← Фикх малики

Фикх малики · id 21611

التاج والإكليل لمختصر خليل

محمد بن يوسف المواق

Полный текст (3 713 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

جِهَةِ الِاجْتِهَادِ فِي النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ كَالتَّخْيِيرِ فِي الْحُكْمِ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ. فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ وَالنِّكَايَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْتَحْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُ وَلَهُ قِيمَةٌ اسْتَرَقَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ قَبِلَ فِيهِ الْفِدَاءَ إنْ بُذِلَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَلَا فِيهِ مَحْمَلٌ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ أَعْتَقَهُ كَالضُّمَنَاءِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا قِتَالَ عِنْدَهُمْ وَلَا رَأْيَ لَهُمْ وَلَا تَدْبِيرَ. فَمِنْ الضُّمَنَاءِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا يُقْتَلُونَ الْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ وَالْيَابِسُ الشَّقَّ بِاتِّفَاقٍ. وَالْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ عَلَى اخْتِلَافٍ. وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ السَّهْمُ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَفِي جَوَازِ إعْطَائِهِمْ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يُجْعَلُ فِي السَّبِيلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَفِيهِ مَحْمَلٌ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَقَدَ لَهُ الذِّمَّةَ وَضَرَبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ مُخَالَفَةَ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، مِثْلَ أَنْ يَبْذُلَ الْفَارِسُ الْمَعْرُوفُ بِالنَّجْدَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ فِي نَفْسِهِ الْمَالَ الْوَاسِعَ الْكَثِيرَ فَيَرَى الْإِمَامُ أَخْذَهُ أَوْلَى مِنْ قَتْلِهِ. (وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ مِنْ مُسْلِمٍ وَرُقَّ إنْ حَمَلَتْ بِهِ بِكُفْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ كِتَابِيٌّ أَوْ بَعْدَ قُدُومِهِ إلَيْنَا لَمْ تَزُلْ عِصْمَتُهُ عَنْ نِسَائِهِ وَهُوَ عَلَى نِكَاحِهِ وَيَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهِمْ وَافْتِرَاقُ الدَّارَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَمِنْ اللَّخْمِيِّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَرْبِيِّ: ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُ فَغَنِمُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ: أَنَّهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَسَأَلْت مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ ثُمَّ غَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الدَّارَ فَأَصَابُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ قَالَ مَالِكٌ: فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ هَاهُنَا أَنَّهُمْ فَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ إلَيْنَا ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَالْقَوْلُ أَنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ لَهُ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ مَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَإِنْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنْ وَطْءٍ كَانَ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ يُسْتَرَقَّ قَوْلًا وَاحِدًا. وَكَذَلِكَ لَوْ سُبِيَتْ زَوْجَتُهُ بِحَمْلٍ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَهُوَ إذَنْ وَلَدُهُ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا زَوْجَتُهُ فَفَيْءٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ أَقَامَ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْكُفْرُ وَالرِّقُّ وَالزَّوْجِيَّةُ إلَّا إنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ عَتَقَتْ فَإِنَّهَا تَبْقَى زَوْجَةً. وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ كَوْنُ الْمَرْأَةِ حَامِلًا مِنْ مُسْلِمٍ لَكِنْ لَا يُرَقَّ الْوَلَدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ بِهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ ثُمَّ سُبِيَتْ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَالْحَمْلُ فَيْءٌ. وَانْظُرْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ حُكْمَ أَمْوَالِ الْمُدْجِنِينَ. هَلْ هِيَ كَمَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَبَقِيَ بِدَارِ الْحَرْبِ؟ وَانْظُرْ هُنَاكَ أَيْضًا الْحُرَّةَ يَأْسِرُهَا الْعَدُوُّ فَتَلِدُ عِنْدَهُمْ ثُمَّ يَغْنَمُهَا الْمُسْلِمُونَ وَأَوْلَادَهَا، وَانْظُرْ مَالَ مَنْ مَاتَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ وَغَاصِبُ مَتْرُوكِهِ مُدْجِنٌ بِأَرْضِ

стр. 1542

الشِّرْكِ. [بَابٌ مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ الْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ] (وَالْوَفَاءُ بِمَا فَتَحَ لَنَا بِهِ بَعْضُهُمْ) ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ الْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ. ابْنُ سَحْنُونٍ: لَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِأَهْلِ حِصْنٍ: مَنْ فَتَحَ الْبَابَ فَهُوَ آمِنٌ. فَفَتَحَهُ عِشْرُونَ مَعًا فَهُمْ آمِنُونَ. وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ حِصْنٍ حُوصِرَ غَيْرُ أَمِيرِهِ نَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى فُلَانٍ أَوْ عَلَى قَرَابَتِي أَوْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي أَوْ حِصْنِي دَخَلَ مَعَهُمْ فِي الْأَمَانِ الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ. وَفِي أَمِّنُونِي عَلَى أَهْلِ حِصْنِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى كَذَا يَدْخُلُ الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ لِأَنَّ " أَفْتَحُ " دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ النَّاسِ فَقَطْ. " وَفِي " أَفْتَحُ لَكُمْ " عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ " مِنْ كَذَا لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَالُهُ فَيْءٌ (وَبِأَمَانِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يُعْطِيَ الْأَمَانَ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَى حُكْمِ التَّمَنِّي وَالتَّشَهِّي دُونَ مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ. اللَّخْمِيِّ: فَمَا عَقَدَهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ مِنْ الْأَمَانِ جَازَ وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ، فَإِنْ جَعَلَ لَهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَرْحَلَ عَنْهُمْ أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَكُلُّ ذَلِكَ بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ الْقَتْلِ خَاصَّةً وَيَسْتَرِقَّهُمْ أَوْ عَلَى أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ وَلَا يَسْتَرِقَّهُمْ وَعَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ خَاصَّةً وَلَا يَعْرِضَ لَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ عَلَى عَقْدٍ، جَائِزٌ لَازِمٌ (كَالْمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ) ابْنُ شَاسٍ: يَجِبُ عَلَى الْمُبَارِزِ مَعَ قَرْنِهِ الْوَفَاءَ بِشَرْطِهِ. الْبَاجِيُّ: فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِ الْقَتْلُ فَأَجَازَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ الْمُشْرِكُ وَلَا يُقْتَلُ لِأَنَّ مُبَارَزَتَهُ عَهْدٌ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ إلَّا مَنْ بَارَزَهُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُعْجِبُنِي تَرْكُ الدَّفْعِ عَنْهُ لِأَنَّ الْعِلْجَ لَوْ أَسَرَهُ لَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَنْقِذَهُ إذَا قَدَرْنَا. انْتَهَى مَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى دُونَ نَقْلِ الْخِلَافِ. وَرَوَى أَشْهَبُ فِي الرَّجُلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُو إلَى الْمُبَارَزَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ إنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. قَالَ سَحْنُونَ: وَوَثِقَ بِنَفْسِهِ خَوْفَ إدْخَالِ الْوَهْنِ عَلَى النَّاسِ. ابْنُ وَهْبٍ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَارِزَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ عَدْلًا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَلْزَمْ اسْتِئْذَانُهُ فِي مُبَارَزَةٍ وَلَا قِتَالٍ إذْ قَدْ يَنْهَاهُ عَنْ غُرَّةٍ قَدْ تَبَيَّنَتْ لَهُ فَيَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ، فَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْعَدْلُ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الِاسْتِئْذَانِ لَهُ لَا فِي طَاعَتِهِ إذَا أُمِرَ بِشَيْءٍ أَوْ نُهِيَ عَنْهُ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ لِلْإِمَامِ مِنْ فَرَائِضِ الْغَزْوِ فَوَاجِبٌ عَلَى الرَّجُلِ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِمَعْصِيَةٍ (وَإِنْ أُعِينَ بِإِذْنِهِ قُتِلَ مَعَهُ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ خَرَجَ جَمَاعَةٌ لِإِعَانَةِ الْكَافِرِ بِاسْتِنْجَادِهِ قَتَلْنَاهُ مَعَهُمْ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُ. الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ: اسْتَنْجَدَنِي فَأَنْجَدْته أَيْ اسْتَعَانَ بِي فَأَعَنْته (وَلَمِنْ خَرَجَ فِي جَمَاعَةٍ لِمِثْلِهَا إذَا فَرَغَ

стр. 1543

مِنْ قِرْنِهِ الْإِعَانَةُ) سَحْنُونَ: لَوْ بَارَزَ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ مِثْلَهُمْ جَازَ أَنْ يَقْصِدَ مَنْ فَرَغَ مِنْ مُبَارَزَةِ أَصْحَابِهِ كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ يَوْمَ بَدْرٍ (وَأُجْبِرُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ وَإِلَّا نَظَرَ الْإِمَامُ) سَحْنُونَ: صَحَّ النَّهْيُ عَنْ إنْزَالِ الْعَدُوِّ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَإِنْ جَهِلَ الْإِمَامُ فَأَنْزَلَهُمْ عَلَيْهِ رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ وَلْيُنْزِلْهُمْ الْإِمَامُ عَلَى حُكْمِهِ لَا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ وَلَوْ طَلَبُوهُ بِأَنْ أَنْزَلَهُمْ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ. وَلَوْ حَكَمَ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا عَدْلًا نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَرُدَّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا تَعَقَّبْ الْإِمَامُ حُكْمَهُ إنْ رَآهُ الْإِمَامُ حَسَنًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا حَكَمَ بِمَا يَرَاهُ نَظَرًا وَلَا يَرُدُّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ. وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ رُدُّوا أَيْضًا لِمَأْمَنِهِمْ.

стр. 1544

(كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ إقْلِيمًا) سَحْنُونَ: لَوْ أَشْرَفَ عَلَى أَخْذِ حِصْنٍ وَتَيَقَّنَ أَخْذَهُ فَأَمَّنَهُمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَلِلْإِمَامِ رَدُّهُ (وَإِلَّا فَهَلْ يَجُوزُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَوْ يَمْضِي مِنْ مُؤَمِّنٍ مُمَيِّزٍ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ رِقًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ لَا ذِمِّيًّا وَخَائِفًا مِنْهُمْ تَأْوِيلَانِ) اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّنَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَيْشِ وَاحِدًا مِنْ الْحِصْنِ. فَإِنْ فَعَلَ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَمْضِي تَأْمِينُهُ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ، فَإِذَا أَعْطَى أَمَانًا فَهُوَ كَأَمَانِ الْإِمَامِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَانُ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ عِنْدِي أَمَانُ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ الْأَمَانَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِاجْتِهَادِهِ. ابْنُ يُونُسَ: جَعَلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ قَوْلَ الْغَيْرِ خِلَافًا وَغَيْرَهُ وِفَاقًا. وَعَزَا أَبُو عُمَرَ قَوْلَ الْغَيْرِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ قَالَ: وَهُوَ شَاذٌّ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى. قَالَ يَحْيَى: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ نَاسٍ مِنْ الْعَدُوِّ كَانُوا خَرَجُوا إلَى رَجُلٍ كَانَ فِي الثَّغْرِ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ لِلْإِمَامِ وَكَانَ يَلِي مَدِينَةً مِنْ الثَّغْرِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا فَأَعْطَاهُمْ عَهْدًا فَأَمِنُوا بِذَلِكَ

стр. 1545

عِنْدَهُ، هَلْ يُسْتَحَلُّونَ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ وَقَبِلُوا عَهْدَهُ وَقَدْ عَلِمُوا خِلَافَهُ لِلْإِمَامِ؟ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ وَلَا ذَرَارِيُّهُمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ لِأَحَدٍ، لِأَنَّ عَهْدَهُ عَهْدٌ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعْقِدُ لَهُمْ أَمَانًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: إنَّ عَهْدَهُ لَا يُمْضِيهِ الْوَالِي فَارْجِعُوا إلَى مَأْمَنِكُمْ، فَإِذَا رُدُّوا إلَى أَرْضِهِمْ عَادُوا إلَى حَالِهِمْ الْأَوَّلِ فَكَانُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مَا هُمْ. قُلْت: فَإِنْ اخْتَارُوا الْإِقَامَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ قَالَ: لَا أُحِبُّ لَهُ رَدَّهُمْ إذَا رَضُوا بِالْجِزْيَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: " إنَّهُمْ يَحْرُمُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَهْدِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ الْمُخَالِفُ عَلَى الْإِمَامِ " صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ ﵇: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» وَذَلِكَ مَا لَمْ يُغِيرُوا بَعْدَ مُعَاهَدَتِهِمْ إيَّاهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. ابْنُ رُشْدٍ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أَمَانَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ لَيْسَ بِأَمَانٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا الذِّمِّيَّ مُسْلِمًا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ. وَسُئِلَ أَشْهَبُ عَنْ رَجُلٍ شَذَّ عَنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَأَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَطَلَبَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ الْعَدُوُّ: لِلْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ أَعْطِنَا الْأَمَانَ فَأَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ فَقَالَ: إذَا كَانَ أَمَّنَهُمْ وَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ أَمَّنَهُمْ وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ. وَقَوْلُ الْأَسِيرِ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ. مُحَمَّدٌ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. (وَسَقَطَ الْقَتْلُ) اللَّخْمِيِّ: مُتَعَلَّقُ الْأَمَانِ فِي

стр. 1546

الْأَسِيرِ عَدَمُ قَتْلِهِ وَلَوْ كَانَ أَمَانًا لِمَنْ فِي حِصْنٍ كَانَ لَا يُبَاحُ بِقَتْلٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَسْتَبِينَ أَنَّهُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْمَالِ (وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ) لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ الْخِلَافَ فِي أَمَانِ الْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ التَّأْمِينُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْفَتْحُ وَمَا دَامَ الَّذِي أَمِنَ مُتَمَنِّعًا. وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْفَتْحُ وَصَارَ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ أَمَّنَهُ الْأَمِيرُ صَحَّ تَأْمِينُهُ، وَإِنْ أَمَّنَهُ غَيْرُهُ فَهَلْ يَصِحُّ تَأْمِينُهُ فَيَكُونُ مَانِعًا مِنْ الْقَتْلِ؟ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْأَسْرِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ « ﷺ قَالَ لِأُمِّ هَانِئٍ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت يَا أُمَّ هَانِئٍ» . وَكَانَتْ إجَارَتُهَا بَعْدَ الْفَتْحِ. وَعَزَا اللَّخْمِيِّ هَذَا لِابْنِ الْمَوَّازِ. الثَّانِي: عَدَمُ صِحَّتِهِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ صِيَانَةُ دَمِهِ. وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَحِلُّ لِمَنْ أَمَّنَهُ قَتْلُهُ وَالْإِمَامُ يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ إنْ رَأَى قَتْلَهُ أَصْلَحَ قَتَلَهُ وَهَذَا أَحْسَنُ، إذْ لَوْ كَانَتْ إجَارَةُ أُمِّ هَانِئٍ لَازِمَةً لَمْ يَقُلْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت. قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ: إنَّمَا تَمَّ أَمَانُهَا بِإِجَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ (بِلَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: يَصِحُّ التَّأْمِينُ بِكُلِّ مَا يُفْهَمُ بِهِ ذَلِكَ كَانَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِالْعَجَمِيِّ، نُطْقًا أَوْ إشَارَةً (إنْ لَمْ يَضُرَّ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: لَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا أَوْ طَلِيعَةً لَمْ يَنْعَقِدْ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ بَلْ يَكْفِي عَدَمُ الْمَضَرَّةِ. (وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ فَجَاءَ أَوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا أَوْ جُهِلَ إسْلَامُهُ لَا إمْضَاؤُهُ أَمْضَى أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَرْبِيِّ يَظُنُّ الْأَمَانَ فَيَجِيءُ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَرْكَبٍ لِلْمُسْلِمِينَ قَاتَلُوا مَرْكَبَ عَدُوِّهِمْ يَوْمَهُمْ فَطَلَبَ الْعَدُوُّ الْأَمَانَ فَنَشَرَ الْمُسْلِمُونَ الْمُصْحَفَ وَحَلَفُوا بِمَا فِيهِ لَنَقْتُلَنَّكُمْ،

