Полный текст (4 257 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
كُلُّ مَنْ حَكَى أَمْرًا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، إنْ فِيهِ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَيْرِ لَا يُصَدَّقُ وَإِنْ فِيهِ نَفْيُ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ صُدِّقَ انْتَهَى فَلْيُحْفَظْ هَذَا الضَّابِطُ. (وَيُضْمَنُ بِالتَّعَدِّي) وَهَذَا حُكْمُ الْأَمَانَاتِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: التَّقْيِيدُ بِالْمَكَانِ صَحِيحٌ، فَلَوْ قَالَ لَا تُجَاوِزْ خُوَارِزْمَ فَجَاوَزَ ضَمِنَ حِصَّةَ شَرِيكِهِ، وَفِي الْأَشْبَاهِ: نَهَى أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ عَنْ الْخُرُوجِ وَعَنْ بَيْعِ النَّسِيئَةِ جَازَ
(كَمَا يَضْمَنُ الشَّرِيكُ) عِنَانًا أَوْ مُفَاوَضَةً بَحْرٌ (بِمَوْتِهِ مُجَهِّلًا نَصِيبَ صَاحِبِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْقَوْلُ بِخِلَافِهِ غَلَطٌ كَمَا فِي الْوَقْفِ مِنْ الْخَانِيَّةِ وَسَيَجِيءُ فِي الْوَدِيعَةِ خِلَافًا لِلْأَشْبَاهِ.
[فُرُوعٌ] فِي الْمُحِيطِ: قَدْ وَقَعَ حَادِثَتَانِ: الْأُولَى نَهَاهُ عَنْ الْبَيْعِ نَسِيئَةً فَبَاعَ، فَأَجَبْت بِنَفَاذِهِ فِي حِصَّتِهِ، وَتَوَقَّفَ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ، فَإِنْ أَجَازَ فَالرِّبْحُ لَهُمَا. -
ــ
[رد المحتار]
فِيمَا يَحْكِي يَنْفِي الضَّمَانَ عَنْ نَفْسِهِ فَصُدِّقَ، وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ فِيمَا يَحْكِي يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمَيِّتِ وَهُوَ ضَمَانُ مِثْلِ الْمَقْبُوضِ فَلَا يُصَدَّقُ اهـ.
مَطْلَبٌ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ دَفَعْت الْمَالَ بَعْدَ مَوْتِ الشَّرِيكِ أَوْ الْمُوَكِّلِ قُلْت: أَيْ إنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا قَالَ قَبَضْته مِنْ الْمَدْيُونِ وَهَلَكَ عِنْدِي أَوْ قَالَ دَفَعْته لِلْمُوَكِّلِ الْمَيِّتِ لَا يُصَدَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَرَاءَةِ الْمَدْيُونِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إلْزَامَ الضَّمَانِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَإِنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيَثْبُتُ لِلْمَدْيُونِ بِذِمَّةِ الدَّائِنِ مِثْلُ مَا لِلدَّائِنِ بِذِمَّتِهِ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَكِيلِ نَفْسِهِ فَيُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَبِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ لَمْ تَرْتَفِعْ أَمَانَتُهُ، وَإِنْ بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ فَلَا يَضْمَنُ مَا قَبَضَهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمَدْيُونُ، وَقَدْ أَوْضَحَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْخَيْرِيَّةِ أَوَّلَ كِتَابِ الْوَكَالَةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: كُلُّ مَنْ حَكَى أَمْرًا إلَخْ) فَإِنَّ الْوَكِيلَ هُنَا حَكَى أَمْرًا وَهُوَ قَبْضُ الْوَدِيعَةِ أَوْ الدَّيْنِ فِي حَيَاةِ الْمُوَكِّلِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَكِّلِ: أَيْ لَوْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْ فِي حَيَاتِهِ وَأَرَادَ اسْتِئْنَافَ الْقَبْضِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ عَنْ الْوَكَالَةِ.
(قَوْلُهُ: التَّقْيِيدُ بِالْمَكَانِ صَحِيحٌ إلَخْ) ظَاهِرُ التَّفْرِيعِ أَنَّ التَّنْصِيصِ عَلَى الْمَكَانِ بِلَا نَهْيٍ لَا يَكُونُ تَقْيِيدًا، وَعِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ بِالتَّقْيِيدِ بِالْمَكَانِ صَحِيحٌ، حَتَّى لَوْ قَالَ اُخْرُجْ إلَى خُوَارِزْمَ وَلَا تُجَاوِزْهُ صَحَّ، فَلَوْ جَاوَزَهُ ضَمِنَ. وَفِي الْجَوْهَرَةِ مِنْ الْمُضَارَبَةِ: وَأَلْفَاظُ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ أَنْ يَقُولَ: خُذْ هَذَا مُضَارَبَةً بِالنَّصِّ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ بِهِ فِي الْكُوفَةِ أَوْ فَاعْمَلْ بِهِ فِي الْكُوفَةِ أَمَّا إذَا قَالَ وَاعْمَلْ بِهِ فِي الْكُوفَةِ بِالْوَاوِ لَا يَكُونُ تَقْيِيدًا فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْوَاوَ حَرْفُ عَطْفٍ وَمَشُورَةٍ وَلَيْسَتْ مِنْ حُرُوفِ الشَّرْطِ. اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّنْصِيصِ لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ يُفِيدُ التَّقْيِيدَ كَالشَّرْطِ وَكَالنَّهْيِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْأَشْبَاهِ إلَخْ) أَعَمُّ مِنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا إذَا نَهَاهُ عَنْهُ شَرِيكُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ (قَوْلُهُ: جَازَ) أَيْ النَّهْيُ.
(قَوْلُهُ: بِمَوْتِهِ مُجَهِّلًا إلَخْ) فِي حَاوِي الزَّاهِدِيِّ: مَاتَ الشَّرِيكُ وَمَالُ الشَّرِكَةِ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ بَلْ مَاتَ مُجَهِّلًا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ مَاتَ مُجَهِّلًا لِلْعَيْنِ اهـ أَيْ عَيْنِ مَالِ الشَّرِكَةِ الَّذِي فِي يَدِهِ وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ الْأَمَانَاتِ، لَكِنْ إذَا عَلِمَ أَنَّ وَارِثَهُ يَعْلَمُهَا لَا يَضْمَنُ؛ وَلَوْ ادَّعَى الْوَارِثُ الْعِلْمَ وَأَنْكَرَ الطَّالِبُ فَإِنْ فَسَّرَهَا الْوَارِثُ وَقَالَ: هِيَ كَذَا وَهَلَكَتْ صُدِّقَ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ (قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ بِخِلَافِهِ غَلَطٌ) وَهُوَ عَدَمُ تَضْمِينِ الْمُفَاوِضِ (قَوْلُهُ: وَسَيَجِيءُ فِي الْوَدِيعَةِ) سَيَجِيءُ هُنَاكَ بِضْعُ عَشَرَةَ مَوْضِعًا يَضْمَنُ فِيهَا الْأَمِينُ بِمَوْتِهِ مُجَهِّلًا (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْأَشْبَاهِ) حَيْثُ جَرَى فِي كِتَابِ الْأَمَانَاتِ عَلَى مَا هُوَ الْغَلَطُ.
[فُرُوعٌ فِي الشَّرِكَة]
(قَوْلُهُ فِي الْمُحِيطِ) صَوَابُهُ فِي الْبَحْرِ: فَإِنَّ الْحَادِثَتَيْنِ وَقَعَتَا لِصَاحِبِ الْبَحْرِ سُئِلَ عَنْهُمَا وَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ أَرَ فِيهِمَا إلَّا مَا قَدَّمْتُهُ: أَيْ مَا مَرَّ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَجَازَ فَالرِّبْحُ لَهُمَا)
стр. 2452
الثَّانِيَةُ نَهَاهُ عَنْ الْإِخْرَاجِ فَخَرَجَ ثُمَّ رَبِحَ، فَأَجَبْت أَنَّهُ غَاصِبٌ حِصَّةَ شَرِيكِهِ بِالْإِخْرَاجِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الرِّبْحُ عَلَى الشَّرْطِ انْتَهَى، وَمُقْتَضَاهُ فَسَادُ الشَّرِكَةِ نَهْرٌ.
وَفِيهِ: وَتَفَرَّعَ عَلَى كَوْنِهِ أَمَانَةً مَا سُئِلَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ عَمَّنْ طَلَبَ مُحَاسَبَةَ شَرِيكِهِ فَأَجَابَ لَا يَلْزَمُ بِالتَّفْصِيلِ
وَمِثْلُهُ الْمُضَارِبُ وَالْوَصِيُّ وَالْمُتَوَلِّي نَهْرٌ، وَقُضَاةُ زَمَانِنَا لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ بِالْمُحَاسَبَةِ إلَّا الْوُصُولُ إلَى سُحْتِ الْمَحْصُولِ
(وَ) إمَّا (تَقَبُّلٌ) وَتُسَمَّى شَرِكَةَ صَنَائِعَ وَأَعْمَالٍ وَأَبْدَانٍ (إنْ اتَّفَقَ) صَانِعَانِ (خَيَّاطَانِ أَوْ خَيَّاطٌ وَصَبَّاغٌ)
ــ
[رد المحتار]
وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فَالْبَيْعُ فِي حِصَّتِهِ بَاطِلٌ (قَوْلُهُ: فَأَجَبْت أَنَّهُ غَاصِبٌ) أَيْ كَمَا هُوَ صَرِيحُ مَا قَدَّمَهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ ضَمِنَ حِصَّةَ شَرِيكِهِ (قَوْلُهُ: بِالْإِخْرَاجِ) فِيهِ نَظَرٌ.
فَفِي مُضَارَبَةِ الْجَوْهَرَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ: وَإِنْ خَصَّ لَهُ رَبُّ الْمَالِ التَّصَرُّفَ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ، فَإِنْ خَرَجَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ دَفَعَ الْمَالَ إلَى مَنْ أَخْرَجَهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْإِخْرَاجِ حَتَّى يَشْتَرِيَ بِهِ خَارِجَ الْبَلَدِ، فَإِنْ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَعَادَهُ إلَى الْبَلَدِ عَادَتْ الْمُضَارَبَةُ كَمَا كَانَتْ عَلَى شَرْطِهَا، وَإِنْ اشْتَرَى بِهِ قَبْلَ الْعَوْدِ صَارَ مُخَالِفًا ضَامِنًا وَيَكُونُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الْمَالِ فَيَكُونُ لَهُ رِبْحُهُ وَعَلَيْهِ وَضِيعَتُهُ لَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ اشْتَرَى بِبَعْضِهِ وَأَعَادَ بَقِيَّتَهُ إلَى الْبَلَدِ ضَمِنَ قَدْرَ مَا اشْتَرَى بِهِ، وَلَا يَضْمَنُ قَدْرَ مَا أَعَادَ اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّرِكَةَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الرِّبْحُ عَلَى الشَّرْطِ) أَيْ بَلْ يَكُونُ لَهُ كَمَا عَلِمْته مَنْقُولًا (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَاهُ فَسَادُ الشَّرِكَةِ) أَيْ مُقْتَضَى الْجَوَابِ بِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا وَبِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَكُونُ عَلَى الشَّرْطِ، وَلَكِنَّ هَذَا بَعْدَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ لَا بِمُجَرَّدِ الْإِخْرَاجِ، فَلَوْ عَادَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ تَبْقَى الشَّرِكَةُ كَمَا عَلِمْت فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: فَأَجَابَ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ فِي مِقْدَارِ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَ الْأَمْرَ مُفَصَّلًا، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الضَّيَاعِ وَالرَّدِّ إلَى الشَّرِيكِ اهـ.
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى شَرِيكِهِ خِيَانَةً مُبْهَمَةً قُلْت: بَقِيَ مَا لَوْ ادَّعَى عَلَى شَرِيكِهِ خِيَانَةً مُبْهَمَةً، فَفِي قَضَاءِ الْأَشْبَاهِ لَا يَحْلِفُ. وَنَقَلَ الْحَمَوِيُّ عَنْ قَارِئِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يَحْلِفُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارًا لَكِنْ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مِقْدَارَ مَا نَكَلَ فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَارِئَ الْهِدَايَةِ لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى نَقْلٍ، فَلَا يُعَارِضُ مَا نَقَلَهُ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ الْمُضَارِبُ وَالْوَصِيُّ وَالْمُتَوَلِّي) سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ فِي الْوَقْفِ عَنْ الْقُنْيَةِ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَا تَلْزَمُهُ الْمُحَاسَبَةُ فِي كُلِّ عَامٍ وَيَكْتَفِي الْقَاضِي مِنْهُ بِالْإِجْمَالِ لَوْ مَعْرُوفًا بِالْأَمَانَةِ وَلَوْ مُتَّهَمًا يَجْبُرُهُ عَلَى التَّعْيِينِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَلَا يَحْبِسُهُ بَلْ يُهَدِّدُهُ؛ وَلَوْ اتَّهَمَهُ يُحَلِّفُهُ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ وَالْوَصِيِّ فَيُحْمَلُ إطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُتَّهَمِ: أَيْ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ بِالْأَمَانَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: نَهْرٌ) يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ أَوَّلًا وَفِيهِ (قَوْلُهُ: إلَى سُحْتِ الْمَحْصُولِ) السُّحْتُ: بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ الْحَرَامُ، أَوْ مَا خَبُثَ مِنْ الْمَكَاسِبِ فَلَزِمَ مِنْهُ الْعَارُ ط عَنْ الْقَامُوسِ إذْ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْأَخْذُ عَلَى نَفْسِ الْمُحَاسَبَةِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، نَعَمْ لَوْ كَتَبَ سِجِلًّا أَوْ تَوَلَّى قِسْمَةً وَأَخَذَ أَجْرَ الْمِثْلِ لَهُ ذَلِكَ كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ الْوَقْفِ.
مَطْلَبٌ فِي شَرِكَةِ التَّقَبُّلِ (قَوْلُهُ: وَإِمَّا تَقَبُّلٌ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إمَّا مُفَاوَضَةٌ (قَوْلُهُ: وَتُسَمَّى شَرِكَةَ صَنَائِعَ) جَمْعُ صِنَاعَةٍ كَرِسَالَةٍ وَرَسَائِلَ وَهِيَ كأصنعة حِرْفَةُ الصَّانِعِ وَعَمَلُهُ (قَوْلُهُ: وَأَعْمَالٌ وَأَبْدَانٌ) ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَكُونُ مِنْهُمَا غَالِبًا بِأَبْدَانِهِمَا (قَوْلُهُ: إنْ اتَّفَقَ صَانِعَانِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْعَقْدِ أَوَّلًا، بِأَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشَّرِكَةِ قَبْلَ التَّقَبُّلِ لِمَا سَيَأْتِي قُبَيْلَ الْفُرُوعِ لَوْ تَقَبَّلَ
стр. 2453
فَلَا يَلْزَمُ اتِّحَادُ صَنْعَةٍ وَمَكَانٍ (عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَا الْأَعْمَالَ) الَّتِي يُمْكِنُ اسْتِحْقَاقُهَا
وَمِنْهُ تَعْلِيمُ كِتَابَةٍ وَقُرْآنٍ وَفِقْهٍ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، بِخِلَافِ شَرِكَةِ دَلَّالِينَ وَمُغَنِّينَ وَشُهُودِ مَحَاكِمَ وَقُرَّاءِ مَجَالِسَ وَتَعَازٍ
ــ
[رد المحتار]
ثَلَاثَةٌ عَمَلًا بِلَا عَقْدِ شَرِكَةٍ فَعَمِلَهُ أَحَدُهُمْ فَلَهُ ثُلُثُ الْأَجْرِ وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرِينَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَالْمُرَادُ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عَلَى التَّقَبُّلِ وَالْعَمَلِ، لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ: اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْحَمَّالِينَ عَلَى أَنْ يَمْلَأَ أَحَدُهُمْ الْجَوَالِقَ وَيَأْخُذَ الثَّانِي فَمَهَا وَيَحْمِلَهَا الثَّالِثُ إلَى بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ.
قَالَ: فَسَادُهَا لِهَذِهِ الشُّرُوطِ، فَإِنَّ شَرِكَةَ الْحَمَّالِينَ صَحِيحَةٌ إذَا اشْتَرَكُوا فِي التَّقَبُّلِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا اهـ أَيْ وَهُنَا لَمْ يُذْكَرْ التَّقَبُّلُ أَصْلًا، بَلْ مُجَرَّدُ الْعَمَلِ مُقَيَّدًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِنَوْعٍ مِنْهُ، وَلَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ التَّقَبُّلِ مِنْهُمَا مَعًا؛ لِمَا فِي الْبَحْرِ أَيْضًا: لَوْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا الْمَتَاعَ وَيَعْمَلَ الْآخَر أَوْ يَتَقَبَّلَهُ أَحَدُهُمَا وَيَقْطَعَهُ ثُمَّ يَدْفَعَهُ إلَى الْآخَرِ لِلْخِيَاطَةِ بِالنِّصْفِ جَازَ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ، لَكِنْ مِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فَقَطْ لَوْ تَقَبَّلَ جَازَ، فَلَوْ شُرِطَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنْ لَا يَتَقَبَّلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ السُّكُوتِ جُعِلَ إثْبَاتُهَا اقْتِضَاءً وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ مَعَ النَّفْيِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. اهـ.
قُلْت: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الشَّرْطَ عَدَم نَفْيِ التَّقَبُّلِ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا التَّنْصِيصُ عَلَى تَقَبُّلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَا عَلَى عَمَلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا وَيَعْمَلَ الْآخَرُ بِلَا نَفْيٍ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا التَّقَبُّلُ وَالْعَمَلُ لِتَضَمُّنِ الشَّرِكَةِ الْوَكَالَةَ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَحُكْمُهَا أَنْ يَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ بِتَقَبُّلِ الْأَعْمَالِ، وَالتَّوْكِيلُ بِهِ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ الْوَكِيلُ يُحْسِنُ مُبَاشَرَةَ ذَلِكَ الْعَمَلِ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: فَلَا يَلْزَمُ اتِّحَادُ صَنْعَةٍ وَمَكَانٍ) تَفْرِيعُ الْأَوَّلِ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ بِالْمَكَانِ.
وَوَجْهُ عَدَمِ اللُّزُومِ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ لِشَرِكَةِ التَّقَبُّلِ مِنْ كَوْنِ الْمَقْصُودِ تَحْصِيلَ الرِّبْحِ لَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ كَوْنِ الْعَمَلِ فِي دَكَاكِينَ أَوْ دُكَّانٍ، وَكَوْنِ الْأَعْمَالِ مِنْ أَجْنَاسٍ أَوْ جِنْسٍ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَا الْأَعْمَالَ) أَيْ مَحَلُّهَا كَالثِّيَابِ مَثَلًا، فَإِنَّ الْعَمَلَ عَرْضٌ لَا يَقْبَلُ الْقَبُولَ أَفَادَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ. وَعَلِمْت أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى تَقَبُّلِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ عَلَى عَمَلِهِ غَيْرُ شَرْطٍ.
وَفِي النَّهْرِ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ، وَلِذَا قَالُوا: مِنْ صُوَرِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ أَنْ يَجْلِسَ آخَرُ عَلَى دُكَّانِهِ فَيَطْرَحَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِالنِّصْفِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَحَدِهِمَا الْعَمَلُ وَمِنْ الْآخَرِ الْحَانُوتُ وَاسْتُحْسِنَ جَوَازُهَا؛ لِأَنَّ التَّقَبُّلَ مِنْ صَاحِبِ الْحَانُوتِ عَمَلٌ. اهـ. وَمِنْهَا مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ لِأَحَدِهِمَا آلَةُ الْقِصَارَةِ وَلِلْآخَرِ بَيْتٌ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فِي بَيْتِ هَذَا وَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا جَازَ، وَكَذَا سَائِرُ الصِّنَاعَاتِ، وَلَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَدَاةُ الْقِصَارَةِ وَالْعَمَلُ مِنْ الْآخَرِ فَسَدَتْ وَالرِّبْحُ لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَدَاءِ اهـ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْأَخِيرَةِ مَسَائِلُ سَتَأْتِي فِي الْفَصْلِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَتَبْطُلُ الشَّرِكَةُ إلَخْ (قَوْلُهُ: الَّتِي يُمْكِنُ اسْتِحْقَاقُهَا) أَيْ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا الْمُسْتَأْجِرُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ.
وَزَادَ فِي الْبَحْرِ قَيَّدَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ حَلَالًا لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ: لَوْ اشْتَرَكَا فِي عَمَلٍ حَرَامٍ لَمْ يَصِحَّ اهـ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْأَجْرِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) الْأَوْلَى وَمِنْهَا أَيْ الْأَعْمَالِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُفْتَى بِهِ) أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ، وَكَذَا عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ شَرِكَةِ دَلَّالِينَ) فَإِنَّ عَمَلَ الدَّلَالَةِ لَا يُمْكِنُ اسْتِحْقَاقُهُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، حَتَّى لَوْ اسْتَأْجَرَ دَلَّالًا يَبِيعُ لَهُ أَوْ يَشْتَرِي فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ أَجَلًا كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي إجَارَةِ الْمُجْتَبَى ح (قَوْلُهُ: وَمُغَنِّينَ) ؛ لِأَنَّ الْغِنَاءَ حَرَامٌ ح (قَوْلُهُ: وَشُهُودِ مَحَاكِمَ) لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الشَّهَادَةِ ح (قَوْلُهُ: وَقُرَّاءِ مَجَالِسَ وَتَعَازٍ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوْ مُغَايِرٍ وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ ثُمَّ زَايٌ جَمْعُ تَعْزِيَةٍ: وَهِيَ الْمَأْتَمُ بِالْهَمْزَةِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ الَّذِي يُصْنَعُ لِلْأَمْوَاتِ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ الْقِرَاءَةُ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ يَشْتَمِلُ عَلَى التَّمْطِيطِ وَعَلَى قَطْعِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ وَالِابْتِدَاءِ مِنْ أَثْنَاءِ الْكَلِمَةِ وَلِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ.
стр. 2454
وَوُعَّاظٍ، وَسُؤَّالٍ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالسُّؤَالِ لَا يَصِحُّ قُنْيَةٌ وَأَشْبَاهٌ (وَيَكُونُ الْكَسْبُ بَيْنَهُمَا) عَلَى مَا شَرَطَا مُطْلَقًا فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرِبْحٍ بَلْ بَدَلُ عَمَلٍ فَصَحَّ تَقْوِيمُهُ (وَكُلُّ مَا تَقَبَّلَهُ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُمَا) وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ (فَيُطَالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَمَلِ وَيُطَالِبُ) كُلٌّ مِنْهُمَا (بِالْأَجْرِ وَيَبْرَأُ) دَافِعُهَا (بِالدَّفْعِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى أَحَدِهِمَا (وَالْحَاصِلُ مِنْ) أَجْرِ (عَمَلِ أَحَدِهِمَا بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ) وَلَوْ الْآخَرُ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا أَوْ امْتَنَعَ عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ لِأَنَّ الشَّرْطَ مُطْلَقُ الْعَمَلِ لَا عَمَلُ الْقَابِلِ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَصَّارَ لَوْ اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ بَزَّازِيَّةٌ
(وَ) إمَّا (وُجُوهٌ) هَذَا رَابِعُ وُجُوهِ شَرِكَةِ الْعَقْدِ (إنْ عَقَدَاهَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا) نَوْعًا أَوْ أَنْوَاعًا (بِوُجُوهِهِمَا) أَيْ بِسَبَبِ وَجَاهَتِهِمَا (وَيَبِيعَا) فَمَا حَصَلَ بِالْبَيْعِ يَدْفَعَانِ مِنْهُ ثَمَنَ -
ــ
[رد المحتار]
وَاَلَّذِي أَجَازَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ إنَّمَا هُوَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى التَّعْلِيمِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ خِلَافَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْإِجَارَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي الْقُنْيَةِ: وَلَا شَرِكَةِ الْقُرَّاءِ بِالزَّمْزَمَةِ فِي الْمَجَالِسِ وَالتَّعَازِي؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ عَلَيْهِمْ. اهـ.
وَفِي الْقَامُوسِ الزَّمْزَمَةُ الصَّوْتُ الْبَعِيدُ لَهُ دَوِيُّ وَتَتَابُعُ صَوْتِ الرَّعْدِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أَنَّ ابْنَ وَهْبَانَ بَالَغَ فِي النَّكِيرِ عَلَى إقْرَارِهِمْ عَلَى هَذَا فِي زَمَانِهِ وَعَلَى الْقِرَاءَةِ بِالتَّمْطِيطِ وَمَنَعَ مِنْ جَوَازِ سَمَاعِهَا وَأَطْنَبَ فِي إنْكَارِهَا، وَتَمَامُهُ فِي ح (قَوْلُهُ: وَوُعَّاظٌ) أَيْ شَرِكَةُ وُعَّاظٍ فِيمَا يَتَحَصَّلُ لَهُمْ بِسَبَبِ الْوَعْظِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِمْ ط (قَوْلُهُ: وَسُؤَالٌ) بِتَشْدِيدِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ السَّائِلِ: وَهُوَ الشَّحَّاذُ اهـ ح (قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالسُّؤَالِ لَا يَصِحُّ) وَمَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الْوَكَالَةُ لَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ شَرَطَا الرِّبْحَ عَلَى السَّوَاءِ أَوْ مُتَفَاضِلًا، وَسَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ أَوْ لَا، وَقِيلَ: إنْ شَرَطَا أَكْثَرَ الرِّبْحِ لِأَدْنَاهُمَا عَمَلًا لَا يَصِحُّ.
وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُفَاوَضَةٌ إذْ لَا تَكُونُ الْمُفَاوَضَةُ إلَّا مَعَ التَّسَاوِي كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرِبْحٍ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي الرِّبْحِ عِنْدَ اشْتِرَاطِ التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ لَا يَجُوزُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ بِقَدْرِ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ رِبْحٌ مَا لَمْ يَضْمَنْ، فَلَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ كَمَا فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ.
وَيَجُوزُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ لَيْسَ رِبْحًا؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَهُنَا رَأْسُ الْمَالِ عَمَلٌ وَالرِّبْحُ مَالٌ فَلَمْ يَتَّحِدْ الْجِنْسُ، فَكَانَ مَا يَأْخُذُهُ بَدَلَ الْعَمَلِ وَالْعَمَلُ يُتَقَوَّمُ بِالتَّقْوِيمِ إذَا رَضِيَا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ مَا قُوِّمَ بِهِ فَلَمْ يُؤَدِّ إلَى رِبْحٍ مَا لَمْ يَضْمَنْ، بِخِلَافِ شَرِكَةِ الْوُجُوهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاوُتُ فِي الرِّبْحِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْمُشْتَرَى؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْمَالِ وَهُوَ الثَّمَنُ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّتِهِمَا مُتَّحِدٌ وَالرِّبْحُ يَتَحَقَّقُ فِي الْجِنْسِ الْمُتَّحِدِ، فَلَوْ جَازَ زِيَادَةُ الرِّبْحِ كَانَ رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَتَمَامُهُ فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: فَيُطَالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَمَلِ إلَخْ) هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ مُفَاوَضَةً، أَمَّا إذَا أَطْلَقَاهَا أَوْ قَيَّدَاهَا بِالْعِنَانِ فَثُبُوتُ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ اسْتِحْسَانٌ، وَفِيمَا سِوَاهُمَا فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مُقْتَضَى الْعِنَانِ، وَلِذَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ مُسْتَهْلَكٍ أَوْ أَجْرِ أَجِيرٍ أَوْ دُكَّانٍ لِمُدَّةٍ مَضَتْ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ نَفَاذَ الْإِقْرَارِ عَلَى الْآخَرِ مُوجِبٌ الْمُفَاوَضَةَ وَلَمْ يَنُصَّا عَلَيْهَا فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ لَمْ يُسْتَهْلَكْ أَوْ الْمُدَّةُ لَمْ تَمْضِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ اهـ ح مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ: وَيَبْرَأُ دَافِعُهَا) أَنَّثَ الضَّمِيرَ وَإِنْ عَادَ عَلَى الْأَجْرِ لِتَأْوِيلِهِ بِالْأُجْرَةِ ط فِي (قَوْلِهِ: وَالْحَاصِلُ إلَخْ) مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ وَيَكُونُ الْكَسْبُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ فِي الْكَسْبِ الْحَاصِلِ مِنْ عَمَلِهِمَا، وَمَا هُنَا فِي الْحَاصِلِ مِنْ عَمَلِ أَحَدِهِمَا: أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَا أَوْ يَعْمَلَ أَحَدُهُمَا سَوَاءٌ كَانَ عَدَمُ عَمَلِ الْآخَرِ لِعُذْرٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مُعِينُ الْقَابِلِ وَالشَّرْطُ مُطْلَقُ الْعَمَلِ إلَخْ مَا ذَكَرَهُ.
مَطْلَبٌ: شَرِكَةُ الْوُجُوهِ
(قَوْلُهُ: وَإِمَّا وُجُوهٌ) وَيُقَالُ لَهَا شَرِكَةُ الْمَفَالِيسِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ: نَوْعًا أَوْ أَنْوَاعًا) أَفَادَ أَنَّهَا تَكُونُ خَاصَّةً وَعَامَّةً كَمَا فِي النَّهْرِ وَلِذَا حَذَفَ الْمُصَنِّفُ الْمَفْعُولَ (قَوْلُهُ: أَيْ بِسَبَبِ وَجَاهَتِهِمَا) أَفَادَ وَجْهَ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا مَالَ لَهُ
стр. 2455
مَا اشْتَرَيَا (بِالنَّسِيئَةِ) وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا
[مَطْلَبٌ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ]
(وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا) مِنْ التَّقَبُّلِ وَالْوُجُوهِ (عِنَانًا وَمُفَاوَضَةً) أَيْضًا (بِشَرْطِهِ) السَّابِقِ، وَإِذَا أُطْلِقَتْ كَانَتْ عِنَانًا (وَتَتَضَمَّنُ) شَرِكَةُ كُلٍّ مِنْ التَّقَبُّلِ وَالْوُجُوهِ (الْوَكَالَةَ) لِاعْتِبَارِهَا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ (وَالْكَفَالَةَ أَيْضًا إذَا كَانَتْ مُفَاوَضَةً) بِشَرْطِهَا
(وَالرِّبْحُ) فِيهَا (عَلَى مَا شَرَطَا مِنْ مُنَاصَفَةِ الْمُشْتَرَى) بِفَتْحِ الرَّاءِ (أَوْ مُثَالَثَتُهُ) لِيَكُونَ الرِّبْحُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، بِخِلَافِ الْعِنَانِ كَمَا مَرَّ.
وَفِي الدُّرَرِ: لَا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: بِمَالٍ، أَوْ عَمَلٍ، أَوْ تَقَبُّلٍ.
ــ
[رد المحتار]
لَا يَبِيعُهُ النَّاسُ نَسِيئَةً إلَّا إذَا كَانَ لَهُ جَاهٌ وَوَجَاهَةٌ وَشَرَفٌ عِنْدَهُمْ.
وَأَفَادَ الْكَمَالُ أَنَّ الْجَاهَ مَقْلُوبُ الْوَجْهِ بِوَضْعِ الْوَاوِ مَوْضِعَ الْعَيْنِ فَوَزْنُهُ عَفْلٌ إلَّا أَنَّ الْوَاوَ انْقَلَبَتْ أَلِفًا لِلْمُوجِبِ لِذَلِكَ، وَقِيلَ أُضِيفَتْ إلَى الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهَا تُبْتَذَلُ فِيهَا الْوُجُوهُ لِعَدَمِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: بِالنَّسِيئَةِ) هُوَ عَلَى حَلِّ الشَّارِحِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ اشْتَرَيَا، وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ دَفْعُ مَا يُوهِمُهُ الْمَتْنُ مِنْ كَوْنِهِ مَطْلُوبًا لِيَشْتَرِيَا وَيَبِيعَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مَطْلُوبٌ لِقَوْلِهِ يَشْتَرِيَا فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُهُ عَقِبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُمَا، فَشِرَاؤُهُمَا يَكُونُ بِالنَّسِيئَةِ أَمَّا الْبَيْعُ فَهُوَ أَعَمُّ.
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا عِنَانًا وَمُفَاوَضَةً بِشَرْطِهِ) فَصُورَةُ اجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الْمُفَاوَضَةِ فِي التَّقَبُّلِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ: أَنْ يَشْتَرِكَ الصَّانِعَانِ عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَا جَمِيعًا الْأَعْمَالَ، وَأَنْ يَضْمَنَا الْعَمَلَ جَمِيعًا عَلَى التَّسَاوِي، وَأَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الرِّبْحِ وَالْوَضِيعَةِ، وَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ فِيمَا لَحِقَهُ بِسَبَبِ الشَّرِكَةِ. اهـ.
وَصُورَتُهَا فِي الْوُجُوهِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، أَنْ يَكُونَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ، وَأَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَأَنْ يَتَلَفَّظَا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ زَادَ فِي الْفَتْحِ: وَيَتَسَاوَيَا فِي الرِّبْحِ، وَيَكْفِي ذِكْرُ مُقْتَضَيَاتِ الْمُفَاوَضَةِ عَنْ التَّلَفُّظِ بِهَا كَمَا سَلَفَ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا فُقِدَ مِنْهَا شَرْطٌ كَانَتْ عِنَانًا، وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ شُرُوطَ الْمُفَاوَضَةِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ قَدْ اخْتَلَفَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْمُتَدَاوَلَاتِ إلَى أَنَّهَا فِي كُلٍّ مِنْهَا حَقِيقَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فِي الْأَوَّلِ أَيْ فِي الْمَالِ حَقِيقَةٌ وَفِي الْبَاقِيَيْنِ مَجَازٌ تَرْجِيحًا عَلَى الِاشْتِرَاكِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مُنَاصَفَةِ الْمُشْتَرَى) أَيْ فِي الْمُفَاوَضَةِ وَالْعِنَانِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مُثَالَثَتُهُ أَيْ فِي الْعِنَانِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِمَفْهُومِ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مُخَالِفًا لِقَدْرِ الْمِلْكِ، وَعِبَارَةُ الْكَنْزِ: وَإِنْ شَرَطَا مُنَاصَفَةَ الْمُشْتَرِي أَوْ مُثَالَثَتَهُ فَالرِّبْحُ كَذَلِكَ وَبَطَلَ شَرْطُ الْفَضْلِ. اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ بِالضَّمَانِ وَهُوَ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ فِي الْمُشْتَرَى فَكَانَ الرِّبْحُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ، بِخِلَافِ الْعِنَانِ فَإِنَّ التَّفَاضُلَ فِي الرِّبْحِ فِيهَا مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَالِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُضَارَبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَعْمَلُ فِي مَالِ صَاحِبِهِ فَالْتَحَقَتْ بِهَا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْعِنَانِ) أَيْ فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ، وَكَذَا فِي شَرِكَةِ التَّقَبُّلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ فِيهَا لَيْسَ بِرِبْحٍ بَلْ بَدَلُ عَمَلٍ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: بِمَالٍ) كَمَا فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ وَفِي الْمُضَارَبَةِ فِي حَقِّ رَبِّ الْمَالِ (قَوْلُهُ: أَوْ عَمَلٍ) كَالْمُضَارِبِ فِي الْمُضَارَبَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَقَبُّلٍ) عِبَارَةُ الدُّرَرِ أَوْ ضَمَانٍ، وَكَذَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ كَمَنْ أَجْلَسَ عَلَى دُكَّانِهِ تِلْمِيذًا يَطْرَحُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِالنِّصْفِ، وَكَمَا فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ فَإِنَّ الرِّبْحَ فِيهَا بِقَدْرِ الضَّمَانِ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ رِبْحٌ مَا لَمْ يُضْمَنْ فَلَا يَجُوزُ كَمَا مَرَّ.
قَالَ فِي الدُّرَرِ: وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: تَصَرَّفْ فِي مَالِكَ عَلَى أَنَّ لِي بَعْضَ رِبْحِهِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا لِعَدَمِ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
стр. 2456
فَصْلٌ فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ (لَا تَصِحُّ شَرِكَةٌ فِي احْتِطَابٍ وَاحْتِشَاشٍ وَاصْطِيَادٍ وَاسْتِقَاءٍ وَسَائِرِ مُبَاحَاتٍ) كَاجْتِنَاءِ ثِمَارٍ مِنْ جِبَالٍ وَطَلَبِ مَعْدِنٍ مِنْ كَنْزٍ وَطَبْخِ آجُرٍّ مِنْ طِينٍ مُبَاحٍ لِتَضَمُّنِهَا الْوَكَالَةَ وَالتَّوْكِيلُ فِي أَخْذِ الْمُبَاحِ لَا يَصِحُّ
(وَمَا حَصَّلَهُ أَحَدُهُمَا فَلَهُ وَمَا حَصَّلَاهُ مَعًا فَلَهُمَا) نِصْفَيْنِ إنْ لَمْ يُعْلَمُ مَا لِكُلٍّ (وَمَا حَصَّلَهُ أَحَدُهُمَا بِإِعَانَةِ صَاحِبِهِ فَلَهُ وَلِصَاحِبِهِ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ ثَمَنِ ذَلِكَ)
ــ
[رد المحتار]
[فَصْلٌ فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ]
ِ مَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُتَرْجِمَ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فِي التَّرْجَمَةِ لَا تَضُرُّ (قَوْلُهُ: وَاصْطِيَادٍ) جَعَلَهُ مِنْ الْمُبَاحِ وَذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّلَهِّي أَوْ يَتَّخِذُهُ حِرْفَةً وَإِلَّا فَلَا يَحِلُّ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِهِ (قَوْلُهُ: وَطَلَبِ مَعْدِنٍ مِنْ كَنْزٍ) الْمَعْدِنُ مَا وُضِعَ فِي الْأَرْضِ خِلْقَةً، وَالْكَنْزُ مَا وَضَعَهُ بَنُو آدَمَ وَالرِّكَازُ يَعُمُّهُمَا فَلَوْ قَالَ: وَطَلَبِ مَعْدِنٍ وَكَنْزٍ جَاهِلِيٍّ كَمَا فَعَلَ فِي الْهِنْدِيَّةِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكَنْزَ الْإِسْلَامِيَّ لُقَطَةٌ ط (قَوْلُهُ: مِنْ طِينٍ مُبَاحٍ) فَإِنْ كَانَ الطِّينُ أَوْ النُّورَةُ أَوْ سَهْلَةُ الزُّجَاجِ مَمْلُوكًا فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا ذَلِكَ وَيَطْبُخَاهُ وَيَبِيعَاهُ جَازَ، وَهُوَ كَشَرِكَةِ الْوُجُوهِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الشَّافِي، وَتَبِعَهُ الْبَزَّازِيُّ وَالْعَيْنِيُّ.
وَالْمَذْكُورُ فِي الْفَتْحِ أَنَّ هَذَا مِنْ شَرِكَةِ الصَّنَائِعِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَمَا حَصَّلَهُ أَحَدُهُمَا) أَيْ بِدُونِ عَمَلٍ مِنْ الْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَمَا حَصَّلَاهُ مَعًا إلَخْ) يَعْنِي ثُمَّ خَلَطَاهُ وَبَاعَهُ، فَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى كَيْلِ أَوْ وَزْنِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَزْنِيًّا وَلَا كَيْلِيًّا قُسِّمَ عَلَى قِيمَةِ مَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مِقْدَارُ مَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا صُدِّقَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الِاكْتِسَابِ وَكَأَنَّ الْمُكْتَسَبَ فِي أَيْدِيهِمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِلَافَ الظَّاهِرِ. اهـ. فَتْحٌ.
مَطْلَبٌ: اجْتَمَعَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ وَاكْتَسَبَا وَلَا يُعْلَمُ التَّفَاوُتُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ [تَنْبِيهٌ] يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا مَا أَفْتَى بِهِ فِي الْخَيْرِيَّةِ فِي زَوْجِ امْرَأَةٍ وَابْنِهَا اجْتَمَعَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ وَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَكْتَسِبُ عَلَى حِدَةٍ وَيَجْمَعَانِ كَسْبَهُمَا وَلَا يُعْلَمُ التَّفَاوُتُ وَلَا التَّسَاوِي وَلَا التَّمْيِيزُ.
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ بَيْنَهُمَا سَوِيَّةً، وَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَ إخْوَةٌ يَعْمَلُونَ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِمْ وَنَمَا الْمَالُ فَهُوَ بَيْنَهُمْ سَوِيَّةً، وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْعَمَلِ وَالرَّأْيِ اهـ وَقَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ مَا لَمْ يُصَرِّحَا بِلَفْظِهَا أَوْ بِمُقْتَضَيَاتِهَا مَعَ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِهَا، ثُمَّ هَذَا فِي غَيْرِ الِابْنِ مَعَ أَبِيهِ؛ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ الْأَبُ وَابْنُهُ يَكْتَسِبَانِ فِي صَنْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَيْءٌ فَالْكَسْبُ كُلُّهُ لِلْأَبِ إنْ كَانَ الِابْنُ فِي عِيَالِهِ لِكَوْنِهِ مُعِينًا لَهُ أَلَا تَرَى لَوْ غَرَسَ شَجَرَةً تَكُونُ لِلْأَبِ ثُمَّ ذَكَرَ خِلَافًا فِي الْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا إذَا اجْتَمَعَ بِعَمَلِهِمَا أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، فَقِيلَ هِيَ لِلزَّوْجِ وَتَكُونُ الْمَرْأَةُ مُعِينَةً لَهُ، إلَّا إذَا كَانَ لَهَا كَسْبٌ عَلَى حِدَةٍ فَهُوَ لَهَا، وَقِيلَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: زَوَّجَ بَنِيهِ الْخَمْسَةَ فِي دَارِهِ وَكُلُّهُمْ فِي عِيَالِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَتَاعِ فَهُوَ لِلْأَبِ وَلِلْبَنِينَ الثِّيَابُ الَّتِي عَلَيْهِمْ لَا غَيْرُ، فَإِنْ قَالُوا هُمْ أَوْ امْرَأَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ: إنَّ هَذَا اسْتَفَدْنَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لَهُمْ، وَإِنْ أَقَرُّوا أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ مَوْتِهِ فَهُوَ مِيرَاثٌ مِنْ الْأَبِ. (قَوْلُهُ: بِإِعَانَةِ صَاحِبِهِ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِعَانَةُ بِعَمَلٍ كَمَا إذَا أَعَانَهُ فِي الْجَمْعِ وَالْقَلْعِ أَوْ الرَّبْطِ أَوْ الْحَمْلِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِآلَةٍ، كَمَا لَوْ دَفَعَ لَهُ بَغْلًا أَوْ رَاوِيَةً لِيَسْتَقِيَ عَلَيْهَا أَوْ شَبَكَةً لِيَصِيدَ بِهَا حَمَوِيٌّ وَقُهُسْتَانِيٌّ ط (قَوْلُهُ لَا يُجَاوَزُ بِهِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى الْبِنَاءِ
стр. 2457
قِيلَ تَقْدِيمُهُمْ قَوْلَ مُحَمَّدٍ يُؤْذِنُ بِاخْتِيَارِهِ نَهْرٌ وَعِنَايَةٌ.
(وَالرِّبْحُ فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ بِقَدْرِ الْمَالِ، وَلَا عِبْرَةَ بِشَرْطِ الْفَضْلِ) فَلَوْ كُلُّ الْمَالِ لِأَحَدِهِمَا فَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ كَمَا لَوْ دَفَعَ دَابَّتَهُ لِرَجُلٍ لِيُؤَجِّرَهَا وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا، فَالشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ وَالرِّبْحُ لِلْمَالِكِ وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ وَالْبَيْتُ، وَلَوْ لَمْ يَبِعْ عَلَيْهَا الْبُرَّ فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْبُرِّ وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِ الدَّابَّةِ، وَلَوْ لِأَحَدِهِمَا بَغْلٌ وَلِلْآخَرِ بَعِيرٌ فَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى مِثْلِ أَجْرِ الْبَغْلِ وَالْبَعِيرِ نَهْرٌ.
ــ
[رد المحتار]
لِلْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ: نِصْفُ ثَمَنِ ذَلِكَ بِالرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ النَّائِبُ عَنْ الْفَاعِلِ. اهـ. فَتْحٌ: أَيْ يُعْطَى أَجْرَ الْمِثْلِ لَوْ كَانَ مِثْلَ نِصْفِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ، فَلَوْ أَكْثَرَ لَا يُزَادُ عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَقَعَ فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ ط: وَذُكِرَ فِي النُّقَايَةِ أَنَّ أَجْرَ الْمِثْلِ لَا يُزَادُ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُعِينَ وَصَاحِبَ الْعُدَّةِ يَطْلُبَانِ أَجْرَ الْمِثْلِ عِنْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ فَرُبَّمَا لَا يَتَيَسَّرُ الْبَيْعُ عِنْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ فَكَيْفَ يَفْرِضُ نِصْفَ ثَمَنِهِ حَتَّى يَطْلُبَ حَمَوِيٌّ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَلَا يُزَادُ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ: أَيْ قِيمَةِ الْمُبَاحِ يَوْمَ الْأَخْذِ إنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ التَّخْمِينُ وَالْقِيَاسُ اهـ (قَوْلُهُ: يُؤْذِنُ بِاخْتِيَارِهِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَكَذَا تَقْدِيمُ دَلِيلِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى دَلِيلِ مُحَمَّدٍ فِي الْمَبْسُوطِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ اخْتَارُوا قَوْلَ مُحَمَّدٍ اهـ أَيْ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمُتَأَخِّرَ يَتَضَمَّنُ الْجَوَابَ عَنْ الدَّلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهَذِهِ عَادَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَيْضًا أَنَّهُ يُؤَخِّرُ دَلِيلَ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ، وَعِبَارَةُ كَافِي الْحَاكِمِ تُؤْذِنُ أَيْضًا بِاخْتِيَارِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ حَيْثُ قَالَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ نِصْفَ الثَّمَنِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعَانَهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُصِبْ شَيْئًا كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ. اهـ. وَنَقَلَ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ عَنْ الْمِفْتَاحِ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى.
وَعَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانٌ اهـ. مَطْلَبٌ يُرَجِّحُ الْقِيَاسَ قُلْت: وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَرَجَّحَ فِيهَا الْقِيَاسُ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ.
(قَوْلُهُ: وَالرِّبْحُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الشَّرِكَةَ الْفَاسِدَةَ إمَّا بِدُونِ مَالٍ أَوْ بِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَحُكْمُ الْأُولَى أَنَّ الرِّبْحَ فِيهَا لِلْعَامِلِ كَمَا عَلِمْت، وَالثَّانِيَةُ بِقَدْرِ الْمَالِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ أَجْرًا؛ لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ لِلشَّرِيكِ فِي الْعَمَلِ بِالْمُشْتَرَكِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي قَفِيزِ الطَّحَّانِ وَالثَّالِثَةُ لِرَبِّ الْمَالِ وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ (قَوْلُهُ فَالشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بِعْ مَنَافِعَ دَابَّتِي لِيَكُونَ الْأَجْرُ بَيْنَنَا فَيَكُونُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ عَقَدَ الْعَقْدَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ بِأَمْرِهِ، وَلِلْعَاقِدِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَعْمَلَ مَجَّانًا فَتْحٌ.
[تَنْبِيهٌ] لَمْ يَذْكُرُوا مَا لَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ دَفَعَهَا أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ عَلَى أَنْ يُؤَجِّرَهَا وَيَعْمَلَ عَلَيْهَا عَلَى أَنَّ ثُلُثَيْ الْأَجْرِ لِلْعَامِلِ وَالثُّلُثَ لِلْآخَرِ وَهِيَ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ، وَلَا شَكَّ فِي فَسَادِهَا؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ كَالْعُرُوضِ لَا تَصِحُّ فِيهَا الشَّرِكَةُ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَلَا يُشْبِهُ الْعَمَلَ فِي الْمُشْتَرَكِ حَتَّى نَقُولَ لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِيمَا يَحْمِلُ وَهُوَ لِغَيْرِهِمَا تَأَمَّلْ. وَتَمَامُهُ فِي حَوَاشِي الْمِنَحِ لِلْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ وَيَأْتِي قَرِيبًا مَا يُؤَيِّدُهُ (قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ وَالْبَيْتُ) أَيْ مِثْلُ الدَّابَّةِ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ: لَهُ سَفِينَةٌ فَاشْتَرَكَ مَعَ أَرْبَعَةٍ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا بِسَفِينَتِهِ وَآلَاتِهَا وَالْخُمُسُ لِصَاحِبِ السَّفِينَةِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ، وَالْحَاصِلُ لِصَاحِبِ السَّفِينَةِ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِمْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِأَحَدِهِمَا بَغْلٌ وَلِلْآخَرِ بَعِيرٌ) أَيْ وَقَدْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ كُلًّا يُؤَجِّرُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَالْحَاصِلُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّ كُلًّا قَالَ لِصَاحِبِهِ: بِعْ مَنَافِعَ دَابَّتِك وَدَابَّتِي عَلَى أَنَّ ثَمَنَهُ بَيْنَنَا، ثُمَّ إنْ آجَرَاهُمَا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ
стр. 2458
(وَتَبْطُلُ الشَّرِكَةُ) أَيْ شَرِكَةُ الْعَقْدِ (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) عَلِمَ الْآخَرُ أَوْ لَا لِأَنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ (وَلَوْ حُكْمًا) بِأَنْ قُضِيَ بِلِحَاقِهِ مُرْتَدًّا
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِإِنْكَارِهَا) وَبِقَوْلِهِ: لَا أَعْمَلُ مَعَكَ فَتْحٌ (وَبِفَسْخِ أَحَدِهِمَا) وَلَوْ الْمَالُ عُرُوضًا، بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ -
ــ
[رد المحتار]
صَفْقَةً وَاحِدَةً فِي عَمَلٍ مَعْلُومٍ قُسِّمَ الْأَجْرُ عَلَى مِثْلِ أَجْرِ الْبَغْلِ وَمِثْلِ أَجْرِ الْجَمَلِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَا الْحُمُولَاتِ الْمَعْلُومَةَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَلَمْ يُؤَجِّرَا الْبَغْلَ وَالْجَمَلَ كَانَتْ صَحِيحَةً؛ لِأَنَّهَا شَرِكَةُ التَّقَبُّلِ وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَلَا يُعْتَبَرُ زِيَادَةُ حِمْلِ الْجَمَلِ عَلَى حِمْلِ الْبَغْلِ، كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي شَرِكَةِ التَّقَبُّلِ زِيَادَةُ عَمَلِ أَحَدِهِمَا كَصَبَّاغَيْنِ لِأَحَدِهِمَا آلَةُ الصَّبْغِ وَلِلْآخَرِ بَيْتٌ يَعْمَلُ فِيهِ، وَإِنْ أَجَّرَ الْبَغْلَ أَوْ الْبَعِيرَ بِعَيْنِهِ كَانَ كُلُّ الْأَجْرِ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ، فَلَوْ أَعَانَهُ الْآخَرُ عَلَى التَّحْمِيلِ وَالنَّقْلِ كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: عَلَى مِثْلِ أَجْرِ الْبَغْلِ) الْأَوْلَى أَجْرُ مِثْلِ الْبَغْلِ، وَقَوْلُهُ وَالْبَعِيرِ أَيْ وَأَجْرِ مِثْلِ الْبَعِيرِ، فَلَوْ الْبَعِيرُ يُؤَجَّرُ بِضِعْفِ مَا يُؤَجَّرُ بِهِ الْبَغْلُ مَثَلًا فَلِصَاحِبِ الْبَعِيرِ ثُلُثَا الْأَجْرِ وَلِصَاحِبِ الْبَغْلِ ثُلُثُهُ ط وَإِنْ آجَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَابَّتَهُ وَشَرَطَا عَمَلَهُمَا فِي الدَّابَّةِ أَوْ عَمَلَ أَحَدِهِمَا مِنْ السُّوقِ وَالْحَمْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ الْأَجْرُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَجْرِ مِثْلِ دَابَّتِهِمَا وَعَلَى مِقْدَارِ أَجْرِ عَمَلِهِمَا كَمَا قَبْلَ الشَّرِكَةِ اهـ قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا قُلْنَا.
