Полный текст (542 стр.). Показаны 526–542 · переход к 531.
стр. 526
الْمَالِكِ قَالَ الشَّيْخُ وَيَخْرُجُ بِهِ إذَا اُسْتُحِقَّتْ مِنْ تَحْتِ زَوْجٍ وَهِيَ حَامِلٌ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أُمُّ وَلَدٍ لِأَنَّ الزَّوْجَ وَطْؤُهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ مِلْكٍ قَالَ ﵀ وَتَدْخُلُ الْأَمَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ حَامِلًا مِنْ مَالِكٍ لَهَا عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهَا بِوَلَدِهَا أَشَارَ ﵀ إلَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَهِيَ إذَا اشْتَرَى أَمَةً وَأَوْلَادَهَا فَاسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا هَلْ يَكُونُ لِرَبِّهَا قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا أَوْ قِيمَةُ أُمِّهِ خَاصَّةً فَعَلَى الْقَوْلِ بِقِيمَتِهَا وَحْدَهَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لِوَاطِئِهَا لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا الْحُرُّ حَمْلُهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا.
قَوْلُهُ " عَلَيْهِ جَبْرًا " عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِالْجَبْرِ وَأَصْلُهُ مَجْبُورًا عَلَيْهِ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ الْحُرِّ وَهِيَ بِمَعْنَى الْعِتْقِ مَعْنَاهُ أُمُّ الْوَلَدِ هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِحُرِّيَّةِ حَمْلِهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا حَالَةَ كَوْنِ الْحُرِّيَّةِ مَجْبُورًا عَلَيْهَا مَالِكُهَا وَجَبْرًا مَنْصُوبٌ عَلَى إسْقَاطِ الْجَارِّ أَوْ حَالٌ مِنْ الْمَالِكِ أَيْ حَالَ كَوْنِ الْمَالِكِ مَجْبُورًا عَلَيْهِ وَأَخْرَجَ بِزِيَادَةٍ هَذَا الْقَيْدَ إذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ حَمْلَ أَمَتِهِ مِنْ عَبْدِهِ فَإِنَّ الْحَدَّ يَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهَا حُرٌّ حَمْلُهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا لَكِنَّهُ لَيْسَ الْعِتْقُ مُجْبَرًا عَلَيْهِ الْمَالِكُ وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يُمْلَكُ وَبِهِ اسْتَدَلَّ أَهْلُ الْمَذْهَبِ أَعْنِي وَطْؤُهُ أَمَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ ﵀ فِي قَوْلِهِ وَتَخْرُجُ أَمَةُ الْعَبْدِ بِعِتْقِ سَيِّدِهِ حَمْلَهَا مِنْهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَبْرٍ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ بَعْدَ حَمْلِهَا وَهِيَ حَامِلٌ هَلْ تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ أَمْ لَا.
(قُلْتُ) الْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ وَقِيلَ لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لِأَنَّهُ قَدْ مَسَّهُ الرِّقُّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ (فَإِنْ قُلْتَ) وَحَدُّ الشَّيْخِ يَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا (قُلْتُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أُمُّ وَلَدٍ بَعْدَ شِرَائِهِ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مَعَ الْمَسْأَلَةِ الْمَعْلُومَةِ إذَا وَقَعَ اسْتِحْقَاقٌ فِي أَمَةٍ بَعْدَ حَمْلٍ مِنْ مُشْتَرِيهَا فَأَخَذَهَا مَالِكُهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِالْوَطْءِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِحُكْمِ قَاضٍ وَقَعَ الرَّدُّ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ بِحُكْمٍ فَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ اُنْظُرْهَا وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْبَرَادِعِيِّ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ التَّفْصِيلُ فِي الْجَوَابِ اُنْظُرْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِيمَا تَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ]
ٍ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِإِقْرَارِ السَّيِّدِ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا النَّاشِئِ عَنْهُ حَمْلُهَا.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ وَقَعَ فِيهَا إذَا أَقَرَّ بِالْوَطْءِ وَادَّعَى الِاسْتِبْرَاءَ بَعْدَهُ
стр. 527
بِحَيْضَةٍ وَنَفَى الْوَلَدَ صَدَقَ وَلَا يَلْزَمُهُ مَا أَتَتْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِسِتَّةٍ (قُلْتُ) هَذَا صَحِيحٌ وَلَعَلَّهُ يُخْرِجُ بِقَوْلِهِ النَّاشِئَ عَنْهُ حَمْلُهَا وَاللَّخْمِيُّ هُنَا اسْتَشْكَلَ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ بِحَيْضَةٍ يَنْفِي الْوَلَدَ لِأَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ فَإِنْ قَالَ أَنَا وَطِئْت وَلَمْ أُنْزِلْ لَزِمَهُ مَا أَتَتْ بِهِ كَذَا ذَكَرُوهُ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[كِتَابُ الْوَصِيَّةِ]
(وص ي) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الْوَصِيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ الْوَصِيَّةُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ لَا الْفَرَّاضِ " عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهِ يَلْزَمُ بِمَوْتِهِ أَوْ نِيَابَةً عَنْهُ بَعْدَهُ " قَوْل الشَّيْخِ ﵁ الْوَصِيَّةُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ اللُّغَةُ مَعْلُومٌ مَدْلُولُهَا فِيهَا وَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَخَصُّ مِنْ اللُّغَةِ وَأَعَمُّ مِنْ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْفَرَّاضِ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ خَاصَّةٌ بِمَا يُوجِبُ الْحَقَّ فِي الثُّلُثِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ النِّيَابَةِ عَنْ الْمُوصِي بَعْدَ الْمَوْتِ فَلِذَلِكَ عَرَّفَهَا الشَّيْخُ بِالْأَمْرِ الْأَعَمِّ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا أَشْبَهُ مَا يُقَالُ فِي رَسْمِهَا بِحَسَبِ عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ قَالَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ مُنَاقَشَةٍ لَا تَخْفَى عَلَيْك وَالشَّيْخُ ﵁ وَنَفَعَ بِهِ لَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي هَذَا مَعَ أَنَّهُ بَحَثَ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَدِّ فِي مَوَاضِعَ مَعَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلْبَحْثِ أَمَّا قَوْلُهُ أَشْبَهُ مَا يُقَالُ فِي رَسْمِهَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ ارْتَضَاهُ إلَّا أَنَّهُ يُورِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُنَاقَشَةِ وَالْمُنَاقَشَةُ لَا تُخِلُّ بِرَسْمِهِ وَيَظْهَرُ لَك مَا فِيهِ بَعْدَ بَيَانِهِ قَوْلُهُ تَمْلِيكٌ مَصْدَرٌ مِنْ مَلَكَ وَالتَّمْلِيكُ إعْطَاءٌ لِمَنَافِعَ أَوْ ذَوَاتٍ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْمُتَمَلَّكَاتِ بَلْ وَكَذَلِكَ الْمُعَاوَضَاتُ فَإِنَّ فِيهَا تَمْلِيكٌ.
قَوْلُهُ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَخْرَجَ بِهِ التَّمْلِيكَ الْوَاقِعَ فِي الْحَيَاةِ قَوْلُهُ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ أَخْرَجَ بِهِ إنْ مَاتَ زَيْدٌ مَلَّكْتُك هَذِهِ الدَّارَ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّمْلِيكُ مُضَافٌ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا بِطَرِيقِ الشَّرْعِ فَأَنْتَ تَرَى هَذَا الرَّسْمَ فَإِنَّ فِيهِ أَبْحَاثًا أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَلَا تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ النِّيَابَةُ عَنْ الْمَيِّتِ فِي التَّصَرُّفِ
стр. 528
لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ ذَاتًا وَلَا مَنْفَعَةً وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِذْنُ فِي التَّصَرُّفِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ هِيَ أَعَمُّ وَأَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّهُ صَيَّرَ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكًا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالتَّمْلِيكُ يَسْتَدْعِي لُزُومَ مَا مَلَّكَ لِلْغَيْرِ غَايَتَهُ أَنَّهُ اسْتَلْزَمَهُ بِشَرْطِ الْمَوْتِ وَلَيْسَ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ ذَلِكَ بَلْ الْوَصِيَّةُ إنَّمَا تَلْزَمُ بِالْمَوْتِ وَذَلِكَ هُوَ خَاصَّتُهَا وَهُوَ اللُّزُومُ بِالْمَوْتِ وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَى التَّدْبِيرِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ فَحَدُّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِإِرْثٍ بَعْدَ مَوْتِ رَجُلٍ وَلَعَلَّ الشَّيْخَ ﵀ رَأَى هَذَا مِنْ الْمُنَاقَشَاتِ فِي هَذَا الرَّسْمِ وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ ﵁ وَنَفَعَ بِهِ " عَقْدٌ " فَالْعَقْدُ هُنَا جِنْسٌ لِلْوَصِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ عُقُودٌ كَثِيرَةٌ قَوْلُهُ " يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهِ " أَخْرَجَ مَا يُوجِبُ حَقًّا فِي رَأْسِ مَالِهِ مِمَّا عَقَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي صِحَّتِهِ.
