Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
حَقِيقَةً بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ أَوْ لَا) كَإِنْ جَاءَ زَيْدٌ وَبَكْرٌ فَأَنْتِ كَذَا (يَقَعُ) الْمُعَلَّقُ (إنْ وُجِدَ) الشَّرْطُ (الثَّانِي فِي الْمِلْكِ وَإِلَّا لَا) لِاشْتِرَاطِ الْمِلْكِ حَالَةَ الْحِنْثِ وَالْمَسْأَلَةُ رُبَاعِيَّةٌ
ــ
[رد المحتار]
[مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ تَكَرَّرَ الشَّرْطُ بِعَطْفٍ أَوْ بِدُونِهِ]
(قَوْلُهُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ) وَذَلِكَ بِأَنْ عَطَفَ شَرْطًا عَلَى آخَرَ وَأَخَّرَ الْجَزَاءَ، نَحْوُ: إذَا قَدِمَ فُلَانٌ وَإِذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ حَتَّى يَقْدُمَا لِأَنَّهُ عَطَفَ شَرْطًا مَحْضًا عَلَى شَرْطٍ لَا حُكْمَ لَهُ ثُمَّ ذَكَرَ الْجَزَاءَ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِمَا فَصَارَا شَرْطًا وَاحِدًا فَلَا يَقَعُ إلَّا بِوُجُودِهِمَا، فَإِنْ نَوَى الْوُقُوعَ بِأَحَدِهِمَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ بِتَقْدِيمِ الْجَزَاءِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَفِيهِ تَغْلِيظٌ.
أَوْ بِأَنْ كَرَّرَ أَدَاةَ الشَّرْطِ بِغَيْرِ عَطْفٍ كَإِنْ أَكَلْت إنْ لَبِسْت فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ تَلْبَسْ ثُمَّ تَأْكُلْ وَتَقَدَّمَ الْمُؤَخَّرُ، وَالتَّقْدِيمُ إنْ لَبِسْت، فَإِنْ أَكَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَكَذَا كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا إنْ كَلَّمَتْ فُلَانًا فَهِيَ طَالِقٌ يُقَدِّمُ الْمُؤَخَّرَ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ، إنْ كَلَّمَتْ فُلَانًا فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ. وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: إنْ أَعْطَيْتُك إنْ وَعَدْتُك إنْ سَأَلْتنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَسْأَلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَعِدَهَا ثُمَّ يُعْطِيَهَا لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَطِيَّةِ الْوَعْدَ وَفِي الْوَعْدِ السُّؤَالَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ سَأَلْتنِي إنْ وَعَدْتُك إنْ أَعْطَيْتُك كَذَا فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ الثَّانِي مُتَرَتِّبًا عَلَى الْأَوَّلِ عَادَةً وَكَانَ الْجَزَاءُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الشَّرْطَيْنِ أَوْ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِمَا وَإِلَّا كَانَ كُلُّ شَرْطٍ فِي مَوْضِعِهِ، كَإِنْ أَكَلْت إنْ شَرِبْت فَأَنْتَ حُرٌّ، حَتَّى إذَا شَرِبَ ثُمَّ أَكَلَ لَمْ يُعْتَقْ، وَكَذَا إنْ دَعَوْتنِي إنْ أَجَبْتُك أَوْ إنْ رَكِبْت الدَّابَّةَ إنْ أَتَيْتنِي يُقَرُّ كُلُّ شَرْطٍ فِي مَوْضِعِهِ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا مُرَتَّبَيْنِ عُرْفًا أُضْمِرَتْ كَلِمَةُ ثُمَّ، وَكَذَا إنْ تَوَسَّطَ الْجَزَاءُ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يُقَرُّ كُلُّ شَرْطٍ فِي مَوْضِعِهِ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ الْجَزَاءَ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ بِحَرْفِ الْوَصْلِ وَهُوَ الْفَاءُ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ، وَالثَّانِي شَرْطَ الْحِنْثِ كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا وَيُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمِلْكِ عِنْدَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ جُعِلَ شَرْطَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ كَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ الدُّخُولِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَالْيَمِينُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا فِي الْمِلْكِ أَوْ مُضَافَةً إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ صَحَّتْ الْيَمِينُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَلَامِ فَإِذَا كَلَّمَتْ يَقَعُ وَإِلَّا بِإِنْ دَخَلَتْ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَلَّمَتْ وَإِذَا دَخَلَتْ الدَّارَ فِي الْعِدَّةِ وَكَلَّمَتْ فِيهَا طَلُقَتْ.
مَطْلَبٌ لَوْ تَكَرَّرَتْ أَدَاةُ الشَّرْطِ بِلَا عَطْفٍ فَهُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَرَّرَ أَدَاةَ الشَّرْطِ بِلَا عَطْفٍ تَوَقَّفَ الْوُقُوعُ عَلَى وُجُودِهِمَا، لَكِنْ إنْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ عَلَيْهِمَا أَوْ أَخَّرَهُ فَالْمِلْكُ يُشْتَرَطُ عِنْدَ آخِرِهِمَا وَهُوَ الْمَلْفُوظُ بِهِ أَوَّلًا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَإِنْ وَسَّطَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمِلْكِ عِنْدَهُمَا وَإِنْ كَانَ بِالْعَطْفِ تَوَقَّفَ عَلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَ الْجَزَاءَ أَوْ وَسَّطَهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ تَوَقَّفَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْ أَدَاةَ الشَّرْطِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشَّيْئَيْنِ قَدَّمَ الْجَزَاءَ عَلَيْهِمَا أَوْ أَخَّرَهُ بَحْرٌ مُلَخَّصًا، وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ أَوْ لَا) عَطْفٌ عَلَى حَقِيقَةً.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَمَّا الثَّانِي أَعْنِي مَا لَيْسَا شَرْطَيْنِ حَقِيقَةً، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مُتَعَلِّقًا بِشَيْئَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا نَحْوُ: إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ وَهَذِهِ، أَوْ إنْ كَلَّمْت أَبَا عَمْرٍو وَأَبَا يُوسُفَ فَكَذَا فَإِنَّهُمَا شَرْطٌ وَاحِدٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْوُقُوعَ بِأَحَدِهِمَا فَاشْتُرِطَ لِلْوُقُوعِ قِيَامُ الْمِلْكِ عِنْدَ آخِرِهِمَا، وَكَذَا إذَا كَانَ فِعْلًا قَائِمًا بِاثْنَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَائِمٌ بِهِمَا نَحْوُ: إنْ جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَكَذَا فَإِنَّ الشَّرْطَ مَجِيئُهُمَا اهـ (قَوْلُهُ إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ الثَّانِي فِي الْمِلْكِ) احْتِرَازٌ عَنْ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ عَلَى التَّفْصِيلِ كَمَا عَلِمْت. وَأَمَّا أَصْلُ التَّعْلِيقِ فَشَرْطُ صِحَّتِهِ الْمِلْكُ أَوْ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ فَالْكَلَامُ فِيمَا بَعْدَ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ (قَوْلُهُ وَالْمَسْأَلَةُ رُبَاعِيَّةٌ) لِأَنَّهُمَا إمَّا أَنْ يُوجَدَا فِي الْمِلْكِ أَوْ خَارِجَهُ أَوْ الْأَوَّلُ فَقَطْ فِي الْمِلْكِ أَوْ الْعَكْسُ
стр. 1647
(عَلَّقَ الثَّلَاثَ أَوْ الْعِتْقَ) لِأَمَتِهِ (بِالْوَطْءِ) حَنِثَ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَ (لَمْ يَجِبْ) عَلَيْهِ (الْعُقْرِ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (بِاللَّبْثِ) بَعْدَ الْإِيلَاجِ لِأَنَّ اللَّبْثَ لَيْسَ بِوَطْءٍ (وَ) لِذَا (لَمْ يَصِرْ بِهِ مُرَاجِعًا فِي) الطَّلَاقِ (الرَّجْعِيِّ إلَّا إذَا أَخْرَجَ ثُمَّ أَوْلَجَ ثَانِيًا) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالْحَرَكَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَجِبُ الْعُقْرُ لَا الْحَدُّ لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ.
(لَا تَطْلُقُ) الْجَدِيدَةُ (فِي) قَوْلِهِ لِلْقَدِيمَةِ (إنْ نَكَحْتهَا) أَيْ فُلَانَةَ (عَلَيْك فَهِيَ طَالِقٌ إذَا نَكَحَ) فُلَانَةَ (عَلَيْهَا
ــ
[رد المحتار]
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فِي الْمِلْكِ وَقَعَ الطَّلَاقُ سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلُ فِي الْمِلْكِ أَوْ لَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي خَارِجَ الْمِلْكِ لَا يَقَعُ سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلُ فِي الْمِلْكِ أَوْ لَا. اهـ. ح. فَفِي قَوْلِهِ إذَا جَاءَ زَيْدٌ وَبَكْرٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ إذَا جَاءَا مَعًا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ أَوْ طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَجَاءَ زَيْدٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَجَاءَ عَمْرٌو طَلُقَتْ، وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْعِدَّةِ قَبْلَ التَّزَوُّجِ أَوْ جَاءَ زَيْدٌ فِي الْعِدَّةِ وَعَمْرٌو بَعْدَهَا قَبْلَ التَّزَوُّجِ لَا تَطْلُقُ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْعُقْرُ) أَشَارَ بِنَفْيِ الْعُقْرِ فَقَطْ إلَى ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِاللَّبْثِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ النَّزْعُ لِلْحَالِ. وَالْعُقْرُ: بِالضَّمِّ مَهْرُ الْمَرْأَةِ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَبِالْفَتْحِ: الْجُرْحُ كَمَا فِي الصِّحَاحِ بَحْرٌ وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْمَهْرِ.
(قَوْلُهُ بِاللَّبْثِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْبَاءِ: الْمُكْثُ، مِنْ لَبِثَ كَسَمِعَ، وَهُوَ نَادِرٌ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ مِنْ فَعِلَ بِالْكَسْرِ قِيَاسُهُ التَّحْرِيكُ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ بَحْرٌ عَنْ الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ اللَّبْثَ لَيْسَ بِوَطْءٍ) لِأَنَّ الْوَطْءَ أَيْ الْجِمَاعَ إدْخَالُ الْفَرَجِ فِي الْفَرَجِ وَلَيْسَ لَهُ دَوَامٌ حَتَّى يَكُونَ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ، كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا لَا يَحْنَثُ بِاللَّبْثِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لَمْ يَصِرْ بِهِ مُرَاجِعًا) أَيْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ فَلَيْسَ لِآخِرِهِ حُكْمُ فِعْلٍ عَلَى حِدَةٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِيرُ مُرَاجِعًا لِوُجُودِ الْمَسِّ بِشَهْوَةٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ نَهْرٌ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَجَزْمُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ مُرَاجِعًا عِنْدَ الْكُلِّ لِوُجُودِ الْمِسَاسِ بِشَهْوَةٍ، كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ. وَيَنْبَغِي تَصْحِيحُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْوَطْءِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا (قَوْلُهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا إلَخْ) لَا يَصِحُّ جَعْلُهُ تَعْمِيمًا لِقَوْلِهِ ثُمَّ أَوْلَجَ ثَانِيًا بَعْدَ قَوْلِهِ إذَا أَخْرَجَ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ لَا يُمْكِنُهُ تَحْرِيكُ نَفْسِهِ إلَّا بَعْدَ إيلَاجٍ ثَانٍ حَقِيقَةً فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالْإِيلَاجِ الثَّانِي لَا بِالتَّحْرِيكِ، فَيَتَعَيَّنُ جَعْلُهُ تَعْمِيمًا لِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ أَخْرَجَ ثُمَّ أَوْلَجَ، وَعَلَى كُلٍّ فَقَوْلُهُ فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالْحَرَكَةِ الثَّانِيَةِ لَا وَجْهَ لِتَقْيِيدِهَا بِالثَّانِيَةِ إلَّا أَنْ تُصَوَّرَ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا أَوْلَجَ فَقَالَ إنْ جَامَعْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: إذَا لَمْ يَنْزِعْ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ حَتَّى أَنْزَلَ لَا تَطْلُقُ، فَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ طَلُقَتْ وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالْحَرَكَةِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ وَيَجِبُ الْعُقْرُ) أَيْ فِيمَا إذَا عَلَّقَ الثَّلَاثَ أَوْ عِتْقَ الْأَمَةِ ط لِأَنَّ الْبُضْعَ الْمُحْتَرَمَ لَا يَخْلُو عَنْ عَقْدٍ أَوْ عُقْرٍ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ) أَيْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْإِيلَاجِ ثَانِيًا وَإِنْ كَانَ جِمَاعًا، لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ أَنَّهُ جِمَاعٌ وَاحِدٌ بِالنَّظَرِ إلَى اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ كَانَ أَوَّلُهُ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ فَلَا يَكُونُ آخِرُهُ مُوجِبًا لَهُ وَإِنْ قَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ.
وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ فِي الْعِتْقِ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا فِي مِلْكٍ وَلَا فِي شُبْهَتِهِ وَهِيَ الْعِدَّةُ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ لِوُجُودِ الْعِدَّةِ، أَفَادَهُ فِي الْمِعْرَاجِ، لَكِنْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَإِنْ لَبِثَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَنْزِعْ وَجَبَ مَهْرَانِ: مَهْرٌ بِالْوَطْءِ أَيْ لِسُقُوطِ الْحَدِّ بِالْعَقْدِ، وَمَهْرٌ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْنِفْ الْإِدْخَالَ لِأَنَّ دَوَامَهُ عَلَى ذَلِكَ فَوْقَ الْخَلْوَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهَذَا يَشْكُلُ عَلَى مَا مَرَّ، إذْ قَدْ جَعَلَ لَآخِرِ هَذَا الْفِعْلِ الْوَاحِدِ حُكْمًا عَلَى حِدَةٍ اهـ وَأَجَابَ ح تَبَعًا لِلْحَمَوِيِّ بِأَنَّ هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَذَاكَ قَوْلُهُ فَلَا تَنَافِيَ.
وَاعْتَرَضَهُ ط بِمَا فِي الْبَحْرِ عَقِبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَنَّ تَخْصِيصَ الرِّوَايَةِ بِمُحَمَّدٍ لَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافٍ بَلْ لِأَنَّهَا رُوِيَتْ عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ اهـ فَتَأَمَّلْ.
قُلْت: وَالْجَوَابُ الْحَاسِمُ لِلْإِشْكَالِ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ اعْتِبَارَ آخِرِ الْفِعْلِ هُنَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ لِخَلْوَةٍ مُقَرِّرَةٍ لِلْمَهْرِ بَلْ فَوْقَهَا
стр. 1648
فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ) لِأَنَّ الشَّرْطَ مُشَارَكَتُهَا فِي الْقَسْمِ وَلَمْ يُوجَدْ. (فَلَوْ) نَكَحَ (فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيِّ) أَوْ لَمْ يَقُلْ عَلَيْك (طَلُقَتْ) الْجَدِيدَةُ ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ، وَقَيَّدَهُ فِي النَّهْرِ بَحْثًا بِمَا إذَا أَرَادَ رَجْعَتَهَا وَإِلَّا فَلَا قَسْمَ لَهَا كَمَا مَرَّ
(قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا)
ــ
[رد المحتار]
لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ وَطْئًا، وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي إيجَابِ الْحَدِّ وَثُبُوتِ الرَّجْعَةِ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ لَا تُوجِبُ ذَلِكَ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الشَّرْطَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْبَحْرِ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ عَلَيْهَا أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا مَنْ يُنَازِعُهَا فِي الْفِرَاشِ وَيُزَاحِمُهَا فِي الْقَسَمِ وَلَمْ يُوجَدْ (قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ) أَيْ قَيَّدَ الطَّلَاقَ إذَا نَكَحَهَا فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيِّ بِمَا ذُكِرَ أَخْذًا مِنْ مَفْهُومِ التَّعْلِيلِ، وَقَالَ إنَّ هَذِهِ وَارِدَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ يَعْنِي صَاحِبَ الْكَنْزِ.
قُلْت وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمُزَاحَمَةَ فِي الْقَسَمِ مَوْجُودَةٌ حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يُرِدْ مُرَاجَعَتَهَا وَقْتَ الطَّلَاقِ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ الْإِرَادَةِ بَعْدَهُ بِإِرَادَةِ الْمُرَاجَعَةِ؛ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا فِي حَالِ سَفَرِهِ أَوْ حَالَ نُشُوزِ الْأُولَى فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ الْوُقُوعُ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْمُزَاحَمَةُ حَقِيقَةً وَقْتَ التَّزَوُّجِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي بَابِ الْقَسَمِ ح.
[مَطْلَبٌ مَسَائِلُ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمَشِيئَةِ]
(قَوْلُهُ قَالَ لَهَا إلَخْ) شُرُوعٌ فِي مَسَائِلِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَعَقَدَ لَهَا فِي الْهِدَايَةِ فَصْلًا عَلَى حِدَةٍ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَأَلْحَقَ الِاسْتِثْنَاءَ بِالتَّعْلِيقِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي مَنْعِ الْكَلَامِ مِنْ إثْبَاتِ مُوجَبِهِ إلَّا أَنَّ الشَّرْطَ يَمْنَعُ الْكُلَّ وَالِاسْتِثْنَاءَ الْبَعْضَ، وَقَدَّمَ مَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِمُشَابَهَتِهَا الشَّرْطَ فِي مَنْعِ الْكُلِّ، وَذَكَرَ أَدَاةَ التَّعْلِيقِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى طَرِيقَةٍ لِأَنَّهُ مَنْعٌ لَا إلَى غَايَةٍ وَالشَّرْطُ مَنْعٌ إلَى غَايَةٍ يُحَقِّقُهُ كَمَا يُفِيدُهُ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إنْ دَخَلُوا، وَلِذَا لَمْ يُورِدْهُ فِي بَحْثِ التَّعْلِيقَاتِ، وَلَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ اسْمٌ تَوْقِيفِيٌّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] أَيْ لَا يَقُولُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
مَطْلَبٌ الِاسْتِثْنَاءُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي صِيَغِ الْإِخْبَارِ لَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ
وَلِلْمُشَارَكَةِ فِي الِاسْمِ أَيْضًا اتَّجَهَ ذِكْرُهُ فِي فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي صِيَغِ الْإِخْبَارِ وَإِنْ كَانَ إنْشَاءَ إيجَابٍ لَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَلَوْ قَالَ أَعْتِقُوا عَبْدِي مِنْ بَعْدِ مَوْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَعْمَلُ الِاسْتِثْنَاءُ فَلَهُمْ عِتْقُهُ؛ وَلَوْ قَالَ بِعْ عَبْدِي هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ لِلْمَأْمُورِ بَيْعُهُ. وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ: كُلُّ مَا يَخْتَصُّ بِاللِّسَانِ يُبْطِلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ كَالطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ، بِخِلَافِ مَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ كَالصَّوْمِ لَا يَرْفَعُهُ، لَوْ قَالَ نَوَيْت صَوْمَ غَدٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَدَاؤُهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ؛ وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَوْقِيفِيٌّ أَنَّهُ وَارِدٌ فِي اللُّغَةِ لَا اصْطِلَاحِيٌّ فَقَطْ.
مَطْلَبٌ الِاسْتِثْنَاءُ يُطْلَقُ عَلَى الشَّرْطِ لُغَةً وَاسْتِعْمَالًا
وَفِي حَاشِيَةِ الْبَيْضَاوِيِّ لِلْخَفَاجِيِّ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ: الِاسْتِثْنَاءُ يُطْلَقُ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ فِي اللُّغَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ السِّيرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْكِتَابِ. قَالَ الرَّاغِبُ: الِاسْتِثْنَاءُ رَفْعُ مَا يُوجِبُهُ عُمُومٌ سَابِقٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] أَوْ رَفْعُ مَا يُوجِبُهُ اللَّفْظُ، كَقَوْلِهِ امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ. اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ اسْتَثْنَى» اهـ وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ إبْطَالٌ أَوْ تَعْلِيقٌ (قَوْلُهُ مُتَّصِلًا) احْتِرَازٌ عَنْ الْمُنْفَصِلِ، بِأَنْ وُجِدَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَاصِلٌ مِنْ سُكُوتٍ بِلَا ضَرُورَةِ تَنَفُّسٍ وَنَحْوِهِ أَوْ مِنْ كَلَامٍ لَغْوٍ كَمَا يَأْتِي وَقَيَّدَ فِي الْفَتْحِ السُّكُوتَ بِالْكَثِيرِ.
стр. 1649
إلَّا لِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ أَوْ جُشَاءٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ ثِقَلِ لِسَانٍ أَوْ إمْسَاكِ فَمٍ أَوْ فَاصِلٍ مُفِيدٍ لِتَأْكِيدٍ أَوْ تَكْمِيلٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ طَلَاقٍ، أَوْ نِدَاءٍ كَأَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ أَوْ يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ بَزَّازِيَّةٌ وَخَانِيَّةٌ، بِخِلَافِ الْفَاصِلِ اللَّغْوِ كَأَنْتِ طَالِقٌ رَجْعِيًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَعَ وَبَائِنًا لَا يَقَعُ؛ وَلَوْ قَالَ: رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا يَقَعُ بِنِيَّةِ الْبَائِنِ لَا الرَّجْعِيِّ قُنْيَةٌ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ ثَلَاثًا تَقَعُ وَاحِدَةٌ
وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ ثَلَاثًا، إنْ كَانَ سُكُوتُهُ لِانْقِطَاعِ النَّفَسِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا وَإِلَّا تَقَعُ وَاحِدَةٌ. وَفِي أَيْمَانِ الْبَزَّازِيَّةِ: أَخَذَهُ الْوَالِي وَقَالَ بِاَللَّهِ فَقَالَ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَتَأْتِيَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ الرَّجُلُ مِثْلَهُ فَلَمْ يَأْتِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ بِالْحِكَايَةِ وَالسُّكُوتِ صَارَ فَاصِلًا بَيْنَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَلِفِهِ، وَكَذَا فِيمَا لَوْ كَانَ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ. اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا لِتَنَفُّسٍ) أَيْ وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَكَتَ قَدْرَ النَّفَسِ ثُمَّ اسْتَثْنَى لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ لِلْفَصْلِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ. فَعُلِمَ أَنَّ السُّكُوتَ قَدْرَ النَّفَسِ بِلَا تَنَفُّسٍ كَثِيرٌ وَأَنَّ السُّكُوتَ لِلتَّنَفُّسِ وَلَوْ بِلَا ضَرُورَةٍ عَفْوٌ (قَوْلُهُ أَوْ إمْسَاكِ فَمٍ) أَيْ إذَا أَتَى بِالِاسْتِثْنَاءِ عَقِبَ رَفْعِ الْيَدِ عَنْ فَمِهِ (قَوْلُهُ لِتَأْكِيدٍ) نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ إذَا قَصَدَ التَّأْكِيدَ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ قُبَيْلَ الْكِنَايَاتِ أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ لَفْظَ الطَّلَاقِ وَقَعَ الْكُلُّ، فَإِنْ نَوَى التَّأْكِيدَ دِينَ اهـ وَكَذَا أَنْتَ حُرٌّ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ ح وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ أَوْ تَكْمِيلٍ) نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، بِخِلَافِ ثَلَاثًا وَوَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ كَمَا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ الثَّلَاثِ لَغْوٌ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ (قَوْلُهُ كَأَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ أَوْ يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ) مِثَالَانِ: الْمُفِيدُ الْحَدُّ، وَالطَّلَاقُ عَلَى سَبِيلِ النَّشْرِ الْمُرَتَّبِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَقَعُ وَصُرِفَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْوَصْفِ، وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ يَا صَبِيَّةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ يُصْرَفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْكُلِّ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، كَأَنَّهُ قَالَ يَا فُلَانَةُ، وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ إذَا كَانَ يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ أَوْ يَلْزَمُهُ حَدٌّ، كَقَوْلِهِ: يَا طَالِقُ يَا زَانِيَةُ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ. اهـ. ح.
أَقُولُ: فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَحْرِيفٌ وَسَقْطٌ، فَالْأَوَّلُ فِي قَوْلِهِ وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ يَا صَبِيَّةُ، فَإِنَّ صَوَابَهُ وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَا صَبِيَّةُ إلَخْ كَمَا عَبَّرَ فِي الذَّخِيرَةِ لِمُخَالَفَتِهِ حُكْمَ مَا قَبْلَهُ، وَالثَّانِي فِي قَوْلِهِ وَالْأَصْلُ إلَخْ فَإِنَّ قَوْلَهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ يَقَعُ، وَصُرِفَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْوَصْفِ: أَيْ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ. وَيُصْرَفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْوَصْفِ: أَيْ مَا وَصَفَهَا بِهِ مِنْ قَوْلِهِ يَا طَالِقُ أَوْ يَا زَانِيَةُ فَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ. فَالصَّوَابُ قَوْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ إذَا كَانَ يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، أَوْ يَجِبُ بِهِ حَدٌّ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهِ نَحْوُ قَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ أَوْ يَا طَالِقُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ نَحْوُ قَوْلِهِ يَا خَبِيثَةُ. اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِلَفْظٍ وَفِي نَوَادِرِ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَخْ. وَنُقِلَ قَبْلَهُ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ انْصِرَافُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ بِدُونِ تَفْصِيلٍ وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ، فَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ خِلَافُ الصَّحِيحِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ أَوَّلَ بَابِ طَلَاقِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ هُنَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ انْصِرَافُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ أَيْ الطَّلَاقِ وَالْوَصْفِ لَا إلَى الْوَصْفِ فَقَطْ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ، لَكِنْ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ كَمَا عَلِمْت فَلَا يُنَاسِبُ عَزْوَ الشَّارِحِ الْمَسْأَلَةَ إلَى الْبَزَّازِيَّةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَقَعَ) الْأَوْلَى فَإِنَّهُ يَقَعُ، وَإِنَّمَا كَانَ الْفَاصِلُ هُنَا لَغْوًا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِ الرَّجْعِيِّ
стр. 1650
وَقَوَّاهُ فِي النَّهْرِ (مَسْمُوعًا) بِحَيْثُ لَوْ قَرَّبَ شَخْصٌ أُذُنَهُ إلَى فِيهِ يَسْمَعُ فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَصَمِّ خَانِيَّةٌ.
(لَا يَقَعُ) لِلشَّكِّ (وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) وَإِنْ مَاتَ يَقَعُ (وَلَا يُشْتَرَطُ) فِيهِ (الْقَصْدُ وَلَا التَّلَفُّظُ) بِهِمَا، فَلَوْ تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ وَكَتَبَ الِاسْتِثْنَاءَ مَوْصُولًا أَوْ عَكَسَ أَوْ أَزَالَ الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ لَمْ يَقَعْ عِمَادِيَّةٌ (وَلَا الْعِلْمُ بِمَعْنَاهُ) حَتَّى لَوْ أَتَى بِالْمَشِيئَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ جَاهِلًا لَمْ يَقَعْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ
ــ
[رد المحتار]
لِكَوْنِهِ مَدْلُولَ الصِّيغَةِ شَرْعًا ط، وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يُجْعَلْ تَأْكِيدًا أَوْ تَفْسِيرًا؟ كَمَا قَالُوا فِي: حُرٌّ حُرٌّ أَوْ حُرٌّ وَعَتِيقٌ (قَوْلُهُ وَقَوَّاهُ فِي النَّهْرِ) اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ، فَإِنْ عَنِيَ الرَّجْعِيَّ لَا يَقَعُ، وَإِنْ عَنَى الْبَائِنَ يَقَعُ وَلَا يَعْمَلُ الِاسْتِثْنَاءُ اهـ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَصَوَابُهُ إنْ عَنَى الرَّجْعِيَّ يَقَعُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْفَاصِلِ، وَإِنْ عَنَى الْبَائِنَ لَمْ يَقَعْ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ. اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: أَقُولُ بَلْ الصَّوَابُ مَا فِي الْقُنْيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَحَدُ هَذَيْنِ، وَبِهَذَا لَا يَكُونُ الرَّجْعِيُّ لَغْوًا وَإِنْ نَوَاهُ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى الْبَائِنَ، وَأَمَّا الْبَائِنُ فَلَيْسَ لَغْوًا عَلَى كُلِّ حَالٍ. اهـ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ عَدَمِ الِالْتِئَامِ وَالتَّنَاقُضِ التَّامِّ. بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَمَّا الْبَائِنُ فَلَيْسَ لَغْوًا عَلَى كُلِّ حَالٍ يَقْتَضِي عَدَمَ الْوُقُوعِ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَمُسَاوَاتِهِ لِلرَّجْعِيِّ الَّذِي قَالَ فِيهِ إنَّهُ لَا يَكُونُ لَغْوًا وَإِنْ نَوَاهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَقَعُ فِيهِمَا، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْقُنْيَةِ، وَمُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى الْبَائِنَ فَافْهَمْ، وَلِذَا قَالَ ح: إنَّ الْحَقَّ مَا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى الرَّجْعِيَّ فَجُمْلَةُ أَنْتِ طَالِقٌ تُفِيدُهُ، فَكَانَ قَوْلُهُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى أَحَدِ هَذَيْنِ لَغْوًا، بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى الْبَائِنَ فَإِنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ لَا تُفِيدُهُ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا لَغْوًا.
فَإِنْ قُلْت: لَمَّا نَوَى الْبَائِنَ كَانَ قَوْلُهُ رَجْعِيًّا لَغْوًا إذَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنًا. قُلْت: هُوَ تَرْكِيبٌ صَحِيحٌ لُغَةً وَشَرْعًا، كَمَا فِي إحْدَى امْرَأَتَيْ طَالِقٌ، وَحَيْثُ كَانَ مَقْصُودُهُ الْبَائِنَ وَكَانَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ غَيْرَ مُفِيدٍ لِلْبَائِنِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا وَيَنْوِيَ الْبَائِنَ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنًا. اهـ. (قَوْلُهُ مَسْمُوعًا) هَذَا عِنْدَ الْهِنْدُوَانِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ. وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ (قَوْلُهُ بِحَيْثُ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْمُوعِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُسْمَعَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ الْمُنْشِئُ لِكَثْرَةِ أَصْوَاتٍ مَثَلًا ط (قَوْلُهُ لِلشَّكِّ) أَيْ لِلشَّكِّ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقَ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا ح (قَوْلُهُ وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) لِأَنَّ مَا جَرَى تَعْلِيقٌ لَا تَطْلِيقٌ وَمَوْتُهَا لَا يُنَافِي التَّعْلِيقَ لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ وَالْمَوْتُ أَيْضًا مُبْطِلٌ فَلَا يَتَنَافَيَانِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحًا فَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ كَذَا فِي التَّبْيِينِ ح (قَوْلُهُ وَإِنْ مَاتَ يَقَعُ) أَيْ إذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَهُوَ يُرِيدُهُ يَقَعُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ وَتُعْلَمُ إرَادَتُهُ بِأَنْ يَذْكُرَ لِآخَرَ ذَلِكَ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَكَذَا فِي النَّهْرِ ح (قَوْلُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ) هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ لَيْسَ طَلَاقًا. قَالَ شَدَّادُ بْنُ حَكِيمٍ ﵀: وَهُوَ الَّذِي صَلَّى بِوُضُوءِ الظُّهْرِ ظُهْرَ الْيَوْمِ الثَّانِي سِتِّينَ سَنَةً، خَالَفَنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ الزَّاهِدُ، فَرَأَيْت أَبَا يُوسُفَ فِي الْمَنَامِ فَسَأَلْته، فَأَجَابَ بِمِثْلِ قَوْلِي وَطَالَبْته بِالدَّلِيلِ فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَوْ غَيْرُ طَالِقٍ أَيَقَعُ؟ قُلْت لَا، قَالَ: هَذَا كَذَلِكَ بَزَّازِيَّةٌ وَفَتْحٌ (وَلَهُ وَلَا التَّلَفُّظُ بِهِمَا) أَيْ بِالطَّلَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ (قَوْلُهُ أَوْ عَكَسَ) أَيْ كَتَبَ الطَّلَاقَ وَتَلَفَّظَ بِالِاسْتِثْنَاءِ (قَوْلُهُ أَوْ أَزَالَ الِاسْتِثْنَاءَ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى قِسْمٍ رَابِعٍ، وَهُوَ مَا إذَا كَتَبَهُمَا مَعًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَيْضًا وَإِنْ أَزَالَ الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَا الْعِلْمُ بِمَعْنَاهُ) فَصَارَ كَسُكُوتِ الْبِكْرِ إذَا زَوَّجَهَا أَبُوهَا وَلَا تَدْرِي أَنَّ السُّكُوتَ رِضًا يَمْضِي بِهِ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فَتْحٌ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَصْدُ، وَقَوْلُهُ جَاهِلًا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَلَا الْعِلْمُ بِمَعْنَاهُ ح.
стр. 1651
وَأَفْتَى الشَّيْخُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ بِالطَّلَاقِ فَأَنْشَأَ لَهُ الْغَيْرُ ظَانًّا صِحَّتَهُ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ. اهـ.
