Полный текст (5 685 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ فِي " كِتَابِ الطَّلَاقِ " فِي قَوْلِهِ " لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ " أَوْ " لَيْسَتْ لِي بِامْرَأَةٍ " رِوَايَةٌ: أَنَّهُ لَغْوٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ كِنَايَةٌ. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ هُنَاكَ: إذَا نَوَى الطَّلَاقَ بِذَلِكَ وَقَعَ. وَعَنْهُ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ. فَالْجُحُودُ هُنَا لِعَقْدِ النِّكَاحِ. لَا لِكَوْنِهَا امْرَأَتَهُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ عَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ، وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّهَا امْرَأَتُهُ: فَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْهَا ظَاهِرًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَاقُهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ
قُلْت: الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ: أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْهَا. وَكَيْفَ يُمَكَّنُ مِنْهَا وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَتَحَقَّقُ: أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ بِزَوْجَةٍ، حَتَّى وَلَوْ حَكَمَ لَهُ بِهِ حَاكِمٌ. لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يُحِلُّ حَرَامًا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثِهِ: ذَكَرَ الْقَاتِلَ، وَأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، أَوْ شَارَكَ غَيْرَهُ. وَأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ. وَيَصِفُهُ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحَيَاةَ فِي ذَلِكَ، فَوَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قُلْت: الْأَوْلَى عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذِكْرِ الْحَيَاةِ. فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى الْإِرْثَ: ذَكَرَ سَبَبَهُ) بِلَا نِزَاعٍ وَلَوْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى أَبِيهِ: ذَكَرَ مَوْتَ أَبِيهِ. وَحَرَّرَ الدَّيْنَ وَالتَّرِكَةَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
стр. 5252
اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ يَكْفِي أَيْضًا أَنْ يَقُولَ " إنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ ".
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى شَيْئًا مُحَلًّى: قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ. فَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ: قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ) بِلَا نِزَاعٍ. وَلَوْ ادَّعَى دَيْنًا، أَوْ عَيْنًا: لَمْ يُشْتَرَطْ ذِكْرُ سَبَبِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا. لِكَثْرَةِ سَبَبِهِ. وَقَدْ يَخْفَى عَلَى الْمُدَّعِي.
قَوْلُهُ (وَتُعْتَبَرُ فِي الْبَيِّنَةِ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا، وَبَاطِنًا. فِي اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ، وَالْخِرَقِيِّ فِيمَا قَالَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ. انْتَهَى. قُلْت: وَحَكَاهُ فِي الْهِدَايَةِ عَنْ الْخِرَقِيِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ. وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ " وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ سَأَلَ عَنْهُ " وَفِي الْوَاضِحِ وَالْمُوجَزِ: كَبَيِّنَةِ حَدٍّ وَقَوَدٍ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: الْعَدَالَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي شُهُودِ الزِّنَا: هِيَ الْعَدَالَةُ الْمُعْتَبَرَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَجْهًا وَاحِدًا. وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ لِتَأَكُّدِ الزِّنَا. انْتَهَى.
стр. 5253
وَعَنْهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ هُنَا. وَأَخَذَهَا مِنْ قَوْلِهِ " وَالْعَدْلُ: مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ ". وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ. لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ، مِنْ أَنَّهُ: إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ سَأَلَ عَنْهُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا فِيمَنْ عَرَفَ. انْتَهَى. وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَبُو بَكْرٍ، وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. فَعَلَيْهَا: إنَّ جَهِلَ إسْلَامَهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِ. وَفِي جَهْلِ حُرِّيَّتِهِ حَيْثُ اعْتَبَرْنَاهَا وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ. وَقَالَ: جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَأَوْرَدَهُ فِي النَّظْمِ مَذْهَبًا.
وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إلَيْهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَإِنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ: لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ، إلَّا أَنْ يُجَرِّحَهُ الْخَصْمُ. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: يُقْبَلُ مِنْ الْغَرِيبِ قَوْلُهُ " أَنَا حُرٌّ عَدْلٌ " لِلْحَاجَةِ، كَمَا قَبِلْنَا قَوْلَ الْمَرْأَةِ " إنَّهَا لَيْسَتْ مُزَوَّجَةً، وَلَا مُعْتَدَّةً ".
فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ
وَهِيَ أَنَّ الْمُسْلِمَ: هَلْ الْأَصْلُ فِيهِ: الْعَدَالَةُ أَوْ الْفِسْقُ؟
стр. 5254
اُخْتُلِفَ فِيهَا فِي زَمَنِنَا.
فَأَحْبَبْت أَنْ أَنْقُلَ مَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ. فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي عِنْدَ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ " وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ سَأَلَ عَنْهُ " وَتَابَعَهُ الشَّارِحُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَيُعْتَبَرُ فِي الْبَيِّنَةِ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا " لِمَا نَصَرَا أَنَّ الْعَدَالَةَ لَهُ تُعْتَبَرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَحَكَيَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ إلَّا ظَاهِرًا. وَعَلَّلَاهُ بِأَنْ قَالَا: ظَاهِرُ حَالِ الْمُسْلِمِينَ: الْعَدَالَةُ.
وَاحْتَجَّا لَهُ بِشَهَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَقَبُولِهَا. وَبِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ " الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ". وَلَمَّا نَصَرَا الْأَوَّلَ قَالَا: الْعَدَالَةُ شَرْطٌ. فَوَجَبَ الْعِلْمُ بِهَا كَالْإِسْلَامِ. وَذَكَرَا الْأَدِلَّةَ. وَقَالَا: وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ﵁: فَالْمُرَادُ بِهِ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ. وَقَالَا: هَذَا بَحْثٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِدُونِهِ. فَظَاهِرُ كَلَامِهِمَا: أَنَّهُمَا سَلَّمَا. أَنَّهُ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ. وَلَكِنْ تُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهَا بَاطِنًا. وَقَالَا فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا لِأَنَّ الْجَرْحَ يُنْقَلُ عَنْ الْأَصْلِ. فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ. وَالْجَرْحُ يُنْقَلُ عَنْهَا. فَصَرَّحَا هُنَا بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ: الْعَدَالَةُ. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ لَمَّا نُصِرَ أَنَّهُ. تُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا: وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ: فَمَمْنُوعَةٌ. بَلْ الظَّاهِرُ عَكْسُ ذَلِكَ. فَصَرَّحَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي ظَاهِرِ حَالِ الْمُسْلِمِ: عَكْسُ الْعَدَالَةِ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ " وَلَا نَسْمَعُ الْجَرْحَ إلَّا مُفَسَّرًا " وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْدِيلِ وَبَيْنَ
стр. 5255
الْجَرْحِ: أَنَّ التَّعْدِيلَ إذَا قَالَ " هُوَ عَدْلٌ " يُوَافِقُ الظَّاهِرَ. فَحَكَمَ بِأَنَّهُ عَدْلٌ فِي الظَّاهِرِ. فَخَالَفَ مَا قَالَ أَوَّلًا. وَقَالَ ابْن رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ فِي أَوَّلِ " كِتَابِ النِّكَاحِ " وَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ مِنْ مَسْتُورِي الْحَالِ. رِوَايَةً وَاحِدَةً. لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَالَةُ. وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي الْأُصُولِ فِي أَوَاخِرِ التَّقْلِيدِ: وَالْعَدَالَةُ أَصْلِيَّةٌ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ. وَتَابَعَ ذَلِكَ فِي شَرْحِهِ عَلَى ذَلِكَ. فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَالَةُ. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ، فِي هَذَا الْمَكَانِ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْعَالِمِ الْعَدَالَةُ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ " وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ سَأَلَ عَنْهُ " وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْعَدَالَةَ هَلْ هِيَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ؟ وَالشَّرْطُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ وُجُودِهِ. وَإِذَنْ لَا يُقْبَلُ مَسْتُورُ الْحَالِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ فِيهِ، أَوْ الْفِسْقُ مَانِعٌ؟ فَيُقْبَلُ مَسْتُورُ الْحَالِ. إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْفِسْقِ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَسْطُرٍ فَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ. قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ هَذَا. إذْ الْعَدَالَةُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَلَوْ سُلِّمَ هَذَا فَمُعَارَضٌ بِأَنَّ الْغَالِبَ وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَنِنَا هَذَا الْخُرُوجُ عَنْهَا. وَقَدْ يَلْزَمُ أَنَّ الْفِسْقَ مَانِعٌ. وَيُقَالُ: الْمَانِعُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ ظَنِّ عَدَمِهِ، كَالصِّبَا وَالْكُفْرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: مَنْ قَالَ " إنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِنْسَانِ الْعَدَالَةُ " فَقَدْ أَخْطَأَ. وَإِنَّمَا الْأَصْلُ فِيهِ: الْجَهْلُ وَالظُّلْمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي أَوَاخِرِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ: إذَا شُكَّ فِي الشَّاهِدِ: هَلْ هُوَ عَدْلٌ أَمْ لَا؟ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ. إذْ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ: عَدَمُ الْعَدَالَةِ. وَقَوْلُ
стр. 5256
مَنْ قَالَ " الْأَصْلُ فِي النَّاسِ الْعَدَالَةُ " كَلَامٌ مُسْتَدْرَكٌ. بَلْ الْعَدَالَةُ حَادِثَةٌ تَتَجَدَّدُ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا. فَإِنَّ خِلَافَ الْعَدَالَةِ مُسْتَنَدُهُ جَهْلُ الْإِنْسَانِ وَظُلْمُهُ. وَالْإِنْسَانُ جَهُولٌ ظَلُومٌ. فَالْمُؤْمِنُ يَكْمُلُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ. وَهُمَا جِمَاعُ الْخَيْرِ وَغَيْرُهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَدَالَةُ وَالْفِسْقُ مَبْنِيَّانِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَسْتُورِي الْحَالِ، فَالْأَصْلُ فِيهِ: الْعَدَالَةُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تُقْبَلُ. فَالْأَصْلُ فِيهِ: الْفِسْقُ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ الْأَصْلُ فِيهِ الْفِسْقُ. لِأَنَّ الْفِسْقَ قَطْعًا يَطْرَأُ. وَالْعَدَالَةُ أَيْضًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا تَطْرَأُ. لَكِنَّ الظَّنَّ فِي الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةَ أَوْلَى مِنْ الظَّنِّ بِهِ الْفِسْقَ. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ. فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» .