[فَرْعٌ] أَعْطَى بَذْرَ الْفَيْلَقِ رَجُلًا لِيَقُومَ عَلَيْهِ فَيَعْلِفَهُ بِالْأَوْرَاقِ عَلَى أَنَّ مَا حَصَلَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا فَالْفَيْلَقُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْ بَذْرِهِ، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْأَوْرَاقِ وَأَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ، وَعَلَى هَذَا إذَا دَفَعَ الْبَقَرَةَ بِالْعَلَفِ لِيَكُونَ الْحَادِثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَمَا حَدَثَ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَقَرَةِ وَلِلْآخَرِ مِثْلُ عَلَفِهِ وَأَجْرُ مِثْلِهِ تَتَارْخَانِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ أَيْ شَرِكَةُ الْعَقْدِ) أَمَّا شَرِكَةُ الْمِلْكِ فَلَا تَبْطُلُ، وَقَوْلُ الدُّرَرِ وَتَبْطُلُ الشَّرِكَةُ مُطْلَقًا فَالْإِطْلَاقُ فِيهِ بِالنَّظَرِ لِلْمُفَاوَضَةِ وَالْعِنَانِ ط.
قُلْت: وَالْمُرَادُ أَنَّ شَرِكَةَ الْمِلْكِ لَا تَبْطُلُ: أَيْ لَا يَبْطُلُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا، بَلْ يَبْقَى الْمَالُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْحَيِّ وَوَرَثَةِ الْمَيِّتِ كَمَا كَانَ وَإِلَّا فَلَا يَخْفَى أَنَّ شَرِكَةَ الْمَيِّتِ مَعَ الْحَيِّ بَطَلَتْ بِمَوْتِهِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ أَيْ شَرَطَ لَهَا ابْتِدَاءً وَبَقَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ ابْتِدَاؤُهَا إلَّا بِوِلَايَةِ التَّصَرُّفِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي مَالِ الْآخَرِ، وَلَا تَبْقَى الْوِلَايَةُ إلَّا بِبَقَاءِ الْوَكَالَةِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا قِيلَ الْوَكَالَةُ تَثْبُتُ تَبَعًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ التَّبَعِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ فَتْحٌ، فَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَمَاتَ أَحَدُهُمْ حَتَّى انْفَسَخَتْ فِي حَقِّهِ لَا تَنْفَسِخُ فِي حَقِّ الْبَاقِيَيْنِ بَحْرٌ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ قُضِيَ بِلِحَاقِهِ مُرْتَدًّا) حَتَّى لَوْ عَادَ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَرِكَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُقْضَ بِلِحَاقِهِ انْقَطَعَتْ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّفِ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ عَادَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْحُكْمِ بَقِيَتْ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَطَعَتْ وَلَوْ لَمْ يَلْحَقْ وَانْقَطَعَتْ الْمُفَاوَضَةُ عَلَى التَّوَقُّفِ هَلْ تَصِيرُ عِنَانًا عِنْدَهُ لَا وَعِنْدَهُمَا نَعَمْ بَحْرٌ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: بِإِنْكَارِهَا) أَيْ وَيَضْمَنُ حِصَّةَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ جُحُودَ الْأَمِينِ غَصْبٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ سَائِحَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَبِقَوْلِهِ لَا أَعْمَلُ مَعَكَ) هَذَا فِي الْمَعْنَى فَسْخٌ فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ عَنْ قَوْلِهِ وَبِفَسْخِ أَحَدِهِمَا، وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: اشْتَرَكَا وَاشْتَرَيَا أَمْتِعَةً ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لَا أَعْمَلُ مَعَكَ بِالشَّرِكَةِ وَغَابَ فَبَاعَ الْحَاضِرُ الْأَمْتِعَةَ فَالْحَاصِلُ لِلْبَائِعِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أَعْمَلُ مَعَكَ فَسْخٌ لِلشَّرِكَةِ مَعَهُ وَأَحَدُهُمَا يَمْلِكُ فَسْخَهَا وَإِنْ كَانَ الْمَالُ عُرُوضًا، بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ اهـ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ) وَالْفَرْقُ أَنَّ مَالَ الشَّرِكَةِ فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا وَوِلَايَةُ التَّصَرُّفِ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَيَمْلِكُ كُلٌّ نَهْيَ صَاحِبِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ نَقْدًا كَانَ أَوْ عُرُوضًا، بِخِلَافِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا صَارَ عُرُوضًا ثَبَتَ حَقُّ الْمُضَارِبِ فِيهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ رِبْحَهُ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ فَلَا يَمْلِكُ رَبُّ الْمَالِ نَهْيَهُ اهـ
стр. 2459
هُوَ الْمُخْتَارُ بَزَّازِيَّةٌ خِلَافًا لِلزَّيْلَعِيِّ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ عَزْلٌ قَصْدِيٌّ
(وَبِجُنُونِهِ مُطْبِقًا) فَالرِّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْعَامِلِ لَكِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِرِبْحِ مَالِ الْمَجْنُونِ تَتَارْخَانِيَّةٌ
(وَلَمْ يُزَكِّ أَحَدُهُمَا مَالَ الْآخَرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ أَذِنَ كُلٌّ وَأَدَّيَا مَعًا) أَوْ جَهِلَ (ضَمِنَ كُلٌّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ) وَتَقَاصَّا أَوْ رُجِعَ بِالزِّيَادَةِ (وَإِنْ أَدَّيَا مُتَعَاقِبًا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي، عَلِمَ بِأَدَاءِ صَاحِبِهِ أَوْ لَا كَالْمَأْمُورِ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ) أَوْ الْكَفَّارَةِ (إذَا دَفَعَ لِلْفَقِيرِ بَعْدَ أَدَاءِ الْآمِرِ بِنَفْسِهِ) لِأَنَّ فِعْلَ الْآمِرِ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ؛ وَفِيهِ: لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ خِلَافًا لَهُمَا.
(اشْتَرَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَمَةً بِإِذْنِ الْآخَرِ) صَرِيحًا فَلَا يَكْفِي سُكُوتُهُ (لِيَطَأهَا فَهِيَ لَهُ) لَا لِلشَّرِكَةِ (بِلَا شَيْءٍ) لِتَضَمُّنِ الْإِذْنِ بِالشِّرَاءِ لِلْوَطْءِ الْهِبَةَ إذْ لَا طَرِيقَ لِحِلِّهِ إلَّا بِهَا لِحُرْمَةِ وَطْءِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَهِبَةُ الْمَشَاعِ فِيمَا لَا يُقْسَمُ جَائِزَةٌ.
وَقَالَ: يَلْزَمُهُ نِصْفُ الثَّمَنِ (وَلِلْبَائِعِ) وَالْمُسْتَحِقِّ (أَخْذُ كُلٍّ بِثَمَنِهَا) وَعُقْرِهَا لِتَضَمُّنِ الْمُفَاوَضَةِ لِلْكَفَالَةِ.
(وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا) مَثَلًا (فَقَالَ لَهُ آخَرُ: أَشْرِكْنِي فِيهِ فَقَالَ فَعَلْت،
ــ
[رد المحتار]
فَتْحٌ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلزَّيْلَعِيِّ) حَيْثُ قَيَّدَ فَسْخَ أَحَدِهِمَا الشَّرِكَةَ بِكَوْنِ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَأَفَادَ عَدَمَهُ لَوْ عُرُوضًا كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ، وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ لَا يَمْلِكُ فَسْخَ الشَّرِكَةِ إلَّا بِرِضَى صَاحِبِهِ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا غَلَطٌ، وَقَدْ صَحَّحَ هُوَ أَيْ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ انْفِرَادَ الشَّرِيكِ بِالْفَسْخِ وَالْمَالُ عُرُوضٌ. اهـ.
وَوَفَّقَ فِي الْبَحْرِ بَيْنَ كَلَامَيْ الْخُلَاصَةِ، وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ، وَأَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَيَتَوَقَّفُ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِلْمَتْنِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عَزْلٌ قَصْدِيٌّ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ حَجْرٍ، فَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ: وَبِجُنُونِهِ مُطْبِقًا) فَالشَّرِكَةُ قَائِمَةٌ إلَى أَنْ يَتِمَّ إطْبَاقُ الْجُنُونِ فَتَنْفَسِخُ، فَإِذَا عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَالْغَصْبِ لِمَالِ الْمَجْنُونِ فَيَطِيبُ لَهُ رِبْحُ مَالِهِ لَا مَا رَبِحَ مِنْ مَالِ الْمَجْنُونِ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ بَحْرٌ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة.
قَالَ ط: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِالْفَسْخِ إلَّا بِإِطْبَاقِ الْجُنُونِ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ أَوْ بِنِصْفِ حَوْلٍ عَلَى الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ يَتَصَدَّقُ إلَخْ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا تَصَرَّفَ أَحَدُهُمَا بِالْمَالِ فِي صُوَرِ بُطْلَانِ الشَّرِكَةِ الْمَارَّةِ، فَإِنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ لِلْعَامِلِ وَيَتَصَدَّقُ بِمَا رَبِحَ مِنْ مَالِ الْآخَرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُزَكِّ أَحَدُهُمَا إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بَيْنَهُمَا فِي التِّجَارَةِ وَالزَّكَاةُ لَيْسَتْ مِنْهَا وَلِأَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ مِنْ شَرْطِهِ النِّيَّةُ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِذْنِ لَا نِيَّةَ لَهُ فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ لِعَدَمِهَا ط عَنْ الْحَمَوِيِّ (قَوْلُهُ: وَأَدَّيَا مَعًا) أَيْ أَدَّى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ شَرِيكِهِ ح.
وَصُورَتُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ كَمَالٍ: بِأَنْ أَدَّى كُلٌّ مِنْهُمَا بِغَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَاتَّفَقَ أَدَاؤُهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَتَقَاصَّا) أَيْ إنْ كَانَتْ مُفَاوَضَةً أَوْ عِنَانًا تَسَاوَيَا فِيهَا ط (قَوْلُهُ: أَوْ رَجَعَ) أَيْ بِالزِّيَادَةِ إنْ كَانَتْ عِنَانًا لَمْ يَتَسَاوَ فِيهَا الْمَالَانِ.
ط (قَوْلُهُ: اشْتَرَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ) قِيلَ التَّقْيِيدُ بِالْمُتَفَاوِضِينَ اتِّفَاقِيٌّ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلِلْبَائِعِ أَخْذُ كُلٍّ بِثَمَنِهَا لَا يَشْمَلُ الْعِنَانَ لِعَدَمِ تَضَمُّنِهَا الْكَفَالَةَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ شَرِيكَ الْعِنَانِ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ تِجَارَتِهِمَا، وَيَقَعُ الشِّرَاءُ لَهُ وَيُطَالَبُ بِالثَّمَنِ، وَكَذَا يَقَعُ الشِّرَاءُ لَهُ إذَا اشْتَرَى مِنْ جِنْسِ تِجَارَتِهِمَا بَعْدَ مَا صَارَ الْمَالُ عُرُوضًا كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتَبْطُلُ بِهَلَاكِ الْمَالَيْنِ (قَوْلُهُ: بِإِذْنِ الْآخَرِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا لِلْوَطْءِ بِلَا إذْنٍ كَانَتْ شَرِكَةً بَحْرٌ (قَوْلُهُ: لِلْوَطْءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالشِّرَاءِ، وَقَوْلُهُ " الْهِبَةَ " بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ تَضَمَّنَ (قَوْلُهُ: وَقَالَا يَلْزَمُهُ نِصْفُ الثَّمَنِ) ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى دَيْنًا عَلَيْهِ خَاصَّةً مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِنَصِيبِهِ بَحْرٌ وَالْمُتُونُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وَلِلْبَائِعِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ بَحْرٌ، وَالْمُرَادُ بِالتِّجَارَةِ الشِّرَاءُ فَإِنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِهَا كَمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَكُلُّ دَيْنٍ لَزِمَ أَحَدَهُمَا بِتِجَارَةٍ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَعُقْرِهَا) يَرْجِعُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ. قَالَ ح: فَهُوَ نَشْرٌ مُرَتَّبٌ (قَوْلُهُ: لِلْكَفَالَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَضَمُّنِ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلتَّقْوِيَةِ، وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى مَعْمُولِ الْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْفِعْلِ أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْ مَعْمُولِهِ، وَمَا هُنَا مِنْ الْأَوَّلِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ اشْتَرَى) بِمَعْنَى الْمُفْرَدِ؛ لِمَا فِي الْفَتْحِ:
стр. 2460
إنْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ بَعْدَهُ صَحَّ وَلَزِمَهُ نِصْفُ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالثَّمَنِ خُيِّرَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِ؛ وَلَوْ قَالَ: أَشْرِكْنِي فِيهِ فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ لَقِيَهُ آخَرُ وَقَالَ مِثْلَهُ وَأُجِيبَ بِنَعَمْ، فَإِنْ) كَانَ الْقَائِلُ (عَالِمًا بِمُشَارَكَةِ الْأَوَّلِ فَلَهُ رُبْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ نِصْفُهُ) لِكَوْنِ مَطْلُوبِهِ شَرِكَتَهُ فِي كَامِلِهِ (وَ) حِينَئِذٍ (خَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ مِلْكِ الْأَوَّلِ)
مَا اشْتَرَيْت الْيَوْمَ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَك فَقَالَ نَعَمْ جَازَ أَشْبَاهٌ.
وَفِيهَا: تَقَبَّلَ ثَلَاثَةٌ عَمَلًا بِلَا عَقْدِ شَرِكَةٍ فَعَمِلَهُ أَحَدُهُمْ فَلَهُ ثُلُثُ الْأَجْرِ وَلَا شَيْءَ لَلْآخَرَيْنِ.
ــ
[رد المحتار]
لَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ عَبْدًا فَأَشْرَكَا فِيهِ آخَرَ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفُهُ وَلِكُلٍّ مِنْ الْمُشْتَرِيَيْنِ رُبْعُهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا صَارَ مُمَلِّكًا نِصْفَ نَصِيبِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ ثُلُثُهُ؛ لِأَنَّهُمَا حِينَ أَشْرَكَاهُ سَوَّيَاهُ بِأَنْفُسِهِمَا فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى الْعَبْدَ مَعَهُمَا. اهـ. (قَوْلُهُ إنْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَصِحَّ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: اعْلَمْ أَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا كُلَّهُ يَنْبَنِي عَلَى صَيْرُورَةِ الْمُشْتَرِي بَائِعًا لِلَّذِي أَشْرَكَهُ وَهُوَ اسْتَفَادَ الْمِلْكَ مِنْهُ، فَانْبَنَى عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَشْرَكَ فِيهِ رَجُلًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَلَوْ أَشْرَكَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْهِ حَتَّى هَلَكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنٌ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ الَّذِي أَشْرَكَهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ أَشْرَكْتُك صَارَ إيجَابًا لِلْبَيْعِ. اهـ.
قُلْت: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ: اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ أَشْرَكَ آخَرَ فِيهِ فَهَذَا بَيْعُ النِّصْفِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِيهِ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ مِنْ ثُبُوتِ خِيَارِ الْعَيْبِ وَالرُّؤْيَةِ وَنَحْوِهِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فِي الْمَجْلِسِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَبَادِرِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ بَعْدَهُ صَحَّ إلَخْ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلَزِمَهُ نِصْفُ الثَّمَنِ) بِنَاءً عَنْ أَنَّ مُطْلَقَ الشَّرِكَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]- إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ خِلَافَهُ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ لَقِيَهُ آخَرُ) أَمَّا لَوْ أَشْرَكَ اثْنَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً.
كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا فَتْحٌ وَكَافِيٌّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ) أَيْ الثَّانِي (قَوْلُهُ: فَلَهُ رُبْعُهُ) أَيْ رُبْعُ جَمِيعِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الْإِشْرَاكَ فِي نَصِيبِهِ وَنَصِيبُهُ النِّصْفُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: لِكَوْنِ مَطْلُوبِهِ شَرِكَتَهُ فِي كَامِلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ بِمُشَارَكَةِ الْأَوَّلِ يَصِيرُ طَالِبًا لِشِرَاءِ النِّصْفِ وَقَدْ أَجَابَهُ إلَيْهِ.
[تَنْبِيهٌ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ شَرِكَةُ مِلْكٍ، وَفِي التتارخانية عَنْ التَّتِمَّةِ: سُئِلَ وَالِدِي عَنْ أَحَدِ شَرِيكَيْ عِنَانٍ اشْتَرَى بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ عُرُوضًا ثُمَّ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ أَشْرَكْتُك فِي نَصِيبِي مِمَّا اشْتَرَيْت قَالَ يَصِيرُ شَرِيكًا لَهُ شَرِكَةَ مِلْكٍ.
(قَوْلُهُ: مَا اشْتَرَيْت الْيَوْمَ إلَخْ) ذِكْرُ الْيَوْمِ غَيْرُ قَيْدٍ كَمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ. وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ: وَإِنْ اشْتَرَكَا بِلَا مَالٍ عَلَى أَنَّ مَا اشْتَرَيَا مِنْ الرَّقِيقِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا جَازَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَا فِي هَذَا الشَّهْرِ فَخَصَّا الْعَمَلَ وَالْوَقْتَ؛ فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا اشْتَرَيْت مَتَاعًا فَهَلَكَ مِنِّي وَطَالَبَ شَرِيكُهُ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ لَمْ يُصَدَّقْ، فَإِنْ بَرْهَنَ عَلَى الشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ ثُمَّ ادَّعَى الْهَلَاكَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَإِنْ شُرِطَ الرِّبْحُ أَثْلَاثًا بَطَلَ الشَّرْطُ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُهُمَا الْخُرُوجَ مِنْ الشَّرِكَةِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ اهـ مُلَخَّصًا.
زَادَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَ حِصَّةَ الْآخَرِ مِمَّا اشْتَرَى إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الشِّرَاءِ لَا فِي الْبَيْعِ. اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ هَذِهِ شَرِكَةُ مِلْكٍ لَا عَقْدٍ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ اشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ مَا اشْتَرَيَا مِنْ تِجَارَةٍ فَهُوَ بَيْنَنَا يَجُوزُ وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى بَيَانِ الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ وَالْوَقْتِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَارَ وَكِيلًا عَنْ الْآخَرِ فِي نِصْفِ مَا يَشْتَرِيه وَغَرَضُهُ تَكْثِيرُ الرِّبْحِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِعُمُومِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُنْتَقَى قَالَ هِشَامٌ: سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ مَعِي عَشَرَةُ آلَافٍ فَخُذْهَا شَرِكَةً تَشْتَرِي بَيْنِي وَبَيْنَك قَالَ هُوَ جَائِزٌ وَالرِّبْحُ وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِمَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ كَانَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ ثُلُثُ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ ثُلُثَهُ بِثُلُثِ الْأَجْرِ، فَإِذَا عَمِلَ أَحَدُهُمْ الْكُلَّ صَارَ مُتَطَوِّعًا فِي الثُّلُثَيْنِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ اهـ ح عَنْ الْبَحْرِ: قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ: هَذَا فِي الْقَضَاءِ، أَمَّا فِي الدِّيَانَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُوَفِّيَهُ بَقِيَّةَ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ
стр. 2461
[فُرُوعٌ] الْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الشَّرِكَةِ
بَرْهَنَ الْوَرَثَةُ عَلَى الْمُفَاوَضَةِ لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يُبَرْهِنُوا أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْحَيِّ فِي حَيَاةِ الْمَيِّتِ بَرْهَنُوا عَلَى الْإِرْثِ وَالْحَيُّ عَلَى الْمُفَاوَضَةِ قُضِيَ لَهُ بِنِصْفِهِ فَتْحٌ.
تَصَرَّفَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْبَلَدِ وَالْآخَرُ فِي السَّفَرِ وَأَرَادَ الْقِسْمَةَ فَقَالَ ذُو الْيَدِ قَدْ اسْتَقْرَضْت أَلْفًا فَالْقَوْلُ لَهُ: إنَّ الْمَالَ فِي يَدِهِ.
ــ
[رد المحتار]
الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْعَامِلِ أَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ الْجَمِيعُ عَلَى الظَّنِّ أَنْ يُعْطِيَهُ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخِيبَ ظَنُّهُ.
[فُرُوعٌ الْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الشَّرِكَةِ]
(قَوْلُهُ: الْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الشَّرِكَةِ) أَيْ إذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَادَّعَى عَلَيْهِ آخَرُ أَنَّهُ شَارَكَهُ مُفَاوَضَةً فَالْقَوْلُ لِلْجَاحِدِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْعَقْدَ وَاسْتِحْقَاقَ مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ: بَرْهَنَ الْوَرَثَةُ إلَخْ) أَيْ إذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُفَاوِضَيْنِ وَالْمَالُ فِي يَدِ الْحَيِّ فَبَرْهَنَ الْوَرَثَةُ عَلَى الْمُفَاوَضَةِ لَمْ يُقْضَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي يَدِ الْحَيِّ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِعَقْدٍ عُلِمَ ارْتِفَاعُهُ بِالْمَوْتِ وَلِأَنَّهُ لَا حُكْمَ فِيمَا شَهِدَا بِهِ عَلَى الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمُفَاوَضَةَ فِيمَا مَضَى لَا تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الَّذِي فِي يَدِهِ فِي الْحَالِ مِنْ شَرِكَتِهِمَا إلَّا أَنْ يُبَرْهِنُوا أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ فِي حَيَاةِ الْمَيِّتِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ شَرِكَتِهِمَا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ شَهِدُوا بِالنِّصْفِ لِلْمَيِّتِ وَوَرَثَتُهُ خُلَفَاؤُهُ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: بَرْهَنُوا عَلَى الْإِرْثِ) يَعْنِي وَالْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: قُضِيَ لَهُ بِنِصْفِهِ) أَيْ تَرْجِيحًا لِبَيِّنَةٍ عَلَى بَيِّنَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ يَدَّعِي نِصْفَ الْمَالِ عَلَى ذِي الْيَدِ بِعَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ مَعَ الْمُوَرِّثِ.
(قَوْلُهُ: تَصَرَّفَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْبَلَدِ إلَخْ) تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِكَوْنِهِ تَصَرَّفَ فِي الْبَلَدِ، وَالْآخَرُ فِي السَّفَرِ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِهِ صُورَةَ الْوَاقِعَةِ، أَوْ لِيُفِيدَ أَنَّ الْقَوْلَ لِذِي الْيَدِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُهُ بِمَا صَنَعَ. مَطْلَبٌ إذَا قَالَ الشَّرِيكُ اسْتَقْرَضْت أَلْفًا فَالْقَوْلُ إنَّ الْمَالَ بِيَدِهِ (قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لَهُ إنَّ الْمَالَ فِي يَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ أَمِينٌ، فَقَدْ ادَّعَى أَنَّ الْأَلْفَ حَقُّ الْغَيْرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي دَيْنًا عَلَيْهِ، فَلَوْ قَالَ لِي فِي هَذَا الْمَالِ الَّذِي فِي يَدَيَّ كَذَا يُقْبَلُ أَيْضًا كَمَا يُقْبَلُ أَنَّهُ لِلْغَيْرِ تَأَمَّلْ. وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى، وَبِهِ أَفْتَيْت رَمْلِيٌّ عَلَى الْمِنَحِ.
