلَ بِوِلَايَتِهِمَا. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِحَالٍ، إلَّا إذَا طَلَبَتْهُ. وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْمُغْنِي. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَحْتَمِلُ مَنْعَ تَزْوِيجِهَا، إنْ لَمْ تَطْلُبْهُ.
قَوْلُهُ (وَوَلَدُهَا وَقْفٌ مَعَهَا) . هَذَا الْمُذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَهُ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ. وَهُوَ اخْتِيَارٌ لِأَبِي الْخَطَّابِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرِهِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ. وَنَسَبَ الْأَوَّلَ إلَى الْأَصْحَابِ.
стр. 3084
وَيَأْتِي: هَلْ يَجُوزُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَيْهِ؟ فِي الْفَوَائِدِ قَرِيبًا.
وَمِنْ الْفَوَائِدِ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَإِنْ جَنَى الْوَقْفُ خَطَأً: فَالْأَرْشُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) . يَعْنِي إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَمْلِكُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: تَكُونُ جِنَايَتُهُ فِي كَسْبِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْقَوَاعِدِ، وَالْمُحَرَّرِ. وَقِيلَ: فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي التَّبْصِرَةِ. وَضَعَّفَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ، عَلَى الْقَوْلَيْنِ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ. وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْوَاقِفِ. " وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ فِي كَسْبِهِ " قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ عِنْدِهِ. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ: وَلَهُمْ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ الْوُجُوبُ عَلَى الْوَاقِفِ. قَالَ: وَفِيهِ بَحْثٌ. تَنْبِيهٌ:
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا. أَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ وَنَحْوِهِمْ فَقَالَ فِي الْمُغْنِي: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَرْشُ فِي كَسْبِهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ، يُمْكِنُ إيجَابُ الْأَرْشِ عَلَيْهِ. وَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهَا بِرَقَبَتِهِ، فَتَتَعَيَّنُ فِي كَسْبِهِ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
فَائِدَةٌ:
حَيْثُ أَوْجَبْنَا الْفِدَاءَ، فَهُوَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ، أَوْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، اعْتِبَارًا بِأُمِّ الْوَلَدِ. تَنْبِيهٌ:
فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ مِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ.
стр. 3085
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ مَاشِيَةً: لَمْ تَجِبْ زَكَاتُهَا، عَلَى الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ. لِضَعْفِ الْمِلْكِ. وَتَجِبُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْأُولَى، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، وَاخْتِيَارِ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَالْمَجْدِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قَالَ النَّاظِمُ: وَلَكِنْ لِيَخْرُجَ مَنْ سِوَاهَا وَيُمْدَدْ
قُلْت: فَيُعَايَا بِهَا. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ مُطْلَقًا لِضَعْفِ الْمِلْكِ. اخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُ. وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. فَأَمَّا الشَّجَرُ الْمَوْقُوفُ: فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ثَمَرِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. وَجْهًا وَاحِدًا. لِأَنَّ ثَمَرَتَهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي الْفَوَائِدِ. قَالَ الشِّيرَازِيُّ: لَا زَكَاةَ فِيهِ مُطْلَقًا. وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ رِوَايَةً. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا زَكَاةَ فِي السَّائِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ " بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. فَلْيُرَاجَعْ.
وَمِنْهَا: النَّظَرُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، إنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ: مِلْكَ النَّظَرِ عَلَيْهِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. فَيَنْظُرُ فِيهِ هُوَ مُطْلَقًا، أَوْ وَلِيُّهُ، إنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا. وَقِيلَ: يُضَمُّ إلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يَكُونُ النَّظَرُ لِلْحَاكِمِ. وَعَلَى الثَّالِثَةِ: لِلْوَاقِفِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ عِنْدِهِ.
وَمِنْهَا: هَلْ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْبِنَاءُ. فَإِنْ قِيلَ: يَمْلِكُهُ اسْتَحَقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْوَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا: يَمْلِكُهُ. قَالَهُ الْمَجْدُ. وَهَذَا كُلُّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْمُذْهَبِ فِي جَوَازِ قِسْمَةِ الْوَقْفِ مِنْ الطَّلْقِ.
стр. 3086
أَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ بِمَنْعِ الْقِسْمَةِ: فَلَا شُفْعَةَ. وَكَذَلِكَ بَنَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ الْوَجْهَيْنِ هُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي قَبُولِ الْقِسْمَةِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ ".
وَمِنْهَا: نَفَقَةُ الْحَيَوَانِ الْمَوْقُوفِ. فَتَجِبُ حَيْثُ شُرِطَتْ، وَمَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ تَجِبُ فِي كَسْبِهِ، وَمَعَ عَدَمِهِ تَجِبُ عَلَى مَنْ الْمِلْكُ لَهُ. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مِنْ عِنْدِهِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: تَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ وَجْهٌ. ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: نَفَقَتُهُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ. فَقِيلَ: هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَعَدَمِهِ. وَقَدْ يُقَالُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ لِغَيْرِهِ، كَمَا نَقُولُ بِوُجُوبِهَا عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ عَلَى وَجْهٍ، انْتَهَى.
وَمِنْهَا: لَا يَجُوزُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْأُولَى. وَيَجُوزُ عَلَى الثَّانِيَةِ. قُلْت: وَعَلَى الثَّالِثَةِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: هَذَا الْبِنَاءُ ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ. قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ. وَلِهَذَا يَكُونُ الْمَهْرُ لَهُ. انْتَهَى. قَالَ الْحَارِثِيُّ، فَعَلَى الْأُولَى: لَوْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ. لِوُجُودِ الْمِلْكِ.
وَمِنْهَا: لَوْ سَرَقَ الْوَقْفَ أَوْ نَمَاءَهُ. فَعَلَى الْأُولَى: يُقْطَعُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا يُقْطَعُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ: لَمْ يُقْطَعْ، عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ يُقْطَعُ.
стр. 3087
وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ: إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ.
وَمِنْهَا: وُجُوبُ إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْأُولَى. عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا إذَا اُشْتُرِيَ عَبْدٌ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ لِخِدْمَةِ الْوَقْفِ. فَإِنَّ الْفُطْرَةَ تَجِبُ قَوْلًا وَاحِدًا. لِتَمَامِ التَّصَرُّفِ فِيهِ. قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. وَيُعَايَى بِمَمْلُوكٍ لَا مَالِكَ لَهُ. وَهُوَ عَبْدٌ وُقِفَ عَلَى خِدْمَةِ الْكَعْبَةِ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمَنْثُورِ.
وَمِنْهَا: لَوْ زَرَعَ الْغَاصِبُ أَرْضَ الْوَقْفِ. فَعَلَى الْأُولَى: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ التَّمَلُّكُ بِالنَّفَقَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَمَالِكُ الْمَنْفَعَةِ. فِيهِ تَرَدُّدٌ. ذَكَرَهُ فِي الْفَوَائِدِ مِنْ الْقَوَاعِدِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ. ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ رَجَعَ نَصِيبُهُ عَلَى الْآخَرَيْنِ) . وَكَذَا لَوْ رَدَّ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَذَكَرَ الْحَارِثِيُّ فِي شَرْحِهِ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: الصَّرْفُ مُدَّةَ بَقَاءِ الْآخَرَيْنِ مَصْرِفُ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ. لِسُكُوتِهِ عَنْ الْمَصْرِفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الِانْتِقَالُ إلَى الْمَسَاكِينِ. لِاقْتِضَاءِ اللَّفْظِ لَهُ. فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ: الصَّرْفُ إلَى الْمَسَاكِينِ بَعْدَ انْقِرَاضِ مَنْ عَيَّنَ. فَصَرْفُ نَصِيبِ كُلٍّ مِنْهُمْ عِنْدَ انْقِرَاضِهِ إلَى الْمَسَاكِينِ: دَاخِلٌ تَحْتَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ، وَرَجَّحَهُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ. فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: لَوْ وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَآلًا. فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَحُكْمُ نَصِيبِهِ حُكْمُ الْمُنْقَطِعِ. كَمَا لَوْ مَاتُوا جَمِيعًا. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ.
стр. 3088
وَقَالَ: عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ يُصْرَفُ إلَى مَنْ بَقِيَ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ. وَكَذَا الْحَكَمُ لَوْ رَدَّ بَعْضُهُمْ. قَالَهُ فِيهَا أَيْضًا.
الثَّانِيَةُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ. فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ هَذَا تَرْتِيبُ جُمْلَةٍ عَلَى مِثْلِهَا. لَا يَسْتَحِقُّ الْبَطْنُ الثَّانِي شَيْئًا قَبْلَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ: هَذَا الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ. فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَوْزِيعِ الْجُمْلَةِ. وَقِيلَ: تَرْتِيبُ أَفْرَادٍ. فَيَسْتَحِقُّ الْوَلَدُ نَصِيبَ أَبِيهِ بَعْدَهُ. فَهُوَ مِنْ تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ بَيْنَ كُلِّ شَخْصٍ وَأَبِيهِ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. قَالَ فِي الِانْتِصَارِ، عِنْدَ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ بِالْهِلَالِ: إذَا قُوبِلَ جَمْعٌ بِجَمْعٍ: اقْتَضَى مُقَابَلَةَ الْفَرْدِ مِنْهُ بِالْفَرْدِ لُغَةً. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: فَعَلَى هَذَا: الْأَظْهَرُ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَبُوهُ. وَقَالَ: الْأَظْهَرُ أَيْضًا فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدَيْهِ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمَا وَعَقِبِهِمَا بَعْدَهُمَا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ: أَنَّهُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ إلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ. وَقَالَ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْوَقْفَ كَالْإِرْثِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُوهُ أَخَذَ شَيْئًا لَمْ يَأْخُذْ هُوَ: فَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ. وَلِهَذَا: لَوْ انْتَفَتْ الشُّرُوطُ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى، أَوْ بَعْضِهِمْ: لَمْ تَحْرُمْ الثَّانِيَةُ مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ فِيهِمْ إجْمَاعًا، وَلَا فَرْقَ. انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَوْلُ الْوَاقِفِ " مَنْ مَاتَ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ " يَعُمُّ مَا اسْتَحَقَّهُ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مَعَ صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ اسْتَحَقَّهُ أَوْ لَا، تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ، وَلِصِدْقِ الْإِضَافَةِ
стр. 3089
بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ. وَلِأَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَسْتَحِقُّهُ. وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ عِنْدَ الْعَامَّةِ الشَّارِطِينَ، وَيَقْصِدُونَهُ. لِأَنَّهُ يَتِيمٌ لَمْ يَرِثْ هُوَ وَأَبُوهُ مِنْ الْجَدِّ. وَلِأَنَّ فِي صُورَةِ الْإِجْمَاعِ يَنْتَقِلُ مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ إلَى وَلَدِهِ، لَكِنْ هُنَا: هَلْ يُعْتَبَرُ مَوْتُ الْوَالِدِ؟ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ. وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا مَا اسْتَحَقَّهُ فَمَفْهُومٌ. خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَقَدْ تَنَاوَلَهُ الْوَقْفُ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَعَلَى قَوْلِ شَيْخِنَا: إنْ قَالَ " بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ " وَنَحْوَهُ: فَتَرْتِيبُ جُمْلَةٍ، مَعَ أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ. فَإِنْ زَادَ الْوَاقِفُ " عَلَى أَنَّهُ إنْ تُوُفِّيَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ، وَلَهُ وَلَدٌ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ عَنْ أَوْلَادٍ لِصُلْبِهِ، وَعَنْ وَلَدِ وَلَدِهِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ. فَلَهُ مَعَهُمْ مَا لِأَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا " فَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ أَيْضًا فِيمَا إذَا قَالَ " بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ " وَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ إلَى وَلَدِ وَلَدِهِ، وَلَا مُشَارَكَةَ انْتَهَى.
الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنِينَ. فَقَالَ " وَقَفْت عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَعَلَى وَلَدِ وَلَدِي " كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَوْلَادِهِمَا وَأَوْلَادِ الثَّالِثِ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّالِثِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُخْتَارًا لَهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَنَصَرَاهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَقَوَّاهُ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِيهِ. وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: يَدْخُلُ الِابْنُ الثَّالِثُ. وَنَقَلَهُ حَرْبٌ، وَقَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ. فَقَالَ: فَالْمَنْصُوصُ دُخُولُ الْجَمِيعِ. وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَيَخْرُجُ وَجْهٌ بِالِاخْتِصَاصِ بِوَلَدِ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ، اعْتِبَارًا بِآبَائِهِمْ. وَكَذَا الْحَكَمُ وَالْخِلَافُ وَالْمَذْهَبُ لَوْ قَالَ " وَقَفْت عَلَى وَلَدَيَّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ " هَلْ يَشْمَلُ وَلَدَ وَلَدِهِ أَمْ لَا؟ .
стр. 3090
وَقِيلَ: يَشْمَلُهُ هُنَا. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ احْتِمَالًا مِنْ عِنْدِهِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى فُلَانٍ. فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادُهُ فَعَلَى الْمَسَاكِينِ: كَانَ بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ لِأَوْلَادِهِ. ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ لِلْمَسَاكِينِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي. وَقِيلَ: يُصْرَفُ بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ مَصْرِفَ الْمُنْقَطِعِ، حَتَّى يَنْقَرِضَ أَوْلَادُهُ. ثُمَّ يُصْرَفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ: اشْتَرَكُوا حَالًا. وَلَوْ قَالَ فِيهِ " عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِذَوِي طَبَقَتِهِ " كَانَ لِلِاشْتِرَاكِ أَيْضًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَقَدْ زَعَمَ الْمَجْدُ: أَنَّ كَلَامَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْأَوْلَادِ، وَأَوْلَادِهِمْ. ثُمَّ يُضَافُ إلَى كُلِّ وَلَدٍ نَصِيبُ وَالِدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِمَنْ رَاجَعَهُ وَتَأَمَّلَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ لِلتَّرْتِيبِ بَيْنَ كُلِّ وَلَدٍ وَأَبِيهِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَذَكَرَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَلَوْ رَتَّبَ بِقَوْلِهِ " الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، أَوْ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، أَوْ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ ثُمَّ الثَّانِي " فَهَذَا تَرْتِيبُ جُمْلَةٍ عَلَى مِثْلِهَا. لَا يَسْتَحِقُّ الْبَطْنُ الثَّانِي شَيْئًا قَبْلَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِ. قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْحَارِثِيِّ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَكَذَا قَوْلُهُ " قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ". وَلَوْ قَالَ بَعْدَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ " ثُمَّ عَلَى أَنْسَالِهِمْ وَأَعْقَابِهِمْ " فَهَلْ يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الْعَقِبِ مُرَتَّبًا، أَوْ مُشْتَرَكًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ.
стр. 3091
قُلْت: الصَّوَابُ التَّرْتِيبُ. وَلَوْ رَتَّبَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ بِ " ثُمَّ " ثُمَّ قَالَ " وَمَنْ تُوُفِّيَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ " اسْتَحَقَّ كُلُّ وَلَدٍ بَعْدَ أَبِيهِ نَصِيبَهُ. وَلَوْ قَالَ " عَلَى أَوْلَادِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي، عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِأَهْلِ دَرَجَتِهِ " اسْتَحَقَّ كُلُّ وَلَدٍ نَصِيبَ أَبِيهِ بَعْدَهُ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. قَالَ فِي الْفَائِقِ: ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ وَغَيْرُهُ. انْتَهَى. وَهُمَا يَنْزِعَانِ إلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِيهَا. قُلْت: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ. وَقَدْ وَافَقَ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ ﵀ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذْهَبِ. وَجَعَلُوهُ مِنْ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ. وَهُوَ أَظْهَرُ. وَصَنَّفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفًا حَافِلًا خَمْسَ كَرَارِيسَ. وَلَوْ قَالَ " وَمَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ " فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَشْمَلُ النَّصِيبَ الْأَصْلِيَّ وَالْعَائِدَ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثُ إخْوَةٍ. فَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ عَنْ وَلَدٍ. وَيَمُوتُ الثَّانِي عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ. فَنَصِيبُهُ لِأَخِيهِ الثَّالِثِ. فَإِذَا مَاتَ الثَّالِثُ عَنْ وَلَدٍ: اسْتَحَقَّ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي يَدِ أَبِيهِ مِنْ الْأَصْلِيِّ وَالْعَائِدِ إلَيْهِ مِنْ أَخِيهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: يَشْمَلُ النَّصِيبَ الْأَصْلِيَّ، وَيَشْتَرِكُ وَلَدُ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ وَوَلَدُ الْمَيِّتِ الثَّالِثِ فِي النَّصِيبِ الْعَائِدِ إلَى أَخِيهِ. لِأَنَّ وَالِدَيْهِمَا لَوْ كَانَا حَيَّيْنِ لَاشْتَرَكَا فِي الْعَائِدِ. فَكَذَا وَلَدُهُمَا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَلَوْ قَالَ " مَنْ تُوُفِّيَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ: فَنَصِيبُهُ لِأَهْلِ دَرَجَتِهِ " وَكَانَ الْوَقْفُ مُرَتَّبًا بِالْبُطُونِ، كَانَ نَصِيبُ الْمَيِّتِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ: لِأَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ.
стр. 3092
وَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَهْلِ الْبُطُونِ: عَادَ إلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْوَقْفِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ. فَوُجُودُ هَذَا الشَّرْطِ كَعَدَمِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَخْتَصُّ الْبَطْنُ الَّذِي هُوَ مِنْهُ. فَيَسْتَوِي فِيهِ إخْوَتُهُ وَبَنُو عَمِّهِ وَبَنُو بَنِي عَمِّ أَبِيهِ. لِأَنَّهُمْ فِي الْقُرْبِ سَوَاءٌ. قَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي دَرَجَتِهِ أَحَدٌ: فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ لَمْ يُذْكَرْ الشَّرْطُ. قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، وَإِنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ: انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ. فَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ، فَقِيلَ: يَعُودُ نَصِيبُهُ إلَى أَهْلِ الْوَقْفِ كُلِّهِمْ، وَإِنْ كَانُوا بُطُونًا. وَحَكَمَ بِهِ التَّقِيُّ سُلَيْمَانُ. وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ أَهْلُ بَطْنِهِ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ حَالًا أَوْ قُوَّةً، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ ثَلَاثَةً. فَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ ابْنٍ، ثُمَّ مَاتَ الثَّانِي عَنْ ابْنَيْنِ. فَمَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ وَتَرَكَ أَخَاهُ وَابْنَ عَمِّهِ، وَعَمَّهُ وَابْنًا لِعَمِّهِ الْحَيِّ. فَيَكُونُ نَصِيبُهُ بَيْنَ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ الْمَيِّتِ وَابْنِ عَمِّهِ الْحَيِّ. وَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَمُّ شَيْئًا. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ أَهْلُ بَطْنِهِ فِي أَهْلِ الْوَقْفِ الْمُتَنَاوِلِينَ لَهُ فِي الْحَالِ. فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ لِأَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ. وَلَا شَيْءَ لِعَمِّهِ الْحَيِّ وَلَا لِوَلَدِهِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: ذَوُو طَبَقَتِهِ: إخْوَتُهُ، وَبَنُو عَمِّهِ، وَنَحْوُهُمْ. وَمَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ: عُمُومَتُهُ، وَنَحْوُهُمْ. وَمَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ: وَلَدُهُ، وَوَلَدُ إخْوَتِهِ وَطَبَقَتُهُمْ. وَلَا يَسْتَحِقُّ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْوَقْفِ بِحَالٍ. كَمَنْ لَهُ أَرْبَعُ بَنِينَ.
стр. 3093
وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَتَرَكَ الرَّابِعَ. فَمَاتَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ: لَمْ يَكُنْ لِلرَّابِعِ فِيهِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَإِذَا شَرَطَهُ لِمَنْ فِي دَرَجَةِ الْمُتَوَفَّى عِنْدَ عَدَمِ وَلَدِهِ: اسْتَحَقَّهُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ حَالَةَ وَفَاتِهِ. وَكَذَا مَنْ سَيُوجَدُ مِنْهُمْ فِي أَصَحِّ الِاحْتِمَالَيْنِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا أَقْوَى الِاحْتِمَالَيْنِ. قَالَ: وَرَأَيْت الْمُشَارَكَةَ بِخَطِّ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ يَعْنِي الشَّارِحَ وَالنَّوَوِيَّ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ: يَخْرُجُ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ: وَالدُّخُولُ هُنَا أَوْلَى. وَبِهِ أَفْتَى الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا، لَوْ حَدَثَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْ الْمَوْجُودِينَ، وَكَانَ فِي الْوَقْفِ اسْتِحْقَاقُ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى: فَإِنَّهُ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ. قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ.
السَّادِسَةُ: لَوْ قَالَ " عَلَى أَوْلَادِي، ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ فَقَطْ. ثُمَّ نَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ. عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، وَتَرَكَ وَلَدًا وَإِنْ سَفُلَ: فَنَصِيبُهُ لَهُ. فَمَاتَ أَحَدُ الطَّبَقَةِ الْأُوَلِ، وَتَرَكَ بِنْتًا، فَمَاتَتْ وَلَهَا أَوْلَادٌ ". فَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: مَا اسْتَحَقَّتْهُ قَبْلَ مَوْتِهَا: فَهُوَ لَهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَيَتَوَجَّهُ: لَا. انْتَهَى. وَلَوْ قَالَ " وَمَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ، وَإِنْ سَفَلَ: فَنَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ. ثُمَّ نَسْلِهِمْ، وَعَقِبِهِمْ " عَمَّ مَنْ لَمْ يُعْقِبْ وَمَنْ أَعْقَبَ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَقِبُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ غَيْرُهُ. وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ. فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ قَطْعًا. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ نُفُوذُ حُكْمِهِ بِخِلَافِهِ.
السَّابِعَةُ: لَوْ اجْتَمَعَ صِفَتَانِ أَوْ صِفَاتٌ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ. فَهُوَ كَاجْتِمَاعِ شَخْصَيْنِ أَوْ أَشْخَاصٍ. عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ. فَيَتَعَدَّدُ الِاسْتِحْقَاقُ بِهَا، كَالْأَعْيَانِ. قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ.