قَوْلُهُ " يَلْزَمُ بِمَوْتِهِ " هُوَ صِفَةٌ لِعَقْدٍ أَخْرَجَ بِهِ الْمَرْأَةَ إذَا وَهَبَتْ أَوْ الْتَزَمَتْ ثُلُثَ مَالِهِمَا وَلَهَا زَوْجٌ أَوْ مَنْ الْتَزَمَ ثُلُثَ مَالِهِ لِشَخْصٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ وَالْوَصِيَّةُ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْمَوْتِ قَوْلُهُ " أَوْ نِيَابَةً عَنْهُ بَعْدَهُ " نِيَابَةً عَطْفٌ عَلَى حَقًّا مَعْنَاهُ أَوْ يُوجِبُ نِيَابَةً عَنْ عَاقِدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَدْخُلُ الْإِيصَاءُ بِالنِّيَابَةِ عَنْ الْمَيِّتِ (فَإِنْ قُلْت) الشَّيْخُ أَيْضًا أَتَى بِأَوْ فِي هَذَا الرَّسْمِ (قُلْتُ) تَقَدَّمَ هَذَا الْجَوَابُ عَنْهُ مِرَارًا (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا أَوْصَى وَالْتَزَمَ عَدَمَ الرُّجُوعِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ (قُلْتُ) فِيهِ خِلَافٌ وَالْحَدُّ لِلْأَعَمِّ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ أَوْ الِاتِّفَاقِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا الْتَزَمَ عَدَمَ الرُّجُوعِ وَزَادَ مَهْمَا رَجَعْت كَانَ تَجْدِيدًا لِلْوَصِيَّةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْخِلَافِ (قُلْتُ) كَذَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَلَكِنَّ الْخِلَافَ مَوْجُودٌ ذَكَرَهُ ابْنُ الْخَطِيبِ وَغَيْرُهُ وَالْحَدُّ الْمَذْكُورُ أَعَمُّ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَوْ الذَّاتِ أَوْ الْعِتْقِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا أَوْصَى الْوَصِيُّ بِأَنَّ فُلَانًا يَكُونُ وَصِيًّا بَعْدَهُ فَهَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ (قُلْتُ) يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي رَسْمِهِ وَالْوَصِيُّ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُوصَى بَعْدَ مَوْتِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا كَانَ عَلَى طِفْلٍ وَصِبْيَانٍ ثُمَّ أَوْصَى أَحَدُهُمَا عِنْدَ مَوْتِهِ بِجَعْلِ مَا بِيَدِهِ لِأَجْنَبِيٍّ هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ (قُلْتُ) أَجَازَهُ أَشْهَبُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِذَلك فِي النَّظَرِ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَالَ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَهَلْ يُرَدُّ عَلَى حَدِّهِ (قُلْتُ) إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْوَصِيَّةِ فَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلتَّدْبِيرِ فَلَا يُرَدُّ أَيْضًا لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَازِمٌ بِالْقَوْلِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[بَابٌ فِي الْمُوصِي]
(وص ي) :
стр. 529
بَابٌ فِي الْمُوصِي الْمُوصِي الْمَالِكُ الظَّاهِرُ تَمْيِيزُهُ التَّامُّ مِلْكُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ ﵁ " الْمُوصِي الْمَالِكُ إلَخْ " الْمَالِكُ أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْمَالِكِ فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْوَكِيلِ فِي مَالِ غَيْرِهِ وَلَا مَا شَابَهَهُ قَوْله " الظَّاهِرُ تَمْيِيزُهُ " أَخْرَجَ بِهِ مِنْ لَا ظُهُورَ فِي مَيْزِهِ كَالْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ جِدًّا (فَإِنْ قُلْتَ) لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقُلْ الْمُمَيِّزُ وَهُوَ أَخْصَرُ وَيُؤَدِّي مَعْنَى مَا ذَكَرَ (قُلْتُ) لَا شَكَّ أَنَّهُ أَخْصَرُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي مَعْنَى مَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ هُنَا خُصُوصُ تَمْيِيزٍ لَا مُطْلَقِهِ وَهُوَ مَنْ يَعْقِلُ الْقُرْبَةَ كَابْنِ سَبْعِ سِنِينَ وَشِبْهِهِ فَلِذَا عَدَلَ الشَّيْخُ إلَى مَا ذَكَرَ فَتَجُوزُ وَصِيَّةُ مَنْ عَقَلَ الْقُرْبَةَ مِنْ الصِّبْيَانِ وَتَجُوزُ مِنْ السَّفِيهِ الْبَالِغِ وَتَجُوزُ مِنْ الْمَجْنُونِ حَالَ إفَاقَتِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) وَهَلْ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْكَافِرِ (قُلْتُ) إنْ أَوْصَى بِمَالٍ لِمُسْلِمٍ غَيْرَ خَمْرٍ وَلَا خِنْزِيرٍ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَاسْتَدَلَّ بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) أَيُّ شَيْءٍ أَخْرَجَ بِقَوْلِهِ التَّامِّ مِلْكُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمَالِكُ (قُلْتُ) لَعَلَّهُ أَخْرَجَ بِذَلِكَ وَصِيَّةَ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ لَكِنْ لَيْسَ تَامًّا فِي مِلْكِهِ وَيَخْرُجُ الْمُرْتَدُّ إذَا أَوْصَى (فَإِنْ قُلْتَ) ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ رَسْمَ الْوَصِيَّةِ وَرَسْمَ الْمُوصِي وَرَسْمَ الْمُوصَى بِهِ وَرَسْمَ صِيغَةِ الْوَصِيَّةِ وَمِنْ تَمَامِ ذَلِكَ رَسْمُ الْمُوصَى لَهُ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شُرُوطٍ شَرْعِيَّةٍ وَقَدْ ذَكَرَ أَحْكَامَ ذَلِكَ ﵀ (قُلْتُ) رَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ إسْقَاطَ ذَلِكَ وَفِي بَعْضِهَا مَا فِيهِ فَسَادٌ وَالصَّوَابُ ذِكْرُ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ رَسْمُ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) يَصْدُقُ الْمُوصِي عَلَى مَنْ أَوْصَى بِمَالٍ وَعَلَى مَنْ أَوْصَى بِنِيَابَةٍ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ الْمَحْدُودَةَ تَعُمُّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا وَالْمُوصِي الْمَذْكُورُ الَّذِي ذَكَرْت فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطَ إنَّمَا هُوَ الْمُوصِي بِالْمَالِ (قُلْتُ) كَذَلِكَ قَصْدُهُ وَالسِّيَاقُ يُعَيِّنُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُوصَى بِهِ]
(وص ي) : بَابُ الْمُوصَى بِهِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ كُلُّ مَا يُمْلَكُ مِنْ حَيْثُ الْوَصِيَّةُ بِهِ فَتَخْرُجُ الْوَصِيَّةُ بِالْخَمْرِ وَفِي الْمَالِ فِيمَا لَا يَصِحُّ صَرْفُهُ فِيهِ قَوْلُ الشَّيْخِ ﵀ " كُلُّ مَا إلَخْ " صَدَّرَ الرَّسْمَ بِكُلٍّ وَقَدْ قَدَّمْنَا الِاعْتِرَاضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَشُرَّاحِهِ وَعَادَةُ الشَّيْخِ يَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ رُسُومِهِ وَيَأْتِي بِمَا يَصِحُّ التَّعْرِيفُ بِهِ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ ذِكْرَ ضَابِطِ مَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَهَذَا لَا يَكْفِي الِاعْتِرَاضُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُلْزِمُ أَنْ يُقَالَ فِي كَثِيرٍ مِنْ رُسُومِهِ
стр. 530
وَيَصِحُّ إتْيَانُ الْعُمُومِ فِي الْجِنْسِ فِيهِ قَوْلُهُ " يُمْلَكُ " يُعْنَى مَا صَحَّ تَمَلُّكُهُ شَرْعًا فَيَخْرُجُ الْخَمْرُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي نَجَاسَةِ الْعَيْنِ وَمَا لَا يَصِحُّ مِلْكُهُ كَالْحُرِّ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِلْكُهُ مُطْلَقًا قَوْلُهُ " مِنْ حَيْثُ الْوَصِيَّةُ بِهِ " يَخْرُجُ بِهِ مَا إذَا أَوْصَى بِمَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا وَإِنْ صَحَّ مِلْكُهُ كَمَنْ أَوْصَى لِنَائِحَةٍ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ أَوْصَى بِلَهْوٍ أَوْ إعْطَاءِ مَالٍ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ كَقَتْلِ نَفْسٍ أَوْ مَنْ أَوْصَى لِمَنْ يَصُومُ عَنْهُ أَوْ يُصَلِّي عَنْهُ وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْمَيِّتِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ وَلِذَا أَبْطَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ هُنَا وَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْوَصَايَا (قُلْتُ) لَا يَبْعُدُ إجْرَاءُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ مِمَّا هُوَ يُشْبِهُ ذَلِكَ.
[بَابٌ فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ فِي التَّرِكَةِ مِنْ الْوَصِيَّةِ]
ِ قَالَ ﵀ يَوْمَ تَنْفُذُ لِلْوَصِيَّةِ لَا يَوْمَ مَوْتِ الْمُوصِي وَهُوَ ظَاهِرٌ وَرَدَّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ يَوْمَ الْمَوْتِ.