стр. 1547

فَظَنَّهُ الْعَدُوُّ أَمَانًا فَاسْتَسْلَمُوا ثُمَّ طَلَبُوا بَيْعَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمَانٌ قَالَ: وَلَوْ طَلَبُوا مَرْكَبًا لِلْعَدُوِّ فَصَاحُوا بِهِ: اُرْخُ قَلْعَك فَأَرْخَاهَا، هُوَ أَمَانٌ إنْ كَانَ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِمْ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ أَمَّنَ وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ نَهَى عَنْهُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ أَنْ يُؤَمِّنَ أَحَدًا غَيْرَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ وَلِذَلِكَ قُدِّمَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ إنْ أَمَّنَ أَحَدٌ أَحَدًا قَبْلَ نَهْيِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ، إمَّا أَمَّنَهُ أَوْ رَدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ: إذَا نُهِيتُمْ عَنْ الْأَمَانِ فَأَمَّنَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ نَاسِيًا أَوْ عَاصِيًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ جَاهِلًا رُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُقِيمَ فِيكُمْ فَيَكُونَ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْجِزْيَةِ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: ظَنَنَّا الذِّمِّيَّ مُسْلِمًا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَوْ جُهِلَ كُفْرُهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ " لَا إمْضَاؤُهُ " فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا أَمَانَ لِذِمِّيٍّ، فَإِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّ لَهُ جِوَارًا بِمَكَانِ الذِّمَّةِ فَلَا أَمَانَ لَهُمْ. اللَّخْمِيِّ: أَرَى أَنْ يُرَدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ (وَإِنْ أَخَذَ مُقْبِلًا بِأَرْضِهِمْ وَقَالَ جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ أَوْ بِأَرْضِنَا وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ أَوْ بَيْنَهُمَا رُدَّ لِمَأْمَنِهِ وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ فَعَلَيْهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَخَذَ الرُّومِيُّ بِبَلَدِ الْعَدُوِّ وَهُوَ مُقْبِلٌ إلَيْنَا فَيَقُولُ: جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ فَقَالَ مَالِكٌ: هَذِهِ أُمُورٌ مُشْكِلَةٌ وَأَرَى رَدَّهُ لِمَأْمَنِهِ. قِيلَ: فَمَنْ أَخَذَ حَرْبِيًّا دَخَلَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ دُونَ أَمَانٍ. أَيَكُونُ لَهُ أَمْ فَيْءٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وُجِدُوا بِسَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ تُجَّارٌ: لَا يُصَدَّقُونَ وَلَيْسُوا لِمَنْ وَجَدَهُمْ وَيَرَى الْإِمَامُ رَأْيَهُ. قُلْت: إنْ نَزَلَ تَاجِرٌ دُونَ أَمَانٍ وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ؟ قَالَ: هَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ أَوَّلًا. أَمَّا قَبْلَ قَوْلِهِ: " أَوْ رُدَّ لِمَأْمَنِهِ ". ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِذَا وُجِدَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مَوَاضِعَ بَيْنَ أَرْضِهِمْ أَوْ أَرْضِنَا فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ حُكِمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ حُكِمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَإِنْ شَكَّ فَقَوْلَانِ. اللَّخْمِيِّ: إنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ كَانَ آمِنًا وَلَمْ يُسْتَرَقَّ، وَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَكَانَ رَقِيقًا، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ وَلَا عَلَى كَذِبِهِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ رَأَى مَرَّةً أَنَّهُ صَارَ أَسِيرًا رَقِيقًا بِنَفْسِ الْأَخْذِ يَدَّعِي وَجْهًا يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَرَأَى مَرَّةً أُخْرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلَهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ صَدَقَ وَلَا يُسْتَرَقُّ بِشَكٍّ وَهُوَ أَحْسَنُ. فَإِنْ قَالَ: جِئْتُ رَسُولًا وَمَعَهُ مُكَاتَبَةٌ أَوْ جِئْتُ لِفِدَاءٍ وَلَهُ مَنْ يَفْدِيهِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ (وَإِنْ رُدَّ بِرِيحٍ فَعَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا نَزَلَ تُجَّارُهُمْ بِأَمَانٍ فَبَاعُوا وَانْصَرَفُوا فَأَيْنَمَا رَمَتْهُمْ الرِّيحُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَالْأَمَانُ لَهُمْ مَا دَامُوا فِي تَجْرِهِمْ حَتَّى

стр. 1548

يَرِدُوا بِلَادَهُمْ. (وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيْءٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ مَاتَ عِنْدَنَا وَقَدْ كَانَ اسْتَأْمَنَ عَلَى رُجُوعِهِ بِانْقِضَاءِ أَرَبِهِ فَمَالُهُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَفِي رَدِّهِ لِوَارِثِهِ أَوْ لِحُكَّامِهِمْ قَوْلَانِ. وَلَعَلَّهُ خِلَافٌ فِي حَالِ إنْ انْتَقِلْ لَنَا حَقِيقَةُ تَوْرِيثِهِمْ دُفِعَ لِوَارِثِهِمْ وَإِلَّا فَلِحَاكِمِهِمْ. ابْنُ عَرَفَةَ: رَابِعُ الْأَقْوَالِ مَالُهُ لِوَارِثِهِ وَدِيَتُهُ لِحَاكِمِهِمْ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا حَرْبِيٌّ مُسْتَأْمَنٌ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيُرَدَّ مَالُهُ إلَى وَرَثَتِهِ بِبَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ قُتِلَ فَتُدْفَعُ دِيَتُهُ إلَى وَرَثَتِهِ وَيُعْتِقُ قَاتِلُهُ رَقَبَةً. وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ: وَدِيَةُ الْمُسْتَأْمَنِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا يُرَدُّ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ إذَا مَاتَ عِنْدَنَا إذَا اسْتَأْمَنَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ إذَا كَانَ شَأْنُهُمْ الرُّجُوعَ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْمَنَ عَلَى الْمُقَامِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُمْ فَإِنَّ مَا تَرَكَ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَقَالَ فِيهِ: وَإِنْ كَانَ شَأْنُهُمْ الرُّجُوعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَمِيرَاثُهُ إنْ مَاتَ رُدَّ إلَى وَرَثَتِهِ بِبَلَدِهِ إلَّا أَنْ تَطُولَ إقَامَتُهُ عِنْدَنَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَلَا يُرَدُّ مِيرَاثُهُ، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُمْ وَلَا ذَكَرُوا رُجُوعًا فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. (وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ لِوَارِثِهِ كَوَدِيعَتِهِ وَهَلْ وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيْءٍ قَوْلَانِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمَنُ عِنْدَنَا مَالًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَمَاتَ فَلْيُرَدَّ مَالُهُ إلَى وَرَثَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَ فِي مُحَارَبَتِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّا نَبْعَثُ بِمَالِهِ الَّذِي لَهُ عِنْدَنَا، وَأَمَّا لَوْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ صَارَ مَالُهُ فَيْئًا لِمَنْ أَسَرَهُ وَقَتَلَهُ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا رَقَبَتَهُ قَبْلَ قَتْلِهِ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ قُتِلَ بَعْدَ أَنْ أُسِرَ قَالَ: وَأَمَّا إنْ

стр. 1549

قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ فَهِيَ فَيْءٌ لَا خُمُسَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْأَسِيرَ إذَا بِيعَ فِي الْمَقَاسِمِ أَوْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ بَعْدَ الْأَسْرِ يَكُونُ الْمَالُ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ مُسْتَوْدَعًا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ: مَعْنَاهُ يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ فَيُخَمَّسُ وَتَجْرِي فِيهِ السِّهَامُ فَهُوَ كَمَا أَصَابُوا مَعَهُ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَغُرَمَاؤُهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْجَيْشِ بِخِلَافِ مَا غُنِمَ مَعَهُ. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا إذَا قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يُؤْسَرْ فَجَعَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَنْزِلَةِ إذَا مَاتَ بِأَرْضِهِ فَيُرَدُّ الْمَالُ الْمُسْتَوْدَعُ إلَى وَرَثَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يُخَمَّسُ. وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ. (وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اشْتِرَاءُ سِلْعَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ مَا أَحْرَزُوا مِنْ مَتَاعِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَأَتَوْا بِهِ لِيَبِيعُوهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَاسْتَحَبَّ غَيْرُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا بِأَيْدِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَأْخُذَهُ رَبُّهُ بِالثَّمَنِ. ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا حَصَلَتْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ صَارَتْ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَ مَصِيرُهَا إلَيْهِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِمُعَاوَضَةٍ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بَعْدَ دَفْعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ صَاحِبُهُ حَتَّى بَاعَهُ مَنْ أَخَذَهُ فَأَمَّا مَنْ صَارَ إلَيْهِ بِمُعَاوَضَةٍ فَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَأَمَّا مَنْ صَارَ إلَيْهِ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَهَلْ لِرَبِّهِ نَقْضُ الْبَيْعِ؟ قَوْلَانِ فِي الْكِتَابِ. وَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ النَّقْضُ فَلَهُ الثَّمَنُ وَإِنْ قَدِمَ أَهْلُ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنِينَ فِي أَيْدِيهمْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُكْرَهُ لِغَيْرِ أَرْبَابِهَا شِرَاؤُهَا مِنْهُمْ. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ. وَهَذَا عَلَى الْخِلَافِ، هَلْ يَكُونُ أَرْبَابُهَا أَحَقَّ بِهَا بِالثَّمَنِ أَمْ لَا؟ فَعَلَى أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهَا يُسْتَحَبُّ شِرَاؤُهَا مِنْهُمْ لِيَتَوَصَّلَ أَرْبَابُهَا إنْ شَاءُوا، وَهَذَا قِيَاسُ مَا اشْتَرَى مِنْهُمْ بِأَرْضِهِمْ. فَإِنْ أَخَذَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَهَلْ لِأَرْبَابِهَا أَخْذُهَا. قَوْلَانِ (وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا) اللَّخْمِيِّ: إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ مَالُ الْمُسْلِمِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ فِيهِ مَا دَامَ فِي يَدِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا أُحِبُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ

стр. 1550

يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ وَهَبَهُ لِأَحَدٍ لَمْ يَأْخُذْهُ سَيِّدُهُ عَلَى حَالٍ. وَاَلَّذِي يُشْبِهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ وَفِي الْهِبَةِ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَهَذَا أَحْسَنُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَهُوَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ هُوَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ. (وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ ثُمَّ عِيدَ بِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ) يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَوْ سَرَقَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَمْوَالَنَا وَعَبِيدًا وَكَتَمُوا ذَلِكَ حَتَّى حَارَبُوا ثُمَّ صُولِحُوا عَلَى أَنْ رَجَعُوا إلَى حَالِهِمْ مِنْ غُرْمِ الْجِزْيَةِ لَا يُنْزَعُ مِنْهُمْ شَيْءٌ. وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي النَّفْرِ مِنْ الْعَدُوِّ يَنْزِلُونَ بِأَمَانٍ فَإِذَا فَرَغُوا سَرَقُوا عَبِيدَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَعْضَ الْأَحْرَارِ ثُمَّ رَجَعُوا وَهُمْ مَعَهُمْ فَنَزَلُوا عَلَى أَمَانٍ وَلَمْ يَعْرِفُوا فَأَرَادُوا أَنْ يَبِيعُوهُمْ قَالَ: لَا يُتْرَكُوا. وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ عِنْدِي مِثْلُ مَا لَوْ نَزَلُوا بِأَمَانٍ فَدَايَنُوا الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ هَرَبُوا وَالدَّيْنُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا فَنَزَلُوا بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الدُّيُونِ. ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ أَيْدِيهِمْ وَأَرَى أَنْ يُوَفَّى لَهُمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَحْرَزُوهُمْ. وَلَا يُتْبِعُوا بِمَا دَايَنُوا عَلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْعَهْدَ وَالْأَمَانَ شَدِيدٌ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُنْزِلَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلَ أَنْفَذَ لَهُمْ الشَّرْطَ وَلَمْ يَنْتَزِعْ مِنْهُمْ شَيْئًا. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. وَنَحْوُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ يَقْدُمُونَ بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ فَيَشْتَرِطُونَ أَنْ لَا يَرُدَّ عَلَيْهِمْ إلَّا مِنْ جُنُونٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ أَنَّ لَهُمْ شَرْطَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتِلَافُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَاخِلٌ فِي مَسْأَلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَا يُتْرَكَ لَهُمْ لَا سِيَّمَا فِي مَسْأَلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا حَارَبُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلَى غُرْمِ

стр. 1551

الْجِزْيَةِ. اُنْظُرْ السَّمَّاعَيْنِ فَفِيهِمَا طُولٌ. (لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ) اللَّخْمِيِّ: إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ مُسْلِمُونَ أَحْرَارٌ أَوْ عَبِيدٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِمْ إنْ أَحَبَّ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُعْطَى فِي كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ فِي الْقِيمَةِ وَيُنْتَزَعُ مِنْهُ. وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْمُسْلِمَةِ يُرِيدُ بِخِلَافِ الذَّكَرِ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ. وَقَالَ: إذَا عَاقَدَ الْأَمَانَ عَلَى شَرْطِ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا رَدَّهُ إلَيْهِمْ يُوَفَّى لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الرِّجَالِ وَلَا يُوَفَّى لَهُمْ بِهِ فِي النِّسَاءِ، فَأَمْضَى لَهُمْ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاضَى أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مُسْلِمًا رَدَّهُ إلَيْهِمْ» وَلَمْ يَمْضِ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ أَنْ يَكْثُرَ الْمُسْلِمُونَ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ. وَفَرَّقَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] . وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا نَزَلَ الْحَرْبِيُّونَ بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ فَأَسْلَمَ رَقِيقُهُمْ أَوْ قَدِمُوا بِهِمْ مُسْلِمِينَ فَلَا يُمْنَعُوا مِنْ الرُّجُوعِ بِهِمْ إذَا أَدَّوْا مَا رَضُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ كُنَّ إمَاءً لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ وَطْئِهِنَّ. وَلَقَدْ أَنْكَرَ رَجُلٌ عَلَى مَالِكٍ هَذَا فَقَالَ مَالِكٌ: أَلَمِ تَعْلَمْ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ فَهَرَبَ أَبُو جَنْدَلٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَطَلَبَهُ أَبُوهُ مِنْ مَكَّةَ فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: إنَّا لَا نَخْفِرُ بِالْعَهْدِ» . قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ حُجَّةُ الْحَرْبِيِّ أَنْ يَقُولَ: عَهْدِي لَا يُنْقَضُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَمَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَيُبَاعُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُفْعَلُ بِالذِّمِّيِّ ثُمَّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، وَأَمَّا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ فَلْتُؤْخَذْ مِنْهُمْ وَيُعْطُوا قِيمَتَهُمْ وَإِنْ كَرِهُوا، وَأَمَّا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ رَقِيقٍ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَحْرَارِ ذِمَّتِنَا مِمَّنْ أَخَذُوهُ. وَأَسَرُوهُ فَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِثَمَنٍ وَلَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ. وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ نَافِعٍ وَغَيْرُهُمْ وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ. وَانْفَرَدَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: لَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِيمَا أَسْلَمَ مِنْ رَقِيقِهِمْ أَوْ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ وَأُسَارَاهُمْ وَلَا يُعْجِبُنِي. (وَمَلَكَ بِإِسْلَامِهِ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لَهُ. ابْنُ يُونُسَ

