← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21613

حاشية ابن عابدين = رد المحتار - ط الحلبي

ابن عابدين

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مِنْ الْكَرْمِ) أَوْ الْفَوَاكِهِ (بِنَفْسِهِ) فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْبُرْهَانِ وَاعْتَمَدَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ فَقَالَ: وَالِاعْتِصَارُ يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ كَمَاءِ الْكَرْمِ وَكَذَا مَاءُ الدَّابُوغَةِ وَالْبِطِّيخِ بِلَا اسْتِخْرَاجٍ وَكَذَا نَبِيذُ التَّمْرِ (وَ) لَا بِمَاءٍ (مَغْلُوبٍ بِ) شَيْءٍ (طَاهِرٍ) الْغَلَبَةُ إمَّا بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ بِتَشَرُّبِ نَبَاتٍ أَوْ بِطِّيخٍ بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفُ، وَإِمَّا بِغَلَبَةِ الْمُخَالَطِ، فَلَوْ جَامِدًا فَبِثَخَانَةٍ مَا لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ كَنَبِيذِ تَمْرٍ ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ فِي حَدِيثِ «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ» . (قَوْلُهُ: مِنْ الْكَرْمِ) أَخْرَجَ السُّيُوطِيّ «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ «الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ» وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْخَيْرِ وَالْمَنَافِعِ فِي الْمُسَمَّى بِهَا وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ، وَهَلْ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ تَخْصِيصِ شَجَرِ الْعِنَبِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِالْكَرْمِ، أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ بِهَا مَعَ اتِّخَاذِ الْخَمْرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهُ وَصْفٌ بِالْكَرْمِ وَالْخَيْرِ لِأَصْلِ هَذَا الشَّرَابِ الْخَبِيثِ الْمُحَرَّمِ وَذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى مَدْحِ الْمُحَرَّمِ، وَتَهْيِيجُ النُّفُوسِ إلَيْهِ مُحْتَمَلٌ. اهـ. مُنَاوِيٌّ وَجَزَمَ فِي الْقَامُوسِ بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ بِالثَّانِي. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ) وَهُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْمُحِيطِ، وَصَدَرَ بِهِ فِي الْكَافِي وَذَكَرَ الْجَوَازَ بِقِيلَ. وَفِي الْحِلْيَةِ أَنَّهُ الْأَوْجَهُ لِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ بَحْرٌ وَنَهْرٌ. وَقَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ: وَمَنْ رَاجَعَ كُتُبَ الْمَذْهَبِ وَجَدَ أَكْثَرَهَا عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ فَيَكُونُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَمَا فِي هَذَا الْمَتْنِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَالِاعْتِصَارُ إلَخْ) فَالْمُرَادُ بِهِ الْخُرُوجُ ط. (قَوْلُهُ: وَكَذَا مَاءُ الدَّابُوغَةِ إلَخْ) أَيْ كَمَاءِ الْكَرْمِ فِي الْخِلَافِ وَفِي أَنَّ الْأَظْهَرَ عَدَمُ جَوَازِ رَفْعِ الْحَدَثِ بِهَا وَلَمْ أَجِدْ فِيمَا عِنْدِي مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ لَفْظَ الدَّابُوغَةِ فَلْيُرَاجَعْ ح. وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ عَنْ كُتُبِ الطِّبِّ أَنَّ الْبِطِّيخَ الْأَخْضَرَ يُقَالُ لَهُ الْحَبْحَبُ وَالدَّابُوغَةُ وَالدَّابُوقَةُ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْبِطِّيخِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى الْأَصْفَرِ الْمُسَمَّى بِالْخِرْبِزِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا نَبِيذُ التَّمْرِ) أَيْ فِي أَنَّ الْأَظْهَرَ فِيهِ عَدَمُ الْجَوَازِ أَيْضًا، وَفَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مِنْ قِسْمِ الْمَغْلُوبِ الَّذِي زَالَ اسْمُهُ كَمَا يَذْكُرُهُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَلَا بِمَاءٍ مَغْلُوبٍ) التَّقْيِيدُ بِالْمَغْلُوبِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُمْنَعُ التَّسَاوِي فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: الْغَلَبَةُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَعَلَى عَدَمِهِ بِالْمَاءِ الْمُقَيَّدِ، ثُمَّ الْمَاءُ إذَا اخْتَلَطَ بِهِ طَاهِرٌ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ وَبَيَانُ الْغَلَبَةِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ عِبَارَاتُ فُقَهَائِنَا. وَقَدْ اقْتَحَمَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الزَّيْلَعِيُّ التَّوْفِيقَ بَيْنَهَا بِضَابِطٍ مُفِيدٍ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ كَابْنِ الْهُمَامِ وَابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ وَصَاحِبِ الدُّرَرِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَلْطَفِ إشَارَةٍ. (قَوْلُهُ: بِتَشَرُّبِ نَبَاتٍ إلَخْ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالًا مِنْهُ وَهَذَا يَشْمَلُ مَا خَرَجَ بِعِلَاجٍ أَوْ لَا كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفُ) كَالْمَرَقِ وَمَاءِ الْبَاقِلَّا أَيْ الْفُولِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقَيَّدًا سَوَاءٌ تَغَيَّرَ شَيْءٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ بَقِيَتْ فِيهِ رِقَّةُ الْمَاءِ أَوْ لَا فِي الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَاحْتُرِزَ عَمَّا إذَا طَبَخَ فِيهِ مَا يَقْصِدُ بِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي النَّظَافَةِ كَالْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ كَالسَّوِيقِ الْمَخْلُوطِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِمَّا بِغَلَبَةِ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ إمَّا بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ. (قَوْلُهُ: فَبِثَخَانَةِ) أَيْ فَالْغَلَبَةُ بِثَخَانَةِ الْمَاءِ: أَيْ بِانْتِفَاءِ رِقَّتِهِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ زَيْلَعِيٌّ وَأَفَادَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ لَا يَذْكُرَ هَذَا الْقِسْمَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَاءِ وَهَذَا قَدْ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ كَلَامُ الْهِدَايَةِ السَّابِقُ. (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ) أَيْ فَإِذَا زَالَ الِاسْمُ لَا يُعْتَبَرُ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِهِ الثَّخَانَةُ بَلْ يَضُرُّ وَإِنْ بَقِيَ عَلَى رِقَّتِهِ وَسَيَلَانِهِ وَهَذَا زَادَهُ فِي الْبَحْرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ. أَقُولُ: لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: كَنَبِيذِ تَمْرٍ) وَمِثْلُهُ الزَّعْفَرَانُ إذَا خَالَطَ الْمَاءَ وَصَارَ بِحَيْثُ يُصْبَغُ بِهِ فَلَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الثَّخَانَةِ، وَكَذَا إذَا

стр. 177

وَلَوْ مَائِعًا، فَلَوْ مُبَايِنًا لِأَوْصَافِهِ فَبِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا، أَوْ مُوَافِقًا كَلَبَنٍ فَبِأَحَدِهَا أَوْ مُمَاثِلًا كَمُسْتَعْمَلٍ فَبِالْأَجْزَاءِ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ جَازَ التَّطْهِيرُ بِالْكُلِّ وَإِلَّا لَا، وَهَذَا يَعُمُّ الْمُلْقَى وَالْمُلَاقِيَ، فَفِي الْفَسَاقِيِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مَا لَمْ يُعْلَمْ تَسَاوِي الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ الْمِنَحِ. قُلْت: لَكِنَّ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْوَهْبَانِيَّةِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا. ــ [رد المحتار] طُرِحَ فِيهِ زَاجٌ أَوْ عَفْصٌ وَصَارَ يُنْقَشُ بِهِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ وَسَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَائِعًا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَوْ جَامِدًا. ثُمَّ الْمَائِعُ إمَّا مُبَايِنٌ لِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ: أَعْنِي الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ وَالرِّيحَ كَالْخَلِّ، أَوْ مُوَافِقٌ فِي بَعْضٍ مُبَايِنٌ فِي بَعْضٍ، أَوْ مُمَاثِلٌ فِي الْجَمِيعِ وَذَكَرَ تَفْصِيلَهُ وَأَحْكَامَهُ. (قَوْلُهُ: فَبِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا) أَيْ فَالْغَلَبَةُ بِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا وَهُوَ وَصْفَانِ، فَلَا يَضُرُّ ظُهُورُ وَصْفٍ وَاحِدٍ فِي الْمَاءِ مِنْ أَوْصَافِ الْخَلِّ مَثَلًا. (قَوْلُهُ: كَلَبَنٍ) فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَاءِ فِي عَدَمِ الرَّائِحَةِ مُبَايِنٌ لَهُ فِي الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَكَمَاءِ الْبِطِّيخِ أَيْ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ فِي عَدَمِ اللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ مُبَايِنٌ لَهُ فِي الطَّعْمِ. هَذَا وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَلَى الْبَحْرِ أَنَّ الْمُشَاهَدَ فِي اللَّبَنِ مُخَالَفَتُهُ لِلْمَاءِ فِي الرَّائِحَةِ. (قَوْلُهُ: فَبِأَحَدِهَا) أَيْ فَغَلَبَتُهُ بِتَغَيُّرِ أَحَدِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ كَالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ فِي اللَّبَنِ وَكَالطَّعْمِ فَقَطْ فِي الْبِطِّيخِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: كَمُسْتَعْمَلٍ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ وَكَالْمَاءِ الَّذِي يُؤْخَذُ بِالتَّقْطِيرِ مِنْ لِسَانِ الثَّوْرِ وَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُطْلَقُ أَكْثَرَ، بِأَنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ مُسَاوِيًا لَا يَجُوزُ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِجْزَاءِ فِي الْمُسْتَعْمَلِ يَعُمُّ الْمُلْقَى بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ مَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا مِنْ خَارِجٍ ثُمَّ أُخِذَ وَأُلْقِيَ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَخُلِطَ بِهِ وَالْمُلَاقِي أَيْ وَاَلَّذِي لَاقَى الْعُضْوَ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْقَلِيلِ بِأَنْ انْغَمَسَ فِيهِ مُحْدِثٌ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ. مَطْلَبٌ فِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ مِنْ الْفَسَاقِيِ. (قَوْلُهُ: فَفِي الْفَسَاقِيِ) أَيْ الْحِيَاضِ الصِّغَارِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْهَا مَعَ عَدَمِ جَرَيَانِهَا، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْمِيمِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْفَسَاقِيِ مَغْطِسُ الْحَمَّامِ وَبِرَكُ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَلَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجُوزُ فِيهَا الِاغْتِسَالُ وَالْوُضُوءُ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي لَاقَى أَعْضَاءَ الْمُتَطَهِّرِينَ سَاوَى الْمُطْلَقَ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى مَا حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ إلَخْ) حَيْثُ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِإِطْلَاقِهِمْ الْمُفِيدِ لِلْعُمُومِ كَمَا مَرَّ، وَبِقَوْلِ الْبَدَائِعِ: الْمَاءُ الْقَلِيلُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا بِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمُطَهَّرِ بِهِ إذَا كَانَ غَيْرُ الْمُطَهِّرِ غَالِبًا كَمَاءِ الْوَرْدِ وَاللَّبَنِ لَا مَغْلُوبًا، وَهَا هُنَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ مَا يُلَاقِي الْبَدَنَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَعْمَلِ فَكَيْفَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْحِلْيَةِ لِابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ. وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ الَّتِي جَمَعَهَا تِلْمِيذُهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ سُئِلَ عَنْ فَسْقِيَّةٍ صَغِيرَةٍ يَتَوَضَّأُ فِيهَا النَّاسُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَنْزِلُ فِيهَا مَاءٌ جَدِيدٌ هَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ فِيهَا؟ أَجَابَ إذَا لَمْ يَقَعْ فِيهَا غَيْرُ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ لَا يَضُرُّ اهـ يَعْنِي وَأَمَّا إذَا وَقَعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ تَنَجَّسَتْ لِصِغَرِهَا، وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الْبَحْرِ بِعِبَارَاتٍ أُخَرَ لَا تَدُلُّ لَهُ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْمُلْقَى، وَالنِّزَاعُ فِي الْمُلَاقِي كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ فَلِذَا اقْتَصَرْنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا. (قَوْلُهُ: فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمُلْقَى وَالْمُلَاقِي حَيْثُ قَالَ: وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِالْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِي جَسَدَهُ دُونَ بَاقِي الْمَاءِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مُسْتَهْلَكًا فِي كَثِيرٍ فَهُوَ مَرْدُودٌ لِسَرَيَانِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْجَمِيعِ حُكْمًا، وَلَيْسَ كَالْغَالِبِ يُصَبُّ يَصُبُّ الْقَلِيلُ مِنْ الْمَاءِ فِيهِ اهـ

стр. 178

(وَيَجُوزُ) رَفْعُ الْحَدَثِ (بِمَا ذُكِرَ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ) أَيْ الْمَاءِ وَلَوْ قَلِيلًا (غَيْرُ دَمَوِيٍّ ــ [رد المحتار] وَحَاصِلُهُ الرَّدُّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ بِأَنَّ الْمُحْدِثَ إذَا انْغَمَسَ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ صَارَ مُسْتَعْمِلًا لِجَمِيعِ الْمَاءِ حُكْمًا وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً هُوَ الْمُلَاقِي لِلْعُضْوِ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا لَوْ أُلْقِيَ فِيهِ الْمُسْتَعْمَلُ الْقَلِيلُ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْجَمِيعِ بِالِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ لَمْ يَسْتَعْمِلْ شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى يَدَّعِيَ ذَلِكَ، إنَّمَا الْمُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا هُوَ ذَلِكَ الْمُلْقَى فَقَطْ. وَمُلَخَّصُهُ: أَنَّ الْمُلْقَى لَا يَصِيرُ بِهِ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِالْغَلَبَةِ، بِخِلَافِ الْمُلَاقِي فَإِنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا كُلَّهُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ الْعُضْوِ لَهُ. وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الشُّيُوعَ وَالِاخْتِلَاطَ فِي الصُّورَتَيْنِ سَوَاءٌ، بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إلْقَاءُ الْغُسَالَةِ مِنْ الْخَارِجِ أَقْوَى تَأْثِيرًا مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَيُّنِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ اهـ وَبِذَلِكَ أَمَرَ الشَّارِحُ بِالتَّأَمُّلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَحَيَّرَتْ فِيهَا أَفْهَامُ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ وَوَقَعَ فِيهَا بَيْنَهُمْ النِّزَاعُ وَشَاعَ وَذَاعَ، وَأَلَّفَ فِيهَا الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ رِسَالَةً سَمَّاهَا رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ عَنْ مَسْأَلَةِ الْمِيَاهِ حَقَّقَ فِيهَا عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُلْقَى وَالْمُلَاقِي: أَيْ فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، بَلْ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ فِي الْمُلَاقِي كَمَا تُعْتَبَرُ فِي الْمُلْقَى، وَوَافَقَهُ بَعْضُ أَهْلِ عَصْرِهِ. تَعَقَّبَهُ غَيْرُهُمْ مِنْهُمْ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِرِسَالَةٍ سَمَّاهَا زَهْرُ الرَّوْضِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوْضِ وَقَالَ: لَا تَغَيُّرَ بِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ. وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْوَهْبَانِيَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فِي الْإِنَاءِ لِلتَّبَرُّدِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ وَبِمَا فِي الْأَسْرَارِ لِلْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ حَيْثُ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ. ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَمَّا اغْتَسَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ صَارَ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا اهـ وَمِنْ هُنَا نَشَأَ الْفَرْقُ السَّابِقُ وَبِهِ أَفْتَى الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّلَبِيِّ، وَانْتَصَرَ فِي الْبَحْرِ لِلْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ وَأَلَّفَ رِسَالَةً سَمَّاهَا الْخَيْرُ الْبَاقِي فِي الْوُضُوءِ مِنْ الْفَسَاقِيِ وَأَجَابَ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الشِّحْنَةِ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّجَاسَةَ وَلَوْ قَلِيلَةً تُفْسِدُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ، وَأَقَرَّهُ الْعَلَّامَةُ الْبَاقَانِيُّ وَالشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ وَوَلَدُهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ وَكَذَا فِي النَّهْرِ وَالْمِنَحِ، وَعَلِمْت أَيْضًا مُوَافَقَتَهُ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ وَقَارِئِ الْهِدَايَةِ، وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ الْعَلَّامَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي، ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ فِي الْخَزَائِنِ مَالَ إلَى تَرْجِيحِهِ وَقَالَ إنَّهُ الَّذِي حَرَّرَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَنَقْلِهِ عِبَارَاتِهَا الْمُضْطَرِبَةَ ظَاهِرًا، وَعَلَى مَا أَلَّفَ فِي هَذَا الْخُصُوصِ مِنْ الرَّسَائِلِ وَأَقَامَ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى الصَّادِقَةِ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ، وَقَدْ حُرِّرَتْ فِي ذَلِكَ رِسَالَةٌ حَافِلَةٌ كَافِلَةٌ بِذَلِكَ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَحْقِيقِ مَا هُنَاكَ، وَبَلَغَنِي أَنَّ شَيْخَنَا الشَّيْخَ شَرَفَ الدِّينِ الْغَزِّيِّ مُحَشِّي الْأَشْبَاهِ مَالَ إلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا. قُلْت: وَفِي ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ عَظِيمَةٌ وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ انْقِطَاعِ الْمِيَاهِ عَنْ حِيَاضِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فِي بِلَادِنَا وَلَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ لَا يَخْفَى، فَيَنْبَغِي لِمَنْ يُبْتَلَى بِذَلِكَ أَنْ لَا يَغْسِلَ أَعْضَاءَهُ فِي ذَلِكَ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ بَلْ يَغْتَرِفُ مِنْهُ وَيَغْسِلُ خَارِجَهُ وَإِنْ وَقَعَتْ الْغُسَالَةُ فِيهِ لِيَكُونَ مِنْ الْمُلْقَى لَا مِنْ الْمُلَاقِي الَّذِي فِيهِ النِّزَاعُ، فَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ فِيهِ لِلْمَقَالِ مَجَالٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ) أَيْ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ فِي نَحْوِ الْمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَهُوَ أَوْلَى هُنَا مِنْ إرَادَةِ الْحِلِّ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ إرَادَةَ الْأَوَّلِ فِي الْعُقُودِ وَالثَّانِي فِي الْأَفْعَالِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: بِمَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ أَقْسَامِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ. (قَوْلُهُ: غَيْرُ دَمَوِيٍّ) الْمُرَادُ مَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ، لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَمُ السَّيَلَانِ لَا عَدَمُ أَصْلِهِ، حَتَّى لَوْ وُجِدَ حَيَوَانٌ لَهُ دَمٌ جَامِدٌ لَا يَنْجُسُ. اهـ. أَقُولُ: وَكَذَا دَمُ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ فَإِنَّهُ غَيْرُ سَائِلٍ، وَخَرَجَ الدَّمَوِيُّ سَوَاءٌ كَانَ دَمُهُ مِنْ

стр. 179

كَزُنْبُورٍ) وَعَقْرَبٍ وَبَقٍّ: أَيْ بَعُوضٍ، وَقِيلَ: بَقُّ الْخَشَبِ. وَفِي الْمُجْتَبَى: الْأَصَحُّ فِي عَلَقِ مَصِّ الدَّمِ أَنَّهُ يَفْسُدُ وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ بَقٍّ، وَقُرَادٍ وَعَلَقٍ. وَفِي الْوَهْبَانِيَّةِ دُودُ الْقَزِّ وَمَاؤُهُ وَبَزْرُهُ وَخُرْؤُهُ طَاهِرٌ كَدُودَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ نَجَاسَةٍ (وَمَائِيٌّ مُوَلَّدٌ) ــ [رد المحتار] نَفْسِهِ أَوْ مُكْتَسَبًا بِالْمَصِّ كَالْعَلَقِ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْمَاءَ كَمَا يَأْتِي، وَالْمُرَادُ الدَّمَوِيُّ غَيْرُ الْمَائِيِّ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ الْمَائِيَّ بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ: كَزُنْبُورٍ) بِضَمِّ الزَّايِ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ، مِنْهَا النَّحْلُ نَهْرٌ. (قَوْلُهُ: أَيْ بَعُوضٍ) فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كِبَارُ الْبَعُوضِ؛ لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ: الْبَقَّةُ الْبَعُوضَةُ، وَدُوَيْبَّةٌ مُفَرْطَحَةٌ: أَيْ عَرِيضَةٌ حَمْرَاءُ مُنْتِنَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ بَقُّ الْخَشَبِ، وَيُؤَيِّدُهُ عِبَارَةُ الْحِلْيَةِ؛ وَقَدْ يُسَمَّى بِهِ الْفُسْفُسُ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ: وَهُوَ حَيَوَانٌ كَالْقُرَادِ شَدِيدُ النَّتْنِ. وَعِبَارَةُ السِّرَاجِ: وَقِيلَ الْكَتَّانُ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْكَتَّانُ دُوَيْبَّةٌ حَمْرَاءُ لَسَّاعَةٌ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْفُسْفُسُ. (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ يُعْلَمُ إلَخْ) أَصْلُ عِبَارَةِ الْمُجْتَبَى وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ الْقُرَادِ وَالْحَلَمِ اهـ أَيْ يُعْلَمُ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ مُفْسِدٌ. وَقَالَ فِي النَّهْرِ: وَالتَّرْجِيحُ فِي الْعَلَقِ تَرْجِيحٌ فِي الْبَقِّ إذْ الدَّمُ فِيهَا مُسْتَعَارٌ اهـ أَيْ مُكْتَسَبٌ، فَأَدْرَجَ الشَّارِحُ الْبَقَّ فِي عِبَارَةِ الْمُجْتَبَى مَعَ أَنَّهُ بَحْثٌ لِصَاحِبِ النَّهْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْفَرْقِ الظَّاهِرِ بَيْنَ الْبَقِّ وَالْعَلَقِ؛ لِأَنَّ دَمَ الْعَلَقِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَعَارًا لَكِنَّهُ سَائِلٌ وَلِذَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، بِخِلَافِ دَمِ الْبَقِّ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ كَالذُّبَابِ لِعَدَمِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الدَّمَوِيَّ الْمُفْسِدَ مَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْعَلَقِ وَالْقُرَادِ هُنَا بِالْكَبِيرِ إذْ الصَّغِيرُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَمَا مَرَّ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْسِدَ الْمَاءَ أَيْضًا لِعَدَمِ السَّيَلَانِ. (قَوْلُهُ: وَعَلَقٍ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا وَحَلَمٍ، وَهِيَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقَةُ لِعِبَارَةِ الْمُجْتَبَى: وَهُوَ جَمْعُ حَلَمَةٍ بِالتَّحْرِيكِ. وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: الْحَلَمَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: قُرَادٌ وَحَنَّانَةٌ وَحَلَمٌ، فَالْقُرَادُ أَصْغَرُ وَالْحَنَّانَةُ أَوْسَطُهَا، وَالْحَلَمَةُ أَكْبَرُهَا وَلَهَا دَمٌ سَائِلٌ. اهـ. وَذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الصَّغِيرِ وَعَلَى الْكَبِيرِ مِنْ الْأَضْدَادِ، وَعَلَى دُودَةٍ تَقَعُ فِي جِلْدِ الشَّاةِ، فَإِذَا دُبِغَ وَهَى مَوْضِعُهَا. (قَوْلُهُ: دُودُ الْقَزِّ) أَيْ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْحَرِيرُ. (قَوْلُهُ: وَمَاؤُهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يُوجَدُ فِيمَا يَهْلِكُ مِنْهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِاللَّبَنِ، أَوْ الَّذِي يُغْلَى فِيهِ عِنْدَ حَلِّهِ حَرِيرًا. وَعِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلَ لِمَا فِي الصَّيْرَفِيَّةِ: لَوْ وَطِئَ دُودَ الْقَزِّ فَأَصَابَ ثَوْبَهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ مَعَهُ اهـ مِنْ شَرْحِ ابْنِ الشِّحْنَةِ. (قَوْلُهُ: وَبَزْرُهُ) أَيْ بَيْضُهُ الَّذِي فِيهِ الدُّودُ. (قَوْلُهُ: وَخُرْؤُهُ) لَمْ يَجْزِمْ بِطَهَارَتِهِ فِي الْوَهْبَانِيَّةِ، بَلْ قَالَ: وَفِي خُرْءِ دُودِ الْقَزِّ خِلَافٌ، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِهَا. (قَوْلُهُ: كَدُودَةٍ إلَخْ) فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ وَلَوْ خَرَجَتْ مِنْ الدُّبُرِ، وَالنَّقْضُ إنَّمَا هُوَ لِمَا عَلَيْهَا لَا لِذَاتِهَا ط وَقَدَّمْنَا قَوْلًا بِنَجَاسَتِهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ لَا يَنْجُسُ لَكِنْ لَوْ بَعْدَ غَسْلِهَا كَمَا قَيَّدَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَمَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ أَنَّهُ يَنْجُسُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الْغُسْلِ. (قَوْلُهُ: وَمَائِيٌّ مُوَلَّدٌ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ غَيْرُ دَمَوِيٍّ: أَيْ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ أَوْ لَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَحْرٌ عَنْ السِّرَاجِ: أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً وَعُرِفَ فِي الْخُلَاصَةِ الْمَائِيُّ بِمَا لَوْ اُسْتُخْرِجَ مِنْ الْمَاءِ يَمُوتُ مِنْ سَاعَتِهِ، وَإِنْ كَانَ يَعِيشُ فَهُوَ مَائِيٌّ وَبَرِّيٌّ فَجَعَلَ بَيْنَ الْمَائِيِّ وَالْبَرِّيِّ قِسْمًا آخَرَ وَهُوَ مَا يَكُونُ مَائِيًّا وَبَرِّيًّا، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ حُكْمًا عَلَى حِدَةٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمَائِيِّ لِعَدَمِ الدَّمَوِيَّةِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ. أَقُولُ: وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْقِسْمِ الْآخَرِ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ فِي الْمَاءِ وَلَا يَمُوتُ مِنْ سَاعَتِهِ لَوْ أُخْرِجَ مِنْهُ كَالسَّرَطَانِ

стр. 180

وَلَوْ كَلْبَ الْمَاءِ وَخِنْزِيرَهُ (كَسَمَكٍ وَسَرَطَانٍ) وَضِفْدَعٍ إلَّا بَرِّيًّا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، وَهُوَ مَا لَا سُتْرَةَ لَهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَيَفْسُدُ فِي الْأَصَحِّ كَحَيَّةٍ بَرِّيَّةٍ، إنْ لَهَا دَمٌ وَإِلَّا لَا (وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ مَاتَ) مَا ذُكِرَ (خَارِجَهُ وَبَقِيَ فِيهِ) فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ تَفَتَّتَ فِيهِ نَحْوُ ضِفْدَعٍ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ لَا شُرْبُهُ لِحُرْمَةِ لَحْمِهِ. (وَيَنْجُسُ) الْمَاءُ الْقَلِيلُ (بِمَوْتِ مَائِيٍّ مَعَاشٍ بَرِّيٍّ مُوَلَّدٍ) فِي الْأَصَحِّ (كَبَطٍّ وَإِوَزٍّ) وَحُكْمُ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ فِي الْأَصَحِّ، حَتَّى لَوْ وَقَعَ بَوْلٌ فِي عَصِيرٍ عُشْرٌ فِي عُشْرٍ لَمْ يَفْسُدْ، وَلَوْ سَالَ دَمُ رِجْلِهِ مَعَ الْعَصِيرِ لَا يَنْجُسُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ وَغَيْرُهُ (وَبِتَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ) مِنْ لَوْنٍ أَوْ طَعْمٍ أَوْ رِيحٍ (يَنْجُسُ) الْكَثِيرُ وَلَوْ جَارِيًا إجْمَاعًا، أَمَّا الْقَلِيلُ فَيَنْجُسُ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ خِلَافًا لِمَالِكٍ ــ [رد المحتار] وَالضِّفْدَعِ، بِخِلَافِ مَا يَتَوَالَدُ فِي الْبَرِّ وَيَعِيشُ فِي الْمَاءِ كَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَلْبَ الْمَاءِ وَخِنْزِيرَهُ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ خُلَاصَةٌ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ الْقَوْلَ الضَّعِيفَ الْمَحْكِيَّ فِي الْمِعْرَاجِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: كَسَمَكٍ) أَيْ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ وَلَوْ طَافِيًا خِلَافًا لِلطَّحَاوِيِّ كَمَا فِي النَّهْرِ. (قَوْلُهُ: وَسَرَطَانٍ) بِالتَّحْرِيكِ، وَمَنَافِعُهُ كَثِيرَةٌ بَسَطَهَا فِي الْقَامُوسِ. (قَوْلُهُ: وَضِفْدَعٍ) كَزِبْرِجٍ وَجَعْفَرٍ وَجُنْدُبٍ وَدِرْهَمٍ وَهَذَا أَقَلُّ أَوْ مَرْدُودٌ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: فَيَفْسُدُ فِي الْأَصَحِّ) وَعَلَيْهِ فَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ عَدَمِ الْإِفْسَادِ بِالضِّفْدَعِ الْبَرِّيِّ وَصَحَّحَهُ فِي السِّرَاجِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ عَنْ الْحِلْيَةِ. (قَوْلُهُ: كَحَيَّةٍ بَرِّيَّةٍ) أَمَّا الْمَائِيَّةُ فَلَا تَفْسُدُ مُطْلَقًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَكَالْحَيَّةِ الْبَرِّيَّةِ الْوَزَغَةُ لَوْ كَبِيرَةً لَهَا دَمٌ سَائِلٌ مُنْيَةٌ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلضِّفْدَعِ الْبَرِّيَّةِ وَالْحَيَّةِ الْبَرِّيَّةِ دَمٌ سَائِلٌ فَلَا يَفْسُدُ. (قَوْلُهُ: مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ مَائِيِّ الْمُوَلَّدِ وَغَيْرُ الدَّمَوِيِّ ط. (قَوْلُهُ: لِحُرْمَةِ لَحْمِهِ) لِأَنَّهُ قَدْ صَارَتْ أَجْزَاؤُهُ فِي الْمَاءِ فَيُكْرَهُ الشُّرْبُ تَحْرِيمًا كَمَا فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: الْقَلِيلُ) أَمَّا الْكَثِيرُ فَيَأْتِي حُكْمُهُ بَعْدُ. (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) أَيْ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ لَهُ نَفْسًا سَائِلَةً، وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَلَى الْإِفْسَادِ فِي غَيْرِ الْمَاءِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ فَمَا فِي الْمُجْتَبَى مِنْ تَصْحِيحِ عَدَمِ الْإِفْسَادِ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ نَهْرٌ. (قَوْلُهُ: كَبَطٍّ وَإِوَزٍّ) فَسَّرَ فِي الْقَامُوسِ كُلًّا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ، وَالْإِوَزُّ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ وَزَايٍ مُشَدَّدَةٍ وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَمْزَةُ. مَطْلَبٌ حُكْمُ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ فِي الْأَصَحِّ. (قَوْلُهُ: وَحُكْمُ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ إلَخْ) فَكُلُّ مَا لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ لَا يُفْسِدُ غَيْرَ الْمَاءِ وَهُوَ الْأَصَحُّ مُحِيطٌ وَتُحْفَةٌ وَالْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ بَدَائِعُ. اهـ. بَحْرٌ، وَفِيهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَسَائِرُ الْمَائِعَاتِ كَمَاءٍ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، يَعْنِي كُلُّ مِقْدَارٍ لَوْ كَانَ مَاءً تَنَجَّسَ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَهُ يَنْجُسُ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: فِي عَصِيرٍ) أَيْ فِي حَوْضِ عَصِيرٍ ط. (قَوْلُهُ: لَمْ يَفْسُدْ) أَيْ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ. (قَوْلُهُ: مَعَ الْعَصْرِ) أَيْ وَالْعَصِيرُ يَسِيلُ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ الدَّمِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ: لَا يَنْجُسْ) أَيْ وَيَحِلُّ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ فَتُسْتَهْلَكُ فِيهِ النَّجَاسَةُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الضِّفْدَعِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) أَفَادَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَبِتَغَيُّرِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِمَوْتِ مَائِيٍّ الْمُتَعَلِّقُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ وَيَنْجُسُ، وَقَوْلُهُ بِنَجِسٍ جَارٍّ وَمَجْرُورٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَغَيَّرَ، وَقَوْلُهُ الْكَثِيرُ فَاعِلُ يَنْجُسُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ بِتَغَيُّرِ، وَقَيَّدَ بِالْكَثِيرِ إصْلَاحًا لِعِبَارَةِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْقَلِيلِ وَلَا يَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ يَنْجُسُ الْكَثِيرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ، وَكَأَنَّ الْمُحَشِّينَ لَمْ تَقَعْ لَهُمْ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ فَاعْتَرَضُوا عَلَى مَا رَأَوْا فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَالِكٍ) فَإِنَّ مَا هُوَ قَلِيلٌ عَنْدَنَا لَا يَنْجُسُ عِنْدَهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَالْقَلِيلُ عِنْدَهُمَا تَغَيَّرَ، وَالْكَثِيرُ بِخِلَافِهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: الْكَثِيرُ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ، وَالْقَلِيلُ مَا دُونَهُ. وَأَمَّا عِنْدَنَا فَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا

стр. 181

(لَا لَوْ تَغَيَّرَ) بِطُولِ (مُكْثٍ) فَلَوْ عُلِمَ نَتْنُهُ بِنَجَاسَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ شَكَّ فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ وَالتَّوَضُّؤُ مِنْ الْحَوْضِ أَفْضَلُ مِنْ النَّهْرِ رَغْمًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. وَكَذَا يَجُوزُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ طَاهِرٌ جَامِدٌ مُطْلَقًا (كَأُشْنَانٍ وَزَعْفَرَانٍ) لَكِنْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ: إنْ أَمْكَنَ الصَّبْغُ بِهِ لَمْ يَجُزْ كَنَبِيذِ تَمْرٍ (وَفَاكِهَةٍ وَوَرَقِ شَجَرٍ) وَإِنْ غَيَّرَ كُلَّ أَوْصَافِهِ (الْأَصَحُّ إنْ بَقِيَتْ رِقَّتُهُ) أَيْ وَاسْمُهُ لِمَا مَرَّ. ــ [رد المحتار] وَالْأَدِلَّةُ مَبْسُوطَةٌ فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: لَا لَوْ تَغَيَّرَ إلَخْ) أَيْ لَا يَنْجُسُ لَوْ تَغَيَّرَ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَيَنْجُسُ لَا عَلَى قَوْلِهِ بِمَوْتِ فَتَأَمَّلْ مُمْعِنًا. (قَوْلُهُ: فَلَوْ عُلِمَ إلَخْ) صَرَّحَ بِهِ لِزِيَادَةِ التَّوْضِيحِ وَإِلَّا فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِتَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ بِنَجَسٍ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ شَكَّ إلَخْ) أَيْ وَلَا يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ بَحْرٌ، وَفِيهِ عَنْ الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ وَبِرُؤْيَةِ آثَارِ أَقْدَامِ الْوُحُوشِ عِنْدَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَلَوْ مَرَّ سَبُعٌ بِالرَّكِيَّةِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ شُرْبُهُ مِنْهَا تَنْجُسُ وَإِلَّا فَلَا اهـ وَيَنْبَغِي حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْوُحُوشَ شَرِبَتْ مِنْهُ بِدَلِيلِ الْفَرْعِ الثَّانِي وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الشَّكِّ لَا يَمْنَعُ لِمَا فِيهِ الْأَصْلُ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ الْحَوْضِ الَّذِي يَخَافُ قَذَرًا وَلَا يَتَيَقَّنُهُ، وَيَنْبَغِي حَمْلُ التَّيَقُّنِ الْمَذْكُورِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَالْخَوْفِ عَلَى الشَّكِّ أَوْ الْوَهْمِ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ. مَطْلَبٌ فِي أَنَّ التَّوَضُّؤَ مِنْ الْحَوْضِ أَفْضَلُ رَغْمًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَبَيَانُ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ: جَوْهَرٌ ذُو وَضْعٍ لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ أَصْلًا لَا بِحَسَبِ الْخَارِجِ وَلَا بِحَسَبِ الْوَهْمِ، أَوْ الْفَرْضُ الْعَقْلِيُّ، تَتَأَلَّفُ الْأَجْسَامُ مِنْ أَفْرَادٍ بِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ اهـ تَعْرِيفَاتُ السَّيِّدِ اهـ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَالتَّوَضُّؤُ مِنْ الْحَوْضِ أَفْضَلُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَا يُجِيزُونَهُ مِنْ الْحِيَاضِ فَنُرْغِمُهُمْ بِالْوُضُوءِ مِنْهَا قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا إنَّمَا يُفِيدُ الْأَفْضَلِيَّةَ لِهَذَا الْعَارِضِ، فَفِي مَكَان لَا يَتَحَقَّقُ يَكُونُ النَّهْرُ أَفْضَلَ اهـ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي وَجْهِ مَنْعِ الْمُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ، فَفِي الْمِعْرَاجِ قِيلَ مَسْأَلَةُ الْحَوْضِ بِنَاءً عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ فَتَتَّصِلُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ إلَى جُزْءٍ لَا يُمْكِنُ تَجْزِئَتُهُ فَيَكُونُ بَاقِي الْحَوْضِ طَاهِرًا. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ هُوَ مَعْدُومٌ، فَيَكُونُ كُلُّ الْمَاءِ مُجَاوِرًا لِلنَّجَاسَةِ، فَيَكُونُ الْحَوْضُ نَجِسًا عِنْدَهُمْ، وَفِي هَذَا التَّقْرِيرِ نَظَرٌ. اهـ. أَقُولُ: وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ أَنَّ الْجُزْءَ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ عِبَارَةٌ عَنْ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ أَصْلًا، وَهُوَ مَا تَتَأَلَّفُ الْأَجْسَامُ مِنْ أَفْرَادِهِ بِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، وَهُوَ ثَابِتٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَكُلُّ جِسْمٍ يَتَنَاهَى بِالِانْقِسَامِ إلَيْهِ، فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْحَوْضِ الْكَبِيرِ نَجَاسَةٌ وَفَرَضْنَا انْقِسَامَهَا إلَى أَجْزَاءٍ لَا تَتَجَزَّأُ، وَقَابَلَهَا مِنْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ مِثْلُهَا يَبْقَى الزَّائِدُ عَلَيْهَا طَاهِرًا فَلَا يُحْكَمُ عَلَى الْمَاءِ كُلِّهِ بِالنَّجَاسَةِ. وَعِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ: هُوَ مَعْدُومٌ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ جِسْمٍ قَابِلٌ لِانْقِسَامَاتٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ النَّجَاسَةِ قَابِلٌ لِلْقِسْمَةِ وَكَذَا الْمَاءُ الطَّاهِرُ، فَلَا يُوجَدُ جَزْءٌ مِنْ الطَّاهِرَةِ إلَّا وَيُقَابِلُهُ جَزْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ لِعَدَمِ تَنَاهِي الْقِسْمَةِ فَتَتَّصِلُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ كُلِّهِ بِأَنَّهُ نَجِسٌ، وَلَعَلَّ وَجْهَ النَّظَرِ فِي هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ لَا يُحْكَمَ بِنَجَاسَةِ مَا دُونَ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ أَيْضًا إلَّا إذَا غَلَبَتْ النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ أَوْ سَاوَتْهُ لِبَقَاءِ الزَّائِدِ عَلَى الطَّهَارَةِ فَلَا يُحْكَمُ عَلَى الْكُلِّ بِالنَّجَاسَةِ. وَأَيْضًا فَالتَّعْبِيرُ بِالنَّجَاسَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَمَدِ مِنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ.

стр. 182

(وَ) يَجُوزُ (بِجَارٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَ) الْجَارِي (هُوَ مَا يُعَدُّ جَارِيًا) عُرْفًا، وَقِيلَ مَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَالثَّانِي (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَكُنْ جَرَيَانُهُ بِمَدَدٍ) فِي الْأَصَحِّ، ــ [رد المحتار] عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ، فَنَفَاهُ الْفَلَاسِفَةُ وَبَنَوْا عَلَيْهِ قِدَمَ الْعَالَمِ وَعَدَمَ حَشْرِ الْأَجْسَادِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِلْحَادِ، وَأَثْبَتَهُ الْمُسْلِمُونَ لِرَدِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَادَّةَ الْعَالَمِ إذَا تَنَاهَتْ بِالِانْقِسَامِ إلَيْهِ يَكُونُ ذَلِكَ الْجُزْءُ حَادِثًا مُحْتَاجًا إلَى مُوجِدٍ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَلَمْ يُخَالِفُوا أَهْلَ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِلَّا لَكَفَرُوا قَطْعًا مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِنَا وَمُقَلِّدُونَ فِي الْفُرُوعِ لِمَذْهَبِنَا، فَالْأَوْلَى مَا قِيلَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ يَتَنَجَّسُ عِنْدَهُمْ بِالْمُجَاوَرَةِ. وَعِنْدَنَا لَا بَلْ بِالسَّرَيَانِ، وَذَلِكَ يُعْلَمُ بِظُهُورِ أَثَرِهَا فِيهِ، فَمَا لَمْ يَظْهَرْ لَا يُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ نَجِسٌ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ، فَاغْتَنِمْهُ فَإِنَّك لَا تَكَادُ تَجِدُهُ مُوَضَّحًا كَذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (قَوْلُهُ: بِمَاءٍ) بِالْمَدِّ وَالتَّنْوِينِ. (قَوْلُهُ: خَالَطَهُ طَاهِرُهُ جَامِدٌ) أَيْ بِدُونِ طَبْخٍ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَالِطُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ كَالتُّرَابِ أَوْ يُقْصَدُ بِخَلْطِهِ التَّنْظِيفُ كَالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ أَوْ يَكُونُ شَيْئًا آخَرَ كَالزَّعْفَرَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنَحٌ. (قَوْلُهُ: كَأُشْنَانٍ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ اسْمَ الْمَاءِ زَالَ عَنْهُ نَظِيرُ النَّبِيذِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ غَيَّرَ كُلَّ أَوْصَافِهِ) لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الْأَسَاتِذَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْحِيَاضِ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا الْأَوْرَاقُ مَعَ تَغْيِيرِ كُلِّ الْأَوْصَافِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ نَهْرٌ عَنْ النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) مُقَابِلُهُ مَا قِيلَ إنَّهُ إنْ ظَهَرَ لَوْنُ الْأَوْرَاقِ فِي الْكَفِّ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ لَكِنْ يَشْرَبُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْكَفِّ إشَارَةً إلَى كَثْرَةِ التَّغَيُّرِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ يُرَى فِي مَحَلِّهِ مُتَغَيِّرًا لَوْنُهُ، لَكِنْ لَوْ رَفَعَ مِنْهُ شَخْصٌ فِي كَفِّهِ لَا يَرَاهُ مُتَغَيِّرًا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ، فَلَوْ جَامِدًا فَبِثَخَانَةِ مَا لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ (قَوْلُهُ: وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ) يَشْمَلُ الْمَرْئِيَّةَ كَالْجِيفَةِ وَيَأْتِي قَرِيبًا تَمَامُهُ. (قَوْلُهُ: عُرْفًا) تَمْيِيزٌ أَوْ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ: أَيْ يُعَدُّ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ أَوْ فِي الْعُرْفِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ) أَيْ وَأَصَحُّ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، لِتَعْوِيلِهِ عَلَى الْعُرْفِ وَلِجَرَيَانِهِ عَلَى قَاعِدَةِ الْإِمَامِ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْمُبْتَلِينَ ط، لَكِنْ اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَصْلًا لِتَعَدُّدِهِ وَاخْتِلَافِهِ بِتَعَدُّدِ الْعَادِّينَ وَاخْتِلَافِهِمْ. (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي أَشْهَرُ) لِوُقُوعِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ حَتَّى الْمُتُونِ. وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْكَمَالِ: إنَّهُ الْحَدُّ الَّذِي لَيْسَ فِي دَرْكِهِ حَرَجٌ، لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ وَالْعُرْفُ الْآنَ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَاءُ دَاخِلًا مِنْ جَانِبٍ وَخَارِجًا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ يُسَمَّى جَارِيًا وَإِنْ قَلَّ الدَّاخِلُ، وَبِهِ يَظْهَرُ الْحُكْمُ فِي بِرَكِ الْمَسَاجِدِ وَمَغْطِسِ الْحَمَّامِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْجَرَيَانِ الْمَدَدُ. (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) نَقَلَ تَصْحِيحَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَعَنْ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلسِّرَاجِ الْهِنْدِيِّ، وَقَوَّاهُ بَعْدَمَا نَقَلَ عَنْ الْفَتْحِ اخْتِيَارَ خِلَافِهِ. أَقُولُ: وَيَزِيدُهُ قُوَّةً أَيْضًا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ سَالَ دَمُ رِجْلِهِ مَعَ الْعَصِيرِ لَا يَنْجُسُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. وَفِي الْخِزَانَةِ إنَاءَانِ مَاءُ أَحَدِهِمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجِسٌ فَصُبَّا مِنْ مَكَان عَالٍ فَاخْتَلَطَا فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ نَزَلَا طَهُرَ كُلُّهُ، وَلَوْ أَجْرَى مَاءَ الْإِنَاءَيْنِ فِي الْأَرْضِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَاءٍ جَارٍ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْخُلَاصَةِ. وَنَظَمَ الْمَسْأَلَةَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْظُومَتِهِ تُحْفَةِ الْأَقْرَانِ. وَفِي الذَّخِيرَةِ:

стр. 183

فَلَوْ سُدَّ النَّهْرُ مِنْ فَوْقٍ فَتَوَضَّأَ رَجُلٌ بِمَا يَجْرِي بِلَا مَدَدٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ جَارٍ، وَكَذَا لَوْ حَفَرَ نَهْرًا مِنْ حَوْضٍ صَغِيرٍ أَوْ صَبَّ رَفِيقُهُ الْمَاءَ فِي طَرَفِ مِيزَابٍ وَتَوَضَّأَ فِيهِ وَعِنْدَ طَرَفِهِ الْآخَرِ إنَاءٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءَ جَازَ تَوَضُّؤُهُ بِهِ ثَانِيًا وَثُمَّ وَثُمَّ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (إنْ لَمْ يُرَ) أَيْ يُعْلَمْ (أَثَرُهُ) فَلَوْ فِيهِ جِيفَةٌ أَوْ بَالَ فِيهِ رِجَالٌ فَتَوَضَّأَ آخَرُ مِنْ أَسْفَلِهِ جَازَ مَا لَمْ يُرَ فِي الْجَرْيَةِ أَثَرُهُ (وَهُوَ) إمَّا (طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ) ظَاهِرُهُ يَعُمُّ الْجِيفَةَ وَغَيْرَهَا، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الْكَمَالُ. وَقَالَ تِلْمِيذُهُ قَاسِمٌ إنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَقَوَّاهُ فِي النَّهْرِ، وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُضْمِرَاتِ عَنْ النِّصَابِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقِيلَ إنْ جَرَى عَلَيْهَا نِصْفُهُ فَأَكْثَرُ لَمْ يَجُزْ وَهُوَ أَحْوَطُ. ــ [رد المحتار] لَوْ أَصَابَتْ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَصُبَّ عَلَيْهَا الْمَاءُ فَجَرَى قَدْرُ ذِرَاعٍ طَهُرَتْ الْأَرْضُ وَالْمَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي، وَلَوْ أَصَابَهَا الْمَطَرُ وَجَرَى عَلَيْهَا طَهُرَتْ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا لَمْ يَجْرِ فَلَا. (قَوْلُهُ: فَلَوْ سُدَّ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَتَأْيِيدٌ لَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَكَذَا نَظَائِرُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ وَغَيْرِهَا، فَالتَّفْرِيغُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ جِنْسِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْجَارِي فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ حَفَرَ نَهْرًا إلَخْ) أَيْ وَأَجْرَى الْمَاءَ فِي ذَلِكَ النَّهْرِ وَتَوَضَّأَ بِهِ حَالَ جَرَيَانِهِ فَاجْتَمَعَ الْمَاءُ فِي مَكَان، فَحَفَرَ رَجُلٌ آخَرُ نَهْرًا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَأَجْرَى الْمَاءَ فِيهِ وَتَوَضَّأَ بِهِ حَالَ جَرَيَانِهِ فَاجْتَمَعَ فِي مَكَان آخَرَ فَفَعَلَ ثَالِثٌ كَذَلِكَ جَازَ وُضُوءُ الْكُلِّ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ مَسَافَةٌ وَإِنْ قَلَّتْ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ. وَحَدُّ ذَلِكَ أَنْ لَا يَسْقُطَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي مَوْضِعِ جَرَيَانِ الْمَاءِ فَيَكُونُ تَابِعًا لِلْجَارِي خَارِجًا مِنْ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَثُمَّ) الْوَاوُ دَاخِلَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ بِثُمَّ، فَلَمْ يَدْخُلْ حَرْفُ الْعَطْفِ عَلَى مِثْلِهِ، أَيْ وَجَازَ تَوَضُّؤُهُ ثَالِثًا ثُمَّ رَابِعًا وَخَامِسًا ثُمَّ سَادِسًا وَالْقَصْدُ التَّكْثِيرُ ط. (قَوْلُهُ: أَيْ يُعْلَمُ) فَسَّرَهُ بِهِ لِيَشْمَلَ الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ أَيْضًا. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: أَثَرُهُ) الْأَوْلَى أَثَرُهَا أَيْ النَّجَاسَةِ، لَكِنَّهُ ذَكَّرَ ضَمِيرَهَا لِتَأَوُّلِهَا بِالْوَاقِعِ. وَفِي شَرْحِ هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ لِسَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ أَوْصَافُ النَّجَاسَةِ لَا الشَّيْءُ الْمُتَنَجِّسُ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَالْخَلِّ مَثَلًا، فَلَوْ صُبَّ فِي مَاءٍ جَارٍ يُعْتَبَرُ أَثَرُ النَّجَاسَةِ الَّتِي فِيهِ لَا أَثَرُهُ نَفْسُهُ لِطَهَارَةِ الْمَائِعِ بِالْغُسْلِ، إلَى أَنْ قَالَ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُهِمٌّ فَاحْفَظْهُ. (قَوْلُهُ: فَلَوْ فِيهِ جِيفَةٌ إلَخْ) أَشَارَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ شُمُولِ النَّجَاسَةِ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَيُعْتَبَرُ ظُهُورُ الْأَثَرِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. (قَوْلُهُ: مِنْ أَسْفَلِهِ) أَيْ أَسْفَلِ الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْجِيفَةُ أَوْ الْبَوْلُ ط. (قَوْلُهُ: فِي الْجَرْيَةِ) بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْمَرَّةِ مِنْ الْجَرْيِ: أَيْ الدَّفْعَةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ يَظْهَرُ فِي الْعَيْنِ لَا فِي الْحَدَثِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ يَعُمُّ الْجِيفَةَ وَغَيْرَهَا) أَيْ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ النَّجَاسَةَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتُونِ، وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ مَا قَبْلَهُ، فَالْأَوْلَى حَذْفُهُ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الْكَمَالُ إلَخْ) وَأَيَّدَهُ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةِ ابْنُ أَمِيرٍ الْحَاجِّ فِي الْحِلْيَةِ، وَكَذَا أَيَّدَهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ بِمَا فِي عُمْدَةِ الْمُفْتِي مِنْ أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ يُطَهِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَبِمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ النَّجِسَ إذَا دَخَلَ عَلَى مَاءِ الْحَوْضِ الْكَبِيرِ لَا يُنَجِّسُهُ لَوْ كَانَ غَالِبًا عَلَى مَاءِ الْحَوْضِ. قَالَ: فَالْجَارِي بِالْأَوْلَى، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِهِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ إلَخْ) الْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهَذَا قَوْلُهُمَا كَمَا فِي السِّرَاجِ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُنْيَةِ وَقَوَّاهُ شَارِحُهَا الْحَلَبِيُّ. وَأَجَابَ عَمَّا فِي الْفَتْحِ وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ الْأَوْجَهُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ لِلتَّيَقُّنِ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَطْهُرْ أَثَرُهَا عُلِمَ أَنَّ الْمَاءَ ذَهَبَ بِعَيْنِهَا، وَأَيَّدَهُ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي. وَاعْتَرَضَ عَلَى مَا فِي النَّهْرِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ وَأَوْضَحَ الْمَرَامَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُصَحَّحَانِ ثَانِيهِمَا أَحْوَطُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَالَ فِي الْمُنْيَةِ: وَعَلَى هَذَا مَاءُ الْمَطَرِ إذَا جَرَى

стр. 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [رد المحتار] فِي الْمِيزَابِ وَعَلَى السَّطْحِ عَذِرَاتٌ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَذِرَةُ عِنْدَ الْمِيزَابِ أَوْ كَانَ الْمَاءُ كُلُّهُ أَوْ نِصْفُهُ أَكْثَرُهُ يُلَاقِي الْعَذِرَةَ فَهُوَ نَجِسٌ وَإِلَّا فَطَاهِرٌ. اهـ. وَعَلَى مَا رَجَّحَهُ الْكَمَالُ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي مَسْأَلَةِ السَّطْحِ سِوَى تَغَيُّرِ أَحَدِ الْأَوْصَافِ. اهـ. أَقُولُ: وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا فِي دِيَارِنَا مِنْ أَنْهَارِ الْمَسَاقِطِ الَّتِي تَجْرِي بِالنَّجَاسَاتِ وَتَرْسُبُ فِيهَا لَكِنَّهَا فِي النَّهَارِ يَظْهَرُ أَثَرُ النَّجَاسَةِ وَتَتَغَيَّرُ، وَلَا كَلَامَ فِي نَجَاسَتِهَا حِينَئِذٍ. وَأَمَّا فِي اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يَزُولُ تَغَيُّرُهَا فَيَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ لِجَرَيَانِ الْمَاءِ فِيهَا فَوْقَ النَّجَاسَةِ. قَالَ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى: وَلَوْ كَانَ جَمِيعُ بَطْنِ النَّهْرِ نَجِسًا، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا لَا يُرَى مَا تَحْتَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْمُلْتَقَطِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: الْمَاءُ طَاهِرٌ وَإِنْ قَلَّ إذَا كَانَ جَارِيًا اهـ. تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ فِي طَرْحِ الزِّبْلِ فِي الْقَسَاطِلِ قَدْ اُعْتِيدَ فِي بِلَادِنَا إلْقَاءُ زِبْلِ الدَّوَابِّ فِي مَجَارِي الْمَاءِ إلَى الْبُيُوتِ لِسَدِّ خَلَلِ تِلْكَ الْمَجَارِي الْمُسَمَّاةِ بِالْقَسَاطِلِ فَيَرْسُبُ فِيهَا الزِّبْلُ وَيَجْرِي الْمَاءُ فَوْقَهَا فَهُوَ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الْجِيفَةِ، وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ عَظِيمٌ إذَا قُلْنَا بِالنَّجَاسَةِ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ. وَقَدْ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيُّ مُفْتِي دِمَشْقَ فَبِكِتَابِهِ [هَدِيَّةُ ابْنُ الْعِمَادِ] وَاسْتَأْنَسَ لَهَا بِبَعْضِ فُرُوعٍ، وَبِالْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ مِنْ أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ، وَبِمَا فَرَّعُوا عَلَيْهَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَشْبَاهِ. وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا رَسَبَ الزِّبْلُ فِي الْقَسَاطِلِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ، وَإِذَا وَصَلَ إلَى الْحِيَاضِ فِي الْبُيُوتِ مُتَغَيِّرًا وَنَزَلَ فِي حَوْضٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَهُوَ نَجِسٌ وَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ النَّجِسَ لَا يَطْهُرُ بِتَغَيُّرِهِ إلَّا إذَا جَرَى بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ صَافٍ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَطْهُرُ، فَإِذَا انْقَطَعَ الْجَرَيَانُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْحَوْضُ صَغِيرًا وَالزِّبْلُ رَاسِبٌ فِي أَسْفَلِهِ تَنَجَّسَ، مَا لَمْ يَصِرْ الزِّبْلُ حَمْأَةً وَهِيَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ فَإِنَّهُ إذَا جَرَى بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ صَافٍ ثُمَّ انْقَطَعَ لَا يَتَنَجَّسُ. وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ الزِّبْلِ عِنْدَنَا. عَنْ زُفَرَ: رَوْثُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ. وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ: الْأَرْوَاثُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ إلَّا رِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ لِلْبَلْوَى، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَوْسِعَةٌ لِأَرْبَابِ الدَّوَابِّ فَقَلَّمَا يَسْلَمُونَ عَنْ التَّلَطُّخِ بِالْأَرْوَاثِ وَالْأَخْثَاءِ فَتُحْفَظُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ اهـ كَلَامُ الْمُبْتَغَى. وَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ هُنَا لَا يَبْعُدُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ، كَمَا أَفْتَوْا بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لِلضَّرُورَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ لِابْنِ حَجَرٍ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ: إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ أَنْهُرِ الشَّامِ بِمَا فِيهَا مِنْ الزِّبْلِ وَلَوْ قَلِيلَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَرْيُهَا الْمُضْطَرُّ إلَيْهِ النَّاسُ إلَّا بِهِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ عِنْدَهُ أَثَرُ الزِّبْلِ لَا عَيْنُهُ اهـ مَا فِي شَرْحِ الْهَدِيَّةِ مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا. أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الْعَفْوِ عَنْ الْعَيْنِ أَيْضًا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمَحَلَّاتِ الْبَعِيدَةِ عَنْ الْمَاءِ فِي بِلَادِنَا يَكُونُ مَاؤُهَا قَلِيلًا، وَفِي أَغْلَبِ الْأَوْقَاتِ يَسْتَصْحِبُ الْمَاءُ عَيْنَ الزِّبْلِ وَيَرْسُبُ فِي أَسْفَلِ الْحِيَاضِ، وَكَثِيرًا مَا يَنْقُصُ الْحَوْضُ بِالِاسْتِعْمَالِ مِنْهُ أَوْ يَنْقَطِعُ الْمَاءُ عَنْهُ فَلَا يَبْقَى جَارِيًا وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ كَرْيِ الْأَنْهُرِ وَانْقِطَاعِ الْمَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ أَيَّامًا فَإِذَا مُنِعُوا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِتِلْكَ الْحِيَاضِ لِمَا فِيهَا مِنْ الزِّبْلِ يَلْزَمُهُمْ الْحَرَجُ الشَّدِيدُ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، فَاحْتِيَاجُهُمْ إلَى التَّوْسِعَةِ أَشَدُّ مِنْ احْتِيَاجِ أَرْبَابِ الدَّوَابِّ. وَقَدْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: الْمَعْلُومُ مِنْ قَوَاعِدِ أَئِمَّتِنَا التَّسْهِيلُ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ وَالْبَلْوَى الْعَامَّةِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ آبَارِ الْفَلَوَاتِ وَنَحْوِهَا اهـ أَيْ كَالْعَفْوِ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَعْذُورِ عَنْ طِينِ الشَّارِعِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، نَعَمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَزْدَادُ التَّغْيِيرُ فَيَنْزِلُ الْمَاءُ إلَى الْحَوْضِ أَخْضَرَ وَفِيهِ عَيْنُ الزِّبْلِ فَيَنْجُسُ

стр. 185

وَأَلْحَقُوا بِالْجَارِي حَوْضَ الْحَمَّامِ لَوْ الْمَاءُ نَازِلًا وَالْغَرْفُ مُتَدَارَكٌ، كَحَوْضٍ صَغِيرٍ يَدْخُلُهُ الْمَاءُ مِنْ جَانِبٍ وَيَخْرُجُ مِنْ آخَرَ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ مُطْلَقًا، بِهِ يُفْتَى، وَكَعَيْنٍ هِيَ خَمْسٌ فِي خَمْسٍ يَنْبُعُ الْمَاءُ مِنْهُ، بِهِ يُفْتَى قُهُسْتَانِيٌّ مَعْزِيًّا لِلتَّتِمَّةِ. (وَكَذَا) يَجُوزُ (بِرَاكِدٍ) كَثِيرٍ (كَذَلِكَ) ــ [رد المحتار] الْحَوْضُ لَوْ صَغِيرًا وَإِنْ كَانَ جَارِيًا؛ لِأَنَّ جَرَيَانَهُ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى الِاسْتِعْمَالِ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَيُنْتَظَرُ صَفَاؤُهُ ثُمَّ يُعْفَى عَمَّا فِي الْقَسَاطِلِ وَمَا فِي أَسْفَلِ الْحَوْضِ، لِمَا عَلِمْت مِنْ الضَّرُورَةِ مِنْ أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ، وَمِنْ أَنَّهُ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: وَأَلْحَقُوا بِالْجَارِي حَوْضَ الْحَمَّامِ) أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِطَهُورِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ. أَقُولُ: وَكَذَا حَوْضُ غَيْرِ الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ ذَكَرَ هَذَا الْحُكْمَ فِي حَوْضٍ أَقَلَّ مِنْ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ حَوْضُ الْحَمَّامِ اهـ فَلْيُحْفَظْ. (قَوْلُهُ: وَالْغَرْفُ مُتَدَارَكٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ مُتَتَابِعٌ، وَتَفْسِيرُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ أَنْ لَا يَسْكُنَ وَجْهُ الْمَاءِ فِيمَا بَيْنَ الْغَرْفَتَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُ مِنْ آخَرَ) أَيْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة: لَوْ كَانَ يَدْخُلُهُ الْمَاءُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَكِنْ فِيهِ إنْسَانٌ يَغْتَسِلُ وَيَخْرُجُ الْمَاءُ بِاغْتِسَالِهِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ مُتَدَارَكًا لَا يَنْجُسُ. اهـ. مَطْلَبٌ لَوْ أَدْخَلَ الْمَاءَ مِنْ أَعْلَى الْحَوْضِ وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهِ فَلَيْسَ بِجَارٍ ثُمَّ إنَّ كَلَامَهُمْ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ أَعْلَاهُ، فَلَوْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثَقْبٍ فِي أَسْفَلِ الْحَوْضِ لَا يُعَدُّ جَارِيًا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِوَجْهِ الْمَاءِ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِهِمْ فِي الْحَوْضِ الطُّولَ وَالْعَرْضَ لَا الْعُمْقَ، وَاعْتِبَارُهُمْ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ فِي أَعْلَاهُ فَقَطْ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ. وَفِي الْمُنْيَةِ إذَا كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي ضَعِيفًا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَضَّأَ عَلَى الْوَقَارِ حَتَّى يَمُرَّ عَنْهُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ، وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ صَرِيحًا، نَعَمْ رَأَيْت فِي شَرْحِ سَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ فِي مَسْأَلَةِ خِزَانَةِ الْحَمَّامِ الَّتِي أَخْبَرَ أَبُو يُوسُفَ بِرُؤْيَةِ فَأْرَةٍ فِيهَا قَالَ: فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَاءَ الْخِزَانَةِ إذَا كَانَ يَدْخُلُ مِنْ أَعْلَاهَا وَيَخْرُجُ مِنْ أُنْبُوبٍ فِي أَسْفَلِهَا فَلَيْسَ بِجَارٍ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ يَطْهُرُ الْحَوْضُ بِمُجَرَّدِ مَا يَدْخُلُ الْمَاءُ مِنْ الْأُنْبُوبِ وَيَفِيضُ مِنْ الْحَوْضِ هُوَ الْمُخْتَارُ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَصَيْرُورَتِهِ جَارِيًا. اهـ. وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ الِاكْتِفَاءُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْأَسْفَلِ لَكِنَّهُ خِلَافُ قَوْلِهِ وَيَفِيضُ، فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ. (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ أَرْبَعًا فِي أَرْبَعٍ أَوْ أَكْثَرَ. وَقِيلَ لَوْ أَكْثَرَ يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ يَسْتَقِرُّ فِيهِ إلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي مَوْضِعِ الدُّخُولِ أَوْ الْخُرُوجِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ. وَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا عُلِمَ عَدَمُ خُرُوجِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لِضَعْفِ الْجَرْيِ لَا يَضُرُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا فِي الْمُنْيَةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنْ خَرَجَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ مِنْ سَاعَتِهِ لِكَثْرَةِ الْمَاءِ وَقُوَّتِهِ يَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا اهـ وَأَقَرَّهُ الشَّارِحَانِ، وَزَادَ فِي الْحِلْيَةِ قَوْلَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ حَسَنٌ، لَكِنْ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بَعْدَمَا مَرَّ: وَحُكِيَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ الْمَاءُ مِنْ جَرَيَانِهِ يَجُوزُ. وَأَجَابَ رُكْنُ الْإِسْلَامِ السَّعْدِيُّ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ جَارٍ وَالْجَارِي يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. ثُمَّ هَذَا كَمَا فِي الْحِلْيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَأَمَّا عَلَى الْأَصَحِّ الْمُخْتَارِ فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ مَا يَغْتَرِفُهُ أَوْ نِصْفُهُ فَصَاعِدًا مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ اهـ. أَقُولُ: لَكِنْ إذَا وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ حَقِيقَةٌ كَانَ التَّفْرِيعُ عَلَى حَالِهِ. (قَوْلُهُ: وَكَعَيْنٍ إلَخْ) يُغْنِي عَنْهُ الْإِطْلَاقُ السَّابِقُ كَمَا أَفَادَهُ ح. (قَوْلُهُ: يَنْبُعُ الْمَاءُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَيْنِ وَذَكَرَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ. (قَوْلُهُ: مَعْزِيًّا لِلتَّتِمَّةِ) فِيهِ أَنَّ عِبَارَةَ الْقُهُسْتَانِيِّ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا يَجُوزُ) أَيْ رَفْعُ الْحَدَثِ. (قَوْلُهُ: بِرَاكِدٍ) الرُّكُودُ:

стр. 186

أَيْ وَقَعَ فِيهِ نَجِسٌ لَمْ يُرَ أَثَرُهُ وَلَوْ فِي مَوْضِعِ وُقُوعِ الْمَرْئِيَّةِ، بِهِ يُفْتَى بَحْرٌ. (وَالْمُعْتَبَرُ) فِي مِقْدَارِ الرَّاكِدِ (أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ فِيهِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ خُلُوصٍ) أَيْ وُصُولِ (النَّجَاسَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ جَازَ وَإِلَّا لَا) هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ مُحَمَّدٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا ــ [رد المحتار] السُّكُونُ وَالثَّبَاتُ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: أَيْ وَقَعَ نَجِسٌ إلَخْ) شَمِلَ مَا لَوْ كَانَ النَّجِسُ غَالِبًا؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: الْمَاءُ النَّجِسُ إذَا دَخَلَ الْحَوْضَ الْكَبِيرَ لَا يَنْجُسُ الْحَوْضُ وَإِنْ كَانَ النَّجِسُ غَالِبًا عَلَى مَاءِ الْحَوْضِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا اتَّصَلَ الْمَاءُ بِالْحَوْضِ صَارَ مَاءُ الْحَوْضِ غَالِبًا عَلَيْهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: لَمْ يُرَ أَثَرُهُ) أَيْ مِنْ طَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ، وَهَذَا الْقَيْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ فَلَا تَغْفُلُ عَنْهُ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَثَرِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ نَفْسِهَا دُونَ مَا خَالَطَهَا كَخَلٍّ وَنَحْوِهِ. (قَوْلُهُ: بِهِ يُفْتَى) أَيْ بِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَعَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ النِّصَابِ، وَأَرَادَ بِشَرْحِ الْمُنْيَةِ الْحِلْيَةَ لِابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ، وَقَدْ ذَكَرَ عِبَارَةَ النِّصَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي لَا هُنَا. عَلَى أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ فِي الْمَرْئِيَّةِ يَنْجُسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا، فَقِيلَ كَذَلِكَ: وَقِيلَ لَا. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْحِلْيَةِ، وَكَذَا الْبَدَائِعُ، لَكِنْ عَبَّرَ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَدَلَ الْإِجْمَاعِ قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ قَدْرَ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ اهـ: وَقَدَّرَهُ فِي الْكِفَايَةِ بِأَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ فِي مِثْلِهَا. وَقِيلَ يَتَحَرَّى، فَإِنْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تَخْلُصْ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ تَوَضَّأَ مِنْهُ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: قُلْت هُوَ الْأَصَحُّ اهـ وَكَذَا جَزَمَ فِي الْخَانِيَّةِ بِتَنَجُّسِ مَوْضِعِ الْمَرْئِيَّةِ بِلَا نَقْلِ خِلَافٍ، ثُمَّ نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ، وَصَحَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ أَوَّلَهُمَا، وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا ثَانِيَهُمَا نَعَمْ. قَالَ فِي الْخَزَائِنِ: وَالْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ التَّنَجُّسِ مُطْلَقًا إلَّا بِالتَّغَيُّرِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا لِعُمُومِ الْبَلْوَى، حَتَّى قَالُوا: يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ قَبْلَ التَّحَرُّكِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْمُجْتَبَى. اهـ. وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَالْجَارِي لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَصْحِيحُهُ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا يَقْتَضِي عِنْدَ الْكَثْرَةِ عَدَمَ التَّنَجُّسِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ حَيْثُ جَعَلَهُ كَالْجَارِي، وَقَدَّمْنَا عَنْهُ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِي الْجَارِي ظُهُورُ الْأَثَرِ مُطْلَقًا، وَأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُتُونِ وَكَذَا قَالَ فِي الْكَنْزِ هُنَا، وَهُوَ كَالْجَارِي، وَمِثْلُهُ فِي الْمُلْتَقَى. وَظَاهِرُهُ اخْتِيَارُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ فَلِذَا اخْتَارَهَا فِي الْفَتْحِ وَاسْتَحْسَنَهَا فِي الْحِلْيَةِ لِمُوَافَقَتِهَا لِمَا مَرَّ عَنْهُ فِي الْجَارِي. قَالَ: وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ «جَابِرٍ ﵁ قَالَ: انْتَهَيْت إلَى غَدِيرٍ فَإِذَا فِيهِ حِمَارٌ مَيِّتٌ فَكَفَفْنَا عَنْهُ حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ فَاسْتَقَيْنَا وَأَرْوَيْنَا وَحَمَلْنَا» " اهـ وَهَذَا وَارِدٌ عَلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ السَّابِقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: فِي مِقْدَارِ الرَّاكِدِ) يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيهِ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمُعْتَبَرِ، فَالْأَوْلَى ذِكْرُهُ بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ. (قَوْلُهُ: أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ) أَيْ غَلَبَةُ ظَنِّهِ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْيَقِينِ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ أَكْبَرُ لِيَظْهَرَ التَّفْصِيلُ بَعْدَهُ ط. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) صَادِقٌ بِمَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْخُلُوصُ أَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْأَمْرَانِ لَكِنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ مُرَادٍ، لِمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَإِذَا اشْتَبَهَ الْخُلُوصُ فَهُوَ كَمَا إذَا لَمْ يَخْلُصْ اهـ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ رَجَعَ مُحَمَّدٌ) أَيْ بَعْدَمَا قَالَ بِتَقْدِيرِهِ بِعَشْرٍ فِي عَشْرٍ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُوَقِّتُ شَيْئًا كَمَا نَقَلَهُ الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ عَنْهُ بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ) زَادَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِأَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَعْنِي عَدَمَ التَّحَكُّمِ بِتَقْدِيرٍ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ، وَالتَّفْوِيضُ فِيهِ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى، بِنَاءً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ ثُبُوتِ تَقْدِيرِهِ شَرْعًا. اهـ. وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ بِالْقُلَّتَيْنِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَحَدِيثُهُ غَيْرُ ثَابِتٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَضَعَّفَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ

стр. 187

فِي الْغَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَحَقَّقَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ يُعْمَلُ، وَأَنَّ التَّقْدِيرَ بِعَشْرٍ فِي عَشْرٍ لَا يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَرُدَّ مَا أَجَابَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ، لَكِنْ فِي النَّهْرِ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَشْرِ أَضْبَطُ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ لَا رَأْيَ لَهُ مِنْ الْعَوَامّ، فَلِذَا أَفْتَى ــ [رد المحتار] وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُطَوَّلَاتِ. (قَوْلُهُ: وَحَقَّقَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ) أَيْ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ النُّقُولِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ: أَيْ فِي أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ تَفْوِيضُ الْخُلُوصِ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ بِلَا تَقْدِيرٍ بِشَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ رُجُوعِ مُحَمَّدٍ عَنْ تَقْدِيرِهِ بِعَشْرٍ فِي عَشْرٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تَقْدِيرَهُ إلَّا فِي نَظَرِهِ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ كَوْنُهُ مَا اسْتَكْثَرَهُ الْمُبْتَلَى فَاسْتِكْثَارُ وَاحِدٍ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَا يَقَعُ فِي قَلْبِ كُلٍّ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْعَامِّيِّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ ذَكَرَهُ الْكَمَالُ. اهـ. أَقُولُ: لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْغَدِيرَ الْعَظِيمَ مَا لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَفِي الزَّيْلَعِيِّ، قِيلَ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ، وَقِيلَ بِالْمِسَاحَةِ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ حَتَّى قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ: اتَّفَقَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ أَنْ يَرْتَفِعَ وَيَنْخَفِضَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا بَعْدَ الْمُكْثِ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَصْلُ الْحَرَكَةِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ اهـ وَهَلْ الْمُعْتَبَرُ حَرَكَةُ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ أَوْ الْيَدِ؟ رِوَايَاتٌ ثَانِيهَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ الْوَسَطُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرِهَا. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ اعْتِبَارَ الْخُلُوصِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِلَا تَقْدِيرٍ بِشَيْءٍ مُخَالِفٌ فِي الظَّاهِرِ لِاعْتِبَارِهِ بِالتَّحْرِيكِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ أَمْرٌ بَاطِنِيٌّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الظَّانِّينَ، وَتَحَرُّكُ الطَّرَفِ الْآخَرِ أَمْرٌ حِسِّيٌّ مُشَاهَدٌ لَا يَخْتَلِفُ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَنْقُولٌ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَظْهَرُ لِي التَّوْفِيقُ بِأَنَّ الْمُرَادَ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَأَنَّهُ لَوْ حَرَّكَ لَوَصَلَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّحْرِيكُ بِالْفِعْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَرُدَّ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ صَدْرَ الشَّرِيعَةِ بَنَى تَقْدِيرَهُ بِالْعَشْرِ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» فَيَكُونُ لَهُ حَرِيمُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشَرَةٌ، فَيَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ حَفْرِ بِئْرٍ فِي حَرِيمِهَا لِئَلَّا يَنْجَذِبَ الْمَاءُ إلَيْهَا وَيَنْقُصَ مَاءُ الْأُولَى، وَيَمْنَعُ أَيْضًا مِنْ حَفْرِ بَالُوعَةٍ فِيهِ لِئَلَّا تَسْرِيَ النَّجَاسَةُ إلَى الْبِئْرِ، وَلَا يَمْنَعُ فِيهَا وَرَاءَ الْحَرِيمِ وَهُوَ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ قَالَ: فَعُلِمَ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ الْعَشْرَ فِي الْعَشْرِ فِي عَدَمِ سِرَايَةِ النَّجَاسَةِ. وَرَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْحَرِيمِ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَبِأَنَّ قِوَامَ الْأَرْضِ أَضْعَافُ قِوَامِ الْمَاءِ فَقِيَاسُهُ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ السِّرَايَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَبِأَنَّ الْمُخْتَارَ الْمُعْتَمَدَ فِي الْبُعْدِ بَيْنَ الْبِئْرِ وَالْبَالُوعَةِ نُفُوذُ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِصَلَابَةِ الْأَرْضِ وَرَخَاوَتِهَا. (قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي النَّهْرِ إلَخْ) قَدْ تَعَرَّضَ لِهَذَا فِي الْبَحْرِ أَيْضًا، ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْمَلُ بِمَا صَحَّ مِنْ الْمَذْهَبِ لَا بِفَتْوَى الْمَشَايِخِ وَالْوَجْهُ مَعَ صَاحِبِ الْبَحْرِ. وَإِذَا اطَّلَعْت عَلَى كَلَامِهَا جَزَمْت بِذَلِكَ أَفَادَهُ ط. أَقُولُ: وَهُوَ الَّذِي حُطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ وَتِلْمِيذِهِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْعَلَّامَةِ سَعْدِ الدِّينِ الدِّيرِيِّ فِي رِسَالَتِهِ الْقَوْلُ الرَّاقِي فِي حُكْمِ مَاءِ الْفَسَاقِيِ أَنَّهُ حَقَّقَ فِيهَا مَا اخْتَارَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَشْرِ وَرَدَّ فِيهَا عَلَى مَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ رَدًّا بَلِيغًا، وَأَوْرَدَ نَحْوَ مِائَةِ نَقْلٍ نَاطِقَةٍ بِالصَّوَابِ إلَى أَنْ قَالَ: وَإِذَا كُنْت فِي الْمَدَارِكِ غُرًّا ... ثُمَّ أَبْصَرْت حَاذِقًا لَا تُمَارِي وَإِذَا لَمْ تَرَ الْهِلَالَ فَسَلِّمْ ... لِأُنَاسٍ رَأَوْهُ بِالْأَبْصَارِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِالْعَشْرِ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ هُمْ أَعْلَمُ بِالْمَذْهَبِ

стр. 188

بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ الْأَعْلَامُ: أَيْ فِي الْمُرَبَّعِ بِأَرْبَعِينَ، وَفِي الْمُدَوَّرِ بِسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، وَفِي الْمُثَلَّثِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ خَمْسَةَ عَشَرَ وَرُبُعًا وَخُمُسًا بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ، وَلَوْ لَهُ طُولٌ لَا عَرْضٌ لَكِنَّهُ يَبْلُغُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ جَازَ تَيْسِيرًا، وَلَوْ أَعْلَاهُ عَشْرًا ــ [رد المحتار] مِنَّا فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ فِي رَسْمِ الْمُفْتِي، وَأَمَّا نَحْنُ فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُ مَا رَجَّحُوهُ وَمَا صَحَّحُوهُ، كَمَا لَوْ أَفْتُونَا فِي حَيَاتِهِمْ. (قَوْلُهُ: أَيْ فِي الْمُرَبَّعِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ مَا يَكُونُ وَجْهُهُ مِائَةَ ذِرَاعٍ سَوَاءٌ كَانَ مُرَبَّعًا، وَهُوَ مَا يَكُونُ كُلُّ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهِ عَشَرَةً وَحَوْلَ الْمَاءِ أَرْبَعُونَ وَوَجْهُهُ مِائَةٌ، أَوْ كَانَ مُدَوَّرًا أَوْ مُثَلَّثًا، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمُدَوَّرِ وَالْمُثَلَّثِ إذَا كَانَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ يَكُونُ وَجْهُهُ مِائَةً، وَإِذَا رَبَّعَ يَكُونُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُدَوَّرِ بِسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ دَوْرُهُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَقُطْرُهُ أَحَدَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَخُمُسَ ذِرَاعٍ، وَمِسَاحَتُهُ أَنْ تَضْرِبَ نِصْفَ الْقُطْرِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَعُشْرٌ فِي نِصْفِ الدَّوْرِ وَهُوَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَكُونُ مِائَةَ ذِرَاعٍ وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ ذِرَاعٍ. اهـ. سِرَاجٌ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ خَمْسَةٍ. وَفِي الدُّرَرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مُبَرْهَنٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحِسَابِ. وَلِلْعَلَّامَةِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ رِسَالَةٌ سَمَّاهَا الزَّهْرَ النَّضِيرَ عَلَى الْحَوْضِ الْمُسْتَدِيرِ أَوْضَحَ فِيهَا الْبُرْهَانَ الْمَذْكُورَ مَعَ رَدِّ بَقِيَّةِ الْأَقْوَالِ، وَلَخَّصَ ذَلِكَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الدُّرَرِ. (قَوْلُهُ: وَرُبُعًا وَخُمُسًا) فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ خُمُسًا بِأَوْ لَا بِالْوَاوِ، وَهِيَ الْأَصْوَبُ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي التَّعْبِيرِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ كَنُوحٍ أَفَنْدِي عَبَّرَ بِالرُّبُعِ وَبَعْضُهُمْ كالشرنبلالي فِي رِسَالَتِهِ عَبَّرَ بِالْخُمُسِ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي السِّرَاجِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ مُثَلَّثًا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ جَانِبٍ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَخُمُسَ ذِرَاعٍ حَتَّى تَبْلُغَ مِسَاحَتُهُ مِائَةَ ذِرَاعٍ، بِأَنْ تَضْرِبَ أَحَدَ جَوَانِبِهِ فِي نَفْسِهِ، فَمَا صَحَّ أَخَذْت ثُلُثَهُ وَعُشْرَهُ فَهُوَ مِسَاحَتُهُ. بَيَانُهُ أَنْ تَضْرِبَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَخُمُسًا فِي نَفْسِهِ يَكُونُ مِائَتَيْنِ وَإِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَجُزْءًا مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ ذِرَاعٍ، فَثُلُثُهُ عَلَى التَّقْرِيبِ سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَعُشْرُهُ عَلَى التَّقْرِيبِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ فَذَلِكَ مِائَةُ ذِرَاعٍ وَشَيْءٌ قَلِيلٌ لَا يَبْلُغُ عُشْرَ ذِرَاعٍ. اهـ. أَقُولُ: وَعَلَى التَّعْبِيرِ بِالرُّبُعِ يَبْلُغُ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ نَحْوَ رُبُعِ ذِرَاعٍ فَالتَّعْبِيرُ بِالْخُمُسِ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ) بِالْكَسْرِ: أَيْ ثِيَابِ الْقُطْنِ، وَيَأْتِي مِقْدَارُهُ. [تَنْبِيهٌ] لَمْ يَذْكُرْ مِقْدَارَ الْعُمْقِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ بَدَائِعُ، وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ: أَيْ لَا يَنْكَشِفُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى مِعْرَاجٌ. وَفِي الْبَحْرِ الْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ وَقِيلَ أَرْبَعُ أَصَابِعَ مَفْتُوحَةٍ، وَقِيلَ مَا بَلَغَ الْكَعْبَ، وَقِيلَ شِبْرٌ، وَقِيلَ ذِرَاعٌ، وَقِيلَ ذِرَاعَانِ قُهُسْتَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ يَبْلُغُ إلَخْ) كَأَنْ يَكُونَ طُولُهُ خَمْسِينَ وَعَرْضُهُ ذِرَاعَيْنِ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَوْ رَبَّعَ صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ. (قَوْلُهُ: جَازَ تَيْسِيرًا) أَيْ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، أَوْ الْمُرَادُ جَازَ وَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الدُّرَرِ عَنْ عُيُونِ الْمَذَاهِبِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالِاخْتِيَارِ

стр. 189

وَأَسْفَلُهُ أَقَلَّ جَازَ حَتَّى يَبْلُغَ الْأَقَلَّ، وَلَوْ بِعَكْسِهِ فَوَقَعَ فِيهِ نَجَسٌ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَشْرَ. وَلَوْ جَمَدَ مَاؤُهُ فَثُقِبَ، إنْ الْمَاءُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْجَمْدِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُسَقَّفِ، وَإِنْ مُتَّصِلًا لَا لِأَنَّهُ كَالْقَصْعَةِ حَتَّى لَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ تَنَجَّسَ ــ [رد المحتار] وَغَيْرِهِمَا وَاخْتَارَ فِي الْفَتْحِ الْقَوْلَ الْآخَرَ وَصَحَّحَهُ تِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْكَثْرَةِ عَلَى عَدَمِ خُلُوصِ النَّجَاسَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَلَا شَكَّ فِي غَلَبَةِ الْخُلُوصِ مِنْ جِهَةِ الْعَرْضِ، وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ لَهُ عُمْقٌ بِلَا سَعَةٍ أَيْ بِلَا عَرْضٍ وَلَا طُولٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مِنْ السَّطْحِ لَا مِنْ الْعُمْقِ. وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ الْأَوْجَهَ، إلَّا أَنَّهُمْ وَسَّعُوا الْأَمْرَ عَلَى النَّاسِ وَقَالُوا بِالضَّمِّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي التَّجْنِيسِ بِقَوْلِهِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. اهـ. وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ اعْتِبَارَ الطُّولِ لَا يُنَجِّسُهُ وَاعْتِبَارُ الْعَرْضِ يُنَجِّسُهُ فَيَبْقَى طَاهِرًا عَلَى أَصْلِهِ لِلشَّكِّ فِي تَنَجُّسِهِ، وَتَمَامُهُ فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي، وَبِهِ فَارَقَ مَا لَهُ عُمْقٌ بِلَا سَعَةٍ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يَبْلُغَ الْأَقَلَّ) أَيْ وَإِذَا بَلَغَ الْأَقَلَّ فَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ تَنَجَّسَ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، وَتَشْمَلُ النَّجَاسَةُ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ وَإِنْ نَقَصَ حَتَّى صَارَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ فِي عَشَرَةٍ لَا يَتَوَضَّأُ فِيهِ وَلَكِنْ يَغْتَرِفُ مِنْهُ وَيَتَوَضَّأُ. اهـ. أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّوَضُّؤِ مِنْ الْفَسَاقِيِ وَفِيهَا الْكَلَامُ الْمَارُّ فَافْهَمْ، ثُمَّ لَوْ امْتَلَأَ بَعْدَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ بَقِيَ نَجِسًا، وَقِيلَ لَا مُنْيَةٌ. وَوَجْهُ الثَّانِي غَيْرُ ظَاهِرٍ حِلْيَةٌ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَنَجَّسَ حَالَ قِلَّتِهِ لَا يَعُودُ طَاهِرًا بِالْكَثْرَةِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا قَبْلَ اتِّصَالِهِ بِالنَّجَاسَةِ لَا يَنْجُسُ بِهَا. وَلَوْ نَقَصَ بَعْدَ سُقُوطِهَا فِيهِ حَتَّى صَارَ قَلِيلًا فَالْمُعْتَبَرُ قِلَّتُهُ وَكَثْرَتُهُ وَقْتَ اتِّصَالِهِ بِالنَّجَاسَةِ، سَوَاءٌ وَرَدَتْ عَلَيْهِ أَوْ وَرَدَ عَلَيْهَا هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ اهـ وَقَوْلُهُ أَوْ وَرَدَ عَلَيْهَا يُشِيرُ إلَى مَا اخْتَارَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ إنْ دَخَلَ مِنْ مَكَان نَجَسٍ أَوْ اتَّصَلَ بِالنَّجَاسَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَهُوَ نَجِسٌ، وَإِنْ دَخَلَ مِنْ مَكَان طَاهِرٍ وَاجْتَمَعَ حَتَّى صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ثُمَّ اتَّصَلَ بِالنَّجَاسَةِ لَا يَنْجُسُ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِعَكْسِهِ) بِأَنْ كَانَ أَعْلَاهُ لَا يَبْلُغُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ وَأَسْفَلُهُ يَبْلُغُهَا. (قَوْلُهُ: حَتَّى يَبْلُغَ الْعَشْرَ) فَإِذَا بَلَغَهَا جَازَ وَإِنْ كَانَ مَا فِي أَعْلَاهُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي أَسْفَلِهِ أَيْ مِقْدَارًا لَا مِسَاحَةً. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ الْهِنْدِيِّ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ اهـ. أَقُولُ: وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا حَالَةَ الْوُقُوعِ هُنَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْأَسْفَلِ فِي حُكْمِ حَوْضٍ آخَرَ بِسَبَبِ كَثْرَتِهِ مَسَّاحَةً وَأَنَّهُ لَوْ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ ابْتِدَاءً لَمْ تَضُرَّهُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَدَبَّرْ. وَهَذِهِ يَلْغُزُ فِيهَا فَيُقَالُ: مَاءٌ كَثِيرٌ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ تُنَجِّسُ ثُمَّ إذَا قَلَّ طَهُرَ. بَقِيَ مَا لَوْ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ ثُمَّ نَقَصَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَوْ امْتَلَأَ فِي الثَّانِيَةِ قَالَ ح: لَمْ أَجِدْ حُكْمَهُ. وَأَقُولُ: هَذَا عَجِيبٌ، فَإِنَّهُ حَيْثُ حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ مَا يُنَجِّسُهُ هَلْ يُتَوَهَّمُ نَجَاسَتُهُ، نَعَمْ لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَرْئِيَّةً وَكَانَتْ بَاقِيَةً فِيهِ أَوْ امْتَلَأَ قَبْلَ جَفَافِ أَعْلَى الْحَوْضِ تَنَجَّسَ. أَمَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ أَوْ مَرْئِيَّةً وَأُخْرِجَتْ مِنْهُ أَوْ امْتَلَأَ بَعْدَمَا حُكِمَ بِطَهَارَةِ جَوَانِبِ أَعْلَاهُ بِالْجَفَافِ فَلَا إذْ لَا مُقْتَضَيْ لِلنَّجَاسَةِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي. (قَوْلُهُ: وَلَوْ جَمَدَ مَاؤُهُ) أَيْ مَاءُ الْحَوْضِ الْكَبِيرِ: أَيْ وَجْهُ الْمَاءِ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: فَثُقِبَ) أَيْ وَلَمْ تَبْلُغْ مِسَاحَةُ الثُّقْبِ عَشْرًا فِي عَشْرٍ. (قَوْلُهُ: مُنْفَصِلًا عَنْ الْجَمَدِ) أَيْ مُتَسَفِّلًا عَنْهُ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِهِ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ تَحَرَّكَ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ مُتَّصِلًا لَا) أَيْ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ نُصَيْرٍ وَالْإِسْكَافِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَهَذَا أَوْسَعُ، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ. وَقَالُوا: إذَا حُرِّكَ مَوْضِعُ الثَّقْبِ تَحْرِيكًا بَلِيغًا يُعْلَمُ عِنْدَهُ أَنَّ مَا كَانَ رَاكِدًا ذَهَبَ. وَهَذَا مَاءٌ جَدِيدٌ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ. اهـ. بَدَائِعُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ إنْ حَرَّكَ الْمَاءَ عِنْدَ إدْخَالِ كُلِّ عُضْوٍ مَرَّةً جَازَ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَشْبَهُ كَمَا مَرَّ عَنْ السِّرَاجِ الْهِنْدِيِّ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْمُنْيَةِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ. وَفِي الْحِلْيَةِ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. (قَوْلُهُ: تَنَجَّسَ) أَيْ

стр. 190

لَا لَوْ وَقَعَ فِيهِ فَمَاتَ لِتَسَفُّلِهِ. ثُمَّ الْمُخْتَارُ طَهَارَةُ الْمُتَنَجِّسِ بِمُجَرَّدِ جَرَيَانِهِ وَكَذَا الْبِئْرُ وَحَوْضُ الْحَمَّامِ. ــ [رد المحتار] مَوْضِعُ الثَّقْبِ دُونَ الْمُتَسَفِّلِ، فَلَوْ ثُقِبَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَأَخَذَ الْمَاء مِنْهُ وَتَوَضَّأَ جَازَ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. (قَوْلُهُ: لَا لَوْ وَقَعَ فِيهِ إلَخْ) أَيْ لَا يَنْجُسُ مَوْضِعُ الثَّقْبِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَحْصُلُ غَالِبًا بَعْدَ التَّسَفُّلِ وَلَا مَا تَحْتَهُ لِكَثْرَتِهِ، لَكِنْ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِوُقُوعِ الْكَلْبِ نَظَرٌ لِتَنَجُّسِ الثُّقْبِ بِمُلَاقَاةِ الْمَاءِ لِفَمِهِ وَأَنْفِهِ وَلِذَا صَوَّرَهَا فِي الْمُنْيَةِ بِوُقُوعِ الشَّاةِ. وَفِي شَرْحِهَا إذَا عُلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ فِي الثُّقْبِ قَبْلَ التَّسَفُّلِ مِنْهُ، أَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ الْوَاقِعُ مُتَنَجِّسًا يَتَنَجَّسُ مَا فِي الثُّقْبِ. مَطْلَبُ يَطْهُرُ الْحَوْضُ بِمُجَرَّدِ الْجَرَيَانِ. (قَوْلُهُ: بِمُجَرَّدِ جَرَيَانِهِ) أَيْ بِأَنْ يَدْخُلَ مِنْ جَانِبٍ وَيَخْرُجَ مِنْ آخَرَ حَالَ دُخُولِهِ وَإِنْ قَلَّ الْخَارِجُ بَحْرٌ. قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ: لِأَنَّهُ صَارَ جَارِيًا حَقِيقَةً، وَبِخُرُوجِ بَعْضِهِ رُفِعَ الشَّكُّ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فَلَا تَبْقَى مَعَ الشَّكِّ. اهـ. وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَخْرُجَ قَدْرُ مَا فِيهِ، وَقِيلَ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِهِ بَحْرٌ، فَلَوْ خَرَجَ بِلَا دُخُولٍ كَأَنْ ثُقِبَ مِنْهُ ثُقْبٌ فَلَيْسَ بِجَارٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحَوْضُ مُمْتَلِئًا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ نَاقِصًا فَدَخَلَهُ الْمَاءُ حَتَّى امْتَلَأَ وَخَرَجَ بَعْضُهُ طَهُرَ أَيْضًا كَمَا لَوْ كَانَ ابْتِدَاءً مُمْتَلِئًا مَاءً نَجِسًا كَمَا حَقَّقَهُ فِي الْحِلْيَةِ، وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ الْحَوْضِ نَجِسٌ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالطَّهَارَةِ. اهـ. أَقُولُ: هُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْمِثْلِ أَوْ ثَلَاثَةِ الْأَمْثَالِ لَمْ يُحْكَمْ بِطَهَارَةِ الْحَوْضِ، فَيَظْهَرُ كَوْنُ الْخَارِجِ نَجِسًا. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ فَقَدْ حُكِمَ بِالطَّهَارَةِ بِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ فَيَكُونُ الْخَارِجُ طَاهِرًا تَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَنَصُّهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِثْلُ مَا فِيهِ، وَإِنْ رَفَعَ إنْسَانٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي خَرَجَ وَتَوَضَّأَ بِهِ جَازَ اهـ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، لَكِنْ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا حَوْضٌ نَجِسٌ امْتَلَأَ مَاءً وَفَارَ مَاؤُهُ عَلَى جَوَانِبِهِ وَجَفَّ جَوَانِبُهُ لَا يَطْهُرُ، وَقِيلَ يَطْهُرُ اهـ. وَفِيهَا: وَلَوْ امْتَلَأَ فَتَشَرَّبَ الْمَاءُ فِي جَوَانِبِهِ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْمَاءُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ. اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِثْلُ مَا فِيهِ، فَلَوْ امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَخَرَجَ مِنْ جَانِبِ الشَّطِّ عَلَى وَجْهِ الْجَرَيَانِ حَتَّى بَلَغَ الْمُشَجَّرَةَ يَطْهُرُ، أَمَّا قَدْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ فَلَا اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْبِئْرُ وَحَوْضُ الْحَمَّامِ) أَيْ يَطْهُرَانِ مِنْ النَّجَاسَةِ بِمُجَرَّدِ الْجَرَيَانِ، وَكَذَا مَا فِي حُكْمِهِ مِنْ الْعُرْفِ الْمُتَدَارَكِ كَمَا مَرَّ. مَطْلَبٌ فِي إلْحَاقِ نَحْوِ الْقَصْعَةِ بِالْحَوْضِ [تَنْبِيهٌ] هَلْ يُلْحَقُ نَحْوُ الْقَصْعَةِ بِالْحَوْضِ؟ فَإِذَا كَانَ فِيهَا مَاءٌ نَجِسٌ ثُمَّ دَخَلَ فِيهَا مَاءٌ جَارٍ حَتَّى طَفَّ مِنْ جَوَانِبِهَا هَلْ تَطْهُرُ هِيَ وَالْمَاءُ الَّذِي فِيهَا كَالْحَوْضِ أَمْ لَا لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فِي غَسْلِهَا؟ تَوَقَّفْتُ فِيهِ مُدَّةً، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى: إذَا فَسَدَ مَاءُ الْحَوْضِ فَأُخِذَ مِنْهُ بِالْقَصْعَةِ وَأَمْسَكَهَا تَحْتَ الْأُنْبُوبِ فَدَخَلَ الْمَاءُ وَسَالَ مَاءُ الْقَصْعَةِ فَتَوَضَّأَ بِهِ لَا يَجُوزُ. اهـ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوْضِ: لَوْ خَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِثْلُ مَا فِيهِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ كَالْقَصْعَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِثْلُ مَا فِيهِ. اهـ. فَالظَّاهِرُ أَنَّمَا فِي الْخِزَانَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ الصَّحِيحِ، يُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ فِي جَرَيَانِ الْحَوْضِ حَيْثُ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَعَلَى هَذَا حَوْضُ الْحَمَّامِ أَوْ الْأَوَانِي إذَا تَنَجَّسَ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ تَطْهُرُ الْأَوَانِي أَيْضًا بِمُجَرَّدِ الْجَرَيَانِ، وَقَدْ عَلَّلَ

стр. 191

هَذَا، وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَالْمُخْتَارُ: ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ وَهُوَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَقَطْ، فَيَكُونُ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ بِذِرَاعِ زَمَانِنَا ــ [رد المحتار] فِي الْبَدَائِعِ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ صَارَ مَاءً جَارِيًا وَلَمْ نَسْتَيْقِنْ بِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، فَاتَّضَحَ الْحُكْمُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَبَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ سُئِلْت عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّ دَلْوًا تَنَجَّسَ فَأَفْرَغَ فِيهِ رَجُلٌ مَاءً حَتَّى امْتَلَأَ وَسَالَ مِنْ جَوَانِبِهِ هَلْ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي الطَّهَارَةُ، أَخْذًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ هُنَا وَمِمَّا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْجَرَيَانُ بِمَدَدٍ، وَمَا يُقَالُ إنَّهُ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ جَارِيًا مَمْنُوعٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ سَالَ دَمُ رِجْلِهِ مَعَ الْعَصِيرِ لَا يَنْجُسُ، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَعْدَهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَفَرَ نَهْرًا مِنْ حَوْضٍ صَغِيرٍ أَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي طَرَفِ الْمِيزَابِ إلَخْ وَكَذَا مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ عَنْ الْخِزَانَةِ وَالذَّخِيرَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ، فَكُلُّ هَذَا اعْتَبَرُوهُ جَارِيًا فَكَذَا هُنَا. وَأَخْبَرَنِي شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي حَلَبَ أَفْتَى بِذَلِكَ حَتَّى فِي الْمَائِعَاتِ وَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَأَقُولُ: مَسْأَلَةُ الْعَصِيرِ تَشْهَدُ لِمَا أَفْتَى بِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ حُكْمَ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ فِي الْأَصَحِّ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، فَمَنْ أَنْكَرَهُ وَادَّعَى خِلَافَهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ مُدَّعَاهُ بِنَقْلٍ صَرِيحٍ لَا بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَذَكَرُوهُ فِي تَطْهِيرِ الْمَائِعَاتِ كَالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ. عَلَى أَنِّي رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَوَّلَ فَصْلِ النَّجَاسَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْمَائِعَ كَالْمَاءِ وَالدِّبْسِ وَغَيْرِهِمَا طَهَارَتُهُ إمَّا بِإِجْرَائِهِ مَعَ جِنْسِهِ مُخْتَلِطًا بِهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي التُّمُرْتَاشِيِّ، وَإِمَّا بِالْخَلْطِ مَعَ الْمَاءِ كَمَا إذَا جَعَلَ الدُّهْنَ فِي الْخَابِيَةِ ثُمَّ صَبَّ فِيهِ مَاءً مِثْلَهُ وَحُرِّكَ ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى يَعْلُوَ وَثَقَبَ أَسْفَلَهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْمَاءُ هَكَذَا يَفْعَلُ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَطْهُرُ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ إلَخْ، فَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْإِجْرَاءِ نَظِيرَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخِزَانَةِ وَغَيْرِهَا، مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَجْرَى مَاءَ إنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا نَجِسٌ فِي الْأَرْضِ أَوْ صَبَّهُمَا مِنْ عُلُوٍّ فَاخْتَلَطَا طَهُرَا بِمَنْزِلَةِ مَاءٍ جَارٍ، نَعَمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخُلَاصَةِ مِنْ تَخْصِيصِ الْجَرَيَانِ بِأَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ هُنَا، لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِهِمْ مِنْ طَهَارَةِ الْحَوْضِ بِمُجَرَّدِ الْجَرَيَانِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِفِكْرِي السَّقِيمِ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] . مَطْلَبٌ فِي مِقْدَارِ الذِّرَاعِ وَتَعْيِينِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْمُخْتَارُ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ) وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَاخْتَارَهُ فِي الدُّرَرِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْخِزَانَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا: ذِرَاعُ الْمِسَاحَةِ وَهُوَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ. وَفِي الْمُحِيطِ وَالْكَافِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ذِرَاعُهُمْ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهُوَ الْأَنْسَبُ. قُلْت: لَكِنْ رَدَّهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِعَدَمِ خُلُوصِ النَّجَاسَةِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَقَطْ) أَيْ بِلَا إصْبَعٍ قَائِمَةٍ، وَهَذَا مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ. وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ سِتُّ قَبَضَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ فَهُوَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا بِعَدَدِ حُرُوفِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " وَالْمُرَادُ بِالْإِصْبَعِ الْقَائِمَةِ ارْتِفَاعُ الْإِبْهَامِ كَمَا فِي [غَايَةِ الْبَيَانِ] اهـ وَالْمُرَادُ بِالْقَبْضَةِ أَرْبَعُ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ نُوحٌ. أَقُولُ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ ذِرَاعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ سِتُّ قَبَضَاتٍ وَشَيْءٌ، وَذَلِكَ شِبْرَانِ. (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ) كَأَنَّهُ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَمْ يَمْتَحِنْهُ، وَصَوَابُهُ: فَيَكُونُ عَشْرًا فِي ثَمَانٍ.