[بَابٌ فِيمَا تَدْخُلُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ]
ُ قَالَ ﵀ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا فِيمَا عَلِمَ بِهِ الْمَيِّتُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ مُطْلَقًا وَانْظُرْ هُنَا مَسَائِلَ فِيهَا خِلَافٌ وَأَبْحَاثٌ.
[بَابُ صِيغَةِ الْوَصِيَّة]
بَابُ الصِّيغَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنَى الْوَصِيَّةِ فَيَدْخُلُ اللَّفْظُ وَالْكِتَابَةُ وَالْإِشَارَةُ هَذَا ظَاهِرٌ وَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا قَدَّمَ فِي رَسْمِهِ كَثِيرًا مِنْ الصِّيَغِ فَفِيهِ أَبْحَاثٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ شَاسٍ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ لَفْظٍ فُهِمَ مِنْهُ قَصْدُ الْوَصِيَّةِ بِالْوَضْعِ أَوْ الْقَرِينَةِ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ لَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ يُفْهَمُ مِنْهُمَا قَصْدُ الْوَصِيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَخْرُجُ عَنْهُمَا الْكُتُبُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ الْكُتُبِ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا اُنْظُرْهُ.
[بَابٌ فِي شُرُوطِ الْوَصِيِّ]
ِّ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ قَالَ ابْنُ شَاسٍ شَرْطُ الْوَصِيِّ التَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ وَالْهِدَايَةُ فِي التَّصَرُّفِ قَوْلُهُ (التَّكْلِيفُ) فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَصِيُّ غَيْرَ بَالِغٍ وَلَا مَجْنُونٍ
стр. 531
وَقَوْلُهُ (مُسْلِمٌ) فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا وَلَا حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا (فَإِنْ قُلْتَ) وَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ ذَلِكَ نَظَرًا (قُلْت) الْمُرَادُ بِمَا ذَكَرَ الشَّرْطُ ابْتِدَاءً وَفِيهِ نَظَرٌ (فَإِنْ قُلْت) وَهَلْ فِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ (قُلْتُ) الشَّيْخُ هُنَا وَهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي نَقْلِهِمَا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْكَافِرِ بِالْمَالِ لَا فِي كَوْنِهِ وَصِيًّا وَقَوْلُهُ الْعَدَالَةُ لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ عَدْلٍ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ الْمُرَادُ هُنَا بِالْعَدَالَةِ السِّتْرُ لَا الْعَدَالَةُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي الشَّهَادَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَ عَنْ ابْنِ حَارِثٍ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ فَهَلْ يَعْزِلُهُ السُّلْطَانُ أَوْ يُقَدِّمُ مَعَهُ (قُلْتُ) فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ اُنْظُرْهُ قَوْلُهُ " وَالْكِفَايَةُ " أَخْرَجَ بِهِ الْعَاجِزَ فَإِنْ ثَبَتَ عَجْزُهُ عُزِلَ كَذَا ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ قَوْلُهُ " وَالْهِدَايَةُ فِي التَّصَرُّفِ " أَخْرَجَ بِهِ السَّفِيهَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْفَرَائِضِ]
(ف ر ض) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ قَالَ الشَّيْخُ ﵁ " عِلْمُ الْفَرَائِضِ لَقَبًا الْفِقْهُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْإِرْثِ وَعِلْمُ مَا يُوَصِّلُ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ مَا يَجِبُ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ فِي التَّرِكَةِ " قَوْلُ الشَّيْخِ ﵁ عِلْمُ الْفَرَائِضِ لَقَبًا هَذَا مِثْلُ أُصُولِ الْفِقْهِ لَقَبًا وَإِضَافَةً فَأَمَّا الْمَعْنَى الْإِضَافِيُّ فَالْعِلْمُ الْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْفِقْهُ وَالْفَرَائِضُ جَمْعُ فَرِيضَةٍ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَأَصْلُ الْفَرْضِ التَّقْدِيرُ وَالْمُرَادُ بِالْفَرَائِضِ الْأَنْصِبَاءُ الْمُقَدَّرَةُ شَرْعًا بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ مِنْ فَرْضٍ وَتَعْصِيبٍ وَعِلْمُ ذَلِكَ فِقْهُهُ وَحِفْظُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الْإِضَافِيَّ بَلْ مَا جَعَلَ الْمُضَافَ وَالْمُضَافَ إلَيْهِ عَلَمًا عَلَى مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ فِي عُرْفِ الْفَرَائِضِ فَلِذَا قَالَ لَقَبًا وَنَصَبَهُ عَلَى حَدِّ نَصْبِ اللَّقَبِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ قَوْلُهُ " الْفِقْهُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْإِرْثِ " هَذَا مَعْنَاهُ لَقَبًا لِأَنَّ مَعْنَى عِلْمِ الْفَرَائِضِ الْفِقْهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِرْثِ قَوْلُهُ " وَعِلْمُ مَا يُوَصِّلُ إلَى مَعْرِفَةِ إلَخْ " هَذَا هُوَ
стр. 532
الْعَمَلُ بِفِقْهِ الْفَرَائِضِ وَلِذَا قَالَ فِقْهُ الْفَرَائِضِ أَعَمُّ مِنْ عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَعِلْمُ الْفَرَائِضِ أَخَصُّ كَمَا أَنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ أَخَصُّ مِنْ فِقْهِ الْقَضَاءِ كَمَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ ﵁ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَهُوَ حَقٌّ وَمَعْرِفَةُ مَا يَجِبُ مِنْ الْحَقِّ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ فِي التَّرِكَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْحِسَابِ وَقَوْلُهُ " الْفِقْهُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْإِرْثِ " أَخْرَجَ بِهِ الْفِقْهَ الْمُتَعَلِّقَ بِغَيْرِ الْإِرْثِ وَقَوْلُهُ " وَعِلْمُ إلَخْ " أَدْخَلَ بِهِ كَيْفِيَّةَ الْقِسْمَةِ وَالْعَمَلَ فِي مَسَائِلِ الْمُنَاسَخَاتِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ عِلْمِ الْفَرَائِضِ (فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُ مَا أَشَرْت إلَيْهِ وَقَرَّرْت بِهِ كَلَامَهُ ﵀ أَنَّ عِلْمَ الْفَرَائِضِ لَقَبًا أَعَمُّ مِنْهُ مُضَافًا (قُلْتُ) وَهَذَا صَحِيحٌ لَا قَدْحَ فِيهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْإِضَافِيَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمَعْنَى اللَّقَبَيَّ بَلْ الْأَمْرُ الْأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَانْظُرْ مَا ذَكَرُوهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ﵁ أَتَى بَعْدَ هَذَا بِأُمُورٍ مَذْكُورَةٍ فِي أَوَائِلِ الْعُلُومِ مُقَرَّرَةً مِنْ الرُّءُوسِ الثَّمَانِيَةِ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عِلْمُ الْفَرَائِضِ جَعَلُوهُ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا ذَكَرَ فِيهِ مَا يَلْزَمُ ذِكْرُهُ فِي كُلِّ عِلْمٍ مِنْ حَدِّهِ وَمَوْضُوعِهِ وَفَائِدَتِهِ فَقَالَ وَمَوْضُوعُهُ التَّرِكَةُ لَا الْعَدَدُ خِلَافًا لِلْمَصْمُودِيِّ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى الْخِلَافِ فِي مَوْضُوعِهِ قَالَ الشَّيْخُ وَمَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ مَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَارِضِهِ الذَّاتِيِّ وَهُوَ مَا لَحِقَهُ لِذَاتِهِ أَوْ مُسَاوِيهِ أَوْ بِجُزْئِهِ أَعَمِّهَا الذَّاتِيِّ لَا عَنْ عَارِضِهِ الْقَرِيبِ كَمَا قَالَ فِي مَنْطِقَيْهِ مِثَالُ الذَّاتِيِّ مَا لَحِقَ إنْسَانًا لِكَوْنِهِ إنْسَانًا وَالثَّانِي مَا لَحِقَهُ لِكَوْنِهِ مُتَعَجِّبًا وَالثَّالِثُ مَا لَحِقَهُ لِكَوْنِهِ حَيَوَانًا وَالْعَارِضُ الْقَرِيبُ مَا لَحِقَهُ لَا خَصَّهُ مِثْلُ مَا لَحِقَ حَيَوَانًا لِكَوْنِهِ إنْسَانًا وَالثَّانِي مَا لَحِقَ إنْسَانًا لِكَوْنِهِ مَاشِيًا هَذَا مَعْنَى مَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمَنْطِقِيِّ وَيُقَالُ أَنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ ذَلِكَ عَلَى رَسْمِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَانْظُرْ الشِّيرَازِيَّ وَغَيْرُهُ مِنْ كُتُبِ الْحُكَمَاءِ قَالَ وَفَائِدَتُهُ كَالْفِقْهِ مَعَ مَزِيَّةِ التَّنْصِيصِ وَمَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ وَحَدُّ كُلِّ عِلْمٍ وَفَائِدَتُهُ هُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ كُلِّ عِلْمٍ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ الْعِلْمَ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ وَيُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ إلَّا بِذَلِكَ وَقَدْ قَرَّرُوا ذَلِكَ فِي مَبَادِئِ الْعُلُومِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَطَالِبُ كُلِّ عِلْمٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَوْضُوعِهِ وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَوْضُوعًا لِعُلُومٍ مُخْتَلِفَةٍ بِجِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَمَوْضُوعُ الْعَرَبِيَّةِ الْكَلِمَاتُ الْعَرَبِيَّةُ مِنْ حَيْثُ إعْرَابُهَا وَجَرْيُهُ عَلَى سُنَنِ طَرِيقِهِ وَالْكَلِمَاتُ أَيْضًا مَوْضُوعُ اللُّغَةِ لَكِنْ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى مَعَانِيهَا الْمُفْرَدَةِ وَكَذَلِكَ الْفِقْهُ مَوْضُوعُهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِهِ لَا مِنْ حَيْثُ خَلْقُهُ
стр. 533
لِلَّهِ تَعَالَى وَمَوْضُوعُ الْحِسَابِ الْعَدَدُ مِنْ حَيْثُ جَمْعُهُ وَتَقْسِيمُهُ لَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَمَوْضُوعُ الْبَيَانِ التَّرَاكِيبُ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ فِيهِ إلَى فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَمُطَابَقَتِهِ لِلْحَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأُصُولُ الْفِقْهِ مَوْضُوعُهُ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ حَيْثُ التَّوَصُّلُ بِهَا إلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَمَوْضُوعُ أُصُولِ الدِّينِ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْقَوْمِ فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَقَوْلُ الشَّيْخِ وَمَوْضُوعُهُ التَّرِكَةُ لَا الْعَدَدُ يَعْنِي التَّرِكَةَ مِنْ حَيْثُ الْعَارِضُ لَهَا الْخَاصُّ بِالْفَرِيضَةِ وَالْعَدَدُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ آلَةٌ لِاسْتِخْرَاجِ الْفَرْضِ مِنْ التَّرِكَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجْعَلْ الْعَدَدَ مَوْضُوعًا وَلَمَّا رَأَى غَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ مِنْ التَّرِكَةِ إلَّا بِاتِّفَاقِ الْعَمَلِ بِالْعَدَدِ صَيَّرَ الْعَدَدَ كَأَنَّهُ هُوَ الْمَوْضُوعُ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْفَرْضَ الْمُقَدَّرَ إنَّمَا أُخْرِجَ مِنْ التَّرِكَةِ وَهُوَ مَالٌ فَالتَّرِكَةُ أَنْسَبُ لِكَوْنِهَا مَوْضُوعَهُ وَالْعَدَدُ إنَّمَا هُوَ آلَةٌ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا عِلْمٌ شَرِيفٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَلِذَلِكَ حَضَّ فِي السُّنَّةِ عَلَيْهِ.