стр. 3094
وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْوَصَايَا، وَالْفَرَائِضِ، وَالزَّكَاةِ، فَكَذَلِكَ الْوَقْفُ. وَأَفْتَى بِهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَجَبٍ أَيْضًا. وَرَدَّ قَوْلَ الْمُخَالِفِ فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَا يَتَعَدَّدُ الِاسْتِحْقَاقُ بِذَلِكَ. وَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْفَائِدَةِ السَّادِسَةِ مِنْ الْفَوَائِدِ الْآتِيَةِ قَرِيبًا.
الثَّامِنَةُ: إذَا تَعَقَّبَ الشَّرْطُ جُمَلًا: عَادَ إلَى الْكُلِّ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَجْهَيْنِ، فِي قَوْلِهِ " أَنْتِ حَرَامٌ. وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى " انْتَهَى. وَالِاسْتِثْنَاءُ كَالشَّرْطِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا. وَقِيلَ: وَالْجُمَلُ مِنْ جِنْسٍ كَالشَّرْطِ. وَكَذَا مُخَصَّصٌ: مِنْ صِفَةٍ، وَعَطْفِ بَيَانٍ، وَتَوْكِيدٍ، وَبَدَلٍ، وَنَحْوِهِ، وَالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، نَحْوِ " عَلَى أَنَّهُ " أَوْ " بِشَرْطِ أَنَّهُ " وَنَحْوِ ذَلِكَ كَالشَّرْطِ. لِتَعَلُّقِهِ بِفِعْلٍ، لَا بِاسْمٍ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَعُمُومُ كَلَامِهِمْ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَطْفِ بِوَاوٍ وَفَاءٍ وَثُمَّ. وَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
التَّاسِعَةُ: لَوْ وَجَدَ فِي كِتَابِ وَقْفٍ " أَنَّ رَجُلًا وَقَفَ عَلَى فُلَانٍ وَعَلَى بَنِي بَنِيهِ. وَاشْتَبَهَ: هَلْ الْمُرَادُ بِبَنِي بَنِيهِ، جَمْعُ ابْنٍ، أَوْ بَنِي بِنْتِهِ، وَاحِدَةُ الْبَنَاتِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا. لِتُسَاوِيهِمَا، كَمَا فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: لَيْسَ هَذَا مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ تَرَدُّدِ الْبَيِّنَةِ الْوَاحِدَةِ. وَلَوْ كَانَ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ. فَالْقِسْمَةُ عِنْدَ التَّعَارُضِ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ. وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ: إمَّا التَّسَاقُطُ وَإِمَّا الْقُرْعَةُ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْرَعَ هُنَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَجَّحَ بَنُو الْبَنِينَ. لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِ بِنْتَيْهِ لَا يَخُصُّ مِنْهُمَا الذُّكُورَ، بَلْ يَعُمُّ أَوْلَادَهُمَا، بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى وَلَدِ الذُّكُورِ. فَإِنَّهُ
стр. 3095
يَخُصُّ ذُكُورَهُمْ كَثِيرًا، كَآبَائِهِمْ. وَلِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ وَلَدَ الْبِنْتِ لَسَمَّاهَا بِاسْمِهَا، أَوْ لَشَرَّكَ بَيْنَ وَلَدِهَا وَوَلَدِ سَائِرِ بَنَاتِهِ. قَالَ: وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ.
وَأَفْتَى أَيْضًا ﵀ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى أَحَدِ أَوْلَادِهِ وَلَهُ عِدَّةُ أَوْلَادٍ وَجُهِلَ اسْمُهُ: أَنَّهُ يُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ.
قَوْلُهُ (وَيُرْجَعُ إلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي قَسْمِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَفِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْجَمْعِ وَالتَّرْتِيبِ، وَالتَّسْوِيَةِ وَالتَّفْضِيلِ، وَإِخْرَاجِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ وَإِدْخَالِهِ بِصِفَةٍ. وَفِي النَّاظِرِ فِيهِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ) . وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَدَمَ إيجَارِهِ، أَوْ قَدْرَ مُدَّةٍ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَعَنْ بَعْضِهِمْ: جَوَازُ زِيَادَةِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ عَلَى مَا شَرَطَهُ النَّاظِرُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ. قَالَ: وَهُوَ يَحْتَاجُ عِنْدِي إلَى شَيْءٍ مِنْ تَفْصِيلٍ. فَقَوْلُهُ " يُرْجَعُ فِي قَسْمِهِ " أَيْ فِي تَقْدِيرِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَ " التَّقْدِيمُ " الْبُدَاءَةُ بِبَعْضِ أَهْلِ الْوَقْفِ دُونَ بَعْضٍ. كَوَقْفٍ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ. وَيَبْدَأُ بِالدَّفْعِ إلَى زَيْدٍ، أَوْ وَقَفْت عَلَى طَائِفَةِ كَذَا. يَبْدَأُ بِالْأَصْلَحِ، أَوْ الْأَفْقَهِ. وَ " التَّأْخِيرُ " عَكْسُ ذَلِكَ. وَإِذَا أُضِيفَ تَقْدِيرُ الِاسْتِحْقَاقِ: كَانَ لِلْمُؤَخَّرِ مَا فَضَلَ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ سَقَطَ. وَ " الْجَمْعُ " جَمْعُ الِاسْتِحْقَاقِ مُشْتَرَكًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَ " التَّرْتِيبُ " جَعْلُ اسْتِحْقَاقِ بَطْنٍ مُرَتَّبًا عَلَى آخَرَ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَ " التَّرْتِيبُ " مَعَ " التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ " مُتَّحِدٌ مَعْنًى، لَكِنَّ الْمُرَادَ فِي صُورَةِ
стр. 3096
التَّقْدِيمِ بَقَاءُ أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْمُؤَخَّرِ، عَلَى صِفَةِ أَنَّ لَهُ مَا فَضَلَ وَإِلَّا سَقَطَ. وَفِي صُورَةِ التَّرْتِيبِ: عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْمُؤَخَّرِ مَعَ وُجُودِ الْمُقَدَّمِ. وَ " التَّسْوِيَةُ " جَعْلُ الرِّيعِ بَيْنَ أَهْلِ الْوَقْفِ مُتَسَاوِيًا. وَ " التَّفْضِيلُ " جَعْلُهُ مُتَفَاوِتًا. وَمَعْنَى " الْإِخْرَاجِ بِصِفَةٍ " وَ " الْإِدْخَالِ بِصِفَةٍ " جَعْلُ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْحِرْمَانِ مُرَتَّبًا عَلَى وَصْفٍ مُشْتَرَطٍ. فَتَرَتُّبُ الِاسْتِحْقَاقِ: كَالْوَقْفِ عَلَى قَوْمٍ بِشَرْطِ كَوْنِهِمْ فُقَرَاءَ أَوْ صُلَحَاءَ. وَتَرَتُّبُ الْحِرْمَانِ أَنْ يَقُولَ: وَمَنْ فَسَقَ مِنْهُمْ، أَوْ اسْتَغْنَى فَلَا شَيْءَ لَهُ. تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الشَّرْطَ الْمُبَاحَ الَّذِي لَا يَظْهَرُ قَصْدُ الْقُرْبَةِ مِنْهُ: يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ: الْوُجُوبُ. قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ ﵀ يَخْرُجُ مِنْ شَرْطِ كَوْنِهِ قُرْبَةً: اشْتِرَاطُ الْقُرْبَةِ فِي الْأَصْلِ يَلْزَمُ الشُّرُوطَ الْمُبَاحَةَ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَارَ شَيْخُنَا يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ لُزُومَ الْعَمَلِ بِشَرْطٍ مُسْتَحَبٍّ خَاصَّةً. وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ. لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ، وَيُعْذَرُ عَلَيْهِ، فَبَذْلُ الْمَالِ فِيهِ سَفَهٌ، وَلَا يَجُوزُ. انْتَهَى. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَمِنْ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ يَعْنِي الْمُبَاحَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَعَلَّلَهُ. قَالَ: وَهَذَا لَهُ قُوَّةٌ، عَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ الْقُرْبَةِ فِي أَصْلِ الْجِهَةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَإِيَّاهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ " فِيمَا أَرَى.
стр. 3097
وَيُؤَيِّدُهُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَذَكَرَ النَّصَّ فِي الْوَصِيَّةِ. انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ " الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ ﵀. وَكَانَ فِي زَمَنِهِ. وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الْفُرُوعِ إيمَاءٌ إلَى ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: مَنْ قَدَّرَ لَهُ الْوَاقِفُ شَيْئًا. فَلَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ إنْ اسْتَحَقَّهُ بِمُوجِبِ الشَّرْعِ. وَقَالَ أَيْضًا: الشَّرْطُ الْمَكْرُوهُ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا.
فَائِدَةٌ:
لَوْ خَصَّصَ الْمَدْرَسَةَ بِأَهْلِ مَذْهَبٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ قَبِيلَةٍ: تَخَصَّصَتْ. وَكَذَلِكَ الرِّبَاطُ وَالْخَانْقَاهْ وَالْمَقْبَرَةُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِ وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا فِي كِتَابِهِ احْتِمَالًا بِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ. وَأَمَّا الْمَسْجِدُ: فَإِنْ عَيَّنَ لِإِمَامَتِهِ شَخْصًا: تَعَيَّنَ. وَإِنْ خَصَّصَ الْإِمَامَةَ بِمَذْهَبٍ: تَخَصَّصَتْ بِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ السُّنَّةِ أَوْ ظَاهِرِهَا، سَوَاءٌ كَانَ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ، أَوْ لِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ. وَإِنْ خَصَّصَ الْمُصَلِّينَ فِيهِ بِمَذْهَبٍ، فَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَخْتَصُّ بِهِمْ عَلَى الْأَشْبَهِ. لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي أَحْكَامِ الصَّلَاةِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَالَ غَيْرُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَقَوَّى الْحَارِثِيُّ عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ، قُلْت: وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ فِي الْمَسْجِدِ بِمَذْهَبٍ فِي الْإِمَامِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا تَتَعَيَّنُ طَائِفَةٌ وُقِفَ عَلَيْهَا مَسْجِدٌ أَوْ مَقْبَرَةٌ. كَالصَّلَاةِ فِيهِ.
стр. 3098
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ إنْ عَيَّنَ مَنْ يُصَلِّي فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، أَوْ تَدْرِيسِ الْعِلْمِ: اُخْتُصَّ. وَإِنْ سَلِمَ، فَلِأَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّزَاحُمُ بِإِشَاعَتِهِ، وَلَوْ وَقَعَ: فَهُوَ أَفْضَلُ. لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُرَادُ لَهُ. وَقِيلَ: تُمْنَعُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ فُقَهَاءَ، كَمُسَابِقَةٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ " نُصُوصُ الْوَاقِفِ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ " يَعْنِي فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ، لَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ: أَنَّ لَفْظَهُ، وَلَفْظَ الْمُوصِي، وَالْحَالِفِ، وَالنَّاذِرِ، وَكُلِّ عَاقِدٍ: يُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ، وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا، وَافَقَتْ لُغَةَ الْعَرَبِ أَوْ لُغَةَ الشَّارِعِ. أَمْ لَا. قَالَ: وَالشُّرُوطُ إنَّمَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا. إذَا لَمْ تُفْضِ إلَى الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ. وَلَا تَجُوزُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى بَعْضِهَا مَعَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ بِهَا. قَالَ: وَمَنْ شَرَطَ فِي الْقُرُبَاتِ: أَنْ يُقَدِّمَ فِيهَا الصِّنْفَ الْمَفْضُولَ: فَقَدْ شَرَطَ خِلَافَ شَرْطِ اللَّهِ. كَشَرْطِهِ فِي الْإِمَامَةِ تَقْدِيمَ غَيْرِ الْأَعْلَمِ، وَالنَّاظِرُ مُنْفِذٌ لِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ. انْتَهَى. وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَنْزِلَ فَاسِقٌ، وَلَا شِرِّيرٌ، وَلَا مُتَجَوِّهٌ، وَنَحْوُهُ: عُمِلَ بِهِ. وَإِلَّا تَوَجَّهَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي فُقَهَاءَ وَنَحْوِهِمْ. وَفِي إمَامٍ وَمُؤَذِّنٍ الْخِلَافُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَكَلَامُ شَيْخِنَا فِي مَوْضِعٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ فَاسِقٌ فِي جِهَةٍ دِينِيَّةٍ، كَمَدْرَسَةٍ وَغَيْرِهَا مُطْلَقًا. لِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَعُقُوبَتُهُ. فَكَيْفَ يَنْزِلُ؟ وَقَالَ أَيْضًا: إنْ نُزِّلَ مُسْتَحِقٌّ تَنْزِيلًا شَرْعِيًّا: لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ بِلَا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ انْتَهَى.