стр. 192

ثَمَانِ قَبَضَاتٍ وَثَلَاثِ أَصَابِعَ عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ بِالْمُعَشَّرِ أَيْ وَلَوْ حُكْمًا لِيَعُمَّ مَا لَهُ طُولٌ بِلَا عَرْضٍ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا بِئْرٌ عُمْقُهَا عَشْرٌ فِي الْأَصَحِّ، وَحِينَئِذٍ فَلَوْ مَاؤُهَا بِقَدْرِ الْعَشْرِ لَمْ يَنْجُسْ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، وَحِينَئِذٍ فَعُمْقُ خَمْسِ أَصَابِعَ تَقْرِيبًا ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَثَلَثُمِائَةٍ وَاثْنَا عَشَرَ مَنًّا مِنْ الْمَاءِ الصَّافِي، وَيَسَعُهُ غَدِيرٌ كُلُّ ضِلْعٍ مِنْهُ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا ذِرَاعَانِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ ذِرَاعٍ وَنِصْفُ إصْبَعٍ تَقْرِيبًا كُلُّ ذِرَاعٍ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا. اهـ. قُلْت وَفِيهِ كَلَامٌ إذْ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعُمْقِ وَحْدَهُ فَتَبَصَّرْ. (وَلَا يَجُوزُ بِمَاءٍ) بِالْمَدِّ (زَالَ طَبْعُهُ) وَهُوَ السَّيَلَانُ وَالْإِرْوَاءُ وَالْإِنْبَاتُ (بِسَبَبِ) (طَبْخٍ كَمَرَقٍ) وَمَاءِ بَاقِلَاءَ إلَّا بِمَا قُصِدَ بِهِ التَّنْظِيفُ كَأُشْنَانٍ وَصَابُونٍ فَيَجُوزُ إنْ بَقِيَ رِقَّتُهُ ــ [رد المحتار] وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَبْضَةَ أَرْبَعُ أَصَابِعَ، وَإِذَا كَانَ ذِرَاعُ زَمَانِهِمْ ثَمَانِ قَبَضَاتٍ وَثَلَاثَ أَصَابِعَ يَكُونُ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ إصْبَعًا، وَإِذَا ضَرَبْت الْعَشْرَ فِي ثَمَانٍ بِذَلِكَ الذِّرَاعِ تَبْلُغُ ثَمَانِينَ فَاضْرِبْهَا فِي خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ تَبْلُغُ أَلْفَيْنِ وَثَمَانِمِائَةٍ إصْبَعٍ، وَهِيَ مِقْدَارُ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ الْمُقَدَّرِ بِسَبْعِ قَبَضَاتٍ؛ لِأَنَّ الذِّرَاعَ حِينَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا، وَالْعَشْرُ فِي عَشْرٍ بِمِائَةٍ، فَإِذَا ضَرَبْت ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ فِي مِائَةٍ تَبْلُغُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ. وَأَمَّا عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ فَلَا تَبْلُغُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّك إذَا ضَرَبْت ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ تَبْلُغُ أَرْبَعًا وَسِتِّينَ، فَإِذَا ضَرَبْتهَا فِي خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ تَبْلُغُ أَلْفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ إصْبَعًا وَذَلِكَ ثَمَانُونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ وَالْمَطْلُوبُ مِائَةٌ فَالصَّوَابُ مَا قُلْنَاهُ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ حُكْمًا إلَخْ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَلَوْ لَهُ طُولٌ لَا عَرْضٌ إلَخْ ط. (قَوْلُهُ: عُمْقُهَا) بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ قَعْرُ الْبِئْرِ وَنَحْوِهَا قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى والتمرتاشي وَالْإِيضَاحِ وَالْمُبْتَغَى، وَعَزَاهُ فِي الْقُنْيَةِ إلَى شَرْحِ صَدْرِ الْقُضَاةِ وَجَمْعِ التَّفَارِيقِ، وَهُوَ مُتَوَغِّلٌ فِي الْإِغْرَابِ، مُخَالِفٌ لِمَا أَطْلَقَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ كَمَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ) أَيْ إذَا اُعْتُبِرَ الْعُمْقُ بِلَا سَعَةٍ. (قَوْلُهُ: بِقَدْرِ الْعَشْرِ) أَيْ بِقَدْرِ الْمُرَبَّعِ الَّذِي هُوَ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ. (قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِإِغْنَاءِ مَا قَبْلَهُ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: فَعُمْقُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ غَدِيرٌ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ عُمْقُهُ خَمْسُ أَصَابِعَ تَقْرِيبًا كَانَ مَاؤُهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ إلَخْ وَقَدَّمْنَا الْأَقْوَالَ فِي مِقْدَارِ الْعُمْقِ، وَلَيْسَ فِيهَا قَوْلٌ بِتَقْدِيرِهِ بِخَمْسِ أَصَابِعَ. (قَوْلُهُ: وَثَلَثُمِائَةٍ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَثَمَانُمِائَةٍ، وَالْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ الْأَوَّلُ. (قَوْلُهُ: مَنًّا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمَنُّ كَيْلٌ أَوْ مِيزَانٌ أَوْ رَطْلَانِ كَالْمَنَا جَمْعُهُ أَمْنَانٌ وَجَمْعُ الْمَنَا أَمْنَاءٌ. وَالرَّطْلُ بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ: اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. (قَوْلُهُ: فَعُمْقُ خَمْسِ أَصَابِعَ إلَخْ) الْأَوْلَى اعْتِبَارُهُ بِالْأَرْبَعِ؛ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ، وَعَلَيْهِ فَيَبْلُغُ فِي الْمُرَبَّعِ مَا طُولُهُ وَعَرْضُهُ وَعُمْقُهُ ذِرَاعَانِ وَنِصْفُ ذِرَاعٍ وَإِصْبَعٌ وَثُلُثُ إصْبَعٍ، وَفِي الْمُثَلَّثِ مَا طُولُهُ وَعَرْضُهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَخَمْسَةُ أَسْدَاسِ ذِرَاعٍ، وَعُمْقُهُ ذِرَاعَانِ وَنِصْفُ ذِرَاعٍ وَإِصْبَعٌ وَثُلُثُ إصْبَعٍ، وَفِي الْمُدَوَّرِ مَا قُطْرُهُ وَعُمْقُهُ ذِرَاعَانِ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ إصْبَعًا وَخَمْسَةُ أَسْدَاسِ إصْبَعٍ، وَوَزْنُ ذَلِكَ الْمَاءِ بِالْقُلَلِ سَبْعَ عَشْرَةَ قُلَّةً وَثُلُثُ خُمُسِ قُلَّةٍ، وَالْقُلَّةُ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ رَطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ كُلُّ رَطْلٍ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ بِالرَّطْلِ الشَّامِيِّ فِي زَمَانِنَا سَبْعُمِائَةِ رَطْلٍ وَأَحَدٌ وَسِتُّونَ رَطْلًا وَعَشَرَ أَوَاقٍ وَأَحَدٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، كُلُّ رَطْلٍ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا. (قَوْلُهُ: زَالَ طَبْعُهُ) أَيْ وَصْفُهُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ط. (قَوْلُهُ: وَالْإِنْبَاتُ) اقْتَصَرَ الْوَانِيُّ عَلَيْهِ لِاسْتِلْزَامِهِ الْإِرْوَاءِ دُونَ الْعَكْسِ، فَإِنَّ الْأَشْرِبَةَ تُرْوِي وَلَا تُنْبِتُ وَالْمَاءُ الْمِلْحُ طَبْعُهُ الْإِنْبَاتُ إلَّا أَنَّهُ عُدِمَ مِنْهُ لِعَارِضٍ كَالْمَاءِ الْحَارِّ ط. (قَوْلُهُ: بِسَبَبِ طَبْخٍ) أَيْ بِغَيْرِهِ، فَمُجَرَّدُ تَسْخِينِ الْمَاءِ بِدُونِ خَلْطٍ لَا يُسَمَّى طَبْخًا ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ: أَيْ لِأَنَّ الطَّبْخَ هُوَ الْإِنْضَاجُ اسْتِوَاءً قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: وَمَاءِ بَاقِلَاءَ) أَيْ فُولٍ، وَهُوَ مُخَفَّفٌ مَعَ الْمُدِّ وَمُشَدَّدٌ وَيُخَفَّفُ مَعَ الْقَصْرِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَرُسِمَ الْأَوَّلُ بِالْأَلِفِ وَالثَّانِي بِالْيَاءِ. (قَوْلُهُ: إنْ بَقِيَ رِقَّتُهُ) أَمَّا لَوْ صَارَ كَالسَّوِيقِ الْمَخْلُوطِ فَلَا لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْهِدَايَةِ

стр. 193

(أَوْ) بِمَاءٍ (اُسْتُعْمِلَ لِ) أَجْلِ (قُرْبَةٍ) أَيْ ثَوَابٍ وَلَوْ مَعَ رَفْعِ حَدَثٍ أَوْ مِنْ مُمَيِّزٍ أَوْ حَائِضٍ لِعَادَةِ أَوْ عِبَادَةٍ أَوْ غُسْلِ مَيِّتٍ أَوْ يَدٍ لِأَكْلٍ أَوْ مِنْهُ بِنِيَّةِ السُّنَّةِ (أَوْ) لِأَجْلِ (رَفْعِ حَدَثٍ) وَلَوْ مَعَ قُرْبَةٍ كَوُضُوءِ مُحْدِثٍ ــ [رد المحتار] [الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ] مَبْحَثُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. (قَوْلُهُ: أَوْ بِمَاءٍ اُسْتُعْمِلَ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ يَقَعُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ فِي سَبَبِهِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِقُرْبَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ. الثَّانِي فِي وَقْتِ ثُبُوتِهِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ إذَا اسْتَقَرَّ فِي مَكَانِ. الثَّالِثُ فِي صِفَتِهِ: وَقَدْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ طَاهِرٌ. الرَّابِعُ فِي حُكْمِهِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ لَا مُطَهِّرٌ اهـ بَحْرٌ. مَطْلَبٌ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْبَةِ وَالثَّوَابِ. (قَوْلُهُ: أَيْ ثَوَابٌ) قَدَّمْنَا فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ أَنَّ الْقُرْبَةَ فِعْلُ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَنْ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى نِيَّةٍ كَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ. فِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ النُّقَايَةِ أَنَّهَا مَا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ لِلْبِيرِيِّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: ثَوَابُ الْعَمَلِيِّ فِي الْأُخْرَى عِبَارَةٌ عَمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ جَزَاءً لِعَمَلِهِ، فَتَفْسِيرُ الشَّارِحِ الْقُرْبَةَ بِالثَّوَابِ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّيْءِ بِحُكْمِهِ، وَهُوَ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ كَمَا مَرَّ، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ فَاللَّامُ التَّعْلِيلِ: أَيْ لِأَجْلِ نَيْلِ قُرْبَةٍ، نَعَمْ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي قُرْبَةٍ لَتَعَيَّنَ تَفْسِيرُهَا بِالْفِعْلِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ رَفْعِ حَدَثٍ) يُشِيرُ بِهِ وَبِقَوْلِهِ الْآتِي وَلَوْ مَعَ قُرْبَةٍ إلَى أَنَّ أَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ مَانِعَةُ الْخُلُوِّ لَا مَانِعَةُ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ وَرَفْعَ الْحَدَثِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَمَا سَيَظْهَرُ، فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ. (قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ مُمَيِّزٍ) أَيْ إذَا تَوَضَّأَ يُرِيدُ بِهِ التَّطْهِيرَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: أَوْ حَائِضٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: قَالُوا بِوُضُوءِ الْحَائِضِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ وَأَنْ تَجْلِسَ فِي مُصَلَّاهَا قَدْرَهَا كَيْ لَا تَنْسَى عَادَتَهَا، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْفَرِيضَةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّهَا لَوْ تَوَضَّأَتْ لِتَهَجُّدٍ عَادِيٍّ أَوْ صَلَاةِ ضُحًى وَجَلَسَتْ فِي مُصَلَّاهَا أَنْ يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا، وَلَمْ أَرَهُ لَهُمْ اهـ وَأَقَرَّهُ الرَّمْلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ فَلِذَا جَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ، فَأَطْلَقَ الْعِبَادَةَ تَبَعًا لِجَامِعِ الْفَتَاوَى فَإِنَّهُ، قَالَ: يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَتَجْلِسَ فِي مَسْجِدِهَا تُسَبِّحُ وَتُهَلِّلُ مِقْدَارَ أَدَائِهَا لِئَلَّا تَزُولَ عَادَةُ الْعِبَادَةِ. (قَوْلُهُ: أَوْ غُسْلِ مَيِّتٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى رَفْعِ حَدَثٍ، وَكَوْنُ غُسَالَتِهِ مُسْتَعْمَلَةً هُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ مُحَمَّدٌ نَجَاسَتَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ النَّجَاسَةِ غَالِبًا بَحْرٌ. أَقُولُ: قَدْ يُقَالُ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا هُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيِّتِ نَجَاسَةُ خَبَثٍ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ دَمَوِيٌّ لَا نَجَاسَةُ حَدَثٍ، وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَأْوِيلِ كَلَامِ مُحَمَّدٍ وَسَنُوَضِّحُهُ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْبِئْرِ، وَيَجُوزُ عَطْفُهُ عَلَى مُمَيِّزٍ أَيْ وَلَوْ مِنْ أَجْلِ غُسْلِ مَيِّتٍ؛ لِأَنَّهُ يُنْدَبُ الْوُضُوءُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ السُّنَّةِ) قَيَّدَ بِهِ فِي الْبَحْرِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمُحِيطِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ بِهِ قُرْبَةً لِأَنَّهُ سُنَّةٌ. اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُهُ فِي كُلِّ سُنَّةٍ كَغَسْلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَنَحْوِهِمَا، وَفِي ذَلِكَ تَرَدُّدٌ. اهـ. قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَلَا تَرَدُّدَ فِيهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا وَقَصَدَ بِغَسْلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَنَحْوِهِمَا مُجَرَّدَ التَّنْظِيفِ لَا إقَامَةَ الْقُرْبَةِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا. (قَوْلُهُ: أَوْ لِأَجْلِ رَفْعِ حَدَثٍ) مُفَادُ اللَّامِ أَنَّهُ قَصَدَ رَفْعَ الْحَدَثِ فَيَكُونُ قُرْبَةً أَيْضًا مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ أَعَمُّ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ مَعَ قُرْبَةٍ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَوْ فِي رَفْعِ حَدَثٍ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: كَوُضُوءِ مُحْدِثٍ) فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مَنْوِيًّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَإِلَّا كَمَا لَوْ كَانَ

стр. 194

وَلَوْ لِلتَّبَرُّدِ، فَلَوْ تَوَضَّأَ مُتَوَضِّئٌ لِتَبَرُّدٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَوْ لِطِينٍ بِيَدِهِ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا اتِّفَاقًا كَزِيَادَةٍ عَلَى الثَّلَاثِ بِلَا نِيَّةِ قُرْبَةٍ، وَكَغَسْلِ نَحْوِ فَخِذٍ أَوْ ثَوْبٍ طَاهِرٍ أَوْ دَابَّةٍ تُؤْكَلُ (أَوْ) لِأَجْلِ (إسْقَاطِ فَرْضٍ) هُوَ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ كَمَا نَبَّهَ ــ [رد المحتار] لِلتَّبَرُّدِ فَرَفْعُ الْحَدَثِ فَقَطْ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِلتَّبَرُّدِ) قِيلَ فِيهِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا لَوْ انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ بِأَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ. قَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ اسْتِعْمَالُهُ بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ إلَّا لِلضَّرُورَةِ كَمَسْأَلَةِ الْبِئْرِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: فَلَوْ تَوَضَّأَ مُتَوَضِّئٌ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَجْلِ قُرْبَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ، لَكِنْ أَوْرَدَ أَنَّ تَعْلِيمَ الْوُضُوءِ قُرْبَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا. وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ التَّوَضُّؤَ نَفْسَهُ لَيْسَ قُرْبَةً بَلْ تَعْلِيمٌ وَهُوَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْهُ وَلِذَا يَحْصُلُ بِالْقَوْلِ. (قَوْلُهُ: أَوْ لِطِينٍ) أَيْ وَنَحْوُهُ كَوَسَخٍ لِعَدَمِ إزَالَةِ الْحَدَثِ وَإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ، وَكَذَا لَوْ وَصَلَتْ شَعْرَ آدَمِيٍّ بِذُؤَابَتِهَا فَغَسَلْته لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمُ الْبَدَنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ غَسَلَ رَأْسَ مَقْتُولٍ قَدْ بَانَ مِنْهُ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ. [فَائِدَةٌ] قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُحْدِثَ تَكْفِيهِ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ الطِّينِ وَنَحْوِهِ وَعَنْ الْحَدَثِ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: بِلَا نِيَّةِ قُرْبَةٍ) بِأَنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْوُضُوءِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ. أَمَّا لَوْ أَرَادَ بِهَا ابْتِدَاءَ الْوُضُوءِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا بَدَائِعُ: أَيْ إذَا كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْوُضُوءِ الْأَوَّلِ وَإِلَّا كَانَ بِدْعَةً كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ، فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَهَذَا أَيْضًا إذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ بَحْرٌ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَكْرُوهَ تَكْرَارُهُ فِي مَجْلِسٍ مِرَارًا. (قَوْلُهُ: نَحْوُ فَخِذٍ) أَيْ مِمَّا لَيْسَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَهُوَ مُحْدِثٌ لَا جُنُبٌ، وَقِيلَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِحُلُولِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ بِكُلِّ الْبَدَنِ وَغَسْلُ الْأَعْضَاءِ رَافِعٌ عَنْ الْكُلِّ تَخْفِيفًا وَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ، وَأَفَادَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَا يَشْمَلُ الْمَسْنُونَةَ مَعَ نِيَّةِ فِعْلِ السُّنَّةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: أَوْ ثَوْبٍ طَاهِرٍ) أَيْ وَنَحْوِهِ مِنْ الْجَامِدَاتِ كَالْقُدُورِ وَالْقِصَاعِ وَالثِّمَارِ قُهُسْتَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: أَوْ دَابَّةٍ تُؤْكَلُ) كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُبْتَغَى. قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ: وَتَقْيِيدُهُ بِالْمَأْكُولَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا كَذَلِكَ لَا تُنَجِّسُ الْمَاءَ وَلَا تَسْلُبُ طُهُورِيَّتَهُ كَالْحِمَارِ وَالْفَأْرَةِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى فَمِهَا اهـ وَذَكَرَ الرَّحْمَتِيُّ نَحْوَهُ. (قَوْلُهُ: أَوْ لِأَجْلِ إسْقَاطِ فَرْضٍ) فِيهِ مَا فِي قَوْلِهِ أَوْ لِأَجْلِ رَفْعِ حَدَثٍ، وَهَذَا سَبَبٌ ثَالِثٌ لِلِاسْتِعْمَالِ زَادَهُ فِي الْفَتْحِ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْجُبِّ الْمَذْكُورَةِ، وَمِنْ تَعْلِيلِهَا الْمَنْقُولِ عَنْ الْإِمَامِ بِسُقُوطِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لِعَدَمِ النِّيَّةِ وَلَا رَفْعِ حَدَثٍ لِعَدَمِ تَجَزِّيهِ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: هُوَ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ) أَيْ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِتَدَنُّسِ الْمَاءِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: لِأَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ أَنَّ الْآلَةَ الَّتِي تُسْقِطُ الْفَرْضَ وَتُقَامُ بِهَا الْقُرْبَةُ تَتَدَنَّسُ كَمَالِ الزَّكَاةِ تَدَنَّسَ بِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ حَتَّى جُعِلَ مِنْ الْأَوْسَاخِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: وَاَلَّذِي نَعْقِلُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّقَرُّبِ وَالْإِسْقَاطِ مُؤَثِّرٌ فِي التَّغَيُّرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ انْفَرَدَ وَصْفُ التَّقَرُّبِ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَأَثَّرَ التَّغَيُّرُ حَتَّى حَرُمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلًّا أَثَّرَ تَغَيُّرًا شَرْعِيًّا. اهـ. أَقُولُ: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْقُرْبَةَ أَصْلٌ أَيْضًا، بِخِلَافِ رَفْعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي ضِمْنِ الْقُرْبَةِ أَوْ إسْقَاطِ الْفَرْضِ أَوْ فِي ضِمْنِهِمَا فَكَانَ فَرْعًا، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِهِمَا عَنْهُ، فَيَكُونُ الْمُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْأَصْلَيْنِ فَقَطْ

стр. 195

عَلَيْهِ الْكَمَالُ، بِأَنْ يَغْسِلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ أَوْ يُدْخِلَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فِي جُبٍّ لِغَيْرِ اغْتِرَافٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِسُقُوطِ الْفَرْضِ اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ يَزُلْ حَدَثُ عُضْوِهِ أَوْ جَنَابَتِهِ مَا لَمْ يُتِمَّ لِعَدَمِ تَجَزِّيهِمَا زَوَالًا وَثُبُوتًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ أَوْ سُنَّةٌ لِيَعُمَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، فَتَأَمَّلْ (إذَا انْفَصَلَ عَنْ عُضْوٍ وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ) فِي شَيْءٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ إذَا اسْتَقَرَّ، وَرُجِّحَ لِلْحَرَجِ. وَرُدَّ بِأَنَّ مَا يُصِيبُ مِنْدِيلَ الْمُتَوَضِّئِ وَثِيَابَهُ عَفْوٌ اتِّفَاقًا وَإِنْ كَثُرَ (وَهُوَ طَاهِرٌ) ــ [رد المحتار] فَيُقَالُ: هُوَ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي قُرْبَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ إسْقَاطُ فَرْضٍ، أَوْ لَا وَلَا، أَوْ فِي إسْقَاطِ فَرْضٍ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ قُرْبَةٌ أَوْ رَفْعُ حَدَثٍ، أَوْ لَا وَلَا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي مِنْ فَيْضِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ فَاغْتَنِمْهُ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَغْسِلَ) أَيْ الْمُحْدِثُ أَوْ الْجُنُبُ بَعْضَ أَعْضَائِهِ: أَيْ الَّتِي يَجِبُ غَسْلُهَا احْتِرَازًا عَنْ غَسْلِ الْمُحْدِثِ نَحْوَ الْفَخِذِ كَمَا مَرَّ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْغُسْلَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ لِيُغَايِرَ قَوْلَهُ أَوْ يُدْخِلَ يَدَهُ إلَخْ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَإِنْ أَدْخَلَ الْكَفَّ لِلْغُسْلِ فَسَدَ تَأَمَّلْ، ثُمَّ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا إنْ كَانَ إصْبَعًا أَوْ أَكْثَرَ دُونَ الْكَفِّ لَا يَضُرُّ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَا يَخْلُو مِنْ حَاجَتِهِ إلَى تَأَمُّلِ وَجْهِهِ. (قَوْلُهُ: فِي حُبٍّ) بِالْمُهْمَلَةِ: الْجَرَّةُ، أَوْ الضَّخْمَةُ مِنْهَا قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: لِغَيْرِ اغْتِرَافٍ) بَلْ لِلتَّبَرُّدِ أَوْ غَسْلِ يَدِهِ مِنْ طِينٍ أَوْ عَجِينٍ، فَلَوْ قَصَدَ الِاغْتِرَافَ وَنَحْوَهُ كَاسْتِخْرَاجِ كُوزٍ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا لِلضَّرُورَةِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا) الْمُرَادُ أَنَّ مَا اتَّصَلَ بِالْعُضْوِ وَانْفَصَلَ عَنْهُ مُسْتَعْمَلٌ عَلَى مَا مَرَّ وَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: لِسُقُوطِ الْفَرْضِ) أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ غَسْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ عِنْدَ غَسْلِ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ مَنْقُولٌ عَنْ الْإِمَامِ كَمَا مَرَّ، فَلَا يُقَالُ إنَّ الْعِلَّةَ زَوَالُ الْحَدَثِ زَوَالًا مَوْقُوفًا كَذَا فِي الْبَحْرِ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ التَّعْلِيلُ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ زَوَالَ الْحَدَثِ فَرْعٌ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَزَلْ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ إنْ وَزِيَادَةَ أَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْبَحْرِ، لِيَكُونَ بَيَانًا لِوَجْهِ زِيَادَةِ هَذَا السَّبَبِ الثَّالِثِ، وَأَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهُ مَا قَبْلَهُ مِنْ السَّبَبَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا تَتِمُّ زِيَادَتُهُ بِتَقْدِيرِ أَنَّ إسْقَاطَ الْفَرْضِ لَا ثَوَابَ فِيهِ وَإِلَّا كَانَ قُرْبَةً اعْتَرَضَهُ ط بِأَنَّ إسْقَاطَ الْفَرْضِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ وَلَا ثَوَابَ بِدُونِهَا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً. (قَوْلُهُ: جَنَابَتُهُ) أَيْ جَنَابَةُ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ فِي صُورَةِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ. (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَتِمَّ) أَيْ مَا لَمْ يَغْسِلْ بَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُعْتَمَدِ) قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي حَوَاشِي الْمَجْمَعِ: الْحَدَثُ يُقَالُ بِمَعْنَيَيْنِ: بِمَعْنَى الْمَانِعِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ عَمَّا لَا يَحِلُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا لَا يَتَجَزَّأُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَبِمَعْنَى النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَهَذَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتًا وَارْتِفَاعًا بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا وَصَيْرُورَةُ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا بِإِزَالَةِ الثَّانِيَةِ. اهـ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ يَتَجَزَّأُ الثَّانِي ثُبُوتًا كَمَا فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَكْبَرِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ، وَفِي عَدَمِ تَجَزُّؤِ الْأَوَّلِ بِلَا خِلَافٍ نَظَرٌ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ الْقِرَاءَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ بَعْدَ غَسْلِ الْفَمِ وَالْيَدِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ أَوْ سُنَّةٌ) فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ لَا تُقَامُ إلَّا بِنِيَّتِهَا فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ لِأَجْلِ قُرْبَةٍ، وَإِنْ قَصَدَ بِغَسْلِ نَحْوِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ مُجَرَّدَ التَّنْظِيفِ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا كَمَا مَرَّ عَنْ الرَّمْلِيِّ فَلَمْ تُوجَدْ السُّنَّةُ، ثُمَّ رَأَيْته فِي حَاشِيَةِ ح، ثُمَّ قَالَ: وَكَأَنَّهُ إلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ إذَا اسْتَقَرَّ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان مِنْ أَرْضٍ أَوْ كَفٍّ أَوْ ثَوْبٍ وَيَسْكُنُ عَنْ التَّحَرُّكِ، وَحَذَفَهُ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالِاسْتِقْرَارِ التَّامَّ مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ وَاخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ الْمُخْتَارُ إلَّا أَنَّ الْعَامَّةَ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَأَثَرُ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ انْفَصَلَ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَأَجْرَاهُ عَلَيْهِ صَحَّ عَلَى الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ نَهْرٌ. قُلْت: وَقَدْ مَرَّ أَنَّ أَعْضَاءَ الْغُسْلِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ انْفَصَلَ مِنْهُ فَسَقَطَ عَلَى عُضْوٍ آخَرَ مِنْ أَعْضَاءِ الْمُغْتَسِلِ فَأَجْرَاهُ عَلَيْهِ صَحَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَرُجِّحَ لِلْحَرَجِ) لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِاسْتِعْمَالِهِ بِالِانْفِصَالِ فَقَطْ لَتَنَجَّسَ ثَوْبُ الْمُتَوَضِّئِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَفِيهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. (قَوْلُهُ: عَفْوٌ اتِّفَاقًا) أَيْ لَا مُؤَاخَذَةَ فِيهِ حَتَّى عِنْدَ الْقَائِلِ بِالنَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا. (قَوْلُهُ: وَهُوَ طَاهِرٌ إلَخْ) رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ الْإِمَامِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ

стр. 196

وَلَوْ مِنْ جُنُبٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ، لَكِنْ يُكْرَهُ شُرْبُهُ وَالْعَجْنُ بِهِ تَنْزِيهًا لِلِاسْتِقْذَارِ، وَعَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَتِهِ تَحْرِيمًا (وَ) حُكْمُهُ أَنَّهُ (لَيْسَ بِطَهُورٍ) لِحَدَثٍ بَلْ لِخَبَثٍ عَلَى الرَّاجِحِ الْمُعْتَمَدِ. [فَرْعٌ] اُخْتُلِفَ فِي مُحْدِثٍ انْغَمَسَ فِي بِئْرٍ لِدَلْوٍ ــ [رد المحتار] هِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ، وَاخْتَارَهَا الْمُحَقِّقُونَ، قَالُوا عَلَيْهَا الْفَتْوَى، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ. وَاسْتَثْنَى الْجُنُبَ فِي التَّجْنِيسِ إلَّا أَنَّ الْإِطْلَاقَ أَوْلَى وَعَنْهُ التَّخْفِيفُ وَالتَّغْلِيظُ، وَمَشَايِخُ الْعِرَاقِ نَفَوْا الْخِلَافَ وَقَالُوا إنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَ الْكُلِّ. وَقَدْ قَالَ الْمُجْتَبَى: صَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْكُلِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، فَالِاشْتِغَالُ بِتَوْجِيهِ التَّغْلِيظِ وَالتَّخْفِيفِ مِمَّا لَا جَدْوَى لَهُ نَهْرٌ، وَقَدْ أَطَالَ فِي الْبَحْرِ فِي تَوْجِيهِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، وَرَجَّحَ الْقَوْلَ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ لِقُوَّتِهِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ) كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ أَيْ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ رِوَايَةَ الطَّهَارَةِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَلَيْهَا الْفَتْوَى فِي الْكَافِي وَالْمُصَفَّى كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ إلَخْ) دَفْعٌ لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ كَرَاهَةِ شُرْبِهِ عَلَى رِوَايَةِ الطَّهَارَةِ، وَمِثْلُ الشُّرْبِ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ مَا أَعَدَّ لَهُ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: لَوْ تَوَضَّأَ فِي إنَاءٍ فِي الْمَسْجِدِ جَازَ عِنْدَهُمْ. (قَوْلُهُ: وَعَلَى) مُتَعَلِّقٌ بِيُكْرَهُ مَحْذُوفًا مَعْطُوفٌ عَلَى يُكْرَهُ الْمَذْكُورِ. (قَوْلُهُ: تَحْرِيمًا) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى رِوَايَةِ الطَّهَارَةِ، أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ فَحَرَامٌ ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَالنَّجَسُ مِنْهَا. اهـ. وَأَجَابَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلنَّهْرِ وَأَقَرَّهُ النَّهْرُ بِحَمْلِ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّحْرِيمِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْهَا يَنْصَرِفُ إلَيْهَا قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ نَجَاسَةَ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ؛ وَلِذَا عَبَّرُوا بِالْكَرَاهَةِ فِي لَحْمِ الْحِمَارِ وَنَحْوِهِ. [فَرْعٌ] الْمَاءُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَإِنْ تَغَيَّرَ وَصْفُهُ لَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِحَالٍ كَبَلِّ الطِّينِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ بَحْرٌ عَنْ الْخُلَاصَةِ. (قَوْلُهُ: لَيْسَ بِطَهُورٍ) أَيْ لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ. (قَوْلُهُ: عَلَى الرَّاجِحِ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ بَلْ لِخَبَثٍ: أَيْ نَجَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ إزَالَتُهَا بِغَيْرِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْمَائِعَاتِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ [فَرْعٌ مُحْدِثٍ انْغَمَسَ فِي بِئْرٍ لِدَلْوٍ وَلَا نَجَسَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْوِ وَلَمْ يَتَدَلَّكْ] مَطْلَبٌ مَسْأَلَةُ الْبِئْرِ " جحط: (قَوْلُهُ فَرْعٌ إلَخْ) هَذَا مَا عَبَّرَ عَنْهُ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ وَمَسْأَلَةُ الْبِئْرِ " جحط " فَأَشَارَ بِالْجِيمِ إلَى مَا قَالَ الْإِمَامُ إنَّ الرَّجُلَ وَالْمَاءَ نَجِسَانِ، وَبِالْحَاءِ إلَى مَا قَالَ الثَّانِي إنَّهُمَا بِحَالِهِمَا، وَبِالطَّاءِ إلَى مَا قَالَ الثَّالِثُ مِنْ طَهَارَتِهِمَا، ثُمَّ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي نَجَاسَةِ الرَّجُلِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَقِيلَ لِلْجَنَابَةِ فَلَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَقِيلَ لِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَيَقْرَأُ إذَا غَسَلَ فَاهُ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْخَانِيَّةِ. قُلْت: وَمَبْنَى الْأَوَّلِ عَلَى تَنَجُّسِ الْمَاءِ لِسُقُوطِ فَرْضِ الْغُسْلِ عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ قَبْلَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْجَنَابَةِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَشُرُوحِ الْهِدَايَةِ، وَيَنْبَغِي عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ نَجَاسَةَ الْمَاءِ أَيْضًا لَا الْجَنَابَةَ فَقَطْ تَأَمَّلْ، وَمَبْنَى قَوْلِ الثَّانِي عَلَى اشْتِرَاطِ الصَّبِّ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْجَنَابَةِ فِي غَيْرِ الْمَاءِ الْجَارِي وَمَا فِي حُكْمِهِ، وَمَبْنَى قَوْلِ الثَّالِثِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ وَلَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِلضَّرُورَةِ، كَذَا قَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ فِي مُحْدِثٍ) أَيْ حَدَثًا أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ جَنَابَةً أَوْ حَيْضًا أَوْ نِفَاسًا بَعْدَ انْقِطَاعِهِمَا، أَمَّا قَبْلَ الِانْقِطَاعِ وَلَيْسَ عَلَى أَعْضَائِهِمَا نَجَاسَةٌ فَهُمَا كَالطَّاهِرِ إذَا انْغَمَسَ لِلتَّبَرُّدِ لِعَدَمِ خُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ، فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ، وَتَمَامُهُ فِي ح (قَوْلُهُ فِي بِئْرٍ) أَيْ دُونَ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ " ح " أَيْ وَلَيْسَتْ جَارِيَةً (قَوْلُهُ لِدَلْوٍ) أَيْ لِاسْتِخْرَاجِهِ، وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلِاغْتِسَالِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا اتِّفَاقًا قَالَ فِي النَّهْرِ: أَيْ بَيْنَ الْإِمَامِ، وَالثَّالِثِ لِمَا مَرَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الصَّبِّ عَلَى قَوْلِ الثَّانِي. اهـ. وَذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا.

стр. 197

أَوْ تَبَرَّدَ مُسْتَنْجِيًا بِالْمَاءِ وَلَا نَجَسَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْوِ وَلَمْ يَتَدَلَّكْ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَالْمَاءُ مُسْتَعْمَلٌ لِاشْتِرَاطِ الِانْفِصَالِ لِلِاسْتِعْمَالِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَا اتَّصَلَ بِأَعْضَائِهِ وَانْفَصَلَ عَنْهَا مُسْتَعْمَلٌ لَا كُلُّ الْمَاءِ عَلَى مَا مَرَّ. ــ [رد المحتار] أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الصَّبِّ عَلَى قَوْلِ الثَّانِي عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي مِنْ تَصْرِيحِهِ بِقِيَامِ التَّدْلِيكِ مَقَامَهَا فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ أَوْ تَبَرَّدَ) تَبِعَ فِي ذِكْرِهِ صَاحِبَ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، بِنَاءً عَلَى مَا قِيلَ إنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الصَّحِيحِ عِنْدَهُ وَأَنَّ عَدَمَ الِاسْتِعْمَالِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ عِنْدَهُ هِيَ الضَّرُورَةُ وَلَا ضَرُورَةَ فِي التَّبَرُّدِ فَلِذَا اقْتَصَرَ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى قَوْلِهِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ (قَوْلُهُ مُسْتَنْجِيًا بِالْمَاءِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْأَحْجَارِ تَنَجَّسَ كُلُّ الْمَاءِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ نَهْرٌ. قُلْت: وَفِي دَعْوَى الِاتِّفَاقِ نَظَرٌ، فَقَدْ نَقَلَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة اخْتِلَافَ التَّصْحِيحِ فِي التَّنَجُّسِ وَعَدَمِهِ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَرَ مُخَفِّفٌ أَوْ مُطَهِّرٌ وَرَجَّحَ فِي الْفَتْحِ الثَّانِيَ، نَعَمْ الَّذِي فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ كَمَا أَفَادَهُ فِي تَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ سَيَأْتِي فِي فَصْلِ الِاسْتِنْجَاءِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ وَلَا نَجَسَ عَلَيْهِ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، فَلَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ تَنَجَّسَ الْمَاءُ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ وَلَمْ يَنْوِ) أَيْ الِاغْتِسَالَ، فَلَوْ نَوَاهُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا بِالِاتِّفَاقِ إلَّا فِي قَوْلِ زُفَرَ سِرَاجٌ، وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَ الثَّانِي مُسْتَعْمَلٌ أَيْضًا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بَعْدَ انْغِمَاسِهِ فِي الْمَاءِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ لِدَلْوٍ أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ وَلَمْ يَتَدَلَّكْ) كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالْخُلَاصَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ لِلدَّلْوِ وَتَدَلَّكَ فِي الْمَاءِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ التَّدَلُّكَ فِعْلٌ مِنْهُ قَائِمٌ مَقَامَ النِّيَّةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ نَزَلَ لِلِاغْتِسَالِ بَحْرٌ وَنَهْرٌ فَتَنَبَّهْ، وَقَيَّدَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَدَلُّكُهُ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ إلَخْ) هَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمَارَّةِ الْمَرْمُوزِ إلَيْهَا " بجحط " ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ مِنْ الْعُضْوِ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا تَبَعًا لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ أَيْ لِلْقِيَاسِ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ أَنَّهَا الرِّوَايَةُ الْمُصَحَّحَةُ، ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَعُلِمَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْمُخْتَارَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ وَالْمَاءَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ؛ أَمَّا كَوْنُ الرَّجُلِ طَاهِرًا فَقَدْ عَلِمْت تَصْحِيحَهُ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ كَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ فَقَدْ عَلِمْته أَيْضًا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْحِلْيَةِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِلضَّرُورَةِ كَمَا مَرَّ. وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَمْ يَعْتَبِرْ الضَّرُورَةَ هُنَا بَلْ حَكَمَ بِاسْتِعْمَالِهِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَلَوْ اعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ لَمْ يَصِحَّ الْخِلَافُ الْمَرْمُوزُ لَهُ، نَعَمْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ أَنْكَرَ الْخِلَافَ إذْ لَا نَصَّ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا كَمَا لَوْ اغْتَرَفَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ لِلضَّرُورَةِ بِلَا خِلَافٍ. أَقُولُ: وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ مِنْ إثْبَاتِ الْخِلَافِ وَمِنْ أَنَّ الَّذِي اعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ هُوَ مُحَمَّدٌ فَقَطْ وَكَأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هُنَا لِنُدْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الِانْغِمَاسِ، بِخِلَافِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الِاغْتِرَافِ بِالْيَدِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ إلَخْ) صَرَّحَ بِهِ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، وَرَدَّهُ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ بِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ جِدًّا، وَقَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ: أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُلْقِي وَالْمُلَاقِي، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْفَسَاقِي، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهَا مِنْ الْمُعْتَرَكِ الْعَظِيمِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ.

стр. 198

(وَكُلُّ إهَابٍ) وَمِثْلُهُ الْمَثَانَةُ وَالْكِرْشُ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: فَالْأَوْلَى وَمَا (دُبِغَ) وَلَوْ بِشَمْسٍ (وَهُوَ يَحْتَمِلُهَا طَهُرَ) فَيُصَلَّى بِهِ وَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ (وَمَا لَا) يَحْتَمِلُهَا (فَلَا) وَعَلَيْهِ (فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ حَيَّةٍ) صَغِيرَةٍ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ، أَمَّا قَمِيصُهَا فَطَاهِرٌ (وَفَأْرَةٍ) كَمَا أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِذَكَاةٍ ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الدِّبَاغَةِ (قَوْلُهُ وَكُلُّ إهَابٍ إلَخْ) الْإِهَابُ: بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلْجِلْدِ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ جَمْعُهُ أُهُبٌ بِضَمَّتَيْنِ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ، فَإِذَا دُبِغَ سُمِّيَ أَدِيمًا وَصَرْمًا وَجِرَابًا كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الدِّبَاغَةَ فِي بَحْثِ الْمِيَاهِ وَإِنْ كَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرَهَا فِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَاتِ اسْتِطْرَادٌ، إمَّا لِصُلُوحِ الْإِهَابِ بَعْدَ دَبْغِهِ أَنْ يَكُونَ وِعَاءً لِلْمِيَاهِ كَمَا فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ، أَوْ؛ لِأَنَّ الدَّبْغَ مُطَهِّرٌ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، أَوْ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ قَوْلِنَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَا وَقَعَ فِيهِ إهَابٌ دُبِغَ كَمَا نُقِلَ عَنْ حَوَاشِي عِصَامٍ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ الْمَثَانَةُ وَالْكَرِشُ) الْمَثَانَةُ مَوْضِعُ الْبَوْلِ، وَالْكِرْشُ: بِالْكَسْرِ وَكَكَتِفٍ لِكُلِّ مُجْتَرٍّ بِمَنْزِلَةِ الْمَعِدَةِ لِلْإِنْسَانِ قَامُوسٌ، وَمِثْلُهُ الْأَمْعَاءُ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ التَّجْنِيسِ: أَصْلَحَ أَمْعَاءَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ فَصَلَّى وَهِيَ مَعَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَوْتَارُ وَهُوَ كَالدَّبَّاغِ. وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَغَ الْمَثَانَةَ فَجَعَلَ فِيهَا لَبَنٌ جَازَ، وَكَذَلِكَ الْكِرْشُ إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إصْلَاحِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ إنَّهُ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ كَاللَّحْمِ. اهـ (قَوْلُهُ فَالْأَوْلَى وَمَا دُبِغَ) أَيْ حَيْثُ كَانَ الْحُكْمُ غَيْرَ قَاصِرٍ عَلَى الْإِهَابِ، فَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ " بِمَا " الدَّالَّةُ عَلَى الْعُمُومِ ط (قَوْلُهُ دُبِغَ) الدِّبَاغُ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ. وَاَلَّذِي يَمْنَعُ عَلَى نَوْعَيْنِ: حَقِيقِيٍّ كَالْقَرَظِ وَالشَّبِّ وَالْعَفْصِ وَنَحْوِهِ. وَحُكْمِيٍّ كَالتَّتْرِيبِ وَالتَّشْمِيسِ وَالْإِلْقَاءِ فِي الرِّيحِ، وَلَوْ جَفَّ وَلَمْ يَسْتَحِلْ لَمْ يَطْهُرْ زَيْلَعِيٌّ: وَالْقَرَظُ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ لَا بِالضَّادِ: وَرَقُ شَجَرِ السَّلَمِ بِفَتْحَتَيْنِ. وَالشَّبُّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَقِيلَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ، وَهُوَ نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ مُرُّ الطَّعْمِ يُدْبَغُ بِهِ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِشَمْسٍ) أَيْ وَنَحْوِهِ مِنْ الدِّبَاغِ الْحُكْمِيِّ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى خِلَافِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَوْعَيْ الدِّبَاغَةِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ. قَالَ الْبَحْرُ إلَّا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَهُ الْمَاءُ بَعْدَ الدِّبَاغِ الْحَقِيقِيِّ لَا يَعُودُ نَجِسًا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، وَبَعْدَ الْحُكْمِيِّ فِيهِ رِوَايَتَانِ. اهـ. وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْعَوْدِ قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ، وَقَيَّدَ الْخِلَافَ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ بِمَا إذَا دُبِغَ بِالْحُكْمِيِّ قَبْلَ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ قَالَ: فَلَوْ بَعْدَهُ لَا تَعُودُ نَجَاسَتُهُ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ هُوَ يَحْتَمِلُهَا) أَيْ الدِّبَاغَةَ الْمَأْخُوذَةَ مِنْ دَبَغَ. وَأَفَادَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَكُلُّ إهَابٍ لَا يَتَنَاوَلُ مَا لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ طَهُرَ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ حَمَوِيٌّ (قَوْلُهُ فَيُصَلِّي بِهِ إلَخْ) أَفَادَ طَهَارَةَ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ لِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ خِلَافًا لِمَالِكٍ، لَكِنْ إذَا كَانَ جِلْدَ حَيَوَانٍ مَيِّتٍ مَأْكُولِ اللَّحْمِ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَهَذَا الْجُزْءُ مِنْهَا. وَقَالَ ﵊ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ ﵂ «إنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» مَعَ أَمْرِهِ لَهُمْ بِالدِّبَاغِ وَالِانْتِفَاعِ، أَمَّا إذَا كَانَ جِلْدَ مَا لَا يُؤْكَلُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الدِّبَاغَ فِيهِ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ الذَّكَاةِ، وَذَكَاتُهُ لَا تُبِيحُهُ فَكَذَا دِبَاغُهُ بَحْرٌ عَنْ السِّرَاجِ. (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ) أَيْ وَبِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ مَا لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ لَا يَطْهُرُ (قَوْلُهُ جِلْدُ حَيَّةٍ صَغِيرَةٍ) أَيْ لَهَا دَمٌ، أَمَّا مَا لَا دَمَ لَهَا فَهِيَ طَاهِرَةٌ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَوْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ لَا تُفْسِدُهُ أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ أَمَّا قَمِيصُهَا) أَيْ الْحَيَّةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَبِيرَةً. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: لِأَنَّهُ لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ، فَهُوَ كَالشَّعْرِ وَالْعَظْمِ (قَوْلُهُ وَفَأْرَةٍ) بِالْهَمْزَةِ وَتُبْدَلُ أَلِفًا (قَوْلُهُ بِذَكَاةٍ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ ذَبْحٍ

стр. 199

لِتَقَيُّدِهِمَا بِمَا يَحْتَمِلُهُ (خَلَا) جِلْدِ (خِنْزِيرٍ) فَلَا يَطْهُرُ، وَقُدِّمَ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ لِلْإِهَانَةِ (وَآدَمِيٍّ) فَلَا يُدْبَغُ لِكَرَامَتِهِ، وَلَوْ دُبِغَ طَهُرَ وَإِنْ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ، حَتَّى لَوْ طُحِنَ عَظْمُهُ فِي دَقِيقٍ لَمْ يُؤْكَلْ فِي الْأَصَحِّ احْتِرَامًا. وَأَفَادَ كَلَامُهُ طَهَارَةَ جِلْدِ كَلْبٍ وَفِيلٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. (وَمَا) أَيْ إهَابٌ (طَهُرَ بِهِ) بِدِبَاغٍ ــ [رد المحتار] قَوْلُهُ لِتَقَيُّدِهِمَا) أَيْ الذَّكَاةِ وَالدِّبَاغِ بِمَا يَحْتَمِلُهُ أَيْ يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَ، وَكَانَ الْأَوْلَى إفْرَادَ الضَّمِيرِ لِيَعُودَ عَلَى الذَّكَاةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ تَقَيُّدَ الدِّبَاغِ بِذَلِكَ مُصَرَّحٌ بِهِ قَبْلَهُ. وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ عَنْ التَّجْنِيسِ: لِأَنَّ الذَّكَاةَ إنَّمَا تُقَامُ مَقَامَ الدِّبَاغِ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ. وَفِي أَبِي السُّعُودِ عَنْ خَطِّ الشُّرُنْبُلَالِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي الْفَرْقُ بَيْنَ الذَّكَاةِ وَالدِّبَاغَةِ لِخُرُوجِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِالذَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ الْجِلْدُ لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ. اهـ. قُلْت: لَكِنَّ أَكْثَرَ الْكُتُبِ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ خَلَا جِلْدِ خِنْزِيرٍ إلَخْ) قِيلَ: إنَّ جِلْدَ الْآدَمِيِّ كَجِلْدِ الْخِنْزِيرِ فِي عَدَمِ الطَّهَارَةِ بِالدَّبْغِ لِعَدَمِ الْقَابِلِيَّةِ؛ لِأَنَّ لَهُمَا جُلُودًا مُتَرَادِفَةً بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ. وَقِيلَ: إنَّ جِلْدَ الْآدَمِيِّ إذَا دُبِغَ طَهُرَ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْغَايَةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَعْنَى طَهُرَ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ وَالْعَلَاقَةُ السَّبَبِيَّةُ والمسببية لَا اللُّزُومُ كَمَا قِيلَ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّهَارَةِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ كَمَا عَلِمْته، لَكِنَّ عِلَّةَ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَفِي الْخِنْزِيرِ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ، وَفِي الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْعُدُولِ عَنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ أَوْلَى. اهـ أَيْ لِمُوَافَقَتِهِ الْمَنْقُولَ فِي الْمَذْهَبِ وَإِلَى اخْتِيَارِهِ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ دُبِغَ طَهُرَ، قَالَ ط: وَإِنَّمَا قُدِّرَ جِلْدٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ لَا فِي كُلِّ الْمَاهِيَّةِ (قَوْلُهُ فَلَا يَطْهُرُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، بِمَعْنَى أَنَّ ذَاتَهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ نَجِسَةٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَلَيْسَتْ نَجَاسَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّمِ كَنَجَاسَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ، فَلِذَا لَمْ يَقْبَلْ التَّطْهِيرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ذَكَرَهَا فِي الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَقُدِّمَ إلَخْ) لَمَّا كَانَتْ الْبُدَاءَةُ بِالشَّيْءِ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِ تُفِيدُ الِاهْتِمَامَ بِشَأْنِهِ وَشَرَفِهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ، بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَقَامِ الْإِهَانَةِ، أَمَّا فِيهِ فَالْأَشْرَفُ يُؤَخَّرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠] الْآيَةَ؛ لِأَنَّ الْهَدْمَ إهَانَةٌ فَقُدِّمَتْ صَوَامِعُ الصَّابِئَةِ أَوْ الرُّهْبَانِ وَبِيَعُ النَّصَارَى وَصَلَوَاتُ الْيَهُودِ أَيْ كَنَائِسُهُمْ، وَأُخِّرَتْ مَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ لِشَرَفِهَا. وَهُنَا الْحُكْمُ بِعَدَمِ الطَّهَارَةِ إهَانَةٌ كَذَا قِيلَ. أَقُولُ: وَإِنَّمَا تَظْهَرُ هَذِهِ النُّكْتَةُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الطَّهَارَةِ لَا مِنْ جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ الثَّابِتِ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّ عَدَمَهُ الثَّابِتَ لِلْمُسْتَثْنَى لَيْسَ بِإِهَانَةٍ (قَوْلُهُ وَإِنْ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ) أَيْ اسْتِعْمَالُ جِلْدِهِ أَوْ اسْتِعْمَالُ الْآدَمِيِّ بِمَعْنَى أَجْزَائِهِ وَبِهِ يَظْهَرُ التَّفْرِيعُ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ احْتِرَامًا) أَيْ لَا نَجَاسَةً (قَوْلُهُ وَأَفَادَ كَلَامُهُ) حَيْثُ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ مُطْلَقِ الْإِهَابِ سِوَى الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) أَمَّا فِي الْكَلْبِ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَهُوَ أَصَحُّ التَّصْحِيحَيْنِ كَمَا يَأْتِي.: وَأَمَّا فِي الْفِيلِ فَكَذَلِكَ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ " أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَمْتَشِطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ " وَفَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ بِعَظْمِ الْفِيلِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَخَطِئَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ لَهُ بِالذَّبْلِ. اهـ. وَالذَّبْلُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: جِلْدُ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ أَوْ الْبَرِّيَّةِ أَوْ عِظَامُ ظَهْرِ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ قَامُوسٌ. وَفِي الْفَتْحِ: هَذَا الْحَدِيثُ يُبْطِلُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الْفِيلِ. (قَوْلُهُ بِدِبَاغٍ) بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِإِعَادَةِ الْجَارِ فَلَا يَطْهُرُ بِذَكَاةٍ مَا لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ كَمَا مَرَّ، فَلَوْ صَلَّى وَمَعَهُ جِلْدُ حَيَّةٍ مَذْبُوحَةٍ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْوَلْوَالِجِيَّة. وَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الْحَيَّةَ وَالْفَأْرَةَ وَكُلَّ مَا لَا يَكُونُ سُؤْرُهُ نَجِسًا لَوْ صَلَّى بِلَحْمِهِ مَذْبُوحًا تَجُوزُ مُشْكِلٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ.

стр. 200

(طَهُرَ بِذَكَاةٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ (لَا) يَطْهُرُ (لَحْمُهُ عَلَى) قَوْلِ (الْأَكْثَرِ إنْ) كَانَ (غَيْرَ مَأْكُولٍ) هَذَا أَصَحُّ مَا يُفْتَى بِهِ وَإِنْ قَالَ فِي الْفَيْضِ الْفَتْوَى عَلَى طَهَارَتِهِ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ) لِطَهَارَةِ جِلْدِهِ (كَوْنُ ذَكَاتِهِ شَرْعِيَّةً) بِأَنْ تَكُونَ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ بِالتَّسْمِيَةِ (قِيلَ نَعَمْ، وَقِيلَ لَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ) ؛ لِأَنَّ ذَبْحَ الْمَجُوسِيِّ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كَلَا ذَبْحٍ (وَإِنْ صُحِّحَ الثَّانِيَ) صَحَّحَهُ الزَّاهِدِيُّ فِي الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى، وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ. [فَرْعٌ] مَا يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ كَسِنْجَابٍ إنْ عَلِمَ دَبْغَهُ بِطَاهِرٍ فَطَاهِرٌ، أَوْ بِنَجِسٍ فَنَجِسٌ، وَإِنْ شَكَّ فَغَسْلُهُ أَفْضَلُ. ــ [رد المحتار] قُلْت: وَعَلَيْهِ فَلَوْ صَلَّى وَمَعَهُ تِرْيَاقٌ فِيهِ لَحْمُ حَيَّةٍ مَذْبُوحَةٍ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ لَوْ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، وَصَرَّحَ فِي الْوَهْبَانِيَّةِ بِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَنَبَّهْ. وَخَرَجَ الْخِنْزِيرُ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ كَمَا مَرَّ، فَلَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْآدَمِيَّ كَذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ جِلْدِهِ بِالدِّبَاغِ، فَلَوْ ذُبِحَ وَلَمْ تَثْبُتْ لَهُ الشَّهَادَةُ ثُمَّ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ قَبْلَ تَغْسِيلِهِ أَفْسَدَهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ، نَعَمْ رَأَيْت فِي صَيْدِ غُرَرِ الْأَفْكَارِ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِي الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ كَمَا لَا تَعْمَلُ الدِّبَاغَةُ فِي جِلْدِهِمَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) أَيْ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ بَحْرٌ لِحَدِيثِ «لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَالْإِهَابُ مَا لَمْ يُدْبَغْ. فَيَدُلُّ تَوَقُّفُ الِانْتِفَاعِ قَبْلَ الدَّبْغِ عَلَى عَدَمِ كَوْنِهَا مَيْتَةً: أَيْ وَالذَّكَاةُ لَيْسَتْ إمَاتَةً أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَقِيلَ: إنَّمَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالذَّكَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ سُؤْرُهُ نَجِسًا (قَوْلُهُ لَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ) أَيْ لَحْمُ الْحَيَوَانِ ذِي الْإِهَابِ، فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى " مَا " عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَوْ بِدُونِهِ وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُنَاسَبَةٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ هَذَا أَصَحُّ مَا يُفْتَى بِهِ) أَفَادَ أَنَّ مُقَابِلَهُ مُصَحَّحٌ أَيْضًا، فَقَدْ صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالتُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الذَّبَائِحِ كَالْكَنْزِ وَالدُّرَرِ، وَالْأَوَّلُ مُخْتَارُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عِبَارَةُ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ فِي شَرْحِهِ الْمُسَمَّى بِالْبُرْهَانِ بَعْدَ كَلَامٍ: فَجَازَ أَنْ تُعْتَبَرَ الذَّكَاةُ مُطَهِّرَةً لِجِلْدِهِ لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ وَعَلَيْهِ، وَلِدَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ بِلُبْسِهِ دُونَ لَحْمِهِ لِعَدَمِ حِلِّ أَكْلِهِ الْمَقْصُودِ مِنْ طَهَارَتِهِ، وَتَمَامُهُ فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ ذَكَاةَ الْحَيَوَانِ مُطَهِّرَةٌ لِجِلْدِهِ وَلَحْمِهِ إنْ كَانَ الْحَيَوَانُ مَأْكُولًا، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ فَلَا تُطَهِّرُ شَيْئًا مِنْهُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ جِلْدُهُ لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ جِلْدَهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْمِ، وَإِلَّا فَيَطْهُرُ جِلْدُهُ فَقَطْ، وَالْآدَمِيُّ كَالْخِنْزِيرِ فِيمَا ذُكِرَ تَعْظِيمًا لَهُ (قَوْلُهُ مِنْ الْأَهْلِ) هُوَ أَنْ يَكُونَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا حَلَالًا خَارِجَ الْحَرَمِ أَوْ كِتَابِيًّا (قَوْلُهُ فِي الْمَحَلِّ) أَيْ فِيمَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ، وَهَذِهِ الذَّكَاةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهَا الضَّرُورِيَّةُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ اتَّفَقَ حِلْيَةٌ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ الْقُنْيَةِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ بِالتَّسْمِيَةِ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ) وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ ذَبْحَ الْمَجُوسِيِّ) أَيْ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا كَالْوَثَنِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَالْمُحْرِمِ (قَوْلُهُ كَلَا ذَبْحٍ) لِحُكْمِ الشَّرْعِ بِأَنَّهُ مَيْتَةٌ فِيمَا يُؤْكَلُ (قَوْلُهُ وَإِنْ صُحِّحَ الثَّانِيَ) يُوهِمُ أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُصَحَّحْ مَعَ أَنَّهُ فِي الْقُنْيَةِ نَقَلَ تَصْحِيحَ الْقَوْلَيْنِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ) حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّهُ فِي الْمِعْرَاجِ نَقَلَ عَنْ الْمُجْتَبَى وَالْقُنْيَةِ تَصْحِيحَ الثَّانِي، ثُمَّ قَالَ وَصَاحِبُ الْقُنْيَةِ هُوَ صَاحِبُ الْمُجْتَبَى، وَهُوَ الْإِمَامُ الزَّاهِدِيُّ الْمَشْهُورُ عِلْمُهُ وَفِقْهُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ: أَيْ كَوْنَ الذَّكَاةِ شَرْعِيَّةً بِصِيغَةِ قِيلَ مَعْزِيًّا إلَى الْخَانِيَّةِ. اهـ. [فَرْعٌ مَا يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ كَسِنْجَابٍ إنْ عَلِمَ دَبْغَهُ بِطَاهِرٍ] (قَوْلُهُ كَسِنْجَابٍ) بِالْكَسْرِ: أَيْ جِلْدِهِ (قَوْلُهُ فَنَجِسٌ) أَيْ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ مَا لَمْ يُغْسَلْ مُنْيَةٌ (قَوْلُهُ فَغَسْلُهُ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِمَا هُوَ الْوَثِيقَةُ فِي مَوْضِعِ الشَّكِّ أَفْضَلُ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى الْحَرَجِ، وَمِنْ هُنَا قَالُوا لَا بَأْسَ بِلُبْسِ ثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا، إلَّا الْإِزَارَ وَالسَّرَاوِيلَ فَإِنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا

стр. 201

(وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ) غَيْرُ الْخِنْزِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَعَظْمُهَا وَعَصَبُهَا) عَلَى الْمَشْهُورِ (وَحَافِرُهَا وَقَرْنُهَا) الْخَالِيَةُ عَنْ الدُّسُومَةِ وَكَذَا كُلُّ مَا لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ حَتَّى الْإِنْفَحَةُ وَاللَّبَنُ عَلَى الرَّاجِحِ ــ [رد المحتار] لِقُرْبِهَا مِنْ مَوْضِعِ الْحَدَثِ وَتَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَلِلتَّوَارُثِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ بِثِيَابِ الْغَنَائِمِ قَبْلَ الْغَسْلِ، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ. وَنَقَلَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ الْجُلُودَ الَّتِي تُدْبَغُ فِي بَلَدِنَا وَلَا يُغْسَلُ مَذْبَحُهَا، وَلَا تُتَوَقَّى النَّجَاسَاتُ فِي دَبْغِهَا وَيُلْقُونَهَا عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَلَا يَغْسِلُونَهَا بَعْدَ تَمَامِ الدَّبْغِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْخِفَافِ وَالْمَكَاعِبِ وَغِلَافِ الْكُتُبِ وَالْمُشْطِ وَالْقِرَابِ وَالدِّلَاءِ رَطْبًا وَيَابِسًا. اهـ. أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عِنْدَ الشَّكِّ وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِنَجَاسَتِهَا. (قَوْلُهُ وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ إلَخْ) مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي طَاهِرٌ لِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ قَوْلِهِ ﵊ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ «إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» وَفِي رِوَايَةٍ «لَحْمُهَا» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا اللَّحْمَ لَا يَحْرُمُ فَدَخَلَتْ الْأَجْزَاءُ الْمَذْكُورَةُ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ أُخَرُ صَرِيحَةٌ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِيهَا قَبْلَ الْمَوْتِ الطَّهَارَةُ فَكَذَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحِلُّهَا. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ﴾ [يس: ٧٨] الْآيَةَ، فَجَوَابُهُ مَعَ تَعْرِيفِ الْمَوْتِ بِأَنَّهُ وُجُودِيٌّ أَوْ عَدَمِيٌّ. أَطَالَ فِيهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَرَاجِعْهُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَحْثِ الْمِيَاهِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِيهَا لَا يُنَجِّسُهَا. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: الْمَيْتَةُ مَا زَالَتْ رُوحُهُ بِلَا تَذْكِيَةٍ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) أَيْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ شَعْرَهُ نَجِسٌ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَرَجَّحَهُ فِي الِاخْتِيَارِ. فَلَوْ صَلَّى وَمَعَهُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا تَجُوزُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُنَجِّسُهُ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ. وَذَكَرَ فِي الدُّرَرِ أَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ طَاهِرٌ لِضَرُورَةِ اسْتِعْمَالِهِ أَيْ لِلْخَرَّازِينَ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ: وَفِي زَمَانِنَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُ أَيْ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِزَوَالِ الضَّرُورَةِ الْبَاعِثَةِ لِلْحُكْمِ بِالطَّهَارَةِ نُوحٌ أَفَنْدِي (قَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ) أَيْ مِنْ طَهَارَةِ الْعَصَبِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوِقَايَةِ وَالدُّرَرِ وَغَيْرِهِمَا، بَلْ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ وَتَبِعَهُ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ ذَكَرَ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ عَظْمٌ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَيَاةً، وَالْحِسُّ يَقَعُ بِهِ وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الثَّانِيَةَ. (قَوْلُهُ الْخَالِيَةُ عَنْ الدُّسُومَةِ) قَيْدٌ لِلْجَمِيعِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، فَخَرَجَ الشَّعْرُ الْمَنْتُوفُ وَمَا بَعْدَهُ إذَا كَانَ فِيهِ دُسُومَةٌ (قَوْلُهُ وَكَذَا كُلُّ مَا لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ) وَهُوَ مَا لَا يَتَأَلَّمُ الْحَيَوَانُ بِقَطْعِهِ كَالرِّيشِ وَالْمِنْقَارِ وَالظِّلْفِ (قَوْلُهُ حَتَّى الْإِنْفَحَةُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُشَدَّدُ الْحَاءُ وَقَدْ تُكْسَرُ الْفَاءُ. وَالْمِنْفَحَةُ وَالْبِنْفَحَةُ: شَيْءٌ وَاحِدٌ يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ الْجَدْيِ الرَّاضِعِ أَصْفَرُ فَيُعْصَرُ فِي صُوفَةٍ فَيَغْلُظُ كَالْجُبْنِ، فَإِذَا أَكَلَ الْجَدْيُ فَهُوَ كِرْشٌ، وَتَفْسِيرُ الْجَوْهَرِيِّ الْإِنْفَحَةَ بِالْكِرْشِ سَهْوٌ قَامُوسٌ بِالْحَرْفِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ) أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِتَرْجِيحِهِ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَقْدِيمِ صَاحِبِ الْمُلْتَقَى لَهُ وَتَأْخِيرِهِ قَوْلِهِمَا كَمَا هُوَ عَادَتُهُ فِيمَا يُرَجِّحُهُ. وَعِبَارَتُهُ مَعَ الشَّرْحِ: وَإِنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ وَلَوْ مَائِعَةً وَلَبَنُهَا طَاهِرٌ كَالْمُذَكَّاةِ خِلَافًا لَهُمَا لِتَنَجُّسِهِمَا بِنَجَاسَةِ الْمَحَلِّ. قُلْنَا نَجَاسَتُهُ لَا تُؤَثِّرُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ إذْ اللَّبَنُ الْخَارِجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ طَاهِرٌ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ. اهـ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِ الْمُلْتَقَى وَلَبَنُهَا عَائِدٌ عَلَى الْمَيْتَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ اللَّبَنُ الَّذِي فِي ضَرْعِهَا، وَلَيْسَ عَائِدًا عَلَى الْإِنْفَحَةِ كَمَا فَهِمَ الْمُحَشِّي حَيْثُ فَسَّرَهَا بِالْجِلْدَةِ، وَعَزَا إلَى الْمُلْتَقَى طَهَارَتَهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَلَوْ مَائِعَةً صَرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْفَحَةِ اللَّبَنُ الَّذِي فِي الْجِلْدَةِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ عَنْ الْقَامُوسِ، وَقَوْلُهُ لِتَنَجُّسِهَا إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ جِلْدَتَهَا نَجِسَةٌ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْحِلْيَةِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ التَّعْلِيلِ الْمَارِّ: وَقَدْ عُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ نَفْسَ الْوِعَاءِ نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ. وَلِدَفْعِ هَذَا الْوَهْمِ غَيَّرَ الْعِبَارَةَ فِي مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: وَكَذَا لَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا وَنَجَسَاهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ إلَّا أَنْ تَكُونَ

стр. 202

(وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ) غَيْرُ الْمَنْتُوفِ (وَعَظْمُهُ) وَسِنُّهُ مُطْلَقًا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَاخْتُلِفَ فِي أُذُنِهِ، فَفِي الْبَدَائِعِ نَجِسَةٌ، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا، وَفِي الْأَشْبَاهِ: الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْحَيِّ كَمَيْتَتِهِ إلَّا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ فَطَاهِرٌ وَإِنْ كَثُرَ. وَيَفْسُدُ الْمَاءُ بِوُقُوعِ قَدْرِ الظُّفْرِ مِنْ جِلْدِهِ لَا بِالظُّفْرِ (وَدَمُ سَمَكٍ طَاهِرٌ) ــ [رد المحتار] جَامِدَةً فَتَطْهُرُ بِالْغَسْلِ. اهـ. وَأَفَادَ تَرْجِيحَ قَوْلِهِمَا وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي اللَّبَنِ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْمُلْتَقَى وَالشَّرْحِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا أُبِينَ مِنْهُ حَيًّا وَإِلَّا فَطَهَارَةُ مَا عَلَى الْإِنْسَانِ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ الْبَيَانِ وَطَهَارَةُ الْمَيِّتِ مُدْرَجَةٌ فِي بَيَانِ الْمَيْتَةِ كَذَا نَقَلَ عَنْ حَوَاشِي عِصَامٍ، وَالْأَوْلَى إسْقَاطُ حَيًّا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَجَاسَةِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَظُفْرِهِ وَعَظْمِهِ رِوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ الطَّهَارَةُ سِرَاجٌ (قَوْلُهُ غَيْرُ الْمَنْتُوفِ) أَمَّا الْمَنْتُوفُ فَنَجِسٌ بَحْرٌ، وَالْمُرَادُ رُءُوسُهُ الَّتِي فِيهَا الدُّسُومَةُ. أَقُولُ: وَعَلَيْهِ فَمَا يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِ الْمُشْطِ يُنَجِّسُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ إذَا بُلَّ فِيهِ وَقْتَ التَّسْرِيحِ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ كَمَا قَالَ ط أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْجِلْدِ مَعَ الشَّعْرِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ مِقْدَارَ الظُّفْرِ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ سِنُّهُ أَوْ سِنُّ غَيْرِهِ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ قَدْرَ الدِّرْهَمِ أَوْ أَكْثَرَ حَمَلَهُ مَعَهُ أَوْ أَثْبَتَهُ مَكَانَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا أَنَّ سِنَّ الْآدَمِيِّ طَاهِرَةٌ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا، وَالْمُنَجِّسُ هُوَ الدَّمُ بَدَائِعُ وَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهَا نَجِسَةٌ ضَعِيفٌ. اهـ (قَوْلُهُ فَفِي الْبَدَائِعِ نَجِسَةٌ) فَإِنَّهُ قَالَ: مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ إنْ كَانَ جُزْءًا فِيهِ دَمٌ كَالْيَدِ وَالْأُذُنِ وَالْأَنْفِ وَنَحْوِهَا فَهُوَ نَجِسٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا كَالشَّعْرِ وَالظُّفْرِ فَطَاهِرٌ عِنْدَنَا. اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا) حَيْثُ قَالَ: صَلَّى وَأُذُنُهُ فِي كُمِّهِ أَوْ أَعَادَهَا إلَى مَكَانِهَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. اهـ مُلَخَّصًا. وَعَلَّلَهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ مَا لَيْسَ بِلَحْمٍ لَا يُحِلُّهُ الْمَوْتُ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ أَيْ وَالْقَطْعُ فِي حُكْمِ الْمَوْتِ. وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْبَحْرِ بِمَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ. وَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ: لَا شَكَّ أَنَّهَا مِمَّا تُحِلُّهَا الْحَيَاةُ وَلَا تَعْرَى عَنْ اللَّحْمِ، فَلِذَا أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ بِالنَّجَاسَةِ وَأَقَرَّهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ قُلْت: وَالْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ أَنَّ إعَادَةَ الْأُذُنِ وَثَبَاتَهَا إنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا بِعَوْدِ الْحَيَاةِ إلَيْهَا فَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهَا مِمَّا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ؛ لِأَنَّهَا بِعَوْدِ الْحَيَاةِ إلَيْهَا صَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَبِنْ، وَلَوْ فَرَضْنَا شَخْصًا مَاتَ ثُمَّ أُعِيدَتْ حَيَاتُهُ مُعْجِزَةً أَوْ كَرَامَةً لَعَادَ طَاهِرًا. اهـ. أَقُولُ: إنْ عَادَتْ الْحَيَاةُ إلَيْهَا فَهُوَ مُسْلِمٌ، لَكِنْ يَبْقَى الْإِشْكَالُ لَوْ صَلَّى وَهِيَ فِي كُمِّهِ مَثَلًا. وَالْأَحْسَنُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ وَفِي الْأَشْبَاهِ إلَخْ وَبِهِ صَرَّحَ فِي السِّرَاجِ فَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ جَوَازِ صَلَاتِهِ وَلَوْ الْأُذُنُ فِي كُمِّهِ لِطَهَارَتِهَا فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهَا أُذُنُهُ فَلَا يُنَافِي مَا فِي الْبَدَائِعِ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِمَا فِي الْأَشْبَاهِ (قَوْلُهُ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْحَيِّ) أَيْ مِمَّا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ كَمَا مَرَّ، وَالْمُرَادُ الْحَيُّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا احْتِرَازًا عَنْ الْحَيِّ بَعْدَ الذَّبْحِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ آخِرَ كِتَابِ الذَّبَائِحِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْحِلْيَةِ عَنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهَا وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ «مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ» اهـ. (قَوْلُهُ وَيَفْسُدُ الْمَاءُ) أَيْ الْقَلِيلُ (قَوْلُهُ مِنْ جِلْدِهِ) أَيْ أَوْ لَحْمِهِ مُخْتَارَاتُ النَّوَازِلِ. زَادَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا: أَوْ قِشْرِهِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا مِثْلُ مَا يَتَنَاثَرُ مِنْ شُقُوقِ الرِّجْلِ وَنَحْوُهُ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ (قَوْلُهُ لَا بِالظُّفْرِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ عَصَبٌ بَحْرٌ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ دُسُومَةٌ فَحُكْمُهَا كَالْجِلْدِ وَاللَّحْمِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَدَمُ سَمَكٍ طَاهِرٌ)

стр. 203

وَاعْلَمْ أَنَّهُ (لَيْسَ الْكَلْبُ بِنَجِسِ الْعَيْنِ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَإِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ النَّجَاسَةَ كَمَا بَسَطَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ، فَيُبَاعُ وَيُؤَجَّرُ وَيُضْمَنُ، وَيُتَّخَذُ جِلْدُهُ مُصَلًّى وَدَلْوًا، وَلَوْ أُخْرِجَ حَيًّا وَلَمْ يُصِبْ فَمُهُ الْمَاءَ لَا يَفْسُدُ مَاءُ الْبِئْرِ وَلَا الثَّوْبُ بِانْتِفَاضِهِ وَلَا بِعَضِّهِ مَا لَمْ يُرَ رِيقُهُ وَلَا صَلَاةُ حَامِلِهِ وَلَوْ كَبِيرًا، وَشَرَطَ الْحَلْوَانِيُّ شَدَّ فَمِهِ. وَلَا خِلَافَ فِي نَجَاسَةِ لَحْمِهِ وَطَهَارَةِ شَعْرِهِ. ــ [رد المحتار] أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْكَنْزِ إنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَبْيَضُّ فِي الشَّمْسِ وَالدَّمُ يَسْوَدُّ بِهَا زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ لَيْسَ الْكَلْبُ بِنَجِسِ الْعَيْنِ) بَلْ نَجَاسَتُهُ بِنَجَاسَةِ لَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَلَا يَظْهَرُ حُكْمُهَا وَهُوَ حَيٌّ مَا دَامَتْ فِي مَعْدِنِهَا كَنَجَاسَةِ بَاطِنِ الْمُصَلِّي فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْأَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ بَدَائِعُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُتُونِ بَحْرٌ. وَمُقْتَضَى عُمُومِ الْأَدِلَّةِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ فَيُبَاعُ إلَخْ) هَذِهِ الْفُرُوعُ بَعْضُهَا ذُكِرَتْ أَحْكَامُهَا فِي الْكُتُبِ هَكَذَا وَبَعْضُهَا بِالْعَكْسِ، وَالتَّوْفِيقُ بِالتَّخْرِيجِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْبَحْرِ، وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ تَقْيِيدِ الْبَيْعِ بِالْمُعَلَّمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ السِّنَّوْرِ وَسِبَاعِ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ لَا. تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَيُؤْجَرُ) الظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُعَلَّمِ وَلَوْ لِحِرَاثَةٍ لِوُقُوعِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَلِذَا عَقَّبَهُ فِي عُمْدَةِ الْمُفْتِي بِقَوْلِهِ: وَالسِّنَّوْرُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَلَّمُ (قَوْلُهُ وَيُضْمَنُ) أَيْ لَوْ أَتْلَفَهُ إنْسَانٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِصَاحِبِهِ (قَوْلُهُ وَلَا الثَّوْبُ بِانْتِفَاضِهِ) وَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَغَيْرِهَا إذَا خَرَجَ الْكَلْبُ مِنْ الْمَاءِ وَانْتَفَضَ فَأَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ أَفْسَدَهُ لَا لَوْ أَصَابَهُ مَاءُ الْمَطَرِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَلَّ فِي الْأَوَّلِ جِلْدُهُ وَهُوَ نَجِسٌ وَفِي الثَّانِي شَعْرُهُ وَهُوَ طَاهِرٌ. اهـ فَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَيَأْتِي تَمَامُهُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ وَلَا بِعَضِّهِ) أَيْ عَضَّ الْكَلْبِ الثَّوْبَ (قَوْلُهُ مَا لَمْ يُرَ رِيقُهُ) فَالْمُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ الْبِلَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ نَهْرٌ عَنْ الصَّيْرَفِيَّةِ، وَعَلَامَتُهَا ابْتِلَالُ يَدِهِ بِأَخْذِهِ، وَقِيلَ لَوْ عَضَّ فِي الرِّضَا نَجَّسَهُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِشَفَتِهِ الرَّطْبَةِ لَا فِي الْغَضَبِ لِأَخْذِهِ بِأَسْنَانِهِ (قَوْلُهُ وَلَا صَلَاةُ حَامِلِهِ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: قَالَ مَشَايِخُنَا: مَنْ صَلَّى وَفِي كُمِّهِ جَرْوٌ تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَقَيَّدَهُ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ بِكَوْنِهِ مَشْدُودَ الْفَمِ. اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ: صَلَّى وَمَعَهُ جَرْوُ كَلْبٍ أَوْ مَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِسُؤْرِهِ قِيلَ لَمْ يَجُزْ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَمُهُ مَفْتُوحًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ لُعَابَهُ يَسِيلُ فِي كُمِّهِ فَيُنَجِّسُ لَوْ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَوْ مَشْدُودًا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ لُعَابُهُ إلَى ثَوْبِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كُلِّ حَيَوَانٍ طَاهِرٌ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالْمَوْتِ، وَنَجَاسَةُ بَاطِنِهِ فِي مَعِدَتِهِ فَلَا يَظْهَرُ حُكْمُهَا كَنَجَاسَةِ بَاطِنِ الْمُصَلِّي. اهـ. وَالْأَشْبَهُ إطْلَاقُ الْجَوَازِ عِنْدَ أَمْنِ سَيَلَانِ الْقَدْرِ الْمَانِعِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْبَدَائِعِ حِلْيَةٌ. وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ كَبِيرًا إلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْجَرْوِ لِصِحَّةِ التَّصْوِيرِ بِكَوْنِهِ فِي كُمِّهِ كَمَا فِي النَّهْرِ وَشَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ، لَا لِمَا ظَنَّهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الْكَبِيرَ مَأْوَاهُ النَّجَاسَاتُ فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ حَامِلِهِ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّ الصَّغِيرَ كَذَلِكَ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْحَمْلِ فِي الْكُمِّ مَثَلًا لِإِخْرَاجِ مَا لَوْ جَلَسَ الْكَلْبُ عَلَى الْمُصَلِّي فَإِنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِرَبْطِ فَمِهِ، لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ عَلَى حِجْرِهِ صَبِيٌّ ثَوْبُهُ نَجِسٌ وَهُوَ يَسْتَمْسِكُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَقَفَ عَلَى رَأْسِهِ حَمَامٌ نَجِسٌ جَازَتْ صَلَاتُهُ. اهـ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَشَرَطَ الْحَلْوَانِيُّ) صَوَابُهُ الْهِنْدُوَانِيُّ كَمَا مَرَّ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَغَيْرِهِمَا. (قَوْلُهُ وَلَا خِلَافَ فِي نَجَاسَةِ لَحْمِهِ) وَلِذَا اتَّفَقُوا عَلَى نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ لَحْمِهِ؛ فَمَعْنَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ طَهَارَةُ ذَاتِهِ مَادَامَ حَيًّا، وَطَهَارَةُ جِلْدِهِ بِالدِّبَاغِ وَالذَّكَاةِ، وَطَهَارَةُ مَا لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ مِنْ أَجْزَائِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ السِّبَاعِ (قَوْلُهُ وَطَهَارَةِ شَعْرِهِ) أَخَذَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ آنِفًا عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ،

стр. 204

(وَالْمِسْكُ طَاهِرٌ حَلَالٌ) فَيُؤْكَلُ بِكُلِّ حَالٍ (وَكَذَا نَافِجَتُهُ) طَاهِرَةٌ (مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ) فَتْحٌ، وَكَذَا الزَّبَادُ أَشْبَاهٌ لِاسْتِحَالَتِهِ إلَى الطِّيبِيَّةِ. ــ [رد المحتار] وَقَدْ صَرَّحَ فِيهَا بِطَهَارَةِ شَعْرِهِ. وَمِمَّا فِي السِّرَاجِ أَنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ نَجِسٌ وَشَعْرَهُ طَاهِرٌ هُوَ الْمُخْتَارُ. اهـ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ جِلْدِهِ. مَبْنِيَّةٌ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ، فَقَدْ اتَّفَقَ الْقَوْلُ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِهَا عَلَى طَهَارَةِ شَعْرِهِ. وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ السِّرَاجِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ اخْتَلَفُوا فِي طَهَارَةِ شَعْرِهِ وَالْمُخْتَارُ الطَّهَارَةُ وَعَلَيْهِ يُبْتَنَى ذِكْرُ الِاتِّفَاقِ، لَكِنَّ هَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ عَيْنِهِ تَقْتَضِي نَجَاسَةَ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَلَعَلَّ مَا فِي السِّرَاجِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ مَيِّتًا لَكِنْ يُنَافِيهِ مَا مَرَّ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ، نَعَمْ قَالَ فِي الْمِنَحِ: وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَطْلَقَ وَلَمْ يُفَصِّلْ: أَيْ أَنَّهُ لَوْ انْتَفَضَ مِنْ الْمَاءِ فَأَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ أَفْسَدَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْبَلَلُ وَصَلَ إلَى جِلْدِهِ أَوْ لَا، وَهَذَا يَقْتَضِي نَجَاسَةَ شَعْرِهِ فَتَأَمَّلْ. . مَطْلَبٌ فِي الْمِسْكِ وَالزَّبَادِ وَالْعَنْبَرِ (قَوْلُهُ طَاهِرٌ حَلَالٌ) ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَمًا فَقَدْ تَغَيَّرَ فَيَصِيرُ طَاهِرًا كَرَمَادِ الْعَذِرَةِ خَانِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ بِالتَّغَيُّرِ الِاسْتِحَالَةُ إلَى الطَّيِّبَةِ وَهِيَ مِنْ الْمُطَهَّرَاتِ عِنْدَنَا، وَزَادَ قَوْلَهُ حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّهَارَةِ الْحِلُّ كَمَا فِي التُّرَابِ مِنَحٌ: أَيْ فَإِنَّ التُّرَابَ طَاهِرٌ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ الْمِسْكَ أَطْيَبُ الطِّيبِ» كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَجَوَازِ بَيْعِهِ (قَوْلُهُ فَيُؤْكَلُ بِكُلِّ حَالٍ) أَيْ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأَدْوِيَةِ لِضَرُورَةٍ أَوْ لَا. وَفِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ مُقَوٍّ لِلْقَلْبِ، مُشَجِّعٌ لِلسَّوْدَاوَيْنِ، نَافِعٌ لِلْخَفَقَانِ وَالرِّيَاحِ الْغَلِيظَةِ فِي الْأَمْعَاءِ وَالسُّمُومِ وَالسُّدَدِ بَاهِيٌّ (قَوْلُهُ وَكَذَا نَافِجَتُهُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ: وَهِيَ جِلْدَةٌ يُجْمَعُ فِيهَا الْمِسْكُ مُعَرَّبُ نَافَهْ. . اهـ شَيْخُ إسْمَاعِيلَ عَنْ بَعْضِ الشُّرُوحِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمِنَحِ فَاؤُهَا مَفْتُوحَةٌ فِي أَكْثَرِ كُتُبِ اللُّغَةِ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ رَطْبِهَا وَيَابِسِهَا، وَبَيْنَ مَا انْفَصَلَ مِنْ الْمَذْبُوحَةِ وَغَيْرِهَا، وَبَيْنَ كَوْنِهَا بِحَالٍ لَوْ أَصَابَهَا الْمَاءُ فَسَدَتْ أَوْ لَا. اهـ إسْمَاعِيلُ عَنْ مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الدُّرَرِ مِنْ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَطْبَةً مِنْ غَيْرِ الْمَذْبُوحَةِ لَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ عَلَى خِلَافِ الْأَصَحِّ. (قَوْلُهُ فَتْحٌ) وَكَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَكَذَا الزَّبَادُ أَشْبَاهٌ) أَيْ فِي قَاعِدَةِ: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ، وَكَذَا الْعَنْبَرُ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى، وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ وَالْحِلْيَةِ طَهَارَةَ الزَّبَادِ بَحْثًا وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ نَقْلًا، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ لِلْعَلَّامَةِ الْبِيرِيِّ قَالَ فِي خِزَانَةِ الرِّوَايَاتِ نَاقِلًا عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: الزَّبَادُ طَاهِرٌ. وَلَا يُقَالُ إنَّهُ عَرَقُ الْهِرَّةِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَرَقًا إلَّا أَنَّهُ تَغَيَّرَ وَصَارَ طَاهِرًا بِلَا كَرَاهَةٍ. وَفِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ: سَمِعْت جَمَاعَةً مِنْ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَذَا يَقُولُونَ: إنَّهُ عَرَقُ سِنَّوْرٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ طَاهِرًا. وَفِي الْمِنْهَاجِيَّةِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمَسَائِلِ: الْمِسْكُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَمًا لَكِنَّهُ تَغَيَّرَ، وَكَذَا الزَّبَادُ طَاهِرٌ، وَكَذَا الْعَنْبَرُ. وَفِي أَلْغَازِ ابْنِ الشِّحْنَةِ، قِيلَ: إنَّ الْمِسْكَ وَالْعَنْبَرَ لَيْسَا بِطَاهِرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمِسْكَ مِنْ دَابَّةٍ حَيَّةٍ، وَالْعَنْبَرَ خُرْءُ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ. وَأَمَّا الْعَنْبَرُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَيْنٌ فِي الْبَحْرِ بِمَنْزِلَةِ الْقِيرِ وَكِلَاهُمَا طَاهِرٌ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ. اهـ مُلَخَّصًا. وَفِي تُحْفَةِ ابْنِ حَجَرٍ: وَلَيْسَ الْعَنْبَرُ رَوْثًا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ، بَلْ هُوَ نَبَاتٌ فِي الْبَحْرِ. اهـ وَلِلْعَلَّامَةِ الْبِيرِيِّ رِسَالَةٌ سَمَّاهَا [السُّؤَالُ وَالْمُرَادُ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالزَّبَادِ] .

стр. 205

(وَبَوْلُ مَأْكُولِ) اللَّحْمِ (نَجِسٌ) نَجَاسَةً مُخَفَّفَةً، وَطَهَّرَهُ مُحَمَّدٌ (وَلَا يُشْرَبُ) بَوْلُهُ (أَصْلًا) لَا لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. . فُرُوعٌ] اُخْتُلِفَ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ كَمَا فِي رَضَاعٍ الْبَحْرُ، لَكِنْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ ثَمَّةَ وَهُنَا عَنْ الْحَاوِي: وَقِيلَ يُرَخَّصُ إذَا عُلِمَ فِيهِ الشِّفَاءُ وَلَمْ يُعْلَمْ دَوَاءٌ آخَرُ كَمَا رُخِّصَ الْخَمْرُ لِلْعَطْشَانِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ــ [رد المحتار] (قَوْلُهُ وَطَهَّرَهُ مُحَمَّدٌ) أَيْ لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ رَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ لِسَقَمٍ أَصَابَهُمْ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَفْسُدُ الْمَاءُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ فَيُخْرِجُهُ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ، وَالْمُتُونُ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَلِذَا قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا (قَوْلُهُ لَا لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ) بَيَانٌ لِلتَّعْمِيمِ فِي قَوْلِهِ أَصْلًا (قَوْلُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ وَإِنْ وَافَقَهُ عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ لِحَدِيثِ «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ» إلَّا أَنَّهُ أَجَازَ شُرْبَهُ لِلتَّدَاوِي لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ مُطْلَقًا. وَأَجَابَ الْإِمَامُ عَنْ حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ بِأَنَّهُ ﵊ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ بِهِ وَحْيًا وَلَمْ يَتَيَقَّنْ شِفَاءَ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ الْأَطِبَّاءُ وَقَوْلُهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، حَتَّى لَوْ تَعَيَّنَ الْحَرَامُ مِدْفَعًا لِلْهَلَاكِ يَحِلُّ كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ. [فُرُوعٌ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ] مَطْلَبٌ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ (قَوْلُهُ اُخْتُلِفَ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ) فَفِي النِّهَايَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ يَجُوزُ إنْ عَلِمَ فِيهِ شِفَاءً وَلَمْ يَعْلَمْ دَوَاءً آخَرَ. وَفِي الْخَانِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّ مَا فِيهِ شِفَاءٌ لَا بَأْسَ بِهِ كَمَا يَحِلُّ الْخَمْرُ لِلْعَطْشَانِ فِي الضَّرُورَةِ، وَكَذَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ فَقَالَ: لَوْ رَعَفَ فَكَتَبَ الْفَاتِحَةَ بِالدَّمِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ جَازَ لِلِاسْتِشْفَاءِ، وَبِالْبَوْلِ أَيْضًا إنْ عَلِمَ فِيهِ شِفَاءً لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ سَاقِطَةٌ عِنْدَ الِاسْتِشْفَاءِ كَحِلِّ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ لِلْعَطْشَانِ وَالْجَائِعِ. اهـ مِنْ الْبَحْرِ. وَأَفَادَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ الِاخْتِلَافُ فِي كَلَامِهِمْ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْجَوَازِ لِلضَّرُورَةِ، وَاشْتِرَاطُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ الْعِلْمَ لَا يُنَافِيهِ اشْتِرَاطُ مَنْ بَعْدَهُ الشِّفَاءَ وَلِذَا قَالَ وَالِدِي فِي شَرْحِ الدُّرَرِ: إنَّ قَوْلَهُ لَا لِلتَّدَاوِي مَحْمُولٌ عَلَى الْمَظْنُونِ وَإِلَّا فَجَوَازُهُ بِالْيَقِينِيِّ اتِّفَاقٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُصَفَّى. اهـ. أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ، لِقَوْلِ الْإِمَامِ: لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ قَوْلَ الْأَطِبَّاءِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّجْرِبَةَ يَحْصُلُ بِهَا غَلَبَةُ الظَّنِّ دُونَ الْيَقِينِ إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِالْعِلْمِ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَهُوَ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ) مَحْمُولٌ عَلَى الْمَظْنُونِ كَمَا عَلِمْته (قَوْلُهُ لَكِنْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) مَفْعُولُ نَقَلَ قَوْلُهُ وَقِيلَ يُرَخِّصُ إلَخْ وَالِاسْتِدْرَاكُ عَلَى إطْلَاقِ الْمَنْعِ، وَإِذَا قَيَّدَ بِالْمَظْنُونِ فَلَا اسْتِدْرَاكَ. وَنَصُّ مَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: إذَا سَالَ الدَّمُ مِنْ أَنْفِ إنْسَانٍ وَلَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يُخْشَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ أَوْ الْإِخْلَاصَ بِذَلِكَ الدَّمِ عَلَى جَبْهَتِهِ يَنْقَطِعُ فَلَا يُرَخَّصُ لَهُ فِيهِ؛ وَقِيلَ يُرَخَّصُ كَمَا رُخِّصَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ لِلْعَطْشَانِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ وَهُوَ الْفَتْوَى. اهـ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُعْلَمْ دَوَاءٌ آخَرُ) هَذَا الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي عِبَارَةِ النِّهَايَةِ كَمَا مَرَّ وَلَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْحَاوِي، إلَّا أَنَّهُ يُفَادُ مِنْ قَوْلِهِ كَمَا رُخِّصَ إلَخْ؛ لِأَنَّ حِلَّ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا أَفَادَهُ ط. قَالَ: وَنَقَلَ الْحَمَوِيُّ أَنَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ وَإِنْ تَعَيَّنَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 206

