Полный текст (4 257 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَلَوْ مَسْبُوقًا فَلَا نَقْضَ، بِخِلَافِهَا بَعْدَ كَلَامِهِ عَمْدًا فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْ مَسَائِلِ الِامْتِحَانِ - وَلَوْ نَسِيَ الْبَانِي الْمَسْحَ فَقَهْقَهَ قَبْلَ قِيَامِهِ لِلصَّلَاةِ انْتَقَضَ لَا بَعْدَهُ لِبُطْلَانِهَا بِالْقِيَامِ إلَيْهَا (وَمُبَاشَرَةٌ فَاحِشَةٌ) بِتَمَاسِّ الْفَرْجَيْنِ وَلَوْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ مَعَ الِانْتِشَارِ (لِلْجَانِبَيْنِ) الْمُبَاشِرُ وَالْمُبَاشَرُ، وَلَوْ بِلَا بَلَلٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
ــ
[رد المحتار]
سِرَاجٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَسْبُوقًا) رَدٌّ عَلَى الدُّرَرِ (قَوْلُهُ: فَلَا نَقْضَ) أَيْ لِوُضُوءِ الْمُؤْتَمِّ لِأَنَّ قَهْقَهَتَهُ وَقَعَتْ بَعْدَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ بِقَهْقَهَةِ إمَامِهِ خِلَافًا لَهُمَا فِي الْمَسْبُوقِ حَيْثُ قَالَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَيَقُومُ إلَى قَضَاءِ مَا فَاتَهُ.
وَفِي فَسَادِ صَلَاتِهِ اللَّاحِقِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ سِرَاجٌ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِهَا) أَيْ بِخِلَافِ قَهْقَهَةِ الْمَأْمُومِ بَعْدَ كَلَامِ الْإِمَامِ عَمْدًا. وَكَذَا بَعْدَ سَلَامِهِ عَمْدًا لِأَنَّهُمَا قَاطِعَانِ لِلصَّلَاةِ لَا مُفْسِدَانِ إذْ لَمْ يُفَوِّتَا شَرْطَهَا وَهُوَ الطَّهَارَةُ، فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِمَا شَيْءٌ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ. فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِقَهْقَهَتِهِ. أَمَّا حَدَثُهُ عَمْدًا وَكَذَا قَهْقَهَتُهُ عَمْدًا فَمُفَوِّتَانِ لِلطَّهَارَةِ فَيَفْسُدُ جَزْءٌ يُلَاقِيَانِهِ فَيَفْسُدُ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَكَذَلِكَ فَتَكُونُ قَهْقَهَةُ الْمَأْمُومِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تَنْقُضُ، وَتَمَامُهُ فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) مُقَابِلُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ حَيْثُ صَحَّحَ عَدَمَ فَسَادِ الطَّهَارَةِ بِقَهْقَهَةِ الْمَأْمُومِ بَعْدَ كَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ سَلَامِهِ، عَمْدًا. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَوْ قَهْقَهَ بَعْدَ كَلَامِ الْإِمَامِ عَمْدًا فَسَدَتْ كَسَلَامِهِ عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ. اهـ. أَقُولُ: وَمَا فِي الْفَتْحِ صَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: الِامْتِحَانِ) أَيْ اخْتِبَارِ ذِهْنِ الطَّالِبِ (قَوْلُهُ: الْمَسْحَ) أَيْ مَسْحَ الْخُفِّ أَوْ الرَّأْسِ أَوْ الْجَبِيرَةِ.
قَالَ ط: وَكَذَا لَوْ نَسِيَ غَسْلَ بَعْضِ أَعْضَائِهِ إذْ الْمَسْحُ لَيْسَ قَيْدًا عَلَى مَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: قَبْلَ قِيَامِهِ لِلصَّلَاةِ) أَيْ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهَا كَأَنْ قَهْقَهَ حَالَ رُجُوعِهِ (قَوْلُهُ: انْتَقَضَ) فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ حُكْمًا، وَهَذَا عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ انْتِقَاضِ طَهَارَةِ الْبَانِي لَوْ قَهْقَهَ فِي الطَّرِيقِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ: لَا بَعْدَهُ) أَيْ لَا يَنْتَقِضُ لَوْ قَهْقَهَ بَعْدَ قِيَامِهِ لَهَا أَيْ شُرُوعِهِ فِيهَا لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِيهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَتَكُونُ قَهْقَهَتُهُ بَعْدُ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَلَا تَنْقُضُ.
وَوَجْهُ الِامْتِحَانِ فِيهَا أَنَّهُ يُقَالُ: أَيُّ قَهْقَهَةٍ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ حَقِيقَةً لَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَمُبَاشَرَةٌ) مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْبَشَرَةِ وَهِيَ ظَاهِرُ الْجِلْدِ (قَوْلُهُ: فَاحِشَةٌ) الْمُرَادُ بِالْفُحْشِ الظُّهُورُ لَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ، إذْ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ، أَوْ الْمَعْنَى فَاحِشَةٌ أَنْ لَوْ كَانَتْ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَغْلَبِ صُوَرِهَا لِأَنَّهَا تَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ وَالرَّجُلِ وَالْغُلَامِ ثُمَّ هِيَ مِنْ النَّاقِضِ الْحُكْمِيِّ ط (قَوْلُهُ: بِتَمَاسِّ الْفَرْجَيْنِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ مِنْ جِهَةِ الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
ثُمَّ الْمَنْقُولُ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ. وَفِي الْيَنَابِيعِ: رَوَى الْحَسَنُ اشْتِرَاطَ التَّمَاسِّ وَهُوَ أَظْهَرُ وَصَحَّحَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَفِي الزَّيْلَعِيِّ أَنَّهُ الظَّاهِرُ اهـ أَيْ مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ لَا الرِّوَايَةِ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ تَمَاسُّ الْفَرْجَيْنِ مِنْ شَخْصَيْنِ مُشْتَهِيَيْنِ، بِدَلِيلِ مَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي الْغُسْلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِوَطْءِ صَغِيرَةٍ غَيْرِ مُشْتَهَاةٍ وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ إلَخْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مَعَ الِانْتِشَارِ) هَذَا فِي حَقِّ نَقْضِ وُضُوئِهِ لَا وُضُوئِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي نَقْضِهِ انْتِشَارُ آلَةِ الرَّجُلِ قُنْيَةٌ. وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ زَادَ الْكَمَالُ فِي تَفْسِيرِهَا الْمُعَانَقَةَ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْبُرْهَانِ
فَقَالَ وَهِيَ أَنْ يَتَجَرَّدَا مَعًا مُتَعَانِقَيْنِ مُتَمَاسَّيْ الْفَرْجَيْنِ (قَوْلُهُ: لِلْجَانِبَيْنِ) فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَرْأَةِ، وَمَا فِي الْحِلْيَةِ حَيْثُ قَالَ: إنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إلَّا فِي الْمُنْيَةِ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُعْتَمَدِ) وَهُوَ قَوْلُهُ: مَا لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ خُرُوجِ مَذْيٍ غَالِبًا، وَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ فِي مَقَامِ وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ إقَامَةً لِلسَّبَبِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْأَمْرِ الْبَاطِنِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَنْقُضُ مَا لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ، وَصَحَّحَهُ فِي الْحَقَائِقِ وَرَدَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ بِمَا نَقَلَهُ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ التُّحْفَةِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُ: مَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُتُونِ.
قُلْت: لَكِنْ فِي الْحِلْيَةِ قَالَ بَعْدَمَا نَقَلَ تَصْحِيحَ قَوْلِهِمَا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْأَظْهَرُ وَجْهُ مُحَمَّدٍ، فَقَوْلُهُ: أَوْجَهُ مَا لَمْ
стр. 142
(لَا) يَنْقُضُهُ (مَسُّ ذَكَرٍ) لَكِنْ يَغْسِلَ يَدَهُ نَدْبًا (وَامْرَأَةٍ) وَأَمْرَدَ، لَكِنْ يُنْدَبُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ لَا سِيَّمَا لِلْإِمَامِ، لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ لُزُومِ ارْتِكَابِ مَكْرُوهِ، مَذْهَبِهِ
(كَمَا) لَا يَنْقُضُ (لَوْ خَرَجَ مِنْ أُذُنِهِ) وَنَحْوِهَا كَعَيْنِهِ وَثَدْيِهِ (قَيْحٌ) وَنَحْوُهُ كَصَدِيدٍ وَمَاءِ سُرَّةٍ وَعَيْنٍ (لَا بِوَجَعٍ) وَإِنْ خَرَجَ (بِهِ) أَيْ بِوَجَعٍ (نَقَضَ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْجُرْحِ، فَدَمْعُ مَنْ بِعَيْنِهِ
ــ
[رد المحتار]
يَثْبُتْ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ يُفِيدُ مَا قَالَاهُ اهـ: وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ شَرْحِ الْبُرْجَنْدِيِّ: وَأَكْثَرُ الْكُتُبِ مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُفْتَى بِهِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَعَدَمُ ذِكْرِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لَهَا فِي النَّوَاقِضِ يُشْعِرُ بِاخْتِيَارِهِ اهـ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَغْسِلُ يَدَهُ نَدْبًا) لِحَدِيثِ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» أَيْ لِيَغْسِلْ يَدَهُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ «هَلْ هُوَ إلَّا بِضْعَةٌ مِنْك، حِينَ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ» وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّلَاةِ، أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كُنْت آخِذًا عَلَى أَبِي الْمُصْحَفَ فَاحْتَكَكْت فَأَصَبْت فَرْجِي فَقَالَ: أَصَبْتَ فَرْجَكَ؟ فَقُلْت: نَعَمْ، فَقَالَ: قُمْ فَاغْسِلْ يَدَك وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِيرُ الْوُضُوءِ بِمِثْلِهِ فِي الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ.
أَقُولُ: وَمُفَادُهُ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْيَدِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مُفَادُ إطْلَاقِ الْمَبْسُوطِ خِلَافًا لِمَا اسْتَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ عِبَارَةِ الْبَدَائِعِ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا إذَا كَانَ مُسْتَنْجِيًا بِالْحَجَرِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي النَّهْرِ. مَطْلَبٌ فِي نَدْبِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَرْتَكِبْ مَكْرُوهَ مَذْهَبِهِ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يُنْدَبُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: إلَّا أَنَّ مَرَاتِبَ النَّدْبِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ قُوَّةِ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ وَضَعْفِهِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ بِشَرْطِ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ الْكَلَامِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ يُرَاعِي مَذْهَبَ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِلَّا فَالْمُرَاعَاةُ فِي الْمَذْكُورِ هُنَا لَيْسَ فِيهَا ارْتِكَابُ مَكْرُوهِ مَذْهَبِهِ. اهـ. ح. بَقِيَ هَلْ الْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا مَا يَعُمُّ التَّنْزِيهِيَّةَ؟ تَوَقَّفَ فِيهِ ط. وَالظَّاهِرُ نَعَمْ، كَالتَّغْلِيسِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَإِنَّهُ السُّنَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَعَ أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَنَا الْإِسْفَارُ فَلَا يُنْدَبُ وَمُرَاعَاةُ الْخِلَافِ فِيهِ، وَكَصَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ فَإِنَّهُ الْأَفْضَلُ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَرَامٌ، وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ: يُنْدَبُ عَدَمُ صَوْمِهِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَكَالِاعْتِمَادِ وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا تَرْكُهُمَا. وَلَوْ فَعَلَهُمَا لَا بَأْسَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ.
، فَيُكْرَهُ فِعْلُهُمَا تَنْزِيهًا مَعَ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَصَدِيدٍ) فِي الْمُغْرِبِ: صَدِيدُ الْجُرْحِ مَاؤُهُ الرَّقِيقُ الْمُخْتَلِطُ بِالدَّمِ (قَوْلُهُ: وَعَيْنٍ) أَيْ وَمَاءِ عَيْنٍ: وَهُوَ الدَّمْعُ وَقْتَ الرَّمَدِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَغَيْرِهِ بَدَلُ وَعَيْنٍ: أَيْ غَيْرِ مَاءِ السُّرَّةِ كَمَاءِ نَفِطَةٍ وَجُرْحٍ (قَوْلُهُ: لَا بِوَجَعٍ) تَقْيِيدٌ لِعَدَمِ النَّقْضِ بِخُرُوجِ ذَلِكَ، وَعَدَمِ النَّقْضِ هُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الدُّرَرُ وَالْجَوْهَرَةُ وَالزَّيْلَعِيُّ مَعْزِيًّا لِلْحَلْوَانِيِّ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الظَّاهِرُ إذَا كَانَ الْخَارِجُ قَيْحًا أَوْ صَدِيدًا لَنَقَضَ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَ وَجَعٍ أَوْ بِدُونِهِ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْرُجَانِ إلَّا عَنْ عِلَّةٍ، نَعَمْ هَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ مَاءً لَيْسَ غَيْرُ. اهـ. وَأَقَرَّهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، وَأَيَّدَهُ بِعِبَارَةِ الْفَتْحِ الْجُرْحُ وَالنَّفِطَةُ وَمَاءُ الثَّدْيِ وَالسُّرَّةِ وَالْأُذُنِ إذَا كَانَ لِعِلَّةٍ سَوَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ فَالضَّمِيرُ فِي كَانَ لِلْمَاءِ فَقَطْ فَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِكَلَامِ الْبَحْرِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْوَجَعَ غَيْرُ قَيْدٍ بَلْ وُجُودُ الْعِلَّةِ كَافٍ، وَمَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحِلْيَةِ، وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَيْحُ الْخَارِجُ مِنْ الْأُذُنِ عَنْ جُرْحٍ بَرِئَ، وَعَلَامَتُهُ عَدَمُ التَّأَلُّمِ
стр. 143
رَمَدٌ أَوْ عَمَشٌ نَاقِضٌ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ صَارَ ذَا عُذْرٍ مُجْتَبَى، وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ.
(كَمَا) يَنْقُضُ (لَوْ حَشَا إحْلِيلَهُ بِقُطْنَةٍ وَابْتَلَّ الطَّرْفُ الظَّاهِرُ) هَذَا لَوْ الْقُطْنَةُ عَالِيَةٌ أَوْ مُحَاذِيَةٌ لِرَأْسِ الْإِحْلِيلِ
ــ
[رد المحتار]
فَالْحَصْرُ مَمْنُوعٌ اهـ: أَيْ الْحَصْرُ بِقَوْلِهِ لَا يَخْرُجَانِ إلَّا عَنْ عِلَّةٍ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْخُرُوجَ دَلِيلُ الْعِلَّةِ وَلَوْ بِلَا أَلَمٍ، وَإِنَّمَا الْأَلَمُ شَرْطٌ لِلْمَاءِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُ الْمَاءِ الْخَارِجِ مِنْ الْأُذُنِ أَوْ الْعَيْنِ أَوْ نَحْوِهَا دَمًا مُتَغَيِّرًا إلَّا بِالْعِلَّةِ وَالْأَلَمُ دَلِيلُهَا بِخِلَافِ نَحْوِ الدَّمِ وَالْقَيْحِ.
وَلِذَا أَطْلَقُوا فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كَالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا سِوَى التَّجَاوُزِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ فِي الْمُتُونِ وَلَا فِي الشُّرُوحِ بِالْأَلَمِ وَلَا بِالْعِلَّةِ، فَالتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ فِي الْخَارِجِ مِنْ الْأُذُنِ مُشْكِلٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِإِطْلَاقِهِمْ (قَوْلُهُ: وَعَمْشٌ) هُوَ ضَعْفٌ لِرُؤْيَةٍ مَعَ سَيْلَانِ الدَّمِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ دُرَرٌ وَقَامُوسٌ (قَوْلُهُ: نَاقِضٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُنْيَةِ: وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدٌ وَتَسِيلُ الدُّمُوعُ مِنْهَا آمُرُهُ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مَا يَسِيلُ مِنْهَا صَدِيدًا فَيَكُونُ صَاحِبَ الْعُذْرِ. اهـ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، فَإِنَّ الشَّكَّ وَالِاحْتِمَالَ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالنَّقْضِ، إذْ الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ نَعَمْ إذَا عَلِمَ بِإِخْبَارِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ بِعَلَامَاتٍ تَغْلِبُ ظَنَّ الْمُبْتَلَى، يَجِبُ. اهـ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الزَّاهِدِيِّ عَقِبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَعَنْ هِشَامٍ فِي جَامِعِهِ إنْ كَانَ قَيْحًا فَكَالْمُسْتَحَاضَةِ وَإِلَّا فَكَالصَّحِيحِ. اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ مِنْ الْعَيْنِ مُتَغَيِّرًا اهـ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى لَا يُمْكِنُ حَمْلُ مَا مَرَّ عَلَيْهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ صَدِيدًا، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَغَيِّرًا يَكُونُ صَدِيدًا أَوْ قَيْحًا فَلَا يُنَاسِبُهُ التَّعْلِيلُ بِالْخَوْفِ، وَقَدْ اسْتَدْرَكَ فِي الْبَحْرِ عَلَى مَا فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ لَكِنْ صَرَّحَ فِي السِّرَاجِ بِأَنَّهُ صَاحِبُ عُذْرٍ فَكَانَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ اهـ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الْمُجْتَبَى يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ (قَوْله الْمُجْتَبِي) عِبَارَتُهُ: الدَّمُ وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ وَمَاءُ الْجُرْحِ وَالنَّفِطَةُ وَمَاءُ الْبَثْرَةِ وَالثَّدْيِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ لِعِلَّةٍ سَوَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَوْلُهُمْ: الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ لِعِلَّةٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ رَمِدَتْ عَيْنُهُ فَسَالَ مِنْهَا مَاءٌ بِسَبَبِ الرَّمَدِ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ النَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْخُرُوجِ لِعِلَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَجَعٌ، تَأَمَّلْ. وَفِي الْخَانِيَّةِ الْغَرْبُ فِي الْعَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ فِيمَا يَسِيلُ مِنْهُ فَهُوَ نَجَسٌ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَالْغَرْبُ عِرْقٌ فِي مَجْرَى الدَّمْعِ يَسْقِي فَلَا يَنْقَطِعُ مِثْلُ الْبَاسُورِ. وَعَنْ الْأَصْمَعِيِّ: بِعَيْنِهِ غَرْبٌ إذَا كَانَتْ تَسِيلُ وَلَا تَنْقَطِعُ دُمُوعُهَا. وَالْغَرَبُ بِالتَّحْرِيكِ: وَرَمٌ فِي الْمَآقِي، وَعَلَى ذَلِكَ صَحَّ التَّحْرِيكُ وَالتَّسْكِينُ فِي الْغَرْبِ. اهـ.
أَقُولُ: وَقَدْ سُئِلْت عَمَّنْ رَمِدَ وَسَالَ دَمْعُهُ ثُمَّ اسْتَمَرَّ سَائِلًا بَعْدَ زَوَالِ الرَّمَدِ وَصَارَ يَخْرُجُ بِلَا وَجَعٍ، فَأَجَبْت بِالنَّقْضِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ لِأَنَّ عُرُوضَهُ مَعَ الرَّمَدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لِعِلَّةٍ وَإِنْ كَانَ الْآنَ بِلَا رَمَدٍ وَلَا وَجَعٍ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الشَّارِحِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: إحْلِيلَهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَجْرَى الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: هَذَا) أَيْ النَّقْضُ بِمَا ذُكِرَ، وَمُرَادُهُ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ الطَّرَفِ الظَّاهِرِ بِأَنَّهُ مَا كَانَ عَالِيًا عَنْ رَأْسِ الْإِحْلِيلِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ: أَيْ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ رَأْسِهِ زَائِدًا عَلَيْهِ أَوْ مُحَاذِيًا لِرَأْسِهِ لِتَحَقُّقِ خُرُوجِ النَّجَسِ بِابْتِلَالِهِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا ابْتَلَّ الطَّرَفُ وَكَانَ مُتَسَفِّلًا عَنْ رَأْسِ الْإِحْلِيلِ أَيْ غَائِبًا فِيهِ لَمْ يُحَاذِهِ وَلَمْ يَعُلْ فَوْقَهُ، فَإِنَّ ابْتِلَالَهُ غَيْرُ نَاقِضٍ إذَا لَمْ يُوجَدْ خُرُوجٌ فَهُوَ كَابْتِلَالِ الطَّرَفِ الْآخَرِ.
стр. 144
وَإِنْ مُتَسَفِّلَةً عَنْهُ لَا يُنْقَضُ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الدُّبُرِ وَالْفَرْجِ الدَّاخِلِ (وَإِنْ ابْتَلَّ) الطَّرْفُ (الدَّاخِلُ لَا) يَنْقُضُ وَلَوْ سَقَطَتْ؛ فَإِنْ رَطَّبَهُ انْتَقَضَ، وَإِلَّا لَا؛ وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي دُبُرِهِ وَلَمْ يُغَيِّبْهَا، فَإِنْ غَيَّبَهَا أَوْ أَدْخَلَهَا عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ بَطَلَ وُضُوءُهُ وَصَوْمُهُ.
ــ
[رد المحتار]
الَّذِي فِي دَاخِلِ الْقَصَبَةِ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْجِ الدَّاخِلِ) أَمَّا لَوْ احْتَشَتْ فِي الْفَرَجِ الْخَارِجِ فَابْتَلَّ دَاخِلُ الْحَشْوِ انْتَقَضَ، سَوَاءٌ نَفَذَ الْبَلَلُ إلَى خَارِجِ الْحَشْوِ أَوْ لَا لِلتَّيَقُّنِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الِانْتِقَاضِ لِأَنَّ الْفَرْجَ الْخَارِجَ بِمَنْزِلَةِ الْقُلْفَةِ، فَكَمَا يَنْتَقِضُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ قَصَبَةِ الذَّكَرِ إلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا كَذَلِكَ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ إلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْخَارِجِ اهـ شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: لَا يَنْقُضُ) لِعَدَمِ الْخُرُوجِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَقَطَتْ إلَخْ) أَيْ لَوْ خَرَجَتْ الْقُطْنَةُ مِنْ الْإِحْلِيلِ رَطْبَةً انْتَقَضَ لِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ قُلْت، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَطْبَةً أَيْ لَيْسَ بِهَا أَثَرٌ لِلنَّجَاسَةِ أَصْلًا فَلَا نَقْضَ.
كَمَا لَوْ أَقْطَرَ الدُّهْنَ فِي إحْلِيلِهِ فَعَادَ، بِخِلَافِ مَا يَغِيبُ فِي الدُّبُرِ فَإِنَّ خُرُوجَهُ يَنْقُضُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ رُطُوبَةٌ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِمَا فِي الْأَمْعَاءِ وَهِيَ مَحَلُّ الْقَذَرِ بِخِلَافِ قَصَبَةِ الذَّكَرِ؛ وَكَذَا لَوْ خَرَجَ الدُّهْنُ مِنْ الدُّبُرِ بَعْدَمَا احْتَقَنَ بِهِ يَنْقُضُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. قُلْت: لَكِنَّ فَسَادَ الصَّوْمِ بِالِاحْتِقَانِ بِالدُّهْنِ لَا بِخُرُوجِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُهُ خِلَافَهُ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُغَيِّبْهَا) لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الْبِلَّةُ أَوْ الرَّائِحَةُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ اهـ حِلْيَةٌ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ، فَإِذَا وُجِدَتْ الْبِلَّةُ أَوْ الرَّائِحَةُ يُنْقَضُ. وَفِي الْمُنْيَةِ: وَإِنْ أَدْخَلَ الْمِحْقَنَةَ ثُمَّ أَخْرَجَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا بِلَّةٌ لَمْ يُنْقَضْ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَتَوَضَّأَ اهـ.
وَفِي شَرْحِهَا: وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ يُدْخِلُهُ وَطَرَفُهُ خَارِجُ غَيْرِ الذَّكَرِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ غَيَّبَهَا) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَكُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَهُ ثُمَّ خَرَجَ يَنْقُضُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بِلَّةٌ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِمَا فِي الْبَطْنِ وَلِذَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ طَرَفُهُ خَارِجًا. اهـ.
وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْيَنَابِيعِ: وَكُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَهُ فِي دُبُرِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ أَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالصَّوْمَ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلَ بَعْضَهُ وَطَرَفُهُ خَارِجٌ لَا يَنْقُضُهُمَا انْتَهَى.
أَقُولُ: عَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْأُصْبُعُ كَالْمِحْقَنَةِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْبِلَّةُ لِأَنَّ طَرَفَهَا يَبْقَى خَارِجًا لِاتِّصَالِهَا بِالْيَدِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَتْ عُضْوًا مُسْتَقِلًّا فَإِذَا غَابَتْ اُعْتُبِرَتْ كَالْمُنْفَصِلِ، لَكِنَّ مَا سَيَأْتِي فِي الصَّوْمِ مُطْلَقٌ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي مَقْعَدَتِهِ وَغَابَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا لَوْ مُبْتَلَّةً فَسَدَ، وَإِلَّا فَلَا، تَأَمَّلْ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَارَ الدَّاخِلِ فِي الْجَوْفِ شَرْطُ فَسَادِ الصَّوْمِ (قَوْلُهُ: بَطَلَ وُضُوءُهُ وَصَوْمُهُ) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، لَكِنَّ بُطْلَانَ الصَّوْمِ فِي الْأُولَى خِلَافُ الْمُخْتَارِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجَرَّدِ إدْخَالِ الْأُصْبُعِ وَتَغَيُّبِهَا وَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ، فَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ فِي الصَّوْمِ مُطْلَقٌ كَمَا عَلِمْت، وَلِهَذَا قَالَ ط: إنَّ فِي كَلَامِهِ لَفًّا وَنَشْرًا مُرَتَّبًا، فَبُطْلَانُ الْوُضُوءِ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ وَلَوْ غَيَّبَهَا، وَقَوْلُهُ: وَصَوْمُهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ أَوْ أَدْخَلَهَا عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ.
قُلْت: لَكِنْ لَوْ أَدْخَلَهَا عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ أَيْضًا لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ الْبِلَّةِ إذَا خَرَجَتْ كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْوَاقِعَاتِ وَكَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، لَكِنْ نَقَلَ فِيهَا أَيْضًا عَنْ الذَّخِيرَةِ عَدَمَ النَّقْضِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ هُوَ النَّقْضُ لِخُرُوجِ الْبِلَّةِ مَعَهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّوْمَ يَبْطُلُ بِالدُّخُولِ، وَالْوُضُوءَ بِالْخُرُوجِ، فَإِذَا أَدْخَلَ عُودًا جَافًّا وَلَمْ يُغَيِّبْهُ لَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَمِثْلُهُ الْأُصْبُعُ، وَإِنْ غَيَّبَ الْعُودَ فَسَدَ لِتَحَقُّقِ الدُّخُولِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ هُوَ أَوْ الْأُصْبُعُ مُبْتَلًّا لِاسْتِقْرَارِ الْبِلَّةِ فِي الْجَوْفِ، وَإِذَا أَخْرَجَ الْعُودَ بَعْدَمَا غَابَ فَسَدَ وُضُوءُهُ مُطْلَقًا؛ وَإِنْ لَمْ يَغِبْ، فَإِنَّ عَلَيْهِ
стр. 145
فُرُوعٌ]
يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْتَشِيَ إنْ رَابَهُ الشَّيْطَانُ، وَيَجِبُ إنْ كَانَ لَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِهِ قَدْرُ مَا يُصَلِّي.
بَاسُورِيٌّ خَرَجَ دُبُرُهُ، إنْ أَدْخَلَهُ بِيَدِهِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ دَخَلَ بِنَفْسِهِ لَا؛ وَكَذَا لَوْ خَرَجَ بَعْضُ الدُّودَةِ فَدَخَلَتْ. مَنْ لِذَكَرِهِ رَأْسَانِ فَاَلَّذِي لَا يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْلُ الْمُعْتَادُ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ.
الْخُنْثَى غَيْرُ الْمُشْكِلِ فَرْجُهُ الْآخَرُ كَالْجُرْحِ، وَالْمُشْكِلُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِكُلٍّ.
مُنْكِرُ الْوُضُوءِ هَلْ يَكْفُرُ إنْ أَنْكَرَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ؟ نَعَمْ، وَلِغَيْرِهَا لَا.
شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ أَعَادَ مَا شَكَّ فِي تَعْيِينِهِ، غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى لِأَنَّهُ آخِرُ الْعَمَلِ.
وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْ عُضْوًا وَشَكَّ فِي تَعْيِينِهِ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْعَمَلِ. وَلَوْ أَيْقَنَ بِالطَّهَارَةِ وَشَكَّ بِالْحَدَثِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَخَذَ بِالْيَقِينِ، وَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَشَكَّ فِي السَّابِقِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ وَمِثْلُهُ الْمُتَيَمِّمُ. -
ــ
[رد المحتار]
بِلَّةً أَوْ فِيهِ رَائِحَةً فَسَدَ الْوُضُوءُ، وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: بِيَدِهِ) أَوْ بِخِرْقَةٍ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: انْتَقَضَ) لِأَنَّهُ يَلْتَزِقُ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ بَحْرٌ: أَيْ فَيَتَحَقَّقُ خُرُوجُهَا (قَوْلُهُ: لَا) أَيْ لَا يَنْتَقِضُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْخُرُوجِ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْدَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّهُ إنْ تَيَقَّنَ خُرُوجَ الدُّبُرِ تَنْتَقِضْ طَهَارَتُهُ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ. اهـ.
وَبِهِ جَزَمَ فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا) أَيْ فِي عَدَمِ النَّقْضِ. وَهَذَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّوْشِيحِ تَخْرِيجًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْبَاسُورِيِّ (قَوْله: فَدَخَلَتْ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِيَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي طَرَفَيْ الْإِدْخَالِ وَالدُّخُولِ ط (قَوْلُهُ: مَنْ لِذَكَرِهِ إلَخْ) فِيهِ إيجَازٌ، وَأَصْلُ الْعِبَارَةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ كَانَ بِذَكَرِ الرَّجُلِ جُرْحٌ لَهُ رَأْسَانِ: أَحَدُهُمَا يَخْرُجُ مِنْهُ الَّذِي يَسِيلُ فِي مَجْرَى الْبَوْلِ، وَالثَّانِي مَا لَا يَسِيلُ فِيهِ؛ فَالْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْلِيلِ إذَا ظَهَرَ الْبَوْلُ عَلَى رَأْسِهِ يَنْقُضُ وَإِنْ لَمْ يَسِلْ، وَلَا وُضُوءَ فِي الثَّانِي مَا لَمْ يَسِلْ.
(قَوْلُهُ: فَرْجُهُ الْآخَرُ) أَيْ الْمَحْكُومُ بِزِيَادَتِهِ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ (قَوْلُهُ: كَالْجُرْحِ) أَيْ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مَا لَمْ يَسِلْ خَانِيَّةٌ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى إيجَابِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: إلَّا أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ هُوَ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: بِكُلٍّ) أَيْ بِالْخَارِجِ مِنْ كُلٍّ بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ عَمَلًا بِالْأَحْوَطِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ ط.
(قَوْلُهُ: مُنْكِرُ الْوُضُوءِ) أَوْ وُجُوبِهِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ) لِإِنْكَارِهِ النَّصَّ الْقَطْعِيَّ وَهُوَ آيَةُ ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَالْإِجْمَاعَ (قَوْلُهُ: وَلِغَيْرِهَا لَا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمَسَ الْمُصْحَفَ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي تَفْسِيرِ آيَتِهِ كَمَا مَرَّ ط.
