Полный текст (3 713 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
سَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ يَرْجِعُ بِتَكْبِيرٍ أَنَّ النَّاسِيَ لِلسَّلَامِ نَوَى بِانْصِرَافِهِ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَلَا يَكُونُ خَارِجًا عِنْدَنَا لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِسَلَامٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى الْخُرُوجَ مِنْهَا بِمَا يُضَادُّهَا. فَإِنْ رَاعَيْنَا خِلَافَهُ افْتَقَرَ فِي رُجُوعِهِ إلَى تَكْبِيرٍ يَعُودُ بِهِ إلَى صَلَاةٍ قَدْ انْصَرَفَ عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ نُرَاعِ خِلَافَهُ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى تَكْبِيرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الصَّلَاةِ فَيَفْتَقِرَ إلَى تَكْبِيرٍ يَعُودُ إلَيْهَا. وَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَشَهَّدَ فَيَقَعَ السَّلَامُ عَقِبَ تَشَهُّدٍ عَارٍ مِنْ فَاصِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّلَامِ أَوْ يَكْتَفِيَ بِتَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ لِكَوْنِ هَذَا الْفَصْلِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فِي إبْطَالِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَتَشَهَّدُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
اللَّخْمِيِّ: لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنْ يَتَشَهَّدَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: عَنْ اللَّخْمِيِّ: فِي تَشَهُّدِهِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَرَجَعَ تَارِكُ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَلَا سُجُودَ) ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ تَزَحْزَحَ عَنْ الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ارْتَفَعَ عَنْ الْأَرْضِ فَلْيَرْجِعْ (وَإِلَّا فَلَا وَلَا
стр. 527
تَبْطُلُ إنْ رَجَعَ وَلَوْ اسْتَقَلَّ وَتَبِعَهُ مَأْمُومُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ نَسِيَ الْجُلُوسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى نَهَضَ عَنْ الْأَرْضِ وَاسْتَقَلَّ قَائِمًا تَمَادَى وَلَا يَرْجِعُ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: صَوَّبَ عِيَاضٌ تَفْسِيرَ الشَّيْخِ
стр. 528
مُفَارَقَتَهَا بِرُكْبَتَيْهِ وَيَدَيْهِ.
وَفِي الْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إذَا فَارَقَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَعْتَدِلْ قَائِمًا فَلَا يَرْجِعُ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ فَإِنْ رَجَعَ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِينَ أَنْ يُسَبِّحُوا مَا لَمْ يَسْتَوِ قَائِمًا فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَفْعَلُوا.
أَشْهَبُ: وَإِنْ اعْتَدَلَ قَائِمًا، ثُمَّ رَجَعَ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ لَمَّا اعْتَدَلَ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّمَادِي، وَتَخَلَّدَ النُّقْصَانُ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ زِيَادَةً فَهُوَ كَمَنْ نَقَصَ وَزَادَ فَيَسْجُدُ قَبْلُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ سَهْوًا.
الْمَازِرِيُّ: إنَّمَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَجَعَ جَالِسًا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ إنْ لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ لَا يُمْكِنُ دُخُولُ التَّأْوِيلِ فِيهَا، فَإِذَا رَجَعَ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ فَقَدْ أَصَابَ وَجْهَ الصَّوَابِ عِنْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَعِيسَى: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ.
قَالَ أَشْهَبُ وَعَلِيٌّ: يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ (وَسَجَدَ بَعْدَهُ) تَقَدَّمَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا فَارَقَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَعْتَدِلْ قَائِمًا فَلَا يَرْجِعُ، فَإِنْ
стр. 529
رَجَعَ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ اعْتَدَلَ قَائِمًا، ثُمَّ رَجَعَ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ قَالَهُ أَشْهَبُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ هَذَا وِفَاقٌ فَانْظُرْهُ مَعَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ (كَنَفْلٍ لَمْ يَعْقِدْ ثَالِثَتَهُ، وَإِلَّا كَمَّلَ أَرْبَعًا فِي الْخَامِسَةِ مُطْلَقًا وَسَجَدَ قَبْلَهُ فِيهِمَا) .
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَامَ فِي النَّافِلَةِ مِنْ اثْنَتَيْنِ سَاهِيًا فَلْيَرْجِعْ فَيَجْلِسْ وَيُسَلِّمْ وَيَسْجُدْ بَعْدَ السَّلَامِ.
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى رَكَعَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ أَتَى بِرَابِعَةٍ كَانَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِنَقْصِهِ السَّلَامَ، فَإِنْ سَهَا عَنْ السَّلَامِ مِنْ الرَّابِعَةِ حَتَّى صَلَّى خَامِسَةً فَلَا يَأْتِي بِسَادِسَةٍ وَلْيَرْجِعْ مَتَى مَا ذَكَرَ فَيَجْلِسْ وَيُسَلِّمْ.
ابْنُ يُونُسَ: وَيَسْجُدُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ قَبْلَ السَّلَامِ.
(وَتَارِكُ رُكُوعٍ يَرْجِعُ قَائِمًا وَنُدِبَ
стр. 530
أَنْ يَقْرَأَ) اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلَّا لِتَرْكِ رُكُوعٍ " (وَسَجْدَةٍ يَجْلِسُ لَا سَجْدَتَيْنِ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَمْ يَعْقِدْ رُكُوعًا " (وَلَا يُجْبَرُ رُكُوعُ أُولَاهُ بِسُجُودِ ثَانِيَتِهِ) لَوْ قَالَ: " وَلَا يُجْبَرُ سُجُودُ رُكُوعِ أُولَاهُ ".
لَكَانَ أَبْيَنَ وَلِمَا كَانَتْ الرَّكْعَةُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِسَجْدَتَيْهَا.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ
стр. 531
الْأُولَى، وَالرُّكُوعَ مِنْ الثَّانِيَةِ وَسَجَدَ لَهَا فَلْيَأْتِ بِسَجْدَةٍ يُجْبِرُ بِهَا الْأُولَى - وَيَبْنِي عَلَيْهَا - وَلَا يُضِيفُ إلَيْهَا مِنْ سُجُودِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ فِي هَذَا السُّجُودِ إنَّمَا كَانَ لِرَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ فَلَا يُجْزِئُهُ لِرَكْعَتِهِ الْأُولَى وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ.
(وَبَطَلَ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ الْأُوَلِ) الْمَازِرِيُّ: إذَا نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَعِنْدَنَا أَنَّهُ يُصْلِحُ الرَّابِعَةَ بِالسَّجْدَةِ الَّتِي أَخَلَّ بِهَا مِنْهَا، وَيَبْطُلُ مَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا إنْ نَسِيَ الثَّمَانِيَ سَجَدَاتٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ سِوَى رُكُوعِ الرَّابِعَةِ فَلْيَبْنِ عَلَيْهَا عَلَى أَصْلِنَا حَسْبَمَا ذَكَرْنَاهُ.
(وَرَجَعَتْ الثَّانِيَةُ أُولَى بِبُطْلَانِهَا لِفَذٍّ، وَإِمَامٍ) ابْنُ الْمَازِرِيِّ: الْمَأْمُومُ فِيمَا يَفُوتُهُ، أَوْ يَسْهُو عَنْهُ قَاضٍ وَالْفَذُّ وَالْإِمَامُ بَانِيَانِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا الْعَزْوُ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمَنْصُوصُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْفَذَّ وَالْإِمَامَ بَانِيَانِ.
اللَّخْمِيِّ: إذَا نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ الرَّابِعَةِ سَجَدَهَا وَأَعَادَ التَّشَهُّدَ وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ الثَّالِثَةِ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ الرَّابِعَةَ قَدْ حَالَتْ بَيْنَ إصْلَاحِهَا وَأَتَى بِرَكْعَةٍ وَسُجُودٍ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ نَسِيَهَا مِنْ الْأُولَى أَوْ مِنْ الثَّانِيَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَكُونُ بَانِيًا فَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا وَسُجُودِهِ قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ زَادَ الرَّكْعَةَ الْمُلْغَاةَ وَعَادَتْ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً فَنَقَصَ مِنْهَا لِسُورَةٍ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ أَنَّهُ يَكُونُ قَاضِيًا.
(وَإِنْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ لَمْ يَدْرِ مَحَلَّهَا
стр. 532
سَجَدَهَا، وَفِي الْأَخِيرَةِ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ) الْمَازِرِيُّ: حُكْمُ الشَّاكِّ فِي تَرْكِ السَّجْدَةِ كَحُكْمِ الْمُوقِنِ بِتَرْكِهَا فِي وُجُوبِ إتْيَانِهِ بِهَا، لَكِنْ لَوْ تَيَقَّنَ بِتَرْكِهَا وَهُوَ فِي الرَّابِعَةِ وَشَكَّ فِي مَحَلِّهَا هَلْ هِيَ مِنْ الرَّابِعَةِ، أَوْ مِمَّا قَبْلَهَا، فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُصْلِحُ الرَّابِعَةَ بِسَجْدَةٍ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مِمَّا قَبْلَهَا.
قَالَ عِيَاضٌ: كَانَ يَزِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ثِقَةً مِنْ الثِّقَاتِ.
قَالَ ابْنُ سَالِمٍ: كُنْتُ عِنْدَهُ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ تَذَكَّرَ فِي الرَّابِعَةِ سَجْدَةً لَا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ هِيَ فَقَالَ: يَأْتِي بِرَكْعَةٍ.
قَالَ ابْنُ سَالِمٍ: فَقُلْتُ أَصْلَحَك اللَّهُ ثَمَّ جَوَابٌ آخَرُ؟ .
فَقَالَ: لَعَلَّك تُرِيدُ جَوَابَ ابْنِ الْقَاسِمِ؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: رَأَيْت السَّائِلَ لَا يَفْطِنُ لَهُ فَأَفْتَيْته بِقَوْلِ أَشْهَبَ.
(وَقِيَامِ ثَالِثَةٍ بِثَلَاثٍ وَرَابِعَةٍ بِرَكْعَتَيْنِ وَتَشَهُّدٍ) مِنْ الْمَجْمُوعَةِ: لَوْ شَكَّ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الرَّابِعَةِ فِي سَجْدَةٍ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ رَكْعَةٍ فَلْيَسْجُدْ وَلْيَتَشَهَّدْ وَيَسْجُدْ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنَّمَا جَلَسَ لِأَنَّ الثَّالِثَةَ صَارَتْ ثَانِيَةً لَهُ وَقَدْ تَكُونُ السَّجْدَةُ مِنْ الْأُولَى، أَوْ مِنْ الثَّانِيَةِ بِنَقْصِهِ السُّورَةَ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ ذَكَرَ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الثَّالِثَةِ سَجْدَةً لَا يَدْرِي هَلْ هِيَ مِنْ الْأُولَى، أَوْ مِنْ الثَّانِيَةِ إذَا أَمَرْنَاهُ بِسَجْدَةٍ يُصْلِحُ بِهَا الثَّالِثَةَ وَيَتَشَهَّدُ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ السَّجْدَةُ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ أَصْلَحَهَا فَصَحَّتْ لَهُ الرَّكْعَتَانِ، وَتَرْكُ الْجُلُوسِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ غَلَطٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ تَوَقَّعْنَا عَلَيْهِ الْوُقُوعَ فِي الْغَلَطِ أَوْ يُؤْمَرُ إذَا أَصْلَحَ الثَّانِيَةَ بِالسُّجُودِ أَنْ لَا يَجْلِسَ وَلَا يَتَشَهَّدَ لِئَلَّا تَكُونَ الثَّانِيَةُ أُولَى وَالْجُلُوسُ فِي الْأُولَى غَلَطٌ، فَإِنْ جَلَسَ تَوَقَّعْنَا عَلَيْهِ الْوُقُوعَ فِي الْغَلَطِ، وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمَوَّازِ لِنَفْيِ الْجُلُوسِ بِأَنَّهُ إذَا أَصْلَحَ بِالسَّجْدَةِ صَارَ كَمَنْ شَكَّ لَمَّا سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ هَلْ هُوَ فِي
стр. 533
الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ، وَلَوْ كَانَ ذِكْرُهُ هَذَا وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الرَّابِعَةِ وَشَكَّ فِي مَحَلِّ السَّجْدَةِ فَإِنَّهُ إذَا أَتَى بِالسَّجْدَةِ جَلَسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ سِوَى رَكْعَتَيْنِ، وَجُلُوسُهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مَشْرُوعٌ فَكَانَ هَذَا بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ.
اُنْظُرْ الْمَازِرِيَّ فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الرَّابِعِ.
وَإِنْ سَجَدَ إمَامٌ سَجْدَةً وَقَامَ لَمْ يُتْبَعْ وَسُبِّحَ بِهِ.
فَإِنْ خِيفَ عَقْدُهُ قَامُوا فَإِذَا جَلَسَ، قَامُوا كَقُعُودِهِ بِثَالِثَةٍ.
