Полный текст (5 685 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الْعُقُودِ: وَقْتُ النِّيَّةِ إذَا أَخَّرَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى قَدْرُ مَا يَنْوِيهَا فِيهِ. لِأَنَّهُ بِهِ يَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا أَدَاءً.
قَوْلُهُ (وَاسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا) . لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَوْلُهُ (وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ) . مُرَادُهُ غَيْرُ التَّرْتِيبِ. فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ بَيْنَهُمَا مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَعَلَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَنِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي: أَصْلًا لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِ سُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِالنِّسْيَانِ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ. قَالَ فِي النُّكَتِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ. وَقِيلَ: يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِالنِّسْيَانِ. لِأَنَّ إحْدَاهُمَا هُنَا تَبَعٌ لِاسْتِقْرَارِهِمَا. كَالْفَوَائِتِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ: التَّرْتِيبُ مُعْتَبَرٌ هُنَا، لَكِنْ بِشَرْطِ الذِّكْرِ، كَتَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ. وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ مِنْهَا تَخْرِيجًا بِالسُّقُوطِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: وَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ أَيْضًا بِضِيقِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، كَفَائِتَةٍ مَعَ مُؤَدَّاةٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ لَهَا أَدَاءً، قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
تَنْبِيهٌ: أَخْرَجَ بِقَوْلِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ) الْمُوَالَاةُ. فَلَا تُشْتَرَطُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: تُشْتَرَطُ. فَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَمْدًا، وَتَكُونُ الْأُولَى قَضَاءً. وَلَا يَقْصُرُهَا الْمُسَافِرُ. وَقَدَّمَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِهِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ: فَصَحِيحَةٌ بِكُلِّ حَالٍ. كَمَا لَوْ صَلَّى الْأُولَى فِي وَقْتِهَا مَعَ نِيَّةِ الْجَمْعِ، ثُمَّ تَرَكَهُ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ بَيْنَهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ مَنْعُهُ.
فَائِدَةٌ: لَا يُشْتَرَطُ اتِّخَاذُ الْإِمَامِ وَلَا الْمَأْمُومِ فِي صِحَّةِ الْجَمْعِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ
стр. 842
الْمَذْهَبِ، فَلَوْ صَلَّى الْأُولَى وَحْدَهُ، ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، أَوْ تَعَدَّدَ الْإِمَامُ بِأَنْ صَلَّى بِهِمْ الْأُولَى، وَصَلَّى الثَّانِيَةَ إمَامٌ آخَرُ أَوْ تَعَدَّدَ الْمَأْمُومُ فِي الْجَمْعِ، بِأَنْ صَلَّى مَعَهُ مَأْمُومٌ فِي الْأُولَى. وَصَلَّى فِي الْأُخْرَى مَأْمُومٌ آخَرُ. أَوْ نَوَى الْجَمْعَ الْمَعْذُورَ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ. كَمَنْ نَوَى الْجَمْعَ خَلَفَ مَنْ لَا يَجْمَعُ أَوْ بِمَنْ لَا يَجْمَعُ: صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: صَحَّ فِي الْأَشْهَرِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إذَا صَلَّى إحْدَى صَلَاتَيْ الْجَمْعِ فِي بَيْتِهِ، وَالْأُخْرَى مَعَ الْإِمَامِ فَلَا بَأْسَ (وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ عَدَمَ اتِّخَاذِهِ الْإِمَامَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُعْتَبَرُ اتِّخَاذُهُ الْمَأْمُومَ) قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُعْتَبَرُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ اتِّخَاذُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَيْضًا. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
[فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ]
قَوْلُهُ (فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةُ الْخَوْفِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، أَوْ سِتَّةٍ. كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ فَعَلَهُ) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٍ " قَالَ الزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. (فَمِنْ ذَلِكَ: إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ) ، (صَفَّ الْإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ خَلَفَهُ صَفَّيْنِ) . يَعْنِي فَأَكْثَرَ. فَهَذِهِ صِفَةُ مَا صَلَّى عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي عُسْفَانَ. (فَيُصَلِّي بِهِمْ جَمِيعًا إلَى أَنْ يَسْجُدَ، فَيَسْجُدُ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَيَحْرُسُ الْآخَرُ حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ إلَى الثَّانِيَةِ، فَيَسْجُدُ وَيَلْحَقُهُ) . الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّ الصَّفَّ الْمُؤَخَّرَ هُوَ الَّذِي يَحْرُسُ أَوَّلًا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّف. قَالَ فِي النُّكَتِ: هُوَ الصَّوَابُ. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
стр. 843
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْوَجِيزِ، وَالنَّظْمِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالتَّسْهِيلِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: يَحْرُسُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ أَوَّلًا. لِأَنَّهُ أَحْوَطُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ. وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا: وَإِنْ صَفَّ فِي نَوْبَةِ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ.
فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَكُونُ كُلُّ صَفٍّ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ. وَقِيلَ: أَوْ أَقَلَّ. وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ كَانَ أَوْلَى، لِلتَّسْوِيَةِ فِي فَضِيلَةِ الْمَوْقِفِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ: يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ أَفْضَلِيَّةٍ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ حَرَسَ بَعْضُ الصَّفِّ، أَوْ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ صَفًّا وَاحِدًا جَازَ.
الرَّابِعَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْرُسَ صَفٌّ وَاحِدٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ.
الْخَامِسَةُ: يُشْتَرَطُ فِي صَلَاةِ هَذِهِ الصِّفَةِ: أَنْ لَا يَخَافُوا كَمِينًا، وَأَنْ يَكُونَ قِتَالُهُمْ مُبَاحًا، سَوَاءٌ كَانَ حَضَرَا أَوْ سَفَرًا، وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ الْكُفَّارَ لِخَوْفِ هُجُومِهِمْ
قَوْلُهُ (الْوَجْهُ الثَّانِي: إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ) : (جَعَلَ طَائِفَةً حِذَاءَ الْعَدُوِّ) .
стр. 844
بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الطَّائِفَةِ: أَنْ تَكْفِيَ الْعَدُوَّ. زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: بِحَيْثُ يَحْرُمُ فِرَارُهَا، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّائِفَةِ عَدَدٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْخِرَقِيُّ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْعُقُودِ لِابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُحَرَّرِ وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالنَّظْمِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمْ. لِإِطْلَاقِهِمْ الطَّائِفَةَ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا الْقِيَاسُ. وَصَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُشْتَرَطَ عَدَدٌ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ كَوْنُ كُلِّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. وَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحُدُودِ مِقْدَارُ الطَّائِفَةِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ فَرَّطَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ أَوْ فِيمَا فِيهِ حَظٌّ لِلْمُسْلِمِينَ: أَثِمَ، وَيَكُونُ قَدْ أَتَى صَغِيرَةً. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ [تَبَعًا لِصَاحِبِ الْفُصُولِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي الصَّلَاةِ إنْ قَارَنَهَا عَلَى الْأَشْبَهِ، قَالَ فِي الْفُصُولِ وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ] . وَقِيلَ: يَفْسُقُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنْهُ. كَالْمُودَعِ وَالْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ إذَا فَرَّطَ فِي الْأَمَانَةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ: وَتَكُونُ الصَّلَاةُ مَعَهُ مَبْنِيَّةً عَلَى إمَامَةِ الْفَاسِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. قُلْت: إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَسَقَ قَطْعًا، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِي الْمُودَعِ وَالْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ إذَا فَرَّطَ: هَذَا الْخِلَافُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ.
стр. 845
قَوْلُهُ (فَإِذَا قَامُوا إلَى الثَّانِيَةِ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى، وَسَلَّمَتْ وَمَضَتْ إلَى الْعَدُوِّ) . الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تُتِمُّهَا لِنَفْسِهَا: تَقْرَأُ فِيهَا بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ. وَتَنْوِي الْمُفَارَقَةَ؛ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمُتَابَعَةَ وَلَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَيَلْزَمُهَا أَيْضًا أَنْ تَسْجُدَ لِسَهْوِ إمَامِهَا الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ عِنْدَ فَرَاغِهَا. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ مُنْفَرِدَةٌ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقِيلَ ابْنُ حَامِدٍ: هِيَ مَنْوِيَّةٌ. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ مَنْوِيَّةٌ فِي كُلِّ صَلَاتِهِ فَيَسْجُدُونَ لِسَهْوِهِ فِيمَا أَدْرَكُوهُ وَفِيمَا فَاتَهُمْ كَالْمَسْبُوقِ. وَلَا يَسْجُدُونَ لِسَهْوِهِمْ، وَمَنَعَ أَبُو الْمَعَالِي انْفِرَادَهُ. فَإِنَّ مَنْ فَارَقَ إمَامَهُ فَأَدْرَكَهُ مَأْمُومٌ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ إمَامَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " ثَبَتَ قَائِمًا " يَعْنِي يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ حَتَّى تَحْضُرُ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى. قَوْلُهُ (وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ) . فَيَقْرَأُ الْإِمَامُ إذَا جَاءُوا الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، إنْ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ، وَإِنْ كَانَ قَرَأَ قَرَأَ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ. وَلَا يُؤَخِّرُ الْقِرَاءَةَ إلَى مَجِيئِهَا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ السُّكُوتُ، وَلَا التَّسْبِيحُ، وَلَا الدُّعَاءُ، وَلَا الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ. لَمْ يَبْقَ إلَّا الْقِرَاءَةُ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ طَوِيلَةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ " لَا يَجُوزُ " أَيْ يُكْرَهُ.