قُلْت: وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ شَهِدَ بِهَا وَهُوَ لَا يَذْكُرُهَا، إنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَدْرِي مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ لِغَضَبٍ جَازَ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِمَا وَإِلَّا لَا بَحْرٌ
(وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إنْ ادَّعَاهُ) وَأَنْكَرَتْهُ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ حَلَفَ وَأَنْشَأَ لَهُ آخَرُ
(قَوْلُهُ وَأَفْتَى الشَّيْخُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ، وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ مَا لَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى إفْتَاءِ مُفْتٍ بِعَدَمِ حِنْثِهِ بِهِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْإِفْتَاءِ إذْ الْمَدَارُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَعَدَمِهَا لَا عَلَى الْأَهْلِيَّةِ. قَالُوا: وَمِنْهُ قَوْلُ غَيْرِ الْحَالِفِ لَهُ بَعْدَ حَلِفِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُخْبِرُهُ بِأَنَّ مَشِيئَةَ غَيْرِهِ تَنْفَعُهُ فَيَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ اعْتِمَادًا عَلَى خَبَرِ الْمُخْبِرِ اهـ وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ مِنْ الْخَفَاءِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ظَانًّا صِحَّتَهُ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي لَهُ وَهُوَ مَشْرُوطٌ بِالْإِخْبَارِ كَمَا عَلِمْته، وَقَوْلُهُ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَأَفْتَى (قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُقَرَّرَ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ مُكْرَهًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ ذَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ سَاهِيًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونًا، فَإِذَا كَانَ يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ مُكْرَهًا وَنَحْوَهُ فَكَيْفَ لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ قَصْدًا مَعَ ظَنِّ عَدَمِ الْحِنْثِ؟ نَعَمْ صَرَّحُوا فِي الْأَيْمَانِ بِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى مَاضٍ أَوْ حَالٍّ يَظُنُّ نَفْسَهُ صَادِقًا لَا يُؤَاخَذُ فِيهَا إلَّا فِي ثَلَاثٍ: طَلَاقٌ وَعَتَاقٌ وَنَذْرٌ، وَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ هُنَاكَ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ إذَا تَبَيَّنَ خِلَافُهُ، وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ إنْ كَانَ بِحَالٍ إلَخْ) أَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الْحَالِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ.
قُلْت: وَمُقْتَضَى هَذَا الْفَرْعِ أَنَّ مَنْ وَصَلَ فِي الْغَضَبِ إلَى حَالَةٍ لَا يَدْرِي فِيهَا مَا يَقُولُ يَقَعُ طَلَاقُهُ وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى اعْتِمَادِ قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ اسْتَثْنَى مَعَ أَنَّهُ مَرَّ أَوَّلَ الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُ الْمَدْهُوشِ.
وَأَفْتَى بِهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِيمَنْ طَلَّقَ وَهُوَ مُغْتَاظٌ مَدْهُوشٌ لِأَنَّ الدَّهَشَ مِنْ أَقْسَامِ الْجُنُونِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ وَصَلَ إلَى حَالَةٍ لَا يَدْرِي فِيهَا مَا يَقُولُ كَانَ فِي حُكْمِ الْمَجْنُونِ، وَقَدَّمْنَا الْجَوَابَ هُنَاكَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِمَا هُنَا أَنَّهُ وَصَلَ إلَى حَالَةٍ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ بِأَنْ لَا يَقْصِدَهُ وَلَا يَفْهَمَ مَعْنَاهُ بِحَيْثُ يَكُونُ كَالنَّائِمِ وَالسَّكْرَانِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَدْ يَنْسَى مَا يَقُولُ لِاشْتِغَالِ فِكْرِهِ بِاسْتِيلَاءِ الْغَضَبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ ادَّعَى الِاسْتِثْنَاءَ وَأَنْكَرَتْهُ الزَّوْجَةُ]
مَطْلَبٌ فِيمَنْ لَوْ ادَّعَى الِاسْتِثْنَاءَ وَأَنْكَرَتْهُ الزَّوْجَةُ. (قَوْلُهُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَخْ) قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَوَاشِي الْمِنَحِ: لَمْ يَذْكُرْ أَهُوَ بِيَمِينِهِ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْكَمَالِ، وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ، وَيَنْبَغِي عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنْ يَكُونَ بِيَمِينِهِ إذَا أَنْكَرَتْهُ الزَّوْجَةُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تُنْكِرْهُ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ إلَّا إذَا اتَّهَمَهُ الْقَاضِي. اهـ. (قَوْلُهُ إنْ ادَّعَاهُ وَأَنْكَرَتْهُ) أَيْ ادَّعَى الِاسْتِثْنَاءَ، وَمِثْلُهُ الشَّرْطُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ. وَقَيَّدَ بِإِنْكَارِهَا لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُنَازِعٌ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ.
قُلْت: لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُلْتَقَطِ إذَا سَمِعَتْ الْمَرْأَةُ الطَّلَاقَ وَلَمْ تَسْمَعْ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَسَعُهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ الْوَطْءِ اهـ أَيْ فَيَلْزَمُهَا مُنَازَعَتُهُ إذَا لَمْ تَسْمَعْ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ خَالَعَ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ أَوْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ تُقْبَلُ، وَهَذَا مِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ضَمِّ الشَّفَتَيْنِ عَقِيبَ التَّكَلُّمِ بِالْمُوجِبِ، وَإِنْ قَالُوا طَلَّقَ
стр. 1652
(فِي ظَاهِرِ الْمَرْوِيِّ) عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ (وَقِيلَ لَا) يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ) وَالْفَتْوَى احْتِيَاطًا لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ خَانِيَّةٌ، وَقِيلَ إنْ عُرِفَ بِالصَّلَاحِ فَالْقَوْلُ لَهُ
(وَحُكْمُ مَا لَمْ يُوقَفْ عَلَى مَشِيئَتِهِ) فِيمَا ذُكِرَ (كَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ) وَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِدَارِ وَالْحِمَارِ (كَذَلِكَ) وَكَذَا إنْ شَرَكَ كَإِنْ شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ زَيْدٌ لَمْ يَقَعْ أَصْلًا؛ وَمِثْلُ إنْ إلَّا، وَإِنْ لَمْ، وَإِذَا،
ــ
[رد المحتار]
وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ كَلِمَةِ الْخُلْعِ وَالزَّوْجُ يَدَّعِي الِاسْتِثْنَاءَ فَالْقَوْلُ لَهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ قَالَهُ وَلَمْ يَسْمَعُوهُ وَالشَّرْطُ سَمَاعُهُ لَا سَمَاعُهُمْ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ عَقِبَهُ: وَفِي فَوَائِدِ شَمْسِ الْإِسْلَامِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَفِي الْفُصُولِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.
قُلْت: وَكَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ دَلِيلُ صِحَّةِ الْخُلْعِ كَقَبْضِ الْبَدَلِ أَوْ نَحْوِهِ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَالْمُرَادُ ذِكْرُ الْبَدَلِ لَا حَقِيقَةُ الْأَخْذِ، فَعَلَى هَذَا إذَا ذَكَرَ الْبَدَلَ وَقْتَ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً فِي دَعْوَى الِاسْتِثْنَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يُقْبَلُ إلَخْ) قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: حَيْثُمَا وَقَعَ خِلَافٌ وَتَرْجِيحٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ مَا عَدَاهَا لَيْسَ مَذْهَبًا لِأَصْحَابِنَا. وَأَيْضًا كَمَا غَلَبَ الْفَسَادُ فِي الرِّجَالِ غَلَبَ فِي النِّسَاءِ، فَقَدْ تَكُونُ كَارِهَةً لَهُ فَتَطْلُبُ الْخَلَاصَ مِنْهُ فَتَفْتَرِي عَلَيْهِ فَيُفْتِي الْمُفْتِي بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الَّذِي هُوَ الْمَذْهَبُ وَيُفَوِّضُ بَاطِنَ الْأَمْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَتَأَمَّلْ وَأَنْصِفْ مِنْ نَفْسِكَ اهـ.
قُلْت: الْفَسَادُ وَإِنْ كَانَ فِي الْفَرِيقَيْنِ لَكِنْ أَكْثَرُ الْعَوَامّ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُبْطِلٌ لِلْيَمِينِ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ ذَلِكَ حِيلَةً بَعْضُ مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى وَأَيْضًا فَإِنَّ دَعْوَى الزَّوْجِ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ بِدَعْوَى الِاسْتِثْنَاءِ يَدَّعِي إبْطَالَ الْمُوجِبِ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي وُجُودِ الشَّرْطِ كَدُخُولِهَا الدَّارَ مَثَلًا، فَإِنَّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَنْعَقِدْ الْمُوجِبُ لِلطَّلَاقِ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الدُّخُولِ وَهُوَ يُنْكِرُهُ وَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهُ أَمَّا هُنَا فَالظَّاهِرُ خِلَافُ قَوْلِهِ وَإِذَا عَمَّ الْفَسَادُ يَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَى الظَّاهِرِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: نَقَلَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ مَشَايِخَنَا أَجَابُوهُ فِي دَعْوَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ فِي أَنْ لَا يُصَدَّقَ الزَّوْجُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَقَدْ فَسَدَ حَالُ النَّاسِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ إنْ عُرِفَ بِالصَّلَاحِ إلَخْ) قَائِلُهُ صَاحِبُ الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ عَقِبَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ آنِفًا، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنْ يَنْظُرَ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَعْرُوفًا بِالصَّلَاحِ وَالشُّهُودُ لَا يَشْهَدُونَ عَلَى النَّفْيِ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ بِمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ تَصْدِيقًا لَهُ، وَإِنْ عُرِفَ بِالْفِسْقِ أَوْ جُهِلَ حَالُهُ فَلَا لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ فِي هَذَا الزَّمَانِ اهـ
قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا تَحْقِيقٌ لِلْقَوْلِ الثَّانِي الْمُفْتَى بِهِ لِأَنَّ الْمَشَايِخَ عَلَّلُوهُ بِفَسَادِ الزَّمَانِ: أَيْ فَيَكُونُ الزَّوْجُ مُتَّهَمًا، وَإِذَا كَانَ صَالِحًا تَنْتَفِي التُّهْمَةُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فَلَا يَكُونُ هَذَا قَوْلًا ثَالِثًا فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَحُكْمُ مَنْ لَمْ يُوقَفْ عَلَى مَشِيئَتِهِ إلَخْ) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، فَإِنَّ الْبَارِيَ مِمَّنْ لَا يُوقَفُ عَلَى مَشِيئَتِهِ. وَأَفَادَ بِالتَّمْثِيلِ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَعُمُّ مَنْ لَهُ مَشِيئَةٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا كَإِنْ شَاءَ الْإِنْسُ وَمَنْ لَا مَشِيئَةَ لَهُ أَصْلًا كَإِنْ شَاءَ الْجِدَارُ أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ فِيمَا ذُكِرَ) مُتَعَلِّقٌ بِحُكْمٍ وَالْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ التَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ ح (قَوْلُهُ كَذَلِكَ) أَيْ كَالْمُعَلَّقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ ح (قَوْلُهُ وَكَذَا إنْ شَرِكَ) بِأَنْ عَلَّقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَثَلًا وَمَشِيئَةِ مَنْ يُوقَفُ عَلَى مَشِيئَتِهِ (قَوْلُهُ لَمْ يَقَعْ أَصْلًا) أَيْ وَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَمِثْلُ إنْ إلَّا) أَيْ إذَا قَالَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ مِثْلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ إلَّا الْمُرَكَّبَةُ مِنْ إنْ الشَّرْطِيَّةِ وَلَا النَّافِيَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]
[تَنْبِيهٌ] ذَكَرَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: رَجُلٌ قَالَ لَا أُكَلِّمُهُ إلَّا نَاسِيًا فَكَلَّمَهُ نَاسِيًا ثُمَّ كَلَّمَهُ ذَاكِرًا حَنِثَ، بِخِلَافِ إلَّا أَنْ أَنْسَى فَلَا يَحْنَثُ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ أَطْلَقَ وَاسْتَثْنَى الْكَلَامَ نَاسِيًا فَقَطْ، وَفِي الثَّانِي وَقَّتَ الْيَمِينَ بِالنِّسْيَانِ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ بِمَعْنَى حَتَّى فَيَنْتَهِي الْيَمِينُ بِالنِّسْيَانِ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ) أَيْ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَقَعُ شَيْءٌ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِلِاسْتِثْنَاءِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّا
стр. 1653
وَمَا، وَمَا لَمْ يَشَأْ وَمِنْ الِاسْتِثْنَاءِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا أَبُوك، أَوْ لَوْلَا حُسْنُك، أَوْ لَوْلَا أَنِّي أُحِبُّك لَمْ يَقَعْ خَانِيَّةٌ، وَمِنْهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْوَاهُ
(قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا) إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ وَحُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَعَتَقَ الْعَبْدُ (عِنْدَ الْإِمَامِ) لِأَنَّ اللَّفْظَ الثَّانِيَ لَغْوٌ، وَلَا وَجْهَ لِكَوْنِهِ تَوْكِيدًا لِلْفَصْلِ بِالْوَاوِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ حُرٌّ حُرٌّ أَوْ حُرٌّ وَعَتِيقٌ لِأَنَّهُ تَوْكِيدٌ وَعَطْفُ تَفْسِيرٍ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ (وَكَذَا) يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ (إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتَ طَالِقٌ) فَإِنَّهُ تَطْلِيقٌ عِنْدَهُمَا
ــ
[رد المحتار]
لَوْ أَوْقَعْنَاهُ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَاءَهُ لِأَنَّ الْوُقُوعَ دَلِيلُ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاقِعٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ عَلَّقَ بِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقَ لَا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وَعَلَا فَيَبْطُلُ الْإِيقَاعُ ضَرُورَةً بَحْرٌ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّلْوِيحِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى فِي الظَّرْفِيَّةِ (قَوْلُهُ وَمَا) أَيْ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَقَعُ، أَمَّا عَلَى كَوْنِهَا مَصْدَرِيَّةً ظَرْفِيَّةً فَظَاهِرٌ لِلشَّكِّ وَأَمَّا عَلَى كَوْنِهَا مَوْصُولًا اسْمِيًّا فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ الَّذِي شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَشِيئَتُهُ لَا تُعْلَمُ فَلَا يَقَعُ، إذْ الْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ، أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ وَمَا لَمْ يَشَأْ) وَمَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ مُدَّةَ عَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ طَلَاقَك، وَالْوَجْهُ فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ مَا ذُكِرَ فِي إنْ لَمْ ط (قَوْلُهُ لَوْلَا أَبُوك إلَخْ) إنَّمَا كَانَ هَذَا اسْتِثْنَاءً لِأَنَّ لَوْلَا تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ وُجُودُ الْأَبِ أَوْ حُسْنِهَا ط (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْوَاهُ) كَأَنَّ الشَّارِحَ رَأَى ذَلِكَ فِي فَتْوَى مَعْزُوَّةٍ إلَى ابْنِ الْهُمَامِ لِأَنَّا لَمْ نَسْمَعْ أَنَّ لَهُ كِتَابَ فَتَاوَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتٍ عَنْهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، حَيْثُ قَالَ وَيَتَرَاءَى خِلَافٌ فِي الْفَصْلِ بِالذِّكْرِ الْقَلِيلِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي النَّوَازِلِ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ مُسْتَثْنًى دِيَانَةً لَا قَضَاءً وَفِي الْفَتَاوَى: لَوْ أَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَ رَجُلًا وَيَخَافَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ فِي السِّرِّ يُحَلِّفُهُ وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَذْكُرَ عَقِبَ الْحَلِفِ مَوْصُولًا سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ وَالْأَوْجَهُ أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْفَصْلِ بِالذِّكْرِ اهـ فَهَذَا كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِي أَنَّ نَحْوَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَقِبَ الْيَمِينِ فَاصِلٌ مُبْطِلٌ لِلِاسْتِثْنَاءِ، أَمَا إنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَوْكِيدٌ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ حُرٌّ حُرٌّ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقِيَاسُهُ إذَا كَرَّرَ ثَلَاثًا بِلَا وَاوٍ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ اهـ وَقَوْلُهُ وَعَطْفُ تَفْسِيرٍ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ حُرٌّ وَعَتِيقٌ، فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ: حُرٌّ وَحُرٌّ مِنْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
مَطْلَبٌ مُهِمٌّ لَفْظُ إنْ شَاءَ اللَّهُ هَلْ هُوَ إبْطَالٌ أَوْ تَعْلِيقٌ
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ تَطْلِيقٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى إبْطَالٌ عِنْدَهُمَا: أَيْ رَفْعٌ لِحُكْمِ الْإِيجَابِ السَّابِقِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَعْلِيقٌ، وَلِهَذَا شَرَطَ كَوْنَهُ مُتَّصِلًا كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.
وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لِلْوُصُولِ إلَى مَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى فَكَانَ إبْطَالًا، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، وَعَلَى كُلٍّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي مِثْلِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، نَعَمْ تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي مَوَاضِعَ.
مِنْهَا مَا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ وَلَمْ يَأْتِ بِالْفَاءِ فِي الْجَوَابِ، كَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ. فَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ إبْطَالٌ فَلَا يَخْتَلِفُ. وَعِنْدَهُ يَقَعُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الْفَاءِ فِي مَوْضِعِ وُجُوبِهَا.
وَمِنْهَا مَا إذَا حَلَفَ لَا يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ وَقَالَهُ حَنِثَ عَلَى التَّعْلِيقِ لَا الْإِبْطَالِ كَمَا يَأْتِي، هَذَا مَا قَرَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ الْهُمَامِ وَغَيْرُهُمَا، وَمِثْلُهُ فِي مَتْنِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ حَيْثُ قَالَ: وَيَجْعَلُ: أَيْ أَبُو يُوسُفَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِلتَّعْلِيقِ وَهُمَا لِلْإِبْطَالِ وَبِهِ يُفْتِي. فَلَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ كَذَا بِلَا فَاءٍ يَقَعُ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَلْغُو عَلَى الثَّانِي اهـ لَكِنْ ذَكَرَ فِي مَتْنِ الْمَجْمَعِ عَكْسَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ يَجْعَلُهُ تَعْلِيقًا وَهُمَا تَطْلِيقًا، وَحَمَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مُقَابَلَةَ التَّعْلِيقِ بِالتَّطْلِيقِ تَقْتَضِي عَدَمَ الْوُقُوعِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْقَائِلِ بِالتَّعْلِيقِ وَالْوُقُوعِ عَلَى قَوْلِهِمَا،
стр. 1654
تَعْلِيقٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِاتِّصَالِ الْمُبْطِلِ بِالْإِيجَابِ فَلَا يَقَعُ كَمَا لَوْ أَخَّرَ، وَقِيلَ الْخِلَافُ بِالْعَكْسِ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُفْتَى بِهِ عَدَمُ الْوُقُوعِ إذَا قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ وَلَمْ يَأْتِ بِالْفَاءِ، فَإِنْ أَتَى بِهَا لَمْ يَقَعْ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْبَحْرِ والشُّرُنبُلالِيَّة وَالْقُهُسْتَانِيِّ وَغَيْرِهَا فَلْيُحْفَظْ. وَثَمَرَتُهُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ
ــ
[رد المحتار]
عَلَى أَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ أَدْرَى، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ حَيْثُ ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَجْعَلُهُ تَعْلِيقًا لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْإِيجَابِ أَبْطَلَ حُكْمَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَجَعَلَاهُ تَنْجِيزًا لَمَّا انْتَفَى رَابِطُ الْجُمْلَتَيْنِ وَهُوَ الْفَاءُ بَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مُنَجَّزًا. اهـ.
وَقَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَإِنْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ بِدُونِ حَرْفِ الْفَاءِ فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَبِهِ نَأْخُذُ. وَفِي الْمُحِيطِ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ فِي الْقَضَاءِ وَيَدِينُ إنْ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءَ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي الْقُدُورِيِّ. وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا تَطْلُقُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَتَطْلُقُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ اهـ وَمِثْلُهُ وَفِي الذَّخِيرَةِ. وَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ قَبْلَ هَذَا أَوَّلَ بَابِ التَّعْلِيقِ مِثْلَ مَا مَرَّ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَائِلٌ بِأَنَّ الْمَشِيئَةَ تَعْلِيقٌ وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي التَّخْرِيجِ عَلَى قَوْلِهِ، فَقِيلَ تَلْزَمُ الْفَاءُ فِي الْجَوَابِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ فَيَقَعُ بِدُونِهَا، وَقِيلَ لَا فَلَا يَقَعُ وَإِنَّ مُحَمَّدًا قَائِلٌ بِأَنَّهَا إبْطَالٌ.
وَاخْتُلِفَ فِي التَّخْرِيجِ عَلَى قَوْلِهِ، فَقِيلَ إنَّمَا تَكُونُ إبْطَالًا وَإِنْ صَحَّ الرَّبْطُ بِوُجُودِ الْفَاءِ فِي الْجَوَابِ، فَلَوْ حُذِفَتْ فِي مَوْضِعِ وُجُوبِهَا وَقَعَ مُنَجَّزًا وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهَا حِينَئِذٍ لِلتَّطْلِيقِ، وَقِيلَ إنَّهَا عِنْدَهُ لِلْإِبْطَالِ مُطْلَقًا فَلَا يَقَعُ وَإِنْ سَقَطَتْ الْفَاءُ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقِيلَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَقِيلَ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعْلِيقِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِالْفَاءِ خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ اخْتِلَافِ التَّخْرِيجِ وَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَائِلٌ بِأَنَّهَا لِلْإِبْطَالِ وَأَنَّهُ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ بِذَلِكَ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا سَمِعْته عَلَى أَنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي الْخَانِيَّةِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهَا عِنْدَهُ لِلتَّعْلِيقِ، وَكَذَا مَا فِيهِ مِنْ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ غَلَطٌ، وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ، فَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ مُوَافَقَتِهِ لِعِدَّةِ كُتُبٍ مُعْتَبَرَةٍ، وَلِتَصْرِيحِ الْقُدُورِيِّ بِهِ بَلْ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَقَدْ خَفِيَ هَذَا عَلَى صَاحِبِ الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَغَيْرِهِمْ، فَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامُ الْأَفْهَامِ (قَوْلُهُ لِاتِّصَالِ الْمُبْطِلِ بِالْإِيجَابِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعْلِيقٌ كَمَا مَرَّ عَنْ شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُبْطِلِ لَفْظُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ وَإِنْ سَقَطَتْ الْفَاءُ مِنْ جَوَابِهِ كَمَا مَرَّ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة فَيَلْغُو الْإِيجَابُ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا يَقَعُ.
وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ مُقْتَضَى التَّعْلِيقِ الْوُقُوعُ عِنْدَ عَدَمِ الْفَاءِ لِعَدَمِ الرَّبْطِ. وَأَجَابَ الرَّمْلِيُّ بِمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إعْدَامُ الْحُكْمِ لَا التَّعْلِيقِ، وَفِي الْإِعْدَامِ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَرْفِ الْجَزَاءِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّعْلِيقُ فَافْتَرَقَا اهـ.
قُلْت: وَهَذَا عَلَى أَحَدِ التَّخْرِيجَيْنِ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِ. أَمَّا عَلَى التَّخْرِيجِ الْآخَرِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ بِدُونِ الْفَاءِ وَهُوَ مَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ فَيَقَعُ كَمَا مَرَّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَقِيلَ الْخِلَافُ بِالْعَكْسِ) يَعْنِي الْخِلَافَ فِي أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ هَلْ هُوَ إبْطَالٌ أَوْ تَعْلِيقٌ لَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ: أَيْ فَقِيلَ إنَّهُ إبْطَالٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَعْلِيقٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَائِلُ أَبَا حَنِيفَةَ، وَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ: أَيْ قِيلَ إنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا عِنْدَهُمَا كَمَا مَرَّ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَعَلَى كُلٍّ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّ التَّعْلِيقَ أَوْ الْإِبْطَالَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوْ قَوْلُ غَيْرِهِ.
فَالْمُفْتَى بِهِ عَدَمُ الْوُقُوعِ، فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ خِلَافُ الْمُفْتَى بِهِ (قَوْلُهُ لَمْ يَقَعْ اتِّفَاقًا) إذْ لَا شَكَّ حِينَئِذٍ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيقِ (قَوْلُهُ وَثَمَرَتُهُ إلَخْ) هَذَا الضَّمِيرُ لَا مَرْجِعَ لَهُ فِي كَلَامِهِ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ وَقَالَ
стр. 1655
بِالطَّلَاقِ وَقَالَهُ حَنِثَ عَلَى التَّعْلِيقِ لَا الْإِبْطَالِ (وَبِأَنْتِ طَالِقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ بِإِرَادَتِهِ أَوْ بِمَحَبَّتِهِ أَوْ بِرِضَاهُ) لَا تَطْلُقُ، لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَكَانَتْ كَإِلْصَاقِ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ (وَإِنْ أَضَافَهُ) أَيْ الْمَذْكُورَ مِنْ الْمَشِيئَةِ وَغَيْرِهَا (إلَى الْعَبْدِ كَانَ) ذَلِكَ (تَمْلِيكًا فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ) كَمَا مَرَّ
(وَإِنْ قَالَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِحُكْمِهِ أَوْ بِقَضَائِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ أَوْ بِعِلْمِهِ أَوْ بِقُدْرَتِهِ يَقَعُ فِي الْحَالِ أُضِيفَ إلَيْهِ تَعَالَى أَوْ إلَى الْعَبْدِ) إذْ يُرَادُ بِمِثْلِهِ التَّنْجِيزُ عُرْفًا (كَقَوْلِهِ) أَنْتِ طَالِقٌ (بِحُكْمِ الْقَاضِي، وَإِنْ) قَالَ ذَلِكَ (بِاللَّامِ يَقَعُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا) لِأَنَّهُ لِلتَّعْلِيلِ (وَإِنْ) كَانَ ذَلِكَ (بِحَرْفِ فِي إنْ أَضَافَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَقَعُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا) لِأَنَّ فِي بِمَعْنَى الشَّرْطِ (إلَّا فِي الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَالِ) وَكَذَا الْقُدْرَةُ إنْ نَوَى بِهَا ضِدَّ الْعَجْزِ لِوُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا كَالْعِلْمِ
(وَإِنْ أَضَافَ إلَى الْعَبْدِ كَانَ تَمْلِيكًا فِي الْأَرْبَعِ الْأُوَلِ) وَمَا بِمَعْنَاهَا كَالْهَوَى وَالرُّؤْيَةِ (تَعْلِيقًا فِي غَيْرِهَا) وَهِيَ سِتَّةٌ، ثُمَّ الْعَشَرَةُ إمَّا أَنْ تُضَافَ لِلَّهِ أَوْ لِلْعَبْدِ، وَالْعِشْرُونَ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِبَاءٍ أَوْ لَامٍ أَوْ فِي فَهِيَ سِتُّونَ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ كَتَبَ الطَّلَاقَ
ــ
[رد المحتار]
أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ قَدَّمَهُ، وَأَتَى بِالْفَاءِ فِي الْجَوَابِ، فَهُوَ إبْطَالٌ عِنْدَهُمَا تَعْلِيقٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ ثَمَرَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ، وَهِيَ مَا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ وَلَمْ يَأْتِ بِالْفَاءِ فِي الْجَوَابِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا وَمِنْهَا هَذِهِ، وَبَيَانُهَا مَا فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ قَالَ إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَلَا تَطْلُقُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَمِينٌ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِيَمِينٍ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ لِلْإِبْطَالِ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ، وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ عُلِمَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ وَقَالَهُ رَاجِعٌ إلَى مَا لَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ كَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ قَدَّمَهُ وَأَتَى بِالْفَاءِ الرَّابِطَةِ كَإِنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ (قَوْلُهُ أَوْ بِرِضَاهُ) الرِّضَا تَرْكُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْفَاعِلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَحَبَّةٌ ط (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ) أَيْ هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لَهَا فَيَلْتَصِقُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ غَيْبٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهَا فَلَا تَطْلُقُ بِالشَّكِّ ط (قَوْلُهُ وَإِنْ أَضَافَهُ) أَيْ بِالْبَاءِ (قَوْلُهُ أَيْ الْمَذْكُورَ) جَوَابٌ عَنْ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ أَفْرَدَ الضَّمِيرَ وَمَرْجِعُهُ مُتَعَدِّدٌ ط (قَوْلُهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ) أَيْ مَجْلِسِ عِلْمِهِ، فَإِنْ شَاءَ فِيهِ طَلُقَتْ وَإِلَّا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهِ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي فَصْلِ الْمَشِيئَةِ ح
(قَوْلُهُ إذْ يُرَادُ بِمِثْلِهِ التَّنْجِيزُ عُرْفًا) أَيْ فَلَا يُصَدَّقُ فِي إرَادَةِ التَّعْلِيقِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْعَشَرَةِ (قَوْلُهُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا) أَيْ سَوَاءٌ أُضِيفَتْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إلَى الْعَبْدِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لِلتَّعْلِيلِ) أَيْ تَعْلِيلِ الْإِيقَاعِ كَقَوْلِهِ طَالِقٌ لِدُخُولِكَ الدَّارَ فَتْحٌ أَيْ وَالْإِيقَاعُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ عِلَّتِهِ كَمَا مَرَّ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ وَنَحْوَهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ؛ وَلَا كَوْنُ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلطَّلَاقِ مَعْدُومَةً لِكَوْنِهِ أَبْغَضَ الْحَلَالِ إلَيْهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ لِأَنَّ فِي بِمَعْنَى الشَّرْطِ) فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِمَا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَتْحٌ قِيلَ وَفِي قَوْلِهِ بِمَعْنَى الشَّرْطِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَرْطًا مَحْضًا حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ بَعْدَهُ، بَلْ يَقَعُ مَعَهُ. وَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ فِيمَا لَوْ قَالَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي نِكَاحِك فَتَزَوَّجَهَا لَا تَطْلُقُ، كَمَا لَوْ قَالَ مَعَ نِكَاحِك، بِخِلَافِ إنْ تَزَوَّجْتُك تَلْوِيحٌ: أَيْ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَأَخِّرًا عَنْ النِّكَاحِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِحَالٍ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ فَكَانَ تَعْلِيقًا بِأَمْرٍ مَوْجُودٍ فَيَكُونُ إيقَاعًا زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ إنْ نَوَى بِهَا ضِدَّ الْعَجْزِ) أَيْ نَوَى حَقِيقَتَهَا لِأَنَّهَا صِفَةٌ مُنَافِيَةٌ لِلْعَجْزِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِأَمْرٍ مَوْجُودٍ، أَمَّا لَوْ نَوَى بِهَا التَّقْدِيرَ فَلَا يَقَعُ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ يُقَدِّرُ شَيْئًا وَقَدْ لَا يُقَدِّرُهُ
(قَوْلُهُ وَالرُّؤْيَةِ) الْكَثِيرُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مَصْدَرَ رَأَى الْبَصَرِيَّةِ وَمَصْدَرُ الْقَلْبِيَّةِ الرَّأْيُ وَمَصْدَرُ الْحُلْمِيَّةِ الرُّؤْيَا وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ فِي الْآخَرِ، وَهَذَا مِنْهُ لِأَنَّ رُؤْيَةَ طَلَاقِهَا بِالْقَلْبِ لَا بِالْبَصَرِ رَحْمَتِيٌّ
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْعَشَرَةُ) الْأَظْهَرُ فِي التَّرْكِيبِ أَنْ يَقُولَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَشَرَةَ إلَخْ كَمَا لَا يَخْفَى ح (قَوْلُهُ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِبَاءٍ) تَرَكَ إنْ مِنْ التَّقْسِيمِ كَمَا تَرَكَ الْمُصَنِّفُ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا.
стр. 1656
وَاسْتَثْنَى بِالْكِتَابَةِ صَحَّ، وَعَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ فَهِيَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ وَفِي كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ تَطْلُقُ رَجْعِيَّةً
(أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً يَقَعُ ثِنْتَانِ، وَفِي الِاثْنَتَيْنِ وَاحِدَةٌ، وَفِي إلَّا ثَلَاثًا) يَقَعُ (ثَلَاثٌ) لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ بَاطِلٌ
ــ
[رد المحتار]
وَحَاصِلُ حُكْمِهَا أَنَّهَا إبْطَالٌ أَوْ تَعْلِيقٌ فِي الْعَشَرَةِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَمْلِيكٌ فِيهَا إنْ أُضِيفَتْ إلَى الْعَبْدِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي الْكُلِّ اهـ يَعْنِي إذَا أُضِيفَتْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالْأَقْسَامُ حِينَئِذٍ ثَمَانُونَ. اهـ. ح.