(فَإِذَا سَلَّمَ أَتَوْا بِرَكْعَةٍ، وَأَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَسَجَدُوا قَبْلَهُ) سَحْنُونَ: لَوْ قَامَ إمَامٌ عَلَيْهِ سَجْدَةٌ سَبَّحُوا مَا لَمْ يَخَافُوا عَقْدَ الثَّانِيَةِ
стр. 534
فَلْيُصَلُّوهَا مَعَهُ وَهِيَ أُولَى لَهُمْ وَيَقُومُونَ كُلَّمَا قَامَ، أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَانِيَةِ زَعْمِهِ، أَوْ رَابِعَتِهِ، فَإِذَا سَلَّمَ صَلَّوْا رَكْعَةً بِإِمَامَةِ أَحَدِهِمْ وَيُجْزِئُهُمْ أَفْذَاذًا وَسَجَدُوا قَبْلَ سَلَامِهِ.
(وَإِنْ زُوحِمَ مُؤْتَمٌّ عَنْ رُكُوعٍ، أَوْ نَعَسَ وَنَحْوُهُ اتَّبَعَهُ فِي غَيْرِ الْأُولَى مَا لَمْ يَرْفَعْ مِنْ سُجُودِهَا) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ: بَيْنَ الْمُزَاحَمِ وَالنَّاعِسِ فَرْقٌ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الَّذِي أَرَى وَآخُذُ فِيمَنْ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَنْ لَا يَعْتَدَّ بِهَا وَلَا يَتَّبِعَ الْإِمَامَ فِيهَا، وَإِنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ مِنْ سُجُودِهَا وَلَكِنْ يَسْجُدُ مَعَ الْإِمَامِ وَيَقْضِيهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ.
الْمَازِرِيُّ: لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَا يُبِيحُ لَهُ الْقَضَاءَ قَبْلَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ بَلْ صَارَ كَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ نَعَسَ بَعْدَ عَقْدِ الْأُولَى فِي ثَانِيَةٍ
стр. 535
أَوْ ثَالِثَةٍ، أَوْ رَابِعَةٍ اتَّبَعَ الْإِمَامَ مَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهَا.
الْمَازِرِيُّ: لِأَنَّ عَقْدَ رَكْعَةٍ حَصَلَ بِهَا مُدْرِكًا لِلصَّلَاةِ وَمَنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ قَضَى مَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفُوتَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَعَ الْإِمَامِ مَا هُوَ آكَدُ مِنْ تَشَاغُلِهِ بِالْقَضَاءِ، وَالْمَشْهُورُ الَّذِي هُوَ آكَدُ سُجُودُ الرَّكْعَةِ الَّتِي غُلِبَ عَلَى إدْرَاكِهَا.
وَهَلْ تُعْتَبَرُ السَّجْدَتَانِ جَمِيعًا أَوْ الْأُولَى مِنْهُمَا؟ .
الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا اعْتِبَارُ السَّجْدَتَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّ بِهِمَا تَفْرُغُ الرَّكْعَةُ فَيَتَّبِعُ الْإِمَامَ مَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ: وَمِثْلُ النُّعَاسِ الْغَفْلَةُ، وَأَمَّا الْمُزَاحَمَةُ فَذَهَبَ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ إلَى أَنَّهَا مِثْلُ النُّعَاسِ وَالْغَفْلَةِ يُبَاحُ مَعَهَا قَضَاءُ مَا فَاتَ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَالْمُزَاحَمُ أَعْذَرُ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُزَاحَمَةَ بِخِلَافِهِمَا لَا يُبَاحُ مَعَهَا قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ الزِّحَامَ فِعْلٌ آدَمِيٌّ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَعُدَّ الْمُزَاحَمُ عَنْ الرُّكُوعِ مُقَصِّرًا فَتُلْغَى تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَالنَّاعِسُ وَالْغَافِلُ مَغْلُوبَانِ بِفِعْلِ اللَّهِ فَعُذِرَا.
ابْنُ يُونُسَ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سَوَاءٌ.
وَهَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَسْئِلَةٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَنْعَسَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْعَسَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ وَقَبْلَ السُّجُودِ فَهَذِهِ يَتَّبِعُ الْإِمَامَ فِيهَا مَا لَمْ يَرْفَعْ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَنْعَسَ بَعْدَ إمْكَانِ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَقَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ.
فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عَقْدَ الرَّكْعَةِ رَفْعُ الرَّأْسِ مِنْهَا فَهُوَ كَمَنْ نَعَسَ قَبْلَ الرُّكُوعِ.
وَسَمِعَ عِيسَى بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ لِي مَالِكٌ ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ فِيمَنْ سَهَا، أَوْ اشْتَغَلَ أَوْ غَفَلَ حَتَّى رَكَعَ إمَامُهُ، وَأَبْيَنُهَا أَنْ يَتَّبِعَ إمَامَهُ فِي غَيْرِ الْأُولَى مَا طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي سُجُودِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمِثْلُ ذَلِكَ اشْتِغَالُهُ بِحَلِّ إزَارِهِ، أَوْ رَبْطِهِ حَتَّى سَبَقَهُ الْإِمَامُ وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الزِّحَامِ بِإِلْغَاءِ الرَّكْعَةِ مُطْلَقًا أُولَى كَانَتْ، أَوْ غَيْرَهَا.
(أَوْ سَجْدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِيهَا قَبْلَ عَقْدِ إمَامِهِ تَمَادَى وَقَضَى رَكْعَةً وَإِلَّا سَجَدَهَا) الْمَازِرِيُّ: لَوْ كَانَ هَذَا الرُّكْنُ الْمَغْلُوبُ عَلَيْهِ سُجُودًا فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ
стр. 536
الْإِمَامَ مَا لَمْ يَعْقِدْ الرَّكْعَةَ الَّتِي تَلِيهَا.
قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمُزَاحَمِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَنْ سُجُودِ الْإِمَامِ إنَّهُ يَتَّبِعُهُ مَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ الَّتِي تَلِيهَا.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَذَكَرَهَا وَهُوَ قَائِمٌ مَعَ الْإِمَامِ فِي الثَّانِيَةِ فَلْيَهْوِ سَاجِدًا، ثُمَّ يَنْهَضُ إلَى الْإِمَامِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ ذَكَرَهَا وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ أَنْ يَسْجُدَ، وَيُدْرِكُ الْإِمَامَ رَاكِعًا لَجَازَ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ وَيَتَّبِعَ الْإِمَامَ عَلَى الْمَعْلُومِ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَقْدَ الرَّكْعَةِ رَفْعُ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ أَنْ يَسْجُدَ، وَيُدْرِكُ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَسَجَدَ فَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ هُوَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ بَطَلَتْ عَلَيْهِ الرَّكْعَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، وَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ، أَوْ فِي الثَّانِيَةِ فَلْيَتَّبِعْ الْإِمَامَ فِيمَا بَقِيَ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَلْيَقْضِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، وَيَقْرَأُ فِيهَا بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ لِأَنَّهَا رَكْعَةُ قَضَاءٍ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ.
(وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ إنْ تَيَقَّنَ) الْمَازِرِيُّ: حُكْمُ الشَّاكِّ فِي تَرْكِ السَّجْدَةِ كَحُكْمِ الْمُوقِنِ بِتَرْكِهَا فِي وُجُوبِ إتْيَانِهِ بِهَا فَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ: وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ
стр. 537
وَنَظَرْتُ ابْنَ يُونُسَ وَالْمَازِرِيَّ: فَلَمْ أَرَ لَهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ سُجُودًا فَاسْتَظْهِرْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ ذَكَرَ الْمَأْمُومُ سَجْدَةً فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ طَمِعَ فِي إدْرَاكِهَا قَبْلَ عَقْدِ رُكُوعِ إمَامِهِ سَجَدَهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ تَمَادَى وَقَضَى رَكْعَةً بِسُورَةٍ.
ثُمَّ إنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ لَمْ يَسْجُدْ، وَإِلَّا سَجَدَ بَعْدَهُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَقَوْلُهُ: " ثُمَّ إنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ لَمْ يَسْجُدْ، وَإِلَّا سَجَدَ بَعْدَهُ " أَمَّا عَدَمُ السُّجُودِ وَهُوَ سُجُودُ السَّهْوِ فِي حَالِ التَّيَقُّنِ فَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ - وَهِيَ الرَّكْعَةُ الَّتِي فَاتَتْهُ مِنْهَا السَّجْدَةُ - كَانَتْ مِنْ الْمَأْمُومِ مَعَ وُجُودِ الْإِمَامِ فَالْإِمَامُ يَحْمِلُهَا، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا سُجُودُ الْمَأْمُومِ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ إذَا كَانَتْ عَلَى شَكٍّ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: " وَإِلَّا سَجَدَ بَعْدَهُ " فَلِأَنَّ شَكَّ الْمَأْمُومِ هُنَا أَحَدُ مَحْمَلَيْهِ أَلَّا يَكُونَ تَرَكَ شَيْئًا فَتَكُونَ الرَّكْعَةُ الْمُؤْتَى بِهَا سَلَامُ الْإِمَامِ زِيَادَةً فَاسْتَلْزَمَ ذَلِكَ شَكًّا فِي الزِّيَادَةِ وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلسُّجُودِ الْبَعْدِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَإِنْ قَامَ إمَامٌ لِخَامِسَةٍ فَمُتَيَقِّنُ انْتِفَاءِ مُوجِبِهَا يَجْلِسُ، وَإِلَّا اتَّبَعَهُ
стр. 538
وَإِنْ خَالَفَ عَمْدًا بَطَلَتْ فِيهِمَا لَا سَهْوًا) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ صَلَّى إمَامٌ خَامِسَةً فَسَهَا قَوْمٌ
стр. 539
كَسَهْوِهِ وَجَلَسَ قَوْمٌ وَاتَّبَعَهُ قَوْمٌ عَامِدُونَ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ، وَمَنْ سَهَا مَعَهُ، أَوْ جَلَسَ تَامَّةٌ، وَيَسْجُدُونَ مَعَهُ لِسَهْوِهِ، وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْعَامِدِينَ.
سَحْنُونَ: وَإِنَّمَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ جَلَسَ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ إذَا أَيْقَنَ أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ شَيْئًا وَسَبَّحَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يُسَبِّحْ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ عَلَيْهِ.
الْمَازِرِيُّ: فَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ هُنَا إنَّمَا أَتَيْتُ بِهَا لِأَنِّي كُنْت أَسْقَطْت سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى فَتَصِحُّ صَلَاةُ السَّاهِينَ وَتَصِحُّ أَيْضًا صَلَاةُ الْجَالِسِينَ إنْ جَلَسُوا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ شَيْئًا، وَأَمَّا الْمُتَعَمِّدُونَ اتِّبَاعَهُ فَتَبْطُلُ إنْ أَيْقَنُوا أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلُوا وُجُوبَ اتِّبَاعِهِ فَتَكُونَ إعَادَتُهُمْ مُسْتَحَبَّةً.
اللَّخْمِيِّ: الصَّوَابُ أَنْ تَتِمَّ صَلَاةُ مَنْ جَلَسَ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ لِأَنَّهُ جَلَسَ مُتَأَوِّلًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّبَاعُهُ وَهُوَ أَعْذَرُ مِنْ النَّاعِسِ، وَالْغَافِلِ.
(فَيَأْتِي الْجَالِسُ بِرَكْعَةٍ وَيُعِيدُهَا الْمُتَّبِعُ، وَإِنْ قَالَ: قُمْت لِمُوجِبٍ صَحَّتْ لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ وَتَبِعَهُ وَلِمُقَابِلِهِ إنْ سَبَّحَ كَمُتَّبِعٍ تَأَوَّلَ
стр. 540
وُجُوبَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ.