وَوَقَعَ هُنَا لِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ أَنْ قَالَ عِلْمُ الْفَرَائِضِ شَرِيفٌ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ جُزْءًا مِنْ عِلْمِ الْفِقْهِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا امْتَزَجَ الْحِسَابُ بِهِ فِي نَظَرِ النَّاظِرِ صَارَ كَأَنَّهُ عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ فَلِذَلِكَ أَفْرَدَ لَهُ الْعُلَمَاءُ تَوَالِيفَ هَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَعْلُومَيْنِ فِي فَضْلِهِ وَأَحَدُهُمَا ذُكِرَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفَرَائِضَ ثُلُثُ الْعِلْمِ وَالْآخَرُ ذُكِرَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ قَالَ ﵀ وَالنَّظَرُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ لَيْسَ مِنْ نَظَرِ الْفَقِيهِ قَالَ وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ لَتَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ أَجْوِبَةَ غَيْرِهِ قِيلَ الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الْمُبَالَغَةُ وَقِيلَ لَمَّا كَانَ لِلْإِنْسَانِ حَالَةُ حَيَاةٍ وَحَالَةُ مَوْتٍ وَكَانَتْ الْفَرَائِضُ بَعْدَ الْمَوْتِ نَاسَبَ نِسْبَةَ النِّصْفِ لَهَا اُنْظُرْ الشَّيْخَ الْإِمَامَ الْعُقْبَانِيّ ﵀ فَإِنَّ لَهُ فَوَائِدَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْحَوفِيِّ وَكَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي هَذَا الْعِلْمِ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ صِنَاعَةً وَعِلْمًا مَعَ أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ تِلْمِيذُهُ ﵀ قَرَأَ الْحُوفِيُّ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ الشَّيْخُ السَّطِّيُّ ﵀ مَعَ السُّلْطَانِ أَبِي الْحَسَنِ اجْتَمَعَ بِهِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ الْحُوفِيُّ فَقَالَ لَهُ إنِّي لَا أَجِدُ مَحِلًّا لِلْإِقْرَاءِ إلَّا فِي سَاعَةٍ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي بَابِ جَامِعِ الْقَصَبَةِ الْعَلِيَّةِ فَكَانَ الشَّيْخُ ﵀ يُبَكِّرُ وَيَجْلِسُ هُنَاكَ يَنْتَظِرُهُ فَإِذَا قَدِمَ فَتَحَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ فِي أَوَّلِ قِرَاءَتِهِ هَلَّا اكْتَفَيْت بِالشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِأَنَّك خَتَمْت عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَذَكَرَ لَهُ ﵀ أَنَّ بِهِ مَوَاضِعَ أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا وَصَلَهَا بَيَّنَهَا لَهُ كَمَا يَجِبُ فِي الْإِقْرَارَاتِ وَالْوَصَايَا وَالْمُنَاسَخَاتِ فَرَحِمَ
стр. 534
اللَّهُ الْعُلَمَاءَ كَيْفَ كَانَ طَرِيقُهُمْ وَحِرْصُهُمْ عَلَى تَحْصِيلِ الْعُلُومِ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ وَكَانَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلَاعِيُّ الْمُشْتَهِرُ بِالْحَوْفِيِّ لَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي هَذَا الْفَنِّ وَمَا أَلَّفَ فِي الْفَرَائِضِ مِثْلُهُ جَمْعًا وَتَحْصِيلًا وَعَمَلًا وَعِلْمًا وَقَدْ رَدَّ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ عَلَى شَيْخِهِ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِ وَبَحَثَ مَعَهُ حَيْثُ قَسَمَ الْفُرُوضَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مُسَمَّاةٌ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وَفِي قَوْلِهِ وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً الْآيَةَ وَمِنْهَا فَرْضٌ وَاحِدٌ مَحْدُودٌ غَيْرُ مُسَمًّى وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فَلَمَّا جَعَلَ لَهَا الثُّلُثَ عُلِمَ أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَبِ وَهُوَ الثُّلُثَانِ وَمِنْهَا سِتَّةُ فُرُوضٍ فَذَكَرَ الْفُرُوضَ السِّتَّةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا ذَكَرَهُ مَعَ حُسْنِهِ وَغَرَابَتِهِ فَفِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُ عَدَدُ الْفُرُوضِ الْمُسَمَّاةِ غَيْرِ الْمَحْدُودَةِ لِتَعَدُّدِ أَصْحَابِهَا وَجَعَلَهَا ثَلَاثَةً وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ اثْنَانِ لِأَنَّ الَّذِي لِلْأَوْلَادِ مِثْلُهُ لِلْإِخْوَةِ فَإِنْ كَانَ لِتَعَدُّدِ سَبَبِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مِثْلُهُ فِي الْفُرُوضِ السِّتَّةِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَصْحَابًا مَا عَدَا الثُّمُنَ وَالتَّعَدُّدَ فِيهَا لِتَعَدُّدِ أَصْحَابِهَا بَاطِلٌ فَكَذَلِكَ هُنَا فَرَدَّ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ إنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَقِيقَةِ اثْنَانِ إلَخْ غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي اثْنَيْنِ بِجَعْلِ الْبِنْتَيْنِ وَالْإِخْوَةِ نَوْعًا وَاحِدًا إلَّا إذَا جَعَلَ مُوجِبَ التَّعَدُّدِ اخْتِلَافَ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُوجِبُهُ اخْتِصَاصُ نَوْعٍ مِنْهَا بِلَفْظِ قُرْآنٍ يَخُصُّهُ بِالتَّسْمِيَةِ وَالذِّكْرِ دُونَ إشَارَةٍ إلَى نِسْبَةِ الْقَدْرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِنْ التَّرِكَةِ قَالَ فَتَأَمَّلْهُ قَالَ وَكَانَ يَمْشِي لَنَا النَّظَرُ فِي هَذَا الرَّدِّ بَعْدَ مُطَالَعَةِ شُرَّاحِ الْحَوفِيِّ مِنْ الْعُقْبَانِيِّ وَالسَّطِّيِّ وَبِالْجُمْلَةِ فَالشَّيْخ الْإِمَامُ الْعَلَامَةُ سَيِّدِي الْفَقِيهُ ﵀ لَهُ يَدٌ عَالِيَةٌ سَبَقَ بِهَا أَهْلَ السَّبْقِ فِي جِدُّهُ وَاجْتِهَادِهِ وَفَهْمِهِ وَتَحْصِيلِهِ وَقُوَّةِ فَهْمِهِ وَعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَلَمَّا جَرَتْ هَذِهِ الْعُلُومُ الْعَقْلِيَّةُ عَنْهُ وَعِنْدَهُ وَتَمَكَّنَتْ وَصَارَتْ مَلَكَةً لَهُ أَقْدَرُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كَشْفِ حَقَائِقِ دَقَائِقِ أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ وَمَلَكَ زِمَامَ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ وَعَلَا فَخْرُهُ وَانْتَشَرَ فِي الْعَالَمِ ذِكْرُهُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي خَوْضِ مِثْلِي الْقَاصِرِ فِي بَاعِهِ الْمُتَطَفِّلِ عَلَى شَرْحِ كَلَامِ أَحِبَّائِهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ فَنَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ لِي وَالرَّحْمَةَ مِنْهُ وَسِتْرَ عَيْبِي وَمَا خَفِيَ مِنْ غَيْبِي وَمِنْ تَصَنُّعِي وَقِلَّةِ عَمَلِي وَنَرْجُو مِنْهُ سُبْحَانَهُ الْعَفْوَ وَالْغُفْرَانَ بِخِدْمَةِ هَذَا السَّيِّدِ الْوَلِيِّ حَبِيبِ الرَّحْمَنِ وَنَرْغَبُ مِنْهُ ﵁ أَنْ يَسْتَوْهِبَ لَنَا مِنْ اللَّهِ الْجُودَ وَالْإِحْسَانَ وَقَدْ ظَهَرَتْ
стр. 535
بَرَكَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذَا الْإِمَامِ وَسَعَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي تَخْصِيصِهِ بِفَضْلِهِ مِنْ بَيْنِ الْأَنَامِ وَلَكِنْ لَا يَيْئِسْ مِنْ رَحْمَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِمَحَبَّتِنَا وَخِدْمَتِنَا فِي مُحِبِّي النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَأَفْضَلُ السَّلَامِ.