وَأَفْتَى أَيْضًا فِي الْخَيْرِيَّةِ فِيمَا إذَا قَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ الْمَالُ كُنْت اسْتَدَنْت مِنْ فُلَانٍ كَذَا لِلشَّرِكَةِ وَدَفَعْت لَهُ دَيْنَهُ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا فِي الْمِنَحِ عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْحَامِدِيَّةِ عَنْ مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ فِي فَصْلِ مَا يَجُوزُ لِأَحَدِ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ: لَوْ اسْتَقْرَضَ أَحَدُهُمَا مَالًا لَزِمَهُمَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْرَاضَ تِجَارَةٌ وَمُبَادَلَةٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ يُمَلِّكُ الْمُسْتَقْرِضَ وَيَلْزَمُهُ رَدُّ مِثْلِهِ فَشَابَهُ الْمُصَارَفَةَ أَوْ الِاسْتِعَارَةَ، وَأَيُّهُمَا كَانَ نَفَذَ عَلَى صَاحِبِهِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَكَذَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ شَرِكَةِ الْعِنَانِ، لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا قَالَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ إنِّي اسْتَقْرَضْت مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِلتِّجَارَةِ لَزِمَهُ خَاصَّةً دُونَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِإِلْزَامِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَمَرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالِاسْتِدَانَةِ لَا يَصِحُّ الْأَمْرُ وَلَا يَمْلِكُ الِاسْتِدَانَةَ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَرْجِعُ الْمُقْرِضُ عَلَيْهِ لَا عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِدَانَةِ تَوْكِيلٌ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالتَّكَدِّي إلَّا أَنْ يَقُولَ الْوَكِيلُ لِلْمُقْرِضِ إنَّ فُلَانًا يَسْتَقْرِضُ مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَالُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لَا عَلَى الْوَكِيلِ اهـ أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ رَسُولًا وَالْمُسْتَقْرِضُ هُوَ الْمُرْسِلَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَإِنْ أَذِنَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ لَزِمَهُ خَاصَّةً، فَكَانَ لِلْمُقْرِضِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى شَرِيكِهِ وَهُوَ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ فَصَارَ الْإِذْنُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً اهـ.
قُلْت: وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا مَرَّ عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ الِاسْتِقْرَاضَ
стр. 2462
شَرَوْا كَرْمًا فَبَاعُوا ثَمَرَتَهُ وَدَفَعُوهُ لِأَحَدِهِمْ لِيَحْفَظَهُ فَدَسَّهُ فِي التُّرَابِ وَلَمْ يَجِدْهُ حَلَفَ فَقَطْ.
دَفَعَ لِآخَرَ مَالًا أَقْرَضَهُ نِصْفَهُ وَعَقَدَ الشَّرِكَةَ فِي الْكُلِّ فَشَرَى أَمْتِعَةً فَطَلَبَ رَبُّ الْمَالِ حِصَّتَهُ، إنْ لَمْ يَصْبِرْ لِنَضِّهِ أَخَذَ الْمَتَاعَ بِقِيمَةِ الْوَقْتِ.
بَيْنَهُمَا مَتَاعٌ عَلَى دَابَّةٍ فِي الطَّرِيقِ سَقَطَتْ فَاكْتَرَى أَحَدُهُمَا بِغَيْبَةِ الْآخَرِ خَوْفًا مِنْ هَلَاكِ الْمَتَاعِ أَوْ نَقْصِهِ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ قُنْيَةٌ.
ــ
[رد المحتار]
لِأَنَّهُ تِجَارَةٌ: أَيْ مُبَادَلَةٌ مَعْنًى. وَالثَّانِي عَدَمُ الْجَوَازِ وَلَوْ بِصَرِيحِ الْإِذْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمُوَافَقَتِهِ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالتَّكَدِّي، وَبَيَانُهُ أَنَّ الِاسْتِقْرَاضَ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً فَكَانَ فِي مَعْنَى التَّكَدِّي: أَيْ الشِّحَاذَةِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْرَضَ بِالْإِذْنِ وَهَلَكَ الْقَرْضُ يَهْلِكُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَعَلَى الثَّانِي يَهْلِكُ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ الْجَوَاهِرِ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَقْرَضَهُ أَحَدُهُمَا يَمْلِكُهُ الْمُسْتَقْرِضُ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَوَضَعَهُ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ وَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ يُصَدَّقُ فَلَهُ أَخْذُ نَظِيرِهِ، لِمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الشَّرِيكَ أَمِينٌ فِي الْمَالِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى شَرِيكِهِ فَذَاكَ فِيمَا إذَا هَلَكَ الْقَرْضُ، فَلَا يُنَافِي قَبُولَ قَوْلِهِ إنَّ بَعْضَ هَذَا الْمَالِ قَرْضٌ، وَأَرَادَ أَخْذَ نَظِيرِهِ إذْ لَا رُجُوعَ فِي ذَلِكَ عَلَى الشَّرِيكِ، وَكَذَا لَا يُنَافِي مَا قَدَّمْنَاهُ عِنْد قَوْلِهِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِدَيْنٍ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ جَمِيعُ الدَّيْنِ إنْ كَانَ هُوَ الَّذِي وَلِيَهُ إلَخْ لِمَا قُلْنَا، نَعَمْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ هُنَاكَ فِي الشَّرْحِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِجَارِيَةٍ فِي يَدِهِ مِنْ الشَّرِكَةِ أَنَّهَا لِرَجُلٍ لَمْ يَجُزْ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا إذَا عَلِمَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَنَّهَا مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا إذْ لَا يُصَدَّقُ عَلَى شَرِيكِهِ بَلْ إقْرَارُهُ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ فَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَهُ، وَالسَّلَامُ.
(قَوْلُهُ: وَدَفَعُوهُ) أَيْ الثَّمَنَ الْمَفْهُومَ مِنْ الْبَيْعِ الْتِزَامًا وَالْمُصَنِّفُ صَرَّحَ بِهِ اهـ ح (قَوْلُهُ: فَدَسَّهُ فِي التُّرَابِ) أَيْ تُرَابِ الْكَرْمِ الْحَصِينِ بِبَابٍ وَغَلَقَ، وَلَوْ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ لَمْ يُضْمَنْ إنْ جُعِلَ عَلَامَةً وَإِلَّا ضُمِنَ كَالْوَضْعِ فِي الْمَفَازَةِ مُطْلَقًا جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَرْمِ وَالْأَرْضِ أَنَّ الْكَرْمَ مَطْلُوبٌ لِأَجْلِ الثِّمَارِ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حِرْزًا، وَأَمَّا الْأَرْضُ فَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً سَائِحَانِيٌّ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: أَقْرَضَهُ نِصْفَهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَاضُ بَعْدَ إفْرَازِهِ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنَّ قَرْضَ الْمَشَاعِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ. مَطْلَبٌ دَفَعَ أَلْفًا عَلَى أَنَّ نِصْفَهُ قَرْضٌ وَنِصْفَهُ مُضَارَبَةٌ أَوْ شَرِكَةٌ وَفِي مُضَارَبَةِ التَّتَارْخَانِيَّة: وَلَوْ قَالَ خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ عَلَى أَنَّ نِصْفَهَا قَرْضٌ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِي جَازَ وَلَا يُكْرَهُ، فَإِنْ تَصَرَّفَ بِالْأَلْفِ وَرَبِحَ كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْأَلْفِ صَارَ مِلْكًا لِلْمُضَارِبِ بِالْقَرْضِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بِضَاعَةٌ فِي يَدِهِ، وَإِنْ عَلَى أَنَّ نِصْفَهَا قَرْضٌ وَنِصْفَهَا مُضَارَبَةٌ بِالنِّصْفِ جَازَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَرَاهَةَ هُنَا. اهـ.
قُلْت: وَيَظْهَرُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِي الثَّانِي بِالْأَوْلَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّرِكَةَ كَالْمُفَاوَضَةِ لَوْ دَفَعَ أَلْفًا نِصْفُهَا قَرْضٌ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِالْأَلْفِ بِالشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا وَالرِّبْحُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ مَثَلًا، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَرْضًا جَرَّ نَفْعًا (قَوْلُهُ: فَطَلَبَ رَبُّ الْمَالِ حِصَّتَهُ) أَيْ مِمَّا كَانَ مِنْ الشَّرِكَةِ مِنَحٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ طَلَبَ مَالَ الْقَرْضَةِ، فَإِنْ صَبَرَ إلَى أَنْ يَصِيرَ مَالُ الشَّرِكَةِ نَاضًّا: أَيْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ يَأْخُذُ مَا أَقْرَضَهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ لِنَضِّهِ أَخَذَ مَتَاعًا بِقِيمَةِ الْوَقْتِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِرِضَا شَرِيكِهِ، وَإِلَّا فَلَهُ دَفْعُ قَرْضِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَتَاعِ إنْ كَانَ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِبَيْعِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الْمُرَادَ مَالُ الْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ قِسْمَةَ حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ اشْتَرَيَاهُ وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْيَنَابِيعِ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَهُمَا مَتَاعٌ إلَخْ) وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا
стр. 2463
دَابَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ قَالَ الْبَيْطَارُونَ لَا بُدَّ مِنْ كَيِّهَا فَكَوَاهَا الْحَاضِرُ لَمْ يَضْمَنْ.
دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ سَكَنَ أَحَدُهُمَا وَخَرِبَتْ، إنْ خَرِبَتْ بِالسُّكْنَى ضَمِنَ طَاحُونٌ مُشْتَرَكَةٌ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ عَمِّرْهَا فَقَالَ هَذِهِ الْعِمَارَةُ تَكْفِينِي لَا أَرْضَى بِعِمَارَتِك فَعَمَّرَهَا لَمْ يَرْجِعْ جَوَاهِرُ الْفَتَاوَى.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ: طَاحُونٌ مُشْتَرَكٌ أَنْفَقَ أَحَدُهُمَا فِي عِمَارَتِهَا فَلَيْسَ بِمُتَطَوِّعٍ؛ وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَى عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ أَدَّى خَرَاجَ كَرْمٍ مُشْتَرَكٍ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْكُلِّ مِنْ مِنَحِ الْمُصَنِّفِ قُلْت: وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُجْبِرَ أَنْ يَفْعَلَ مَعَ شَرِيكِهِ إذَا فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا بِلَا إذْنٍ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ وَإِلَّا لَا
وَلَا يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى الْعِمَارَةِ إلَّا فِي ثَلَاثٍ -
ــ
[رد المحتار]
بَعِيرٌ حَمَلَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا بِأَمْرِ شَرِيكِهِ فَسَقَطَ فِي الطَّرِيقِ فَنَحَرَهُ، إنْ كَانَ تُرْجَى حَيَاتُهُ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ نَحَرَهُ أَجْنَبِيٌّ يَضْمَنُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَذَا الشَّاةُ لَوْ ذَبَحَهَا الرَّاعِي عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، وَلَوْ ذَبَحَهَا غَيْرُهُ يَضْمَنُ ط مُلَخَّصًا عَنْ الْهِنْدِيَّةِ
(قَوْلُهُ: دَابَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ) أَيْ بَيْنَ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ.
ط (قَوْلُهُ: قَالَ الْبَيْطَارُونَ) جَمْعُ بَيْطَارٍ: مُعَالِجُ الدَّوَابِّ قَامُوسٌ ط (قَوْلُهُ لَمْ يَضْمَنْ) أَيْ إذَا هَلَكَتْ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى خَبَرِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ ضَمِنَ.
ط (قَوْلُهُ: سَكَنَ أَحَدُهُمَا إلَخْ) تَقَدَّمَتْ مَسَائِلُ الِانْتِفَاعِ بِالْمُشْتَرَكِ فِي غَيْبَةِ شَرِيكِهِ أَوَّلَ الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا فِي الْخَلْطِ وَالِاخْتِلَاطِ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: طَاحُونٌ مُشْتَرَكَةٌ) الْمُرَادُ بِهَا كُلُّ مَا لَا يُقْسَمُ ط (قَوْلُهُ: عَمِّرْهَا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ: أَيْ قَالَ لِلْآخَرِ عَمِّرْهَا مَعِي فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: لَمْ يَرْجِعْ) ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الضَّابِطِ الْآتِي (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ بِمُتَطَوِّعٍ) مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلِلضَّابِطِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ) ؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَعَلَى أَدَاءِ الْخَرَاجِ ط. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِيمَا إذَا امْتَنَعَ الشَّرِيكُ مِنْ الْعِمَارَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي الْمُشْتَرَكِ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: جَازَ الْجَبْرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي قِنٍّ وَزَرْعٍ وَدَابَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ، وَلَمْ يُجْبَرْ ذُو السُّفْلِ عَلَى الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ يَصِيرُ الْمُمْتَنِعُ عَنْ النَّفَقَةِ مُتْلِفًا حَقًّا قَائِمًا لِشَرِيكِهِ فَيُجْبَرُ، بِخِلَافِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ حَقَّ ذِي الْعُلُوِّ فَائِتٌ إذْ حَقُّهُ قَرَارُ الْعُلْوِ عَلَى السُّفْلِ وَلَمْ يُبْقَيَا، لَكِنْ يَأْتِي فِي الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ: لَوْ انْهَدَمَ وَعَرْصَتُهُ عَرِيضَةٌ، قِيلَ لَا يُجْبَرُ، وَقِيلَ يُجْبَرُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ لِتَضَرُّرِ الشَّرِيكِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْبَرَ ذُو السُّفْلِ عَلَى الْبِنَاءِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَذُكِرَ قَبِيلُهُ فِي قِنٍّ أَوْ زَرْعٍ بَيْنَهُمَا فَغَابَ أَحَدُهُمَا وَأَنْفَقَ الْآخَرُ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا، بِخِلَافِ ذِي الْعُلْوِ مَعَ أَنَّ كُلًّا لَا يَصِلُ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ إلَّا بِالْإِنْفَاقِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوَّلَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ لَوْ حَاضِرًا يَجْبُرُهُ الْقَاضِي عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَلَوْ غَائِبًا يَأْمُرُ الْقَاضِي الْحَاضِرَ بِهِ لِيَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ، فَلَمَّا زَالَ الِاضْطِرَارُ كَانَ مُتَبَرِّعًا أَمَّا ذُو الْعُلْوِ فَمُضْطَرٌّ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ إذْ الْقَاضِي لَا يَجْبُرُهُ لَوْ حَاضِرًا فَلَا يَأْمُرُ غَيْرَهُ لَوْ غَائِبًا وَالْمُضْطَرُّ لَيْسَ بِمُتَبَرِّعٍ اهـ مُلَخَّصًا، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ فِي الْجَبْرِ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى الْقِنِّ وَالزَّرْعِ قَوْلَيْنِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذُو السُّفْلِ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَالضَّابِطُ إلَخْ) نُقِلَ هَذَا الضَّابِطُ فِي مُتَفَرِّقَاتِ قَضَاءِ الْبَحْرِ عَنْ الْإِمَامِ الْحَلْوَانِيِّ. قُلْت: وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا إذَا كَانَ مَرِيدُ الْإِنْفَاقِ مُضْطَرًّا إلَى إنْفَاقِ شَرِيكِهِ مَعَهُ فَيُقَالُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُضْطَرًّا إلَى الْإِنْفَاقِ مَعَهُ وَأَنْفَقَ بِلَا إذْنِ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ الْآخَرُ الْمُمْتَنِعُ يُجْبَرُ عَلَى الْفِعْلِ مَعَهُ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ
стр. 2464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[رد المحتار]
رَفْعِهِ إلَى الْقَاضِي لِيُجْبِرَهُ وَإِلَّا لَا: أَيْ وَإِنْ لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فَالْأَوَّلُ كَمَا فِي الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ وَكَمَا فِي قِنٍّ وَزَرْعٍ وَدَابَّةٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي كَمَا فِي سُفْلٍ انْهَدَمَ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى مَا مَرَّ، فَذُو الْعُلْوِ مُضْطَرٌّ إلَى الْبِنَاءِ وَصَاحِبُهُ لَا يُجْبَرُ، فَإِذَا أَنْفَقَ ذُو الْعُلْوِ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا، وَمِثْلُهُ الْحَائِطُ الْمُنْهَدِمُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حُمُولَةُ الْآخَرِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَرِيدُ الْإِنْفَاقِ غَيْرَ مُضْطَرٍّ وَكَانَ صَاحِبُهُ لَا يُجْبَرُ كَدَارٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا وَامْتَنَعَ الشَّرِيكُ مِنْ الْعِمَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ، فَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْآخَرُ بِلَا إذْنِهِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إذْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُقَسِّمَ حِصَّتَهُ وَيُعَمِّرَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ، وَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي مِنْ التَّقْيِيدِ بِمَا لَا يُقْسَمُ أَيْضًا، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالِاضْطِرَارِ كَمَا قُلْنَا، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَبَرِّعًا حَيْثُ أَمْكَنَتْهُ الْقِسْمَةُ.
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ حَيْثُ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاضْطِرَارَ يَثْبُتُ فِيمَا لَا يُجْبَرُ صَاحِبُهُ لَا فِيمَا يُجْبَرُ، فَفِي الْأَوَّلِ يَرْجِعُ لَا فِي الثَّانِي لَوْ فَعَلَهُ بِلَا إذْنٍ، وَهَذَا يُخَلِّصُك عَنْ الِاضْطِرَابِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْبَابِ اهـ مُلَخَّصًا فَافْهَمْ، هَذَا.
وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ: حَمَّامٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ دُولَابٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا تَفُوتُ بِقِسْمَتِهِ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ احْتَاجَ إلَى الْمَرَمَّةِ وَامْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤَجِّرُهَا الْقَاضِي لِيَرُمَّهَا بِالْأُجْرَةِ أَوْ يَأْذَنُ لِأَحَدِهِمَا بِالْإِجَارَةِ وَيَأْخُذُ الْمَرَمَّةَ مِنْهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْقَاضِيَ يَأْذَنُ لِغَيْرِ الْآبِي بِالْإِنْفَاقِ ثُمَّ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ حِصَّتَهُ، وَالْفَتْوَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْخَيْرِيَّةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ.
قُلْت: وَهَذَا زِيَادَةُ بَيَانٍ لِمَا سَكَتَ عَنْهُ الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اُضْطُرَّ وَرَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيُجْبِرَهُ ثُمَّ امْتَنَعَ تَعَنُّتًا أَوْ عَجْزًا يَأْذَنُ الْقَاضِي لِلْمُضْطَرِّ لِيَرْجِعَ بَقِيَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ بِمَاذَا يَرْجِعُ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: حَائِطٌ بَيْنَهُمَا وَهَى وَخِيفَ سُقُوطُهُ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَهُ وَأَبَى الْآخَرُ يُجْبَرُ عَلَى نَقْضِهِ، وَلَوْ هَدَمَا حَائِطًا بَيْنَهُمَا فَأَبَى أَحَدُهُمَا عَنْ بِنَائِهِ يُجْبَرُ، وَلَوْ انْهَدَمَ لَا يُجْبَرُ وَلَكِنَّهُ يَبْنِي الْآخَرُ فَيَمْنَعُهُ حَتَّى يَأْخُذَ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ لَوْ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَنِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ لَوْ أَنْفَقَ بِلَا أَمْرِ الْقَاضِي. اهـ.
وَنُقِلَ هَذَا الْحُكْمُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ فِي مَسْأَلَةِ انْهِدَامِ السُّفْلِ وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا فِيمَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَالْحَائِطِ وَالسُّفْلِ أَمَّا مَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا لَا يُقْسَمُ لَا بُدَّ فِيهِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْ إذْنِ الْقَاضِي كَمَا عَلِمْت خِلَافًا لِمَا سَيَأْتِي عَنْ الْأَشْبَاهِ.
وَبِهِ يَظْهَرُ لَك مَا فِي قِسْمَةِ الْخَيْرِيَّةِ، حَيْثُ سُئِلَ فِي عَقَارٍ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَالطَّاحُونِ وَالْحَمَّامِ إذَا احْتَاجَ إلَى مَرَمَّةٍ وَأَنْفَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ مَالِهِ، أَجَابَ: لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ كَمَا حَقَّقَهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَجَعَلَ الْفَتْوَى عَلَيْهِ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ: طَاحُونَةٌ لَهُمَا أَنْفَقَ أَحَدُهُمَا فِي مَرَمَّتِهَا بِلَا إذْنِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا إذْ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ إلَّا بِهِ اهـ فَرَاجِعْ كُتُبَ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَعَ تَحَيُّرٌ وَاضْطِرَابٌ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ اهـ مُلَخَّصًا. قُلْت: مَا نَقَلَهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَنْ الْفَضْلِيِّ قَالَ عَقِبَهُ أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى تَفْصِيلٍ قَدَّمْته. اهـ.
قُلْت: أَرَادَ بِالتَّفْصِيلِ مَا مَرَّ مِنْ إنَاطَةِ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ عَلَى الْجَبْرِ وَعَدَمِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمَا فِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ فِي الطَّاحُونِ يُجْبَرُ لِكَوْنِهَا مِمَّا لَا يُقْسَمُ فَلَا يَرْجِعُ الْمُعَمِّرُ بِلَا إذْنِهِ وَبِلَا أَمْرِ الْقَاضِي. وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلَامِ الْفَضْلِيِّ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ هُوَ قَوْلٌ آخَرُ كَمَا يَأْتِي وَأَمَّا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ السُّفْلِ، وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ بِعَيْنِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يُجْبَرُ فِيهَا الشَّرِيكُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُعَمِّرُ وَإِنْ عَمَّرَ بِلَا إذْنِهِ كَمَا عَلِمْت وَلَا تُقَاسُ عَلَيْهَا مَسْأَلَةُ الطَّاحُونِ.
стр. 2465
وَصِيٌّ وَنَاظِرٌ وَضَرُورَةُ تَعَذُّرِ قِسْمَةٍ كَكَرْيِ نَهْرٍ وَمَرَمَّةِ قَنَاةٍ وَبِئْرٍ وَدُولَابٍ وَسَفِينَةٍ مَعِيبَةٍ وَحَائِطٍ لَا يُقْسَمُ أَسَاسُهُ فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَيَبْنِي كُلُّ وَاحِدٍ فِي نَصِيبِهِ السُّتْرَةَ لَمْ يُجْبَرْ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي الْحَائِطِ إذَا خَرِبَ وَطَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قِسْمَتَهُ أَوْ تَعْمِيرَهُ وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ أَنَّ الشَّرِيكَ إذَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَى الْعِمَارَةِ مَعَ شَرِيكِهِ بِأَنْ أَمْكَنَهُ الْقِسْمَةَ فَأَنْفَقَ بِلَا إذْنِهِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ، وَإِنْ اُضْطُرَّ وَكَانَ الشَّرِيكُ يُجْبَرُ عَلَى الْعَمَلِ مَعَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ أَوْ أَمْرِ الْقَاضِي فَيَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ إنْ اُضْطُرَّ وَكَانَ شَرِيكُهُ لَا يُجْبَرُ، فَإِنْ أَنْفَقَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِأَمْرِ الْقَاضِي رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ أَوْ لَا فَبِالْقِيمَةِ، فَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي هُوَ مَزَلَّةُ أَقْدَامِ الْأَفْهَامِ (قَوْلُهُ: وَصِيٌّ وَنَاظِرٌ) قَالَ فِي وَصَايَا الْخَانِيَّةِ: جِدَارٌ بَيْنَ دَارِ صَغِيرَيْنِ عَلَيْهِ حُمُولَةٌ يُخَافُ عَلَيْهِ السُّقُوطُ وَلِكُلِّ صَغِيرٍ وَصِيٌّ فَطَلَبَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ مَرَمَّةَ الْجِدَارِ وَأَبَى الْآخَرُ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: يَبْعَثُ الْقَاضِي أَمِينًا يَنْظُرُ فِيهِ إنْ عَلِمَ أَنَّ فِي تَرْكِهِ ضَرَرًا عَلَيْهِمَا أُجْبِرَ الْآبِي أَنْ يَبْنِيَ مَعَ صَاحِبِهِ وَلَيْسَ هَذَا كَإِبَاءِ أَحَدِ الْمَالِكَيْنِ؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ الْآبِي رَضِيَ بِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ فَلَا يُجْبَرُ، أَمَّا هُنَا الْوَصِيُّ أَرَادَ إدْخَالَ الضَّرَرِ عَلَى الصَّغِيرِ فَيُجْبَرُ أَنْ يَرُمَّ مَعَ صَاحِبِهِ. اهـ.
قُلْت: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ كَمَالِ الْيَتِيمِ، فَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ وَقْفَيْنِ وَاحْتَاجَتْ إلَى الْمَرَمَّةِ فَأَرَادَهَا أَحَدُ النَّاظِرَيْنِ وَأَبَى الْآخَرُ يُجْبَرُ عَلَى التَّعْمِيرِ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ، وَقَدْ صَارَتْ حَادِثَةَ الْفَتْوَى، كَذَا فِي مُتَفَرِّقَاتِ قَضَاءِ الْبَحْرِ ح.