стр. 1552

لِأَنَّ لِلْكَافِرِ شُبْهَةَ مِلْكٍ عَلَى مَا حَازَهُ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ اسْتَهْلَكَ فِي حَالِ شِرْكِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَوْ أَتْلَفَهُ مُسْلِمٌ عَلَى صَاحِبِهِ لَضَمِنَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ حَرْبِيٌّ إنْ كَانَ مُتَمَوِّلًا فَلَهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَابْنُ الْقَاسِمِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: يُنْزَعُ مِنْهُ مَجَّانًا. ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا. ابْنُ بَشِيرٍ: عَلَى الْمَشْهُورِ (وَفُدِيَتْ أُمُّ وَلَدٍ وَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَرْبَابِهِ مَا لَمْ يَكُنْ حُرًّا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَتُرَدُّ أُمُّ الْوَلَدِ إلَى سَيِّدِهَا وَيَتْبَعُهُ بِقِيمَتِهَا، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَتَكُونُ لَهُ كِتَابَتُهُ وَإِنْ عَجَزَ بَقِيَ رَقِيقًا لِهَذَا الْحَرْبِيِّ، وَإِنْ أَدَّى كَانَ حُرًّا وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ وَالْمُدَبَّرُ يَخْتَدِمُهُ وَيُؤَاجِرُهُ مَا دَامَ سَيِّدُهُ حَيًّا، فَإِنْ مَاتَ وَحَمَلَهُ ثُلُثُهُ كَانَ حُرًّا. سَحْنُونَ: وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَإِنْ رَقَّ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ مَا رَقَّ مِنْهُ لِلْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَيْهِ (وَمُعْتَقٌ لِأَجَلٍ بَعْدَهُ) . سَحْنُونَ: الْمَعْتُوقُ لِأَجَلٍ إذَا سُبِيَ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَيْهِ حَرْبِيٌّ كَانَ لَهُ خِدْمَتُهُ إلَى الْأَجَلِ دُونَ سَيِّدِهِ، فَإِنْ عَتَقَ بِتَمَامِ الْأَجَلِ لَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ (وَلَا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمَنْصُوصُ فِي أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ نَزْعُهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الرَّقِيقِ وَبِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَأُمِّ الْوَلَدِ تُفْدَى وَالْمُدَبَّرُ وَنَحْوُهُ كَالْمِلْكِ الْمُحَقَّقِ ثُمَّ يُعْتَقُونَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ بَعْدُ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ وَلَا قَوْلَ لِلْوَرَثَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ يُنْزَعُ مَجَّانًا، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ فِي الْمُدَبَّرِ لَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ. (وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ) . ابْنُ شَاسٍ: لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْغَانِمِينَ عَلَى الْغَنِيمَةِ بِنَفْسِ الْغَنِيمَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: إذَا وَطِئَ أَمَةً مِنْ الْمَغْنَمِ حُدَّ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَذَلِكَ

стр. 1553

يُقْطَعُ إنْ سَرَقَ مِنْهُ. اُنْظُرْ فِي الْحُدُودِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْغَنِيمَةِ " (وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) . ابْنُ شَاسٍ: أَرَاضِي الْكُفَّارِ الْمَأْخُوذَةُ بِالِاسْتِيلَاءِ قَهْرًا وَعَنْوَةً تَكُونُ وَقْفًا يُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَالْعُمَّالِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ وَلَا تُقْسَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَرَاضِيِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَكَذَلِكَ دُورُ مَكَّةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. اللَّخْمِيِّ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَكَّةَ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّهَا لَمْ تُقْسَمْ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مَنْ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا أَوْ أُقِرَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ؟ وَاخْتُلِفَ فِي كِرَاءِ دُورِهَا وَبَيْعِهَا فَمَنَعَهَا مَالِكٌ مَرَّةً ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُمَا فَإِنْ وَقَعَا لَمْ يُفْسَخَا. اللَّخْمِيِّ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ إنْ قُسِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ وَلَا يُنْقَضُ. (وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إنْ أَوْجَفَ عَلَيْهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: مَا مُلِكَ مِنْ مَالِ الْكَافِرِ غَنِيمَةٌ وَمُخْتَصٌّ وَفَيْءٌ. فَالْغَنِيمَةُ مَا كَانَ بِقِتَالٍ أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ وَلَازَمَهُ تَخْمِيسُهُ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ: مَا أُخِذَ

стр. 1554

مِنْ حَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ كَمَا بِقُرْبِ قُرَاهُمْ كَمَا قُوتِلَ عَلَيْهِ. (فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالْجِزْيَةُ لِآلِهِ ﷺ ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْفَيْءُ مَا سِوَى الْغَنِيمَةِ وَالْمُخْتَصُّ فِيهَا خَرَاجُ الْأَرَضِينَ وَالْجِزْيَةُ وَمَا اُفْتُتِحَ مِنْ أَرْضٍ بِصُلْحٍ وَخُمُسِ غَنِيمَةٍ أَوْ رِكَازٍ فَيْءٌ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَمَا أُخِذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ وَتُجَّارِ الذِّمِّيِّينَ. قَالَ مَالِكٌ: وَالْخُمُسُ وَالْفَيْءُ سَوَاءٌ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُعْطِي الْإِمَامُ أَقْرِبَاءَ رَسُولِ اللَّهِ. ﷺ مِنْهُ بِقَدْرِ الِاجْتِهَادِ وَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ. ابْنُ حَبِيبٍ: لَمَّا كَثُرَ الْمَالُ دَوَّنَ عُمَرَ لِلْعَطَاءِ دِيوَانًا فَاضَلَ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ وَقَالَ: ابْدَءُوا بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ حَتَّى تَضَعُوا عُمَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ. اللَّخْمِيِّ: يَبْدَأُ مِنْهُ بِسَدِّ مَخَاوِفِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ وَإِصْلَاحِ حُصُونِ سَوَاحِلِهِ وَيُشْتَرَى مِنْهُ السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ إذَا كَانَ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَغُزَاةِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَعَامِلِيهِ وَفُقَهَائِهِ وَقَاضِيهِ. فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أُعْطِي لِلْفُقَرَاءِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ وُقِفَ عُدَّةً لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا بُدِئَ بِمَنْ تَقَدَّمَ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ لِأَنَّ أُولَئِكَ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الزَّكَاةُ فَكَانُوا أَحَقَّ بِالِارْتِفَاقِ بِمَالِهِمْ الْأَخْذُ مِنْهُ وَيَنْتَفِعُ الْآخَرُونَ بِمَا جُعِلَ لَهُمْ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِأُولَئِكَ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُقْطَعُ مِنْهُ رِزْقُ الْعُمَّالِ وَالْقُضَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَلِمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَخْرُجُ عَطَاءُ الْمُقَاتِلَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ تَبْدِئَةُ الْعُمَّالِ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَيَأْتِي لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَكْسُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ (وَبُدِئَ بِمَنْ فِيهِمْ الْمَالُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ: يَبْدَأُ بِالْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ (وَنُقِلَ لِلْأَحْوَجِ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ حَاجَةً أُعْطِيَ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِمْ الْمَالُ مِنْ ذَلِكَ وَنُقِلَ الْأَكْثَرُ إلَى الْبَلَدِ الْمُحْتَاجِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ فِي أَعْوَامِ

стр. 1555

الرَّمَادَةِ. (وَنَفَّلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: النَّفَلُ مِنْ الْخُمُسِ. قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] . فَجَعَلَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ لِمَنْ غَنِمَهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَالنَّفَلُ كُلُّهُ مِنْ الْخُمُسِ سَلَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَالنَّفَلُ زِيَادَةٌ عَلَى السَّهْمِ أَوْ هِبَةٌ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السَّهْمِ يَفْضُلُهُ الْإِمَامُ الرَّأْيُ يَرَاهُ مِمَّا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ

стр. 1556

إلَيْهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَهَلْ يَكُونُ لَهُ سَلَبُهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ إلَّا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ يَجْتَهِدُ فِيهِ. ابْنُ يُونُسَ: مِثْلُ أَنْ يَرَى ضَعْفًا مِنْ الْجَيْشِ فَيُرَغِّبَهُمْ بِذَلِكَ فِي الْقِتَالِ. (وَلَمْ يَجُزْ إنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ السَّلَبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ نَفْلٌ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ وَيَجُوزُ النَّفَلُ فِي أَوَّلِ الْمَغْنَمِ وَفِي آخِرِهِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ. اللَّخْمِيِّ: النَّفَلُ جَائِزٌ وَمَكْرُوهٌ. فَالْجَائِزُ مَا كَانَ بَعْدَ الْقِتَالِ، وَالْمَكْرُوهُ مَا كَانَ قَبْلُ. وَيَقُولُ وَالِي الْجَيْشِ: مَنْ يَقْتُلْ فُلَانًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَوْ دَنَانِيرُهُ أَوْ كِسْوَتُهُ أَوْ مَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ مِنْ الْمَتَاعِ أَوْ مِنْ الْخَيْلِ فَلَهُ رُبْعُهُ أَوْ نِصْفُهُ أَوْ مَنْ صَعِدَ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا أَوْ بَلَغَهُ أَوْ وَقَفَ بِهِ فَلَهُ كَذَا، مَمْنُوعٌ ابْتِدَاؤُهُ لِأَنَّهُ قِتَالٌ لِلدُّنْيَا وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّحَامُلِ عَلَى الْقِتَالِ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: لَا تُقَدِّمُوا جَمَاجِمَ الرِّجَالِ إلَى الْحُصُونِ فَلَمُسْلِمٌ أَسْتَبْقِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِصْنٍ أَفْتَحُهُ. فَإِنْ فَاتَ الْقِتَالُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ شَرْطُهُ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَلَى حَظِّهِ مِنْ الدُّنْيَا فَهِيَ كَالْمُبَالَغَةِ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: النَّفَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: مِنْ الْخُمُسِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ الْعَسْكَرِ وَيُرِيدَ أَنْ يُنَفِّلَهَا مِمَّا غَنِمَتْ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَحَقُّهُ أَنْ يُخَمِّسَ مَا غَنِمَتْ ثُمَّ يُعْطِيَ السَّرِيَّةَ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ الْخُمُسِ مَا شَاءَ رُبْعًا أَوْ ثُلُثًا لَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، وَيَقْسِمَ الْبَاقِيَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَبَيْنَ السَّرِيَّةِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةً وَالرَّاجِلِ وَاحِدًا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُحَرِّضَ الْإِمَامُ أَهْلَ الْعَسْكَرِ عَلَى قِتَالِ قَبْلٍ اللِّقَاءَ وَيُنَفِّلَ جَمِيعَهُمْ مِمَّا فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرُّبْعُ أَوْ الثُّلُثُ قَبْلَ الْقَسْمِ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ: لِأَنَّ قِتَالَهُمْ حِينَئِذٍ عَلَى الدُّنْيَا. وَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ «قَالَ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: هَلْ لَك أَنْ نَبْعَثَك فِي جَيْشٍ فَيُسَلِّمَك اللَّهُ وَيُغْنِمَك وَأَرْغَبُ لَك مِنْ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً» ؟ قَالَ سَحْنُونَ: كُلُّ شَيْءٍ يَبْذُلُهُ الْإِمَامُ قَبْلَ الْقِتَالِ لَا يَنْبَغِي عِنْدَنَا إلَّا أَنَّهُ إنْ نَزَلَ وَقَالَهُ إمَامٌ أَمْضَيْنَاهُ وَإِنْ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُ النِّيَّاتِ، وَلَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ مَعَهُمْ لِمَنْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا. أَصْبَغُ: وَمَا أَرَاهُ حَرَامًا لِمَنْ أَخَذَهُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَدْ اسْتَحَبَّ هَذَا بَعْضُهُمْ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، مِثْلُ أَنْ تُرْهِبَهُ كَثْرَةُ الْعَدُوِّ أَوْ نَحْوُهُ، وَقَدْ فَعَلَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ لَمَّا دَهَمَهُ كَثْرَةُ الْعَدُوِّ. وَمِنْ النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: لَوْ نَفَّلَ فِي السَّرِيَّةِ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فَهَذَا النَّفَلُ عِنْدَنَا لَا يَصِحُّ فَإِنْ عَقَدَهُ وَخَرَجُوا عَلَيْهِ فَلْيُنْفِذْهُ كَقَضِيَّةٍ قَضَى بِهَا قَاضٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى. اُنْظُرْ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَهْمٌ لِلرَّاجِلِ وَسَهْمَانِ لِلْفَارِسِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ " (وَمَضَى) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ: أَمْضَيْنَاهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ وَقَعَ النَّفَلُ قَبْلَ الْقِتَالِ مَضَى

стр. 1557

لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ (إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ الْمَغْنَمِ) سَحْنُونَ: لَوْ أَشْهَدَ مُنَفِّلُ السَّرِيَّةِ بَعْدَ أَنْ فَضَلَتْ أَنَّهُ أَبْطَلَ ذَلِكَ نَظَرًا أَبْطَلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَنْ غَنِمَتْ (وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ) سَحْنُونَ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ يَرِدَ الْقِتَالَ أَوْ قَبْلُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَلَا شَيْءَ مِنْ السَّلَبِ لِذِمِّيٍّ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ بِهِ الْإِمَامُ وَيَنْفُذَهُ فَلَا يُتَعَقَّبُ بِرَدٍّ، لِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ يَرَوْنَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَتْ امْرَأَةٌ فَلَا شَيْءَ لَهَا إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لَهَا فَيَمْضِي. (اُعْتِيدَ لَا سِوَارٌ) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ بَعْدَ الِانْقِضَاءِ أَوْ قَبْلَهُ وَحَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَلِلْقَاتِلِ السَّلَبُ الْمُعْتَادُ. وَهَلْ يَكُونُ لَهُ مَا يَلْبَسُهُ عُظَمَاءُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْأَسْوِرَةِ وَالتِّيجَانِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْقَاتِلِ نَظَرًا إلَى حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى الْغَالِبِ (وَصَلِيبٌ) سَحْنُونَ: لَا يَكُونُ الصَّلِيبُ فِي عُنُقِهِ مِنْ النَّفْلِ. الْأَوْزَاعِيِّ: يَدْخُلُ الصَّلِيبُ فِي السَّلَبِ. قَالَ الْوَلِيدُ: وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ. (وَعَيْنٌ) قَالَ سُلَيْمَانُ: لَا نَفْلَ فِي عَيْنٍ وَلَا فِضَّةٍ. قَالَ سَحْنُونَ: وَقَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَإِنَّمَا النَّفَلُ فِي الْعُرُوضِ السَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ وَالْمِنْطَقَةُ مِنْ السَّلَبِ لَا مَا فِيهَا مِنْ نَفَقَةٍ. اللَّخْمِيِّ: لَا مَا فِيهَا مِنْ دَنَانِيرَ. وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ أَصَابَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَلَهُ مِنْهَا الرُّبْعُ بَعْدَ الْخُمُسِ أَمْضَيْنَاهُ عَلَى مَا قَالَ وَلِمَنْ أَصَابَ ذَلِكَ نَفْلُهُ كَانَ مَسْكُوكًا أَوْ غَيْرَ مَسْكُوكٍ. (أَوْ دَابَّةٌ) اُنْظُرْ هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرَسَ مِنْ السَّلَبِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَرَسُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يُمْسِكُهَا وَجْهُ فَتَالٍ عَلَيْهِ مِنْ السَّلَبِ لَا مَا تَجَنَّبَ أَوْ كَانَ مُنْفَلِتًا عَنْهُ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَإِنْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ

стр. 1558

سَلَبُهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ السَّلَبُ لِمَنْ قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ (أَوْ تَعَدَّدَ إنْ لَمْ يَقُلْ قَتِيلًا وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا، هَلْ هُوَ يُرِيدُ قَوْلَ سَحْنُونٍ إذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَلَهُ سَلَبُهُمْ وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ: إنْ قَتَلْتَ قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ فَقَتَلَ اثْنَيْنِ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ بِنَحْرٍ فَكَرِهَهُ وَإِنْ نَزَلَ مَضَى وَكَانَ لَهُ سَلَبُ الْأَوَّلِ (وَلَمْ يَكُنْ لِكَمَرْأَةٍ إنْ لَمْ تُقَاتِلْ) سَحْنُونَ: إذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَإِنْ سَلَبَ كُلَّ مَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ سَلْبُ مَنْ قَتَلَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ زَمِنٍ أَوْ رَاهِبٍ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ هَؤُلَاءِ فَلَهُ سَلَبُهُمْ لِإِجَازَةِ قَتْلِهِمْ. (كَالْإِمَامِ إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ) سَحْنُونَ: وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَأَمْضَيْنَاهُ ثُمَّ لَقِيَ هُوَ عِلْجًا فَقَتَلَهُ فَإِنَّ لَهُ سَلَبَهُ. فَإِنْ قَالَ: " مِنْكُمْ " لَمْ يَكُنْ لَهُ هُوَ سَلَبُ مَنْ قُتِلَ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: " مِنْكُمْ " (أَوْ يَخُصَّ نَفْسَهُ) سَحْنُونَ: وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: إنْ قَتَلْتَ قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِمَا خَصَّ نَفْسَهُ. (وَلَهُ الْبَغْلَةُ إنْ قَاتَلَ عَلَى بَغْلٍ لَا إنْ كَانَتْ بِيَدِ غُلَامِهِ وَقَسْمُ الْأَرْبَعَةِ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ سِتُّ صِفَاتٍ اسْتَحَقَّ الْغَنِيمَةَ وَهِيَ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالصِّحَّةُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَحُضُورُ الْوَقِيعَةِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْمُسْتَنِدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ ". (كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ إنْ قَاتَلَا أَوْ خَرَجَا بِنِيَّةِ غَزْوٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: التَّاجِرُ وَالْأَجِيرُ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ يُسْهَمُ لَهُمَا وَإِلَّا فَلَا إلَّا أَنْ يُقَاتِلَا. عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّمَا لَمْ يُسْهَمْ لِلتُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ وَالْأُجَرَاءِ الْمُتَشَاغِلِينَ بِاكْتِسَابِهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ السَّهْمُ وَهُوَ الْقِتَالُ وَالْمُعَاوَنَةُ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمْ إنَّمَا حَضَرَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَلِخِدْمَةِ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ. وَأَمَّا إنْ قَاتَلَ فَإِنَّهُ يُسْهِمُ لَهُ لِأَنَّهُ مِمَّنْ خُوطِبَ بِالْجِهَادِ وَقَاتَلَ فِيهِ وَالْقَتْلُ سَبَبُ الْغَنِيمَةِ فَلَيْسَ إجَارَةُ نَفْسِهِ تَمْنَعُهُ السَّهْمَ إذَا قَاتَلَ كَاَلَّذِي يَحُجُّ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ أَوْ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ صِحَّةُ الْحَجِّ. ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْأَجِيرَ وَالتَّاجِرَ إذَا قَاتَلَ يُسْهَمُ لَهُ وَإِنْ لِمَ يُقَاتِلْ فَلَا يُسْهِمُ لَهُ وَيَصِيرُ كَالْأَجِيرِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ خُرُوجُهُ لِلْغَزْوِ غَيْرَ أَنَّ مَعَهُ تِجَارَةً فَهَذَا يُسْهَمُ لَهُ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ. قَالَ سَحْنُونَ: وَإِذَا قَاتَلَ الْأَجِيرُ فَلَهُ سَهْمُهُ وَيَبْطُلُ مِنْ أَجْرِهِ بِقَدْرِ مَا اشْتَغَلَ عَنْ الْخِدْمَةِ.