(قَوْلُهُ: شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ) أَيْ شَكَّ فِي تَرْكِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي خِلَالِهِ بَلْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ الشَّكُّ أَوْ كَانَ الشَّكُّ عَادَةً لَهُ؛ وَإِنْ كَانَ فِي خِلَالِهِ فَلَا يُعِيدُ شَيْئًا قَطْعًا لِلْوَسْوَسَةِ مِنْهُ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ. وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ يَغْسِلُ الْأَخِيرَ؛ كَمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ عَيْنًا وَعَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا مِمَّا قَبْلَهُمَا وَشَكَّ فِي أَنَّهُ مَا هُوَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّهُ لَا تَيَقُّنَ بِتَرْكِ شَيْءٍ هُنَاكَ أَصْلًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَيْقَنَ بِالطَّهَارَةِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ سَبْقَ الطَّهَارَةِ وَشَكَّ فِي عُرُوضِ الْحَدَثِ بَعْدَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ أَخَذَ بِالْيَقِينِ وَهُوَ السَّابِقُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ إلَّا إنْ تَأَيَّدَ اللَّاحِقُ؛ فَعَنْ مُحَمَّدٍ عَلِمَ الْمُتَوَضِّئُ دُخُولَ الْخَلَاءِ لِلْحَاجَةِ وَشَكَّ فِي قَضَائِهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، أَوْ عَلِمَ جُلُوسَهُ لِلْوُضُوءِ بِإِنَاءٍ وَشَكَّ فِي إقَامَتِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ لَا وُضُوءَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَشَكَّ بِالْحَدَثِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْحُكْمِيِّ لِيَشْمَلَ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ نَامَ وَهَلْ نَامَ مُتَمَكِّنًا أَوْ لَا؟ أَوْ زَالَتْ إحْدَى أَلْيَتَيْهِ وَشَكَّ هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْيَقِظَةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ . اهـ. حَمَوِيٌّ (قَوْلُهُ: فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ) لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الطَّهَارَةَ بَعْدَ الْحَدَثِ ط، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ [عَنْ فَتْحِ الْمُدَبَّرِ] لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدٍ السَّمْدِيسِيِّ: مَنْ تَيَقَّنَ بِالطَّهَارَةِ وَالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي السَّابِقِ يُؤْمَرُ بِالتَّذَكُّرِ فِيمَا قَبْلَهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا
стр. 146
وَلَوْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ لَمْ يُعْتَبَرْ، وَتَمَامُهُ فِي الْأَشْبَاهِ.
(وَ فَرْضُ الْغُسْلِ) أَرَادَ بِهِ مَا يَعُمُّ الْعَمَلِيَّ كَمَا مَرَّ، وَبِالْغُسْلِ الْمَفْرُوضِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ شَرْطِيَّةِ غَسْلِ فَمِهِ وَأَنْفِهِ فِي الْمَسْنُونِ كَذَا الْبَحْرُ، يَعْنِي عَدَمَ فَرْضِيَّتِهَا فِيهِ وَإِلَّا فَهُمَا شَرْطَانِ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ (غَسْلُ) كُلِّ (فَمِهِ) وَيَكْفِي الشُّرْبُ عَبًّا؛
ــ
[رد المحتار]
فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَدَثِ وَشَكَّ فِي انْتِقَاضِهَا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ الْحَدَثُ الثَّانِي قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا؛ فَإِنْ كَانَ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ حَدَثًا بَعْدَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ وَشَكَّ فِي زَوَالِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ الطَّهَارَةُ الثَّانِيَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ أَمْ لَا؟ بِأَنْ يَكُونَ وَالَى بَيْنَ الطَّهَارَتَيْنِ. اهـ.
قَالَ الْحَمَوِيُّ: وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي صَاحِبَ الْأَشْبَاهِ مِنْ الْقُصُورِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ شَكَّ إلَخْ) فِي التَّتَارْخَانِيَّة: مَنْ شَكَّ فِي إنَائِهِ أَوْ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنٍ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَوْ لَا فَهُوَ طَاهِرٌ مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْ، وَكَذَا الْآبَارُ وَالْحِيَاضُ وَالْجِبَابُ الْمَوْضُوعَةُ فِي الطُّرُقَاتِ وَيَسْتَقِي مِنْهَا الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَالْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ؛ وَكَذَا مَا يَتَّخِذُهُ أَهْلُ الشِّرْكِ أَوْ الْجَهَلَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَالسَّمْنِ وَالْخُبْزِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالثِّيَابِ اهـ مُلَخَّصًا. [فَرْعٌ]
لَوْ شَكَّ فِي السَّائِلِ مِنْ ذَكَرِهِ أَمَاءٌ هُوَ أَمْ بَوْلٌ. إنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْمَاءِ أَوْ تَكَرَّرَ مَضَى وَإِلَّا أَعَادَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ أَحَدُهُمَا فَتْحٌ.
[فَرْضُ الْغُسْلِ]
مَطْلَبٌ فِي أَبْحَاثِ الْغُسْلِ.
(قَوْلُهُ: وَفَرْضُ الْغُسْلِ) الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ أَوْ لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ أَرْكَانُ الْوُضُوءِ وَالْفَرْضُ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ. وَالْغُسْلُ بِالضَّمِّ اسْمٌ مِنْ الِاغْتِسَالِ، وَهُوَ تَمَامُ غَسْلِ الْجَسَدِ، وَاسْمٌ لِمَا يُغْتَسَلُ بِهِ أَيْضًا، وَمِنْهُ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ " فَوَضَعَتْ لَهُ غُسْلًا " مُغْرِبٌ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ بِالْفَتْحِ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ لُغَةً، وَالضَّمُّ هُوَ الَّذِي تَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: مَا يَعُمُّ الْعَمَلِيَّ) أَيْ لِيَشْمَلَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فَإِنَّهُمَا لَيْسَا قَطْعِيَّيْنِ، لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِسُنِّيَّتِهِمَا. اهـ. ح.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي الْوُضُوءِ، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ بَيَانَهُ.
(قَوْلُهُ: وَبِالْغُسْلِ الْمَفْرُوضِ) أَيْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ سِرَاجٌ فَأَلْ لِلْعَهْدِ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي إلَخْ) مَأْخُوذٌ مِنْ الْمِنَحِ. قَالَ ط: وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ أَنَّ صِحَّةَ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمَا، وَأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَرْكُهُمَا. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا إذَا تُرِكَا لَا يَكُونُ آتِيًا بِالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَتَى بِسُنَّةٍ وَتَرَكَ سُنَّةً، كَمَا إذَا تَمَضْمَضَ وَتَرَكَ الِاسْتِنْشَاقَ. اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ أَنَّ الْغُسْلَ فِي الِاصْطِلَاحِ غَسْلُ الْبَدَنِ، وَاسْمُ الْبَدَنِ يَقَعُ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إلَّا مَا يَتَعَذَّرُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ أَوْ يَتَعَسَّرُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، فَصَارَ كُلٌّ مِنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ جُزْءًا مِنْ مَفْهُومِهِ فَلَا تُوجَدُ حَقِيقَةُ الْغُسْلِ الشَّرْعِيَّةِ بِدُونِهِمَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي الْبَدَائِعِ ذَكَرَ رُكْنَ الْغُسْلِ وَهُوَ إسَالَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ مَا يُمْكِنُ إسَالَتُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ، ثُمَّ قَسَّمَ صِفَةَ الْغُسْلِ إلَى فَرْضٍ وَسُنَّةٍ وَمُسْتَحَبٍّ، فَلَوْ كَانَتْ حَقِيقَةُ الْغُسْلِ الْفَرْضَ تُخَالِفُ غَيْرَهُ لَمَا صَحَّ تَقْسِيمُ الْغُسْلِ الَّذِي رُكْنُهُ مَا ذُكِرَ إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ الْمُرَادِ بِعَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ هُنَا عَدَمَ الْإِثْمِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّارِحِ لَا عَدَمَ تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَيْهِمَا، لَكِنْ فِي تَعْبِيرِهِ بِالشَّرْطِيَّةِ نَظَرًا لِمَا عَلِمْت مِنْ رُكْنِيَّتِهِمَا فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: غَسْلُ كُلِّ فَمِهِ إلَخْ) عَبَّرَ عَنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِالْغَسْلِ لِإِفَادَةِ الِاسْتِيعَابِ أَوْ لِلِاخْتِصَارِ كَمَا قَدَّمَهُ فِي الْوُضُوءِ، وَمَرَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَلَكِنْ عَلَى الْأَوَّلِ لَا حَاجَةَ إلَى زِيَادَةِ كُلِّ.
(قَوْلُهُ: وَيَكْفِي الشُّرْبُ عَبًّا) أَيْ لَا مَصًّا فَتْحٌ وَهُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الشُّرْبُ بِجَمِيعِ الْفَمِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَا فِي الْخُلَاصَةِ، إنْ شَرِبَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السُّنَّةِ يَخْرُجُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَلَا، وَبِمَا قِيلَ إنْ كَانَ جَاهِلًا جَازَ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَلَا: أَيْ لِأَنَّ
стр. 147
لِأَنَّ الْمَجَّ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْأَصَحِّ (وَأَنْفِهِ) حَتَّى مَا تَحْتَ الدَّرَنِ (وَ) بَاقِي (بَدَنِهِ) لَكِنْ فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ: الْبَدَنُ مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْأَلْيَةِ، وَحِينَئِذٍ فَالرَّأْسُ وَالْعُنُقُ وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ خَارِجَةٌ لُغَةً دَاخِلَةٌ تَبَعًا شَرْعًا (لَا دَلْكُهُ) لِأَنَّهُ مُتَمِّمٌ، فَيَكُونُ مُسْتَحَبًّا لَا شَرْطًا، خِلَافًا لِمَالِكٍ
(وَيَجِبُ) أَيْ يُفْرَضُ (غَسْلُ) كُلِّ مَا يُمْكِنُ مِنْ الْبَدَنِ بِلَا حَرَجٍ مَرَّةً كَأُذُنٍ وَ (سُرَّةٍ وَشَارِبٍ وَحَاجِبٍ وَ) أَثْنَاءِ (لِحْيَةٍ) وَشَعْرِ رَأْسٍ وَلَوْ مُتَبَلِّدًا لِمَا فِي - ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]- مِنْ الْمُبَالَغَةِ (وَفَرْجٍ خَارِجٍ) لِأَنَّهُ كَالْفَمِ لَا دَاخِلٍ؛ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ، وَلَا تُدْخِلُ أُصْبُعَهَا فِي قُبُلِهَا بِهِ يُفْتِي.
(لَا) يَجِبُ (غَسْلُ مَا فِيهِ حَرَجٌ كَعَيْنٍ) وَإِنْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ نَجِسٍ (وَثُقْبٍ انْضَمَّ وَ) لَا (دَاخِلَ قُلْفَةٍ)
ــ
[رد المحتار]
الْجَاهِلَ يَعُبُّ وَالْعَالِمُ يَشْرَبُ مَصًّا كَمَا هُوَ السُّنَّةُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَجَّ) أَيْ طَرْحَ الْمَاءِ مِنْ الْفَمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْمَضْمَضَةِ، خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، نَعَمْ هُوَ الْأَحْوَطُ مِنْ حَيْثُ الْخُرُوجُ عَنْ الْخِلَافِ، وَبَلْعُهُ إيَّاهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى مَا تَحْتَ الدَّرَنِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالدَّرَنُ الْيَابِسُ فِي الْأَنْفِ كَالْخُبْزِ الْمَمْضُوغِ وَالْعَجِينِ يَمْنَعُ. اهـ. وَهَذَا غَيْرُ الدَّرَنِ الْآتِي مَتْنًا، وَقَيَّدَ بِالْيَابِسِ لِمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ أَنَّ فِي الرَّطْبِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى ظَاهِرِ الْمَتْنِ حَيْثُ أَطْلَقَ الْبَدَنَ عَلَى الْجَسَدِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَا يَعُمُّ الْأَطْرَافَ. وَاَلَّذِي فِي الْقَامُوسِ الْبَدَنُ مُحَرَّكٌ: مِنْ الْجَسَدِ مَا سِوَى الرَّأْسِ ط.
(قَوْلُهُ: فِي الْمُغْرِبِ) بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ فَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ: اسْمُ كِتَابٍ فِي اللُّغَةِ لِلْإِمَامِ الْمُطَرِّزِيُّ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ الزَّمَخْشَرِيّ ذَكَرَ فِيهِ الْأَلْفَاظَ اللُّغَوِيَّةَ الْوَاقِعَةَ فِي كُتُبِ فُقَهَائِنَا، وَلَهُ كِتَابٌ أَكْبَرُ مِنْهُ سَمَّاهُ الْمُعْرِبَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَالِكٍ) وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ أَيْ يُفْرَضُ) أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَشَارِبٍ وَحَاجِبٍ) أَيْ بَشَرَةً وَشَعْرًا وَإِنْ كَثُفَ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي النِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا فِي " ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] " مِنْ الْمُبَالَغَةِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَيَجِبُ، وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ عَنْ قَوْلِهِ وَفَرْجٍ خَارِجٍ إلَخْ أَيْ لِأَنَّهَا صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ تَقْتَضِي وُجُوبَ غَسْلِ مَا يَكُونُ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ كَالْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ دُرَرٌ. بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ مَصْدَرُهُ اطَّهَّرَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ الْمُشَدَّدَتَيْنِ أَصْلُهُ تَطَهَّرَ قُلِبَتْ التَّاءُ ثُمَّ أُدْغِمَتْ ثُمَّ جِيءَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَمُجَرَّدُهُ طَهُرَ بِالتَّخْفِيفِ وَزِيَادَةُ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى، وَلِصَاحِبِ الْبَحْرِ هُنَا كَلَامٌ خَارِجٌ عَنْ الِانْتِظَامِ أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لَا دَاخِلَ) أَيْ لَا يَجِبُ غَسْلُ فَرْجٍ دَاخِلٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تُدْخِلُ إصْبَعَهَا) أَيْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ح. أَقُولُ: وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْفَتْحِ وَلَا يَجِبُ إدْخَالُهَا الْأُصْبُعَ فِي قُبُلِهَا وَبِهِ يُفْتِي اهـ فَافْهَمْ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَلَا تُدْخِلُ الْمَرْأَةُ إصْبَعَهَا فِي فَرْجِهَا عِنْدَ الْغُسْلِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ لَمْ تُدْخِلْ الْأُصْبُعَ فَلَيْسَ بِتَنْظِيفٍ وَالْمُخْتَارُ هُوَ الْأَوَّلُ اهـ فَقَوْلُ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ تَبَعًا لِلْفَتْحِ لَا يَجِبُ إدْخَالُهَا رَدٌّ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْوُجُوبُ وَهُوَ بَعِيدٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَعَيْنٍ) لِأَنَّ فِي غَسْلِهَا مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّهَا شَحْمٌ لَا تَقْبَلُ الْمَاءَ، وَقَدْ كُفَّ بَصَرُ مَنْ تَكَلَّفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ بَحْرٌ. وَمُفَادُهُ عَدَمُ وُجُوبِ غَسْلِهَا عَلَى الْأَعْمَى خِلَافًا لِلْحَانُوتِيِّ حَيْثُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى، وَلِهَذَا نَقَلَ أَبُو السُّعُودِ عَنْ الْعَلَّامَةِ سَرِيِّ الدِّينِ أَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ كَوْنُهُ يَضُرُّ وَإِنْ لَمْ يُورِثْ الْعَمَى، فَيَسْقُطُ حَتَّى عَنْ الْأَعْمَى اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ اكْتَحَلَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا فَهُوَ اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ الْمَذْكُورَ قَبْلَ غَسْلِ نَجَاسَةٍ حُكْمِيَّةٍ وَهَذَا غَسْلُ نَجَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فَلَا يَصِحُّ جَعْلُ إنْ وَصْلِيَّةً تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَثَقْبٍ انْضَمَّ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَإِنْ انْضَمَّ الثُّقْبُ بَعْدَ نَزْعِ الْقُرْطِ وَصَارَ بِحَالٍ إنْ مَرَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ يَدْخُلُهُ وَإِنْ غَفَلَ لَا فَلَا بُدَّ مِنْ إمْرَارِهِ وَلَا يَتَكَلَّفُ لِغَيْرِ الْإِمْرَارِ مِنْ إدْخَالِ عُودٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَدَاخِلَ قُلْفَةٍ) الْقُلْفَةُ وَالْغُلْفَةُ
стр. 148
يُنْدَبُ هُوَ الْأَصَحُّ قَالَهُ الْكَمَالُ، وَعَلَّلَهُ بِالْحَرَجِ فَسَقَطَ الْإِشْكَالُ. وَفِي الْمَسْعُودِيِّ إنْ أَمْكَنَ فَسْخُ الْقُلْفَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ يَجِبُ وَإِلَّا لَا (وَكَفَى، بَلْ أَصْلُ ضَفِيرَتِهَا) أَيْ شَعْرُ الْمَرْأَةِ الْمَضْفُورِ لِلْحَرَجِ، أَمَّا الْمَنْقُوضُ فَيُفْرَضُ غَسْلُ كُلِّهِ اتِّفَاقًا وَلَوْ لَمْ يَبْتَلَّ أَصْلُهَا يَجِبُ نَقْضُهَا مُطْلَقًا هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ ضَرَّهَا غَسْلُ رَأْسِهَا تَرَكَتْهُ، وَقِيلَ تَمْسَحُهُ
ــ
[رد المحتار]
بِالْقَافِ وَبِالْغَيْنِ: الْجِلْدَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْخَاتِنُ يَجُوزُ فِيهَا فَتْحُ الْقَافِ وَضَمُّهَا، وَزَادَ الْأَصْمَعِيُّ: فَتْحُ الْقَافِ وَاللَّامِ حِلْيَةٌ.
(قَوْلُهُ: فَسَقَطَ الْإِشْكَالُ) أَيْ إشْكَالُ الزَّيْلَعِيِّ، حَيْثُ قَالَ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ خِلْقَةٌ كَقَصَبَةِ الذَّكَرِ وَهَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ الْبَوْلُ إلَى الْقُلْفَةِ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ فَجَعَلُوهُ كَالْخَارِجِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَفِي حَقِّ الْغُسْلِ كَالدَّاخِلِ اهـ. وَوَجْهُ السُّقُوطِ أَنَّ عِلَّةَ عَدَمِ وُجُوبِ غُسْلِهَا الْحَرَجُ: أَيْ أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْغُسْلِ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِلْحَرَجِ وَإِنَّمَا يُرَدُّ الْإِشْكَالُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِكَوْنِهَا خِلْقَةً، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ: أَيْ كَوْنُ عَدَمِ الْوُجُوبِ لِلْحَرَجِ لَا لِكَوْنِهِ خِلْقَةً وَقَالَ قَبْلَهُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْإِشْكَالَ، لَكِنْ فِي الظَّهِيرِيَّةِ إنَّمَا عَلَّلَهُ بِالْحَرَجِ لَا بِالْخِلْقَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَلَا يُرَدُّ الْإِشْكَالُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْمَسْعُودِيِّ إلَخْ) مَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِمْدَادِ، وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ فَسْخُهَا أَيْ بِأَنْ أَمْكَنَ قَلْبُهَا وَظُهُورُ الْحَشَفَةِ مِنْهَا فَلَا حَرَجَ فِي غُسْلِهَا فَيَجِبُ، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا سِوَى ثَقْبٍ يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْلُ فَلَا يَجِبُ لِلْحَرَجِ، لَكِنْ أَوْرَدَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ هَذَا الْحَرَجَ يُمْكِنُهُ إزَالَتُهُ بِالْخِتَانِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إلَّا إذَا كَانَ لَا يُطِيقُهُ، بِأَنْ أَسْلَمَ وَهُوَ شَيْخٌ ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: ضَفِيرَتِهَا) الْمُرَادُ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِجَمِيعِ الضَّفَائِرِ ط.
(قَوْلُهُ: لِلْحَرَجِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ. قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: لَا، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» وَمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِيصَالِ إلَى الْأُصُولِ فَتْحٌ، لَكِنْ فِي الْمَبْسُوطِ: وَإِنَّمَا شُرِطَ تَبْلِيغُ الْمَاءِ أُصُولَ الشَّعْرِ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ فَإِنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ إلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ إذَا اغْتَسَلَتْ فَيَقُولُ يَا هَذِهِ أَبْلَغِي الْمَاءَ أُصُولَ شَعْرِك وَشُؤُونَ رَأْسِك، وَهِيَ مَجْمَعُ عِظَامِ الرَّأْسِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَحْرٌ. وَاسْتُفِيدَ مِنْ الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ الْمُسْتَرْسِلِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ الشَّعْرِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُنْيَةِ، وَعَزَاهُ فِي الْحِلْيَةِ إلَى الْجَامِعِ الْحُسَامِيِّ وَالْخُلَاصَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّنْ نَصَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ غُسْلَ ظَاهِرِ الْمُسْتَرْسِلِ مِنْ ذَوَائِبِهَا مَوْضُوعٌ عَنْهَا الْبَزْدَوِيُّ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالصَّحِيحِ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالذَّخِيرَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: اتِّفَاقًا) كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ.
الْأَوَّلُ الِاكْتِفَاءُ بِالْوُصُولِ إلَى الْأُصُولِ وَلَوْ مَنْقُوضًا، وَظَاهِرُ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ.
الثَّانِي التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ وَمَشَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْكَافِي.
الثَّالِثُ وُجُوبُ بَلِّ الذَّوَائِبِ مَعَ الْعَصْرِ وَصُحِّحَ، وَتَمَامُ تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي الْحِلْيَةِ وَحَالَ فِيهَا آخَرُ إلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُتُونِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَبْتَلَّ أَصْلُهَا) بِأَنْ كَانَ مُتَلَبِّدًا أَوْ غَزِيرًا إمْدَادٌ أَوْ مَضْفُورًا ضَفْرًا شَدِيدًا لَا يَنْفُذُ فِيهِ الْمَاءُ ط.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) قَالَ ح لَمْ يَظْهَرْ لِيُوَجِّهَ الْإِطْلَاقَ اهـ وَقَالَ ط أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ حَرَجٌ أَمْ لَا، وَقَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ مُقَابِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَصْرِ الشَّعْرِ ثَلَاثًا بَعْدَ غَسْلِهِ مَنْقُوضًا أَوْ مَعْقُوصًا. اهـ. أَقُولُ: كَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ يَجِبُ غَسْلُهَا بَدَلَ قَوْلِهِ يَجِبُ نَقْضُهَا، فَقَوْلُهُ مُطْلَقًا مَعْنَاهُ سَوَاءٌ كَانَ مَضْفُورًا أَوْ لَا، وَقَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ مِنْ أَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فَتَدَبَّرْ. [تَنْبِيهٌ]
يُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الضَّفِيرَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ عُقَدُ الشَّعْرِ الْمُنْعَقِدِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلَوْ مِنْ شَعْرِ الرَّجُلِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنْ عُلَمَائِنَا تَأَمَّلْ، وَإِذَا نَتَفَ شِعْرَةً لَمْ تُغْسَلْ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ غَسْلِ مَحَلِّهَا
стр. 149
وَلَا تَمْنَعُ نَفْسَهَا عَنْ زَوْجِهَا وَسَيَجِيءُ فِي التَّيَمُّمِ (لَا) يَكْفِي بَلْ (ضَفِيرَتُهُ) فَيَنْقُضُهَا وُجُوبًا (وَلَوْ عَلَوِيًّا أَوْ تُرْكِيًّا) لِإِمْكَانِ حَلْقِهِ.
(وَلَا يَمْنَعُ) الطَّهَارَةَ (وَنِيمٌ) أَيْ خُرْءُ ذُبَابٍ وَبُرْغُوثٍ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ تَحْتَهُ (وَحِنَّاءٌ) وَلَوْ جُرْمَهُ بِهِ يُفْتَى (وَدَرَنٌ وَوَسَخٌ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَكَذَا دُهْنٌ وَدُسُومَةٌ (وَتُرَابٌ) وَطِينٌ وَلَوْ (فِي ظُفْرٍ مُطْلَقًا) أَيْ قَرَوِيًّا أَوْ مَدَنِيًّا فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ نَحْوِ عَجِينٍ.
(وَ) لَا يَمْنَعُ (مَا عَلَى ظُفْرِ صَبَّاغٍ وَ) لَا (طَعَامٌ بَيْنَ أَسْنَانِهِ) أَوْ فِي سِنِّهِ الْمُجَوَّفِ بِهِ يُفْتَى. وَقِيلَ إنْ صُلْبًا مَنَعَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(وَلَوْ) كَانَ (خَاتَمُهُ ضَيِّقًا نَزَعَهُ أَوْ حَرَّكَهُ) وُجُوبًا (كَقُرْطٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِثَقْبِ أُذُنِهِ قُرْطٌ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِيهِ) أَيْ الثَّقْبِ (عِنْدَ مُرُورِهِ) عَلَى أُذُنِهِ (أَجْزَاهُ كَسُرَّةٍ وَأُذُنٍ دَخَلَهُمَا الْمَاءُ وَإِلَّا) يَدْخُلَ (أَدْخَلَهُ) وَلَوْ بِإِصْبَعِهِ، وَلَا يَتَكَلَّفُ بِخَشَبٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمُعْتَبَرُ غَلَبَةُ ظَنِّهِ بِالْوُصُولِ.
ــ
[رد المحتار]
لِانْتِقَالِ الْحُكْمِ إلَيْهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَمْنَعُ نَفْسَهَا) أَيْ خَوْفًا مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا إذَا وَطِئَهَا؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ، وَلَهَا مَنْدُوحَةٌ عَنْ غَسْلِ رَأْسِهَا.
(قَوْلُهُ: وَسَيَجِيءُ فِي التَّيَمُّمِ) أَيْ فِي آخِرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَوِيًّا أَوْ تُرْكِيًّا) هُوَ الصَّحِيحُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ وَلِلِاحْتِيَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَجِبُ نَظَرًا إلَى الْعَادَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ: لِإِمْكَانِ حَلْقِهِ) أَيْ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْهُ بِالْحَدِيثِ فَلَا يُمْكِنُهَا شَرْعًا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَنِيمٌ إلَخْ) ظَاهِرُ الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ أَنَّ الْوَنِيمَ مُخْتَصٌّ بِالذُّبَابِ نُوحٌ أَفَنْدِي، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إلَى اللُّغَةِ، وَإِلَّا فَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَشْمَلُ الْبُرْغُوثَ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ تَحْتَهُ) لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ حِلْيَةٌ.
(قَوْلُهُ: بِهِ يُفْتَى) صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْيَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنَّاءِ وَالطِّينِ وَالدَّرَنِ مُعَلِّلًا بِالضَّرُورَةِ. قَالَ فِي شَرْحِهَا وَلِأَنَّ الْمَاءَ يَنْفُذُهُ لِتَخَلُّلِهِ وَعَدَمِ لُزُوجَتِهِ وَصَلَابَتِهِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ نُفُوذُ الْمَاءِ وَوُصُولُهُ إلَى الْبَدَنِ اهـ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْغُسْلُ وَهُوَ إسَالَةُ الْمَاءِ مَعَ التَّقَاطُرِ كَمَا مَرَّ فِي أَرْكَانِ الْوُضُوءِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَمْنَعُ الْإِسَالَةَ فَالْأَظْهَرُ التَّعْلِيلُ بِالضَّرُورَةِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ أَيْضًا إنَّ الضَّرُورَةَ فِي دَرَنِ الْأَنْفِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْحِنَّاءِ وَالطِّينِ لِنُدُورِهِمَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْوُجُوبِ فِيهِ أَيْضًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: عَطْفُ تَفْسِيرٍ) لِقَوْلِ الْقَامُوسِ: الدَّرَنُ الْوَسَخُ، وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّرَنِ هُنَا الْمُتَوَلِّدُ مِنْ الْجَسَدِ، وَهُوَ مَا يَذْهَبُ بِالدَّلْكِ فِي الْحَمَّامِ، بِخِلَافِ الدَّرَنِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ مُخَاطِ الْأَنْفِ، فَإِنَّهُ لَوْ يَابِسًا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا دُهْنٌ) أَيْ كَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ، بِخِلَافِ نَحْوِ شَحْمٍ وَسَمْنٍ جَامِدٍ.
(قَوْلُهُ: وَدُسُومَةٌ) هِيَ أَثَرُ الدُّهْنِ. قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ قَالَ الْمَقْدِسِيَّ: وَفِي الْفَتَاوَى دَهَنَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَأَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى رِجْلَيْهِ وَلَمْ يَقْبَلْ الْمَاءَ لِلدُّسُومَةِ جَازَ لِوُجُودِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) مُقَابَلَةُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ يَجُوزُ لِلْقَرَوِيِّ؛ لِأَنَّ دَرَنَهُ مِنْ التُّرَابِ وَالطِّينِ فَيَنْفُذُهُ الْمَاءُ لَا لِلْمَدَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَدَكِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَحْوِ عَجِينٍ) أَيْ كَعِلْكٍ وَشَمْعٍ وَقِشْرِ سَمَكٍ وَخُبْزٍ مَمْضُوغٍ مُتَلَبِّدٍ جَوْهَرَةٌ، لَكِنْ فِي النَّهْرِ: وَلَوْ فِي أَظْفَارِهِ طِينٌ أَوْ عَجِينٌ فَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ مُغْتَفَرٌ قَرَوِيًّا كَانَ أَوْ مَدَنِيًّا. اهـ. نَعَمْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فِي الْعَجِينِ وَاسْتَظْهَرَ الْمَنْعَ؛ لِأَنَّ فِيهِ لُزُوجَةً وَصَلَابَةً تَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ.
(قَوْلُهُ: بِهِ يُفْتَى) صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ: لِأَنَّ الْمَاءَ شَيْءٌ لَطِيفٌ يَصِلُ تَحْتَهُ غَالِبًا اهـ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا وَمُفَادُهُ عَدَمُ الْجَوَازِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ تَحْتَهُ، قَالَ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ أَثْبَتُ.
(قَوْلُهُ: إنْ صُلْبًا) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الشَّدِيدُ حِلْيَةٌ: أَيْ إنْ كَانَ مَمْضُوغًا مَضْغًا مُتَأَكِّدًا، بِحَيْثُ تَدَاخَلَتْ أَجْزَاؤُهُ وَصَارَ لَهُ لُزُوجَةٌ وَعِلَاكَةٌ كَالْعَجِينِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ) صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَقَالَ لِامْتِنَاعِ نُفُوذِ الْمَاءِ مَعَ عَدَمِ
стр. 150
فُرُوعٌ] نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ أَوْ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهِ فَصَلَّى ثُمَّ تَذَكَّرَ، فَلَوْ نَفْلًا لَمْ يُعِدْ لِعَدَمِ صِحَّةِ شُرُوعِهِ. عَلَيْهِ غُسْلٌ وَثَمَّةَ رِجَالٌ لَا يَدَعُهُ وَإِنْ رَأَوْهُ، وَالْمَرْأَةُ بَيْنَ رِجَالٍ أَوْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ تُؤَخِّرُهُ لَا بَيْنَ نِسَاءٍ فَقَطْ. وَاخْتُلِفَ فِي الرَّجُلِ بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ أَوْ نِسَاءٍ فَقَطْ كَمَا بَسَطَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ. وَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَتَيَمَّمَ وَتُصَلِّيَ لِعَجْزِهَا شَرْعًا عَنْ الْمَاءِ، وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ فَيُتْرَكُ مُطْلَقًا، وَالْفَرْقُ لَا يَخْفَى.
ــ
[رد المحتار]
الضَّرُورَةِ وَالْحَرَجِ اِ هـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّصْحِيحَ لَا يُنَافِي مَا قَبْلَهُ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ: كَقُرْطٍ) بِالضَّمِّ مَا يُعَلَّقُ فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَكَلَّفُ) أَيْ بَعْدَ الْإِمْرَارِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
[فُرُوعٌ فِي الطَّهَارَة]
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ صِحَّةِ شُرُوعِهِ) أَيْ وَالنَّفَلِ إنَّمَا تَلْزَمُ إعَادَتُهُ بَعْدَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهِ قَصْدًا، وَسَكَتَ عَنْ الْفَرْضِ لِظُهُورِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: لَا يَدَعُهُ وَإِنْ رَأَوْهُ) عَزَاهُ فِي الْقُنْيَةِ إلَى الْوَبَرِيِّ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْمَنْهِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَلِلْغُسْلِ خَلَفٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَلَا يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِأَجْلِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَجُوزُ نَظَرُهُ إلَيْهَا بِخِلَافِ الْخِتَانِ، وَتَمَامُهُ فِيهِ، وَكَذَا اسْتَشْكَلَهُ فِي الْحِلْيَةِ بِمَا فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ التُّمُرْتَاشِيِّ عَنْ الْإِمَامِ الْبَقَّالِيِّ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهَا إلَّا بِإِظْهَارِ عَوْرَتِهِ يُصَلِّي مَعَهَا؛ لِأَنَّ إظْهَارَهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالْغُسْلُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَإِذَا اجْتَمَعَا كَانَ النَّهْيُ أَوْلَى اهـ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ نُصَّتْ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ ط.