فَائِدَةٌ:
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِمَحْضَرٍ كَوَقْفٍ فِيهِ شُرُوطٌ ثُمَّ ظَهَرَ كِتَابُ الْوَقْفِ غَيْرَ ثَابِتٍ: وَجَبَ ثُبُوتُهُ، وَالْعَمَلُ بِهِ إنْ أَمْكَنَ.
стр. 3099
وَقَالَ أَيْضًا: لَوْ أَقَرَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِي هَذَا الْوَقْفِ إلَّا مِقْدَارًا مَعْلُومًا. ثُمَّ ظَهَرَ شَرْطُ الْوَاقِفِ بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ: حُكِمَ لَهُ بِمُقْتَضَى شَرْطِ الْوَاقِفِ. وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ الْمُتَقَدِّمُ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِخْرَاجُ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ، وَإِدْخَالُهُ بِصِفَةٍ) . أَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ شَرَطَ لِلنَّاظِرِ إخْرَاجَ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَإِدْخَالَ غَيْرِهِ بِصِفَةٍ مِنْهُمْ: جَازَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِخْرَاجٍ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْوَقْفِ. وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيقُ الِاسْتِحْقَاقِ بِصِفَةٍ. فَكَأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ حَقًّا فِي الْوَقْفِ إذَا اتَّصَفَ بِإِرَادَةِ النَّاظِرِ لِيُعْطِيَهُ، وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ حَقًّا إذَا انْتَفَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ فِيهِ. وَإِنْ شَرَطَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَيُدْخِلَ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ: لَمْ يَصِحَّ. لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ. فَأَفْسَدَهُ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ. قَالَ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: فَرَّقَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، قَالَ: وَالْفَرْقُ لَا يَتَّجِهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: كُلُّ مُتَصَرِّفٍ بِوِلَايَةٍ إذَا قِيلَ لَهُ " يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ " فَإِنَّمَا هُوَ لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ، حَتَّى لَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِفِعْلِ مَا يَهْوَاهُ، وَمَا يَرَاهُ مُطْلَقًا: فَشَرْطٌ بَاطِلٌ. لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْعَ. وَغَايَتُهُ: أَنْ يَكُونَ شَرْطًا مُبَاحًا. وَهُوَ بَاطِلٌ. عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، حَتَّى لَوْ تَسَاوَى فِعْلَانِ عُمِلَ بِالْقُرْعَةِ. وَإِذَا قِيلَ هُنَا بِالتَّخْيِيرِ: فَلَهُ وَجْهٌ.
[فَوَائِدُ مَصْرِفُ الْوَقْفِ إلَى الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَهُ]
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: يَتَعَيَّنُ مَصْرِفُ الْوَقْفِ إلَى الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: يَجُوزُ تَغْيِيرُ شَرْطِ الْوَاقِفِ إلَى مَا هُوَ أَصْلَحُ
стр. 3100
مِنْهُ. وَإِنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ. حَتَّى لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَهَاءِ، وَالصُّوفِيَّةِ وَاحْتَاجَ النَّاسُ إلَى الْجِهَادِ: صُرِفَ إلَى الْجُنْدِ. وَقِيلَ: إنْ سَبَّلَ مَاءً لِلشُّرْبِ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَشُرْبُ مَاءٍ مَوْقُوفٍ لِلْوُضُوءِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ، وَأَوْلَى. وَقَالَ: الْأَحْرَى فِي الْفَرَسِ الْحَبِيسِ: لَا يُعِيرُهُ إلَّا الْفَرَسَ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْكَبَهُ فِي حَاجَةٍ إلَّا لِتَأْدِيبِهِ وَجَمَالِ الْمُسْلِمِينَ وَرَفْعِهِ لَهُمْ، أَوْ غَيْظٍ لِلْعَدُوِّ. وَتَقَدَّمَ وَجْهٌ بِتَحْرِيمِ الْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَعَلَى نَجَاسَةِ الْمُنْفَصِلِ وَاضِحٌ. وَقِيلَ: لِمُخَالَفَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ: أَنَّهُ لَوْ سَبَّلَ مَاءً لِلشُّرْبِ، فِي كَرَاهَةِ الْوُضُوءِ مِنْهُ وَتَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ فِي فَتَاوَى ابْنِ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَعَنْهُ: يَجُوزُ إخْرَاجُ بُسُطِ الْمَسْجِدِ وَحُصْرِهِ لِمَنْ يَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ. وَأَمَّا رُكُوبُ الدَّابَّةِ لِعَلَفِهَا وَسَقْيِهَا: فَيَجُوزُ. نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ. وَجَزَمَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ لِنَاظِرِهِ أُجْرَةً: فَكُلْفَتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَبْقَى أُجْرَةُ مِثْلِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَبِعَهُ: كُلْفَتُهُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ. قِيلَ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ﵀: فَلَهُ الْعَادَةُ بِلَا شَرْطٍ؟ فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا يُقَابِلُ عَمَلَهُ. وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحِجْرِ: إذَا لَمْ يَشْرِطْ الْوَاقِفُ لِلنَّاظِرِ أُجْرَةً، هَلْ لَهُ الْأَخْذُ أَمْ لَا؟
الثَّالِثَةُ: قَالَ الْحَارِثِيُّ: إذَا أَسْنَدَ النَّظَرَ إلَى اثْنَيْنِ لَمْ يَتَصَرَّفْ أَحَدُهُمَا بِدُونِ شَرْطٍ. وَكَذَا إنْ جَعَلَهُ الْحَاكِمُ أَوْ النَّاظِرُ إلَيْهِمَا.
стр. 3101
وَأَمَّا إذَا شَرَطَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ: اسْتَقَلَّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ لِاسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ نَاظِرًا إمَّا بِالشَّرْطِ، وَإِمَّا لِانْتِفَاءِ نَاظِرٍ مَشْرُوطٍ وَكَانَ وَاحِدًا: اسْتَقَلَّ بِهِ. وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً: فَالنَّظَرُ لِلْجَمِيعِ. كُلُّ إنْسَانٍ فِي حِصَّتِهِ. انْتَهَى. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ فِي حَالَةِ الشَّرْطِ لَا يَسْتَقِلُّ بِحِصَّتِهِ، لِأَنَّ النَّظَرَ مُسْنَدٌ إلَى الْجَمِيعِ. فَوَجَبَ الشَّرِكَةُ فِي مُطْلَقِ النَّظَرِ. فَمَا مِنْ نَظَرٍ إلَّا وَهُوَ مُشْتَرَكٌ. وَإِنْ أَسْنَدَهُ إلَى عَدْلَيْنِ مِنْ وَلَدِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا وَاحِدٌ، أَوْ أَبَى أَحَدُهُمَا، أَوْ مَاتَ: أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ آخَرَ. لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَرْضَ بِوَاحِدٍ. وَإِنْ جَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا مُسْتَقِلًّا: لَمْ يَحْتَجْ إلَى إقَامَةِ آخَرَ. لِأَنَّ الْبَدَلَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَسْنَدَهُ إلَى الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلُ مِنْ وَلَدِهِ، وَأَبَى الْأَفْضَلُ الْقَبُولَ: فَهَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْحَاكِمِ مُدَّةَ بَقَائِهِ، أَوْ إلَى مَنْ يَلِيهِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِيمَا إذَا رَدَّ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. قُلْت: وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِمَّا إذَا عَضَلَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبَ: هَلْ تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إلَى الْحَاكِمِ أَوْ إلَى مَنْ يَلِيهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ؟ عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ. وَإِنْ تَعَيَّنَ أَحَدُهُمْ لِفَضْلِهِ، ثُمَّ صَارَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ: انْتَقَلَ إلَيْهِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِيهِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ تَنَازَعَ نَاظِرَانِ فِي نَصْبِ إمَامَةٍ نَصَبَ أَحَدُهُمَا زَيْدًا وَالْآخَرُ عَمْرًا إنْ لَمْ يَسْتَقِلَّا: لَمْ تَنْعَقِدْ الْوِلَايَةُ. لِانْتِفَاءِ شَرْطِهَا. وَإِنْ اسْتَقَلَّا وَتَعَاقَبَا: انْعَقَدَتْ لِلْأَسْبَقِ. وَإِنْ اتَّحَدَا وَاسْتَوَى الْمَنْصُوبَانِ: قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ
стр. 3102
الْخَامِسَةُ: يَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ جَمَّةٍ مِنْ أَحْكَامِ النَّاظِرِ. إذَا عَزَلَ الْوَاقِفُ مَنْ شَرَطَ النَّظَرَ لَهُ: لَمْ يَنْعَزِلْ، إلَّا أَنْ يَشْرُطَ لِنَفْسِهِ وِلَايَةَ الْعَزْلِ. قَطَعَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. وَلَوْ مَاتَ هَذَا النَّاظِرُ فِي حَيَاةِ الْوَاقِفِ: لَمْ يَمْلِكْ الْوَاقِفُ نَصْبَ نَاظِرٍ بِدُونِ شَرْطٍ. وَانْتَقَلَ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ. وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ وَفَاةِ الْوَاقِفِ: فَكَذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ. وَإِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ. ثُمَّ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ فَوَّضَهُ إلَيْهِ، أَوْ أَسْنَدَهُ: فَهَلْ لَهُ عَزْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: لَهُ عَزْلُهُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَقَالَ: وَإِنْ قَالَ " وَقَفْت كَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ زَيْدٌ " أَوْ " عَلَى أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ " أَوْ قَالَ عَقِبَهُ " جَعَلْته نَاظِرًا فِيهِ " أَوْ جَعَلَ النَّظَرَ لَهُ: صَحَّ، وَلَمْ يَمْلِكْ عَزْلَهُ. وَإِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ. ثُمَّ جَعَلَهُ لِزَيْدٍ، أَوْ قَالَ " جَعَلْت نَظَرِي لَهُ " أَوْ " فَوَّضْت إلَيْهِ مَا أَمْلِكُهُ مِنْ النَّظَرِ " أَوْ " أَسْنَدْته إلَيْهِ " فَلَهُ عَزْلُهُ. وَيَحْتَمِلُ عَدَمَهُ. انْتَهَى. قَالَ الْحَارِثِيُّ: إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ لَا تَنْحَصِرُ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ مَدْرَسَةٍ، أَوْ قَنْطَرَةٍ، أَوْ رِبَاطٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالنَّظَرُ لِلْحَاكِمِ وَجْهًا وَاحِدًا. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لِلْوَاقِفِ. وَبِهِ قَالَ: هِلَالُ الرَّأْيِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الْأَقْوَى. فَعَلَيْهِ: لَهُ نَصْبُ نَاظِرٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَيَكُونُ نَائِبًا عَنْهُ. يَمْلِكُ عَزْلَهُ مَتَى شَاءَ. لِأَصَالَةِ وِلَايَتِهِ. فَكَانَ مَنْصُوبُهُ نَائِبًا عَنْهُ كَمَا فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.