قُلْت: بَقِيَ لَوْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَ بَالِغٍ وَيَتِيمٍ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى الْبَائِعِ لَا يُجْبَرُ وَصِيُّ الْيَتِيمِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَكَذَا لَوْ بَيْنَ يَتِيمَيْنِ وَالضَّرَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا، بِأَنْ كَانَتْ حُمُولَةُ الْجِدَارِ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْبَرَ وَصِيُّ الْمُتَضَرِّرِ لَوْ امْتَنَعَ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْوَقْفِ مَعَ الْمِلْكِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَضَرُورَةُ تَعَذُّرِ قِسْمَةٍ) الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ ط (قَوْلُهُ: كَكَرْيِ نَهْرٍ) أَيْ تَعْدِيلِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ) أَيْ يَحْتَمِلُ أَسَاسُهُ الْقِسْمَةَ، بِأَنْ كَانَ عَرِيضًا.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حُمُولَةٌ أَوْ لَا، فَفِي الثَّانِي إنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَأَبَى الْآخَرُ فَقَبِلَ لَا يُجْبَرُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُجْبَرُ لَوْ عَرْصَتُهُ عَرِيضَةً، بِهِ يُفْتَى وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْبِنَاءَ لَا الْقِسْمَةَ، فَلَوْ عَرِيضَةً لَا يُجْبَرُ الْآبِي، وَلَوْ غَيْرَ عَرِيضَةٍ، قِيلَ لَا يُجْبَرُ أَيْضًا، وَقِيلَ يُجْبَرُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَإِنْ بَنَى أَحَدُهُمَا قِيلَ لَا يَرْجِعُ لَوْ عَرِيضَةً؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِيهِ وَفِي الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ حُمُولَةٌ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْحُمُولَةُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ عَرْصَةِ الْحَائِطِ لَا يُجْبَرُ الْآخَرُ وَلَوْ عَرِيضَةً إذْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقٌّ فِي كَامِلِ الْعَرْصَةِ وَهُوَ وَضْعُ الْجُذُوعِ عَلَى جَمِيعِ الْحَائِطِ، وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْبِنَاءَ، قِيلَ لَا يُجْبَرُ الْآبِي لَوْ عَرِيضَةً، وَقِيلَ مُطْلَقًا، وَقِيلَ يُجْبَرُ مُطْلَقًا، وَبِهِ يُفْتَى إذْ فِي عَدَمِ الْجَبْرِ تَعْطِيلُ حَقِّ شَرِيكِهِ، وَهُوَ وَضْعُ الْجُذُوعِ عَلَى جَمِيعِ الْحَائِطِ، وَلَوْ بَنَى بِلَا إذْنٍ، قِيلَ: لَوْ عَرِيضَةً لَا يَرْجِعُ وَقِيلَ يَرْجِعُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ كَمَا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ عَرِيضَةٍ، لَكِنْ مَرَّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ شَرِيكَهُ يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ وَلَا اضْطِرَارَ فِيمَا يُجْبَرُ
стр. 2466
وَإِلَّا أُجْبِرَ وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يُقْسَمُ كَحَمَّامٍ وَخَانٍ وَطَاحُونٍ وَتَمَامُهُ فِي مُتَفَرِّقَاتِ قَضَاءِ الْبَحْرِ وَالْعَيْنِيِّ وَالْأَشْبَاهِ
[مَطْلَبٌ فِي الْحَائِطِ إذَا خَرِبَ وَطَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قِسْمَتَهُ أَوْ تَعْمِيرَهُ]
وَفِي غَصْبِ الْمُجْتَبَى زَرَعَ بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ فَدَفَعَ لَهُ شَرِيكُهُ نِصْفَ الْبَذْرِ لِيَكُونَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ النَّبَاتِ لَمْ يَجُزْ وَبَعْدَهُ جَازَ وَإِنْ أَرَادَ قَلْعَهُ يُقَاسِمْهُ فَيَقْلَعُهُ مِنْ نَصِيبِهِ وَيَضْمَنُ الزَّارِعُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ بِالْقَلْعِ، وَالصَّوَابُ " نُقْصَانُ الزَّرْعِ "
وَفِي قِسْمَةِ الْأَشْبَاهِ الْمُشْتَرَكِ: إذَا انْهَدَمَ فَأَبَى أَحَدُهُمَا الْعِمَارَةَ، فَإِنْ احْتَمَلَ الْقِسْمَةَ لَا جَبْرَ وَقُسِمَ وَإِلَّا بَنَى ثُمَّ آجَرَهُ لِيَرْجِعَ وَتَمَامُهُ فِي شَرِكَةِ الْمَنْظُومَةِ الْمُحْبِيَةِ، وَفِيهَا:
بَاعَ شَرِيكٌ شِقْصَهُ لِآخَرِ ... وَلَوْ بِلَا إذْنِ شَرِيكٍ نَاظِرِ
فِيمَا عَدَا الْخَلْطِ وَالِاخْتِلَاطِ ... وَحَوْزِ ذَاكَ الْبَيْعِ وَالتَّعَاطِي
ثُمَّ الشَّرِيكُ هَهُنَا لَوْ بَاعَا ... حِصَّتَهُ مِنْ فَرَسٍ وَابْتَاعَا
ــ
[رد المحتار]
عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ تَحْقِيقُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْحُمُولَةُ لِأَحَدِهِمَا وَطَلَبَ صَاحِبُهَا الْقِسْمَةَ يُجْبَرُ الْآبِي لَوْ عَرِيضَةً وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ يُفْتَى؛ وَلَوْ أَرَادَ ذُو الْحُمُولَةِ الْبِنَاءَ وَأَبَى الْآخَرُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجْبَرُ وَلَوْ بَنَى فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ، وَلَوْ بَنَاهُ الْآخَرُ وَالْعَرْصَةُ عَرِيضَةٌ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ، ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ الْبَانِي مُتَبَرِّعًا كَانَ لَهُ مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ إلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ أَوْ قِيمَةَ الْبِنَاءِ عَلَى مَا مَرَّ؛ فَلَوْ قَالَ صَاحِبُهُ أَنَا لَا أَتَمَتَّعُ بِالْمَبْنِيِّ، قِيلَ لَا يَرْجِعُ الْبَانِي، وَقِيلَ يَرْجِعُ. اهـ. جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا أُجْبِرَ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الْقِسْمَةَ أُجْبِرَ الْآبِي عَلَى الْبِنَاءِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: كَحَمَّامٍ إلَخْ) أَيْ إذَا احْتَاجَ إلَى مَرَمَّةٍ أَوْ قِدْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَرِبَ وَصَارَ صَحْرَاءَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ.
(قَوْلُهُ: بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ) أَيْ فِي الْأَرْضِ بِأَنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَعْنًى فَلَا يَصِحُّ فِي مَعْدُومٍ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَرَادَ) أَيْ غَيْرُ الزَّارِعِ. (قَوْلُهُ: يُقَاسِمُهُ) أَيْ يُقَاسِمُهُ الْأَرْضَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: فَيَقْلَعُهُ) أَيْ يَقْلَعُ الزَّرْعَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الْأَرْضِ.
وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالُوا فِيمَا لَوْ بَنَى فِي دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ وَطَلَبَ الْآخَرُ رَفْعَ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ يُقَاسِمُهُ الدَّارَ وَيَأْمُرُهُ بِهَدْمِ مَا خَرَجَ مِنْ الْبِنَاءِ فِي حِصَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَيَضْمَنُ الزَّارِعُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ بِالْقَلْعِ) أَيْ نُقْصَانَ نِصْفِ الْأَرْضِ لَوْ اُنْتُقِصَتْ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ شَرْحُ الْمُنْتَقَى (قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ نُقْصَانُ الزَّرْعِ) هَذَا مِنْ عِنْدِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْمُجْتَبَى انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ " نُقْصَانُ الْأَرْضِ بِالْقَلْعِ " كَمَا وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ نُسَخِ الْمُجْتَبَى، وَلَا وَجْهَ لِتَصْوِيبِ الشَّارِحِ، فَإِنَّ نُقْصَانَ الزَّرْعِ بِإِرَادَةِ مَالِكِهِ عَلَى الْخُصُوصِ.
أَمَّا نُقْصَانُ الْأَرْضِ بِالْقَلْعِ فَمُضِرٌّ لِلشَّرِيكِ لِكَوْنِهَا مِلْكَهُمَا، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ وَقَعَتْ عَلَى الزَّرْعِ فَقَطْ لَا عَلَى الْأَرْضِ أَيْضًا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْ اهـ ح. قُلْت: فِي عِبَارَتِهِ قَلْبٌ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ فَقَطْ لَا عَلَى الزَّرْعِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَا فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وَيَبْعُدُ مِنْ هَذَا الشَّارِحِ الْفَاضِلِ أَنْ يَفْهَمَ هَذَا الْفَهْمَ الْعَاطِلَ، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَقُولَ: وَيَضْمَنُ الزَّارِعُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ بِالزَّرْعِ، لَكِنَّهُ اخْتَصَرَ الْعِبَارَةَ فَقَالَ نُقْصَانَ الزَّرْعِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ: أَيْ مَا نَقَصَهَا الزَّرْعُ وَوَجْهُ التَّصْوِيبِ أَنَّ الْأَرْضَ يَنْقُصُهَا الزَّرْعُ لَا الْقَلْعُ؛ لِأَنَّهَا تُحْرَثُ لِأَجْلِ الزَّرْعِ فَإِذَا زُرِعَتْ وَنَبَتَ الزَّرْعُ تَحْتَاجُ إلَى حَرْثٍ آخَرَ، بَلْ بَعْضُ أَنْوَاعِ الزَّرْعِ يُعَطِّلُ الْأَرْضَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا حَتَّى تُتْرَكَ عَامَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. أَمَّا نَفْسُ الْقَلْعِ فَلَيْسَ ضَرَرُ الْأَرْضِ مِنْهُ فَافْهَمْ. .
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا بَنَى ثُمَّ آجَرَهُ لِيَرْجِعَ) أَيْ آجَرَهُ بِإِذْنِ الْقَاضِي لِيَأْخُذَ مَا أَنْفَقَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْقَاضِيَ يَأْذَنُ لَهُ بِالْإِنْفَاقِ ثُمَّ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ حِصَّتَهُ، وَقَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَعِبَارَةُ الْأَشْبَاهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي آخِرِ الْقِسْمَةِ " وَإِلَّا بَنَى ثُمَّ آجَرَهُ " لِيَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ لَوْ بِأَمْرِ قَاضٍ وَإِلَّا فَبِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَقْتَ الْبِنَاءِ. اهـ. وَقَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِيمَا لَا يُجْبَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ. (قَوْلُهُ: بَاعَ شَرِيكٌ إلَخْ) أَيْ شَرِكَةَ الْمِلْكِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ
стр. 2467
ذَلِكَ مِنْهُ الْأَجْنَبِيُّ وَهَلَكَا ... وَكَانَ ذَا بِغَيْرِ إذْنِ الشُّرَكَا
فَإِنْ يَشَاءُوا ضَمَّنُوا الشَّرِيكَ أَوْ ... مَنْ اشْتَرَى مِنْهُ عَلَى مَا قَدْ رَوَوْا
وَإِنْ يَكُنْ كُلُّ شَرِيكٍ آجِرًا ... حِصَّةَ حَمَّامٍ لَهُ مِنْ آخَرَا
وَكَانَ شَخْصٌ مِنْهُمَا قَدْ أَذِنَا ... لِذَاكَ فِي تَعْمِيرِهَا وَبِالْبِنَا
فَلَا رُجُوعَ صَاحٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ ... فِي ذَا الْبِنَا عَلَى الشَّرِيكِ الْآخَرِ
ــ
[رد المحتار]
تَقَدَّمَتْ مَتْنًا أَوَّلَ الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَكُلُّ أَجْنَبِيٍّ فِي مَالِ صَاحِبِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهَلَكَا) أَيْ الْفَرَسُ وَالْأَلِفُ فِيهِ لِلْإِطْلَاقِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ هَلَكَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: وَكَانَ ذَا) أَيْ الْبَيْعُ الْمَقْرُونُ بِالتَّسْلِيمِ إذْ الْبَيْعُ وَحْدَهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ بِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ: بِعْت الْوَدِيعَةَ وَقَبَضْت ثَمَنَهَا لَا يَضْمَنُ مَا لَمْ يَقُلْ دَفَعْتهَا إلَى الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ فَإِنْ يَشَاءُوا إلَخْ) أَيْ الشُّرَكَاءُ.
وَفِي الْحَامِدِيَّةِ عَنْ فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ وَالْمِنَحِ: لَهُمَا دَابَّةٌ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَسَلَّمَهَا إلَى الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَهَلَكَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَالشَّرِيكُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَ شَرِيكَهُ أَوْ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ ضَمِنَ الشَّرِيكَ جَازَ بَيْعُهُ فَنِصْفُ الثَّمَنِ لَهُ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ وَالْبَائِعُ لَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى أَحَدٍ كَمَا هُوَ حُكْمُ الْغَاصِبِ. اهـ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَبْنَى الضَّمَانِ هُوَ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُشْتَرِي بِدُونِ إذْنِ الشُّرَكَاءِ لَا مُجَرَّدُ الْبَيْعِ كَمَا قُلْنَا فَافْهَمْ.
وَوَجْهُ الْخِيَارِ هُوَ أَنَّ الْبَائِعَ كَالْغَاصِبِ وَالْمُشْتَرِي كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ يَكُنْ كُلُّ شَرِيكٍ آجَرَ إلَخْ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ سُئِلَ عَنْهَا الْإِمَامُ الْفَضْلِيُّ وَأَجَابَ فِيهَا بِعَدَمِ الرُّجُوعِ.
ثُمَّ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ يَقُومُ مَقَامَ مُؤَجِّرِهِ فِيمَا أَنْفَقَ فَيَرْجِعُ عَلَى مُؤَجِّرِهِ وَهُوَ أَيْ مُؤَجِّرُهُ عَلَى شَرِيكِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْمُسْتَأْجِرُ إنَّمَا رَجَعَ عَلَى مُؤَجِّرِهِ بِالْأَمْرِ وَأَمْرُهُ إنَّمَا يَجُوزُ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ، فَالْمُسْتَأْجِرُ مُتَبَرِّعٌ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ. اهـ.
وَنَاقَشَهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِقَوْلِهِ: أَقُولُ: لَوْ رَمَّ الْمُؤَجِّرُ بِنَفْسِهِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى شَرِيكِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى مُؤَجِّرِهِ وَهُوَ عَلَى شَرِيكِهِ لِصِحَّةِ الْأَمْرِ إذَا أَمَرَ فِيمَا لَهُ فِعْلُهُ فَكَأَنَّهُ رَمَّ بِنَفْسِهِ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَأَمْرُهُ إنَّمَا يَجُوزُ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إذَا رَمَّ بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَمْرُهُ عَلَى حَقِّ شَرِيكِهِ فَلَا رُجُوعَ، فَلَا يُفِيدُ قَوْلُهُ يَقُومُ مَقَامَ مُؤَجِّرِهِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلَانِ فِي رُجُوعِ الْمُؤَجِّرِ لَوْ رَمَّ بِنَفْسِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ وَلَوْ رَمَّهُ الْمُؤَجِّرُ بِنَفْسِهِ يَتَأَتَّى فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ تَفْصِيلِ الْمُطَالَبَةِ وَتَرْكِهَا وَالْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ وَأَمْرِ الْقَاضِي وَعَدَمِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رُجُوعُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ. اهـ. قُلْت: وَهُوَ كَلَامٌ وَجِيهٌ، لَكِنْ تَقَدَّمَ عَنْ فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ أَنَّهُ لَوْ أَنْفَقَ فِي مَرَمَّةِ الطَّاحُونِ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْآبِيَ لَا يُجْبَرُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلضَّابِطِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا قَدَّمْنَا تَحْرِيرَهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَ الْفَضْلِيِّ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي فَتَاوَاهُ فَيَرْجِعُ لَوْ رَمَّ بِنَفْسِهِ أَوْ رَمَّ مَأْمُورُهُ وَهُوَ الْمُسْتَأْجِرُ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِمَا يَمْلِكُ فِعْلَهُ فَيَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ، أَمَّا عَدَمُ رُجُوعِ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى شَرِيكِ الْمُؤَجِّرِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ.
وَقَدْ كَتَبَ الشَّارِحُ هُنَا عَلَى الْهَامِشِ عِنْدَ قَوْلِهِ فَلَا رُجُوعَ صُلْحٍ لِلْمُسْتَأْجِرِ إلَخْ مَا نَصُّهُ: قُلْت: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْآذِنِ. بَقِيَ بِمَ يَرْجِعُ بِكُلِّهِ أَوْ بِحِصَّتِهِ فَلْيُرَاجَعْ اهـ. قُلْت: صَرِيحُ عِبَارَةِ الْفَضْلِيِّ الْمَارَّةِ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْآذِنِ وَهُوَ الْمُؤَجِّرُ، وَأَنَّهُ يُرْجَعُ بِالْكُلِّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وَبِحِصَّةِ الْمُؤَجِّرِ فَقَطْ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُتَبَرِّعًا فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ، وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِلشَّرِيكِ الرُّجُوعُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَأْمُورَهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْكُلِّ، أَمَّا عَلَى مُقْتَضَى الضَّابِطِ الْمَارِّ فَلَا رُجُوعَ لِلشَّرِيكِ وَيَرْجِعُ.
стр. 2468
لَوْ وَاحِدٌ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ سَكَنْ ... فِي الدَّارِ مُدَّةً مَضَتْ مِنْ الزَّمَنْ
فَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يُطَالِبَهْ ... بِأُجْرَةِ السُّكْنَى وَلَا الْمُطَالَبَهْ
بِأَنَّهُ يَسْكُنُ مِنْ الْأَوَّلِ ... لَكِنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ
يَطْلُبُ أَنْ يُهَايِئَ الشَّرِيكَا ... يُجَابُ فَافْهَمْ وَدَعِ التَّشْكِيكَا
كِتَابُ الْوَقْفِ مُنَاسَبَتُهُ لِلشَّرِكَةِ إدْخَالُ غَيْرِهِ مَعَهُ فِي مَالِهِ، غَيْرَ أَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ فِيهَا لَا فِيهِ. (هُوَ) لُغَةً الْحَبْسُ. وَشَرْعًا (حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى) حُكْمِ (مِلْكِ الْوَاقِفِ وَالتَّصَدُّقُ بِالْمَنْفَعَةِ) وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ،
ــ
[رد المحتار]
الْمَأْمُورُ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ فَقَطْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: لَوْ وَاحِدٌ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ سَكَنَ إلَخْ) قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوَّلَ الْبَابِ قُبَيْلَ شَرِكَةِ الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: بِأُجْرَةِ السُّكْنَى) أَيْ وَلَوْ مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ؛ لِأَنَّهُ سَكَنَ بِتَأْوِيلِ مِلْكٍ فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ وَقْفًا أَوْ مَالَ يَتِيمٍ يَلْزَمُهُ أَجْرُ شَرِيكِهِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْغَصْبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ إلَخْ) هَذَا فِي غَيْرِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا تَجْرِي فِيهِ الْقِسْمَةُ وَلَا الْمُهَايَأَةُ كَمَا يَأْتِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْوَقْفِ]
ِ هُوَ مَصْدَرُ وَقَفْت أَقِفُ: حَبَسَ، وَمِنْهُ الْمَوْقِفُ لِحَبْسٍ النَّاسِ فِيهِ لِلْحِسَابِ، وَأَوْقَفْت لُغَةٌ رَدِيئَةٌ حَتَّى ادَّعَى الْمَازِنِيُّ أَنَّهَا لَمْ تُعْرَفْ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ أَوْقَفْت إلَّا حَرْفًا وَاحِدًا، أَوْقَفْت عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ، ثُمَّ اشْتَهَرَ فِي الْمَوْقُوفِ فَقِيلَ هَذِهِ الدَّارُ وَقْفٌ وَلِذَا جُمِعَ عَلَى أَوْقَافٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمْت وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ. وَفِي وَقْفِ الْمُنْيَةِ: الرِّبَاطُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ إدْخَالُ غَيْرِهِ مَعَهُ فِي مَالِهِ) هَذَا فِي الشَّرِكَةِ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا فِي الْوَقْفِ فَلَا يَتِمُّ إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ. وَمَا فِي النَّهْرِ أَوْضَحُ، حَيْثُ قَالَ: مُنَاسَبَتُهُ بِالشَّرِكَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الِانْتِفَاعُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى أَصْلِ الْمَالِ إلَّا أَنَّهُ فِي الشَّرِكَةِ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ. وَفِي الْوَقْفِ يَخْرُجُ عَنْهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. اهـ. ح (قَوْلُهُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْوَاقِفِ) قَدْرُ لَفْظِ حُكْمٍ تَبَعًا لِلْإِسْعَافِ والشُّرُنبُلالِيَّة لِيَكُونَ تَعْرِيفًا لِلْوَقْفِ اللَّازِمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. أَمَّا غَيْرُ اللَّازِمِ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ حَقِيقَةً عِنْدَهُ، وَلِذَا قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَشَرْعًا عِنْدَهُ حَبْسُ الْعَيْنِ وَمَنْعُ الرَّقَبَةِ الْمَمْلُوكَةِ بِالْقَوْلِ عَنْ تَصَرُّفِ الْغَيْرِ حَالَ كَوْنِهَا مُقْتَصِرَةً عَلَى مِلْكِ الْوَقْفِ، فَالرَّقَبَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ فِي حَيَاتِهِ وَمُلْكٌ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِحَيْثُ يُبَاعُ وَيُوهَبُ. ثُمَّ قَالَ: وَيُشْكِلُ بِالْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ حَبْسٌ عَلَى مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِجْمَاعِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلْوَقْفِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَرَّفَ الْوَقْفَ الْمُخْتَلَفَ وَالشَّارِحُ قَدَّرَ الْحُكْمَ اخْتِيَارًا لِلَازِمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَلِكُلٍّ جِهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا لَكِنَّ جِهَةَ الشَّارِحِ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ هُوَ حَبْسُ الْعَيْنِ وَذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ تَعْرِيفَ غَيْرِ اللَّازِمِ إذْ لَا حَبْسَ فِيهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ بَيْعِهِ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ اللَّازِمِ فَإِنَّهُ مَحْبُوسٌ حَقِيقَةً، وَكَثِيرًا مَا تَخْفَى رُمُوزُ هَذَا الشَّرْحِ الْفَاضِلِ عَلَى النَّاظِرِينَ خُصُوصًا مَنْ هُوَ مُولَعٌ بِالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فَافْهَمْ. مَطْلَبٌ لَوْ وَقَفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَحْدَهُمْ لَمْ يَجُزْ
(قَوْلُهُ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ) فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَقْفُ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ،
стр. 2469
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ (عِنْدَهُ) جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ كَالْعَارِيَّةِ (وَعِنْدَهُمَا هُوَ حَبْسُهَا عَلَى) حُكْمِ (مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى
ــ
[رد المحتار]
لِمَا فِي النَّهْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ وَقَفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَحْدَهُمْ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، أَمَّا لَوْ جَعَلَ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ فَإِنَّهُ يَكُونُ قُرْبَةً فِي الْجُمْلَةِ اهـ وَبِهَذَا التَّعْمِيمِ صَارَ التَّعْرِيفُ جَامِعًا وَاسْتَغْنَى عَمَّا زَادَهُ فِيهِ الْكَمَالُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ كَمَالٍ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ صَرَفَ مَنْفَعَتَهَا إلَى مَنْ أَحَبَّ وَقَالَ إنَّ الْوَقْفَ يَصِحُّ لِمَنْ يُحِبُّ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ بِلَا قَصْدِ الْقُرْبَةِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فِي آخِرِهِ مِنْ الْقُرْبَةِ بِشَرْطِ التَّأْبِيدِ كَالْفُقَرَاءِ وَمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ لَكِنَّهُ يَكُونُ وَقْفًا قِيلَ انْقِرَاضُ الْأَغْنِيَاءِ بِلَا تَصَدُّقٍ اهـ أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ. وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا بِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْغَنِيِّ تَصَدُّقٌ بِالْمَنْفَعَةِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَكُونُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ مَجَازًا عَنْ الْهِبَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَصَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ فِي التَّصَدُّقِ عَلَى الْغَنِيِّ نَوْعُ قُرْبَةٍ دُونَ قُرْبَةِ الْفَقِيرِ. اهـ.