قَوْلُهُ (وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا: عَمِلَ بِعِلْمِهِ) . هَكَذَا عِبَارَةُ غَالِبِ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي عِبَارَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ: وَيَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَةِ الشَّاهِدِ وَجَرْحِهِ لِلتَّسَلْسُلِ. قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ. وَلِأَنَّهُ يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. فَلَا تُهْمَةَ. وَقَالَ هُوَ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا: هَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ. لِأَنَّهُ يُعَدَّلُ هُوَ وَيُجَرَّحُ غَيْرُهُ. وَيُجَرَّحُ هُوَ وَيُعَدَّلُ غَيْرُهُ. وَلَوْ كَانَ حُكْمًا: لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنَّمَا الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ، لَا بِهِمَا.
стр. 5257
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَعَمَلُ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ فِي الشُّهُودِ، وَحُكْمُهُ بِعِلْمِهِ فِي الْعَدَالَةِ وَالْجَرْحِ: هُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: يَعْمَلُ فِي جَرْحِهِ بِعِلْمِهِ فَقَطْ. وَعَنْهُ: لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِيهِمَا كَالشَّاهِدِ. عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ. قَالَ: الزَّرْكَشِيُّ: وَحَكَى ابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ: قَوْلًا بِالْمَنْعِ. وَهُوَ مَرْدُودٌ، إنَّ صَحَّ مَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ. فَإِنَّهُ حَكَى اتِّفَاقَ الْكُلِّ عَلَى الْجَوَازِ. انْتَهَى فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ تَسْمِيَةَ الشُّهُودِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرْسَلِ، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ أَنَّ لَهُ طَلَبُ تَسْمِيَةِ الْبَيِّنَةِ. لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَدْحِ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ لَوْ قَالَ " حَكَمْت بِكَذَا " وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَوْ شَهِدَ أُحُدُ الشَّاهِدَيْنِ بِبَعْضِ الدَّعْوَى، قَالَ " شَهِدَ عِنْدِي بِمَا وَضَعَ بِهِ خَطَّهُ فِيهِ " أَوْ عَادَةُ حُكَّامِ بَلَدِهِ. وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا، كَتَبَ تَحْتَ خَطِّهِ " شَهِدَ عِنْدِي بِذَلِكَ ". وَإِنْ قَبِلَهُ كَتَبَ " شَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدِي ". وَإِنْ قَبِلَهُ غَيْرُهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ كَتَبَ " وَهُوَ مَقْبُولٌ ". وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا، كَتَبَ " شَهِدَ بِذَلِكَ ". وَقَالَ لِلْمُدَّعِي " زِدْنِي شُهُودًا، أَوْ زَكِّ شَاهِدَيْك ".
стр. 5258
وَقِيلَ: إنْ طَلَبَ خَصْمُهُ التَّزْكِيَةَ، وَإِلَّا فَلَا، انْتَهَى.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَرْتَابَ بِهِمَا، فَيُفَرِّقُهُمَا. وَيَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ " كَيْفَ تَحَمَّلْت الشَّهَادَةَ؟ وَمَتَى؟ وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ؟ وَهَلْ كُنْت وَحْدَك، أَوْ أَنْتَ وَصَاحِبَك؟ " فَإِنْ اخْتَلَفَا: لَمْ يَقْبَلْهُمَا. وَإِنْ اتَّفَقَا. وَعَظَهُمَا، وَخَوَّفَهُمَا. فَإِنْ ثَبَتَا: حَكَمَ بِهِمَا إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي) . يَلْزَمُ الْحَاكِمَ سُؤَالُ الشُّهُودِ، وَالْبَحْثُ عَنْ صِفَةِ تَحَمُّلِهِمَا، وَغَيْرُهُ، إذَا ارْتَابَ فِيهِمَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: وُجُوبُ التَّوَقُّفِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَجْهُ الطَّعْنِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَوْ ادَّعَى جَرْحَ الْبَيِّنَةِ، فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي فِي الْأَصَحِّ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ اخْتَلَفَا تَوَقَّفَ فِيهِمَا. وَقِيلَ: تَسْقُطُ شَهَادَتُهُمَا. قَوْلُهُ (وَإِنْ جَرَحَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: كُلِّفَ) إقَامَةَ (الْبَيِّنَةِ بِالْجَرْحِ فَإِنْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ: أُنْظِرَ ثَلَاثًا) . عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: يُمْهَلُ الْجَارِحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْأَصَحِّ إنْ طَلَبَهُ. وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا يُمْهَلُ. قَوْلُهُ (وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ. إمَّا أَنْ يَرَاهُ، أَوْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ) .
стр. 5259
فَلَا يَكْفِي مُطْلَقُ الْجَرْحِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: يُقْبَلُ الْجَرْحُ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينِ سَبَبِهِ. وَعَنْهُ (يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ: أَنَّهُ فَاسِقٌ وَلَيْسَ بِعَدْلٍ) كَالتَّعْدِيلِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ. وَقِيلَ: إنْ اتَّحَدَ مَذْهَبُ الْجَارِحِ وَالْحَاكِمِ، أَوْ عَرَفَ الْجَارِحُ أَسْبَابَ الْجَرْحِ: قَبْلَ إجْمَالِهِ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ وَقِيلَ: يَكْفِي قَوْلُهُ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ " وَنَحْوُهُ. ذَكَرَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ (أَوْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ) . اعْلَمْ أَنَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِجَرْحِهِ بِمَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ عَنْهُ ذَلِكَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَالتَّزْكِيَةِ. فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا. وَفِي التَّزْكِيَةِ وَجْهٌ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ وَقَالَ: الْمُسْلِمُونَ يَشْهَدُونَ فِي مِثْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِمَا لَا يَعْلَمُونَهُ إلَّا بِالِاسْتِفَاضَةِ. وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ فِي الْجَرْحِ بِالِاسْتِفَاضَةِ نِزَاعًا بَيْنَ النَّاسِ.
стр. 5260
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَا يَجُوزُ الْجَرْحُ بِالتَّسَامُعِ. نَعَمْ، لَوْ زَكَّى جَازَ التَّوَقُّفُ بِتَسَامُعِ الْفِسْقِ. فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: الْجَرْحُ الْمُبَيَّنُ: أَنْ يَذْكُرَ مَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ عَنْ رُؤْيَةٍ، أَوْ اسْتِفَاضَةٍ وَالْمُطْلَقُ: أَنْ يَقُولَ " هُوَ فَاسِقٌ " أَوْ " لَيْسَ بِعَدْلٍ ". قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: هَذَا هُوَ الْمُبَيَّنُ. وَالْمُطْلَقُ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُ أَعْلَمُ " وَنَحْوُهُ.
الثَّانِيَةُ: يُعْرَضُ الْجَارِحُ بِالزِّنَا. فَإِنْ صَرَّحَ، وَلَمْ يَأْتِ بِتَمَامِ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ: حُدَّ. خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ (وَإِنْ جَهِلَ: طَالَبَ الْمُدَّعِي بِتَزْكِيَتِهِ) . بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. كَمَا تَقَدَّمَ.