стр. 3103
وَلَهُ الْوَصِيَّةُ بِالنَّظَرِ لِأَصَالَةِ الْوِلَايَةِ إذَا قِيلَ: بِنَظَرِهِ لَهُ أَنْ يَنْصِبَ وَيَعْزِلَ أَيْضًا كَذَلِكَ. انْتَهَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ. وَهُوَ الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي الرِّعَايَةِ. وَلِلنَّاظِرِ بِالْأَصَالَةِ أَنْ يَعْزِلَ وَيَنْصِبَ أَيْضًا بِشَرْطِهِ. وَالْمُرَادُ بِالنَّاظِرِ بِالْأَصَالَةِ: وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، أَوْ الْحَاكِمِ. قَالَهُ الْقَاضِي مُحِبُّ الدِّينِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ. وَأَمَّا النَّاظِرُ الْمَشْرُوطُ: فَلَيْسَ لَهُ نَصْبُ نَاظِرٍ. لِأَنَّ نَظَرَهُ مُسْتَفَادٌ بِالشَّرْطِ. وَلَمْ يَشْرِطْ النَّصْبَ لَهُ. وَإِنْ قِيلَ: بِرِوَايَةِ تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ: كَانَ لَهُ بِالْأَوْلَى. لِتَأَكُّدِ وِلَايَتِهِ مِنْ جِهَةِ انْتِفَاءِ عَزْلِهِ بِالْعَزْلِ. وَلَيْسَ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِالنَّظَرِ أَيْضًا. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْظُرُ بِالشَّرْطِ. وَلَمْ يَشْرُطْ الْإِيصَاءَ لَهُ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَمَنْ شَرَطَ لِغَيْرِهِ النَّظَرَ إنْ مَاتَ، فَعَزَلَ نَفْسَهُ أَوْ فَسَقَ، فَهُوَ كَمَوْتِهِ. لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ لِلْغَالِبِ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ لَا. وَقَالَ: وَلَوْ قَالَ " النَّظَرُ بَعْدَهُ لَهُ " فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ، أَوْ الْمُرَادُ بَعْدَ نَظَرِهِ؟ يَتَوَجَّهُ وَجْهَانِ. انْتَهَى. وَلِلنَّاظِرِ التَّقْرِيرُ فِي الْوَظَائِفِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَهُ الْأَصْحَابُ فِي نَاظِرِ الْمَسْجِدِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: الْمَشْرُوطُ لَهُ نَظَرُ الْمَسْجِدِ: لَهُ نَصْبُ مَنْ يَقُومُ بِوَظَائِفِهِ مِنْ إمَامٍ، وَمُؤَذِّنٍ، وَقَيِّمٍ، وَغَيْرِهِمْ كَمَا أَنَّ لِنَاظِرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ نَصْبَ مَنْ يَقُومُ بِمَصْلَحَتِهِ. مِنْ جَابٍ وَنَحْوِهِ.
стр. 3104
وَإِنْ لَمْ يُشْرَطْ نَاظِرٌ: لَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ وِلَايَةُ النَّصْبِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ، وَابْنُ بُخْتَانَ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ النَّصْبِ. لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. وَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا كَالْجَوَامِعِ، وَمَا عَظُمَ وَكَثُرَ أَهْلُهُ فَلَا يَؤُمُّ فِيهَا إلَّا مِنْ نَدَبَهُ السُّلْطَانُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَسَاجِدِ الَّتِي يَبْنِيهَا أَهْلُ الشَّوَارِعِ وَالْقَبَائِلِ: فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ. وَالْإِمَامَةُ فِيهَا لِمَنْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. وَلَيْسَ لَهُمْ بَعْدَ الرِّضَى بِهِ عَزْلُهُ عَنْ إمَامَتِهِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرْ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ لِلْإِمَامِ النَّصْبَ أَيْضًا، لَكِنْ لَا يَنْصِبُ مَنْ لَا يَرْضَاهُ الْجِيرَانُ. وَكَذَلِكَ النَّاظِرُ الْخَاصُّ لَا يَنْصِبُ مَنْ لَا يَرْضَوْنَهُ. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ أَيْضًا: وَهَلْ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ نَصْبُ نَاظِرٍ فِي مَصَالِحِهِ وَوَقْفِهِ؟ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ كَمَا فِي نَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ. هَذَا إذَا وُجِدَ نَائِبٌ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ كَمَا فِي الْقُرَى الصِّغَارِ أَوْ الْأَمَاكِنِ النَّائِيَةِ أَوْ وُجِدَ، وَكَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ، أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ نَصْبُ مَنْ لَيْسَ مَأْمُونًا: فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّ لَهُمْ النَّصْبَ، تَحْصِيلًا لِلْغَرَضِ، وَدَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ. وَكَذَا مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَوْقَافِ. لِأَهْلِ ذَلِكَ الْوَقْفِ، أَوْ الْجِهَةِ: نَصْبُ نَاظِرٍ فِيهِ كَذَلِكَ. وَإِنْ تَعَذَّرَ النَّصْبُ مِنْ جِهَةِ هَؤُلَاءِ فَلِرَئِيسِ الْقَرْيَةِ أَوْ الْمَكَانِ النَّظَرُ وَالتَّصَرُّفُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَلَى مِثْلِهِ. انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: أَنَّ الْإِمَامَ يُقَرِّرُ فِي الْجَوَامِعِ الْكِبَارِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى نَصْبِهِ إلَّا بِشَرْطٍ. وَلَا نَظَرَ لِغَيْرِ النَّاظِرِ مَعَهُ.
стр. 3105
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَيَتَوَجَّهُ مَعَ حُضُورِهِ. فَيُقَرِّرُ حَاكِمٌ فِي وَظِيفَةٍ خَلَتْ فِي غَيْبَتِهِ. لِمَا فِيهِ مِنْ الْقِيَامِ بِلَفْظِ الْوَاقِفِ فِي الْمُبَاشَرَةِ وَدَوَامِ نَفْعِهِ. فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يُرِيدُهُ. وَلَا حُجَّةَ فِي تَوْلِيَةِ الْأَئِمَّةِ مَعَ الْبُعْدِ. لِمَنْعِهِمْ غَيْرَهُمْ التَّوْلِيَةَ. فَنَظِيرُهُ: مَنْعُ الْوَاقِفِ التَّوْلِيَةَ لِغَيْبَةِ النَّاظِرِ. وَلَوْ سَبَقَ تَوْلِيَةُ نَاظِرٍ غَائِبٍ قُدِّمَتْ. وَلِلْحَاكِمِ النَّظَرُ الْعَامُّ. فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ. وَلَهُ ضَمُّ أَمِينٍ مَعَ تَفْرِيطِهِ أَوْ تُهْمَتِهِ، يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَيْضًا: وَمَنْ ثَبَتَ فِسْقُهُ، أَوْ أَصَرَّ مُتَصَرِّفًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ. الصَّحِيحِ، عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ: قُدِحَ فِيهِ. فَإِمَّا أَنْ يَنْعَزِلَ، أَوْ يُعْزَلَ، أَوْ يُضَمَّ إلَيْهِ أَمِينٌ، عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ. ثُمَّ إنْ صَارَ هُوَ أَوْ الْوَصِيُّ أَهْلًا: عَادَ. كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَكَالْمَوْصُوفِ. وَقَالَ أَيْضًا: مَتَى فَرَّطَ: سَقَطَ مِمَّا لَهُ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَهُ مِنْ الْوَاجِبِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ. لَوْ عُزِلَ عَنْ وَظِيفَتِهِ لِلْفِسْقِ مَثَلًا ثُمَّ تَابَ، وَأَظْهَرَ الْعَدَالَةَ يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ فِيهَا مَا قِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ أَوْ أَوْلَى. لِأَنَّ تُهْمَةَ الْإِنْسَانِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَمَصْلَحَتِهِ أَبْلَغُ مِنْهَا فِي حَقِّ الْغَيْرِ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مُرَادَهُ بِالْخِلَافِ الْمَشْهُورِ: مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي الْمُوصَى إلَيْهِ إذَا فَسَقَ: يَنْعَزِلُ أَوْ يُضَمُّ أَمِينٌ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ أَيْضًا قَرِيبًا فِي الْفَائِدَةِ السَّابِعَةِ. وَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يَسْتَحِقُّ مَالُهُ إنْ كَانَ مَعْلُومًا. فَإِنْ قَصَّرَ فَتَرَكَ بَعْضَ الْعَمَلِ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا قَابَلَهُ. وَإِنْ كَانَ بِجِنَايَةٍ مِنْهُ: اسْتَحَقَّهُ. وَلَا يَسْتَحِقُّ الزِّيَادَةَ.
стр. 3106
وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا فَأُجْرَةُ مِثْلِهِ. فَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا فِي الدِّيوَانِ وَعَمِلَ بِهِ جَمَاعَةٌ. فَهُوَ أَجْرُ الْمِثْلِ. وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا. فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: إنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَخْذِ الْجَارِي عَلَى عَمَلِهِ، فَلَهُ جَارِي مِثْلُهُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَلَهُ الْأَجْرُ مِنْ وَقْتِ نَظَرِهِ فِيهِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَمَنْ أَطْلَقَ النَّظَرَ لِحَاكِمٍ: شَمِلَ أَيَّ حَاكِمٍ كَانَ، سَوَاءٌ كَانَ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَ حَاكِمِ الْبَلَدِ زَمَنَ الْوَقْفِ أَوْ لَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظَرٌ إذَا انْفَرَدَ، وَهُوَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا. وَقَدْ أَفْتَى الشَّيْخُ نَصْرُ اللَّهِ الْحَنْبَلِيُّ، وَالشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ وَلَدُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ فِي وَقْفٍ شَرَطَ وَاقِفُهُ " أَنَّ النَّظَرَ فِيهِ لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ كَائِنًا مَنْ كَانَ " بِأَنَّ الْحُكَّامَ إذَا تَعَدَّدُوا يَكُونُ النَّظَرُ فِيهِ لِلسُّلْطَانِ. يُوَلِّيهِ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمُتَأَهِّلِينَ لِذَلِكَ. وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي سِرَاجُ الدِّينِ بْنُ الْبُلْقِينِيِّ، وَشِهَابُ الدِّينِ الْبَاعُونِيُّ، وَابْنُ الْهَائِمِ، وَالتَّفَهْنِيُّ الْحَنَفِيُّ، وَالْبِسَاطِيُّ الْمَالِكِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي نَجْمُ الدِّينِ بْنُ حَجِّيٍّ نَقْلًا، وَمُوَافَقَةً لِلْمُتَأَخِّرِينَ إنْ كَانَ صَادِرًا مِنْ الْوَاقِفِ قَبْلَ حُدُوثِ الْقُضَاةِ الثَّلَاثَةِ، فَالْمُرَادُ: الشَّافِعِيُّ. وَإِلَّا فَهُوَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا عَلَى الرَّاجِحِ.