(قَوْلُهُ: كَمَا بَسَطَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ) أَيْ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ، حَيْثُ نُقِلَ عَنْ شَرْحِهَا لِنَاظِمِهَا أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ فِيهَا عَلَى نَقْلٍ، وَأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يُؤَخِّرَ الرَّجُلَ بَيْنَ النِّسَاءِ أَوْ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَأَيَّدَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ بِمَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ مُبَاحٌ فِي الضَّرُورَةِ لَا فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ نَظَرِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ اهـ هَذَا. وَقَالَ ح: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَكْشِفَ الْخُنْثَى لِلِاسْتِنْجَاءِ وَلَا لِلْغُسْلِ عِنْدَ أَحَدٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا إنْ كَشَفَتْ عِنْدَ رَجُلٍ احْتَمَلَ أَنَّهَا أُنْثَى، وَإِنْ عِنْدَ أُنْثَى احْتَمَلَ أَنَّهَا ذَكَرٌ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ مُرِيدَ الِاغْتِسَالِ إمَّا ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، وَعَلَى كُلٍّ فَإِمَّا بَيْنَ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ أَوْ خَنَاثَى أَوْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ وَخَنَاثَى أَوْ نِسَاءٍ وَخَنَاثَى أَوْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَخَنَاثَى فَهُوَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ، يَغْتَسِلُ فِي صُورَتَيْنِ مِنْهَا وَهُمَا رَجُلٌ بَيْنَ رِجَالٍ وَامْرَأَةٌ بَيْنَ نِسَاءٍ، وَيُؤَخَّرُ فِي تِسْعَ عَشْرَةَ صُورَةً. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي لَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ، وَمِثْلُهَا فِيمَا يَظْهَرُ الرَّجُلُ قُلْنَا إنَّهُ يُؤَخَّرُ أَيْضًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْغُسْلِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّ الْمُبِيحَ لَهُ وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ الْمَاءِ قَدْ وُجِدَ فَافْهَمْ. بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ تَجِبُ إعَادَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ النِّهَايَةِ السَّابِقَةِ، قَالَ فِي الْحِلْيَةِ فِيهِ تَأَمُّلٌ وَالْأَشْبَهُ الْإِعَادَةُ تَفْرِيعًا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فِي الْمَمْنُوعِ مِنْ إزَالَةِ الْحَدِيثِ بِصُنْعِ الْعِبَادِ إذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى اهـ وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّ الْمَحْبُوسَ إذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ إنْ فِي الْمِصْرِ أَعَادَ وَإِلَّا فَلَا وَاسْتَظْهَرَ الرَّحْمَتِيُّ عَدَمَ الْإِعَادَةِ، قَالَ لِأَنَّ الْعُذْرَ لَمْ يَأْتِ مِنْ قِبَلِ الْمَخْلُوقِ، فَإِنَّ الْمَانِعَ لَهَا الشَّرْعُ وَالْحَيَاءُ وَهُمَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالُوا لَوْ تَيَمَّمَ لِخَوْفِ الْعَدُوِّ، فَإِنْ تَوَعَّدَهُ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ يُعِيدُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ أَتَى مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَوْ خَافَ بِدُونِ تَوَعُّدٍ مِنْ الْعَدُوِّ فَلَا؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ أَوْقَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ، فَقَدْ جَاءَ الْعُذْرُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَلَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ أَوْ بَيْنَهُمَا ط (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ لَا يَخْفَى) الْفَرْقُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ
стр. 151
(وَسُنَنُهُ) كَسُنَنِ الْوُضُوءِ سِوَى التَّرْتِيبِ. وَآدَابُهُ كَآدَابِهِ سِوَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ غَالِبًا مَعَ كَشْفِ عَوْرَةٍ وَقَالُوا: لَوْ مَكَثَ فِي مَاءٍ جَارٍ أَوْ حَوْضٍ كَبِيرٍ أَوْ مَطَرٍ قَدْرَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
ــ
[رد المحتار]
مَعَ الْحَقِيقِيَّةِ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَعَدَمِ صِحَّتِهَا مَعَ الْحُكْمِيَّةِ رَأْسًا اهـ ح: زَادَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ أَنَّ الْغُسْلَ فَرْضٌ فَلَا يُتْرَكُ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ: بِخِلَافِ الِاسْتِنْجَاءِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ وَتَرْكُهَا أَوْلَى مِنْ الْكَشْفِ الْحَرَامِ. وَاعْتَرَضَ الْحَمَوِيُّ الْفَرْقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْحُكْمِيَّةَ قَدْ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهَا أَيْضًا، فَإِنَّ الْجَبِيرَةَ يَجُوزُ تَرْكُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ الْمَسْحُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَعَ أَنَّ تَحْتَهَا حَدَثًا اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَكُونُ غَسْلُ بَاقِي الْجَسَدِ رَافِعًا لِجَمِيعِ الْحَدَثِ وَصَارَ كَأَنَّهُ غَسَلَ مَا تَحْتَهَا حُكْمًا، نَعَمْ الْفَرْقُ الثَّانِي غَيْرُ مُؤَثِّرٍ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِغَسْلِ النَّجَاسَةِ مَعَ أَنَّهُ فَرْضٌ وَمِنْ تَقْدِيمِ النَّهْيِ عَلَى الْأَمْرِ إذَا اجْتَمَعَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ ضَعِيفٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[سُنَنُ الْغُسْلِ]
مَطْلَبُ سُنَنِ الْغُسْلِ.
(قَوْلُهُ: وَسُنَنُهُ) أَفَادَ أَنَّهُ لَا وَاجِبَ لَهُ ط. وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَهُمَا بِمَعْنَى الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِمَا، فَالْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ أَدْنَى نَوْعَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ.
(قَوْلُهُ: كَسُنَنِ الْوُضُوءِ) أَيْ مِنْ الْبُدَاءَةِ بِالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ وَالسِّوَاكِ وَالتَّخْلِيلِ وَالدَّلْكِ وَالْوَلَاءِ إلَخْ وَأُخِذَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ.
(قَوْلُهُ: سِوَى التَّرْتِيبِ) أَيْ الْمَعْهُودِ فِي الْوُضُوءِ، وَإِلَّا فَالْغُسْلُ لَهُ تَرْتِيبٌ آخَرُ بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بَادِئًا إلَخْ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ. أَقُولُ: وَيُسْتَثْنَى الدُّعَاءُ أَيْضًا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي نُورِ الْإِيضَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَآدَابُهُ كَآدَابِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَدَائِعِ: قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُطْلَقًا، أَمَّا كَلَامُ النَّاسِ فَلِكَرَاهَتِهِ حَالَ الْكَشْفِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَلِأَنَّهُ فِي مَصَبِّ الْمُسْتَعْمَلِ وَمَحَلِّ الْأَقْذَارِ وَالْأَوْحَالِ اهـ.
أَقُولُ: قَدْ عَدَّ التَّسْمِيَةَ مِنْ سُنَنِ الْغُسْلِ فَيُشْكِلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ تَأَمَّلْ. وَاسْتَشْكَلَ فِي الْحِلْيَةِ عُمُومَ ذَلِكَ بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ «عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ دَعْ لِي» وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ «يُبَادِرُنِي وَأُبَادِرُهُ حَتَّى يَقُولَ دَعِي لِي وَأَقُولُ أَنَا دَعْ لِي» " ثُمَّ أَجَابَ بِحَمْلِهِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ أَنَّ الْمَسْنُونَ تَرْكُهُ مَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ ظَاهِرَةٌ. اهـ. أَقُولُ: أَوْ الْمُرَادُ الْكَرَاهَةُ حَالَ الْكَشْفِ فَقَطْ كَمَا أَفَادَهُ التَّعْلِيلُ السَّابِقُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ ﵊ أَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ بِلَا سَاتِرٍ.
(قَوْلُهُ: مَعَ كَشْفِ عَوْرَةٍ) فَلَوْ كَانَ مُتَّزِرًا فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْإِمْدَادِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ حَوْضٍ كَبِيرٍ أَوْ مَطَرٍ) هَذَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا قِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحِلْيَةِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ لِسَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيِّ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، حَيْثُ قَالَ: إنَّ ظَاهِرَ التَّقْيِيدِ بِالْجَارِي أَنَّ الرَّاكِدَ وَلَوْ كَثِيرًا لَيْسَ كَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ جَرَيَانَ الْمَاءِ عَلَى بَدَنِهِ قَائِمٌ مَقَامَ التَّثْلِيثِ فِي الصَّبِّ وَلَا كَذَلِكَ الرَّاكِدُ، وَرُبَّمَا يُقَالُ إنْ انْتَقَلَ فِيهِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ مِقْدَارَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَقَدْ أَكْمَلَ السُّنَّةَ اهـ وَهُوَ كَلَامٌ وَجِيهٌ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِانْتِقَالَ غَيْرُ قَيْدٍ بَلْ التَّحَرُّكُ كَافٍ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْحَوْضَ الْكَبِيرَ فِي حُكْمِ الْجَارِي فَلَا فَرْقَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ مِثْلُهُ فِي عَدَمِ قَبُولِهِ النَّجَاسَةَ لَا مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: قَدْرَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ) اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ قَدْرُ زَمَنِهِمَا لَوْ كَانَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ مِقْدَارُ مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ بِلَحَظَاتٍ يَسِيرَةٍ يَتَحَقَّقُ فِيهَا غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مُرَتَّبَةً ثَلَاثًا مَعَ غَسْلِ بَاقِي الْجَسَدِ كَذَلِكَ؟ لَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا.
стр. 152
فَقَدْ أَكْمَلَ السُّنَّةَ (الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ وَفَرْجِهِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ خَبَثٌ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ (وَخَبَثِ بَدَنِهِ إنْ كَانَ) عَلَيْهِ خَبَثٌ لِئَلَّا يَشِيعَ (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) أَطْلَقَهُ فَانْصَرَفَ إلَى الْكَامِلِ، فَلَا يُؤَخِّرُ قَدَمَيْهِ وَلَوْ فِي مَجْمَعِ الْمَاءِ لِمَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ طَهَارَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالِاسْتِعْمَالِ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْ كُلِّ الْبَدَنِ لِأَنَّهُ فِي الْغُسْلِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ،
ــ
[رد المحتار]
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ الْمُوجِبُونَ تَرْتِيبَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ لَوْ غَطَسَ فِي مَاءٍ وَمَكَثَ قَدْرَ التَّرْتِيبِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الصِّحَّةَ بِلَا مُكْثٍ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَحْصُلُ فِي لَحَظَاتٍ لَطِيفَةٍ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التُّحْفَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ سُنَنَ الْغُسْلِ: وَيَكْفِي فِي رَاكِدٍ تَحَرُّكُ جَمِيعِ الْبَدَنِ ثَلَاثًا وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ قَدَمَهُ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ تُوجِبُ مُمَاسَّةَ مَاءٍ لِبَدَنِهِ غَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي قَبْلَهَا اهـ مُلَخَّصًا. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَاءٍ جَارٍ يَحْصُلُ سُنَّةُ التَّثْلِيثِ وَالتَّرْتِيبِ وَالْوُضُوءِ بِلَا مُكْثٍ وَلَا تَحَرَّكَ وَلَوْ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّحَرُّكِ، أَوْ الِانْتِقَالِ الْقَائِمِ مَقَامَ الصَّبِّ فَيَحْصُلُ بِهِ مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الدُّرَرِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصُبَّ لَمْ يَكُنْ الْغُسْلُ مَسْنُونًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ هَذَا الْغُسْلَ غَيْرُ الْغُسْلِ الَّذِي فِي الْوُضُوءِ.
(قَوْلُهُ: وَفَرْجِهِ) أَيْ ثُمَّ فَرْجِهِ، بِأَنْ يُفِيضَ الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَيْهِ فَيَغْسِلَهُ بِالْيُسْرَى ثُمَّ يُنَقِّيَهُ، وَالْفَرْجُ قُبُلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الدُّبُرِ أَيْضًا كَمَا قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ. اهـ. قُهُسْتَانِيٌّ: أَيْ فَيَشْمَلُ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ خَبَثٌ) رَدٌّ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ وَابْنِ الْكَمَالِ.
(قَوْلُهُ: اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ) وَهُوَ مَا رَوَى الْجَمَاعَةُ عَنْ «مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ وَضَعْت لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ: وَخَبَثِ بَدَنِهِ) أَيْ لَوْ قَلِيلًا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ التَّعْلِيلِ. وَأَفَادَ أَنَّ السُّنَّةَ نَفْسُ الْبُدَاءَةِ بِغُسْلِ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا نَفْسُ غَسْلِهَا فَلَا بُدَّ مِنْهُ وَلَوْ قَلِيلَةً فِيمَا يَظْهَرُ لِتَنَجُّسِ الْمَاءِ بِهَا، فَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَمَّا تَحْتَهَا مَا لَمْ تَزَلْ كَمَا بَحَثَهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ وَقَالَ لَمْ أَجِدْ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا. أَقُولُ: وَرَأَيْته فِي شَرْحِ وَالِدِهِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَلَى الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ ذَكَرَهُ جَازِمًا بِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ إلَى أَحَدٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: فَانْصَرَفَ إلَى الْكَامِلِ) أَيْ بِجَمِيعِ سُنَنِهِ وَمَنْدُوبَاتِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، قَالَ: وَيَمْسَحُ فِيهِ رَأْسَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي مَجْمَعِ الْمَاءِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ وَاقِفًا فِي مَحَلٍّ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ الْغُسْلُ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمَتْنِ كَالْكَنْزِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ يُؤَخَّرُ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْأَكْثَرِ وَإِطْلَاقِ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَقِيلَ بِالتَّفْصِيلِ إنْ كَانَ فِي مَجْمَعِ الْمَاءِ فَيُؤَخَّرُ وَإِلَّا فَلَا، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَبْسُوطِ وَالْكَافِي. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ لَا فِي الْجَوَازِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا أَنَّ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْمَشَايِخِ الْقَائِلِينَ بِالتَّأْخِيرِ إنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيمِ غَسْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَتَلَوَّثَانِ بِالْغَسَلَاتِ بَعْدُ فَيَحْتَاجُ إلَى غَسْلِهِمَا ثَانِيًا. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهِمَا ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْمُفْتَى بِهِ طَهَارَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْهِنْدِيُّ: إنَّ هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَتِهِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ إلَخْ) تَرَقٍّ فِي الْجَوَابِ، وَحَاصِلُهُ مَنْعُ كَوْنِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، فَمَا دَامَتْ رِجْلَاهُ فِي الْمَاءِ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الِانْفِصَالِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْمَاءِ حُكِمَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَلَمْ يُصِبْهُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ خُرُوجِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ.
стр. 153
فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهِمَا ثَانِيًا إلَّا إذَا كَانَ بِبَدَنِهِ خَبَثٌ وَلَعَلَّ الْقَائِلِينَ بِتَأْخِيرِ غَسْلِهَا إنَّمَا اسْتَحَبُّوهُ لِيَكُونَ الْبَدْءُ وَالْخَتْمُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَقَالُوا: لَوْ تَوَضَّأَ أَوَّلًا لَا يَأْتِي بِهِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وُضُوءَانِ لِلْغُسْلِ اتِّفَاقًا، أَمَّا لَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ الْغُسْلِ وَاخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ عَلَى مَذْهَبِنَا أَوْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ كَقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فَيُسْتَحَبُّ (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ) عَلَى كُلِّ بَدَنِهِ ثَلَاثًا مُسْتَوْعِبًا مِنْ الْمَاءِ الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، وَقِيلَ: الْمَقْصُودُ عَدَمُ
ــ
[رد المحتار]
وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي تَجْزِيءِ الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهِ. وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُ لَوْ تَمَضْمَضَ الْجُنُبُ أَوْ غَسَلَ يَدَيْهِ هَلْ يَحِلُّ لَهُ الْقِرَاءَةُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ؟ فَعَلَى رِوَايَةِ التَّجَزُّؤِ نَعَمْ، وَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِهِ لَا وَهِيَ الصَّحِيحَةُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْجَنَابَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى غَسْلِ الْبَاقِي، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَيَصِحُّ بِنَاؤُهُ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فَافْهَمْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ يَصِحُّ دَفْعًا لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيمِ غَسْلِهِمَا عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَيْضًا إذْ لَا يُحْكَمُ بِاسْتِعْمَالِهِ وَنَجَاسَتِهِ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهِمَا ثَانِيًا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا، وَلِصَاحِبِ النَّهْرِ هُنَا كَلَامٌ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ أَوْضَحْنَاهَا فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ إلَخْ) أَيْ فَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ غَسْلِهِمَا لِلنَّجَاسَةِ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ الْقَائِلِينَ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا وَنَقَلَهُ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَغْسِلُهُمَا ثَانِيًا مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَصَابَهُمَا طِينٌ أَوْ كَانَتَا فِي مَجْمَعِ الْمَاءِ أَوَّلًا وَلَا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي: بَلْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ. أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ بَعْدَ الْغُسْلِ فَلَيْسَ مِنَّا» اهـ تَأَمَّلْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَدَمَ اسْتِحْبَابِهِ لَوْ بَقِيَ مُتَوَضِّئًا إلَى فَرَاغِ الْغُسْلِ، فَلَوْ أَحْدَثَ قَبْلَهُ يَنْبَغِي إعَادَتُهُ. وَلَمْ أَرَهُ، فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ) كَذَا فِي الْبَحْرِ وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي بَحْثِ الْوُضُوءِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُفِيضَنَّ) أَتَى بِثُمَّ لِلْإِشَارَةِ إلَى التَّرْتِيبِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ ثُمَّ يُفِيضُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ فِعْلَهُمَا فِي الْوُضُوءِ كَافٍ عَنْ فِعْلِهِمَا فِي الْغُسْلِ؛ فَالسُّنَّةُ نَابَتْ مَنَابَ الْفَرْضِ ط. وَمَعْنَى يُفِيضُ: يَصُبُّ. قَالَ فِي الدُّرَرِ: حَتَّى لَوْ لَمْ يَصُبَّ لَمْ يَكُنْ الْغُسْلُ مَسْنُونًا وَإِنْ زَالَ الْحَدَثُ اهـ وَهَذَا لَوْ كَانَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، أَمَّا لَوْ مَكَثَ فِي مَاءٍ جَارٍ قَامَ الْجَرَيَانُ مَقَامَ الصَّبِّ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ بَدَنِهِ) زَادَ كُلَّ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ إعَادَةِ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِرَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهَا ط. أَقُولُ: لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُسَنُّ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ، وَنَظِيرُهُ مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ مِنْ أَنَّهُ يُسَنُّ إعَادَةُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ.
(قَوْلُهُ: ثَلَاثًا) الْأُولَى فَرْضٌ وَالثِّنْتَانِ سُنَّتَانِ عَلَى الصَّحِيحِ سِرَاجٌ.
(قَوْلُهُ: مُسْتَوْعِبًا) أَيْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لِتَحْصُلَ سُنَّةُ التَّثْلِيثِ ط. مَطْلَبٌ فِي تَحْرِيرِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ وَالرِّطْلِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ) أَيْ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَهِيَ صَاعٌ عِرَاقِيٌّ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، كُلُّ مُدٍّ رِطْلَانِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَالصَّاعُ الْحِجَازِيُّ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَبِهِ أَخَذَ الصَّاحِبَانِ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، فَالْمُدُّ حِينَئِذٍ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، وَالرِّطْلُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَقِيلَ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ. قُلْت: وَالصَّاعُ الْعِرَاقِيُّ نَحْوُ نِصْفِ مُدٍّ دِمَشْقِيٍّ، فَإِذَا تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ بِهِ فَقَدْ حَصَّلَ السُّنَّةَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمَقْصُودُ إلَخْ) الْأَصْوَبُ حَذْفُ قِيلَ لِمَا فِي الْحِلْيَةِ أَنَّهُ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَا يُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِمِقْدَارٍ. وَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ أَدْنَى مَا يَكْفِي الْغُسْلَ صَاعٌ، وَفِي الْوُضُوءِ مُدٌّ لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ
стр. 154
الْإِسْرَافِ. وَفِي الْجَوَاهِرِ لَا إسْرَافَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضَيَّعٍ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ (بَادِئًا بِمَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ رَأْسِهِ) عَلَى (بَقِيَّةِ بَدَنِهِ مَعَ دَلْكِهِ) نَدْبًا، وَقِيلَ يُثَنِّي بِالرَّأْسِ، وَقِيلَ يَبْدَأُ بِالرَّأْسِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالْأَحَادِيثِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ وَبِهِ يَضْعُفُ تَصْحِيحُ الدُّرَرِ.
(وَصَحَّ نَقْلُ بِلَّةِ عُضْوٍ إلَى) عُضْوٍ (آخَرَ فِيهِ) بِشَرْطِ التَّقَاطُرِ (لَا فِي الْوُضُوءِ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الْبَدَنَ كُلَّهُ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ.
(وَفُرِضَ) الْغُسْلُ (عِنْدَ) خُرُوجِ (مَنِيٍّ) مِنْ الْعُضْوِ وَإِلَّا فَلَا يُفْرَضُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ (مُنْفَصِلٍ عَنْ مَقَرِّهِ) هُوَ صُلْبُ الرَّجُلِ وَتَرَائِبُ الْمَرْأَةِ، وَمَنِيُّهُ أَبْيَضُ وَمَنِيُّهَا أَصْفَرُ، فَلَوْ اغْتَسَلَتْ فَخَرَجَ مِنْهَا مَنِيٌّ، وَإِنْ مَنِيُّهَا
ــ
[رد المحتار]
«كَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ، بَلْ هُوَ بَيَانُ أَدْنَى الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: حَتَّى إنَّ مَنْ أَسْبَغَ بِدُونِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ زَادَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ طِبَاعَ النَّاسِ وَأَحْوَالَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ اهـ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْإِمْدَادِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْجَوَاهِرِ إلَخْ) قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ مُسْتَوْفًى.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأَيْسَرِ) أَيْ ثَلَاثًا أَيْضًا، وَقَوْلُهُ ثُمَّ بِرَأْسِهِ: أَيْ يَغْسِلُهُ مَعَ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ ثَلَاثًا أَيْضًا كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرِهَا، خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمَتْنِ مِنْ غَسْلِهِ الرَّأْسَ وَحْدَهُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ عَلَى بَقِيَّةِ بَدَنِهِ) أَيْ ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى بَقِيَّةِ بَدَنِهِ، وَإِنَّمَا قَدَّرَ الشَّارِحُ لَفْظَةَ عَلَى وَلَمْ يُبْقِهِ مَعْطُوفًا عَلَى مَجْرُورِ الْبَاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِقَوْلِهِ بَادِئًا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِتَامٌ.
(قَوْلُهُ: مَعَ دَلْكِهِ) قَيَّدَهُ فِي الْمُنْيَةِ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى، وَعَلَّلَهُ فِي الْحِلْيَةِ بِكَوْنِهَا سَابِقَةً فِي الْوُجُودِ فَهِيَ بِالدَّلْكِ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: نَدْبًا) عَدَّهُ فِي الْإِمْدَادِ مِنْ السُّنَنِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُثَنِّي بِالرَّأْسِ) أَيْ يَبْدَأُ بِالْأَيْمَنِ ثَلَاثًا ثُمَّ بِالرَّأْسِ ثَلَاثًا ثُمَّ بِالْأَيْسَرِ ثَلَاثًا. حِلْيَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَبْدَأُ بِالرَّأْسِ) أَيْ ثُمَّ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ، دُرَرٌ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ) كَذَا عَبَّرَ فِي النَّهْرِ، وَاَلَّذِي فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ التَّعْبِيرُ بِظَاهِرِ الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَحَادِيثِ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَفِي شَرْحِ الْبُرْجَنْدِيِّ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِعِدَّةِ أَحَادِيثَ أَوْرَدَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ اهـ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: تَصْحِيحُ الدُّرَرِ) هُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي مَتْنِهِ هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ نَقْلُ بَلَّةُ) بِكَسْرِ الْبَاءِ أَبُو السُّعُودِ.
(قَوْلُهُ: إلَى عُضْوٍ آخَرَ) مُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ اتَّحَدَ الْعُضْوُ صَحَّ فِي الْوُضُوءِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ.
(قَوْلُهُ: فِيهِ) أَيْ فِي الْغُسْلِ. قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: فَلَوْ وَضَعَ الْجُنُبُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى فِي الْغُسْلِ تَطْهُرُ السُّفْلَى بِمَاءِ الْعُلْيَا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ فِي الْجَنَابَةِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: بِشَرْطِ التَّقَاطُرِ) صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْغُسْلِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ صَحَّ وَلِقَوْلِهِ لَا فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لَيْسَتْ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ فَافْهَمْ. قَالَ ط: وَقَدَّمَ الشَّارِحُ أَنَّهُ يَجُوزُ مَسْحُ الرَّأْسِ بِبَلَلٍ بَاقٍ بَعْدَ غُسْلٍ لَا مَسْحٍ وَهُوَ لَيْسَ بِنَقْلٍ.
(قَوْلُهُ: وَفُرِضَ الْغُسْلُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْفَرْضِ مَا يَعُمُّ الْعِلْمِيَّ وَالْعَمَلِيَّ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مُسْتَيْقِظٍ بَلَلًا لَيْسَ مِمَّا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْحِلْيَةِ؛ وَلِذَا خَالَفَ فِيهِ أَبُو يُوسُفَ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: عِنْدَ خُرُوجِ) لَمْ يَقُلْ بِخُرُوجِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ مَا لَا يَحِلُّ مَعَ الْجَنَابَةِ كَمَا اخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ وَسَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ وَعِنْدَ انْقِطَاعِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، وَلَوْ قَالَ وَبَعْدَ خُرُوجٍ لَكَانَ أَظْهَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبْلَ السَّبَبِ.
(قَوْلُهُ: مَنِيٍّ) أَيْ مَنِيِّ الْخَارِجِ مِنْهُ، الْخِلَافُ مَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَرْأَةِ مَنِيُّ الرَّجُلِ كَمَا يَأْتِي، وَشَمِلَ مَا يَكُونُ بِهِ بُلُوغُ الْمُرَاهِقِ عَلَى مَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْعُضْوِ) هُوَ ذَكَرُ الرَّجُلِ وَفَرْجُ الْمَرْأَةِ الدَّاخِلُ احْتِرَازًا عَنْ خُرُوجِهِ مِنْ مَقَرِّهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْعُضْوِ بِأَنْ بَقِيَ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ أَوْ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ، أَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ جُرْحٍ فِي الْخُصْيَةِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْ مَقَرِّهِ بِشَهْوَةٍ فَالظَّاهِرُ افْتِرَاضُ الْغُسْلِ. وَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَتَرَائِبُ الْمَرْأَةِ) أَيْ عِظَامُ صَدْرِهَا كَمَا فِي الْكَشَّافِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنِيُّهُ أَبْيَضُ إلَخْ) وَأَيْضًا مَنِيُّهُ خَاثِرٌ وَمَنِيُّهَا رَقِيقٌ.
(قَوْلُهُ: إنْ مَنِيُّهَا) أَيْ
стр. 155
أَعَادَتْ الْغُسْلَ لَا الصَّلَاةَ وَإِلَّا لَا (بِشَهْوَةٍ) أَيْ لَذَّةٍ وَلَوْ حُكْمًا كَمُحْتَلِمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّفْقَ لِيَشْمَلَ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الدَّفْقَ فِيهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَأَمَّا إسْنَادُهُ إلَيْهِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] الْآيَةَ، فَيَحْتَمِلُ التَّغْلِيبَ فَالْمُسْتَدِلُّ بِهَا كالقهستاني تَبَعًا لِأَخِي جَلَبِي غَيْرُ مُصِيبٍ تَأَمَّلْ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِلثَّانِي وَلِذَا قَالَ (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ (بِهَا) وَشَرَطَهُ أَبُو يُوسُفَ، وَبِقَوْلِهِ يُفْتَى فِي ضَيْفٍ خَافَ رِيبَةً أَوْ اسْتَحَى كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ والتتارخانية مَعْزِيًّا لِلنَّوَازِلِ: وَبِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قُلْت
ــ
[رد المحتار]
يَقِينًا، فَلَوْ شَكَّتْ فِيهِ فَلَا تُعِيدُ الْغُسْلَ اتِّفَاقًا لِلِاحْتِمَالِ وَالْأَوْلَى الْإِعَادَةُ عَلَى قَوْلِهِمَا احْتِيَاطًا نُوحٌ أَفَنْدِي.
(قَوْلُهُ: لَا الصَّلَاةَ) كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُعِيدُ مَا صَلَّى إذَا خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ بَعْدَ الْغُسْلِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْفَتْحِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمُبْتَغِي: بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، يَعْنِي أَنَّهَا تُعِيدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَفِي نَظَرٍ ظَاهِرٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ كَذَا فِي الْحِلْيَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ. وَأَجَابَ الْمَقْدِسِيَّ بِحَمْلِ قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُعِيدُ أَصْلًا أَيْ لَا الْغُسْلَ وَلَا الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاءُ الرَّجُلِ اهـ. أَقُولُ: أَيْ إذَا لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ مَاؤُهَا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنِيَّهَا بَلْ مَنِيُّ الرَّجُلِ لَا تُعِيدُ شَيْئًا وَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ رَمْلِيٌّ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة.
(قَوْلُهُ: بِشَهْوَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مُنْفَصِلٍ، اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَوْ انْفَصَلَ بِضَرْبٍ أَوْ حَمْلٍ ثَقِيلٍ عَلَى ظَهْرِهِ، فَلَا غُسْلَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَا فِي الدُّرَرِ.
(قَوْلُهُ: كَمُحْتَلِمٍ) فَإِنَّهُ لَا لَذَّةَ لَهُ يَقِينًا لِفَقْدِ إدْرَاكِهِ ط فَتَأَمَّلْ. وَقَالَ الرَّحْمَتِيُّ: أَيْ إذَا رَأَى الْبَلَلَ وَلَمْ يُدْرِكْ اللَّذَّةَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّهُ أَدْرَكَهَا ثُمَّ ذَهِلَ عَنْهَا فَجُعِلَتْ اللَّذَّةُ حَاصِلَةً حُكْمًا.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّفْقَ) إشَارَةٌ إلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْكَنْزِ حَيْثُ ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ فِي الْبَحْرِ زَيَّفَ كَلَامَهُ وَجَعَلَهُ مُتَنَاقِضًا، وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْبَحْرِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الدَّفْقِ هُوَ سُرْعَةُ الصَّبِّ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ لَا مِنْ مَقَرِّهِ. وَأَمَّا مَا أَجَابَ بِهِ فِي النَّهْرِ عَنْ الْكَنْزِ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ كَوْنُهُ دَافِقًا مِنْ مَقَرِّهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ إنَّ الْمَاءَ يَكُونُ دَافِقًا أَيْ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ يَدْفُقُ بَعْضًا، فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ النَّهْرِ نَفْسُهُ: إنِّي لَمْ أَرَ مَنْ عَرَّجَ عَلَيْهِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: غَيْرُ ظَاهِرٍ) أَيْ لِاتِّسَاعِ مَحَلِّهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إسْنَادُهُ إلَخْ) أَيْ إسْنَادُ الدَّفْقِ إلَى مَنِيِّ الْمَرْأَةِ أَيْضًا أَيْ كَإِسْنَادِهِ إلَى مَنِيِّ الرَّجُلِ.
(قَوْلُهُ: فَيَحْتَمِلُ التَّغْلِيبَ) أَيْ تَغْلِيبَ مَاءِ الرَّجُلِ لِأَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى مَاءِ الْمَرْأَةِ.
(قَوْلُهُ: فَالْمُسْتَدِلُّ بِهَا) أَيْ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ فِي مَنِيِّهَا دَفْقًا أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: تَأَمَّلْ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى إمْكَانِ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الدَّفْقِ مِنْهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ فِيهِ دَفْقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَالرَّجُلِ، أَفَادَهُ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِيَشْمَلَ، وَالضَّمِيرُ لِلدَّفْقِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَلِذَا قَالَ إلَخْ) أَيْ لِكَوْنِ الدَّفْقِ لَيْسَ شَرْطًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِهَا: أَيْ بِشَهْوَةٍ، فَإِنَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْخُرُوجِ بِهَا مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الدَّفْقِ إذْ لَا يُوجَدُ الدَّفْقُ بِدُونِهَا.
(قَوْلُهُ: وَشَرَطَهُ أَبُو يُوسُفَ) أَيْ شَرَطَ الدَّفْقَ، وَأَثَرُ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ احْتَلَمَ أَوْ نَظَرَ بِشَهْوَةٍ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ حَتَّى سَكَنَتْ شَهْوَتُهُ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَأَنْزَلَ وَجَبَ عِنْدَهُمَا لَا عِنْدَهُ، وَكَذَا لَوْ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ بَعْدَ الْغُسْلِ قَبْلَ النَّوْمِ أَوْ الْبَوْلِ أَوْ الْمَشْيِ الْكَثِيرِ نَهْرٌ أَيْ لَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ وَالْبَوْلَ وَالْمَشْيَ يَقْطَعُ مَادَّةَ الزَّائِلِ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ فَيَكُونُ الثَّانِي زَائِلًا عَنْ مَكَانِهِ بِلَا شَهْوَةٍ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا زَيْلَعِيٌّ، وَأَطْلَقَ الْمَشْيَ كَثِيرٌ، وَقَيَّدَهُ فِي الْمُجْتَبَى بِالْكَثِيرِ وَهُوَ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْخُطْوَةَ وَالْخُطْوَتَيْنِ لَا يَكُونُ مِنْهُمَا ذَلِكَ حِلْيَةٌ وَبَحْرٌ. قَالَ الْمَقْدِسِيَّ: وَفِي خَاطِرِي أَنَّهُ عُيِّنَ لَهُ أَرْبَعُونَ خُطْوَةً فَلْيُنْظَرْ. اهـ.