وَقَدْ أَنْشَدَ ﵁ أَبْيَاتًا فِي آخِرِ كِتَابِهِ فِي الْفَرَائِضِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْأَكْدَرِيَّةِ يُنَاسِبُ إنْشَادُهَا حَالِي لِأَنِّي الْمَفْضُولُ فِي أَعْمَالِي وَأَقْوَالِي وَلَيْسَ لِي فِي الْحَقِيقَةِ فَضْلٌ وَلَا عِلْمٌ وَعَمَلٌ قَالَ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ وَرَضِيَ عَنْهُ
وَلَا يَيْئِسْ الْمَفْضُولُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى ... مَزِيدٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ بِالضَّرُورَةِ
فَرُبَّ مَقَامٍ أَنْتَجَ الْأَمْرُ عَكْسَهُ ... كَحَمْلٍ بِأُنْثَى جَاءَ فِي الْأَكْدَرِيَّةِ
لَهَا إرْثُهَا فِيهِ وَزَادَ لِجَدِّهَا ... وَلِلذَّكَرِ الْحِرْمَانُ دُونَ زِيَادَةِ
وَإِنْ كُنَّا مَفْضُولِينَ مُقَصِّرِينَ فَنَرْجُو مِنْ أَرْحَمْ الرَّاحِمِينَ أَنْ يَجْبُرَ قُلُوبَنَا بِمَا نَبْلُغُ بِهِ دَرَجَاتِ الصَّالِحِينَ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَشَفِيعِ الْمُذْنِبِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ لِأَنِّي أَقُولُ وَأَتَوَسَّلُ بِالسَّيِّدِ الرَّسُولِ
أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْت مِنْهُمْ ... وَلَكِنِّي بِهِمْ أَرْجُو الشَّفَاعَهْ
وَأَكْرَهُ مِنْ بِضَاعَتُهُ الْمَعَاصِي ... وَإِنْ كُنَّا سَوَاءً فِي الْبِضَاعَهْ
وَنُكْمِلُ الْفَائِدَةَ بِمَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَكْدَرِيَّةِ.
وَصُورَةُ الْأَكْدَرِيَّةِ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَجَدٌّ وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ أَوْ لِأَبٍ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ الْفَرِيضَةُ مِنْ سِتَّةٍ ثُمَّ يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَذَلِكَ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيُعَالُ بِنِصْفِ الْفَرِيضَةِ إلَى تِسْعَةٍ ثُمَّ إنَّ الْجَدَّ يَطْلُبُ الْمُقَاسَمَةَ مَعَهَا بِخَلْطِ سِهَامِهِ مَعَ سِهَامِهَا فَتُقْسَمُ أَرْبَعَةٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَتُضْرَبُ التِّسْعَةُ فِي الثَّلَاثِ فَتَصِحُّ الْفَرِيضَةُ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ لِلزَّوْجِ مِنْهَا تِسْعَةٌ وَلِلْأُمِّ سِتَّةٌ وَلِلْأُخْتِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْجَدِّ ثَمَانِيَةٌ وَلِهَذَا يُقَالُ:
فَرِيضَةٌ لِأَرْبَعَةٍ أَخَذَ أَحَدُهُمْ ثُلُثَهَا وَانْصَرَفَ ثُمَّ أَخَذَ الثَّانِي ثُلُثَ مَا بَقِيَ وَانْصَرَفَ ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثُ ثُلُثَ مَا بَقِيَ ثُمَّ قِيلَ أَيْضًا مَا فَرِيضَةٌ يُؤَخَّرُ قَسْمُهَا لِحَمْلٍ فَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى وَرِثَتْ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا لَمْ يَرِثْ فَإِذَا هَلَكَتْ هَالِكَةٌ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَجَدَّهَا فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ حَامِلًا آخَرَ قُسِمَ التَّرِكَةُ فَإِنْ أَتَتْ بِأُخْتٍ شَقِيقَةٍ أَوْ لِأَبٍ كَانَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْعَمَلِ وَوَقَعَ الْمِيرَاثُ لَهَا وَإِنْ وَضَعَتْ ذَكَرًا فَلَا إرْثَ لَهُ مَعَ الْجَدِّ فَهَذَا الَّذِي قَصَدَ بِقَوْلِهِ فِي الْأَبْيَاتِ ﵀ فَإِنَّ الذَّكَرَ أَفْضَلُ مِنْ الْأُنْثَى وَرُبَّمَا كَانَ لِلْأُنْثَى مَا لَا يَكُونُ لِلذَّكَرِ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ خَالِقُ الْجُودِ الْعَمِيمِ وَجَرَتْ عَادَتُهُ ﵁ يُنْشِدُ أَبْيَاتًا
стр. 536
حِكَمِيَّةً لَوْذَعِيَّةً فِي مَعَانٍ حُكْمِيَّةٍ وَقَوَاعِدَ فِقْهِيَّةٍ وَقَوَاعِدَ عَقْلِيَّةٍ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْهِ بِحُسْنِ سَرِيرَتِهِ وَطَيَّبَ فَهْمَهُ وَعَقِيدَتَهُ وَحَفِظَ لِسَانَهُ وَكَتَبَ بَنَانَهُ وَلَمَّا كَاتَبَهُ شَيْخُ الْمُوَحِّدِينَ بِزَمَنِهِ الشَّيْخُ ابْنُ تَافَرَا حِينَ بَعَثَ إلَيْهِ سُؤَالًا مُسْتَفْتِيًا لَهُ فِي نَازِلَةٍ وَقَعَتْ لَهُ فَسَأَلَ شَيْخَ الْإِسْلَامِ وَعَلَمَ الْأَعْلَامِ وَخَاطَبَهُ بِأَبْيَاتٍ فِيهَا مَحَاسِنُ وَآيَاتٌ فَقَالَ وَأَجَادَ فِي الْمَقَالِ مُخَاطِبًا لِأَهْلِ الْكَمَالِ.