وَاعْتَرَضَهُ ح بِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْقُرْبَةِ لَوْ كَفَى فِي الْوَقْفِ لَصَحَّ الْوَقْفُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْعَلَ آخِرُهُ لِلْفُقَرَاءِ وَعَلِمْت تَصْرِيحَ الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَسَيَأْتِي قُبَيْلَ الْفَصْلِ. قُلْت: وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْوَقْفَ تَصَدُّقٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً إذْ لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَى وَجْهِ التَّأْبِيدِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ، وَلَكِنَّهُ إذَا جُعِلَ أَوَّلُهُ عَلَى مُعَيَّنِينَ صَارَ كَأَنَّهُ اُسْتُثْنِيَ ذَلِكَ مِنْ الدَّفْعِ إلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَلِذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا ابْنٌ وَاحِدٌ يُعْطَى النِّصْفَ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ مَا بَطَلَ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى الِابْنِ صَارَ لِلْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ بِقَوْلِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ أَبَدًا، فَقَدْ ابْتَدَأَهُ بِالصَّدَقَةِ وَخَتَمَهُ بِهَا كَمَا قَالَهُ الْخَصَّافُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ صَدَقَةٌ ابْتِدَاءً، وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ صَرْفِهِ لِمُعَيَّنٍ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عِنْدَهُ جَائِزٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْإِسْعَافِ: وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجِيزُ الْوَقْفَ فَأَخَذَ بَعْضُ النَّاسِ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ وَقَالَ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عِنْدَهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ؛ فَعِنْدَهُ يَجُوزُ جَوَازٌ لَا إعَارَةٌ، فَتُصْرَفُ مَنْفَعَتُهُ إلَى جِهَةِ الْوَقْفِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَلَوْ رَجَعَ عَنْهُ حَالَ حَيَاتِهِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَيُورَثُ عَنْهُ. وَلَا يُلْزَم إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الْقَاضِي أَوْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ. وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُ بِدُونِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. ثُمَّ إنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ سَتَأْتِي. اهـ. ط مُلَخَّصًا.
وَبَحَثَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَفْظُ حَبَسَ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ مَتَى شَاءَ فَلَمْ يُحْدِثْ الْوَقْفَ إلَّا مَشِيئَةَ التَّصَدُّقِ بِالْمَنْفَعَةِ، وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ مَتَى شَاءَ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الْوَقْفِ فَلَمْ يُفِدْ لَفْظُ الْوَقْفِ شَيْئًا، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ مَا فِي الْأَصْلِ صَحِيحٌ. وَنَظَرَ فِيهِ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ سَلْبَ الْفَائِدَةِ مُطْلَقًا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ يَصِحُّ الْحُكْمُ بِهِ، وَيَحِلُّ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَيُثَابَ الْوَاقِفُ بِهِ، وَيُتْبَعُ شَرْطُهُ، وَيَصِحُّ نَصْبُ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ. وَقَوْلُ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ أَصْلًا وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَصِحَّ الْحُكْمُ بِهِ. اهـ.
قُلْت: بَلْ ذُكِرَ فِي الْإِسْعَافِ أَنَّهُ عِنْدَهُ يَكُونُ نَذْرًا بِالتَّصَدُّقِ حَيْثُ قَالَ: وَحُكْمُهُ مَا ذُكِرَ فِي تَعْرِيفِهِ، فَلَوْ قَالَ أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ مُؤَبَّدَةٌ جَازَ لَازِمًا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَكُونُ نَذْرًا بِالصَّدَقَةِ بِغَلَّةِ الْأَرْضِ وَيَبْقَى مِلْكُهُ عَلَى حَالِهِ، فَإِذَا مَاتَ يُورَثُ عَنْهُ اهـ: أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِغَلَّتِهِ (قَوْلُهُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى) قَدَّرَ لَفْظَ حُكْمٍ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا انْتَقَلَ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، بَلْ صَارَ عَلَى حُكْمِ
стр. 2470
وَصَرْفُ مَنْفَعَتِهَا عَلَى مَنْ أَحَبَّ) وَلَوْ غَنِيًّا فَيَلْزَمُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إبْطَالُهُ وَلَا يُورَثُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ابْنُ الْكَمَالِ وَابْنُ الشِّحْنَةِ
(وَسَبَبُهُ إرَادَةُ مَحْبُوبِ النَّفْسِ) فِي الدُّنْيَا بِبِرِّ الْأَحْبَابِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالثَّوَابِ يَعْنِي بِالنِّيَّةِ مِنْ أَهْلِهَا؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنْ الْكَافِرِ
وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا بِالنَّذْرِ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى مَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ الزَّكَاةُ
ــ
[رد المحتار]
مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ سِوَاهُ، وَإِلَّا فَالْكُلُّ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَاسْتَحْسَنَ فِي الْفَتْحِ قَوْلَ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ فَلَا يَزُولُ عَنْهُ مِلْكُهُ، لَكِنْ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ مِثْلُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَحَقَّقَهُ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
قُلْت: وَظَاهِرُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ حَيْثُ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ حَبْسُ الْمَمْلُوكِ عَنْ التَّمْلِيكِ مِنْ الْغَيْرِ، فَإِنَّ الْحَبْسَ يُفِيدُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ كَمَا كَانَ وَأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ (قَوْلُهُ: وَصَرْفُ مَنْفَعَتَهَا عَلَى مَنْ أَحَبَّ) عَبَّرَ بِهِ بَدَلَ قَوْلِهِ وَالصِّدْقُ بِالْمَنْفَعَةِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ، وَإِلَى التَّعْمِيمِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ غَنِيًّا أَفَادَهُ ح، لَكِنْ عَلِمْت أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَحْدَهُمْ لَا يَجُوزُ؛ فَالْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِالتَّصَدُّقِ بِالْمَنْفَعَةِ إلَّا أَنْ يُرَادَ صَرْفُ مَنْفَعَتِهَا عَلَى وَجْهِ التَّصَدُّقِ (قَوْلُهُ فَيَلْزَمُ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا أَفَادَهُ التَّعْرِيفُ مِنْ خُرُوجِ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ لِثُبُوتِ التَّلَازُمِ بَيْنَ اللُّزُومِ وَالْخُرُوجِ عَنْ مِلْكِهِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) أَيْ عَلَى قَوْلِهِمَا يَلْزَمُهُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْحَقُّ تَرَجُّحُ قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ بِلُزُومِهِ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ مُتَظَافِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَلِذَا تَرَجَّحَ خِلَافُ قَوْلِهِ اهـ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ بِبِرِّ الْأَحْبَابِ) أَيْ مَنْ يُحِبُّ بِرَّهُمْ وَنَفْعَهُمْ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ فَقِيرٍ أَجْنَبِيٍّ (قَوْلُهُ يَعْنِي بِالنِّيَّةِ) قُيِّدَ لِلثَّوَابِ؛ إذْ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ (قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِهَا) وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ النِّيَّةِ وَالثَّوَابِ بِهَا، بَلْ هُوَ شَرْطٌ هُنَا لِصِحَّةِ التَّبَرُّعِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ إلَخْ) يَعْنِي قَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَمَا عَبَّرَ فِي الْبَحْرِ: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ مَوْضُوعًا لِلتَّعَبُّدِ بِهِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ أَصْلًا بَلْ التَّقَرُّبُ بِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى نِيَّةِ الْقُرْبَةِ، فَهُوَ بِدُونِهَا مُبَاحٌ حَتَّى يَصِحَّ مِنْ الْكَافِرِ كَالْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ، لَكِنَّ الْعِتْقَ أَنْفَذُ مِنْهُ حَتَّى صَحَّ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا كَالْعِتْقِ لِلصَّنَمِ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي صُورَةِ الْقُرْبَةِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً فِي ذَاتِهِ؛ إذْ لَوْ اُشْتُرِطَ كَوْنُهُ قُرْبَةً حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ مِنْ الْكَافِرِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا) خَلَطَ الشَّارِحُ مَسْأَلَةَ النَّذْرِ بِالْوَقْفِ بِمَسْأَلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ صِيغَةُ الْوَقْفِ نَذْرًا مَعَ أَنَّ حُكْمَهُمَا مُخْتَلِفٌ، فَأَمَّا النَّذْرُ بِهِ فَقَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالثَّالِثُ الْمَنْذُورُ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ قَدِمَ وَلَدِي فَعَلَيَّ أَنْ أَقِفَ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ فَقَدِمَ فَهُوَ نَذْرٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، فَإِنْ وَقَفَهُ عَلَى وَلَدِهِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ جَازَ فِي الْحُكْمِ وَنَذْرُهُ بَاقٍ وَإِنْ وَقَفَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ سَقَطَ، وَإِنَّمَا صَحَّ النَّذْرُ لِأَنَّ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَّخِذَ الْإِمَامُ لِلْمُسْلِمِينَ مَسْجِدًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ مَالِهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَيْتُ مَالٍ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَا لَوْ كَانَتْ صِيغَةُ الْوَقْفِ نَذْرًا فَقَالَ فِي الْبَحْرِ قَبْلَ هَذَا: التَّاسِعُ لَوْ قَالَ: هِيَ لِلسَّبِيلِ إنْ تَعَارَفُوهُ وَقْفًا مُؤَبَّدًا لِلْفُقَرَاءِ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلَّا سُئِلَ فَإِنْ قَالَ أَرَدْت الْوَقْفَ صَارَ وَقْفًا لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ لَفْظُهُ، أَوْ قَالَ أَرَدْت مَعْنَى صَدَقَةٍ فَهُوَ نَذْرٌ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَانَتْ مِيرَاثًا ذَكَرَهُ فِي النَّوَازِلِ. اهـ. ح.
قُلْت: صِيغَةُ النَّذْرِ بِالْوَقْفِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْبَحْرِ غَيْرُ مُتَعَيِّنَةٍ فَلْيَكُنْ الشَّارِحُ أَشَارَ إلَى صِيغَةٍ غَيْرِهَا تَشْمَلُ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَأَنْ قَالَ إنْ قَدِمَ وَلَدِي فَعَلَيَّ أَنْ أَجْعَلَ هَذِهِ الدَّارَ لِلسَّبِيلِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ أَرَادَ بِالسَّبِيلِ الصَّدَقَةَ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ حُكْمَهَا بِقَوْلِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ أَرَادَ الْوَقْفَ أَوْ كَانَ مُتَعَارَفًا كَانَتْ وَقْفًا وَقَدْ أَفَادَ حُكْمَهَا بِقَوْلِهِ وَلَوْ وَقَفَهَا إلَخْ
стр. 2471
جَازَ فِي الْحُكْمِ وَبَقِيَ نَذْرُهُ وَبِهَذَا عُرِفَ صِفَتُهُ وَحُكْمُهُ مَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِهِ
(وَمَحَلُّهُ الْمَالُ الْمُتَقَوِّمُ)
(وَرُكْنُهُ الْأَلْفَاظُ الْخَاصَّةُ كَ) أَرْضِي هَذِهِ (صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ مُؤَبَّدَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَنَحْوِهِ) مِنْ الْأَلْفَاظِ كَمَوْقُوفَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ عَلَى وَجْهِ الْخَيْرِ أَوْ الْبِرِّ وَاكْتَفَى أَبُو يُوسُفَ بِلَفْظِ مَوْقُوفَةٍ فَقَطْ قَالَ الشَّهِيدُ وَنَحْنُ نُفْتِي بِهِ لِلْعُرْفِ
[مَطْلَبٌ قَدْ يَثْبُتُ الْوَقْفُ بِالضَّرُورَةِ]
(وَشَرْطُهُ شَرْطُ سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ) كَحُرِّيَّةٍ وَتَكْلِيفٍ
ــ
[رد المحتار]
وَدِقَّةُ نَظَرِ الشَّارِحِ وَإِيجَازُهُ فِي التَّعْبِيرِ يَفُوقُ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ مَارَسَ كِتَابَهُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: جَازَ فِي الْحُكْمِ) أَيْ صَحَّ الْوَقْفُ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَصَحَّ تَعْيِينُهُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ النَّذْرُ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ، وَصَرْفُهَا إلَى مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ لَهُ فَلَمْ تَخْلُصْ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا لَوْ صَرَفَ إلَيْهِ الْكَفَّارَةَ أَوْ الزَّكَاةَ وَقَعَتْ وَبَقِيَتْ فِي ذِمَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا) أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ قُرْبَةً بِالنِّيَّةِ وَمُبَاحًا بِدُونِهَا وَوَاجِبًا بِالنَّذْرِ (قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ) أَيْ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: مَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِهِ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِالْمَنْفَعَةِ
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ الْمَالُ الْمُتَقَوِّمُ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَقَارًا أَوْ مَنْقُولًا فِيهِ تَعَامُلٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، ثُمَّ رَأَيْت هَذَا مَسْطُورًا فِي الْإِسْعَافِ. .
مَطْلَبٌ قَدْ يَثْبُتُ الْوَقْفُ بِالضَّرُورَةِ (قَوْلُهُ وَرُكْنُهُ الْأَلْفَاظُ الْخَاصَّةُ) وَهِيَ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ لَفْظًا عَلَى مَا بَسَطَهُ فِي الْبَحْرِ، وَمِنْهَا مَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: فَرْعٌ يَثْبُتُ الْوَقْفُ بِالضَّرُورَةِ وَصُورَتُهُ أَنْ يُوصِيَ بِغَلَّةِ هَذِهِ الدَّارِ لِلْمَسَاكِينِ أَبَدًا أَوْ لِفُلَانٍ وَبَعْدَهُ لِلْمَسَاكِينِ أَبَدًا فَإِنَّ الدَّارَ تَصِيرُ وَقْفًا بِالضَّرُورَةِ. وَالْوَجْهُ أَنَّهَا كَقَوْلِهِ إذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْت دَارِي عَلَى كَذَا اهـ أَيْ فَهُوَ مِنْ الْمُعَلَّقِ بِالْمَوْتِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ كَوَصِيَّةٍ مِنْ الثُّلُثِ وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ مِنْهَا لَوْ قَالَ: اشْتَرُوا مِنْ غَلَّةِ دَارِي هَذِهِ كُلَّ شَهْرٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ خُبْزًا وَفَرِّقُوهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ صَارَتْ الدَّارُ وَقْفًا اهـ وَعَزَاهُ لِلذَّخِيرَةِ وَبَسَطَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا بَيْنَ الْأَصْحَابِ. قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَيَصْرِفُ مِنْهَا الْخُبْزَ إلَى مَا عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ، وَالْبَاقِيَ إلَى الْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُمْ مَصْرِفُ الْوَقْفِ فِي الْأَصْلِ، مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى غَيْرِهِمْ. وَنَظِيرُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَلَدٌ وَاحِدٌ فَلَهُ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ، وَقَدْ سَأَلْت عَنْ نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ كُلَّ سَنَةٍ كَذَا دَرَاهِمَ يُشْتَرَى بِهَا زَيْتٌ لِمَسْجِدِ كَذَا، ثُمَّ بَاعَ الْوَرَثَةُ الدَّارَ وَشَرَطُوا عَلَى الْمُشْتَرِي دَفْعَ ذَلِكَ الْمَبْلَغِ فِي كُلِّ سَنَةٍ لِلْمَسْجِدِ، فَأَفْتَيْت بِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَبِأَنَّهَا صَارَتْ وَقْفًا حَيْثُ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ (قَوْلُهُ: وَاكْتَفَى أَبُو يُوسُفَ بِلَفْظِ: مَوْقُوفَةٌ إلَخْ) أَيْ بِدُونِ ذِكْرِ تَأْبِيدٍ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَفْظِ صَدَقَةٍ، أَوْ لَفْظِ الْمَسَاكِينِ وَنَحْوِهِ كَالْمَسْجِدِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَقْفًا عَلَى مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ أَوْ أَوْلَادِ فُلَانٍ، فَإِنْ لَا يَصِحُّ بِلَفْظِ مَوْقُوفَةٍ لِمُنَافَاةِ التَّعْيِينِ لِلتَّأْبِيدِ، وَلِذَا فَرَّقَ بَيْنَ مَوْقُوفَةٍ وَبَيْنَ مَوْقُوفَةٍ عَلَى زَيْدٍ حَيْثُ أَجَازَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي. نَعَمْ تَعْيِينُ الْمَسْجِدِ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ مُؤَيَّدٌ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ، قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَا يَصِحُّ أَيْ مَوْقُوفَةٌ فَقَطْ إلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهَا بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ مَوْقُوفَةً عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَإِذَا كَانَ مُفِيدًا لِخُصُوصِ الْمَصْرِفِ أَعْنِي الْفُقَرَاءَ لَزِمَ كَوْنُهُ مُؤَبَّدًا لِأَنَّ جِهَةَ الْفُقَرَاءِ لَا تَنْقَطِعُ. قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ يُفْتُونَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَنَحْنُ نُفْتِي بِهِ أَيْضًا لِمَكَانِ الْعُرْفِ لِأَنَّ الْعُرْفَ إذَا كَانَ يَصْرِفُهُ إلَى الْفُقَرَاءِ كَانَ كَالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِمْ. اهـ.
قُلْت: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذِكْرَ التَّأْبِيدِ أَوْ وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرُ شَرْطٍ عِنْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(قَوْلُهُ: وَشَرْطُهُ شَرْطُ سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ) أَفَادَ أَنَّ الْوَاقِفَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَالِكُهُ وَقْتَ الْوَقْفِ مِلْكًا بَاتًّا وَلَوْ بِسَبَبٍ فَاسِدٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ
стр. 2472
(وَأَنْ يَكُونَ) قُرْبَةً فِي ذَاتِهِ مَعْلُومًا (مُنَجَّزًا) لَا مُعَلَّقًا إلَّا بِكَائِنٍ، وَلَا مُضَافًا، وَلَا مُوَقَّتًا
ــ
[رد المحتار]
مَحْجُورًا عَنْ التَّصَرُّفِ، حَتَّى لَوْ وَقَفَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ مَلَكَهُ بَعْدُ بِشِرَاءٍ أَوْ صُلْحٍ، وَلَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ وَقْفَ فُضُولِيٍّ جَازَ وَصَحَّ وَقْفُ مَا شَرَاهُ فَاسِدًا بَعْدَ الْقَبْضِ وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ لِلْبَائِعِ وَكَالشِّرَاءِ الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِخِيَارِ الْبَائِعِ فَوَقَفَهَا وَإِنْ أَجَازَ الْبَائِعُ بَعْدَهُ وَيُنْقَضُ وَقْفٌ اُسْتُحِقَّ بِمِلْكٍ أَوْ شُفْعَةٍ، وَإِنْ جَعَلَهُ مَسْجِدًا وَوَقْفُ مَرِيضٍ أَحَاطَ دَيْنُهُ بِمَالِهِ بِخِلَافٍ صَحِيحٍ وسَيَأْتِي تَمَامُهُ حُكْمُ وَقْفِ الْمَرْهُونِ قُبَيْلَ الْفَصْلِ وَكَذَا وَقْفُ مَحْجُورٍ لِسَفَهٍ أَوْ دَيْنٍ كَذَا أَطْلَقَهُ الْخَصَّافُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا وَقَفَهَا الْمَحْجُورُ لِسَفَهٍ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى جِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ أَنْ يَصِحَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِ وَعِنْدَ الْكُلِّ إذَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ اهـ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْوَقْفَ تَبَرُّعٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
وَفِي النَّهْرِ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ التَّبَرُّعُ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ كَمَا هُنَا وَاسْتِحْقَاقُ الْغَيْرِ لَهُ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ مَوْتِهِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ قُرْبَةً فِي ذَاتِهِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إلَى ذَاتِهِ وَصُورَتِهِ قُرْبَةً، وَالْمُرَادُ أَنْ يَحْكُمَ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ لَوْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ يَكُونُ قُرْبَةً حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْقُرْبَةَ، لَكِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَوْ وَقَفَ الذِّمِّيُّ عَلَى حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَلَوْ أَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَقْفُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ مِنْ الذِّمِّيِّ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا كَانَ قُرْبَةً فِي اعْتِقَادِ الْوَاقِفِ يَدْخُلُ فِيهِ وَقْفُ الذِّمِّيِّ عَلَى بِيعَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فَنُعَيِّنُ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ فِي وَقْفِ الْمُسْلِمِ فَقَطْ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ لِمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ شَرْطَ وَقْفِ الذِّمِّيِّ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى مَسْجِدِ الْقُدْسِ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى بِيعَةٍ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ فَقَطْ أَوْ عَلَى حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا فَقَطْ فَأَفَادَ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِوَقْفِ الذِّمِّيِّ فَقَطْ؛ لِأَنَّ وَقْفَ الْمُسْلِمِ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ قُرْبَةً عِنْدَهُمْ بَلْ عِنْدَنَا كَوَقْفِنَا عَلَى حَجٍّ وَعُمْرَةٍ بِخِلَافِهِ عَلَى بِيعَةٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ عِنْدَنَا بَلْ عِنْدَهُمْ (قَوْلُهُ: مَعْلُومًا) حَتَّى لَوْ وَقَفَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ لَا يَصِحُّ وَلَوْ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ وَقَفْت هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ هَذِهِ، نَعَمْ لَوْ وَقَفَ جَمِيعَ حِصَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ وَلَمْ يُسَمِّ السِّهَامَ جَازَ اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ قَالَ: وَهُوَ ثُلُثُ جَمِيعِ الدَّارِ فَإِذَا هُوَ الَّتِي كَانَ الْكُلُّ وَقْفًا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ نَهْرٌ أَيْ كُلُّ النِّصْفِ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: وَقَفَ أَرْضًا فِيهِ أَشْجَارٌ وَاسْتَثْنَاهَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَثْنِيًا الْأَشْجَارَ بِمَوَاضِعِهَا فَيَصِيرُ الدَّاخِلُ تَحْتَ الْوَقْفِ مَجْهُولًا.
(قَوْلُهُ: مُنَجَّزًا) مُقَابِلُهُ الْمُعَلَّقُ وَالْمُضَافُ (قَوْلُهُ: لَا مُعَلَّقًا) كَقَوْلِهِ: إذَا جَاءَ غَدٌ أَوْ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ إذَا كَلَّمْت فُلَانًا فَأَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ أَوْ إنْ شِئْت أَوْ أَحْبَبْت يَكُونُ الْوَقْفُ: بَاطِلًا لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالْخَطَرِ لِكَوْنِهِ مِمَّا لَا يُحْلَفُ بِهِ كَمَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْهِبَةِ بِخِلَافِ النَّذْرِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ وَيَحْلِفُ بِهِ، فَلَوْ قَالَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا إذَا قَدِمَ أَوْ إنْ بَرِئْت مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَرْضِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِعَيْنِهَا إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ إسْعَافٌ (قَوْلُهُ: إلَّا بِكَائِنٍ) أَوْ مَوْجُودٍ لِلْحَالِ فَلَا يُنَافِي عَدَمَ صِحَّتِهِ مُعَلَّقًا بِالْمَوْتِ قَالَ فِي الْإِسْعَافِ: وَلَوْ قَالَ إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ فِي مِلْكِي فَهِيَ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ التَّكَلُّمِ صَحَّ الْوَقْفُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ الْكَائِنِ تَنْجَبِرُ (قَوْلُهُ: وَلَا مُضَافًا) يَعْنِي إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ. فَقَدْ نُقِلَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ مُحَمَّدًا نَصَّ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ يَكُونُ بَاطِلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. نَعَمْ سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لَازِمَةً مِنْ الثُّلُثِ بِالْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ، أَمَّا لَوْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ غَدًا فَإِنَّهُ صَحِيحٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ قُبَيْلَ بَابِ الصَّرْفِ، فَمُرَادُ الشَّارِحِ بِالْمُضَافِ الْأَوَّلِ فَلَا غَلَطَ فِي كَلَامِهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَا مُوَقَّتًا) كَمَا إذَا وَقَفَ دَارِهِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا قَالَهُ الْخَصَّافُ، وَفَصَلَ هِلَالٌ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِطَ رُجُوعَهَا إلَيْهِ بَعْدَ الْوَقْتِ فَيَبْطُلَ وَإِلَّا فَلَا.
وَظَاهِرُ الْخَانِيَّةِ اعْتِمَادُهُ بَحْرٌ وَنَهْرٌ وَيَأْتِي تَمَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ
стр. 2473
وَلَا بِخِيَارِ شَرْطٍ، وَلَا ذَكَرَ مَعَهُ اشْتِرَاطَ بَيْعِهِ وَصَرْفَ ثَمَنِهِ، فَإِنْ ذَكَرَهُ بَطَلَ وَقْفُهُ بَزَّازِيَّةٌ.
وَفِي الْفَتْحِ: لَوْ وَقَفَ الْمُرْتَدُّ فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ أَوْ ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ بَطَلَ وَقْفُهُ، وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ عَلَى بِيعَةٍ أَوْ حَرْبِيٍّ قِيلَ أَوْ مَجُوسِيٍّ، وَجَازَ عَلَى ذِمِّيٍّ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ حَتَّى لَوْ قَالَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِ النَّصْرَانِيَّةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ
ــ
[رد المحتار]
وَإِذَا وَقَّتَهُ بَطَلَ (قَوْلُهُ: وَلَا بِخِيَارِ شَرْطٍ) مَعْلُومٍ كَانَ أَوْ مَجْهُولًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَصَحَّحَهُ إسْعَافٌ وَفِي ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ: وَصَحَّ اشْتِرَاطُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عِنْدَ الثَّانِي وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ حَتَّى لَوْ اتَّخَذَ مَسْجِدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ جَازَ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا ذَكَرَ مَعَهُ اشْتِرَاطَ بَيْعِهِ إلَخْ) فِي الْخَصَّافِ لَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ لِي إخْرَاجَهَا مِنْ الْوَقْفِ إلَى غَيْرِهِ أَوْ عَلَى أَنْ أَهَبَهَا وَأَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا، أَوْ عَلَى أَنْ أَهَبَهَا لِمَنْ شِئْت أَوْ عَلَى أَنْ أَرْهَنَهَا مَتَى بَدَا لِي وَأَخْرَجَهَا عَنْ الْوَقْفِ بَطَلَ الْوَقْفُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، أَمَّا الْمَسْجِدُ لَوْ اُشْتُرِطَ إبْطَالُهُ أَوْ بَيْعُهُ صَحَّ وَبَطَلَ الشَّرْطُ.