وَلَوْ فَوَّضَهُ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ لِآخَرَ نَقْضُهُ. وَلَوْ وَلَّى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَخْصًا قَدَّمَ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَحَقَّهُمَا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: لَا يَجُوزُ لِوَاقِفٍ شَرْطُ النَّظَرِ لِذِي مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ دَائِمًا. وَقَالَ أَيْضًا: وَمَنْ وَقَفَ عَلَى مُدَرِّسٍ وَفُقَهَاءَ، فَلِلنَّاظِرِ، ثُمَّ الْحَاكِمِ: تَقْدِيرُ أَعْطِيَتِهِمْ. فَلَوْ زَادَ النَّمَاءُ فَهُوَ لَهُمْ. وَالْحُكْمُ بِتَقْدِيمِ مُدَرِّسٍ أَوْ غَيْرِهِ بَاطِلٌ. لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا يَعْتَدُّ بِهِ قَالَ بِهِ، وَلَا بِمَا
стр. 3107
يُشْبِهُهُ، وَلَوْ نَفَّذَهُ حُكَّامٌ. وَبُطْلَانُهُ لِمُخَالَفَتِهِ مُقْتَضَى الشَّرْطِ وَالْعُرْفِ أَيْضًا. وَلَيْسَ تَقْدِيرُ النَّاظِرِ أَمْرًا حَتْمًا كَتَقْدِيرِ الْحَاكِمِ. بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ زِيَادَتُهُ وَنَقْصُهُ لِلْمَصْلَحَةِ. وَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْمُدَرِّسَ لَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ بِزِيَادَةِ النَّمَاءِ وَنَقْصِهِ: كَانَ بَاطِلًا. لِأَنَّهُ لَهُمْ. وَالْقِيَاسُ: أَنَّهُ يُسَوَّى بَيْنَهُمْ، وَلَوْ تَفَاوَتُوا فِي الْمَنْفَعَةِ، كَالْإِمَامِ وَالْجَيْشِ فِي الْمَغْنَمِ. لَكِنْ دَلَّ الْعُرْفُ عَلَى التَّفْصِيلِ. وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْقَيِّمُ وَنَحْوُهُ، لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةٌ. وَلِهَذَا يَحْرُمُ أَخْذُهُ فَوْقَ أُجْرَةِ مِثْلِهِ بِلَا شَرْطٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا. وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ " إذَا وَقَفَ عَلَى مَنْ يُمْكِنُ حَصْرُهُ ". قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَعْلُ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ كَالْقَيِّمِ، بِخِلَافِ الْمُدَرِّسِ، وَالْمُعِيدِ، وَالْفُقَهَاءِ. فَإِنَّهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي مُدَرِّسٍ وَفُقَهَاءَ وَمُتَفَقِّهَةٍ، وَإِمَامٍ وَقَيِّمٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ رِوَايَتَا عَامِلِ زَكَاةٍ الثَّمَنُ، أَوْ الْأُجْرَةُ. انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَوْ شَرَطَ عَلَى مُدَرِّسٍ وَفُقَهَاءَ وَإِمَامٍ: فَلِكُلِّ جِهَةٍ الثُّلُثُ. ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ فِي لَفْظِ الْمَنَافِعِ. قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ: قُلْت: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَخْذًا مِنْ رِوَايَتَيْ مَدْفُوعِ الْعَامِلِ: هَلْ هُوَ الثَّمَنُ؟ اعْتِبَارًا بِالْقِسْمَةِ، أَوْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ بِالنِّسْبَةِ. انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَلَوْ عَطَّلَ مُغِلٌّ وَقْفَ مَسْجِدٍ سَنَةً: تَقَسَّطَتْ الْأُجْرَةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ عَلَيْهَا وَعَلَى السَّنَةِ الْأُخْرَى، لِتَقُومَ الْوَظِيفَةُ فِيهِمَا. لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ التَّعْطِيلِ. وَلَا يُنْقَصُ الْإِمَامُ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ الزَّرْعِ بَعْضَ الْعَامِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَقَدْ أَدْخَلَ مُغَلَّ سَنَةٍ فِي سُنَّةٍ.
стр. 3108
وَقَدْ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَّا فِي زَمَنِنَا فِيمَا نَقَصَ عَمَّا قَدَّرَهُ الْوَاقِفُ كُلَّ شَهْرٍ: أَنَّهُ يُتَمِّمُ مِمَّا بَعْدَهُ. وَحَكَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْدَ سِنِينَ. وَقَالَ: وَرَأَيْت غَيْرَ وَاحِدٍ لَا يَرَاهُ. انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَمَنْ لَمْ يَقُمْ بِوَظِيفَتِهِ عَزَلَهُ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ بِمَنْ يَقُومُ بِهَا، إذَا لَمْ يَتُبْ الْأَوَّلُ وَيَلْتَزِمْ بِالْوَاجِبِ. وَيَجِبُ أَنْ يُوَلِّيَ فِي الْوَظَائِفِ وَإِمَامَةِ الْمَسَاجِدِ الْأَحَقَّ شَرْعًا، وَأَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ وَاجِبٍ. وَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: وِلَايَةُ الْإِمَامَةِ بِالنَّاسِ طَرِيقُهَا الْأَوْلَى، لَا الْوُجُوبُ بِخِلَافِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالنِّقَابَةِ. لِأَنَّهُ لَوْ تَرَاضَى النَّاسُ بِإِمَامٍ يُصَلِّي لَهُمْ: صَحَّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْمَسَاجِدِ السُّلْطَانِيَّةِ وَهِيَ الْجَوَامِعُ إلَّا مَنْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ، لِئَلَّا يَفْتَاتَ عَلَيْهِ فِيمَا وُكِّلَ إلَيْهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ رَضُوا بِغَيْرِهِ بِلَا عُذْرٍ: كُرِهَ، وَصَحَّ فِي الْمُذْهَبِ. ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْأَذَانِ.
السَّادِسَةُ: لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ نَاظِرًا، وَمُدَرِّسًا، وَمُعِيدًا، وَإِمَامًا. فَهَلْ يَجُوزُ لِشَخْصٍ أَنْ يَقُومَ بِالْوَظَائِفِ كُلِّهَا وَتَنْحَصِرُ فِيهِ؟ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ الْكَبِيرِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي الْفَيْءِ، بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ لَا يَتَمَوَّلُ الرَّجُلُ مِنْ السَّوَادِ. وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀، فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْوَظَائِفِ لِوَاحِدٍ: فَعَلَ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ لِابْنِ رَجَبٍ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ قَرِيبًا.
السَّابِعَةُ: يُشْتَرَطُ فِي النَّاظِرِ الْإِسْلَامُ، وَالتَّكْلِيفُ، وَالْكِفَايَةُ فِي التَّصَرُّفِ، وَالْخِبْرَةُ بِهِ، وَالْقُوَّةُ عَلَيْهِ. وَيُضَمُّ إلَى الضَّعِيفِ قَوِيٌّ أَمِينٌ.
стр. 3109
ثُمَّ إنْ كَانَ النَّظَرُ لِغَيْرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تَوْلِيَتُهُ مِنْ الْحَاكِمِ، أَوْ النَّاظِرِ: فَلَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ الْعَدَالَةِ فِيهِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْته. وَإِنْ كَانَتْ تَوْلِيَتُهُ مِنْ الْوَاقِفِ وَهُوَ فَاسِقٌ، أَوْ كَانَ عَدْلًا فَفَسَقَ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاعَةٌ: يَصِحُّ. وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ تَوْلِيَةُ الْفَاسِقِ. وَيَنْعَزِلُ إذَا فَسَقَ. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَمِنْ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ: مَنْ قَالَ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفِسْقِ الطَّارِئِ، دُونَ الْمُقَارِنِ لِلْوِلَايَةِ. وَالْعَكْسُ أَنْسَبُ. فَإِنَّ فِي حَالِ الْمُقَارَنَةِ مُسَامَحَةً لِمَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ، بِخِلَافِ حَالَةِ الطَّرَيَانِ. انْتَهَى. وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إمَّا بِجَعْلِ الْوَاقِفِ النَّظَرَ لَهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ نَاظِرٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا. لِأَنَّهُ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقِيلَ: يُضَمُّ إلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: أَمَّا الْعَدَالَةُ: فَلَا تُشْتَرَطُ، وَلَكِنْ يُضَمُّ إلَى الْفَاسِقِ عَدْلٌ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالسَّامِرِيُّ، وَغَيْرُهُمَا. لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ بِالشَّرْطِ، وَحِفْظِ الْوَقْفِ انْتَهَى. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَتَقَدَّمَ إذَا كَانَ النَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَكَانَ غَيْرَ أَهْلٍ: لِصِغَرٍ، أَوْ سَفَهٍ، أَوْ جُنُونٍ. فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي النَّظَرِ إنْ قُلْنَا: الْوَقْفُ يَمْلِكُهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَإِلَّا الْحَاكِمُ.
الثَّامِنَةُ: وَظِيفَةُ النَّاظِرِ: حِفْظُ الْوَقْفِ وَالْعِمَارَةِ، وَالْإِيجَارِ، وَالزِّرَاعَةِ، وَالْمُخَاصَمَةُ فِيهِ، وَتَحْصِيلُ رِيعِهِ مِنْ تَأْجِيرِهِ، أَوْ زَرْعِهِ، أَوْ ثَمَرِهِ وَالِاجْتِهَادُ فِي تَنْمِيَتِهِ، وَصَرْفُهُ فِي جِهَاتِهِ مِنْ عِمَارَةٍ وَإِصْلَاحٍ، وَإِعْطَاءِ مُسْتَحِقٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
стр. 3110
وَلَهُ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْأَصْلِ. وَلَكِنْ إذَا شَرَطَ التَّصَرُّفَ لَهُ، وَالْيَدَ لِغَيْرِهِ. أَوْ عِمَارَتَهُ إلَى وَاحِدٍ، وَتَحْصِيلَ رِيعِهِ إلَى آخَرَ: فَعَلَى مَا شَرَطَ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَنَصَبَ الْمُسْتَوْفِي الْجَامِعَ لِلْعُمَّالِ الْمُتَفَرِّقِينَ: وَهُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَالْمَصْلَحَةِ. فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ مَصْلَحَةُ قَبْضِ الْمَالِ وَصَرْفِهِ إلَّا بِهِ: وَجَبَ. وَقَدْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ لِقِلَّةِ الْعُمَّالِ. قَالَ: وَمُبَاشَرَةُ الْإِمَامِ الْمُحَاسِبَةَ بِنَفْسِهِ كَنَصْبِ الْإِمَامِ الْحَاكِمَ. وَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ يُبَاشِرُ الْحُكْمَ فِي الْمَدِينَةِ بِنَفْسِهِ، وَيُوَلِّي مَعَ الْبُعْدِ. انْتَهَى.
التَّاسِعَةُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا اعْتِرَاضَ لِأَهْلِ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ وَلَّاهُ الْوَاقِفُ إذَا كَانَ أَمِينًا. وَلَهُمْ مَسْأَلَتُهُ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إلَى عَمَلِهِ مِنْ أَمْرِ وَقْفِهِمْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ عِلْمُهُمْ وَعِلْمُهُ فِيهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَنَصُّهُ إذَا كَانَ مُتَّهَمًا. انْتَهَى. وَلَهُمْ مُطَالَبَتُهُ بِانْتِسَاخِ كِتَابِ الْوَقْفِ. لِيَكُونَ فِي أَيْدِيهِمْ وَثِيقَةً لَهُمْ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَتَسْجِيلُ كِتَابِ الْوَقْفِ كَالْعَادَةِ.
الْعَاشِرَةُ: مَا يَأْخُذُهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ الْوَقْفِ: هَلْ هُوَ كَإِجَارَةٍ أَوْ جِعَالَةٍ، وَاسْتُحِقَّ بِبَعْضِ الْعَمَلِ؟ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعَقْدَ عُرْفًا. وَهُوَ كَالرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَاخْتَارَ الْأَخِيرَ. فَقَالَ: وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَيْسَ عِوَضًا وَأُجْرَةً: بَلْ رِزْقٌ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ. وَكَذَلِكَ الْمَالُ الْمَوْقُوفُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَالْمُوصَى بِهِ. أَوْ الْمَنْذُورُ لَهُ، لَيْسَ كَالْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ. وَانْتَهَى. قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مِنْهُ مَا يُؤْخَذُ أُجْرَةً عَنْ عَمَلٍ كَالتَّدْرِيسِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: أَوَّلًا. لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ أُجْرَةٌ مَحْضَةٌ، بَلْ هُوَ رِزْقٌ وَإِعَانَةٌ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأَمْوَالِ. وَهَذَا مُوَافِقٌ لَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀.
стр. 3111
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ أَيْضًا: مِمَّنْ أَكَلَ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ: قَوَّمَ لَهُمْ رَوَاتِبَ أَضْعَافَ حَاجَتِهِمْ، وَقُوَّمَ لَهُمْ جِهَاتٍ مَعْلُومُهَا كَثِيرٌ يَأْخُذُونَهُ وَيَسْتَنِيبُونَ بِيَسِيرٍ وَقَالَ أَيْضًا: النِّيَابَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوطَةِ: جَائِزَةٌ. وَلَوْ عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ إذَا كَانَ النَّائِبُ مِثْلَ مُسْتَنِيبِهِ. وَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ، كَالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ نَاظِرًا. فَالنَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ بِشَرْطِهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لِلْحَاكِمِ. قَطَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَاخْتَارَهُ الْحَارِثِيُّ وَقَالَ: فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَنَى هَذَا الْوَجْهَ عَلَى الْقَوْلِ بِانْفِكَاكِ الْمَوْقُوفِ عَنْ مِلْكِ الْآدَمِيِّ. وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي كَذَلِكَ وَلَا بُدَّ. إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ مَنْ يَأْتِي بَعْدُ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمَنْ تَبِعَهُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ: هَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ إلَى اللَّهِ؟ . فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَالنَّظَرُ فِيهِ لَهُ. وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَالنَّظَرُ لِلْحَاكِمِ. انْتَهَى. قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ هُنَاكَ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ الْحَارِثِيُّ هُنَا: إذَا قُلْنَا: النَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِمِلْكِهِ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ. انْتَهَى. فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ مَا اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ. فَوَافَقَ احْتِمَالُهُ مَا قَالُوهُ، أَوْ تَكُونُ طَرِيقَةٌ أُخْرَى فِي الْمُسَلَّمِ. وَهُوَ أَقْرَبُ.
تَنْبِيهٌ:
مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، أَوْ جَمْعًا مَحْصُورًا. فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مَحْصُورِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى
стр. 3112
مَسْجِدٍ، أَوْ مَدْرَسَةٍ، أَوْ قَنْطَرَةٍ، أَوْ رِبَاطٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَالنَّظَرُ فِيهِ لِلْحَاكِمِ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَسَأَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ: عَنْ دَارٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. إنْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ فَقَامَ بِأَمْرِهَا، وَتَصَدَّقَ بِغَلَّتِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ؟ فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَفِيهِ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ النَّظَرَ يَكُونُ لِلْوَاقِفِ. قَالَ: وَهُوَ الْأَقْوَى. قَالَ: وَعَلَى هَذَا لَهُ نَصِيبُ نَاظِرٍ مِنْ جِهَتِهِ. وَيَكُونُ نَائِبًا عَنْهُ، يَمْلِكُ عَزْلَهُ مَتَى شَاءَ. وَلَهُ أَيْضًا الْوَصِيَّةُ بِالنَّظَرِ، لِأَصَالَةِ الْوِلَايَةِ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا قَرِيبًا.
قَوْلُهُ (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ غَلَّتِهِ) . مُرَادُهُ: إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْوَاقِفُ النَّفَقَةَ مِنْ غَيْرِهِ. وَهُوَ وَاضِحٌ. فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ مِنْ غَيْرِهِ: فَهُوَ مِنْ غَلَّتِهِ. وَإِنْ عَيَّنَهُ مِنْ غَيْرِهِ: فَهُوَ مِنْهُ، بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَالُوا: لَوْ شَرَطَ الْمَرَمَّةَ عَلَى الْمَوْقُوفِ: لَمْ يَجُزْ. وَوَجَبَتْ فِي الْغَلَّةِ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: يُرَدُّ لِلْوَقْفِ مَا لَمْ يُقْبَضْ. لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ الْعِوَضِ. فَنَافَى مَوْضُوعَ الصَّدَقَةِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهَذَا أَقْوَى. انْتَهَى.
وَإِذَا قُلْنَا: هُوَ مِنْ غَلَّتِهِ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ. فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ رَوْحٌ أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ فِيهِ رَوْحٌ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ مُعَيَّنَيْنِ، أَوْ غَيْرِهِمْ.
стр. 3113
فَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنَيْنِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ نَفَقَتِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ: الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالْحَارِثِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُمْ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ: وَجْهًا بِوُجُوبِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَيَحْسُنُ بِنَاؤُهُ عَلَى انْتِفَاءِ مِلْكِ الْآدَمِيِّ لِلْمَوْقُوفِ. قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ. ثُمَّ إنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ بِيعَ وَصُرِفَ الثَّمَنُ فِي عَيْنٍ أُخْرَى تَكُونُ وَقْفًا لِمَحِلِّ الضَّرُورَةِ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الْغَلَّةِ لِأَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْتَغَلَّ كَالْعَبْدِ يَخْدُمُهُ، وَالْفَرَسِ يَغْزُو عَلَيْهِ، أَوْ يَرْكَبُهُ أَوْ جَرَّ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ الَّذِي لَهُ رَوْحٌ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ، وَالْغُزَاةِ، وَنَحْوِهِمْ فَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. وَيَتَّجِهُ إيجَارُهُ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ حَيْثُ أَمْكَنَ، مَا لَمْ يَتَعَطَّلْ النَّفْعُ الْمَوْقُوفُ لِأَجْلِهِ. ثُمَّ إنْ تَعَذَّرَ: فَفِي بَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ: بِيعَ وَلَا بُدَّ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا أَيْضًا. وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ: فَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ عَلَى مَا قُلْنَا فِي نَفَقَتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ لَا رَوْحَ فِيهِ كَالْعَقَارِ، وَنَحْوِهِ: لَمْ تَجِبْ عِمَارَتُهُ عَلَى أَحَدٍ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ
стр. 3114
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ كَالطَّلْقِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: إلَّا مَنْ يُرِيدُ الِانْتِفَاعَ بِهِ، فَيُعَمِّرُهُ بِاخْتِيَارِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: يَجِبُ عِمَارَةُ الْوَقْفِ بِحَسَبِ الْبُطُونِ.
[فَوَائِدُ احْتَاجَ الْخَانُ الْمُسَبَّلُ أَوْ الدَّارُ الْمَوْقُوفَةُ لِسُكْنَى الْحَاجِّ]
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: لَوْ احْتَاجَ الْخَانُ الْمُسَبَّلُ، أَوْ الدَّارُ الْمَوْقُوفَةُ لِسُكْنَى الْحَاجِّ، أَوْ الْغُزَاةِ، إلَى مَرَمَّةٍ: أُوجِرَ جُزْءٌ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُقَدَّمُ عِمَارَةُ الْوَقْفِ عَلَى أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَسَبَ الْإِمْكَانِ أَوْلَى. بَلْ قَدْ يَجِبُ. انْتَهَى. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: عِمَارَتُهُ لَا تَخْلُو مِنْ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُشْرَطَ الْبُدَاءَةُ بِهَا، كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ. فَلَا إشْكَالَ فِي تَقْدِيمِهَا.
الثَّانِي: اشْتِرَاطُ تَقْدِيمِ الْجِهَةِ عَلَيْهَا. فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ، مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى التَّعْطِيلِ. فَإِنْ أَدَّى إلَيْهِ: قُدِّمَتْ الْعِمَارَةُ. فَيَكُونُ عَقْدُ الْوَقْفِ مُخَصَّصًا لِلشَّرْطِ. وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ تَأْقِيتِ الْوَقْفِ. أَمَّا عَلَى صِحَّتِهِ: فَتُقَدَّمُ الْجِهَةُ كَيْفَ كَانَ.
الثَّالِثُ: اشْتِرَاطُ الصَّرْفِ إلَى الْجِهَةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا، فَهُوَ فِي مَعْنَى اشْتِرَاطِ تَقْدِيمِهِ عَلَى الْعِمَارَةِ. فَيَتَرَتَّبُ مَا قُلْنَا فِي الثَّانِي.
الرَّابِعُ: إيقَاعُ الْوَقْفِ عَلَى فُلَانٍ، أَوْ جِهَةِ كَذَا وَبَيَّضَ لَهُ انْتَهَى.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَى الْوَقْفِ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ لِمَصْلَحَةٍ، كَشِرَائِهِ لِلْوَقْفِ نَسِيئَةً، أَوْ بِنَقْدٍ لَمْ يُعَيِّنْهُ. قَطَعَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَيَتَوَجَّهُ فِي قَرْضِهِ مَالًا: كَوَلِيٍّ.
стр. 3115
الرَّابِعَةُ: لَوْ أَجَّرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْوَقْفَ. ثُمَّ طَلَبَ بِزِيَادَةٍ، فَلَا فَسْخَ. بِلَا نِزَاعٍ. وَلَوْ أَجَّرَ الْمُتَوَلِّي مَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ، ثُمَّ طَلَبَ بِزِيَادَةٍ أَيْضًا، فَلَا فَسْخَ أَيْضًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُفْسَخَ. ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ.