يَا دَوْحَةَ الْأَدَبِ الْمَصُونِ فِي الْعُلَا ... مِنْك اسْتَطَبْنَا الطَّعْمَ وَالْمَشْمُومَا
أَوْرَتْ زِنَادُك فِي الْعُلُومِ فَأَصْبَحَتْ ... تُهْدِي إلَيْك نَفَائِسًا وَعُلُومَا
فَإِذَا تَرَى لِمُتَيَّمٍ لَعِبْت بِهِ ... أَيْدِي الزَّمَانِ فَصَبَّحَتْهُ هَشِيمَا
ذِي زَوْجَتَيْنِ كَرِيمَتَيْنِ مِنْ الْعُلَا ... أَصْلًا وَفَرْعًا زَادَتَا تَكْرِيمَا
بَيْضَاوَتَانِ عَلَيْهِمَا نَسْجُ الْحَيَا ... حُلَلًا فَأَصْبَحَتَا بِذَاكَ نَظِيمَا
أَبْدَى الْيَمِينَ بِزَوْجَتَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ ... يَدْرِي فُرَادَى قَالَ أَوْ تَحْرِيمَا
فَالشَّكُّ خَالَطَهُ وَأَوْهَمَ عَقْلَهُ ... حَتَّى غَدَا مَا يَفْهَمُ التَّسْلِيمَا
وَلَقَدْ يَجُولُ بِفِكْرِهِ فِي رَأْيِهِ ... وَيُمَحِّصُ الْأَوْهَامَ وَالتَّقْسِيمَا
فَيَعُودُ وَهُوَ مُشَكَّكٌ فِي أَمْرِهِ ... قَدْ كَادَ يَمْنَعُ جَفْنَهُ التَّنْوِيمَا
أَفْصِحْ فَدَيْتُك مَا سَأَلْتُ مُحَقَّقًا ... تَجْلُو عَنَاهُ وَتَمْنَحُ التَّعْلِيمَا
فَأَجَابَ الشَّيْخُ ﵁ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَبَرَّدَ ضَرِيحَهُ وَأَثَابَ مَادِحَهُ وَلَقَدْ أَجَادَ فِي مَدْحِهِ وَحُسْنِ أَدَبِهِ قَالَ ﵀
وَنَفَعَ بِهِ يَا مَنْ غَدَا مَثَلًا لِحُسْنِ فِعَالِهِ ... وَمَقَالِهِ الْمَعْقُولَ وَالْمَنْقُولَ
يَا مَنْ نَتَائِجُ فِكْرِهِ مَعْرُوفَةٌ ... بِالصِّدْقِ مِثْلُ ذِمَامِهِ الْمَأْمُولِ
مَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ بِحِنْثِهِ ... فِي حَلْفِهِ بِمَقَالِهِ الْمَبْذُولِ
مَشْهُورُ مَذْهَبِنَا يُعَمِّمُ حِنْثَهُ ... فِي كُلِّ مَعْنَى شَكِّهِ الْمَدْلُولِ
وَمَقَالَةٌ أُخْرَى تُخَصِّصُ حِنْثَهُ ... بِيَقِينِهِ لَا شَكِّهِ الْمَحْلُولِ
وَجْهَاهُمَا اسْتِصْحَابُ حُكْمٍ سَابِقٍ ... مُتَيَقِّنٍ أَوْ لَاحِقٍ مَجْهُولٍ
فَانْظُرْ بِعَيْنِ كَمَالِكُمْ وَمَجَالِكُمْ ... فِي مَنْزَعَاتِ الْعَقْلِ وَالْمَنْقُولِ
فَهَذَا جَوَابُ الشَّيْخِ ﵁ وَعَفَا عَنْهُ فَتَأَمَّلْ حُسْنَ أَدَبِهِ مَعَ عُلُوِّ رِفْعَتِهِ وَعِزِّ قَدْرِهِ وَقَدْ عَلِمَتْ الْأَكَابِرُ فَضْلَهُ وَدِينَهُ وَهَدْيَهُ وَعِلْمَهُ وَفَهْمَهُ وَمَا يَقَعُ فِي جَانِبِهِ إلَّا مَنْ عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ وَظَهَرَتْ فَضِيحَتُهُ وَقَلَّ حَيَاؤُهُ وَذَهَبَ مَاؤُهُ وَنَظَرَ مِنْ غَيْرِ مِشْكَاتِهِ وَمِنْ خُفَّاشِ مِرْآتِهِ وَلَمَّا ذَهَبَتْ مُرُوءَةُ الْعِلْمِ وَمَحَبَّةُ أَهْلِ الْفَهْمِ فَلَا تَجِدُ مَنْ يُحِبُّ أَهْلَ
стр. 537
الْحَقَائِقِ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الرِّقَّةِ وَالدَّقَائِقِ وَلَمَّا قَدِمَ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ الْمَرَّاكُشِيُّ الْكَفِيفُ حَضَرَ مَجْلِسَ الشَّيْخِ الْإِمَامِ وَعَلَمِ الْأَعْلَامِ الَّذِي اعْتَرَفَ لَهُ بِالْحَقِّ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ صِنْفِهِ سَيِّدُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ وَكَانَ مَجْلِسُهُ مَعْلُومًا حُسْنُهُ شَاعَ فَخْرُهُ فِي الْمَغَارِبِ وَالْمَشَارِقِ وَاعْتَرَفَ لَهُ أَهْلُ الْفَضْلِ بِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُهُ سَابِقٌ مِنْهُمْ وَلَا لَاحِقٌ فَحَضَرَ الْفَقِيهُ الْمَذْكُورُ خَلْفَ الْحَلْقَةِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلَامٍ وَلَا وَصْلٍ إلَى تَمَامٍ فَقَامَ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ الْمُبَارَكِ بِالْإِعْرَاضِ وَنَطَقَ بِكَلِمَاتٍ تَدُلُّ عَلَى الْأَمْرَاضِ فَلَيْتَهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَأَنْصَفَ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا يَجِدُهُ عِنْدَ السُّؤَالِ.
أَتَيْت دُرُوسَهُمْ يَوْمًا صَبَاحًا ... فَإِنْ شِئْت أَسْتَمِعُ بَيْتَ الْقَصِيدَهْ
سَمِعْت بِهِ النَّتَائِجَ وَالتَّنَادِي ... كَأَنَّهُمْ الْكِلَابُ عَلَى الطَّرِيدَهْ
مَا أَغْنَاهُ عَنْ كَلَامِهِ وَمَا أَحْلَمَ اللَّهَ عَلَيْهِ فِي إمْهَالِهِ فَأَجَابَتْهُ أَهْلُ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَالْأَفْئِدَةِ الْكَرِيمَةِ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ كَادَتْ تَنْفَطِرُ وَالْبِحَارُ تَنْفَجِرُ فَلَمَّا بَلَغَ الشَّيْخُ ﵁ كَلَامُهُ أَعْرَضَ عَنْ الْقِيَامِ لِنَفْسِهِ فَأَجَابَهُ بِمَا يَهْدِيهِ إلَى الْحَقِّ وَالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ وَخَاطَبَهُ بِمَا يَقْتَضِيهِ قَلْبُهُ السَّلِيمُ
وَمَا حَالُ مَنْ يَهْجُو أَخَاهُ بِلَفْظَةٍ ... إذَا ذُكِرَ الْمَرْوِيُّ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ
وَعِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْبَحْثِ وَالنَّظَرِ ... سِوَى حَالِ مَنْ قَدْ سَاءَهُ قَلْبُ نُكْتَةِ
فَبَاءَ بِفِسْقٍ قَالَهُ سَيِّدَاتِي ... بِصِدْقٍ وَتِبْيَانٍ وَوَعْظٍ وَوَحِكْمَةِ
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ شَيْخِهِ قَوْلَهُ سِبَابٌ ... لَدَى الْإِسْلَامِ فِسْقٌ بِحُجَّةِ
بِصُغْرَى وَكُبْرَى يُنْتَجَانِ فُسُوقَهُ ... فَبِاَللَّهِ أَعْرِضْ عَنْهُ وَادْفَعْهُ بِاَلَّتِي
﵁ بِاسْتِعْمَالِهِ الْعِلْمَ وَوُقُوفِهِ عِنْدَهُ قِيلَ لَهُ كَيْفَ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ.