قُلْت: وَلَوْ اُشْتُرِطَ فِي الْوَقْفِ اسْتِبْدَالُهُ صَحَّ وسَيَأْتِي بَيَانُهُ. [تَتِمَّةٌ] : لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ، فَلَوْ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَآخِرُهُ لِلْفُقَرَاءِ اُشْتُرِطَ قَبُولُهُ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ قَبِلَهُ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَإِنْ رَدَّهُ فَلِلْفُقَرَاءِ، وَمَنْ قَبِلَ لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ بَعْدَهُ، وَمَنْ رَدَّهُ أَوَّلَ الْأَمْرِ لَيْسَ لَهُ الْقَبُولُ بَعْدَهُ، وَتَمَامُ الْفُرُوعِ فِي الْإِسْعَافِ وَالْبَحْرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا وُجُودُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ حِينَ الْوَقْفِ، حَتَّى لَوْ وَقَفَ مَسْجِدًا هَيَّأَ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَهُ فَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ كَمَا سَيَأْتِي وَلَا تَحْدِيدَ الْعَقَارِ، بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُهُ مَعْلُومًا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْقُنْيَةِ وَالْفَتْحِ، نَعَمْ هُوَ شَرْطُ الشَّهَادَةِ وَسَنَذْكُرُ تَمَامَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ وَقَفَ الْعَقَارَ بِبَقَرِهِ (قَوْلُهُ: بَطَلَ وَقْفُهُ) هُوَ الْمُخْتَارُ جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ وَغَيْرِهِ. .
مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ الْمُرْتَدِّ وَالْكَافِرِ (قَوْلُهُ: فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ) أَمَّا إنْ أَسْلَمَ صَحَّ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ أَوْ ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ بَطَلَ وَقْفُهُ) وَيَصِيرُ مِيرَاثًا سَوَاءً قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ أَوْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ إلَّا إنْ أَعَادَ الْوَقْفَ بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُرْتَدَّةِ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ بَحْرٌ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الِاغْتِفَارُ فِي الِابْتِدَاءِ لَا فِي الْبَقَاءِ عَكْسُ الْقَاعِدَةِ، فَإِنَّ الرِّدَّةَ الْمُقَارِنَةَ لِلْوَقْفِ لَا تُبْطِلُهُ بَلْ يَتَوَقَّفُ، بِخِلَافِ الطَّارِئَةِ فَإِنَّهَا تُبْطِلُهُ بَتًّا اهـ ط وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ قُبَيْلَ الْفَصْلِ الْآتِي (قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ عَلَى بِيعَةٍ) أَمَّا فِي الْمُسْلِمِ فَلِعَدَمِ كَوْنِهِ قُرْبَةً فِي ذَاتِهِ، وَأَمَّا فِي الذِّمِّيِّ فَلِعَدَمِ كَوْنِهِ قُرْبَةً عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ كَمَا مَرَّ أَفَادَهُ ح. لَكِنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَجْعَلْ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ لِمَا فِي الْفَتْحِ: لَوْ وَقَفَ أَيْ الذِّمِّيُّ عَلَى بِيعَةٍ مَثَلًا فَإِذَا خَرِبَتْ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ كَانَ لِلْفُقَرَاءِ ابْتِدَاءً، وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ كَانَ مِيرَاثًا عَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ الْخَصَّافُ فِي وَقْفِهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْإِسْعَافِ، وَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْبَحْرِ سَقْطًا حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ وَقَفَ عَلَى بِيعَةٍ فَإِذَا خَرِبَتْ كَانَ لِلْفُقَرَاءِ لَمْ يَصِحَّ وَكَانَ مِيرَاثًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ عِنْدَنَا. اهـ.
قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ مُطْلَقًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْمُفْتَى بِهِ، وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّصْرِيحِ بِالتَّأْبِيدِ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْبِيعَةِ يُنَافِي التَّأْبِيدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَوْ حَرْبِيٍّ) لِأَنَّا قَدْ نُهِينَا عَنْ بِرِّهِمْ ط (قَوْلُهُ: قِيلَ أَوْ مَجُوسِيٍّ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الصَّحِيحَ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، كَمَا اخْتَارَهُ فِي الْقُنْيَةِ. وَفِي الْإِسْعَافِ لَوْ وَقَفَ نَصْرَانِيٌّ مَثَلًا عَلَى مَسَاكِينِ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَازَ صَرْفُهَا لِمَسَاكِينِ الْيَهُودِ وَالْمَجُوس لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَوْ عَيَّنَ مَسَاكِينَ أَهْلِ دِينِهِ تَعَيَّنُوا، وَلَوْ صَرَفَهَا الْقَيِّمُ إلَى غَيْرِهِمْ ضَمِنَ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِلَّةً وَاحِدَةً لِتَعَيُّنِ الْوَقْفِ بِمَنْ يُعَيِّنُهُ الْوَاقِفُ.
стр. 2474
لَزِمَ شَرْطُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ
[مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ الْمُرْتَدِّ وَالْكَافِرِ]
(وَالْمِلْكُ يَزُولُ) عَنْ الْمَوْقُوفِ بِأَرْبَعَةٍ بِإِفْرَازِ مَسْجِدٍ كَمَا سَيَجِيءُ وَ (بِقَضَاءِ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَصُورَتُهُ: أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى الْمُتَوَلِّي
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ شَرَائِطُ الْوَاقِفِ مُعْتَبَرَةٌ إذَا لَمْ تُخَالِفْ الشَّرْعَ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الطَّرَسُوسِيِّ، حَيْثُ شَنَّعَ عَلَى الْخَصَّافِ، بِأَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْإِسْلَامَ سَبَبَ الْحِرْمَانِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ تَعَقَّبَ الْخَصَّافَ غَيْرَهُ، وَهَذِهِ لِلْبُعْدِ مِنْ الْفِقْهِ، فَإِنَّ شَرَائِطَ الْوَاقِفِ مُعْتَبَرَةٌ إذَا لَمْ تُخَالِفْ الشَّرْعَ وَهُوَ مَالِكٌ، فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً وَلَهُ أَنْ يَخُصَّ صِنْفًا مِنْ الْفُقَرَاءِ وَلَوْ كَانَ الْوَضْعُ فِي كُلِّهِمْ قُرْبَةً، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ قُرْبَةٌ حَتَّى جَازَ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِمْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتِ عِنْدَنَا فَكَيْفَ لَا يُعْتَبَرُ شَرْطُهُ فِي صِنْفٍ دُونَ صِنْفٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ؟ أَرَأَيْت لَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُمْ أَلَيْسَ يُحْرَمُ مِنْهُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ دَفَعَ الْمُتَوَلِّي إلَى الْمُسْلِمِينَ ضَمِنَ فَهَذَا مِثْلُهُ وَالْإِسْلَامُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْحِرْمَانِ بَلْ الْحِرْمَانُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ سَبَبِ تَمَلُّكِهِ لِهَذَا الْمَالِ وَهُوَ إعْطَاءُ الْوَاقِفِ الْمَالِكِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَالْمِلْكُ يَزُولُ) أَيْ مِلْكُ الْوَاقِفِ فَيَصِيرُ الْوَقْفُ لَازِمًا لِلْإِنْفَاقِ عَلَى التَّلَازُمِ بَيْنَ اللُّزُومِ وَالْخُرُوجِ عَنْ مِلْكِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: بِأَرْبَعَةٍ) هَذَا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ بِالثَّانِي وَالثَّالِثِ لَا يَزُولُ الْمِلْكُ فِيهِ عِنْدَ الْإِمَامِ، حَتَّى كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ مَا دَامَ حَيًّا كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ بِإِفْرَازِ مَسْجِدٍ) عَبَّرَ بِالْإِفْرَازِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَشَاعًا لَا يَصِحُّ إجْمَاعًا، وَأَفَادَ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِلَا قَضَاءٍ (قَوْلُهُ: وَبِقَضَاءِ الْقَاضِي) أَيْ قَضَائِهِ بِلُزُومِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَعَبَّرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ أَيْ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ وَكُلُّ صَحِيحٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ آنِفًا مِنْ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْخُرُوجِ وَاللُّزُومِ.
[تَنْبِيهٌ] : قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْغَرْسِ فِي الْفَوَاكِهِ الْبَدْرِيَّةِ قَالُوا: الْقَضَاءُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ لَا يَكُونُ قَضَاءً بِلُزُومِهِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الْوَقْفَ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ عِنْدَ الْإِمَامِ لَازِمٌ عِنْدَهُمَا فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِصِحَّتِهِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَضَى بِذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَلَا مَعْنَى لِلْجَوَازِ هَاهُنَا إلَّا الصِّحَّةُ، وَلَا يَلْزَمُهَا اللُّزُومُ فَيَحْتَاجُ فِي لُزُومِ الْوَقْفِ إلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَجْهُهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَقُلْ بِكَوْنِ الْوَقْفِ جَائِزًا غَيْرُ لَازِمٍ مُطْلَقًا بَلْ هُوَ عِنْدَهُ لَازِمٌ إذَا عَلَّقَهُ الْوَاقِفُ بِالْمَوْتِ أَوْ قَضَى بِهِ الْقَاضِي، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَضَاءَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ قَضَاءٌ بِالْوَقْفِ، فَيَكُونُ الْقَضَاءُ بِصِحَّتِهِ مُقْتَضِيًا لِلُزُومِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّصْرِيحِ بِاللُّزُومِ فِي الْقَضَاءِ بِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ كَلَامُ ابْنِ الْغَرْسِ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْقَضَاءَ بِصِحَّتِهِ كَالْقَضَاءِ بِلُزُومِهِ أَوْ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اللُّزُومِ فَالْإِمَامُ لَا يَقُولُ بِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ إذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ يَرَاهُ نَفَذَ حُكْمُهُ وَصَارَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لِحَاكِمٍ غَيْرِهِ نَقْضُهُ وَالْوَقْفُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِذَا حَكَمَ بِلُزُومِهِ حَاكِمٌ يَرَاهُ لَزِمَ اتِّفَاقًا وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، أَمَّا لَوْ حَكَمَ بِأَصْلِ الصِّحَّةِ فَلَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلَّ الْخِلَافِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ اللُّزُومَ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ خِلَافٌ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ ثَابِتٌ فَقَوْلُهُمْ يَلْزَمُ عِنْدَ الْإِمَامِ بِالْقَضَاءِ مَعْنَاهُ بِالْقَضَاءِ بِلُزُومِهِ أَوْ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ كَمَا مَرَّ، أَمَّا لَوْ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ بِأَنْ وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهَا فَقَطْ بِأَنْ ادَّعَى عَبْدُهُ تَعْلِيقَ عِتْقِهِ عَلَى وَقْفِهِ أَرْضَهُ فَأَنْكَرَ الْمَوْلَى صِحَّةَ الْوَقْفِ لِكَوْنِهِ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ مَثَلًا فَأَثْبَتَ الْعَبْدُ أَنَّهُ عَلَّقَهُ بِكَائِنٍ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّتِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ اللُّزُومَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ هَذَا مَا يَظْهَرُ لِلْفِكْرِ الْفَاتِرِ فَتَدَبَّرْهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ) أَيْ إنَّهُ يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ رَافِعًا لِلْخِلَافِ كَمَا قُلْنَا، وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ وَلُزُومِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ ذَلِكَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَصُورَتُهُ) أَيْ صُورَةُ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلُزُومِهِ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يُسَلِّمَهُ) أَيْ يُسَلِّمَ الْوَاقِفُ
стр. 2475
ثُمَّ يَظْهَرُ الرُّجُوعَ مُعِينُ الْمُفْتِي مَعْزِيًّا لِلْفَتْحِ (الْمُوَلَّى مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ) لَا الْمُحَكَّمِ وَسَيَجِيءُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ بِلَا دَعْوَى، ثُمَّ هَلْ الْقَضَاءُ بِالْوَقْفِ قَضَاءٌ عَلَى الْكَافَّةِ، فَلَا تُسْمَعُ فِيهِ دَعْوَى مِلْكٍ آخَرَ، وَوَقْفٍ آخَرَ أَمْ لَا فَتُسْمَعُ أَفْتَى أَبُو السُّعُودِ مُفْتِي الرُّومِ بِالْأَوَّلِ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمَنْظُومَةِ الْمُحِبِّيَّةِ وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ صَوْنًا عَنْ الْحِيَلِ لِإِبْطَالِهِ، لَكِنَّهُ نَقَلَ بَعْدَهُ عَنْ الْبَحْرِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الثَّانِي وَصَحَّحَهُ فِي الْفَوَاكِهِ الْبَدْرِيَّةِ وَبِهِ أَفْتَى الْمُصَنِّفُ.
(أَوْ بِالْمَوْتِ إذَا عُلِّقَ بِهِ) أَيْ بِمَوْتِهِ كَإِذَا مِتَّ
ــ
[رد المحتار]
وَقْفَهُ بَعْدَ أَنْ نَصَبَ لَهُ مُتَوَلِّيًا (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُظْهِرَ الرُّجُوعَ) أَيْ يَدَّعِي عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ وَقْفِهِ، وَيَطْلُبُ رَدَّهُ إلَيْهِ لِعَدَمِ لُزُومِهِ وَيَمْتَنِعُ الْمُتَوَلِّي مِنْ رَدِّهِ إلَيْهِ فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِلُزُومِهِ، فَيَلْزَمُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَيْضًا لِارْتِفَاعِ الْخِلَافِ بِالْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: لَا الْمُحَكَّمِ) فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ بِحُكْمِهِ لَا يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ، وَلِلْقَاضِي أَنْ يُبْطِلَهُ بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَمِثْلُهُ فِي الْإِسْعَافِ خِلَافًا لِمَا صَحَّحَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ.
[تَنْبِيهٌ] : قَالَ فِي الْإِسْعَافِ: وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ مُجْتَهِدًا يَرَى لُزُومَ الْوَقْفِ فَأَمْضَى رَأْيَهُ فِيهِ وَعَزَمَ عَلَى زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ أَوْ مُقَلِّدًا فَسَأَلَ فَأَفْتَى بِالْجَوَازِ فَقَبِلَهُ وَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ لَزِمَ الْوَقْفُ، وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ وَإِنْ تَبَدَّلَ رَأْيُ الْمُجْتَهِدِ وأَفْتَى الْمُقَلِّدُ بِعَدَمِ اللُّزُومِ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ فَهَذَا مِمَّا يُزَادُ عَلَى مَا يَلْزَمُ بِهِ الْوَقْفُ لَكِنْ قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ لَهُ الظَّاهِرُ ضَعْفُهُ اهـ أَيْ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِ الْمُتُونِ يَزُولُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعِبْرَةَ لِرَأْيِ الْحَاكِمِ فَإِذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ يَحْكُمُ فِيهِ بِرَأْيِهِ لَا بِرَأْيِ الْخَصْمِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي الْإِسْعَافِ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدِّيَانَةِ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا تَغَيَّرَ رَأْيُهُ لَا يَنْقُضُ مَا أَمْضَاهُ أَوَّلًا وَكَذَا الْمُقَلِّدُ فِي حَادِثَةٍ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا بِتَقْلِيدِهِ مُجْتَهِدًا آخَرَ، وَأَمَّا لَوْ رُفِعَتْ حَادِثَةُ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ أَوْ الْمُقَلِّدِ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ كَمَا قُلْنَا، وَلِذَا قَالَ وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ وَلَمْ يَقُلْ وَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِخِلَافٍ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ (قَوْلُهُ: وَسَيَجِيءُ) أَيْ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْآتِي (قَوْلُهُ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ بِلَا دَعْوَى) أَيْ فِي الْوَقْفِ لِأَنَّ حُكْمَهُ هُوَ التَّصَدُّقُ بِالْغَلَّةِ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِالشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ، وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ مَا مَرَّ مِنْ تَصْوِيرِهِ بِالدَّعْوَى غَيْرُ لَازِمٍ لَكِنْ قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: وَالْكَلَامُ فِي الْحُكْم الرَّافِعِ لِلْخِلَافِ لَا الْحُكْمِ بِثُبُوتِ أَصْلِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى الدَّعْوَى عِنْدَ الْبَعْضِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِاللُّزُومِ عِنْدَ دَعْوَى عَدَمِهِ فَلَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الدَّعْوَى فِيهِ لِيَصِيرَ فِي حَادِثَةٍ إذْ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ حِينَئِذٍ اللُّزُومُ وَعَدَمُهُ فَيُرْفَعُ الْخِلَافُ اهـ.
(قَوْلُهُ: قَضَاءٌ عَلَى الْكَافَّةِ إلَخْ) أَيْ لَا عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَقَطْ كَمَا فِي دَعْوَى الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ لَوْ ادَّعَى عَلَى ذِي الْيَدِ أَنَّ هَذَا مِلْكُهُ وَحَكَمَ بِهِ الْقَاضِي تُسْمَعُ دَعْوَى رَجُلٍ آخَرَ عَلَى الْمُدَّعِي بِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا حَكَمَ لِإِنْسَانٍ بِالْحُرِّيَّةِ وَلَوْ عَارِضَةً، أَوْ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ أَوْ بِنَسَبٍ أَوْ بِوَلَاءِ عَتَاقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ دَعْوَى آخَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ قَضَاءٌ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ وَسَيَجِيءُ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ) حَيْثُ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ يُفْتَى بِهِ وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ صَوْنِ الْوَقْفِ عَنْ التَّعَرُّضِ إلَيْهِ بِالْحِيَلِ وَالتَّلَابِيسِ وَالدَّعَاوَى الْمُفْتَعَلَةِ قَصْدًا لِإِبْطَالِهِ؛ وَلِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ لِلْوَقْفِ، وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْحَاوِي الْقُدْسِيُّ بِأَنَّهُ يُفْتِي بِكُلِّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْوَقْفِ فِيمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ حَتَّى نُقِضَتْ الْإِجَارَةُ عِنْدَ الزِّيَادَةِ الْفَاحِشَةِ نَظَرًا لِلْوَقْفِ وَصِيَانَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِبْقَاءً لِلْخَيْرَاتِ. اهـ. ط (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الثَّانِي) قَالَ شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ بِهَذَا إنْ عُرِفَ الْوَاقِفُ بِالْحِيَلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقِفُ عَقَارَ غَيْرِهِ، وَيَقْضِي الْقَاضِي بِلُزُومِهِ لِدَفْعِ دَعْوَى مَالِكِهِ وَإِلَّا فَيُفْتِي بِالْأَوَّلِ اهـ وَهُوَ حَسَنٌ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِالْمَوْتِ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِقَضَاءٍ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَزُولُ الْمِلْكُ بِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَهَذَا أَيْ زَوَالُ الْمِلْكِ فِي حُكْمِ الْحَاكِمِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءُ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، أَمَّا فِي تَعْلِيقِهِ بِالْمَوْتِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ إلَّا أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَنَافِعِهِ مُؤَبَّدًا فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ مُؤَبَّدًا فَيَلْزَمُهُ اهـ.
стр. 2476
فَقَدْ وَقَفْت دَارِي عَلَى كَذَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَوَصِيَّةٍ تَلْزَمُ مِنْ الثُّلُثِ بِالْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ. قُلْت: وَلَوْ لِوَارِثِهِ وَإِنْ رَدُّوهُ لَكِنَّهُ يُقْسَمُ كَالثُّلُثَيْنِ فَقَوْلُ الْبَزَّازِيَّةِ إنَّهُ إرْثٌ
ــ
[رد المحتار]
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا عَلَّقَهُ بِمَوْتِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ لَازِمَةٌ لَكِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّصْرِيفُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ الْوَصِيَّةِ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ مَوْتِهِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بَعْدَ مَوْتِهِ بَحْرٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ.
وَمُحَصَّلُ هَذَا: أَنَّ الْمُغْلَقَ بِالْمَوْتِ لَا يَكُونُ وَقْفًا فِي الصَّحِيحِ فَلَا يَزُولُ بِهِ الْمِلْكُ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَلَا بَعْدَهُ بَلْ يَكُونُ وَصِيَّةً لَازِمَةً بَعْدَهُ حَتَّى لَا يَجُوزَ التَّصَرُّفُ بِهِ لَا قَبْلَهُ، حَتَّى جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَوَصِيَّةٍ إلَخْ فَإِنَّهُ قَصَدَ بِهِ تَحْوِيلَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ فِيمَا يَزُولُ بِهِ الْمِلْكُ لَا فِيمَا يَلْزَمُ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى التَّلَازُمِ بَيْنَ اللُّزُومِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي الْوَقْفِ، وَأَمَّا الْمُعَلَّقُ بِالْمَوْتِ فَلَيْسَ وَقْفًا كَمَا عَلِمْت فَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِهِ وَصِيَّةً أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الْمِلْكِ (قَوْلُهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَوَصِيَّةٍ) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ تَحْوِيلٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا تَفْرِيعٌ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحَ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى مُقَابِلِهِ مِنْ جَوَازِ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ، وَالْوَقْفُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ اهـ وَاعْتَرَضَهُ الْحَمَوِيُّ بِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِكَائِنٍ وَهُوَ كَالْمُنَجَّزِ.
قُلْت: قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَائِنِ الْمُحَقَّقِ وُجُودُهُ لِلْحَالِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِوَارِثِهِ إلَخْ) أَيْ يَلْزَمُ مِنْ الثُّلُثِ وَلَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى وَارِثِهِ وَإِنْ رَدُّوهُ أَيْ الْوَرَثَةُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ أَوْ وَارِثٌ آخَرُ.
مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ الْمَرِيضِ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: امْرَأَةٌ وَقَفَتْ مَنْزِلًا فِي مَرَضِهَا عَلَى بَنَاتِهَا، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِنَّ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِنَّ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا فَإِذَا انْقَرَضُوا فَلِلْفُقَرَاءِ ثُمَّ مَاتَتْ فِي مَرَضِهَا، وَخَلَّفَتْ بِنْتَيْنِ وَأُخْتًا لِأَبٍ وَالْأُخْتُ لَا تَرْضَى بِمَا صَنَعَتْ، وَلَا مَالَ لَهَا سِوَى الْمَنْزِلِ جَازَ الْوَقْفُ فِي الثُّلُثِ وَلَمْ يَجُزْ فِي الثُّلُثَيْنِ، فَيُقْسَمُ الثُّلُثَانِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ، وَيُوقَفُ الثُّلُثُ فَمَا خَرَجَ مِنْ غَلَّتِهِ قُسِمَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ مَا عَاشَتْ الْبِنْتَانِ، فَإِذَا مَاتَتَا صُرِفَتْ الْغَلَّةُ إلَى أَوْلَادِهِمَا وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمَا كَمَا شَرَطَتْ الْوَاقِفَةُ لَا حَقَّ لِلْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ.