(قَوْلُهُ: خَافَ رِيبَةً) أَيْ تُهْمَةً.
(قَوْلُهُ: وَبِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ نَأْخُذُ) أَيْ فِي الضَّيْفِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْفَقِيهَ أَبَا اللَّيْثِ وَخَلَفَ بْنَ أَيُّوبَ أَخَذَا بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ إسْمَاعِيلَ.
(قَوْلُهُ: قُلْت إلَخْ) ظَاهِرُهُ الْمَيْلُ إلَى اخْتِيَارِ مَا فِي النَّوَازِلِ، وَلَكِنْ أَكْثَرُ الْكُتُبِ عَلَى خِلَافِهِ حَتَّى الْبَحْرُ وَالنَّهْرُ، وَلَا سِيَّمَا قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ قَوْلَهُ قِيَاسٌ وَقَوْلَهُمَا اسْتِحْسَانٌ وَأَنَّهُ الْأَحْوَطُ، فَيَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِهِ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ فَقَطْ تَأَمَّلْ.
стр. 156
وَلَا سِيَّمَا فِي الشِّتَاءِ وَالسَّفَرِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: خَرَجَ مَنِيٌّ بَعْدَ الْبَوْلِ وَذَكَرُهُ مُنْتَشِرٌ لَزِمَهُ الْغُسْلُ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَمَحَلُّهُ إنْ وَجَدَ الشَّهْوَةَ، وَهُوَ تَقْيِيدُ قَوْلِهِمْ بِعَدَمِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِهِ بَعْدِ الْبَوْلِ.
(وَ) عِنْدَ (إيلَاجِ حَشَفَةِ) هِيَ مَا فَوْقَ الْخِتَانِ (آدَمِيٍّ) احْتِرَازٌ عَنْ الْجِنِّيِّ يَعْنِي إذَا لَمْ تَنْزِلْ وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّ كَمَا فِي الْبَحْرِ (أَوْ) إيلَاجُ (قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا) وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ
ــ
[رد المحتار]
وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلِ عَنْ الْمَنْصُورِيَّةِ قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ: يُؤْخَذُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي صَلَوَاتٍ مَاضِيَةٍ فَلَا تُعَادُ، وَفِي مُسْتَقْبَلَةٍ لَا يُصَلِّي مَا لَمْ يَغْتَسِلْ. اهـ. [تَنْبِيهٌ] إذَا لَمْ يَتَدَارَكْ مَسْكَ ذَكَرِهِ حَتَّى نَزَلَ الْمَنِيُّ صَارَ جُنُبًا بِالِاتِّفَاقِ، فَإِذَا خَشِيَ الرِّيبَةَ يَتَسَتَّرُ بِإِيهَامِ أَنَّهُ يُصَلِّي بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَنِيَّةٍ وَتَحْرِيمَةٍ فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ وَيَرْكَعُ شِبْهَ الْمُصَلِّي إمْدَادٌ.
(قَوْلُهُ: وَمَحْمَلُهُ) أَيْ مَا فِي الْخَانِيَّةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ فِي حَالَةِ الِانْتِشَارِ وَجَدَ الْخُرُوجَ وَالِانْفِصَالَ جَمِيعًا عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ اهـ: وَعِبَارَةُ الْمُحِيطِ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ: رَجُلٌ بَالَ فَخَرَجَ مِنْ ذَكَرِهِ مَنِيٌّ، إنْ كَانَ مُنْتَشِرًا فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلَالَةُ خُرُوجِهِ عَنْ شَهْوَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ مَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: تَقْيِيدُ قَوْلِهِمْ) أَيْ فَيُقَالُ إنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِهِ بَعْدَ الْبَوْلِ اتِّفَاقًا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا فَلَوْ مُنْتَشِرًا وَجَبَ؛ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ جَدِيدٌ وُجِدَ مَعَهُ الدَّفْقُ وَالشَّهْوَةُ. أَقُولُ: وَكَذَا يُقَيَّدُ عَدَمُ وُجُوبِهِ بِعَدَمِ النَّوْمِ وَالْمَشْيِ الْكَثِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ إيلَاجِ) أَيْ إدْخَالِ، وَهَذَا أَعْلَمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ لِشُمُولِهِ الدُّبُرَ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: هِيَ مَا فَوْقَ الْخِتَانِ) كَذَا فِي الْقَامُوسِ، زَادَ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ: وَفِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي: هِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ إلَى الْخِتَانِ، وَهُوَ: أَيْ الْخِتَانُ مَوْضِعُ قَطْعِ جِلْدِ الْقُلْفَةِ. اهـ. فَمَوْضِعُ الْقَطْعِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْحَشَفَةِ كَمَا شَرَحَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْحَشَفَةُ الْكَمَرَةُ. أَقُولُ: هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَا فَوْقَ الْخِتَانِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمُرَادِ بِهَا مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ إلَى الْخِتَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَحْوُ نِصْفِ الذَّكَرِ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَجِبَ الْغُسْلُ حَتَّى يَغِيبَ نِصْفُ الذَّكَرِ.
(قَوْلُهُ: احْتِرَازٌ عَنْ الْجِنِّيِّ) فَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ قَالَتْ مَعِي جِنِّيٌّ يَأْتِينِي مِرَارًا وَأَجِدُ مَا أَجِدُ إذَا جَامَعَنِي زَوْجِي لَا غُسْلَ عَلَيْهَا لِانْعِدَامِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْإِيلَاجُ أَوْ الِاحْتِلَامُ دُرَرٌ: وَوَقَعَ فِي الْبَحْرِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِمَا يَأْتِينِي فِي النَّوْمِ مِرَارًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رُؤْيَةُ مَنَامٍ، لَكِنْ ضَبَطَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ لَا بِالنُّونِ. أَقُولُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحِلْيَةِ: هَذَا إذَا كَانَ وَاقِعًا فِي الْيَقَظَةِ، فَلَوْ فِي الْمَنَامِ فَلَا شَكَّ أَنَّ لَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا لِلِاحْتِلَامِ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي إذَا لَمْ تَنْزِلْ) قَيَّدَ بِهِ فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَرَ الْمَاءَ، فَإِنْ رَأَتْهُ صَرِيحًا وَجَبَ كَأَنَّهُ احْتِلَامٌ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ لِوُجُودِ الْإِيلَاجِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّهُ يُجَامِعُهَا كَمَا لَا يَخْفَى اهـ: أَقُولُ إنْ كَانَ هَذَا مَنَامًا فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِلَّا فَإِنْ ظَهَرَ لَهَا بِصُورَةِ آدَمِيٍّ فَهُوَ الْبَحْثُ الْآتِي وَإِلَّا فَهُوَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ، وَالْمَنْقُولُ فِيهَا عَدَمُ الْوُجُوبِ لِعَدَمِ سَبَبِهِ كَمَا عَلِمْت، وَالْبَحْثُ فِي الْمَنْقُولِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهَا إلَخْ) وَهُوَ بَحْثٌ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ، لَكِنَّهُ تَرَدَّدَ فِيهِ فَقَالَ: أَمَّا إذَا ظَهَرَ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ وَكَذَا إذَا ظَهَرَ لِلرَّجُلِ جِنِّيَّةٌ فِي صُورَةِ آدَمِيَّةٍ فَوَطِئَهَا وَجَبَ الْغُسْلُ لِوُجُودِ الْمُجَانَسَةِ الصُّورِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ لَمْ تُوجَدْ بَيْنَهُمَا مُبَايَنَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَمِنْ ثَمَّ عَلَّلَ بِهِ بَعْضُهُمْ حُرْمَةَ التَّنَاكُحِ بَيْنَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الْغُسْلُ إلَّا بِالْإِنْزَالِ كَمَا فِي الْبَهِيمَةِ وَالْمَيْتَةِ، نَعَمْ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا بَعْدَ الْوَطْءِ وَجَبَ الْغُسْلُ فِيمَا يَظْهَرُ لِانْتِفَاءِ مَا يُفِيدُ قُصُورَ السَّبَبِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مَقْطُوعِهَا) أَيْ مِنْ ذَكَرٍ مَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ.
стр. 157
قَدْرُهَا. قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ، لَمْ أَرَهُ (فِي أَحَدِ سَبِيلَيْ آدَمِيٍّ) حَيٍّ (يُجَامَعُ مِثْلُهُ) سَيَجِيءُ مُحْتَرَزُهُ (عَلَيْهِمَا) أَيْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ (لَوْ) كَانَ (مُكَلَّفَيْنِ) وَلَوْ أَحَدُهُمَا مُكَلَّفًا فَعَلَيْهِ فَقَطْ دُونَ الْمُرَاهِقِ، لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَغْتَسِلَ، وَيُؤْمَرُ بِهِ ابْنُ عَشْرٍ تَأْدِيبًا (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يُنْزِلْ) مَنِيًّا بِالْإِجْمَاعِ، يَعْنِي لَوْ فِي دُبُرِ غَيْرِهِ، أَمَّا فِي دُبُرِ نَفْسِهِ فَرَجَّحَ فِي النَّهْرِ عَدَمَ الْوُجُوبِ إلَّا بِالْإِنْزَالِ: وَلَا يَرِدُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَإِنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ بِإِيلَاجِهِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ وَلَا عَلَى مَنْ جَامَعَهُ إلَّا بِالْإِنْزَالِ؛
ــ
[رد المحتار]
بَقِيَ لَوْ كَانَ مَقْطُوعَ الْبَعْضِ مِنْهَا هَلْ يُنَاطُ الْحُكْمُ بِالْبَاقِي مِنْهَا أَمْ يُقَدِّرُ مِنْ الذَّكَرِ قَدْرَ مَا ذَهَبَ مِنْهَا كَمَا يُقَدِّرُ مِنْهُ لَوْ كَانَ الذَّاهِبُ كُلَّهَا لَمْ أَرَهُ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ إلَخْ) جَوَابُ لَوْ وَعِبَارَتُهُ فِي أَحْكَامِ غَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ مِنْ الْفَنِّ الثَّانِي: وَإِنْ لَمْ يَبْقَ قَدْرُهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ لِكَوْنِهَا كُلِّيَّةً وَلَمْ أَرَهُ الْآنَ. اهـ. وَنَقَلَ ط عَنْ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِقَدْرِهَا أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ حُكْمٌ وَيُفْتَى بِهِ عِنْدَ السُّؤَالِ. اهـ. أَيْ لِأَنَّ مَفَاهِيمَ الْكُتُبِ مُعْتَبَرَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: آدَمِيٍّ) احْتِرَازٌ عَنْ الْبَهِيمَةِ كَمَا يَأْتِي، وَعَنْ الْجِنِّيَّةِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: سَيَجِيءُ مُحْتَرَزُهُ) أَيْ مُحْتَرَزُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ.
(قَوْلُهُ: مُكَلَّفَيْنِ) أَيْ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحَدُهُمَا إلَخْ) لَكِنْ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُكَلَّفَةَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ مِمَّنْ يَشْتَهِي وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَيْضًا كَمَا يَأْتِي فِي الشَّرْحِ.
(قَوْلُهُ: تَأْدِيبًا) فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا يُؤْمَرُ بِهِ اعْتِيَادًا وَتَخَلُّقًا كَمَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ. وَفِي الْقُنْيَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَطِئَ صَبِيَّةً يُجَامَعُ مِثْلُهَا يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ جَبْرَهَا وَتَأْدِيبَهَا عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرَّازِيّ: تُضْرَبُ عَلَى الِاغْتِسَالِ وَبِهِ نَقُولُ، وَكَذَا الْغُلَامُ الْمُرَاهِقُ يُضْرَبُ عَلَى الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: بِالْإِجْمَاعِ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَمَنْسُوخٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَوُجُوبُهُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ فِي الدُّبُرِ بِالْقِيَاسِ احْتِيَاطًا، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ فِي أَحَدِ سَبِيلَيْ آدَمِيٍّ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِدُبُرِ نَفْسِ الْمُولِجِ.
(قَوْلُهُ: فَرَجَّحَ فِي النَّهْرِ إلَخْ) هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا فِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ إلَّا بِالْإِنْزَالِ؛ إذْ هُوَ أَوْلَى مِنْ الصَّغِيرَةِ وَالْمَيْتَةِ فِي قُصُورِ الدَّاعِي، وَعُرِفَ بِهَذَا عَدَمُ الْوُجُوبِ بِإِيلَاجِ الْإِصْبَعِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُرَدُّ) أَيْ عَلَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْحَشَفَةُ وَأَحَدُ السَّبِيلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ لِجَوَازِ كَوْنِهِ امْرَأَةً، وَهَذَا الذَّكَرُ مِنْهُ زَائِدٌ فَيَكُونُ كَالْإِصْبَعِ وَأَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَفَرْجُهُ كَالْجُرْحِ فَلَا يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِهِ: قُلْت: وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مُعَامَلَةُ الْخُنْثَى بِالْأَضَرِّ فِي أَحْوَالِهِ، وَعَلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ إمْدَادٌ. أَقُولُ: سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ هَذَا الْإِشْكَالَ آخِرَ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الْخُنْثَى وَسَنُوَضِّحُ الْجَوَابَ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَكَرْنَاهُ هُنَا فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا عَلَى مَنْ جَامَعَهُ) أَيْ فِي قُبُلِهِ، فَلَوْ جَامَعَهُ رَجُلٌ فِي دُبُرِهِ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا كَمَا أَفَادَهُ ط أَيْ لِعَدَمِ الْإِشْكَالِ فِي الدُّبُرِ، وَكَذَا لَا إشْكَالَ فِيمَا لَوْ جَامَعَ وَجُومِعَ لِتَحَقُّقِ جَنَابَتِهِ بِأَحَدِ
стр. 158
لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَشَفَةٍ وَسَبِيلَيْنِ مُحَقَّقَيْنِ.
(وَ) عِنْدَ (رُؤْيَةِ مُسْتَيْقِظٍ) خَرَجَ رُؤْيَةُ السَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ الْمَذْيَ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا (وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ) إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ أَوْ كَانَ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا قُبَيْلَ النَّوْمِ فَلَا غُسْلَ
ــ
[رد المحتار]
الْفِعْلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكَلَامَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَلَا يُرَدُّ.
(قَوْلُهُ: وَسَبِيلَيْنِ) أَيْ وَأَحَدُ سَبِيلَيْنِ، فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَتْنِ السَّابِقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُحَقَّقَيْنِ أَيْ الْحَشَفَةِ وَأَحَدِ السَّبِيلَيْنِ فَافْهَمْ، وَالْأَحْسَنُ إبْدَالُ السَّبِيلَيْنِ بِالْقُبُلِ كَمَا فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ السَّبِيلَ يَشْمَلُ الدُّبُرَ، وَهُوَ مِنْ الْخُنْثَى مُحَقَّقٌ
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ رُؤْيَةِ مُسْتَيْقِظٍ) أَيْ بِفَخِذِهِ أَوْ ثَوْبِهِ بَحْرٌ، وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ الْعِلْمُ لِيَشْمَلَ الْأَعْمَى، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(قَوْلُهُ: خَرَجَ رُؤْيَةُ السَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ الْمَذْيَ) أَيْ بَعْدَ إفَاقَتِهِمَا بَحْرٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الِاحْتِلَامِ فَيُحَالُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنِيٌّ رَقَّ بِالْهَوَاءِ أَوْ لِلْغِذَاءِ فَاعْتَبَرْنَاهُ مَنِيًّا احْتِيَاطًا، وَلَا كَذَلِكَ السَّكْرَانُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمَا هَذَا السَّبَبُ بَحْرٌ، وَقَوْلُهُ الْمَذْيُ مَفْعُولُ رُؤْيَةٍ وَهُمَا مَوْجُودَانِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ بِرُؤْيَةِ الْمَنِيِّ يَجِبُ الْغُسْلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ ط: وَأَشَارَ بِهِ أَيْ بِالتَّقْيِيدِ بِالْمَذْيِ إلَى أَنَّ فِي مَفْهُومِ الْمُسْتَيْقِظِ تَفْصِيلًا، وَأَمَّا أَحْسَنُ مَا صُنِعَ وَلَا تَكَلُّفَ فِيهِ اهـ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ أَوْ شَكَّ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَوْ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ فِي الْأَخِيرَيْنِ أَوْ فِي الثَّلَاثَةِ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ احْتِلَامًا أَوْ لَا فَيَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا فِي سَبْعِ صُوَرٍ مِنْهَا وَهِيَ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَذْيٌ، أَوْ شَكَّ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَوْ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ فِي الْأَخِيرَيْنِ أَوْ فِي الثَّلَاثَةِ مَعَ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ فِيهَا، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنِيٌّ مُطْلَقًا، وَلَا يَجِبُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ وَدْيٌ مُطْلَقًا، وَفِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ شَكَّ فِي الْأَخِيرَيْنِ مَعَ عَدَمِ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ؛ وَيَجِبُ عِنْدَهُمَا فِيمَا إذَا شَكَّ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَوْ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ فِي الثَّلَاثَةِ احْتِيَاطًا، وَلَا يَجِبُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمُوجِبِ، وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ ذَكَرَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ صُورَةً وَزِدْت الشَّكَّ فِي الثَّلَاثَةِ تَذَكَّرْ أَوَّلًا أَخْذًا مِنْ عِبَارَتِهِ. اهـ. ح. أَقُولُ: إذَا عَرَفَتْ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الصُّوَرِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا سَكَتَ عَنْهُ مُخَالِفًا فِي الْحُكْمِ لِمَا ذَكَرَهُ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ، نَعَمْ قَوْلُهُ أَوْ مَذْيًا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَذْيٌ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ احْتِلَامًا يَجِبُ الْغُسْلُ وَقَدْ عَلِمْت خِلَافَهُ. وَعِبَارَةُ النُّقَايَةِ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَأَشَارَ الْقُهُسْتَانِيُّ إلَى الْجَوَابِ حَيْثُ فَسَّرَ قَوْلَهُ أَوْ مَذْيًا بِقَوْلِهِ أَيْ شَيْئًا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ؛ لِأَنَّا لَا نُوجِبُ الْغُسْلَ بِالْمَذْيِ أَصْلًا بَلْ بِالْمَنِيِّ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَرِقُّ بِإِطَالَةِ الزَّمَانِ، فَالْمُرَادُ مَا صُورَتُهُ صُورَةُ الْمَذْيِ لَا حَقِيقَتُهُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ اهـ فَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ) مِنْ الْحُلْمِ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ لِمَا يَرَاهُ النَّائِمُ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْ الْجِمَاعِ نَهْرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ، الْوَاوُ فِي نَظِيرِ هَذَا التَّرْكِيبِ، فَقِيلَ إنَّهَا لِلْحَالِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ يَجِبُ الْغُسْلُ، وَيُفْهَمُ وُجُوبُهُ إذَا تَذَكَّرَ بِالْأَوْلَى، وَقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ: أَيْ إنْ تَذَكَّرَ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا عَلِمَ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ مَذْيًا مَعَ تَقْيِيدِهِ لِعَدَمِ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَنْطُوقُ، سَوَاءٌ جُعِلَتْ الْوَاوُ لِلْحَالِ أَوْ لِلْعَطْفِ، لَكِنْ عَلَى جَعْلِهَا لِلْحَالِ أَظْهَرُ، إذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ، وَلَوْ جُعِلَتْ لِلْعَطْفِ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَفْرُوضٌ عَلَى عَدَمِ التَّذَكُّرِ الْمَنْطُوقِ، وَمَعَ التَّذَكُّرِ الْمُقَدَّرِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ الْآتِي اتِّفَاقًا. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ قَدْ أَصْلَحَ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ أَوْ مَذْيًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ رَأَى مَذْيًا حَقِيقَةً بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَذْيٌ، أَوْ أَنَّهُ رَأَى مَذْيًا صُورَةً بِأَنْ رَأَى بَلَلًا وَشَكَّ فِي أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ، أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ، فَاسْتَثْنَى مَا عَدَا الْأَخِيرَ وَصَارَ قَوْلُهُ أَوْ مَذْيًا مَفْرُوضًا فِيمَا إذَا شَكَّ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ فَقَطْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَهَذِهِ الصُّورَةُ
стр. 159
عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَالْوَدْيِ، لَكِنْ فِي الْجَوَاهِرِ إلَّا إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ تَذَكَّرَ حُلْمًا فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ (لَا) يُفْتَرَضُ (إنْ تَذَكَّرَ وَلَوْ مَعَ اللَّذَّةِ) وَالْإِنْزَالِ (وَلَمْ يَرَ) عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ (بَلَلًا) إجْمَاعًا (وَكَذَا الْمَرْأَةُ) مِثْلُ الرَّجُلِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ وُجِدَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَاءٌ وَلَا مُمَيِّزَ وَلَا تَذَكُّرَ وَلَا نَامَ قَبْلَهُمَا غَيْرُهُمَا اغْتَسَلَا.
(أَوْلَجَ حَشَفَتَهُ) أَوْ قَدْرَهَا
ــ
[رد المحتار]
يَجِبُ فِيهَا الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ لَكِنْ بَقِيَتْ هَذِهِ صَادِقَةٌ بِمَا إذَا كَانَ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا قَبْلَ النَّوْمِ أَوْ لَا، مَعَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُنْتَشِرًا لَا يَجِبُ الْغُسْلُ فَاسْتَثْنَاهُ أَيْضًا، فَصَارَ جُمْلَةُ الْمُسْتَثْنَيَاتِ ثَلَاثَ صُوَرٍ لَا يَجِبُ فِيهَا الْغُسْلُ اتِّفَاقًا مَعَ عَدَمِ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ كَمَا قُلْنَا، وَبِهَذَا الْحَلِّ الَّذِي هُوَ مِنْ فَيْضِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ ظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْمُتَعَاطِفَاتِ مُرْتَبِطَةٌ بِبَعْضِهَا وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهَا كُلِّهَا مُتَّصِلٌ، وَلِلَّهِ دَرُّ هَذَا الشَّارِحِ الْفَاضِلِ، فَكَثِيرًا مَا تَخْفَى إشَارَتُهُ عَلَى الْمُعْتَرِضِينَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْمَاهِرِينَ، فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: كَالْوَدْيِ) فَإِنَّهُ لَا غُسْلَ فِيهِ اتِّفَاقًا وَإِنْ تَذَكَّرَ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي الْجَوَاهِرِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ عَدَمَ الْغُسْلِ فِيهَا تَبَعًا لِكَثِيرٍ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ: أَنْ يَكُونَ نَوْمُهُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا، أَوْ أَنْ لَا يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ، وَأَنْ لَا يَتَذَكَّرَ حُلْمًا، فَإِذَا فُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهَا بِأَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ تَيَقَّنَ أَوْ تَذَكَّرَ وَجَبَ الْغُسْلُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ: وَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ فِي إحْلِيلِهِ بَلَلًا وَلَمْ يَتَذَكَّرْ حُلْمًا، إنْ كَانَ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا قَبْلَ النَّوْمِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، هَذَا إذَا نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا، أَمَّا إذْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا وَالنَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِانْتِشَارَ قَبْلَ النَّوْمِ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْمَذْيِ، فَمَا يَرَاهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ حُلْمًا وَيَعْلَمْ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ يَكُنْ نَامَ مُضْطَجِعًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلِاسْتِرْخَاءِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي النَّوْمِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الِاحْتِلَامِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّهُ رَاجَعَ الذَّخِيرَةَ وَالْمُحِيطَ الْبُرْهَانِيَّ فَلَمْ يَرَ تَقْيِيدَ عَدَمِ الْغُسْلِ بِمَا إذَا نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا، ثُمَّ بَحَثَ وَقَالَ إنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا غَيْرُ ظَاهِرٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَيَقَّنَ) عَبَّرَ بِهِ تَبَعًا لِلْمُنْيَةِ؛ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْعِلْمِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَالْعِلْمُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا. وَعِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ مَنِيٌّ فَيَلْزَمُهُ الْغُسْلُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ اللَّذَّةِ وَالْإِنْزَالِ) أَيْ مَعَ تَذَكُّرِهِمَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَنْزَلَ؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَلَلًا ط.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمَرْأَةُ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمِعْرَاجِ: لَوْ احْتَلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يَخْرُجْ الْمَاءُ إلَى ظَهْرِ فَرْجِهَا عَنْ مُحَمَّدٍ يَجِبُ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّهَا إلَى فَرْجِهَا الْخَارِجِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وُجِدَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الزَّوْجَانِ فِي فِرَاشِهِمَا مَنِيًّا وَلَمْ يَتَذَكَّرَا احْتِلَامًا، فَقِيلَ إنْ كَانَ أَبْيَضَ غَلِيظًا فَمَنِيُّ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ رَقِيقًا فَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ. وَقَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا، وَعَزَا هَذَا الثَّانِيَ فِي الْحِلْيَةِ إلَى ابْنِ الْفَضْلِ، وَقَالَ: وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ وَالْخُلَاصَةِ، وَاسْتَظْهَرَ فِي الْفَتْحِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَقَيَّدَ الْوُجُوبَ عَلَيْهِمَا بِعَدَمِ التَّذَكُّرِ وَعَدَمِ الْمُمَيِّزِ مِنْ غِلَظٍ وَرِقَّةٍ أَوْ بَيَاضٍ وَصُفْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: فَلَا خِلَافَ إذَنْ، وَاسْتَحْسَنَهُ فِي الْحِلْيَةِ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ الْمُمَيِّزَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمِزَاجِ وَالْأَغْذِيَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَالِاحْتِيَاطُ هُوَ الْأَوَّلُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا نَامَ قَبْلَهُمَا غَيْرُهُمَا) ذَكَرَهُ فِي الْحِلْيَةِ بَحْثًا وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ قَالَ: فَلَوْ كَانَ قَدْ نَامَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا وَكَانَ الْمَنِيُّ الْمَرْئِيُّ يَابِسًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
стр. 160
(مَلْفُوفَةً بِخِرْقَةٍ، إنْ وَجَدَ لَذَّةَ) الْجِمَاعِ (وَجَبَ) الْغُسْلُ (وَإِلَّا لَا) عَلَى الْأَصَحِّ وَالْأَحْوَطُ الْوُجُوبُ.
(وَ) عِنْدَ (انْقِطَاعِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) هَذَا وَمَا قَبْلَهُ الْحُكْمُ إلَى الشَّرْطِ: أَيْ يَجِبُ عِنْدَهُ لَا بِهِ، بَلْ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ أَوْ إرَادَةِ مَا لَا يَحِلُّ كَمَا مَرَّ.
(لَا) عِنْدَ (مَذْيٍ أَوْ وَدْيٍ) بَلْ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَمِنْ الْبَوْلِ جَمِيعًا عَلَى الظَّاهِرِ
ــ
[رد المحتار]
تَنْبِيهٌ]
التَّقْيِيدُ بِالزَّوْجَيْنِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَمْلِيٌّ عَلَى الْبَحْرِ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ اتِّفَاقِيٌّ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ وَلِذَا قَالَ ط: الْأَجْنَبِيُّ وَالْأَجْنَبِيَّةُ كَذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ كَانَا رَجُلَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ، فَالظَّاهِرُ اتِّحَادُ الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: إنْ وَجَدَ لَذَّةَ الْجِمَاعِ) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ الْخِرْقَةُ رَقِيقَةً بِحَيْثُ يَجِدُ حَرَارَةَ الْفَرْجِ وَاللَّذَّةَ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ مَا لَمْ يُنْزِلْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى مُولِجًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ بَحْرٌ، وَظَاهِرُ الْقَوْلَيْنِ الْإِطْلَاقُ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَحْوَطُ الْوُجُوبُ) أَيْ وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ بَحْرٌ وَسِرَاجٌ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اخْتِيَارٌ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلِ عَنْ عُيُونِ الْمَذَاهِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَغَابَتْ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ»
(قَوْلُهُ: هَذَا إلَخْ) الْإِشَارَةُ إلَى إسْنَادِ فَرْضِيَّةِ الْغُسْلِ إلَى الِانْقِطَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَفَرْضٌ عِنْدَ انْقِطَاعِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَأَرَادَ بِمَا قَبْلَهُ إسْنَادُ الْفَرْضِيَّةِ إلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْإِيلَاجِ وَرُؤْيَةِ الْمُسْتَيْقِظِ، وَأَرَادَ بِالْإِضَافَةِ الْإِسْنَادَ وَالتَّعْلِيقَ: أَيْ إسْنَادَ فَرْضِيَّةِ الْغُسْلِ إلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَتَعْلِيقُهَا عَلَيْهَا مَجَازٌ مِنْ إسْنَادِ الْحُكْمِ، وَهُوَ هُنَا الْفَرْضِيَّةُ إلَى الشَّرْطِ، وَهُوَ هُنَا هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ وَلَيْسَ مِنْ إسْنَادِ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَجِبُ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ تَحَقُّقِ الِانْقِطَاعِ وَنَحْوِهِ، وَالْمُرَادُ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: بَلْ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ) أَيْ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُ أَوْ إرَادَةِ مَا لَا يَحِلُّ: أَيْ عِنْدَ عَدَمِ ضِيقِ الْوَقْتِ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ وُجُوبِ الْغُسْلِ. وَعِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ إرَادَةُ فِعْلِ مَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ مَعَ الْجَنَابَةِ وَقِيلَ وُجُوبُ مَا لَا يَحِلُّ مَعَهَا. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إرَادَةُ فِعْلِ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ عِنْدَ عَدَمِ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ عِنْدَ وُجُوبِ مَا لَا يَصِحُّ مَعَهَا، وَذَلِكَ عِنْدَ ضِيقٍ لِمَا قَالَ فِي الْكَافِي إنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْغُسْلِ الصَّلَاةُ أَوْ إرَادَةُ مَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ مَعَ الْجَنَابَةِ وَالْإِنْزَالِ وَالِالْتِقَاءُ شَرْطٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي الْوُضُوءِ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ هُنَاكَ.
(قَوْلُهُ: لَا عِنْدَ مَذْيٍ) أَيْ لَا يُفْرَضُ الْغُسْلُ عِنْدَ خُرُوجِ مَذْيٍ كَظَبْيٍ بِمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ وَيَاءٍ مُخَفَّفَةٍ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَفِيهِ الْكَسْرُ مَعَ التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَقِيلَ هُمَا لَحْنُ مَاءٌ رَقِيقٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عِنْدَ الشَّهْوَةِ لَا بِهَا، وَهُوَ فِي النِّسَاءِ أَغْلَبُ، قِيلَ هُوَ مِنْهُنَّ يُسَمَّى الْقَذَى بِمَفْتُوحَتَيْنِ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ وَدْيٌ) بِمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَيَاءٍ مُخَفَّفَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ كَسْرَ الدَّالِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ. قَالَ ابْنُ مَكِّيٍّ: لَيْسَ بِصَوَابٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ إنَّهُ الصَّوَابُ وَإِعْجَامُ الدَّالِ شَاذٌّ: مَاءٌ ثَخِينٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: بَلْ الْوُضُوءُ مِنْهُ إلَخْ) أَيْ بَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْوَدْيِ وَمِنْ الْبَوْلِ جَمِيعًا، وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْوُجُوبَ بِالْبَوْلِ السَّابِقِ عَلَى الْوَدْيِ فَكَيْفَ يَجِبُ بِهِ. وَبَيَانُ الْجَوَابِ أَنَّ وُجُوبَهُ بِالْبَوْلِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ بِالْوَدْيِ بَعْدَهُ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ رُعَافٍ فَرَعَفَ ثُمَّ بَالَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَتَوَضَّأَ فَالْوُضُوءُ مِنْهُمَا فَيَحْنَثُ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَتْ لَا تَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ فَجُومِعَتْ وَحَاضَتْ فَاغْتَسَلَتْ فَهُوَ مِنْهُمَا، وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ بَحْرٌ. وَذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَجْوِبَةٍ أُخَرَ: مِنْهَا أَنَّ الْوَدْيَ مَا يَخْرُجُ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْجِمَاعِ وَبَعْدَ الْبَوْلِ، وَهُوَ شَيْءٌ لَزِجٌ كَذَا فَسَّرَهُ فِي الْخِزَانَةِ وَالتَّبْيِينِ فَالْإِشْكَالُ إنَّمَا يُرَى عَلَى مَنْ اقْتَصَرَ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى مَا يَخْرُجُ بَعْدَ الْبَوْلِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الظَّاهِرِ) أَيْ إنْ قُلْنَا إنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ مِنْهُ وَمِنْ الْبَوْلِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ مَسْأَلَتَيْ الْيَمِينِ السَّابِقَيْنِ وَذَكَرَ الْمُحَقِّقُ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ الْحَدَثِ السَّابِقِ وَأَنَّ السَّبَبَ الثَّانِيَ لَمْ يُوجِبْ شَيْئًا لِاسْتِحَالَةِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ إلَّا إذَا وَقَعَا مَعًا كَأَنْ رَعَفَ وَبَالَ مَعًا قَرَّرَهُ الْآمِدِيُّ، قَالَ وَهُوَ مَعْقُولٌ يَجِبُ قَبُولُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُرْجَانِيِّ مِنْ مَشَايِخِنَا.