فَائِدَةٌ:
التَّزْكِيَةُ حَقٌّ لِلشَّرْعِ. يَطْلُبُهَا الْحَاكِمُ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْهَا الْخَصْمُ. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ حَقٌّ لِلْخَصْمِ. فَلَوْ أَقَرَّ بِهَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِدُونِهَا. وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا بُدَّ مِنْهَا. وَيَأْتِي بِأَعَمَّ مِنْ هَذَا قَرِيبًا. قَوْلُهُ (وَيَكْفِي فِي التَّزْكِيَةِ شَاهِدَانِ. يَشْهَدَانِ: أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى) . قَوْلُهُ " يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى " يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ الْمُزَكِّيَيْنِ: مَعْرِفَةُ الْحَاكِمِ خِبْرَتَهُمَا الْبَاطِنَةَ بِصُحْبَةٍ وَمُعَامَلَةٍ، وَنَحْوِهِمَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
стр. 5261
قَطَعَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: يُقْبَلَانِ مَعَ جَهْلِ الْحَاكِمِ خِبْرَتَهُمَا الْبَاطِنَةَ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهَا: وَلَا يُتَّهَمُ بِعَصَبِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا. قَوْلُهُ " يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًى ". وَكَذَا لَوْ شَهِدَا " أَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ " بِلَا نِزَاعٍ. وَيَكْفِي قَوْلُهُمَا " عَدْلٌ " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْبَرَكَاتِ: الْمَنْعُ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: هَلْ يَكْفِي قَوْلُهُمَا " عَدْلٌ " فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ. فَوَائِدُ
الْأُولَى: لَا يَكْفِي قَوْلُهُمَا " لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا ".
الثَّانِيَةُ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَا يَلْزَمُ الْمُزَكِّي الْحُضُورُ لِلتَّزْكِيَةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ. الثَّالِثَةُ: لَا تَجُوزُ التَّزْكِيَةُ إلَّا لِمَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بَاطِنَةٌ. قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَزَادَ فِي التَّرْغِيبِ: وَمَعْرِفَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الرَّابِعَةُ: هَلْ تَعْدِيلُ الشُّهُودِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ تَعْدِيلٌ فِي حَقِّهِ، وَتَصْدِيقُ الشُّهُودِ عَلَيْهِ تَعْدِيلٌ؟ وَهَلْ تَصِحُّ التَّزْكِيَةُ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ
стр. 5262
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعَدَّلَ. إنَّ النَّاسَ يَتَغَيَّرُونَ. وَقَالَ: قِيلَ لِشُرَيْحٍ: قَدْ أَحْدَثْت فِي قَضَائِك؟ فَقَالَ " إنَّهُمْ أَحْدَثُوا فَأَحْدَثْنَا " قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِالْعَدَالَةِ. فَقَالَ: " هُمَا عَدْلَانِ فِيمَا شَهِدَا بِهِ عَلَيَّ " أَوْ " صَادِقَانِ " حُكِمَ عَلَيْهِ بِلَا تَزْكِيَةٍ. وَقِيلَ: لَا. وَقَالَ: هَلْ تَصْدِيقُ الشُّهُودِ تَعْدِيلٌ لَهُمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَالتَّزْكِيَةُ حَقٌّ لِلَّهِ. فَتُطْلَبُ وَإِنْ سَكَتَ الْخَصْمُ. فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعَدَالَةِ: حُكِمَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يُحْكَمُ. وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ فِيمَا إذَا عَدَّلَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الشَّاهِدَ الْوَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَةِ فِي صِحَّةِ التَّزْكِيَةِ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ، وَقِيلَ: إنْ تَبَعَّضَتْ جَازَ. وَإِلَّا فَلَا تَزْكِيَةَ. تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ (وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ. وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ: فَالْجَرْحُ أَوْلَى) . بِلَا نِزَاعٍ.
وَإِذَا قُلْنَا: يُقْبَلُ جَرْحُ وَاحِدٍ، فَجَرَّحَهُ وَاحِدٌ، وَزَكَّاهُ اثْنَانِ: فَالتَّزْكِيَةُ أَوْلَى عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: الْجَرْحُ أَوْلَى. وَهُوَ أَوْلَى. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ عَدَّلَهُ ثَلَاثَةٌ، وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ، فَوَجْهَانِ. فَإِنْ بَيَّنَا السَّبَبَ: فَالْجَرْحُ أَوْلَى. وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا السَّبَبَ: فَالتَّعْدِيلُ أَوْلَى.
стр. 5263
قَوْلُهُ (وَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي حَبْسَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حَتَّى يُزَكِّيَ شُهُودَهُ، فَهَلْ يُحْبَسُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا.
أَحَدُهُمَا: يُجَابُ وَيُحْبَسُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبُ: اُحْتُمِلَ أَنْ يُحْبَسَ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَفِي حَبْسِهِ احْتِمَالٌ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْبَسُ. وَقِيلَ: لَا يُحْبَسُ إلَّا فِي الْمَالِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: مُدَّةُ حَبْسِهِ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يُحْبَسُ إلَى أَنْ يُزَكِّيَ شُهُودَهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: الْقَوْلُ بِإِطْلَاقِ ذَلِكَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ: الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ بِأَنَّهُ يُحَالُ فِي قِنٍّ أَوْ امْرَأَةٍ ادَّعَى عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا بَيْنَهُمَا بِشَاهِدَيْنِ.
стр. 5264
وَفِيهِ لِوَاحِدٍ فِي قِنٍّ وَجْهَانِ
الثَّانِيَةُ: مِثْلُ ذَلِكَ الْحُكْمِ: لَوْ سَأَلَ كَفِيلًا بِهِ، أَوْ تَعْدِيلَ عَيْنٍ مُدَّعَاةٍ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ. قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا، وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْآخِرُ: حَبَسَهُ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَا يُحْبَسُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ: فَعَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا. أَحَدُهُمَا: لَا يُحْبَسُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُحْبَسُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالنَّظْمِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّعْرِيفِ وَالرِّسَالَةِ إلَّا قَوْلُ عَدْلَيْنِ) .
стр. 5265
هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَكُونُ ذَلِكَ شَهَادَةً تَفْتَقِرُ إلَى الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ. وَيُعْتَبَرُ فِيهَا مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ الْحَقِّ. فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ: اُعْتُبِرَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ. وَلَمْ يَكْفِ إلَّا شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ. وَإِنْ كَانَ مَالًا: كَفَى فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وَلَمْ تُعْتَبَرْ الْحُرِّيَّةُ. وَإِنْ كَانَ فِي حَدِّ زِنًا، فَالْأَصَحُّ: أَرْبَعَةٌ. وَقِيلَ: يَكْفِي اثْنَانِ. بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا. عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَيُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يَصِحُّ بِدُونِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ وَالِدًا أَوْ وَلَدًا، أَوْ أَعْمَى لِمَنْ خَبَّرَهُ بَعْدَ عَمَاهُ. وَيُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ أَيْضًا. وَيَكْتَفِي بِالرُّقْعَةِ مَعَ الرَّسُولِ. وَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ.
стр. 5266
وَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَجِبُ الْمُشَافَهَةُ. قَالَ الْقَاضِي: تَعْدِيلُ الْمَرْأَةِ: هَلْ هُوَ مَقْبُولٌ؟ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ. وَهُوَ: هَلْ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ شَهَادَةٌ أَوْ خَبَرٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ خَبَرٌ، قُبِلَ تَعْدِيلُهُنَّ. وَإِنْ قُلْنَا: بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَأَنَّهُ شَهَادَةٌ، فَهَلْ يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُنَّ؟ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ. وَهُوَ: هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِيمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، كَالنِّكَاحِ؟ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: تُقْبَلُ. فَيُقْبَلُ تَعْدِيلُهُنَّ.
الثَّانِيَةُ: لَا تُقْبَلُ وَهَذَا الصَّحِيحُ. فَلَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُنَّ. انْتَهَى. فَوَائِدُ
الْأُولَى: مَنْ رَتَّبَهُمْ الْحَاكِمُ يَسْأَلُونَ سِرًّا عَنْ الشُّهُودِ لِتَزْكِيَةٍ أَوْ جَرْحٍ، فَقِيلَ: يُعْتَبَرُ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ فِيهِمْ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. فَقَالَا: وَيُقْبَلُ قَوْلُ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا، وَلَا يَسْأَلُونَ عَدُوًّا وَلَا صَدِيقًا. وَهَذَا ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَقِيلَ: تُشْتَرَطُ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ فِي الْمَسْئُولِينَ. لَا فِيمَنْ رَتَّبَهُمْ الْحَاكِمُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَعَلَى قَوْلِنَا " التَّزْكِيَةُ لَيْسَتْ شَهَادَةً " لَا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَدُ فِي الْجَمِيعِ.