اُنْظُرْ هَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ فَرْعٌ إذَا قَالَ الْإِمَامُ: قُمْتُ لِمُوجِبٍ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ إنْ قَامَ إمَامٌ لِخَامِسَةٍ فَصَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ جَلَسَ تَامَّةٌ، فَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ: قُمْتُ لِمُوجِبٍ فَتَبْطُلُ عَلَى هَذَا الْجَالِسِ إنْ شَكَّ إلَّا إنْ أَيْقَنَ بِسَلَامَتِهَا فَتَصِحُّ لَهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مُخْتَارُ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ أَعْذَرُ مِنْ النَّاعِسِ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَلَوْ قَالَ لَهُمَا: كَانَتْ لِمُوجِبٍ؛ فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، ثُمَّ قَالَ فَيَأْتِي الْجَالِسُ عَلَى الصِّحَّةِ بِرَكْعَةٍ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي فَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِمَنْ اتَّبَعَهُ فِي الْخَامِسَةِ وَلِمَنْ جَلَسَ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ وَقَعْت فِي زِيَادَتِهَا لِمُوجِبٍ فَيَتَحَصَّلُ الْحُكْمُ - إذْ ذَاكَ - عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: مَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ وَتَبِعَهُ يَعْنِي لِتَيَقُّنِهِ بُطْلَانَ إحْدَى الْأَرْبَعِ، أَوْ لِظَنِّهِ، أَوْ لِشَكِّهِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ صَادَفَ صِدْقَ ظَنِّهِ، وَإِنْ شَكَّ كَانَ مَعَ النَّقْصِ فِي زِيَادَةِ الْأَمْرِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مَنْ لَزِمَهُ عَدَمُ اتِّبَاعِهِ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ لِتَيَقُّنِهِ أَيْضًا صِحَّةَ الْأَرْبَعِ أَوْ ظَنِّهِ ذَلِكَ مَعَ صِدْقِ ظَنِّهِ وَهَذَا هُوَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: " وَمُقَابِلُهُ تَصِحُّ فِيهِمَا " أَيْ فِي الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ فَلَمْ يَتَّبِعْهُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَلْزَمَهُ هُنَا الِاتِّبَاعُ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَيَكُونُ الْمَأْمُومُ فِي هَذَا الْقِسْمِ جَلَسَ وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ لَكِنْ جَلَسَ لِاعْتِقَادِهِ الْكَمَالَ أَوْ لِظَنِّهِ وَلَمْ يَصْدُقْ ظَنُّهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: " وَفِي الثَّالِثِ الْمَنْصُوصِ
стр. 541
تَبْطُلُ ".
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: مَنْ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ لِتَيَقُّنِهِ سَلَامَهُ، أَوْ لِظَنِّهِ لَكِنَّهُ تَأَوَّلَ وُجُوبَ اتِّبَاعِهِ وَفِيهِ قَوْلَانِ.
(لَا لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ) اللَّخْمِيِّ: الصَّوَابُ أَنْ تَتِمَّ صَلَاةُ مَنْ جَلَسَ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ
стр. 542
لِأَنَّهُ جَلَسَ مُتَأَوِّلًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّبَاعُهُ وَهُوَ أَعْذَرُ مِنْ النَّاعِسِ.
(وَلَمْ تَجْزِ مَسْبُوقًا عَلِمَ بِخَامِسِيَّتِهَا) اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ فَسَهَا الْإِمَامُ فَصَلَّى خَامِسَةً فَصَلَّاهَا مَعَهُ عَالِمًا أَنَّهَا خَامِسَةٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
اللَّخْمِيِّ: فَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ مَعَ الْعَمْدِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا رَابِعَةٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَنْبَغِي لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهَا خَامِسَةٌ مِمَّنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ أَنْ لَا يَتَّبِعَهُ فِيهَا وَيَقْضِيَ بَعْدَ سَلَامِهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ قَالَ لَهُمَا: كَانَتْ لِمُوجِبٍ؛ فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: مَنْ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ وَتَبِعَهُ، وَمُقَابِلُهُ يَصِحُّ فِيهِمَا، وَفِي الثَّالِثِ، وَالرَّابِعِ قَوْلَانِ.
وَالسَّاهِي مَعْذُورٌ وَيَلْزَمُ الْجَالِسَ عَلَى الصِّحَّةِ الْإِتْيَانُ بِرَكْعَةٍ، وَفِي إعَادَةِ السَّاهِي قَوْلَانِ، وَفِي إلْحَاقِ الْجَاهِلِ بِالسَّاهِي قَوْلَانِ، وَفِي نِيَابَتِهَا عَنْ رَكْعَةِ مَسْبُوقٍ يَتَّبِعُهُ قَوْلَانِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي أَنَّ الْمَسْبُوقَ بِرَكْعَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ إذَا اتَّبَعَ الْإِمَامَ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ الْخَامِسَةِ الَّتِي قَامَ لَهَا الْإِمَامُ لِمُوجِبٍ فَهَلْ يَعْتَدُّ بِهَا أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ.
وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ نِيَابَتُهَا لِلْمَسْبُوقِ عَنْ رَكْعَةٍ لِأَنَّهَا بِنَاءٌ لَهُ وَلِلْإِمَامِ، وَرَابِعَةٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَتُجْزِئُ الْمَأْمُومَ كَمَا أَجْزَأَتْ إمَامَهُ، وَنَصَّ عَلَيْهَا ابْنُ بَشِيرٍ.
وَإِذَا وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْخَامِسَةِ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ سَجْدَةً كَمَا قَالَ وَكَانَ مِنْ الْمُقْتَدِينَ بِهِ مَسْبُوقٌ فَاتَّبَعَهُ، فَهَلْ تَنُوبُ لَهُ عَنْ رَكْعَةٍ مِمَّا سَبَقَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:.
أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَا تَنُوبُ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ قَاضِيًا.
الثَّانِي أَنَّهَا تَنُوبُ لَهُ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ فِيهَا بَانِيًا فَهِيَ آخِرُ صَلَاتِهِ فَتُجْزِئُ الْمَسْبُوقَ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهَا (وَهَلْ كَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ، أَوْ تُجْزِئُ إلَّا أَنْ يُجْمِعَ مَأْمُومُهُ عَلَى نَفْيِ الْمُوجِبِ؟ قَوْلَانِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ اتَّبَعَهُ فِيهَا مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ وَلَمْ
стр. 543
يَعْلَمْ أَنَّهَا خَامِسَةٌ وَلَمْ يُسْقِطْ الْإِمَامُ شَيْئًا قَضَى رَكْعَةً أُخْرَى وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ كَمَا سَجَدَ إمَامُهُ.
ابْنُ يُونُسَ: رَاجِعْهُ أَنْتَ فَقَدْ كَانَ الْوَاجِبُ نَقْلَ الْفِقْهِ عَلَى تَرْتِيبِهِ دُونَ مُسَايَرَتِهِ مَعَ أَلْفَاظِ خَلِيلٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي تَنْزِيلِ أَلْفَاظِ خَلِيلٍ عَلَيْهِ.
(وَتَارِكُ سَجْدَةٍ مِنْ كَأُولَاهُ لَا تُجْزِئُهُ الْخَامِسَةُ إنْ تَعَمَّدَهَا)
стр. 544
ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: تَعَمَّدَ خَامِسَةً بَانَ أَنَّهَا رَابِعَةٌ تُجْزِئُ.
الصَّقَلِّيُّ: قِيلَ لَا تُجْزِئُهُ وَاخْتُلِفَ فِي إجْزَائِهَا إنْ كَانَتْ سَهْوًا وَالْأَشْبَهُ الْإِجْزَاءُ، وَنَفْيُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ مَا بَطَلَ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ قُضِيَ.
[فَصْلٌ فِي سُجُودُ التِّلَاوَةِ]
فَصْلٌ ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الثَّانِي سُجُودُ التِّلَاوَةِ
(سَجَدَ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ) ابْنُ بَشِيرٍ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ مَشْرُوعٌ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ وَاجِبٌ وُجُوبَ سُنَّةٍ لَا يَأْثَمُ مَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا (بِلَا إحْرَامٍ وَسَلَامٍ) الرِّسَالَةُ: يُكَبِّرُ لَهَا وَلَا يُسَلِّمُ مِنْهَا (قَارِئٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَرَأَ سَجْدَةً فِي صَلَاةٍ، أَوْ غَيْرِهَا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْجُدَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ إبَّانِ صَلَاةٍ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَهَا حِينَئِذٍ، وَلْيَتَعَدَّهَا إذَا قَرَأَ - يُرِيدُ يَتَعَدَّى مَوْضِعَ ذِكْرِ السُّجُودِ خَاصَّةً لَا الْآيَةَ الَّتِي هِيَ فِيهَا - وَأَكْرَهُ أَنْ يَخْطِرَ فِيهَا الْمُتَوَضِّئُ وَلْيَقْرَأْهَا وَكَرِهَ مَالِكٌ قِرَاءَتَهَا خَاصَّةً لَا شَيْءٍ قَبْلَهَا وَلَا شَيْءٍ بَعْدَهَا فِي الصَّلَاةِ، أَوْ غَيْرِهَا ثُمَّ يَسْجُدُ بِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ قَرَأَهَا غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ أَوْ قَرَأَهَا مُتَوَضِّئٌ فِي غَيْرِ إبَّانِ سُجُودِهَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَرَأَهَا فِي صَلَاةٍ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فَلْيُنْهَ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَمُسْتَمِعٌ فَقَطْ إنْ جَلَسَ لِيَتَعَلَّمَ وَلَوْ تَرَكَ الْقَارِئُ إنْ صَلَحَ لِيَؤُمَّ) ابْنُ رُشْدٍ: الْجُلُوسُ لِاسْتِمَاعِ تِلَاوَةِ التَّالِي عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ جَائِزٌ وَوَاجِبٌ أَنْ يَسْجُدَ هَذَا الْجَالِسُ بِسُجُودِ التَّالِي.
فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ التَّالِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَسْجُدُ هَذَا الْمُسْتَمِعُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْأُسْتَاذُ إذَا قَرَأَ التِّلْمِيذُ السَّجْدَةَ فَقِيلَ: يَسْجُدُ الْمُقْرِئُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ إذَا كَانَ بَالِغًا فِي أَوَّلِ سَجْدَةٍ تَمُرُّ بِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا السُّجُودُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا سُجُودَ عَلَيْهِمَا وَلَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ.
ابْنُ زَرْقُونٍ: الْقَوْلَانِ لِمَالِكٍ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَنْ جَلَسَ لِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إنْسَانٍ لِلثَّوَابِ وَالْأَجْرِ لِلتَّعْلِيمِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْقَارِئُ لَمْ يَسْجُدْ هَذَا، وَإِنْ سَجَدَ الْقَارِئُ فَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ.
стр. 545
ابْنُ زَرْقُونٍ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَسْجُدُ، وَظَاهِرُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَسْجُدُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ السَّمَاعِ كَالْمُدَوَّنَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا مَنْ سَمِعَ قِرَاءَةَ رَجُلٍ دُونَ أَنْ يَجْلِسَ لِاسْتِمَاعِ قِرَاءَتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ بِسُجُودِهِ.
وَحَسَّنَ اللَّخْمِيِّ السُّجُودَ لِسَامِعِ الصَّبِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْجُدُهَا سَامِعُهَا مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ سَمِعَ مُصَلِّيًا يَقْرَأُ سَجْدَةً سَجَدَ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْمُصَلِّي.
أَبُو عُمَرَ: أَصْلُ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [مريم: ٥٨] وَالْآيَةُ الْأُخْرَى ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] (وَلَمْ يَجْلِسْ لِيَسْمَعَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ عَلَى مَنْ سَمِعَ سَجْدَةً أَنْ يَسْجُدَهَا.
وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَجْلِسَ إلَيْهِ لَا يُرِيدُ تَعَلُّمًا.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: فَإِنْ سَجَدَ فَلَا يَسْجُدُ مَعَهُ انْتَهَى. مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(فِي إحْدَى عَشْرَةَ لَا ثَانِيَةِ) الطَّحَاوِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي سُجُودٍ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ جَاءَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا جَاءَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ.
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: أَجْمَعَ النَّاسُ، فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى الْأَمْرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ السُّجُودِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ: آخِرُ الْأَعْرَافِ وَ " الْآصَالِ " فِي الرَّعْدِ " وَيُؤْمَرُونَ " فِي النَّحْلِ وَ " خُشُوعًا " فِي سُبْحَانَ وَ " بُكِيًّا " فِي مَرْيَمَ وَ " مَا شَاءَ " فِي الْحَجِّ " وَنُفُورًا " فِي الْفُرْقَانِ وَ " الْعَظِيمِ " فِي النَّمْلِ وَ " لَا يَسْتَكْبِرُونَ " فِي السَّجْدَةِ.
ابْنُ يُونُسَ وَالْوَقَارُ وَابْنُ حَبِيبٍ " وَحُسْنَ مَآبٍ " فِي ص.
الْبَاجِيُّ وَالْقَابِسِيُّ وَأَنَابَ، الْمُدَوَّنَةُ وَ " يَعْبُدُونَ " فِي السَّجْدَةِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَتَرَكَ مَالِكٌ الْأَخْذَ بِالسَّجْدَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْحَجِّ وَأَنَا آخُذُ بِالسُّجُودِ وَفِيهَا اتِّبَاعًا لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلِ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ.
(وَالنَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَالْقَلَمِ) ابْنُ حَبِيبٍ: وَتَرَكَ مَالِكٌ الْأَخْذَ بِالسُّجُودِ فِي النَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَالْقَلَمِ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَمْ يَمْنَعْ مَالِكٌ السُّجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ الَّتِي يَعْزِمُ عَلَى النَّاسِ فِي السُّجُودِ فِيهَا.
وَمِنْ أَحْكَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيهَا» .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْهُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ عَنْهُ وَقَدْ اعْتَضَدَ فِيهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ.