стр. 161
(وَ) لَا عِنْدَ (إدْخَالِ إصْبَعٍ وَنَحْوِهِ) كَذَكَرِ غَيْرِ آدَمِيٍّ وَذَكَرِ خُنْثَى وَمَيِّتٍ وَصَبِيٍّ لَا يَشْتَهِي وَمَا يُصْنَعُ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ (فِي الدُّبُرِ أَوْ الْقُبُلِ) عَلَى الْمُخْتَارِ (وَ) لَا عِنْدَ (وَطْءِ بَهِيمَةٍ أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ غَيْرِ مُشْتَهَاةٍ) بِأَنْ تَصِيرَ مُفْضَاةً بِالْوَطْءِ وَإِنْ غَابَتْ الْحَشَفَةُ وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ، فَلَا يَلْزَمُ إلَّا غَسْلُ الذَّكَرِ قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ النَّظْمِ، وَسَيَجِيءُ أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ طَاهِرَةٌ عِنْدَهُ فَتَنَبَّهْ (بِلَا إنْزَالٍ) لِقُصُورِ الشَّهْوَةِ
ــ
[رد المحتار]
وَالْحَقُّ أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَدَثِ بِالْأَوَّلِ فَقَطْ وَبَيْنَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِنَاؤُهُ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَدَثِ بَلْ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعُرْفُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ تَوَضَّأَ بَعْدَ بَوْلٍ وَرُعَافٍ تَوَضَّأَ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: غَيْرِ آدَمِيٍّ) كَجِنِّيٍّ وَقِرْدٍ وَحِمَارٍ.
(قَوْلُهُ: خُنْثَى) أَيْ مُشْكِلٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَا يُصْنَعُ) أَيْ عَلَى صُورَةِ الذَّكَرِ.
(قَوْلُهُ: فِي الدُّبُرِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِدْخَالٍ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمُخْتَارِ) قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: رَجُلٌ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي دُبُرِهِ وَهُوَ صَائِمٌ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَالْقَضَاءِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ وَلَا الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْإِصْبَعَ لَيْسَ آلَةً لِلْجِمَاعِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبَةِ ذَكَرَهُ فِي الصَّوْمِ، وَقَيَّدَ بِالدُّبُرِ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَارَ وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْقُبُلِ إذَا قَصَدَتْ الِاسْتِمْتَاعَ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ فِيهِنَّ غَالِبَةٌ فَيُقَامُ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ دُونَ الدُّبُرِ لِعَدَمِهَا نُوحٌ أَفَنْدِي. أَقُولُ: آخِرُ عِبَارَةِ التَّجْنِيسِ عِنْدَ قَوْلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبَةِ، وَقَدْ رَاجَعْتهَا مِنْهُ فَرَأَيْتهَا كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ وَقَيَّدَ إلَخْ مِنْ كَلَامِ نُوحٍ أَفَنْدِي، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُخْتَارَ وُجُوبُ الْغُسْلِ إلَخْ بَحْثٌ مِنْهُ سَبَقَهُ إلَيْهِ شَارِحُ الْمُنْيَةِ، حَيْثُ قَالَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَجِبَ فِي الْقُبُلِ إلَخْ، وَقَدْ نَبَّهَ فِي الْإِمْدَادِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ بَحْثٌ مِنْ شَارِحِ الْمُنْيَةِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا عِنْدَ وَطْءِ بَهِيمَةٍ إلَخْ) مُحْتَرِزَاتُ قَوْلِهِ فِي أَحَدِ سَبِيلَيْ آدَمِيٍّ حَيٍّ يُجَامَعُ مِثْلُهُ. وَفِي الْقُنْيَةِ بِرَمْزِ أَجْنَاسِ النَّاطِفِيِّ فَرَجُ الْبَهِيمَةِ كَفِيهَا لَا غُسْلَ فِيهِ بِغَيْرِ إنْزَالٍ وَيُعَزَّرُ، وَتُذْبَحُ الْبَهِيمَةُ وَتُحْرَقُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا يَحْرُمُ أَكْلُ لَحْمِهَا بِهِ. اهـ. وَسَيَأْتِي فِي الْحُدُودِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ تَصِيرَ مُفْضَاةً) أَيْ مُخْتَلِطَةَ السَّبِيلَيْنِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، فَقِيلَ يَجِبُ الْغُسْلُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ لَا مُطْلَقًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْإِيلَاجُ فِي مَحَلِّ الْجِمَاعِ مِنْ الصَّغِيرَةِ وَلَمْ يَفُضَّهَا فَهِيَ مِمَّنْ تُجَامَعُ فَيَجِبُ الْغُسْلُ سِرَاجٌ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْوُجُوبَ مَشْرُوطٌ بِمَا إذَا زَالَتْ الْبَكَارَةُ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ فِي الْكَبِيرَةِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا فَفِيهَا بِالْأَوْلَى، فَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ قَدْ يُقَالُ إنَّ بَقَاءَ الْبَكَارَةِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْإِيلَاجِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ كَمَا اخْتَارَهُ فِي النِّهَايَةِ فِيهِ نَظَرٌ، فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: قُهُسْتَانِيٌّ) أَقُولُ: عِبَارَتُهُ وَطْءُ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيْتَةِ غَيْرُ نَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ بِلَا إنْزَالٍ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا غَسْلُ الذَّكَرِ كَمَا فِي صَوْمِ النَّظْمِ. اهـ. وَكَأَنَّ الشَّارِحَ قَاسَ الصَّغِيرَةَ عَلَيْهِمَا تَأَمَّلْ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ النَّاقِضَةَ لِلْوُضُوءِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ مُشْتَهِيَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَجِيءُ) أَيْ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ. مَطْلَبٌ فِي رُطُوبَةِ الْفَرْجِ
(قَوْلُهُ: الْفَرْجِ) أَيْ الدَّاخِلِ، أَمَّا الْخَارِجُ فَرُطُوبَتُهُ طَاهِرَةٌ بِاتِّفَاقٍ بِدَلِيلِ جَعْلِهِمْ غَسْلَهُ سُنَّةً فِي الْوُضُوءِ، وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً عِنْدَهُمَا لَفُرِضَ غَسْلُهُ. اهـ. ح. أَقُولُ: قَدْ يُقَالُ إنَّ النَّجَاسَةَ مَا دَامَتْ فِي مَحَلِّهَا لَا عِبْرَةَ لَهَا؛ وَلِذَا كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةً لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي غَيْرِ الْغُسْلِ مَعَ أَنَّ الْخَارِجَ نَجِسٌ بِاتِّفَاقٍ، فَلَا تَدُلُّ سُنِّيَّةُ الْغُسْلِ عَلَى الطَّهَارَةِ فَتَدَبَّرْ، نَعَمْ يَدُلُّ عَلَى الِاتِّفَاقِ كَوْنُهُ لَهُ حُكْمٌ خَارِجَ الْبَدَنِ، فَرُطُوبَتُهُ كَرُطُوبَةِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْعَرَقِ الْخَارِجِ مِنْ الْبَدَنِ.
(قَوْلُهُ: فَتَنَبَّهْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ مَا فِي النَّظْمِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِمَا، فَلَا تَغْفُلْ وَتَظُنَّ مِنْ جَزْمِهِ بِهِ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لِقُصُورِ الشَّهْوَةِ) أَيْ الَّتِي أُقِيمَتْ مَقَامَ الْإِنْزَالِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عِنْدَ الْإِيلَاجِ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ لَوْ جَامَعَ عَجُوزًا شَوْهَاءَ لَا تُشْتَهَى أَصْلًا، وَيَظْهَرُ لِي الْجَوَابُ
стр. 162
أَمَّا بِهِ فَيُحَالُ عَلَيْهِ.
(كَمَا) لَا غُسْلَ (لَوْ أَتَى عَذْرَاءَ وَلَمْ يُزِلْ عُذْرَتَهَا) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ الْبَكَارَةُ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ إلَّا إذَا حَبِلَتْ لِإِنْزَالِهَا، وَتُعِيدُ مَا صَلَّتْ قَبْلَ الْغُسْلِ كَذَا قَالُوا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّهَا مِنْ فَرْجِهَا الدَّاخِلِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ قَالَهُ الْحَلَبِيُّ.
(وَيَجِبُ) أَيْ يُفْرَضُ (عَلَى الْأَحْيَاءِ) الْمُسْلِمِينَ (كِفَايَةً) إجْمَاعًا (أَنْ يَغْسِلُوا) بِالتَّخْفِيفِ (الْمَيِّتَ) الْمُسْلِمَ إلَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ فَيُيَمَّمُ.
(كَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا) أَوْ نُفَسَاءَ وَلَوْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْبُرْهَانِ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ الْكَمَالِ بِبَقَاءِ الْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ
ــ
[رد المحتار]
بِأَنَّهَا قَدْ ثَبَتَ لَهَا وَصْفُ الِاشْتِهَاءِ فِيمَا مَضَى فَيَبْقَى حُكْمُهُ الْآنَ مَا دَامَتْ حَيَّةً كَمَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحَاذَاةِ فِي الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيْتَةِ وَالصَّغِيرَةِ تَأَمَّلْ، وَهَذَا عِلَّةٌ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا بِهِ) أَيْ أَمَّا فِعْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُصَاحِبُ لِلْإِنْزَالِ فَيُحَالُ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَى الْإِنْزَالِ ط.
. (قَوْلُهُ: تَمْنَعُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ) أَيْ خِتَانِ الرَّجُلِ: وَهُوَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ، وَخِتَانِ الْمَرْأَةِ: وَهُوَ مَوْضِعُ قَطْعِ جِلْدَةٍ مِنْهَا كَعُرْفِ الدِّيكِ فَوْقَ الْفَرْجِ، فَإِذَا غَابَتْ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ فَقَدْ حَاذَى خِتَانُهُ خِتَانَهَا، وَتَمَامُ بَيَانِهِ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا حَبِلَتْ) فَيَكُونُ دَلِيلَ إنْزَالِهَا فَيَلْزَمُهَا الْغُسْلُ. قَالَ أَبُو السُّعُودِ: وَكَذَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ إنْزَالِهِ أَيْضًا وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ الْغُسْلِ) أَيْ لَوْ لَمْ تَكُنْ اغْتَسَلَتْ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهَا صَلَّتْ بِلَا طَهَارَةٍ.
(قَوْلُهُ: قَالَهُ الْحَلَبِيُّ) أَيْ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ. وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ: وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِ مَنِيِّهَا إلَى رَحِمِهَا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصَحِّ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ
(قَوْلُهُ: أَيْ يُفْرَضُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ هُنَا الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فَكَانَ الْأَوْلَى فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ التَّعْبِيرَ بِيُفْرَضُ. اهـ. ح وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْفَرْضِيَّةِ هُنَا صَاحِبُ الْوَافِي وَالسُّرُوجُ وَابْنُ الْهُمَامِ مَعَ نَقْلِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، لَكِنْ عَلَّلَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي سَمَّوْهُ وَاجِبًا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ. قَالَ الشَّارِحُ فِي الْخَزَائِنِ: قُلْت هَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ أَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ لَا اعْتِقَادِيٌّ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَلَا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَلَعَلَّهُمْ عَبَّرُوا بِالْوَاجِبِ لِلْإِشْعَارِ بِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ هَذَا عَنْ ذَاكَ فَتَأَمَّلْ اهـ قُلْت: لَكِنْ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا عَدَا غُسْلَ الْمَيِّتِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كِفَايَةً) أَيْ بِحَيْثُ لَوْ قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنْ بَاقِيهِمْ وَإِلَّا أَثِمُوا كُلُّهُمْ إنْ عَلِمُوا بِهِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِسُقُوطِهِ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ النِّيَّةُ اسْتَظْهَرَ فِي جَنَائِزِ الْفَتْحِ نَعَمْ، وَنَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا خِلَافَهُ.
(قَوْلُهُ: إجْمَاعًا) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ يُفْرَضُ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَمَا نَقَلَهُ مِسْكِينٌ مِنْ قَوْلِهِ وَقِيلَ غُسْلُ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَفِيهِ نَظَرٌ بَعْدَ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ.
(قَوْلُهُ: بِالْخَفِيفِ) أَيْ تَخْفِيفِ السِّينِ، وَهُوَ مِنْ الْغَسْلِ بِالْفَتْحِ. قَالَ فِي السِّرَاجِ: يُقَالُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَغَسْلُ الْمَيِّتِ وَغَسْلُ الثَّوْبِ بِفَتْحِهَا. وَضَابِطُهُ أَنَّك إذَا أَضَفْت إلَى الْمَغْسُولِ فَتَحْت، وَإِذَا أَضَفْت إلَى غَيْرِ الْمَغْسُولِ ضَمَمْت. اهـ.
(قَوْلُهُ: الْمَيِّتَ) بِالتَّخْفِيفِ وَبِالتَّشْدِيدِ ضِدُّ الْحَيِّ، أَوْ الْمُخَفَّفِ الَّذِي مَاتَ وَالْمُشَدَّدُ الَّذِي لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، أَفَادَهُ فِي الْقَامُوسِ.
(قَوْلُهُ: الْمُسْلِمَ) أَمَّا الْكَافِرُ إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ إلَّا وَلِيُّهُ الْمُسْلِمُ فَيُسِيلُ عَلَيْهِ الْمَاءَ كَالْخِرْقَةِ النَّجِسَةِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ السُّنَّةِ ط.
(قَوْلُهُ: فَيُيَمَّمُ) وَقِيلَ يُغْسَلُ بِثِيَابِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى بَحْرٌ وَنَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يَجِبُ) أَيْ يُفْرَضُ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ) أَيْ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، لَكِنْ فِي دُخُولِ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ مَنْ اتَّصَفَتْ بِالْحَيْضِ وَبَعْدَ انْقِطَاعِهِ لَا تُسَمَّى حَائِضًا؛ وَلِذَا قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ إنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهَا لَوْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ) مُقَابِلُهُ مَا قِيلَ إنَّهَا لَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ بَاقِيَةٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَكَأَنَّهُ أَجْنَبَ بَعْدَهُ، وَالِانْقِطَاعُ فِي الْحَيْضِ هُوَ السَّبَبُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ، فَلِذَا لَوْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ لَزِمَهَا.
(قَوْلُهُ: وَعَلَّلَهُ) أَيْ عَلَّلَ الْأَصَحَّ.
(قَوْلُهُ: بِبَقَاءِ الْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ) حَاصِلُهُ مَنْعُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الِانْقِطَاعَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ لَا سَبَبٌ.
стр. 163
(أَوْ بَلَغَ لَا بِسِنٍّ) بَلْ بِإِنْزَالٍ أَوْ حَيْضٍ، أَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا أَوْ أَصَابَ كُلَّ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ بَعْضُهُ وَخَفِيَ مَكَانُهَا (فِي الْأَصَحِّ) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيًّا لِلْعَتَّابِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ وُجُوبُهُ عَلَى مَجْنُونٍ أَفَاقَ.
قُلْت: وَهُوَ يُخَالِفُ مَا يَأْتِي مَتْنًا، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ أَنَّهُ رَأَى مَنِيًّا وَهَلْ السَّكْرَانُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ؟ يُرَاجَعُ (وَإِلَّا) بِأَنْ أَسْلَمَ طَاهِرًا أَوْ بَلَغَ بِالسِّنِّ (فَمَنْدُوبٌ) .
(وَسُنَّ لِصَلَاةِ جُمُعَةٍ وَ) لِصَلَاةِ (عِيدٍ)
ــ
[رد المحتار]
وَمَبْنَى الْفَرْقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهَا بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ حَدَثٌ حُكْمِيٌّ يَسْتَمِرُّ مِثْلُ الْجَنَابَةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسَافِرَةَ لَوْ تَيَمَّمَتْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ، فَإِذَا وَجَدَتْ الْمَاءَ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْجُنُبِ فَقَدْ ثَبَتَ لَهَا حَدَثٌ حُكْمِيٌّ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْكَمَالِ، وَقَدْ حَقَّقَ فِي الْحِلْيَةِ هَذَا الْمَقَامَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: بَلْ بِإِنْزَالٍ) عَامٌّ فِي الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ وَالْحَيْضُ قَاصِرٌ عَلَيْهَا كَالْوِلَادَةِ ط، وَقِيلَ لَوْ بَلَغَ بِالْإِنْزَالِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَلَغَتْ بِالْحَيْضِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ وَلَدَتْ لَمْ تَرَ دَمًا) هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ، وَبِهِ أَخَذَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الدَّمِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّبْيِينِ وَالْبُرْهَانِ كَمَا بَسَطَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ؛ لَكِنْ فِي السِّرَاجِ أَنَّ الْمُخْتَارَ الْوُجُوبُ احْتِيَاطًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَصَابَ إلَخْ) كَذَا عَدَّهُ بَعْضُهُمْ هُنَا مِنْ الِاغْتِسَالَاتِ الْمَفْرُوضَةِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، فَعَدَّهُ مِنْ ذَلِكَ سَهْوًا اهـ أَيْ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ لَا الْحَقِيقِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ) فِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي الِاتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَتْ حَائِضًا قَبْلَ الِانْقِطَاعِ وَعَلَى مَنْ بَلَغَتْ بِالْحَيْضِ وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ لَوْ أَخْفَى مَحَلَّ النَّجَاسَةِ يَكْفِي غَسْلُ طَرَفِ الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ. هَذَا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا مَا نَصُّهُ: وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيًّا لِلْعَتَّابِيَّةِ: وَالْمُخْتَارُ وُجُوبُهُ عَلَى مَجْنُونٍ أَفَاقَ. قُلْت: وَهُوَ يُخَالِفُ مَا يَأْتِي مَتْنًا، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ أَنَّهُ رَأَى مَنِيًّا، وَهَلْ السَّكْرَانُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ يُرَاجَعُ اهـ قِيلَ وَهَذَا ثَابِتٌ فِي نُسْخَةِ الشَّارِحِ الْأَصْلِيَّةِ سَاقِطٌ مِنْ النُّسْخَةِ الْمُصَحَّحَةِ. أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلَ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَيْضًا عَنْ السِّرَاجِيَّةِ: الْمَجْنُونُ إذَا أَجْنَبَ ثُمَّ أَفَاقَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ اهـ وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ جُنُبًا لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ وَقْتَ الْجَنَابَةِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ كَمَا عَلِمْت فَلِذَا كَانَ الْمَجْنُونُ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ وَهَلْ السَّكْرَانُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ أَيْ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِمَا لَوْ رَأَيَا مَنِيًّا لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ وَقَالَ يُرَاجَعُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ ذَلِكَ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: أُغْشِيَ عَلَيْهِ فَأَفَاقَ وَوَجَدَ مَذْيًا أَوْ مَنِيًّا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ اهـ وَمُقْتَضَاهُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ أَيْضًا، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّهُ رَأَى بَلَلًا شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ، وَقَدَّمَ الشَّارِحُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَرُؤْيَةُ مُسْتَيْقِظٍ أَنَّهُ خَرَجَ رُؤْيَةُ السَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ الْمَذْيَ وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ عَنْ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ بِرُؤْيَةِ الْمَنِيِّ يَجِبُ الْغُسْلُ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ أَسْلَمَ طَاهِرًا) أَيْ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ: أَيْ بِأَنْ كَانَ اغْتَسَلَ أَوْ أَسْلَمَ صَغِيرًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بَلَغَ بِالسِّنِّ) أَيْ بِلَا رُؤْيَةِ شَيْءٍ، وَسِنُّ الْبُلُوغِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ
(قَوْلُهُ: وَسُنَّ إلَخْ) هُوَ مِنْ سُنَنِ الزَّوَائِدِ، فَلَا عِتَابَ بِتَرْكِهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. وَذَهَبَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إلَى أَنَّ هَذِهِ الِاغْتِسَالَاتِ الْأَرْبَعَةَ مُسْتَحَبَّةٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ إنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ حَسَنٌ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَقَوَّاهُ فِي الْفَتْحِ، لَكِنْ اسْتَظْهَرَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ أَمِيرٍ حَاجٍّ فِي الْحِلْيَةِ اسْتِنَانُهُ لِلْجُمُعَةِ لِنَقْلِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ، وَبَسَطَ ذَلِكَ
стр. 164
هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا يُعْتَبَرُ إجْمَاعًا؛ وَيَكْفِي غُسْلٌ وَاحِدٌ لِعِيدٍ وَجُمُعَةٍ اجْتَمَعَا مَعَ جَنَابَةٍ كَمَا لِفَرْضَيْ جَنَابَةٍ وَحَيْضٍ (وَ) لِأَجْلِ (إحْرَامٍ وَ) فِي جَبَلِ (عَرَفَةَ) بَعْدَ الزَّوَالِ.
(وَنُدِبَ لِمَجْنُونٍ أَفَاقَ) وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ، كَذَا فِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ، وَهَلْ السَّكْرَانُ كَذَلِكَ؟ لَمْ أَرَهُ (وَعِنْدَ حِجَامَةٍ وَفِي لَيْلَةِ بَرَاءَةٍ) وَعَرَفَةَ (وَقَدَرَ) إذَا رَآهَا (وَعِنْدَ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةُ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ) لِلْوُقُوفِ (وَعِنْدَ دُخُولِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ) لِرَمْيِ الْجَمْرَةِ (وَ) كَذَا لِبَقِيَّةِ الرَّمْيِ، وَ (عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلِصَلَاةِ كُسُوفٍ) وَخُسُوفٍ (وَاسْتِسْقَاءٍ وَفَزَعٍ وَظُلْمَةٍ وَرِيحٍ شَدِيدٍ) وَكَذَا لِدُخُولِ الْمَدِينَةِ، وَلِحُضُورِ مَجْمَعِ النَّاسِ، وَلِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا أَوْ غَسَّلَ مَيِّتًا أَوْ يُرَادُ قَتْلُهُ وَلِتَائِبٍ مِنْ ذَنْبٍ، وَلِقَادِمٍ مِنْ سَفَرٍ، وَلِمُسْتَحَاضَةٍ انْقَطَعَ دَمُهَا
ــ
[رد المحتار]
مَعَ بَيَانِ دَلَائِلِ عَدَمِ الْوُجُوبِ. وَالْجَوَابُ عَمَّا يُخَالِفُهَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ) أَيْ كَوْنُهُ لِلصَّلَاةِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. ابْنُ كَمَالٍ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: إنَّهُ لِلْيَوْمِ، وَنُسِبَ إلَى مُحَمَّدٍ وَالْخِلَافُ الْمَذْكُورُ جَارٍ فِي غُسْلِ الْعِيدِ أَيْضًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ التُّحْفَةِ، وَأَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ لَوْ اغْتَسَلَ وَفِيمَنْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْغُسْلِ وَصَلَّى بِالْوُضُوءِ نَالَ الْفَضْلَ عِنْدَ الْحَسَنِ لَا عِنْدَ الثَّانِي. قَالَ فِي الْكَافِي: وَكَذَا فِيمَنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَصَلَّى بِهِ يَنَالُ عِنْدَ الثَّانِي لَا عِنْدَ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ اشْتِرَاطُ إيقَاعِهِ فِيهِ إظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَمَزِيدِ اخْتِصَاصِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا فِي النَّهْرِ، قِيلَ وَفِيمَنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ. وَاسْتَظْهَرَ فِي الْبَحْرِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ سَبَبَ مَشْرُوعِيَّتِهِ دَفْعُ حُصُولِ الْأَذَى مِنْ الرَّائِحَةِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَالْحَسَنُ وَإِنْ قَالَ هُوَ لِلْيَوْمِ، لَكِنْ بِشَرْطِ تَقَدُّمِهِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ الْحَدَثِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُسْلِ عِنْدَهُ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَضُرُّ. اهـ. وَلِسَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيِّ هُنَا بَحْثٌ نَفِيسٌ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ هِدَايَةِ ابْنِ الْعِمَادِ. حَاصِلُهُ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ هَذِهِ الِاغْتِسَالَاتِ الْأَرْبَعَةَ لِلنَّظَافَةِ لَا لِلطَّهَارَةِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَخَلَّلَ الْحَدَثُ تَزْدَادُ النَّظَافَةُ بِالْوُضُوءِ ثَانِيًا، وَلَئِنْ كَانَتْ لِلطَّهَارَةِ أَيْضًا فَهِيَ حَاصِلَةٌ بِالْوُضُوءِ ثَانِيًا مَعَ بَقَاءِ النَّظَافَةِ فَالْأَوْلَى عِنْدِي الْإِجْزَاءُ وَإِنْ تَخَلَّلَ الْحَدَثُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ طَلَبُ حُصُولِ النَّظَافَةِ فَقَطْ. اهـ. أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ طَلَبُ التَّبْكِيرِ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى أَفْضَلُ وَهِيَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَرُبَّمَا يَعْسُرُ مَعَ ذَلِكَ بَقَاءُ الْوُضُوءِ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَا سِيَّمَا فِي أَطْوَلِ الْأَيَّامِ، وَإِعَادَةُ الْغُسْلِ أَعْسَرُ - ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]- وَرُبَّمَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ حَاقِنًا وَهُوَ حَرَامٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا فِي الْمِعْرَاجِ: لَوْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ اسْتَنَّ بِالسُّنَّةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ قَطْعُ الرَّائِحَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ) هُوَ شَرْحُ دُرَرِ الْبِحَارِ الْمُؤَلَّفُ فِي مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْكِبَارِ وَمَذَاهِبِ الصَّاحِبَيْنِ عَلَى طَرِيقَةِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ مَعَ غَايَةِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُونَوِيِّ الْحَنَفِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي آخِرِهِ، أَنَّهُ أَلَّفَهُ فِي نَحْوِ شَهْرٍ وَنِصْفٍ سَنَةَ (٧٤٦) وَعِنْدِي شَرْحٌ عَلَيْهِ لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدٍ الشَّهِيرِ بِالشَّيْخِ الْبُخَارِيِّ سَمَّاهُ غُرَرَ الْأَفْكَارِ، وَعَلَيْهِ شَرْحٌ لِلْعَلَّامَةِ قَاسِمٌ قُطْلُوبُغَا تِلْمِيذِ ابْنِ الْهُمَامِ وَلَعَلَّهُ الَّذِي نَقَلَ عَنْهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِ) كَالْهِدَايَةِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَالدُّرَرِ وَشُرُوحِ الْمَجْمَعِ وَالزَّيْلَعِيِّ.
(قَوْلُهُ: اجْتَمَعَا مَعَ جَنَابَةٍ) أَقُولُ: وَكَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُمَا كُسُوفٌ وَاسْتِسْقَاءٌ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا نَوَى ذَلِكَ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْكُلِّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَجْلِ إحْرَامٍ) أَيْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا إمْدَادٌ، وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا قَالَ إنَّهُ لِلْيَوْمِ فَقَطْ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِي جَبَلِ عَرَفَةَ إلَخْ) أَرَادَ بِالْجَبَلِ مَا يَشْمَلُ السَّهْلَ مِنْ كُلِّ مَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَقْحَمَ لَفْظَ جَبَلٍ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْغُسْلَ لِلْوُقُوفِ نَفْسِهِ لَا لِدُخُولِ عَرَفَاتٍ وَلَا لِلْيَوْمِ. مَطْلَبٌ يَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِلَافِ أَيْضًا: أَيْ أَنْ يَكُونَ لِلْوُقُوفِ أَوْ لِلْيَوْمِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ، رَدَّهُ فِي الْحِلْيَةِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لِلْوُقُوفِ. قَالَ: وَمَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا ذَهَبَ إلَى اسْتِنَانِهِ لِيَوْمِ عَرَفَةَ بِلَا حُضُورِ عَرَفَاتٍ اهـ
стр. 165
(ثَمَنُ مَاءِ اغْتِسَالِهَا وَوُضُوئِهَا عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ لَوْ غَنِيَّةً
ــ
[رد المحتار]
وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، لَكِنْ قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِ الْكَنْزِ أَقُولُ: لَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ بِسُنِّيَّتِهِ لِلْيَوْمِ لِفَضِيلَتِهِ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ الْعَامِ تَطْلُقُ يَوْمَ عَرَفَةَ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ. وَقَدْ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَدَارَ بَيْنَ الْأَقْوَامِ، وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ بِأَفْضَلِيَّةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالنَّقْلُ بِخِلَافِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهَلْ السَّكْرَانُ كَذَلِكَ) الظَّاهِرُ نَعَمْ، وَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِيمَا إذَا رَأَى مَنِيًّا، أَمَّا هُنَا فَالْمُرَادُ إذَا لَمْ يَرَ مَنِيًّا كَمَا فِي الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فَلَا تَكْرَارَ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ حِجَامَةٍ) أَيْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا إمْدَادٌ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِي لَيْلَةِ بَرَاءَةٍ) هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
(قَوْلُهُ: وَعَرَفَةَ) أَيْ فِي لَيْلَتِهَا تَتَارْخَانِيَّةٌ وَقُهُسْتَانِيٌّ، وَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ شُمُولُهُ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: إذَا رَآهَا) أَيْ يَقِينًا أَوْ عَمَلًا بِاتِّبَاعِ مَا وَرَدَ فِي وَقْتِهَا لِإِحْيَائِهَا إمْدَادٌ.
(قَوْلُهُ: غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ) أَيْ صَبِيحَتَهَا.
(قَوْلُهُ: لِرَمْيِ الْجَمْرَةِ) مُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِنَفْسِ دُخُولِ مِنًى، فَلَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي لَمْ يُنْدَبْ لِأَجْلِ الدُّخُولِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ مِنْ الْمَتْنِ وَمُخَالِفٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْغَزْنَوِيَّةِ حَيْثُ جَعَلَ غُسْلَ الرَّمْيِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ غَيْرَ غُسْلِ دُخُولِ مِنًى يَوْم النَّحْر.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ) اسْتَظْهَرَ فِي الْحِلْيَةِ سُنِّيَّتَهُ لِنَقْلِ الْمُوَاظَبَةِ.
(قَوْلُهُ: لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ) لَمْ يُقَيَّدْ بِذَلِكَ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ، بَلْ جَعَلَ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ كُلًّا مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ وَالطَّوَافِ قِسْمًا بِرَأْسِهِ، وَنَصُّهُ: وَجَبَ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ، وَدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالطَّوَافِ. [تَنْبِيهٌ]
ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَغْسَالَ يَوْمَ النَّحْرِ خَمْسَةٌ، وَهِيَ: الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ، وَدُخُولُ مِنًى، وَرَمْيُ الْجَمْرَةِ، وَدُخُولُ مَكَّةَ وَالطَّوَافُ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يَنُوبُ عَنْهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ بِنِيَّتِهِ لَهَا كَمَا يَنُوبُ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَتَعْدَادُهَا لَا يَقْتَضِي عَدَمَ ذَلِكَ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَظُلْمَةٍ) أَيْ نَهَارًا إمْدَادٌ.
(قَوْلُهُ: وَلِحُضُورِ مَجْمَعِ النَّاسِ) عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى النَّوَوِيِّ وَقَالَ لَمْ أَجِدْهُ لِأَئِمَّتِنَا. أَقُولُ: وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ قِيلَ يُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ وَفِي كُلِّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ كَاجْتِمَاعِ النَّاسِ.
(قَوْلُهُ: وَلِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا) عَزَاهُ فِي الْخَزَائِنِ إلَى النُّتَفِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ غَسَّلَ مَيِّتًا) لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يُرَادُ قَتْلُهُ إلَخْ) عَزَا هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْخَزَائِنِ إلَى الْحَلَبِيِّ مِنْ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ.