الْخَامِسَةُ: إذَا أَجَّرَهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ: صَحَّ. وَضَمِنَ النَّقْصَ كَبَيْعِ الْوَكِيلِ بِأَنْقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ. قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهَلْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إجَارَةُ الْمَوْقُوفِ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
السَّادِسَةُ: يَجُوزُ صَرْفُ الْمَوْقُوفِ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ كَبِنَاءِ مَنَارَتِهِ، وَإِصْلَاحِهَا وَكَذَا بِنَاءُ مِنْبَرِهِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سُلَّمًا لِلسَّطْحِ، وَأَنْ يَبْنِيَ مِنْهُ ظُلَّتَهُ. وَلَا يَجُوزُ فِي بِنَاءِ مِرْحَاضٍ، وَلَا فِي زَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ، وَلَا فِي شِرَاءِ مَكَانِسَ وَمُجَازِفَ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. وَأَمَّا إذَا وُقِفَ عَلَى مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ، أَوْ عَلَى الْمَسْجِدِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ فَجَائِزٌ صَرْفُهُ فِي نَوْعِ الْعِمَارَةِ، وَفِي مَكَانِسَ، وَمُجَازِفَ، وَمَسَاحِيَّ، وَقَنَادِيلَ، وَفُرُشٍ، وَوَقُودٍ، وَرِزْقِ إمَامٍ، وَمُؤَذِّنٍ، وَقَيِّمٍ. وَفِي نَوَادِرِ الْمُذْهَبِ، لِابْنِ الصَّيْرَفِيِّ: مَنْعُ الصَّرْفِ مِنْهُ فِي إمَامٍ، أَوْ بَوَارِي. قَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُصَلِّينَ. لَا لِلْمَسْجِدِ. وَرَدَّهُ الْحَارِثِيُّ.
السَّابِعَةُ: قَالَ فِي نَوَادِرِ الْمُذْهَبِ: لَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى مَسْجِدٍ، وَعَلَى إمَامٍ يُصَلِّي فِيهِ: كَانَ لِلْإِمَامِ نِصْفُ الرِّيعِ. كَمَا لَوْ وَقَفَهَا عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو. قَالَ: وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى مَسَاجِدِ الْقَرْيَةِ، وَعَلَى إمَامٍ يُصَلِّي فِي وَاحِدٍ مِنْهَا: كَانَ الرِّيعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ الْمَسَاجِدِ نِصْفَيْنِ. انْتَهَى. وَتَابَعَهُ الْحَارِثِيُّ.
стр. 3116
قُلْت: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ لِمَسْجِدٍ وَاحِدٍ. وَلَهُ نَظَائِرُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ. ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ. فَهُوَ لِوَلَدِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّوِيَّةِ) . نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. لَكِنْ لَوْ حَدَثَ لِلْوَاقِفِ وَلَدٌ بَعْدَ وَقْفِهِ: فَفِي دُخُولِهِ رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ.
إحْدَاهُمَا: يَدْخُلُ مَعَهُمْ. اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِ. وَالْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لَا يَدْخُلُونَ بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ. وَقِيلَ: يَدْخُلُونَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَامِدٍ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَإِذَا قِيلَ بِدُخُولِ وَلَدِ الْوَلَدِ: هَلْ يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ؟ . جَزَمَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ هُنَا بِعَدَمِ الدُّخُولِ، مَعَ إيرَادِهِمْ الْخِلَافَ فِيهِ فِيمَا إذَا قَالَ " عَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ " كَمَا فِي الْكِتَابِ.
стр. 3117
قَالَ: وَالصَّوَابُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ. فَيَطَّرِدُ فِي هَذِهِ مَا فِي الْأُخْرَى، لِتَنَاوُلِ الْوَلَدِ وَالْأَوْلَادِ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ، فَمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ (وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُمْ سَوَاءٌ كَانُوا مَوْجُودِينَ حَالَةَ الْوَقْفِ أَوْ لَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِيهِمْ.
إحْدَاهُمَا: يَدْخُلُونَ مُطْلَقًا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَيُوسُفَ بْنِ مُوسَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: الْمَذْهَبُ دُخُولُهُمْ. قَالَ النَّاظِمُ: وَهُوَ أَوْلَى. وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْحَارِثِيُّ، وَصَاحِبُ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْخَمْسِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَأَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ، وَالْقَاضِي فِيمَا عَلَّقَهُ بِخَطِّهِ عَلَى ظَهْرِ خِلَافِهِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَدْخُلُونَ مُطْلَقًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْوَصَايَا وَالْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَدْخُلُونَ بِدُونِ قَرِينَةٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. وَعَنْهُ: يَدْخُلُونَ إنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ حَالَةَ الْوَقْفِ، وَإِلَّا فَلَا. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: إنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ: لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُ الْوَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ: دَخَلَ. وَاسْتَشْهَدَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ.
стр. 3118
وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْفُرُوعِ فِي الْمَوْجُودِينَ حَالَةَ الْوَقْفِ. وَقَدَّمَ عَدَمَ الدُّخُولِ فِي غَيْرِ الْمَوْجُودِينَ. وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا اصْطَلَحْنَا عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ: قَالَ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: إنْ قَالَ " عَلَى وَلَدِي، وَوَلَدِ وَلَدِي. ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ " دَخَلَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي، وَلَمْ يَدْخُلْ الْبَطْنُ الثَّالِثُ. وَإِنْ قَالَ " عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِي " دَخَلَ ثَلَاثُ بُطُونٍ، دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ وَفْقُ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ.
تَنْبِيهَانِ.
الْأَوَّلُ: حَيْثُ قُلْنَا بِدُخُولِهِمْ، فَلَا يَسْتَحِقُّونَ إلَّا بَعْدَ آبَائِهِمْ مُرَتَّبًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. لِقَوْلِهِ " بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، أَوْ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ ". قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ مُرَتَّبًا. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ أَيْضًا. وَقِيلَ: يَسْتَحِقُّونَ مَعَهُمْ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ. وَقَالَ: وَفِي " التَّرْتِيبِ " فَهَلْ هُوَ تَرْتِيبُ بَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ شَيْئًا، مَعَ وُجُودِ فَرْدٍ مِنْ الْأَوْلَادِ. أَوْ تَرْتِيبُ فَرْدٍ عَلَى فَرْدٍ. فَيَسْتَحِقُّ كُلُّ وَلَدٍ نَصِيبَ وَالِدِهِ بَعْدَ فَقْدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَالثَّانِي: مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. انْتَهَى.
الثَّانِي: حُكْمُ مَا إذَا أَوْصَى لِوَلَدِهِ فِي دُخُولِ وَلَدِ بَنِيهِ: حُكْمَ الْوَقْفِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
стр. 3119
وَحَكَاهُ فِي الْقَوَاعِدِ عَنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ: وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵀ نَصَّ عَلَى دُخُولِهِمْ. وَالْمَعْرُوفُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْفِ. وَأَشَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ إلَى دُخُولِهِمْ فِي الْوَقْفِ دُونَ الْوَصِيَّةِ. لِأَنَّ الْوَقْفَ يَتَأَبَّدُ، وَالْوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ لِلْمَوْجُودِينَ. فَيَخْتَصُّ بِالطَّبَقَةِ الْعُلْيَا الْمَوْجُودَةِ. فَوَائِدُ
إحْدَاهُمَا: لَوْ قَالَ " عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ وَهُمْ قَبِيلَةٌ " أَوْ قَالَ " عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ " فَلَا تَرْتِيبَ. وَسَأَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ: عَمَّنْ وَقَفَ شَيْئًا عَلَى فُلَانٍ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَلِوَلَدِهِ؟ قَالَ: هُوَ لَهُ حَيَاتَهُ. فَإِذَا مَاتَ فَلِوَلَدِهِ. وَإِذَا قَالَ " عَلَى وَلَدِي. فَإِذَا انْقَرَضُوا. فَلِلْفُقَرَاءِ " شَمِلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا يَشْمَلُهُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ اقْتَرَنَ بِاللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي الدُّخُولَ: دَخَلُوا بِلَا خِلَافٍ. كَقَوْلِهِ " عَلَى أَوْلَادِي وَهُمْ قَبِيلَةٌ " أَوْ " عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي أَبَدًا مَا تَعَاقَبُوا وَتَنَاسَلُوا " أَوْ " عَلَى أَوْلَادِي " وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادٍ. أَوْ " عَلَى أَوْلَادِي: الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى " أَوْ " تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى " وَمَا أَشْبَهَ هَذَا. وَإِنْ اقْتَضَى عَدَمَ الدُّخُولِ: لَمْ يَدْخُلُوا بِلَا خِلَافٍ. " كَعَلَى وَلَدِي لِصُلْبِي " أَوْ " الَّذِينَ يَلُونَنِي " وَنَحْوِ ذَلِكَ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ " وَلَدِي لِصُلْبِي ". الثَّالِثَةُ: لَوْ قَالَ " عَلَى أَوْلَادِي. فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادِي وَأَوْلَادُ أَوْلَادِي: فَعَلَى الْمَسَاكِينِ ". فَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْكَافِي: يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ. لِأَنَّ اشْتِرَاطَ انْقِرَاضِهِمْ دَلِيلُ إرَادَتِهِمْ بِالْوَقْفِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
стр. 3120
وَفِي الْكَافِي وَجْهٌ: بِعَدَمِ الدُّخُولِ. لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ. فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ. يُصْرَفُ بَعْدَ انْقِرَاضِ أَوْلَادِهِ مَصْرِفَ الْمُنْقَطِعِ. فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادُهُمْ: صُرِفَ إلَى الْمَسَاكِينِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ.
الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: إذَا جُهِلَ شَرْطُ الْوَاقِفِ، وَتَعَذَّرَ الْعُثُورُ عَلَيْهِ: قُسِمَ عَلَى أَرْبَابِهِ بِالسَّوِيَّةِ. فَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا: جُعِلَ كَوَقْفٍ مُطْلَقٍ لَمْ يُذْكَرْ مَصْرِفُهُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْكَافِي: لَوْ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ الْوَقْفِ فِيهِ: رُجِعَ إلَى الْوَاقِفِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ: تَسَاوَوْا فِيهِ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ ثَبَتَتْ. وَلَمْ يَثْبُتْ التَّفْضِيلُ. فَوَجَبَتْ التَّسْوِيَةُ كَمَا لَوْ شَرَكَ بَيْنَهُمْ بِلَفْظِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: إنْ تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، أَمْكَنَ التَّأَنُّسُ بِتَصَرُّفِ مَنْ تَقَدَّمَ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ: رُجِعَ إلَيْهِ. لِأَنَّهُ أَرْجَحُ مِمَّا عَدَاهُ. وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ، وَوُقُوعِهِ عَلَى الْوَفْقِ. وَإِنْ تَعَذَّرَ وَكَانَ الْوَقْفُ عَلَى عِمَارَةٍ أَوْ إصْلَاحٍ صُرِفَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. وَإِنْ كَانَ عَلَى قَوْمٍ، وَثَمَّ عُرْفٌ فِي مَقَادِيرِ الصَّرْفِ كَفُقَهَاءِ الْمَدَارِسِ رُجِعَ إلَى الْعُرْفِ. لِأَنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ الشَّرْطِ عَلَى وَفْقِهِ. وَأَيْضًا: فَالْأَصْلُ عَدَمُ تَقْيِيدِ الْوَاقِفِ. فَيَكُونُ مُطْلَقًا. وَالْمُطْلَقُ مِنْهُ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْعُرْفِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ سُوِّيَ بَيْنَهُمْ. لِأَنَّ التَّشْرِيكَ ثَابِتٌ، وَالتَّفْضِيلَ لَمْ يَثْبُتْ. انْتَهَى. وَقَالَ: وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ نَحْوَهُ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ. وَهُوَ الصَّوَابُ.
следующие страницы →