فَصْلٌ فِي الْبِئْرِ (إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ) لَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ وَلَوْ مُخَفَّفَةً أَوْ قَطْرَةَ بَوْلٍ أَوْ دَمٍ أَوْ ذَنَبَ فَأْرَةٍ لَمْ يُشَمَّعْ، فَلَوْ شُمِّعَ فَفِيهِ مَا فِي الْفَأْرَةِ (فِي بِئْرٍ دُونَ الْقَدْرِ الْكَثِيرِ) عَلَى مَا مَرَّ، وَلَا عِبْرَةَ لِلْعُمْقِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (أَوْ مَاتَ فِيهَا) أَوْ خَارِجَهَا وَأُلْقِيَ فِيهَا وَلَوْ فَأْرَةً يَابِسَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ إلَّا الشَّهِيدَ النَّظِيفَ وَالْمُسْلِمَ الْمَغْسُولَ، أَمَّا الْكَافِرُ فَيُنَجِّسُهَا ــ [رد المحتار] [فَصْلٌ فِي الْبِئْرِ] لَمَّا ذَكَرَ تَنَجُّسَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِوُقُوعِ نَجِسٍ فِيهِ حَتَّى يُرَاقَ كُلَّهُ أَرْدَفَهُ بِبَيَانِ مَسَائِلِ الْآبَارِ؛ لِأَنَّ مِنْهَا مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ لِابْتِنَائِهَا عَلَى مُتَابَعَةِ الْآثَارِ دُونَ الْقِيَاسِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: فَإِنَّ الْقِيَاسَ إمَّا أَنْ لَا تَطْهُرَ أَصْلًا كَمَا قَالَ شر لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ لِاخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِالْأَوْحَالِ وَالْجُدْرَانِ وَالْمَاءُ يَنْبُعُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَإِمَّا أَنْ لَا تَتَنَجَّسَ حَيْثُ تَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ أَوْ التَّطْهِيرُ، كَمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْجَارِي؛ لِأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلَ وَيُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهُ فَلَا يُنَجَّسُ كَحَوْضِ الْحَمَّامِ. قُلْنَا: وَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَنْزَحَ مِنْهَا دِلَاءً أَخْذًا بِالْآثَارِ، وَمِنْ الطَّرِيقِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃ كَالْأَعْمَى فِي يَدِ الْقَائِدِ. اهـ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الْآثَارَ الْوَارِدَةَ بِأَسَانِيدِهَا فَرَاجِعْهُ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ النَّوَوِيِّ: الْبِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ مَهْمُوزَةٌ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا مِنْ بَأَرْت أَيْ حَفَرْت وَجَمْعُهَا فِي الْقِلَّةِ أَبْؤُرٌ وَأَبْآرٌ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْبَاءِ فِيهِمَا، وَمِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَقْلِبُ الْهَمْزَةَ فِي أَبْآرٍ وَيَنْقُلُهَا فَيَقُولُ آبَارٌ وَجَمْعُهَا فِي الْكَثْرَةِ بِئْرٌ بِكَسْرٍ فَهَمْزَةٌ. (قَوْلُهُ لَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ) قَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ بَيَّنَ أَحْكَامَ الْحَيَوَانِ بِخُصُوصِهِ وَفَصَّلَهَا (قَوْلُهُ وَلَوْ مُخَفَّفَةً) ؛ لِأَنَّ أَثَرَ التَّخْفِيفِ وَهُوَ الْعَفْوُ عَمَّا دُونَ الرُّبُعِ لَا يَظْهَرُ فِي الْمَاءِ، وَأَفَادَ ط أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ هَذَا الْمَاءُ ثَوْبًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ النَّجَاسَةُ بِالْمُخَفَّفَةِ (قَوْلُهُ أَوْ قَطْرَةَ بَوْلٍ) أَيْ وَلَوْ بَوْلَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ كَمَا مَرَّ وَسَيَأْتِي اسْتِثْنَاءُ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَبَوْلِ الْفَأْرَةِ (قَوْلُهُ لَمْ يُشَمَّعْ) أَيْ لَمْ يُجْعَلْ فِي مَحَلِّ الْقَطْعِ مِنْهُ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْ بِلَّةٍ نَجِسَةٍ مَا يَمْنَعُ إصَابَةَ الْمَاءِ كَشَمْعٍ وَنَحْوِهِ. (قَوْلُهُ فَفِيهِ مَا فِي الْفَأْرَةِ) نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ، أَيْ فَالْوَاجِبُ فِيهِ نَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا مَا لَمْ يَنْتَفِخْ أَوْ يَتَفَسَّخْ (قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ أَوْ مَا كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ (قَوْلُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ) مُقَابِلُهُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عُمْقُهَا عَشَرَةً فِي عَشَرَةٍ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْكَثِيرِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ تَصْحِيحَ هَذَا الْقَوْلِ غَرِيبٌ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّصْحِيحَ لَوْ ثَبَتَ لَانْهَدَمَتْ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا الْمَذْكُورَةُ فِي كُتُبِهِمْ. . اهـ وَمَا قَوَّاهُ بِهِ الْمَقْدِسِيَّ رَدَّهُ نُوحٌ أَفَنْدِي (قَوْلُهُ وَلَوْ فَأْرَةً يَابِسَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ) وَمَا فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى مِنْ أَنَّهَا لَا تُنَجِّسُ الْبِئْرَ؛ لِأَنَّ الْيُبْسَ دِبَاغَةٌ ضَعِيفٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَأَوْضَحَهُ فِي الْحِلْيَةِ (قَوْلُهُ النَّظِيفَ) أَيْ مِنْ نَجَاسَةٍ وَدَمٍ سَائِلٍ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَسَيَأْتِي فِي النَّجَاسَاتِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ دَمِ الشَّهِيدِ مَادَامَ عَلَيْهِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ، وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَلَوْ وَقَعَ الشَّهِيدُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُفْسِدُهُ إلَّا إذَا سَالَ مِنْهُ الدَّمُ. . اهـ. لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ سَائِلٌ يُنَجِّسُ الْمَاءَ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ مَا خَرَجَ مِنْهُ لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ السَّيَلَانِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ سَالَ مِنْهُ الدَّمُ فِي الْمَاءِ تَأَمَّلْ، نَعَمْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ التَّنْجِيسِ بِمَا عَلَيْهِ مِمَّا فِيهِ قُوَّةُ السَّيَلَانِ بِمَا إذَا تَحَلَّلَ فِي الْمَاءِ، أَمَّا لَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ فَلَا يُنَجِّسُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَالْمُسْلِمَ الْمَغْسُولَ) أَمَّا قَبْلَ غَسْلِهِ فَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُفْسِدُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ حَامِلِهِ، وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ فِي الْمُحِيطِ عَلَى أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيِّتِ نَجَاسَةُ خَبَثٍ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ دَمَوِيٌّ فَيُنَجِّسُ بِالْمَوْتِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ لَا نَجَاسَةُ حَدَثٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي، وَنَسَبَهُ فِي الْبَدَائِعِ إلَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي جَنَائِزٍ الْبَحْرُ. أَقُولُ: وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَنَّ غُسَالَةَ الْمَيِّتِ نَجِسَةٌ؛ وَيُضَعِّفُ مَا مَرَّ مِنْ تَصْحِيحٍ

стр. 207

مُطْلَقًا كَسُقْطِ (حَيَوَانٍ دَمَوِيٍّ) غَيْرِ مَائِيٍّ لِمَا مَرَّ (وَانْتَفَخَ) أَوْ تَمَعَّطَ (أَوْ تَفَسَّخَ) وَلَوْ تَفَسُّخُهُ خَارِجَهَا ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا ذَكَرَهُ الْوَالِي (يُنْزَحُ كُلُّ مَائِهَا) الَّذِي كَانَ فِيهَا وَقْتَ الْوُقُوعِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَمَالِ (بَعْدَ إخْرَاجِهِ) لَا إذَا تَعَذَّرَ كَخَشَبَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ مُتَنَجِّسَةٍ فَبِنَزْحِ الْمَاءِ إلَى حَدٍّ لَا يَمْلَأُ نِصْفَ الدَّلْوِ يَطْهُرُ الْكُلُّ تَبَعًا؛ وَلَوْ نَزَحَ بَعْضَهُ ثُمَّ زَادَ فِي الْغَدِ نَزَحَ قَدْرَ الْبَاقِي ــ [رد المحتار] أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ غُسِّلَ أَوْ لَا. وَفِي جَنَائِزِ الْبَحْرِ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ حَامِلِهِ بَعْدَهُ. اهـ. أَقُولُ: وَهَذَا مُؤَيِّدٌ أَيْضًا لِلْقَوْلِ بِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيِّتِ لِلْخَبَثِ لَا لِلْحَدَثِ، وَمُؤَيِّدٌ لِمَا قُلْنَاهُ آنِفًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ كَسُقْطٍ) أَطْلَقَهُ تَبَعًا لِلْبَحْرِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ. وَقَيَّدَهُ فِي الْخَانِيَّةِ بِمَا إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ قَالَ: فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَإِنْ غُسِّلَ، أَمَّا إذَا اسْتَهَلَّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكَبِيرِ إنْ وَقَعَ بَعْدَمَا غُسِّلَ لَا يُفْسِدُ اهـ وَعَلَى هَذَا حُكْمُ صَلَاةِ حَامِلِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا، وَفِيهَا أَيْضًا الْبَيْضَةُ الرَّطْبَةُ أَوْ السَّخْلَةُ إذَا وَقَعَتْ مِنْ الدَّجَاجَةِ أَوْ الشَّاةِ فِي الْمَاءِ لَا تُفْسِدُهُ. اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ فِي بَابِ الْمِيَاهِ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الدَّمَوِيِّ كَزُنْبُورٍ وَعَقْرَبٍ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ وَكَذَا مَائِيُّ الْمَوْلِدِ كَسَمَكٍ وَسَرَطَانٍ فَهُوَ تَعْلِيلٌ لِلْقَيْدَيْنِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَانْتَفَخَ) أَيْ تَوَرَّمَ وَتَغَيَّرَ عَنْ صِفَةِ الْحَيَوَانِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَقَوْلُهُ أَوْ تَمَعَّطَ: أَيْ سَقَطَ شَعْرُهُ، وَقَوْلُهُ أَوْ تَفَسَّخَ: أَيْ تَفَرَّقَتْ أَعْضَاؤُهُ عُضْوًا عُضْوًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ كَالْفَأْرَةِ وَالْآدَمِيِّ وَالْفِيلِ؛ لِأَنَّهُ تَنْفَصِلُ بِلَّتُهُ وَهِيَ نَجِسَةٌ مَائِعَةٌ، فَصَارَتْ كَقَطْرَةِ خَمْرٍ، وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ ذَنَبُ فَأْرَةٍ يُنْزَحُ الْمَاءُ كُلُّهُ بَحْرٌ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَوْ جُرِحَ الْحَيَوَانُ بِلَا تَفَسُّخٍ وَنَحْوِهِ يُنْزَحُ الْجَمِيعُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَإِنْ قِطْعَةً مِنْهُ كَتَفَسُّخِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: قِطْعَةٌ مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ تُفْسِدُهُ (قَوْلُهُ يُنْزَحُ كُلُّ مَائِهَا) أَيْ دُونَ الطِّينِ لِوُرُودِ الْآثَارِ بِنَزْحِ الْمَاءِ، لَكِنْ لَا يُطَيَّنُ الْمَسْجِدُ بِطِينِهَا احْتِيَاطًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ الَّذِي كَانَ فِيهَا وَقْتَ الْوُقُوعِ) فَلَوْ زَادَ بَعْدَهُ قَبْلَ النَّزْحِ لَا يَجِبُ نَزْحُ الزَّائِدِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَسَيَأْتِي اعْتِبَارُ وَقْتِ النَّزْحِ، وَعَلَيْهِ فَيَجِبُ نَزْحُ الزَّائِدِ وَيَأْتِي تَمَامُهُ. بَقِيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ وَقْتَ الْوُقُوعِ ثُمَّ زَادَ وَبَلَغَهُ هَلْ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْوُقُوعِ أَيْضًا؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِ نَعَمْ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَهُ بَعْدَ النَّزْحِ لَا يُنْزَحُ مِنْهُ شَيْءٌ (قَوْلُهُ بَعْدَ إخْرَاجِهِ) إذْ النَّزْحُ قَبْلَهُ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ سَبَبٌ لِلنَّجَاسَةِ وَمَعَ بَقَائِهِ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ إلَخْ) كَذَا فِي السِّرَاجِ. وَاعْتَرَضَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا لَا تُنْزَحُ وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمِقْدَارَ الْمَعْرُوفَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعِينٍ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهَا لِوُجُوبِ نَزْحِ جَمِيعِ الْمَاءِ. اهـ أَقُولُ: قَدْ يَتَعَذَّرُ الْإِخْرَاجُ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ النَّزْحِ لَا بَعْدَهُ كَمَا عَلِمْته (قَوْلُهُ مُتَنَجِّسَةٍ) نَعْتٌ لِكُلٍّ مِنْ الْخَشَبَةِ وَالْخِرْقَةِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ لِلْعَطْفِ بِأَوْ الَّتِي هِيَ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مُتَنَجِّسَةٍ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ كَلَحْمِ مَيْتَةٍ وَخِنْزِيرٍ. اهـ ح. قُلْت: فَلَوْ تَعَذَّرَ أَيْضًا فَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْجَوَاهِرِ: لَوْ وَقَعَ عُصْفُورٌ فِيهَا فَعَجَزُوا عَنْ إخْرَاجِهِ فَمَادَامَ فِيهَا فَنَجِسَةٌ فَتُتْرَكُ مُدَّةً يُعْلَمُ أَنَّهُ اسْتَحَالَ وَصَارَ حَمْأَةً، وَقَبْلَ مُدَّةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. اهـ (قَوْلُهُ فَبِنَزْحِ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مُتَعَلِّقٌ بِيَطْهُرُ بَعْدَهُ ط (قَوْلُهُ يَطْهُرُ الْكُلُّ) أَيْ مِنْ الدَّلْوِ وَالرِّشَاءِ وَالْبَكَرَةِ وَيَدِ الْمُسْتَقِي تَبَعًا؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِنَجَاسَةِ الْبِئْرِ فَتَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا لِلْحَرَجِ كَدَنِّ الْخَمْرِ يَطْهُرُ تَبَعًا إذَا صَارَ خَلًّا وَكَيَدِ الْمُسْتَنْجِي تَطْهُرُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ وَكَعُرْوَةِ الْإِبْرِيقِ إذَا كَانَ فِي يَدِ الْمُسْتَنْجِي نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ

стр. 208

فِي الصَّحِيحِ خُلَاصَةٌ، قَيَّدَ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ حَيًّا وَلَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ وَلَا بِهِ حَدَثٌ أَوْ خَبَثٌ لَمْ يُنْزَحْ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ فَمَهُ الْمَاءُ فَيُعْتَبَرُ بِسُؤْرِهِ، فَإِنْ نَجِسًا نُزِحَ الْكُلُّ وَإِلَّا لَا هُوَ الصَّحِيحُ، نَعَمْ يُنْدَبُ عَشَرَةٌ مِنْ الْمَشْكُوكِ لِأَجْلِ الطَّهُورِيَّةِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، زَادَ التَّتَارْخَانِيَّة: وَعِشْرِينَ فِي الْفَأْرَةِ، وَأَرْبَعِينَ فِي سِنَّوْرٍ وَدَجَاجَةٍ مُخَلَّاةٍ كَآدَمِيٍّ مُحْدِثٍ، ــ [رد المحتار] فَجَعَلَ يَدَهُ عَلَيْهَا كُلَّمَا صَبَّ عَلَى الْيَدِ فَإِذَا غَسَلَ الْيَدَ ثَلَاثًا طَهُرَتْ الْعُرْوَةُ بِطَهَارَةِ الْيَدِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ خُلَاصَةٌ) وَمِثْلُهُ فِي الْخَانِيَّةِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّوَالِي وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ الْخِنْزِيرِ، وَكَذَا الْكَلْبُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ الْبِئْرَ مُطْلَقًا، وَبِخِلَافِ الْمُحْدِثِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ فِيهِ نَزْحُ أَرْبَعِينَ كَمَا يَذْكُرُهُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَلَى الْحَيَوَانِ خَبَثٌ أَيْ نَجَاسَةٌ وَعَلِمَ بِهَا فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَيَّدْنَا بِالْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْبَقَرِ وَنَحْوِهِ يَخْرُجُ حَيًّا لَا يَجِبُ نَزْحُ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ اشْتِمَالَ بَوْلِهَا عَلَى أَفْخَاذِهَا، لَكِنْ يُحْتَمَلُ طَهَارَتُهَا بِأَنْ سَقَطَتْ عَقِبَ دُخُولِهَا مَاءٌ كَثِيرٌ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ لَمْ يُنْزَحْ شَيْءٌ) أَيْ وُجُوبًا؛ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ وَقَعَتْ الشَّاةُ وَخَرَجَتْ حَيَّةٌ يُنْزَحُ عِشْرُونَ دَلْوًا لِتَسْكِينِ الْقَلْبِ لَا لِلتَّطْهِيرِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُنْزَحْ وَتَوَضَّأَ جَازَ، وَكَذَا الْحِمَارُ وَالْبَغْلُ لَوْ خَرَجَ حَيًّا وَلَمْ يُصِبْ فَمُهُ الْمَاءَ، وَكَذَا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالطُّيُورِ وَالدَّجَاجَةِ الْمَحْبُوسَةِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ (قَوْلُهُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ) أَقُولُ: لَمْ أَرَهُ فِي الْخَانِيَّةِ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهَا أَنَّهُ يُنْزَحُ فِي الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ جَمِيعُ الْمَاءِ إذَا أَصَابَ فَمُهُ الْمَاءَ، وَكَذَا فِي الْبَحْرِ مَعْزِيًّا إلَيْهَا وَإِلَى غَيْرِهَا؛ وَمِثْلُهُ فِي الدُّرَرِ، وَعَزَاهُ شَارِحُهَا إلَى الْمُبْتَغَى، وَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ وَالْإِمْدَادِ وَالْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَمُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ فِي الْمُنْيَةِ: كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ شَارِحُهَا الْحَلَبِيُّ: وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ. اهـ. وَفِي الْفَتْحِ: وَإِنْ أَدْخَلَ فَمَهُ الْمَاءَ نُزِحَ الْكُلُّ فِي النَّجِسِ، وَكَذَا تَظَافَرَ كَلَامُهُمْ فِي الْمَشْكُوكِ. اهـ. وَفِي الْجَوْهَرَةِ: وَكَذَا كُلُّ مَا سُؤْرُهُ نَجِسٌ أَوْ مَشْكُوكٌ يَجِبُ نَزْحُ الْكُلِّ. وَفِي السِّرَاجِ: وَسُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ يُنْزَحُ كُلُّ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ طَهُورًا، وَكَذَا عَلَّلَهُ فِي الْحِلْيَةِ بِقَوْلِهِ لِصَيْرُورَةِ الْمَاءِ مَشْكُوكًا، وَهُوَ غَيْرُ مَحْكُومٍ بِطَهُورِيَّتِهِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصَحُّ، بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَسْلُوبِ الطَّهُورِيَّةِ. وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ وَقَعَ سُؤْرُ الْحِمَارِ فِي الْمَاءِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. اهـ. قُلْت: لَكِنَّهُ خِلَافُ مَا تَظَافَرَ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ كَمَا عَلِمْت وَإِنْ مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي فِي الْأَسْآرِ وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا أَصَابَ فَمُ الْحِمَارِ الْمَاءَ صَارَ مَشْكُوكًا فَيُنْزَحُ الْكُلُّ كَاَلَّذِي سُؤْرُهُ نَجِسٌ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ الطَّهُورِيَّةِ وَإِنْ افْتَرَقَا مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ، فَإِذَا لَمْ يُنْزَحْ رُبَّمَا يَتَطَهَّرُ بِهِ أَحَدٌ، وَالصَّلَاةُ بِهِ وَحْدَهُ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ فَيُنْزَحُ كُلُّهُ. اهـ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُصِبْ فَمُهُ الْمَاءَ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مَشْكُوكًا فِيهِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ، وَإِنَّمَا يُنْزَحُ مِنْهُ عِشْرُونَ دَلْوًا كَالشَّاةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. اهـ. أَقُولُ: وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَ النَّهْرِ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ لَا يَصِيرُ مَشْكُوكًا، فَلَا يَجِبُ نَزْحُ شَيْءٍ، نَعَمْ يُنْدَبُ نَزْحُ عَشَرَةٍ، وَقِيلَ نَزْحُ عِشْرِينَ مَنْشَؤُهُ اشْتِبَاهُ حَالَةِ وُصُولِ فَمِهِ الْمَاءَ بِحَالَةِ عَدَمِ الْوُصُولِ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ فَتَنَبَّهْ، ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَ مَشَايِخِنَا الرَّحْمَتِيَّ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْته. (قَوْلُهُ كَآدَمِيٍّ مُحْدِثٍ) أَيْ أَنَّهُ يُنْزَحُ فِيهِ أَرْبَعُونَ كَمَا عَزَاهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة إلَى فَتَاوَى الْحُجَّةِ، ثُمَّ عَزَا إلَى الْغِيَاثِيَّةِ أَنَّهُ يُنْزَحُ فِيهِ الْجَمِيعُ. وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ: وَالتَّحْقِيقُ النَّزْحُ لِلْجَمِيعِ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَالثَّانِي عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ؛ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ عِنْدَهُ. وَمَذْهَبُ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْد الشَّيْخَيْنِ، فَيُنْزَحُ مِنْهُ عِشْرُونَ لِيَصِيرَ طَهُورًا، وَتَمَامُهُ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْدِثِ مَا يَشْمَلُ الْجُنُبَ.

стр. 209

ثُمَّ هَذَا إنْ لَمْ تَكُنْ الْفَأْرَةُ هَارِبَةً مِنْ هِرٍّ، وَلَا الْهِرُّ هَارِبًا مِنْ كَلْبٍ، وَلَا الشَّاةُ مِنْ سَبُعٍ، فَإِنْ كَانَ نُزِحَ كُلُّهُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، لَكِنْ فِي النَّهْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّ فِي بَوْلِهَا شَكًّا (وَإِنْ تَعَذَّرَ) نُزِحَ كُلُّهَا لِكَوْنِهَا مَعِينًا (فَبِقَدْرِ مَا فِيهَا) وَقْتَ ابْتِدَاءِ النَّزْحِ قَالَهُ الْحَلَبِيُّ (يُؤْخَذُ ذَلِكَ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ بِالْمَاءِ) بِهِ يُفْتَى، ــ [رد المحتار] وَاسْتَشْكَلَ فِي الْبَدَائِعِ نَزْحَ الْعِشْرِينَ بِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ فَلَمْ يَضُرَّ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمُطْلَقِ كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ طَهَارَتُهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا لِلْخِلَافِ فِيهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ فَيُنْزَحُ أَدْنَى مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وَذَلِكَ عِشْرُونَ احْتِيَاطًا. اهـ. قُلْت: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُلْقِي وَالْمُلَاقِي فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مَا لَاقَى الْأَعْضَاءَ فَقَطْ وَلَا يَشِيعُ فِي جَمِيعِ مَاءِ الْبِئْرِ، وَإِلَّا لَوَجَبَ نَزْحُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ نَزْحُهُ فِي الْمَشْكُوكِ فِي طَهُورِيَّتِهِ فَفِي الْمُسْتَعْمَلِ الْمُحَقَّقُ عَدَمُ طَهُورِيَّتِهِ بِالْأَوْلَى، وَتُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الْفُرُوعَ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا الْقَائِلُونَ بِاسْتِعْمَالِ كُلِّ الْمَاءِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [تَتِمَّةٌ] نَقَلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ لِلْحَسَنِ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ حَيٌّ نُزِحَ الْمَاءُ. وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ نَجَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ أَوْ حُكْمِيَّةٍ، حَتَّى لَوْ اغْتَسَلَ فَوَقَعَ فِيهَا مِنْ سَاعَتِهِ لَا يُنْزَحُ مِنْهَا شَيْءٌ: أَقُولُ: وَلَعَلَّ نَزْحَهَا لِلِاحْتِيَاطِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ فِي بَوْلِهَا شَكًّا) وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا احْتِمَالَ النَّجَاسَةِ فِي الشَّاةِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ هَذَا الْجَوَابُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ بَوْلَ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ يُنَجِّسُ الْبِئْرَ، وَفِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي (قَوْلُهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ) كَذَا عَبَّرَ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: أَيْ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِحَرَجٍ عَظِيمٍ اهـ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّعَسُّرُ، وَبِهِ عَبَّرَ فِي الدُّرَرِ (قَوْلُهُ لِكَوْنِهَا مَعِينًا) الْقِيَاسُ مَعِينَةٌ؛ لِأَنَّ الْبِئْرَ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ إلَّا أَنَّهُمْ ذَكَّرُوهَا حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ، أَوْ؛ لِأَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ. أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ ذَاتِ مَعِينٍ وَهُوَ الْمَاءُ يَجْرِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. اهـ حِلْيَةٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا جَارِيَةٌ لِمَا يَأْتِي، بَلْ كَمَا قَالَ فِي الْبَحْرِ إنَّهُمْ كُلَّمَا نَزَحُوا نَبَعَ مِنْهَا مِثْلُ مَا نَزَحُوا أَوْ أَكْثَرُ (قَوْلُهُ وَقْتَ ابْتِدَاءِ النَّزْحِ قَالَهُ الْحَلَبِيُّ) أَيْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْكَافِي، وَقِيلَ وَقْتَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ الْكَمَالِ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ الْكَمَالِ هُنَا أَيْضًا وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْدَادِ وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الْهِدَايَةِ يُنْزَحُ مِقْدَارُ مَا كَانَ فِيهَا. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ زَادَ قَبْلَ النَّزْحِ، فَقِيلَ يُنْزَحُ مِقْدَارُ مَا كَانَ فِيهَا وَقْتَ الْوُقُوعِ، وَقِيلَ وَقْتَ النَّزْحِ: قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَثَمَرَةُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا نَزَحَ الْبَعْضَ ثُمَّ وَجَدَهُ فِي الْغَدِ أَكْثَرَ مِمَّا تَرَكَ، فَقِيلَ يَنْزِحُ الْكُلَّ، وَقِيلَ مِقْدَارَ مَا بَقِيَ عِنْدَ التَّرْكِ هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: هَذِهِ الثَّمَرَةُ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ وَقْتِ النَّزْحِ لَا وَقْتِ الْوُقُوعِ، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّحِيحَ مَا فِي الْكَافِي. اهـ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، بَلْ الثَّمَرَةُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ تَصْحِيحٌ لِلْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ الْخِلَافِ أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ نَزْحُ الزَّائِدِ عَلَى مَا كَانَ وَقْتَ الْوُقُوعِ أَوْ لَا، فَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ النَّزْحِ أَرَادَ أَنَّهُ يَجِبُ نَزْحُ مَا زَادَ سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ قَبْلَ ابْتِدَاءِ النَّزْحِ أَوْ قَبْلَ انْتِهَائِهِ فَنَبَّهَ فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى صُورَةِ الزِّيَادَةِ قَبْلَ انْتِهَاءِ النَّزْحِ لِخَفَائِهَا، وَصَرَّحَ بِأَنَّ الصَّحِيحَ نَزْحُ مِقْدَارِ مَا بَقِيَ وَقْتَ التَّرْكِ: أَيْ فَلَا يَجِبُ نَزْحُ الزَّائِدِ، فَهَذَا تَصْحِيحٌ لِلْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ الْوُقُوعِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ نَزْحُ مَا زَادَ بَعْدَهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ تَصْحِيحٌ لِخِلَافِ مَا فِي الْكَافِي. هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَدَبَّرْهُ (قَوْلُهُ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ إلَخْ) فَإِنْ قَالَا إنَّ مَا فِيهَا أَلْفُ دَلْوٍ مَثَلًا نُزِحَ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) وَهُوَ الْأَصَحُّ كَافِي وَدُرَرٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. ابْنُ كَمَالٍ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ مِعْرَاجٌ،

стр. 210

وَقِيلَ يُفْتَى بِمِائَةٍ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ وَهَذَا أَيْسَرُ، وَذَاكَ أَحْوَطُ. (فَإِنْ أُخْرِجَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مُنْتَفِخٍ وَلَا مُتَفَسِّخٍ) وَلَا مُتَمَعِّطٍ (فَإِنْ) كَانَ (كَآدَمِيٍّ) وَكَذَا سَقْطٌ ــ [رد المحتار] وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ هِدَايَةٌ، أَيْ الْأَشْبَهُ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِقَوْلِ الْغَيْرِ فِيمَا لَمْ يُشْتَهَرْ مِنْ الشَّرْعِ فِيهِ تَقْدِيرٌ: قَالَ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] كَمَا فِي أَجْزَاءِ الصَّيْدِ وَالشَّهَادَةِ عِنَايَةٌ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ إلَخْ) جَزَمَ بِهِ فِي الْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى خُلَاصَةٌ وتتارخانية عَنْ النِّصَابِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ مِعْرَاجٌ عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ، وَجَعَلَهُ فِي الْعِنَايَةِ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَالْأَيْسَرُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ، وَأَفَادَ فِي النَّهْرِ أَنَّ الْمِائَتَيْنِ وَاجِبَتَانِ وَالْمِائَةَ الثَّالِثَةَ مَنْدُوبَةٌ، فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَالْفَتْوَى. وَضُعِّفَ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْحِلْيَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ نَزْحَ الْجَمِيعِ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ يُفِيدُهُ. وَأَيْنَ ذَلِكَ بَلْ الْمَأْثُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ خِلَافُهُ حِينَ أَفْتَيَا بِنَزْحِ الْمَاءِ كُلِّهِ حِينَ مَاتَ زِنْجِيٌّ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ وَأَسَانِيدُ ذَلِكَ الْأَثَرِ مَعَ دَفْعِ مَا أُورِدَ عَلَيْهَا مَبْسُوطَةٌ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَكَأَنَّ الْمَشَايِخَ إنَّمَا اخْتَارُوا مَا عَنْ مُحَمَّدٍ لِانْضِبَاطِهِ كَالْعُشْرِ تَيْسِيرًا كَمَا مَرَّ. اهـ. قُلْت: لَكِنَّ مَرْوِيَّاتِي أَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ، عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا أَفْتَى بِمَا شَاهَدَ فِي آبَارِ بَغْدَادَ فَإِنَّهَا كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ مِنْ نَزْحِ مَائِهِ فِي مِثْلِ آبَارِ الْكُوفَةِ لِقِلَّةِ مَائِهَا فَيُرْجَعُ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيرٌ مِمَّنْ لَهُ بَصَارَةٌ وَخِبْرَةٌ بِالْمَاءِ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي لَا لِكَوْنِ ذَلِكَ لَازِمًا فِي آبَارِ كُلِّ جِهَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ وَذَاكَ) أَيْ مَا فِي الْمَتْنِ أَحْوَطُ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْخِلَافِ وَلِمُوَافَقَتِهِ لِلْآثَارِ (قَوْلُهُ طَهُرَتْ) أَيْ إذَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَيَجُوزُ بِجَارٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ (قَوْلُهُ وَسَيَجِيءُ) أَيْ بَعْدَ أَسْطُرٍ. (قَوْلُهُ فَإِنْ أَخْرَجَ الْحَيَوَانَ) أَيْ الْمَيِّتَ (قَوْلُهُ كَآدَمِيٍّ) أَيْ مِمَّا عَادَلَهُ فِي الْجُثَّةِ كَالشَّاةِ وَالْكَلْبِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَكَذَا سَقَطَ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ مَا ذَكَرُوا فِيهِ نَزْحًا مُقَدَّرًا لَا فَرْقَ بَيْنَ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَأَمَّا وَلَدُ الشَّاةِ إذَا كَانَ صَغِيرًا فَكَالسِّنَّوْرِ كَمَا تُشْعِرُ بِهِ عِبَارَاتُهُمْ كَمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ. اهـ وَكَذَا قَالَ وَلَدُهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ. الظَّاهِرُ أَنَّ الْآدَمِيَّ إذَا خَرَجَ مِنْ أَمَةٍ صَغِيرًا أَوْ كَانَ سُقْطًا فَهُوَ كَالسِّنَّوْرِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمِقْدَارِ فِي الْجُثَّةِ لَا فِي الِاسْمِ. اهـ. قُلْت: لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّ السَّقْطَ إنْ اسْتَهَلَّ فَحُكْمُهُ كَالْكَبِيرِ إنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ بَعْدَمَا غُسِّلَ لَا يُفْسِدُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ أَفْسَدَ وَإِنْ غُسِّلَ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ ذَنَبَ الْفَأْرَةِ لَوْ شُمِّعَ فَفِيهِ مَا فِي الْفَأْرَةِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْقُهُسْتَانِيِّ قَالَ: فَلَوْ وَقَعَ فِيهَا سُقْطٌ يُنْزَحُ كُلُّ الْمَاءِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجَدْيَ كَالشَّاةِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ وَالسَّخْلَةَ كَالدَّجَاجَةِ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ فِي الْجَدْيِ رِوَايَتَيْنِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ السَّخْلَةُ وَهِيَ وَلَدُ الشَّاةِ، وَإِلْحَاقُ السَّقْطِ بِالْكَبِيرِ يُؤَيِّدُ الْأُولَى مِنْهُمَا، وَتَقْيِيدُ الشَّارِحِ الْإِوَزَّ بِالْكَبِيرِ تَبَعًا لِلْخُلَاصَةِ وَقَالَ فِيهَا: أَمَّا الصَّغِيرُ فَكَالْحَمَامَةِ يُؤَيِّدُ الثَّانِيَةَ. وَفِي السِّرَاجِ أَنَّ الْإِوَزَّةَ عِنْدَ الْإِمَامِ كَالشَّاةِ فِي رِوَايَةٍ وَكَالسِّنَّوْرِ فِي أُخْرَى. اهـ. أَقُولُ: وَهَذَا الْمَقَامُ يَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيرٍ وَتَدَبُّرٍ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْثُورَ كَمَا ذَكَرَهُ أَئِمَّتُنَا هُوَ نَزْحُ الْكُلِّ فِي الْآدَمِيِّ وَالْأَرْبَعِينَ فِي الدَّجَاجَةِ وَالْعِشْرِينَ فِي الْفَأْرَةِ فَلِذَا كَانَتْ الْمَرَاتِبُ ثَلَاثَةً كَمَا سَنَذْكُرُهُ. وَعَنْ هَذَا أَوْرَدَ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي الْفَأْرَةِ وَالدَّجَاجَةِ وَالْآدَمِيِّ فَكَيْفَ يُقَاسُ مَا عَدَلَهَا بِهَا، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ هَذَا الْأَصْلُ صَارَ كَاَلَّذِي ثَبَتَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ فِي حَقِّ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ. وَاعْتَرَضَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ

стр. 211

وَسَخْلَةٌ وَجَدْيٌ وَإِوَزٌّ كَبِيرٌ (نُزِحَ كُلُّهُ، وَإِنْ) كَانَ (كَحَمَامَةٍ) وَهِرَّةٍ (نُزِحَ أَرْبَعُونَ مِنْ الدِّلَاءِ) وُجُوبًا إلَى سِتِّينَ نَدْبًا (وَإِنْ) كَانَ (كَعُصْفُورٍ) وَفَأْرَةٍ (فَعِشْرُونَ) إلَى ثَلَاثِينَ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا يَعُمُّ الْمَعِينَ وَغَيْرَهَا، بِخِلَافِ نَحْوِ صِهْرِيجٍ وَحُبٍّ حَيْثُ يُهْرَاقُ الْمَاءُ كُلُّهُ لِتَخْصِيصِ الْآبَارِ بِالْآثَارِ بَحْرٌ وَنَهْرٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْكَنْزِ: وَنَحْوُهُ فِي النُّتَفِ؛ وَنُقِلَ عَنْ الْقُنْيَةِ أَنَّ حُكْمَ الرَّكِيَّةِ كَالْبِئْرِ. وَعَنْ الْفَوَائِدِ أَنَّ الْحُبَّ الْمَطْمُورَ أَكْثَرُهُ فِي الْأَرْضِ كَالْبِئْرِ، ــ [رد المحتار] فِي أَنَّ فِيهِ لِلرَّأْيِ مَدْخَلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَالَ: فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ إلْحَاقٌ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ لَا بِالْقِيَاسِ كَمَا اخْتَارَهُ فِي الْمِعْرَاجِ. اهـ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا وَرَدَ بِالنَّصِّ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وُقُوفًا مَعَ النَّصِّ، وَلِهَذَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي السَّقْطِ بِخِلَافِ مَا أُلْحِقَ بِذَلِكَ كَالشَّاةِ وَالْإِوَزَّةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّ صَغِيرَهُ كَكَبِيرِهِ أَيْضًا تَبَعًا لِلْمُلْحَقِ بِهِ: وَقَدْ يُقَالُ بِالْفَرْقِ اعْتِبَارًا لِلْجُثَّةِ، فَلِذَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي مِنْ فَيْضِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ فَاغْتَنِمْهُ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ الْعِشْرُونَ لِلْوُجُوبِ وَالزَّائِدُ لِلنَّدْبِ. [تَنْبِيهٌ] ظَاهِرُ اقْتِصَارِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ يُفِيدُ أَنَّ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهَا الْوَارِدَةُ فِي النَّصِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ فِي الْقُرَادِ الْكَبِيرِ وَالْفَأْرَةِ الصَّغِيرَةِ عَشْرَ دِلَاءٍ، وَأَنَّ فِي الْحَمَامَةِ ثَلَاثِينَ بِخِلَافِ الْهِرَّةِ فَالْمَرَاتِبُ خَمْسٌ، لَكِنَّ الَّذِي فِي الْمُتُونِ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ نَزْحُ الْأَرْبَعِينَ أَوْ الْعِشْرِينَ لِتَطْهِيرِ الْبِئْرِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ نَحْوِ صِهْرِيجٍ وَحُبٍّ إلَخْ) الصِّهْرِيجُ: الْحَوْضُ الْكَبِيرُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ قَامُوسٌ. وَالْحُبُّ: أَيْ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْخَابِيَةُ الْكَبِيرَةُ صِحَاحٌ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ أَفْتَى بِنَزْحِ عِشْرِينَ فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي صِهْرِيجٍ، كَمَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ عَصْرِهِ مُتَمَسِّكًا بِمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَعِينِ وَغَيْرِهَا: وَرَدَّهُ فِي النَّهْرِ تَبَعًا لِلْبَحْرِ بِمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّ الْفَأْرَةَ لَوْ وَقَعَتْ فِي الْحُبِّ يُهْرَاقُ الْمَاءُ كُلُّهُ. قَالَ: وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِنَزْحِ الْبَعْضِ فِي الْآبَارِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالْآثَارِ فَلَا يَلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الرَّدُّ إنَّمَا يَتِمُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصِّهْرِيجَ لَيْسَ مِنْ مُسَمَّى الْبِئْرِ فِي شَيْءٍ اهـ أَيْ فَإِذَا ادَّعَى دُخُولَهُ فِي مُسَمَّى الْبِئْرِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْآثَارِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْبِئْرَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَأَرْت: أَيْ حَفَرْت. وَالصِّهْرِيجُ: حُفْرَةٌ فِي الْأَرْضِ لَا تَصِلُ الْيَدُ إلَى مَائِهَا، بِخِلَافِ الْعَيْنِ وَالْحُبِّ وَالْحَوْضِ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فَقَالَ: مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْبَحْرِ لَا يَخْفَى بَعْدَهُ، وَأَيْنَ الْحُبُّ مِنْ الصِّهْرِيجِ لَا سِيَّمَا الَّذِي يَسَعُ أُلُوفًا مِنْ الدِّلَاءِ. اهـ. لَكِنَّهُ خِلَافُ مَا فِي النُّتَفِ (قَوْلُهُ يُهْرَاقُ الْمَاءُ كُلُّهُ) أَقُولُ: وَهَلْ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ بَعْدَهُ ثَلَاثًا: وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، ثُمَّ رَأَيْته فِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ مَا نَصُّهُ: وَفِي فَتَاوَى الْحُجَّةِ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الْحُبِّ الْمُرَكَّبِ فِي الْأَرْضِ تَنَجَّسَ، قَالَ: يُغْسَلُ ثَلَاثًا، وَيُخْرَجُ الْمَاءُ مِنْهُ كُلَّ مَرَّةٍ فَيَطْهُرُ، وَلَا يُقْلَعُ الْحُبُّ. اهـ (قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ فِي النُّتَفِ) مَقُولُ الْقَوْلِ: أَيْ نَحْوُ مَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: وَلَمْ أَرَهُ فِي كِتَابِ النُّتَفِ. اهـ. أَقُولُ: رَأَيْت فِي النُّتَفِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْبِئْرُ فَهِيَ الَّتِي لَهَا مَوَادُّ مِنْ أَسْفَلِهَا. اهـ أَيْ لَهَا مِيَاهٌ تُمِدُّهَا وَتَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ يَخْرُجُ الصِّهْرِيجُ وَالْحُبُّ وَالْآبَارُ الَّتِي تُمْلَأُ مِنْ الْمَطَرِ أَوْ مِنْ الْأَنْهَارِ، فَهُوَ مِثْلُ مَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ. (قَوْلُهُ وَنَقَلَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ تَأْيِيدٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ ذَلِكَ الْعَصْرِيُّ (قَوْلُهُ أَنَّ حُكْمَ الرَّكِيَّةِ إلَخْ) الرَّكِيَّةُ عَلَى وَزْنِ عَطِيَّةٍ قَالَ ح: هِيَ الْبِئْرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، لَكِنْ فِي الْعُرْفِ هِيَ بِئْرٌ يَجْتَمِعُ مَاؤُهَا مِنْ الْمَطَرِ. اهـ: أَيْ

стр. 212

وَعَلَيْهِ فَالصِّهْرِيجُ وَالزِّيرُ الْكَبِيرُ يُنْزَحُ مِنْهُ كَالْبِئْرِ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ. اهـ (بِدَلْوٍ وَسَطٍ) وَهُوَ دَلْوُ تِلْكَ الْبِئْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمَا يَسَعُ صَاعًا وَغَيْرُهُ تُحْتَسَبُ بِهِ وَيَكْفِي مِلْءُ أَكْثَرِ الدَّلْوِ وَنَزْحُ مَا وُجِدَ وَإِنْ قَلَّ وَجَرَيَانُ بَعْضِهِ وَغَوَرَانُ قَدْرِ الْوَاجِبِ (وَمَا بَيْنَ حَمَامَةٍ وَفَأْرَةٍ) فِي الْجُثَّةِ (كَفَأْرَةٍ) فِي الْحُكْمِ (كَمَا أَنَّ مَا بَيْنَ دَجَاجَةٍ وَشَاةٍ كَدَجَاجَةٍ) فَأُلْحِقَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ بِالْأَصْغَرِ كَمَا أُدْخِلَ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ كَفَأْرَةٍ مَعَ هِرَّةٍ، وَنَحْوُ الْهِرَّتَيْنِ كَشَاةٍ اتِّفَاقًا وَنَحْوُ الْفَأْرَتَيْنِ كَفَأْرَةٍ، وَالثَّلَاثُ إلَى الْخَمْسِ كَهِرَّةٍ، وَالسِّتُّ كَشَاةٍ عَلَى الظَّاهِرِ. ــ [رد المحتار] فَهِيَ بِمَعْنَى الصِّهْرِيجِ (قَوْلُهُ عَلَيْهِ) أَيْ وَبِنَاءً عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الْقُنْيَةِ وَالْفَوَائِدِ (قَوْلُهُ وَالزِّيرُ الْكَبِيرُ) أَيْ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْحُبِّ الْمَذْكُورِ فِي الْفَوَائِدِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الزِّيرُ بِالْكَسْرِ الدَّنُّ. وَالدَّنُّ بِالْفَتْحِ: الرَّاقُودُ الْعَظِيمُ أَوْ أَطْوَلُ مِنْ الْحُبِّ أَوْ أَصْغَرُ، لَهُ عُسْعُسٌ أَيْ ذَنَبٌ لَا يَقْعُدُ إلَّا أَنْ يُحْفَرَ لَهُ (قَوْلُهُ يُنْزَحُ، مِنْهُ كَالْبِئْرِ) أَيْ فَيُقْتَصَرُ فِي الْحَمَامَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ، وَفِي الْفَأْرَةِ عَلَى عِشْرِينَ. أَقُولُ: وَهَذَا مُسَلَّمٌ فِي الصِّهْرِيجِ دُونَ الزِّيرِ لِخُرُوجِهِ عَنْ مُسَمَّى الْبِئْرِ، وَكَوْنِ أَكْثَرِهِ مَطْمُورًا: أَيْ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ لَا يُدْخِلُهُ فِيهِ لَا عُرْفًا وَلَا لُغَةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ وَمَا فِي الْفَوَائِدِ مُعَارَضٌ بِإِطْلَاقِ مَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا، وَفَرْقٌ ظَاهِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصِّهْرِيجِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ فَافْهَمْ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْظُومَتِهِ [تُحْفَةِ الْأَقْرَانِ] : مَطْمُورَةٌ أَكْثَرُهَا فِي الْأَرْضِ ... كَالْبِئْرِ فِي النَّزْحِ وَهَذَا مَرْضِي قَالَ بِهِ بَعْضُ أُولِي الْأَبْصَارِ ... وَلَيْسَ مَرْضِيًّا لَدَى الْكِبَارِ فَإِنَّ نَزْحَ الْبَعْضِ مَخْصُوصٌ بِمَا ... فِي الْبِئْرِ عِنْدَ جَمْعِ جُلِّ الْعُلَمَا (قَوْلُهُ وَهُوَ دَلْوُ تِلْكَ الْبِئْرِ) هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَقَيَّدَهُ مُحَشِّيهِ الرَّمْلِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ دَلْوُهَا الْمُعْتَادُ كَبِيرًا جِدًّا فَلَا يَجِبُ الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ. قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ نَظَرُ الْفَقِيهِ. اهـ ثُمَّ إنَّ الشَّارِحَ قَدْ تَبِعَ صَاحِبَ الْبَحْرِ فِي تَفْسِيرِهِ الْوَسَطِ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ آخَرُ وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْبَدَائِعِ: اُخْتُلِفَ فِي الدَّلْوِ، فَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ دَلْوُ كُلِّ بِئْرٍ يَسْتَقِي بِهِ مِنْهَا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَدْرُ صَاعٍ، وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. اهـ. وَقَوْلُهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا رُبَّمَا يُخَالِفُ مَا بَحَثَهُ الرَّمْلِيُّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَخْ) أَيْ هَذَا إنْ كَانَ لَهَا دَلْوٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمُعْتَبَرُ دَلْوٌ يَسَعُ صَاعًا، وَهَذَا التَّفْصِيلُ اسْتَظْهَرَهُ فِي الْبَحْرِ. وَقَالَ هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالسِّرَاجِ (قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الدَّلْوِ الْمَذْكُورِ بِأَنْ كَانَ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ يُحْتَسَبُ بِهِ، فَلَوْ نُزِحَ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ بِدَلْوٍ وَاحِدٍ كَبِيرٍ أَجْزَأَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَيَكْفِي مِلْءُ أَكْثَرِ الدَّلْوِ) فَلَوْ كَانَ مُنْحَرِفًا، فَإِنْ كَانَ يَبْقَى أَكْثَرُ مَا فِيهِ كَفَى وَإِلَّا لَا بَزَّازِيَّةٌ وَقُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَنَزْحُ مَا وُجِدَ) أَيْ وَيَكْفِي أَيْضًا نَزْحُ مَا وُجِدَ فِيهَا وَهُوَ دُونَ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ، حَتَّى لَوْ زَادَ بَعْدَ النَّزْحِ لَا يَجِبُ نَزْحُ شَيْءٍ؛ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ وَجَرَيَانُ بَعْضِهِ) أَيْ يَكْفِي أَيْضًا بِأَنْ حُفِرَ لَهَا مَنْفَذٌ يَخْرُجُ مِنْهُ بَعْضُ الْمَاءِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَغَوَرَانُ قَدْرِ الْوَاجِبِ) وَإِذَا عَادَ لَا يَعُودُ نَجِسًا إنْ جَفَّ أَسْفَلُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِلَّا عَادَ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ (قَوْلُهُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ) أَيْ دَلَالَةِ النَّصِّ، وَهِيَ دَلَالَةُ مَنْطُوقِهِ عَلَى مَا سُكِتَ عَنْهُ بِالْأَوْلَى أَوْ بِالْمُسَاوَاةِ كَدَلَالَةِ حُرْمَةِ التَّأْفِيفِ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى حُرْمَةِ الضَّرْبِ وَالْإِتْلَافِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي حَوَاشِينَا عَلَى شَرْحِ الْمَنَارِ لِلشَّارِحِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا قَدَّمْنَاهُ عَلَى الْمُسْتَصْفَى. (قَوْلُهُ كَفَأْرَةٍ مَعَ هِرَّةٍ) أَيْ فَإِنْ مَاتَتَا نُزِحَ أَرْبَعُونَ وَإِلَّا فَلَا نَزْحَ، وَإِنْ مَاتَتْ الْفَأْرَةُ فَقَطْ أَوْ جُرِحَتْ أَوْ بَالَتْ فِيهِ نُزِحَ الْكُلُّ سِرَاجٌ، وَبَقِيَ مِنْ الْأَقْسَامِ مَوْتُ الْهِرَّةِ فَقَطْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيهِ أَرْبَعِينَ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَنَحْوُ الْهِرَّتَيْنِ) أَيْ مَا كَانَ مِقْدَارَهُمَا فِي الْجُثَّةِ (قَوْلُهُ وَنَحْوُ الْفَأْرَتَيْنِ) أَيْ لَوْ كَانَتَا كَهَيْئَةِ الدَّجَاجَةِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ فِيهِمَا حِينَئِذٍ أَرْبَعِينَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ) أَيْ

стр. 213

(وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا) مُغَلَّظَةً (مِنْ وَقْتِ الْوُقُوعِ إنْ عُلِمَ، وَإِلَّا فَمُذْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إنْ لَمْ يَنْتَفِخْ وَلَمْ يَتَفَسَّخْ) وَهَذَا (فِي حَقِّ الْوُضُوءِ) وَالْغُسْلِ؛ وَمَا عُجِنَ بِهِ فَيُطْعَمُ لِلْكِلَابِ؛ وَقِيلَ يُبَاعُ مِنْ شَافِعِيٍّ، أَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَغَسْلِ ثَوْبٍ فَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ فِي الْحَالِ ــ [رد المحتار] ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: الْخَمْسُ إلَى التِّسْعِ كَهِرَّةٍ، وَالْعَشْرُ كَشَاةٍ، وَجَزَمَ فِي الْمَوَاهِبِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَنَفَى الثَّانِي فَأَفَادَ ضَعْفَهُ. (قَوْلُهُ مُغَلَّظَةً) بَيَانٌ لِصِفَةِ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ التَّخْفِيفَ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْمَاءِ (قَوْلُهُ مِنْ وَقْتِ الْوُقُوعِ) أَيْ وُقُوعِ مَا مَاتَ فِيهَا (قَوْلُهُ إنْ عُلِمَ) أَيْ الْوَقْتُ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ قُهُسْتَانِيٌّ، وَمِنْهُ مَا إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ بِوُقُوعِهَا يَوْمَ كَذَا كَمَا فِي السِّرَاجِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ أَوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الْبِئْرِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ط (قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ يَعْنِي الْمَكْتُوبَةَ وَالْمَنْذُورَةَ وَالْوَاجِبَةَ وَسُنَّةَ الْفَجْرِ. اهـ حِلْيَةٌ وَسَيَأْتِي أَنَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ إنَّمَا تُقْضَى إذَا فَاتَتْ مَعَ الْفَرْضِ فِي يَوْمِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَمَا عُجِنَ بِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْوُضُوءِ (قَوْلُهُ فَيُطْعَمُ لِلْكِلَابِ) ؛ لِأَنَّ مَا تَنَجَّسَ بِاخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِهِ وَالنَّجَاسَةُ مَغْلُوبَةٌ لَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَيُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيمَا وَرَاءَ الْأَكْلِ كَالدُّهْنِ النَّجِسِ يَسْتَصْبِحُ بِهِ إذَا كَانَ الطَّاهِرُ غَالِبًا فَكَذَا هَذَا حِلْيَةٌ عَنْ الْبَدَائِعِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعَجِينَ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَغَيْرُهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِثْلُهُ، تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقِيلَ يُبَاعُ مِنْ شَافِعِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجَّسُ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ، لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُطْعَمُ بَنِي آدَمَ. اهـ. وَلِهَذَا عَبَّرَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِقِيلَ وَجَزَمَ بِالْأَوَّلِ كَصَاحِبِ الْبَدَائِعِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ فِي اعْتِقَادِ الْحَنَفِيِّ نَجِسٌ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى اعْتِقَادِ غَيْرِهِ، وَلِذَا لَوْ اسْتَفْتَاهُ عَنْهُ لَا يُفْتِيهِ إلَّا بِمَا يَعْتَقِدُهُ (قَوْلُهُ أَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالْعَجِينِ (قَوْلُهُ فَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ) الْأَوْلَى بِنَجَاسَتِهَا أَيْ الْبِئْرِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْبَحْرِ وَقَوْلُهُ فِي الْحَالِ: أَيْ حَالِ وُجُودِ الْفَأْرَةِ مَثَلًا، لَا مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا مِنْ وَقْتِ غَسْلِ الثِّيَابِ، وَلِهَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: أَيْ مِنْ غَيْرِ إسْنَادٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ، حَتَّى إذَا كَانُوا غَسَلُوا الثِّيَابَ بِمَائِهَا لَمْ يَلْزَمْهُمْ إلَّا غَسْلُهَا فِي الصَّحِيحِ. اهـ وَعَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْمُحِيطِ أَيْضًا. وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ مُحَشِّي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِأَنَّهُ إذَا حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْبِئْرِ فِي الْحَالِ يَلْزَمُ أَنْ لَا تَتَنَجَّسَ الثِّيَابُ الَّتِي غُسِلَتْ بِمَائِهَا قَبْلَهُ، فَلَا يَلْزَمُ غَسْلُهَا فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ لَا يَلْزَمُ إلَّا غَسْلُهَا. اهـ وَكَذَا اعْتَرَضَهُ فِي الْحِلْيَةِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا لَزِمَ غَسْلُ الثِّيَابِ لِكَوْنِهَا، غُسِلَتْ بِمَاءِ هَذَا الْبِئْرِ فَكَيْفَ لَمْ يَحْكُمْ عَلَى الثِّيَابِ بِالنَّجَاسَةِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ غَسْلِهَا الْمُتَيَقَّنِ حُصُولُهُ قَبْلَ وُجُودِ الْفَأْرَةِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى وَقْتِ وُجُودِهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَّجِهُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ مَعَ الْغَسْلِ الْإِعَادَةَ، وَلَا عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُوجِبَانِ غَسْلَ الثَّوْبِ أَصْلًا. اهـ. وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَغَيْرِهِمَا. وَأَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْمُتُونِ قَاطِبَةً، فَإِنَّهُمْ حَكَمُوا بِالنَّجَاسَةِ وَلَمْ يُفَصِّلُوا بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالثَّوْبِ. وَفِي الْهِدَايَةِ وَمُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ: أَعَادُوا صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانُوا تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَغَسَلُوا كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مَاؤُهَا. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ: إنْ كَانَتْ مُنْتَفِخَةً أَعَادُوا صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا، وَمَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ فِي الثَّلَاثَةِ أَفْسَدَهُ، وَإِنْ عُجِنَ مِنْهُ لَمْ يُؤْكَلْ خُبْزُهُ. اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْمُنْيَةِ وَشَرْحِهَا. ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ مُحَشِّي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ نَقَلَ مَا نَقَلْنَاهُ قَالَ إنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي إعْلَامِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الصَّوَابَ عَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَالِ وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، نَعَمْ أَشَارَ فِي الدُّرَرِ إلَى أَنَّ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ مُلَفَّقٌ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ وَقَوْلِهِمَا حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الزَّيْلَعِيِّ: يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ الصَّبَّاغِيَّ كَانَ يُفْتِي بِهَذَا انْتَهَى

стр. 214

وَهَذَا لَوْ تَطَهَّرَ عَنْ حَدَثٍ أَوْ غَسَلَ عَنْ خَبَثٍ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ إجْمَاعًا جَوْهَرَةٌ. (وَمُذْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) بِلَيَالِيِهَا (إنْ انْتَفَخَ أَوْ تَفَسَّخَ) اسْتِحْسَانًا. وَقَالَا: مِنْ وَقْتِ الْعِلْمِ فَلَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، قِيلَ وَبِهِ يُفْتَى. [فَرْعٌ] وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا أَوْ بَوْلًا أَوْ دَمًا أَعَادَ مِنْ آخِرِ احْتِلَامٍ ــ [رد المحتار] أَيْ بِهَذَا التَّفْصِيلِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: كَانَ الصَّبَّاغِيُّ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي ح فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَبِقَوْلِهِمَا فِيمَا سِوَاهُ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. اهـ. وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ مُقْتَضَى مَا أَفْتَى بِهِ الصَّبَّاغِيُّ أَنْ تَجِبَ إعَادَةُ الصَّلَاةِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الثِّيَابِ، وَهَذَا عَكْسُ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ فَأَيْنَ التَّأْيِيدُ؟ نَعَمْ يَظْهَرُ هَذَا التَّأْيِيدُ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي عِبَارَةِ الزَّيْلَعِيِّ زَائِدٌ. أَقُولُ: وَكَذَا وَجَدْته سَاقِطًا فِي نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ مُصَحَّحَةٍ، وَكَذَا وَجَدْته فِي نُسْخَتِي مَضْرُوبًا عَلَيْهِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ التَّفْصِيلِ تَابَعَ فِيهِ الزَّيْلَعِيَّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِشْكَالَاتِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الَّذِي هُوَ مِنْ مِنَحِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ (قَوْلُهُ وَهَذَا لَوْ تَطَهَّرَ إلَخْ) الْإِشَارَةُ فِي عِبَارَةِ الْجَوْهَرَةِ إلَى عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا؛ ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ عَزَاهُ إلَى شَيْخِهِ مُوَفَّقِ الدِّينِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمَاءَ صَارَ مَشْكُوكًا فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ، فَإِنْ كَانُوا مُحْدِثِينَ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ حَدَثُهُمْ بِمَاءٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَإِنْ كَانُوا مُتَوَضِّئِينَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِمَاءٍ مَشْكُوكٍ فِي نَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ. اهـ. أَقُولُ: هَذَا أَيْضًا مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ عِبَارَاتِ الْمُعْتَبَرَاتِ مِنْ لُزُومِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ وَغَسْلِ كُلِّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مَاؤُهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الْإِعَادَةَ عَنْ حَدَثٍ وَغَيْرِهِ وَالْغَسْلَ لِثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَأَيْضًا يُنَاقِضُهُ مَسْأَلَةُ الْعَجِينِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا حَلَالًا لِكَوْنِهِ كَانَ طَاهِرًا فَلَا تَزُولُ طَهَارَتُهُ بِمَاءٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي عَامَّةِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ. وَأَيْضًا فَقَدْ رَجَّحُوا قَوْلَ الْإِمَامِ بِحُكْمِهِ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ الِاحْتِيَاطُ فِي أَمْرِ الْعِبَادَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ خِلَافُ الِاحْتِيَاطِ، فَكَانَ الْعَمَلُ عَلَى مَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَوْلَى. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانِ (قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا) الِاسْتِحْسَانُ كَمَا قَالَ الْكَرْخِيُّ: قَطْعُ الْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا لِمَا هُوَ أَقْوَى، وَذَلِكَ الْأَقْوَى هُوَ دَلِيلٌ يُقَابِلُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ الَّذِي تَسْبِقُ إلَيْهِ أَفْهَامُ الْمُجْتَهِدِينَ نَصًّا كَانَ أَوْ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا خَفِيًّا، وَتَمَامُهُ فِي فَتَاوَى الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ وَقَالَ إلَخْ) قَوْلُهُمَا هُوَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَبَيَانُ وَجْهِ كُلٍّ فِي الْمُطَوَّلَاتِ (قَوْلُهُ فَلَا يَلْزَمُهُمْ) أَيْ أَصْحَابَ الْبِئْرِ شَيْءٌ مِنْ إعَادَةِ الصَّلَاةِ أَوْ غَسْلِ مَا أَصَابَهُ مَاؤُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ وَصَاحِبُ الْبَحْرِ وَالْفَيْضِ وَشَارِحُ الْمُنْيَةِ، فَقَوْلُ الدُّرَرِ بَلْ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ مَاؤُهَا، قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: لَعَلَّ الصَّوَابَ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالنَّجَاسَةِ (قَوْلُهُ قِيلَ وَبِهِ يُفْتَى) قَائِلُهُ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِ الْقُدُورِيِّ: قَالَ فِي فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ: قَوْلُهُمَا هُوَ الْمُخْتَارُ. قُلْت: لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ اعْتَمَدَ قَوْلَ الْإِمَامِ الْبُرْهَانِيِّ وَالنَّسَفِيِّ وَالْمُوصِلِيِّ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ، وَرَجَّحَ دَلِيلَهُ فِي جَمِيعِ الْمُصَنَّفَاتِ، وَصَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ قَوْلَهُمَا قِيَاسٌ، وَقَوْلَهُ اسْتِحْسَانٌ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ فِي الْعِبَادَاتِ. اهـ [فَرْعٌ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا أَوْ بَوْلًا أَوْ دَمًا] (قَوْلُهُ أَعَادَ مِنْ آخِرِ احْتِلَامٍ إلَخْ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ آخِرِ نَوْمٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالِاحْتِلَامِ؛ لِأَنَّ

стр. 215

وَبَوْلٍ وَرُعَافٍ. وَلَوْ وَجَدَ فِي جُبَّتِهِ فَأْرَةً مَيِّتَةً، فَإِنْ لَا ثَقْبَ فِيهَا أَعَادَ مُذْ وَضَعَ الْقُطْنَ وَإِلَّا فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَوْ مُنْتَفِخَةً أَوْ نَاشِفَةً، وَإِلَّا فَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ:. (وَلَا نَزْحَ) فِي بَوْلِ فَأْرَةٍ فِي الْأَصَحِّ فَيْضٌ، وَلَا (بِخُرْءِ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ) وَكَذَا سِبَاعُ طَيْرٍ فِي الْأَصَحِّ لِتَعَذُّرِ صَوْنِهَا عَنْهُ (وَ) لَا (بِتَقَاطُرِ بَوْلٍ كَرُءُوسِ إبَرٍ وَغُبَارٍ نَجِسٍ) ــ [رد المحتار] النَّوْمَ سَبَبُهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَرُعَافٍ) هَذَا ظَاهِرٌ إذَا وَقَعَ لَهُ رُعَافٌ وَلَمْ يُبَيِّنُوا حُكْمَ مَا إذَا لَمْ يَقَعْ لَهُ وَلِأَجْلِ هَذَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ أَنَّ الدَّمَ لَا يُعِيدُ فِيهِ؛ لِأَنَّ دَمَ غَيْرِهِ قَدْ يُصِيبُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِصَابَةَ لَمْ تَتَقَدَّمْ زَمَانَ وُجُودِهِ، بِخِلَافِ الْمَنِيِّ؛ لِأَنَّ مَنِيَّ غَيْرِهِ لَا يُصِيبُ ثَوْبَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنِيُّهُ، فَيُعَيِّنُ وُجُودَهُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ سَبَبِ خُرُوجِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ الثَّوْبُ مِمَّا يَلْبَسُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ يَسْتَوِي فِيهِ حُكْمُ الْمَنِيِّ وَالدَّمِ. وَاخْتَارَ فِي الْمُحِيطِ مَا رَوَاهُ ابْنُ رُسْتُمَ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ وَقَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِصَابَةَ إلَخْ لَا يَظْهَرُ فِي الْجَافِّ ط. وَفِي السِّرَاجِ: لَوْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْإِصَابَةِ لَمْ يُعَدَّ شَيْئًا بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. قُلْت: وَهَذَا يَشْمَلُ الدَّمَ، فَيَقْتَضِي أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَوْ مُنْتَفِخَةً أَوْ نَاشِفَةً إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بَحْثًا فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِمْ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ: وَيَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ تَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهَا مُنْتَفِخَةً أَوْ نَاشِفَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعَادَ يَوْمًا وَلَيْلَةً. اهـ. (قَوْلُهُ فِي بَوْلِ فَأْرَةٍ فِي الْأَصَحِّ) وَسَيَذْكُرُ فِي الْأَنْجَاسِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَأَنَّ خُرْأَهَا لَا يُفْسِدُ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ؛ وَأَنَّ بَوْلَ السِّنَّوْرِ عَفْوٌ فِي غَيْرِ أَوَانِي الْمَاءِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. أَقُولُ: وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ بَوْلَ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَخُرْأَهُمَا نَجِسٌ فِي أَظْهَرْ الرِّوَايَاتِ يُفْسِدُ الْمَاءَ وَالثَّوْبَ. اهـ وَلَعَلَّهُمْ رَجَّحُوا الْقَوْلَ بِالْعَفْوِ لِلضَّرُورَةِ (قَوْلُهُ بِخُرْءٍ) بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ (قَوْلُهُ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ) أَيْ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ سِوَى الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَكَذَا سِبَاعُ طَيْرٍ أَيْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ فِي جَامِعِهِ النَّجَاسَةَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِتَعَذُّرِ صَوْنِهَا) أَيْ الْبِئْرِ عَنْهُ: أَيْ عَنْ الْخُرْءِ الْمَذْكُورِ. وَمُفَادُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ نَجَسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ، وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، لَكِنَّ الَّذِي اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ عِنْدَنَا لِلْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ عَلَى اقْتِنَاءِ الْحَمَامَاتِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مَعَ الْعِلْمِ بِمَا يَكُونُ مِنْهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ. قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرُوا لِهَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةً مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى سُقُوطِ حُكْمِ النَّجَاسَةِ. اهـ. قُلْت: يُمْكِنُ أَنْ تَظْهَرَ فِي التَّعَالِيقِ، وَكَذَا إذَا رَمَاهُ فِي الْمَاءِ قَصْدًا فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ بِفِعْلِهِ. وَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَظْهَرَ فِيمَا لَوْ وَجَدَهَا عَلَى ثَوْبٍ وَعِنْدَهُ مَا هُوَ خَالٍ عَنْهَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ عَلَى الْعَفْوِ لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ وَتَجُوزُ عَلَى الطَّهَارَةِ. اهـ. قَالَ ط: فِيهِ نَظَرٌ، إذْ مُقْتَضَاهُ عَدَمُ جَوَازِ التَّطَهُّرِ فِيهِ بِهَذَا الْمَاءِ حَيْثُ وُجِدَ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَلَا بِتَقَاطُرِ بَوْلٍ إلَخْ) تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الدُّرَرِ، وَأَشَارَ فِي الْفَيْضِ إلَى ضَعْفِهِ، وَذَكَرَ الْقُهُسْتَانِيُّ فِي الْأَنْجَاسِ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَّسَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَدَّادِيُّ عَنْ الْكِفَايَةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَاءِ آكَدُ، وَبِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي الْمَاءِ: أَيْ بِخِلَافِ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ، وَبِهِ جَزَمَ الشَّارِحُ فِي الْأَنْجَاسِ أَيْضًا، فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي (قَوْلُهُ كَرُءُوسِ إبَرٍ) وَمِثْلُ الرُّءُوسِ الْجِهَةُ الْأُخْرَى ط وَسَيَأْتِي إشْبَاعُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ (قَوْلُهُ وَغُبَارٍ نَجِسٍ) بِالْإِضَافَةِ وَعَدَمِهَا، وَفِي الْجِيمِ الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ ط.
следующие страницы →