فَائِدَةٌ: يَكْفِي إدْرَاكُهَا لِرُكُوعِهَا. وَيَكُونُ تَرْكُ الْإِمَامِ الْمُسْتَحَبَّ، وَفِي الْفُصُولِ: فَعَلَ مَكْرُوهًا.
قَوْلُهُ (فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ أَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى، وَتَشَهَّدَتْ وَسَلَّمَ بِهِمْ) . هَذَا الْمَذْهَبُ أَعْنِي أَنَّهَا تُتِمُّ صَلَاتَهَا إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ، يَنْتَظِرُهُمْ حَتَّى
стр. 846
يُسَلِّمَ بِهِمْ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُحَرَّرُ، وَالْوَجِيزُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَهُمْ. وَجَزَمَ بِهِ النَّاظِمُ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَوْ أَتَمَّتْ بَعْدَ سَلَامِهِ جَازَ. وَقِيلَ: تَقْضِي الطَّائِفَةُ بَعْدَ سَلَامِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: تَسْجُدُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مَعَهُ لِسَهْوِهِ، وَلَا تُعِيدُهُ؛ لِأَنَّهَا تَنْفَرِدُ عَنْهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَجَعَلَهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ كَمَسْبُوقٍ. وَقِيلَ: إنْ سَهَا فِي حَالِ انْتِظَارِهَا، أَوْ سَهَتْ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ. فَهَلْ يَثْبُتُ حُكْمُ الْقُدْوَةِ؟ وَإِذَا لَحِقُوهُ فِي التَّشَهُّدِ هَلْ يُعْتَبَرُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَأْخُوذٌ مِمَّنْ زُحِمَ عَنْ سُجُودٍ إذَا سَهَا فِيمَا يَأْتِي بِهِ، أَوْ سَهَا إمَامُهُ قَبْلَ لُحُوقِهِ، أَوْ سَهَا الْمُنْفَرِدُ، ثُمَّ دَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ. وَفِيهِ وَجْهَانِ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. وَأَوْجَبَ أَبُو الْخَطَّابِ سُجُودَ السَّهْوِ عَلَى الْمَزْحُومِ؛ لِانْفِرَادِهِ بِفِعْلِهِ وَقِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الْبَاقِي كَذَلِكَ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَانْفِرَادُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ انْفِرَادَ الْمَأْمُومِ بِمَا لَا يَقْطَعُ قُدْوَتَهُ، مَتَى سَهَا فِيهِ، أَوْ بِهِ حَمَلَهُ عَنْهُ الْإِمَامُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ، لِبَقَاءِ حُكْمِ الْقُدْوَةِ.
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى: فَهِيَ فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ. إنْ سَهَا لَزِمَهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِ، وَسَجَدُوا لَهُ، وَإِنْ سَهَوْا لَمْ يَلْحَقْهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِمْ. وَإِذَا فَارَقُوهُ صَارُوا مُنْفَرِدِينَ لَا يَلْحَقُهُمْ سَهْوُهُ. وَإِنْ سَهَوْا سَجَدُوا، قَالَهُ فِي الْكَافِي. وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ السَّهْوِ: أَنَّ الْمَسْبُوقَ لَوْ سَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَسْجُدُ.
الثَّانِيَةُ: هَذِهِ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى قَطَعَ بِهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَدَّمُوهَا عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ الْآتِي بَعْدُ. وَفَضَّلُوهَا عَلَيْهِ. وَفَعَلَهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ.
стр. 847
الثَّالِثَةُ: هَذِهِ الصِّفَةُ تُفْعَلُ وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ: مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الصَّلَاةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ: كَوْنُ الْعَدُوِّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. قَالَ الْمَجْدُ: نَصُّ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ صَلَاةَ عُسْفَانَ. لِاسْتِئْثَارِ الْعَدُوِّ، وَقَوْلُ الْقَاضِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ صَلَاةَ عُسْفَانَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً) . بِلَا نِزَاعٍ. وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ عَكْسُ الصِّفَةِ الْأُولَى صَحَّتْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي الْفُرُوعِ تَخْرِيجٌ بِفَسَادِهَا مِنْ بُطْلَانِهَا إذَا فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) بِلَا نِزَاعٍ. وَلَوْ صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، وَبِالْأُخْرَى ثَلَاثًا. صَحَّ وَلَمْ يُخَرِّجْ فِيهَا فِي الْفُرُوعِ. وَخَرَّجَ ابْنُ تَمِيمٍ الْبُطْلَانَ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الرِّعَايَةِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ تُفَارِقُهُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالشَّرْحِ، أَحَدُهُمَا: تُفَارِقُهُ عِنْدَ فَرَاغِ التَّشَهُّدِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْخُلَاصَةِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُفَارِقُهُ فِي الثَّالِثَةِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ
стр. 848
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَنْتَظِرُ الْإِمَامُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ جَالِسًا، يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ. فَإِذَا أَتَتْ. قَامَ زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: تُحْرِمُ مَعَهُ ثُمَّ يَنْهَضُ بِهِمْ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: يَكُونُ الِانْتِظَارُ فِي الثَّالِثَةِ، فَيَقْرَأُ سُورَةً مَعَ الْفَاتِحَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا. وَفِيهَا احْتِمَالٌ لِابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: يُكَرِّرُ الْفَاتِحَةَ.
فَائِدَةٌ: لَا تَتَشَهَّدُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ ثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلُّ تَشَهُّدِهَا. وَقِيلَ: تَتَشَهَّدُ مَعَهُ، إنْ قُلْنَا تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، لِئَلَّا تُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ. قُلْت: فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ قُلْنَا: تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ يُعَايَى بِهَا، لَكِنْ يَظْهَرُ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُقَالَ: لَا تَتَشَهَّدُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَإِذَا قَضَتْ تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ. وَيُتَصَوَّرُ فِي الْمَغْرِبِ أَيْضًا سِتُّ تَشَهُّدَاتٍ بِأَنْ يُدْرِكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فَيَتَشَهَّدَ مَعَهُ. وَيَكُونُ عَلَى الْإِمَامِ سُجُودُ سَهْوٍ مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ. فَيَتَشَهَّدُ مَعَهُ ثَلَاثُ تَشَهُّدَاتٍ. ثُمَّ يَقْضِي فَيَتَشَهَّدُ عَقِيبَ رَكْعَةٍ، وَفِي آخِرِ صَلَاتِهِ. وَلِسَهْوٍ لِمَا يَجِبُ سُجُودُهُ بَعْدَ السَّلَامِ، بِأَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، فَيُعَايَى بِهَا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيْنِ) . لِمُفَارَقَتِهِمَا قَبْلَ الِانْتِظَارِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْمُبْطِلُ. ذَكَرَ هَذَا التَّعْلِيلَ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: سَوَاءٌ احْتَاجَ إلَى هَذَا التَّفْرِيقِ أَوْ لَا. قَوْلُهُ (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَالْأُخْرَيَيْنِ إنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي عَلَى أَصْلِنَا إنْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ لِحَاجَةٍ صَحَّتْ صَلَاةُ الْكُلِّ كَحَاجَتِهِمْ
стр. 849
إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَالْجَيْشُ أَرْبَعُمِائَةٍ. لِجَوَازِ الِانْفِرَادِ لِعُذْرٍ. وَالِانْتِظَارُ إنَّمَا هُوَ تَطْوِيلُ قِيَامٍ وَقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ. وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَى، لِجَوَازِ مُفَارَقَتِهَا. بِدَلِيلِ جَوَازِ صَلَاتِهِ بِالثَّانِيَةِ الرَّكَعَاتِ الثَّلَاثَ. وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالثَّانِيَةُ لِانْفِرَادِهَا بِلَا عُذْرٍ. وَهُوَ مُبْطِلٌ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، لِدُخُولِهِمَا فِي صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَحْسَنُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْكُلِّ بِنِيَّةِ صَلَاةٍ مُحَرَّمٍ ابْتِدَاؤُهَا. وَقِيلَ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَقَطْ. وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، لِانْصِرَافِهِمَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْأُخْرَيَيْنِ. إنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ " أَنَّهُمَا إذَا جَهِلَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ بِشَرْطِ أَنْ يَجْهَلَ الْإِمَامُ أَيْضًا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ جَهْلُ الْإِمَامِ أَيْضًا. وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ، وَلَوْ لَمْ يَجْهَلْ الْإِمَامُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَلِهَذَا قِيلَ: لَا تَصِحُّ كَحَدَثِهِ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ وَلَوْ جَهِلُوا، لِلْعِلْمِ بِالْمُفْسِدِ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ أَقْيَسُ عَلَى أَصْلِنَا. وَالْجَهْلُ بِالْحُكْمِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَالْحَدَثِ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت: وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْجَمْعِ إذَا لَمْ يَكُنْ التَّفْرِيقُ لِحَاجَةٍ، وَلَمْ يَعْذُرْ الْمَأْمُومِينَ لِجَهْلِهِمْ، لَمْ يَبْعُدْ.
