Полный текст (3 713 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
مَا حِرْمَانُ فَادِيهِ. وَمَا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَخْذَهُ بِالْفِدَاءِ وَسَيَأْتِي نَصٌّ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ بِمِثْلِ الْمِثْلِيِّ ".
(وَإِنْ أُسْلِمَ لِمُعَاوِضٍ مُدَبَّرٌ وَنَحْوُهُ اُسْتُوْفِيَتْ خِدْمَتُهُ ثُمَّ هَلْ يُتَّبَعُ إنْ عَتَقَ بِالثَّمَنِ أَوْ بِمَا بَقِيَ قَوْلَانِ) قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِي الْمُدَبَّرِ يَشْتَرِي مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ إنْ أَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَفْدِيَهُ خُدِمَ مَنْ صَارَ إلَيْهِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي دُفِعَ فِيهِ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَحَمَلَهُ الثَّالِثُ فَإِنَّهُ يُعْتِقُ وَيُتْبِعُهُ مُشْتَرِيهِ بِمَا بَقِيَ لَهُ بَعْدَ أَنْ يُحَاسِبَهُ بِمَا اخْتَدَمَهُ بِهِ وَمَا اسْتَغَلَّ مِنْهُ، لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ هَذَا يُتَّبَعُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: صَوَابٌ وَذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يُحَاسِبُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا اخْتَدَمَهُ وَيُتْبِعُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ سَحْنُونَ. ابْنُ يُونُسَ: الْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: إذَا سَبَى فَفَدَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَدُوِّ بِمَالٍ فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ فَدَاهُ بِذَلِكَ وَلَا يُحَاسِبُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ صَارَتْ جَمِيعُ خِدْمَتِهِ لِلَّذِي فَدَاهُ إلَى الْأَجَلِ، فَإِذَا أُعْتِقَ اتَّبَعَهُ بِجَمِيعِ مَا فَدَاهُ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُحَاسِبُهُ بِالْخِدْمَةِ فَإِنْ بَقِيَ لَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ بِبُلُوغِ الْأَجَلِ شَيْءٌ اتَّبَعَهُ بِهِ.
(وَعَبْدُ الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ حُرٌّ إنْ فَرَّ أَوْ بَقِيَ حَتَّى غَنِمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَسْلَمَ مِنْ عَبِيدِ الْحَرْبِيِّينَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ الْعَبْدُ إلَيْنَا أَوْ نَدْخُلَ نَحْنُ بِلَادَهُمْ فَلْنَغْنَمْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَسَيِّدُهُ مُشْرِكٌ فَيَكُونُ حُرًّا وَلَا يُرَدُّ لِسَيِّدِهِ إنْ أَسْلَمَ سَيِّدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
(لَا إنْ خَرَجَ بَعْدَ إسْلَامِ سَيِّدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ خَرَجَ الْعَبْدُ إلَيْنَا مُسْلِمًا وَتَرَكَ سَيِّدَهُ مُسْلِمًا فَهُوَ لَهُ رُقَّ إنْ أَتَى.
(وَهَدَمَ السَّبْيُ النِّكَاحَ إلَّا أَنْ تُسْبَى وَتُسْلِمَ بَعْدَهُ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالسَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ إلَّا إذَا سُبِيَتْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ فَأَسْلَمَتْ فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا أَمَةٌ كَافِرَةٌ وَهِيَ وَوَلَدُهَا وَمَالُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيْءٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فَانْظُرْ أَنْتَ لَفْظَ خَلِيلٍ مَعَ هَذَا، وَانْظُرْ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقُرِّرَ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَ ".
قَالَ ابْنُ عَلَاقٍ: قَوْلُهُ: " السَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ " يَشْمَلُ ثَلَاثَ صُوَرٍ: أَنْ تُسْبَى الزَّوْجَةُ وَحْدَهَا وَيَبْقَى الزَّوْجُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَأَنْ يُسْبَى الزَّوْجُ أَوَّلًا ثُمَّ تُسْبَى هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنْ يُسْبَيَا مَعًا. وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السَّبْيَ يَهْدِمُ النِّكَاحَ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: رَابِعُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السَّبْيَ يَهْدِمُ النِّكَاحَ سُبِيَا مَعًا أَوْ مُفْتَرِقَيْنِ، فَكَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِمَا إذَا سُبِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلُ ثُمَّ أَتَى الْآخَرُ بِأَمَانٍ، وَأَمَّا إنْ أَتَى أَحَدُهُمَا أَوَّلًا بِأَمَانٍ ثُمَّ سُبِيَ الثَّانِي فَلَا يَنْهَدِمُ النِّكَاحُ وَيُخَيَّرُ هُوَ إنْ كَانَ الَّذِي سُبِيَ بَعْدَ أَنْ
стр. 1577
قَدِمَتْ هِيَ بِأَمَانٍ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ بِهَا أَوْ قَدِمَ إلَيْنَا مُسْلِمًا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ ثُمَّ سَبَى الْمُسْلِمُونَ زَوْجَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ الْإِسْلَامَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهِيَ وَوَلَدُهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا وَجَمِيعُ مَا لِلزَّوْجِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيْءٌ لِذَلِكَ الْجَيْشِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فَالنِّكَاحُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَا إنْ عَتَقَتْ. (وَوَلَدُهُ وَمَالُهُ فَيْءٌ مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ فِي الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْنَا فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُ فَغَنِمُوا أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ ".
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْنَا خِلَافًا لِنَقْلِ التُّونِسِيِّ وَمُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ. وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ بِبَلَدِهِ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِمْ فَإِنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ فَيْءٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ سَحْنُونَ وَأَشْهَبُ: إنَّ وَلَدَهُ أَحْرَارٌ تَبَعٌ لَهُ، وَمَالُهُ وَامْرَأَتُهُ فَيْءٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ هَاجَرَ وَحْدَهُ وَتَرَكَ ذَلِكَ بِأَرْضِهِ وَمُقْتَضَى مَا لِابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَخَرَجَ إلَيْنَا فَمَالُهُ وَوَلَدُهُ فَيْءٌ لَوْ بَقِيَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَفِي كَوْنِهِ كَمَا لَوْ خَرَجَ قَوْلَا الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ: وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: مَالُ الْمُسْلِمِ الْمُقِيمِ بِدَارِ الْحَرْبِ كَمَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَأَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: يَتَرَجَّحُ أَنْ يُحْكَمَ فِي مَالِ الْمُدْجِنِينَ بِقَوْلِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ. وَلِأَنَّ مَالَ مَنْ أَسْلَمَ كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ إسْلَامِهِ بِخِلَافِ مَالِ الْمُدْجِنِينَ. اُنْظُرْ قَبْلَ سَمَاعِ سَحْنُونٍ بِمَسْأَلَةٍ، فَقَوْلُهُ: " مُطْلَقًا " أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ أَقَامَ بِبَلَدِهِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَهَذَا خِلَافُ نَقْلِ التُّونِسِيِّ وَمُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ.
(لَا وَلَدٌ صَغِيرٌ لِكِتَابِيَّةٍ سُبِيَتْ أَوْ مُسْلِمَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا سَبَى الْعَدُوُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ فَوَلَدُهَا الصِّغَارُ بِمَنْزِلَتِهَا لَا يَكُونُونَ فَيْئًا، وَأَمَّا الْكِبَارُ إذَا بَلَغُوا وَقَاتَلُوا فَهُمْ فَيْءٌ (وَهَلْ كِبَارُ الْمُسْلِمَةِ فَيْءٌ أَوْ إنْ قَاتَلُوا تَأْوِيلَانِ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حُكِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا بَلَغَ وَلَدُهَا وَلَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا حَتَّى يُقَاتِلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَالَ ابْنُ شَبْلُونَ: إذَا بَلَغُوا فَهُمْ فَيْءٌ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا (وَوَلَدُ الْأَمَةِ لِمَالِكِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ أَمَةً كَانَ كَبِيرُ وَلَدِهَا وَصَغِيرُهُمْ لِسَيِّدِهَا.
стр. 1578
[كِتَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَالْمُهَادَنَةِ] [ أَرْكَانُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَحْكَامُهُ]
ابْنُ شَاسٍ: كِتَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَالْمُهَادَنَةِ. فَأَمَّا عَقْدُ الذِّمَّةِ فَيُنْظَرُ فِي أَرْكَانِهِ وَأَحْكَامِهِ. فَأَمَّا أَرْكَانُهُ فَخَمْسَةٌ: نَفْسُ الْعَقْدِ وَالْعَاقِدِ وَفِيمَنْ يَعْقِدُهُ لَهُ وَفِي الْبِقَاعِ وَفِي مِقْدَارِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ (عَقْدُ الْجِزْيَةِ إذْنُ الْإِمَامِ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ أَرْكَانِ عَقْدِ الذِّمَّةِ الْعَاقِدُ وَهُوَ الْإِمَامُ فَلَوْ عَقَدَهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَصِحَّ لَكِنْ يَمْنَعُ الِاغْتِيَالَ.
اُنْظُرْ تَعَقُّبَ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَيْهِ (لِكَافِرٍ صَحَّ سِبَاؤُهُ مُكَلَّفٍ حُرٍّ قَادِرٍ) . ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِيمَنْ تُعْقَدُ لَهُ وَهُوَ كُلُّ كَافِرٍ ذَكَرٍ بَالِغٍ حُرٍّ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى دِينِهِ
стр. 1579
لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وَلَا بِمُتَرَهِّبٍ مُنْقَطِعٍ فِي دَيْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَمِنْ الْعَجَمِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ بِاتِّفَاقٍ. أَمَّا الْمُرْتَدُّونَ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى دِينٍ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» وَأَمَّا قُرَيْشٌ فَقِيلَ لِمَكَانِهِمْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَنْ دَانَ بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْعَرَبِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمَجُوسِ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَكَذَلِكَ ذَهَبَ أَيْضًا مَالِكٌ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ.
أَبُو مُحَمَّدٍ عُمَرُ قَالَ مَالِكٌ: تُؤْخَذُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَنْ ضَعُفَ عَنْهَا. ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُقُوطُهَا وَقِيلَ: إلَّا قَدْرَ مَا يَحْمِلُ. عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنْ ضَعُفَ عَنْهَا أَحَدٌ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْبَغُ وَمُحَمَّدٌ: يُخَفَّفُ عَمَّنْ لَا يَقْدِرُ. وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ فَإِنْ احْتَاجُوا فَاطْرَحُوهَا عَنْهُمْ فَإِنْ احْتَاجُوا فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِمْ وَأَسْلِفُوهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. (مُخَالِطٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: تُؤْخَذُ مِنْ الْعُقَلَاءِ الْمُخَالِطِينَ لِلْكُفَّارِ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمَجَانِينِ وَلَا مِنْ الرُّهْبَانِ (لَمْ يُعْتِقْهُ مُسْلِمٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا جِزْيَةَ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ كَانَ الْعِتْقُ أَضَرَّ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَعْتَقَهُ ذِمِّيٌّ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ الْجِزْيَةُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عَبِيدِ النَّصَارَى إذَا تَجَرُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الْعُشْرُ (بِسُكْنَى غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يُقَرُّ كَافِرٌ وَلَوْ بِجِزْيَةٍ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِإِجْلَاءِ
стр. 1580
عُمَرَ مِنْهَا كُلَّ كَافِرٍ. اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي مُسَمًّى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قَالَ مَالِكٌ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ وَأَرْضُ الْعَرَبِ.
قَالَ عِيسَى: وَيُخْرَجُ الْعَبِيدُ كَمَا يُخْرَجُ الْأَحْرَارُ. وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: لَا يُخْرَجُ الْعَبِيدُ (وَلَهُمْ الِاجْتِيَازُ) الْبَاجِيُّ: لَا يُمْنَعُونَ مِنْهَا مُسَافِرِينَ لِدُخُولِهِمْ إيَّاهَا بِجَلْبِهِمْ الطَّعَامَ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ وَضَرَبَ لَهُمْ عُمَرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَسْتَوْفُونَ وَيُسِرُّونَ فِي حَوَائِجِهِمْ (بِمَالٍ لِلْعَنَوِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فِي سَنَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ هِيَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ عَلَى بِلَادِهِمْ الْمُقَرِّينَ فِيهَا لِعِمَارَتِهَا فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا فَرَضَهَا عُمَرُ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ وَإِنْ كَثُرَ يُسْرُهُمْ فَلَا يُزَادُونَ.