(قَوْلُهُ: وَلِمُسْتَحَاضَةٍ انْقَطَعَ دَمُهَا) وَكَذَا لِمُحْتَلِمٍ أَرَادَ مُعَاوَدَةَ أَهْلِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَكَذَا لِمَنْ بَلَغَ بِسِنٍّ أَوْ أَسْلَمَ طَاهِرًا كَمَا مَرَّ، فَقَدْ بَلَغَتْ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَيُنْدَبُ غَسْلُ جَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ وَخَفِيَ مَكَانُهَا اهـ، وَفِيهِ مَا مَرَّ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الشَّارِحَ سَيَذْكُرُ فِي الْأَنْجَاسِ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ يَكْفِي غَسْلَ طَرَفِ الثَّوْبِ، فَمَا فِي الْإِمْدَادِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: ثَمَنُ مَاءِ اغْتِسَالِهَا) أَيْ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ أَوْ أَقَلَّ. وَفَصَلَ فِي السِّرَاجِ بَيْنَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ لِعَشَرَةٍ فَعَلَيْهَا لِاحْتِيَاجِهَا إلَى الصَّلَاةِ، وَلِأَقَلَّ فَعَلَيْهِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى الْوَطْءِ، قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ أَوْ لَا فَالْأَوْجَهُ الْإِطْلَاقُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ غَنِيَّةً) وَبِهِ ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ ثَمَنَ مَاءِ الْوُضُوءِ عَلَيْهَا لَوْ غَنِيَّةً
стр. 166
كَمَا فِي الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ فَصَارَ كَالشُّرْبِ، فَأُجْرَةُ الْحَمَّامِ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ الِاغْتِسَالُ لَا عَنْ جَنَابَةٍ وَحَيْضٍ بَلْ لِإِزَالَةِ الشَّعَثِ وَالتَّفَثِ قَالَ شَيْخُنَا الظَّاهِرُ لَا يَلْزَمُهُ.
(وَيَحْرُمُ بِالْحَدَثِ) (الْأَكْبَرِ دُخُولُ مَسْجِدٍ) لَا مُصَلَّى عِيدٍ وَجِنَازَةٍ وَرِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي الْحَيْضِ وَقُبَيْلِ الْوِتْرِ، لَكِنْ فِي وَقْفِ الْقُنْيَةِ: الْمَدْرَسَةُ إذَا لَمْ يَمْنَعْ أَهْلُهَا النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا فَهِيَ مَسْجِدٌ (وَلَوْ لِلْعُبُورِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) حَيْثُ لَا
ــ
[رد المحتار]
وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ يَنْقُلَهُ إلَيْهَا أَوْ يَدَعَهَا تَنْقُلُهُ بِنَفْسِهَا بَحْرٌ مِنْ بَابِ النَّفَقَةِ.
(قَوْلُهُ: فَأُجْرَةُ الْحَمَّامِ عَلَيْهِ) ذَكَرَهُ فِي نَفَقَةِ الْبَحْرِ بَحْثًا، قَالَ لِأَنَّهُ ثَمَنُ مَاءِ الِاغْتِسَالِ، لَكِنْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْحَمَّامِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ نُفَسَاءَ اهـ وَمَا بَحَثَهُ نَقَلَهُ الرَّمْلِيُّ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فَلِذَا جَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: الشَّعَثِ وَالتَّفَثِ) مُحَرَّكَانِ، وَالْأَوَّلُ انْتِشَارُ الشَّعْرِ وَاغْبِرَارُهُ لِقِلَّةِ التَّعَهُّدِ، وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ، وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْقَامُوسِ، وَاعْتَرَضَهُ الشَّاهِينِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ.
(قَوْلُهُ: قَالَ شَيْخُنَا) أَيْ الْعَلَّامَةُ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمِنَحِ.
(قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ لَا يَلْزَمُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ كَمَاءِ الشُّرْبِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ حُكْمُ النَّفَقَةِ بَلْ لِلتَّزَيُّنِ لِلزَّوْجِ فَيَكُونُ كَالطِّيبِ رَحْمَتِيٌّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهَا بِإِزَالَتِهِ لَا يَلْزَمُهَا إلَّا إذَا دَفَعَ لَهَا مِنْ مَالِهِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: لَا مُصَلَّى عِيدٍ وَجِنَازَةٍ) فَلَيْسَ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَهُمَا حُكْمُهُ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ، وَمِثْلُهُمَا فِنَاءُ الْمَسْجِدِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَرِبَاطٍ) هُوَ خَانْكَاةُ الصُّوفِيَّةُ ح وَهُوَ مُتَعَبَّدُهُمْ. وَفِي كَلَامِ ابْنِ وَفَا نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ مَا يُفِيدُ أَنَّهَا بِالْقَافِ فَإِنَّهُ قَالَ الْخَنْقُ فِي اللُّغَةِ: التَّضْيِيقُ، وَالْخَانِقُ: الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الزَّاوِيَةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا صُوفِيَّةُ الرُّومِ الْخَانْقَاهْ لِتَضْيِيقِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالشُّرُوطِ الَّتِي يَلْتَزِمُونَهَا فِي مُلَازَمَتِهَا وَيَقُولُونَ فِيهَا أَيْضًا مَنْ غَابَ عَنْ الْحُضُورِ غَابَ نَصِيبُهُ إلَّا أَهْلَ الْخَوَانِقِ وَهِيَ مَضَايِقُ اهـ ط. وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا رِبَاطًا أَنَّهَا مِنْ الرَّبْطِ: أَيْ الْمُلَازَمَةِ عَلَى الْأَمْرِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَقَامُ فِي ثَغْرِ الْعَدُوِّ رِبَاطًا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وَمَعْنَاهُ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ ﵊ «فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» أَفَادَهُ فِي الْقَامُوسِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ إلَخْ) فِي هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْقُنْيَةِ فِي مَسْجِدِ الْمَدْرَسَةِ لَا فِي الْمَدْرَسَةِ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي فِي الْمَدَارِسِ مَسَاجِدُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَإِذَا غُلِقَتْ يَكُونُ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهَا. اهـ. وَفِي الْخَانِيَّةِ دَارٌ فِيهَا مَسْجِدٌ لَا يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، إنْ كَانَتْ الدَّارُ لَوْ أُغْلِقَتْ كَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ فِيهَا فَهُوَ مَسْجِدُ جَمَاعَةٍ تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْمَسْجِدِ مِنْ حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَالدُّخُولِ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كَانُوا لَا يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لِلْعُبُورِ) أَيْ الْمُرُورِ، لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبُيُوتُ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» وَالْمُرَادُ بِعَابِرِي سَبِيلٍ فِي الْآيَةِ الْمُسَافِرُونَ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، فَالْمُسَافِرُ مُسْتَثْنًى مِنْ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بِلَا اغْتِسَالٍ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي الْآيَةِ أَنَّ حُكْمَهُ التَّيَمُّمُ، وَتَمَامُ الْأَدِلَّةِ مِنْ السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا مَبْسُوطٌ فِي الْبَحْرِ. وَفِيهِ: وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ دُخُولَهُ ﷺ الْمَسْجِدَ جُنُبًا وَمُكْثَهُ فِيهِ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَكَذَا هُوَ مِنْ خَوَاصِّ عَلِيٍّ ﵁ كَمَا وَرَدَ مِنْ طُرُقِ ثِقَاتٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِجَوَازِهِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ وَكَلُبْسِ الْحَرِيرِ لَهُمْ فَهُوَ اخْتِلَاقٌ مِنْ الشِّيعَةِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِضَرُورَةٍ) قَيَّدَ بِهِ فِي الدُّرَرِ وَكَذَا فِي عُيُونِ الْمَذَاهِبِ لِلْكَاكِيِّ شَارِحِ الْهِدَايَةِ وَكَذَا فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ غَيْرُهُ) كَأَنْ يَكُونَ بَابُ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ دُرَرٌ أَيْ وَلَا يُمْكِنُهُ تَحْوِيلُهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّكْنَى فِي غَيْرِهِ بَحْرٌ.
стр. 167
تَيَمَّمَ نَدْبًا، وَإِنْ مَكَثَ لِخَوْفٍ فَوُجُوبًا، وَلَا يُصَلِّي وَلَا يَقْرَأُ.
(وَ) يَحْرُمُ بِهِ (تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ) وَلَوْ دُونَ آيَةٍ عَلَى الْمُخْتَارِ (بِقَصْدِهِ) فَلَوْ قَصَدَ الدُّعَاءَ أَوْ الثَّنَاءَ أَوْ افْتِتَاحَ أَمْرٍ أَوْ التَّعْلِيمِ وَلَقَّنَ كَلِمَةً كَلِمَةً
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَارُّ، وَمِنْ صُوَرِهِ مَا فِي الْعِنَايَةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ: مُسَافِرٌ مَرَّ بِمَسْجِدٍ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَجِدُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ عِنْدَنَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: تَيَمَّمَ نَدْبًا إلَخْ) أَفَادَ ذَلِكَ فِي النَّهْرِ تَوْفِيقًا بَيْنَ إطْلَاقِ مَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ وَمَا يُفِيدُ النَّدْبَ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي الْخُرُوجِ، وَأَمَّا فِي الدُّخُولِ فَيَجِبُ كَمَا يُفِيدُهُ مَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْعِنَايَةِ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا فِي دُرَرِ الْبِحَارِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا نُجِيزُ الْعُبُورَ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا تَيَمُّمٍ. ثُمَّ رَأَيْت فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ مَا يُؤَيِّدُهُ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، قِيلَ لَا يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ اعْتِبَارًا بِالدُّخُولِ، وَقِيلَ يُبَاحُ. اهـ. فَجَعَلَ الْخِلَافَ فِي الْخُرُوجِ دُونَ الدُّخُولِ، وَالْوَجْهُ فِيهِ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى عَلَى الْمَاهِرِ، وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ كَانَ بَابُهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَأَرَادَ الْمُرُورَ، فِيهِ تَأَمُّلٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي وَلَا يَقْرَأُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ عِبَادَةً مَقْصُودَةً، وَهَذَا دَفْعٌ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْحِلْيَةِ. [تَتِمَّةٌ]
ذَكَرَ فِي الدُّرَرِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ يُكْرَهُ دُخُولُ الْمُحْدِثِ مَسْجِدًا مِنْ الْمَسْجِدِ وَطَوَافُهُ بِالْكَعْبَةِ. اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَلَا يَدْخُلُهُ مَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْخِزَانَةِ: وَإِذَا فَسَا فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ بِهِ بَأْسًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ يَخْرُجُ مِنْهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ: تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ كَمَا يَأْتِي، وَفِي حُكْمِهِ مَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ دُونَ آيَةٍ) أَيْ مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ لَا الْمُفْرَدَاتِ؛ لِأَنَّهُ جَوَّزَ لِلْحَائِضٍ الْمُعَلِّمَةِ تَعْلِيمَهُ كَلِمَةً كَلِمَةً يَعْقُوبُ بَاشَا.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمُخْتَارِ) أَيْ مِنْ قَوْلَيْنِ مُصَحَّحَيْنِ ثَانِيهِمَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مَا دُونَ آيَةٍ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْهُمَامِ بِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ قَارِئًا بِمَا دُونَ آيَةٍ فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ فَكَذَا هُنَا وَاعْتَرَضَهُ فِي الْبَحْرِ تَبَعًا لِلْحِلْيَةِ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تَفْصِلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالتَّعْلِيلُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مَرْدُودٌ. اهـ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ، وَالثَّانِي قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ. أَقُولُ: وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً، فَلَوْ كَانَتْ طَوِيلَةً كَانَ بَعْضُهَا كَآيَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَعْدِلُ ثَلَاثَ آيَاتٍ ذَكَرَهُ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ قَصَدَ الدُّعَاءَ) قَالَ فِي الْعُيُونِ لِأَبِي اللَّيْثِ: قَرَأَ الْفَاتِحَةَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ وَلَمْ يُرِدْ الْقِرَاءَةَ لَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي الْغَايَةِ: أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَاخْتَارَهُ الْحَلْوَانِيُّ، لَكِنْ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ: لَا أُفْتِي بِهِ وَإِنْ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْبَحْرِ تَبَعًا لِلْحِلْيَةِ فِي نَحْوِ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قُرْآنًا لَفْظًا وَمَعْنًى مُعْجِزًا مُتَحَدًّى بِهِ، بِخِلَافِ نَحْوِ - الْحَمْدُ لِلَّهِ - وَنَازَعَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ كَوْنَهُ قُرْآنًا فِي الْأَصْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِالْقَصْدِ، نَعَمْ ظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِالْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ يُفْهَمُ أَنَّ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَسُورَةِ أَبِي لَهَبٍ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا قَصْدُ غَيْرِ الْقُرْآنِيَّةِ، لَكِنْ لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ. اهـ. مَطْلَبُ يُطْلَقُ الدُّعَاءُ عَلَى مَا يَشْمَلُ الثَّنَاءَ أَقُولُ: وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَفَاهِيمَ الْكُتُبِ حُجَّةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ مَا يَشْمَلُ الثَّنَاءَ؛ لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ نِصْفُهَا ثَنَاءٌ وَنِصْفُهَا الْآخَرُ دُعَاءٌ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ أَوْ الثَّنَاءَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ افْتِتَاحَ أَمْرٍ) كَقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ لِافْتِتَاحِ الْعَمَلِ تَبَرُّكًا بَدَائِعُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ التَّعْلِيمَ) فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِأَنَّ الْحَائِضَ مُضْطَرَّةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ حَدَثِهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ نُوحٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَقَّنَ كَلِمَةً كَلِمَةً) هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُنْيَةِ
стр. 168
حَلَّ فِي الْأَصَحِّ، حَتَّى لَوْ قَصَدَ بِالْفَاتِحَةِ الثَّنَاءَ فِي الْجِنَازَةِ لَمْ يُكْرَهْ إلَّا إذَا قَرَأَ الْمُصَلِّي قَاصِدًا الثَّنَاءَ فَإِنَّهَا تُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَحَلِّهَا، فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهَا بِقَصْدِهِ (وَمَسُّهُ) مُسْتَدْرَكٌ بِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ وَمَا قَبْلَهُ سَاقِطٌ مِنْ نُسَخِ الشَّرْحِ، وَكَأَنَّهُ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْحَيْضِ.
(وَ) يَحْرُمُ بِهِ (طَوَافٌ) لِوُجُوبِ الطَّهَارَةِ فِيهِ
(وَ) يَحْرُمُ (بِهِ) أَيْ بِالْأَكْبَرِ (وَبِالْأَصْغَرِ) مَسُّ مُصْحَفٍ: أَيْ مَا فِيهِ آيَةٌ كَدِرْهَمٍ وَجِدَارٍ، وَهَلْ مَسُّ نَحْوِ التَّوْرَاةِ كَذَلِكَ؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا (إلَّا بِغِلَافٍ مُتَجَافٍ) غَيْرِ مُشَرَّزٍ
ــ
[رد المحتار]
حَرْفًا حَرْفًا كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ فِي شَرْحِهَا، وَالْمُرَادُ مَعَ الْقَطْعِ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ، وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ تَعَلَّمَ نِصْفَ آيَةٍ نِهَايَةٌ وَغَيْرُهَا. وَنَظَرَ فِيهِ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ الْكَرْخِيَّ قَائِلٌ بِاسْتِوَاءِ الْآيَةِ وَمَا دُونَهَا فِي الْمَنْعِ. وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِمَا دُونَهَا مَا بِهِ يُسَمَّى قَارِئًا وَبِالتَّعْلِيمِ كَلِمَةً كَلِمَةً لَا يُعَدُّ قَارِئًا اهـ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْيَعْقُوبِيَّةِ. بَقِيَ مَا لَوْ كَانَتْ الْكَلِمَةُ آيَةً ك - ص - و - ق - نَقَلَ نُوحٌ أَفَنْدِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْجَوَازُ. أَقُولُ: وَيَنْبَغِي عَدَمُهُ فِي - ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]- تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ قَصَدَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَضْمُونِ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِقَصْدِ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا قَصَدَ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمَضْمُونِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا، وَالْمُرَادُ الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ الْكَامِلَةَ ذَاتَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ تُجْزِيهِ) الضَّمَائِرُ تَرْجِعُ إلَى الْقِرَاءَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْمَقَامِ أَوْ إلَى الْفَاتِحَةِ ط.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهَا) وَهُوَ سُقُوطُ وَاجِبِ الْقِرَاءَةِ بِهَا.
(قَوْلُهُ: بِقَصْدِهِ) أَيْ الثَّنَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَمَسُّهُ) أَيْ مَسُّ الْقُرْآنِ وَكَذَا سَائِرُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَفِي الْمُبْتَغَى: وَلَا يَجُوزُ مَسُّ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ. اهـ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَسُّ الْقُرْآنِ الْمَنْسُوخِ تِلَاوَةً وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ قُرْآنًا مُتَعَبَّدًا بِتِلَاوَتِهِ، خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ الرَّمْلِيُّ، فَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ مَعًا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: مُسْتَدْرَكٌ) أَيْ مُدْرَكٌ بِالِاعْتِرَاضِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مُعْتَرَضٌ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِهِ وَبِالْأَصْغَرِ مَسُّ مُصْحَفٍ فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ بِالْمُتَأَخِّرِ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ لِوُقُوعِهِ فِي مَرْكَزِهِ ط: أَيْ بَلْ بِالْعَكْسِ.
(قَوْلُهُ: سَاقِطٌ) لَمْ يَسْقُطْ فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ نُسَخِ الشَّرْحِ إلَّا قَوْلَهُ وَمَسُّهُ ح.
(قَوْلُهُ لِوُجُوبِ الطَّهَارَةِ فِيهِ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَسْجِدٌ لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ بِدُونِهَا وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَهُ: أَيْ الطَّوَافَ مَعَ مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ فِيهِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ تَجِبُ مِنْ الْأَصْغَرِ كَمَا سَيَأْتِي، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ أَمِيرِ الْحَاجِّ فِي عَدِّ الْوَاجِبَاتِ. قَالَ وَالطَّهَارَةُ فِيهِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ اهـ.
(قَوْلُهُ مَسُّ مُصْحَفٍ) الْمُصْحَفُ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ وَالضَّمُّ فِيهِ أَشْهَرُ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ أُصْحِفَ: أَيْ جُمِعَ فِيهِ الصَّحَائِفُ حِلْيَةٌ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مَا فِيهِ آيَةٌ إلَخْ) أَيْ الْمُرَادُ مُطْلَقُ مَا كُتِبَ فِيهِ قُرْآنٌ مَجَازًا، مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، أَوْ مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ. قَالَ ح: لَكِنْ لَا يَحْرُمُ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ إلَّا بِالْمَكْتُوبِ: أَيْ مَوْضِعُ الْكِتَابَةِ كَذَا فِي بَابِ الْحَيْضِ مِنْ الْبَحْرِ، وَقَيَّدَ بِالْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَتَبَ مَا دُونَهَا لَا يُكْرَهُ مَسُّهُ كَمَا فِي حَيْضِ الْقُهُسْتَانِيِّ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ هُنَا مَا جَرَى فِي قِرَاءَةِ مَا دُونَ آيَةٍ مِنْ الْخِلَافِ، وَالتَّفْصِيلِ الْمَارَّيْنِ هُنَاكَ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَسَّ يَحْرُمُ بِالْحَدَثِ وَلَوْ أَصْغَرَ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ فَكَانَتْ دُونَهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَظَاهِرُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ صِفَةٌ لِلْقُرْآنِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْمَنْعِ بِهِ اهـ لَكِنْ قَدَّمْنَا آنِفًا عَنْ الْمُبْتَغَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا نَقَلَهُ ح عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الذَّخِيرَةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ بَعْدَ النَّقْلِ إلَّا الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِالْآيَةِ لَا يَنْفِيهِ بَلْ رُبَّمَا تَلْحَقُ سَائِرُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ بِالْقُرْآنِ دَلَالَةً لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي وُجُوبِ التَّعْظِيمِ كَمَا لَا يَخْفَى، نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ بِمَا لَمْ يُبْدَلْ كَمَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: غَيْرُ مُشَرَّزٍ) أَيْ غَيْرُ مَخِيطٍ بِهِ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُتَجَافِي قَالَ فِي. الْمُغْرِبِ
стр. 169
أَوْ بِصُرَّةٍ بِهِ يُفْتَى، وَحَلَّ قَلْبُهُ بِعُودٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَسِّهِ بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ وَبِمَا غُسِلَ مِنْهَا وَفِي الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ، وَالْمَنْعُ أَصَحُّ.
(وَلَا يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ) أَيْ الْقُرْآنِ (لِجُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ) لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَحِلُّ الْعَيْنَ (كَ) مَا لَا تُكْرَهُ (أَدْعِيَةٍ) أَيْ تَحْرِيمًا، وَإِلَّا فَالْوُضُوءُ لِمُطْلَقِ الذَّكَرِ مَنْدُوبٌ، وَتَرْكُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَهُوَ مَرْجِعُ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ.
(وَلَا) يُكْرَهُ (مَسُّ صَبِيٍّ لِمُصْحَفٍ وَلَوْحٍ) وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ وَطَلَبِهِ مِنْهُ لِلضَّرُورَةِ إذْ الْحِفْظُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ.
(وَ) لَا تُكْرَهُ (كِتَابَةُ قُرْآنٍ وَالصَّحِيفَةُ أَوْ اللَّوْحُ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ الثَّانِي) خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ وُضِعَ عَلَى الصَّحِيفَةِ مَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ يَدِهِ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الثَّانِي وَإِلَّا فَبِقَوْلِ الثَّالِثِ قَالَهُ الْحَلَبِيُّ.
ــ
[رد المحتار]
مُصْحَفٌ مُشَرَّزٌ أَجْزَاؤُهُ مَشْدُودٌ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ مِنْ الشِّيرَازَةِ وَلَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ اهـ فَالْمُرَادُ بِالْغِلَافِ مَا كَانَ مُنْفَصِلًا كَالْخَرِيطَةِ وَهِيَ الْكِيسُ وَنَحْوُهَا؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِلَ بِالْمُصْحَفِ مِنْهُ حَتَّى يَدْخُلَ فِي بَيْعِهِ بِلَا ذِكْرٍ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْجِلْدُ الْمُشَرَّزُ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالْكَافِي، وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَزَادَ فِي السِّرَاجِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ. قَالَ: وَالْخِلَافُ فِيهِ جَارٍ فِي الْكُمِّ أَيْضًا. فَفِي الْمُحِيطِ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْكَافِي مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْمَسَّ اسْمٌ لِلْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدِ بِلَا حَائِلٍ. وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ، وَعَزَاهُ فِي الْخُلَاصَةِ إلَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، فَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ فَكَانَ هُوَ أَوْلَى. اهـ. أَقُولُ: بَلْ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْكُمِّ اتِّفَاقِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مَسُّهُ بِبَعْضِ ثِيَابِ الْبَدَنِ غَيْرِ الْكُمِّ كَمَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْفَتَاوَى. وَفِيهِ قَالَ لِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ: أَيَجُوزُ بِالْمِنْدِيلِ الْمَوْضُوعِ عَلَى الْعُنُقِ؟ قُلْت: لَا أَعْلَمُ فِيهِ نَقْلًا. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا تَحَرَّكَ طَرَفُهُ بِحَرَكَتِهِ لَا يَجُوزُ وَإِلَّا جَازَ، لِاعْتِبَارِهِمْ إيَّاهُ تَبَعًا لَهُ كَبَدَنِهِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فِيمَا لَوْ صَلَّى وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ بِطَرَفِهَا الْمُلْقَى نَجَاسَةٌ مَانِعَةٌ، وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ وَالْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِصُرَّةٍ) رَاجِعٌ لِلدِّرْهَمِ، وَالْمُرَادُ بِالصُّرَّةِ مَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ ثِيَابِهِ التَّابِعَةِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَحَلَّ قَلْبُهُ بِعُودٍ) أَيْ تَقْلِيبُ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ لِعَدَمِ صِدْقِ الْمَسِّ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ) هَذَا لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي الْأَصْغَرِ، وَأَمَّا فِي الْأَكْبَرِ فَالْأَعْضَاءُ كُلُّهَا أَعْضَاءُ طَهَارَةٍ ط أَيْ فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُحْدِثِ لَا فِي الْجُنُبِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يَحِلُّ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ.
(قَوْلُهُ: وَبِمَا غُسِلَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَعْضَاءِ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي تَجَزِّي الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهِ فِي حَقِّ غَيْرِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَنْعُ أَصَحُّ) كَذَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُقَابِلَ صَحِيحٌ يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِهِ ط، لَكِنْ فِي السِّرَاجِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ لَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ فَلَيْسَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهِ
. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَحِلُّ الْعَيْنَ) تَقَدَّمَ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْجَنَابَةَ تَحِلُّهَا وَسَقَطَ غُسْلُهَا لِلْحَرَجِ ط وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلَّلَ بِعَدَمِ الْمَسِّ كَمَا قَالَ ح؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي النَّظَرِ إلَّا الْمُحَاذَاةُ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ الْمَنْفِيَّةِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ لَا مُطْلَقَ الْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ: مَنْدُوبٌ) فَقَدْ نَصَّ فِي أَذَانِ الْهِدَايَةِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَرْجِعُ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ) أَيْ فَلِذَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ أَيْ تَحْرِيمًا، وَقَصَدَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى قَوْلِ الْبَحْرِ، وَتَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ لَا يُوجِبُ كَرَاهَةً وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَنْدُوبَاتِ الْوُضُوءِ
. (قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ مَسُّ صَبِيٍّ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُكْرَهُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَتْرُكَهُ يَمَسُّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَآهُ يَشْرَبُ خَمْرًا مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَرْكُهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ) أَيْ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْفَعَ الْبَالِغُ الْمُتَطَهِّرُ الْمُصْحَفَ إلَى الصَّبِيِّ، وَلَا يُتَوَهَّمُ جَوَازُهُ مَعَ وُجُودِ حَدَثِ الْبَالِغِ ح.
(قَوْلُهُ: لِلضَّرُورَةِ) لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِ الصِّبْيَانِ وَأَمْرِهِمْ بِالْوُضُوءِ حَرَجًا بِهِمْ، وَفِي تَأْخِيرِهِ إلَى الْبُلُوغِ تَقْلِيلُ حِفْظِ الْقُرْآنِ دُرَرٌ قَالَ ط وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي مَنْعَ الدَّفْعِ وَالطَّلَبِ مِنْ الصَّبِيِّ إذْ لَمْ يَكُنْ مُعَلِّمًا.
(قَوْلُهُ: إذْ الْحِفْظُ إلَخْ)
стр. 170
(وَيُكْرَهُ لَهُ قِرَاءَةُ تَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ وَزَبُورٍ) لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ وَمَا بُدِّلَ مِنْهَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ. وَجَزَمَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ بِالْحُرْمَةِ وَخَصَّهَا فِي النَّهْرِ بِمَا لَمْ يُبْدَلْ (لَا) قِرَاءَةَ (قُنُوتٍ) وَلَا أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ بَعْدَ غَسْلِ يَدٍ وَفَمٍ، وَلَا مُعَاوَدَةَ
ــ
[رد المحتار]
تَنْوِيرٌ عَلَى دَعْوَى الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ لِتَعْجِيلِ الدَّفْعِ قَبْلَ الْكِبَرِ، وَقَوْلُهُ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ: أَيْ مِنْ حَيْثُ الثَّبَاتُ وَالْبَقَاءُ. قَالَ الشَّارِحُ فِي الْخَزَائِنِ وَهَذَا حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ، لَكِنْ بِلَفْظِ «الْعِلْمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ» وَمِمَّا أَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ لِنَفْسِهِ:
أَرَانِي أَنْسَى مَا تَعَلَّمْت فِي الْكِبَرْ ... وَلَسْت بِنَاسٍ مَا تَعَلَّمْت فِي الصِّغَرْ
وَمَا الْعِلْمُ إلَّا بِالتَّعَلُّمِ فِي الصِّبَا ... وَمَا الْحِلْمُ إلَّا بِالتَّحَلُّمِ فِي الْكِبَرْ
وَمَا الْعِلْمُ بَعْدَ الشَّيْبِ إلَّا تَعَسُّفٌ ... إذَا كَلَّ قَلْبُ الْمَرْءِ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرْ
وَلَوْ فَلَقَ الْقَلْبَ الْمُعَلِّمُ فِي الصِّبَا ... لَأَبْصَرَ فِيهِ الْعِلْمَ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرْ
اهـ فَتَّالٍ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) حَيْثُ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَكْتُبَ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَاسِّ لِلْقُرْآنِ حِلْيَةٌ عَنْ الْمُحِيطِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَاسٌّ بِالْقَلَمِ وَهُوَ وَاسِطَةٌ مُنْفَصِلَةٌ فَكَانَ كَثَوْبٍ مُنْفَصِلٍ إلَّا أَنْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي إلَخْ) يُؤْخَذُ هَذَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ، وَوَفَّقَ ط بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِمَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ مِنْ أَصْلِهِ بِحَمْلِ قَوْلِ الثَّانِي عَلَى الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، وَقَوْلُ الثَّالِثِ عَلَى التَّنْزِيهِيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَحَبُّ إلَيَّ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيفَةِ) قَيَّدَ بِهَا؛ لِأَنَّ نَحْوَ اللَّوْحِ لَا يُعْطَى حُكْمُ الصَّحِيفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا مَسُّ الْمَكْتُوبِ مِنْهُ ط.
(قَوْلُهُ: قَالَهُ الْحَلَبِيُّ) هُوَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ صَاحِبُ مَتْنِ الْمُلْتَقَى وَشَارِحُ الْمُنْيَةِ
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لَهُ إلَخْ) الْأَوْلَى لَهُمْ أَيْ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ. هَذَا، وَصَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: لَكِنَّ الصَّحِيحَ الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ مَا بُدِّلَ مِنْهُ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَمَا لَمْ يُبْدَلْ غَالِبٌ وَهُوَ وَاجِبُ التَّعْظِيمِ وَالصَّوْنِ. وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ غَلَبَ الْمُحَرِّمُ. وَقَالَ ﵊ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُ مُجَازَفَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخْبِرْنَا بِأَنَّهُمْ بَدَّلُوهَا عَنْ آخِرِهَا وَكَوْنُهُ مَنْسُوخًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْآيَاتِ الْمَنْسُوخَةِ مِنْ الْقُرْآنِ. اهـ. وَاخْتَارَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ نُهِينَا عَنْ النَّظَرِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا سَوَاءٌ نَقَلَهَا إلَيْنَا الْكُفَّارُ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ.
(قَوْلُهُ: بِمَا لَمْ يُبْدَلْ) أَمَّا مَا عُلِمَ أَنَّهُ مُبْدَلٌ لَوْ كَتَبَ وَحْدَهُ يَجُوزُ مَسُّهُ كَزَعْمِهِمْ أَنَّ مِنْ التَّوْرَاةِ هَذِهِ شَرِيعَةٌ مُؤَبَّدَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ قِيلَ أَوَّلُ مَنْ اخْتَلَقَهُ لِلْيَهُودِ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ لِيُعَارِضَ بِهِ دَعْوَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ .
(قَوْلُهُ: لَا قِرَاءَةَ قُنُوتٍ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْقُرْآنِ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ أُبَيًّا جَعَلَهُ سُورَتَيْنِ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ سُورَةً، وَمِنْ هُنَا إلَى آخِرِهِ أُخْرَى لَكِنْ الْفَتْوَى عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ قَطْعًا وَيَقِينًا بِالْإِجْمَاعِ فَلَا شُبْهَةَ تُوجِبُ الِاحْتِيَاطَ الْمَذْكُورَ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ غَسْلِ يَدٍ وَفَمٍ) أَمَّا قَبْلَهُ فَلَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ شَارِبًا لِلْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا وَيَدُهُ لَا تَخْلُو مِنْ النَّجَاسَةِ فَيَنْبَغِي غَسْلُهَا ثُمَّ يَأْكُلُ، بَدَائِعُ
стр. 171
أَهْلِهِ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ إلَّا إذَا احْتَلَمَ لَمْ يَأْتِ أَهْلَهُ. قَالَ الْحَلَبِيُّ: ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ إنَّمَا يُفِيدُ النَّدْبَ لَا نَفْيَ الْجَوَازِ الْمُفَادِ مِنْ كَلَامِهِ. (وَالتَّفْسِيرُ كَمُصْحَفٍ لَا الْكُتُبُ الشَّرْعِيَّةُ) فَإِنَّهُ رَخَّصَ مَسَّهَا بِالْيَدِ لَا التَّفْسِيرِ كَمَا فِي الدُّرَرِ عَنْ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى. وَفِي السِّرَاجِ: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْخُذَ الْكُتُبَ الشَّرْعِيَّةَ بِالْكُمِّ أَيْضًا تَعْظِيمًا، لَكِنْ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ قَاعِدَةِ: إذَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ رُجِّحَ الْحَرَامُ.