стр. 1559

قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: وَلَيْسَ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ السَّهْمَانِ الَّذِي صَارَ لَهُ عِوَضًا مِمَّا عَطَّلَ مِنْ الْخِدْمَةِ بِخِلَافِ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي خِدْمَةِ آخَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْقِتَالَ لَا يُشَابِهُ الْخِدْمَةَ (لَا ضِدِّهِمْ وَلَوْ قَاتَلُوا) ابْنُ حَارِثٍ: لَا يُسْهِمُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ اتِّفَاقًا. اُنْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ ". وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُسْهِمُ لِلْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَإِنْ قَاتَلُوا وَلَا يُرْضَخُ لَهُمْ (إلَّا الصَّبِيَّ فَفِيهِ إنْ أُجِيزَ وَقَاتَلَ خِلَافٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُسْهِمُ لِلصِّبْيَانِ. وَفِي الرِّسَالَةِ: إلَّا أَنْ يُطِيقَ الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ الْقِتَالَ وَيُجِيزَهُ الْإِمَامُ وَيُقَاتِلَ فَيُسْهِمَ لَهُ وَنَحْوُهُ نَقَلَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ (وَلَا يَرْضَخُ لَهُمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا (كَمَيِّتٍ قَبْلَ اللِّقَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا قِتَالَ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْقِتَالِ فَلَا يُسْهِمُ لَهُ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْقِتَالِ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ فَلَهُ سَهْمُهُ وَلَوْ كَانَتْ غَنِيمَةً بَعْدَ غَنِيمَةٍ، فَمَا كَانَ مُتَتَابِعًا فَلَهُ سَهْمُهُ فِي الْجَمِيعِ، مِثْلُ أَنْ يَفْتَتِحَ حِصْنًا فَيَمُوتَ ثُمَّ يَفْتَتِحَ آخَرَ عَلَى جِهَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ. أَصْبَغُ: وَأَمَّا إنْ رَجَعُوا قَافِلِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ انْقِطَاعِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا اسْتَوْقَفَ بَعْدَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ لِكُلِّ قَوْلٍ مِنْهَا وَجْهٌ. اُنْظُرْ أَوَّلَ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَرَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى. وَنَصُّ السُّؤَالِ: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يُقْتَلُ فِي الْمَعْرَكَةِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ يَخْرُجُ فَيَمُوتُ بَعْدَ أَيَّامٍ أَوْ يَمْرَضُ فَيَمُوتُ بَعْدَ شُهُودِ الْقِتَالِ. (وَأَعْمَى وَأَعْرَجَ وَأَشَلَّ) سَحْنُونَ: يُسْهَمُ لِلْأَعْمَى وَلِلْأَعْرَجِ وَأَقْطَعْ الْيَدَيْنِ وَالْمُقْعَدِ وَالْمَجْذُومِ فَارِسًا. اللَّخْمِيِّ: الصَّوَابُ فِي الْأَعْمَى أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ يَرَى النَّبْلَ دَخَلَ بِذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْخَدَمَةِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ، وَكَذَلِكَ أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى أَسْهَمَ لَهُ، وَيُسْهِمُ لِلْأَعْرَجِ إذَا حَضَرَ الْقِتَالَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْبُنُ عَنْ الْقِتَالِ لِأَجْلِ عَرَجِهِ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ فَارِسًا، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقْعَدِ إنْ كَانَ رَاجِلًا، وَإِنْ كَانَ فَارِسًا يَقْدِرُ عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ أَسْهَمَ لَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ فَارِسًا مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ نَصُّ سَحْنُونٍ. (وَمُتَخَلِّفٍ لِحَاجَةٍ إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالْجَيْشِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ بَعَثَ الْأَمِيرُ قَوْمًا مِنْ الْجَيْشِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَلَدِ الْعَدُوُّ فِي أَمْرٍ مِنْ مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ مِنْ حَشْدٍ أَوْ إقَامَةِ سُوقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَاشْتَغَلُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى غَنِمَ الْجَيْشُ فَلَهُمْ مَعَهُمْ سَهْمُهُمْ. وَقَدْ «قَسَمَ ﷺ لِعُثْمَانَ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ خَلَّفَهُ عَلَى بِنْتِهِ، وَقَسَمَ لِطَلْحَةَ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَهُمَا غَائِبَانِ بِالشَّامِ» . قَالَ سَحْنُونَ: وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا شَيْءَ لَهُمْ وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ. الْبَاجِيُّ: مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْخُرُوجُ فِي الْجَيْشِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الشُّرُوعُ فِي الْعَمَلِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ السَّهْمِ إلَّا الرُّجُوعُ بِاخْتِيَارِهِ إلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ: وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ الرُّجُوعِ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ. وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ مَرْكَبٍ بَعَثُوا بَعْدَ نُزُولِهِمْ جَزِيرَةَ الرُّومِ رَجُلًا لِنَاحِيَةٍ مِنْهَا لِيُخْبِرَ مَا فِيهَا مِنْ سُفُنِ الْمُسْلِمِينَ

стр. 1560

فَأَبْطَأَ فَأَقْبَلُوا فَغَنِمُوا وَكَانَ الرَّجُلُ دَخَلَ بَعْضَ سُفُنِ الْمُسْلِمِينَ، إنْ قَعَدَ مَعَهُمْ تَارِكًا لَهُمْ فَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُمْ وَإِلَّا فَلَهُ حَظُّهُ مَعَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا أَبْيَنُ عَلَى مَا قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلُوهُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ فِيمَا يَخُصُّهُمْ مِنْ أَمْرِ غَزْوِهِمْ عَلَى أَنْ يَلْحَقَهُمْ فَلَمْ يُدْرِكْهُمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَهْمُهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ (وَضَالٌّ بِبَلَدِنَا وَإِنْ بِرِيحٍ) هَذَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّخْمِيِّ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ حَسْبَمَا يَأْتِي. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرَاكِبِ تَصِلُ إلَى أَرْضِ الرُّومِ ثُمَّ يَرُدُّ بَعْضَهَا الرِّيحُ إلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَرْجِعْ أَهْلُهَا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ: فَإِنَّ لَهُمْ سِهَامَهُمْ مَعَ أَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ وَصَلُوا إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَغَنِمُوا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ ضَلَّ رَجُلٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى غَنِمُوا فَلَهُ سَهْمُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِينَ رَدَّتْهُمْ الرِّيحُ. قَالَ عَنْهُ أَصْبَغُ: وَكَذَلِكَ لَوْ ضَلَّ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلَهُ سَهْمُهُ. (بِخِلَافِ بَلَدِهِمْ) اللَّخْمِيِّ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ضَلَّ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ فَغَنِمُوا بَعْدَهُ فَلَهُ سَهْمُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: تَخْصِيصُهُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَيَتَعَقَّبُ بِنَصِّهَا فَلَهُ سَهْمُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِينَ رَدَّتْهُمْ الرِّيحُ وَهُوَ بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْقُلُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَوَاءٌ ضَلَّ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ الْإِسْلَامِ. (وَمَرِيضٌ شَهِيدٌ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْمَرَضِ طُرُقٌ. الْبَاجِيُّ: إنْ مُنِعَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْقِتَالِ حَالًا وَمَآلًا مُنِعَ الْإِسْهَامَ وَإِلَّا فَلَا. اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ خَرَجَ مَرِيضًا وَأَرَى لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَأْيِهِ، رُبَّ رَأْيٍ أَنْفَعَ مِنْ قِتَالٍ. وَمَنْ مَرِضَ بَعْدَ الْقِتَالِ أَسْهَمَ لَهُ. وَيَخْتَلِفُ إنْ مَرِضَ بَعْدَ الْإِدْرَابِ وَقَبْلَ الْقِتَالِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ عَنْ مَالِكٍ الرُّجُوعُ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِسْهَامِ.

стр. 1561

وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ خَرَجَ غَازِيًا فَلَمْ يَزَلْ مَرِيضًا حَتَّى شَهِدَ الْقِتَالَ وَحَازُوا الْغَنِيمَةَ فَلَهُ سَهْمُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ الْقِتَالَ بِفَرَسٍ رَهِيصٍ فَلَهُ سَهْمُهُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: بِخِلَافِ الْحَطِيمِ وَالْكَسِيرِ. ابْنُ سَحْنُونٍ قَالَ مَالِكٌ: يُسْهِمُ لِلْفَرَسِ الْمَرِيضِ وَالرَّجُلِ الْمَرِيضِ قَالَ: وَمَا كُلُّ مَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ يُقَاتِلُ وَلَا كُلُّ فَرَسٍ يُقَاتِلُ. وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ لَا يُسْهِمُ لَهُ وَبِالْأَوَّلِ أَخَذَ سَحْنُونَ. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْقِتَالُ سَبَبُ الْغَنِيمَةِ فَمَنْ قَاتَلَ أَوْ حَضَرَ الْقِتَالَ أَسْهَمَ لَهُ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، لِأَنَّهُ قَدْ حَضَرَ سَبَبَ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ الْقِتَالُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْجَيْشِ يُقَاتِلُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فِي الرِّدْءِ وَبَعْضُهُمْ يَحْفَظُونَ السَّوَادَ وَبَعْضُهُمْ فِي الْعُلُوفَةِ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْحَرْبِ. وَلَوْ قَاتَلَ كُلُّ الْجَيْشِ لَفَسَدَ التَّدْبِيرُ. وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إنَّ الْمَرِيضَ يُسْهَمُ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ الْوَاقِعَةَ وَيَحْصُلُ مِنْهُ التَّكَثُّرُ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧] أَيْ كَثِّرُوا. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَلَمْ يَبْلُغْ الْعَسْكَرَ حَتَّى مَرِضَ فَخَلَفُوهُ فِي الطَّرِيقِ لَعَلَّهُ يُفِيقُ فَيَلْحَقُ بِهِمْ فَغَنِمُوا وَرَجَعُوا فَلَهُ سَهْمُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُدَرَّبَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَهْمُهُ (كَفَرَسٍ رَهِيصٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا. (وَمَرِضَ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) تَقَدَّمَ مَا يَنْبَغِي نَقْلُهُ مِنْ النُّصُوصِ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَهِيَ عِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ قَالَ مَا نَصُّهُ: إنْ فَصَّلْت قُلْت: أَمَّا إنْ مَرِضَ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ أَوْ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفُوا عَلَى

стр. 1562

الْغَنِيمَةِ أُسْهِمَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُشْرِفُوا فَفِي كُلِّ صُورَةٍ قَوْلَانِ. (وَلِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَسَهْمٌ لِفَارِسِهِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ. قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَمَا عَلِمْت أَنَّ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مَنْ قَالَ لِلْفَرَسِ سَهْمٌ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. لَكِنْ هُنَا نَظَرٌ وَهُوَ أَنَّ الْفَرَسَ إذَا اسْتَحَقَّ السَّهْمَيْنِ عِنْدَنَا فَهَلْ نَقُولُ: إنَّهُمَا جُعِلَا لِأَجْلِ الْفَارِسِ وَالْفَرَسُ تَبَعٌ لَهُ، أَوْ نُقَدِّرُ أَنَّ السَّهْمَيْنِ لِأَجْلِ الْفَرَسِ لِأَجْلِ فَرِّهِ وَكَرِّهْ وَالْفَارِسُ فِي حُكْمِ التَّبَعِ؟ هَذَا مِمَّا فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مُسْتَعَارٍ وَفِي عَبْدٍ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ. (وَإِنْ بِسَفِينَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَقُوا الْعَدُوَّ فِي الْبَحْرِ وَمَعَهُمْ الْخَيْلُ فِي السُّفُنِ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ

стр. 1563

وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ أَسْرَى أَهْلُ الْعَسْكَرِ رَجَّالَةً وَلِبَعْضِهِمْ خَيْلٌ فَغَنِمُوا وَهُمْ رَجَّالَةٌ فَإِنَّهُ يُعْطَى مَنْ لَهُ فَرَسٌ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَغَنِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَأَهْلِ السَّرِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا لِأَنَّهُ كَمَا يُسْهَمُ لِمَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ كَذَلِكَ يُسْهَمُ لِفَرَسِ مَنْ شَهِدَ بِفَرَسِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهِ. وَفِي الْكَافِي لِأَبِي عُمَرَ مَا نَصُّهُ: مَنْ شَهِدَ الْحَرْبَ فَارِسًا أُسْهِمَ لَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ وَلَا يُرَاعَى عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الدُّخُولُ إنَّمَا يُرَاعَى اللِّقَاءُ، فَمَنْ دَخَلَ فَارِسًا وَقَاتَلَ رَاجِلًا أُسْهِمَ لَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ (أَوْ بِرْذَوْنًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْبَرَاذِينُ إنْ أَجَازَهَا الْوَالِي كَانَتْ كَالْخَيْلِ. ابْنُ حَبِيبٍ: هِيَ كَالْخَيْلِ الْعِظَامِ. الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ الْجَافِيَةَ الْخِلْقَةِ الْعَظِيمَةَ الْأَعْضَاءِ وَالْعِرَابُ أَضْمَرُ وَأَرَقُّ أَعْضَاءً (أَوْ هَجِينًا أَوْ صَغِيرًا) مِنْ الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى الْهَجِينَ إلَّا مِنْ الْخَيْلِ. ابْنُ حَبِيبٍ: الْهَجِينُ الَّذِي أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ مِنْ الْبَرَاذِينِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَشْبَهَتْ الْخَيْلَ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهَا وَالطَّلَبَ بِهَا أَسْهَمَ لَهَا. الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخَيْلِ الْكَرُّ وَالْفَرُّ وَالطَّلَبُ بِهَا. وَلَمْ يَشْتَرِطْ ابْنُ حَبِيبٍ إجَازَةَ الْوَالِي وَاشْتَرَطَهُ مَالِكٌ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَمْرَ الْخَيْلِ فَيُجِيزَ مِنْهَا مَا يُحِبُّ وَيَرُدَّ مِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، وَإِنَاثُ الْخَيْلِ كَذُكُورِهَا يُسْهَمُ لَهَا، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ. وَأَمَّا