قُلْت: الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأُوَلَ لِلتَّمْلِيكِ، وَهَذَا وَإِنْ ذَكَرَهُ مَعَ الْبَاءِ وَفِي لَكِنَّهُمَا بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَأَصْلُ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ هُوَ إنْ فَلَا تَكُونُ السِّتَّةُ الْبَاقِيَةُ لِلتَّمْلِيكِ أَصْلًا. ثُمَّ رَأَيْت الزَّيْلَعِيَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَشَرَةٌ: أَرْبَعَةٌ مِنْهَا لِلتَّمْلِيكِ، وَهِيَ الْمَشِيئَةُ وَأَخَوَاتُهَا. وَسِتَّةٌ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ وَهِيَ الْأَمْرُ وَأَخَوَاتُهُ إلَخْ. وَعَلَى هَذَا فَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى الْعَبْدِ بِإِنْ الشَّرْطِيَّةِ كَانَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ لِلتَّمْلِيكِ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَالسِّتَّةُ الْبَاقِيَةُ لِلتَّعْلِيقِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ لَمْ يَقَعْ فِي الْكُلِّ: أَيْ لَمْ يَقَعْ أَصْلًا إنْ أُضِيفَتْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى الْعَبْدِ فَافْهَمْ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَى الْبَحْرِ كَمَا قَالَ ط إنَّ هَذَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي صُورَةِ الْعِلْمِ إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَقَعُ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِأَمْرٍ مَوْجُودٍ فَيَكُونُ تَنْجِيزًا (قَوْلُهُ وَعَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَوْ تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ وَكَتَبَ الِاسْتِثْنَاءَ مَوْصُولًا أَوْ عَكَسَ أَوْ أَزَالَ الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ لَمْ يَقَعْ (قَوْلُهُ فَهِيَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ) صَوَابُهُ مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ لِأَنَّ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ صُورَةٌ هِيَ كِتَابَةُ الطَّلَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ مَعًا، وَمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ ثَلَاثَةُ صُوَرٍ وَبِضَرْبِ أَرْبَعَةٍ فِي سِتِّينَ تَبْلُغُ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَقَدْ تَزِيدُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَشَرَةَ إمَّا أَنْ تُضَافَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إلَى مَنْ يُوقَفُ عَلَى مَشِيئَتِهِ مِنْ الْعِبَادِ أَوْ مَنْ لَا يُوقَفُ أَوْ إلَى الثَّلَاثَةِ أَوْ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا، فَهِيَ سَبْعَةٌ تُضْرَبُ فِي الْعَشَرَةِ تَبْلُغُ سَبْعِينَ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا بِإِنْ أَوْ الْبَاءِ أَوْ اللَّامِ أَوْ فِي تَبْلُغُ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَمَا بِمَعْنَاهُ أَوْ يَكْتُبَهُمَا أَوْ يَمْحُوَهُمَا بَعْدَ الْكِتَابَةِ أَوْ يَمْحُوَ الطَّلَاقَ أَوْ الْإِنْشَاءَ أَوْ يَتَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ وَيَكْتُبَ الْآخَرَ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ يَمْحُوَ مَا كَتَبَ. فَهِيَ ثَمَانِيَةٌ فِي مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ تَبْلُغُ أَلْفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ (قَوْلُهُ تَطْلُقُ رَجْعِيَّةً) لِأَنَّ الْمُضَافَ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَالَ الطَّلَاقِ وَكَيْفِيَّتُهُ مِنْ الْمُفْرَدِ وَالْمُتَعَدِّدِ وَالرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ لَا أَصْلُهُ فَيَقَعُ أَقَلُّهُ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ وَهُوَ الْوَاحِدَةُ الرَّجْعِيَّةُ
(قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً) شُرُوعٌ فِي اسْتِثْنَاءِ التَّحْصِيلِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ اسْتِثْنَاءِ التَّعْطِيلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ.
مَطْلَبٌ أَحْكَامُ الِاسْتِثْنَاءِ الْوَضْعِيِّ
وَفِي الْبَحْرِ: الِاسْتِثْنَاءُ نَوْعَانِ: عُرْفِيٌّ وَهُوَ مَا مَرَّ مِنْ التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ، وَوَضْعِيٌّ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَهُوَ بَيَانٌ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا أَنَّ مَا بَعْدَهَا لَمْ يُرَدْ بِحُكْمِ الصَّدْرِ. وَيَبْطُلُ بِخَمْسَةٍ: بِالسَّكْتَةِ اخْتِيَارًا وَبِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَبِالْمُسَاوَاةِ، وَبِاسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الطَّلْقَةِ، وَبِإِبْطَالِ الْبَعْضِ كَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَثِنْتَيْنِ إلَّا ثَلَاثًا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ اهـ مُلَخَّصًا: أَيْ لِأَنَّ إخْرَاجَ الثَّلَاثِ مِنْ إحْدَى الثِّنْتَيْنِ لَغْوٌ.
وَفِي الْفَتْحِ عَنْ الْمُنْتَقَى أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إلَّا أَرْبَعًا فَهِيَ ثَلَاثٌ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَوْلُهُ وَثَلَاثًا فَاصِلَا لَغْوًا. وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ ثِنْتَانِ كَأَنَّهُ قَالَ سِتًّا إلَّا أَرْبَعًا؛ وَلَوْ قَالَ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ طُولِبَ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ طَلُقَتْ وَاحِدَةً هُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي رِوَايَةٍ ثِنْتَيْنِ (قَوْلُهُ وَفِي الِاثْنَتَيْنِ وَاحِدَةٌ) عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ بَاطِلٌ) هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ
стр. 1657
إنْ كَانَ بِلَفْظِ الصَّدْرِ أَوْ مُسَاوِيهِ، وَإِنْ بِغَيْرِهِمَا كَنِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا هَؤُلَاءِ أَوْ إلَّا زَيْنَبَ وَعَمْرَةَ وَهِنْدَ وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا هَؤُلَاءِ أَوْ إلَّا سَالِمًا وَغَانِمًا وَرَاشِدًا وَهُمْ الْكُلُّ صَحَّ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْإِقْرَارِ
(وَيُعْتَبَرُ) فِي (الْمُسْتَثْنَى كَوْنُهُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ إلَّا مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ الَّذِي يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ) وَهُوَ الثَّلَاثُ، فَفِي أَنْتِ طَالِقٌ عَشَرًا إلَّا تِسْعًا تَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَإِلَّا ثَمَانِيَةً تَقَعُ ثِنْتَانِ، وَإِلَّا سَبْعًا تَقَعُ ثَلَاثٌ، وَمَتَى تَعَدَّدَ الِاسْتِثْنَاءُ بِلَا وَاوٍ كَانَ كُلٌّ إسْقَاطًا مِمَّا يَلِيهِ فَيَقَعُ ثِنْتَانِ بِأَنْتِ طَالِقٌ عَشَرًا إلَّا تِسْعًا إلَّا ثَمَانِيَةً إلَّا سَبْعَةً، وَيَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ
ــ
[رد المحتار]
بَعْدَهُ اسْتِثْنَاءٌ يَكُونُ جَبْرًا لِلصَّدْرِ، فَإِنْ كَانَ صَحَّ، وَعَلَى هَذَا تَفَرَّعَ مَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً حَيْثُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ؛ وَلَوْ قَالَ إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً وَقَعَ ثِنْتَانِ نَهْرٌ، وَهَذَا مِنْ تَعَدُّدِ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَإِنَّمَا بَطَلَ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَهُ شَيْءٌ يَصِيرُ مُتَكَلِّمًا بِهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَمْ يُوضَعْ إلَّا لِلتَّكَلُّمِ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا لَا لِأَنَّهُ رُجُوعٌ بَعْدَ التَّقَرُّرِ كَمَا قِيلَ، وَإِلَّا لَصَحَّ فِيمَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِي إلَّا ثُلُثَ مَالِي أَفَادَهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ إنْ كَانَ بِلَفْظِ الصَّدْرِ) أَيْ كَمَا مَثَّلَ بِهِ فِي الْمَتْنِ وَكَقَوْلِهِ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَاءٍ وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا عَبِيدِي كَمَا فِي الْبَحْرِ ح
وَفِي الْفَتْحِ: وَلَوْ قَالَ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ إلَّا ثِنْتَيْنِ أَوْ قَالَ ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا ثِنْتَيْنِ يَقَعُ الثَّلَاثُ وَكَذَا ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّهُ فِي الْأُولَيَيْنِ إخْرَاجُ الثِّنْتَيْنِ مِنْ الثِّنْتَيْنِ أَوْ مِنْ الْوَاحِدَةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ وَاحِدَةٌ مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً حَيْثُ تَطْلُقُ ثِنْتَيْنِ لِصِحَّةِ إخْرَاجِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الثِّنْتَيْنِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيهِ، وَإِذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا فَهُوَ قَيْدٌ لِلْأَخِيرَةِ مِنْهَا. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ مُسَاوِيهِ) نَحْوُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، وَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً، وَنَحْوُ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إلَّا زَيْنَبَ وَعَمْرَةَ وَهِنْدًا وَلَيْسَ لَهُ رَابِعَةٌ، وَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ إلَّا سَالِمًا وَغَانِمًا وَرَاشِدًا وَلَيْسَ لَهُ رَابِعٌ. اهـ. ح، (قَوْلُهُ صَحَّ) أَيْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ وَكَذَا قَوْلُهُ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ إلَّا هَذِهِ وَلَيْسَ لَهُ سِوَاهَا لَا تَطْلُقُ، لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْوُجُودِ لَا تَمْنَعُ صِحَّتَهُ إنْ عَمَّ وَضْعًا لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صِيَغِيٌّ بَحْرٌ، يَعْنِي أَنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِ إلَى صِيغَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِنْ عَمَّتْ الْمُسْتَثْنَى وَغَيْرَهُ وَضْعًا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فَإِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ يَعُمُّ فِي الْوَضْعِ هَذِهِ وَغَيْرَهَا، وَكَذَا لَفْظُ نِسَائِي يَعُمُّ الْمُسَمَّيَاتِ وَغَيْرَهُنَّ، بِخِلَافِ أَنْتُنَّ فَإِنَّهُ لَا يَعُمُّ غَيْرَ الْمُسَمَّيَاتِ الْمُخَاطَبَاتِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُمُومٌ أَصْلًا، وَمِنْهُ مَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ قَالَ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا ثَلَاثًا بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ تَعَدُّدٍ يَصِحُّ مَعَهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ اهـ وَكَذَا مَا فِي الْبَحْرِ: لَوْ قَالَ لِلْمَدْخُولَةِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا وَاحِدَةً تَقَعُ الثَّلَاثُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّهُ ذَكَرَ كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةً فَيُعْتَبَرُ كُلُّ كَلَامٍ فِي حَقِّ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَكَذَا هَذِهِ طَالِقٌ وَهَذِهِ وَهَذِهِ إلَّا هَذِهِ وَلَوْ قَالَ: أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إلَّا هَذِهِ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ. اهـ.
(قَوْلُهُ تَقَعُ وَاحِدَةٌ) وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ مَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ مِنْ الْعَشَرَةِ وَهُوَ الثَّلَاثُ لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ التِّسْعَةِ مِنْ الثَّلَاثِ فَيَلْغُو وَيَقَعُ الثَّلَاثُ.
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ تَعَدَّدَ الِاسْتِثْنَاءُ
(قَوْلُهُ وَمَتَى تَعَدَّدَ الِاسْتِثْنَاءُ) أَيْ وَأَمْكَنَ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ، بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ كَقَامُوا إلَّا زَيْدًا إلَّا بَكْرًا إلَّا عَمْرًا " فَإِنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ كَحُكْمِهِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَأَصْلُ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠] (قَوْلُهُ بِلَا وَاوٍ) فَإِنْ كَانَ بِالْوَاوِ كَانَ الْكُلُّ إسْقَاطًا مِنْ الصَّدْرِ، نَحْوُ: أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرًا إلَّا خَمْسًا وَإِلَّا ثَلَاثًا وَإِلَّا وَاحِدَةً تَقَعُ وَاحِدَةٌ ح (قَوْلُهُ كَانَ كُلُّ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ إسْقَاطًا مِمَّا يَلِيهِ أَيْ مِمَّا قَبْلَهُ، فَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي يَلِيهِ عَائِدٌ عَلَى كُلٍّ وَالْبَارِزُ عَلَى مَا فَهُوَ صِلَةٌ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ، لَكِنْ اللُّبْسُ مَأْمُونٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ
стр. 1658
بِلَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا (٩) إلَّا (٨) إلَّا (٧) إلَّا (٦) إلَّا (٥) إلَّا (٤) إلَّا (٣) إلَّا (٢) إلَّا وَاحِدَةً، وَتَقْرِيبُهُ أَنْ تَأْخُذَ الْعَدَدَ الْأَوَّلَ بِيَمِينِك وَالثَّانِيَ بِيَسَارِك وَالثَّالِثَ بِيَمِينِك وَالرَّابِعَ بِيَسَارِك وَهَكَذَا، ثُمَّ تُسْقِطَ مَا بِيَسَارِك مِمَّا بِيَمِينِك، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ الْوَاقِعُ
(إخْرَاجُ بَعْضِ التَّطْلِيقِ لَغْوٌ، بِخِلَافِ إيقَاعِهِ، فَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَقَعَ الثَّلَاثُ فِي الْمُخْتَارِ) وَعَنْ الثَّانِي ثِنْتَانِ فَتْحٌ،
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا وَاحِدَةً يَقَعُ ثِنْتَانِ انْتَهَى فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ ثَلَاثٍ مُقَدَّرٍ
(سَأَلَتْ امْرَأَةٌ الثَّلَاثَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسِينَ طَلْقَةً فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثٌ تَكْفِينِي فَقَالَ ثَلَاثٌ لَك وَالْبَوَاقِي لِصَوَاحِبِك وَلَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ غَيْرِهَا تَطْلُقُ الْمُخَاطَبَةُ ثَلَاثًا لَا غَيْرُهَا أَصْلًا) هُوَ الْمُخْتَارُ لِصَيْرُورَةِ الْبَوَاقِي لَغْوًا، فَلَمْ يَقَعْ بِصَرْفِهِ لِصَوَاحِبِهَا شَيْءٌ.
[فُرُوعٌ] فِي أَيْمَانِ الْفَتْحِ مَا لَفْظُهُ، وَقَدْ عُرِفَ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ ثَمَّةَ.
ــ
[رد المحتار]
إسْقَاطِ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ فَلَا يَجِبُ إبْرَازُ الضَّمِيرِ اهـ ح. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ أَنْ تَسْقُطَ السَّبْعَةُ مِنْ الثَّمَانِيَةِ يَبْقَى وَاحِدٌ تُسْقِطُهُ مِنْ التِّسْعَةِ يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ تُسْقِطُهَا مِنْ الْعَشَرَةِ يَبْقَى ثِنْتَانِ (قَوْلُهُ أَنْ تَأْخُذَ الْعَدَدَ الْأَوَّلَ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنْ تَعُدَّ الْأَوْتَارَ بِيَمِينِك أَيْ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ وَالْخَامِسَ وَالسَّابِعَ وَالتَّاسِعَ، وَهِيَ تِسْعَةٌ وَسَبْعَةٌ وَخَمْسَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَوَاحِدَةٌ وَجُمْلَتُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَتَعُدَّ الْأَشْفَاعَ بِيَسَارِك: أَيْ الثَّانِيَ وَالرَّابِعَ وَالسَّادِسَ وَالثَّامِنَ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَاثْنَانِ وَجُمْلَتُهَا عِشْرُونَ تُسْقِطُهَا مِمَّا بِالْيَمِينِ يَبْقَى خَمْسَةٌ.
قُلْت: وَلَهُ طَرِيقَةٌ ثَانِيَةٌ، وَهِيَ إخْرَاجُ الْأَوْتَارِ وَإِدْخَالُ الْأَشْفَاعِ، بِأَنْ تُخْرِجَ كُلَّ وَتْرٍ مِنْ شَفْعٍ قَبْلَهُ بَيَانُهُ أَنْ تُخْرِجَ التِّسْعَةَ مِنْ الْعَشَرَةِ يَبْقَى وَاحِدٌ تَضُمُّهُ إلَى الثَّمَانِيَةِ تَصِيرُ تِسْعَةً، أَخْرِجْ مِنْهَا سَبْعَةً يَبْقَى اثْنَانِ تَضُمُّهَا إلَى السِّتَّةِ تَصِيرُ ثَمَانِيَةً، أَخْرِجْ مِنْهَا خَمْسَةً يَبْقَى ثَلَاثَةٌ، تَضُمُّهَا إلَى الْأَرْبَعَةِ تَصِيرُ سَبْعَةً، أَخْرِجْ مِنْهَا ثَلَاثَةً يَبْقَى أَرْبَعَةٌ، تَضُمُّهَا إلَى الِاثْنَيْنِ تَصِيرُ سِتَّةً أَخْرِجْ مِنْهَا الْوَاحِدَ يَبْقَى خَمْسَةٌ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ إسْقَاطُ كُلٍّ مِمَّا يَلِيهِ كَمَا مَرَّ، بِأَنْ تُسْقِطَ الْوَاحِدَ مِنْ الِاثْنَيْنِ يَبْقَى وَاحِدٌ أَسْقِطْهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ يَبْقَى اثْنَانِ أَسْقِطْهُمَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ يَبْقَى اثْنَانِ أَيْضًا أَسْقِطْهُمَا مِنْ الْخَمْسَةِ يَبْقَى ثَلَاثَةٌ أَسْقِطْهَا مِنْ السِّتَّةِ يَبْقَى ثَلَاثَةٌ أَيْضًا أَسْقِطْهَا مِنْ السَّبْعَةِ يَبْقَى أَرْبَعَةٌ، أَسْقِطْهَا مِنْ الثَّمَانِيَةِ يَبْقَى أَرْبَعَةٌ أَيْضًا، أَسْقِطْهَا مِنْ التِّسْعَةِ يَبْقَى خَمْسَةٌ، أَسْقِطْهَا مِنْ الْعَشَرَةِ يَبْقَى خَمْسَةٌ (قَوْلُهُ فَهُوَ الْوَاقِعُ) أَيْ الْمُقَرُّ بِهِ ط
(قَوْلُهُ وَعَنْ الثَّانِي ثِنْتَانِ) لِأَنَّ التَّطْلِيقَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فِي الْإِيقَاعِ فَكَذَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَّا وَاحِدَةً. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِيقَاعَ إنَّمَا لَا يَتَجَزَّأُ الْمَعْنَى فِي الْمُوقَعِ وَهُوَ لَمْ يُوجَدْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَيَتَجَزَّأُ فِيهِ، فَصَارَ كَلَامُهُ عِبَارَةً عَنْ تَطْلِيقَتَيْنِ وَنِصْفٍ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا كَذَا فِي الْفَتْحِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ إيقَاعَ نِصْفِ الطَّلْقَةِ مَثَلًا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ شَرْعًا، فَكَانَ إيقَاعًا لِلْكُلِّ، بِخِلَافِ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ لَكِنَّهُ يَلْغُو لِأَنَّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ تَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ.
قُلْت: وَالْأَقْرَبُ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَ نِصْفًا لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ وَأَبْقَى نِصْفًا كَذَلِكَ أَوْقَعْنَا عَلَيْهِ طَلْقَةً بِمَا أَبْقَى وَلَمْ يَصِحَّ إخْرَاجُهُ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَزِمَ إخْرَاجُ طَلْقَةٍ حُكْمِيَّةٍ مِنْ طَلْقَةٍ حُكْمِيَّةٍ فَيَلْغُو (قَوْلُهُ فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ ثَلَاثٍ مُقَدَّرٍ) قُلْت: وَجْهُهُ أَنَّ لَفْظَ طَالِقٍ لَا يَحْتَمِلُ الثِّنْتَيْنِ لِأَنَّهُمَا عَدَدٌ مَحْضٌ، بَلْ يَحْتَمِلُ الْفَرْدَ الْحَقِيقِيَّ أَوْ الْجِنْسَ أَعْنِي الثَّلَاثَ، وَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إلْغَاءُ الِاسْتِثْنَاءِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ فِي أَيْمَانِ الْفَتْحِ) خَبَرٌ عَنْ مَا وَلَيْسَ نَعْتًا لِفُرُوعٍ لِأَنَّ الْفَرْعَ الْأَوَّلَ فَقَطْ فِي أَيْمَانِ الْفَتْحِ ح (قَوْلُهُ وَقَعَ الثَّلَاثُ) يَعْنِي بِدُخُولِ وَاحِدٍ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ
стр. 1659
إنْ سَكَنْت هَذِهِ الْبَلْدَةَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَخَرَجَ فَوْرًا وَخَلَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ سَكَنَهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ لَمْ تَطْلُقْ، بِخِلَافِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَلْيُحْفَظْ.
إنْ تَزَوَّجْتُك وَإِنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ كَذَا لَمْ يَقَعْ حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا مَرَّتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ فَلْيَحْفَظْ. إنْ غِبْت عَنْك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَأَمْرُك بِيَدِك ثُمَّ طَلَّقَهَا فَاعْتَدَّتْ فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ عَادَتْ لِلْأَوَّلِ ثُمَّ غَابَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَلَوْ اخْتَلَعَتْ لَا لِأَنَّهُ تَنْجِيزٌ وَالْأَوَّلُ تَعْلِيقٌ.
دَعَاهَا لِلْوِقَاعِ فَأَبَتْ فَقَالَ مَتَى يَكُونُ؟ فَقَالَتْ غَدًا، فَقَالَ: إنْ لَمْ تَفْعَلِي هَذَا فَالْمُرَادُ غَدًا فَأَنْتِ كَذَا ثُمَّ نَسِيَاهُ حَتَّى مَضَى الْغَدُ لَا يَقَعُ.
ــ
[رد المحتار]
أَيْمَانِ الْفَتْحِ، حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَقَرِبَهَا مَرَّةً لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ نَوَى التَّأْكِيدَ يَدِينُ ح.
قُلْت: وَتَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا ذَكَرَ لِكُلِّ شَرْطٍ جَزَاءً، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى جُزْءٍ وَاحِدٍ. فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ وَهُمَا وَاحِدٌ فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْحِنْثِ حَتَّى تَدْخُلَ دَخِلَتَيْنِ فِيهَا، وَالِاسْتِحْسَانُ يَحْنَثُ بِدُخُولٍ وَاحِدٍ وَيُجْعَلُ الْبَاقِي تَكْرَارًا وَإِعَادَةً اهـ ثُمَّ ذَكَرَ إشْكَالًا وَجَوَابَهُ وَذَكَرَ عِبَارَتَهُ بِتَمَامِهَا فِي الْبَحْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْمِلْكُ يُشْتَرَطُ لِآخِرِ الشَّرْطَيْنِ، وَقَوْلُهُ وَهُمَا وَاحِدٌ: أَيْ الدَّارَانِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَشَارَ إلَى دَارَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ لَمْ تَطْلُقْ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ كَمَا حَقَّقْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يُؤَخِّرْ الْجَزَاءَ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَأَمَّا مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَّرَ الْجَزَاءَ فَقَالَ ح: صَوَابُهُ قَدَّمَ الْجَزَاءَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ مَا إذَا وَسَّطَهُ.
قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُك وَإِنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا مَرَّتَيْنِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا قَدَّمَ الْجَزَاءَ أَوْ وَسَّطَهُ اهـ كَلَامُ النَّهْرِ، وَفَصَّلَهُ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ فَقَالَ: وَإِنْ كَرَّرَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ فَقَالَ إنْ تَزَوَّجْتُك وَإِنْ تَزَوَّجْتُك، أَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُك، فَإِنْ تَزَوَّجْتُك أَوْ إذَا تَزَوَّجْتُك أَوْ مَتَى تَزَوَّجْتُك لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا مَرَّتَيْنِ، وَلَوْ قَدَّمَ الطَّلَاقَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ تَزَوَّجْتُك وَإِنْ تَزَوَّجْتُك فَهَذَا عَلَى تَزَوُّجٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ تَزَوَّجْتُك طَلُقَتْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ التَّزْوِيجَيْنِ (قَوْلُهُ إنْ غِبْت عَنْك إلَخْ) أَقُولُ: الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا فِي الْبَحْرِ عِنْدَ قَوْلِ الْكَنْزِ وَزَوَالُ الْمِلْكِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يُبْطِلُهَا.
وَنَصُّهُ فِي الْقُنْيَةِ: لَوْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ وَتَفَرَّقَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَفِي بَقَاءِ الْأَمْرِ بِيَدِهَا رِوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى قَالَ: إنْ غِبْت عَنْك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَأَمْرُك بِيَدِك ثُمَّ طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ وَغَابَ عَنْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا. اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ تَنْجِيزٌ لِلتَّخْيِيرِ فَيَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ، وَالثَّانِيَ تَعْلِيقُ التَّخْيِيرِ فَكَانَ يَمِينًا فَلَا يَبْطُلُ اهـ كَلَامُ الْبَحْرِ، وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ الْإِيجَازِ الْمُخِلِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّخْيِيرَ يَبْطُلُ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ إذَا كَانَ التَّخْيِيرُ مُنَجَّزًا، بِخِلَافِ الْمُعَلَّقِ وَهَذَا مَا وُفِّقَ بِهِ فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ بَيْنَ كَلَامِهِمْ كَمَا حَرَّرْنَاهُ قُبَيْلَ فَصْلِ الْمَشِيئَةِ (قَوْلُهُ لَا يَقَعُ) لِأَنَّ الْحِنْثَ شَرْطُهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهَا غَدًا وَتَمْتَنِعَ وَلَمْ يَطْلُبْ بَحْرٌ، وَنَحْوُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُنْتَقَى.
قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ النِّسْيَانَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ هُنَا، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ بِأَنَّ تَعْلِيلَهُ إمْكَانَ الْبِرِّ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الْيَمِينِ بَعْدَ انْعِقَادِهَا كَمَا هُوَ شَرْطٌ لِانْعِقَادِهَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ إمْكَانَ الْبِرِّ مُحَقَّقٌ بِالتَّذَكُّرِ،
стр. 1660
حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتِيَهَا فَاسْتَلْقَى فَجَاءَتْ فَجَامَعَتْ إنْ مُسْتَيْقِظًا حَنِثَ
إنْ لَمْ أُشْبِعْك مِنْ الْجِمَاعِ فَعَلَى إنْزَالِهَا.
إنْ لَمْ أُجَامِعْك أَلْفَ مَرَّةٍ فَكَذَا فَعَلَى الْمُبَالَغَةِ لَا الْعَدَدِ.
وَإِنْ وَطِئْتُك فَعَلَى جِمَاعِ الْفَرْجِ، وَإِنْ نَوَى الدَّوْسَ بِالْقَدَمِ حَنِثَ بِهِ أَيْضًا.
لَهُ امْرَأَةٌ جُنُبٌ وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ فَقَالَ أَخْبَثَكُنَّ طَالِقٌ طَلُقَتْ النُّفَسَاءُ، وَفِي أَفْحَشِكُنَّ طَالِقٌ فَعَلَى الْحَائِضِ.
قَالَ: لِي إلَيْك حَاجَةٌ فَقَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَقْضِهَا، فَقَالَ هِيَ أَنْ تُطَلِّقَ امْرَأَتَك فَلَهُ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ.
قَالَ لِأَصْحَابِهِ إنْ لَمْ أَذْهَبْ بِكُمْ اللَّيْلَةَ إلَى مَنْزِلِي فَامْرَأَتُهُ كَذَا فَذَهَبَ بِهِمْ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُمْ الْعَسَسُ فَحَبَسَهُمْ لَا يَحْنَثُ. إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَخَرَجَتْ لِحَرِيقِهَا لَا يَحْنَثُ.
ــ
[رد المحتار]
عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِي عَدَمِ الْحِنْثِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا، وَهُوَ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ إنْ مُسْتَيْقِظًا حَنِثَ) لِأَنَّهُ يُسَمَّى إتْيَانًا مِنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (قَوْلُهُ فَعَلَى إنْزَالِهَا) أَيْ تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عَلَى أَنْ يُجَامِعَهَا حَتَّى تُنْزِلَ لِأَنَّ شَبِعَهَا يُرَادُ بِهِ كَسْرُ شَهْوَتِهَا بِهِ (قَوْلُهُ فَعَلَى الْمُبَالَغَةِ لَا الْعَدَدِ) فَلَا تَقْدِيرَ لِذَلِكَ وَالسَّبْعُونَ كَثِيرٌ خَانِيَّةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَنْوِ الْعَدَدَ، فَإِنْ نَوَاهُ عَمِلَتْ نِيَّتُهُ لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ ط (قَوْلُهُ حَنِثَ بِهِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يَحْنَثُ بِالْجِمَاعِ فَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ الْمَعْنَى الْمُتَبَادَرَ وَيُؤَاخَذُ بِمَا نَوَاهُ لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ فَأَيُّهُمَا فَعَلَ حَنِثَ بِهِ.
بَقِيَ لَوْ فَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا هَلْ يَحْنَثُ مَرَّتَيْنِ؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي الدِّيَانَةِ إلَّا بِمَا نَوَى. قَالَ ط وَلَوْ قَالَ إنْ وَطِئْت مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ امْرَأَةٍ وَلَا ضَمِيرِهَا فَهُوَ عَلَى الدَّوْسِ بِالْقَدَمِ هُوَ اللُّغَةُ وَالْعُرْفُ وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَنْوِ الْجِمَاعَ وَإِلَّا عَمِلَتْ نِيَّتُهُ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ لَهُ امْرَأَةٌ إلَخْ) لَا مُنَاسَبَةَ لَهَا فِي هَذَا الْبَابِ إذْ لَيْسَ فِيهَا تَعْلِيقٌ، وَقَوْلُهُ طَلُقَتْ النُّفَسَاءُ، لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْخَبِيثَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمُسْتَكْرَهِ رِيحُهُ كَالثُّومِ وَالْبَصَلِ وَدَمُ النُّفَسَاءِ مُنْتِنٌ لِطُولِ مُكْثِهِ (قَوْلُهُ فَعَلَى الْحَائِضِ) لَعَلَّ وَجْهَهُ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ نَصًّا أَوْ كَثْرَتُهُ وَزِيَادَةُ أَوْقَاتِهِ وَمِنْهُ غَبْنٌ فَاحِشٌ. ثُمَّ رَأَيْت فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ عَلَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ نَصٌّ (قَوْلُهُ فَلَهُ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ) وَلَا تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى غَيْرِهِ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ. وَلَا يُقَالُ إنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْهُ، فَالْقَوْلُ لَهُ كَقَوْلِهِ لَهَا إنْ كُنْت تُحِبِّينَ فَقَالَتْ أُحِبُّ لِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ لَا مِنْ جِهَةِ أَجْنَبِيٍّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ حَنِثَ (قَوْلُهُ لَا يَحْنَثُ) يُنَافِي مَا يَأْتِي قَرِيبًا مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ إنْ كَانَ عَدَمِيًّا وَعَجَزَ حَنِثَ. اهـ. ح وَأَصْلُهُ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ.
أَقُولُ: لَا إشْكَالَ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ ذَهَبَ فَعُدِمَ الْحِنْثُ لِوُجُودِ الْبِرِّ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا يَأْتِي مَتْنًا فِي الْأَيْمَانِ: لَا يَخْرُجُ أَوْ لَا يَذْهَبُ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ يُرِيدُهَا ثُمَّ رَجَعَ حَنِثَ إذَا جَاوَزَ عُمْرَانَ مِصْرِهِ عَلَى قَصْدِهَا اهـ فَإِنَّ عَدَمَ الْحِنْثِ فِيهَا لِوُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ط.
قُلْت: وَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ تَخْرِيجَ عَدَمِ الْحِنْثِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَسَسِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ فَأَهْرَقَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ لَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا اهـ وَفِي الذَّخِيرَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا (قَوْلُهُ فَخَرَجَتْ لِحَرِيقِهَا لَا يَحْنَثُ) وَكَذَا لَوْ خَرَجَتْ لِلْغَرَقِ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِغَيْرِ الْغَرَقِ وَالْحَرْقِ بَحْرٌ أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ عُرْفًا يَدْخُلُ فِي الْيَمِينِ، وَكَذَا يَتَقَيَّدُ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ
стр. 1661
حَلَفَ لَا يَرْجِعُ الدَّارَ ثُمَّ رَجَعَ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ لَا يَحْنَثُ.
حَلَفَ لَيُخْرِجَنَّ سَاكِنَ دَارِهِ الْيَوْمَ وَالسَّاكِنُ ظَالِمٌ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُهُ فَالْيَمِينُ عَلَى التَّلَفُّظِ بِاللِّسَانِ
ــ
[رد المحتار]
وَعَلَّلَهُ فِي الْفَتْحِ هُنَاكَ بِأَنَّ الْإِذْنَ إنَّمَا يَصِحُّ لِمَنْ لَهُ الْمَنْعُ، وَهُوَ مِثْلُ السُّلْطَانِ إذَا حَلَّفَ إنْسَانًا لَيَرْفَعَنَّ إلَيْهِ خَبَرَ كُلِّ دَاعِرٍ فِي الْمَدِينَةِ كَانَ عَلَى مُدَّةِ وِلَايَتِهِ، فَلَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَخَرَجَتْ بِلَا إذْنٍ لَا تَطْلُقُ وَإِنْ كَانَ زَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ عِنْدَنَا لِأَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ إلَّا عَلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ اهـ وَمِثْلُهُ تَحْلِيفُ رَبِّ الدَّيْنِ الْغَرِيمَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ إلَّا بِإِذْنِهِ تَقَيَّدَ بِقِيَامِ الدَّيْنِ كَمَا سَيَأْتِي هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَوْلُهُ حَلَفَ لَا يَرْجِعُ إلَخْ) فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ خَرَجَ مَعَ الْوَلِيِّ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَرْجِعَ إلَّا بِإِذْنِ الْوَالِي فَسَقَطَ مِنْ الْحَالِفِ شَيْءٌ فَرَجَعَ لِأَجْلِهِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ هَذَا الرُّجُوعَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْيَمِينِ عَادَةً اهـ أَيْ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ هُوَ الرُّجُوعُ بِمَعْنَى تَرْكِ الذَّهَابِ مَعَهُ، فَإِذَا رَجَعَ لِحَاجَةٍ عَلَى نِيَّةِ الْعَوْدِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ.
مَطْلَبٌ الْيَمِينُ تَتَخَصَّصُ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا تَخَصَّصَتْ الْيَمِينُ فِيهِمَا بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ وَالْعَادَةُ مُخَصِّصَةٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا: رَجُلٌ حَلَّفَ رَجُلًا أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ عَنْهُ ثُمَّ نَهَاهُ عَنْ جِمَاعِ امْرَأَتِهِ لَا يَحْنَثُ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُرِيدُونَ بِهَذَا النَّهْيَ عَنْ جِمَاعِ امْرَأَتِهِ عَادَةً، كَمَا لَا يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. وَفِيهَا أَيْضًا: اتَّهَمَتْهُ امْرَأَتُهُ بِجَارِيَةٍ فَحَلَفَ لَا يَمَسُّهَا انْصَرَفَ إلَى الْمَسِّ الَّذِي تَكْرَهُ الْمَرْأَةُ وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ وَضَعْت يَدِي عَلَى جَارِيَتِي فَهِيَ حُرَّةٌ فَضَرَبَهَا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لَا يَحْنَثُ إنْ كَانَ يَمِينُهُ لِأَجْلِ الْمَرْأَةِ وَلِأَمْرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ الْوَضْعَ لِغَيْرِ الضَّرْبِ. اهـ.