الثَّانِيَةُ: مَنْ سَأَلَهُ حَاكِمٌ عَنْ تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ: أَخْبَرَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ.
стр. 5267
الثَّالِثَةُ: مَنْ نُصِّبَ لِلْحُكْمِ بِجَرْحٍ أَوْ تَعْدِيلٍ، وَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ: قَنَعَ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ وَحْدَهُ، إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ.
الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: الْمُرَادُ بِالتَّعْرِيفِ تَعْرِيفُ الْحَاكِمِ، لَا تَعْرِيفُ الشَّاهِدِ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ " أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ " وَيَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشُّهُودِ وَالْحَاكِمِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَاجَةَ الْحَاكِمِ إلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ الشُّهُودِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَالشَّاهِدُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ، غَالِبًا، إلَّا عَلَى الْعِلْمِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي " كِتَابِ الشَّهَادَاتِ " وَمَنْ جَهِلَ رَجُلًا حَاضِرًا شَهِدَ فِي حَضْرَتِهِ لِمَعْرِفَةِ عَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَعَرَّفَهُ بِهِ مَنْ يَسْكُنُ إلَيْهِ وَعَنْهُ: اثْنَانِ. وَعَنْهُ: جَمَاعَةٌ شَهِدَ وَإِلَّا فَلَا. وَعَنْهُ: الْمَنْعُ. وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ. وَعَنْهُ: إنْ عَرَفَهَا كَمَا يَعْرِفُ نَفْسَهُ. وَعَنْهُ أَوْ نَظَرَ إلَيْهَا: شَهِدَ وَإِلَّا فَلَا. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يَشْهَدُ بِإِذْنِ زَوْجٍ. وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِعِصْمَتِهَا. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ لِلْخَبَرِ. وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمَا بِأَنَّ النَّظَرَ حَقُّهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ سَهْوٌ.
стр. 5268
وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي " كِتَابِ الشَّهَادَاتِ ". وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ التَّعْرِيفُ. يَتَضَمَّنُ تَعْرِيفَ عَيْنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْمَشْهُودِ لَهُ، وَالْمَشْهُودِ بِهِ، إذَا وَقَعَتْ عَلَى الْأَسْمَاءِ، وَتَعْرِيفَ الْمَحْكُومِ لَهُ وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَالْمَحْكُومِ بِهِ، وَتَعْرِيفَ الْمُثْبِتِ عَلَيْهِ، وَالْمُثْبَتِ لَهُ، وَنَفْسَ الْمُثْبَتِ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي. وَالتَّعْرِيفُ مِثْلُ التَّرْجَمَةِ سَوَاءٌ. فَإِنَّهُ بَيَانٌ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ. كَمَا أَنَّ التَّرْجَمَةَ كَذَلِكَ. لِأَنَّ التَّعْرِيفَ قَدْ يَكُونُ فِي أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ وَالتَّرْجَمَةُ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ. انْتَهَى. ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا عَدْلَانِ ".
قَوْلُهُ (وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً، فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . يَعْنِي: مَعَ تَطَاوُلِ الْمُدَّةِ. وَهُمَا رِوَايَتَانِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فِيهِ وَجْهَانِ. وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
إحْدَاهُمَا: يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدٍ عَنْ عَدَالَتِهِ، مَعَ تَطَاوُلِ الْمُدَّةِ. وَيَجِبُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَزِمَ الْبَحْثُ عَنْهَا. عَلَى الْأَصَحِّ، مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ.
стр. 5269
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ، أَوْ مُسْتَتِرٍ فِي الْبَلَدِ، أَوْ مَيِّتٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ: سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَلَيْسَ تَقَدُّمُ الْإِنْكَارِ هُنَا شَرْطًا. وَلَوْ فُرِضَ إقْرَارُهُ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ لِثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ: لَا تَفْتَقِرُ الْبَيِّنَةُ إلَى جُحُودٍ. إذْ الْغَيْبَةُ كَالسُّكُوتِ وَالْبَيِّنَةُ تُسْمَعُ عَلَى سَاكِتٍ. وَكَذَا جَعَلَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَصْلًا عَلَى الْخَصْمِ. وَعَنْهُ: لَا يُحْكَمُ عَلَى غَائِبٍ، كَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. فَيَقْضِي فِي السَّرِقَةِ بِالْغُرْمِ فَقَطْ. اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. قَالَهُ فِي الْكَافِي. وَعَنْهُ: لَا يُحْكَمُ عَلَى الْغَائِبِ تَبَعًا، كَشَرِيكٍ حَاضِرٍ.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ إذَا حَكَمَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْعَيْنَ الْمُدَّعَاةَ مُطْلَقًا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ الْوَجْهَيْنِ. وَقِيلَ: يُعْطِي بِكَفِيلٍ. وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
الثَّانِي: مُرَادُهُ بِالْمُسْتَتِرِ هُنَا: الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْحُضُورِ. عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ قَرِيبًا.
الثَّالِثُ: الْغَيْبَةُ هُنَا: مَسَافَةُ الْقَصْرِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
стр. 5270
وَقِيلَ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ أَيْضًا. وَقِيلَ: أَوْ فَوْقَ نِصْفِ يَوْمٍ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
الرَّابِعُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: صِحَّةُ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا، وَالْمُصَنِّفُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ: إنَّمَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، لَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ. نَعَمْ فِي، السَّرِقَةِ يَقْضِي بِالْمَالِ فَقَطْ. وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ وَجْهَانِ. بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ " بَابِ الْقَذْفِ ".
قَوْلُهُ (وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي " أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إلَيْهِ مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ؟ " عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْهَادِي، وَغَيْرِهِمْ.
إحْدَاهُمَا: لَا يَحْلِفُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لَمْ يَسْتَحْلِفْ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَالَا: هِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ. وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْفُرُوعِ، وَخِلَافُ أَبِي الْخَطَّابِ. وَنَصَرَهُ.
стр. 5271
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ. وَالشَّرِيفِ، وَالشِّيرَازِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَسْتَحْلِفُهُ عَلَى بَقَاءِ حَقِّهِ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: حَلَّفَهُ مَعَ بَيِّنَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَحَلَفَ مَعَهَا عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى بَقَاءِ حَقِّهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي مُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. ذَكَرَهُ عَنْهُ الشَّارِحُ فِي " بَابِ الدَّعَاوَى " عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ لَهُ بِهَا ". فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يَتَعَرَّضُ فِي يَمِينِهِ لِصِدْقِ الْبَيِّنَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَا يَتَعَرَّضُ فِي يَمِينِهِ لِصِدْقِ الْبَيِّنَةِ إنْ كَانَتْ كَامِلَةً. وَيَجِبُ تَعَرُّضُهُ إذَا قَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ. فَوَائِدُ
الْأُولَى: لَا يَمِينَ مَعَ بَيِّنَةٍ كَامِلَةٍ كَمُقِرٍّ لَهُ إلَّا هُنَا. وَعَنْهُ: بَلَى. فَعَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَعَنْهُ: يَحْلِفُ مَعَ رِيبَةٍ فِي الْبَيِّنَةِ. وَتَقَدَّمَ فِي " بَابِ الْحَجْرِ " أَنَّهُ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِنَفَادِ مَالِهِ: أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
стр. 5272
وَإِذَا شَهِدَتْ بِإِعْسَارِهِ: أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهَا أَيْضًا.
الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيَخْتَصُّ الْيَمِينُ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، دُونَ الْمُدَّعِي، إلَّا فِي الْقَسَامَةِ وَدَعَاوَى الْأُمَنَاءِ الْمَقْبُولَةِ. وَحَيْثُ يَحْكُمُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، أَوْ نَقُولُ بِرَدِّهَا. وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مُفَرَّقًا فِي أَمَاكِنِهِ. وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: أَمَّا دَعَاوَى الْأُمَنَاءِ الْمَقْبُولَةُ: فَغَيْرُ مُسْتَثْنَاةٍ. فَيَحْلِفُونَ. وَذَلِكَ: لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ إلَّا بِتَفْرِيطٍ أَوْ عُدْوَانٍ. فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَأَنْكَرُوهُ: فَهُمْ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ. وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ. انْتَهَى. قُلْت: صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي " بَابِ الْوَكَالَةِ " أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْوَكِيلُ الْهَلَاكَ وَنَفَى التَّفْرِيطَ: قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَكَذَا فِي الْمُضَارَبَةِ، الْوَدِيعَةِ، وَغَيْرِهِمَا. الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ (ثُمَّ إذَا قَدِمَ الْغَائِبُ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ يَعْنِي: رَشِيدًا أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ: فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ) . وَهُوَ صَحِيحٌ. لَكِنْ لَوْ جَرَحَ الْبَيِّنَةَ بِأَمْرٍ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ مُطْلَقًا: لَمْ تُقْبَلْ. لِجَوَازِ كَوْنِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ. فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَإِلَّا قُبِلَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ فِي الْبَلَدِ غَائِبًا عَنْ الْمَجْلِسِ: لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَحْضُرَ) . وَلَا تُسْمَعُ أَيْضًا الدَّعْوَى. وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
стр. 5273
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يُسْمَعَانِ، وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْخُلَاصَةِ فِي سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُسْمَعَانِ. وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَاخْتَارَهُ النَّاظِمُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَأَطْلَقَهُنَّ الزَّرْكَشِيُّ. قَوْلُهُ (فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ: سُمِعَتْ الْبَيِّنَةُ، وَحُكِمَ بِهَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَالْأُخْرَى: لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَحْضُرَ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ. فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: إنْ أَبَى مِنْ الْحُضُورِ: بَعَثَ إلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ لِيُحْضِرَهُ. فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الِاسْتِتَارُ: أَقْعَدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِي دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ حَتَّى يَحْضُرَ. كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمَا.
стр. 5274
وَلَيْسَ لَهُ دُخُولُ بَيْتِهِ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: إنَّ صَحَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ: أَمَرَ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ وَإِخْرَاجِهِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: إنْ أَصَرَّ عَلَى الِاسْتِتَارِ: حَكَمَ عَلَيْهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى التَّغَيُّبِ سُمِعَتْ الْبَيِّنَةُ، وَحُكِمَ بِهَا عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَقَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ " وَإِنْ ادَّعَى عَلَى مُسْتَتِرٍ وَلَهُ بَيِّنَةٌ: سَمِعَهَا الْحَاكِمُ. وَحَكَمَ بِهَا " قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَنَصُّهُ " يَحْكُمُ عَلَيْهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ". وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ، وَغَيْرِهِ. وَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمِ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ إذَا خَرَجَ. قَالَ: لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُرْمَةٍ، كَمَنْ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ. انْتَهَى. وَحَكَى الزَّرْكَشِيُّ كَلَامَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَالَ: وَفِي الْمُقْنِعِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ: هَلْ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وَيُحْكَمُ بِهَا عَلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. مَعَ أَنَّهُ قَطَعَ بِجَوَازِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ. وَفِيهِ نَظَرٌ. فَكَلَامُهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ أَبِي الْبَرَكَاتِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا: وَفَّاهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُدَّعِي " إنْ عَرَفْت لَهُ مَالًا، وَثَبَتَ عِنْدِي وَفَّيْتُك مِنْهُ ".
قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ، وَلَهُ مَالٌ فِي يَدِ فُلَانٍ، أَوْ دَيْنٌ عَلَيْهِ. فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ: سَلَّمَ
стр. 5275
إلَى الْمُدَّعِي نَصِيبَهُ، وَأَخَذَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ فَحَفِظَهُ لَهُ) . اعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَائِبِ مُمْتَنِعٌ. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لِامْتِنَاعِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ لَهُ، وَالْكِتَابَةِ لَهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ لِيَحْكُمَ لَهُ بِكِتَابِهِ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ. فَيُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ، كَمَا مَثَّلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَكَذَا لَوْ كَانَ الْأَخُ الْآخَرُ غَيْرَ رَشِيدٍ. فَإِذَا حَكَمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَشْبَاهِهَا، وَأَخَذَ الْحَاضِرُ حِصَّتَهُ، فَالْحَاكِمُ يَأْخُذُ نَصِيبَ الْغَائِبِ، وَنَصِيبُ غَيْرُ الرَّشِيدِ يَحْفَظُهُ لَهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا أَوْلَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ دَيْنًا: أَنْ يَتْرُكَ نَصِيبَ الْغَائِبِ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ، وَيَرْشُدَ السَّفِيهُ. وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ. قُلْت: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَتْرُكُ إذَا كَانَ مَلِيئًا.
فَائِدَةٌ:
تُعَادُ الْبَيِّنَةُ فِي الْإِرْثِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَزَادَ: وَلَوْ أَقَامَ الْوَارِثُ الْبَيِّنَةَ. نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ. وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَبَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ غَيْرُ رَشِيدٍ اُنْتُزِعَ الْمَالُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَهُمَا، بِخِلَافِ الْغَائِبِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَفِي الْآخِرِ: يُنْتَزَعُ أَيْضًا.
стр. 5276
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: إنْ ادَّعَى أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ الْوَكَالَةَ، وَالْآخَرُ غَائِبٌ. وَثَمَّ بَيِّنَةٌ: حُكِمَ لَهُمَا. فَإِنْ حَضَرَ: لَمْ تَعُدْ الْبَيِّنَةُ كَالْحُكْمِ بِوَقْفٍ ثَبَتَ لِمَنْ لَمْ يُخْلَقْ، تَبَعًا لِمُسْتَحِقِّهِ الْآنَ. وَتَقَدَّمَ: أَنَّ سُؤَالَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ الْحَجْرَ كَسُؤَالِ الْكُلِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُفِيدَ أَنَّ الْقَضِيَّةَ الْوَاحِدَةَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى عَدَدٍ أَوْ أَعْيَانٍ كَوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكَةِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى وَاحِدٍ، أَوَّلُهُ: يَعُمُّهُ وَغَيْرَهُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: الْمَسْأَلَةَ. وَأَخَذَهَا مِنْ دَعْوَى مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، وَحُكْمُهُ بِأَنَّ هَذَا يَسْتَحِقُّ هَذَا، أَوْ لِأَنَّ مَنْ وُقِفَ بِشَرْطٍ شَامِلٍ يَعُمُّ. وَهَلْ حُكْمُهُ لِطَبَقَةٍ حُكْمٌ لِلثَّانِيَةِ وَالشَّرْطُ وَاحِدٌ؟ رُدِّدَ النَّظَرُ عَلَى وَجْهَيْنِ. ثُمَّ مِنْ إبْدَاءِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ الْأَوَّلَ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ لَوْ عَلِمَهُ فَلِلثَّانِي الدَّفْعُ بِهِ. وَهَلْ هُوَ نَقْضٌ لِلْأَوَّلِ كَحُكْمٍ مُغَيَّا بِغَايَةٍ؟ أَمْ هُوَ فَسْخٌ؟ .
قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ فَصَدَّقَهُ: قُبِلَ قَوْلُ الْحَاكِمِ وَحْدَهُ) . إذَا قَالَ الْحَاكِمُ الْمَنْصُوبُ " حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا " وَنَحْوُهُ، وَلَيْسَ أَبَاهُ وَلَا ابْنَهُ: قُبِلَ قَوْلُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعُوا بِهِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ وَسَوَاءٌ ذَكَرَ مُسْتَنَدَهُ أَوْ لَا. وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ قَوْلُهُمْ فِي كِتَابِ الْقَاضِي " إخْبَارُهُ بِمَا ثَبَتَ: بِمَنْزِلَةِ شُهُودِ الْفَرْعِ " يُوجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي الثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ، إذْ لَوْ قُبِلَ خَبَرُهُ لَقُبِلَ كِتَابُهُ. وَأَوْلَى.
стр. 5277
قَالَ: وَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ: إنْ قَالَ " ثَبَتَ عِنْدِي " فَهُوَ كَقَوْلِهِ " حَكَمْت فِي الْإِخْبَارِ وَالْكِتَابِ " وَإِنْ قَالَ " شَهِدْت " أَوْ " أَقَرَّ عِنْدِي فُلَانٌ " فَكَالشَّاهِدَيْنِ سَوَاءٌ انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ مَا إذَا أُخْبِرَ بَعْدَ عَزْلِهِ: أَنَّهُ كَانَ حَكَمَ لِفُلَانٍ بِكَذَا فِي وِلَايَتِهِ، فِي آخِرِ " بَابِ أَدَبِ الْقَاضِي ". وَهُنَاكَ بَعْضُ فُرُوعٍ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحَاكِمُ ذَلِكَ، فَشَهِدَ عَدْلَانِ: أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ: قُبِلَ شَهَادَتُهُمَا، وَأَمْضَى الْقَضَاءَ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعُوا بِهِ. مِنْهُمْ: صَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ اثْنَانِ: أَنَّهُ حَكَمَ لِفُلَانٍ: أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُمَا.