стр. 1564

صِغَارُ الْخَيْلِ لَا مَرْكَبَ فِيهَا فَلَا يُسْهَمُ لَهَا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ الْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ أُسْهِمَ لَهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُسْهَمُ لِبَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَعِيرٍ وَصَاحِبُهُ رَاجِلٌ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ مَنْ غَزَا عَلَى حِمَارٍ أَوْ بَغْلٍ فَيَأْخُذُ فَرَسًا أُعْطِيَ فِي السَّبِيلِ قَالَ: الْحِمَارُ ضَعِيفٌ وَالْبَغْلُ أَقْوَى وَلَا يَأْخُذُ الْفَرَسُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ عَلَى التَّقَدُّمِ إلَى الْأَسِنَّةِ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ. ابْنُ الْحَاجِبِ: الْبِرْذَوْنُ وَالْهَجِينُ وَالصَّغِيرُ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ. الْجَلَّابُ: وَذُكُورُ الْخَيْلِ وَإِنَاثُهَا سَوَاءٌ كَغَيْرِهَا بِخِلَافِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ. (وَمَرِيضٌ رُجِيَ) تَقَدَّمَ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ خَلَّفُوا الْمَرِيضَ فِي الطَّرِيقِ لَعَلَّهُ يُفِيقُ فَيَلْحَقُ بِهِمْ فَغَنِمُوا وَرَجَعُوا فَلَهُ سَهْمُهُ. (وَمُحَبَّسٍ) سَحْنُونَ: يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ الْمُحَبَّسِ لِلْغَزْوِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى فَرَسًا أَوْ اسْتَعَارَهُ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ. (وَمَغْصُوبٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ) . اللَّخْمِيِّ: لَوْ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ خَيْلًا فَغَصَبَ رَجُلٌ مِنْهَا فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ سَهْمَاهُ لِلْغَاصِبِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَعَلَيْهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ (أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ وَمِنْهُ لِرَبِّهِ) . اللَّخْمِيِّ: الْقَوْلَانِ وَلَوْ غَصَبَ فَرَسًا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ سَهْمَاهُ لِلْغَاصِبِ وَلِصَاحِبِهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: وَإِنْ تَغَيَّرَ خُيِّرَ رَبُّهُ إمَّا ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْفَرَسِ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْأُجْرَةَ. وَانْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ إذَا غَصَبَ فَرَسًا لِأَهْلِ الْجَيْشِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَعَزَا اللَّخْمِيِّ الْقَوْلَيْنِ لِابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: وَهَذَا رَاجِعٌ لِلْخِلَافِ فِي الضَّالِّ انْتَهَى. فَحَصَلَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرَسَ الْمُحَبَّسَ وَالْمُكْتَرَى وَالْمُسْتَعَارَ وَالْمَغْصُوبَ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي فَرَسٍ انْفَلَتَ مِنْ رَبِّهِ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ فَأَخَذَهُ آخَرُ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى غَنِمُوا إنَّ سُهْمَانَهُ لِلَّذِي انْفَلَتَ مِنْهُ. وَقَالَ سَحْنُونَ: سُهْمَانُهُ لِلَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ إجَارَةُ مِثْلِهِ، وَانْظُرْ الْعَبْدَ إذَا قَاتَلَ عَلَى فَرَسِ سَيِّدِهِ. الْمَازِرِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا. (لَا أَعْجَفَ أَوْ كَبِيرٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) . ابْنُ شَاسٍ:

стр. 1565

لَا يُسْهَمُ لِلْأَعْجَفِ إذَا كَانَ فِي حَيِّزِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَمَا لَا يُسْهَمُ لِلْكَبِيرِ (وَبَغْلٍ وَبَعِيرٍ) اُنْظُرْهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَمَرِيضٍ رُجِيَ " (وَثَانٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَهُ أَفْرَاسٌ لَا يُزَادُ عَلَى سَهْمِ فَرَسٍ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ، مَالِكٍ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِلَ الْعَدُوَّ عَلَى فَرَسَيْنِ إلَّا عَلَى فَرَسٍ وَاحِدٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزِيَادَةُ عَدَدٍ كَزِيَادَةِ رِمَاحٍ أَوْ سُيُوفٍ (وَالْمُشْتَرَكُ لِلْمُقَاتِلِ وَدَفَعَ أَجْرَ شَرِيكِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنْ أَدْرَبَ رَجُلَانِ بِفَرَسٍ لَهُمَا فَسَهْمَاهُ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِ لِلْآخَرِ نِصْفُ أُجْرَتِهِ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ. (وَالْمُسْتَنَدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ وَإِلَّا فَلَهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُسْتَنَدُ إلَى الْجَيْشِ مِنْ مُفْرَدٍ وَسَرِيَّةٍ كَالْجَيْشِ وَإِلَّا فَهُمْ كَالْمُتَلَصِّصِ. ابْنُ عَلَاقٍ: الْمُرَادُ بِالْمُسْتَنَدِ إلَى الْجَيْشِ أَنْ يَخْرُجَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْجَيْشِ فَيُقَاتِلُونَ دُونَ الْجَيْشِ وَيَغْنَمُونَ، فَمَا غَنِمَ هَؤُلَاءِ شَارَكَهُمْ فِيهِ الْجَيْشُ كَمَا أَنَّهُمْ لَوْ غَنِمَ الْجَيْشُ فِي غَيْبَتِهِمْ لَشَارَكُوهُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْعَسْكَرِ بَعْدَمَا فَصَلَ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ: بَيِّنٌ، وَأَمَّا إنْ خَرَجَتْ مِنْ بِلَادٍ ثُمَّ اتَّبَعَهَا بَقِيَّةُ الْجَيْشِ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ أَمِيرَ الْجَيْشِ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَتَقَدَّمَتْ لِيَتْبَعَهَا فَغَنِمَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَحِقَهَا بِمَوْضِعٍ غَنِمَتْ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لِمَنْ مَعَهُ فِيمَا غَنِمَتْ، فَلَوْ غَنِمَتْ بَعْدَمَا اتَّبَعَهَا بِبَقِيَّةِ عَسْكَرِهِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ. قَالَ أَشْهَبُ: إنْ غَنِمَتْ بَعْدَ فُصُولِ الْعَسْكَرِ فَكُلُّهُمْ شُرَكَاءُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا لِأَنَّهُمْ إذَا فَصَلُوا عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ صَارُوا رِدْءًا لِلسَّرِيَّةِ وَنَصِيرًا لَهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْغَنِيمَةُ قَبْلَ فُصُولِهِمْ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَمْ تَكُنْ السَّرِيَّةُ رِدْءًا. قَالَ سَحْنُونَ: إنْ دَخَلَ الْجَيْشُ أَرْضَ الْحَرْبِ فَمَاتَ أَمِيرُهُمْ قَبْلَ الْقِتَالِ فَافْتَرَقُوا طَائِفَتَيْنِ وَأَمَّرَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَمِيرًا وَأَغَارَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَقَاتَلَتْ وَغَنِمَتْ فَكُلُّ مَا غَنِمَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: إلَّا أَنْ تَتَبَاعَدَ كُلُّ طَائِفَةٍ عَنْ الْأُخْرَى بَعْدَ أَنْ لَا يُمْكِنَهَا الْمَعُونَةُ وَلَمْ يَجْتَمِعَا إلَّا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا إنْ اجْتَمَعَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَلْيَرْجِعَا عَلَى أَمْرِهِمَا. وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ سَحْنُونٍ. وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي أَمِيرِ سَرِيَّةٍ عَرَضَ لَهُ نَهْرٌ حِينَ دَنَا مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ فَجَازَهُ بِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ وَتَخَلَّفَ الْآخَرُونَ مُعْتَذِرِينَ عَنْ طَاعَتِهِ بِشِدَّةِ خَطَرِهِ فَرَجَعَ بِغَنِيمَةٍ وَوَجَدَ الْمُتَخَلِّفِينَ بِمَكَانِهِمْ لَا قَسْمَ لَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي يَنْبَغِي عِنْدِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا فِي وُقُوفِ الْمُتَخَلِّفِينَ بِمَكَانِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَجْهُ مَنْفَعَةٍ لِلْغَانِمَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْرُ قُرْبَ بَلَدِ الْعَدُوِّ بِحَيْثُ يَظُنُّ الْعَدُوُّ جَوَازَهُمْ أَجْمَعِينَ قُسِمَ لَهُمْ مَعَهُمْ وَإِلَّا فَلَا. سَحْنُونَ: وَلَوْ حَبَسَ الْإِمَامُ حِينَ خَرَجَ النَّاسُ مِنْ الْمَدِينَةِ طَائِفَةً لِحِفْظِهَا كَانَ لَهُمْ حَظُّهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، لِأَنَّهُ حَبَسَهُمْ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَانْظُرْ رَابِعَ تَرْجَمَةٍ وَخَامِسَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْجِهَادِ الثَّالِثِ مِنْ نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَسَمِعَ أَيْضًا عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي عَدُوٍّ حَصَرَ أَهْلَ حِصْنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَخَرَجَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ وَقَاتَلُوا الْعَدُوَّ فَأَظْفَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ وَأَصَابُوا خَيْلَهُ وَأَسْلَابَهُ يُقْسَمُ ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ مَنْ خَرَجَ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَبَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْحِصْنِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ وَيُقْسَمُ لِخَيْلِ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ وَلِخَيْلِ مَنْ خَرَجَ رَاجِلًا وَخَلَّفَ فَرَسَهُ فِي الْحِصْنِ إذَا كَانُوا بِمَوْضِعِ رِبَاطٍ وَضَعُوا فِيهِ رُصْدَةً لِلْعَدُوِّ وَلِذَلِكَ سَكَنُوا، وَلَوْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْغَنِيمَةَ تُقْسَمُ

стр. 1566

عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ لِكَوْنِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ رِدْءًا لِمَنْ قَاتَلَ وَعَوْنًا لَهُمْ عَلَى الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ نُفُوسَهُمْ تَقْوَى بِوُقُوفِهِمْ وَتَزِيدُ فِي جُرْأَتِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ فِي الْحِصْنِ بِهِمْ قَوِيَتْ نُفُوسُ مَنْ خَرَجَ وَلَعَلَّ الْعَدُوَّ إنَّمَا انْهَزَمَ بِسَبَبِهِمْ. وَانْظُرْ فِي نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ إذَا أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى بَعْضِ الثُّغُورِ فَتَدَاعَى عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَانْهَزَمُوا مِنْ غَيْرِ مُلَاقَاةٍ وَنَالُوا مِنْهُمْ مَغْنَمًا أَنَّهُ يُخَمِّسُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَهُمْ، لِأَنَّ مِنْهُمْ جَزِعُوا وَهَرَبُوا. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: مَا غُنِمَ بِغَيْرِ إيجَافٍ وَلَا قِتَالٍ وَهُوَ مِمَّا يَنْجَلِي عَنْهُ أَهْلُهُ وَيَتْرُكُونَهُ رَهْبَةً وَفَزَعًا وَهَذَا لَا يُخَمَّسُ، وَهُوَ فَيْءٌ. لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ: إذَا كَانَتْ قُرًى إنَّمَا فِيهَا أَهْلُهَا فَخَرَجُوا فِي طَلَبِ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ قُسِمَ مَا أَصَابُوا بَيْنَ كُلِّ مَنْ طَلَبَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ خَرَجَ طَالِبًا بِالثَّبْتِ وَالْيَقِينِ. زَادَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ: وَلَا شَيْءَ لِمَنْ خَرَجَ بَعْدَ الْوَقِيعَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَدِينَةُ ثَغْرًا وَمُحْرِسًا. وَمِنْهُ أَيْضًا: وَإِنْ غَار الْعَدُوُّ عَلَى جِهَتَيْنِ فَلِكُلِّ جِهَةٍ مَا غَنِمُوا. وَانْظُرْ رَابِعَ تَرْجَمَةٍ وَخَامِسَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْجِهَادِ الثَّالِثِ مِنْ نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمُتَخَلِّفٌ لِحَاجَةٍ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَضَالٌّ بِبَلَدِنَا " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمَرِيضٌ شَهِدَ " وَقَوْلَ عَبْدِ الْوَهَّابِ لِأَنَّ لَيْسَ كُلُّ الْجَيْشِ يُقَاتِلُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ. وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلَهُ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» أَنَّهُمْ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْمَغْنَمِ يُسْهِمُونَ مِنْهُ لِمَنْ شَغَلَهُ عَنْ حُضُورِ الْمُعْتَرَكِ مَصْلَحَةٌ مِنْ مَصَالِحِ الْغَانِمِينَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ نَقَلَ صَاحِبُ كِتَابِ مَعَارِفِ الْأَشْوَاقِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَانُوا يَتَعَفَّفُونَ عَنْ الْمَغْنَمِ قَالَ: وَمِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ فَقِيلَ لَهُ: أَتَشُكُّ فِي أَنَّ الْغَنِيمَةَ حَلَالٌ؟ فَيَقُول: وَهَلْ هُوَ الزُّهْدُ إلَّا فِي الْحَلَالِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ ثُلُثٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ» وَنَقَلَ أَيْضًا هُوَ وَصَاحِبُ الْمُقَرِّبِ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ أَمَّرَ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ عَلَى غَزْوِ إفْرِيقِيَّةَ وَكَانَ صَاحِبُ إفْرِيقِيَّةَ جِرْجِيرٌ سُلْطَانُهُ مِنْ طَرَابُلُسَ إلَى طَنْجَةَ فَهَالَهُ أَمْرُ الْعَرَبِ بِحَيْثُ إنْ زَيَّنَ بِنْتًا لَهُ كَانَتْ بَارِعَةَ الْجَمَالِ وَقَالَ لِحَشَمِهِ: أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ سَيِّدَتُنَا وَبِنْتُ سَيِّدِنَا لِمَالِكٍ. فَقَالَ: وَحَقِّ الْمَسِيحِ وَدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ لَا قَتَلَ مِنْكُمْ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ أَمِيرَ الْعَرَبِ إلَّا زَوَّجْتهَا لَهُ وَسُقْت لَهَا جَمِيعَ مَا مَعَهَا مِنْ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَالْجَوَارِي يُحَرِّضُ بِذَلِكَ الرُّومَ تَحْرِيضًا شَدِيدًا. وَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ فَأَخْبَرَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَقَالَةِ جِرْجِيرٍ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَحَقِّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَدِينِ الْإِسْلَامِ لَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْكُمْ جِرْجِيرًا إلَّا نَفَّلْته ابْنَتَهُ. فَانْتَدَبَ أُنَاسٌ وَفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَقُّوا الصُّفُوفَ وَظَهَرُوا بِجِرْجِيرٍ وَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ وَتَنَازَعُوا فِي قَتْلِ جِرْجِيرٍ فَقَالَتْ الِابْنَةُ: أَنَا أَعْرِفُ قَاتِلَ أَبِي فَأَمَرَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ أَنْ يَمُرَّ الْجَيْشُ بَيْنَ يَدَيْهَا وَهِيَ تَنْظُرُ حَتَّى مَرَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَتْ: هَذَا وَالْمَسِيحِ قَاتِلُ أَبِي. فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: لِمَ كَتَمْتنَا؟ قَالَ: قَدْ عَلِمَ الَّذِي قَتَلْته لَهُ فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: إذَنْ وَاَللَّهِ