قَوْلُهُ (الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِيَ إلَى الْعَدُوِّ، وَتَأْتِيَ الْأُخْرَى، فَيُصَلِّيَ بِهَا رَكْعَةً، وَيُسَلِّمَ وَحْدَهُ. وَتَمْضِيَ هِيَ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُولَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ إذَا أَتَمَّتْهَا الطَّائِفَةُ الْأُولَى تَلْزَمُهَا الْقِرَاءَةُ فِيمَا تَقْضِيهِ
стр. 850
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ: لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهَا، بَلْ إنْ شَاءَتْ قَرَأَتْ وَإِنْ شَاءَتْ لَمْ تَقْرَأْ. لِأَنَّهَا مُؤْتَمَّةٌ بِالْإِمَامِ حُكْمًا. انْتَهَى. وَلَوْ زَحَمَ الْمَأْمُومُ أَوْ نَامَ حَتَّى سَلَّمَ إمَامُهُ قَرَأَ فِيمَا يَقْضِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: لَا يَحْتَاجُ إلَى قِرَاءَةٍ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا عَلَى قَوْلٍ فِيهِمَا. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى: فَتَلْزَمُهَا الْقِرَاءَةُ فِيمَا تَقْضِيهِ وَجْهًا وَاحِدًا.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: هَذِهِ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ: وَرَدَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمْ، وَلَيْسَتْ مُخْتَارَةً عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ، بَلْ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ: الْوَجْهُ الثَّانِي، كَمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَضَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى رَكْعَتَهَا حِينَ تُفَارِقُ الْإِمَامَ وَسَلَّمَتْ، ثُمَّ مَضَتْ، وَأَتَتْ الْأُولَى فَأَتَمَّتْ كَخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ صَحَّ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ أَوْلَى عِنْدَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَحْسَنُ.
قَوْلُهُ (الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً وَيُسَلِّمَ بِهَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ مَنَعْنَا اقْتِدَاءَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ وَقَالَ: هُوَ أَصَحُّ وَغَيْرِهِمْ. وَبَنَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ فَعَلَهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ.
قَوْلُهُ (الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً. وَتُصَلِّيَ
стр. 851
مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ. وَلَا يَقْضِيَ شَيْئًا. فَتَكُونُ لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الصَّلَاةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ صَحِيحَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا تَصِحُّ، لِاحْتِمَالِ سَلَامِهِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. فَتَكُونُ الصِّفَةُ الَّتِي قَبْلَهَا. قَالَ: وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَةِ مَعَ الشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ. وَنَصَرَاهُ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ فَعَلَهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ. قُلْت: فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُعَايَى بِهَا.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ قَصَرَ الصَّلَاةَ الْجَائِزَ قَصْرُهَا، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا قَضَاءٍ صَحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ. وَقَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَنَعَ الْأَكْثَرُ صِحَّةَ هَذِهِ الصِّفَةِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَمَالَ إلَيْهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ، قَالَ الْقَاضِي: الْخَوْفُ لَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الرَّكَعَاتِ. قَالَ فِي الْكَافِي: كَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوُجُوهِ الْجَائِزَةِ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا: لَا تَأْثِيرَ لِلْخَوْفِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ. وَحَمَلُوا هَذِهِ الصِّفَةَ عَلَى شِدَّةِ الْخَوْفِ. انْتَهَى.
وَهَذَا: هُوَ الْوَجْهُ السَّادِسُ. قَالَ الشَّارِحُ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا: (الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً وَلَا يَقْضِيَ شَيْئًا) وَكَذَا قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: الْوَجْهُ السَّادِسُ:
стр. 852
إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ صَلَّاهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِذِي قِرْدٍ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْأَثْرَمُ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ.
الثَّانِيَةُ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِي الْخَوْفِ. فَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً بَعْدَ حُضُورِهَا الْخُطْبَةَ فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا: حُضُورُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى لَهَا. وَقِيلَ: أَوْ الثَّانِيَةِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ. وَإِنْ أَحْرَمَ بِاَلَّتِي لَمْ تَحْضُرْهَا، لَمْ تَصِحَّ حَتَّى يَخْطُبَ لَهَا. وَيُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ أَرْبَعِينَ، بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِهِ فِي الْجُمُعَةِ، وَتَقْضِي كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا جَهْرٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ تَبْطُلَ إنْ بَقِيَ مُنْفَرِدًا بَعْدَ ذَهَابِ الطَّائِفَةِ، كَمَا لَوْ نَقَصَ الْعَدَدُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ هُنَا لِلْعُذْرِ. لِأَنَّهُ مُتَرَقِّبٌ لِلطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَإِنْ صَلَّاهَا كَخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ جَازَ. وَأَمَّا صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ: فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ: تُصَلَّى ضَرُورَةً كَالْمَكْتُوبَةِ. وَكَذَا الْكُسُوفُ وَالْعِيدُ. إلَّا أَنَّهُ آكَدُ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ.
قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ السِّلَاحِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُثْقِلُهُ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ. وَهُوَ وَجْهٌ اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْفَائِقِ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَحَكَاهُ أَبُو حَكِيمٍ النَّهْرَوَانِيُّ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: أَمَّا عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ فِيمَا إذَا حَرَسَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَهِيَ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِوُجُوبِ الدَّفْعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ النَّفْسِ، فَكَذَلِكَ. وَإِلَّا كَانَ مُسْتَحَبًّا. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: هَلْ يُسْتَحَبُّ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: لَا بَأْسَ. وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَ عَدَمِ أَذَى مَطَرٍ أَوْ مَرَضٍ. وَلَوْ كَانَ السِّلَاحُ مُذَهَّبًا. وَلَا يُشْتَرَطُ حَمْلُهُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ تَخْرِيجٌ وَاحْتِمَالٌ.
стр. 853
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَلَا يُثْقِلُهُ " أَنَّهُ إذَا أَثْقَلَهُ لَا يُسْتَحَبُّ حَمْلُهُ فِي الصَّلَاةِ كَالْجَوْشَنِ وَهُوَ صَحِيحٌ، بَلْ يُكْرَهُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. الثَّانِي: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا لَا يُثْقِلُهُ، وَلَكِنْ يَمْنَعُهُ مِنْ إكْمَالِ الصَّلَاةِ كَالْمِغْفَرِ، أَوْ يُؤْذِي غَيْرَهُ كَالرُّمْحِ إذَا كَانَ مُتَوَسِّطًا. فَإِنْ حَمَلَ ذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ يُكْرَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ. وَقَدْ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْأَرْكَانِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَمُرَادُهُ: اسْتِيفَاؤُهَا عَلَى الْكَمَالِ. وَقَالَ فِي الْفُصُولِ، فِي مَكَان آخَرَ: إلَّا فِي حَرْبٍ مُبَاحٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي مَكَان آخَرَ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ حَمْلُ النَّجَسِ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِلْحَاجَةِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ نَجَسٍ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَنْ يَخَافُ وُقُوعَ الْحِجَارَةِ وَالسِّهَامِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُسَنُّ حَمْلُ كَذَا. وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَ عَدَمِ أَذًى، وَإِنْ كَانَ لِلسِّلَاحِ مَذْهَبًا. وَقِيلَ: أَوْ نَجَسًا، مِنْ عَظْمٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ عَصَبٍ، وَرِيشٍ، وَشَهْمٍ. وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ فِي الصَّلَاةِ سِلَاحًا فِيهِ نَجَاسَةٌ. فَلَعَلَّهُ أَرَادَ: مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَقْوَالِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّعَايَةِ: أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا وَحَيْثُ حَمَلَ ذَلِكَ وَصَلَّى، فَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. ذَكَرَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَهُمَا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مِنْ عِنْدِهِ يَحْتَمِلُ الْإِعَادَةَ وَعَدَمَهَا وَجْهَيْنِ. قُلْت: يُعْطَى لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ نَظَائِرِهَا، مِثْلُ مَا لَوْ تَيَمَّمَ خَوْفًا مِنْ الْبَرْدِ. وَصَلَّى، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
стр. 854
الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: حَمْلُ السِّلَاحِ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ فِي الصَّلَاةِ مَحْظُورٌ. وَقَالَهُ الْقَاضِي. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: مِنْ رَفْعِ الْجُنَاحِ عَنْهُمْ رَفْعُ الْكَرَاهَةِ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الْعُذْرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: وَلَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْعُذْرِ، وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلُّوا رِجَالًا وَرُكْبَانًا، إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا يُومِئُونَ إيمَاءً عَلَى الطَّاقَةِ) فَأَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ ﵀: أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُؤَخَّرُ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَهُ التَّأْخِيرُ إذَا احْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَفِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا لِقِتَالٍ رِوَايَتَانِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ جَوَازِ تَأْخِيرِهَا حَالَ الْحَرْبِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَالصَّحِيحُ الرُّجُوعُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: فَالْحُكْمُ فِي صَلَاةٍ تُجْمَعُ مَعَ مَا بَعْدَهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَوْلَى الْمَجْمُوعَتَيْنِ، فَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهَا. وَالْخَوْفُ يُبِيحُ الْجَمْعَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. إحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُمْ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْأَظْهَرِ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَالصَّحِيحُ لَا يَجِبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
стр. 855
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَفِي الْوَجِيزِ.