[حَدُّ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ]
(وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا) ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ فَقِيلَ: إنَّهَا تَجِبُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ حِينَ تُعْقَدُ لَهُمْ الذِّمَّةُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ كُلِّ حَوْلٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: إنَّهَا لَا
стр. 1581
تَجِبُ إلَّا بِآخِرِ الْحَوْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ نَصٌّ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّهَا تَجِبُ بِآخِرِ الْحَوْلِ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ سَنَةً بِسَنَةٍ جَزَاءً عَلَى تَأْمِينِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ مُبْهَمَةً مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ كَمَا ذَكَرْنَا (وَنُقِّصَ الْفَقِيرُ بِوُسْعِهِ) هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ يُونُسَ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " قَادِرٍ " (وَلَا تُزَادُ) تَقَدَّمَ نَصُّ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَإِنْ كَثُرَ يُسْرُهُمْ فَلَا يُزَادُونَ (وَلِلصُّلْحِيِّ مَا شَرَطَ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا حَدَّ لِلْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ إذْ لَا يُجْبَرُونَ عَلَيْهَا وَلِأَنَّهُمْ مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ حَتَّى صَالَحُوا عَلَيْهَا فَإِنَّمَا هِيَ عَلَى مَا يُرَاضِيهِمْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ عَلَى أَنْ يُقَرُّوا فِي بِلَادِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ إذَا كَانُوا بِحَيْثُ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ وَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا يَلْزَمُ أَهْلَ الْحَرْبِ الرِّضَا بِهِ لِأَنَّهُمْ مَالِكُونَ لِأَمْرِهِمْ وَأَنَّ لِأَقَلِّهَا حَدًّا إذَا بَذَلُوهُ لَزِمَ الْإِمَامَ قَبُولُهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ. وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى الْمَذْهَبِ عِنْدِي أَنَّ أَقَلَّهَا مَا فَرَضَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْعَنْوَةِ فَإِذَا بَذَلَ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوهُ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ لَزِمَ الْإِمَامَ قَبُولُهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ فِي الصُّلْحِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ (وَإِنْ أُطْلِقَ فَكَالْأَوَّلِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ صَالَحُوا عَلَى الْجِزْيَةِ مُبْهَمَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَا تَحْدِيدٍ وَجَبَتْ لَهُمْ الذِّمَّةُ وَحُمِلُوا فِي الْجِزْيَةِ مَحْمَلَ أَهْلِ الْعَنْوَةِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِهَا (وَالظَّاهِرُ إنْ بَذَلَ الْأَوَّلَ حَرُمَ قِتَالُهُ مَعَ الْإِهَانَةِ عِنْدَ أَخْذِهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: عِنْدِي إذَا بَذَلَ مَا فَرَضَ عُمَرُ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ حَرُمَ قِتَالُهُمْ.
(وَسَقَطَتَا بِالْإِسْلَامِ) ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ. وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِذَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الذِّمِّيِّ الْجِزْيَةُ سَنَةً حَتَّى أَسْلَمَ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي أَهْلِ حِصْنٍ هُودِنُوا ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مَعْلُومًا فَأَعْطَوْهُمْ سَنَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَسْلَمُوا: إنَّهُ يُوضَعُ عَنْهُمْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْمَالُ الَّذِي هُودِنُوا عَلَيْهِ مِثْلُ
стр. 1582
الْجِزْيَةِ (كَأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِضَافَةِ الْمُجْتَازِ ثَلَاثًا لِلظُّلْمِ فَقَطْ) مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ: أَرَى إسْقَاطَ مَا فَرَضَهُ عُمَرُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّ لَهُمْ. الْبَاجِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَازِمَةٌ مَعَ الْوَفَاءِ. سَحْنُونَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ شَيْءٌ إلَّا عَنْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ إلَّا الضِّيَافَةُ الَّتِي وَضَعَهَا عُمَرُ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ إلْزَامُهُمْ الضِّيَافَةَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَكَانَ عُمَرُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ أَرْزَاقَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْحِنْطَةِ مُدَّانِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ فِي الشَّهْرِ مَعَ ثَلَاثَةِ أَقْسَاطٍ مِنْ الزَّيْتِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ فَإِرْدَبٌّ مِنْ حِنْطَةٍ كُلَّ شَهْرٍ وَلَا أَدْرِي كَمْ مِنْ الْوَدَكِ وَالْعَسَلِ وَكِسْوَةٍ كَانَ عُمَرُ يَكْسُوهَا لِلنَّاسِ وَعَلَى أَنْ يُضَيِّفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَعَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا كُلَّ شَهْرٍ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ وَكِسْوَةٌ مَعْرُوفَةٌ لَا أَعْرِفُ قَدْرَهَا كَانَ يَكْسُوهَا عُمَرُ لِلنَّاسِ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا تَعَدَّى عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا فَرَضَ عُمَرُ سَقَطَتْ عَنْهُمْ الضِّيَافَةُ وَلَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَضِيفَهُمْ وَلَا يَأْكُلَ لَهُمْ شَيْئًا. وَانْظُرْ لَمْ يَذْكُر مَا يَلْزَمُهُمْ إذَا تَجَرُوا مِنْ أُفْقٍ إلَى أُفْقٍ لَا شَكَّ أَنَّهُ سَهَا عَنْهُ.
(وَالْعَنَوِيُّ حُرٌّ) مِنْ سَمَاعِ عِيسَى سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ أُخِذُوا عَنْوَةً، مِثْلُ أَهْلِ مِصْرَ، هَلْ يَحِلُّ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَى شُعُورِهِنَّ؟ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ هُنَّ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَاءِ؟ قَالَ: لَا بَلْ هُنَّ أَحْرَارٌ لِأَنَّ دِيَةَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُنَّ خَمْسُمِائَةٍ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ كَانَ حُرًّا فَهُنَّ أَحْرَارٌ يَحْرُمُ مِنْهُنَّ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْأَحْرَارِ.
ابْنُ رُشْدٍ: حَكَمَ لِأَهْلِ الْعَنْوَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِحُكْمِ الْأَحْرَارِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ جَعَلَ إقْرَارَهُمْ فِي الْأَرْضِ لِعِمَارَتِهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَنِّ الَّذِي قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا﴾ [محمد: ٤] وَالْمَنُّ الْعَتَاقَةُ. فَعَلَى هَذَا تَكُونُ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. قِيلَ: كَيْفَ يُعْرَفُ إنْ كَانَ تَرَكَ وَارِثًا أَوْ لَا وَفَرَائِضُهُمْ مُخَالِفَةٌ
стр. 1583
لِفَرَائِضِنَا؟ فَقَالَ: يُرَدُّ ذَلِكَ إلَى أَسَاقِفَتِهِمْ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ يَرِثُهُ فِي دِينِنَا أَخِذَ مِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ قَالُوا تَرِثُهُ عَمَّتُهُ أَوْ خَالَتُهُ أَوْ ذَاتُ رَحِمٍ مِنْهُ فَذَلِكَ إلَيْهِمْ بِدَيْنُونَةٍ.
الْبَاجِيُّ: هَذَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ كَإِخْبَارِهِمْ فِيمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ الْأَدْوَاءِ كَتَرْجَمَتِهِمْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ الَّتِي لَا نَعْرِفُهَا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا يَأْتِي عَلَى رِوَايَةِ عِيسَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ وَلَا يُنْظَرُ إلَى شُعُورِ نِسَائِهِمْ.
وَيَلْزَمُ عَلَى قِيَاسِ هَذَا أَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ هِبَةِ أَمْوَالِهِمْ وَالصَّدَقَةِ بِهَا وَأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ الْوَصَايَا بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَارِثٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ وَكَانَ مِيرَاثُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَسَمِعَ سَحْنُونَ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَسْلَمَ أَهْلُ الْعَنْوَةِ أَخَذَ مِنْهُمْ دَرَاهِمَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ وَكُلَّ مَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ مَأْذُونٌ لَهُمْ فِي التَّجْرِ وَمَا أُحِبُّ تَزْوِيجَ بَنَاتِهِمْ وَإِنِّي لَأَتَّقِيهِ وَمَا أَرَاهُ حَرَامًا.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا عَلَى أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْعَبِيدِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَسْلَمُوا كَانَ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَمْ تُنْتَزَعْ مِنْهُمْ وَهُوَ الْآتِي عَلَى سَمَاعِ عِيسَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ. وَتَفْرِقَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَبَيْنَ مَا اسْتَفَادُوهُ بَعْدَ الْفَتْحِ لَيْسَ جَارِيَةً عَلَى قِيَاسٍ.
اُنْظُرْ الْأَسْمِعَةَ الثَّلَاثَةَ فَفِيهَا طُولٌ (وَإِنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ فَالْأَرْضُ فَقَطْ لِلْمُسْلِمِينَ) مَالِكٌ: مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ لَمْ تَكُنْ أَرْضُهُ لَهُ وَلَا مَالُهُ وَلَا دَارُهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ. ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ مَالَهُ الَّذِي اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الْفَتْحِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْفَتْحِ فَأَسْلَمَ فَإِنَّهُ لَهُ قَالَهُ مَالِكٌ. انْتَهَى مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ.
(وَفِي الصُّلْحِ إنْ أُجْمِلَتْ فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ وَوَرِثُوهَا) ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فَإِنْ كَانَتْ مُجْمَلَةً عَلَيْهِمْ فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ أَرْضَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَالِهِمْ يَبِيعُونَهَا وَيَرِثُونَهَا وَيَقْتَسِمُونَهَا وَتَكُونُ لَهُمْ إنْ أَسْلَمُوا عَلَيْهَا، وَإِنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَأَرْضُهُ وَمَالُهُ لِأَهْلِ مُؤَدَّاهُ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْوَصَايَا وَإِنْ أَحَاطَتْ بِأَمْوَالِهِمْ إذْ لَا يُنْقِصُونَ شَيْئًا مِنْ الْجِزْيَةِ لِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ. وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ الْجِزْيَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى
стр. 1584
الْجَمَاجِمِ وَمَنْ مَاتَ سَقَطَتْ عَنْهُ، فَهَذَا إنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يَكُونُ مَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَالِ الْمُرْتَدِّ (وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَى الرِّقَابِ فَهِيَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَمُوتَ بِلَا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ وَوَصِيَّتُهُمْ فِي الثُّلُثِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَتْ مُفَرَّقَةً عَلَى رِقَابِهِمْ دُونَ الْأَرْضِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُمْ أَرْضَهُمْ وَمَالَهُمْ يَبِيعُونَ وَيَرِثُونَ وَتَكُونُ لَهُمْ إنْ أَسْلَمُوا عَلَيْهَا.
وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَأَرْضُهُ وَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ إلَّا فِي ثُلُثِ مَالِهِ (وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِمَا فَلَهُمْ بَيْعُهَا وَخَرَاجُهَا عَلَى الْبَائِعِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى الْجَمَاجِمِ وَالْأَرْضِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ الْجَمَاجِمِ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ بَيْعَ الْأَرْضِ جَائِزٌ وَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمُبْتَاعِ
وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ. الْبَاجِيُّ: وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْخَرَاجَ إنَّمَا هُوَ سَبَبُ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا لَوْ اسْتَعْذَرَتْ أَوْ تَلِفَتْ لَسَقَطَ الْخَرَاجُ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْخَرَاجُ مَعَهَا، وَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْأَنْدَلُسِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ بِالْأَخْذِ بِقَوْلِ أَشْهَبَ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ يَهْلِكُ مِنْ غَيْرِ مَالٍ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ فَيُرِيدُ ابْتِيَاعَ الْأَرْضِ بِمَا عَلَيْهَا، وَقَدْ أَلْحَقَ أَهْلُ بَلَدِنَا بِذَلِكَ مَا لَزِمَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ مِنْ وَظَائِفِ الظُّلْمِ لِلسَّلَاطِينِ فَأَجْرَوْهَا مَجْرَاهَا وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ هَذِهِ الْوَظَائِفَ مَظْلِمَةٌ لَيْسَتْ بِحَقٍّ ثَابِتٍ، وَمَنْ أَمْكَنَهُ دَفْعُهَا عَنْ نَفْسِهِ بِفِرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ.