قُلْت: وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْحَنَابِلَةِ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ قُلْت لِي كَلَامًا وَلَمْ أَقُلْ لَك مِثْلَهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ لَهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ لَهَا مِثْلَهُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ لِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ مُخَصَّصٌ بِمَا كَانَ سَبًّا أَوْ دُعَاءً أَوْ نَحْوَهُ إذْ لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ اشْتَرِ لِي ثَوْبًا أَنْ يَقُولَ لَهَا مِثْلَهُ بَلْ أَرَادَ الْكَلَامَ الَّذِي كَانَ سَبَبَ حَلِفِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَالْيَمِينُ عَلَى التَّلَفُّظِ بِاللِّسَانِ) كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْحَاوِي لِلزَّاهِدِيِّ مَعْزِيًّا لِلْوَبَرِيِّ، وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ عَالِمًا وَقْتَ الْحَلِفِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُهُ بِالْفِعْلِ، فَيَنْصَرِفُ إلَى التَّلَفُّظِ بِقَوْلِهِ اُخْرُجْ مِنْ دَارِي، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْيَمِينِ الْمُؤَقَّتَةِ كَمَا فِي لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ وَلَا مَاءَ فِيهِ لَكَانَ يَنْبَغِي عَدَمُ الْحِنْثِ بِمُضِيِّ الْيَوْمِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ اُخْرُجْ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهَا لِإِمْكَانِ صَرْفِ الْيَمِينِ إلَى التَّلَفُّظِ الْمَذْكُورِ بِقَرِينَةِ الْعَجْزِ عَنْ الْحَقِيقَةِ.
مَطْلَبٌ لَا يَدَعُ فُلَانًا يَسْكُنُ فِي هَذِهِ الدَّارِ
كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدَعُ فُلَانًا يَسْكُنُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَقَدْ قَالُوا: إنْ كَانَتْ الدَّارُ مِلْكًا لِلْحَالِفِ فَالْمَنْعُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَإِلَّا فَبِالْقَوْلِ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنْعَهُ بِالْفِعْلِ؛ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ كَانَ آجَرَهُ الدَّارَ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَبَرُّ بِقَوْلِهِ اُخْرُجْ مِنْ دَارِي. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مَلَكَ الْمَنَافِعَ فَصَارَ الْحَالِفُ كَالْأَجْنَبِيِّ الَّذِي لَا مِلْكَ لَهُ فِي الدَّارِ. وَأَمَّا مَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ آخِرَ كِتَابِ الْأَيْمَانِ حَيْثُ قَالَ لَا يَدْخُلُ فُلَانٌ دَارِهِ فَيَمِينُهُ عَلَى النَّهْيِ إنْ لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ وَإِلَّا فَعَلَى النَّهْيِ وَالْمَنْعِ جَمِيعًا، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا رَأَيْته فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مِنْ ذِكْرِ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي حَلِفِهِ لَا يَدَعُهُ أَوْ لَا يَتْرُكُهُ.
فَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ قَالَ؛ إنْ أَدْخَلْت فُلَانًا بَيْتِي أَوْ قَالَ إنْ دَخَلَ فُلَانٌ بَيْتِي أَوْ قَالَ إنْ تَرَكْت فُلَانًا يَدْخُلُ بَيْتِي فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، فَالْيَمِينُ فِي الْأَوَّلِ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ بِأَمْرِهِ لِأَنَّهُ مَتَى دَخَلَ بِأَمْرِهِ فَقَدْ أَدْخَلَهُ، وَفِي الثَّانِي عَلَى الدُّخُولِ
стр. 1662
إنْ لَمْ تَجِيئِي بِفُلَانٍ أَوْ إنْ لَمْ تَرُدِّي ثَوْبِي السَّاعَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَجَاءَ فُلَانٌ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ بِنَفْسِهِ وَأَخَذَ الثَّوْبَ قَبْلَ دَفْعِهَا لَا يَحْنَثُ، كَذَا إنْ لَمْ أَدْفَعْ إلَيْك الدِّينَارَ الَّذِي عَلَيَّ إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ فَكَذَا فَأَبْرَأَتْهُ قَبْلَ رَأْسِ الشَّهْرِ بَطَلَ الْيَمِينُ.
بَقِيَ مَا يُكْتَبُ فِي التَّعَالِيقِ مَتَى نَقَلَهَا أَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَأَبْرَأَتْهُ مِنْ كَذَا أَوْ مِنْ بَاقِي صَدَاقِهَا، فَلَوْ دَفَعَ لَهَا الْكُلَّ هَلْ تَبْطُلُ؟ الظَّاهِرُ لَا لِتَصْرِيحِهِمْ بِصِحَّةِ بَرَاءَةِ الْإِسْقَاطِ وَالرُّجُوعِ بِمَا دَفَعَهُ
ــ
[رد المحتار]
أَمَرَ الْحَالِفُ أَوْ لَمْ يَأْمُرْ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ لِأَنَّهُ وُجِدَ الدُّخُولُ، وَفِي الثَّالِثِ عَلَى الدُّخُولِ بِعِلْمِ الْحَالِفِ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ التَّرْكُ لِلدُّخُولِ، فَمَتَى عَلِمَ وَلَمْ يَمْنَعْ فَقَدْ تَرَكَ اهـ وَمِثْلُهُ فِي أَيْمَانِ الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، فَتَعْلِيلُهُ لِلثَّانِي بِأَنَّهُ وُجِدَ الدُّخُولُ صَرِيحٌ فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ عَلَى نَفْسِ فِعْلِ الْغَيْرِ، وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ هُنَاكَ قَالَ لِغَيْرِهِ: وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا فَهُوَ حَالِفٌ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ الْمُخَاطَبُ حَنِثَ إلَخْ فَعُلِمَ أَنَّهُ فِي حَلِفِهِ لَا يَدْخُلُ فُلَانٌ دَارِهِ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ وَإِنْ نَهَاهُ الْحَالِفُ لِأَنَّهُ وُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ بِخِلَافِ لَا يَتْرُكُهُ يَدْخُلُ فَإِنَّ فِيهِ التَّفْصِيلَ الْمَارَّ؛ وَلَوْ جَرَى هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْحَلِفِ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ لَزِمَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ دَخَلَ فُلَانٌ دَارِي فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ لَوْ نَهَاهُ عَنْ الدُّخُولِ ثُمَّ دَخَلَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا وَأَمَرَهُ بِالْفِعْلِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَا يَحْنَثُ. وَقَدْ يُجَابُ بِحَمْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ فِي الْأَيْمَانِ فَيَمِينُهُ عَلَى النَّهْيِ إنْ لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ كَوْنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ظَالِمًا بِقَرِينَةِ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَلِفِ عَلَى دَارِ الْحَالِفِ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ مِلْكَ الْحَالِفِ أَوْ مِلْكَ غَيْرِهِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى زِيَادَةُ تَحْرِيرٍ لِهَذَا الْمَحَلِّ فِي الْأَيْمَانِ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضْنَا لِذِكْرِ ذَلِكَ هُنَا لِأَنَّ بَعْضَ مُحَشِّي الْأَشْبَاهِ اغْتَرَّ بِعِبَارَةِ الشَّارِحِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَيْمَانِ فَأَفْتَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ فِي قَوْلِهِ لَا يَدْخُلُ فُلَانٌ دَارِي، وَهُوَ مَا اُشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْحَلِفِ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُهُ وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ تَجِيئِي) بِفِعْلِ الْمُؤَنَّثَةِ الْمُخَاطَبَةِ لِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ ح (قَوْلُهُ السَّاعَةَ) رَاجِعٌ إلَيْهِمَا، وَقَيَّدَ بِهَا لِأَنَّ الْمُطْلَقَةَ لَا يَحْنَثُ فِيهَا إلَّا بِالْيَأْسِ بِنَحْوِ مَوْتِ الْحَالِفِ أَوْ ضَيَاعِ الثَّوْبِ ط (قَوْلُهُ لَا يَحْنَثُ) لِعَدَمِ إمْكَانِ الْبِرِّ، وَقِيلَ يَحْنَثُ فِيهِمَا ط عَنْ الْبَحْرِ.
قُلْت: وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ لَمْ تَجِيئِي بِمَتَاعِ كَذَا غَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَبَعَثَتْ الْمَرْأَةُ بِهِ عَلَى يَدِ إنْسَانٍ فَإِنْ كَانَ نَوَى وُصُولَ الْمَتَاعِ إلَيْهِ غَدًا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ لَفْظِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى حَمْلَهَا بِنَفْسِهَا حَنِثَ وَلَا يَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى الْوُصُولِ إلَّا بِالنِّيَّةِ اهـ (قَوْلُهُ بَطَلَ الْيَمِينُ) لِأَنَّهُ بَعْدَ إبْرَائِهَا مِنْهُ لَمْ يَبْقَ لَهَا عَلَيْهِ فَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ (قَوْلُهُ مَا يُكْتَبُ فِي التَّعْلِيقِ) أَيْ مَا يَكْتُبُهُ الزَّوْجُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ خَوْفِ الْمَرْأَةِ مِنْ نَقْلِهَا أَوْ تَزَوُّجِهِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ مَتَى نَقَلَهَا إلَخْ) جَوَابُ مَتَى مَحْذُوفٌ أَيْ فَهِيَ طَالِقٌ، وَقَوْلُهُ وَأَبْرَأَتْهُ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ عَلَى قَوْلِهِ نَقَلَهَا أَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ فَلَوْ دَفَعَ لَهَا الْكُلَّ) أَيْ كُلَّ الدَّيْنِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ مِنْ كَذَا أَوْ كُلَّ بَاقِي الصَّدَاقِ (قَوْلُهُ هَلْ تَبْطُلُ) أَيْ الْيَمِينُ الْمَذْكُورُ، وَوَجْهُ التَّوَقُّفِ أَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطَيْنِ وَهُمَا النَّقْلُ وَالْإِبْرَاءُ أَوْ التَّزَوُّجُ وَالْإِبْرَاءُ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْآخَرِ وَهُوَ الْإِبْرَاءُ مَعَ أَنَّ الْمُبْرَأَ عَنْهُ قَدْ دَفَعَهُ لَهَا (قَوْلُهُ لِتَصْرِيحِهِمْ إلَخْ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: الْإِبْرَاءُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ صَحِيحٌ لِأَنَّ السَّاقِطَ بِالْقَضَاءِ الْمُطَالَبَةُ لَا أَصْلُ الدَّيْنِ فَيَرْجِعُ الْمَدْيُونُ بِمَا أَدَّاهُ إذَا أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ وَإِذَا أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ فَلَا رُجُوعَ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَطْلَقَهَا. وَعَلَى هَذَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِإِبْرَائِهَا عَنْ الْمَهْرِ ثُمَّ دَفَعَهُ لَهَا لَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ، فَإِذَا أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ وَقَعَ وَرَجَعَ عَلَيْهَا. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ وَالدَّيْنُ يَقْضِي بِمِثْلِهِ أَيْ إذَا أَوْفَى مَا عَلَيْهِ لِغَرِيمِهِ ثَبَتَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ مِثْلُ مَا لِغَرِيمِهِ عَلَيْهِ فَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ، فَإِذَا أَبْرَأَهُ غَرِيمُهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ سَقَطَ مَا بِذِمَّتِهِ لِغَرِيمِهِ فَتَثْبُتُ لَهُ مُطَالَبَةُ غَرِيمِهِ
стр. 1663
حَلَفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ ثُمَّ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ لَا كَفَّارَةَ وَلَا يُعْتَقُ عَبْدُهُ، إمَّا لِصِدْقِهِ أَوْ لِأَنَّهَا غَمُوسٌ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ الْأُولَى بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ حَنِثَ فِي الْيَمِينِ لِدُخُولِهَا فِي الْقَضَاءِ.
أَخَذَتْ مِنْ مَالِهِ دِرْهَمًا فَاشْتَرَتْ بِهِ لَحْمًا وَخَلَطَهُ اللَّحَّامُ بِدَرَاهِمِهِ وَقَالَ زَوْجُهَا إنْ لَمْ تَرُدِّيهِ الْيَوْمَ فَأَنْتِ كَذَا فَحِيلَتُهُ أَنْ تَأْخُذَ كِيسَ اللَّحْمِ وَتُسَلِّمَهُ لِلزَّوْجِ قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ وَلَا حِنْثَ، وَلَوْ ضَاعَ مِنْ اللَّحْمِ فَمَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أُذِيبَ أَوْ سَقَطَ فِي الْبَحْرِ لَا يَحْنَثُ.
حَلَفَ إنْ لَمْ أَكُنْ الْيَوْمَ فِي الْعَالَمِ أَوْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فَكَذَا يُحْبَسُ وَلَوْ فِي بَيْتٍ حَتَّى يَمْضِيَ الْيَوْمُ، وَلَوْ حَلَفَ إنْ لَمْ يُخَرِّبْ بَيْتَ فُلَانٍ غَدًا فَقُيِّدَ وَمُنِعَ حَتَّى مَضَى الْغَدُ حَنِثَ وَكَذَا إنْ لَمْ أَخْرُجْ مِنْ هَذَا الْمَنْزِلِ فَكَذَا فَقُيِّدَ، أَوْ إنْ لَمْ أَذْهَبْ بِك إلَى مَنْزِلِي فَأَخَذَهَا فَهَرَبَتْ مِنْهُ، أَوْ إنْ لَمْ تَحْضُرِي اللَّيْلَةَ مَنْزِلِي فَكَذَا فَمَنَعَهَا أَبُوهَا حَنِثَ فِي الْمُخْتَارِ،
ــ
[رد المحتار]
بِمَا أَوْفَاهُ، فَقَدْ صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ بَعْدَ الدَّفْعِ، فَلَا تَبْطُلُ الْيَمِينُ بَلْ يَتَوَقَّفُ الْوُقُوعُ عَلَى الْبَرَاءَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى إقْرَارِهِ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ وَبِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمَدْيُونُ لِعَدَمِ سُقُوطِ مَا بِذِمَّتِهِ بِذَلِكَ. وَأَمَّا لَوْ أَطْلَقَ فَيَنْبَغِي فِي زَمَانِنَا حَمْلُهَا عَلَى الِاسْتِيفَاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ غَيْرَهَا
(قَوْلُهُ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا لَا يَدْخُلُ. وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ عَلَى الثَّانِي تَكُونُ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً لِكَوْنِهَا عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ. وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَتْ عَلَى الْمَاضِي لِتَنَاقُضِ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ.
فَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ الْأَيْمَانِ الَّتِي يُكَذِّبُ بَعْضُهَا بَعْضًا: حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ ثُمَّ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَهَا الْيَوْمَ لَا كَفَّارَةَ وَلَا يُعْتَقُ عَبْدُهُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَحْنَثْ وَلَا كَفَّارَةَ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهِيَ يَمِينُ الْغَمُوسِ فَلَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْقَضَاءِ فَلَمْ يَصْرِفْهَا مُكَذِّبًا شَرْعًا، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ وَهُوَ عَدَمُ الدُّخُولِ؛ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ الْأُولَى بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ لِأَنَّ لَهَا مَدْخَلًا فِي الْقَضَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ) لِأَنَّهُ بِكُلٍّ زَعَمَ الْحِنْثَ فِي الْأُخْرَى كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ عِتْقِ الْبَعْضِ. اهـ. ح (قَوْلُهُ وَلَوْ ضَاعَ مِنْ اللَّحَّامِ إلَخْ) هَذَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ عَنْ ذِكْرِ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، فَعُلِمَ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُمْ يُشْتَرَطُ لِبَقَاءِ الْيَمِينِ إمْكَانُ الْبِرِّ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُقَيَّدَةِ بِالْوَقْتِ فَعَدَمُهُ مُبْطِلٌ لَهَا أَمَّا الْمُطْلَقَةُ فَعَدَمُهُ مُوجِبٌ لِلْحِنْثِ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ مُقَيَّدَةً بِالْوَقْتِ يَحْنَثُ بِمُضِيِّهِ إلَّا إذَا عَجَزَتْ عَنْ رَدِّهِ بِأَنْ ضَاعَ أَوْ أُذِيبَ أَمَّا لَوْ كَانَتْ مُطْلَقَةً فَلَا يَحْنَثُ وَإِنْ ضَاعَ مَا دَامَا حَيَّيْنِ لِإِمْكَانِ وُجْدَانِهِ أَمَّا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ أُذِيبَ أَوْ سَقَطَ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ، وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ أَكُنْ إلَخْ) كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الصَّيْرَفِيَّةِ، وَقَدْ رَاجَعْت عِبَارَةَ الصَّيْرَفِيَّةِ فَرَأَيْت فِيهَا إنْ أَكُنْ بِدُونِ لَمْ وَهُوَ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ يُحْبَسُ إلَخْ) سَوَاءٌ حَبَسَهُ الْقَاضِي أَوْ الْوَلِيُّ لِأَنَّ الْحَبْسَ يُسَمَّى نَفْيًا قَالَ تَعَالَى ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] بَحْرٌ عَنْ الصَّيْرَفِيَّةِ أَيْ فَإِنَّ الْآيَةَ مَحْمُولَةٌ عِنْدَنَا عَلَى الْحَبْسِ.
مَطْلَبٌ الْمَحْبُوسُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا
وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ الْوَزِيرَ ابْنَ مُقْلَةَ لَمَّا حَبَسَهُ الرَّاضِي بِاَللَّهِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ أَنْشَدَ قَوْلَهُ:
خَرَجْنَا مِنْ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أَهْلِهَا ... فَلَسْنَا مِنْ الْمَوْتَى نُعَدُّ وَلَا الْأَحْيَا
إذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ ... فَرِحْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنْ الدُّنْيَا
стр. 1664
بِخِلَافِ لَا أَسْكُنُ فَأُغْلِقَ الْبَابُ أَوْ قُيِّدَ لَا يَحْنَثُ فِي الْمُخْتَارِ
قُلْت قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى عَجَزَ عَنْ شَرْطِ الْحِنْثِ حَنِثَ فِي الْعَدَمِيِّ لَا الْوُجُودِيِّ. قَالَ فِي النَّهْرِ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْمُخْتَارِ) لِأَنَّهُ مُسْكَنٌ لَا سَاكِنٌ، وَشَرْطُ الْحِنْثِ هُوَ السُّكْنَى، وَإِنَّمَا تَكُونُ السُّكْنَى بِفِعْلِهِ إذَا كَانَ بِاخْتِيَارِهِ، بِخِلَافِ إنْ لَمْ أَخْرُجْ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ عَدَمُ الْفِعْلِ وَالْعَدَمُ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الِاخْتِيَارِ أَفَادَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَأَفَادَهُ أَيْضًا أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا أَغْلَقَ الْبَابَ لَا فِيمَا إذَا مُنِعَ بِقَيْدٍ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَنْعُ حِسِّيًّا لَا يَحْنَثُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِهِ لَا يَحْنَثُ أَيْضًا فِي الْمُخْتَارِ، وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ.
مَطْلَبٌ الْأَصْلُ أَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ إنْ كَانَ عَدَمِيًّا وَعَجَزَ يَحْنَثُ
(قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ إلَخْ) عِبَارَةُ ابْنِ الشِّحْنَةِ وَالْأَصْلُ أَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ إنْ كَانَ عَدَمِيًّا وَعَجَزَ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ فَالْمُخْتَارُ الْحِنْثُ، وَإِنْ كَانَ وُجُودِيًّا وَعَجَزَ فَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْحِنْثِ. اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ مُبَاشَرَتِهِ يَعُودُ إلَى شَرْطِ الْبِرِّ لَا شَرْطِ الْحِنْثِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَطَلُّبِهِ وَالْحَالِفُ إنَّمَا يَطْلُبُ شَرْطَ الْبِرِّ فَيُحَصِّلُهُ أَوْ يَعْجِزُ عَنْهُ فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ مَتَى عَجَزَ عَنْ شَرْطِ الْبِرِّ فَافْهَمْ.
هَذَا، وَقَدْ اسْتَشْكَلَ فِي الْبَحْرِ فَرْعَيْنِ: أَحَدَهُمَا مَسْأَلَةُ الْعَسَسِ الْمَارَّةُ، وَالثَّانِيَ مَا فِي الْقُنْيَةِ إنْ لَمْ أَعْمَلْ هَذِهِ السَّنَةَ فِي الْمُزَارَعَةِ بِتَمَامِهَا فَمَرِضَ وَلَمْ يُتِمَّ حَنِثَ، وَلَوْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ لَا يَحْنَثُ اهـ قَالَ: فَإِنَّ الشَّرْطَ فِيهِمَا الْعَدَمُ وَقَدْ أَثَّرَ فِيهِ الْحَبْسُ. اهـ.
قُلْت: أَمَّا مَسْأَلَةُ الْعَسَسِ فَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهَا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْقُنْيَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى خِلَافِ الْمُخْتَارِ، وَهُوَ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَنْعُ غَيْرَ حِسِّيٍّ، فَهَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمَنْعِ بِالْمَرَضِ وَالْمَنْعِ بِحَبْسِ السُّلْطَانِ لِأَنَّ الْحَبْسَ إغْلَاقٌ لِبَابِ الْحَبْسِ فَهُوَ مَنْعٌ غَيْرُ حِسِّيٍّ، بِخِلَافِ الْمَرَضِ فَإِنَّهُ كَالْقَيْدِ فَهُوَ مَنْعٌ حِسِّيٌّ، لَكِنْ فِي أَيْمَانِ الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْخَامِسَ عَشَرَ إنْ لَمْ تَحْضُرِينِي اللَّيْلَةَ فَكَذَا فَقُيِّدَتْ وَمُنِعَتْ مَنْعًا حِسِّيًّا، ذَكَرَ الْفَضْلِيُّ أَنَّهُ يَحْنَثُ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فَقَدْ صُحِّحَ عَدَمُ الْحِنْثِ فِي الْمَنْعِ الْحِسِّيِّ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْمُخْتَارَ الْحِنْثُ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِكَوْنِهَا مُنِعَتْ مَنْعًا حِسِّيًّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَرْجِيحٌ لِقَوْلِ الْفَضْلِيِّ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَصْلِ الْمَارِّ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَا عَدَمِيٌّ وَيَكُونُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمَنْعِ الْحِسِّيِّ وَغَيْرِهِ خَاصًّا فِيمَا إذَا كَانَ الشَّرْطُ وُجُودِيًّا، وَيَكُونُ مَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ مَبْنِيًّا عَلَى إجْرَائِهِ فِي الْعَدَمِيِّ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهٌ] اعْلَمْ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ فَوَاتَ الْمَحَلِّ يُبْطِلُ الْيَمِينَ، وَبِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يُبْطِلُهَا أَيْضًا لَوْ مُؤَقَّتَةً لَا لَوْ مُطْلَقَةً، وَبِأَنَّ إمْكَانَ تَصَوُّرِ الْبِرِّ شَرْطٌ لِانْعِقَادِهَا فِي الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا وَشَرْطٌ لِبَقَائِهَا لَوْ مُؤَقَّتَةً، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُمْ فِي لَيَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ وَلَا مَاءَ فِيهِ لَا يَحْنَثُ. وَجْهُهُ أَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْبِرِّ ابْتِدَاءً، وَفِيمَا لَوْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَصُبَّ تَبْطُلُ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْبِرِّ بَعْدَ انْعِقَادِهَا، وَالْعَجْزُ فِيهِ نَاشِئٌ عَنْ فَوَاتِ الْمَحَلِّ، وَفِي إنْ لَمْ أَخْرُجْ وَنَحْوِهِ فَقُيِّدَ وَمُنِعَ يَحْنَثُ لِأَنَّ الْعَجْزَ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ فَوَاتِ الْمَحَلِّ لِأَنَّ الْمَحَلَّ فِيهِ هُوَ الْحَالِفُ أَوْ الْمَرْأَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَوْجُودٌ، بِخِلَافِ الْمَاءِ الَّذِي صُبَّ، فَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ تَحَقَّقَ شَرْطُ الْحِنْثِ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّ، وَإِنْ عَجَزَ حَقِيقَةً لِإِمْكَانِ الْبِرِّ عَقْلًا، بِأَنْ يُطْلِقَهُ الْحَابِسُ لَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ أَمَسَّ السَّمَاءَ الْيَوْمَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِمُضِيِّهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ اسْتَحَالَ عَادَةً، لَكِنَّهُ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ صُبَّ الْمَاءُ لِأَنَّ عَوْدَ الْمَاءِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ
стр. 1665
وَمُفَادُهُ الْحِنْثُ فِيمَنْ حَلَفَ لَيُؤَدِّيَنَّ الْيَوْمَ دَيْنَهُ فَعَجَزَ لِفَقْرِهِ وَفَقْدِ مَنْ يُقْرِضُهُ، خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ فَتَدَبَّرْ
بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ
عَنَوْنَ بِهِ لِأَصَالَتِهِ، وَيُقَالُ لَهُ الْفَارُّ لِفِرَارِهِ مِنْ إرْثِهَا، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ
ــ
[رد المحتار]
أَصْلًا وَفِي لَا أَسْكُنُ فَقُيِّدَ وَمُنِعَ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ وُجُودِيٌّ وَهُوَ سُكْنَاهُ بِنَفْسِهِ وَالْوُجُودِيُّ يُمْكِنُ إعْدَامُهُ بِالْإِكْرَاهِ وَالْمَنْعِ بِأَنْ يُنْسَبَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُكْرِهُ بِالْكَسْرِ.
بِخِلَافِ لَا يَخْرُجُ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ عَدَمِيٌّ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ إعْدَامُهُ بِالْإِكْرَاهِ لِتَحَقُّقِهِ مِنْ الْمُكْرَهِ بِالْفَتْحِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْإِكْرَاهُ يُؤَثِّرُ فِي الْوُجُودِيِّ لَا فِي الْعَدَمِيِّ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ شَرْطُ الْحِنْثِ عَدَمِيًّا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ شَرْطِ الْبِرِّ بِفَوَاتِ مَحَلِّهِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ مَعَ بَقَاءِ الْمَحَلِّ حَنِثَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَانِعُ حِسِّيًّا أَوْ لَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَانِعُ كَوْنَهُ مُسْتَحِيلًا عَادَةً، كَمَسِّ السَّمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ وُجُودِيًّا لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ الْمَانِعُ غَيْرَ حِسِّيٍّ فِي الْمُخْتَارِ، وَهَذَا مَا تَحَرَّرَ لِي مِنْ كَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَمُفَادُهُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ فِيهِ عَدَمِيٌّ وَهُوَ عَدَمُ الْأَدَاءِ وَالْمَحَلِّ وَهُوَ الْحَالِفُ بَاقٍ، وَإِذَا كَانَ يَحْنَثُ فِي حَلِفِهِ لَيَمَسَّ السَّمَاءَ الْيَوْمَ مَعَ كَوْنِ شَرْطِ الْبِرِّ مُسْتَحِيلًا عَادَةً فَحِنْثُهُ هُنَا بِالْأَوْلَى لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ مُمْكِنٌ، بِأَنْ يَغْصِبَ مَالًا أَوْ يَجِدَ مَنْ يُقْرِضُهُ أَوْ يَرِثَ قَرِيبًا لَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ مَسِّ السَّمَاءِ.
وَلَا يَرِدُ مَا قِيلَ إنَّهُ يُسْتَفَادُ عَدَمُ الْحِنْثِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمِنَحِ: حَلَفَ لَيَقْضِيَن فُلَانًا دَيْنَهُ غَدًا وَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ الْغَدِ أَوْ قَضَاهُ قَبْلَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ. اهـ. لِأَنَّ عَدَمَ الْحِنْثِ فِيهِ لَبُطْلَانِ الْيَمِينِ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ كَمَا لَوْ صُبَّ مَا فِي الْكُوزِ فَإِنَّ شَرْطَ الْبِرِّ صَارَ مُسْتَحِيلًا عَقْلًا وَعَادَةً بِخِلَافِ مَسِّ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ عَقْلًا وَإِنْ اسْتَحَالَ عَادَةً، وَكَذَا لَا يَرِدُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ إنْ لَمْ آكُلْ هَذَا الرَّغِيفَ الْيَوْمَ فَأَكَلَهُ غَيْرُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوعِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ وَهُوَ الرَّغِيفُ، وَمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ إنَّ قَوْلَهُ فِي الْقُنْيَةِ مَتَى عَجَزَ عَنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْيَمِينُ مُؤَقَّتَةٌ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا فِي الْحَادِثَةِ الْمَذْكُورَةِ اهـ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مُرَادَ الْقُنْيَةِ الْعَجْزُ الْحَقِيقِيُّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ وَإِلَّا نَاقَضَهُ مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ مِنْ عَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي لَأَصْعَدَن السَّمَاءَ. ثُمَّ رَأَيْت الرَّمْلِيَّ نَقَلَ عَنْ فَتَاوَى صَاحِبِ الْبَحْرِ أَنَّهُ أَفْتَى بِالْحِنْثِ فِي مَسْأَلَتِنَا مُسْتَنِدًا إلَى إمْكَانِ الْبِرِّ حَقِيقَةً وَعَادَةً مَعَ الْإِعْسَارِ بِهِبَةٍ أَوْ تَصَدُّقٍ أَوْ إرْثٍ اهـ وَهُوَ عَيْنُ مَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ
[بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ]
لَمَّا كَانَ الْمَرَضُ مِنْ الْعَوَارِضِ أَخَّرَهُ (قَوْلُهُ عَنْوَنَ بِهِ لِأَصَالَتِهِ) أَيْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْمَرِيضِ فِي التَّرْجَمَةِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ مَنْ غَالِبُ حَالِهِ الْهَلَاكُ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحُكْمَ فِي غَيْرِ الْمَرِيضِ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ الْمَرِيضُ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ كَانَ فِي حُكْمِهِ مُلْحَقٌ بِهِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْمَرِيضِ مَنْ غَالِبُ حَالِهِ الْهَلَاكُ مَجَازًا فَيَشْمَلُ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ لِفِرَارِهِ مِنْ إرْثِهَا) أَيْ ظَاهِرًا وَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْفِرَارَ (قَوْلُهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ) بَيَانٌ لِوَجْهِ تَوْرِيثِهَا مِنْهُ اعْتِبَارًا بِقَاتِلِ مُوَرِّثِهِ بِجَامِعِ كَوْنِهِ فِعْلًا مُحَرَّمًا لِغَرَضٍ فَاسِدٍ، وَتَمَامُ تَقْرِيرِهِ فِي الْفَتْحِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ الْمَرِيضِ التَّطْلِيقُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ إذَا رَضِيَتْ بِهِ. اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الشَّارِعَ حَيْثُ رَدَّ عَلَيْهِ قَصْدَهُ لَمْ يَكُنْ آتِيًا إلَّا بِصُورَةِ الْإِبْطَالِ لَا بِحَقِيقَتِهِ فَتَدَبَّرْ. اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَصْدُ مَحْظُورًا لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ كَقَتْلِ الْمُوَرِّثِ اسْتِعْجَالًا لِإِرْثِهِ. ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُلْتَقَطِ قَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا مَرِضَ الرَّجُلُ وَقَدْ دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ أَكْرَهُ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ
стр. 1666
إلَى تَمَامِ عِدَّتِهَا، وَقَدْ يَكُونُ الْفِرَارُ مِنْهَا كَمَا سَيَجِيءُ (مِنْ غَالِبِ حَالَةِ الْهَلَاكِ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ بِأَنْ أَضْنَاهُ مَرَضٌ عَجَزَ بِهِ عَنْ إقَامَةِ مَصَالِحِهِ خَارِجَ الْبَيْتِ) هُوَ الْأَصَحُّ كَعَجْزِ الْفَقِيهِ عَنْ الْإِتْيَانِ إلَى الْمَسْجِدِ وَعَجْزِ السُّوقِيِّ عَنْ الْإِتْيَانِ إلَى دُكَّانِهِ. وَفِي حَقِّهَا أَنْ تَعْجِزَ عَنْ مَصَالِحِهَا دَاخِلَهُ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهَا لَوْ قَدَرَتْ عَلَى نَحْوِ الطَّبْخِ دُونَ صُعُودِ السَّطْحِ لَمْ تَكُنْ مَرِيضَةً.
ــ
[رد المحتار]
لَا يُكْرَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ إلَى تَمَامِ عِدَّتِهَا) لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ وَالْعِتْقُ وَالزَّوْجِيَّةُ تَنْقَطِعُ بِالْبَيْنُونَةِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ بِإِرْثِهَا وَإِنْ مَاتَ تَزَوَّجَهَا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ) أَيْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ بَاشَرَتْ سَبَبَ الْفُرْقَةِ وَهِيَ مَرِيضَةٌ إلَخْ ط (قَوْلُهُ بِأَنْ أَضْنَاهُ مَرَضٌ) أَيْ لَازَمَهُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ عَجَزَ بِهِ إلَخْ) فَلَوْ قَدَرَ عَلَى إقَامَةِ مَصَالِحِهِ فِي الْبَيْتِ كَالْوُضُوءِ وَالْقِيَامِ إلَى الْخَلَاءِ لَا يَكُونُ فَارًّا وَفَسَّرَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنْ يَكُونَ صَاحِبُ فِرَاشٍ وَهُوَ أَنْ لَا يَقُومَ بِحَوَائِجِهِ كَمَا يَعْتَادُ الْأَصِحَّاءُ وَهَذَا أَضْيَقُ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ كَوْنَهُ ذَا فِرَاشٍ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْعَجْزِ عَنْ مَصَالِحِهِ فِي الْبَيْتِ فَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهَا فِيهِ لَا يَكُونُ فَارًّا وَصَحَّحَهُ فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: فَأَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِهَا فِي الْبَيْتِ لَا فِي خَارِجِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَحِيحٌ. اهـ.