قَالَ يُقَالُ الْهَاجِي سَابٌّ وَكُلُّ سَابٍّ فَاسِقٌ فَالْهَاجِي فَاسِقٌ الصُّغْرَى جَلِيَّةٌ وَالْكُبْرَى مِنْ الْحَدِيثِ صَحِيحَةٌ وَالنَّتِيجَةُ لَازِمَةٌ وَقَدْ طَلَبَهُ الشَّيْخُ الشَّرِيفُ النَّجَّارُ أَنْ يُجِيزَهُ إجَازَةً بِالشَّعْرِ فَأَجَازَهُ بِقَوْلِهِ
أَجَزْتُكُمْ كَيْفَ شِئْتُمْ كُلُّ مُشْتَرِطٍ ... بِشَرْطِهِ حَاصِلٌ دُرًّا عَلَى صُدِفَهْ
وَالْوَهْمُ فِي مَدْحِكُمْ إيَّايَ ذَكَّرَنِي ... ضَرُورَةَ الْقَلْبِ قَلْبُ الْمُهْتَدِي عَرَّفَهُ
أَرَدْت بِالْقَلْبِ قَلْبَ الْمَدْحِ لَا ضَرَرًا ... بَلْ سِتْرَ رَسْمِي جَمَالًا اجْتَنَى لُطْفَهْ
وَلَهُ ﵁ فِي أَشْعَارِهِ الَّتِي جَمَعَتْ مَحَاسِنَ وَآدَابًا وَهَدْيًا إلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ مَا يَحْتَاجُ إلَى جَمْعٍ وَتَقْيِيدٍ دَلَّتْ عَلَى تَوْفِيقٍ لَهُ وَتَأْيِيدٍ وَمِنْ أَحْسَنِ مَا خَتَمَ بِهِ شِعْرَهُ مَا
стр. 538
ذَكَرَهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ الْمُبَارَكِ فِي آخِرِ عَامِ ثَمَانِيَةٍ وَتِسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ قَالَ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ أَنْشَدَ الشَّيْخَ الْإِمَامَ ﵀ وَنَفَعَ بِهِ
بَلَغْت الثَّمَانِينَ بَلْ جُزْتهَا ... وَهَانَ عَلَى النَّفْسِ صَعْبُ الْحِمَامِ
وَآحَادُ عَصْرِي مَضَوْا جُمْلَةً ... وَصَارُوا خَيَالًا كَطَيْفِ الْمَنَامِ
وَأَرْجُوا بِهَا نَيْلَ صَدْرِ الْحَدِيثِ ... بِحُبِّ اللِّقَاءِ وَكُرْهِ الْمَقَام
وَكَانَتْ حَيَّاتِي بِلُطْفٍ جَمِيلٍ ... لِسَبْقِ دُعَاءِ أَبِي فِي الْمَقَامِ
وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ﵁ «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» وَهَذَا بَعْدَ مَا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ مِنْ التَّقْيِيدِ عَلَى رُسُومِهِ وَبَعْضِ ضَوَابِطِهِ بِبَرَكَتِهِ وَفَضْلِهِ وَمَقْصِدِي بِذَلِكَ خِدْمَتُهُ وَأَنْ تَعُودَ عَلَيَّ وَعَلَى عَقِبِي بَرَكَتُهُ وَنَرْجُو اللَّهَ وَإِنْ كُنْت مُقَصِّرًا فِي الْأَعْمَالِ قَلِيلَ الْعَمَلِ بَيْنَ فُحُولِ الرِّجَالِ أَنَّ حُبَّهُ يَسْتُرُ عَلَيْنَا جَهْلَنَا وَيُعَرِّفُنَا قَدْرَنَا وَنَرْجُو اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ نُكْمِلَ الْفَائِدَةَ بِمَا فِي كِتَابِهِ بَيَانُ ضَوَابِطِهِ وَشَرْحُ حِكَمِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَمُنُّ عَلَيْنَا بِفَضْلِهِ وَلَا يُخَيِّبُنَا مِنْ رَجَاءِ عَفْوِهِ وَيَسْتُرُنَا فِيمَا بَقِيَ مِنْ أَحْوَالِنَا كَمَا سَتَرَنَا فِيمَا مَضَى مِنْ أَعْمَارِنَا وَلَا يَفْضَحُنَا يَوْمَ لِقَاهُ وَيَعْمُرُ قُلُوبَنَا بِحُبِّهِ حَتَّى لَا نَرَى إلَّا إيَّاهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا سَلَامًا يَكُونُ لَنَا عُدَّةً نَنَالُ بِهِ رِضَاهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ تَقْيِيدِهِ فِي الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامِ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَفَاتِحَةُ ابْتِدَاءِ تَقْيِيدِهِ أَوَاسِطَ شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ الْمُنْصَرِمِ عَنْ عَامِ تَارِيخِهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا بِالرِّضَى وَالرِّضْوَانِ وَالْعَافِيَةِ فِي الدِّينِ وَالْبَدَنِ وَالْأَمَانِ وَنَرْغَبُ مِنْ نَاظِرِهِ الْوَفَاءَ بِأُخُوَّةِ الْإِيمَانِ وَالدُّعَاءِ لِوَلِيِّ اللَّهِ صَاحِبِ هَذِهِ الْحُدُودِ بِالْغُفْرَانِ وَلِمَنْ اعْتَنَى بِهَا مِنْ أَهْلِ الْإِحْسَانِ سَاتِرًا لِمَعَايِبِهِ فِيمَا يَكُونُ مِنْهُ أَوْ كَانَ وَمُؤَلِّفُ هَذَا التَّأْلِيفِ يُخَاطِبُ نَاظِرَهُ مِنْ أَهْلِ التَّعْرِيفِ وَيَقُولُ
بِاَللَّهِ يَا مُسْتَفِيدًا مِنْ فَوَائِدِهِ ... لَا تَبْخَلَن بِأَنْ تَدْعُوَ لِكَاتِبِهِ
وَاذْكُرْ لِوَاضِعِهِ أَيْضًا فَإِنَّ لَهُ ... حَظًّا وَلَا تَنْسَ أَيْضًا حَقَّ كَاسِبِهِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
стр. 539
الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ أَصْلُهُ وَمَنْشَؤُهُ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ الْوَرْغَمِّيُّ وُلِدَ سَنَةَ ٧١٦ وَكَانَ وَالِدُهُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ جَاوَرَ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ وَكَانَ يَعْمُرُ بَعْضَ اللَّيْلِ بِالتَّهَجُّدِ ثُمَّ يَدْعُو لِوَلَدِهِ صَاحِبِ التَّرْجَمَةِ وَنَشَأَ صَاحِبُ التَّرْجَمَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِحَزْمٍ وَجِدٍّ وَلَازَمَ الْأَجِلَّةَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقْتَبِسُ مِنْ أَنْوَارِهِمْ فَأَخَذَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ عَنْ ابْنِ سَلَامَةَ. قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ» إلَخْ قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَرَفَةَ ذَهَبَ وَالِدِي إلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَسْتَشِيرُهُ فِيمَنْ أَقْرَأُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عَلَيْك بِابْنِ سَلَامَةَ فَإِنَّ مِيعَادَهُ نَقِيٌّ وَإِيَّاكَ فُلَانًا فَإِنِّي سَمِعْت عَنْهُ وَعَنْ مِيعَادِهِ شَرًّا. وَأَخَذَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ وَالْفِقْهَ وَالْحَدِيثَ وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ تَلَامِيذِهِ مُلَازَمَةً لَهُ وَأَخَذَ الْفَرَائِضَ عَنْ وَالسَّطِّيِّ وَأَخَذَ الْمَنْطِقَ وَالْجَدَلَ عَنْ ابْنِ الْحُبَابِ وَأَخَذَ الْحِسَابَ وَعُلُومًا عَقْلِيَّةً أُخْرَى عَنْ الْأُبُلِّيِّ.
قَالَ الشَّيْخُ بَابَا نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْأَزْرَقِ وَوَقَفْت فِي مَكْتُوبٍ لِابْنِ عَرَفَةَ وَفِيهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَنْ ابْنِ الْحُبَابِ جُمْلَةً مِنْ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ قِرَاءَةَ بَحْثٍ وَتَحْقِيقٍ وَجُمْلَةً مِنْ التَّسْهِيلِ عَلَى بَعْضِ شُيُوخِهِ وَسَمِعَ إلْقَاءَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ التَّفْسِيرَ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِآخِرِهِ بِمَا يَجِبُ لِذَلِكَ مِنْ تَحْقِيقِ أَحْكَامِ الِاعْتِقَادِ وَالْفِقْهِ وَقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْبَيَانِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَتَوَقَّفُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ عَلَيْهِ مَعَ مُرَاجَعَةٍ وَبَحْثٍ وَسُؤَالٍ وَجَوَابٍ وَقَرَأْت عَلَيْهِ جَمِيعَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِهِ إلَّا يَسِيرًا وَسَمَّعْت عَلَيْهِ بَعْضَ الْبُخَارِيِّ وَالْمُوَطَّأُ وَقَرَأْت عَلَيْهِ جُمْلَةً مِنْ التَّهْذِيبِ. وَتَبَرَّزَ ﵀ فِيمَا دَرَسَهُ عَلَى كَثْرَتِهِ وَصُعُوبَةِ بَعْضِهِ. وَمِمَّا قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِالْمَغْرِبِ سَمِعَ مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ سَلَامَةَ وَابْنِ بَلَّارٍ وَاشْتَغَلَ وَمَهَرَ فِي الْفُنُونِ وَأَتْقَنَ الْمَعْقُولَ حَتَّى صَارَ الْمَرْجِعَ فِي الْفُنُونِ إلَيْهِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ مُعَظَّمًا عِنْدَ السُّلْطَانِ فَمَنْ دُونَهُ مَعَ دِينٍ مَتِينٍ وَصَلَاحٍ وَقَدْ انْتَصَبَ ﵀ لِلتَّدْرِيسِ وَأَخَذَ عَنْهُ جَهَابِذَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا يُقَارِبُ النِّصْفَ قَرْنٍ. وَمِمَّنْ أَخَذَهُ وَتَخَرَّجَ عَنْهُ الشَّيْخُ الْبُرْزُلِيُّ وَالشَّيْخُ الْأَبِيُّ وَالشَّيْخُ الرَّصَّاعُ وَالشَّيْخُ ابْنُ عَلْوَانَ وَأَضْرَابُهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ. وَكَانَ الشَّيْخُ يَقُولُ فِي دَرْسِهِ
إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَجْلِسِ الدَّرْسِ نُكْتَةٌ ... وَتَقْرِيرُ إيضَاحٍ لِمُشْكِلٍ صُوَرَهْ
стр. 540
وَعَزْوُ غَرِيبِ النَّقْلِ أَوْ فَتْحُ مُقْفِلٍ ... أَوْ إشْكَالٌ أَبْدَتْهُ نَتِيجَةُ فِكْرِهْ