وَلَمَّا أَمَمْتُ بِالنَّاسِ تَرَكْتُ قِرَاءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ لِأَنِّي إنْ سَجَدْت أَنْكَرُوا، وَإِنْ تَرَكْت كَانَ تَقْصِيرًا مِنِّي فَاجْتَنَبْتهَا إلَّا إذَا صَلَّيْت وَحْدِي.
(وَهَلْ سُنَّةٌ، أَوْ فَضِيلَةٌ خِلَافٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَكْثَرُ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ سُنَّةٌ لِقَوْلِهَا يَسْجُدُهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ أَوْ يُسْفِرْ كَالْجِنَازَةِ.
الْقَاضِي ابْنُ الْكَاتِبِ: فَضِيلَةٌ لِقَوْلِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَدَعَهَا فِي إبَّانِ صَلَاةٍ.
(وَكَبَّرَ لِخَفْضٍ وَرَفْعٍ وَلَوْ لِغَيْرِ صَلَاةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَرَأَ سَجْدَةً فِي الصَّلَاةِ فَلْيُكَبِّرْ إذَا سَجَدَهَا، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ إذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَكَانَ يُضَعِّفُ
стр. 546
التَّكْبِيرَ لَهَا قَبْلَ السُّجُودِ وَبَعْدَهُ.
ثُمَّ قَالَ: أَرَى أَنْ يُكَبِّرَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ ابْنُ يُونُسَ: التَّكْبِيرُ أَحْسَنُ.
(وَ " ص ": " وَأَنَابَ " وَ " فُصِّلَتْ ": " تَعْبُدُونَ ") ابْنُ حَبِيبٍ: فِي ص عِنْدَ قَوْلِهِ: " مَآبٍ ".
ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَ غَيْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَأَنَابَ "، وَفِي حم تَنْزِيلٌ " إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ " قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " لَا يَسْأَمُونَ " وَكُلٌّ وَاسِعٌ، الْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيْنَا.
(وَكُرِهَ سُجُودُ شُكْرٍ، أَوْ زَلْزَلَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي جَوَازِ السُّجُودِ لِلشُّكْرِ وَكَرَاهَتِهِ وَمَنْعِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ.
رَوَى الْإِبَاحَةَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَمِنْ الْعَارِضَةِ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْوَاعَ السُّجُودِ مِنْهُ سُجُودُ الْآيَاتِ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ سَجَدَ لَمَّا بَلَغَهُ صَوْتُ مَيْمُونَةَ، «وَكَانَ ﷺ إذَا جَاءَهُ أَمْرُ سُرُورٍ خَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ شُكْرًا» .
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَرَهُ مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَلِمَ لَمْ يَرَهُ وَالسُّجُودُ لِلَّهِ دَائِمًا هُوَ الْوَاجِبُ فَإِذَا وُجِدَ أَدْنَى سَبَبٍ لِلسُّجُودِ فَلْيَغْتَنِمْ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَنْكَرَ مَالِكٌ السُّجُودَ فِي الزَّلَازِلِ.
وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: هُوَ ضَلَالٌ مُجْمَعٌ عَلَى تَرْكِهِ.
(وَجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ وَقِرَاءَةٌ بِتَلْحِينٍ) الْقُرْطُبِيُّ: الْخِلَافُ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّلْحِينِ هُوَ مَا لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنَى الْقُرْآنِ بِكَثْرَةِ التَّرْجِيعَاتِ كَالْقِرَاءَةِ أَمَامَ الْمُلُوكِ
стр. 547
بِمِصْرَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ وَكَذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ الْوُعَّاظِ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَرِهَ مَالِكٌ التَّطْرِيبَ فِي الْأَذَانِ وَلَمْ يَرَ لِمَنْ يَأْخُذْ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ فِي رَمَضَانَ أُجْرَةً وَلَا أَجْرًا.
قَالَ: وَالْقِرَاءَةُ بِالتَّلْحِينِ سُنَّةٌ وَسَمَاعُهُ يَزِيدُ إيمَانًا بِالْقُرْآنِ وَغِبْطَةً، وَيُكْسِبُ الْقُرْآنَ خَشْيَةً، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ «أَنَّ أَبَا مُوسَى قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ عَلِمْت أَنَّك تَسْمَعُنِي لَحَبَّرْته لَك تَحْبِيرًا» .
وَحَكَى «ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ قِرَاءَةَ الْفَتْحِ يَوْمَ الْفَتْحِ قِيلَ: كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ؟ قَالَ: آآآ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» .
عِيَاضٌ: مِنْ إعْجَازِ الْقُرْآنِ أَنَّ قَارِئَهُ لَا يَمَلُّهُ وَسَامِعَهُ لَا يَمُجُّهُ وَسِوَاهُ مِنْ الْكُتُبِ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيهَا حَتَّى أَحْدَثَ أَصْحَابُهَا أَلْحَانًا وَطُرُقًا يَسْتَجْلِبُونَ بِتِلْكَ اللُّحُونِ تَنْشِيطَهُمْ عَلَى قِرَاءَتِهَا.
وَمِنْ أَحْكَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: اسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ وَالتَّرْجِيعَ وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَهُوَ جَائِزٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَالْقَلْبُ يَخْشَعُ لِلصَّوْتِ الْحَسَنِ كَمَا يَخْضَعُ لِلْوَجْهِ الْحَسَنِ وَمَا تَتَأَثَّرُ بِهِ الْقُلُوبُ فِي التَّقْوَى فَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْأَجْرِ.
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ: لِلصَّوْتِ الْحَسَنِ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي النُّفُوسِ فَإِنْ كَانَ الْمَنْطِقُ رَخِيمًا رَقِيقَ الْحَوَاشِي أَوْسَعَ الْأُذُنَ سَمَاعًا وَالنَّفْسَ مَيْلًا وَقَبُولًا، وَإِنْ كَانَ مُنَغَّمًا انْتَهَى.
وَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مِنْهُ وَتَرْدِيدِ الْأَنْفَاسِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ هُوَ التَّحْبِيرُ فِي الْكَلَامِ وَالتَّنْغِيمُ فِي الْغِنَاءِ.
وَقَدْ مَاتَ قَوْمٌ مِنْ الْفُقَرَاءِ فِي السَّمَاعِ لِلْحَقِّ وَمَاتَ كَثِيرٌ مِنْ الْبَطَّالِينَ فِي السَّمَاعِ لِشَهْوَةِ الْعِشْقِ.
وَعَرَّفَ عِيَاضٌ بِالشِّبْلِيِّ فَقَالَ: هُوَ شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ ذُو الْأَنْبَاءِ الْبَدِيعَةِ وَوَاحِدُ الْمُتَصَوِّفِينَ فِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ عَالِمًا فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ.
قَالَ: سُئِلَ عَنْ السَّمَاعِ فَقَالَ: ظَاهِرُهُ فِتْنَةٌ وَبَاطِنُهُ عِبْرَةٌ فَمَنْ عَرَفَ الْإِشَارَةَ حَلَّ لَهُ اسْتِمَاعُ الْعِبْرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَنْ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى عِلْمِهِ وَدِينِهِ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعٌ بِدُونِهِ.
قَالَ فِي قَوَاعِدِهِ: الطَّرِيقُ فِي صَلَاحِ الْقُلُوبِ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ مِنْ خَارِجٍ فَيَكُونُ بِالْقُرْآنِ وَهَؤُلَاءِ أَفْضَلُ أَهْلِ السَّمَاعِ، وَيَكُونُ بِالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ وَيَكُونُ بِالْحِدَاءِ وَالنَّشِيدِ وَيَكُونُ بِالْغِنَاءِ بِالْآلَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِي سَمَاعِهَا كَالشَّبَّابَاتِ، فَإِنْ كَانَ السَّامِعُ لِهَذِهِ الْآلَاتِ مُسْتَحِلًّا سَمَاعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُحْسِنٌ بِسَمَاعِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأَحْوَالِ وَتَارِكٌ لِلْوَرَعِ لِسَمَاعِهِ مَا اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ سَمَاعِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُحْسِنٌ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْأَحْوَالِ مُسِيءٌ فِي سَمَاعِ مَا هُوَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: كَانَ سَحْنُونَ رَقِيقَ الْقَلْبِ رَاهِبَ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكٍ أَفْقَهُ مِنْهُ.
قَالَ الْقَابِسِيُّ: إنِّي لَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْ خِلَافِ سَحْنُونٍ لِمَالِكٍ مَا لَا أَجِدُ مِنْ خِلَافِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِمَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ: سَحْنُونَ إمَامُ النَّاسِ أَظْهَرُ السُّنَّةَ وَأَخْمَلُ الْبِدْعَةَ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَانَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مَجْلِسَهُ مِنْ الْعِبَادِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْضُرُهُ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: عَرَضْت فَدَعَوْت لَيْلَةَ عُرْسِي جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَمِنْ أَصْحَابِ ابْنِ حَنْبَلٍ قَدِمَ عَلَيْنَا وَكُنَّا نَسْمَعُ مِنْهُ، فَكَأَنَّ أَصْحَابَنَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فِي تَغْبِيرٍ وَخُشُوعٍ، ثُمَّ
стр. 548
أَخَذُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ ثُمَّ ابْتَدَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى زَوَايَا الدَّارِ يَصِلُونَ أَحْزَابَهُمْ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: أَصْحَابُ مَنْ هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُعَلِّمُهُمْ فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت قَطُّ أَقْبَلَ مِنْهُمْ وَمَا صَحِبُوا رَجُلًا إلَّا قَبِلُوهُ.
فَقَالُوا: أَصْحَابُ سَحْنُونٍ.
فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت أَصْحَابَ الْعُلَمَاءِ عِنْدَنَا بِالْمَشْرِقِ فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت مِثْلَ هَؤُلَاءِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَخَرَجَ سَحْنُونَ وَمُوسَى بْنُ الصُّمَادِحِيِّ وَابْنُ رَشِيدٍ إلَى الْمُنَسْتِيرِ وَمَعَهُمْ مَنْ يُغَبِّرُ.
فَقَالَ الرَّاوِي: فَنَظَرْت إلَى سَحْنُونٍ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ سَكَتَ الْفَتَى فَقَالَ سَحْنُونَ: ابْنُ يَحْيَى يَرْتَجِي أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ لَوْ كَانَ مَنْ يَقُولُ لَهُ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَهُ.
قَالَ عِيَاضٌ: كَانَ ابْنُ الصُّمَادِحِيِّ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالدِّينِ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى عَنْهُ سَحْنُونَ وَقَالَ عَنْهُ: مَا جَلَسَ فِي الْجَامِعِ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَحَقُّ بِالْفَتْوَى مِنْ ابْنِ الصُّمَادِحِيِّ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ رَشِيدٍ ثِقَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ رَوَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَكَانَ حَمْدِيسُ يُنْكِرُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ لِلتَّغْبِيرِ قَالَ: وَكَانَ مَيْسَرَةُ صَالِحًا نَاسِكًا وَكَانَ يَسْمَعُ التَّغْبِيرَ وَرُبَّمَا حُرِّكَ مِنْهُ فَيَبْكِي وَيُقِيمُ أَيَّامًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
قَالَ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ مُعَتِّبٍ: إنَّهُ ثِقَةٌ نَبِيلٌ عَالِمٌ بِالْحَدِيثِ صَحِيحُ الْيَقِينِ بِاَللَّهِ وَكَانَ فِيهِ رِقَّةٌ حَضَرَ مَجْلِسَ السَّبْتِ فَقَرَأَ الْقُرَّاءُ وَغَبَّرُوا وَأَخَذُوا فِي تَغْبِيرِ:
دَعْ الدُّنْيَا لِمَنْ جَهِلَ الصَّوَابَا ... فَقَدْ خَسِرَ الْمُحِبُّ لَهَا وَخَابَا
يَظَلُّ نَهَارَهُ يَبْكِي بِبَثٍّ ... وَيَطْوِي اللَّيْلَ بِالْأَحْزَانِ ذَابَا
فَلَمَّا وَصَلُوا تَحَرَّكَ وَبَكَى ثُمَّ قَرَأَ قَارِئٌ: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] .
الْآيَاتِ الثَّلَاثَ.
فَصَاحَ صَيْحَةً مَدِيدَةً، ثُمَّ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ وَحُمِلَ إلَى دَارِهِ وَمَاتَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَكَانَ ابْنُ اللَّبَّادِ يَحْضُرُ مَجْلِسَ السَّبْتِ وَيَقُولُ: هُوَ يَغِيظُ بَنِي عُبَيْدٍ.