أَقُولُ: وَمُقْتَضَى هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَرِيضًا مَرَضًا يَغْلِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ لَكِنَّهُ لَمْ يُعْجِزْهُ مِنْ مَصَالِحِهِ كَمَا يَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ الْمَرَضِ لَا يَكُونُ فَارًّا. وَفِي نُورِ الْعَيْنِ. قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: كَوْنُهُ صَاحِبَ فِرَاشٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِكَوْنِهِ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ بَلْ الْعِبْرَةُ لِلْغَلَبَةِ لَوْ الْغَالِبُ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ الْمَوْتُ فَهُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الْبَيْتِ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ صَاحِبِ الْمُحِيطِ أَنَّهُ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ مَسَائِلَ تَدُلُّ عَنْ أَنَّ الشَّرْطَ خَوْفُ الْهَلَاكِ غَالِبًا لَا كَوْنُهُ صَاحِبَ فِرَاشٍ اهـ وَيَأْتِي تَمَامُهُ (قَوْلُهُ هُوَ الْأَصَحُّ) صَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَقِيلَ مَنْ لَا يُصَلِّي قَائِمًا، وَقِيلَ مَنْ لَا يَمْشِي، وَقِيلَ مَنْ يَزْدَادُ مَرَضُهُ ط عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ كَعَجْزِ الْفَقِيهِ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْعَجْزَ عَنْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْإِتْيَانِ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ الدُّكَّانِ لِإِقَامَةِ الْمَصَالِحِ الْقَرِيبَةِ فِي حَقِّ الْكُلِّ، إذْ لَوْ كَانَ مُحْتَرِفًا بِحِرْفَةٍ شَاقَّةٍ؛ كَمَا لَوْ كَانَ مُكَارِيًا أَوْ حَمَّالًا عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ دَقَّاقًا أَوْ نَجَّارًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إقَامَتُهُ مَعَ أَدْنَى مَرَضٍ وَعَجَزَ عَنْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ السُّوقِ لَا يَكُونُ مَرِيضًا وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ مَصَالِحَهُ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الدُّكَّانِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَثَلًا مَرَضًا وَغَيْرَ مَرَضٍ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ تَأَمَّلْ.
ثُمَّ هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ أَيْضًا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْخُرُوجِ قَبْلَ الْمَرَضِ، أَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَرَضِ لِكِبَرٍ أَوْ لِعِلَّةٍ فِي رِجْلَيْهِ فَلَا يَظْهَرُ، فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ الْهَلَاكِ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ مَا مَرَّ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِهِ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَإِنَّ كَلَامَ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلِاطِّرَادِهِ فِيمَنْ كَانَ عَاجِزًا قَبْلَ الْمَرَضِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَنْ أُلْحِقَ بِالْمَرِيضِ كَمَنْ بَارَزَ رَجُلًا وَنَحْوَهُ إنَّمَا اُعْتُبِرَ فِيهِ غَلَبَةُ الْهَلَاكِ دُونَ الْعَجْزِ عَنْ الْخُرُوجِ وَلِأَنَّ بَعْضَ مَنْ يَكُونُ مَطْعُونًا أَوْ بِهِ اسْتِسْقَاءٌ قَبْلَ غَلَبَةِ الْمَرَضِ عَلَيْهِ قَدْ يَخْرُجُ لِقَضَاءِ مَصَالِحِهِ مَعَ كَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الْهَلَاكِ مِنْ مَرِيضٍ ضَعُفَ عَنْ الْخُرُوجِ لِصُدَاعٍ أَوْ هُزَالٍ مَثَلًا.
وَقَدْ يُوَفَّقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، بِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّ بِهِ مَرَضًا مُهْلِكًا غَالِبًا وَهُوَ يَزْدَادُ إلَى الْمَوْتِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُهْلِكٌ يُعْتَبَرُ الْعَجْزُ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْمَصَالِحِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي.
فَإِنْ قُلْت: إنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ هُوَ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْمَوْتُ فَمَا فَائِدَةُ تَعْرِيفِهِ بِمَا ذُكِرَ.
стр. 1667
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ
قُلْت: وَفِي آخِرِ وَصَايَا الْمُجْتَبَى: الْمَرَضُ الْمُعْتَبَرُ الْمُضْنِي الْمُبِيحُ لِصَلَاتِهِ قَاعِدًا وَالْمُقْعَدُ وَالْمَفْلُوجُ وَالْمَسْلُولُ إذَا تَطَاوَلَ وَلَمْ يُقْعِدْهُ فِي الْفِرَاشِ كَالصَّحِيحِ ثُمَّ رَمَزَ شح: حَدُّ التَّطَاوُلِ سَنَةً. انْتَهَى وَفِي الْقُنْيَةِ: الْمَفْلُوجُ وَالْمَسْلُولُ وَالْمُقْعَدُ مَا دَامَ يَزْدَادُ كَالْمَرِيضِ (أَوْ بَارَزَ رَجُلًا أَقْوَى) مِنْهُ (أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ)
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: فَائِدَتُهُ أَنَّهُ قَدْ يَطُولُ سَنَةً فَأَكْثَرَ كَمَا يَأْتِي فَلَا يُسَمَّى مَرَضَ الْمَوْتِ وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ. وَأَيْضًا فَقَدْ يَمُوتُ الْمَرِيضُ بِسَبَبٍ آخَرَ كَالْقَتْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَدٍّ فَاصِلٍ تُبْتَنَى عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ (قَوْلُهُ قَالَ فِي النَّهْرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ) رَدٌّ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْفَتْحِ: أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الصُّعُودُ إلَى السَّطْحِ فَهِيَ مَرِيضَةٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَوْ عَجَزَتْ عَنْهُ لَا عَمَّا دُونَهُ كَالطَّبْخِ تَكُونُ مَرِيضَةً مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا فِي الْمُلْتَقَى وَغَيْرِهِ مِنْ اعْتِبَارِ عَدَمِ قُدْرَتِهَا عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ بَيْتِهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ الْمَرَضُ) مُبْتَدَأٌ وَالْمُعْتَبَرُ صِفَتُهُ وَالْمُضْنِي خَبَرُهُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ وَالْمُقْعَدُ) هُوَ الَّذِي لَا حَرَاكَ بِهِ مِنْ دَاءٍ فِي جَسَدِهِ كَأَنَّ الدَّاءَ أَقْعَدَهُ، وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ هُوَ الزَّمِنُ. وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ وَقَالَ: الْمُقْعَدُ الْمُتَشَنِّجُ الْأَعْضَاءُ. وَالزَّمِنُ الَّذِي طَالَ مَرَضُهُ مُغْرِبٌ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُقْعِدْهُ فِي الْفِرَاشِ) احْتِرَازًا عَمَّا إذَا تَطَاوَلَ ثُمَّ تَغَيَّرَ حَالُهُ فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ مِنْ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ بِغَيْرِ تَصَرُّفِهِ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ ثُمَّ رَمَزَ شح) أَيْ شِينٌ وَحَاءٌ وَهُوَ رَمْزٌ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ
وَفِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ: وَفَسَّرَ أَصْحَابُنَا التَّطَاوُلَ بِالسَّنَةِ، فَإِذَا بَقِيَ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ سَنَةً فَتَصَرُّفُهُ بَعْدَهَا كَتَصَرُّفِهِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ اهـ أَيْ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ إلَخْ) قَالَ ح: أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ الْهِنْدِيَّةِ أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ ازْدِيَادَهُ إلَى السَّنَةِ فَقَطْ اهـ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ
وَفِي الْهِنْدِيَّةِ أَيْضًا: الْمُقْعَدُ وَالْمَفْلُوجُ مَا دَامَ يَزْدَادُ مَا بِهِ كَالْمَرِيضِ فَإِنْ صَارَ قَدِيمًا وَلَمْ يَزِدْ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ كَذَا فِي الْكَافِي، وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الْأَئِمَّةِ وَالصَّدْرُ الْكَبِيرُ بُرْهَانُ الْأَئِمَّةِ، وَفَسَّرَ أَصْحَابُنَا إلَى آخِرِ مَا مَرَّ
قُلْت: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ صَارَ قَدِيمًا بِأَنْ تَطَاوَلَ سَنَةً وَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ ازْدِيَادٌ فَهُوَ صَحِيحٌ، أَمَّا لَوْ مَاتَ حَالَةَ الِازْدِيَادِ الْوَاقِعِ قَبْلَ التَّطَاوُلِ أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ مَرِيضٌ (قَوْلُهُ أَوْ بَارَزَ رَجُلًا أَقْوَى مِنْهُ) بَيَانُ الْحُكْمِ الصَّحِيحِ الْمُلْحَقِ بِالْمَرِيضِ هُنَا، وَهُوَ مَنْ كَانَ غَالِبُ حَالِهِ الْهَلَاكَ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ غَالِبًا عَلَى أَنَّ غَالِبًا مُتَعَلِّقٌ بِالْخَوْفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَاقِعَ غَلَبَةِ الْهَلَاكِ، فَإِنَّ فِي الْمُبَارِزَةِ لَا يَكُونُ الْهَلَاكُ غَالِبًا إلَّا أَنْ يَبْرُزَ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَقْرَانِهِ، بِخِلَافِ غَلَبَةِ خَوْفِ الْهَلَاكِ كَذَا فِي الْبَحْرِ، وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ أَقْوَى مِنْهُ، وَلِذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِهِ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ غَلَبَةُ خَوْفِ الْهَلَاكِ لَا غَلَبَةُ الْهَلَاكِ، فَإِنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ صَفِّ الْقِتَالِ وَبَارَزَ رَجُلًا يَغْلِبُ عَلَيْهِ خَوْفُ الْهَلَاكِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ أَقْوَى مِنْهُ وَلَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ، إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ، فَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ غَلَبَةُ الْهَلَاكِ، وَعَلَيْهِ جَرَى فِي النَّهْرِ وَقَالَ: وَلِذَا قَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُبَارِزَ لَيْسَ مِنْ أَقْرَانِهِ بَلْ أَقْوَى مِنْهُ. اهـ.
وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ مُخَالِفٌ لِمَا اخْتَارَهُ فِي الْبَحْرِ تَبَعًا لِلْفَتْحِ فَافْهَمْ، وَيُؤَيِّدُ مَا فِي الْفَتْحِ مَا ذَكَرَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا: وَلَوْ اخْتَلَطَتْ الطَّائِفَتَانِ لِلْقِتَالِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُكَافِئَةٌ لِلْأُخْرَى أَوْ مَقْهُورَةٌ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَرَضِ الْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فَلَا اهـ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُكَافَأَةَ تَكْفِي (قَوْلُهُ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ) وَكَذَا لَوْ قَدَّمَهُ ظَالِمٌ
стр. 1668
أَوْ بَقِيَ عَلَى لَوْحٍ مِنْ السَّفِينَةِ أَوْ افْتَرَسَهُ سَبْعٌ وَبَقِيَ فِي فِيهِ (فَارٌّ بِالطَّلَاقِ) خَبَرُ مِنْ، وَ (لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ فَلَوْ أَبَانَهَا) وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ عَلِمَ بِأَهْلِيَّتِهَا أَمْ لَا، كَأَنْ أَسْلَمَتْ أَوْ أَعْتَقَتْ وَلَمْ يَعْلَمْ (طَائِعًا) بِلَا رِضَاهَا، فَلَوْ أُكْرِهَ أَوْ رَضِيَتْ لَمْ تَرِثْ وَلَوْ أُكْرِهَتْ عَلَى رِضَاهَا
ــ
[رد المحتار]
لِيَقْتُلَهُ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ أَوْ بَقِيَ عَلَى لَوْحٍ مِنْ السَّفِينَةِ) يُوهِمُ أَنَّ انْكِسَارَ السَّفِينَةِ شَرْطٌ لِكَوْنِهِ فَارًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: فَإِنْ تَلَاطَمَتْ الْأَمْوَاجُ وَخِيفَ الْغَرَقُ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ، وَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَيَّدَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِأَنْ يَمُوتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْجِ، أَمَّا لَوْ سَكَنَ ثُمَّ مَاتَ لَا تَرِثُ. اهـ. بَحْرٌ.
قُلْت: وَهَذَا شَرْطٌ فِي الْمُبَارَزَةِ وَغَيْرِهَا أَيْضًا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَبَقِيَ فِي فِيهِ) أَمَّا لَوْ تَرَكَهُ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ مَا لَمْ يَجْرَحْهُ جُرْحًا يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ غَالِبًا كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ فَارٌّ بِالطَّلَاقِ) أَيْ هَارِبٌ مِنْ تَوْرِيثِهَا مِنْ مَالِهِ بِسَبَبِ الطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (قَوْلُهُ خَبَرُ مَنْ) أَيْ خَبَرُ مَنْ الْمَوْصُولَةِ فِي قَوْلِهِ مَنْ غَالِبُ حَالِهِ الْهَلَاكُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ) أَيْ كَوَقْفِهِ وَمُحَابَاتِهِ وَتَزَوُّجِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَرَضَ فِي حَقِّ الْوَصِيَّةِ وَالْفِرَارِ لَا يَخْتَلِفْ ط، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَبَرُّعُهُ: أَيْ الْأَجْنَبِيِّ فَلَوْ لِوَارِثٍ لَمْ يَصِحَّ أَصْلًا (قَوْلُهُ فَلَوْ أَبَانَهَا) أَيْ بِوَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يَقُلْ أَوْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا كَمَا قَالَ فِي الْكَنْزِ لِمَا قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدِي أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي حَذْفُ الرَّجْعِيِّ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهَا فِيهِ تَرِثُ، وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الصِّحَّةِ مَا بَقِيَتْ الْعِدَّةُ، بِخِلَافِ الْبَائِنِ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُهُ إلَّا إذَا كَانَ فِي الْمَرَضِ. وَقَدْ أَحْسَنَ الْقُدُورِيُّ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَائِنِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا اهـ قَالَ ط وَالطَّلَاقُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ كَذَلِكَ لَوْ أَبَانَهَا بِخِيَارِ بُلُوغِهِ أَوْ تَقْبِيلِهِ أُمَّهَا أَوْ بِنْتَهَا أَوْ رِدَّتِهِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَكَأَنَّهُ كَنَّى بِهِ عَنْ كُلِّ فِرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهِ حَمَوِيٌّ اهـ لَكِنْ هَذَا فِي قَوْلِ الْكَنْزِ طَلَّقَهَا أَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَبَانَهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى دَعْوَى الْكِنَايَةِ (قَوْلُهُ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ) أَيْ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ كَمَا سَيُوَضِّحُهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ عَلِمَ بِأَهْلِيَّتِهَا أَمْ لَا إلَخْ) هَذَا كُلُّهُ سَيَأْتِي مَتْنًا وَشَرْحًا، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى ذِكْرُهُ هُنَا (قَوْلُهُ فَلَوْ أُكْرِهَ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ طَائِعًا: أَيْ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِهَا الْبَائِنِ لَا تَرِثُ، وَهَذَا لَوْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِوَعِيدِ تَلَفٍ، فَلَوْ كَانَ بِحَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ يَصِيرُ فَارًّا كَمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ.
ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَنَّهُ لَا رِوَايَةَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكُتُبِ. وَذَكَرَ فِيهَا عَنْ الْمَشَايِخِ قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلَ أَنَّهَا تَرِثُ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الطَّلَاقِ بِدَلِيلِ وُقُوعِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ. وَالثَّانِيَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَرِثَ لِلْجَبْرِ، إذْ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ مُوَرِّثِهِ يَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهُ الْمُكْرِهُ أَيْ بِالْكَسْرِ لَوْ وَارِثًا وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْقَتْلُ. اهـ. وَاسْتَظْهَرَ الرَّحْمَتِيُّ الْأَوَّلَ لِتَعَلُّقِ حَقِّهَا فِي إرْثِهِ بِمَرَضِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يُبْطِلُهُ إلَّا إذَا كَانَتْ هِيَ الَّتِي أَكْرَهَتْهُ عَلَى الطَّلَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَهَا ابْنُهُ مُكْرَهَةً وَرِثَتْ مَعَ أَنَّ الْفُرْقَةَ لَيْسَتْ بِاخْتِيَارِهِمَا اهـ.
قُلْت: الظَّاهِرُ تَرْجِيحُ الثَّانِي، وَلِذَا جَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْبَحْرِ لِأَنَّ إرْثَ مَنْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ لِرَدِّ قَصْدِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِرَارُهُ مِنْ إرْثِهَا، وَمَعَ الْإِكْرَاهِ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ فِرَارٌ فَيَعْمَلُ الطَّلَاقُ عَمَلَهُ فَلَا تَرِثُهُ كَمَا أَنَّ عِلَّةَ عَدَمِ إرْثِ الْقَاتِلِ لِمُوَرِّثِهِ قَصْدُهُ تَعْجِيلَ الْمِيرَاثِ فَيُرَدُّ قَصْدُهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ مُكْرَهًا لَمْ يَظْهَرْ هَذَا الْقَصْدُ فَيَرِثُهُ مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ جَامَعَهَا ابْنُهُ مُكْرَهَةً وَرِثَتْ صَوَابُهُ لَمْ تَرِثْ كَمَا يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا قُلْنَا (قَوْلُهُ أَوْ رَضِيَتْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بِلَا رِضَاهَا: أَيْ كَأَنْ خَالَعَتْ، وَفِي حُكْمِهِ كُلُّ فُرْقَةٍ وَقَعَتْ مِنْ قِبَلِهَا كَاخْتِيَارِ امْرَأَةِ الْعِنِّينِ نَفْسَهَا قُهُسْتَانِيٌّ ط (قَوْلُهُ وَلَوْ أُكْرِهَتْ عَلَى رِضَاهَا) أَيْ عَلَى مُفِيدِ رِضَاهَا
стр. 1669
أَوْ جَامَعَهَا ابْنُهُ مُكْرَهَةً وَرِثَتْ (وَهُوَ كَذَلِكَ) بِذَلِكَ الْحَالِ (وَمَاتَ) فِيهِ، فَلَوْ صَحَّ ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا لَمْ تَرِثْ (بِذَلِكَ السَّبَبِ) مَوْتُهُ (أَوْ بِغَيْرِهِ) كَأَنْ يُقْتَلَ الْمَرِيضُ أَوْ يَمُوتَ بِجِهَةٍ أُخْرَى فِي الْعِدَّةِ لِلْمَدْخُولَةِ (وَرِثَتْ هِيَ) مِنْهُ لَا هُوَ مِنْهَا لِرِضَاهُ بِإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ.
ــ
[رد المحتار]
كَسُؤَالِهَا الطَّلَاقَ، وَلَوْ قَالَ عَلَى سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ لَكَانَ أَوْلَى ط (قَوْلُهُ أَوْ جَامَعَهَا ابْنُهُ مُكْرَهَةً) بَحْثٌ لِصَاحِبِ النَّهْرِ وَأَقَرَّهُ الْحَمَوِيُّ عَلَيْهِ. وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ: الْفُرْقَةُ لَوْ وَقَعَتْ بِتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ لَا تَرِثُ مُطَاوِعَةً كَانَتْ أَوْ مُكْرَهَةً، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِرِضَاهَا بِإِبْطَالِ حَقِّهَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ إبْطَالُ حَقِّهَا الْمُتَعَلِّقِ بِالْإِرْثِ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ اهـ وَالْجِمَاعُ كَالتَّقْبِيلِ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، وَلَيْسَ لَنَا إلَّا اتِّبَاعُ النَّصِّ ط.
قُلْت: وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَيْضًا: جَامَعَهَا ابْنُ مَرِيضٍ مُكْرَهَةً لَمْ تَرِثْهُ إلَّا إنْ أَمَرَهُ الْأَبُ بِذَلِكَ فَيَنْتَقِلُ فِعْلُ الِابْنِ إلَى الْأَبِ فِي حَقِّ الْفُرْقَةِ فَيَصِيرُ فَارًّا اهـ وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ مَعْزِيًّا لِلْأَصْلِ، وَكَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالْهِنْدِيَّةِ وَلِلرَّحْمَتِيِّ هُنَا كَلَامٌ مُصَادِمٌ لِلْمَنْقُولِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ (قَوْلُهُ بِذَلِكَ الْحَالِ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِهِ حَالُ غَلَبَةِ الْهَلَاكِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ. وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا طَلَّقَ فِي الصِّحَّةِ ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا تَرِثُ مِنْهُ بَحْرٌ: أَيْ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَإِنَّهَا تَرِثُهُ، وَكَذَا يَرِثُهَا لَوْ مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ.
وَفِيهِ: قَالَ فِي مَرَضِهِ: قَدْ كُنْت أَبْنَتُك فِي صِحَّتِي أَوْ تَزَوَّجْتُك بِلَا شُهُودٍ أَوْ بَيْنَنَا رَضَاعٌ قَبْلَ النِّكَاحِ أَوْ تَزَوَّجْتُك فِي الْعِدَّةِ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ بَانَتْ مِنْهُ وَتَرِثُهُ لَا لَوْ صَدَّقَتْهُ (قَوْلُهُ فَلَوْ صَحَّ) الْأَوْلَى فَلَوْ زَالَ ذَلِكَ الْحَالُ. اهـ. ح أَيْ لِيَعُمَّ مَا لَوْ عَادَ الْمُبَارِزُ إلَى الصَّفِّ أَوْ أُعِيدَ الْمُخْرَجُ لِلْقَتْلِ إلَى الْحَبْسِ أَوْ سَكَنَ الْمَوْجُ ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ إذَا بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَعَزَاهُ إلَيْهَا فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْإِسْبِيجَابِيِّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَوْ سَكَنَ الْمَوْجُ ثُمَّ مَاتَ لَا تَرِثُ، لَكِنْ فِي الْفَتْحِ: وَلَوْ قُرِّبَ لِلْقَتْلِ فَطَلَّقَ ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهُ أَوْ حُبِسَ ثُمَّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ تَرِثُهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ فِرَارُهُ بِذَلِكَ الطَّلَاقِ ثُمَّ تَرَتَّبَ مَوْتُهُ فَلَا يُبَالَى بِكَوْنِهِ بِغَيْرِهِ. اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بِدُونِ تَعْلِيلٍ، وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَرِيضَ لَوْ صَحَّ ثُمَّ مَاتَ أَنْ تَرِثَهُ لِصِدْقِ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ مِنْ اشْتِرَاطِهِمْ مَوْتَهُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ: أَيْ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ حَالَةُ غَلَبَةِ الْهَلَاكِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بَعْدَ مَا خُلِّيَ سَبِيلُهُ أَوْ أُعِيدَ لِلْحَبْسِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَمُتْ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ بَلْ مَاتَ فِي غَيْرِهِ فِي حَالَةٍ لَا يَغْلِبُ فِيهَا الْهَلَاكُ وَلِذَا لَوْ طَلَّقَ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ قَبْلَ إخْرَاجِهِ لِلْقَتْلِ لَمْ يَكُنْ فَارًّا فَكَذَا بَعْدَ إعَادَتِهِ إلَيْهِ، نَعَمْ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّعْلِيلِ إنَّمَا يَصِحُّ لِمَوْتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَوْتِ الْمَرِيضِ بِقَتْلٍ وَمَوْتِ مَنْ أُخْرِجَ لِلْقَتْلِ بِافْتِرَاسِ سَبْعٍ وَنَحْوِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْفَتْحِ سَقْطًا مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ، وَالْأَصْلُ فِي الْعِبَارَةِ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ إذَا بَرِئَ بِخِلَافِ مَوْتِهِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ فِرَارُهُ إلَخْ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِذَلِكَ السَّبَبِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَمَاتَ، لَكِنْ زِيَادَةُ الشَّارِحِ قَوْلَهُ: مَوْتُهُ اقْتَضَتْ إعْرَابَهُ خَبَرًا مُقَدَّمًا وَمَوْتَهُ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَقَدْ سَقَطَتْ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ فِي الْعِدَّةِ) وَالْقَوْلُ لَهَا فِي أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مَعَ الْيَمِينِ، فَإِنْ نَكَلَتْ فَلَا إرْثَ لَهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ قَالَتْ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتِي لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً قَدْ عَتَقَتْ وَمَاتَ الزَّوْجُ فَادَّعَتْ الْعِتْقَ فِي حَيَاتِهِ وَادَّعَتْ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لَهُمْ وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْمَوْلَى، كَمَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ فِي حَيَاتِهِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لَهُمْ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ لِلْمَدْخُولَةِ) أَيْ الْمَدْخُولِ بِهَا حَقِيقَةً أَعْنِي الْمَوْطُوءَةَ لِيَخْرُجَ الْمُخْتَلَى بِهَا فَإِنَّهَا وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لَكِنَّهَا لَا تَرِثُ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْمَهْرِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْخَلْوَةِ وَالدُّخُولِ أَفَادَهُ ط فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لَا هُوَ مِنْهَا) أَيْ لَوْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ فَمَاتَتْ هِيَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لَا يَرِثُ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا كَمَا يَأْتِي
стр. 1670
وَعِنْدَ أَحْمَدَ تَرِثُ بَعْدَ الْعِدَّةِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بِآخَرَ. (وَكَذَا) تَرِثُ (طَالِبَةُ رَجْعِيَّةٍ) أَوْ طَلَاقٍ فَقَطْ (طَلُقَتْ) بَائِنًا (أَوْ ثَلَاثًا) لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ النِّكَاحَ حَتَّى حَلَّ وَطْؤُهَا، وَيَتَوَارَثَانِ فِي الْعِدَّةِ مُطْلَقًا، وَتَكْفِي أَهْلِيَّتُهَا لِلْإِرْثِ وَقْتَ الْمَوْتِ، بِخِلَافِ الْبَائِنِ (وَكَذَا) تَرِثُ (مُبَانَةٌ قَبَّلَتْ) أَوْ طَاوَعَتْ (ابْنَ زَوْجِهَا) لِمَجِيءِ الْحُرْمَةِ بِبَيْنُونَتِهِ.
(وَمَنْ لَاعَنَهَا فِي مَرَضِهِ أَوْ آلَى مِنْهُمَا مَرِيضًا كَذَلِكَ) أَيْ تَرِثُهُ لِمَا مَرَّ
(وَإِنْ آلَى فِي صِحَّتِهِ وَبَانَتْ بِهِ) بِالْإِيلَاءِ (فِي مَرَضِهِ أَوْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ فَصَحَّ فَمَاتَ أَوْ أَبَانَهَا فَارْتَدَّتْ فَأَسْلَمَتْ) فَمَاتَ (لَا) تَرِثُهُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَرَضُ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ مَرَضَ الْمَوْتِ، فَإِذَا صَحَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَلَا بُدَّ فِي الْبَائِنِ أَنْ تَسْتَمِرَّ أَهْلِيَّتُهَا لِلْإِرْثِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ مَمْلُوكَةً وَقْتَ الطَّلَاقِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ أَوْ عَتَقَتْ لَمْ تَرِثْ.
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ وَعِنْدَ أَحْمَدَ إلَخْ) وَعَنْ مَالِكٍ وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِأَزْوَاجٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَرِثُ الْمُخْتَلِعَةُ وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَغَيْرُهُمَا يَرِثُ لِأَنَّ الْكِنَايَاتِ عِنْدَهُ رَوَاجِعُ دُرٌّ مُنْتَقًى (قَوْلُهُ وَكَذَا تَرِثُ طَالِبَةُ رَجْعِيَّةٍ) أَيْ فِي مَرَضِهِ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ، وَاحْتَرَزَ بِالرَّجْعِيَّةِ عَمَّا لَوْ أَبَانَهَا بِأَمْرِهَا كَمَا يَذْكُرُ (قَوْلُهُ أَوْ طَلَاقٍ فَقَطْ) أَيْ بِأَنْ قَالَتْ لَهُ فِي مَرَضِهِ طَلِّقْنِي فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَمَاتَ فِي الْعِدَّةِ تَرِثُهُ إذَا صَارَ مُبْتَدِئًا فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهَا فِي الْإِرْثِ؛ كَقَوْلِهَا طَلِّقْنِي رَجْعِيَّةً فَأَبَانَهَا جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ النِّكَاحَ) أَيْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَيْ فَلَمْ تَكُنْ رَاضِيَةً بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَبَتْ الْبَائِنَ (قَوْلُهُ حَتَّى حَلَّ وَطْؤُهَا) أَيْ بِدُونِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ؛ لَكِنْ إذَا كَانَ الْوَطْءُ قَبْلَ الْمُرَاجَعَةِ بِالْقَوْلِ كَانَ هُوَ مُرَاجَعَةً مَكْرُوهَةً (قَوْلُهُ وَيَتَوَارَثَانِ فِي الْعِدَّةِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ طَلَاقُهُ لَهَا فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِرِضَاهَا أَوْ بِدُونِهِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ فَأَيُّهُمَا مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ يَرِثُهُ الْآخَرُ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ زَالَ النِّكَاحُ وَقَدَّمْنَا قَرِيبًا أَنَّ الْقَوْلَ لَهَا فِي أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
بَقِيَ هُنَا مَسْأَلَةٌ وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى سَأَلْت عَنْهَا وَلَمْ أَرَهَا صَرِيحَةً فِي رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَرِيضَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ مَاتَتْ بَعْدَ شَهْرَيْنِ فَادَّعَى عَدَمَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِيَرِثَ مِنْهَا وَادَّعَى وَرَثَتُهَا انْقِضَاءَهَا وَهِيَ لَمْ تُقِرَّ قَبْلَ مَوْتِهَا بِانْقِضَائِهَا وَلَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْيَأْسِ، فَهَلْ الْقَوْلُ لَهُ أَوْ لَهُمْ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْقَوْلَ لِلزَّوْجِ لِأَنَّ السَّبَبَ الْإِرْثُ وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ كَانَ مُتَحَقِّقًا لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُهُ فَلَا يَزُولُ بِالِاحْتِمَالِ؛ وَهِيَ لَوْ ادَّعَتْ قَبْلَ مَوْتِهَا انْقِضَاءَهَا فِي مُدَّةٍ تَحْتَمِلُهُ يَكُونُ الْقَوْلُ لَهَا لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا بِخِلَافِ وَرَثَتِهَا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْبَائِنِ) فَإِنَّ فِيهِ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِ الْأَهْلِيَّةِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ كَمَا يَذْكُرُهُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ وَكَذَا تَرِثُ مُبَانَةٌ إلَخْ) أَيْ مَنْ طَلَّقَهَا بَائِنًا قَيَّدَ، بِهَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً رَجْعِيَّةً لَا تَرِثُ كَمَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَا لَوْ بَانَتْ بِتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ وَلَوْ مُكْرَهَةً كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ لِمَجِيءِ الْحُرْمَةِ بِبَيْنُونَتِهِ) أَيْ فَكَانَ الْفِرَارُ مِنْهُ
(قَوْلُهُ وَمَنْ لَاعَنَهَا فِي مَرَضِهِ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْقَذْفُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ الْقَذْفُ فِي الصِّحَّةِ وَاللِّعَانُ فِي الْمَرَضِ لَمْ تَرِثْ نَهْرٌ (قَوْلُهُ أَوْ آلَى مِنْهَا مَرِيضًا) أَرَادَ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُضِيُّ الْمُدَّةِ فِي الْمَرَضِ أَيْضًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ بِسَبَبٍ مِنْهُ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَهَذَا مُلْحَقٌ بِالتَّعْلِيقِ بِفِعْلٍ لَا بُدَّ مِنْهُ، إذْ هِيَ مُلْجَأَةٌ إلَى الْخُصُومَةِ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْهَا (قَوْلُهُ وَإِنْ آلَى فِي صِحَّتِهِ إلَخْ) وَجْهُ عَدَمِ الْإِرْثِ فِيهَا أَنَّ الْإِيلَاءَ فِي مَعْنَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ خَالِيَةٍ عَنْ الْوِقَاعِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي مَرَضِهِ وَهُنَا وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ إبْطَالِهِ بِالْفَيْءِ لَكِنْ بِضَرَرٍ يَلْزَمُهُ وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَمَاتَ) أَيْ فِي عِدَّتِهَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ ط (قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ فِي الْبَائِنِ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ أَيْ وَالرِّدَّةُ
стр. 1671
كَمَا) لَا تَرِثُ (لَوْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا) أَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا (فَطَاوَعَتْ) أَوْ قَبَّلَتْ (ابْنَهُ) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْهَا (أَوْ أَبَانَهَا بِأَمْرِهَا) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهَا لَوْ أَبَانَتْ نَفْسَهَا فَأَجَازَ وَرِثَتْ عَمَلًا بِإِجَازَتِهِ قُنْيَةٌ (أَوْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ أَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا) وَلَوْ بِبُلُوغٍ وَعِتْقٍ وَجَبَ وَعَنْهُ لَمْ تَرِثْ لِرِضَاهَا (وَلَوْ) كَانَ الزَّوْجُ (مَحْصُورًا) بِحَبْسٍ (أَوْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ)
ــ
[رد المحتار]
تَقْطَعُ أَهْلِيَّةَ الْإِرْثِ ط (قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا) أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَعَدَمِ الطَّلَاقِ أَصْلًا (قَوْلُهُ فَطَاوَعَتْ) الْمُطَاوَعَةُ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ، إذْ لَوْ كَانَتْ مُكْرَهَةً لَا تَرِثُ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ إبْطَالُ حَقِّهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ لَكِنْ لَوْ أَمَرَهُ أَبُوهُ بِذَلِكَ وَرِثَتْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْهَا) أَيْ فَكَانَتْ رَاضِيَةً بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا (قَوْلُهُ أَوْ أَبَانَهَا بِأَمْرِهَا) يَصْدُقُ بِمَا إذَا سَأَلَتْهُ وَاحِدَةً بَائِنَةً فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ لَمْ أَرَ حُكْمَهُ أَيْ صَرِيحًا، ثُمَّ قَالَ كَمَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهَا لِرِضَاهَا بِالْبَائِنِ. اهـ. (قَوْلُهُ عَمَلًا بِإِجَازَتِهِ) لِأَنَّهَا هِيَ الْمُبْطِلَةُ لِلْإِرْثِ.
وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ هَذَا لَا يُجْدِي نَفْعًا فِيمَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ فِي مَرَضِهِ، إذْ دَلِيلُ الرِّضَا فِيهِ قَائِمٌ اهـ.
قُلْت: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِطَلَاقٍ مَوْقُوفٍ غَيْرِ مُبْطِلٍ لِحَقِّهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ رِضَاهَا بِمَا يُبْطِلُهُ. وَعِبَارَةُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: وَلَيْسَ هَذَا كَطَلَاقٍ بِسُؤَالِهَا إذْ لَمْ تَرْضَ بِعَمَلِ الْمُبْطِلِ، إذْ قَوْلُهَا طَلَّقْت نَفْسِي لَمْ يَكُنْ مُبْطِلًا بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ، فَإِذَا أَجَازَ فِي مَرَضِهِ فَكَأَنَّهُ أَنْشَأَ الطَّلَاقَ فَكَانَ فَارًّا اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَوْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ خَلَعَهَا أَجْنَبِيٌّ مِنْ زَوْجِهَا الْمَرِيضِ فَلَهَا الْإِرْثُ لَوْ مَاتَ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِهَذَا الطَّلَاقِ فَيَصِيرُ الزَّوْجُ فَارًّا بَحْرٌ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ.
قُلْت: وَمُفَادُ التَّعْلِيلِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَوْ خَلَعَهَا مِنْ زَوْجِهَا عَلَى مَهْرِهَا وَأَجَازَتْ فِعْلَهُ تَرِثُ أَيْضًا لِأَنَّ إجَازَتَهَا حَصَلَتْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهَا بَلْ أَثَّرَتْ فِي سُقُوطِ مَهْرِهَا، فَقَدْ ثَبَتَ الْفِرَارُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ فَلَا يَرْتَفِعُ بِهَا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا لَا تَرِثُ، لِأَنَّ دَلِيلَ الرِّضَا قَائِمٌ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيَامُهُ قَبْلَ الْبَيْنُونَةِ لَا بَعْدَهَا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِبُلُوغٍ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى اخْتِيَارٍ بِتَفْوِيضِ الطَّلَاقِ.
لَا يُقَالُ: إنَّ الْفُرْقَةَ فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ تَتَوَقَّفُ عَلَى فَسْخِ الْقَاضِي فَلَمْ تَكُنْ بِفِعْلِهَا فَصَارَ كَمَا لَوْ أَبَانَتْ نَفْسَهَا فَأَجَازَهُ الزَّوْجُ لِأَنَّ فَسْخَ الْقَاضِي مَوْقُوفٌ عَلَى طَلَبِهَا ذَلِكَ مِنْهُ فَصَارَ كَطَلَبِهَا الْبَائِنَ مِنْ زَوْجِهَا وَذَلِكَ رِضًا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي (قَوْلُهُ لِرِضَاهَا) أَيْ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِاخْتِيَارِهَا لِأَنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهِ بَدَائِعُ (قَوْلُهُ مَحْصُورًا بِحَبْسٍ) عِبَارَتُهُ فِي الدُّرَرِ الْمُنْتَفِي فِي حِصْنٍ، وَكَذَا عِبَارَةُ غَيْرِهِ، وَالْحَصْرُ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمَنْعِ وَيَشْمَلُ الْحَبْسَ وَالْحِصْنَ لَكِنْ مَسْأَلَةُ الْحَبْسِ ذَكَرَهَا بَعْدُ، وَقَوْلُهُ أَوْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا خَرَجَ عَنْ الصَّفِّ لِلْمُبَارَزَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فَارًّا كَمَا مَرَّ وَكَذَا لَوْ الْتَحَمَ الْقِتَالُ وَاخْتَلَطَ الصَّفَّانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فَارًّا هُنَا لِمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ الْحِصْنَ لِدَفْعِ بَأْسِ الْعَدُوِّ وَكَذَا الْمَنَعَةُ أَيْ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُقَاتِلِينَ، قَالَ فِي النَّهْرِ: وَإِطْلَاقُهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِئَةً قَلِيلَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُخْرَى أَوْ لَا، وَلَمْ أَرَهُ لَهُمْ. اهـ.
قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا دَامَ فِي الصَّفِّ لَا فَرْقَ، أَمَّا لَوْ اخْتَلَطُوا فَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرَضِ إلَّا إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا غَالِبَةً.
[تَنْبِيهٌ] مِثْلُ مَنْ فِي الصَّفِّ مَنْ كَانَ رَاكِبَ سَفِينَةٍ قَبْلَ خَوْفِ الْغَرَقِ أَوْ نَزَلَ بِمَسْبَعَةٍ أَوْ مُخِيفٍ مِنْ عَدُوٍّ بَحْرٌ.
стр. 1672
وَمِثْلُهُ حَالُ فُشُوِّ الطَّاعُونِ أَشْبَاهٌ (أَوْ قَائِمًا بِمَصَالِحِهِ خَارِجَ الْبَيْتِ مُشْتَكِيًا) مِنْ أَلَمٍ (أَوْ مَحْمُومًا أَوْ مَحْبُوسًا بِقِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ لَا) تَرِثُ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ
(وَالْحَامِلُ لَا تَكُونُ فَارَّةً إلَّا بِتَلَبُّسِهَا بِالْمَخَاضِ) وَهُوَ الطَّلْقُ، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ كَالْمَرِيضَةِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ إذَا تَمَّ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ (إذَا عَلَّقَ) الْمَرِيضُ (طَلَاقَهَا) الْبَائِنُ (بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ) أَيْ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ وَلَوْ وَلَدَهَا مِنْهُ (أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ وَ) الْحَالُ أَنَّ (التَّعْلِيقَ وَالشَّرْطَ فِي مَرَضِهِ أَوْ) عَلَّقَ طَلَاقَهَا (بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَهُمَا فِي الْمَرَضِ أَوْ الشَّرْطِ فَقَطْ) فِيهِ (أَوْ عَلَّقَ بِفِعْلِهَا وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ)
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ حَالُ فُشُوِّ الطَّاعُونِ هَلْ لِلصَّحِيحِ حُكْمُ الْمَرِيضِ
(قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ حَالُ فُشُوِّ الطَّاعُونِ) نَقَلَ فِي الْفَتْحِ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرَضِ وَقَالَ وَلَمْ أَرَهُ لِمَشَايِخِنَا اهـ وَقَوَاعِدُ الْحَنَفِيَّةِ تَقْتَضِي أَنَّهُ كَالصَّحِيحِ. قَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي كِتَابِهِ بَذْلِ الْمَاعُونِ: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِي جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ.
وَفِي الْأَشْبَاهِ: غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ كَمَنْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ فَلَا يَكُونُ فَارًّا اهـ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ مَالِكٍ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى.
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: وَلَيْسَ مُسَلَّمًا إذْ لَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ مَنْ هُوَ مَعَ قَوْمٍ يَدْفَعُونَ عَنْهُ فِي الصَّفِّ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ مَعَ قَوْمٍ هُمْ مِثْلُهُ لَيْسَ لَهُمْ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْ أَحَدٍ حَالَ فُشُوِّ الطَّاعُونِ. اهـ.
قُلْت: إذَا دَخَلَ الطَّاعُونُ مَحَلَّةً أَوْ دَارًا يَغْلِبُ عَلَى أَهْلِهَا خَوْفُ الْهَلَاكِ كَمَا فِي حَالِ الْتِحَامِ الْقِتَالِ، بِخِلَافِ الْمَحَلَّةِ أَوْ الدَّارِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْهَا فَيَنْبَغِي الْجَرْيُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِغَلَبَةِ خَوْفِ الْهَلَاكِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَنْ لَمْ يُطْعَنْ (قَوْلُهُ أَوْ مَحْمُومًا) عَطْفٌ عَلَى مُشْتَكِيًا، وَقَوْلُهُ أَوْ مَحْبُوسًا عَطْفٌ عَلَى قَائِمًا، وَلَا يَصِحُّ عَطْفُ مَحْمُومًا عَلَى قَائِمًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَرِثَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِمَصَالِحِهِ خَارِجَ الْبَيْتِ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَحْمُومَ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ لَا يَكُونُ مَرِيضًا وَإِلَّا فَهُوَ مَرِيضٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُلْتَقَى. وَأَمَّا مَا فِي الدِّرَايَةِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْمَحْمُومَ مَرِيضٌ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ فَلَا يُخَالِفُ مَا فِي الْمُلْتَقَى. وَأَمَّا مَا فِي النَّهْرِ مِنْ دَعْوَى الْمُخَالَفَةِ وَالتَّوْفِيقِ بِحَمْلِ مَا فِي الدِّرَايَةِ عَلَى مَا إذَا جَاءَتْ نَوْبَةُ الْحُمَّى فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا إذَا جَاءَتْ نَوْبَتُهَا وَلَمْ يَعْجِزْ عَنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ لَمْ يَكُنْ مَرِيضًا بِمَنْزِلَةِ الْحَامِلِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الطَّلْقُ ثُمَّ يَسْكُنُ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا (قَوْلُهُ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ) لِأَنَّ الْحِصْنَ لِدَفْعِ الْعَدُوِّ، وَقَدْ يَتَخَلَّصُ مِنْ الْمَسْبَعَةِ وَالْحَبْسِ بِنَوْعٍ مِنْ الْحِيَلِ ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ الطَّلْقُ) اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الطَّلْقِ، فَقِيلَ الْوَجَعُ الَّذِي لَا يَسْكُنُ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَلِدَ، وَقِيلَ وَإِنْ سَكَنَ لِأَنَّ الْوَجَعَ يَسْكُنُ تَارَةً وَيَهِيجُ أُخْرَى، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ بَحْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى (قَوْلُهُ إذَا عَلَّقَ الْمَرِيضُ) أَيْ مَنْ كَانَ مَرِيضًا عِنْدَ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ صَحِيحًا عِنْدَ كُلٍّ مِنْ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ، فَلَيْسَ مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ الْبَائِنَ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ حُكْمَ الْفِرَارِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِهِ بَحْرٌ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ لَا فِرَارَ فِيهِ وَلَوْ نَجَّزَهُ فِي الْمَرَضِ بِدُونِ رِضَاهَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ) سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ أَمْ لَا بَحْرٌ، وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ مَا يَعُمُّ التَّرْكَ كَمَا فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ ط (قَوْلُهُ أَيْ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ) دَفَعَ بِهِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ إرَادَةِ حَقِيقَةِ الْأَجْنَبِيِّ: وَهُوَ مَنْ لَا قَرَابَةَ لَهُ ط (قَوْلُهُ أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ) الْمُرَادُ بِهِ التَّعْلِيقُ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ: أَيْ مَا لَا صُنْعَ فِيهِ لِلْعَبْدِ، وَجَعَلَهُ مِنْ التَّعْلِيقِ لِأَنَّ الْمُضَافَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَمَا حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ أَوْ لَا (قَوْلُهُ أَوْ الشَّرْطِ فَقَطْ) أَيْ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ كَدُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا فِي إنْ دَخَلْت الدَّارَ
стр. 1673
طَبْعًا أَوْ شَرْعًا كَأَكْلٍ وَكَلَامِ أَبَوَيْنِ (وَهُمَا فِي الْمَرَضِ أَوْ الشَّرْطِ) فِيهِ فَقَطْ (وَرِثَتْ) لِفِرَارِهِ، وَمِنْهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ وَرَثَتُهُ وَلَوْ مَاتَتْ هِيَ لَمْ يَرِثْهَا. (وَفِي غَيْرِهَا لَا يَرِثُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَا فِي الصِّحَّةِ أَوْ التَّعْلِيقِ فَقَطْ أَوْ بِفِعْلِهَا وَلَهَا مِنْهُ بُدٌّ) وَحَاصِلُهَا سِتَّةَ عَشَرَ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ إمَّا بِمَجِيءِ وَقْتٍ أَوْ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْلِهَا، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى أَرْبَعَةٍ، لِأَنَّ التَّعْلِيقَ وَالشَّرْطَ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ كَأَكْلٍ وَكَلَامِ أَبَوَيْنِ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، وَكَالْأَبَوَيْنِ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَمَا فِي الْحَمَوِيِّ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ ط، وَمِثْلُهُ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ وَاسْتِيفَاؤُهُ نَهْرٌ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى مَنْزِلِ وَالِدَيْهَا فَخَرَجَتْ تَرِثُ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ اهـ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا خَرَجَتْ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ (قَوْلُهُ أَوْ الشَّرْطِ فِيهِ فَقَطْ) فِيهِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ؛ فَعِنْدَهُ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَصَحَّحُوا قَوْلَ مُحَمَّدٍ، وَنُقِلَ فِي النَّهْرِ تَصْحِيحُهُ عَنْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ وَرِثَتْ لِفِرَارِهِ) أَمَّا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ وَوُجِدَا فِي الْمَرَضِ فَلِأَنَّ الْقَصْدَ إلَى الْفِرَارِ قَدْ تَحَقَّقَ بِمُبَاشَرَةِ التَّعْلِيقِ فِي حَالِ حَقِّهَا بِمَالِهِ، وَلِذَا لَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ فِي الْمَرَضِ الشَّرْطَ فَقَطْ لَمْ تَرِثْ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَكَانَا فِي الْمَرَضِ أَوْ الشَّرْطُ فِيهِ فَقَطْ فَلِأَنَّهُ قَصَدَ إبْطَالَ حَقِّهَا بِالتَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ أَوْ بِالشَّرْطِ وَحْدَهُ وَاضْطِرَارُهُ لَا يُبْطِلُ حَقَّ غَيْرِهِ كَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ بِفِعْلِهَا الَّذِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ وَكَانَ الشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ فَلِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ لِخَوْفِ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْعُقْبَى نَهْرٌ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْفِرَارِ وَهُوَ مِنْ قِسْمِ التَّعْلِيقِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا وَرِثَتْهُ لِأَنَّهُ وُجِدَ الشَّرْطُ وَهُوَ عَدَمُ التَّطْلِيقِ أَوْ عَدَمُ التَّزَوُّجِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ وَهُوَ وَقْتُ مَرَضٍ فَكَانَ فَارًّا وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرِثْهَا لِرِضَاهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ حَيْثُ أَخَّرَ الشَّرْطَ إلَى مَوْتِهَا. وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ آتِيَ الْبَصْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَمْ يَأْتِهَا حَتَّى مَاتَ وَرِثَتْهُ لِمَا قُلْنَا، وَأَمَّا إذَا مَاتَتْ هِيَ يَرِثُهَا لِأَنَّهَا مَاتَتْ وَهِيَ زَوْجَتُهُ لِعَدَمِ شَرْطِ الْوُقُوعِ، لِجَوَازِ أَنْ يَأْتِيَ الْبَصْرَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا اهـ أَيْ بِخِلَافِ تَطْلِيقِهَا وَتَزَوُّجِهِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ مَوْتِهَا.
[تَنْبِيهٌ] تَقْيِيدُ الشَّارِحِ الطَّلَاقَ بِكَوْنِهِ ثَلَاثًا غَيْرُ لَازِمٍ فِي مَسْأَلَةِ مَوْتِهَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا وَحَكَمْنَا بِالْوُقُوعِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهَا وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَعْقُبُهُ الْمَوْتُ يَكُونُ الْوَاقِعُ بِهِ بَائِنًا، لِعَدَمِ إمْكَانِ الْعِدَّةِ، كَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ فِي بَابِ الصَّرِيحِ عِنْدَ قَوْلِهِ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ (قَوْلُهُ أَوْ التَّعْلِيقِ فَقَطْ) أَيْ التَّعْلِيقِ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمَتْنِ فِيمَا مَرَّ، فَالتَّعْلِيقُ هُنَا لَا يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَشْمَلَ فِعْلَ نَفْسِهِ، لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِهِ إذَا وُجِدَ فِي الصِّحَّةِ فَقَطْ أَيْ وَوُجِدَ الشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ مِنْهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمَتْنُ فَلَا يَصِحُّ دُخُولُهُ فِي الْعُمُومِ كَذَا بِخَطِّ السَّائِحَانِيِّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَوْ بِفِعْلِهَا وَلَهَا مِنْهُ بُدٌّ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوْ لَا وَلَا قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَفِي غَيْرِهَا أَيْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَا تَرِثُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الصِّحَّةِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، أَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ فِيمَا إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ، أَوْ كَيْفَمَا كَانَ إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِهَا الَّذِي لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كُلِّهَا. اهـ. ح (قَوْلُهُ وَحَاصِلُهَا سِتَّةَ عَشَرَ) يُمْكِنُ بَسْطُهَا إلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ لِأَنَّهُ إذَا عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِهَا أَوْ فِعْلِ أَجْنَبِيٍّ فَالْفِعْلُ إمَّا مِنْهُ بُدٌّ أَوْ لَا، فَهَذِهِ سِتَّةٌ تُضْرَبُ فِي أَوْجُهِ الشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ الْأَرْبَعَةِ فَتَبْلُغُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَفِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْوَقْتِ أَرْبَعُ صُوَرٍ فَتَبْلُغُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، لَكِنْ فِي فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا مِنْهُ بُدٌّ أَوْ لَا، بِخِلَافِ فِعْلِهَا كَمَا عَلِمْت. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ كُلٍّ مِنْ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ فِي الصِّحَّةِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي طَلَاقِ الْمَرِيضِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْبَحْرِ، فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ
стр. 1674
إمَّا فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَقَدْ عُلِمَ حُكْمُهَا
(قَالَ لَهَا فِي صِحَّتِهِ إنْ شِئْت) أَنَا (وَفُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ مَرِضَ فَشَاءَ الزَّوْجُ وَالْأَجْنَبِيُّ الطَّلَاقَ مَعًا أَوْ شَاءَ الزَّوْجُ ثُمَّ الْأَجْنَبِيُّ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ لَا تَرِثُ، وَإِنْ شَاءَ الْأَجْنَبِيُّ أَوَّلًا ثُمَّ الزَّوْجُ وَرِثَتْ) كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَالْفَرْقُ لَا يَخْفَى إذْ بِمَشِيئَةِ الْأَجْنَبِيِّ أَوَّلًا صَارَ الطَّلَاقُ مُعَلَّقًا عَلَى فِعْلِهِ فَقَطْ.
(تَصَادَقَا) أَيْ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ وَالزَّوْجَةُ (عَلَى ثَلَاثٍ فِي الصِّحَّةِ وَ) عَلَى (مُضِيِّ الْعِدَّةِ ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ) أَوْ عَيْنٍ (أَوْ وَصَّى لَهَا بِشَيْءٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا أَقَرَّ أَوْ أَوْصَى (وَمِنْ الْمِيرَاثِ) لِلتُّهْمَةِ وَتَعْتَدُّ مِنْ وَقْتِ إقْرَارِهِ بِهِ يُفْتَى
ــ
[رد المحتار]
وَتَكُونُ الصُّوَرُ إحْدَى وَعِشْرِينَ (قَوْلُهُ أَوْ أَحَدَهُمَا) بِالنَّصْبِ أَوْ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إنَّ أَيْ أَوْ أَحَدَهُمَا فِي أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ أَوْ بِالْعَكْسِ
(قَوْلُهُ قَالَ لَهَا فِي صِحَّتِهِ) أَمَّا إذَا كَانَ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْلِيقِ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ وَفِعْلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الصُّوَرِ السَّابِقَةِ ط
(قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ لَا يَخْفَى) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ تَعَلَّقَ عَلَى مَشِيئَتِهِمَا فَإِذَا شَاءَا مَعًا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ تَمَامَ الْعِلَّةِ فَلَا يَكُونُ فَارًّا؛ بِخِلَافِ مَا إذَا تَأَخَّرَتْ مَشِيئَةُ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَمَّتْ الْعِلَّةُ بِهِ اهـ أَيْ فَيَكُونُ مِنْ التَّعْلِيقِ بِفِعْلِهِ فَيَكْفِي فِيهِ كَوْنُ الشَّرْطِ فَقَطْ فِي الْمَرَضِ، بِخِلَافِ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَإِنَّهُمَا مِنْ قَبِيلِ التَّعْلِيقِ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ، فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ فِي الْمَرَضِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ التَّعْلِيقَ فِي الصِّحَّةِ
(قَوْلُهُ وَعَلَى مُضِيِّ الْعِدَّةِ) قَيَّدَ بِهِ لِيَظْهَرَ خِلَافُ الصَّاحِبَيْنِ حَيْثُ قَالَا بِجَوَازِ إقْرَارِهِ وَوَصِيَّتِهِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ بِانْتِفَاءِ الْعِدَّةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَصَادَقَا عَلَى الثَّلَاثِ فِي الصِّحَّةِ وَلَمْ يَتَصَادَقَا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ يَكُونُ لَهَا الْأَقَلُّ اتِّفَاقًا. اهـ. ح (قَوْلُهُ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْهُ وَمِنْ الْمِيرَاثِ) مِنْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بَيَانٌ لِلْأَقَلِّ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، وَصِلَةُ الْأَقَلِّ مَحْذُوفَةٌ تَقْدِيرُهَا مِنْ الْآخَرِ. وَالْمَعْنَى فَلَهَا الْمُوصَى بِهِ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْ الْمِيرَاثِ أَوْ الْمِيرَاثُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْ الْمُوصَى بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ، إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ فَلَهَا الْمِيرَاثُ وَالْمُوصَى بِهِ اللَّذَانِ هُمَا الْأَقَلُّ وَهُوَ فَاسِدٌ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ صِلَةُ الْأَقَلِّ سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ أَوْ بِمَعْنَى أَوْ إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَعَلَى الثَّانِي فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ أَحَدِهِمَا وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ. اهـ. ح أَيْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْأَقَلُّ شَيْئًا خَارِجًا عَنْ الْمِيرَاثِ وَالْمُوصَى بِهِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقَلِّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا هُوَ الْأَقَلُّ مِنْ الْآخَرِ (قَوْلُهُ لِلتُّهْمَةِ) أَيْ تُهْمَةِ مُوَاضَعَةِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْفُرْقَةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِيُعْطِيَهَا الزَّوْجُ زِيَادَةً عَلَى مِيرَاثِهَا، وَهَذِهِ التُّهْمَةُ فِي الزِّيَادَةِ فَقَطْ فَرَدَدْنَاهَا وَقَالَا بِجَوَازِ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ لِعَدَمِ الْعِدَّةِ، بِدَلِيلِ قَبُولِ شَهَادَتِهِ لَهَا، وَدَفْعِ زَكَاتِهِ لَهَا وَتَزَوُّجِهَا بِآخَرَ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا مُوَاضَعَةَ عَادَةً فِي حَقِّ الزَّكَاةِ وَالشَّهَادَةِ وَالتَّزَوُّجِ فَلَا تُهْمَةَ بَحْرٌ مُلَخَّصًا عَنْ الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا (قَوْلُهُ وَتَعْتَدُّ مِنْ وَقْتِ إقْرَارِهِ إلَخْ) كَذَا ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا وَلَا تَزَوُّجُهُ بِأُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا وَهُوَ خِلَافُ مَا صَرَّحُوا بِهِ هُنَا، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي غَايَةِ السُّرُوجِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَحْكِيمُ الْحَالِ فَإِنْ كَانَ جَرَى بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ وَتَرَكَتْ خِدْمَتَهُ فِي مَرَضِهِ فَهُوَ دَلِيلُ عَدَمِ الْمُوَاضَعَةِ فَلَا تُهْمَةَ وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ لِلتُّهْمَةِ بَحْرٌ مُلَخَّصًا، وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا قَرَّرُوهُ هُنَا مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ لَهَا وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ يَقْتَضِي أَنَّ ابْتِدَاءَ الْعِدَّةِ يَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الطَّلَاقِ وَمَا صَحَّحُوهُ فِي بَابِ الْعِدَّةِ مِنْ وُجُوبِهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا تَجِبُ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ وَإِذَا أَقَرَّ الزَّوْجَانِ بِمُضِيِّهَا صُدِّقَا فِيمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَلِذَا صَرَّحُوا
стр. 1675
وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ مُضِيِّهَا فَلَهَا جَمِيعُ مَا أَقَرَّ أَوْ أَوْصَى عِمَادِيَّةٌ؛ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَرَضِ مَوْتِهِ صَحَّ إقْرَارُهُ وَوَصِيَّتُهُ، وَلَوْ كَذَّبَتْهُ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ شَرْحُ الْمَجْمَعِ
وَفِي الْفُصُولِ: ادَّعَتْ عَلَيْهِ مَرِيضًا أَنَّهُ أَبَانَهَا فَجَحَدَ وَحَلَّفَهُ الْقَاضِي فَحَلَفَ ثُمَّ صَدَّقَتْهُ وَمَاتَ تَرِثُهُ لَوْ صَدَّقَتْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لَا لَوْ بَعْدَهُ.
ــ
[رد المحتار]
بِأَنَّهُ لَا تَجِبُ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى عَمَلًا بِتَصْدِيقِهَا لَهُ، وَالشَّهَادَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا مَرَّ لَا تُهْمَةَ فِيهَا إذْ لَا مُوَاضَعَةَ عَادَةً فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ فَلَمْ يُصَدَّقَا فِي حَقِّهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدَّرَ أَنَّ الْعِدَّةَ لَمْ تَنْقَضِ لِإِبْطَالِ الزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ تُهْمَةٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ عَدَمَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ بَلْ فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ فَقَطْ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِهَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ وَالْقَوْلِ بِاعْتِبَارِهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلِذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ: إنَّ فَتْوَى الْمُتَأَخِّرِينَ أَيْ بِوُجُوبِهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ مُخَالِفَةٌ لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَحَيْثُ كَانَتْ مُخَالَفَتُهُمْ لِلتُّهْمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى بِهِ مَحَالَّهَا وَالنَّاسَ الَّذِينَ هُمْ مَظَانُّهَا، وَلِهَذَا فَصَّلَ الْإِمَامُ السَّعْدِيُّ بِحَمْلِ كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ عَلَى مَا إذَا كَانَا مُتَفَرِّقَيْنِ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي أَسْنَدَ الطَّلَاقَ إلَيْهِ، أَمَّا إذَا كَانَا مُجْتَمَعَيْنِ فَالْكَذِبُ فِي كَلَامِهِمَا ظَاهِرٌ فَلَا يُصَدَّقَانِ فِي الْإِسْنَادِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ هُنَاكَ: وَهَذَا هُوَ التَّوْفِيقُ اهـ أَيْ بَيْنَ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَبِهِ ظَهَرَ صِحَّةُ مَا قَالَهُ السُّرُوجِيُّ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَحْكِيمُ الْحَالِ، لَكِنْ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْخُصُوصَةَ وَتَرْكَ الْخِدْمَةِ دَلِيلُ عَدَمِ الْمُوَاضَعَةِ رَدَّهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ لَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ الْمِيرَاثِ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ تِلْكَ الْخُصُوصَةَ حِيلَةٌ لَيْسَتْ عَلَى حَقِيقَتِهَا اهـ نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ السَّعْدِيُّ مِنْ التَّفَرُّقِ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الْمُوَاضَعَةِ لِتَصِحَّ وَصِيَّتُهُ لَهَا وَتَزَوُّجُهُ أُخْتَهَا وَأَرْبَعًا سِوَاهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهٌ] اعْلَمْ أَنَّ مَا تَأْخُذُهُ لَهُ شَبَهٌ بِالْمِيرَاثِ، فَلَوْ تَوَى شَيْءٌ مِنْ التَّرِكَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ عَلَى الْكُلِّ، وَلَوْ طَلَبَتْ أَخْذَ الدِّرْهَمِ وَالتَّرِكَةُ عُرُوضٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ وَشُبِّهَ بِالدَّيْنِ، حَتَّى كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُعْطُوهَا مِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ مُؤَاخَذَةً لَهَا بِزَعْمِهَا أَنَّ مَا تَأْخُذُهُ دَيْنٌ كَذَا أَفَادَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ بَعْدَ مُضِيِّهَا) أَيْ مُضِيِّ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ (قَوْلُهُ فَلَهَا جَمِيعُ مَا أَقَرَّ أَوْ أَوْصَى) لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً فَانْتَفَتْ التُّهْمَةُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَا تَأْخُذُهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَبَهٌ بِالْمِيرَاثِ أَصْلًا فَلَا يَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ آنِفًا لِأَنَّهَا قَبْلَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ لَمْ تُعْطِ الزَّائِدَ عَلَى الْمِيرَاثِ لِلتُّهْمَةِ فَكَانَ مَا تَأْخُذُهُ إرْثًا نَظَرًا لِلْوَرَثَةِ وَوَصِيَّةً نَظَرًا لِزَعْمِهَا فَاعْتُبِرَ فِيهِ الشَّبَهَانِ، وَبَعْدَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ لَمْ تَبْقَ التُّهْمَةُ فَلِذَا اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ مَا أَقَرَّ أَوْ أَوْصَى بِهِ وَتَمَحَّضَ كَوْنُهُ دَيْنًا أَوْ وَصِيَّةً وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ الشَّبَهَيْنِ هُنَا تَبَعًا لِظَاهِرِ عِبَارَةِ النَّهْرِ لَمْ يُصِبْ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَرَضِ مَوْتِهِ) الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي: أَيْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّصَادُقُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِأَنْ صَحَّ مِنْهُ أَوْ كَانَ غَيْرَ مَرِيضٍ أَصْلًا ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا صَحَّ إقْرَارُهُ وَوَصِيَّتُهُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَذَّبَتْهُ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ تَصَادَقَا ط (قَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ) أَيْ وَلَا وَصِيَّتُهُ مُعَامَلَةً لَهَا بِزَعْمِهَا أَنَّهَا زَوْجَةٌ وَهِيَ وَارِثَةٌ، وَلَا وَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ وَلَا إقْرَارَ لَهُ ط وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا مَاتَ فِي مَرَضِهِ قَبْلَ مُضِيِّ عِدَّتِهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا بَانَتْ مِنْهُ عَمَلًا بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ وَصَارَ فَارًّا فَإِذَا صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ لَمْ يَصِحَّ وَمَاتَ بَعْدَ الْعِدَّةِ لَمْ تَرِثْ مِنْهُ فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ وَإِقْرَارُهُ لَهَا بِالْمَالِ، وَلَيْسَ تَكْذِيبُهَا لَهُ فِي الطَّلَاقِ السَّابِقِ رِضًا بِالطَّلَاقِ الْوَاقِعِ الْآنَ كَمَا لَا يَخْفَى هَذَا مَا ظَهَرَ لِي (قَوْلُهُ لَا لَوْ بَعْدَهُ) أَقُولُ هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ لَوْ ادَّعَتْ أَنَّ الْإِبَانَةَ كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ لِأَنَّ دَعْوَاهَا تَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهَا بِأَنَّهَا لَا تَرِثُ مَعَهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ فَارٍّ، أَمَّا لَوْ ادَّعَتْ أَنَّ الْإِبَانَةَ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَلَا، لِأَنَّهَا ادَّعَتْ
стр. 1676
(كَمَنْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا بِأَمْرِهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ أَوْصَى لَهَا أَوْ أَقَرَّ) فَإِنَّ لَهَا الْأَقَلَّ.
(قَالَ صَحِيحٌ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ بَيَّنَ) الطَّلَاقَ (فِي مَرَضِهِ) الَّذِي مَاتَ فِيهِ (فِي إحْدَاهُمَا صَارَ فَارًّا بِالْبَيَانِ فَتَرِثُ مِنْهُ) كَافِيٌّ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ صَحِيحًا وَحَنِثَ مَرِيضًا فَبَيَّنَهُ فِي إحْدَاهُمَا صَارَ فَارًّا وَلَمْ أَرَهُ نَهْرٌ
(وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (بِأَهْلِيَّتِهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ لِلْمِيرَاثِ
(فَلَوْ طَلَّقَهَا بَائِنًا فِي مَرَضِهِ وَقَدْ كَانَ سَيِّدُهَا أَعْتَقَهَا قَبْلَهُ) أَوْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً فَأَسْلَمَتْ (وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ كَانَ فَارًّا) فَتَرِثُهُ ظَهِيرِيَّةٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ حُرَّةٌ غَدًا وَقَالَ الزَّوْجُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْدَ غَدٍ (وَإِنْ عَلِمَ بِكَلَامِ الْمَوْلَى كَانَ فَارًّا وَإِلَّا) يَعْلَمُ (لَا) تَرِثُ خَانِيَّةٌ.
ــ
[رد المحتار]
عَلَيْهِ طَلَاقًا تَرِثُ مِنْهُ غَيْرَ أَنَّهَا لَمَّا زَعَمَتْ أَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهَا مُفَارَقَتُهُ، فَإِذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَاجِبَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ رَاضِيَةً بِطَلَاقِهَا كَمَا لَا يَخْفَى، فَيَجِبُ أَنْ تَرِثَ سَوَاءٌ أَصَرَّتْ عَلَى دَعْوَاهَا أَوْ صَدَّقَتْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهَا بِمَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، وَكَأَنَّهُمْ سَكَتُوا عَنْهُ لِظُهُورِهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ كَمَنْ طَلُقَتْ إلَخْ) جَعَلَ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مُشَبَّهًا بِهَذِهِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهَا، بِخِلَافِ الْأُولَى كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ بِأَمْرِهَا) الْأَوْلَى بِرِضَاهَا لِيَشْمَلَ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا فِي التَّفْوِيضِ أَفَادَهُ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ ط (قَوْلُهُ فَإِنَّ لَهَا الْأَقَلَّ) أَيْ مِمَّا أَقَرَّ أَوْ أَوْصَى بِهِ وَمِنْ الْإِرْثِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِوَجْهِ الشَّبَهِ الْمُفَادِ بِالْكَافِ
(قَوْلُهُ قَالَ صَحِيحٌ) قَيَّدَ بِهِ لِيَكُونَ فِرَارُهُ بِالْبَيَانِ أَمَّا لَوْ كَانَ مَرِيضًا يَكُونُ فَارًّا بِذَلِكَ الْقَوْلِ لَا بِنَفْسِ الْبَيَانِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ) أَيْ ثَلَاثًا كَمَا فِي عِبَارَةِ الْفَتْحِ عَنْ الْكَافِي وَهُوَ الْمُرَادُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَكُونُ بِهِ فَارًّا وَلَا فِرَارَ فِي الرَّجْعِيِّ (قَوْلُهُ فَتَرِثُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ بَيَّنَ الطَّلَاقَ بَعْدَ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ، كَمَا لَوْ أَنْشَأَ فَجُعِلَ إنْشَاءً فِي حَقِّ الْإِرْثِ لِلتُّهْمَةِ، وَلَوْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ تَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى وَلَمْ تَرِثْ لِأَنَّهُ بَيَانٌ حُكْمِيٌّ فَانْتَفَتْ التُّهْمَةُ عَنْهُ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.