стр. 1567

أُنَفِّلُك ابْنَتَهُ فَنَفَّلَهُ إيَّاهَا وَاِتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ. وَنَقَلَ أَيْضًا فِي عُيُونِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مَسْلَمَةَ حَاصَرَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الْكُفَّارِ وَنَدَبَ النَّاسَ لِلدُّخُولِ مِنْ نَقْبٍ هُنَاكَ فَمَا دَخَلَهُ أَحَدٌ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ عَرْضِ الْجَيْشِ فَدَخَلَهُ فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَنَادَى مَسْلَمَةُ: أَيْنَ صَاحِبُ النَّقْبِ؟ فَمَا جَاءَ أَحَدٌ فَنَادَى: إنِّي عَزَمْت عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ فَأَتَى رَجُلٌ وَقَالَ: صَاحِبُ النَّقْبِ يَأْخُذُ عَلَيْكُمْ ثَلَاثًا أَنْ لَا تَجْعَلُوا اسْمَهُ فِي صَحِيفَةٍ إلَى الْخَلِيفَةِ. وَلَا تَأْمُرُوا لَهُ بِشَيْءٍ وَلَا تَسْأَلُوهُ مِمَّنْ هُوَ. فَقَالَ مَسْلَمَةُ: ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: أَنَا هُوَ. فَكَانَ مَسْلَمَةُ لَا يُصَلِّي صَلَاةً إلَّا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مَعَ صَاحِبِ النَّقْبِ. [الْجِهَادُ بِالرَّاتِبِ] وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْجِهَادِ بِالرَّاتِبِ قَالَ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ إنْ كَانَتْ إنْ مُنِعَ الرَّاتِبُ لَمْ يَخْرُجْ وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِ الْمُرَتَّبِ فَهَذَا إنْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ فِي الظَّاهِرِ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ شَهِيدٍ قَالَ: إلَّا إنْ حَضَرَتْ لَهُ نِيَّةٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ فَيَكُونُ شَهِيدًا عِنْدَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَأَمَّا غَدْوُهُ وَرَوَاحُهُ وَمَا نَالَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ غُبَارٍ وَخَوْفٍ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ. وَنَقَلَ أَيْضًا - أَعْنِي صَاحِبَ كِتَابِ مَعَارِفِ الْأَشْوَاقِ - أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْجِهَادِ لَا تَنْحَصِرُ لِتَنَوُّعِ الْمَقَاصِدِ أَعْلَاهَا مَنْ يَقْصِدُ بِجِهَادِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِحْقَاقِهِ هَذِهِ الْعِبَادَةَ وَأَمْرِهِ بِهَا وَافْتَرَضَهَا عَلَى عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ لِجَزَاءٍ عَلَيْهَا لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. قَالَ: وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ الْجَوْزِيُّ بِسَنَدِهِ إلَى مَيْسَرَةَ. قَالَ: غَزَوْنَا بَعْضَ الْغَزَوَاتِ فَإِذَا بَيْنَ الصُّفُوفِ شَابٌّ فَحَمَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْقَلْبِ ثُمَّ قَالَ: أَحْسِنْ بِمَوْلَاك سَعِيدٍ ظَنَّا ... هَذَا الَّذِي كُنْت لَهُ تَمَنَّى تَنَحَّى يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا ... لَا فِيك قَاتَلْنَا وَلَا قُتِلْنَا لَكِنْ إلَى سَيِّدِنَا اشْتَقْنَا ... قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا ثُمَّ حَمَلَ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ كُنْت أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ ... أَنْ لَا يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالتَّعَبْ يَا مَنْ مَلَا تِلْكَ الْقُصُورَ بِاللَّعِبِ ... لَوْلَاك مَا طَابَ وَمَا طَابَ الطَّرَبْ ثُمَّ حَمَلَ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ عَدَدًا كَثِيرًا ثُمَّ رَجَعَ فَحَمَلَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا لُعْبَةَ الْخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسْمَعِي ... لَا فِيك قَاتَلْنَا فَكَفَى وَارْجِعِي ارْجِعِي إلَى الْجِنَانِ وَاتْرَعِي ... لَا تَطْمَعِي لَا تَطْمَعِي لَا تَطْمَعِي ثُمَّ حَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. (كَمُتَلَصِّصٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ بِهَذَا وَيَبْقَى النَّظَرُ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ سَحْنُونَ: أَصْحَابُنَا يَرَوْنَ فِي سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ فِي قِلَّةٍ وَغَرَرٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَغَنِمُوا. فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ الْغَنِيمَةَ أَدَبًا لَهُمْ. فَقَالَ سَحْنُونَ: فَأَمَّا جَمَاعَةٌ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَحْرُمُهُمْ الْغَنِيمَةَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنُوهُ، يُرِيدُ وَقَدْ أَخْطَئُوا. ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُسْتَنِدُ إلَى الْجَيْشِ مِنْ مُنْفَرِدٍ وَسَرِيَّةٍ كَالْجَيْشِ وَإِلَّا فَهُمْ كَالْمُتَلَصِّصِ. (فَيُخَمَّسُ الْمُسْلِمُ دُونَ الذِّمِّيِّ وَفِي الْعَبْدِ قَوْلَانِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: مَا مَلَكَ مِنْ أَمْوَالِ الْكَافِرِينَ غَنِيمَةٌ وَفَيْءٌ وَمُخْتَصٌّ. ثُمَّ قَالَ: وَالْمُخْتَصُّ بِأَخْذِهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ غَيْرِ مُؤَمَّنٍ دُونَ

стр. 1568

عِلْمِهِ أَوْ كُرْهًا دُونَ صُلْحٍ وَلَا قِتَالٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْأَسِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ هَارِبًا مِنْهُمْ فَيَخْرُجُ بِأَمْوَالٍ أَصَابَهَا لَهُمْ: لَا خُمُسَ عَلَيْهِ فِيهَا إنَّمَا يُخَمَّسُ مَا يُوجَفُ عَلَيْهِ الْخَيْلُ وَالرِّكَابُ. وَقَالَ فِي الْعَبْدِ يَخْرُجُ مُتَلَصِّصًا فِي بَعْضِ قُرَى الْعَدُوِّ فَيُصِيبُ غَنَائِمَ: إنَّهَا تُخَمَّسُ وَيَكُونُ فَضْلُ ذَلِكَ لَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا خَرَجَ بِهِ الْأَسِيرُ وَبَيْنَ إصَابَةِ الْعَبْدِ الْمُتَلَصِّصِ أَنَّ الْخُمُسَ فِيمَا تَعَمَّدَ الْخُرُوجَ لِإِصَابَتِهِ وَالْأَسِيرُ لَيْسَ لِلْإِصَابَةِ خَرَجَ وَلَا لِلْقِتَالِ تَعَرَّضَ فَلِذَلِكَ لَمْ أَرَ فِيهِ خُمُسًا. قِيلَ: فَإِنَّ خَرَجَ حُرٌّ وَعَبْدٌ مُتَلَصِّصَيْنِ فَغَنِمَا؟ قَالَ: يُخَمَّسُ مَا أَصَابَا ثُمَّ يُقْسَمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا. قُيَّل: فَإِنْ خَرَجَ ذِمِّيٌّ مُتَلَصِّصًا مَعَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فَغَنِمَا؟ قَالَ: يُخَمَّسُ حَظُّ الْمُسْلِمِ وَلَا خُمُسَ فِي حَظِّ الذِّمِّيِّ (وَخُمِّسَ مُسْلِمٌ وَلَوْ عَبْدًا عَلَى الْأَصَحِّ) ابْنُ الْقَاسِمِ: يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَهَذَا خِلَافٌ لِسَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا كَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَةِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ كَالْحُرِّ فِي أَنَّ لَهُ مَا غَنِمَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي أَنَّ عَلَيْهِ الْخُمُسَ لِأَنَّهُ مُؤَمَّنٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] . (لَا ذِمِّيٌّ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا خُمُسَ فِي حَظِّ الذِّمِّيِّ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ الْكَافِرَ إذَا خَرَجَ غَازِيًا مَعَ الْأَحْرَارِ وَلَمْ يَكُنْ فِي حَيِّزِ التَّبَعِ كَانَ لَهُ حَقُّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ مَعَ الرَّجُلِ أَوْ الرَّجُلَيْنِ أَوْ الْأَرْبَعَةِ كَانَ لَهُ سَهْمُهُ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ " (وَمَنْ عَمِلَ سَرْجًا أَوْ سَهْمًا) تَقَدَّمَ نَصٌّ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ ". (وَالشَّأْنُ الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالشَّأْنُ أَنْ تُقْسَمَ الْغَنَائِمُ وَتُبَاعَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ وَهُمْ أَوْلَى بِرُخْصِهَا،

стр. 1569

رَوَى الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ لَمْ يَقْسِمُوا غَنِيمَةً قَطُّ إلَّا فِي دَارِ الشِّرْكِ» (وَهَلْ يَبِيعُ لِيَقْسِمَ قَوْلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ إنَّ قَسْمَ الْغَنِيمَةِ هُوَ بَيْعُهَا وَقَسْمَ ثَمَنِهَا. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَقْسِمَهَا خَمْسَةَ أَقْسَامٍ بِالسَّوِيَّةِ بِأَنْ يَجْعَلَ خَمْسَةَ وُصَفَاءَ فِي كُلِّ سَهْمٍ وَصَيْفٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ جِنْسٍ حَتَّى يَعْدِلَ ثُمَّ يُسْهِمَ بَيْنَهَا فَيُخْرِجَ أَحَدَهَا وَالْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسُ لِلْجَيْشِ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ فَعَلَ. وَقَالَ سَحْنُونَ: إنَّهُ يَبِيعُ وَيَقْسِمُ الثَّمَنَ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِي فَيَقْسِمَ الْعُرُوضَ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ، وَالْأَظْهَرُ قِسْمَةُ ذَلِكَ دُونَ بَيْعٍ عَلَى ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ. وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ كَانَ النَّاسُ يَعْدِلُونَ الْبَعِيرَ بِعَشْرَةِ شِيَاهٍ يَقْتَضِي تَكْرَارَ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ. انْتَهَى مِنْ الْأَنْوَارِ. (وَأُفْرِدَ كُلُّ صِنْفٍ إنْ أَمْكَنَ عَلَى الْأَرْجَحِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: صِفَةُ الْقِسْمَةِ أَنْ يَقْسِمَ كُلُّ صِنْفٍ عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، فَإِذَا اعْتَدَلُوا خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ وَاجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْقِيمَةِ وَالِاقْتِسَامِ كَتَبَ فِي رُقْعَةٍ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقْرَعُ فَحَيْثُ وَقَعَ سَهْمُ الْخُمُسِ كَانَ لِلْإِمَامِ لَا رَجْعَةَ لِأَحَدٍ فِيهِ، ثُمَّ يَبِيعُ الْإِمَامُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ وَيَقْسِمُهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ رَأَى بَيْعَ الْجَمِيعِ وَالْخُمُسَ فَعَلَ. انْتَهَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ. لَمْ يُرَجِّحْ ابْنُ يُونُسَ شَيْئًا وَإِنَّمَا رَجَّحَ هَذَا الْبَاجِيُّ فَانْظُرْهُ. وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ مُحَمَّدٍ يَجْعَلُ الْوُصَفَاءَ بِانْفِرَادِهِمْ وَالنِّسَاءَ كَذَلِكَ حَسَنٌ مَعَ الْكَثْرَةِ. (وَأَخَذَ مُعَيَّنٌ وَإِنْ ذِمِّيًّا مَا عَرَفَ لَهُ قَبْلَهُ مَجَّانًا) رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلَّذِي وَجَدَ بَعِيرَهُ فِي الْمَغْنَمِ: إنْ وَجَدْتَهُ لَمْ يُقْسَمْ فَخِذَهُ وَإِنْ قُسِمَ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ إنْ أَرَدْته» ، مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا أَحْرَزَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مِنْ عَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ أَبَقَ إلَيْهِمْ ثُمَّ غَنِمْنَاهُ، فَإِنْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ أَنْ

стр. 1570

يُقْسَمَ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ غَابَ أَوْقَفَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ بِعَيْنِهِ أَوْ عَرَفَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ خُمِّسَ وَقُسِمَ. ثُمَّ إنْ جَاءَ رَبُّهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بِالثَّمَنِ مَا بَلَغَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى فِدَائِهِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ ذَلِكَ بِيَدِهِ أَنْ يَأْبَى عَلَيْهِ. (وَحَلَفَ أَنَّهُ مَلَكَهُ) . ابْنُ شَعْبَانَ: لَوْ ادَّعَى مُسْلِمٌ فِيمَا وَجَدَ فِي الْمَغَانِمِ أَنَّهُ لَهُ إنْ أَثْبَتَ الْمِلْكَ سَلَّمَ لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ. ابْنُ بَشِيرٍ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِهِ الْمِلْكَ وَهَذَا بَيِّنٌ مَعَ الْقَوْلِ إنَّ الْغَانِمِينَ مَلَكُوا بِالْغَنِيمَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّمَا يَمْلِكُونَ بِالْقَسْمِ فَقَدْ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِ إنْ ادَّعَاهُ مَعَ يَمِينِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا وُجِدَ فِي أَيْدِي اللُّصُوصِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي أَخْذِهِ رَبُّهُ إنْ حَضَرَ بِمُوجِبِ الِاسْتِحْقَاقِ طُرُقٌ مُقْتَضَى نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَبْعَثُ لِرَبِّهِ الْغَائِبِ عَدَمَ يَمِينِهِ. (وَحُمِلَ لَهُ إنْ كَانَ خَيْرًا وَإِلَّا بِيعَ لَهُ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا عَرَفَ رَبَّهُ وَكَانَ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِرَبِّهِ أَنْ يَحْمِلَ إلَيْهِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ كِرَاءَ حَمْلِهِ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ إلَيْهِ أَوْفَقَ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيَنْفُذُ بَيْعُهُ الْإِمَامُ فِيهِ وَلَا يَكُونُ لِرَبِّهِ غَيْرُ الثَّمَنِ (وَلَمْ يَمْضِ قَسْمُهُ) أَشْهَبُ: إنْ كَانَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إيصَالِهِ لِرَبِّهِ، مِثْلُ الْعَبْدِ وَالسَّيْفِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ مُؤْنَةٌ كَثِيرَةٌ فَبَاعُوهُ فِي الْغَنِيمَةِ لِأَنْفُسِهِمْ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْغَنَائِمِ مَالُ رَجُلٍ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ غَائِبٌ فَبِيعَ فَذَلِكَ خَطَأٌ وَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ. وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ إلَّا بِالثَّمَنِ وَهِيَ قَضِيَّةٌ مِنْ حَاكِمٍ وَافَقَتْ اخْتِلَافًا بَيْنَ النَّاسِ قَدْ قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: إذَا عَرَفَ رَبَّهُ وَلَمْ يَحْضُرْ أَنَّهُ يُقْسَمُ ثُمَّ لَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ إلَّا بِالثَّمَنِ. انْتَهَى جَمِيعُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (إلَّا لِتَأَوُّلٍ عَلَى الْأَحْسَنِ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ جَهِلَ الْوَالِي أَوْ تَأَوَّلَ قَسَمَ مَا وَجَدَ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ وَصَاحِبُهُ الْمُسْلِمُ حَاضِرٌ، فَهَلْ يَمْضِي فِعْلُهُ؟ قَوْلَانِ. وَهَذَا فِي التَّأْوِيلِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَنَقْضُهُ هُوَ الْمُشْكِلُ هَاهُنَا إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَوَّلْ مُوَافَقَةَ الْخِلَافِ وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ أَنَّهُ لَهُ الْقَسْمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبٌ لِأَحَدٍ. وَأَمَّا إذَا جَهِلَ فَقَدْ اعْتَرَضَ الْأَشْيَاخُ الْقَوْلَ بِمُضِيِّهِ لِأَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُعْذَرُ بِمُوَافَقَةٍ لِلْمَذَاهِبِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الصَّوْمِ أَنَّ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ وَخَرَّجْنَا عَلَيْهِ مَسْأَلَةَ الْمُفْطِرَةِ وَالْمُفْطِرِ