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ اللَّبَّادِ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِلسُّنَنِ، أَجَلَّ شُيُوخِ وَقْتِهِ، مُفْتِيًا مُجَابَ الدَّعْوَةِ، عَلَيْهِ عَوَّلَ، الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ نَظَرَ إلَى رِجْلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَفْلَجَ وَقَدْ انْتَفَضَتَا فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُمَا عَلَى الصِّرَاطِ فَأَنْتَ الْعَالِمُ بِهِمَا وَالشَّاهِدُ عَلَيْهِمَا إنَّهُمَا مَا مَشَيَا لَكَ فِي مَعْصِيَةٍ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: وَكَانَ ابْنُ التَّبَّانِ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ وَالْفُقَهَاءِ الْمُبَرَّزِينَ ضُرِبَتْ إلَيْهِ أَكْبَادُ الْإِبِلِ مِنْ الْأَمْصَارِ لِعِلْمِهِ بِالذَّبِّ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ.
قَالَ عَنْهُ الْقَابِسِيُّ بَعْدَ مَوْتِهِ: رَحِمَك اللَّهُ لَقَدْ كُنْت تَغَارُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَتَذُبُّ عَنْ الشَّرِيعَةِ.
قَالَ: وَكَانَ يَسْمَعُ التَّغْبِيرَ وَيَرِقُّ لِهَذِهِ الْمَعَانِي وُجِدَ عِنْدَ مُغَبِّرٍ فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ التَّغْبِيرُ بِدْعَةً؟ قَالَ: وَالِاجْتِمَاعُ أَيْضًا عَلَى الْمَسَائِلِ بِدْعَةٌ فَبَلَغَ السَّبَّائِيَّ كَلَامُهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَمْ يَزَلْ السَّلَفُ تَخْتَلِفُ أَجْوِبَتُهُمْ فِي هَذَا الْمَنْزَعِ الَّذِي لَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَا أَمَرَ بِهِ وَمُيْقَنٌ لَا يُعَزُّ مُرْتَكِبُهُ، وَرَحِمَ اللَّهُ سَيِّدِي ابْنَ سِرَاجٍ ﵀ الْقَائِلَ: بِدْعَةُ الضَّلَالَةِ أَنْ تَحْكُمَ عَلَى النَّازِلَةِ بِغَيْرِ مَا حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ، فَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مُبْتَدِعًا بِهَذِهِ النِّسْبَةِ أَعْنِي الْقَائِلَ لَيْلَةُ الزَّمْرِ خَيْرٌ مِنْ لَيْلَةٍ بِالْفُقَرَاءِ.
وَمِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْبَنَّاءِ إذَا جَعَلُوا لِلطَّرِيقِ رُكْنًا وَقَدْ ضَمَّنْت رِسَالَةً بَيَّنْت فِيهَا حُكْمَ الزَّوَايَا وَاَلَّذِينَ يَنْتَابُونَهَا مِنْ الْعَامَّةِ وَالطَّلَبَةِ يَجِبُ عَلَى مَنْ بِهِ رَغْبَةٌ فِي مُدْرَكِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُطَالِعَهَا.
(كَجَمَاعَةٍ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: كَرِهَ مَالِكٌ اجْتِمَاعَ الْقُرَّاءِ يَقْرَءُونَ فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ.
وَرَآهَا بِدْعَةً.
قَالَ
стр. 549
مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ» الْحَدِيثَ.
فِيهِ جَوَازُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْإِدَارَةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَتَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُبْتَدَعٌ وَلِأَنَّهُمْ يَبْتَغُونَ بِهِ الْأَلْحَانَ عَلَى نَحْوِ مَا يُفْعَلُ فِي الْغِنَاءِ فَوَجْهُ الْمَكْرُوهِ فِي ذَلِكَ بَيِّنٌ.
الْمَازِرِيُّ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُبِيحُ الِاجْتِمَاعَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ قَدْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ لِنَحْوِ مَا اقْتَضَى هَذَا الظَّاهِرُ جَوَازَهُ.
وَقَالَ: يُقَامُونَ وَلَعَلَّهُ لَمَّا صَادَفَ الْعَمَلَ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ كَرِهَ إحْدَاثَهُ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتْرُكُ بَعْضَ الظَّوَاهِرِ بِالْعَمَلِ.
وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ: مِنْ الْعَجَبِ الْعَجِيبِ أَنْ يَقِفَ الْمُقَلِّدُ عَلَى ضَعْفِ مَأْخَذِ إمَامِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُقَلِّدُهُ كَأَنَّ إمَامَهُ نَبِيٌّ أُرْسِلَ إلَيْهِ وَهَذَا نَأْيٌ عَنْ الْحَقِّ وَبُعْدٌ عَنْ الصَّوَابِ لَا يَرْضَى بِهِ أَحَدٌ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ، بَلْ تَجِدُ أَحَدَهُمْ يُنَاضِلُ عَنْ مُقَلَّدِهِ وَيَتَحَيَّلُ لِدَفْعِ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَتَأَوَّلُهَا وَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَجَالِسِ فَإِذَا ذُكِرَ لِأَحَدِهِمْ خِلَافُ مَا وَطَّنَ عَلَيْهِ نَفْسَهُ تَعَجَّبَ مِنْهُ غَايَةَ التَّعَجُّبِ لِمَا أَلِفَهُ مِنْ تَقْلِيدِ إمَامِهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الْحَقَّ مُنْحَصِرٌ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، وَلَوْ تَدَبَّرَ لَكَانَ تَعَجُّبُهُ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِهِ.
فَالْبَحْثُ مَعَ هَؤُلَاءِ ضَائِعٌ مُفْضٍ إلَى التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ يُجْدِيهَا، فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْبَحْثِ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا عَجَزَ أَحَدُهُمْ عَنْ تَمْشِيَةِ مَذْهَبِ إمَامِهِ قَالَ: لَعَلَّ إمَامِي وَقَفَ عَلَى دَلِيلٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْلَمُ الْمِسْكِينُ أَنَّ هَذَا مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ وَيُفَصِّلُ لِخَصْمِهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّلِيلِ الْوَاضِحِ.
فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ مَنْ أَعْمَى التَّقْلِيدُ بَصَرَهُ حَتَّى حَمَلَهُ عَلَى مِثْلِ مَا ذَكَرْته، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ أَيْنَمَا كَانَ وَعَلَى لِسَانِ مَنْ ظَهَرَ، انْتَهَى نَصُّهُ.
(وَجُلُوسٌ لَهَا لَا لِتَعْلِيمٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَجْلِسَ إلَيْهِ لَا يُرِيدُ تَعْلِيمًا (وَأُقِيمَ الْقَارِئُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُقَامُ الَّذِي يَقْعُدُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، أَوْ غَيْرِهِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ: وَالْقِرَاءَةُ فِي الْمَسَاجِدِ مُحْدَثَةٌ وَلَنْ يَأْتِيَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَهْدَى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلُهَا وَالْقُرْآنُ حَسَنٌ، قِيلَ: فَالتَّقَرِّي فِي الْمَسْجِدِ إذَا خَفَّ أَهْلُهُ جَعَلُوا رَجُلًا حَسَنَ الصَّوْتِ فَقَرَأَ لَهُمْ، فَكَرِهَهُ.
قِيلَ: فَقَوْلُ عُمَرَ لِأَبِي مُوسَى ذَكِّرْنَا رَبَّنَا قَالَ: وَاَللَّهِ مَا سَمِعْت هَذَا قَطُّ قَبْلَ هَذَا الْمَجْلِسِ.
ابْنُ رُشْدٍ: كَرِهَهُ إذَا أَرَادُوا بِذَلِكَ حُسْنَ صَوْتٍ لَا إذَا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ اسْتِدْعَاءً لِرِقَّةِ قُلُوبِهِمْ بِسَمَاعِ قِرَاءَتِهِ الْحَسَنَةِ.
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إذَا رَأَى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَالَ: ذَكِّرْنَا رَبَّنَا فَيَقْرَأُ عِنْدَهُ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، وَإِنَّمَا اسْتَدْعَى عُمَرُ رِقَّةَ قَلْبِهِ بِسَمَاعِ قِرَاءَتِهِ لِلْقُرْآنِ وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ إذَا صَحَّ مِنْ فَاعِلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا اتَّقَى مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ذَرِيعَةَ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنْ يُقَدَّمَ الرَّجُلُ لِلْإِمَامَةِ لِحُسْنِ صَوْتِهِ لَا لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يُرَغَّبُ فِي إمَامَتِهِ مِنْ أَجْلِهِ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا» أَحَدُهُمَا بَشَرٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مِنْ أَمِيرٍ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لِيُغْنِيَهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا ".
قَالَ عِيَاضٌ: كَانَ سَحْنُونَ رَقِيقَ الْقَلْبِ.
قَالَ لِرَجُلٍ مَرَّةً: اقْرَأْ عَلَيَّ.
فَقَرَأَ: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: ٤١] فَلَمَّا بَلَغَ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر: ٤٤] الْآيَةَ قَالَ: حَسْبُك وَهُوَ يَبْكِي.
(وَفِي كُرْهِ قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ رِوَايَتَانِ) مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: سُئِلَ عَنْ قُرَّاءِ مِصْرٍ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقْرِئُ النَّفَرَ
стр. 550
فَيَفْتَحُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: ذَلِكَ حَسَنٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
ابْنُ رُشْدٍ: كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ هَذَا وَلَا يَرْضَاهُ صَوَابًا ثُمَّ رَجَعَ وَخَفَّفَهُ.
وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ بَيِّنٌ لِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا بُدَّ أَنْ يَفُوتَهُ سَمَاعُ مَا يَقْرَأُ بِهِ بَعْضُهُمْ مَا دَامَ يُصْغِي إلَى غَيْرِهِمْ وَيَشْتَغِلُ بِالرَّدِّ عَلَى الَّذِي يُصْغِي إلَيْهِ فَقَدْ يُخْطِئُ فِي ذَلِكَ الْحِينِ وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ، وَأَجَازَ قِرَاءَتَهُ فَيَحْمِلُ عَنْهُ الْخَطَأَ وَيَظُنُّهُ مَذْهَبًا لَهُ.
وَوَجْهُ تَخْفِيفِ ذَلِكَ الْمَشَقَّةُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُقْرِئِ بِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ إذَا كَثُرُوا وَقَدْ لَا يَعُمُّهُمْ فَرَأْيُ جَمْعِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ أَحْسَنُ مِنْ الْقَطْعِ بِبَعْضِهِمْ.
(وَاجْتِمَاعٌ لِدُعَاءٍ يَوْمَ عَرَفَةَ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْجُلُوسِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي الْمَسَاجِدِ بِالْبُلْدَانِ يَوْمَ عَرَفَةَ لِلدُّعَاءِ فَكَرِهَ ذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ: كَرِهَهُ، وَإِنْ كَانَ الدُّعَاءُ حَسَنًا وَأَفْضَلُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ بِدْعَةٌ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: حَضَرْت أَشْهَبَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِجَامِعِ مِصْرَ وَكَانَ مِنْ حَالِهِمْ إقَامَتُهُمْ بِمَسْجِدِهِمْ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ يَعْنِي لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ عَرَفَةَ بِهَا، وَكَانَ يُصَلِّي جَالِسًا يَعْنِي النَّافِلَةَ، وَفِي جَانِبِهِ صُرَّةٌ يُعْطِي مِنْهَا السُّؤَالَ.
فَنَظَرْت فَإِذَا بِيَدِ سَائِلٍ دِينَارٌ مِمَّا أَعْطَاهُ فَذَكَرْته لَهُ فَقَالَ لِي: وَمَا كُنَّا نُعْطِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ.
وَنَقَلَ الْجُزُولِيُّ بِسَنَدِهِ إلَى الْحَسَنِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْنِي اجْتِمَاعَ النَّاسِ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي الْمَسَاجِدِ تَشْبِيهًا بِأَهْلِ عَرَفَةَ.
وَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، الْحَسَنُ وَبَكْرٌ وَثَابِتٌ وَابْنُ وَاسِعٍ، وَكَانُوا يَشْهَدُونَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ.
(وَمُجَاوَزَتُهَا لِمُتَطَهِّرٍ وَقْتَ جَوَازٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: أَكْرَهُ أَنْ يَخْطِرَ فِيهَا الْمُتَوَضِّئُ (وَإِلَّا فَهَلْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهَا، أَوْ الْآيَةَ تَأْوِيلَانِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ: يُرِيدُ يَتَعَدَّى مَوْضِعَ السُّجُودِ خَاصَّةً.
ابْنُ رُشْدٍ: الصَّوَابُ اخْتِصَارُ آيَتِهَا لِئَلَّا يُغَيِّرَ الْمَعْنَى.