تَنْبِيهٌ:
مُرَادُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ. فَإِنْ تَيَقَّنَ صَوَابَ نَفْسِهِ: لَمْ يَقْبَلْهُمَا وَلَمْ يُمْضِهِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: لِأَنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَذَكَرُوا هُنَاكَ: لَوْ تَيَقَّنَ صَوَابَ نَفْسِهِ: لَمْ يَقْبَلْهُمَا. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ الْأَصْلِ الْمُحَدِّثِ الرَّاوِي عَنْهُ " لَا أَدْرِي " وَذَكَرُوا هُنَاكَ: لَوْ كَذَّبَهُ، لَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ. وَدَلَّ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَقِيلٍ هُنَا: قِيَاسُ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الدَّلِيلَيْنِ.
стр. 5278
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ: أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَك بِكَذَا وَكَذَا قَبِلَ شَهَادَتِهِمَا) بِلَا نِزَاعٍ. (وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أُحُدٌ، لَكِنْ وَجَدَهُ فِي قِمْطَرِهِ فِي صَحِيفَةٍ تَحْتَ خَتْمِهِ بِخَطِّهِ. فَهَلْ يُنْفِذُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ.
إحْدَاهُمَا: لَيْسَ لَهُ تَنْفِيذُهُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَذَكَرَ فِي التَّرْغِيبِ: أَنَّهُ الْأَشْهَرُ، كَخَطِّ أَبِيهِ بِحُكْمٍ أَوْ شَهَادَةٍ: لَمْ يَشْهَدْ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا إجْمَاعًا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُنْفِذُهُ. وَعَنْهُ: يُنْفِذُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي قِمْطَرِهِ، أَوْ لَا. اخْتَارَهُ فِي التَّرْغِيبِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ الْبَغْدَادِيِّ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ. قُلْت: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ إذَا رَأَى خَطَّهُ فِي كِتَابٍ بِشَهَادَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ.
إحْدَاهُمَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
стр. 5279
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ: الْمَذْهَبُ. وَذَكَرَ فِي التَّرْغِيبِ: أَنَّهُ الْأَشْهَرُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَالْحَاوِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إذَا حَرَّرَهُ، وَإِلَّا فَلَا وَعَنْهُ: لَهُ أَنْ يَشْهَدَ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ فِي التَّرْغِيبِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ فَائِدَةٌ:
مَنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يُذَكَّرَ، أَوْ يَعْتَمِدَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَطِّ، يَتَجَوَّزُ بِذَلِكَ: لَمْ يَجُزْ قَبُولُ شَهَادَتِهِ. وَلَهُمَا حُكْمُ الْمُغَفَّلِ، أَوْ الْمُمَخْرَقِ. وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ وَلَا يَجِبُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالصِّفَةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ سُؤَالُهُمَا عَنْ ذَلِكَ. وَلَا يَلْزَمُهُمَا جَوَابُهُ. وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: إذَا عَلِمَ تَجَوُّزَهُمَا، فَهُمَا كَمُغَفَّلٍ، وَلَمْ يَجُزْ قَبُولُهُمَا.
قَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهُ بِالْحَاكِمِ وَقَدَّرَ لَهُ عَلَى مَالٍ: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ. نَصَّ عَلَيْهِ) . وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْخِرَقِيِّ، وَغَيْرِهِمَا.
стр. 5280
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ: إلَى جَوَازِ ذَلِكَ. وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُرْتَهِنِ: يَرْكَبُ وَيَحْلِبُ بِقَدْرِ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ. وَالْمَرْأَةُ تَأْخُذُ مُؤْنَتَهَا، وَالْبَائِعُ لِلسِّلْعَةِ يَأْخُذُهَا مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ بِغَيْرِ رِضَاهُ. وَخَرَّجَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ، مِنْ تَنْفِيذِ الْوَصِيِّ الْوَصِيَّةَ مِمَّا فِي يَدِهِ إذَا كَتَمَ الْوَرَثَةُ بَعْضَ التَّرِكَةِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَظْهَرُ فِي التَّخْرِيجِ. فَعَلَى هَذَا: إنْ قَدَرَ عَلَى حَبْسِ حَقِّهِ: أَخَذَ بِقَدْرِهِ، وَإِلَّا قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِهِ مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِهِنْدٍ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ «خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» . وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمَا. وَذَكَرَ فِي الْوَاضِحِ: أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ إلَّا مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ. وَهُمَا احْتِمَالَانِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، مُطْلَقَانِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْجَوَازَ، رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، مِنْ جَوَازِ أَخْذِ الزَّوْجَةِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا نَفَقَتَهَا وَنَفَقَةَ وَلَدِهَا بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀، عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا. فَلَا يَصِحُّ التَّخْرِيجُ.
وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْخُذُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا. يَعْنِي: أَنَّ لَهَا يَدًا وَسُلْطَانًا عَلَى ذَلِكَ. وَسَبَبُ النَّفَقَةِ ثَابِتٌ وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ، فَلَا تُنْسَبُ بِالْأَخْذِ إلَى خِيَانَةٍ.
стр. 5281
وَكَذَلِكَ أَبَاحَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَخْذَ الضَّيْفِ مِنْ مَالِ مَنْ نَزَلَ بِهِ وَلَمْ يُقْرَ بِقَدْرِ قِرَاهُ. وَمَتَى ظَهَرَ السَّبَبُ: لَمْ يُنْسَبْ الْآخِذُ إلَى خِيَانَةٍ. وَعَكَسَ ذَلِكَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ.: إذَا ظَهَرَ السَّبَبُ: لَمْ يَجُزْ الْأَخْذُ بِغَيْرِ إذْنٍ. لِإِمْكَانِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَفِيَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَ فُرُوقٍ. فَائِدَةٌ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ «خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» هُوَ حُكْمٌ لَا فُتْيَا. وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيهِ. فَتَارَةً قَطَعَ بِأَنَّهُ حُكْمٌ. وَتَارَةً قَطَعَ بِأَنَّهُ فُتْيَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ فُتْيَا.
تَنْبِيهَاتٌ
أَحَدُهَا: حَيْثُ جَوَّزْنَا الْأَخْذَ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَيَكُونُ فِي الْبَاطِنِ. قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: جَوَازُ الْأَخْذِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَالْأُصُولُ الَّتِي خَرَّجَ عَلَيْهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمَا: مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ، وَحَلْبِ الرَّهْنِ وَرُكُوبِهِ تَشْهَدُ لِذَلِكَ. وَالْأُصُولُ الَّتِي خَرَّجَ عَلَيْهَا صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: تَقْتَضِي مَا قَالَهُ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَخَذَهُ بِالْحَاكِمِ) . أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ بِالْحَاكِمِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَنْهُ: فِي الضَّيْفِ: يَأْخُذُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ بِالْحَاكِمِ.
стр. 5282
وَظَاهِرُ الْوَاضِحِ: يَأْخُذُ الضَّيْفُ، وَغَيْرُهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ بِالْحَاكِمِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا خَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَالرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ. وَأَخَذَ سِلْعَتَهُ مِنْ الْمُفْلِسِ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: جَوَازَ الْأَخْذِ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ بِالْحَاكِمِ فِي الْحَقِّ الثَّابِتِ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، أَوْ كَانَ سَبَبُ الْحَقِّ ظَاهِرًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ، وَغَيْرِهِ.