стр. 1571

تَقُولُ: الْيَوْمَ حَيْضَتِي أَوْ يَقُولُ: الْيَوْمَ نَوْبَةُ الْحُمَّى (لَا إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَهَلْ يُقْسَمُ أَوْ يُوقَفُ لِصَاحِبِهِ كَاللُّقَطَةِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُقْسَمُ بِنَاءً عَلَى تَغْلِيبِ مِلْكِ الْغَانِمِينَ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ صَاحِبَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَدَّعِيَهُ وَلَا مُدَّعٍ هَاهُنَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بِاخْتِيَارِهِ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَأَخَذَ الْمُعَيَّنَ ". (وَبِيعَتْ خِدْمَةُ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ وَمُدَبَّرٍ) ابْنُ عَلَاقٍ: فِي عَطْفِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُدَبَّرَ عَلَى الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ نَظَرٌ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ اُسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، فَإِنْ تَابَ لَمْ يُقْسَمْ وَرُدَّ لِسَيِّدِهِ إنْ عُرِفَ بِعَيْنِهِ. سَحْنُونَ: وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ سَيِّدَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَقَاسِمِ إلَّا خِدْمَتُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ أَنَّهُ يُؤَاجَرُ بِمِقْدَارِ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ فَيَجْعَلُ تِلْكَ الْقِيمَةَ فِي الْمَقَاسِمِ أَوْ يُتَصَدَّقُ بِذَلِكَ إنْ افْتَرَقَ الْجَيْشُ، فَإِذَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ خِدْمَتَهُ كَانَ بَاقِي خَرَاجِهِ مَوْقُوفًا كَاللُّقَطَةِ. قَالَ سَحْنُونَ: وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ إذَا سَبَى ثُمَّ غَنِمْنَاهُ كَالْمُدَبَّرِ إذَا عَرَفَ رَبَّهُ وُقِفَ لَهُ وَإِلَّا جُعِلَتْ خِدْمَتُهُ فِي الْمَغْنَمِ، ثُمَّ إنْ جَاءَ سَيِّدُهُ خُيِّرَ فِي فِدَاءِ خِدْمَتِهِ أَوْ اسْتِلَامِهَا لِمُشْتَرِيهَا كَالْمُدَبَّرِ. (وَكِتَابَةٌ) الْمُدَوَّنَةُ: إنْ سَبَى الْعَدُوُّ مُكَاتَبًا لِمُسْلِمٍ أَوْ لِذِمِّيٍّ أَوْ أَبَقَ هَذَا الْمُكَاتَبُ إلَيْهِمْ فَغَنِمْنَاهُ رُدَّ إلَى رَبِّهِ غَابَ أَوْ حَضَرَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ بِعَيْنِهِ وَعُلِمَ إنْ مُكَاتَبٌ أَقَرَّ عَلَى كِتَابَتِهِ وَبِيعَتْ كِتَابَتُهُ فِي الْمَقَاسِمِ مَغْنَمًا وَيُؤَدَّى إلَى مَنْ صَارَ إلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ لَهُ، وَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. (لَا أُمِّ وَلَدٍ) ابْنُ عَلَاقٍ: إنْ ثَبَتَ فِي أَمَةٍ مِنْ الْمَغْنَمِ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ وَلَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهَا لَا تُقْسَمُ وَلَا يُبَاعُ لَهَا خِدْمَةٌ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ. قَالَ سَحْنُونَ: إذَا عُرِفَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُ فِي الْمَقَاسِمِ. ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ عُلِمَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ لَمْ تُقْسَمْ. (وَلَهُ بَعْدَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَأَخْذُ مُعَيَّنٍ مَا عَرَفَ لَهُ قَبْلَهُ مَجَّانًا " أَنَّهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ ثَبَتَ أَنَّ فِي الْغَنِيمَةِ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ قَبْلَ الْقَسْمِ رُدَّ مَجَّانًا، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَسْمِ فَلِمَالِكِهِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِثَمَنِهِ إنْ عُلِمَ وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ، فَإِنْ بِيعَ مِرَارًا فَقَوْلَانِ نَصُّهَا قُسِمَ، ثُمَّ إنْ جَاءَ رَبُّهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بِالثَّمَنِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى فِدَائِهِ. اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَحَلَفَ " (وَبِالْأَوَّلِ إنْ تَعَدَّدَ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ تَعَدَّدَ بِيعَ مَارٌّ بِهِ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ فَطُرُقٌ. ابْنُ مُحْرِزٍ وَالشَّيْخُ: فِي أَخْذِهِ بِأَيِّ ثَمَنٍ شَاءَ أَوْ بِالْأَوَّلِ قَوْلَانِ. ابْنُ يُونُسَ: رَجَعَ سَحْنُونَ وَقَالَ: لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِمَا وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَالشُّفْعَةِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ فِي الشُّفْعَةِ لَمْ يَمْنَعْ أَخْذَهُ بِالثَّانِي وَلَوْ سَلَّمَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ فِيمَا غَنِمَ مَنَعَهُ وَهَذَا رَابِعُ الْأَقْوَالِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْعَبْدِ يَسْبِيهِ الْعَدُوُّ ثُمَّ يَقَعُ فِي سَهْمَانِ رَجُلٍ يَبِيعُهُ ثُمَّ يَتَدَاوَلُهُ رِجَالٌ ثُمَّ يَأْتِي سَيِّدُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الْعَبْدَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ ثُمَّ يَقُومُ بِهِ فَيَبِيعُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ إلَّا مَا بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَيْعَ فَوْتٌ لِشُبْهَةِ مِلْكِ الْعَدُوِّ إيَّاهُ إذْ قَدْ قِيلَ: لَا سَبِيلَ لِصَاحِبِهِ إلَيْهِ فَلَهُ مَا اسْتَفْضَلَ فِيهِ الْمُبْتَاعُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا نَزَلَ حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ عَبِيدٌ لِأَهْلِ

стр. 1572

الْإِسْلَامِ فَبَاعَهُمْ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّهِمْ أَخْذُهُمْ بِالثَّمَنِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِمْ مِنْ بَائِعِهِمْ فِي عَهْدِهِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْحَرْبِيِّ إيَّاهُمْ فِي بَلَدِهِ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ وَهَبَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِمُسْلِمٍ ثُمَّ قَدِمَ بِهِمْ لَأَخَذَهُمْ رَبُّهُمْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لَوْ وَهَبَهُمْ لَهُ مُعَاهَدٌ. (وَأُجْبِرَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى الثَّمَنِ وَاتُّبِعَ بِهِ إنْ أَعْدَمَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ وُجِدَتْ فِي الْمَغَانِمِ أُمُّ وَلَدٍ مُسْلِمٍ لَمْ تُقْسَمْ وَإِنْ قُسِمَتْ بَعْدُ لِمَعْرِفَةٍ أَخَذَهَا سَيِّدُهَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ. ابْنُ عَلَاقٍ: إنْ قُسِمَتْ جَهْلًا بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ثُمَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ثَبَتَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى رَبِّهَا قِيلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهَذَا يُحْكَى عَنْ سُفْيَانَ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ إلَّا بِعِوَضٍ، وَهَلْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ قَالَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّمَا يَفْدِيهَا سَيِّدُهَا وَهَلْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ وَيُتْبَعُ بِهِ دَيْنًا إنْ كَانَ عَدِيمًا؟ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ اشْتَرَى أُمَّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَرْبِيٍّ بِبَلَدِ الْحَرْبِ فَعَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يُعْطِيَهُ جَمِيعَ مَا أَدَّى، شَاءَ السَّيِّدُ أَوْ أَبَى، وَإِنْ جَاوَزَ قِيمَتَهَا وَلَا خِيَارَ لَهُ بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا اُتُّبِعَ بِذَلِكَ وَأَخَذَهَا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَقَعُ فِي الْمَقَاسِمِ (إلَّا أَنْ تَمُوتَ هِيَ أَوْ سَيِّدُهَا) سَحْنُونَ: لَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ بِشَيْءٍ وَلَا فِي تَرِكَةِ سَيِّدِهَا، وَلَوْ مَاتَتْ بِيَدِ مَنْ صَارَتْ بِيَدِهِ لَمْ يُتْبَعْ سَيِّدُهَا بِشَيْءِ. (وَلَهُ فِدَاءُ مُعْتَقٍ إلَى أَجَلٍ وَمُدَبَّرٌ بِحَالِهِمَا وَتَرْكُهُمَا مُسْلِمًا لِخِدْمَتِهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ جَهِلُوا أَنَّهُ مُدَبَّرٌ حَتَّى اقْتَسَمُوا ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهُ فَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالثَّمَنِ وَيَرْجِعَ مُدَبَّرًا ثُمَّ لَا يُتْبِعُهُ سَيِّدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هُوَ وَلَا وَرَثَتُهُ إنْ أُعْتِقَ فِي ثُلُثِهِ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْدِيَهُ خَدَمَ مَنْ صَارَ إلَيْهِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي حُسِبَ بِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَوْفَى وَسَيِّدُهُ الْأَوَّلُ حَيٌّ رَجَعَ إلَيْهِ مُدَبَّرًا، وَإِنْ هَلَكَ السَّيِّدُ وَقَدْ تَرَكَهُ بِيَدِ مَنْ صَارَ فِي سَهْمِهِ يَخْتَدِمُهُ فِي ثَمَنِهِ فَمَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ وَفَاءِ ذَلِكَ خَرَجَ حُرًّا مِنْ ثُلُثِهِ وَاتُّبِعَ بِبَاقِي الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَسَعْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مَا وَسِعَ الثُّلُثَ وَاتُّبِعَ مَا عَتَقَ مِنْهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ الثَّمَنِ كَالْجِنَايَةِ فِي هَذَا. وَلَا بُدَّ أَنْ تُضَمَّ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ عَبْدًا إلَى مَالِ سَيِّدِهِ لِيَعْلَمَ مَا يَحْمِلُ الثُّلُثُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ السَّيِّدُ شَيْئًا غَيْرَهُ عَتَقَ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ وَرَقَّ مَا بَقِيَ لِمُشْتَرِيهِ لِأَنَّ سَيِّدَهُ أَسْلَمَهُ وَلَا قَوْلَ لِوَرَثَتِهِ فِيهِ، وَأَمَّا فِي الْجِنَايَةِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بِمَا رَقَّ مِنْهُ أَوْ يَفْدُوهُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْجِنَايَةِ أَوْ يُسَلِّمُونَهُ رِقًّا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُشْتَرِيهِ مِنْ الْمَغَانِمِ إنَّمَا اشْتَرَى رَقَبَتَهُ فَلَمَّا أَسْلَمَهُ سَيِّدُهُ فَقَدْ أَسْلَمَ لَهُ مَا اشْتَرَاهُ بِمَا يُرَقَّ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِي الْجِنَايَةِ إنَّمَا أَسْلَمَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خِدْمَتَهُ، وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مِنْهُ مَحْمَلَهُ وَصَارَ كَمُعْتَقِ بَعْضِهِ حَيًّا فَيُخَيَّرُ الْوَرَثَةُ فِيمَا رَقَّ مِنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا. ابْنُ يُونُسَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُ اخْتِلَافُ قَوْلٍ اُنْظُرْهُ فِيهِ. قَالَ سَحْنُونَ: وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ إذَا سُبِيَ ثُمَّ غَنِمْنَاهُ كَالْمُدَبَّرِ إذَا عَرَفَ رَبَّهُ أُوقِفَ لَهُ وَإِلَّا وَقَعَتْ خِدْمَتُهُ فِي الْمَقَاسِمِ، ثُمَّ إنْ جَاءَ سَيِّدُهُ خُيِّرَ فِي فِدَاءِ خِدْمَتِهِ وَإِسْلَامِهَا لِمُشْتَرِيهَا كَالْمُدَبَّرِ، وَلَوْ جَهِلَ أَنَّهُ مُعْتَقٌ إلَى أَجَلٍ فَبِيعَ فِي الْمَغَانِمِ فَإِنْ فَدَاهُ سَيِّدُهُ بِالثَّمَنِ عَادَ إلَى سَيِّدِهِ، وَإِنْ تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَفِ عَتَقَ وَلَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ (وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ فَحُرٌّ

стр. 1573

إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ وَاتُّبِعَ بِمَا بَقِيَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ هَلَكَ السَّيِّدُ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ وَاتُّبِعَ بِبَاقِي الثَّمَنِ كَمُسْلِمٍ. (أَوْ ذِمِّيٍّ قُسِمَا وَلَمْ يُعْذَرَا فِي سُكُوتِهِمَا بِأَمْرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ يُبَاعَانِ فِي الْغَنِيمَةِ خَطَأً لِصَمْتِهِمَا فِيهِمَا طُرُقٌ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ إذَا عُذِرَا لِلْجَهْلِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا لَمْ يُعْذَرَا بِجَهْلٍ وَسَكَتَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ لَا يَلْزَمُهُمَا فَأَوْجَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ عِيسَى غُرْمَ أَثْمَانِهِمَا لِلْمُشْتَرِي إنْ فَاتَ الْقَسْمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى مَنْ يَرْجِعُ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ سَحْنُونُ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمَوَّازِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَنَحْوَ رِوَايَةِ عِيسَى هُوَ رِوَايَتُهُ أَيْضًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ يُقِرَّانِ بِالْمَمْلَكَةِ فَيُبَاعَانِ فَتُوطَأُ الْمَرْأَةُ فَتَلِدُ وَقَدْ مَاتَ بَائِعُهُمَا أَوْ فَلِسَ أَنَّ أَثْمَانَهُمَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي دَيْنًا عَلَيْهِمَا. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ جَارٍ عَلَى مُجَرَّدِ الْغُرُورِ بِالْقَوْلِ: هَلْ يَلْزَمُ بِهِ غُرْمٌ أَمْ لَا. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْتَزَمَ الْمُوَثَّقُونَ أَنْ يَكْتُبُوا فِي عَقْدِ الرَّقِيقِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ قَدْ بَلَغَا إقْرَارُهُمَا بِالرِّقِّ لِبَائِعِهِمَا لِيَكُونَ لِلْمُشْتَرِي اتِّبَاعُهُمَا بِأَثْمَانِهِمَا إنْ اسْتَحَقَّا بِحُرِّيَّةٍ وَثَبَتَ الْعِلْمُ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ وَالْبَائِعُ مَيِّتٌ أَوْ عَدِيمٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ السُّكُوتَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَالْإِقْرَارِ يَجِبُ بِهِ الرُّجُوعُ لِلْمُشْتَرِي، وَعَلَى رِوَايَةِ يَحْيَى وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا فَائِدَةَ فِي كِتَابِهِ إذْ لَا يُوجِبُ شَيْئًا. ابْنُ عَرَفَةَ: لَيْسَ شَرْطُ الْفَائِدَةِ كَوْنَهَا فِي مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ حُصُولُهَا بِقَوْلٍ مَشْهُورٍ وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ (وَإِنْ حَمَلَ بَعْضُهُ رُقَّ بَاقِيهِ وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يَتْرُكْ السَّيِّدُ شَيْئًا غَيْرَهُ عَتَقَ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ وَمَا بَقِيَ لِمُشْتَرِيهِ وَلَا قَوْلَ لِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا فِي الْجِنَايَةِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ. اُنْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا. (وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثَمَنَهُ فَعَلَى حَالِهِ وَإِلَّا فَقِنٌّ أَسْلَمَ أَوْ فُدِيَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ غَنِمَ الْمُكَاتَبُ وَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ بِعَيْنِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ أَقَرَّ عَلَى كِتَابَتِهِ وَبِيعَتْ كِتَابَتُهُ فِي الْمَقَاسِمِ وَيُؤَدِّي إلَى مَا صَارَ إلَيْهِ وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ لَهُ وَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ سَحْنُونَ: وَإِنْ جَاءَ سَيِّدُهُ بَعْدَ أَنْ بِيعَتْ كِتَابَتُهُ فَفَدَاهَا عَادَ إلَيْهِ مُكَاتَبًا وَإِنْ أَسْلَمَهَا وَعَجَزَ رُقَّ لِمُبْتَاعِهِ. (وَعَلَى الْآخِذِ إنْ عَلِمَ بِمِلْكٍ مُعَيَّنٍ تَرْكُ تَصَرُّفٍ لِيُخَيِّرَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قُلْت: إنْ صَارَتْ جَارِيَةٌ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَعَلِمَ أَنَّهَا لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَيَطَؤُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَسَمِعْته قَالَ: مَنْ أَصَابَ

стр. 1574

جَارِيَةً أَوْ غُلَامًا فِي مَغْنَمٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَوْ عَلِمَ رَبُّهُ رَدَّهُ لَهُ يُرِيدُ يُخَيِّرُهُ فِيهِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا. ابْنُ بَشِيرٍ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ يَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا فِيهِ شَفِيعٌ فَلَا يُحْدِثُ فِيهِ حَدَثًا إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِرَأْيِ الشَّفِيعِ قِيَاسًا عَلَى هَذَا (وَإِنْ تَصَرَّفَ مَضَى كَالْمُشْتَرِي مِنْ حَرْبِيٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ أَمَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ابْتَاعَهَا مِنْ حَرْبِيٍّ فَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَيْهِ فَيَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ أَوْ يَدَعَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ عَرْضًا فَلْيَعْرِضْهُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا وَجَدَهُ السَّيِّدُ قَدْ فَاتَ بِعِتْقٍ أَوْ وِلَادَةٍ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ وَلَا إلَى رِقِّهِ. أَخَذَهُمْ مِمَّنْ كَانُوا بِيَدِهِ مِنْ مَغْنَمٍ أَوْ اشْتَرَاهُمْ مِنْ حَرْبِيٍّ أَغَارَ عَلَيْهِمْ أَوْ أَبَقُوا إلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَإِنْ فَاتُوا بِبَيْعٍ مَضَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْصُهُ وَلَكِنْ لَهُ أَخْذُ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ مَا وَقَعَ بِهِ فِي الْمَقَاسِمِ وَيَتَقَاضَاهُ (بِاسْتِيلَادٍ إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَفِي

стр. 1575

الْمُؤَجَّلِ تَرَدُّدٌ) اُنْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُعَجَّلَ وَأَقْحَمَ " إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ " بَيْنَ " بِاسْتِيلَادٍ " وَبَيْنَ " وَفِي الْمُؤَجَّلِ " فَلَا شَكَّ أَنَّ هُنَا تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَنَقْصًا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إذَا تَصَرَّفَ فِي الرَّقِيقِ بِالْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ وَالِاسْتِيلَادِ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَعْتَقَ إلَى أَجَلٍ فَأَجْرَاهُ اللَّخْمِيِّ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَا وَجَدَهُ السَّيِّدُ قَدْ فَاتَ بِعِتْقٍ أَوْ وِلَادَةٍ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ. قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَيَخْتَلِفُ عَلَى هَذَا إذَا أَعْتَقَ إلَى أَجَلٍ؛ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَمْضِي ذَلِكَ كُلُّهُ. ابْنُ بَشِيرٍ: يُفِيدُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ إنْجَازِ الْعِتْقِ فَيَقْوَى هَاهُنَا الرَّدُّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَانْظُرْ لَوْ كَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى اللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمُ وُقُوفِهِمْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْكِتَابَةَ وَالتَّدْبِيرَ كَالْعِتْقِ انْتَهَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ " فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَلْقَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيَّ وَعَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْكَاتِبِ إذَا اشْتَرَى إنْسَانٌ عَبْدًا مِنْ الْمَقَاسِمِ فَقَالَ: أَنَا أُعْطِيهِ لِصَاحِبِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. هَلْ يَمْضِي عِتْقُهُ؟ فَقُلْت: يَمْضِي عِتْقُهُ لِأَنَّ السَّيِّدَ كَانَ لَهُ بِالْخِيَارِ وَضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَكَانَ عِتْقُهُ جَائِزًا فِيهِ. وَخَالَفَنِي أَبُو الْقَاسِمِ وَقَالَ: يُرَدُّ عِتْقُهُ لَأَنْ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَدْفَعَهُ لِصَاحِبِهِ. وَاسْتَحْسَنَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ جَوَابِي. وَقَالَ: لَا يَضُرُّهُ فِي عِتْقِهِ مَا أَرَادَ مِنْ دَفْعِهِ لِسَيِّدِهِ لِمَا بَدَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِالْعِتْقِ فِيهِ. (وَلِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَخْذُ مَا وَهَبُوهُ بِدَارِهِمْ مَجَّانًا وَبِعِوَضٍ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ دَخَلْت إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَابْتَعْت عَبْدَ الْمُسْلِمِ مِنْ حَرْبِيٍّ أَسَرَهُ أَوْ أَبَقَ إلَيْهِ أَوْ وَهَبَهُ لَك الْحَرْبِيُّ فَكَافَأْته عَلَيْهِ فَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْك مَا أَدَّيْت فِيهِ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ عَرْضٍ وَإِنْ لَمْ تُثَبْ وَاهِبُك أَخَذَهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ (إنْ لَمْ يَبِعْ فَيَمْضِي وَلِمَالِكِهِ أَخْذُ الثَّمَنِ أَوْ الزَّائِدِ.) ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ بَاعَهُ الَّذِي وُهِبَ لَهُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ مَضَى الْبَيْعُ وَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمَوْهُوبِ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ، وَأَمَّا إنْ ابْتَاعَهُ ثُمَّ بَاعَهُ فَلِرَبِّهِ أَخْذُ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَى مُشْتَرِيهِ مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ مَا أَدَّى فِيهِ. قَالَ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَيُقَاصُّهُ بِهِ فِي ذَلِكَ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِفَضْلٍ إنْ بَقِيَ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. (وَالْأَحْسَنُ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ أَخْذُهُ بِالْفِدَاءِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: فِي رُجُوعِ مَنْ فَدَى مِنْ يَدِ لِصٍّ لِفِدَائِهِ عَلَى رَبِّهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَثِيرُ عُرُوضِ هَذِهِ النَّازِلَةِ بِإِقْلِيمِنَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِدَاءَهُ بِحَيْثُ يُرْجَى لِرَبِّهِ خَلَاصُهُ مِنْ اللِّصِّ بِأَمْرٍ

стр. 1576

مَا حِرْمَانُ فَادِيهِ. وَمَا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَخْذَهُ بِالْفِدَاءِ وَسَيَأْتِي نَصٌّ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ بِمِثْلِ الْمِثْلِيِّ ". (وَإِنْ أُسْلِمَ لِمُعَاوِضٍ مُدَبَّرٌ وَنَحْوُهُ اُسْتُوْفِيَتْ خِدْمَتُهُ ثُمَّ هَلْ يُتَّبَعُ إنْ عَتَقَ بِالثَّمَنِ أَوْ بِمَا بَقِيَ قَوْلَانِ) قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِي الْمُدَبَّرِ يَشْتَرِي مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ إنْ أَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَفْدِيَهُ خُدِمَ مَنْ صَارَ إلَيْهِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي دُفِعَ فِيهِ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَحَمَلَهُ الثَّالِثُ فَإِنَّهُ يُعْتِقُ وَيُتْبِعُهُ مُشْتَرِيهِ بِمَا بَقِيَ لَهُ بَعْدَ أَنْ يُحَاسِبَهُ بِمَا اخْتَدَمَهُ بِهِ وَمَا اسْتَغَلَّ مِنْهُ، لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ هَذَا يُتَّبَعُ. قَالَ مُحَمَّدٌ: صَوَابٌ وَذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يُحَاسِبُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا اخْتَدَمَهُ وَيُتْبِعُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ سَحْنُونَ. ابْنُ يُونُسَ: الْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ. قَالَ سَحْنُونَ: إذَا سَبَى فَفَدَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَدُوِّ بِمَالٍ فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ فَدَاهُ بِذَلِكَ وَلَا يُحَاسِبُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ صَارَتْ جَمِيعُ خِدْمَتِهِ لِلَّذِي فَدَاهُ إلَى الْأَجَلِ، فَإِذَا أُعْتِقَ اتَّبَعَهُ بِجَمِيعِ مَا فَدَاهُ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُحَاسِبُهُ بِالْخِدْمَةِ فَإِنْ بَقِيَ لَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ بِبُلُوغِ الْأَجَلِ شَيْءٌ اتَّبَعَهُ بِهِ. (وَعَبْدُ الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ حُرٌّ إنْ فَرَّ أَوْ بَقِيَ حَتَّى غَنِمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَسْلَمَ مِنْ عَبِيدِ الْحَرْبِيِّينَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ الْعَبْدُ إلَيْنَا أَوْ نَدْخُلَ نَحْنُ بِلَادَهُمْ فَلْنَغْنَمْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَسَيِّدُهُ مُشْرِكٌ فَيَكُونُ حُرًّا وَلَا يُرَدُّ لِسَيِّدِهِ إنْ أَسْلَمَ سَيِّدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. (لَا إنْ خَرَجَ بَعْدَ إسْلَامِ سَيِّدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ خَرَجَ الْعَبْدُ إلَيْنَا مُسْلِمًا وَتَرَكَ سَيِّدَهُ مُسْلِمًا فَهُوَ لَهُ رُقَّ إنْ أَتَى. (وَهَدَمَ السَّبْيُ النِّكَاحَ إلَّا أَنْ تُسْبَى وَتُسْلِمَ بَعْدَهُ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالسَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ إلَّا إذَا سُبِيَتْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ فَأَسْلَمَتْ فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا أَمَةٌ كَافِرَةٌ وَهِيَ وَوَلَدُهَا وَمَالُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيْءٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فَانْظُرْ أَنْتَ لَفْظَ خَلِيلٍ مَعَ هَذَا، وَانْظُرْ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقُرِّرَ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَ ". قَالَ ابْنُ عَلَاقٍ: قَوْلُهُ: " السَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ " يَشْمَلُ ثَلَاثَ صُوَرٍ: أَنْ تُسْبَى الزَّوْجَةُ وَحْدَهَا وَيَبْقَى الزَّوْجُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَأَنْ يُسْبَى الزَّوْجُ أَوَّلًا ثُمَّ تُسْبَى هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنْ يُسْبَيَا مَعًا. وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السَّبْيَ يَهْدِمُ النِّكَاحَ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: رَابِعُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السَّبْيَ يَهْدِمُ النِّكَاحَ سُبِيَا مَعًا أَوْ مُفْتَرِقَيْنِ، فَكَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِمَا إذَا سُبِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلُ ثُمَّ أَتَى الْآخَرُ بِأَمَانٍ، وَأَمَّا إنْ أَتَى أَحَدُهُمَا أَوَّلًا بِأَمَانٍ ثُمَّ سُبِيَ الثَّانِي فَلَا يَنْهَدِمُ النِّكَاحُ وَيُخَيَّرُ هُوَ إنْ كَانَ الَّذِي سُبِيَ بَعْدَ أَنْ

стр. 1577

قَدِمَتْ هِيَ بِأَمَانٍ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ بِهَا أَوْ قَدِمَ إلَيْنَا مُسْلِمًا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ ثُمَّ سَبَى الْمُسْلِمُونَ زَوْجَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ الْإِسْلَامَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهِيَ وَوَلَدُهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا وَجَمِيعُ مَا لِلزَّوْجِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيْءٌ لِذَلِكَ الْجَيْشِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فَالنِّكَاحُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَا إنْ عَتَقَتْ. (وَوَلَدُهُ وَمَالُهُ فَيْءٌ مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ فِي الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْنَا فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُ فَغَنِمُوا أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ ". قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْنَا خِلَافًا لِنَقْلِ التُّونِسِيِّ وَمُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ. وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ بِبَلَدِهِ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِمْ فَإِنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ فَيْءٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ سَحْنُونَ وَأَشْهَبُ: إنَّ وَلَدَهُ أَحْرَارٌ تَبَعٌ لَهُ، وَمَالُهُ وَامْرَأَتُهُ فَيْءٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ هَاجَرَ وَحْدَهُ وَتَرَكَ ذَلِكَ بِأَرْضِهِ وَمُقْتَضَى مَا لِابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَخَرَجَ إلَيْنَا فَمَالُهُ وَوَلَدُهُ فَيْءٌ لَوْ بَقِيَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَفِي كَوْنِهِ كَمَا لَوْ خَرَجَ قَوْلَا الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ: وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: مَالُ الْمُسْلِمِ الْمُقِيمِ بِدَارِ الْحَرْبِ كَمَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَأَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: يَتَرَجَّحُ أَنْ يُحْكَمَ فِي مَالِ الْمُدْجِنِينَ بِقَوْلِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ. وَلِأَنَّ مَالَ مَنْ أَسْلَمَ كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ إسْلَامِهِ بِخِلَافِ مَالِ الْمُدْجِنِينَ. اُنْظُرْ قَبْلَ سَمَاعِ سَحْنُونٍ بِمَسْأَلَةٍ، فَقَوْلُهُ: " مُطْلَقًا " أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ أَقَامَ بِبَلَدِهِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَهَذَا خِلَافُ نَقْلِ التُّونِسِيِّ وَمُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ. (لَا وَلَدٌ صَغِيرٌ لِكِتَابِيَّةٍ سُبِيَتْ أَوْ مُسْلِمَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا سَبَى الْعَدُوُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ فَوَلَدُهَا الصِّغَارُ بِمَنْزِلَتِهَا لَا يَكُونُونَ فَيْئًا، وَأَمَّا الْكِبَارُ إذَا بَلَغُوا وَقَاتَلُوا فَهُمْ فَيْءٌ (وَهَلْ كِبَارُ الْمُسْلِمَةِ فَيْءٌ أَوْ إنْ قَاتَلُوا تَأْوِيلَانِ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حُكِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا بَلَغَ وَلَدُهَا وَلَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا حَتَّى يُقَاتِلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَالَ ابْنُ شَبْلُونَ: إذَا بَلَغُوا فَهُمْ فَيْءٌ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا (وَوَلَدُ الْأَمَةِ لِمَالِكِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ أَمَةً كَانَ كَبِيرُ وَلَدِهَا وَصَغِيرُهُمْ لِسَيِّدِهَا.

стр. 1578

[كِتَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَالْمُهَادَنَةِ] [ أَرْكَانُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَحْكَامُهُ] ابْنُ شَاسٍ: كِتَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَالْمُهَادَنَةِ. فَأَمَّا عَقْدُ الذِّمَّةِ فَيُنْظَرُ فِي أَرْكَانِهِ وَأَحْكَامِهِ. فَأَمَّا أَرْكَانُهُ فَخَمْسَةٌ: نَفْسُ الْعَقْدِ وَالْعَاقِدِ وَفِيمَنْ يَعْقِدُهُ لَهُ وَفِي الْبِقَاعِ وَفِي مِقْدَارِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ (عَقْدُ الْجِزْيَةِ إذْنُ الْإِمَامِ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ أَرْكَانِ عَقْدِ الذِّمَّةِ الْعَاقِدُ وَهُوَ الْإِمَامُ فَلَوْ عَقَدَهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَصِحَّ لَكِنْ يَمْنَعُ الِاغْتِيَالَ. اُنْظُرْ تَعَقُّبَ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَيْهِ (لِكَافِرٍ صَحَّ سِبَاؤُهُ مُكَلَّفٍ حُرٍّ قَادِرٍ) . ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِيمَنْ تُعْقَدُ لَهُ وَهُوَ كُلُّ كَافِرٍ ذَكَرٍ بَالِغٍ حُرٍّ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى دِينِهِ

стр. 1579

لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وَلَا بِمُتَرَهِّبٍ مُنْقَطِعٍ فِي دَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَمِنْ الْعَجَمِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ بِاتِّفَاقٍ. أَمَّا الْمُرْتَدُّونَ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى دِينٍ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» وَأَمَّا قُرَيْشٌ فَقِيلَ لِمَكَانِهِمْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَنْ دَانَ بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْعَرَبِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمَجُوسِ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَكَذَلِكَ ذَهَبَ أَيْضًا مَالِكٌ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ. أَبُو مُحَمَّدٍ عُمَرُ قَالَ مَالِكٌ: تُؤْخَذُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَنْ ضَعُفَ عَنْهَا. ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُقُوطُهَا وَقِيلَ: إلَّا قَدْرَ مَا يَحْمِلُ. عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنْ ضَعُفَ عَنْهَا أَحَدٌ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْبَغُ وَمُحَمَّدٌ: يُخَفَّفُ عَمَّنْ لَا يَقْدِرُ. وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ فَإِنْ احْتَاجُوا فَاطْرَحُوهَا عَنْهُمْ فَإِنْ احْتَاجُوا فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِمْ وَأَسْلِفُوهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. (مُخَالِطٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: تُؤْخَذُ مِنْ الْعُقَلَاءِ الْمُخَالِطِينَ لِلْكُفَّارِ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمَجَانِينِ وَلَا مِنْ الرُّهْبَانِ (لَمْ يُعْتِقْهُ مُسْلِمٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا جِزْيَةَ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ كَانَ الْعِتْقُ أَضَرَّ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَعْتَقَهُ ذِمِّيٌّ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ الْجِزْيَةُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عَبِيدِ النَّصَارَى إذَا تَجَرُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الْعُشْرُ (بِسُكْنَى غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يُقَرُّ كَافِرٌ وَلَوْ بِجِزْيَةٍ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِإِجْلَاءِ

стр. 1580

عُمَرَ مِنْهَا كُلَّ كَافِرٍ. اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي مُسَمًّى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قَالَ مَالِكٌ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ وَأَرْضُ الْعَرَبِ. قَالَ عِيسَى: وَيُخْرَجُ الْعَبِيدُ كَمَا يُخْرَجُ الْأَحْرَارُ. وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: لَا يُخْرَجُ الْعَبِيدُ (وَلَهُمْ الِاجْتِيَازُ) الْبَاجِيُّ: لَا يُمْنَعُونَ مِنْهَا مُسَافِرِينَ لِدُخُولِهِمْ إيَّاهَا بِجَلْبِهِمْ الطَّعَامَ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ وَضَرَبَ لَهُمْ عُمَرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَسْتَوْفُونَ وَيُسِرُّونَ فِي حَوَائِجِهِمْ (بِمَالٍ لِلْعَنَوِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فِي سَنَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ هِيَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ عَلَى بِلَادِهِمْ الْمُقَرِّينَ فِيهَا لِعِمَارَتِهَا فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا فَرَضَهَا عُمَرُ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ وَإِنْ كَثُرَ يُسْرُهُمْ فَلَا يُزَادُونَ. [حَدُّ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ] (وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا) ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ فَقِيلَ: إنَّهَا تَجِبُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ حِينَ تُعْقَدُ لَهُمْ الذِّمَّةُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ كُلِّ حَوْلٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: إنَّهَا لَا
следующие страницы →