قُلْت: وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ فَارًّا بِهَذَا الْبَيَانِ مُؤَيِّدٌ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْبَيَانَ فِي الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ الْبَيَانِ مَعْنًى: أَيْ يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْحَالِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْبَيَانِ فَيَقَعُ عِنْدَ الْبَيَانِ بِالْكَلَامِ السَّابِقِ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إيقَاعٌ لِلْحَالِ فِي وَاحِدَةٍ غَيْرِ عَيْنٍ وَالْبَيَانُ تَعْيِينٌ لِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِيرَ فَارًّا لِأَنَّ الْوُقُوعَ يَكُونُ فِي حَالِ صِحَّتِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِيهِ (قَوْلُهُ لَوْ حَلَفَ صَحِيحًا) أَيْ بِأَنْ عَلَّقَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ كَأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلَ زَيْدٌ دَارِهِ فَإِحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثَلَاثًا. أَمَّا لَوْ عَلَّقَ عَلَى فِعْلِهِ صَارَ فَارًّا بِالْفِعْلِ فِي مَرَضِهِ لَا بِنَفْسِ الْبَيَانِ، فَافْهَمْ (قَوْلُهُ صَارَ فَارًّا) يَظْهَرُ لَك وَجْهُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْبَدَائِعِ
(قَوْلُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ أَهْلِيَّةَ الزَّوْجِيَّةِ لِلْمِيرَاثِ شَرْطٌ فِي كَوْنِهِ فَارًّا فَإِذَا كَانَتْ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً فَأَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ لَمْ تَرِثْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِذَلِكَ لَكِنْ لَوْ كَانَتْ أُعْتِقَتْ أَوْ أَسْلَمَتْ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ فَأَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ صَارَ فَارًّا وَتَرِثُهُ لِتَحْقِيقِ الشَّرْطِ وَقْتَ الْإِبَانَةِ (قَوْلُهُ بَعْدَ غَدٍ) أَمَّا لَوْ قَالَ لَهَا أَيْضًا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا غَدًا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ مَعًا وَلَا مِيرَاثَ لَهَا، وَلَوْ قَالَ إذَا أُعْتِقْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا كَانَ فَارًّا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ يَعْقُبُ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ فَيَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْفِرَارِ قَبْلَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّ الْمُضَافَيْنِ إلَى الْغَدِ وَقَعَا مَعًا (قَوْلُهُ وَإِلَّا يَعْلَمُ لَا تَرِثُ) لِأَنَّهُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ لَمْ يَقْصِدْ إبْطَالَ حَقِّهَا حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ وَإِنْ صَارَتْ أَهْلًا قَبْلَ نُزُولِ الطَّلَاقِ وَلَمْ تَكُنْ حَرَّةً وَقْتَ التَّعْلِيقِ لِأَنَّ عِتْقَهَا مُضَافٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ حُرَّةً وَقْتَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِهِ كَذَا فِي الْبَحْرِ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ أَمْرٌ ثَابِتٌ تَأَمَّلْ.
[تَنْبِيهٌ] مُقْتَضَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَانَ فَارًّا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا ثَلَاثُ طَلَقَاتٍ وَإِلَّا كَانَ رَجْعِيًّا لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً وَلَا فِرَارَ فِي الرَّجْعِيِّ فَافْهَمْ.
стр. 1677
وَلَوْ عَلَّقَهُ بِعِتْقِهَا أَوْ بِمَرَضِهِ أَوْ وَكَّلَهُ بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَأَوْقَعَهُ حَالَ مَرَضِهِ قَادِرًا عَلَى عَزْلِهِ كَانَ فَارًّا
(وَلَوْ بَاشَرَتْ) الْمَرْأَةُ (سَبَبَ الْفُرْقَةِ وَهِيَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا (مَرِيضَةٌ وَمَاتَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَرِثَهَا) الزَّوْجُ (كَمَا إذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ) بَيْنَهُمَا (بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ أَوْ بِتَقْبِيلِهَا) أَوْ مُطَاوَعَتِهَا (ابْنَ زَوْجِهَا) وَهِيَ مَرِيضَةٌ لِأَنَّهَا مِنْ قِبَلِهَا وَلِذَا لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا (بِخِلَافِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ) بَيْنَهُمَا (بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَاللِّعَانِ) فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهَا (عَلَى) مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْفَتْحِ عَنْ الْجَامِعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَكَانَ هُوَ (الْمَذْهَبَ)
ــ
[رد المحتار]
وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ قُبَيْلَ أَلْفَاظِ الشَّرْطِ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَعَتَقَتْ فَدَخَلَتْ لَهُ رَجْعَتُهَا اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَقَعَ هُنَا طَلْقَتَانِ وَلَا يَكُونُ فَارًّا وَقَدْ يُجَابُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِضَافَةِ وَالتَّعْلِيقِ إنَّ الْمُضَافَ يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْحَالِ، بِخِلَافِ الْمُعَلَّقِ، حَتَّى لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ غَدًا لَمْ يَمْلِكْ بَيْعُهُ الْيَوْمَ وَيَمْلِكُهُ إذَا قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ كَمَا فِي طَلَاقِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ
فَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمَّا قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ حُرَّةٌ غَدًا انْعَقَدَ سَبَبًا لِلْحَالِ، فَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْدَ غَدٍ انْعَقَدَ سَبَبًا لِلطَّلَاقِ بَعْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ فَإِنَّهُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَتَيْنِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ وَقْتَهُ فَلَا يَقَعُ أَكْثَرَ مِمَّا يَمْلِكُ، هَذَا غَايَةُ مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ وَلَوْ عَلَّقَهُ) أَيْ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ بِعِتْقِهَا وَكَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِفِعْلٍ أَجْنَبِيٍّ ط (قَوْلُهُ أَوْ بِمَرَضِهِ) كَقَوْلِهِ إنْ مَرِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَكُونُ فَارًّا لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الْحِنْثِ الْمَرَضَ مُطْلَقًا وَالْمَرَضُ الْمُطْلَقُ هُوَ صَاحِبُ الْفِرَاشِ الَّذِي كَانَ الْمَوْتُ غَالِبًا فِيهِ وَذَا مَرَضُ الْمَوْتِ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ. وَنَقَلَ فِي الْبَحْرِ تَصْحِيحُهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ.
قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ مَرِضَ قَبْلَهُ ثُمَّ صَحَّ مِنْهُ لَمْ تَطْلُقْ لِحَمْلِهِ الْمَرَضَ عَلَى الْمُطْلَقِ أَيْ الْكَامِلِ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ مَرَضٍ بَلْ الْمُرَادُ مَرَضٌ مُطْلَقٌ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَاضِحٌ مِثْلُ مَاءٍ مُطْلَقٍ وَمُطْلَقِ مَاءٍ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَوْ وَكَّلَ بِهِ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَقَالُوا فِيمَنْ فَوَّضَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ إلَى أَجْنَبِيٍّ فِي الصِّحَّةِ وَطَلَّقَهَا فِي الْمَرَضِ إنَّ التَّفْوِيضَ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ عَنْهُ بِأَنْ مَلَّكَهُ الطَّلَاقَ لَا تَرِثُ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى فَسْخِهِ بَعْدَ مَرَضِهِ صَارَ الْإِيقَاعُ فِي الْمَرَضِ كَالْإِيقَاعِ فِي الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ عَزْلُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ صَارَ كَإِنْشَاءِ التَّوْكِيلِ فِي الْمَرَضِ فَتَرِثُهُ
(قَوْلُهُ وَلَوْ بَاشَرَتْ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي كَوْنِ الْمَرْأَةِ فَارَّةً بَعْدَ بَيَانِ كَوْنِ الرَّجُلِ فَارًّا، وَهَذَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ بِقَوْلِهِ وَقَدْ يَكُونُ الْفِرَارُ مِنْهَا (قَوْلُهُ وَرِثَهَا الزَّوْجُ) لِأَنَّهُ كَمَا تَعَلَّقَ حَقُّهَا بِمَالِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِمَالِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ أَوْ مُطَاوَعَتِهَا ابْنَ زَوْجِهَا) احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ أَكْرَهَهَا فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهَا لِعَدَمِ مُبَاشَرَتِهَا سَبَبَ الْفُرْقَةِ، وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى مَا لَوْ أَمَرَ ابْنَهُ بِإِكْرَاهِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ هُوَ الْمَرِيضَ وَأَمَرَ ابْنَهُ بِإِكْرَاهِهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ فَارًّا وَتَرِثُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ فَلَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَهِيَ مَرِيضَةٌ) قَيْدٌ لِلْفُرُوعِ الْمَذْكُورَةِ صَرَّحَ بِهِ لِيَصِحَّ انْدِرَاجُهَا تَحْتَ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ بَاشَرَتْ الْمَرْأَةُ إلَخْ فَلَا تَكْرَارَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا) أَيْ الْفُرْقَةَ بِالْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ وَمِثْلُهَا رِدَّةُ الْمَرْأَةِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَلِذَا) أَيْ لِكَوْنِهَا جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا لَمْ تَكُنْ طَلَاقًا بَلْ هِيَ فَسْخٌ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ أَهْلًا لِلطَّلَاقِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهَا) أَيْ وَلَا تَرِثُهُ كَمَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ أَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا: أَيْ إذَا
стр. 1678
لِأَنَّهَا طَلَاقٌ فَكَانَتْ مُضَافَةً إلَيْهِ (وَقِيلَ) قَائِلُهُ الزَّيْلَعِيُّ (هُوَ كَالْأَوَّلِ) فَيَرِثُهَا
(وَلَوْ ارْتَدَّتْ ثُمَّ مَاتَتْ أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَهَا زَوْجُهَا) اسْتِحْسَانًا (وَإِلَّا) بِأَنْ ارْتَدَّتْ فِي الصِّحَّةِ (لَا) يَرِثُهَا بِخِلَافِ رِدَّتِهِ فَإِنَّهَا فِي مَعْنَى مَرَضِ مَوْتِهِ فَتَرِثُهُ مُطْلَقًا.
وَلَوْ ارْتَدَّا مَعًا، فَإِنْ أَسْلَمَتْ هِيَ وَرِثَتْهُ وَإِلَّا لَا خَانِيَّةٌ
(قَالَ آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ ثَلَاثًا فَنَكَحَ امْرَأَةً ثُمَّ أُخْرَى ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ) طَلُقَتْ الْأُخْرَى (عِنْدَ التَّزَوُّجِ) وَ (لَا يَصِيرُ فَارًّا) خِلَافًا لَهُمَا لِأَنَّ الْمَوْتَ مَعْرُوفٌ وَاتِّصَافُهُ بِالْآخِرِيَّةِ مِنْ وَقْتِ الشَّرْطِ فَيَثْبُتُ مُسْتَنِدًا دُرَرٌ.
ــ
[رد المحتار]
كَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ ط، لَكِنْ فِي اللِّعَانِ تَرِثُهُ كَمَا مَرَّ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ مِنْ جِهَتِهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا طَلَاقٌ) فَيُعْتَبَرُ إيقَاعًا مِنْ جِهَتِهِ، فَلَا تَكُونُ فَارَّةً لِاضْطِرَارِهَا إلَى ذَلِكَ.
أَمَّا فِي اللِّعَانِ فَلِدَفْعِ الْعَارِ عَنْهَا، وَأَمَّا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ فَلِعَدَمِ حُصُولِ الْإِعْفَافِ الْمَطْلُوبِ مِنْ النِّكَاحِ فَصَارَ مِثْلَ التَّعْلِيقِ بِفِعْلِهَا الَّذِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَأَلَتْ الطَّلَاقَ فِي مَرَضِهِ فَطَلَّقَهَا لِرِضَاهَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا بِلَا ضَرُورَةٍ فَلَا تَرِثُهُ وَإِنْ كَانَ إيقَاعًا مِنْ جِهَتِهِ فَافْهَمْ، نَعَمْ يَشْكُلُ عَدَمُ إرْثِهَا مِنْهُ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهَا فِي مَرَضِهِ لِلْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، فَإِنَّ عِلَّةَ عَدَمِ إرْثِهَا كَوْنُهَا رَاضِيَةً كَمَا مَرَّ، فَيُنَافِي دَعْوَى اضْطِرَارِهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ إضْرَارًا حَقِيقِيًّا فَلَا مُنَافَاةَ، وَلَوْ سَلِمَ اضْطِرَارُهَا حَقِيقَةً لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إرْثُهَا مِنْهُ لِأَنَّ إرْثَهَا مِنْهُ لَا يَكُونُ إلَّا إذَا ثَبَتَ فِرَارُهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْطَرَّهَا إلَى ذَلِكَ فَهِيَ كَمَنْ وَطِئَهَا ابْنُهُ مُكْرَهَةً لَا تَرِثُ مِنْهُ إلَّا إذَا أَمَرَ ابْنَهُ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ اضْطِرَارِهَا فِرَارُهُ لِعَدَمِ جِنَايَتِهِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ اضْطِرَارَهَا عُذْرٌ فِي نَفْيِ فِرَارِهَا لِأَنَّهُ مِنْ جِهَتِهَا فَيُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلَافِ فِرَارِهِ فَإِنَّهُ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا يُؤَثِّرُ اضْطِرَارُهَا فِيهِ كَالْمُكْرَهِ، فَإِنَّ اضْطِرَارَهُ إلَى قَتْلِ غَيْرِهِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي فِعْلِهِ مِنْ حَيْثُ نَفْيُ الْقَوَدِ عَنْهُ لَا فِي فِعْلِ غَيْرِهِ وَهُوَ مَنْ أَكْرَهَهُ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ لَوْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ فِي مَرَضِهِ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ لَا تَرِثُهُ لِرِضَاهَا بِالْمُبْطِلِ وَإِنْ كَانَتْ مُضْطَرَّةً لِأَنَّ سَبَبَ الِاضْطِرَارِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ جَانِيًا فِي الْفُرْقَةِ اهـ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَتَأَمَّلْهُ
(قَوْلُهُ ثُمَّ مَاتَتْ أَوْ لَحِقَتْ) أَيْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ط (قَوْلُهُ وَرِثَهَا) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ قَصْدَهَا الْفِرَارُ ط (قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَرِثَهَا لِعَدَمِ جَرَيَانِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ط (قَوْلُهُ لَا يَرِثُهَا) لِأَنَّهَا بَانَتْ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ مُشْرِفَةً عَلَى الْهَلَاكِ وَلَيْسَتْ بِالرِّدَّةِ مُشْرِفَةً عَلَيْهِ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ رِدَّتِهِ إلَخْ) لِأَنَّهُ يُقْتَلُ إنْ اسْتَدَامَهَا ط (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ ط (قَوْلُهُ وَلَوْ ارْتَدَّا مَعًا إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِنْ ارْتَدَّا مَعًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، إنْ مَاتَ الْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدُّ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي مَاتَ هُوَ الزَّوْجُ وَرِثَتْهُ الْمُسْلِمَةُ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُرْتَدَّةُ قَدْ مَاتَتْ، فَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهَا فِي الْمَرَضِ وَرِثَهَا الزَّوْجُ الْمُسْلِمُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ لَمْ يَرِثْ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ طَلُقَتْ الْأُخْرَى) زَادَ الشَّارِحُ ذَلِكَ تَبَعًا لِلدُّرَرِ لِإِصْلَاحِ عِبَارَةِ الْمَتْنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ التَّزَوُّجِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ طَلُقَتْ، وَعَلَى مَا فِي الْمَتْنِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مَاتَ وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ وَلَا يَصِيرُ فَارًّا الْوَاوُ فِيهِ مِنْ الشَّرْحِ لِلْعَطْفِ عَلَى طَلُقَتْ، وَإِذَا لَمْ يَصِرْ فَارًّا لَا تَرِثُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرٌ وَنِصْفٌ، فَالْمَهْرُ بِالدُّخُولِ بِشُبْهَةٍ وَالنِّصْفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ بِلَا إحْدَادٍ زَيْلَعِيٌّ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا) وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ عِنْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي تَحَقَّقَتْ فِيهِ الْآخِرِيَّةُ، وَيَصِيرُ فَارًّا فَتَرِثُهُ، وَلَهَا مَهْرٌ وَاحِدٌ، وَتَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ.
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَالْإِحْدَادُ أَفَادَهُ الزَّيْلَعِيُّ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَوْتَ مُعَرَّفٌ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِ الْإِمَامِ أَيْ يَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ آخَرُ امْرَأَةٍ (قَوْلُهُ وَاتِّصَافُهُ) أَيْ التَّزَوُّجِ مِنْ وَقْتِ الشَّرْطِ وَهُوَ التَّزَوُّجُ ط (قَوْلُهُ فَيَثْبُتُ مُسْتَنِدًا) أَيْ
стр. 1679
[فُرُوعٌ] أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ قَالَ لَهَا إذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ لَمْ تَرِثْ لِأَنَّهَا فِي عِدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، وَقَدْ حَصَلَ التَّزَوُّجُ بِفِعْلِهَا فَلَمْ يَكُنْ فِرَارًا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ خَانِيَّةٌ.
كَذَّبَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الطَّلَاقِ فِي مَرَضِهِ فَالْقَوْلُ لَهَا كَقَوْلِهَا طَلَّقَنِي وَهُوَ نَائِمٌ.
وَقَالُوا فِي الْيَقَظَةِ وَالْوَالِجِيَّةُ: طَلَّقَهَا فِي الْمَرَضِ وَمَاتَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَالْمُشْكِلُ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ لِوَارِثِ الزَّوْجِ لِصَيْرُورَتِهَا أَجْنَبِيَّةً بِخِلَافِهِ فِي الْعِدَّةِ جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ
بَابُ الرَّجْعَةِ
بِالْفَتْحِ وَتُكْسَرُ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى (هِيَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ الْقَائِمِ)
ــ
[رد المحتار]
إلَى وَقْتِ التَّزَوُّجِ كَمَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِحَيْضِهَا لَمْ يَحْنَثْ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ، فَإِذَا اسْتَمَرَّ ثَلَاثًا ظَهَرَ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ أَوَّلِهَا زَيْلَعِيٌّ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَقْتَ التَّزَوُّجِ مَرِيضًا أَنْ يَصِيرَ فَارًّا فَتَرِثُهُ (قَوْلُهُ لَمْ تَرِثْ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّ عِدَّتَهَا الْأُولَى قَدْ بَطَلَتْ بِالتَّزَوُّجِ فَبَطَلَ إرْثُهَا الثَّابِتُ لَهَا بِسَبَبِ الْإِبَانَةِ فِي مَرَضِهِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَرِثُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَقَدْ زَالَتْ وَوَجَبَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ بِالطَّلَاقِ الثَّانِي كَمَا يَأْتِي فِي الْعِدَّةِ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ مُعْتَدَّتَهُ قَبْلَ الْوَطْءِ يَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَرِثَ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّانِي لِأَنَّ شَرْطَ وُقُوعِهِ التَّزَوُّجُ وَقَدْ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا فَكَانَتْ رَاضِيَةً بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ تَرِثُهُ لِأَنَّ عَلَيْهَا تَمَامَ الْعِدَّةِ الْأُولَى فَقَطْ فَبَقِيَ حُكْمُ الْفِرَارِ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ لِبَقَاءِ عِدَّتِهِ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ كَذَّبَهَا الْوَرَثَةُ إلَخْ) أَيْ لَوْ ادَّعَتْ أَنَّهُ أَبَانَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَأَنَّهُ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ بَلْ فِي الصِّحَّةِ فَالْقَوْلُ لَهَا بِيَمِينِهَا لِإِنْكَارِهَا سُقُوطَ الْإِرْثِ لِأَنَّهَا تُقِرُّ بِطَلَاقٍ لَا يُسْقِطُ الْمِيرَاثَ (قَوْلُهُ فَالْمُشْكِلُ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ) هُوَ مَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَمَّا مَا يَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ لِكُلٍّ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ التَّحَالُفِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى (قَوْلُهُ لِصَيْرُورَتِهَا أَجْنَبِيَّةً) أَيْ فَلَمْ تَبْقَ ذَاتَ يَدٍ بَلْ الْيَدُ لِلْوَرَثَةِ وَالْقَوْلُ لِذِي الْيَدِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِهِ فِي الْعِدَّةِ) أَيْ بِخِلَافِ مَوْتِهِ فِي عِدَّتِهَا، فَإِنَّ الْمُشْكِلَ حِينَئِذٍ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهَا تَرِثُ فَلَمْ تَكُنْ أَجْنَبِيَّةً فَكَأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الطَّلَاقِ جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
[بَابُ الرَّجْعَةِ]
ِ ذَكَرَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ طَبْعًا فَكَذَا وَضْعًا نَهْرٌ (قَوْلُهُ: بِالْفَتْحِ وَتُكْسَرُ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْفَتْحَ فِيهَا أَفْصَحُ مِنْ الْكَسْرِ خِلَافًا لِلْأَزْهَرِيِّ فِي دَعْوَى أَكْثَرِيَّةِ الْكَسْرِ وَلِمَكِّيٍّ تَبَعًا لِابْنِ دُرَيْدٍ فِي إنْكَارِ الْكَسْرِ عَلَى الْفُقَهَاءِ (قَوْلُهُ: يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى) أَيْ يُسْتَعْمَلُ فِعْلُهُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ وَلَازِمًا فَيَتَعَدَّى بِإِلَى. قَالَ فِي الْفَتْحِ: يُقَالُ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَرَجَعْته إلَيْهِمْ: أَيْ رَدَدْته وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣] وَيُقَالُ فِي مَصْدَرِهِ أَيْضًا رَجْعًا وَرُجُوعًا وَمَرْجِعًا وَالرَّجْعَةُ وَالرَّجْعَى بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَرُبَّمَا قَالُوا إلَى اللَّهِ رَجَعَاتُك (قَوْلُهُ: هِيَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ) عَبَّرَ بِالِاسْتِدَامَةِ بَدَلَ الرَّدِّ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الرَّجْعَةِ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ مَا يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ. فَيُنَافِي قَوْلَهُ " الْقَائِمِ " وَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الْإِبْقَاءُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالرَّدُّ يَصْدُقُ حَقِيقَةً بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِ زَوَالِ الْمِلْكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَالَ بَعْدُ يُقَالُ: رَدَّ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ فِي بَيْعٍ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ اهـ فَهَذَا الرَّدُّ إبْقَاءٌ لِلْمِلْكِ الْقَائِمِ: أَيْ إدَامَةٌ لَهُ وَإِمْسَاكٌ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أَيْ قَارَبَ الْبُلُوغَ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْإِمْسَاكُ اسْتِدَامَةُ الْقَائِمِ لَا إعَادَةُ الزَّائِلِ، وَلِذَا صَحَّ الْإِيلَاءُ مِنْهَا وَالظِّهَارُ وَاللِّعَانُ.
стр. 1680
بِلَا عِوَضٍ مَا دَامَتْ (فِي الْعِدَّةِ) أَيْ عِدَّةِ الدُّخُولِ حَقِيقَةً
إذْ لَا رَجْعَةَ فِي عِدَّةِ الْخَلْوَةِ ابْنُ كَمَالٍ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: ادَّعَى الْوَطْءَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَأَنْكَرَتْ فَلَهُ الرَّجْعَةُ لَا فِي عَكْسِهِ.
وَتَصِحُّ مَعَ إكْرَاهٍ وَهَزْلٍ وَلَعِبٍ وَخَطَإٍ (بِنَحْوِ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِدَامَةُ (رَجَعْتُكِ) وَرَدَدْتُكِ وَمَسَكْتُكِ بِلَا نِيَّةٍ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ (وَ) بِالْفِعْلِ مَعَ الْكَرَاهَةِ
ــ
[رد المحتار]
وَتَنَاوَلَهَا قَوْلُهُ: زَوْجَاتِي طَوَالِقُ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا شُهُودٌ، وَلَمْ يَجِبْ عِوَضٌ مَالِيٌّ، حَتَّى لَوْ رَاجَعَهَا تَوَقَّفَ لُزُومُهُ عَلَى قَبُولِهَا وَتُجْعَلُ زِيَادَةً فِي مَهْرِهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَصِيرُ زِيَادَةً فَلَا تَجِبُ وَلَوْ رَاجَعَ الْأَمَةَ عَلَى الْحَرَّةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ طَلَاقِهَا صَحَّ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِلَا عِوَضٍ) أَيْ بِلَا اشْتِرَاطِ عِوَضٍ، فَالْمُرَادُ نَفْيُ اشْتِرَاطِهِ لَا نَفْيُ وُجُودِهِ لِمَا عَلِمْت، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِدَعْوَى قِيَامِ الْمِلْكِ إذْ لَوْ زَالَ اُشْتُرِطَ فِي رَدِّهَا إلَيْهِ الْعِوَضُ (قَوْلُهُ: أَيْ عِدَّةِ الدُّخُولِ حَقِيقَةً) أَيْ الْوَطْءِ ح (قَوْلُهُ: إذْ لَا رَجْعَةَ فِي عِدَّةِ الْخَلْوَةِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ مَعَهَا لَمْسٌ، أَوْ نَظَرٌ بِشَهْوَةٍ وَلَوْ إلَى الْفَرَجِ الدَّاخِلِ ح وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْعِدَّةِ بَعْدَ الْوَطْءِ تَعَرُّفُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ تَحَفُّظًا عَنْ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ، وَوَجَبَتْ بَعْدَ الْخَلْوَةِ بِلَا وَطْءٍ احْتِيَاطًا، وَلَيْسَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ تَصْحِيحُ الرَّجْعَةِ فِيهَا رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ: ابْنُ كَمَالٍ) حَيْثُ قَالَ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الدُّخُولِ: لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ تَجِبُ بِالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ بِلَا دُخُولٍ وَلَا تَصِحُّ فِيهَا الرَّجْعَةُ. اهـ.
قُلْت: وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي بَابِ الْمَهْرِ أَنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ لَا تَكُونُ كَالْوَطْءِ فِي الرَّجْعَةِ. اهـ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ فَالْفَاسِدَةُ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي مَتْنًا وَشَرْحًا، وَقَوْلُهُ: بَعْدَ الدُّخُولِ الْمُرَادُ بِهِ بَعْدَ الْخَلْوَةِ وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِيمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ مَعَ إكْرَاهٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَمِنْ أَحْكَامِهَا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إضَافَتُهَا إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا تَعْلِيقًا بِالشَّرْطِ، كَمَا إذَا قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ رَاجَعْتُكِ، أَوْ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَقَدْ رَاجَعْتُكِ، وَتَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ وَاللَّعِبِ وَالْخَطَإِ كَالنِّكَاحِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ ط. وَفِي الْقُنْيَةِ: لَوْ أَجَازَ مُرَاجَعَةَ الْفُضُولِيِّ صَحَّ ذَلِكَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: وَهَزْلٍ وَلَعِبٍ) فَسَّرَهُمَا فِي الْقَامُوسِ بِضِدِّ الْجِدِّ أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ: وَخَطَأٍ) كَأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: اسْقِنِي الْمَاءَ فَقَالَ رَاجَعْتُ زَوْجَتِي (قَوْلُهُ: بِنَحْوِ رَاجَعْتُكِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِالْقَوْلِ نَحْوُ رَاجَعْتُكِ لِيَعْطِفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَبِالْفِعْلِ ط، وَهَذَا بَيَانٌ لِرُكْنِهَا وَهُوَ قَوْلٌ، أَوْ فِعْلٌ.
وَالْأَوَّلُ قِسْمَانِ: صَرِيحٌ كَمَا مَثَّلَ، وَمِنْهُ النِّكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ كَمَا يَأْتِي، وَبَدَأَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ. وَكِنَايَةٌ مِثْلُ أَنْتِ عِنْدِي كَمَا كُنْتِ وَأَنْتِ امْرَأَتِي، فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا إلَّا بِالنِّيَّةِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ (قَوْلُهُ: رَاجَعْتُكِ) أَيْ فِي حَالِ خِطَابِهَا، مِثْلُهُ: رَاجَعْتُ امْرَأَتِي فِي حَالِ غَيْبَتِهَا وَحُضُورِهَا أَيْضًا، وَمِنْهُ ارْتَجَعْتُكِ وَرَجَعْتُكِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَرَدَدْتُكِ وَمَسَكْتُكِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَفِي الْمُحِيطِ مَسَكْتُكِ بِمَنْزِلَةِ أَمْسَكْتُكِ وَهُمَا لُغَتَانِ، وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ يُشْتَرَطُ فِي رَدَدْتُكِ ذِكْرُ الصِّلَةِ فَيَقُولُ إلَيَّ، أَوْ إلَى نِكَاحِي أَوْ إلَى عِصْمَتِي وَهُوَ حَسَنٌ إذْ مُطْلَقُهُ يُسْتَعْمَلُ لِضِدِّ الْقَبُولِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَبِالْفِعْلِ) هَذَا لَيْسَ مِنْ الصَّرِيحِ وَلَا الْكِنَايَةِ لِأَنَّهُمَا مِنْ عَوَارِضِ اللَّفْظِ فَافْهَمْ، نَعَمْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْفِعْلَ فِي حُكْمِ الصَّرِيحِ لِثُبُوتِ الرَّجْعَةِ بِهِ مِنْ الْمَجْنُونِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: مَعَ الْكَرَاهَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهٌ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الْبَحْرِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ رَمْلِيٌّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ - عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِحُرْمَةِ الْوَطْءِ -: إنَّهُ عِنْدَنَا يَحِلُّ لِقِيَامِ مِلْكِ النِّكَاحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا يَزُولُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَكُونُ الْحِلُّ قَائِمًا قَبْلَ انْقِضَائِهَا. اهـ.
وَلَا يَرِدُ حُرْمَةُ السَّفَرِ بِهَا لِأَنَّ ذَاكَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَمَا يَأْتِي وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ: فِي الْفَتْحِ
стр. 1681
(بِكُلِّ مَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ) كَمَسٍّ وَلَوْ مِنْهَا اخْتِلَاسًا، أَوْ نَائِمًا، أَوْ مُكْرَهًا أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ مَعْتُوهًا إنْ صَدَّقَهَا هُوَ أَوْ وَرَثَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ جَوْهَرَةٌ وَرَجْعَةُ الْمَجْنُونِ بِالْفِعْلِ بَزَّازِيَّةٌ.