وَخَرَاجُ أَهْلِ الصُّلْحِ لَا يَحِلُّ لَهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسٍ وَإِنَّمَا مِثْلُ الْمَظَالِمِ الْمُوَظَّفَةِ عَلَى الْأَرْضِ، مِثْلُ ابْتِيَاعِ الثِّيَابِ فِي بَلَدٍ يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ الْمَكْسُ فِي كُلِّ مَا يَبْتَاعُ مِنْهُ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ التَّبَايُعِ. كَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً فِي طَرِيقٍ يُؤْخَذُ فِيهَا عَنْ كُلِّ دَابَّةٍ مَكْسٌ وَرُبَّمَا خَفِيَ أَمْرُهُ فَسَلَّمَ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْكِرَاءِ.
(وَلِلْعَنَوِيِّ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ إنْ شَرَطَ وَإِلَّا فَلَا) اُنْظُرْ كِتَابَ الْجُعْلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ فِي الْأَخِيرِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ. اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ فِي بَلْدَةٍ بَنَاهَا الْمُسْلِمُونَ وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكْنَا رَقَبَةَ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِهِمْ قَهْرًا وَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَعْطَوْا ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَرْضِ الصُّلْحِ
стр. 1585
وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ مُسْلِمُونَ.
وَعَبَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَفِي جَوَازِ إحْدَاثِ ذَوِي الذِّمَّةِ الْكَنَائِسَ بِبَلَدِ الْعَنْوَةِ الْمُقَرِّ بِهَا أَهْلُهَا وَفِيمَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ فَسَكَنُوهُ مَعَهُمْ وَتَرَكَهَا إنْ كَانَتْ ثَالِثَهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: تُتْرَكُ وَلَا تُحْدَثُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَعْطَوْا ذَلِكَ (كَرْمَ الْمُنْهَدِمِ وَلِلصُّلْحِيِّ الْإِحْدَاثُ) ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَجُوزُ لَهُمْ الْإِحْدَاثُ بِأَرْضِ الصُّلْحِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا مَعَهُمْ مُسْلِمُونَ وَإِلَّا فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ: الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ قَائِلًا: وَيُمْنَعُونَ مِنْ رَمِّ قَدِيمِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فَيُوَفَّى وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ لِلصُّلْحِيِّ الْإِحْدَاثَ كَرْمَ الْمُنْهَدِمِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدَّمَ الْمَخْرَجَ وَأَخَّرَ (وَبَيْعُ عَرْصَتِهَا أَوْ حَائِطِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ بَاعَ الْأُسْقُفُ عَرْصَةً مِنْ الْكَنِيسَةِ أَوْ حَائِطًا جَازَ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْبَلَدُ صُلْحًا وَلَمْ يَجُزْ إنْ كَانَ الْبَلَدُ عَنْوَةً.
ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا أَرْضُ الْعَنْوَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّ جَمِيعَهَا فَيْءٌ لِلَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْكَنَائِسُ وَغَيْرُهَا. وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَرْضِ الْكَنِيسَةِ تَكُونُ عَرْصَةَ الْكَنِيسَةِ أَوْ حَائِطًا فَيَبِيعُ ذَلِكَ أُسْقُفُ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَهُوَ النَّاظِرُ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا، هَلْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الشِّرَاءَ؟ فَأَجَازَ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَمَنَعَهُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ.
وَالْوَجْهُ إنْ أَرَادَ مِنْ حَبْسِهَا إبْقَاءَهَا وَأَرَادَ الْأُسْقُفُ بَيْعَهَا لَزِمَ الْكَنِيسَةَ أَوْ لِخَرَاجِهِمْ وَرَضِيَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ. اُنْظُرْهُ فِيهِ وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ (لَا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ إلَّا لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ) فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: لَمَّا أَمَرَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِنَقْلِ النَّصَارَى الْمُعَاهَدِينَ مِنْ الْأَنْدَلُسِ لِلْعُدْوَةِ الْأُخْرَى خَوْفًا مِنْ دَاخَلْتِهِمْ.
اسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْوَاجِبُ
стр. 1586
أَنْ يُبَاحَ لَهُمْ بُنْيَانُ بِيعَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِقَامَةِ شَرْعِهِمْ وَيُمْنَعُونَ مِنْ ضَرْبِ النَّوَاقِيسِ فِيهَا. قَالَ: وَهَذَا هُوَ وَجْهُ الْحُكْمِ.
(وَمُنِعَ رُكُوبُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالسُّرُوجِ وَجَادَّةِ الطَّرِيقِ) ابْنُ عَرَفَةَ: السِّيرَةُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الْوَفَاءُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ. ابْنُ شَاسٍ: يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ رُكُوبَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ النَّفِيسَةِ لَا الْحَمِيرُ وَلَا يَرْكَبُونَ السُّرُوجَ بَلْ عَلَى الْأَكُفِّ عَرْضًا. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَقِيتُمُوهُمْ بِطَرِيقٍ فَالْجِئُوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا.
قَالَ عُمَرُ ﵁: أَذِلُّوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ (وَأُلْزِمَ بِلُبْسٍ يُمَيَّزُ بِهِ وَعُزِّرَ لِتَرْكِ الزُّنَّارِ) سَحْنُونَ: تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ ظُلْمِهِمْ وَلَا يَتَشَبَّهُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي زِيِّهِمْ وَيُؤَدَّبُونَ عَلَى تَرْكِ الزَّنَانِيرِ.
(وَإِظْهَارِ السُّكْرِ وَمُعْتَقِدِهِ) ابْنُ حَبِيبٍ: يُمْنَعُ الذِّمِّيُّونَ السَّاكِنُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إظْهَارَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَتُكْسَرُ إنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهَا وَيُؤَدَّبُ السَّكْرَانُ مِنْهُمْ. وَإِنْ أَظْهَرُوا صُلْبَهُمْ فِي أَعْيَادِهِمْ وَاسْتِسْقَائِهِمْ كُسِرَتْ وَأُدِّبُوا وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ (وَبَسْطِ لِسَانِهِ) . ابْنُ شَاسٍ: عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كَفُّ اللِّسَانِ فَإِنْ أَظْهَرُوا مُعْتَقَدَهُمْ فِي الْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى مُسْلِمٍ عَزَّرْنَاهُمْ وَلَا يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ (وَأُرِيقَتْ الْخَمْرُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ: تُكْسَرُ إنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهَا.
(وَكُسِرَ النَّاقُوسُ) تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّلِيبَ هُوَ الَّذِي يُكْسَرُ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَ نَوَاقِيسِهِمْ وَلَا أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فِي حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَيُنْتَقَضُ بِقِتَالٍ وَمَنْعِ جِزْيَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: اتَّفَقَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى اتِّبَاعِ قَوْلِهِ فِي أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ وَمَنَعُوا الْجِزْيَةَ وَخَرَجُوا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ حَرْبًا وَعْدًا فَيُسْبَوْنَ وَيُقْتَلُونَ إلَّا عَلَى شُرُوطِ أَشْهَبَ، وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ وَذَلِكَ كَالصُّلْحِ يَنْعَقِدُ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى شُرُوطٍ، فَإِذَا لَمْ يُوفُوا بِهَا انْتَقَضَ الصُّلْحُ، وَكَمَنْ اكْتَرَى دَارًا مُشَاهَرَةً فَإِذَا مُنِعَ مِنْ الْكِرَاءِ أُخْرِجَ مِنْ الدَّارِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ هَرَبُوا لَيْلًا إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فَأَدْرَكَتْهُمْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ فَادَّعَوْا أَنَّ هُرُوبَهُمْ خَوْفًا مِنْ التَّظَلُّمِ وَكَانُوا مُجَاوِرِينَ لِقَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ أَهْلِ ظُلْمٍ لِمَنْ جَاوَزَهُمْ: أَرَى أَنْ يُصَدَّقُوا وَيَرُدُّوا إلَى جِزْيَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهِمْ ظُلْمَ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنْهُمْ أَوْ ظُلْمَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَشْبَاهِهِمْ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُمْ يَسِيرُونَ حَيْثُ أَحَبُّوا إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَغَيْرِهَا.
قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ أُشْكِلَ أَمْرُهُمْ
стр. 1587
فَكَذَلِكَ أَيْضًا وَلَا يُسْتَحَلُّوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا أَشَرًا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ مِنْ تَحْتِ إمَامٍ عَدْلٍ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ أَصْبَغَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَتَمَرُّدٍ عَلَى الْأَحْكَامِ) ابْنُ شَاسٍ: يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ بِالتَّمَرُّدِ عَلَى الْأَحْكَامِ وَمَنْعِ الْجِزْيَةِ.
(وَغَصْبِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ) قَتَلَ عُمَرُ نَصْرَانِيًّا اغْتَصَبَ مُسْلِمَةً. ابْنُ حَبِيبٍ: وَصَدَاقُهَا فِي مَالِهِ وَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ لَا أَبِ لَهُ وَلَوْ أَسْلَمَ غَاصِبُهَا لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّ قَتْلَهُ لِلنَّقْضِ لَا لِلزِّنَا. وَقَالَهُ أَصْبَغُ: اللَّخْمِيِّ: وَوَطْؤُهُ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ بِمِلْكٍ أَوْ زِنًا غَيْرُ نَقْضٍ إنْ طَاوَعَتْهُ وَإِلَّا فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذْ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ (وَغُرُورِهَا) اللَّخْمِيِّ: وَطْؤُهُ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ إنْ كَانَ زِنًا طَوْعًا مِنْهَا فَفِي كَوْنِهِ نَقْضًا قَوْلَا رَبِيعَةَ، وَإِنْ كَانَ بِنِكَاحٍ فَغَيْرُ نَقْضٍ مُطْلَقًا.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: إنْ غَرَّهَا فَنَقْضٌ وَيُضْرَبُ عُنُقُهُ (وَتَطَلُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ) سَحْنُونَ: إنْ وَجَدْنَا بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ ذِمِّيًّا كَاتَبَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ لِيَكُونَ نَكَالًا لِغَيْرِهِ، وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أَمِنَ ".
(وَسَبِّ نَبِيٍّ بِمَا لَمْ يُكَفَّرُوا بِهِ قَالُوا كَلَيْسَ بِنَبِيٍّ أَوْ لَمْ يُرْسَلْ أَوْ لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ أَوْ تَقَوَّلَهُ أَوْ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا أَوْ مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالْجَنَّةِ مَالَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ حِينَ أَكَلَتْهُ الْكِلَابُ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ تَعَرَّضَ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ بِالسَّبِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ. وَمِنْ آخِرِ كِتَابِ الشِّفَاءِ لِعِيَاضٍ مَا نَصُّهُ: الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ سَابِّهِ ﷺ وَثَانِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ فُصُولًا إلَى أَنْ قَالَ فِي رَابِعِ فَصْلٍ مِنْهَا: هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ إذَا صَرَّحَ بِسَبِّهِ أَوْ عَرَّضَ أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ.
قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ شَتَمَ نَبِيَّنَا ﷺ أَوْ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ: قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذِمِّيٍّ قَالَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُرْسَلْ إلَيْنَا وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ سَبَّ فَقَالَ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَوْ لَمْ يُرْسَلْ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ تَقَوَّلَهُ وَنَحْوُ هَذَا فَيُقْتَلُ.
وَقَالَ أَبُو الْمُصْعَبِ فِي نَصْرَانِيٍّ قَالَ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا قَالَ: يُقْتَلُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي نَصْرَانِيٍّ قَالَ مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالْجَنَّةِ مَالَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ إذَا كَانَتْ الْكِلَابُ تَأْكُلُ سَاقَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُهُ (وَقُتِلَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ فِي نَصِّ مَنْ غَصَبَ مُسْلِمَةً إنْ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ. عِيَاضٌ: وَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ.
وَتَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: إنْ تَعَرَّضَ بِالسَّبِّ قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ (وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الْحَرْبِ وَأُخِذَ اُسْتُرِقَّ إنْ لَمْ يَظْلِمْ وَإِلَّا فَلَا) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَتَمَرُّدٍ عَلَى الْأَحْكَامِ "
стр. 1588
(كَمُحَارَبَتِهِ) فِيهَا: حِرَابَةٌ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَحِرَابَةِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِأَنَّهَا نَقْضُ عَهْدٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: حُكْمُ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْحِرَابَةِ مَا وَصَفْنَا فِي الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَإِنْ ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَحَارَبُوا فَكَالْمُرْتَدِّينَ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: إنْ مَنَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْجِزْيَةَ قُوتِلُوا وَسُبُوا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي حِصْنِ مُسْلِمِينَ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ وَيُقَاتَلُونَ وَأَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا نَسْبِي ذَرَارِيّهِمْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: أَهْلُ الذِّمَّةِ وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا سَوَاءٌ لَا تُسْبَى ذَرَارِيّهِمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ وَيُقَرُّونَ عَلَى جِزْيَتِهِمْ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ أَيْ لَا تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ الَّذِي قَاتَلَهُمْ لِأَنَّ حُكْمَ أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ ذَرَارِيّهِمْ لَا يُسْبَوْنَ " حُكْمُ مَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ يَكُونُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: تُسْبَى ذَرَارِيّهِمْ وَتُقْسَمُ أَمْوَالُهُمْ عَلَى حُكْمِ النَّاقِضِينَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهَذَا الَّذِي خَالَفَتْ فِيهِ سِيرَةُ عُمَرَ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ فِي الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنْ الْعَرَبِ سَارَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ سِيرَةَ النَّاقِضِينَ فَسَبَى النِّسَاءَ وَالصِّغَارَ وَجَرَتْ الْمَقَاسِمُ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بَعْدَهُ نَقَضَ ذَلِكَ وَسَارَ فِيهِمْ سِيرَةَ الْمُرْتَدِّينَ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ الرِّقِّ وَرَدَّهُمْ إلَى عَشَائِرِهِمْ وَإِلَى الْجِزْيَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: حَكَى هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالُوا: إنَّ الْقَاضِيَ لَا يَرُدُّ مَا قَضَى بِهِ غَيْرُهُ قَبْلَهُ بِاجْتِهَادِهِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُ أَشْهَبَ: " إنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَأَهْلَ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ " خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدِّينَ أَحْرَارٌ مِنْ أُصُولِهِمْ وَالْمُعَاهَدِينَ لَمْ تَتِمَّ حُرِّيَّتُهُمْ بِالْمُعَاهَدَةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ عِصْمَةً لَهُمْ مِنْ الْقِتَالِ فَإِذَا نَقَضُوهَا رَجَعُوا إلَى الْأَصْلِ فَحَلَّ دَمُهُمْ وَسَبَاؤُهُمْ. وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْمُتَنَصِّرِ يُصِيبُ دِمَاءَ النَّاسِ وَأَمْوَالَهُمْ ثُمَّ يُؤْسَرُ فَيَتَشَهَّدُ فَقَالَ: يَصْدُرُ عَنْهُ مَا أَصَابَ فِي ارْتِدَادِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ كَالْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَنَصُّرُهُ مُجُونًا وَفِسْقًا. ابْنُ عَرَفَةَ: تَلْقِينُ الشَّيْخِ وَابْنِ رُشْدٍ: مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ عُمَرَ بِالْقَبُولِ وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظَرٌ لِمَا ذَكَرَهُ الرَّاوِيَةُ الْعَدْلُ أَبُو الرَّبِيعِ فِي اكْتِفَائِهِ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
[عَقْدِ الْمُهَادَنَة وَشُرُوطهَا]
(وَلِلْإِمَامِ الْمُهَادَنَةُ لِمَصْلَحَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُهَادَنَةُ وَهِيَ الصُّلْحُ عَقْدُ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَيْسَ هُوَ فِيهَا تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ. فَخَرَجَ الْأَمَانُ وَالِاسْتِئْمَانُ وَشَرْطُهَا أَنْ يَتَوَلَّاهَا الْإِمَامُ لَا غَيْرُهُ سَحْنُونَ: تُكْرَهُ مِنْ السَّرَايَا وَالْإِمَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْهِينِ الْجِهَادِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِنْ نَزَلَ بِغَيْرِهَا مَضَى (إنْ خَلَا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شَرْطِ الْمُهَادَنَةِ الْخُلُوُّ مِنْ شَرْطٍ فَاسِدٍ كَشَرْطِ تَرْكِ مُسْلِمٍ فِي أَيْدِيهِمْ. الْمَازِرِيُّ: وَلَوْ تَضَمَّنَتْ الْمُهَادَنَةُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ مُسْلِمًا وَفِي لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الرِّجَالِ لِرَدِّهِ ﷺ أَبَا جَنْدَلٍ وَأَبَا بَصِيرٍ، وَلَا يُوَفِّي بِذَلِكَ بِرَدِّ النِّسَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ابْنُ شَاسٍ: لَا يَحِلُّ شَرْطُ ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَحُسْنِ الْعَافِيَةِ. وَانْظُرْ اسْتِدْلَالَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بِقَضِيَّةِ أَبِي جَنْدَلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: " وَإِنْ رَسُولًا " وَانْظُرْ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ " (وَإِنْ بِمَالٍ إلَّا
стр. 1589
لِخَوْفٍ) اُنْظُرْ هَذَا الْعِبَارَةَ. الْمَازِرِيُّ: لَا يُهَادَنُ الْعَدُوُّ بِإِعْطَائِهِ مَالًا لِأَنَّهُ عَكْسُ مَصْلَحَةِ شَرْعِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ إلَّا لِضَرُورَةِ التَّخَلُّصِ مِنْهُ خَوْفَ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا مَا شَاوَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إعْطَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَضِيَّةِ الْأَحْزَابِ لَمَّا أَحَاطُوا بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ مَرْوَانَ (وَلَا حَدَّ) الْمَازِرِيُّ: مُدَّةُ الْمُهَادَنَةِ عَلَى حَسَبِ نَظَرِ الْإِمَامِ (وَنُدِبَ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) ابْنُ شَاسٍ: اسْتَحَبَّ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ أَنْ لَا تَكُونَ الْمُدَّةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا مَعَ الْعَجْزِ (وَإِنْ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ وَوَجَبَ الْوَفَاءُ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ لِلْمُهَادَنَةِ ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشُّرُوطِ إلَى آخِرِ الْمُدَّةِ إلَّا أَنْ يَسْتَشْعِرَ خِيَانَةً مِنْهُمْ فَلَهُ أَنْ يَنْبِذَ الْعَهْدَ إلَيْهِمْ وَيُنْذِرَهُمْ.
(وَإِنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ وَلَوْ أَسْلَمُوا) ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ اشْتِرَاءَ أَوْلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ آبَائِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هُدْنَةٌ، وَإِذَا جَازَ اشْتِرَاؤُهُمْ مِنْهُمْ جَازَ ارْتِهَانُهُمْ مِنْهُمْ وَبَيْعُهُمْ فِيمَا رُهِنُوا فِيهِ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ عَنْ أَشْهَبَ.
ابْنُ شَاسٍ: وَهَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَهَائِنِهِمْ؟ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إلَيْهِمْ. أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُ مَالِكٍ يَأْبَى ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا. اُنْظُرْ الْأَسِيرَ الْكَافِرَ يَأْبِقُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ ثُمَّ يَأْتِي تَاجِرًا. اُنْظُرْ النَّوَادِرَ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعِلْجِ يَرْهَنُ ابْنَهُ أَوْ بِنْتَهُ فِي فِدَائِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ لِيَأْتِيَ بِهِ فَيُقِيمَ بِبَلَدِهِ: فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا اُسْتُرِقَّ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أُطْلِقَ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ لِلْأَبِ عُذْرًا وَلَمْ يَنْكُثْ حِينَ مَضَى لَزِمَ السَّيِّدَ إطْلَاقُ الْوَلَدِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسِيرِ وَالْحَرْبِيِّ، أَنَّ الْحَرْبِيَّ حَاكِمٌ عَلَى وَلَدِهِ الْبَاقِي فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي بَلَدِهِ فَجَازَ بَيْعُ الْوَلَدِ فِيمَا رُهِنَ فِيهِ، وَالْأَسِيرُ لَا حُكْمَ فِيهِ عَلَى وَلَدِهِ الْبَاقِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِأَهْلِهِ مُسْتَأْمَنًا فَلَنَا شِرَاءُ بَنِيهِ وَرَقِيقِهِمْ إلَّا أَنْ تَرْضَى بِذَلِكَ زَوْجَتُهُ وَابْنُهُ الْكَبِيرُ وَابْنَتُهُ الَّتِي وَلِيَتْ نَفْسَهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ هَادَنَ الْمُسْلِمُونَ لِأَخْذٍ وَلَنَا شِرَاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ أَرْضِهِمْ لِأَنَّهُمْ بِأَرْضِهِمْ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ بِأَمَانٍ (كَمَنْ أَسْلَمَ) ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرُهُ: لَا يُوَفِّي لَهُمْ بِذَلِكَ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: مَالِكٌ يَرَى أَنْ يَرُدَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرَّهْنِ وَالرُّسُلِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يُرَدُّونَ (وَإِنْ رَسُولًا) ابْنُ عَرَفَةَ: سَمِعَ سَحْنُونَ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ أَسْلَمَ رَسُولُ أَهْلِ الْحَرْبِ رُدَّ إلَيْهِمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ وَلَوْ شَرَطُوهُ، وَثَالِثُهَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطُوهُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَبِي جَنْدَلٍ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا حُجَّةَ فِي هَذَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا رَدَّ أَبَا جَنْدَلٍ بِالشَّرْطِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْحُجَّةَ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يَرُدُّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ «أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَقْبَلْت بِكِتَابٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَأَيْته أُلْقِيَ فِي قَلْبِي حُبُّ الْإِسْلَامِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا أَرْجِعُ إلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنِّي لَا أَخْفِرُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرْدَ وَلَكِنْ ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِك بَعْدَ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ الَّذِي فِي قَلْبِك الْآنَ فَارْجِعْ. قَالَ: فَرَجَعْت إلَيْهِمْ ثُمَّ أَقْبَلْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » انْتَهَى.
стр. 1590
وَلَمْ أَرَ مَنْ عَزَا لِمَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ إلَّا مَا تَقَدَّمَ لِأَبِي عُمَرَ، وَانْظُرْ مَنْ يَسْتَشْكِلُ قَوْلَ مَالِكٍ كَأَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إلَى الْكُفْرِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ بِالْأَصَالَةِ وَأُسِرُوا وَقَدِمَ بِهِمْ الْحَرْبِيُّونَ بِأَمَانٍ؟ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ لَهُمْ الرُّجُوعَ بِهِمْ إنْ أَحَبُّوا. وَانْظُرْ قَضِيَّةَ نُعَيْمٍ سَمَحَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إخْفَاءِ إسْلَامِهِ عَنْ قَوْمِهِ أَنْ يُخَذِّلَ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِلرَّهْنِ حَتَّى يَكُونَ إسْلَامُهُ تَطْمَئِنُّ نُفُوسُنَا إلَيْهِ.
وَإِنَّمَا انْبَسَطْتُ فِي تَرْسِيخِ هَذَا لِكَثْرَةِ مَنْ غَرَّنَا فَانْخَدَعْنَا لَهُ بِالْأُسْوَةِ بِمَالِكٍ وَبِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَإِنْ بَقِيَ فِي قَلْبِك مَا بِقَلْبِك الْآنَ فَارْجِعْ أَوْ كَمَا قَالَ:
فَسَلِي ثِيَابَك مِنْ ثِيَابِي تَنْسَلِ ... لَا خَيْرَ فِي وُدٍّ يَكُونُ تَكَلُّفَا
(إنْ كَانَ ذَكَرًا) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " إنْ خَلَا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ " وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيِّ، وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ ".
(وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ ثُمَّ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ بِمَالِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِدَاءُ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ طُرُقٌ وَالْأَكْثَرُ وَاجِبٌ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: اسْتِنْقَاذُهُمْ بِالْقِتَالِ وَاجِبٌ فَكَيْفَ بِالْمَالِ؟ زَادَ اللَّخْمِيِّ فِي رِوَايَتِهِ مَعَ رِوَايَةِ أَشْهَبَ: وَلَوْ بِجَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا لَمْ يَخْشَ اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ بِذَلِكَ وَفِي الْمَبْدَأِ بِالْفِدَاءِ مِنْهُ طُرُقٌ. ابْنُ بَشِيرٍ: بَيْتُ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأَسِيرُ كَأَحَدِهِمْ، فَإِنْ ضَيَّعَ الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْأَسِيرِ مِنْ مَالِهِ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: مَنْ رَهَنَهُ أَبُوهُ فَمَاتَ فَفَدَاهُ مُسْلِمٌ يَرْجِعُ بِفِدَائِهِ فِي قَدْرِ إرْثِهِ مِنْ أَبِيهِ أَوْ عَلَى التَّرِكَةِ قَالَ: لَوْ فَدَاهُ الْإِمَامُ. ابْنُ بَشِيرٍ: يُرِيدُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ فَإِنْ لَمْ يَفْدِهِ وَلَا أَحَدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْوَاجِبُ كَوْنُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِ أَبِيهِ، فَإِنْ قَصَّرَ فَعَلَى الِابْنِ وَيُتْبَعُ بِهِ فِي عَدَمِهِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ. سَحْنُونَ: إنْ رَهَنَهُ أَبُوهُ فِي تِجَارَتِهِ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ وَيُؤَدَّبُ، فَإِنْ مَاتَ فَمِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ رَهَنَهُ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى الْإِمَامِ فِدَاؤُهُ. ابْنُ يُونُسَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُفْدَى مَنْ هَرَبَ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ. ابْنُ رُشْدٍ: وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْتَكَّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ فَمَا قَصُرَ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ تَعَيَّنَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَقَادِيرِهَا وَيَكُونُ هُوَ كَأَحَدِهِمْ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ مِنْ فَكِّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، فَإِذَا ضَيَّعَ الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذَا فَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ الْأَسْرَى أَنْ يَفُكَّ نَفْسَهُ مِنْ مَالِهِ. اُنْظُرْ طَرِيقَةَ سَحْنُونٍ وَطَرِيقَةَ اللَّخْمِيِّ فِي ابْنِ عَرَفَةَ.
(وَرَجَعَ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ اشْتَرَيْتَ حُرًّا مُسْلِمًا مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلْتَرْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَيْتَهُ بِهِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ لِأَنَّهُ فِدَاءٌ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: يُؤْخَذُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَثُرَ وَإِنْ كَانَ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ شَاءَ أَوْ أَبَى.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُتُّبِعَ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاَلَّذِي فَدَاهُ وَاشْتَرَاهُ مِنْ
стр. 1591
الْعَدُوِّ وَأَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ إلَى مَا يَبْلُغُ مَا أَدَّى فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِدَاءٌ لَهُ وَلِمَالِهِ كَمَا لَوْ فَدَيْت مَالَهُ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ فَدَيْت دَابَّتَهُ مِنْ مُلْتَقِطِهَا أَوْ مَتَاعًا لَهُ أَوْ اكْتَرَيْت عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ وَلَا لِغُرَمَائِهِ حَتَّى يَأْخُذَ هَذَا مَا أَدَّى فِيهِ.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا حُبِسَ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ " وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ الْقَضَاءِ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ أَوْ ظَالِمٍ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنَّمَا كَانَ الَّذِي فَدَاهُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ يَفْدِيهِ وَهُوَ كَارِهٌ بِأَضْعَافِ ثَمَنِهِ وَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ طَوْعِهِ، فَلِهَذَا صَارَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِهِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ بِطَوْعِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: هَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ مُشْتَرِيَهُ مِنْ الْعَدُوِّ مَا يَكُونُ أَحَقَّ إلَّا فِي مَالِهِ الَّذِي أَخَذَهُ الْعَدُوُّ مَعَ رَقَبَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ وَهَبَهُ الْعَدُوُّ هَذَا الْحُرَّ الْمُسْلِمَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يُكَافِئَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا كَافَأَهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَالْحُرُّ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ (بِمِثْلِ الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِذَا أَوْجَبْنَا الرُّجُوعَ رَجَعَ بِمِثْلِ مَا فَدَاهُ بِهِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ. (وَعَلَى الْمَلِيءِ وَالْمُعْدِمِ) تَقَدَّمَ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُتُّبِعَ فِي ذِمَّتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الصَّحِيحُ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ فِدَاءَ أَسِيرٍ لَا مَالَ لَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا فَدَاهُ بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ خِلَافُ ذَلِكَ وَهُوَ بَعِيدٌ. اللَّخْمِيِّ: إنْ اشْتَرَى مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ حُرًّا كَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِالثَّمَنِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَأْخُذَ مَا افْتَدَاهُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ لِأَنَّ فِدَاءَهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْتَدُوهُ.
قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَلَوْ بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ أَبَدًا وَهُوَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ كَانَ لِمَنْ أَتَى بِهِ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ الْفِدَاءِ عَلَى مَنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يُفْتَدَى.
(إنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً) . ابْنُ بَشِيرٍ: مَنْ افْتَدَى مُسْلِمًا وَلَا مَالَ لَهُ إنْ قَصَدَ الْفَادِي الصَّدَقَةَ أَوْ كَانَ الْفِدَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَافْتَدَاهُ مَنْ يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ نُصُوصُ الْمَذْهَبِ لَهُ الرُّجُوعُ. اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ لَا مَالَ، مَعَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَرَجَعَ (وَلَمْ يُمْكِنْ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَقَدْ نَزَّلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الرُّجُوعَ وَنَفْيَهُ عَلَى أَحْوَالٍ.
فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ لَا يُرْجَى خَلَاصُهُ إلَّا بِمَا بَذَلَ فِيهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ بِالْفِدَاءِ وَلَوْ كَانَ الْمَبْذُولُ أَضْعَافَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْخَلَاصَ بِالْهُرُوبِ أَوْ بِالتَّرْكِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْخَلَاصَ بِدُونِ مَا بَذَلَ فِيهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يُرْجَى بِهِ الْخَلَاصُ وَيَسْقُطُ الزَّائِدُ (إلَّا مُحْرِمًا أَوْ زَوْجًا إنْ عَرَفَهُ أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ إذَا كَانَ الْفَادِي أَجْنَبِيًّا الْبَاجِيُّ: وَالْقَرِيبُ غَيْرُ ذِي مَحْرَمٍ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي اتِّبَاعِهِ بِفِدَائِهِ. ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ فَدَى مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ يُرِيدُ أَوْ ابْتَاعَهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ أَوْ يَفْدِيهِ وَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ فَلْيَتْبَعْهُ بِذَلِكَ فِي عَدَمِهِ وَمَلَائِهِ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَالِكٌ. وَسَبِيلُ فِدَاءِ الْقَرِيبِ لِقَرِيبِهِ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ
стр. 1592
أَوْ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ سَبِيلُ الزَّوْجِيَّةِ إذَا فَدَاهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ فَدَاهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إنْ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: فَصَارَ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ فَدَاهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَإِنْ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَإِنْ فَدَاهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى الزَّوْجَيْنِ (أَوْ يَلْتَزِمُهُ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ أَشْهَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ يَفْتَدِي صَاحِبَهُ إنَّ ذَلِكَ لَيَرْجِعُ عَلَيْهِ رَجَعَ بِذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَ سَحْنُونَ: كُلُّ مَنْ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي هَذَا إذَا كَانَ عَالِمًا يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ يَفْدِيهِ لِيَرْجِعَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَبًا أَوْ ابْنًا لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الِافْتِدَاءَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْهِبَةَ لَمَّا شَرَطَ الرُّجُوعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ فَقِيرًا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى أَنْ يَفْتَدِيَهُ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الِافْتِدَاءِ آكَدُ (وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ فَدَاهُ وَمَالَهُ فَالْفَادِي أَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ (وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِنْ كَانَ لِلْمَفْدِيِّ مَالٌ لَمْ يَفْدِ مَعَهُ فَفِي اخْتِصَاصِ الْفَادِي بِهِ نَقَلَا اللَّخْمِيِّ وَالصَّقَلِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالشَّيْخُ عَنْ سَحْنُونٍ وَاللَّخْمِيِّ مَعَ ظَاهِرِ الصَّقَلِّيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ. اُنْظُرْ مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى. عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ " فَهُوَ مُوَافِقٌ لِخَلِيلٍ.
(عَلَى الْعَدَد إنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ) . ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: مَنْ فَدَى خَمْسِينَ أَسِيرًا بِبَلَدِ الْحَرْبِ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَفِيهِمْ ذُو الْقَدْرِ غَيْرُهُ وَالْمَلِيءُ وَالْمُعْدِمُ، فَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ وَقَدْ عَرَفَ ذَا الْقَدْرِ مِنْهُمْ وَشَحُّوا عَلَيْهِ فَيُقْسَمُ عَلَيْهِمْ الْفِدَاءُ عَلَى تَقَارُبِ أَقْدَارِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ جَهِلَ ذَلِكَ فَذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْهُمْ عَبِيدٌ فَهُمْ سَوَاءٌ، وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُمْ أَوْ يَفْدِيَهُمْ.
(وَالْقَوْلُ لِلْأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ فَدَى أَسِيرًا مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ وَقَدِمَ بِهِ فَقَالَ الْأَسِيرُ: مَا فَدَانِي بِشَيْءٍ أَوْ قَالَ: بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَقَالَ الْآخَرُ: بِكَثِيرٍ، فَالْأَسِيرُ مُصَدَّقٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، كَانَ مِمَّا يُشْبِهُ مَا قَالَ الْأَسِيرُ أَوْ لَا يُشْبِهُ، يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ قَالَ: لَمْ يَفْدِنِي أَصْلًا لَصُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ هُوَ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ. انْتَهَى.
نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَسِيرِ أَشْبَهَ قَوْلَهُ أَوْ لَمْ يُشْبِهْ لَيْسَ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى أُصُولِهِمْ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَبْلَغِ الْفِدْيَةِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَفْدِيِّ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْفَادِي إنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ أَيْضًا حَلَفَا جَمِيعًا وَكَانَ لِلْفَادِي مَا يَفْدِي بِهِ مِثْلُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَكَذَلِكَ إنْ نَكَلَا، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا وَحَلَفَ الْآخَرُ كَانَ لَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ أَمْكَنَهُ مِنْ دَعْوَاهُ بِنُكُولِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْفَادِي إذَا كَانَ الْأَسِيرُ بِيَدِهِ.
(وَجَازَ بِالْأَسْرَى الْمُقَاتِلَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَحْنُونٍ وَالْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ: يُفْدَى الْأَسْرَى بِأَسْرَى الْكُفَّارِ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِتَالِ لِمَا لَمْ يَرْضَوْا إلَّا بِهِ. اللَّخْمِيِّ عَنْ أَصْبَغَ: مَا لَمْ يَخْشَ بِفِدَائِهِ ظُهُورَهُمْ
стр. 1593
عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُفْدَى بِصِغَارِ أَطْفَالِهِمْ إذَا لَمْ يُسْلِمُوا بِالذِّمِّيِّ إذَا رَضِيَ الذِّمِّيُّ وَكَانُوا لَا يَسْتَرِقُّونَهُ.
(وَبِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْأَحْسَنِ) ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ سَحْنُونَ أَنْ يُفْدَى مِنْهُمْ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ قَالَ: وَيَأْمُرُ الْإِمَامُ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وَيُحَاسِبُهُمْ بِقِيمَتِهِ فِي الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ بَأْسٌ بِابْتِيَاعِ ذَلِكَ لَهُمْ. قَالَ: وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْخَمْرِ أَخَفُّ مِنْهَا بِالْخَيْلِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُفَادَاةِ مِنْهُمْ بِالْخَمْرِ وَعَلَيْهِمْ الضَّرَرُ فِي الْمُفَادَاةِ مِنْهُمْ بِالْخَيْلِ. اُنْظُرْ فِي ابْنِ عَرَفَةَ خِلَافَ أَشْهَبَ فِي هَذَا.
(وَلَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ فَدَى مُسْلِمًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعْطَى ذِمِّيًّا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَمْلِكُونَهَا.