ــ
[رد المحتار]
وَفِي الْخِزَانَةِ وَإِنْ تَرَكَ لَا يَضُرُّهُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا بَأْسَ بِهِ. وَفِيهَا، وَاخْتُلِفَ فِي الْحَائِضِ، قِيلَ كَالْجُنُبِ، وَقِيلَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَا يُزِيلُ نَجَاسَةَ الْحَيْضِ عَنْ الْفَمِ وَالْيَدِ، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَأْتِ أَهْلَهُ) أَيْ مَا لَمْ يَغْتَسِلْ لِئَلَّا يُشَارِكَهُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَفَادَهُ رُكْنُ الْإِسْلَامِ. وَفِي الْبُسْتَانِ قَالَ ابْنُ الْمُقَنَّعِ، يَأْتِي الْوَلَدُ مَجْنُونًا أَوْ بَخِيلًا إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْحَلَبِيُّ إلَخْ) هُوَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ أَمِيرِ الْحَاجِّ الْحَلَبِيُّ شَارِحُ الْمُنْيَةِ وَالتَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ.
(قَوْلُهُ: ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ إلَخْ) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ وَرَدَتْ فِي الِاحْتِلَامِ أَحَادِيثُ وَالْحَالُ أَنَّا لَمْ نَقِفْ فِيهِ عَلَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ. وَاَلَّذِي وَرَدَ «أَنَّهُ ﷺ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ» وَوَرَدَ «أَنَّهُ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ وَاغْتَسَلَ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ» فَقُلْنَا بِاسْتِحْبَابِهِ. وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ مَعْصُومُونَ عَنْهُ، غَايَةُ مَا يُقَالُ إنَّهُ لَمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ لِمَنْ أَرَادَ الْمُعَاوَدَةَ عُلِمَ اسْتِحْبَابُهُ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْجَنَابَةُ مِنْ الْجِمَاعِ أَوْ الِاحْتِلَامِ. اهـ. نُوحٌ أَفَنْدِي وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ، إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ الْحَلَبِيِّ لَيْسَ فِيهَا اسْتِدْلَالٌ بِالْأَحَادِيثِ عَلَى النَّدْبِ، وَإِنَّمَا نَفْيُ الدَّلِيلِ عَلَى الْوُجُوبِ وَالشَّارِحُ تَابَعَ صَاحِبَ الْبَحْرِ فِي عَزْوِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ إلَيْهِ، وَنَصُّ عِبَارَةِ الْحَلَبِيِّ فِي الْحِلْيَةِ بَعْدَ نَقْلِهِ جُمْلَةَ أَحَادِيثَ: فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْمُعَاوَدَةَ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ أَمْرٌ جَائِزٌ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا الْغُسْلُ أَوْ الْوُضُوءُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ الْفَرْعَ الْمَذْكُورَ عَنْ الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ إلَّا إذَا احْتَلَمَ لَمْ يَأْتِ أَهْلَهُ، هَذَا إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى النَّدْبِ غَرِيبٌ ثُمَّ لَا دَلِيلَ فِيمَا يَظْهَرُ يَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: مِنْ كَلَامِهِ) أَيْ كَلَامِ الْمُبْتَغَى وَلَيْسَ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ هَذَا الضَّمِيرُ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّفْسِيرُ كَمُصْحَفٍ) ظَاهِرَةُ حُرْمَةُ الْمَسِّ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّشْبِيهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا نَصَّ فِيهِ بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ، فَالْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِالْكَرَاهَةِ كَمَا عَبَّرَ غَيْرُهُ.
(قَوْلُهُ: لَا الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَيُكْرَهُ مَسُّ الْمُحْدِثِ الْمُصْحَفَ كَمَا يُكْرَهُ لِلْجُنُبِ، وَكَذَا كُتُبُ الْأَحَادِيثِ وَالْفِقْهِ عِنْدَهُمَا. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ. اهـ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَجْهُ قَوْلِهِ إنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاسًّا لِلْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ مَا فِيهَا مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ اهـ وَمَشَى فِي الْفَتْحِ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَقَالَ: قَالُوا: يُكْرَهُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالسُّنَنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَمْنَعُ مِنْ شُرُوحِ النَّحْوِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي الْأَشْبَاهِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَالتَّفْسِيرُ كَمُصْحَفٍ، فَإِنَّ مَا فِي الْأَشْبَاهِ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ مَسِّ التَّفْسِيرِ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا، وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ أَيْضًا فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ. وَفِي السِّرَاجِ عَنْ الْإِيضَاحِ أَنَّ كُتُبَ التَّفْسِيرِ لَا يَجُوزُ مَسُّ مَوْضِعِ الْقُرْآنِ مِنْهَا، وَلَهُ أَنْ يَمَسَّ غَيْرَهُ وَكَذَا كُتُبُ الْفِقْهِ إذَا كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ، بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ فَإِنَّ الْكُلَّ فِيهِ تَبَعٌ لِلْقُرْآنِ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ وَعَدَمِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُقْتَضَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَهَا حَتَّى فِي التَّفْسِيرِ نَظَرَ إلَى مَا فِيهَا مِنْ الْآيَاتِ، وَمَنْ نَفَاهَا نَظَرَ إلَى أَنَّ الْأَكْثَرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا يَعُمُّ التَّفْسِيرَ أَيْضًا، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْقُرْآنَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ اهـ
стр. 172
وَقَدْ جَوَّزَ أَصْحَابُنَا مَسَّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ لِلْمُحْدِثِ، وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ كَوْنِ الْأَكْثَرِ تَفْسِيرًا أَوْ قُرْآنًا، وَلَوْ قِيلَ بِهِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ لَكَانَ حَسَنًا قُلْت: لَكِنَّهُ يُخَالِفُ مَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ.
[فُرُوعٌ]
الْمُصْحَفُ إذَا صَارَ بِحَالٍ لَا يُقْرَأُ فِيهِ يُدْفَنُ كَالْمُسْلِمِ، وَيُمْنَعُ النَّصْرَانِيُّ مِنْ مَسِّهِ، وَجَوَّزَهُ مُحَمَّدٌ إذَا اغْتَسَلَ وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِهِ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ عَسَى يَهْتَدِي. وَيُكْرَهُ وَضْعُ الْمُصْحَفِ تَحْتَ رَأْسِهِ إلَّا لِلْحِفْظِ وَالْمِقْلَمَةِ عَلَى الْكِتَابِ إلَّا لِلْكِتَابَةِ. وَيُوضَعُ النَّحْوُ ثُمَّ التَّعْبِيرُ
ــ
[رد المحتار]
أَيْ فَيُكْرَهُ مَسُّهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلدُّرَرِ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَكَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَالتُّحْفَةِ فَتَلَخَّصَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ - قَالَ ط: وَمَا فِي السِّرَاجِ أَوْفَقُ بِالْقَوَاعِدِ. اهـ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ وَالْأَحْوَطُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَيْ كَرَاهَتُهُ فِي التَّفْسِيرِ دُونَ غَيْرِهِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ فِي التَّفْسِيرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فَيُغَيِّرُهُ، وَذِكْرُهُ فِيهِ مَقْصُودٌ اسْتِقْلَالًا لَا تَبَعًا، فَشَبَهُهُ بِالْمُصْحَفِ أَقْرَبُ مِنْ شَبَهِهِ بِبَقِيَّةِ الْكُتُبِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي التَّفْسِيرِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَبَعْضِ نُسَخِ الْكَشَّافِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قِيلَ بِهِ) أَيْ بِهَذَا التَّفْصِيلِ، بِأَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ لَا يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ يُكْرَهُ. وَالْأَوْلَى إلْحَاقُ الْمُسَاوَاةِ بِالثَّانِي، وَهَذَا التَّفْصِيلُ رُبَّمَا يُشِيرُ إلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ النَّهْرِ، وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: قُلْت لَكِنَّهُ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ قِيلَ بِهِ إلَخْ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَا مَرَّ فِي الْمَتْنِ مُطْلَقٌ، فَتَقْيِيدُ الْكَرَاهَةِ بِمَا إذَا كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ مُخَالِفٍ لَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْرَاكَ غَيْرُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ عَلَى كَرَاهَةِ مَسِّ التَّفْسِيرِ وَهَذَا عَلَى تَقْيِيدِ الْكَرَاهَةِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: فَتَدَبَّرْ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ ادِّعَاءُ تَقْيِيدِ إطْلَاقِ الْمَتْنِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ، فَلَا يُنَافِي دَعْوَى التَّفْصِيلِ.
(قَوْلُهُ: يُدْفَنُ) أَيْ يُجْعَلُ فِي خِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ وَيُدْفَنُ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مُمْتَهَنٍ لَا يُوطَأُ. وَفِي الذَّخِيرَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَدَ لَهُ وَلَا يُشَقُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إهَالَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ نَوْعُ تَحْقِيرٍ إلَّا إذَا جُعِلَ فَوْقَهُ سَقْفٌ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ التُّرَابُ إلَيْهِ فَهُوَ حَسَنٌ أَيْضًا اهـ. وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْكُتُبِ فَسَيَأْتِي فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّهُ يُمْحَى عَنْهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَيُحْرَقُ الْبَاقِي وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُلْقَى فِي مَاءٍ جَارٍ كَمَا هِيَ أَوْ تُدْفَنُ وَهُوَ أَحْسَنُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: كَالْمُسْلِمِ) فَإِنَّهُ مُكْرَمٌ، وَإِذَا مَاتَ وَعُدِمَ نَفْعُهُ يُدْفَنُ وَكَذَلِكَ الْمُصْحَفُ، فَلَيْسَ فِي دَفْنِهِ إهَانَةٌ لَهُ، بَلْ ذَلِكَ إكْرَامٌ خَوْفًا مِنْ الِامْتِهَانِ.
(قَوْلُهُ: وَيُمْنَعُ النَّصْرَانِيُّ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْكَافِرُ، وَفِي الْخَانِيَّةِ الْحَرْبِيُّ أَوْ الذِّمِّيُّ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مَسِّهِ) أَيْ الْمُصْحَفِ بِلَا قَيْدِهِ السَّابِقِ.
(قَوْلُهُ: وَجَوَّزَهُ مُحَمَّدٌ إذَا اغْتَسَلَ) جَزَمَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ بِلَا حِكَايَةِ خِلَافٍ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعِنْدَهُمَا يُمْنَعُ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ وَضْعُ الْمُصْحَفِ إلَخْ) وَهَلْ التَّفْسِيرُ وَالْكُتُبُ الشَّرْعِيَّةُ كَذَلِكَ؟ يُحَرَّرُ ط. أَقُولُ: الظَّاهِرُ نَعَمْ كَمَا تُفِيدُهُ الْمَسْأَلَةُ التَّالِيَةُ، ثُمَّ رَأَيْته فِي كَرَاهِيَةِ الْعَلَامِيِّ.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِلْحِفْظِ) أَيْ حِفْظِهِ مِنْ سَارِقٍ وَنَحْوِهِ. [تَنْبِيهٌ]
سُئِلَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَمَّنْ اُضْطُرَّ إلَى مَأْكُولٍ وَلَا يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِوَضْعِ الْمُصْحَفِ تَحْتَ رِجْلِهِ. فَأَجَابَ: الظَّاهِرُ الْجَوَازُ لِأَنَّ حِفْظَ الرُّوحِ مُقَدَّمٌ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ؛ وَلِذَا لَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ عَلَى الْغَرَقِ وَاحْتِيجَ إلَى الْإِلْقَاءِ أُلْقِيَ الْمُصْحَفُ حِفْظًا لِلرُّوحِ وَالضَّرُورَةُ تَمْنَعُ كَوْنَهُ امْتِهَانًا كَمَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى السُّجُودِ لِصَنَمٍ حِفْظًا لِرُوحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمِقْلَمَةِ) أَيْ الدَّوَاةِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِلْكِتَابَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْوَضْعِ.
(قَوْلُهُ: وَيُوضَعُ إلَخْ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْأَوْلَوِيَّةِ رِعَايَةً لِلتَّعْظِيمِ.
(قَوْلُهُ: النَّحْوُ) أَيْ كُتُبُهُ وَاللُّغَةُ مِثْلُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ التَّعْبِيرُ) أَيْ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا كَابْنِ سِيرِينَ
стр. 173
ثُمَّ الْكَلَامُ ثُمَّ الْفِقْهُ ثُمَّ الْأَخْبَارُ وَالْمَوَاعِظُ ثُمَّ التَّفْسِيرُ. تُكْرَهُ إذَابَةُ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ آيَةٌ إلَّا إذَا كَسَرَهُ رُقْيَةً فِي غِلَافٍ مُتَجَافٍ لَمْ يُكْرَهْ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِهِ، وَالِاحْتِرَازُ أَفْضَلُ. يَجُوزُ رَمْيُ بُرَايَةِ الْقَلَمِ الْجَدِيدِ، وَلَا تُرْمَى بُرَايَةُ الْقَلَمِ الْمُسْتَعْمَلِ لِاحْتِرَامِهِ كَحَشِيشِ الْمَسْجِدِ وَكُنَاسَتِهِ لَا يُلْقَى فِي مَوْضِعٍ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ. وَلَا يَجُوزُ لَفُّ شَيْءٍ فِي كَاغَدٍ فِيهِ فِقْهٌ، وَفِي كُتُبِ الطِّبِّ يَجُوزُ، وَلَوْ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ أَوْ الرَّسُولِ فَيَجُوزُ مَحْوُهُ لِيُلَفَّ فِيهِ شَيْءٌ، وَمَحْوُ بَعْضِ الْكِتَابَةِ بِالرِّيقِ يَجُوزُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ فِي مَحْوِ اسْمِ اللَّهِ بِالْبُزَاقِ، وَعَنْهُ ﵊ «الْقُرْآنُ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» . يَجُوزُ قُرْبَانُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتٍ فِيهِ مُصْحَفٌ مَسْتُورٌ. بِسَاطٌ أَوْ غَيْرُهُ كُتِبَ عَلَيْهِ الْمُلْكُ لِلَّهِ يُكْرَهُ بَسْطُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ لَا تَعْلِيقُهُ لِلزِّينَةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ كَلَامُ النَّاسِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ مُجَرَّدُ الْحُرُوفِ وَالْأَوَّلُ أَوْسَعُ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ، وَكَرَاهِيَةُ الْقُنْيَةِ.
ــ
[رد المحتار]
وَابْنِ شَاهِينَ لِأَفْضَلِيَّتِهِ لِكَوْنِهِ تَفْسِيرًا لِمَا هُوَ جَزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَهُوَ الرُّؤْيَا ط.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْفِقْهُ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ مُعْظَمَ أَدِلَّتِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيَكْثُرُ فِيهِ ذِكْرُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، بِخِلَافِ عِلْمِ الْكَلَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالسَّمْعِيَّاتِ مِنْهُ فَقَطْ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأَخْبَارُ وَالْمَوَاعِظُ) عِبَارَةُ الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ: الْأَخْبَارُ وَالْمَوَاعِظُ وَالدَّعَوَاتُ الْمَرْوِيَّةُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَرْوِيَّةَ صِفَةٌ لِلْكُلِّ أَيْ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
(قَوْلُهُ: ثُمَّ التَّفْسِيرُ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالتَّفْسِيرُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي فِيهِ آيَاتٌ مَكْتُوبَةٌ فَوْقَ كُتُبِ الْقِرَاءَةِ. زَادَ الرَّمْلِيُّ عَنْ الْحَاوِي وَالْمُصْحَفُ فَوْقَ الْجَمِيعِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَسَرَهُ) فَحِينَئِذٍ لَا يُكْرَهُ، كَمَا لَا يُكْرَهُ مَسُّهُ لِتَفَرُّقِ الْحُرُوفِ أَوْ لِأَنَّ الْبَاقِيَ دُونَ آيَةٍ.
(قَوْلُهُ: رُقْيَةٌ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا يُسَمُّونَهُ الْآنَ بِالْهَيْكَلِ وَالْحَمَائِلِيِّ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ غِلَافُهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ كَالْمُشَمَّعِ وَنَحْوِهِ جَازَ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِهِ وَمَسُّهُ وَحَمْلُهُ لِلْجُنُبِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَا كُتِبَ مِنْ الْآيَاتِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا، بِخِلَافِ قِرَاءَتِهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ فَالنِّيَّةُ تَعْمَلُ فِي تَغْيِيرِ الْمَنْطُوقِ لَا الْمَكْتُوبِ اهـ مِنْ شَرْحِ سَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ.
(قَوْلُهُ: لِاحْتِرَامِهِ) أَيْ بِسَبَبِ مَا كُتِبَ بِهِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِهَا، عَلَى أَنَّ الْحُرُوفَ فِي ذَاتِهَا لَهَا احْتِرَامٌ.
(قَوْلُهُ: لَا يُلْقَى) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَشِيشِ وَالْكُنَاسَةِ.
(قَوْلُهُ: فِي كَاغَدٍ) هُوَ الْقِرْطَاسِ مُعَرَّبًا قَامُوسٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمِصْبَاحِ.
(قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ مَحْوُهُ) الْمَحْوُ: إذْهَابُ الْأَثَرِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. قَالَ ط: وَهَلْ إذَا طَمَسَ الْحُرُوفَ بِنَحْوِ حِبْرٍ يُعَدُّ مَحْوًا يُحَرَّرُ.
(قَوْلُهُ: وَمَحْوُ بَعْضِ الْكِتَابَةِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ قُرْآنًا، وَقَيَّدَ بِالْبَعْضِ لِإِخْرَاجِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ط.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ إلَخْ) فَهُوَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا؛ وَأَمَّا لَعْقُهُ بِلِسَانِهِ وَابْتِلَاعُهُ فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ ط.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ فِيهِنَّ) ظَاهِرُهُ يَعُمُّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ خِلَافٍ وَالْأَحْوَطُ الْوَقْفُ، وَعَبَّرَ بِمَنْ الْمَوْضُوعَةِ لِلْعَاقِلِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ تَبَعٌ لَهُ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ هَذَا الْحَدِيثِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْقُرْآنَ يُلْحَقُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي النَّهْيِ عَنْ مَحْوِهِ بِالْبُزَاقِ، فَيُخَصُّ قَوْلُهُ وَمَحْوُ بَعْضِ الْكِتَابَةِ إلَخْ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ أَيْضًا، فَلْيُتَأَمَّلْ ط.
(قَوْلُهُ: مَسْتُورٌ) ظَاهِرُهُ عَدَمُ جَوَازِهِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطُ. أَقُولُ: وَعِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ: وَلَا بَأْسَ بِالْخَلْوَةِ وَالْمُجَامَعَةِ فِي بَيْتٍ فِيهِ مُصْحَفٌ؛ لِأَنَّ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَخْلُو مِنْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ اُسْتُعْمِلَ أَوْ عُلِّقَ.
(قَوْلُهُ: وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ) حَيْثُ قَالَ وَقِيلَ يُكْرَهُ حَتَّى الْحُرُوفُ
стр. 174
قُلْت: وَظَاهِرُ انْتِفَاءِ الْكَرَاهَةِ بِمُجَرَّدِ تَعْظِيمِهِ وَحِفْظِهِ عُلِّقَ أَوْ لَا زُيِّنَ بِهِ أَوْ لَا، وَهَلْ مَا يُكْتَبُ عَلَى الْمَرَاوِحِ وَجُدُرِ الْجَوَامِعِ كَذَا يُحَرَّرُ.
بَابُ الْمِيَاهِ جَمْعُ مَاءٍ بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ، أَصْلُهُ مَوَهَ قُلِبَتْ الْوَاوُ أَلِفًا وَالْهَاءُ هَمْزَةً، وَهُوَ جِسْمٌ لَطِيفٌ سَيَّالٌ بِهِ حَيَاةُ كُلِّ نَامٍّ
(يَرْفَعُ الْحَدَثَ) مُطْلَقًا (بِمَاءٍ مُطْلَقٍ) هُوَ مَا يَتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (كَمَاءِ سَمَاءٍ وَأَوْدِيَةٍ وَعُيُونٍ وَآبَارٍ وَبِحَارٍ وَثَلْجٍ مُذَابٍ) بِحَيْثُ يَتَقَاطَرُ وَبَرَدٍ وَجَمْدٍ وَنَدًا، هَذَا تَقْسِيمٌ بِاعْتِبَارِ مَا يُشَاهَدُ وَإِلَّا فَالْكُلُّ مِنْ السَّمَاءِ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الحج: ٦٣] الْآيَةَ، وَالنَّكِرَةُ
ــ
[رد المحتار]
الْمُفْرَدَةُ. وَرَأَى بَعْضُ الْأَئِمَّةِ شُبَّانًا يَرْمُونَ إلَى هَدَفٍ كُتِبَ فِيهِ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ وَقَدْ قَطَّعُوا الْحُرُوفَ فَنَهَاهُمْ أَيْضًا وَقَالَ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ فِي الِابْتِدَاءِ لِأَجْلِ الْحُرُوفِ فَإِذًا يُكْرَهُ مُجَرَّدُ الْحُرُوفِ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ وَأَوْسَعُ. اهـ. قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ: وَلِعُلُوجِهِ ذَلِكَ أَنَّ حُرُوفَ الْهِجَاءِ قُرْآنٌ نَزَلْت عَلَى هُودٍ ﵇ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي كِتَابِهِ [الْإِشَارَاتُ فِي عِلْمِ الْقِرَاءَاتِ] اهـ.
(قَوْلُهُ: قُلْت وَظَاهِرُهُ إلَخْ) كَذَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا تَعْلِيقُهُ لِلزِّينَةِ.
(قَوْلُهُ: يُحَرَّرُ) أَقُولُ: فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَتُكْرَهُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالْمَحَارِيبِ وَالْجُدْرَانِ وَمَا يُفْرَشُ. اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمِيَاهِ]
شُرُوعٌ فِي بَيَانِ مَا تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ السَّابِقُ بَيَانُهَا وَالْبَابُ لُغَةً: مَا يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ. وَاصْطِلَاحًا: اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ وَمَسَائِلَ غَالِبًا.
(قَوْلُهُ: جَمْعُ مَاءٍ) هُوَ جَمْعُ كَثْرَةٍ وَيُجْمَعُ جَمْعُ قِلَّةٍ عَلَى أَمْوَاهٍ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُقْصَرُ) أَشَارَ بِتَغْيِيرِ التَّعْبِيرِ إلَى قِلَّتِهِ وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ قَصْرُهُ ط.
(قَوْلُهُ: وَالْهَاءُ هَمْزَةً) وَقَدْ تَبْقَى عَلَى حَالِهَا فَيُقَالُ مَاهَ بِالْهَاءِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
(قَوْلُهُ: بِهِ حَيَاةُ كُلِّ نَامٍ) أَيْ زَائِدٍ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ نَبَاتٍ وَلَا يُرَدُّ أَنَّ الْمَاءَ الْمِلْحَ لَيْسَ فِيهِ حَيَاةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَارِضٌ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْعُذُوبَةُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ أَيْ لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ.
(قَوْلُهُ: هُوَ مَا يَتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ) أَيْ مَا يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ بِمُطْلَقِ قَوْلِنَا مَاءٌ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ خَبَثٌ وَلَا مَعْنًى يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ فَخَرَجَ الْمَاءُ الْمُقَيَّدُ وَالْمَاءُ الْمُتَنَجِّسُ وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ بَحْرٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُتَنَجِّسَ وَالْمُسْتَعْمَلَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ مَعَ أَنَّهُ مِنْهُ، لَكِنْ عِنْدَ الْعَالِمِ بِالنَّجَاسَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ؛ وَلِذَا قَيَّدَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ التَّبَادُرَ بِقَوْلِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَالِمِ بِحَالِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ مَاءٍ لِأَخْذِ الْإِطْلَاقِ فِيهِ قَيْدًا؛ وَلِذَا صَحَّ إخْرَاجُ الْمُقَيَّدِ بِهِ. وَأَمَّا مُطْلَقُ مَاءٍ، فَمَعْنَاهُ أَيَّ مَاءٍ كَانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُقَيَّدُ الْمَذْكُورُ، وَلَا يَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا.
(قَوْلُهُ: كَمَاءِ سَمَاءٍ) الْإِضَافَةُ لِلتَّعْرِيفِ بِخِلَافِ الْمَاءِ الْمُقَيَّدِ فَإِنَّ الْقَيْدَ لَازِمٌ لَهُ لَا يُطْلَقُ الْمَاءُ عَلَيْهِ بِدُونِهِ كَمَاءِ الْوَرْدِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَوْدِيَةٍ) جَمْعُ وَادٍ.
(قَوْلُهُ: وَآبَارٍ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَبِقَصْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ بَعْدَهُمَا هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ بِأَلِفٍ جَمْعُ بِئْرٍ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَتَقَاطَرُ) وَعَنْ الثَّانِي الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَالْأَصَحُّ قَوْلُهُمَا نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَبَرَدٍ وَجَمَدٍ) أَيْ مُذَابَيْنِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَنَدًا) بِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: هُوَ الطَّلُّ، وَهُوَ مَاءٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ نَفَسُ دَابَّةٍ. اهـ. أَقُولُ: وَكَذَا الزُّلَالُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ صُورَةٍ تُوجَدُ فِي نَحْوِ الثَّلْجِ كَالْحَيَوَانِ وَلَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ، فَإِنْ تَحَقَّقَ كَانَ نَجَسًا؛ لِأَنَّهُ قَيْءٌ. اهـ. نَعَمْ لَا يَكُونُ نَجَسًا عِنْدَنَا مَا لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ حَيَوَانًا دَمَوِيًّا أَمَّا رَفْعُ الْحَدَثِ بِهِ فَلَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ دَمَوِيٍّ.
(قَوْلُهُ: فَالْكُلُّ) أَيْ كُلُّ الْمِيَاهِ الْمَذْكُورَةِ بِالنَّظَرِ إلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّكِرَةُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ
стр. 175
وَلَوْ مُثْبَتَةً فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ تَعُمُّ (وَمَاءِ زَمْزَمَ) بِلَا كَرَاهَةٍ وَعَنْ أَحْمَدَ يُكْرَهُ (وَبِمَاءٍ قُصِدَ تَشْمِيسُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ) وَكَرَاهَتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ طِبِّيَّةٌ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الْمُسَخَّنَ بِالنَّجَاسَةِ.
(وَ) يُرْفَعُ (بِمَاءٍ يَنْعَقِدُ بِهِ مِلْحٌ لَا بِمَاءٍ) حَاصِلٍ بِذَوَبَانِ (مِلْحٍ) لِبَقَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى طَبِيعَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَانْقِلَابِ الثَّانِي إلَى طَبِيعَةِ الْمِلْحِيَّةِ (وَ) لَا (بِعَصِيرِ نَبَاتٍ) أَيْ مُعْتَصَرٍ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ؛ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ (بِخِلَافِ مَا يَقْطُرُ
ــ
[رد المحتار]
إنَّ مَاءً فِي الْآيَةِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَلَا تَعُمُّ. وَبَيَانُ الْجَوَابِ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي الْإِثْبَاتِ قَدْ تَعُمُّ لِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ، كَمَا إذَا وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ مِثْلُ - ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢١]- أَوْ غَيْرُ لَفْظِيَّةٍ مِثْلُ - ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤]- وَمِثْلُ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ وَهُنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ السِّيَاقَ لِلِامْتِنَانِ هُوَ تَعْدَادُ النِّعَمِ مِنْ الْمُنْعِمِ، فَيُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ كُلَّ مَاءٍ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ لَا بَعْضَ الْمَاءِ حَتَّى يُفِيدَ أَنَّ بَعْضَ مَا فِي الْأَرْضِ لَيْسَ مِنْ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الِامْتِنَانِ فِي الْعُمُومِ، وَيُسْتَدَلُّ بِالْآيَةِ أَيْضًا عَلَى طَهَارَتِهِ إذْ لَا مِنَّةَ بِالنَّجَسِ.
(قَوْلُهُ: بِلَا كَرَاهَةٍ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى فَائِدَةِ التَّصْرِيحِ بِهِ مَعَ دُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ وَآبَارٍ وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَاءِ زَمْزَمَ لَا الِاغْتِسَالُ. اهـ. فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ نَفْيَ الْكَرَاهَةِ خَاصٌّ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ بِخِلَافِ الْخَبَثِ.
(قَوْلُهُ: قُصِدَ تَشْمِيسُهُ) قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ تَشَمَّسَ بِنَفْسِهِ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَكَرَاهَتُهُ إلَخْ) أَقُولُ: الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي شَرْحَيْ ابْنِ حَجَرٍ وَالرَّمْلِيِّ عَلَى الْمِنْهَاجِ أَنَّهَا شَرْعِيَّةٌ تَنْزِيهِيَّةٌ لَا طِبِّيَّةٌ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاسْتِعْمَالُهُ يُخْشَى مِنْهُ الْبَرَصُ كَمَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْأَطِبَّاءِ لِقَبْضِ زُهُومَتِهِ عَلَى مَسَامِّ الْبَدَنِ فَتَحْبِسُ الدَّمَ، وَذَكَرَ شُرُوطَ كَرَاهَتِهِ عِنْدَهُمْ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ بِقُطْرٍ حَارٍّ وَقْتَ الْحَرِّ فِي إنَاءٍ مُنْطَبِعٍ غَيْرِ نَقْدٍ، وَأَنْ يُسْتَعْمَلَ وَهُوَ حَارٌّ. أَقُولُ: وَقَدَّمْنَا فِي مَنْدُوبَاتِ الْوُضُوءِ عَنْ الْإِمْدَادِ أَنَّ مِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ بِمَاءٍ مُشْمَسٍ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْحِلْيَةِ مُسْتَدِلًّا بِمَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ مِنْ النَّهْيِ عَنْهُ؛ وَلِذَا صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ بِكَرَاهَتِهِ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي الْقُنْيَةِ: وَتُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِالْمُشْمِسِ، «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂ حِينَ سَخَّنَتْ الْمَاءَ بِالشَّمْسِ لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءَ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» وَعَنْ عُمَرَ مِثْلُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُكْرَهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ. وَالشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ إنْ قَصَدَ تَشْمِيسَهُ. وَفِي الْغَايَةِ: وَكُرِهَ بِالْمُشْمَسِ فِي قُطْرٍ حَارٍّ فِي أَوَانٍ مُنْطَبِعَةٍ، وَاعْتِبَارُ الْقَصْدِ ضَعِيفٌ، وَعَدَمُهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ اهـ مَا فِي الْمِعْرَاجِ، فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُتَعَمَّدَ الْكَرَاهَةُ عِنْدَنَا لِصِحَّةِ الْأَثَرِ وَأَنَّ عَدَمَهَا رِوَايَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ عِنْدَنَا أَيْضًا، بِدَلِيلِ عَدِّهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ، فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ.
(قَوْلُهُ: لِبَقَاءِ الْأَوَّلِ إلَخْ) هَذَا الْفَرْقُ أَبْدَاهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ بَعْدَمَا نَقَلَ الْأُولَى عَنْ عُيُونِ الْمَذَاهِبِ وَالثَّانِيَةَ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَاعْتَرَضَهُ مُحَشِّيهُ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي بِأَنَّ عِبَارَةَ الْخُلَاصَةِ: وَلَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءِ الْمِلْحِ لَا يَجُوزُ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ طَبْعِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَجْمُدُ صَيْفًا وَيَذُوبُ شِتَاءً. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَا يَجُوزُ بِمَاءِ الْمِلْحِ، وَهُوَ مَا يَجْمُدُ فِي الصَّيْفِ وَيَذُوبُ فِي الشِّتَاءِ عَكْسُ الْمَاءِ، وَأَقَرَّهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمَاءِ الْمِلْحِ مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ انْعَقَدَ مِلْحًا ثُمَّ ذَابَ أَوْ لَا؟ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي اهـ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: أَيْ مُعْتَصَرٍ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ عَصِيرَ اسْمُ مَفْعُولٍ.