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ مُتَوَجِّهًا إلَيْهَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً بِاللُّزُومِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَهُوَ بَعِيدٌ. وَكَيْفَ يَلْزَمُ شَيْءٌ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ؟ وَقَدَّمَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي الرِّعَايَةِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِي وُجُوبِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ رِوَايَتَانِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ مَعَ الْعَجْزِ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الشَّافِي: يَجِبُ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَمَعَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ رِوَايَتَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ ذَلِكَ. انْتَهَى. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ تَنْعَقِدُ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهَادِي. وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: قَالَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: تَنْعَقِدُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَنْصُوصِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا احْتَجُّوا بِهِ. انْتَهَى.
وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْمُصَنِّفُ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ. وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ وَلَا تَجِبُ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ مِنْ قَوْلِهِمْ " وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً " فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُعْفَى عَنْ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ وَعَنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ، بِشَرْطِ إمْكَانِ الْمُتَابَعَةِ. وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، وَلَا يَجِبُ سُجُودُهُ عَلَى دَابَّتِهِ. وَلَهُ الْكَرُّ، وَالْفَرُّ، وَالضَّرْبُ وَالطَّعْنُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ
لِلْمَصْلَحَةِ
، وَلَا يَزُولُ الْخَوْفُ إلَّا بِانْهِزَامِ الْكُلِّ.
стр. 856
قَوْلُهُ (وَمَنْ هَرَبَ مِنْ عَدُوٍّ هَرَبًا مُبَاحًا، أَوْ مِنْ سَيْلٍ، أَوْ مِنْ سَبُعٍ كَالنَّارِ. فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كَذَلِكَ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: إنْ كَثُرَ دَفْعُ الْعَدُوِّ مِنْ سَيْلٍ وَسَبُعٍ، وَسُقُوطِ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ.
فَائِدَةٌ: مِثْلُ السَّيْلِ وَالسَّبُعِ: خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ أَهْلِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ ذَبُّهُ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَوْ خَوْفُهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَعَنْهُ لَا يُصَلِّي كَذَلِكَ لِخَوْفِهِ عَلَى غَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُصَلِّي كَذَلِكَ لِخَوْفِهِ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ، وَعَنْهُ بَلَى.
قَوْلُهُ (وَهَلْ لِطَالِبِ الْعَدُوِّ الْخَائِفِ فَوْتَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ. إحْدَاهُمَا: تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. قَالَ فِي النَّظْمِ يَجُوزُ فِي الْأُولَى. وَنَصَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يَجُوزُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ. وَقَدَّمَهُ الْخِرَقِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَلَا يُصَلِّيهَا إلَّا إذَا كَانَ طَالِبًا لِلْعَدُوِّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: إنْ خَافَ عَوْدَهُ عَلَيْهِ صَلَّى كَخَائِفٍ، وَإِلَّا فَكَآمِنٍ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد فِي الْقَوْمِ يَخَافُونَ فَوْتَ الْغَارَةِ، فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَوْ يُصَلُّونَ عَلَى دَوَابِّهِمْ؟ قَالَ: كُلٌّ أَرْجُو.
стр. 857
فَوَائِدُ. إحْدَاهَا: مَنْ خَافَ كَمِينًا، أَوْ مَكِيدَةً، أَوْ مَكْرُوهًا، إنْ تَرَكَهَا: صَلَّى صَلَاةَ خَوْفٍ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمَا: رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَلَا يُعِيدُ، عَلَى الصَّحِيحِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَعَنْهُ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لِلْخَائِفِ فَوْتَ عَدُوِّهِ كَالصَّلَاةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ هُنَا، فَيُعَايَى بِهَا. وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: وَفِي فَوْتِ مَطْلُوبِهِ رِوَايَتَانِ.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ لِلْخَائِفِ فَوْتَ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ صَلَاةُ الْخَوْفِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَهُوَ الصَّوَابُ. وَهُوَ احْتِمَالُ وَجْهٍ فِي الرِّعَايَةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ فِي مُصَنَّفِهِ: صَلَّى مَاشِيًا فِي الْأَصَحِّ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ رَأَى سَوَادًا، فَظَنَّهُ عَدُوًّا أَوْ سَبُعًا، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ بَانَ بِخِلَافِهِ، فِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. وَصَحَّحَ عَدَمَ الْإِعَادَةِ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ فِي الْأَسْفَارِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْخَوْفِ. فَإِنَّهَا نَادِرَةٌ فِي نَفْسِهَا. وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ. وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ خَائِفٍ، وَهُوَ احْتِمَالُ وَجْهٍ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا. وَقِيلَ: يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إلَى أَمْنِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ أَيْضًا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَهُنَّ أَوْجَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ لِسَوَادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا. فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوِّ. فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
стр. 858
وَذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ رِوَايَةً. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: إذَا ظَنُّوا سَوَادًا عَدُوًّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهُ يَقْصِدُ غَيْرَهُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، لِوُجُودِ سَبَبِ الْخَوْفِ بِوُجُودِ عَدُوٍّ يَخَافُ هُجُومَهُ كَمَا لَا يُعِيدُ مَنْ خَافَ عَدُوًّا فِي تَخَلُّفِهِ عَنْ رَفِيقِهِ فَصَلَّاهَا، ثُمَّ بَانَ أَمْنُ الطَّرِيقِ. وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. قَوْلُهُ (أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُهُ. فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَيْضًا. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ إنْ خَفِيَ الْمَانِعُ، وَإِلَّا أَعَادَ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ خَافَ هَدْمَ سُورٍ، أَوْ طَمَّ خَنْدَقٍ إنْ صَلَّى آمِنًا، صَلَّى صَلَاةَ خَائِفٍ مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُصَلِّي آمِنًا مَا لَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: صَلَاةُ النَّفْلِ مُنْفَرِدًا يَجُوزُ فِعْلُهَا. كَالْفَرْضِ. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ " هَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي اشْتِدَادِ الْخَوْفِ؟ "
стр. 859
[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
ِ فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: سُمِّيَتْ " جُمُعَةً " لِجَمْعِهَا الْخَلْقَ الْكَثِيرَ. قَدَّمَهُ الْمَجْدُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنَّمَا سُمِّيَتْ جُمُعَةً لِجَمْعِهَا الْجَمَاعَاتِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: لِجَمْعِ طِينِ آدَمَ فِيهَا. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ أَوْلَى. وَقِيلَ: لِأَنَّ آدَمَ جُمِعَ فِيهَا خَلْقُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاشْتِقَاقُهَا قِيلَ: مِنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ. وَقِيلَ: بَلْ لِاجْتِمَاعِ الْخَلِيفَةِ فِيهِ وَكَمَالِهَا، وَيُرْوَى عَنْهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ آدَمَ فِيهِ مَعَ حَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ. الثَّانِيَةُ: الْجُمُعَةُ أَفْضَلُ مِنْ الظُّهْرِ بِلَا نِزَاعٍ. وَهِيَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِجَوَازِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَا أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ أَبُو يُعْلَى الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ: فَلَا يُجْمَعُ فِي مَحَلٍّ يُبِيحُ الْجَمْعَ، وَلَيْسَ لِمَنْ قَلَّدَهَا أَنْ يَؤُمَّ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. ذَكَرَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَعَنْهُ هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ. قَالَ فِي الِانْتِصَارِ وَالْوَاضِحِ وَغَيْرِهِمَا: الْجُمُعَةُ هِيَ الْأَصْلُ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ. زَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: رُخْصَةً فِي حَقِّ مَنْ فَاتَتْهُ. وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ وَجْهَيْنِ. هَلْ هِيَ فَرْضُ الْوَقْتِ، أَوْ الظُّهْرُ فَرْضُ الْوَقْتِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الظُّهْرِ بِنَفْسِهِ بِلَا شَرْطٍ؟ وَلِهَذَا يَقْضِي مَنْ فَاتَتْهُ ظُهْرًا. وَقَطَعَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ عِنْدَ أَحْمَدَ، لِأَنَّهَا الْمُخَاطَبُ بِهَا، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ. وَذُكِرَ كَلَامُ أَبِي إِسْحَاقَ: وَيَبْدَأُ بِالْجُمُعَةِ خَوْفَ فَوْتِهَا، وَيَتْرُكُ فَجْرًا فَائِتَةً. نَصَّ عَلَيْهِ،
стр. 860
وَقَالَ فِي الْقَصْرِ: قَدْ قِيلَ: إنَّ الْجُمُعَةَ تُقْضَى ظُهْرًا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: أَنَّهَا قَبْلَ فَوَاتِهَا لَا يَجُوزُ الظُّهْرُ. وَإِذَا فَاتَتْ الْجُمُعَةُ لَزِمَتْ الظُّهْرُ. قَالَ: فَدَلَّ أَنَّهَا قَضَاءٌ لِلْجُمُعَةِ
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) . أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ. فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمَجْنُونِ، بِلَا نِزَاعٍ، وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ. لَكِنْ إنَّ لَزِمَتْهُ الْمَكْتُوبَةُ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمَكْتُوبَةُ. اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَقَالَ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْقَوَاعِدُ الْأُصُولِيَّةُ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ) أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُسْتَوْطِنٍ، وَلَا عَلَى مُسْتَوْطِنٍ بِغَيْرِ بِنَاءٍ، كَبُيُوتِ الشَّعْرِ، وَالْحَرَاكِي، وَالْخِيَامِ وَنَحْوِهَا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَ الْأَزَجِيُّ صِحَّتَهَا وَوُجُوبَهَا عَلَى الْمُسْتَوْطِنِينَ بِعَمُودٍ أَوْ خِيَامٍ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَاشْتَرَطَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كَلَامِهِ: أَنْ يَكُونُوا يَزْرَعُونَ كَمَا يَزْرَعُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صَرِيحًا.