(وَاقْتِصَارٌ عَلَيْهَا وَأُوِّلَ بِالْكَلِمَةِ وَالْآيَةِ قَالَ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ:
стр. 551
كَرِهَ مَالِكٌ قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ خَاصَّةً لَا شَيْءٍ قَبْلَهَا وَلَا شَيْءٍ بَعْدَهَا فِي صَلَاةٍ، أَوْ غَيْرِهَا ثُمَّ يَسْجُدُ بِهَا.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِهِ: كَرَاهَتُهُ فِيهَا قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ فَقَطْ يُرِيدُ مَوْضِعَ السَّجْدَةِ فَقَطْ لَا آيَتَهَا الْمَازِرِيُّ: وَقِيلَ آيَتُهَا.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَلِمَتَيْ السَّجْدَةِ وَجُمْلَةِ الْآيَةِ (وَتَعَمُّدُهَا بِفَرِيضَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَعَمَّدَ فِي الْفَرِيضَةِ قِرَاءَةَ سُورَةٍ فِيهَا سَجْدَةٌ لِأَنَّهُ يَخْلِطُ عَلَى النَّاسِ صَلَاتَهُمْ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَهَا الْفَذُّ فِي الْفَرِيضَةِ وَهُوَ الَّذِي رَأَيْت مَالِكًا يَذْهَبُ إلَيْهِ.
ابْنُ بَشِيرٍ: الصَّحِيحُ الْجَوَازُ «لِمُدَاوَمَتِهِ ﷺ عَلَى: الم فِي الصُّبْحِ» وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ يُوَاظِبُ الْخِيَارُ مِنْ أَشْيَاخِي وَأَشْيَاخِهِمْ (أَوْ خُطْبَةٍ) رَوَى مُحَمَّدٌ لَا يَقْرَؤُهَا خَطِيبٌ فَإِنْ فَعَلَ رَوَى أَشْهَبُ يَنْزِلُ فَلْيَسْجُدْ، وَيَسْجُدُ النَّاسُ مَعَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَسْجُدُوا هُمْ، وَلَهُمْ فِي التَّرْكِ سَعَةٌ، وَرَوَى عَلِيٌّ: لَا يَنْزِلُ وَلَا يَسْجُدُهَا.
(لَا نَفْلٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ فِي جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَةٌ (مُطْلَقًا) ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَنْصُوصُ الْجَوَازُ وَلَوْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ لَا يَأْمَنُ التَّخْلِيطَ.
اللَّخْمِيِّ: فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يَسْجُدْ مَأْمُومُهُ (وَإِنْ قَرَأَهَا فِي فَرْضٍ سَجَدَ) الرِّسَالَةُ: يَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ (لَا خُطْبَةٍ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ خُطْبَةٍ ".
(وَجَهَرَ إمَامُ السِّرِّيَّةِ، وَإِلَّا اُتُّبِعَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ قَرَأَ إمَامٌ سُورَةَ سَجْدَةٍ فِي صَلَاةٍ سِرِّيَّةٍ اُسْتُحِبَّ تَرْكُ قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ فَإِنْ قَرَأَهَا أَعْلَنَ بِهَا وَسَجَدَ فَلَوْ لَمْ يَجْهَرْ بِهَا وَسَجَدَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَسْجُدُ مَعَهُ مَأْمُومُهُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَسْجُدُونَ مَعَهُ لِاحْتِمَالِ سَهْوِهِ.
وَفِي السُّلَيْمَانِيَّةِ: إنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
стр. 552
(وَمُجَاوِزُهَا بِيَسِيرٍ يَسْجُدُ) ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا جَاوَزَ الْقَارِئُ السَّجْدَةَ بِيَسِيرٍ فَلْيَسْجُدْهَا مِنْ حَيْثُ انْتَهَى.
اللَّخْمِيِّ: الْيَسِيرُ بِالْآيَتَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ: لِذَا اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ تَأْخِيرَ السُّجُودِ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِي مَحَلِّهِ (وَبِكَثِيرٍ يُعِيدُهَا فِي الْفَرْضِ مَا لَمْ يَنْحَنِ) ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا جَاوَزَ الْقَارِئُ السَّجْدَةَ بِكَثِيرٍ رَجَعَ إلَى السَّجْدَةِ فَقَرَأَهَا وَسَجَدَهَا، ثُمَّ رَجَعَ إلَى حَيْثُ انْتَهَى فِي الْقِرَاءَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ رُكُوعِ فَرْضٍ فَلَا يُعِيدُهَا فِي ثَانِيَةٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ أَيْضًا: إذَا ذَكَرَهَا فِي خَفْضِ الرُّكُوعِ.
(وَبِالنَّفَلِ فِي ثَانِيَتِهِ فَفِي فِعْلِهَا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ قَوْلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي نَافِلَةٍ فَنَسِيَ سُجُودَهَا حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهِ يُرِيدُ " أَوْ ذَكَرَ وَهُوَ رَاكِعٌ " فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ يَقْرَأُ " الْحَمْدُ "، ثُمَّ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بَلْ يُقَدِّمُهَا عَلَى قِرَاءَةِ " الْحَمْدُ "، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَدِّمَ قَبْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ ذِكْرًا أَوْ دُعَاءً فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى صَلَّى الثَّانِيَةَ مِنْ النَّافِلَةِ فَذَكَرَهَا وَهُوَ رَاكِعٌ تَمَادَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي نَافِلَةٍ أُخْرَى.
(وَإِنْ قَصَدَهَا فَرَكَعَ سَهْوًا اعْتَدَّ بِهِ وَلَا سَهْوَ) ابْنُ عَرَفَةَ: عَلَى الْمَعْرُوفِ إنْ قَصَدَ السَّجْدَةَ فَرَكَعَ سَهْوًا فَلِلَّخْمِيِّ عَنْ مَالِكٍ يَمْضِي عَلَى رُكُوعِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: يَخِرُّ سَاجِدًا وَيَقُومُ فَيَقْرَأُ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَيَسْجُدُ بَعْدَ أَنْ طَالَ رُكُوعُهُ.
الشَّيْخُ: إنْ اطْمَأَنَّ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى رَفَعَ أَلْغَى تِلْكَ الرَّكْعَةَ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ نَوَى بِهَا السَّجْدَةَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ شَيْئًا، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَتَعَقَّبَ الْمَازِرِيُّ قَوْلَهُ: " فَيَقْرَأُ شَيْئًا " لِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: مَنْ سَجَدَ آخِرَ سُورَةٍ قَامَ إنْ شَاءَ رَكَعَ، أَوْ بَعْدَ قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْأُخْرَى.
اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالرَّفْضُ مُبْطِلٌ " (بِخِلَافِ تَكْرِيرِهَا، أَوْ سُجُودٍ قَبْلَهَا سَهْوًا) قَالَ مَالِكٌ: إنْ سَجَدَ السَّجْدَةَ، ثُمَّ سَجَدَ مَعَهَا ثَانِيَةً سَهْوًا فَلْيَسْجُدْ بَعْدَ السَّلَامِ.
قَالَ: وَلَوْ سَجَدَ فِي آيَةٍ قَبْلَهَا يَظُنُّ أَنَّهَا سَجْدَةٌ فَلْيَقْرَأْ السَّجْدَةَ فِي بَاقِي صَلَاتِهِ وَيَسْجُدُ لَهَا وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ.
(قَالَ وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ تَكْرِيرُهُ إنْ كَرَّرَ حِزْبًا إلَّا الْمُعَلِّمَ وَالْمُتَعَلِّمَ فَأَوَّلَ مَرَّةٍ) الْمَازِرِيُّ: قَالَ فِي الْقَارِئِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ بَعْدَ أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا إنَّهُ يَسْجُدُ أَيْضًا قَالَ: وَهُوَ أَصْلُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ مِمَّنْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ غَالِبًا كَالْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فَفِيهِ قَوْلَانِ إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ.
قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: يَسْجُدُ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
وَقَالَ أَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا سُجُودَ عَلَيْهِمَا وَلَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ (وَنُدِبَ لِسَاجِدِ الْأَعْرَافِ قِرَاءَةٌ قَبْلَ رُكُوعِهِ) الرِّسَالَةُ: فِي سَجْدَةِ الْأَعْرَافِ إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ قَامَ فَقَرَأَ مِنْ الْأَنْفَالِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ.
اُنْظُرْ
стр. 553
تَعَقُّبَ الْمَازِرِيِّ قَبْلَ قَوْلِهِ: " بِخِلَافِ تَكْرِيرِهَا " (وَلَا يَكْفِي عَنْهَا رُكُوعٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْكَعُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ، أَوْ غَيْرِهَا.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ إنْ قَصَدَ بِهِ الرَّكْعَةَ فَلَمْ يَسْجُدْهَا، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ السَّجْدَةَ فَقَدْ أَحَالَهَا عَنْ صِفَتِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
(وَإِنْ تَرَكَهَا وَقَصَدَهُ صَحَّ وَكُرِهَ) سَمِعَ عِيسَى: لَوْ قَرَأَ سَجْدَةً فَرَكَعَ فَإِنْ كَانَ تَعَمَّدَ الرُّكُوعَ أَجْزَأَتْهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ وَلَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ وَقَرَأَهَا إذَا قَامَ فِي أُخْرَى وَسَجَدَ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ رَكَعَ بِنِيَّةِ الرُّكُوعِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَتَرَكَ السُّجُودَ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ (وَسَهْوًا اعْتَدَّ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ فَيَسْجُدُ إنْ اطْمَأَنَّ بِهِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَرَادَ أَنْ يَهْوِيَ لِيَسْجُدَهَا فَنَسِيَ فَرَكَعَ فَإِنَّهُ إنْ ذَكَرَ وَهُوَ رَاكِعٌ خَرَّ مِنْ رَكْعَتِهِ فَسَجَدَهَا، ثُمَّ اعْتَدَلَ فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ رَكْعَتِهِ أَلْغَى تِلْكَ الرَّكْعَةَ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الِاعْتِبَارِ بِاخْتِلَافِ نِيَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى.
أَضِفْ هَذَا النَّقْلَ لِمَا نَقَلْته عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ قَصَدَهَا فَرَكَعَ سَهْوًا " وَانْظُرْهُ أَنْتَ.
[بَابٌ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ]
فَصْلٌ
ابْنُ شَاسٍ: الْبَابُ السَّابِعُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ
(نُدِبَ نَفْلٌ) عِيَاضٌ: الصَّلَاةُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَفَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَسُنَّةٌ، وَفَضِيلَةٌ، وَتَطَوُّعٌ.
وَالتَّطَوُّعُ هُوَ كُلُّ صَلَاةٍ تَنَفَّلَ فِيهَا فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي أُبِيحَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا (وَتَأَكَّدَ بَعْدَ مَغْرِبٍ كَظُهْرٍ وَقَبْلَهَا كَعَصْرٍ بِلَا حَدٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ يُوَقِّتْ مَالِكٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا رُكُوعًا مَعْلُومًا، وَإِنَّمَا يُوَقِّتُ فِي هَذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ.
الشَّيْخُ: يُسْتَحَبُّ النَّفَلُ
стр. 554
بَعْدَ الظُّهْرِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكَذَا قَبْلَهَا وَكَذَا قَبْلَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ بِرَكْعَتَيْنِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ: وَإِنْ تَنَفَّلَ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ فَحَسَنٌ: الْجَلَّابُ: الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ مُسْتَحَبَّةٌ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ.
عِيَاضٌ: وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَضِيلَةٌ (وَالضُّحَى) ابْنُ عَرَفَةَ: نَصُّ التَّلْقِينِ وَالرِّسَالَةِ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى نَافِلَةٌ.
стр. 555
أَبُو عُمَرَ: فَضِيلَةٌ وَهِيَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَقَدْ عُدَّتْ أَيْضًا فِي السُّنَنِ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مِنْ آكَدِ النَّوَافِلِ رَكْعَتَانِ عِنْدَ حُلُولِ الشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ بِالنِّسْبَةِ الَّتِي تَجِبُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي كَوْنِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ وَهِيَ الضُّحَى الَّتِي مَنْ أَتَى بِهَا كَانَ مِنْ الْأَوَّابِينَ وَحَمَى ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ عَظْمًا مِنْ النَّارِ.
(وَسِرٌّ بِهِ نَهَارًا وَجَهْرٌ لَيْلًا) الرِّسَالَةُ: يُصَلِّي الشَّفْعَ وَالْوِتْرَ جَهْرًا وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ فِي نَوَافِلِ اللَّيْلِ الْإِجْهَارُ، وَفِي نَوَافِلِ النَّهَارِ الْإِسْرَارُ، وَإِنْ جَهَرَ فِي النَّهَارِ فِي نَفْلِهِ فَذَلِكَ وَاسِعٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: سَمِعَ أَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِرَفْعِ صَوْتِهِ بِقِرَاءَةِ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَحْدَهُ وَلَعَلَّهُ أَنْشَطُ لَهُ وَكَانُوا بِالْمَدِينَةِ يَفْعَلُونَهُ حَتَّى صَارَ الْمُسَافِرُونَ يَتَوَاعَدُونَ لِقِيَامِ الْقُرَّاءِ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا لِمَنْ حَسُنَتْ حَالَتُهُ لِيُقْتَدَى بِهِ فَيَحْصُلَ لَهُ أَجْرُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ.