الثَّالِثَةُ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَقُّ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ قَدْ أَخَذَهُ قَهْرًا. فَأَمَّا إنْ كَانَ قَدْ غَصَبَ مَالَهُ: فَيَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ بِقَدْرِ حَقِّهِ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَقَالَ فِي الْفُنُونِ: مَنْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِمَالٍ، لَا عِنْدَ حَاكِمٍ: أَخَذَهُ. وَقِيلَ: لَا. كَقَوَدٍ فِي الْأَصَحِّ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ أَيْضًا: إذَا كَانَ عَيْنُ مَالِهِ قَدْ تَعَذَّرَ أَخْذُهُ. فَأَمَّا إنْ قَدَرَ عَلَى عَيْنِ مَالِهِ: أَخَذَهُ قَهْرًا. زَادَ فِي التَّرْغِيبِ: مَا لَمْ يُفِضْ إلَى فِتْنَةٍ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَجَحَدَ
أَحَدُهُمَا: فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَجْحَدَ، وَجْهًا وَاحِدًا. لِأَنَّهُ كَبَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. لَا يَجُوزُ، وَلَوْ رَضِيَا. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ:
لَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ، فَجَحَدَهُ: جَازَ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ نَاظِمُهَا:
стр. 5283
وَمَعْ مُجَرَّدِ الدَّيْنِ لَا بِالظَّفَرْ ... يُؤْخَذُ مِنْ جِنْسِهِ فِي الْأَشْهَرْ
قَوْلُهُ (وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ، عَنْ صِفَتِهِ فِي الْبَاطِنِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً عَنْهُ: أَنَّهُ يُزِيلُ الْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ. وَذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَحَكَى عَنْهُ: بِحِيلَةٍ فِي عَقْدٍ وَفَسْخٍ مُطْلَقًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْوَسِيلَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: الْأَهْلُ أَكْثَرُ مِنْ الْمَالِ وَقَالَ فِي الْفُنُونِ: إنَّ حَنْبَلِيًّا نَصَرَهَا. فَاعْتَبَرَهَا بِاللِّعَانِ. وَعَنْهُ: يُرْسِلُهُ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ قَبْلَ الْحُكْمِ. قَطَعَ بِهِ فِي الْوَاضِحِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: حُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الشَّيْءَ عَنْ وَصْفِهِ فِي الْبَاطِنِ، إلَّا فِي أَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ قَبْلَ الْحُكْمِ. فَإِنَّهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْأَوَّلِ وَقِيلَ: هُمَا فِي أَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ قَبْلَ الْحُكْمِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ لِحَنْبَلِيٍّ، أَوْ لِشَافِعِيٍّ، بِشُفْعَةِ جِوَارٍ: فَوَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَمَنْ حَكَمَ لِمُجْتَهِدٍ، أَوْ عَلَيْهِ بِمَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ: عَمِلَ بَاطِنًا بِالْحُكْمِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَقِيلَ: بِاجْتِهَادِهِ وَإِنْ بَاعَ حَنْبَلِيٌّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ شَافِعِيٌّ: نَفَذَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ: قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ أَظْهَرُ.
стр. 5284
إذْ كَيْفَ يَحْكُمُ لَهُ بِمَا لَا يَسْتَحِلُّهُ. فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ. وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا: لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ. فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَا يَلْزَمُهُ. فَيَجْتَمِعُ الضِّدَّانِ. إلَّا أَنْ يُرَادَ: وَيَلْزَمُهُ الِانْقِيَادُ لِلْحُكْمِ ظَاهِرًا، وَالْعَمَلُ بِضِدِّهِ بَاطِنًا، كَالْمَرْأَةِ الَّتِي تَعْتَقِدُ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى زَوْجِهَا، وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ. لَكِنْ فِي جَوَازِ إقْدَامِ الْحَاكِمِ عَلَى الْحُكْمِ بِذَلِكَ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إلْزَامٌ لَهُ بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ. لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. انْتَهَى فَوَائِدُ
الْأُولَى: قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: مَتَى عَلِمَ الْبَيِّنَةَ كَاذِبَةً: لَمْ يَنْفُذْ. وَإِنْ بَاعَ مَالَهُ فِي دَيْنٍ ثَبَتَ بَيِّنَةُ زُورٍ، فَفِي نُفُوذِهِ مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: هَلْ يُبَاحُ لَهُ بِالْحُكْمِ مَا اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَفِي حِلِّ مَا أَخَذَهُ وَغَيْرُهُ بِتَأْوِيلٍ، أَوْ مَعَ جَهْلِهِ: رِوَايَتَانِ. وَإِنْ رَجَعَ الْمُتَأَوِّلُ، فَاعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ: رِوَايَتَانِ. بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَ بُلُوغِ الْخِطَابِ. قَالَ: وَأَصَحُّهُمَا حِلُّهُ. كَالْحَرْبِيِّ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَأَوْلَى. وَجَعَلَ مِنْ ذَلِكَ: وَضْعُ طَاهِرٍ فِي اعْتِقَادِهِ فِي مَائِعٍ لِغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَعَامَلَ بِرِبًا جَاهِلًا: رَدَّهُ. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: وَيُحَدُّ لِزِنًا.
الثَّانِيَةُ: مَنْ حُكِمَ لَهُ بِبَيِّنَةِ زُورٍ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ: حَلَّتْ لَهُ حُكْمًا.
стр. 5285
فَإِنْ وَطِئَ مَعَ الْعِلْمِ: فَكَزِنًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا حَدَّ. وَيَصِحُّ نِكَاحُهَا لِغَيْرِهِ، خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ. وَإِنْ حُكِمَ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا بِشُهُودِ زُورٍ فَهِيَ زَوْجَتُهُ بَاطِنًا. وَيُكْرَهُ لَهُ اجْتِمَاعُهُ بِهَا ظَاهِرًا، خَوْفًا مِنْ مَكْرُوهٍ يَنَالُهُ. وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ الْحَالَ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. وَنَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: إنْ انْفَسَخَ بَاطِنًا جَازَ. وَكَذَا قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: تَحِلُّ لِلزَّوْجِ الثَّانِي. وَتَحْرُمُ عَلَى الْأَوَّلِ بِهَذَا الْحُكْمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
الثَّالِثَةُ: لَوْ رَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَةَ وَاحِدٍ بِرَمَضَانَ: لَمْ يُؤَثِّرْ كَمِلْكٍ مُطْلَقٍ، وَأَوْلَى. لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِحُكْمِهِ فِي عِبَادَةٍ وَوَقْتٍ. وَإِنَّمَا هُوَ فَتْوَى. فَلَا يُقَالُ: حُكِمَ بِكَذِبِهِ، أَوْ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ. وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّ لَهُ مَدْخَلًا، فَهُوَ مَحْكُومٌ بِهِ فِي حَقِّهِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يُغَيِّرْهُ حُكْمٌ. وَلَمْ تُؤَثِّرْ شُبْهَةٌ. لِأَنَّ الْحُكْمَ يُغَيَّرُ إذَا اعْتَقَدَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حُكْمٌ. وَهَذَا يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ، كَمُنْكِرَةِ نِكَاحِ مُدَّعٍ تَيَقُّنَهُ، فَشَهِدَ لَهُ فَاسِقَانِ، فَرُدَّا. ذَكَرَ فِي الِانْتِصَارِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: رَدُّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ هُنَا. لِتَوَقُّفِهِ فِي الْعَدَالَةِ. وَلِهَذَا لَوْ ثَبَتَ حُكْمٌ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: أُمُورُ الدِّينِ وَالْعِبَادَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحْكُمُ فِيهَا إلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إجْمَاعًا. وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ أَنَّ إثْبَاتَ سَبَبِ الْحُكْمِ كَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالزَّوَالُ: لَيْسَ بِحُكْمٍ. فَمَنْ لَمْ يَرَهُ سَبَبًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
стр. 5286
وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀، وَغَيْرُهُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ: أَنَّهُ حُكْمٌ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ الْوَاحِدُ بِرُؤْيَةٍ كَالْبَعْضِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ: لَا يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لِيُنْفِذَهُ: لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَزِمَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَزِمَهُ ذَلِكَ. قُلْت: مَعَ عَدَمِ نَصِّ مُعَارَضَةٍ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ تَنْفِيذُهُ إنْ لَمْ يَرَهُ. وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، كَحُكْمِهِ بِعِلْمِهِ، وَنُكُولِهِ، وَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: فَإِنْ كَانَ الْمُخْتَلِفُ فِيهِ نَفْسُ الْحُكْمِ: لَمْ يَلْزَمْهُ تَنْفِيذُهُ، إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ آخَرُ قَبْلَهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: الْحُكْمُ بِالنُّكُولِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ هُوَ الْمَذْهَبُ. فَكَيْفَ لَا يَلْزَمُهُ تَنْفِيذُهُ عَلَى قَوْلِ الْمُحَرَّرِ؟ إذْ لَوْ كَانَ أَصْلُ الدَّعْوَى عِنْدَهُ: لَزِمَهُ الْحُكْمُ بِهَا. وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ وَهُوَ عَدَمُ لُزُومِ التَّنْفِيذِ لِحُكْمٍ مُخْتَلِفٍ فِيهِ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ الَّذِي رَفَعَ إلَيْهِ الْحُكْمَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَا يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ كَالْحُكْمِ بِعِلْمِهِ.