قَوْلُهُ (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْخِرَقِيِّ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَعَنْهُ الْمُعْتَبَرُ إمْكَانُ سَمَاعِ النِّدَاءِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ،
стр. 861
وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَزَادَ فَقَالَ: الْمُعْتَبَرُ إمْكَانُ سَمَاعِ النِّدَاءِ غَالِبًا. انْتَهَى. وَعَنْهُ بَلَى الْمُعْتَبَرُ سَمَاعُ النِّدَاءِ لِإِمْكَانِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ، وَصَاحِبُ تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ: إذَا كَانَ مُسْتَوْطِنًا يَسْمَعُ النِّدَاءَ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعٍ مَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ " فَرْسَخٌ " وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْإِفَادَاتِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ إنْ فَعَلُوهَا، ثُمَّ رَجَعُوا لِبُيُوتِهِمْ لَزِمَتْهُمْ، وَإِلَّا فَلَا. وَأَطْلَقَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ. وَأَطْلَقَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالرَّابِعَةَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَطْلَقَ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ ذِكْرَ الْفَرْسَخِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَرْسَخٌ تَقْرِيبًا. وَهُوَ الصَّوَابُ. الثَّانِي: أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ يَحْكِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ. كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالْمُعْتَبَرُ إمْكَانُ السَّمَاعِ فَيُحَدُّ بِفَرْسَخٍ، وَعَنْهُ بِحَقِيقَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ وَعَنْهُ تَحْدِيدُهُ بِالْفَرْسَخِ فَمَا دُونَ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى ذَلِكَ رِوَايَةً ثَانِيَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا سَوَاءٌ، الصَّوْتُ قَدْ يُسْمَعُ عَنْ فَرْسَخٍ.
فَائِدَةٌ: فَعَلَى رِوَايَةِ " أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إمْكَانُ سَمَاعِ النِّدَاءِ " فَمَحَلُّهُ: إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةً، وَالرِّيَاحُ سَاكِنَةً، وَالْمَوَانِعُ مُنْتَفِيَةً.
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ " إذَا حَدَّدْنَا بِالْفَرْسَخِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ إمْكَانِ السَّمَاعِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ ابْتِدَاءَهُ مِنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي.
стр. 862
وَعَنْهُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالنَّظْمِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ. وَيَكُونُ إذَا قُلْنَا " مِنْ مَكَانِ الْجُمُعَةِ " مِنْ الْمَنَارَةِ وَنَحْوِهَا. نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْمُعْتَبَرُ مِنْ أَيِّهِمَا وُجِدَ: مِنْ مَكَانِ الْجُمُعَةِ، أَوْ مِنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ. الثَّانِي: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي التَّقْدِيرِ بِالْفَرْسَخِ، أَوْ إمْكَانِ سَمَاعِ النِّدَاءِ، أَوْ سَمَاعِهِ، أَوْ ذَهَابِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ فِي يَوْمِهِمْ: إنَّمَا هُوَ فِي الْمُقِيمِ بِقَرْيَةٍ لَا يَبْلُغُ عَدَدُهُمْ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْجُمُعَةِ، أَوْ فِيمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي الْخِيَامِ وَنَحْوِهَا، أَوْ فِيمَنْ كَانَ مُسَافِرًا دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ. فَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي هَؤُلَاءِ وَشَبَهِهِمْ. أَمَّا مَنْ هُوَ فِي الْبَلَدِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ فَرَاسِخُ، سَوَاءٌ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ بُنْيَانُهُ مُتَّصِلًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، إذَا شَمِلَهُ اسْمٌ وَاحِدٌ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: حَيْثُ قُلْنَا: تَلْزَمُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَسَعَى إلَيْهَا، أَوْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ [فِيهَا] لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ، أَوْ شُغْلٍ غَيْرِهِ، غَيْرُ مُسْتَوْطِنٍ، أَوْ كَانَ مُسَافِرًا سَفَرًا لَا قَصْرَ مَعَهُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ بِغَيْرِهِمْ لَا بِأَنْفُسِهِمْ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَعْضِهَا مِنْ الْخِلَافِ. وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ، لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ أَصْلًا. وَفِي صِحَّةِ إمَامَتِهِمْ وَجْهَانِ، وَوَجْهُهُمَا كَوْنُهَا وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ، وَكَوْنُهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَوَاشِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، فِي الْمُقِيمِ غَيْرِ الْمُسْتَوْطِنِ. أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُمْ. وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ. وَالثَّانِي: تَصِحُّ إمَامَتُهُمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَبِي بَكْرٍ. لِأَنَّهُمَا عَلَّلَا مَنْعَ إمَامَةِ الْمُسَافِرِ فِيهَا بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ.
стр. 863
الثَّانِيَةُ: لَوْ سَمِعَ النِّدَاءَ أَهْلُ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ فَوْقِ فَرْسَخٍ، لِعُلُوِّ مَكَانِهَا، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ دُونِهِ لِجَبَلٍ حَائِلٍ أَوْ انْخِفَاضِهَا. فَعَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الْوُجُوبَ. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ عَدَمَ الْوُجُوبِ. فَإِنْ قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِهِ فِي الْمُنْخَفِضَةِ، أَوْ مَنْ كَانَ بَيْنَهُمْ حَائِلٌ: لَزِمَهُمْ قَصْدُ الْجُمُعَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِالسَّمَاعِ فِيهَا. فَقَالَ الْقَاضِي: تُجْعَلُ كَأَنَّهَا عَلَى مُسْتَوًى مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا مَانِعَ. فَإِنْ أَمْكَنَ سَمَاعُ النِّدَاءِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِحَالٍ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ وُجِدَ قَرْيَتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ لَيْسَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ: لَمْ يُتَمِّمْ الْعَدَدَ مِنْهُمَا، لِعَدَمِ اسْتِيطَانِ الْمُتَمِّمِ. وَلَا يَجُوزُ تَجْمِيعُ أَهْلِ بَلَدٍ كَامِلٍ فِي نَاقِصٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: الْجَوَازَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَمُصَلَّى الْعِيدِ، لِعَدَمِ خُرُوجِهِمْ عَنْ حُكْمِ بَعْضِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، تَبَعًا لِلْمَجْدِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ وُجِدَ الْعَدَدُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَلْدَتَيْنِ. فَالْأَوْلَى تَجْمِيعُ كُلِّ قَوْمٍ فِي بَلَدِهِمْ. وَقِيلَ: يَلْزَمُ الْقَوْمَ قَصْدُ مِصْرٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا فَرْسَخٌ فَأَقَلَّ. وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ. وَحُكِيَ رِوَايَةً.
قَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ) . يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ: الْمُسَافِرُ السَّفَرَ الطَّوِيلَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُرَادُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. يُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَهُ تَبَعًا لِلْمُقِيمِينَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ:
стр. 864
وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا وَحُكِيَ رِوَايَةً: تَلْزَمُهُ بِحُضُورِهَا فِي وَقْتِهَا، مَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِالِانْتِظَارِ، وَتَنْعَقِدُ بِهِ وَيَؤُمُّ فِيهَا. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَات أَيْضًا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ أَقَامَ مُدَّةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ، وَلَمْ يَنْوِ اسْتِيطَانًا. فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْجُمُعَةَ تَلْزَمُهُ بِغَيْرِهِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: إنَّهُ الْأَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّر، وَالزَّرْكَشِيُّ فِي مَوْضُوعٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ لَا تَلْزَمُهُ. جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ مَا فِي الْكَافِي. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ: مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. فَيَشْمَلُ الْمُسَافِرَ سَفَرًا قَصِيرًا فَوْقَ فَرْسَخٍ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا تَلْزَمُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ بِغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ.