(قَوْلُهُ: مِنْ شَجَرٍ) يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ بِمَا لَهُ سَاقٌ أَوْ لَا، لِيَشْمَلَ الرِّيبَاسَ وَأَوْرَاقَ الْهِنْدَبَا وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ إسْمَاعِيلَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ ثَمَرٍ) بِمُثَلَّثَةٍ نَهْرٌ كَالْعِنَبِ
стр. 176
مِنْ الْكَرْمِ) أَوْ الْفَوَاكِهِ (بِنَفْسِهِ) فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْبُرْهَانِ وَاعْتَمَدَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ فَقَالَ: وَالِاعْتِصَارُ يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ كَمَاءِ الْكَرْمِ وَكَذَا مَاءُ الدَّابُوغَةِ وَالْبِطِّيخِ بِلَا اسْتِخْرَاجٍ وَكَذَا نَبِيذُ التَّمْرِ
(وَ) لَا بِمَاءٍ (مَغْلُوبٍ بِ) شَيْءٍ (طَاهِرٍ) الْغَلَبَةُ إمَّا بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ بِتَشَرُّبِ نَبَاتٍ أَوْ بِطِّيخٍ بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفُ، وَإِمَّا بِغَلَبَةِ الْمُخَالَطِ، فَلَوْ جَامِدًا فَبِثَخَانَةٍ مَا لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ كَنَبِيذِ تَمْرٍ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي حَدِيثِ «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ» .
(قَوْلُهُ: مِنْ الْكَرْمِ) أَخْرَجَ السُّيُوطِيّ «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ «الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ» وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْخَيْرِ وَالْمَنَافِعِ فِي الْمُسَمَّى بِهَا وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ، وَهَلْ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ تَخْصِيصِ شَجَرِ الْعِنَبِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِالْكَرْمِ، أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ بِهَا مَعَ اتِّخَاذِ الْخَمْرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهُ وَصْفٌ بِالْكَرْمِ وَالْخَيْرِ لِأَصْلِ هَذَا الشَّرَابِ الْخَبِيثِ الْمُحَرَّمِ وَذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى مَدْحِ الْمُحَرَّمِ، وَتَهْيِيجُ النُّفُوسِ إلَيْهِ مُحْتَمَلٌ. اهـ. مُنَاوِيٌّ وَجَزَمَ فِي الْقَامُوسِ بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ بِالثَّانِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ) وَهُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْمُحِيطِ، وَصَدَرَ بِهِ فِي الْكَافِي وَذَكَرَ الْجَوَازَ بِقِيلَ. وَفِي الْحِلْيَةِ أَنَّهُ الْأَوْجَهُ لِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ بَحْرٌ وَنَهْرٌ. وَقَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ: وَمَنْ رَاجَعَ كُتُبَ الْمَذْهَبِ وَجَدَ أَكْثَرَهَا عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ فَيَكُونُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَمَا فِي هَذَا الْمَتْنِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالِاعْتِصَارُ إلَخْ) فَالْمُرَادُ بِهِ الْخُرُوجُ ط.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا مَاءُ الدَّابُوغَةِ إلَخْ) أَيْ كَمَاءِ الْكَرْمِ فِي الْخِلَافِ وَفِي أَنَّ الْأَظْهَرَ عَدَمُ جَوَازِ رَفْعِ الْحَدَثِ بِهَا وَلَمْ أَجِدْ فِيمَا عِنْدِي مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ لَفْظَ الدَّابُوغَةِ فَلْيُرَاجَعْ ح. وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ عَنْ كُتُبِ الطِّبِّ أَنَّ الْبِطِّيخَ الْأَخْضَرَ يُقَالُ لَهُ الْحَبْحَبُ وَالدَّابُوغَةُ وَالدَّابُوقَةُ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْبِطِّيخِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى الْأَصْفَرِ الْمُسَمَّى بِالْخِرْبِزِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا نَبِيذُ التَّمْرِ) أَيْ فِي أَنَّ الْأَظْهَرَ فِيهِ عَدَمُ الْجَوَازِ أَيْضًا، وَفَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مِنْ قِسْمِ الْمَغْلُوبِ الَّذِي زَالَ اسْمُهُ كَمَا يَذْكُرُهُ قَرِيبًا
(قَوْلُهُ: وَلَا بِمَاءٍ مَغْلُوبٍ) التَّقْيِيدُ بِالْمَغْلُوبِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُمْنَعُ التَّسَاوِي فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: الْغَلَبَةُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَعَلَى عَدَمِهِ بِالْمَاءِ الْمُقَيَّدِ، ثُمَّ الْمَاءُ إذَا اخْتَلَطَ بِهِ طَاهِرٌ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ وَبَيَانُ الْغَلَبَةِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ عِبَارَاتُ فُقَهَائِنَا. وَقَدْ اقْتَحَمَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الزَّيْلَعِيُّ التَّوْفِيقَ بَيْنَهَا بِضَابِطٍ مُفِيدٍ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ كَابْنِ الْهُمَامِ وَابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ وَصَاحِبِ الدُّرَرِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَلْطَفِ إشَارَةٍ.
(قَوْلُهُ: بِتَشَرُّبِ نَبَاتٍ إلَخْ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالًا مِنْهُ وَهَذَا يَشْمَلُ مَا خَرَجَ بِعِلَاجٍ أَوْ لَا كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفُ) كَالْمَرَقِ وَمَاءِ الْبَاقِلَّا أَيْ الْفُولِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقَيَّدًا سَوَاءٌ تَغَيَّرَ شَيْءٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ بَقِيَتْ فِيهِ رِقَّةُ الْمَاءِ أَوْ لَا فِي الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَاحْتُرِزَ عَمَّا إذَا طَبَخَ فِيهِ مَا يَقْصِدُ بِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي النَّظَافَةِ كَالْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ كَالسَّوِيقِ الْمَخْلُوطِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِمَّا بِغَلَبَةِ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ إمَّا بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ.
(قَوْلُهُ: فَبِثَخَانَةِ) أَيْ فَالْغَلَبَةُ بِثَخَانَةِ الْمَاءِ: أَيْ بِانْتِفَاءِ رِقَّتِهِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ زَيْلَعِيٌّ وَأَفَادَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ لَا يَذْكُرَ هَذَا الْقِسْمَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَاءِ وَهَذَا قَدْ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ كَلَامُ الْهِدَايَةِ السَّابِقُ.
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ) أَيْ فَإِذَا زَالَ الِاسْمُ لَا يُعْتَبَرُ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِهِ الثَّخَانَةُ بَلْ يَضُرُّ وَإِنْ بَقِيَ عَلَى رِقَّتِهِ وَسَيَلَانِهِ وَهَذَا زَادَهُ فِي الْبَحْرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ. أَقُولُ: لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَنَبِيذِ تَمْرٍ) وَمِثْلُهُ الزَّعْفَرَانُ إذَا خَالَطَ الْمَاءَ وَصَارَ بِحَيْثُ يُصْبَغُ بِهِ فَلَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الثَّخَانَةِ، وَكَذَا إذَا
стр. 177
وَلَوْ مَائِعًا، فَلَوْ مُبَايِنًا لِأَوْصَافِهِ فَبِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا، أَوْ مُوَافِقًا كَلَبَنٍ فَبِأَحَدِهَا أَوْ مُمَاثِلًا كَمُسْتَعْمَلٍ فَبِالْأَجْزَاءِ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ جَازَ التَّطْهِيرُ بِالْكُلِّ وَإِلَّا لَا، وَهَذَا يَعُمُّ الْمُلْقَى وَالْمُلَاقِيَ، فَفِي الْفَسَاقِيِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مَا لَمْ يُعْلَمْ تَسَاوِي الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ الْمِنَحِ. قُلْت: لَكِنَّ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْوَهْبَانِيَّةِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا.
ــ
[رد المحتار]
طُرِحَ فِيهِ زَاجٌ أَوْ عَفْصٌ وَصَارَ يُنْقَشُ بِهِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ وَسَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مَائِعًا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَوْ جَامِدًا. ثُمَّ الْمَائِعُ إمَّا مُبَايِنٌ لِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ: أَعْنِي الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ وَالرِّيحَ كَالْخَلِّ، أَوْ مُوَافِقٌ فِي بَعْضٍ مُبَايِنٌ فِي بَعْضٍ، أَوْ مُمَاثِلٌ فِي الْجَمِيعِ وَذَكَرَ تَفْصِيلَهُ وَأَحْكَامَهُ.
(قَوْلُهُ: فَبِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا) أَيْ فَالْغَلَبَةُ بِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا وَهُوَ وَصْفَانِ، فَلَا يَضُرُّ ظُهُورُ وَصْفٍ وَاحِدٍ فِي الْمَاءِ مِنْ أَوْصَافِ الْخَلِّ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: كَلَبَنٍ) فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَاءِ فِي عَدَمِ الرَّائِحَةِ مُبَايِنٌ لَهُ فِي الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَكَمَاءِ الْبِطِّيخِ أَيْ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ فِي عَدَمِ اللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ مُبَايِنٌ لَهُ فِي الطَّعْمِ. هَذَا وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَلَى الْبَحْرِ أَنَّ الْمُشَاهَدَ فِي اللَّبَنِ مُخَالَفَتُهُ لِلْمَاءِ فِي الرَّائِحَةِ.
(قَوْلُهُ: فَبِأَحَدِهَا) أَيْ فَغَلَبَتُهُ بِتَغَيُّرِ أَحَدِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ كَالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ فِي اللَّبَنِ وَكَالطَّعْمِ فَقَطْ فِي الْبِطِّيخِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: كَمُسْتَعْمَلٍ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ وَكَالْمَاءِ الَّذِي يُؤْخَذُ بِالتَّقْطِيرِ مِنْ لِسَانِ الثَّوْرِ وَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُطْلَقُ أَكْثَرَ، بِأَنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ مُسَاوِيًا لَا يَجُوزُ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِجْزَاءِ فِي الْمُسْتَعْمَلِ يَعُمُّ الْمُلْقَى بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ مَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا مِنْ خَارِجٍ ثُمَّ أُخِذَ وَأُلْقِيَ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَخُلِطَ بِهِ وَالْمُلَاقِي أَيْ وَاَلَّذِي لَاقَى الْعُضْوَ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْقَلِيلِ بِأَنْ انْغَمَسَ فِيهِ مُحْدِثٌ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ. مَطْلَبٌ فِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ مِنْ الْفَسَاقِيِ.
(قَوْلُهُ: فَفِي الْفَسَاقِيِ) أَيْ الْحِيَاضِ الصِّغَارِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْهَا مَعَ عَدَمِ جَرَيَانِهَا، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْمِيمِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْفَسَاقِيِ مَغْطِسُ الْحَمَّامِ وَبِرَكُ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَلَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجُوزُ فِيهَا الِاغْتِسَالُ وَالْوُضُوءُ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي لَاقَى أَعْضَاءَ الْمُتَطَهِّرِينَ سَاوَى الْمُطْلَقَ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ إلَخْ) حَيْثُ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِإِطْلَاقِهِمْ الْمُفِيدِ لِلْعُمُومِ كَمَا مَرَّ، وَبِقَوْلِ الْبَدَائِعِ: الْمَاءُ الْقَلِيلُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا بِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمُطَهَّرِ بِهِ إذَا كَانَ غَيْرُ الْمُطَهِّرِ غَالِبًا كَمَاءِ الْوَرْدِ وَاللَّبَنِ لَا مَغْلُوبًا، وَهَا هُنَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ مَا يُلَاقِي الْبَدَنَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَعْمَلِ فَكَيْفَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْحِلْيَةِ لِابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ. وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ الَّتِي جَمَعَهَا تِلْمِيذُهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ سُئِلَ عَنْ فَسْقِيَّةٍ صَغِيرَةٍ يَتَوَضَّأُ فِيهَا النَّاسُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَنْزِلُ فِيهَا مَاءٌ جَدِيدٌ هَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ فِيهَا؟ أَجَابَ إذَا لَمْ يَقَعْ فِيهَا غَيْرُ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ لَا يَضُرُّ اهـ يَعْنِي وَأَمَّا إذَا وَقَعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ تَنَجَّسَتْ لِصِغَرِهَا، وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الْبَحْرِ بِعِبَارَاتٍ أُخَرَ لَا تَدُلُّ لَهُ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْمُلْقَى، وَالنِّزَاعُ فِي الْمُلَاقِي كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ فَلِذَا اقْتَصَرْنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
(قَوْلُهُ: فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمُلْقَى وَالْمُلَاقِي حَيْثُ قَالَ: وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِالْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِي جَسَدَهُ دُونَ بَاقِي الْمَاءِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مُسْتَهْلَكًا فِي كَثِيرٍ فَهُوَ مَرْدُودٌ لِسَرَيَانِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْجَمِيعِ حُكْمًا، وَلَيْسَ كَالْغَالِبِ يُصَبُّ يَصُبُّ الْقَلِيلُ مِنْ الْمَاءِ فِيهِ اهـ
стр. 178
(وَيَجُوزُ) رَفْعُ الْحَدَثِ (بِمَا ذُكِرَ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ) أَيْ الْمَاءِ وَلَوْ قَلِيلًا (غَيْرُ دَمَوِيٍّ
ــ
[رد المحتار]
وَحَاصِلُهُ الرَّدُّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ بِأَنَّ الْمُحْدِثَ إذَا انْغَمَسَ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ صَارَ مُسْتَعْمِلًا لِجَمِيعِ الْمَاءِ حُكْمًا وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً هُوَ الْمُلَاقِي لِلْعُضْوِ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا لَوْ أُلْقِيَ فِيهِ الْمُسْتَعْمَلُ الْقَلِيلُ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْجَمِيعِ بِالِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ لَمْ يَسْتَعْمِلْ شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى يَدَّعِيَ ذَلِكَ، إنَّمَا الْمُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا هُوَ ذَلِكَ الْمُلْقَى فَقَطْ. وَمُلَخَّصُهُ: أَنَّ الْمُلْقَى لَا يَصِيرُ بِهِ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِالْغَلَبَةِ، بِخِلَافِ الْمُلَاقِي فَإِنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا كُلَّهُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ الْعُضْوِ لَهُ.
وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الشُّيُوعَ وَالِاخْتِلَاطَ فِي الصُّورَتَيْنِ سَوَاءٌ، بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إلْقَاءُ الْغُسَالَةِ مِنْ الْخَارِجِ أَقْوَى تَأْثِيرًا مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَيُّنِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ اهـ وَبِذَلِكَ أَمَرَ الشَّارِحُ بِالتَّأَمُّلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَحَيَّرَتْ فِيهَا أَفْهَامُ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ وَوَقَعَ فِيهَا بَيْنَهُمْ النِّزَاعُ وَشَاعَ وَذَاعَ، وَأَلَّفَ فِيهَا الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ رِسَالَةً سَمَّاهَا رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ عَنْ مَسْأَلَةِ الْمِيَاهِ حَقَّقَ فِيهَا عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُلْقَى وَالْمُلَاقِي: أَيْ فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، بَلْ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ فِي الْمُلَاقِي كَمَا تُعْتَبَرُ فِي الْمُلْقَى، وَوَافَقَهُ بَعْضُ أَهْلِ عَصْرِهِ. تَعَقَّبَهُ غَيْرُهُمْ مِنْهُمْ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِرِسَالَةٍ سَمَّاهَا زَهْرُ الرَّوْضِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوْضِ وَقَالَ: لَا تَغَيُّرَ بِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ. وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْوَهْبَانِيَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فِي الْإِنَاءِ لِلتَّبَرُّدِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ وَبِمَا فِي الْأَسْرَارِ لِلْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ حَيْثُ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ.
ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَمَّا اغْتَسَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ صَارَ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا اهـ وَمِنْ هُنَا نَشَأَ الْفَرْقُ السَّابِقُ وَبِهِ أَفْتَى الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّلَبِيِّ، وَانْتَصَرَ فِي الْبَحْرِ لِلْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ وَأَلَّفَ رِسَالَةً سَمَّاهَا الْخَيْرُ الْبَاقِي فِي الْوُضُوءِ مِنْ الْفَسَاقِيِ وَأَجَابَ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الشِّحْنَةِ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّجَاسَةَ وَلَوْ قَلِيلَةً تُفْسِدُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ، وَأَقَرَّهُ الْعَلَّامَةُ الْبَاقَانِيُّ وَالشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ وَوَلَدُهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ وَكَذَا فِي النَّهْرِ وَالْمِنَحِ، وَعَلِمْت أَيْضًا مُوَافَقَتَهُ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ وَقَارِئِ الْهِدَايَةِ، وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ الْعَلَّامَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي، ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ فِي الْخَزَائِنِ مَالَ إلَى تَرْجِيحِهِ وَقَالَ إنَّهُ الَّذِي حَرَّرَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَنَقْلِهِ عِبَارَاتِهَا الْمُضْطَرِبَةَ ظَاهِرًا، وَعَلَى مَا أَلَّفَ فِي هَذَا الْخُصُوصِ مِنْ الرَّسَائِلِ وَأَقَامَ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى الصَّادِقَةِ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ، وَقَدْ حُرِّرَتْ فِي ذَلِكَ رِسَالَةٌ حَافِلَةٌ كَافِلَةٌ بِذَلِكَ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَحْقِيقِ مَا هُنَاكَ، وَبَلَغَنِي أَنَّ شَيْخَنَا الشَّيْخَ شَرَفَ الدِّينِ الْغَزِّيِّ مُحَشِّي الْأَشْبَاهِ مَالَ إلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا.
قُلْت: وَفِي ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ عَظِيمَةٌ وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ انْقِطَاعِ الْمِيَاهِ عَنْ حِيَاضِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فِي بِلَادِنَا وَلَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ لَا يَخْفَى، فَيَنْبَغِي لِمَنْ يُبْتَلَى بِذَلِكَ أَنْ لَا يَغْسِلَ أَعْضَاءَهُ فِي ذَلِكَ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ بَلْ يَغْتَرِفُ مِنْهُ وَيَغْسِلُ خَارِجَهُ وَإِنْ وَقَعَتْ الْغُسَالَةُ فِيهِ لِيَكُونَ مِنْ الْمُلْقَى لَا مِنْ الْمُلَاقِي الَّذِي فِيهِ النِّزَاعُ، فَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ فِيهِ لِلْمَقَالِ مَجَالٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ) أَيْ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ فِي نَحْوِ الْمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَهُوَ أَوْلَى هُنَا مِنْ إرَادَةِ الْحِلِّ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ إرَادَةَ الْأَوَّلِ فِي الْعُقُودِ وَالثَّانِي فِي الْأَفْعَالِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: بِمَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ أَقْسَامِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ. (قَوْلُهُ: غَيْرُ دَمَوِيٍّ) الْمُرَادُ مَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ، لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَمُ السَّيَلَانِ لَا عَدَمُ أَصْلِهِ، حَتَّى لَوْ وُجِدَ حَيَوَانٌ لَهُ دَمٌ جَامِدٌ لَا يَنْجُسُ. اهـ. أَقُولُ: وَكَذَا دَمُ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ فَإِنَّهُ غَيْرُ سَائِلٍ، وَخَرَجَ الدَّمَوِيُّ سَوَاءٌ كَانَ دَمُهُ مِنْ
стр. 179
كَزُنْبُورٍ) وَعَقْرَبٍ وَبَقٍّ: أَيْ بَعُوضٍ، وَقِيلَ: بَقُّ الْخَشَبِ. وَفِي الْمُجْتَبَى: الْأَصَحُّ فِي عَلَقِ مَصِّ الدَّمِ أَنَّهُ يَفْسُدُ وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ بَقٍّ، وَقُرَادٍ وَعَلَقٍ. وَفِي الْوَهْبَانِيَّةِ دُودُ الْقَزِّ وَمَاؤُهُ وَبَزْرُهُ وَخُرْؤُهُ طَاهِرٌ كَدُودَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ نَجَاسَةٍ (وَمَائِيٌّ مُوَلَّدٌ)
ــ
[رد المحتار]
نَفْسِهِ أَوْ مُكْتَسَبًا بِالْمَصِّ كَالْعَلَقِ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْمَاءَ كَمَا يَأْتِي، وَالْمُرَادُ الدَّمَوِيُّ غَيْرُ الْمَائِيِّ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ الْمَائِيَّ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: كَزُنْبُورٍ) بِضَمِّ الزَّايِ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ، مِنْهَا النَّحْلُ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بَعُوضٍ) فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كِبَارُ الْبَعُوضِ؛ لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ: الْبَقَّةُ الْبَعُوضَةُ، وَدُوَيْبَّةٌ مُفَرْطَحَةٌ: أَيْ عَرِيضَةٌ حَمْرَاءُ مُنْتِنَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ بَقُّ الْخَشَبِ، وَيُؤَيِّدُهُ عِبَارَةُ الْحِلْيَةِ؛ وَقَدْ يُسَمَّى بِهِ الْفُسْفُسُ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ: وَهُوَ حَيَوَانٌ كَالْقُرَادِ شَدِيدُ النَّتْنِ. وَعِبَارَةُ السِّرَاجِ: وَقِيلَ الْكَتَّانُ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْكَتَّانُ دُوَيْبَّةٌ حَمْرَاءُ لَسَّاعَةٌ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْفُسْفُسُ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ يُعْلَمُ إلَخْ) أَصْلُ عِبَارَةِ الْمُجْتَبَى وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ الْقُرَادِ وَالْحَلَمِ اهـ أَيْ يُعْلَمُ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ مُفْسِدٌ. وَقَالَ فِي النَّهْرِ: وَالتَّرْجِيحُ فِي الْعَلَقِ تَرْجِيحٌ فِي الْبَقِّ إذْ الدَّمُ فِيهَا مُسْتَعَارٌ اهـ أَيْ مُكْتَسَبٌ، فَأَدْرَجَ الشَّارِحُ الْبَقَّ فِي عِبَارَةِ الْمُجْتَبَى مَعَ أَنَّهُ بَحْثٌ لِصَاحِبِ النَّهْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْفَرْقِ الظَّاهِرِ بَيْنَ الْبَقِّ وَالْعَلَقِ؛ لِأَنَّ دَمَ الْعَلَقِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَعَارًا لَكِنَّهُ سَائِلٌ وَلِذَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، بِخِلَافِ دَمِ الْبَقِّ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ كَالذُّبَابِ لِعَدَمِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الدَّمَوِيَّ الْمُفْسِدَ مَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْعَلَقِ وَالْقُرَادِ هُنَا بِالْكَبِيرِ إذْ الصَّغِيرُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَمَا مَرَّ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْسِدَ الْمَاءَ أَيْضًا لِعَدَمِ السَّيَلَانِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَقٍ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا وَحَلَمٍ، وَهِيَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقَةُ لِعِبَارَةِ الْمُجْتَبَى: وَهُوَ جَمْعُ حَلَمَةٍ بِالتَّحْرِيكِ. وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: الْحَلَمَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: قُرَادٌ وَحَنَّانَةٌ وَحَلَمٌ، فَالْقُرَادُ أَصْغَرُ وَالْحَنَّانَةُ أَوْسَطُهَا، وَالْحَلَمَةُ أَكْبَرُهَا وَلَهَا دَمٌ سَائِلٌ. اهـ. وَذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الصَّغِيرِ وَعَلَى الْكَبِيرِ مِنْ الْأَضْدَادِ، وَعَلَى دُودَةٍ تَقَعُ فِي جِلْدِ الشَّاةِ، فَإِذَا دُبِغَ وَهَى مَوْضِعُهَا.
(قَوْلُهُ: دُودُ الْقَزِّ) أَيْ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْحَرِيرُ.
(قَوْلُهُ: وَمَاؤُهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يُوجَدُ فِيمَا يَهْلِكُ مِنْهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِاللَّبَنِ، أَوْ الَّذِي يُغْلَى فِيهِ عِنْدَ حَلِّهِ حَرِيرًا. وَعِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلَ لِمَا فِي الصَّيْرَفِيَّةِ: لَوْ وَطِئَ دُودَ الْقَزِّ فَأَصَابَ ثَوْبَهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ مَعَهُ اهـ مِنْ شَرْحِ ابْنِ الشِّحْنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَبَزْرُهُ) أَيْ بَيْضُهُ الَّذِي فِيهِ الدُّودُ.
(قَوْلُهُ: وَخُرْؤُهُ) لَمْ يَجْزِمْ بِطَهَارَتِهِ فِي الْوَهْبَانِيَّةِ، بَلْ قَالَ: وَفِي خُرْءِ دُودِ الْقَزِّ خِلَافٌ، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِهَا.
(قَوْلُهُ: كَدُودَةٍ إلَخْ) فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ وَلَوْ خَرَجَتْ مِنْ الدُّبُرِ، وَالنَّقْضُ إنَّمَا هُوَ لِمَا عَلَيْهَا لَا لِذَاتِهَا ط وَقَدَّمْنَا قَوْلًا بِنَجَاسَتِهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ لَا يَنْجُسُ لَكِنْ لَوْ بَعْدَ غَسْلِهَا كَمَا قَيَّدَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَمَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ أَنَّهُ يَنْجُسُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الْغُسْلِ.
(قَوْلُهُ: وَمَائِيٌّ مُوَلَّدٌ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ غَيْرُ دَمَوِيٍّ: أَيْ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ أَوْ لَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَحْرٌ عَنْ السِّرَاجِ: أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً وَعُرِفَ فِي الْخُلَاصَةِ الْمَائِيُّ بِمَا لَوْ اُسْتُخْرِجَ مِنْ الْمَاءِ يَمُوتُ مِنْ سَاعَتِهِ، وَإِنْ كَانَ يَعِيشُ فَهُوَ مَائِيٌّ وَبَرِّيٌّ فَجَعَلَ بَيْنَ الْمَائِيِّ وَالْبَرِّيِّ قِسْمًا آخَرَ وَهُوَ مَا يَكُونُ مَائِيًّا وَبَرِّيًّا، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ حُكْمًا عَلَى حِدَةٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمَائِيِّ لِعَدَمِ الدَّمَوِيَّةِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ. أَقُولُ: وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْقِسْمِ الْآخَرِ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ فِي الْمَاءِ وَلَا يَمُوتُ مِنْ سَاعَتِهِ لَوْ أُخْرِجَ مِنْهُ كَالسَّرَطَانِ
стр. 180
وَلَوْ كَلْبَ الْمَاءِ وَخِنْزِيرَهُ (كَسَمَكٍ وَسَرَطَانٍ) وَضِفْدَعٍ إلَّا بَرِّيًّا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، وَهُوَ مَا لَا سُتْرَةَ لَهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَيَفْسُدُ فِي الْأَصَحِّ كَحَيَّةٍ بَرِّيَّةٍ، إنْ لَهَا دَمٌ وَإِلَّا لَا (وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ مَاتَ) مَا ذُكِرَ (خَارِجَهُ وَبَقِيَ فِيهِ) فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ تَفَتَّتَ فِيهِ نَحْوُ ضِفْدَعٍ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ لَا شُرْبُهُ لِحُرْمَةِ لَحْمِهِ.
(وَيَنْجُسُ) الْمَاءُ الْقَلِيلُ (بِمَوْتِ مَائِيٍّ مَعَاشٍ بَرِّيٍّ مُوَلَّدٍ) فِي الْأَصَحِّ (كَبَطٍّ وَإِوَزٍّ) وَحُكْمُ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ فِي الْأَصَحِّ، حَتَّى لَوْ وَقَعَ بَوْلٌ فِي عَصِيرٍ عُشْرٌ فِي عُشْرٍ لَمْ يَفْسُدْ، وَلَوْ سَالَ دَمُ رِجْلِهِ مَعَ الْعَصِيرِ لَا يَنْجُسُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ وَغَيْرُهُ (وَبِتَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ) مِنْ لَوْنٍ أَوْ طَعْمٍ أَوْ رِيحٍ (يَنْجُسُ) الْكَثِيرُ وَلَوْ جَارِيًا إجْمَاعًا، أَمَّا الْقَلِيلُ فَيَنْجُسُ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ خِلَافًا لِمَالِكٍ
ــ
[رد المحتار]
وَالضِّفْدَعِ، بِخِلَافِ مَا يَتَوَالَدُ فِي الْبَرِّ وَيَعِيشُ فِي الْمَاءِ كَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَلْبَ الْمَاءِ وَخِنْزِيرَهُ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ خُلَاصَةٌ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ الْقَوْلَ الضَّعِيفَ الْمَحْكِيَّ فِي الْمِعْرَاجِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: كَسَمَكٍ) أَيْ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ وَلَوْ طَافِيًا خِلَافًا لِلطَّحَاوِيِّ كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَسَرَطَانٍ) بِالتَّحْرِيكِ، وَمَنَافِعُهُ كَثِيرَةٌ بَسَطَهَا فِي الْقَامُوسِ.
(قَوْلُهُ: وَضِفْدَعٍ) كَزِبْرِجٍ وَجَعْفَرٍ وَجُنْدُبٍ وَدِرْهَمٍ وَهَذَا أَقَلُّ أَوْ مَرْدُودٌ قَامُوسٌ.
(قَوْلُهُ: فَيَفْسُدُ فِي الْأَصَحِّ) وَعَلَيْهِ فَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ عَدَمِ الْإِفْسَادِ بِالضِّفْدَعِ الْبَرِّيِّ وَصَحَّحَهُ فِي السِّرَاجِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ عَنْ الْحِلْيَةِ.
(قَوْلُهُ: كَحَيَّةٍ بَرِّيَّةٍ) أَمَّا الْمَائِيَّةُ فَلَا تَفْسُدُ مُطْلَقًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَكَالْحَيَّةِ الْبَرِّيَّةِ الْوَزَغَةُ لَوْ كَبِيرَةً لَهَا دَمٌ سَائِلٌ مُنْيَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلضِّفْدَعِ الْبَرِّيَّةِ وَالْحَيَّةِ الْبَرِّيَّةِ دَمٌ سَائِلٌ فَلَا يَفْسُدُ.
(قَوْلُهُ: مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ مَائِيِّ الْمُوَلَّدِ وَغَيْرُ الدَّمَوِيِّ ط.
(قَوْلُهُ: لِحُرْمَةِ لَحْمِهِ) لِأَنَّهُ قَدْ صَارَتْ أَجْزَاؤُهُ فِي الْمَاءِ فَيُكْرَهُ الشُّرْبُ تَحْرِيمًا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: الْقَلِيلُ) أَمَّا الْكَثِيرُ فَيَأْتِي حُكْمُهُ بَعْدُ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) أَيْ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ لَهُ نَفْسًا سَائِلَةً، وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَلَى الْإِفْسَادِ فِي غَيْرِ الْمَاءِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ فَمَا فِي الْمُجْتَبَى مِنْ تَصْحِيحِ عَدَمِ الْإِفْسَادِ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: كَبَطٍّ وَإِوَزٍّ) فَسَّرَ فِي الْقَامُوسِ كُلًّا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ، وَالْإِوَزُّ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ وَزَايٍ مُشَدَّدَةٍ وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَمْزَةُ. مَطْلَبٌ حُكْمُ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ فِي الْأَصَحِّ.
(قَوْلُهُ: وَحُكْمُ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ إلَخْ) فَكُلُّ مَا لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ لَا يُفْسِدُ غَيْرَ الْمَاءِ وَهُوَ الْأَصَحُّ مُحِيطٌ وَتُحْفَةٌ وَالْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ بَدَائِعُ. اهـ. بَحْرٌ، وَفِيهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَسَائِرُ الْمَائِعَاتِ كَمَاءٍ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، يَعْنِي كُلُّ مِقْدَارٍ لَوْ كَانَ مَاءً تَنَجَّسَ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَهُ يَنْجُسُ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: فِي عَصِيرٍ) أَيْ فِي حَوْضِ عَصِيرٍ ط.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَفْسُدْ) أَيْ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ.
(قَوْلُهُ: مَعَ الْعَصْرِ) أَيْ وَالْعَصِيرُ يَسِيلُ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ الدَّمِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَنْجُسْ) أَيْ وَيَحِلُّ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ فَتُسْتَهْلَكُ فِيهِ النَّجَاسَةُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الضِّفْدَعِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) أَفَادَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَبِتَغَيُّرِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِمَوْتِ مَائِيٍّ الْمُتَعَلِّقُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ وَيَنْجُسُ، وَقَوْلُهُ بِنَجِسٍ جَارٍّ وَمَجْرُورٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَغَيَّرَ، وَقَوْلُهُ الْكَثِيرُ فَاعِلُ يَنْجُسُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ بِتَغَيُّرِ، وَقَيَّدَ بِالْكَثِيرِ إصْلَاحًا لِعِبَارَةِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْقَلِيلِ وَلَا يَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ يَنْجُسُ الْكَثِيرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ، وَكَأَنَّ الْمُحَشِّينَ لَمْ تَقَعْ لَهُمْ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ فَاعْتَرَضُوا عَلَى مَا رَأَوْا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَالِكٍ) فَإِنَّ مَا هُوَ قَلِيلٌ عَنْدَنَا لَا يَنْجُسُ عِنْدَهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَالْقَلِيلُ عِنْدَهُمَا تَغَيَّرَ، وَالْكَثِيرُ بِخِلَافِهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: الْكَثِيرُ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ، وَالْقَلِيلُ مَا دُونَهُ. وَأَمَّا عِنْدَنَا فَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا
следующие страницы →