قَالَهُ سَحْنُونَ. وَمَعْنَاهُ إنْ فَدَاهُ بِذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَمَّا إنْ ابْتَاعَهُ لِيَفْدِيَهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ (وَفِي الْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ قَوْلَانِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْمُفَادَاةُ بِالْخَمْرِ أَخَفُّ مِنْهَا بِالْخَيْلِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُفْدَى بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُفْدَى بِالْخَمْرِ إذْ لَا يَدْخُلُ فِي نَافِلَةٍ بِمَعْصِيَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا التَّفْرِيقُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ إذَا ائْتَمَنَ الْعَدُوُّ وَالْأَسِيرَ طَائِعًا عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يَخُونَهُمْ مُخْتَارُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يَهْرُبُ وَلَا يَخُونُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَأَمَّا إنْ ائْتَمَنُوهُ مُكْرَهًا أَوْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ عَاهَدُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ فَلِيُوَفِّ بِالْعَهْدِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْعَهْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ، يَرَى الْعَدُوُّ أَنَّ الْأُسَارَى لَا يُوَفُّونَ بِعَهْدٍ. وَإِنْ حَلَّفُوهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْهُرُوبُ لِأَنَّ الْعَدُوَّ يَرَاهُ آثَرَ الطَّلَاقَ عَلَى الْمُقَامِ وَلَمْ يَرَ أَنَّهُ خَفَرَ بِعَهْدٍ، ثُمَّ إنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَيْضًا.
وَعِبَارَةُ ابْنِ عَلَاقٍ: وَالْفَرْعُ الثَّالِثُ إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَيْمَانٍ حَلَفَهَا لَهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَيْمَانُ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَيْمَانٍ فَأَمَّا مِثْلُ الْعَهْدِ وَالْمَوْعِدِ فَذَلِكَ لَهُ لَازِمٌ، وَأَمَّا أَيْمَانٌ بِطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ فَلَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ بِعِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَهَذَا مُكْرَهٌ. وَانْظُرْ فِي الْعِتْقِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " أَوْ دَفْعُ مَكْسٍ ".
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْأَسِيرِ أَنْ يَسْرِقَ مَا بِبَلَدِ الْعَدُوِّ وَقَالَ: وَلَا يُعَامِلُهُمْ بِالرِّبَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ دَفَعُوا لَهُ ثَوْبًا يَخِيطُهُ لَهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْرِقَ مِنْهُ.
وَمِنْ النَّوَادِرِ: وَلَوْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنْ لَا يُجَاهِدَهُمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَغْزُوَهُمْ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ تَنْزِلُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِفِدَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِدَاءً فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَلَاقٍ فِي هَذَا خِلَافًا وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ وَطْؤُهُ زَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ.
وَانْظُرْ هَلْ لِلْأُسَارَى أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَ الْعَدُوِّ وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ؟ أَجَازَ ذَلِكَ
стр. 1594
الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ فِي الْأَسِيرِ الْمُوثَقِ يُمْنَعُ الصَّلَاةَ قَالَ: يُصَلِّي إيمَاءً وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا وَتَجْرِي هُنَا الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَدَاءُ أَشْبَهُهَا.
وَانْظُرْ لَوْ طَلَبَ الْعَدُوُّ فِدَاءَ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ عِلْجًا لَهُمْ فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ فَأَبَى مَالِكُ الْعِلْجِ أَنْ يَبِيعَهُ، اُنْظُرْهَا فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَنَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ وَبَيْنَهُمَا خِلَافٌ.
[كِتَابُ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ]
[بَابٌ فِي السَّبَقِ وَشُرُوطُهُ وَحُكْمُهُ]
بَابٌ ابْنُ شَاسٍ: كِتَابُ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ وَفِيهِ بَابَانِ: الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي السَّبَقِ وَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ. وَيُشْتَرَطُ فِي السَّبَقِ مَا يُشْتَرَطُ فِي عَرْضِ الْإِجَارَةِ. أَبُو عُمَرَ: جَوَازُ الْمُسَابَقَةِ مِمَّا خُصَّ مِنْ بَابِ الْقِمَارِ وَمِنْ بَابِ تَعْذِيبِ الْبَهَائِمِ لِلْحَاجَةِ إلَى تَأْدِيبِهَا وَتَدْرِيبِهَا. الْبَاجِيُّ: وَتَدْرِيبِ مَنْ يُسَابِقُ بِهَا.
(الْمُسَابَقَةُ بِجُعْلٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمُسَابَقَةُ جَائِزَةٌ عَلَى الرِّهَانِ وَعَلَى غَيْرِ الرِّهَانِ. الصِّحَاحُ: رَاهَنْت فُلَانًا عَلَى كَذَا مُرَاهَنَةً خَاطَرْته. ابْنُ رُشْدٍ: وَالْمُرَاهَنَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقٍ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ، أَوْ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً جُعْلًا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِحَالٍ وَلَا يُخْرِجُ مَنْ سِوَاهُ شَيْئًا، فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُ مُخْرِجِ الْجُعْلِ كَانَ الْجُعْلُ لِلسَّابِقِ، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ صَاحِبَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ كَانَ الْجُعْلُ طُعْمَةً لِمَنْ حَضَرَ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَانَ الْجُعْلُ لِمَنْ جَاءَ سَابِقًا بَعْدَهُ مِنْهُمْ.
وَهَذَا الْوَجْهُ فِي الْجَوَازِ مِثْلُ
стр. 1595
أَنْ يُخْرِجَ الْإِمَامُ الْجُعْلَ فَيَجْعَلَهُ لِمَنْ سَبَقَ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ فَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَوَجْهٌ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقِينَ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً جُعْلًا عَلَى أَنَّهُ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمْ أَحْرَزَ جُعْلَهُ وَأَخَذَ جُعْلَ صَاحِبِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِوَاهُ، وَأَجْعَالَ أَصْحَابِهِ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً، فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ لِأَنَّهُ مِنْ الْغَرَرِ وَالْقِمَارِ وَالْمَيْسِرِ وَالْخُضَارِ (فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ) أَبُو عُمَرَ: أَجَازَ الْعُلَمَاءُ فِي غَيْرِ الرِّهَانِ السَّبَقَ عَلَى الْأَقْدَامِ بِدَلِيلِ مُسَابَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ، وَمُسَابَقَةِ مَسْلَمَةَ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَأَمَّا السَّبَقُ فِي الرِّهَانِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْخُفُّ وَالْحَافِرُ وَالنَّصْلُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَالْخُفُّ الْبَعِيرُ، وَالْحَافِرُ الْفَرَسُ، وَالنَّصْلُ السَّهْمُ (وَبَيْنَهُمَا) ابْنُ يُونُسَ: وَلَا بَأْسَ بِسِبَاقِ الْخَيْلِ مَعَ الْإِبِلِ يَجْرِي الْفَرَسُ مَعَ الْجَمَلِ (وَالسَّهْمِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمُسَابَقَةُ جَائِزَةٌ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَبِالرَّمْيِ بِالسِّهَامِ (إنْ صَحَّ بَيْعُهُ) مُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُنَاضِلَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ نَضَلَهُ أَعْتَقَ عَنْهُ عَبْدَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا مَعْرُوفًا أَوْ عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالسَّبَقِ أَوْ يُبْنَى بِهِ الْغَرَضُ وَيَشْتَرِي بِهِ حُصْرًا يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ لَا مَجْهُولٍ، وَكَوْنُهُ عَرَضًا مَوْصُوفًا أَوْ سُكْنَى مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ عَفْوًا عَنْ جُرْحٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَيُمْنَعُ بِالْغَرَرِ. وَمَنْ وَجَبَ لَهُ جَازَ أَنْ يُحَالَ بِهِ أَوْ يُؤَخِّرَهُ بِرَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ وَحَاصَّ بِهِ الْغُرَمَاءَ. الصِّحَاحُ: نَاضَلَهُ أَيْ رَمَاهُ وَتَنَاضَلُوا أَيْ رَمَوْا لِلسَّبَقِ.
(وَعُيِّنَ الْمَبْدَأُ وَالْغَايَةُ) . الْبَاجِيُّ: لَا يَجُوزُ السَّبَقُ فِي الرَّمْيِ إلَّا بِغَايَةٍ مَعْلُومَةٍ وَرَشْقٍ مَعْلُومٍ وَنَوْعٍ مِنْ الْإِصَابَةِ مُشْتَرَطٍ خَسْقًا أَوْ إصَابَةً بِغَيْرِ خَسْقٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ إلَّا فِي غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَمَدٍ مَعْلُومٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ تَرَاهَنَا دُونَ شَرْطِ مَبْدَأِ غَايَةِ الْجَرْيِ أَوْ مُنْتَهَاهَا وَلِأَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ سُنَّةٌ فِي ذَلِكَ حَمَلَا عَلَيْهَا. وَلِأَهْلِ مِصْرَ سُنَّةٌ عُرِفَتْ فِي مَبْدَأِ إجْرَاءِ الْقَارِحِ وَالرُّبَاعِ وَالثَّنِيِّ وَالْحَوْلِيِّ وَفِي الْغَايَةِ الَّتِي يَجْلِسُ بِهَا الْوَالِي أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ لِذَلِكَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَا سُرَادِقًا أَوْ خَطًّا أَوْ دَخَلَهُ أَوَّلًا أَوْ جَازَهُ أَوَّلًا فَهُوَ السَّابِقُ، وَبَعْدَ الْغَرَضِ فِي الرَّمْيِ مَا رَضِيَاهُ، وَكَانَ غَرَضُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَرْبَعَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا ذَرْعًا حَمَلَا عَلَى الْعُرْفِ وَهُوَ مِائَتَا ذِرَاعٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْغَرَضِ إلَى الْغَرَضِ وَالْآخَرُ مِنْ نِصْفِهِ أَوْ مِنْ أَبْعَدَ مِنْهُ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ.
(وَالْمَرْكَبُ) . ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شُرُوطِ السَّبَقِ
стр. 1596
مَعْرِفَةُ أَعْيَانِ الْخَيْلِ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَرْيِهَا وَلَا مَنْ يَرْكَبُ عَلَيْهَا مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا إلَّا مُحْتَلِمٌ وَنَحْوُ هَذَا لِلْبَاجِيِّ (وَالرَّامِي) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَيْسَ عَلَى الْمُتَنَاضِلَيْنِ وَصْفُ سَهْمٍ أَوْ وَتَرٍ بِرِقَّةِ أَوْ طُولٍ أَوْ مُقَابِلَيْهِمَا وَلِمَنْ شَاءَ بَدَّلَ مَا شَاءَ بِغَيْرِهِ وَقَوْسًا بِالْأُخْرَى مِنْ جِنْسِهَا لَا عَرَبِيَّةً بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَيَجُوزُ تَعَاقُدُهُمَا عَلَى فَارِسِيَّةٍ وَعَرَبِيَّةٍ. ثُمَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَدَلُ قَوْسِهِ بِأَيِّ صِنْفٍ شَاءَ مِنْ الْقَسِيِّ، وَلَا أُحِبُّ شَرْطَ أَنْ لَا يُرَامِيَهُ إلَّا بِقَوْسٍ مُعَيَّنَةٍ بِخِلَافِ الْفَرَسِ لِأَنَّ الْفَرَسَ هُوَ الْمُسَابِقُ وَفِي الرَّمْيِ الرَّامِي لَا الْقَوْسُ
[بَابٌ فِي الرَّمْيِ وَشُرُوطِهِ]
(وَعَدَدُ الْإِصَابَةِ) ابْنُ شَاسٍ: الرَّمْيُ كَالسَّبَقِ بَيْنَ الْخَيْلِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ الرَّمْيُ مِنْ كَوْنِهِمَا يَشْتَرِطَانِ رَشْقًا مَعْلُومًا وَنَوْعًا مِنْ الْإِصَابَةِ مُعَيَّنًا مِنْ خَزْقٍ أَوْ إصَابَةٍ مِنْ غَيْرِ خَزْقٍ وَسَبْقٍ إلَى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الْإِصَابَةِ (وَنَوْعُهَا مِنْ خَزْقٍ أَوْ غَيْرِهِ) الْخَزْقُ بِخَاءٍ وَزَايٍ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَثْقُبَ وَلَا يَثْبُتَ، وَالْخَسْقُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَنْ لَا يَثْقُبَ السَّهْمُ وَلَا يَثْبُتَ تَقَدَّمَ نَصُّ الْكَافِي وَابْنُ رُشْدٍ بِهَذَا (وَأَخْرَجَهُ مُتَبَرِّعٌ أَوْ أَحَدُهُمَا فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ أَخَذَهُ وَإِنْ سَبَقَ هُوَ فَلِمَنْ حَضَرَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ بِأَنَّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا إنْ أَخْرَجَا لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ (وَلَوْ بِمُحَلِّلٍ يُمْكِنُ سَبْقُهُ) الْكَافِي: الْأَسْبَاقُ ثَلَاثَةٌ: سَبَقٌ يُعْطِيهِ الْوَالِي أَوْ الرَّجُلُ غَيْرُ الْوَالِي مِنْ مَالِهِ مُتَطَوِّعًا فَيَجْعَلُ السَّابِقُ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَمَنْ سَبَقَ أَخَذَهُ، وَسَبَقٌ يُخْرِجُهُ أَحَدُ الْمُتَسَابِقِينَ دُونَ صَاحِبِهِ فَإِنْ سَبَقَ صَاحِبُهُ أَخَذَهُ وَإِنْ سَبَقَ هُوَ صَاحِبَهُ أَحْرَزَ سَبَقَهُ الَّذِي أَخْرَجَهُ وَحَسَنٌ أَنْ يُمْضِيَهُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ لَهُ وَلَا يَرْجِعَ إلَى مَالِهِ.