قَوْلُهُ (وَلَا عَبْدٍ) . يَعْنِي لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ وَأَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَيْهِ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ فَعَلَيْهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ سَيِّدَهُ. وَيَحْرُمُ عَلَى سَيِّدِهِ مَنْعُهُ. فَلَوْ مَنَعَهُ خَالَفَهُ وَذَهَبَ إلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَحَكَى الشَّيْخُ رِوَايَةَ الْوُجُوبِ. وَقَالَ: لَا يَذْهَبُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَعَنْهُ تَجِبُ عَلَيْهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا، عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، قَالَهُ نَاظِمُهَا، وَعَنْهُ يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا.
стр. 865
فَائِدَةٌ: الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ: كَالْقِنِّ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ: فَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَلَا تَجِبُ عَلَى عَبْدٍ " وُجُوبُهَا عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَبْدٍ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فِي أَوَّلِ الْبَابِ " حُرًّا " أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُرٍّ. وَفِيهِ خِلَافٌ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ. وَكَانَتْ الْجُمُعَةُ فِي نَوْبَتِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: بِوُجُوبِهَا عَلَى الْقِنِّ: فَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ بِطَرِيقِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ (وَلَا امْرَأَةٍ) . يَعْنِي لَا تَجِبُ عَلَيْهَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَحَكَى الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: رِوَايَةً بِوُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ. قُلْت: وَهَذِهِ مِنْ أَبْعَدِ مَا يَكُونُ، وَمَا أَظُنُّهَا إلَّا غَلَطًا. وَهُوَ قَوْلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَلَعَلَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ. ثُمَّ وَجَدْت ابْنَ الْمُنْذِرِ حَكَاهُ إجْمَاعًا [وَوَجَدْت ابْنَ رَجَبٍ، فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ غَلَّطَ مَنْ قَالَهُ] وَلَعَلَّهُ أَرَادَ: إذَا حَضَرَتْهَا. وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ) . بِلَا نِزَاعٍ. وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ. وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ. أَمَّا الْمَرْأَةُ: فَلَا نِزَاعَ فِيهَا. وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْمُسَافِرِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا قُلْنَا. لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَتَقَدَّمَ إذَا قُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ " وَمُمَيِّزٌ كَعَبْدٍ " وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ بِهِ وَأَمَّ فِيهَا. وَإِلَّا فَلَا. هَذَا الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَنْعَقِدُ بِالصَّبِيِّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ. قَالَ. وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِي غَيْرِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
стр. 866
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: كُلُّ مَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِ فَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: لَوْ قِيلَ: إنْ كَانَ الْمَرِيضُ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ بِذَهَابِهِ إلَى الْجُمُعَةِ: أَنَّ تَرْكَهَا أَوْلَى: لَكَانَ أَوْلَى.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ إذَا حَضَرَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَانْعَقَدَتْ بِهِ) . قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: نَحْوُ الْمَرَضِ وَالْمَطَرِ، وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَالْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ. وَهُوَ ذَلِكَ. فَلَوْ حَضَرَهَا إلَى آخِرِهَا وَلَمْ يُصَلِّهَا، أَوْ انْصَرَفَ لِشُغْلٍ غَيْرِ دَفْعِ ضَرَرِهِ: كَانَ عَاصِيًا. أَمَّا لَوْ اتَّصَلَ ضَرَرُهُ بَعْدَ حُضُورِهِ، فَأَرَادَ الِانْصِرَافَ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ: جَازَ عِنْدَنَا، لِوُجُودِ الْمُسْقِطِ كَالْمُسَافِرِ سَوَاءٌ. لَكِنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ هُنَا عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسَافِرُ وَمَنْ دَامَ ضَرَرُهُ بِمَطَرٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ لَهُ الِانْصِرَافُ عَلَى مَا حَكَاهُ الْأَصْحَابُ. فَيَكُونُ مُرَادُهُ التَّخْصِيصَ. وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى جَمَعُوا. فَإِنَّهُ يُوجَدُ الْمُسْقِطُ فِي حَقِّهِمْ. وَهُوَ اشْتِغَالُهُمْ بِدَفْعِ ضَرَرِهِمْ. فَبَقِيَ الْوُجُوبُ بِحَالَةٍ فَيَخْرُجُ الْمُسَافِرُ. فَإِنَّ سَفَرَهُ هُوَ الْمُسْقِطُ، وَهُوَ بَاقٍ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ. قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُوجِبَ: هُوَ حُضُورُهُمْ وَتَجْمِيعُهُمْ، فَيَكُونُ عِلَّةَ نَفْسِهِ. انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ فِي مَوْضُوعٍ آخَرَ: مُرَادُهُ الْخَاصُّ، إنْ أَرَادَ بِالْحُضُورِ حُضُورَ مَكَانِهَا وَإِنْ أَرَادَ فِعْلَهَا: فَخِلَافُ الظَّاهِرِ. انْتَهَى.
стр. 867
قَوْلُهُ (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا لَزِمَهُ السَّعْيُ إلَيْهَا. وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا انْتَظَرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ صَلَّى وَفَرَغَ، ثُمَّ يُصَلِّي. وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ: احْتِمَالُ أَنَّهُ مَتَى ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ، فَلَهُ الدُّخُولُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ. وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: وَسَبَقَ وَجْهٌ أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ الظُّهْرُ. فَعَلَيْهِ تَصِحُّ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنَّ أَخَّرَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ تَأْخِيرًا مُنْكَرًا، فَلِلْغَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا، وَتُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ. جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. لِخَبَرِ تَأْخِيرِ الْأُمَرَاءِ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا. وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَقَيَّدَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِالتَّأْخِيرِ، إلَى أَنْ يَخْرُجَ أَوَّلَ الْوَقْتِ.
فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ أَهْلُ بَلَدٍ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ. فَلَا تَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. قَوْلُهُ (وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ: أَنْ لَا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ) . وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. وَأَفَادَنَا أَنَّهُمْ لَوْ صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ: أَنَّ صَلَاتَهُمْ صَحِيحَةٌ. وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ زَالَ عُذْرُهُمْ أَوْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، فِي غَيْرِ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ. وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ. وَفِي الْإِمَامَةِ فِي الشَّافِي. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمَرِيضِ.
стр. 868
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إنْ زَالَ الْعُذْرُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَإِلَّا صَحَّتْ. وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي التَّرْغِيبِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَنْ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ بِحُضُورِهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ. انْتَهَى وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ تَعْلِيقِهِ: نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ فَصَلَّاهَا كَانَتْ نَفْلًا فِي حَقِّهِ. عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: فَرْضًا. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ قُلْت: فَتَكُونُ الظُّهْرُ إذَنْ نَفْلًا. وَأَمَّا الصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا تَصِحُّ فِي الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ كَغَيْرِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ فِيمَنْ دَامَ عُذْرُهُ كَامْرَأَةٍ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ لَهُ التَّقْدِيمُ. قَالَ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: لَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا: صَلَاةُ الظُّهْرِ فِي جَمَاعَةٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ، أَوْ لِمَعْذُورٍ، الصَّلَاةُ جَمَاعَةً فِي الْمِصْرِ. وَفِي مَكَانِهَا وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ. وَلَمْ يَكْرَهْهُ أَحْمَدُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. قَالَ: وَمَا كَانَ يَكْرَهُ إظْهَارَهَا. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ: لَا يُصَلِّي فَوْقَ ثَلَاثَةٍ جَمَاعَةً. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَكَرِهَ قَوْمٌ التَّجْمِيعَ لِلظُّهْرِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعُذْرِ، لِئَلَّا يُضَاهِيَ بِهَا جُمُعَةً أُخْرَى، احْتِرَامًا لِلْجُمُعَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي يَوْمِهَا كَامْرَأَةٍ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ) مُرَادُهُ: إذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ رُفْقَتِهِ. فَإِنْ خَافَ فَوْتَهُمْ جَازَ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالْمَجْدُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُعْذَرُ فِيهِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ.
стр. 869
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ لَمْ يَجُزْ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ، حَتَّى يُصَلِّيَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، بِنَاءً عَلَى اسْتِقْرَارِهَا بِأَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَلِهَذَا خَرَجَ الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يُحْرِمْ؛ لِعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ قَبْلَهُ) يَعْنِي وَبَعْدَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلُزُومٍ عَلَى الصَّحِيحِ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَعَنْهُ يَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً. جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْكَافِي وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهَذَا يَكُونُ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ. وَمَسْبُوكِ الْمَذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ الطُّوفِيِّ، وَالْفُرُوعِ. وَأَطْلَقَ فِي الْكَافِي فِي غَيْرِ الْجِهَادِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ: قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ حِينَ يَشْرَعُ فِي الْأَذَانِ لَهَا، لِجَوَازِ أَنْ يَشْرَعَ فِي ذَلِكَ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَا نِزَاعَ فِي تَحْرِيمِ السَّفَرِ حِينَئِذٍ. لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِالْإِقَامَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ. انْتَهَى.
تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: هَذَا الَّذِي قُلْنَا مِنْ ذِكْرِ الرِّوَايَاتِ هُوَ أَصَحُّ الطَّرِيقَتَيْنِ، أَعْنِي أَنَّ مَحَلِّ الرِّوَايَاتِ: فِيمَا إذَا سَافَرَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ
стр. 870
الْأَصْحَابِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتَ وُجُوبِهَا، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا. قَالَ الْمَجْدُ: الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ بِالزَّوَالِ، وَمَا قَبْلَهُ وَقْتُ رُخْصَةٍ وَجَوَازٍ، لَا وَقْتُ وُجُوبٍ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ تَجِبُ بِدُخُولِ وَقْتِ جَوَازِهَا. فَلَا يَجُوزُ السَّفَرُ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا. انْتَهَى وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضُوعٍ: مَنْعُ السَّفَرِ بِدُخُولِ وَقْتِ فِعْلِ الْجُمُعَةِ، وَجَعَلَ الِاخْتِلَافَ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ. انْتَهَى. الثَّانِي: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: إذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا فِي طَرِيقِهِ. فَأَمَّا إنْ أَتَى بِهَا فِي طَرِيقِهِ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. الثَّالِثُ: إذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْجَوَازِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُكْرَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: قَلَّ مَنْ يَفْعَلُهُ إلَّا رَأَى مَا يَكْرَهُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يُكْرَهُ.
قَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ. أَحَدُهَا: الْوَقْتُ، وَأَوَّلُهُ: أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ. قُلْت: مِنْهُمْ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ شَاقِلَا، وَالْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا. وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي مُوسَى يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ.
стр. 871
وَهُوَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ نُسَخِ الْخِرَقِيِّ. وَجَزَمَ بِهِ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ وَالْمُفْرَدَاتِ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ فِعْلُهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَتَلْخِيصُهُ: أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ أَوَّلُ وَقْتِهَا: بَعْدَ الزَّوَالِ. اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ. وَهُوَ الْأَفْضَلُ.
فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالزَّوَالِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ تَلْزَمُ بِوَقْتِ الْعِيدِ. اخْتَارَهَا الْقَاضِي. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو حَفْصٍ الْمَغَازِلِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ صَاحِبَ الْفُرُوعِ ذَكَرَ: هَلْ تَسْتَقِرُّ بِأَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهَا أَوْ لَا تَسْتَقِرُّ حَتَّى يُحْرِمَ بِهَا؟ .
قَوْلُهُ (وَإِنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلُّوا رَكْعَةً: أَتَمُّوهَا جُمُعَةً) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ فِيهَا كُلِّهَا إلَّا السَّلَامَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا، أَوْ يَسْتَأْنِفُونَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَوَاشِي، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ. أَحَدُهُمَا: يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
стр. 872
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْتَأْنِفُونَهَا ظُهْرًا. قَالَ فِي الْمُغْنِي: قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ تُسْتَأْنَفُ ظُهْرًا. وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ: الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْخِرَقِيِّ الْآتِيَانِ. قَالَ الشَّارِحُ: فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَيَسْتَأْنِفُهَا ظُهْرًا. وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا.
تَنْبِيهٌ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشْعَارٌ أَنَّ الْوَقْتَ إذَا خَرَجَ قَبْلَ رَكْعَةٍ لَا يَجُوزُ إتْمَامُهَا جُمُعَةً. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَصَاحِبِ الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. وَعَنْهُ يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: مَنْ تَلَبَّسَ بِهَا فِي وَقْتِهَا أَتَمَّهَا جُمُعَةً. قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَقَالُوا: هُوَ الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. قَالَ فِي الْمَذْهَبِ: أَتَمَّهَا جُمُعَةً. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ إلَّا الْخِرَقِيَّ. وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَسَبَقَهُمَا الْفَخْرُ فِي التَّلْخِيصِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْهَا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ الْخُطْبَةِ وَالتَّحْرِيمَةِ لَزِمَهُمْ فِعْلُهَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. وَكَذَا يَلْزَمُهُمْ إنْ شَكُّوا فِي خُرُوجِهِ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ. وَعَلَيْهِ: لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَهُوَ فِيهَا، فَهُوَ كَدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يَبْطُلُ وَجْهًا وَاحِدًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مُرَادَهُمْ إذَا جَوَّزْنَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعَصْرِ، وَجَمَعَ جَمْعَ تَأْخِيرٍ.
стр. 873
قَوْلُهُ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا. فَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَدَّمَ الْأَزَجِيُّ صِحَّتَهَا وَوُجُوبَهَا عَلَى الْمُسْتَوْطِنِينَ بِعَمُودٍ أَوْ خِيَامٍ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَاشْتَرَطَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ: أَنْ يَكُونُوا يَزْرَعُونَ كَمَا يَزْرَعُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ " مُسْتَوْطِنِينَ "
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ، إذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ وَفِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانُ مِنْ الصَّحْرَاءِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا إلَّا فِي الْجَامِعِ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: هِيَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ بَاطِلَةٌ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: كَلَامُ أَحْمَدَ يَحْتَمِلُ إبْرَازَهُ وَلَوْ بَعُدَ، وَأَنَّ الْأَشْبَهَ بِتَأْوِيلِهِ الْمَنْعُ. كَالْعِيدِ. يَجُوزُ فِيمَا قَرُبَ لَا فِيمَا بَعُدَ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إذَا أُقِيمَتْ فِي صَحْرَاءَ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ.
قَوْلُهُ (الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَكَذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَرُوهُ. قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: اخْتَارَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ. اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ فِي الْقُرَى بِثَلَاثَةٍ. وَبِأَرْبَعِينَ فِي أَهْلِ الْأَمْصَارِ. نَقَلَهَا ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِحُضُورِ سَبْعَةٍ. نَقَلَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِ. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِخَمْسَةِ. وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعَةٍ. وَعَنْهُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِحُضُورِ خَمْسِينَ.
стр. 874
تَنْبِيهٌ: حَيْثُ اشْتَرَطْنَا عَدَدًا مِنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ. فَيُعَدُّ الْإِمَامُ مِنْهُمْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَنْ الْعَدَدِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْإِمَامِ مِنْ جُمْلَةِ الْعَدَدِ عَلَى كُلِّ رِوَايَةٍ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ. حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَوْ بَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا نَاسِيًا لَهُ، لَا يُجْزِهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا بِدُونِهِ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَخَرَّجُ لَا يُجْزِيهِمْ مُطْلَقًا. قَالَ الْمَجْدُ: بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ: أَنَّ صَلَاةَ الْمُؤْتَمِّ بِنَاسٍ حَدَثَهُ: يُفِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرَأَ خَلْفَهُ بِقَدْرِ الصَّلَاةِ صَلَاةَ انْفِرَادٍ.
فَوَائِدُ. لَوْ رَأَى الْإِمَامُ اشْتِرَاطَ عَدَدٍ دُونَ الْمَأْمُومِينَ، فَنَقَصَ عَنْ ذَلِكَ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ. وَلَزِمَهُ اسْتِخْلَافُ أَحَدِهِمْ. وَلَوْ رَآهُ الْمَأْمُومُونَ دُونَ الْإِمَامِ: لَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا. وَلَوْ أَمَرَ السُّلْطَانُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا بِأَرْبَعِينَ، لَمَا يَجُزْ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ، وَلَا أَنْ يَسْتَخْلِفَ، لِقَصْرِ وِلَايَتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ أَحَدُهُمْ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إتْمَامِهَا اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الشَّارِحُ: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَمَالُ الْعَدَدِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا عَنْ أَحْمَدَ: إنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ الصَّلَاةَ. انْتَهَى.
стр. 875
وَقِيلَ: يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقِيلَ: يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً. وَقِيلَ: يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً إنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ إنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا ظُهْرًا، وَإِنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا جُمُعَةً. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ كَمَسْبُوقٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: احْتِمَالُ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ شَاقِلَا فِي الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ النِّيَّةَ، كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ. انْتَهَى.
وَفَرَّقَ ابْنُ مُنَجَّا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَسْبُوقَ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ جُمُعَةٍ تَمَّتْ شَرَائِطُهَا وَصَحَّتْ، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا، خِلَافُ هَذِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفَرَّقَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهَا صَحَّتْ مِنْ الْمَسْبُوقِ تَبَعًا. كَصِحَّتِهَا مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ تَبَعًا. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: لَوْ نَقَصُوا، وَلَكِنْ بَقِيَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ أَتَمُّوا جُمُعَةً. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: سَوَاءٌ كَانُوا سَمِعُوا الْخُطْبَةَ، أَوْ لَحِقُوهُمْ قَبْلَ نَقْصِهِمْ بِلَا خِلَافٍ، كَبَقَائِهِ مَعَ السَّامِعِينَ. وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمَا: لَوْ أَحْرَمَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، قَدْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ ثُمَّ انْفَضُّوا، وَبَقِيَ مَعَهُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا: أَتَمُّوا جُمُعَةً. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً) بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا، إذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ. حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ الْحَلْوَانِيُّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ: هَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: يَنْوِي جُمُعَةً، وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا. وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ. وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ التَّعْلِيقِ: هَذَا
стр. 876
الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْعُمْدَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ: فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَإِلَّا أَتَمَّهَا ظُهْرًا. انْتَهَى. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ: فَإِنَّهُ فَرَّ مِنْ اخْتِلَافِ النِّيَّةِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ فِي الْبِنَاءِ. وَالْوَاجِبُ الْعَكْسُ أَوْ التَّسْوِيَةُ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالْبِنَاءِ اخْتِلَافٌ. يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ. انْتَهَى. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قَوْلُهُ بَعِيدٌ جِدًّا. يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْهِدَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقِيلَ إنَّ مَبْنَى الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الْجُمُعَةَ هَلْ هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، أَوْ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إتْمَامُهَا وَلَا يَصِحُّ، لِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا وَغَيْرُهُ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ. لِأَنَّهُ إنْ نَوَى الظُّهْرَ خَالَفَ نِيَّةَ إمَامِهِ. وَإِنْ نَوَى الْجُمُعَةَ وَأَتَمَّهَا ظُهْرًا فَقَدْ صَحَّتْ لَهُ الظُّهْرُ مِنْ غَيْرِ نِيَّتِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ، أَوْ الْفُنُونِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَلَا يَنْوِيَهَا ظُهْرًا. لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ. فَإِنْ دَخَلَ نَوَى جُمُعَةً وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِهَا.