(وَ) تَصِحُّ (بِتَزَوُّجِهَا فِي الْعِدَّةِ) بِهِ يُفْتَى جَوْهَرَةٌ (وَوَطْئِهَا فِي الدُّبُرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ) لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ مَسٍّ بِشَهْوَةٍ
ــ
[رد المحتار]
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَاجِعَهَا بِالْقَوْلِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: بِكُلِّ مَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ) بَدَلٌ مِنْ " الْفِعْلِ " بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ ح أَيْ لِأَنَّ مِنْ الْفِعْلِ مَا لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ كَالتَّزَوُّجِ وَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَلِذَا عَطَفَهَا الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِهِ بِكُلِّ، فَلَيْسَ مُرَادُهُ الْحَصْرَ بِمَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ فَافْهَمْ، وَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْعَطْفِ يَصِحُّ كَوْنُهُ بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِنْ مُجْمَلٍ (قَوْلُهُ: كَمَسٍّ) أَيْ بِشَهْوَةٍ كَمَا فِي الْمِنَحِ، وَيُفِيدُهُ قَوْلُهُ: بِمَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ ح. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَدَخَلَ الْوَطْءُ، وَالتَّقْبِيلُ بِشَهْوَةٍ - عَلَى أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، فَمًا أَوْ خَدًّا، أَوْ ذَقَنًا، أَوْ جَبْهَةً، أَوْ رَأْسًا -، وَالْمَسُّ - بِلَا حَائِلٍ أَوْ بِحَائِلٍ يَجِدُ الْحَرَارَةَ مَعَهُ بِشَهْوَةٍ -، وَالنَّظَرُ إلَى دَاخِلِ الْفَرَجِ بِشَهْوَةٍ - بِأَنْ كَانَتْ مُتَّكِئَةً -، وَخَرَجَ مَا إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، أَوْ نَظَرَ إلَى دَاخِلِ الْفَرَجِ بِشَهْوَةٍ وَلَوْ إلَى حَلْقَةِ الدُّبُرِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُرَاجِعًا لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ. وَفِي الْقُنْيَةِ وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِوُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْمُرَاجَعَةِ. اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ: وَيُكْرَهُ التَّقْبِيلُ وَاللَّمْسُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ إذَا لَمْ يُرِدْ الرَّجْعَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْهَا اخْتِلَاسًا) خَلَسْت الشَّيْءَ خَلْسًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ: اخْتَطَفْته بِسُرْعَةٍ عَلَى غَفْلَةٍ وَاخْتَلَسْته كَذَلِكَ مِصْبَاحٌ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ التَّقْبِيلِ وَالْمَسِّ وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ مِنْهُ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يُصَدِّقَهَا سَوَاءٌ كَانَ بِتَمْكِينِهِ، أَوْ فَعَلَتْهُ اخْتِلَاسًا، أَوْ كَانَ نَائِمًا أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ مَعْتُوهًا، أَمَّا إذَا ادَّعَتْهُ وَأَنْكَرَهُ لَا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ إلَّا (قَوْلَهُ: إنْ صَدَّقَهَا إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: هَذَا إذَا صَدَّقَهَا الزَّوْجُ فِي الشَّهْوَةِ، فَإِنْ أَنْكَرَ لَا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ وَكَذَا إنْ مَاتَ فَصَدَّقَهَا الْوَرَثَةُ، وَلَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشَّهْوَةِ لِأَنَّهَا غَيْبٌ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. اهـ. قُلْت: لَكِنْ مَرَّ فِي مُحَرِّمَاتِ النِّكَاحِ مَتْنًا وَشَرْحًا: وَإِنْ ادَّعَتْ الشَّهْوَةَ فِي تَقْبِيلِهِ، أَوْ تَقْبِيلِهَا ابْنَهُ وَأَنْكَرَهَا الرَّجُلُ فَهُوَ مُصَدَّقٌ لَا هِيَ، إلَّا أَنْ يَقُومَ إلَيْهَا مُنْتَشِرَةً آلَتُهُ فَيُعَانِقَهَا لِقَرِينَةِ كَذِبِهِ، أَوْ يَأْخُذَ ثَدْيَهَا، أَوْ يَرْكَبَ مَعَهَا، أَوْ يَمَسَّهَا عَلَى الْفَرْجِ، أَوْ يُقَبِّلَهَا عَلَى الْفَمِ. اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَوْ مَسَّتْ فَرْجَهُ، أَوْ قَبَّلَتْهُ عَلَى الْفَمِ أَنْ تُصَدَّقَ وَإِنْ كَذَّبَهَا وَأَنَّهُ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشَّهْوَةِ لِأَنَّهَا مِمَّا تُعْرَفُ بِالْآثَارِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُنَاكَ وَيَأْتِي تَمَامُهُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَرَجْعَةُ الْمَجْنُونِ بِالْفِعْلِ) أَيْ إذَا طَلَّقَ رَجْعِيًّا ثُمَّ جُنَّ. قَالَ فِي الْفَتْحِ وَرَجْعَةُ الْمَجْنُونِ بِالْفِعْلِ وَلَا تَصِحُّ بِالْقَوْلِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ بِهِمَا. اهـ. وَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبَزَّازِيُّ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَعَلَّهُ الرَّاجِحُ لِمَا عُرِفَ أَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ دُونَ أَقْوَالِهِ. عَلَّلَهُ فِي الصَّيْرَفِيَّةِ بِأَنَّ الرِّضَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلِهَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الرَّجْعَةِ بِالْفِعْلِ يَصِحُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ بِتَزَوُّجِهَا) الْأَوْلَى حَذْفُ " تَصِحُّ " لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبِتَزَوُّجِهَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِكُلِّ الْمُتَعَلِّقِ بِقَوْلِهِ " اسْتِدَامَةُ " (قَوْلُهُ: بِهِ يُفْتَى) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِينَ إنَّهُ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ عِنْدَهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَعُلِمَ أَنَّ لَفْظَ النِّكَاحِ يُسْتَعَارُ لِلرَّجْعَةِ وَلَا تُسْتَعَارُ هِيَ لَهُ اهـ مُلَخَّصًا. قُلْت: وَفِيهِ أَنَّهُ صَرَّحَ نَفْسُهُ فِي النِّكَاحِ بِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ لِمُبَانَتِهِ: رَاجَعْتُكِ بِكَذَا فَافْهَمْ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ فِي نِكَاحِ الْأَجْنَبِيَّةِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُعْتَمَدِ) لِأَنَّ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ مَسٍّ بِشَهْوَةٍ) .
стр. 1682
(إنْ لَمْ يُطَلِّقْ بَائِنًا) فَإِنْ أَبَانَهَا فَلَا (وَإِنْ أَبَتْ) ، أَوْ قَالَ أَبْطَلْتُ رَجْعَتِي، أَوْ لَا رَجْعَةَ لِي فَلَهُ الرَّجْعَةُ بِلَا عِوَضٍ، وَلَوْ سَمَّى هَلْ يُجْعَلُ زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ؟ قَوْلَانِ وَيَتَعَجَّلُ الْمُؤَجَّلُ بِالرَّجْعِيِّ وَلَا يَتَأَجَّلُ بِرَجْعَتِهَا خُلَاصَةٌ. وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ: لَا يَكُونُ حَالًّا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ.
ــ
[رد المحتار]
الْمُعْتَبَرُ هُنَا الْمَسُّ بِالشَّهْوَةِ، بِخِلَافِ الْمُصَاهَرَةِ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ شَهْوَةً تَكُونُ سَبَبًا لِلْوَلَدِ وَلِذَا لَمْ يُوجِبْهَا ذَلِكَ الْوَطْءُ كَمَا لَوْ أَنْزَلَ بَعْدَ الْمَسِّ وَلِذَا لَمْ يَشْرُطْ أَحَدٌ هُنَا عَدَمَ الْإِنْزَالِ بِالْمَسِّ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُطَلِّقْ بَائِنًا) هَذَا بَيَانٌ لِشَرْطِ الرَّجْعَةِ، وَلَهَا شُرُوطٌ خَمْسٌ تُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ
قُلْت: هِيَ أَنْ لَا يَكُونَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا فِي الْحُرَّةِ، أَوْ ثِنْتَيْنِ فِي الْأَمَةِ وَلَا وَاحِدَةً مُقْتَرِنَةً بِعِوَضٍ مَالِيٍّ وَلَا بِصِفَةٍ تَنْبِئُ عَنْ الْبَيْنُونَةِ - كَطَوِيلَةٍ، أَوْ شَدِيدَةٍ -، وَلَا مُشَبَّهَةً كَطَلْقَةٍ مِثْلِ الْجَبَلِ، وَلَا كِنَايَةً يَقَعُ بِهَا بَائِنٌ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرْطَ وَاحِدٌ هُوَ كَوْنُ الطَّلَاقِ رَجْعِيًّا، وَهَذِهِ شُرُوطُ كَوْنِهِ رَجْعِيًّا مَتَى فُقِدَ مِنْهَا شَرْطٌ كَانَ بَائِنًا كَمَا أَوْضَحْنَاهُ أَوَّلَ كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ يُطَلِّقْ بَائِنًا، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْكَنْزِ إنْ لَمْ يُطَلِّقْ ثَلَاثًا، لَكِنْ قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا مَعَ قَوْلِهِ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ الْقَائِمِ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْبَائِنَ لَيْسَ فِيهِ مِلْكٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْكَلَامُ فِي الرَّجْعِيِّ لَا فِي الْبَائِنِ، فَقَدْ غَفَلَ أَكْثَرُهُمْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ اهـ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُسَاهَلَةَ فِي الْعِبَارَةِ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ لَا بَأْسَ بِهَا فِي مَقَامِ الْإِفَادَةِ. [تَنْبِيهٌ]
شَرْطُ كَوْنِ الثِّنْتَيْنِ فِي الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ فِي الْحُرَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ رِقًّا ثَابِتًا بِإِقْرَارِهَا بَعْدَهُمَا. فَفِي النَّهْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: لَوْ كَانَ اللَّقِيطُ امْرَأَةً أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ لِآخَرَ بَعْدَمَا طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ كَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَلَوْ بَعْدَ مَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَا يَمْلِكُهَا وَالْفَرْقُ أَنَّهَا بِإِقْرَارِهَا فِي الْأَوَّلِ تُبْطِلُ حَقًّا ثَابِتًا لَهُ وَهُوَ الرَّجْعَةُ، بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِي إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ أَلْبَتَّةَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَلَا) أَيْ فَلَا رَجْعَةَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَبَتْ) أَيْ سَوَاءٌ رَضِيَتْ بَعْدَ عِلْمِهَا، أَوْ أَبَتْ وَكَذَا لَوْ لَمْ تَعْلَمْ بِهَا أَصْلًا. وَمَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إعْلَامُ الْغَائِبَةِ بِهَا فَسَهْوٌ لِمَا اسْتَقَرَّ مِنْ أَنَّ إعْلَامَهَا إنَّمَا هُوَ مَنْدُوبٌ فَقَطْ نَهْرٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا " قَالَتْ " بِتَاءِ الْمُؤَنَّثَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحْرِيفٌ (قَوْلُهُ: فَلَهُ الرَّجْعَةُ) لِأَنَّهُ حُكْمٌ أَثْبَتَهُ الشَّارِعُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِرِضَاهَا، وَلَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ كَالْمِيرَاثِ، وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِحُ " إنْ " الْوَصْلِيَّةَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ شَرْطِيَّةً، وَجَعَلَ قَوْلَهُ فَلَهُ الرَّجْعَةُ جَوَابَهَا ط وَيَجُوزُ إبْقَاؤُهَا وَصْلِيَّةً وَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَلَهُ الرَّجْعَةُ تَفْرِيعًا عَلَى مَا فُهِمَ قَبْلَهُ وَتَصْرِيحًا بِهِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: بِلَا عِوَضٍ) قَدْ قَدَّمْنَا، وَكَأَنَّهُ أَعَادَهُ تَمْهِيدًا لِمَا بَعْدَهُ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) أَيْ قِيلَ: نَعَمْ قُبِلَتْ وَقِيلَ: لَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَوَجْهُ الثَّانِي مَا فِي الْجَوْهَرَةِ مِنْ أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ وَالْعِوَضُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَيَتَعَجَّلُ الْمُؤَجَّلُ بِالرَّجْعِيِّ) أَيْ لَوْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا صَارَ مَا كَانَ مُؤَجَّلًا بِذِمَّتِهِ مِنْ الْمَهْرِ حَالًّا فَتُطَالِبُهُ بِهِ فِي الْحَالِ وَلَوْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَا يَعُودُ مُؤَجَّلًا إذَا رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ مِنْ بَابِ الْمَهْرِ: يَعْنِي إذَا كَانَ التَّأْجِيلُ إلَى الطَّلَاقِ، أَمَّا إذَا كَانَ إلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ يَتَعَجَّلُ بِالطَّلَاقِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ مِنْ بَابِ الْمَهْرِ: وَذَكَرَ قَوْلَيْنِ فِي الْفَتَاوَى الصَّيْرَفِيَّةِ فِي كَوْنِهِ يَتَعَجَّلُ الْمُؤَجَّلُ بِالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ مُطْلَقًا أَوْ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَجَزَمَ فِي الْقُنْيَةِ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، قَالَ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا اهـ أَيْ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَأْجِيلُهُ إلَى طَلَاقٍ يُزِيلُ الْمِلْكَ أَوْ إلَى الْمَوْتِ، وَالرَّجْعِيُّ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ فَلَا يَصِيرُ حَالًّا قَبْلَهَا، وَقَدْ ظَهَرَ لَك بِمَا نَقَلْنَاهُ أَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الصَّيْرَفِيَّةِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ مَا يُفِيدُ حُلُولَهُ بِالْمُرَاجَعَةِ وَإِنْ بَطَلَتْ الْعِدَّةُ بِهَا لِأَنَّ الْقَوْلَ بِحُلُولِهِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِسَبَبِ حُصُولِ الْفُرْقَةِ.
стр. 1683
(وَنُدِبَ إعْلَامُهَا بِهَا) لِئَلَّا تَنْكِحَ غَيْرَهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ، فَإِنْ نَكَحَتْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ دَخَلَ شُمُنِّيٌّ.
(وَنُدِبَ الْإِشْهَادُ) بِعَدْلَيْنِ وَلَوْ بَعْدَ الرَّجْعَةِ بِالْفِعْلِ (وَ) نُدِبَ (عَدَمُ دُخُولِهِ بِلَا إذْنِهَا عَلَيْهَا) لِتَتَأَهَّبَ وَإِنْ قَصَدَ رَجْعَتَهَا لِكَرَاهَتِهَا بِالْفِعْلِ كَمَا مَرَّ.
(ادَّعَاهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ فِيهَا) بِأَنْ قَالَ كُنْتُ رَاجَعْتُكِ فِي عِدَّتِكِ (فَصَدَّقَتْهُ صَحَّ) بِالْمُصَادَقَةِ (وَإِلَّا لَا) يَصِحُّ إجْمَاعًا (وَ) كَذَا (لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بَعْدَ الْعِدَّةِ أَنَّهُ قَالَ فِي عِدَّتِهَا قَدْ رَاجَعْتُهَا، أَوْ) أَنَّهُ (قَالَ: قَدْ جَامَعْتُهَا)
ــ
[رد المحتار]
وَزَوَالِ الْمِلْكِ كَمَا قُلْنَا لَا بِسَبَبِ زَوَالِ الْعِدَّةِ، وَمَعَ الْمُرَاجَعَةِ لَا يُوجَدُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ الْمَشْرُوطُ لِحُلُولِهِ لِأَنَّ فَائِدَةَ هَذَا الشَّرْطِ عَدَمُ حُلُولِهِ بِالْمُرَاجَعَةِ لَا حُلُولُهُ بِهَا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا تَنْكِحَ غَيْرَهُ) أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْهِدَايَةِ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الْمَعْصِيَةِ إذْ لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهَا بِالرَّجْعَةِ وَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لِتَقْصِيرِهَا بِتَرْكِ السُّؤَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيجَابِ السُّؤَالِ عَلَيْهَا، وَإِثْبَاتَ الْمَعْصِيَةِ بِالْعَمَلِ لِمَا ظَهَرَ عِنْدَهَا، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ إذَا ثَبَتَتْ الْمُرَاجَعَةُ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ دَخَلَ: أَيْ الزَّوْجُ الثَّانِي، وَقَوْلُهُ: فِي الْفَتْحِ دَخَلَ بِهَا الْأَوَّلُ أَوَّلًا لَعَلَّهُ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ، أَوْ سَبْقُ قَلَمٍ إذْ لَا رَجْعَةَ مَعَ عَدَمِ دُخُولِ الْأَوَّلِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ الْإِشْهَادُ) احْتِرَازًا عَنْ التَّجَاحُدِ وَعَنْ الْوُقُوعِ فِي مَوَاقِعِ التُّهَمِ لِأَنَّ النَّاسَ عَرَفُوهُ مُطَلِّقًا فَيُتَّهَمُ بِالْقُعُودِ مَعَهَا، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ صَحَّ، وَالْأَمْرُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [الطلاق: ٢] لِلنَّدْبِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ الرَّجْعَةِ بِالْفِعْلِ) لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَإِذَا رَاجَعَهَا بِقَلْبِهِ، أَوْ لَمْسٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُرَاجِعَهَا بِالْإِشْهَادِ ثَانِيًا اهـ أَيْ الْإِشْهَادِ عَلَى الْقَوْلِ، فَلَا يُشْهِدُ عَلَى الْوَطْءِ وَالْمَسِّ وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لِلشَّاهِدِ بِهَا كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الظَّهِيرِيَّةِ دُرٌّ مُنْتَقًى.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: سُنِّيٍّ وَبِدْعِيٍّ. فَالسُّنِّيُّ أَنْ يُرَاجِعَهَا بِالْقَوْلِ وَيُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا وَيُعْلِمَهَا، وَلَوْ رَاجَعَهَا بِالْقَوْلِ وَلَمْ يُشْهِدْ أَوْ أَشْهَدَ وَلَمْ يُعْلِمْهَا كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. قُلْت: وَكَذَا لَوْ رَاجَعَهَا بِالْفِعْلِ وَلَمْ يُشْهِدْ ثَانِيًا. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَالْبِدْعِيُّ هُنَا خِلَافُ الْمَنْدُوبِ وَفِي الطَّلَاقِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا (قَوْلُهُ: بِلَا إذْنِهَا) حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ بِلَا إيذَانِهَا: أَيْ إعْلَامِهَا إذْ لَا يُكْرَهُ دُخُولُهُ إذَا لَمْ تَأْذَنْ لَهُ. وَعِبَارَةُ الْكَنْزِ حَتَّى يُؤْذِنَهَا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: أَيْ يُعْلِمَهَا بِدُخُولِهِ إمَّا بِخَفْقِ النَّعْلِ، أَوْ بِالتَّنَحْنُحِ أَوْ بِالنِّدَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَصَدَ رَجْعَتَهَا) خِلَافًا لِمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ قَصْدِهَا، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا قَصَدَ رَجْعَتَهَا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَرَى الْفَرْجَ بِشَهْوَةٍ فَتَكُونَ رَجْعَةً بِالْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، بِأَنْ يَصِيرَ مُرَاجِعًا بِالنَّظَرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ثُمَّ يُطَلِّقَهَا وَذَلِكَ إضْرَارٌ بِهَا اهـ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَتَيْنِ أَيْ لِكَوْنِهَا رَجْعَةً بِالْفِعْلِ وَبِدُونِ إشْهَادٍ وَالْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ فِيهِمَا كَمَا عَلِمْتَ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: ادَّعَاهَا) أَيْ الرَّجْعَةَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فِيهَا أَيْ فِي الْعِدَّةِ وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِادَّعَى، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالضَّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَى الرَّجْعَةِ أَيْ ادَّعَى بَعْدَ الْعِدَّةِ الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَمَا هُوَ بِالْحَدِيثِ الْمُتَرْجَمِ
أَيْ وَمَا الْحَدِيثُ عَنْهَا (قَوْلُهُ: صَحَّ بِالْمُصَادَقَةِ) لِأَنَّ النِّكَاحَ يَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمَا فَالرَّجْعَةُ أَوْلَى بَحْرٌ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَا كَاذِبَيْنِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا حُكْمُ الْقَضَاءِ، أَمَّا الدِّيَانَةُ فَعَلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا يَصِحُّ) أَيْ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الرَّجْعَةِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فِي الْحَالِ وَهِيَ تُنْكِرُهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ لَهَا بِلَا يَمِينٍ لِمَا عُرِفَ فِي الْأَشْيَاءِ بَحْرٌ: أَيْ الْآتِيَةِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى حَيْثُ قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ: وَلَا تَحْلِيفَ فِي نِكَاحٍ وَرَجْعَةٍ وَفِي إيلَاءٍ وَاسْتِيلَادٍ وَرِقٍّ وَنَسَبٍ وَوَلَاءٍ وَحَدٍّ وَلِعَانٍ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يُحَلَّفُ فِي الْأَشْيَاءِ السَّبْعَةِ اهـ أَيْ السَّبْعَةِ الْأُولَى، وَهَذَا قَوْلُهُمَا أَمَّا الْأَخِيرَانِ فَلَا تَحْلِيفَ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ لِكَوْنِهِ لَا يُقْبَلُ.
стр. 1684
وَتَقَدَّمَ قَبُولُهَا عَلَى نَفْسِ اللَّمْسِ وَالتَّقْبِيلِ فَلْيُحْفَظْ (كَانَ رَجْعَةً) لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْمَسَائِلِ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ إقْرَارُهُ بِإِقْرَارِهِ بَلْ بِالْبَيِّنَةِ (كَمَا لَوْ قَالَ فِيهَا كُنْت رَاجَعْتُكِ أَمْسِ) فَإِنَّهَا تَصِحُّ (وَإِنْ كَذَّبَتْهُ) لِمِلْكِهِ الْإِنْشَاءَ فِي الْحَالِ (بِخِلَافِ) قَوْلِهِ لَهَا (رَاجَعْتُكِ) يُرِيدُ الْإِنْشَاءَ (فَقَالَتْ) عَلَى الْفَوْرِ (مُجِيبَةً لَهُ قَدْ مَضَتْ عِدَّتِي) فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ لِمُقَارَنَتِهَا لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، حَتَّى لَوْ سَكَتَتْ ثُمَّ أَجَابَتْ صَحَّتْ اتِّفَاقًا كَمَا لَوْ نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ عَنْ مُضِيِّ الْعِدَّةِ.
(قَالَ زَوْجُ الْأَمَةِ - بَعْدَهَا -:) أَيْ الْعِدَّةِ (رَاجَعْتُهَا فِيهَا فَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ وَكَذَّبَتْهُ) الْأَمَةُ وَلَا بَيِّنَةَ (أَوْ قَالَتْ: مَضَتْ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ إذَا لَمْ تُصَدِّقْهُ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً تُقْبَلُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَوْلُ لَهَا تَكُونُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لِإِثْبَاتِ خِلَافِ الظَّاهِرِ وَفِي نُسْخَةٍ وَكَذَا بِالْكَافِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحَتَانِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ إلَخْ) أَيْ فَصْلُ الْمُحَرَّمَاتِ ح حَيْثُ قَالَ وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِاللَّمْسِ وَالتَّقْبِيلِ عَنْ شَهْوَةٍ، وَكَذَا تُقْبَلُ عَلَى نَفْسِ اللَّمْسِ وَالتَّقْبِيلِ وَالنَّظَرِ إلَى ذَكَرِهِ، أَوْ فَرْجِهَا عَنْ شَهْوَةٍ فِي الْمُخْتَارِ تَجْنِيسٌ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ رُبَّمَا يُوقَفُ عَلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ بِانْتِشَارٍ أَوْ آثَارٍ اهـ وَقَدَّمْنَا قَرِيبًا أَنَّ الْقَوْلَ لِمُدَّعِي الشَّهْوَةِ فِي الْمُعَانَقَةِ مَعَ الِانْتِشَارِ وَالْمَسِّ لِلْفَرْجِ وَالتَّقْبِيلِ عَلَى الْفَمِ وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ بِالشَّهْوَةِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْمَسَائِلِ إلَخْ) نَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ مَبْسُوطِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ أَيْ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ لَك رَجُلٌ أَقَرَّ بِشَيْءٍ فِي الْحَالِ فَلَمْ يَثْبُتْ إقْرَارُهُ وَلَوْ بَرْهَنَ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ فِي الْمَاضِي يَثْبُتُ فَإِنَّكَ تَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي الْحَالِ ثَابِتٌ بِالْمُعَايَنَةِ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ كَاذِبَةٌ، وَلِذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ بِمَالٍ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهِ بَطَلَتْ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى وَهُنَا عَكَسُوا ذَلِكَ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ إقْرَارَهُ فِي الْحَالِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ فِي الْعِدَّةِ مُجَرَّدُ دَعْوَى فَلَا تَثْبُتُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَإِذَا ظَهَرَ السَّبَبُ بَطَلَ الْعَجَبُ، فَإِطْلَاقُ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَا عَجَبَ نَاشِئٌ عَنْ سُوءِ الْأَدَبِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: لِمِلْكِهِ الْإِنْشَاءَ فِي الْحَالِ إلَخْ) أَيْ وَمَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِخْبَارَ كَالْوَصِيِّ وَالْمَوْلَى وَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَمَنْ لَهُ الْخِيَارُ بَحْرٌ عَنْ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ (قَوْلُهُ: يُرِيدُ الْإِنْشَاءَ) أَمَّا إذَا أَرَادَ الْإِخْبَارَ فَيُرْجَعُ إلَى تَصْدِيقِهَا ط.
(قَوْلُهُ: فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُ) أَشَارَ إلَى أَنَّهَا قَالَتْهُ مَوْصُولًا كَمَا يَأْتِي مُحْتَرَزُهُ وَإِلَى أَنَّ الزَّوْجَ بَدَأَ، فَلَوْ بَدَأَتْ فَقَالَتْ انْقَضَتْ عِدَّتِي فَقَالَ الزَّوْجُ رَاجَعْتُكِ فَالْقَوْلُ لَهَا اتِّفَاقًا وَفِي الْفَتْحِ: لَوْ وَقَعَ الْكَلَامَانِ مَعًا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَثْبُتَ الرَّجْعَةُ نَهْرٌ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ تَحْتَمِلُ الِانْقِضَاءَ وَإِلَّا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ إلَّا إنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا وَلَدَتْ وَثَبَتَ ذَلِكَ. وَعِنْدَهُمَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ حَالَ قِيَامِ الْعِدَّةِ ظَاهِرًا وَأَبُو حَنِيفَةَ يَمْنَعُ قِيَامَهَا حَالَ كَلَامِهِ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي الْإِخْبَارِ، وَأَقْرَبُ زَمَانٍ يُحَالُ عَلَيْهِ خَبَرُهَا زَمَانُ تَكَلُّمِهِ فَتَكُونُ الرَّجْعَةُ مُقَارِنَةً لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا تَصِحُّ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: صَحَّتْ اتِّفَاقًا) لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ بِسَبَبِ سُكُوتِهَا وَعَدَمِ جَوَابِهَا عَلَى الْفَوْرِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ نَكَلَتْ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَتُسْتَحْلَفُ الْمَرْأَةُ هُنَا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ عِدَّتَهَا مُنْقَضِيَةٌ حَالَ إخْبَارِهَا وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الرَّجْعَةِ حَيْثُ لَا تُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُ؛ أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا فِي الْعِدَّةِ: أَنَّ إلْزَامَ الْيَمِينِ لِفَائِدَةِ النُّكُولِ وَهُوَ بَذْلٌ عِنْدَهُ وَبَذْلُ الرَّجْعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ لَا يَجُوزُ وَالْعِدَّةُ هِيَ الِامْتِنَاعُ عَنْ التَّزَوُّجِ وَالِاحْتِبَاسُ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ وَبَذْلُهُ جَائِزٌ، ثُمَّ إذَا نَكَلَتْ هُنَا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْعِدَّةِ لِنُكُولِهَا ضَرُورَةً كَثُبُوتِ النَّسَبِ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ بِنَاءً عَلَى شَهَادَتِهَا بِالْوِلَادَةِ اهـ لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ تَبَعًا لِلزَّيْلَعِيِّ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ اعْتَرَضَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ مَذْهَبَهُمَا صِحَّةُ الرَّجْعَةِ هُنَا فَلَا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِخْلَافُ عِنْدَهُمَا، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِحْلَافِ عِنْدَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: عَنْ مُضِيِّ الْعِدَّةِ) الْأَوْلَى عَلَى مُضِيِّ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْيَمِينِ ط.
(قَوْلُهُ: فَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ وَكَذَّبَتْهُ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُمَا لَوْ صَدَّقَاهُ تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ كَذَّبَاهُ لَا تَثْبُتُ اتِّفَاقًا ط عَنْ النَّهْرِ (قَوْلُهُ: وَلَا بَيِّنَةَ) فَلَوْ أَقَامَهَا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ.
стр. 1685
عِدَّتِي وَأَنْكَرَ) الزَّوْجُ وَالْمَوْلَى (فَالْقَوْلُ لَهَا) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ (فَلَوْ كَذَّبَهُ الْمَوْلَى وَصَدَّقَتْهُ الْأَمَةُ فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلْمَوْلَى عَلَى الصَّحِيحِ لِظُهُورِ مِلْكِهِ فِي الْبُضْعِ فَلَا يُمْكِنُهَا إبْطَالُهُ.
(قَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي ثُمَّ قَالَتْ: لَمْ تَنْقَضِ كَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ) لِإِخْبَارِهَا بِكَذِبِهَا فِي حَقٍّ عَلَيْهَا شُمُنِّيٌّ، ثُمَّ إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ لَوْ بِالْحَيْضِ لَا بِالسِّقْطِ، وَلَهُ تَحْلِيفُهَا أَنَّهُ مُسْتَبِينُ الْخَلْقِ، وَلَوْ بِالْوِلَادَةِ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلَوْ حُرَّةً فَتْحٌ.
(وَتَنْقَطِعُ) الرَّجْعَةُ (إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ الْأَخِيرِ) يَعُمُّ الْأَمَةَ (لِعَشَرَةِ) أَيَّامٍ مُطْلَقًا (وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَلِأَقَلَّ لَا) تَنْقَطِعُ (حَتَّى تَغْتَسِلَ) وَلَوْ بِسُؤْرِ حِمَارٍ لِاحْتِمَالِ طَهَارَتِهِ مَعَ وُجُودِ الْمُطْلَقِ، لَكِنْ لَا تُصَلِّي لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ وَلَا تَتَزَوَّجُ احْتِيَاطًا (أَوْ بِمُضِيِّ) جَمِيعِ (وَقْتِ الصَّلَاةِ) فَتَصِيرَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، وَلَوْ عَاوَدَهَا وَلَمْ يُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ فَلَهُ الرَّجْعَةُ (أَوْ) حَتَّى (تَتَيَمَّمَ) عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ (وَتُصَلِّيَ) وَلَوْ نَفْلًا صَلَاةً تَامَّةً
ــ
[رد المحتار]
نَهْرٌ (قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لَهَا عِنْدَ الْإِمَامِ) وَقَالَا: الْقَوْلُ لِلْمَوْلَى لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ فَيُقْبَلُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ. وَلَهُ أَنَّ حُكْمَ الرَّجْعَةِ مِنْ الصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْعِدَّةِ مِنْ قِيَامِهَا وَانْقِضَائِهَا وَهِيَ أَمِينَةٌ فِيهَا مُصَدَّقَةٌ بِالْإِخْبَارِ بِالِانْقِضَاءِ وَالْبَقَاءِ لَا قَوْلَ لِلْمَوْلَى فِيهَا أَصْلًا، وَإِنَّمَا قُبِلَ قَوْلُهُ: فِي النِّكَاحِ لِانْفِرَادِهِ بِهِ، بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ) أَيْ عِنْدَ الْكُلِّ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّ الْقَوْلَ لِلْمَوْلَى بِالِاتِّفَاقِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ احْتِرَازٌ عَمَّا فِي الْيَنَابِيعِ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ: لِظُهُورِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْفَرْقُ لِلْإِمَامِ بَيْنَ هَذَا وَمَا مَرَّ أَنَّهَا مُنْقَضِيَةُ الْعِدَّةِ فِي الْحَالِ، وَيَسْتَلْزِمُ ظُهُورُ مِلْكِ الْمَوْلَى الْمُتْعَةَ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي إبْطَالِهِ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِالتَّصْدِيقِ فِي الرَّجْعَةِ مُقِرٌّ بِقِيَامِ الْعِدَّةِ فَلَا يَظْهَرُ مِلْكُهُ مَعَ الْعِدَّةِ لِيُقْبَلَ قَوْلُهُ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ عَدَمُ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَ التَّصْوِيرُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ) يَعْنِي أَنَّ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُهَا " انْقَضَتْ عِدَّتِي ": لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُدَّةِ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّمَا يُشْتَرَطُ احْتِمَالُ الْمُدَّةِ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْحَيْضِ فَلَوْ كَانَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَلَوْ سِقْطًا مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ فَلَا تُشْتَرَطُ مُدَّةٌ اهـ ح وَسَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ بَيَانُ الْمُدَّةِ.
(قَوْلُهُ: يَعُمُّ الْأَمَةَ) لِأَنَّ عِدَّتَهَا حَيْضَتَانِ وَالْأَخِيرُ يَشْمَلُ الثَّانِيَةَ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ (قَوْلُهُ: لِعَشَرَةِ) عِلَّةٌ لَ طَهُرَتْ أَيْ لِأَجْلِ تَمَامِهَا سَوَاءٌ انْقَطَعَ الدَّمُ، أَوْ لَا نَهْرٌ لَكِنْ إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الْعَشَرَةِ وَلَهَا عَادَةٌ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ مِنْ حِينِ انْتِهَاءِ عَادَتِهَا كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ: انْقَطَعَ الدَّمُ، أَوْ لَا، فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ النَّهْرِ (قَوْلُهُ: احْتِيَاطًا) رَاجِعٌ لِلْكُلِّ لِأَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِي طَهُورِيَّتِهِ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ بِهِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَالِاحْتِيَاطُ انْقِطَاعُ الرَّجْعَةِ - لِاحْتِمَالِ تَطْهِيرِهِ -، وَعَدَمُ الصَّلَاةِ وَالتَّزَوُّجِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ يَمْضِيَ جَمِيعُ وَقْتِ الصَّلَاةِ) الْمُرَادُ خُرُوجُ الْوَقْتِ بِتَمَامِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الِانْقِطَاعُ قَبْلَهُ فِي وَقْتٍ مُهْمَلٍ كَوَقْتِ الشُّرُوقِ، أَوْ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ احْتِرَازٌ عَنْ مُضِيِّ زَمَنٍ مِنْهُ يَسَعُ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ بِتَمَامِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ تَصِيرَ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، وَلِهَذَا لَوْ طَهُرَتْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يَسَعُ الْغُسْلَ وَالتَّحْرِيمَةَ لَا تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ الَّذِي بَعْدَهُ لِأَنَّهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ لَمْ تَصِرْ الصَّلَاةُ دَيْنًا بِذِمَّتِهَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهَا فِيهِ عَلَى الْأَدَاءِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَاوَدَهَا إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِنَّمَا شُرِطَ فِي الْأَقَلِّ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ عَوْدَ الدَّمِ لِبَقَاءِ الْمُدَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَقَوَّى الِانْقِطَاعُ بِحَقِيقَةِ الِاغْتِسَالِ، أَوْ بِلُزُومِ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ، فَخَرَجَتْ الْكِتَابِيَّةُ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَقَّعُ فِي حَقِّهَا أَمَارَةٌ زَائِدَةٌ فَاكْتُفِيَ بِالِانْقِطَاعِ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَاطِعَ لِلرَّجْعَةِ الِانْقِطَاعُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مُحَقَّقٍ اُشْتُرِطَ مَعَهُ مَا يُحَقِّقُهُ فَأَفَادَ أَنَّهَا لَوْ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ عَادَ الدَّمُ وَلَمْ يُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ كَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَمْ تَنْقَطِعْ بِالْغُسْلِ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ لِلْأَقَلِّ قَبْلَ الْغُسْلِ.
следующие страницы →