стр. 1597
وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَبَقَ سَبْقًا عَلَى أَنَّهُ إنْ نَضَلَ لَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا وَإِنْ نُضِلَ أَعْطَى السَّبَقَ، فَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
وَالسَّابِقُ الثَّالِثُ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مِثْلَ مَا يُخْرِجُ صَاحِبُهُ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ أَحْرَزَ سَبَقَهُ وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ. وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا لَا يَأْمَنَانِ أَنْ يَسْبِقَهُمَا، فَإِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّلُ أَخَذَ السَّبَقَيْنِ جَمِيعًا وَحْدَهُ وَلَمْ يُشَارِكَاهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ أَحْرَزَ سَبَقَهُ وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ فِيهِ وَلَا عَلَيْهِ، وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ مِنْهُمْ الثَّالِثَ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَسْبِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَأَيُّهُمَا سَبَقَ صَاحِبَهُ فَلَهُ السَّبَقُ وَقَدْ قَالَ: لَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ سَعِيدٍ فِي الْمُحَلِّلِ ثُمَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمُحَلِّلِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدٍ وَالْجُمْهُورِ، وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَرَاهَنَ الرَّاكِبَانِ يَجْعَلُ هَذَا سَبَقًا وَهَذَا سَبَقًا وَيَدْخُلُ مَعَهُمَا ثَالِثٌ لَا يَجْعَلُ شَيْئًا، فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا سَبَقَ الْمُحَلِّلُ أَخَذَ سَبَقَ الرَّجُلَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ هُوَ وَسَبَقَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَخَذَ السَّابِقُ سَبَقَ صَاحِبِهِ وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ مَالِكٌ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّهْمِ وَالْوَتَرِ وَلَهُ مَا شَاءَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِهَذَا (وَلَا مَعْرِفَةُ الْجَرْيِ وَالرَّاكِبِ وَلَمْ يُحْمَلْ صَبِيٌّ) تَقَدَّمَ النَّصُّ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلِلرَّاكِبِ " (وَلَا اسْتِوَاءُ الْجُعْلِ) مِنْ شَرْحِ خَلِيلٍ لِابْنِ الْحَاجِبِ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنْ سَبَقَ فُلَانٌ فَلَهُ وَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ فَلَهُ كَذَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَنَحْوُ هَذَا فِي ابْنِ يُونُسَ (أَوْ مَوْضِعُ الْإِصَابَةِ) ابْنُ شَاسٍ: وَيُشْتَرَطُ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُحْتَسَبُ لَهُ إلَّا بِمَا أَصَابَ فِي الدَّائِرَةِ خَاصَّةً وَيُسْتَحَبُّ لِلْآخَرِ مَا أَصَابَ فِي الْجِلْدِ كُلِّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ جَمِيعَهُ صَحِيحٌ لَازِمٌ (أَوْ تُسَاوِيهِمَا) . ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ شَرَطُوا أَنْ لَا يَرْمُوا إلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ جَازَ وَلِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ رَمْيُهُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا مَا لَمْ يُشْتَرَطْ قِيَامٌ، وَتَحَوُّلُهُ مِنْ مَكَان لِآخَرَ مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى غَيْرِهِ.
(وَإِنْ عَرَضَ لِلسَّهْمِ عَارِضٌ أَوْ
стр. 1598
انْكَسَرَ لِلْفَرَسِ ضَرْبُ وَجْهٍ أَوْ نَزْعُ سَوْطٍ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِخِلَافِ تَضْيِيعِ السَّوْطِ وَحَرَنِ الْفَرَسِ) . ابْنُ شَاسٍ: لَوْ عَرَضَ لِلسَّهْمِ نَكْبَةٌ مِنْ بَهِيمَةٍ عَرَضَتْ أَوْ انْكَسَرَ السَّهْمُ أَوْ الْقَوْسُ فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مَسْبُوقًا، وَأَمَّا الْفَارِسُ يَسْقُطُ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ يَسْقُطُ الْفَرَسُ فَيَنْكَسِرُ، فَإِنْ كَانَ السَّابِقُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ خَرَجَ هَذَا عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هُوَ وَقَرِينُهُ فَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ الَّذِي رَأَى أَهْلُ الْخَيْلِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدُوَ الَّذِي بَلَغَ الْغَايَةَ سَابِقًا ثُمَّ قَالَ: وَمَا لِهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ، وَاخْتَارَ هُوَ إنْ كَانَ مَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الْفَارِسِ مِنْ تَضْيِيعِ السَّوْطِ وَانْقِطَاعِ اللِّجَامِ وَحَرَنِ الْفَرَسِ فَلَا يُعْذَرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَفَرَ مِنْ السُّرَادِقِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ وَدَخَلَهُ الْآخَرُ سَبَقَ الْمُتْبِعُ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ نَزَعَ سَوْطَهُ أَوْ ضَرَبَ وَجْهَ فَرَسِهِ عُذِرَ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا (وَجَازَ فِيمَا عَدَاهُ مَجَّانًا) . ابْنُ شَاسٍ: مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ السِّبَاقِ فَهُوَ مَا بَيْنَ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ يَعْنِي وَالرَّمْيُ وَلَا يُلْحَقُ غَيْرُهَا بِهَا بِوَجْهٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَتَجُوزَ فِيهِ الْمُسَابَقَةُ إذَا كَانَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي نِكَايَةِ الْعَدُوِّ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمُسَابِقَةُ بَيْنَ السُّفُنِ وَبَيْنَ الطَّيْرِ إذَا كَانَ لِإِيصَالِ الْخَبَرِ بِسُرْعَةٍ لِلنَّفْعِ، وَأَمَّا لِطَلَبِ الْمُغَالَبَةِ فَقِمَارٌ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْفِسْقِ. وَتَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْأَقْدَامِ وَفِي رَمْيِ الْحِجَارَةِ. وَيَجُوزُ الصِّرَاعُ كُلُّ ذَلِكَ إذَا قَصَدَ بِهِ الِانْتِفَاعَ وَالِارْتِيَاضَ لِلْحَرْبِ جَازَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي جَمِيعِهِ.
(وَالِافْتِخَارُ عِنْدَ الرَّمْيِ، وَالرَّجَزُ، وَالتَّسْمِيَةُ وَالصِّيَاحِ وَالْأَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ لِأَحَادِيث الرَّمْيِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: وَالِافْتِخَارُ وَالِانْتِمَاءُ لِلْقَبِيلَةِ عِنْدَ ظَنِّ الْإِصَابَةِ بِالرَّمْيِ جَائِزٌ وَيَذْكُرُ اللَّهَ أَحَبُّ إلَيَّ كَقَوْلِهِ: أَنَا الْفُلَانِيُّ لِأَنَّهُ إغْرَاءٌ لِغَيْرِهِ. رُوِيَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الْعَوَاتِكِ» . وَرَمَى ابْنُ عُمَرَ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ فَقَالَ: أَنَا بِهَا أَنَا بِهَا.
وَقَالَ مَكْحُولٌ: أَنَا الْغُلَامُ الْهُذَلِيُّ. ابْنُ عَرَفَةُ: وَهَذَا فِي حِينِ الْحَرْبِ أَوْضَحُ فَمِنْهُ «قَوْلُهُ ﷺ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ حِينَ نَزَلَ عَنْ بَغْلَتِهِ وَاسْتَنْصَرَ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
» وَمِنْهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: خَرَجْت فِي أَثَرِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ وَأَرْتَجِزُ وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَكَذَلِكَ أُمُورُ الْحُرُوبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَدُوِّهِمْ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِالْمُفَاخَرَةِ فِيهِ، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي دُجَانَةَ حِينَ تَبَخْتَرَ فِي مِشْيَتِهِ فِي الْحَرْبِ: إنَّهَا لَمِشْيَةٌ
стр. 1599
يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ» . وَأَجَازَ الْمُسْلِمُونَ تَحْلِيَةَ السُّيُوفِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا أُجِيزَ مِنْ التَّفَاخُرِ فِيهِ، وَكَرِهُوا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَجَازُوا ذَلِكَ فِي السِّلَاحِ. انْتَهَى بِنَصِّهِ مِنْ النَّوَادِرِ (وَلَزِمَ الْعَقْدُ كَالْإِجَارَةِ) تَقَدَّمَ هَذَا النَّصُّ لِابْنِ شَاسٍ: السَّبَقُ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ مِنْ أَوَّلِ الْفَصْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ ﵀.
стр. 1600
[كِتَابُ النِّكَاحِ] [ الْقَسْم الْأَوَّل مُقَدِّمَاتُ النِّكَاحِ]
ابْنُ شَاسٍ: كِتَابُ النِّكَاحِ يَنْحَصِرُ النَّظَرُ فِيهِ فِي خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهِيَ خَصَائِصُ النَّبِيِّ ﷺ وَحُكْمِ النِّكَاحِ وَالْخِطْبَةِ (خُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِوُجُوبِ الضُّحَى وَالْأَضْحَى وَالتَّهَجُّدِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: خُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأَحْكَامٍ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَخُصَّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ بِالتَّهَجُّدِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُتِبَ عَلَيَّ الْأُضْحِيَّةُ وَصَلَاةُ الضُّحَى وَالْوِتْرِ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ» .
(وَالْوِتْرِ بِحَضَرٍ
стр. 1601
وَالسِّوَاكِ) . ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَجَبَ عَلَيْهِ ﷺ السِّوَاكُ فَقَالَ ﷺ : «أُمِرْت بِالسِّوَاكِ وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (وَتَخْيِيرِ نِسَائِهِ فِيهِ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ: " وَإِمْسَاكُ كَارِهَتِهِ " ابْنُ الْعَرَبِيِّ: خُصَّ ﷺ بِالتَّخْيِيرِ لِنِسَائِهِ فَلَا تَصْحَبُهُ امْرَأَةٌ تَكْرَهُهُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الْآيَةُ (وَطَلَاقِ مَرْغُوبَتِهِ) عَزَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا لِأَبِي الْمَعَالِي قَالَ: وَقَدْ بَيَّنَّا الْأَمْرَ فِي
стр. 1602
قَضِيَّةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ (وَإِجَابَةِ الْمُصَلِّي) .
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أُبِيحَ لَهُ ﷺ إذَا دَعَا الرَّجُلَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُجِيبَهُ وَيَقُولَ لَبَّيْكَ عَامِدًا وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. اُنْظُرْ فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثَ أَبِي فِي فَضِيلَةِ الْفَاتِحَةِ.
(وَالْمُشَاوَرَةِ)
стр. 1603
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْمُشَاوَرَةَ وَإِنْ كَانَ الْوَحْيُ يُسَدِّدُهُ وَجِبْرِيلُ يُؤَيِّدُهُ أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّبَ بِهَا أُمَّتَهُ. وَعِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ: وَمُشَاوَرَةُ ذَوِي الْأَحْلَامِ فِي غَيْرِ الشَّرَائِعِ. الْمُتَيْطِيُّ: إنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُشَاوِرُ فِي الْحُرُوبِ وَفِيمَا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ بَيْنَ النَّاسِ. وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يُشَاوِرَ فِي الْأَحْكَامِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ: وَهَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ.
(وَقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ وَإِثْبَاتِ عَمَلِهِ) نَقَلَ ابْنُ شَاسٍ أَنَّ مَا خُصَّ
стр. 1604
بِهِ ﷺ مِنْ الْوَاجِبَاتِ قَضَاءُ دَيْنِ مَنْ مَاتَ مُعْسِرًا وَأَنَّهُ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ (وَمُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ الْكَثِيرِ) .
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كُلِّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ مِنْ الْجِهَادِ مَا كُلِّفَ النَّاسُ أَجْمَعُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] الْآيَةَ وَمَا حَمَلَ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَعِلْمِ الشَّرِيعَةِ (وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ) قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي إرْشَادِهِ: قَدْ جَرَى رَسْمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِذِكْرِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ بِمَجَالِ الْفُقَهَاءِ أَجْدَرُ، فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَلَا تَكْتَرِثْ بِقَوْلِ الرَّوَافِضِ إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ظُهُورِ الْإِمَامِ، فَإِذَا ثَبَتَ مَا قُلْنَا فَلَا يُخَصَّصُ الْأَمْرُ الْمَعْرُوفُ ذَلِكَ ثَابِتٌ
стр. 1605
لِأَحَدِ الْمُسْلِمِينَ (وَحُرْمَةِ الصَّدَقَتَيْنِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَعَدَمُ بُنُوَّةٍ لِهَاشِمٍ " أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَا تَحْرُمُ عَلَى آلِ النَّبِيِّ ﷺ (وَأَكْلِهِ كَثُومٍ أَوْ مُتَّكِئًا وَإِمْسَاكِ كَارِهَتِهِ
стр. 1606
وَتَبَدُّلِ أَزْوَاجِهِ وَنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ أَوْ الْأَمَةِ) نَقَلَ ابْنُ شَاسٍ: حَرُمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَكْلُ الثُّومِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ الْكَرِيهَةِ الرَّائِحَةِ وَالْأَكْلِ مُتَّكِئًا وَالتَّبَدُّلِ بِأَزْوَاجِهِ وَإِمْسَاكِ مَنْ كَرِهَتْ نِكَاحَهُ وَنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ وَالْأَمَةِ وَخَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ أَوْ يَنْخَدِعَ عَمَّا يَجِبُ (وَمَدْخُولَتِهِ لِغَيْرِهِ) .
стр. 1607
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: «حَرَّمَ اللَّهُ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى غَيْرِهِ» . (وَنَزْعِ لَامَتِهِ حَتَّى يُقَاتِلَ) نَقَلَ ابْنُ شَاسٍ: «حَرُمَ عَلَيْهِ ﷺ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَخْلَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ بِهَا أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَارِبِهِ» (وَالْمَنِّ لِيَسْتَكْثِرَ)
стр. 1608
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: «حَرُمَ عَلَيْهِ ﷺ أَنْ يَمُنَّ بِشَيْءٍ عَلَى أَحَدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أَوْ تَسْتَكْثِرُ حِينَ عَمَلِهِ» .
وَفِي النُّكَتِ: أَنَّ مَعْنَى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أَنْ يَهْدِيَ لِيُهْدَى لَهُ وَأُبِيحَ هَذَا لِغَيْرِهِ (وَخَائِنَةِ الْأَعْيُنِ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَأَكْلِهِ كَثُومٍ " (وَالْحُكْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَارِبِهِ) هَذَا الْفَرْعُ مِنْ خَطَأِ الْمَخْرَجِ مِنْ الْمُبَيَّضَةِ لِأَنَّهُ قَسِيمُ قَوْلِهِ: " وَنَزْعِ لَامَتِهِ حَتَّى يُقَاتِلَ ". (وَرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: «رَفَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] » وَحُرْمَتُهُ ﷺ حَيًّا كَحُرْمَتِهِ مَيِّتًا، فَإِذَا قُرِئَ كَلَامُهُ وَجَبَ عَلَى كُلِّ حَاضِرٍ أَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِهِ (وَنِدَائِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ) قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] (وَبِاسْمِهِ) .
стр. 1609
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كُلُّ أَحَدٍ يُدْعَى بِاسْمِهِ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ يُدْعَى بِخُطَّتِهِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ (وَإِبَاحَةِ الْوِصَالِ) .
стр. 1610
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَبَاحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْوِصَالَ فِي الصَّوْمِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ» (وَدُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَبَاحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ دُخُولَ الْحَرَمِ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ خَائِفًا كَانَ أَمْ آمِنًا وَغَيْرُهُ فِيهِ تَفْصِيلٌ.
اُنْظُرْهُ فِي جَامِعِ الْمَسَالِكِ (وَبِقِتَالٍ) . ابْنُ الْعَرَبِيِّ: «أَبَاحَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْقَتْلَ فِي الْحَرَمِ مِثْلَ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ» .
اُنْظُرْ فِي الْحَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ ". (وَصَفِيِّ الْمَغْنَمِ) نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ: «خُصَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِخُمُسِ الْخُمُسِ وَكَانَ لَهُ صَفِيٌّ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ دَابَّةٌ
стр. 1611
أَوْ سَيْفٌ» (وَالْخُمُسِ) .
ابْنُ شَاسٍ: كَانَ لَهُ ﷺ الِاسْتِبْدَادُ بِخُمُسِ الْخُمُسِ أَوْ الْخُمُسِ (وَيُزَوِّجُ مِنْ نَفْسِهِ) . ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مِمَّا خُصَّ بِهِ ﷺ نِكَاحُ الْمَوْهُوبَةِ وَالنِّكَاحُ بِتَزْوِيجِ اللَّهِ إيَّاهُ لِقَوْلِهِ: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وَالنِّكَاحُ بِلَا وَلِيٍّ بِلَا شُهُودٍ قِيَاسًا عَلَى الْمَوْهُوبَةِ (وَمَنْ شَاءَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الْمَوْهُوبَةِ (وَزَائِدٍ عَلَى أَرْبَعٍ وَبِلَا مَهْرٍ وَوَلِيٍّ) نَقَلَ ابْنُ شَاسٍ: نِكَاحُهُ ﷺ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَبِغَيْرِ وَلِيٍّ وَبِغَيْرِ صَدَاقٍ وَفِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ وَلَهُ ﷺ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَسْمُ فِي زَوْجَتِهِ (وَشُهُودٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْعَرَبِيِّ بِهَذَا (وَبِإِحْرَامٍ وَبِلَا قَسْمٍ) تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ (وَبِحُكْمٍ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ) .
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أُبِيحَ لَهُ ﷺ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ (وَيَحْمِي لَهُ وَلَا يُورَثُ) عِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ: «خُصَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَا يُورَثُ» انْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ زِيَادَةً عَلَى الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ خَصْلَةً الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَتَرَكَ مِنْهَا خِصَالًا مِنْهَا: «أَنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ شَيْئًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ
стр. 1612
الْأَشَرَّ بِالْأَحْسَنِ، وَإِذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ فَكَانَ يَقُولُهَا فِي حَالِ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ» ، وَهَكَذَا يَقُولُ كُلُّ مَنْ عَرَفَ الْآخِرَةَ وَحَقَرَ الدُّنْيَا وَذَمَّهَا، «وَكُلِّفَ ﷺ مُشَاهَدَةَ الْحَقِّ مَعَ مُعَاشَرَةِ الْخَلْقِ فَكَانَ يَخْرُجُ أَوْقَاتًا إلَى جَبَلِ حِرَاءٍ» ، «وَأَوْجَبَ اللَّهُ ﷺ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» .
[فَصْلٌ نُدِبَ لِمُحْتَاجٍ ذِي أُهْبَةٍ نِكَاحُ]
(نُدِبَ لِمُحْتَاجٍ ذِي أُهْبَةٍ نِكَاحُ) الْمُحْكَمُ أَخَذَ لِذَلِكَ الْأَمْرِ أُهْبَتَهُ أَيْ عُدَّتَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: الْقَوْلُ بِنَدْبِ النِّكَاحِ مُطْلَقًا لَا يَصِحُّ الْمَازِرِيُّ: إلَّا مِنْ وُقُوعِهِ فِي مُحَرَّمٍ إنْ اشْتَهَى النِّكَاحَ وَلَمْ يَقْطَعْهُ عَنْ فِعْلِ الْخَيْرِ نُدِبَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِ وَقَطَعَهُ عَنْهُ كُرِهَ لَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: إنْ خَافَ الْعَنَتَ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ وَهُوَ يَضُرُّ بِالْمَرْأَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْوَطْءِ أَوْ عَنْ النَّفَقَةِ أَوْ الْأَمْنِ حَرَامٌ فَإِنَّ النِّكَاحَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ. اللَّخْمِيِّ: مَنْ لَا أَرَبَ لَهُ وَلَا يُرْجَى نَسْلُهُ فَهُوَ لَهُ مُبَاحٌ كَالْعَقِيمِ وَالشَّيْخِ وَالْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ، وَالْمَرْأَةُ مِثْلُ الرَّجُلِ لَا
стр. 1613
فِي النِّسَاءِ لِامْتِنَاعِهِ عَلَيْهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُوجِبُهُ عَلَيْهَا عَجْزُهَا عَنْ قُوَّتِهَا أَوْ سِتْرِهَا إلَّا بِهِ (بِكْرٍ) لَوْ قَالَ: " وَبِكْرٍ " لَكَانَ أَبْيَنَ، وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ النِّكَاحُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «وَحَضَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نِكَاحِ الْأَبْكَارِ وَقَالَ: فَإِنَّهُنَّ أَطْيَبُ أَفْوَاهًا وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا وَأَطْيَبُ أَخْلَاقًا» قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَنْتَقُ أَرْحَامًا أَقْبَلُ لِلْوَلَدِ.
(وَنَظَرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ بِعِلْمٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِمُرِيدِ تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ نَظَرٌ إلَيْهَا بِإِذْنِهَا. ابْنُ رُشْدٍ: إلَى وَجْهِهَا. الْمَازِرِيُّ: وَيَدَيْهَا. وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَغْتَفِلَهَا.
وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَطَّانِ كَوْنَ النَّظَرِ إلَيْهَا مَنْدُوبًا لِلْأَحَادِيثِ بِالْأَمْرِ بِهِ وَاخْتَارَ قَوْلَ ابْنِ وَهْبٍ أَنْ يَغْتَفِلَهَا وَمَالَ إلَى جَوَازِ النَّظَرِ إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ سِوَى
стр. 1614
السَّوْأَتَيْنِ.
(وَحَلَّ لَهُمَا حَتَّى نَظَرُ الْفَرْجِ كَالْمِلْكِ وَتَمَتُّعٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: صَحِيحُ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ الْمُسْتَقْبَلِ يُبِيحُ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْحَلِيلَةِ فِي غَيْرِ الدُّبُرِ. وَرَوَى الشَّيْخُ: لَا بَأْسَ بِنَظَرِ فَرْجِهَا. زَادَ أَصْبَغُ: وَلَحْسِهِ بِلِسَانِهِ تَحْقِيقًا لِإِبَاحَةِ النَّظَرِ لِاعْتِقَادِ الْعَوَامّ حُرْمَتَهُ. وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكَلَامِ عِنْدَ الْجِمَاعِ فَقَالَ: إذَا خَلَوْتُمْ فَافْعَلُوا مَا شِئْتُمْ. الْمُتَيْطِيُّ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالَ الْحَسَنُ: عَلَى الرَّجُلِ إذَا فَرَغَ أَنْ يَنْتَظِرَهَا حَتَّى تَفْرُغَ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي.
стр. 1615
(بِغَيْرِ دُبُرٍ) . ابْنُ شَاسٍ: الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْفَرْجِ فِي إفْسَادِهِ الْعِبَادَةَ وَإِيجَابِ الْغُسْلِ وَالْكَفَّارَةِ وَلَا يَحِلُّ وَلَا يُحْصِنُ. وَحَرَّمَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ حَلَالٌ. ابْنُ رُشْدٍ: وَعَلَى هَذَا قَوْلُهَا يَسْقُطُ بِهِ الْإِيلَاءُ.
وَفِي الْمَدَارِكِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَقِيَ أَشْهَبَ فَقَالَ لَهُ الْعِرَاقِيُّ: أَنْتُمْ تُحِلُّونَ إتْيَانَ
следующие страницы →