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: إنَّمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَنْوِي جُمُعَةً وَيُتِمُّهَا أَرْبَعًا وَهِيَ جُمُعَةٌ لَا ظُهْرٌ، لَكِنْ لَمَّا قَالَ " يُتِمُّهُمَا أَرْبَعًا " ظَنَّ الْأَصْحَابُ أَنَّهَا تَكُونُ ظُهْرًا، وَإِنَّمَا هِيَ جُمُعَةٌ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَأَنَا وَجَدْت لَهُ مُصَنَّفًا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ. فَصَلَاةُ الْعِيدِ إذَا فَاتَتْهُ صَلَّاهَا أَرْبَعًا. انْتَهَى. الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إتْمَامُهَا جُمُعَةً، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَخْتَلِفُ الْأَصْحَابُ فِيهِ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُتِمُّهَا جُمُعَةً. ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو حَكِيمٍ فِي شَرْحِهِ. قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ
стр. 877
الصَّلَوَاتِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ لَزِمَهُ بِإِدْرَاكِ أَقَلَّ مِنْهَا. كَالْمُسَافِرِ يُدْرِكُ الْمُقِيمَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إدْرَاكُهُ إدْرَاكُ إلْزَامٍ. وَهَذَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ لِلْعَدَدِ فَافْتَرَقَا، وَبِأَنَّ الظُّهْرَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ، خِلَافُ مَسْأَلَتِنَا.
فَائِدَةٌ: إنْ كَانَ الْإِمَامُ صَلَّى الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ مَنْ فَاتَتْهُ مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ ظُهْرًا، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنْ دَخَلَ انْعَقَدَتْ نَفْلًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يَبْنِيَ عَلَيْهَا ظُهْرًا، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْآمِدِيُّ عَنْ ابْنِ شَاقِلَا، وَيَجِبُ أَنْ يُصَادِفَ ابْتِدَاءُ صَلَاتِهِ زَوَالَ الشَّمْسِ عَلَى هَذَا.
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَصَحَّحُوهُ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِ أَحَدٍ، وَلَا عَلَى رِجْلِهِ. وَيُومِئُ غَايَةَ الْإِمْكَانِ وَعَنْهُ إنْ شَاءَ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ زَوَالَ الزِّحَامِ، وَالْأَفْضَلُ السُّجُودُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ احْتَاجَ إلَى مَوْضِعِ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ أَيْضًا، فَهَلْ يَجُوزُ وَضْعُهُمَا إذَا قُلْنَا بِجَوَازِهِ فِي الْجَبْهَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ،
стр. 878
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْأَقْوَى عِنْدِي، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْجَوَازِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ إلَّا عَلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ صَحَّتْ، كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَجَعَلَ طَرَفَ الْمُصَلِّي وَذَيْلَ الثَّوْبِ أَصْلًا لِلْجِوَازِ.
الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ التَّخَلُّفَ عَنْ السُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ لِمَرَضٍ أَوْ غَفْلَةٍ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ سَهْوٍ وَنَحْوِهِ كَالْمُتَخَلِّفِ بِالزِّحَامِ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَيَسْجُدُ الْمَزْحُومُ إذَا أَمِنَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ، وَلَا يَسْجُدُ السَّاهِي بِحَالٍ، بَلْ تُلْغَى رَكْعَتُهُ قَوْلُهُ (فَإِنْ يُمْكِنُهُ سَجَدَ إذَا زَالَ الزِّحَامُ) بِلَا نِزَاعٍ بِشَرْطِهِ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الثَّانِيَةِ، فَيُتَابَعَ الْإِمَامَ فِيهَا، وَتَصِيرَ أُولَاهُ فَتَلْغُو الْأُولَى، وَيُتِمَّهَا جُمُعَةً) هَذَا الْمَذْهَبُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَاتِ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ لَا يُتَابِعُهُ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِسُجُودِ الْأُولَى، وَعَنْهُ: رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ تَلْغُو الْأُولَى وَيُتَابِعُ الْإِمَامَ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الثَّانِيَةِ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِسُجُودٍ.
стр. 879
فَوَائِدُ. وَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَأَحْرَمَ ثُمَّ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ أَوْ نَسِيَهُ، وَأَدْرَكَ الْقِيَامَ، وَزُحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، حَتَّى سَلَّمَ أَوْ تَوَضَّأَ لِحَدَثٍ وَقُلْنَا: يَبْنِي وَنَحْوُ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ ظُهْرًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَعَنْهُ يُتِمُّهَا ظُهْرًا، وَعَنْهُ جُمُعَةً وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَعَنْهُ يُتِمُّ جُمُعَةً مَنْ زُحِمَ عَنْ سُجُودٍ أَوْ نَسِيَهُ، لِإِدْرَاكِهِ الرُّكُوعَ كَمَنْ أَتَى بِالسُّجُودِ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْإِدْرَاكُ الْحُكْمِيُّ كَالْحَقِيقِيِّ. كَحَمْلِ الْإِمَامِ السَّهْوَ عَنْهُ، وَإِنْ أَحْرَمَ فَزُحِمَ وَصَلَّى فَذًّا لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ أَخْرَجَ فِي الثَّانِيَةِ: فَإِنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ أَتَمَّ جُمُعَةً، وَإِلَّا فَعَنْهُ يُتِمُّ جُمُعَةً، وَعَنْهُ يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ فَذٌّ فِي رَكْعَةٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الثَّانِيَةِ) الِاعْتِبَارُ فِي فَوْتِ الثَّانِيَةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، فَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوْتُ، فَتَابَعَ إمَامَهُ فِيهَا، ثُمَّ طَوَّلَ: لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوْتُ، فَبَادَرَ الْإِمَامَ فَرَكَعَ: لَمْ يَضُرَّهُ الْإِمَامُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْأُولَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ، فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَيُعَايَى بِهَا، وَلَوْ لَمْ نَقُلْ بِالتَّلْفِيقِ فِيمَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، لِتَحْصِيلِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ مُعْتَبَرٍ، وَقِيلَ: لَا يَعْتَدُّ لَهُ بِهَذَا السُّجُودِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فَيَأْتِي
стр. 880
بِسَجْدَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَالْإِمَامُ فِي تَشَهُّدِهِ، وَإِلَّا عِنْدَ سَلَامِهِ ثُمَّ فِي إدْرَاكِهِ الْجُمُعَةَ الْخِلَافُ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ " إذَا رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ ".
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ زُحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَهُوَ كَالْمَزْحُومِ عَنْ السُّجُودِ فَيَشْتَغِلُ بِقَضَاءِ ذَلِكَ، مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الثَّانِيَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ وَجْهٌ تَلْغُو رَكْعَتُهُ بِكُلِّ حَالٍ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: إنْ زُحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ وَحْدَهُ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يَأْتِي بِهِ وَيَلْحَقُهُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالثَّانِي: تَلْغُو رَكْعَتُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، الثَّانِيَةُ: لَوْ زُحِمَ عَنْ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَأْتِي بِهِ قَائِمًا وَيُجْزِيهِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَوْلَى انْتِظَارُ زَوَالِ الزِّحَامِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) بِلَا نِزَاعٍ (وَإِنْ جَهِلَ تَحْرِيمَةً فَسَجَدَ ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ أَتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُتِمُّهَا ظُهْرًا. وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُتِمُّهَا ظُهْرًا: فَهَلْ يَسْتَأْنِفُ أَوْ يَبْنِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ قَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّهُ يَبْنِي.
تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ ﵀ الِاعْتِدَادَ بِسُجُودِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَسُجُودِهِ يَظُنُّ إدْرَاكَ الْمُتَابَعَةِ فَفَاتَتْ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا يَعْتَدُّ بِهِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الرُّكُوعُ، وَلَمْ يَبْطُلْ لِجَهْلِهِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: لَوْ أَتَى بِالسُّجُودِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَبِعَهُ فَصَارَتْ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، وَأَدْرَكَ بِهَا الْجُمُعَةَ.
следующие страницы →