فَدَعْ سَعْيَهُ وَانْظُرْ لِنَفْسِك وَاجْتَهِدْ ... وَإِيَّاكَ تَرْكًا فَهُوَ أَقْبَحُ خُلَّهْ
وَقَدْ أَجَابَهُ تِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ الْأَبِيُّ بِقَوْلِهِ
يَمِينًا بِمِنْ أَوْلَاك أَرْفَعَ رُتْبَةٍ ... وَزَانَ بِك الدُّنْيَا بِأَكْمَلِ زِينَةِ
لِمَجْلِسِك الْأَعْلَى كَفِيلٌ بِكُلِّهَا ... عَلَى حِينِ مَا عَنْهَا الْمَجَالِسُ وَلَّتْ
فَأَبْقَاك مَنْ رَقَّاك لِلْخَلْقِ رَحْمَةً ... وَلِلدِّينِ سَيْفًا قَاطِعًا كُلَّ فِتْنَةِ
قَالَ الشَّيْخُ الْأَبِيُّ ﵀ وَإِنِّي لَبَارٌّ فِي قَسَمِي فَلَقَدْ كُنْت أُقَيِّدُ مِنْ زَوَائِدِ إلْقَائِهِ وَفَوَائِدِ إبْدَائِهِ عَلَى الدُّوَلِ الْخَمْسِ الَّتِي تُقْرَأُ بِمَجْلِسِهِ مِنْ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالثَّلَاثِ الَّتِي فِي التَّهْذِيبِ نَحْوُ الْوَرَقَتَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكُتُبِ اهـ. وَكَانَ لَهُ ﵀ دُرُوسٌ يُلْقِيهَا فِي الْمَدْرَسَةِ التَّوْفِيقِيَّةِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى الزَّوَالِ فِي فُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ يَبْتَدِئُهَا بِالتَّفْسِيرِ وَزَارَهُ فِيهَا الْإِمَامُ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَهُوَ يُفَسِّرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف: ٣٦] الْآيَةَ فَقَالَ لَهُ أَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَنْ هَا هُنَا مَوْصُولَةً فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ كَيْفَ وَقَدْ جَزَمَتْ فَقَالَ جَزَمَتْ تَشْبِيهًا لَهَا بِالشَّرْطِيَّةِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّمَا يُقْدَمُ عَلَى هَذَا بِنَصٍّ مِنْ إمَامٍ أَوْ شَاهِدٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فَقَالَ أَمَّا النَّصُّ فَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي التَّسْهِيلِ كَذَا وَأَمَّا الشَّاهِدُ فَقَوْلُهُ
فَلَا تَحْفِرَن بِئْرًا تُرِيدُ إخَابَهَا ... فَإِنَّك فِيهَا أَنْتَ مِنْ دُونِهِ تَقَعْ
كَذَاك الَّذِي يَبْغِي عَلَى النَّاسِ ظَالِمًا ... تُصِبْهُ عَلَى رَغْمِ عَوَاقِبِ مَا صَنَعْ
فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فَأَنْتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ نَعَمْ فَرَحَّبَ بِهِ وَفِي سَنَةِ ٧٥٠ وَلِيَ إمَامَةَ جَامِعِ الزَّيْتُونَةِ ثُمَّ وَلِيَ الْخَطَابَةَ بِهِ سَنَةَ ٧٢٢ وَكَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ دَارِهِ يَتَيَمَّمُ الْجَامِعَ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ حَكَاهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَحَكَى الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ إنَّ خُطَبَاءَ تُونُسَ كَانُوا يَصِفُونَ الْمَهْدِيَّ فِي خُطَبِهِمْ بِالْإِمَامِ الْمَعْصُومِ فَلَمَّا وَلِيَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ الْخَطَابَةَ تَلَطَّفَ فَأَبْدَلَ الْمَعْصُومَ بِالْمَعْلُومِ. ثُمَّ فِي سَنَةِ ٧٧٣ وَلِيَ الْفُتْيَا بِالْجَامِعِ وَكَانَ أَشْهَرَ رِجَالِهَا فِي عَصْرِهِ وَإِلَيْهِ الْمَفْزَعُ فِيهَا مِنْ تُونُسَ وَغَيْرِهَا. قَالَ تِلْمِيذُهُ أَبُو حَامِدٍ الْمَكِّيُّ تَأْتِي إلَيْهِ الْفَتْوَى مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ. وَفِي سَنَةِ ٧٩٢ خَرَجَ حَاجًّا وَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَمِصْرَ وَأَخَذَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْبَدْرُ الدَّمَامِينِيُّ قَالَ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْمُغْنِي كُنْت يَوْمًا بِمَجْلِسِ شَيْخِنَا ابْنِ عَرَفَةَ وَذَلِكَ عِنْدَ قُدُومِهِ إلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة فِي شَهْرِ
стр. 541
رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ مِنْ سَنَةِ ٧٩٢ وَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ دَرْسًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ مُخْتَصَرِهِ وَكَانَ شَخْصٌ مِنْ الطَّلَبَةِ الْمَوْسُومِينَ بِالتَّمَشْدُقِ وَالْإِكْثَارِ بِمَا لَا يُجْدِي حَاضِرٌ فِي الْمَجْلِسِ فَمَرَّ مَوْضِعٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ عَادَ فِيهِ ضَمِيرٌ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ فَقَالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ كَيْفَ أَعَدْتُمْ الضَّمِيرَ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ وَالنَّحْوِيُّونَ بِخِلَافِهِ فَأَجَابَهُ الشَّيْخُ فَوْرًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وَفِيهِ مِنْ اللُّطْفِ مَا لَا يَخْفَى وَالْحَالُ أَنَّ النَّحْوِيِّينَ إنْ وُجِدَ ضَمِيرٌ يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلَى الْمُضَافِ أَوْ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَعَوْدُهُ إلَى الْمُضَافِ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْمُحْدَثُ عَنْهُ وَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَوْدَهُ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ اهـ كَلَامُهُ. وَاسْتَخْلَفَ فِي هَذِهِ الْحُجَّةِ عَلَى الْإِمَامَةِ وَالْفَتْوَى بِالْجَامِعِ تِلْمِيذَهُ قَاضِيَ الْجَمَاعَةِ أَبَا مَهْدِيٍّ عِيسَى الْغُبْرِينِيَّ وَعَلَى الْخَطَابَةِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيَّ ثُمَّ آبَ فِي جُمَادَى الْأَوَّلِ سَنَةَ ٧٩٣ وَبَاشَرَ خُطَطَهُ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ٨٠٣ وَدُفِنَ بِالْجَلَّازِ وَأَرْخَتْ وَفَاتُهُ بِتَارِيخَيْنِ أَحَدُهُمَا خَرَجَ وَالْآخَرُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الشَّابَاطِ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ لَوْلَا خَوْفُ الْحَاجَةِ فِي الْكِبَرِ مَا بِتُّ وَعِنْدِي عَشْرَةُ دَنَانِيرَ قَالَ ابْنُ عَمَّارٍ فِيهِ: انْتَهَتْ إلَيْهِ الرِّئَاسَةُ فِي قُطْرِهِ أَجْمَعَ فِي الْفُنُونِ وَالتَّحْقِيقِ وَالْمُشَاوَرَةِ مَعَ خُشُونَةِ جَانِبِهِ وَشِدَّةِ عَارِضَتِهِ وَبَرَاءَتِهِ مِنْ الْمُدَاهَنَةِ وَحِرْزِهِ مِنْ الْمُخَاشَنَةِ. وَقَالَ الْغُبْرِينِيُّ: يَقُومُ الشَّيْخُ ﵀ فِي جَامِعِ الزَّيْتُونَةِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فِي كُلِّ عَامٍ حَتَّى عَجَزَ قُرْبَ وَفَاتِهِ " مُؤَلَّفَاتُهُ ". أَمَالِي فِي التَّفْسِيرِ جَمَعَهَا تِلْمِيذُهُ الْأَبِيُّ. نَظَمَ قِرَاءَةَ يَعْقُوبَ بِرِوَايَتَيْ الدَّانِيِّ وَابْنِ شُرَيْحٍ. نَظَمَ تَكْمِلَةَ الْقَصْدِ لِخَلَفِ ابْنِ شُرَيْحٍ. أَمَالِي فِي الْحَدِيثِ. أَمَالِي فِي الْحِكَمِ الشَّرْعِيَّةِ. مُخْتَصَرٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ عَارَضَ بِهِ طَوَالِعَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيِّ. نَظَمَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. مُخْتَصَرٌ فِي الْفِقْهِ أَحْصَى فِيهِ كَثِيرًا مِنْ فُرُوعِ الْمَذْهَبِ وَأَوْدَعَهُ مُنَاقَشَاتٍ نَفِيسَةً مَعَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ شَارِحِهِ مُعَوِّلًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَصَدَّرَ كُلَّ بَابٍ بِحَدِّهِ ابْتَدَأَ تَصْنِيفَهُ سَنَةَ ٧٧٢ وَأَكْمَلَهُ سَنَةَ ٧٨٦ مُخْتَصَرٌ فِي النَّحْوِ. مُخْتَصَرٌ فِي الْمَنْطِقِ أَوْدَعَهُ اعْتِرَاضَاتٍ كَثِيرَةً عَلَى شُيُوخِ الْفَنِّ وَمِمَّا يُرْوَى عَنْهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ﵀
بَلَغْت الثَّمَانِينَ بَلْ جُزْتهَا ... فَهَانَ عَلَى النَّفْسِ صَعْبُ الْحِمَامِ
وَآحَادُ عَصْرِي مَضَوْا جُمْلَةً ... وَصَارُوا خَيَالًا كَطَيْفِ الْمَنَامِ
وَأَرْجُو بِهِ نَيْلَ صَدْرِ الْحَدِيثِ ... بِحُبِّ اللِّقَاءِ وَكُرْهِ الْمَقَامِ
стр. 542
وَكَانَتْ حَيَاتِي بِلُطْفٍ جَمِيلٍ ... بِسَبْقِ دُعَاءِ أَبِي فِي الْمَقَامِ
انْتَهَى مُلَخَّصًا بِبَعْضِ تَصَرُّفٍ مِنْ كِتَابِ تَرَاجِمِ الْمُفْتِينَ بِتُونُسَ لِلْأُسْتَاذِ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْبَشِيرِ النيفر أَبْقَاهُ اللَّهُ.