стр. 5287
لِأَنَّ التَّنْفِيذَ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمُنَفَّذِ. إذَا كَانَ لَا يَرَى صِحَّتَهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ. انْتَهَى وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: إذَا صَادَفَ حُكْمَهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ لَمْ يَعْلَمْهُ وَلَمْ يَحْكُمْ فِيهِ: جَازَ نَقْضُهُ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ شَارِحُ الْمُحَرَّرِ هُنَا: نَفْسُ الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِصِحَّةِ الْحُكْمِ فِيهِ، لَكِنْ لَوْ نَفَذَهُ حَاكِمٌ آخَرُ: لَزِمَهُ إنْفَاذُهُ. لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ صَارَ مَحْكُومًا بِهِ، فَلَزِمَ تَنْفِيذُهُ كَغَيْرِهِ. قَالَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ قُنْدُسٍ الْبَعْلِيُّ ﵀: قَدْ فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ: أَنَّ التَّنْفِيذَ حُكْمٌ. لِأَنَّهُ قَالَ " لَوْ نَفَّذَهُ حَاكِمٌ آخَرُ لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ صَارَ مَحْكُومًا بِهِ. وَإِنَّمَا صَارَ مَحْكُومًا بِهِ بِالتَّنْفِيذِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا نَفَّذَهُ " فَجَعَلَ التَّنْفِيذَ حُكْمًا. وَكَذَلِكَ فَسَّرَ التَّنْفِيذَ بِالْحُكْمِ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ الْكَبِيرِ. فَإِنَّهُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَهَلْ يُنَفِّذُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
إحْدَاهُمَا: يُنَفِّذُهُ. وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ لَمْ يَعْلَمْهُ. فَلَمْ يَجُزْ إنْفَاذُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَحْكُمُ بِهِ. فَفَسَّرَ رِوَايَةَ التَّنْفِيذِ بِالْحُكْمِ. لَكِنْ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ: مَا إذَا ادَّعَى أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ، فَذَكَرَ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ: أَمْضَاهُ. وَأَلْزَمَ خَصْمَهُ بِمَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ هَذَا حُكْمًا بِالْعِلْمِ وَإِنَّمَا هُوَ إمْضَاءٌ لِحُكْمِهِ السَّابِقِ. فَصَرَّحَ: أَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا، مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ التَّنْفِيذِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي فَسَّرَهَا بِالْحُكْمِ: إنَّمَا هِيَ إمْضَاءٌ لِحُكْمِهِ الَّذِي وَجَدَهُ فِي قِمْطَرِهِ فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
стр. 5288
وَقَدْ ذَكَرُوا فِي السِّجِلِّ: أَنَّهُ لِإِنْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَالْحُكْمِ بِهِ. وَإِنَّمَا يُكْتَبُ. " وَأَنَّ الْقَاضِيَ أَمْضَاهُ وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي مِثْلِهِ. وَنَفَّذَهُ، وَأَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ عَلَى إنْفَاذِهِ وَحُكْمِهِ وَإِمْضَائِهِ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الشُّهُودِ ". فَذَكَرُوا الْإِنْفَاذَ وَالْحُكْمَ وَالْإِمْضَاءَ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ يُكْتَبُ عَلَى كُلِّ نُسْخَةٍ مِنْ النُّسْخَتَيْنِ: أَنَّهَا حُجَّةٌ فِيمَا أَنْفَذَهُ فِيهَا. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِنْفَاذَ حُكْمٌ. لِأَنَّهُمْ اكْتَفَوْا بِهِ عَنْ الْحُكْمِ وَالْإِمْضَاءِ، وَالْمُرَادُ: الْكُلُّ. انْتَهَى كَلَامُ شَيْخِنَا. وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْأَصْحَابُ لِلتَّنْفِيذِ: هَلْ هُوَ حُكْمٌ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ. لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمَحْكُومِ بِهِ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ. وَهُوَ مُحَالٌ. وَإِنَّمَا هُوَ عَمَلٌ بِالْحُكْمِ وَإِمْضَاءٌ لَهُ. كَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ، وَإِجَازَةٌ لَهُ. فَكَأَنَّهُ يُجِيزُ هَذَا الْمَحْكُومَ بِهِ بِعَيْنِهِ لِحُرْمَةِ الْحُكْمِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَحْكُومُ بِهِ مِنْ جِنْسٍ غَيْرِ جَائِزٍ عِنْدَهُ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لِأَنَّ التَّنْفِيذَ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمُنَفَّذِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ " هَلْ الثُّبُوتُ حُكْمٌ أَمْ لَا؟ "
السَّادِسَةُ: لَوْ رَفَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ عَقْدًا فَاسِدًا عِنْدَهُ فَقَطْ، وَأَقَرَّا بِأَنَّ نَافِذَ الْحُكْمِ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ: فَلَهُ إلْزَامُهُمَا ذَلِكَ وَرَدُّهُ، وَالْحُكْمُ بِمَذْهَبِهِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: قَدْ يُقَالُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ كَالْبَيِّنَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ: أَنَّهُ كَالْبَيِّنَةِ إنْ عَيَّنَا الْحَاكِمَ.
стр. 5289
السَّابِعَةُ: لَوْ قَلَّدَ فِي صِحَّةِ نِكَاحٍ: لَمْ يُفَارِقْ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، كَحُكْمٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: بَلَى، كَمُجْتَهِدٍ نَكَحَ ثُمَّ رَأَى بُطْلَانَهُ. فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ. وَقِيلَ: مَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ. وَلَا يَلْزَمُهُ إعْلَامُهُ بِتَغَيُّرِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
الثَّامِنَةُ: لَوْ بَانَ خَطَؤُهُ فِي إتْلَافٍ بِمُخَالَفَةِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ: ضَمِنَ، لَا مُسْتَفْتِيه. وَفِي تَضْمِينِ مُفْتٍ لَيْسَ أَهْلًا: وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي كِتَابِهِ " أَدَبِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي " أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي " إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ: وَلَمْ أَعْرِفْ هَذَا الْقَوْلَ لِأَحَدٍ قَبْلَ ابْنِ حَمْدَانَ. ثُمَّ قَالَ: قُلْت خَطَأُ الْمُفْتِي خَطَأُ الْحَاكِمِ أَوْ الشَّاهِدِ.
التَّاسِعَةُ: لَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ كُفْرُ الشُّهُودِ، أَوْ فِسْقُهُمْ: لَزِمَهُ نَقْضُهُ. وَيَرْجِعُ بِالْمَالِ، أَوْ بَدَلَهُ، وَبَدَلَ قَوَدٍ مُسْتَوْفِي عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ لِلَّهِ بِإِتْلَافٍ حِسِّيٍّ، أَوْ بِمَا سَرَى إلَيْهِ: ضَمِنَهُ مُزَكُّونَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ: يَضْمَنُهُ الْحَاكِمُ. لِعَدَمِ مُزَكٍّ وَفِسْقِهِ. وَقِيلَ: يَضْمَنُ أَيَّهمَا شَاءَ. وَإِقْرَارٌ عَلَى مُزَكٍّ. وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يَضْمَنُهُ الشُّهُودُ. وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نَقْضُ حُكْمِهِ بِفِسْقِهِمَا إلَّا بِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمٌ يَعْلَمُهُ فِي عَدَالَتِهِمَا، أَوْ بِظَاهِرِ عَدَالَةِ الْإِسْلَامِ.
стр. 5290
وَيُمْنَعُ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَإِنْ جَازَ فِي الثَّانِيَةِ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ فَإِنْ وَافَقَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ عَلَى مَا ذُكِرَ: رَدَّ مَالًا أَخَذَهُ وَنَقَضَ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ دُونَ الْحَاكِمِ. وَإِنْ خَالَفَهُ فِيهِ: غَرِمَ الْحَاكِمُ. وَأَجَابَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا بَانَ لَهُ فِسْقُهُمَا وَقْتَ الشَّهَادَةِ، وَأَنَّهُمَا كَانَا كَاذِبَيْنِ: نُقِضَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَنْفِيذُهُ. وَأَجَابَ أَبُو الْوَفَاءِ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ. وَعَنْهُ: لَا يُنْقَضُ لِفِسْقِهِمْ. وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ الْأَظْهَرُ. فَلَا ضَمَانَ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: يَضْمَنُ الشُّهُودُ. انْتَهَى. وَإِنْ بَانُوا عَبِيدًا، أَوْ وَالِدًا، أَوْ وَلَدًا، أَوْ عَدُوًّا. فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ: لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ. وَإِنْ كَانَ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِهِ: نَقَضَهُ وَلَا يَنْفُذُ. لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ: إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ، ثُمَّ ارْتَابَ فِي شَهَادَتِهِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي حُكْمِهِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: تَحَرَّرَ فِيمَا إذَا كَانَ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: لُزُومُ النَّقْضِ، وَجَوَازُهُ، وَعَدَمُ جَوَازِ نَقْضِهِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى مَا فِي الْإِرْشَادِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: مَنْ حَكَمَ بِقَوَدٍ، أَوْ حَدٍّ بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ بَانُوا عَبِيدًا: فَلَهُ نَقْضُهُ إذَا كَانَ لَا يَرَى قَبُولَهُمْ فِيهِ. قَالَ: وَكَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ صَادِقٌ، مَا حَكَمَ فِيهِ وَجَهْلُهُ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْإِرْشَادِ: أَنَّهُ إذَا حَكَمَ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ بِمَا لَا يَرَاهُ مَعَ عِلْمِهِ: لَا يُنْقَضُ.
следующие страницы →