وَسَمِعَ أَشْهَبُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَخْرُجُ فِي اللَّيْلِ آخِرِهِ. وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ يُصَلِّي فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: لِبُرْدٍ اُطْرُدْ هَذَا الْقَارِئَ عَنِّي فَقَدْ أَذَانِي فَسَكَتَ بُرْدٌ فَقَالَ: وَيُحْكَى يَا بُرْدُ اُطْرُدْ هَذَا الْقَارِئَ عَنِّي فَقَالَ بُرْدٌ: إنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ لَنَا إنَّمَا هُوَ لِلنَّاسِ فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ فَأَخَذَ نَعْلَهُ وَتَنَحَّى.
ابْنُ رُشْدٍ: أَمَرَ سَعِيدٌ بِطَرْدِ الْقَارِئِ عَنْهُ يُرِيدُ مِنْ جِوَارِهِ لَا مِنْ الْمَسْجِدِ جُمْلَةً وَمِنْ حَقِّ مَنْ أُوذِيَ أَنْ يَنْهَى مَنْ آذَاهُ، وَلَوْ رَفَعَ رَجُلٌ فِي دَارِهِ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ لَمَا وَجَبَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ، وَلِمَا نَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَسَالِكِهِ «قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ اخْفِضْ قَلِيلًا» ، نَقَلَ حِكَايَةَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مَعَ عُمَرَ، ثُمَّ قَالَ: وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ لِمَنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي الْجَهْرِ، وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ انْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ وَانْتَفَعَ هُوَ بِكَلَامِ اللَّهِ.
وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ يُسْمِعُ أُذُنَيْهِ وَيُوقِظُ قَلْبَهُ لِتَدْبِيرِ الْكَلَامِ وَتَفْهِيمِ الْمَعَانِي وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْجَهْرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَرْجُوَ يَقَظَةَ نَائِمٍ فَيَذْكُرَ اللَّهَ فَيَكُونَ هُوَ لَهُ مُعَاوِنًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَيَكُونَ فِي الْعَمَلِ الْوَاحِدِ عَشَرَةُ نِيَّاتٍ فَيُعْطَى عَشَرَةَ أُجُورٍ.
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ: لَا شَكَّ
стр. 556
أَنَّ الْعَلَانِيَةَ بِالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا أَفْضَلُ إذَا خَلَصَتْ مِنْ الرِّيَاءِ وَقَدْ كَشَفَ اللَّهُ الْقِنَاعَ بِالْبَيَانِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «قَالَ اللَّهُ مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْته فِي نَفْسِي وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْته فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَئِهِ» ابْنُ عَرَفَةَ: وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ بِالْمَسْجِدِ آخِرَ اللَّيْلِ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ قُرْبَةٌ، وَفِي جَوَازِهِ بِعَسْعَسَةِ اللَّيْلِ بَعْدَ مُضِيِّ نِصْفِهِ وَمَنْعِهِ نَقْلٌ.
ابْنُ سَهْلٍ: الْجَوَازُ لِابْنِ عَتَّابٍ وَالْمَسِيلِيِّ وَالْمَنْعُ لِابْنِ دَحُونٍ وَابْنِ حَزْمٍ.
وَقَدْ كَانَ مِنْ جَوَابِ ابْنِ عَتَّابٍ، أَوْ قَالَ: الِاحْتِسَابُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ سَائِغٍ؛ إذْ ذَاكَ ذِكْرُ اللَّهِ تَنْشَرِحُ لَهُ الصُّدُورُ صُدُورُ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَتَطْمَئِنُّ بِهِ قُلُوبُهُمْ وَمَتَى عُهِدَ مَنْ ابْتَهَلَ فِي الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ أَنْ يُوقَفَ مَوْقِفَ الْإِنْكَارِ وَالْإِقْرَارِ.
أَمَا سَمِعَ الْمُحْتَسِبُ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الْآيَةَ.
، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ مَالِكٍ: كَانَ السَّلَفُ يَتَوَاعَدُونَ الْإِسْفَارَ لِقِيَامِ الْقُرَّاءِ.
وَقَالَ الْمَسِيلِيُّ: كُلُّ مَا صَنَعَهُ هَذَا الْمُؤَذِّنُ حَسَنٌ مَأْمُورٌ بِهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ قَدِيمٌ مِنْ فِعْلِ الصَّالِحِينَ.
كَانَ عُرْوَةُ يَقُومُ بِاللَّيْلِ يَصِيحُ فِي الطُّرُقِ يَحُضُّ وَيُخَوِّفُ وَيَتْلُو ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٨] إلَى يَلْعَبُونَ قَالَ عِيَاضٌ: عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ: هُوَ وَشَيْخُ الْمُفْتِينَ حَافِظًا نُظَّارًا تَفَقَّهَ بِهِ الْأَنْدَلُسِيُّونَ مِنْ جُلَّةِ الْفُقَهَاءِ عَلَى سُنَنِ أَهْلِ الْفَضْلِ، جَزِلُ الرَّأْيِ حَصِيبُ الْعَقْلِ عَلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اُذْكُرُوا اللَّهَ» . الْحَدِيثَ.
(وَتَأَكَّدَ بِوِتْرٍ) خَيَّرَ الْإِبْيَانِيُّ وَيَحْيَى بْنُ عُمَرَ فِي الْجَهْرِ فِي الشَّفْعِ وَأَلْزَمَاهُ فِي الْوِتْرِ، فَإِنْ أَسَرَّهُ
стр. 557
سَهْوًا سَجَدَ قَبْلُ. وَجَهْلًا بَطَلَ.
وَاسْتَبْعَدَ عَبْدُ الْحَقِّ الْبُطْلَانَ.
ابْنُ يُونُسَ: قِيلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ أَسَرَّ فِي الْوِتْرِ كَمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا قَرَأَهُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا.
الْبَاجِيُّ: يَجْهَرُ بِهِ الْإِمَامُ وَأَمَّا الْأَفْذَاذُ فِي الْمَسْجِدِ فَيُسِرُّونَهُ.
ابْنُ عَلَاقٍ: فِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقْضِي فَرْضَهُ جَهْرًا وَمِنْ الِاسْتِذْكَارِ مَا نَصُّهُ: فِي الَّذِي يَقْضِي فَرْضَهُ، وَإِلَى جَنْبِهِ مَنْ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يُفَرِّطَ فِي الْجَهْرِ لِئَلَّا يُخْلَطَ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَجِبُ ذَلِكَ لِمُتَنَفِّلٍ إلَى جَنْبِهِ مُتَنَفِّلٌ مِثْلُهُ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَحَرَامٌ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَحَدَّثُوا فِي الْمَسْجِدِ بِمَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ وَيَخْلِطُ عَلَيْهِ قِرَاءَتَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ لِمُصَلٍّ بِالْمَسْجِدِ إلَى جَنْبِهِ مُصَلٍّ رَفْعُ صَوْتِهِ بِالْقِرَاءَةِ، وَمَنْ قَضَى رَكْعَةً جَهْرًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَرِّطَ فِي جَهْرِهِ لِقُرْبِ مُصَلٍّ مِثْلِهِ (وَتَحِيَّةُ مَسْجِدِ) عِيَاضٌ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ فَضِيلَةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ.
أَبُو عُمَرَ: عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءَ وَكَانَ الْقَاسِمُ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَسَالِمٌ ابْنُهُ.
قَالَ: وَرَحَلَ الْغَازِيُّ بْنُ قَيْسٍ إلَى الْمَدِينَةِ لِيَسْمَعَ مِنْ مَالِكٍ فَدَخَلَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَلَسَ وَلَمْ يَرْكَعْ فَقَالَ لَهُ الْغَازِيُّ بْنُ قَيْسٍ: قُمْ فَارْكَعْ فَإِنَّ جُلُوسَك دُونَ رُكُوعٍ جَهْلٌ بِالسُّنَّةِ، وَنَحْوَ هَذَا مِنْ جَفَاءِ الْقَوْلِ.
فَقَامَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فَرَكَعَ، ثُمَّ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ وَجَلَسَ النَّاسُ إلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْغَازِيُّ بْنُ أَبِي قَيْسٍ خَجِلَ وَنَدِمَ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ: هُوَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَأَشْرَافِهِمْ فَقَامَ يَعْتَذِرُ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: يَا أَخِي لَا عَلَيْك أَمَرْتَنَا بِخَيْرٍ فَأَطَعْنَاك.
وَمِنْ نَحْوِ هَذَا التَّخَلُّقِ مَا حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ قَاضِي الْجَمَاعَةِ ابْنِ السُّلَيْمِ قَالَ: حَضَرَ يَوْمًا مَسْجِدًا بِأَطْرَافِ قُرْطُبَةَ لِانْتِظَارِ جِنَازَةٍ فَحَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَأَشَارَ
стр. 558
عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْعَامَّةِ أَنْ يُؤَذِّنَ فَتَغَيَّرَ الرَّجُلُ وَقَالَ لَهُ: لَمْ تَرَ بِالْمَسْجِدِ مَنْ هُوَ أَنْجَسُ مِنِّي فَتَبَسَّمَ الْقَاضِي وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، ثُمَّ خَرَجَ بِنَفْسِهِ فَأَذَّنَ وَرَجَعَ وَقَالَ لِلرَّجُلِ: قَدْ رَأَيْت مَنْ هُوَ أَنْجَسُ مِنْك فَلَا تَعُدْ لِمِثْلِ قَوْلِك تَابَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْك.
(وَجَازَ تَرْكُ مَارٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: جَائِزٌ لِلْمُجْتَازِ أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَرْكَعَ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ الْقُعُودُ دُونَ رُكُوعٍ.
(وَتَأَدَّتْ بِفَرْضٍ) الْجَلَّابُ: مَنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ لَمْ يُعِدْهُ وَمَنْ جَلَسَ دُونَهُ تَلَافَاهُ وَيَكْفِي عِنْدَ الْفَرْضِ.
(وَبَدَأَ بِهَا بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَيْهِ ﷺ ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَبْدَأُ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالرُّكُوعِ قَبْلَ سَلَامِهِ عَلَيْهِ ﷺ وَالْعَكْسُ وَاسِعٌ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْدَأَ بِالرُّكُوعِ.
ابْنُ رُشْدٍ لِحَدِيثِ: «إذَا دَخَلَ فَلْيَرْكَعْ» .
وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَتَوْسِيعِهِ، مَالِكٌ: لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عِنْدَ الْجُلُوسِ قَبْلَ الرُّكُوعِ (وَإِيقَاعُ نَفْلٍ بِهِ بِمُصَلَّاهُ ﷺ ، وَالْفَرْضُ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مُصَلَّى ﷺ أَحَبُّ مَوْضِعٍ إلَيَّ مِنْ مَسْجِدِهِ لِلنَّفْلِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ الْعَمُودُ الْمُخَلَّقُ، وَالْفَرْضُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ.
وَمِنْ الِاسْتِذْكَارِ مَا نَصُّهُ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ بَكَّرَ وَانْتَظَرَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ مِمَّنْ تَأَخَّرَ، ثُمَّ صَلَّى فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، فَمَا وَرَدَ مِنْ مَعْنَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ إلَّا مِنْ أَجْلِ الْبُكُورِ.
(وَتَحِيَّةُ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافُ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: تَأْخِيرَهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ رُكُوعَهُ عَنْ
стр. 559
طَوَافِهِ.
(وَتَرَاوِيحُ) ابْنُ حَبِيبٍ: قِيَامُ رَمَضَانَ فَضِيلَةٌ.
أَبُو عُمَرَ: سُنَّةٌ وَالْجَمْعُ لَهُ بِالْمَسْجِدِ حَسَنٌ (وَانْفِرَادٌ بِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: قِيَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ فِي رَمَضَانَ أَحَبُّ إلَيَّ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ (إنْ لَمْ تُعَطَّلْ الْمَسَاجِدُ) أَبُو عُمَرَ: إذَا قَامَتْ الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ فِي رَمَضَانَ وَلَوْ بِأَقَلِّ
стр. 560
عَدَدٍ فَالصَّلَاةُ حِينَئِذٍ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ.
(وَالْخَتْمُ فِيهَا) اللَّخْمِيِّ: وَالْخَتْمُ أَحْسَنُ (وَسُورَةٌ تُجْزِئُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ خَتْمُ الْقُرْآنِ سُنَّةً فِي رَمَضَانَ.
قَالَ رَبِيعَةُ: وَلَوْ أَمَّهُمْ رَجُلٌ بِسُورَةٍ حَتَّى يَنْقَضِيَ الشَّهْرُ لَأَجْزَأَ (ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ ثُمَّ جُعِلَتْ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ) نَافِعٌ: أَدْرَكْت النَّاسَ يَقُومُونَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُونَ مِنْهَا بِثَلَاثٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ.
اللَّخْمِيِّ: الَّذِي آخُذُ بِهِ مَا جَمَعَ عَلَيْهِ عُمَرُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
ابْنُ حَبِيبٍ: رَجَعَ عُمَرُ إلَى ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ (وَخَفَّفَ مَسْبُوقُهَا ثَانِيَتَهُ وَلَحِقَ) ابْنُ عَرَفَةَ: رَوَى الْأَكْثَرُ: الْمَسْبُوقُ فِي ثَانِيَتِهِ فَذٌّ مُوَافِقٌ حَرَكَةَ إمَامِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: بَلْ مُؤْتَمٌّ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ: أُولَاهَا.
قَوْلُ سَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقْضِي رَكْعَةً مُخَفِّفًا وَيَدْخُلُ مَعَهُمْ.
(وَقِرَاءَةُ شَفْعٍ بِسَبِّحْ وَالْكَافِرُونَ) رَوَى عَلِيٌّ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ يُسْتَحَبُّ بِهِ الْقِرَاءَةُ فِي الشَّفْعِ دُونَ غَيْرِهِ.
الْبَاجِيُّ: هَذَا لِمَنْ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ عَقِبَ صَلَاةِ الْوِتْرِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الشَّفْعِ بِ " سَبِّحْ " وَ " الْكَافِرُونَ ".
وَفَسَّرَ عِيَاضٌ الْمَذْهَبَ بِهَذَا انْتَهَى.
اُنْظُرْ فِهْرِسْتَ عِيَاضٍ ذَكَرَ سِلْسِلَةَ قِرَاءَةِ الشَّفْعِ بِالْإِخْلَاصِ وَذَكَرَ أَنَّهُ هُوَ الْتَزَمَ ذَلِكَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ مُنْذُ رَوَى ذَلِكَ (وَوِتْرٍ بِإِخْلَاصٍ وَمُعَوِّذَتَيْنِ) فِيهَا لِمَالِكٍ الْوِتْرُ وَاحِدَةٌ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقْرَأُ فِيهَا فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " والْمُعَوِّذتَيْن.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: مَا قِرَاءَةُ الْإِخْلَاصِ أَحَدٌ فِي الْوِتْرِ بِلَازِمٍ.
الْبَاجِيُّ: مَا فِي الْمَجْمُوعَةِ يَنْفِي اللُّزُومَ
стр. 561
وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
(إلَّا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ فَمِنْهُ فِيهِمَا) الْمَازِرِيُّ: وَقَعَ فِي نَفْسِي عَدَمُ تَعْيِينِ قِرَاءَةِ الْوِتْرِ إثْرَ تَهَجُّدِهِ فَأَمَرْت بِهِ إمَامَ تَرَاوِيحِ رَمَضَانَ، ثُمَّ خِفْت انْدِرَاسَ الشَّفْعِ عِنْدَ الْعَوَامّ إنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِقِرَاءَةٍ فَرَجَعْت لِلْمَأْلُوفِ، ثُمَّ بَعْدَ طُولٍ رَأَيْت الْبَاجِيَّ قَدْ أَشَارَ إلَى مَا كُنْت اخْتَرْته انْتَهَى.
اُنْظُرْ تَعَقُّبَ ابْنِ عَرَفَةَ هَذَا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَقْرَأُ الْمُتَهَجِّدُ فِي رَكْعَةِ الْوِتْرِ مِنْ تَمَامِ حِزْبِهِ وَغَيْرِهِ: بِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " فَقَطْ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ قِرَاءَتِهِ بِهَا مَعَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَانْتَهَتْ الْغَفْلَةُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ التَّرَاوِيحَ فَإِذَا انْتَهَوْا لِلْوِتْرِ قَرَءُوا فِيهِ: بِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ.
(وَفِعْلُهُ لِمُنْتَبِهٍ آخِرَ اللَّيْلِ) ابْنُ يُونُسَ: الْأَفْضَلُ عِنْدَ مَالِكٍ تَأْخِيرُ الْوِتْرِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ لِفَضِيلَةِ قِيَامِ اللَّيْلِ إلَّا لِمَنْ يَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْتَبِهَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُوتِرَ، ثُمَّ يَنَامَ لِأَنَّ فِي نَوْمِهِ قَبْلَهُ تَغْرِيرًا بِالْوِتْرِ.
(وَلَمْ يُعِدْهُ مُقَدِّمٌ) عِيَاضٌ: ذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ، وَكَافَّةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى إلَى مَنْعِ نَقْضِ الْوِتْرِ وَأَنَّهُ إذَا بَدَا لَهُ فِي التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْوِتْرِ لَمْ يَنْقُضْهُ وَلَمْ يَشْفَعْهُ، وَصَلَّى مَا بَدَا لَهُ وَلَمْ يُعِدْهُ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُهُ (ثُمَّ صَلَّى وَجَازَ) فِي الْمُخْتَصَرِ مَنْ أَوْتَرَ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَرَادَ التَّنَفُّلَ تَنَفَّلَ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ:
стр. 562
يُؤَخِّرُ قَلِيلًا، وَإِنْ انْصَرَفَ إلَى بَيْتِهِ تَنَفَّلَ مَا أَحَبَّ.
وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْعَ مَنْ أَوْتَرَ مَعَ الْإِمَامِ فِي رَمَضَانَ أَنْ يَصِلَ وِتْرَهُ بِرَكْعَةٍ لِيُوتِرَ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ يُسَلِّمُ مَعَهُ وَيُصَلِّي بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ.
وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: يَتَأَنَّى قَلِيلًا أَعْجَبُ إلَيَّ انْتَهَى.
اُنْظُرْ مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ يُصَلِّي الْأَشْفَاعَ مَعَ الْإِمَامِ فَدَخَلَ مَعَهُ فَإِذَا هُوَ فِي الْوِتْرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يَشْفَعُهُ كَمَا إذَا أَوْتَرَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَتَمَةَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ عَلَى هَذَا فِي لَيَالِي الْإِحْيَاءِ مَنْ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ آخِرَ اللَّيْلِ فَعَلَى هَذَا إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ مِنْ رَكْعَةِ الْوِتْرِ قَامَ هَذَا الَّذِي كَانَ أَوْتَرَ فَشَفَعَ هَذَا الْوِتْرَ الَّذِي صَلَّاهُ مَعَ هَذَا الْإِمَامِ، وَرُبَّمَا تَجِدُ بَعْضَ الْعَوَامّ لَيَالِيَ الْإِحْيَاءِ إذَا نُودِيَ بِالشَّفْعِ وَالْوِتْرِ تَرَكُوا الْقِيَامَ مَعَ الْإِمَامِ لِرَكْعَتَيْ الشَّفْعِ فَضْلًا عَنْ رَكْعَةِ الْوِتْرِ وَهَذَا لَا يَنْبَغِي انْتَهَى.
(وَعَقِبَ شَفْعٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْوِتْرُ وَاحِدَةٌ ثُمَّ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ شَفْعٍ قَبْلَهَا.
الْبَاجِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَلْ يَنُوبُ مَنَابَ الشَّفْعِ كُلُّ نَافِلَةٍ؟ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ صَلَّى الْوِتْرَ دُونَ شَفْعٍ فَقَالَ سَحْنُونَ: إنْ قَرُبَ شَفَعَهَا وَأَوْتَرَ، وَإِنْ بَعُدَ أَجْزَأَهُ لِقَوْلِ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُوتِرَ الْمُسَافِرُ بِرَكْعَةٍ وَقَدْ أَوْتَرَ سَحْنُونَ فِي مَرَضِهِ بِوَاحِدَةٍ.
وَقِيلَ لِمَالِكٍ: مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْعِشَاءِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُوتِرَ.
قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ لَهُ سَعَةٌ فِي أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: " يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ طَالَ مَا بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَاحِدَةِ " صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ بِسَلَامٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا طَالَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ، وَوَجَّهَ هَذَا مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْوِتْرُ ثَلَاثٌ بِغَيْرِ سَلَامٍ.
وَهَذَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَدْ رَكَعَ بَعْدَ الْعِشَاءِ لَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ قَوْلًا وَاحِدًا انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَإِنْ كَانَ تَنَفَّلَ بَعْدَ الْعَتَمَةِ فَلْيُوتِرْ الْآنَ بِوَاحِدَةٍ، وَإِلَّا شَفَعَ الْآنَ بِرَكْعَتَيْنِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ هَذَا مَعَ أَنَّهُ مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ.
(مُنْفَصِلٍ عَنْهُ بِسَلَامٍ إلَّا لِاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بُدَّ مِنْ شَفْعٍ قَبْلَ الْوِتْرِ يُسَلِّمُ مِنْهُ فِي حَضَرٍ، أَوْ سَفَرٍ، وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِسَلَامٍ تَبِعَهُ.
اُنْظُرْ قَوْلَ الْإِمَامِ " لَا بُدَّ مِنْ شَفْعٍ يُسَلِّمُ مِنْهُ " وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِاتِّبَاعِ مَنْ لَا يَفْصِلُ بِسَلَامٍ، وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِالنَّاسِ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ بِإِمَامِهِمْ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِعْلَهُ بَلْ يَتْرُكُ
стр. 563
السَّلَامَ مِنْ الشَّفْعِ مُوَافَقَةً لِلْمَنُوبِ عَنْهُ.
اُنْظُرْ رَسْمَ الصَّلَاةِ الثَّانِيَ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ (وَكُرِهَ وَصْلُهُ) .
الْجَلَّابُ: الْوِتْرُ رَكْعَةٌ بَعْدَ شَفْعٍ مُنْفَصِلٍ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَيُكْرَهُ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي آخِرِهَا، وَانْظُرْ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ مِنْ شَفْعِهِ حَتَّى قَامَ (وَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَعَقِبَ شَفْعٍ ".
(وَقِرَاءَةُ ثَانٍ مِنْ غَيْرِ انْتِهَاءِ الْأَوَّلِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ لِلْقُرَّاءِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُهُمْ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ صَاحِبُهُ وَقَالَ: إنَّمَا يَقْرَأُ هَؤُلَاءِ مَا خَفَّ عَلَيْهِمْ لِيُوَافِقَ ذَلِكَ مَا يُرِيدُونَ، وَلْيَقْرَأْ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ انْتَهَى الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّاسُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ حُكْمَ مَنْ دَخَلَ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الْأَشْفَاعَ وَعَلَيْهِ الْعِشَاءُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَدْخُلُ مَعَهُمْ فِي الْأَشْفَاعِ وَيُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُهَا الْمُعْتَادُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤَخِّرُهَا وَيُصَلِّيهَا وَسَطَ النَّاسِ.
وَقَالَ مَرَّةً بِمُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، وَنَحْوُهُ فِي التَّفْرِيعِ.
وَفِي التَّفْرِيعِ
стр. 564
أَيْضًا: لَا بَأْسَ بِالنَّفْلِ بَيْنَ الْأَشْفَاعِ إنْ جَلَسَ الْإِمَامُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ، وَإِلَّا فَلَا (وَنَظَرٌ بِمُصْحَفٍ فِي فَرْضٍ وَأَثْنَاءَ نَفْلٍ لَا أَوَّلَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَجَازَ مَالِكٌ أَنْ يَؤُمَّ الْإِمَامُ بِالنَّاسِ فِي الْمُصْحَفِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَكَرِهَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: إنْ ابْتَدَأَ النَّافِلَةَ بِغَيْرِ مُصْحَفٍ مَنْشُورٍ فَلَا يَنْبَغِي إذَا شَكَّ فِي حَرْفٍ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ، وَلَكِنْ يُتِمُّ صَلَاتَهُ ثُمَّ يَنْظُرُ (وَجَمْعٌ كَثِيرٌ لِنَفْلٍ أَوْ بِمَكَانٍ مُشْتَهِرٍ، وَإِلَّا فَلَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِصَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي جَمَاعَةٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: فَأَطْلَقَهُ اللَّخْمِيِّ وَقَيَّدَهُ الصَّقَلِّيُّ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ بِرِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ إنْ قَلَّتْ الْجَمَاعَةُ كَالثَّلَاثَةِ وَخَفِيَ مَحَلُّهُمْ انْتَهَى.
اُنْظُرْ ابْنَ زَرْقُونٍ فَإِنَّهُ صَرَّحَ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ حَبِيبٍ مُخَالِفَةٌ لِلْمُدَوَّنَةِ.
(وَكَلَامٌ بَعْدَ الصُّبْحِ لِقُرْبِ الطُّلُوعِ لَا بَعْدَ الْفَجْرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ:
стр. 565
يَجُوزُ الْكَلَامُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُكْرَهُ بَعْدَ الصُّبْحِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ قُرْبِهِ.
(وَضِجْعَةٌ بَيْنَ صُبْحٍ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِالضِّجْعَةِ بَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا فَصْلًا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلَا أُحِبُّهُ.
أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِنَانًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ اسْتِنَانًا.
(وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ آكَدُ) .
ابْنُ يُونُسَ: الْوِتْرُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا يَسَعُ لِأَحَدِ تَرْكُهَا.
следующие страницы →