رَجُلٌ وَقَفَ دَارًا لَهُ فِي مَرَضِهِ عَلَى ثَلَاثِ بَنَاتٍ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُنَّ قَالَ الثُّلُثُ مِنْ الدَّارِ وَقْفٌ وَالثُّلُثَانِ مُطْلَقٌ يَصْنَعْنَ بِهِمَا مَا شِئْنَ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: هَذَا إذَا لَمْ يُجِزْنَ أَمَّا إذَا أَجَزْنَ صَارَ الْكُلُّ وَقْفًا عَلَيْهِنَّ اهـ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ إسْعَافٌ أَيْ لِأَنَّهُ مَشَاعٌ حَيْثُ وَقَفَهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَلَمْ يَقْسِمْهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْإِسْعَافِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ يُقْسَمُ) أَيْ إذَا رَدُّوهُ يُقْسَمُ الثُّلُثُ الَّذِي صَارَ وَقْفًا أَيْ تُقْسَمُ غَلَّتُهُ كَالثُّلُثَيْنِ فَتُصْرَفُ مَصْرِفَ الثُّلُثَيْنِ عَنْ الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ مَا دَامَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ حَيًّا أَمَّا إذَا مَاتَ تُقْسَمُ غَلَّةُ الثُّلُثِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ الْوَقْفُ كَمَا عَلِمْت: وَبَقِيَ مَا لَوْ مَاتَ بَعْضُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ سَهْمُهُ إلَى وَرَثَتِهِ مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ حَيًّا كَمَا فِي الْإِسْعَافِ (قَوْلُهُ: فَقَوْلُ الْبَزَّازِيَّةِ) عِبَارَتُهَا: أَرْضِي هَذِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى ابْنِي فُلَانٍ فَإِنْ مَاتَ فَعَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَنَسْلِي، وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَهِيَ إرْثٌ بَيْنَ كُلِّ الْوَرَثَةِ مَا دَامَ الِابْنُ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ صَارَ كُلُّهَا لِلنَّسْلِ اهـ
стр. 2477
أَيْ حُكْمًا فَلَا خَلَلَ فِي عِبَارَتِهِ فَاعْتَبَرُوا الْوَارِثَ بِالنَّظَرِ لِلْغَلَّةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَإِنْ رَدُّوا بِالنَّظَرِ لِلْغَيْرِ وَإِنْ لَمْ تَنْفُذْ لِوَارِثِهِ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَمَحَّضْ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ فَافْهَمْ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ: أَيْ حُكْمًا) اعْلَمْ أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَإِ، وَهُوَ قَوْلُ مَدْلُولِ أَيْ التَّفْسِيرِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ مُفَسَّرٌ بِالْإِرْثِ حُكْمًا، وَحُكْمًا تَمْيِيزٌ عَنْ الْإِرْثِ الْمُقَدَّرِ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إرْثٌ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُقْسَمُ كَالْإِرْثِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ: مَا دَامَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ حَيًّا، وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ الثُّلُثُ وَقْفٌ وَالْبَاقِي مِلْكٌ (قَوْلُهُ: فَلَا خَلَلَ فِي عِبَارَتِهِ) أَيْ عِبَارَةِ الْبَزَّازِيِّ، وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْبَحْرِ هِيَ عِبَارَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِمَا مَرَّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ الثُّلُثَيْنِ مِلْكٌ وَالثُّلُثَ وَقْفٌ، وَأَنَّ غَلَّةَ الثُّلُثِ تُقْسَمُ عَلَى الْوَرَثَةِ مَا دَامَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ حَيًّا. اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَى عِبَارَةِ الْبَزَّازِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ: فَهِيَ إرْثٌ وَجَوَابُهُ مَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهَا إرْثٌ حُكْمًا: أَيْ حِصَّةُ الْوَقْفِ فَقَطْ. وَالثَّانِي قَوْلُهُ: فَإِذَا مَاتَ صَارَ كُلُّهَا لِلنَّسْلِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِأَنَّ الَّذِي يَصِيرُ لِلنَّسْلِ هُوَ الثُّلُثُ الْمَوْقُوفُ، أَمَّا الثُّلُثَانِ فَهُمْ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ حَيْثُ لَمْ يُجْبَرُوا. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ فَهِيَ إرْثٌ رَاجِعٌ إلَى غَلَّةِ الثُّلُثِ الْمَوْقُوفِ، وَكَذَا ضَمِيرُ قَوْلِهِ صَارَ كُلُّهَا لِلنَّسْلِ، أَوْ يُقَالُ مُرَادُهُ مَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ كُلُّهَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَصِيرُ كُلُّهَا وَقْفًا وَحَيْثُ لَمْ يُجِيزُوا تُقْسَمُ غَلَّتُهَا كَالْإِرْثِ ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِ الِابْنِ تَصِيرُ كُلُّهَا لِلنَّسْلِ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا: وَقَفَ أَرْضَهُ فِي مَرَضِهِ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ فَهُوَ كَمَا قَالُوا فِي الْوَصِيَّةِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ صَارَتْ الْأَرْضُ وَقْفًا وَإِلَّا فَمِقْدَارُ مَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ يَصِيرُ وَقْفًا تُقْسَمُ جَمِيعُ غَلَّةِ الْوَقْفِ مَا جَازَ فِيهِ الْوَقْفُ، وَمَا لَمْ يَجُزْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى مَا دَامَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَوْ أَحَدُهُمْ فِي الْأَحْيَاءِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا كُلُّهُمْ تُصْرَفُ غَلَّةُ الْأَرْضِ إلَى الْفُقَرَاءِ إنْ لَمْ يُوصِ الْوَاقِفُ إلَى وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْوَرَثَةِ وَبَقِيَ الْآخَرُونَ فَإِنَّ الْمَيِّتَ فِي قِسْمَةِ الْغَلَّةِ مَا دَامَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ أَحْيَاءً كَأَنَّهُ حَيٌّ، فَيُقْسَمُ ثُمَّ يُجْعَلُ سَهْمُهُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ الَّذِينَ لَا حِصَّةَ لَهُمْ مِنْ الْوَقْفِ. اهـ.
بَقِيَ لَوْ وَقَفَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ وَلَمْ تُجِزْ فَفِي الْبَحْرِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا السُّدُسُ وَالْبَاقِي وَقْفٌ، لِمَا فِي وَصَايَا الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ وَأَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ لِرَجُلٍ، فَإِنْ أَجَازَتْ فَالْكُلُّ لَهُ، وَإِلَّا فَالسُّدُسُ لَهَا وَخَمْسَةُ الْأَسْدَاسِ لَهُ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَأْخُذُ الثُّلُثَ أَوَّلًا بَقِيَ أَرْبَعَةٌ تَأْخُذُ الرُّبْعَ وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ لَهُ فَحَصَلَ لَهُ خَمْسَةٌ مِنْ سِتَّةٍ اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَقْفَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ اهـ (قَوْلُهُ: فَاعْتَبَرُوا الْوَارِثَ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا وَقَفَ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ عَلَى أَوْلَادِهِنَّ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثُ الْآخَرُ كَانَ الْكُلُّ وَقْفًا وَاتُّبِعَ الشَّرْطُ وَإِلَّا كَانَ الثُّلُثَانِ مِلْكًا بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالثُّلُثُ وَقْفًا مَعَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْبَعْضِ لَا تَنْفُذُ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ لِلْوَارِثِ لِأَنَّهُ بَعْدَهُ لِغَيْرِهِ فَاعْتُبِرَ الْغَيْرُ بِالنَّظَرِ إلَى ثُلُثٍ وَاعْتُبِرَ الْوَارِثُ بِالنَّظَرِ إلَى غَلَّةِ الثُّلُثِ الَّذِي صَارَ وَقْفًا فَلَا يُتْبَعُ الشَّرْطُ مَا دَامَ الْوَارِثُ حَيًّا وَإِنَّمَا تُقْسَمُ غَلَّةُ هَذَا الثُّلُثِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا انْقَرَضَ الْوَارِثُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ اُعْتُبِرَ شَرْطُهُ فِي غَلَّةِ الثُّلُثِ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِالنَّظَرِ لِلْغَلَّةِ) وَلِهَذَا الِاعْتِبَارِ قَسَمُوهَا كَالثُّلُثَيْنِ. اهـ. ح (قَوْلُهُ: وَالْوَصِيَّةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ الْوَارِثَ أَيْ وَاعْتَبَرُوا الْوَصِيَّةَ بِالنَّظَرِ لِلْغَيْرِ وَكَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: وَاعْتَبَرُوا الْغَيْرَ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَصِيَّةِ أَيْ إلَى لُزُومِهَا ط (قَوْلُهُ: وَإِنْ رَدُّوا) أَيْ الْوَرَثَةُ أَيْ بَقِيَّتُهُمْ ط، وَكَذَا لَوْ رَدَّ كُلُّهُمْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تَنْفُذْ لِوَارِثِهِ) الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ: لِعَدَمِ نَفَاذِهَا لِلْوَارِثِ، وَيَكُونُ عِلَّةً لِقَوْلِهِ، وَالْوَصِيَّةُ بِالنَّظَرِ لِلْغَيْرِ يَعْنِي إنَّمَا اُعْتُبِرَ الْغَيْرُ فِي لُزُومِ الْوَصِيَّةِ لِعَدَمِ نَفَاذِهَا لِلْوَارِثِ ط (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَمْ تَتَمَحَّضْ لَهُ) غَلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَاعْتَبَرُوا الْوَصِيَّةَ ح (قَوْلُهُ: فَافْهَمْ) أَمْرٌ بِالْفَهْمِ لِدِقَّةِ الْمَقَامِ.
стр. 2478
(أَوْ بِقَوْلِهِ وَقَفْتهَا فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ وَفَاتِي مُؤَبَّدًا) فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ، لَكِنْ عِنْدَ الْإِمَامِ مَا دَامَ حَيًّا هُوَ نَذْرٌ بِالتَّصَدُّقِ بِالْغَلَّةِ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ وَلَهُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى مَاتَ جَازَ مِنْ الثُّلُثِ.
قُلْت: فَفِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَهُ الرُّجُوعُ مَا دَامَ حَيًّا غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا بِأَمْرِ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ، فَقَوْلُ الدُّرَرِ لَوْ افْتَقَرَ يَفْسَخُهُ الْقَاضِي لَوْ غَيْرَ مُسَجَّلٍ مَنْظُورٌ فِيهِ
ــ
[رد المحتار]
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ قَوْلِهِ قُلْت: إلَى هُنَا لَيْسَ هَذَا مَحَلَّهُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمِلْكِ بِالْقَضَاءِ أَوْ بِالتَّعْلِيقِ بِالْمَوْتِ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَوْ بَيَانٍ لِمَسْأَلَةٍ إجْمَاعِيَّةٍ كَمَا يَأْتِي عَنْ النَّهْرِ، وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مُصَوَّرٌ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ فِي الْمَرَضِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَهُ آخِرَ الْبَابِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى وَقْفِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ هُنَا يُوهِمُ أَنَّ الْوَقْفَ فِي الْمَرَضِ يَلْزَمُ عِنْدَ الْإِمَامِ نَظِيرُ التَّعْلِيقِ الْمَوْتُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْهِدَايَةِ وَلَوْ وَقَفَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُ إلَّا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْوَقْفُ فِي الصِّحَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. اهـ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ لَكِنَّهُ عَلَى قَوْلِهِمَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اعْتِمَادُهُ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ فَلَا فِي الصَّحِيحِ كَمَا عَلِمْته مِنْ عِبَارَةِ الْبَحْرِ. وَالْعَجَبُ مِمَّنْ نَقَلَ صَدْرَ عِبَارَةِ الْبَحْرِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ تَمَامَهَا فَافْهَمْ، ثُمَّ هَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى أَنْ تَكُونَ وَقْفًا بَعْدَ وَفَاتِهٍ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَاَلَّذِي نُجْزِهِ فِي مَرَضِهِ يَصِيرُ وَقْفَ الصِّحَّةِ إذَا بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ فَافْتَرَقَا كَمَا فِي الْخَصَّافِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِقَوْلِهِ إلَخْ) ذَكَرَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ غَيْرَ قَيْدٍ لِإِغْنَاءِ التَّأْبِيدِ عَنْهُ. قَالَ فِي الْإِسْعَافِ: لَوْ قَالَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ مُؤَبَّدَةٌ جَازَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا اشْتَرَطَ التَّسْلِيمَ إلَى الْمُتَوَلِّي وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. وَعِنْدَ الْإِمَامِ يَكُونُ نَذْرًا بِالصَّدَقَةِ بِغَلَّةِ الْأَرْضِ، وَيَبْقَى مِلْكُهُ عَلَى حَالِهِ فَإِذَا مَاتَ تُورَثُ عَنْهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ) أَيْ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَهَذَا أَيْضًا تَحْوِيلٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَنْ ظَاهِرِهِ إصْلَاحًا لَهُ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِيمَا يَزُولُ بِهِ الْمِلْكُ غَيْرُ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّهُ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ جَائِزٌ لَازِمٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَهُ الرُّجُوعُ) أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْإِسْعَافِ (قَوْلُهُ: جَازَ مِنْ الثُّلُثِ) وَيَكُونُ كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ لِإِنْسَانٍ، فَالْخِدْمَةُ لَهُ وَالرَّقَبَةُ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا، فَلَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ يَصِيرُ الْعَبْدُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمَالِكِ، إلَّا أَنَّ فِي الْوَقْفِ لَا يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُ الْمُوصَى لَهُمْ وَهُمْ الْفُقَرَاءُ فَتَتَأَبَّدُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ إسْعَافٌ وَدُرَرٌ (قَوْلُهُ: فَفِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ) أَيْ فِيمَا إذَا عَلَّقَهُ بِالْمَوْتِ، وَفِيمَا إذَا قَالَ: وَقَفْتهَا فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي، وَقَدْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا يُفِيدَانِ الْخُرُوجَ وَاللُّزُومَ بِمَوْتِ الْوَاقِفِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ، وَهُمَا مَا إذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ أَوْ أَفْرَزَهُ مَسْجِدًا فَإِنَّهُمَا يُفِيدَانِ الْخُرُوجَ وَاللُّزُومَ فِي حَيَاتِهِ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى مَوْتِهِ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة فَاللُّزُومُ فِيهِمَا حَالِيٌّ وَفِي الْآخَرِينَ مَالِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لَهُ الرُّجُوعُ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَقْفٌ لَازِمٌ، لَكِنْ يُنَافِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْمَوْتِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَقْفًا فِي الصَّحِيحِ، بَلْ هُوَ وَصِيَّةٌ لَازِمَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَهُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى جَعْلِهِ وَقْفًا مِنْ جَوَازِ تَعْلِيقِهِ وَالْوَقْفُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ تَأَمَّلْ. نَعَمْ لَا تَعْلِيقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَاللُّزُومُ فِيهَا ظَاهِرٌ عِنْدَهُمَا (قَوْلُهُ: لَوْ غَيْرَ مُسَجَّلٍ) أَيْ مَحْكُومٍ بِهِ فَأَطْلَقَ التَّسْجِيلَ، وَهُوَ الْكِتَابَةُ فِي السِّجِلِّ وَأَرَادَ مَلْزُومَهُ وَهُوَ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ إذَا حَكَمَ بِشَيْءٍ كُتِبَ فِي السِّجِلِّ ط (قَوْلُهُ: مَنْظُورٍ فِيهِ) لِأَنَّ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَهُ الرُّجُوعُ بِلَا اشْتِرَاطِ فَقْرٍ وَلَا فَسْخِ قَاضٍ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ كَمَا عَلِمْته وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ قُبَيْلَ الْفَصْلِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: أَطْلَقَ الْقَاضِي الْوَقْفَ غَيْرَ الْمُسَجَّلِ لِوَارِثِ الْوَاقِفِ فَبَاعَ صَحَّ وَلَوْ لِغَيْرِهِ لَا.
стр. 2479
(وَلَا يَتِمُّ) الْوَقْفُ (حَتَّى يُقْبَضَ) لَمْ يَقُلْ لِلْمُتَوَلِّي لِأَنَّ تَسْلِيمَ كُلِّ شَيْءٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ فَفِي الْمَسْجِدِ بِالْإِفْرَازِ وَفِي غَيْرِهِ بِنَصْبِ الْمُتَوَلِّي وَبِتَسْلِيمِهِ إيَّاهُ ابْنُ كَمَالٍ (وَيُفْرَزُ) فَلَا يَجُوزُ وَقْفُ مَشَاعٍ يُقْسَمُ خِلَافًا لِلثَّانِي (وَيُجْعَلُ آخِرُهُ لِجِهَةِ) قُرْبَةٍ (لَا تَنْقَطِعُ) هَذَا بَيَانُ شَرَائِطِهِ الْخَاصَّةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ،
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ شُرُوطُ الْوَقْفِ عَلَى قَوْلِهِمَا (قَوْلُهُ: وَلَا يَتِمُّ الْوَقْفُ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي شُرُوطِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بَعْدُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَسْلِيمَ إلَخْ) وَلِيَشْمَلَ تَسْلِيمَهُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي الْعَزْمِيَّةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَفِي الْمَسْجِدِ بِالْإِفْرَازِ) أَيْ وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَسَيَأْتِي وَفِي الْمَقْبَرَةِ بِدَفْنِ وَاحِدٍ فَصَاعِدًا بِإِذْنِهِ وَفِي السِّقَايَةِ بِشُرْبِ وَاحِدٍ، وَفِي الْخَانِ بِنُزُولِ وَاحِدٍ مِنْ الْمَارَّةِ، لَكِنَّ السِّقَايَةَ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى صَبِّ الْمَاءِ فِيهَا، وَالْخَانَ الَّذِي يَنْزِلُهُ الْحَاجُّ بِمَكَّةَ وَالْغُزَاةُ بِالثَّغْرِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُتَوَلِّي؛ لِأَنَّ نُزُولَهُمْ يَكُونُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً، فَيُحْتَاجُ إلَى مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِ وَإِلَى مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ فِيهَا إسْعَافٌ (قَوْلُهُ: وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: أَنَّ التَّسْلِيمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ إذَا جَعَلَ الْوَاقِفُ نَفْسَهُ قَيِّمًا، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّسْلِيمُ لِلْمُشْرِفِ؛ لِأَنَّهُ حَافِظٌ لَا غَيْرُ اهـ لَكِنَّ فِيهِ أَنَّ مَنْ شَرَطَ التَّسْلِيمَ وَهُوَ مُحَمَّدٌ لَمْ يُصَحِّحْ تَوْلِيَةَ الْوَاقِفِ نَفْسَهُ وَمَنْ صَحَّحَهَا وَهُوَ أَبُو يُوسُفَ لَمْ يَشْتَرِطْهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيُفْرِزُ) أَيْ بِالْقِسْمَةِ وَهَذَا الشَّرْطُ وَإِنْ كَانَ مُفَرَّعًا عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ تَمَامِهِ إلَّا أَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ إيضَاحًا وَأَبُو يُوسُفَ لَمَّا لَمْ يَشْتَرِطْ التَّسْلِيمَ أَجَازَ وَقْفَ الْمَشَاعِ، وَالْخِلَافُ فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، أَمَّا مَا لَا يَقْبَلُهَا كَالْحَمَّامِ وَالْبِئْرِ وَالرَّحَى فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ لِأَنَّ بَقَاءَ الشَّرِكَةِ يَمْنَعُ الْخُلُوصَ لِلَّهِ تَعَالَى نَهْرٌ وَفَتْحٌ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ وَقْفُ مَشَاعٍ يُقْسَمُ إلَخْ) شَمِلَ مَا لَوْ اُسْتُحِقَّ جَزْءٌ مِنْ الْأَرْضِ شَائِعٌ فَيَبْطُلُ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الشُّيُوعَ مُقَارِنٌ كَمَا فِي الْهِبَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَجَعَ الْوَارِثُ فِي الثُّلُثَيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ فِي مَرَضِهِ وَفِي الْمَالِ ضِيقٌ؛ لِأَنَّهُ شُيُوعٌ طَارِئٌ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ لَمْ يَبْطُلْ فِي الْبَاقِي لِعَدَمِ الشُّيُوعِ بَحْرٌ عَنْ الْهِدَايَةِ، وَلَوْ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ وَقَفَاهَا وَدَفَعَاهَا مَعًا إلَى قَيِّمٍ وَاحِدٍ جَازَ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ الشُّيُوعُ وَقْتَ الْقَبْضِ لَا وَقْتَ الْعَقْدِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا لِوُجُودِهِمَا مَعًا مِنْهُمَا، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ عَلَى جِهَةٍ وَسَلَّمَاهُ مَعًا لِقَيِّمٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ الشُّيُوعِ وَقْتَ الْقَبْضِ.
وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي وَقْفَيْهِمَا جِهَةً وَقَيِّمًا وَاتَّحَدَ زَمَانُ تَسَلُّمِهِمَا مَالِهِمَا أَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِقَيِّمِهِ اقْبِضْ نَصِيبِي مَعَ نَصِيبِ صَاحِبِي لِأَنَّهُمَا صَارَا كَمُتَوَلٍّ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَفَ كُلُّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ وَسَلَّمَ لِقَيِّمِهِ وَحْدَهُ، فَلَا يَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِوُجُودِ الشُّيُوعِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَتَمَكُّنِهِ وَقْتَ الْقَبْضِ إسْعَافٌ وَفِيهِ أَيْضًا وَقَفَتْ دَارَهَا عَلَى بَنَاتِهَا الثَّلَاثِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَلَا مَالَ لَهَا غَيْرُهُ وَلَا وَارِثَ غَيْرُهُنَّ فَالثُّلُثُ وَقْفٌ وَالثُّلُثَانِ مِيرَاثٌ لَهُنَّ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ مَشَاعٌ حَيْثُ لَمْ تَقْسِمْهُ بَيْنَهُنَّ. مَطْلَبٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّأْبِيدِ (قَوْلُهُ: وَيَجْعَلُ آخِرَهُ لِجِهَةِ قُرْبَةٍ لَا تَنْقَطِعُ) يَعْنِي لَا بُدَّ أَنْ يَنُصَّ عَلَى التَّأْبِيدِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. اهـ. ح وَيَأْتِي بَيَانُهُ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ إذْ لَا مُخَالَفَةَ لِمُحَمَّدٍ فِي لُزُومِهِ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِلْإِمَامِ فِيهِ، وَتَمَامُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ (قَوْلُهُ: هَذَا بَيَانُ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْكَنْزِ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَتِمُّ حَتَّى وَأَشَارَ إلَى مَا فِي النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ فَإِنْ
стр. 2480
لِأَنَّهُ كَالصَّدَقَةِ، وَجَعَلَهُ أَبُو يُوسُفَ كَالْإِعْتَاقِ
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: هَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَالْمِلْكُ يَزُولُ بِالْقَضَاءِ إذْ مُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ بِغَيْرِهِ وَلَوْ تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ.
قُلْت: الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ مَا قَالَهُ أَوَّلًا عَلَى مَسْأَلَةٍ إجْمَاعِيَّةٍ هِيَ أَنَّ الْمِلْكَ بِالْقَضَاءِ يَزُولُ، أَمَّا إذَا خَلَا عَنْ الْقَضَاءِ فَلَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ هَذِهِ الشُّرُوطِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِعَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَخَذُوا بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَالُوا: إنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَمْ يُرَجِّحْ أَحَدٌ قَوْلَ الْإِمَامِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ كَيْفَ مَشَى أَوَّلًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَثَانِيًا عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي يَعْنِي فِي الْمُتُونِ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّعْلِيمِ اهـ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَالصَّدَقَةِ) أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ وَالْإِفْرَازِ. اهـ. ح (قَوْلُهُ: وَجَعَلَهُ أَبُو يُوسُفَ كَالْإِعْتَاقِ) فَلِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبْضُ وَالْإِفْرَازُ. اهـ. ح: أَيْ فَيَلْزَمُ عِنْدَهُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ كَالْإِعْتَاقِ بِجَامِعِ إسْقَاطِ الْمِلْكِ، قَالَ فِي الدُّرَرِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطٌ اتِّفَاقًا لَكِنَّ ذِكْرَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بُدَّ أَنْ يَنُصَّ عَلَيْهِ اهـ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ أَيْضًا. وَقَالَ فِي الْإِسْعَافِ: لَوْ قَالَ وَقَفْت أَرْضِي هَذِهِ عَلَى وَلَدِ زَيْدٍ وَذِكْرُ جَمَاعَةً بِأَعْيَانِهِمْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ إرَادَةَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ لِجَعْلِهِ إيَّاهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ مَوْقُوفَةٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَلَدِي فَصَحَّحَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ قَوْلِهِ مَوْقُوفَةٌ يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ عُرْفًا، فَإِذَا ذَكَرَ الْوَلَدَ صَارَ مُقَيَّدًا، فَلَا يَبْقَى الْعُرْفُ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي اشْتِرَاطِ ذِكْرِ التَّأْبِيدِ وَعَدَمِهِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَالْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ.
مَطْلَبٌ: التَّأْبِيدُ مَعْنَى شَرْطِهِ اتِّفَاقًا وَأَمَّا التَّأْبِيدُ مَعْنًى فَشَرْطٌ اتِّفَاقًا عَلَى الصَّحِيحِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَقِّقُو الْمَشَايِخِ. اهـ. قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُقَيَّدَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي التَّأْبِيدِ رِوَايَتَيْنِ الْأُولَى: أَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ حَتَّى لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي، وَلَمْ يَزِدْ جَازَ الْوَقْفُ، وَإِذَا انْقَرَضُوا عَادَ إلَى مِلْكِهِ لَوْ حَيًّا وَإِلَّا فَإِلَى مِلْكِ الْوَارِثِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ شَرْطٌ لَكِنَّ ذِكْرَهُ غَيْرُ شَرْطٍ حَتَّى تُصْرَفَ الْغَلَّةُ بَعْدَ الْأَوْلَادِ إلَى الْفُقَرَاءِ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى يَصِحُّ كُلٌّ مِنْ الْوَقْفِ وَالتَّقْيِيدِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَيَبْطُلُ التَّقْيِيدُ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُجْتَبَى وَالْخُلَاصَةِ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فِيمَا إذَا ذُكِرَ لَفْظُ الصَّدَقَةِ أَمَّا إذَا ذُكِرَ لَفْظُ الْوَقْفِ فَقَطْ، لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا إذَا كَانَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا. اهـ.
مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ قَوْلِهِ مَوْقُوفَةٌ وَقَوْلِهِ فَمَوْقُوفَةٌ عَلَى فُلَانٍ قُلْت: وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ لَوْ قَالَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ فَهِيَ وَقْفٌ بِلَا خِلَافٍ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ إنْسَانًا فَلَوْ عَيَّنَ وَذَكَرَ مَعَ لَفْظِ الْوَقْفِ لَفْظَ صَدَقَةٍ بِأَنْ قَالَ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى فُلَانٍ جَازَ وَيُصْرَفُ بَعْدَهُ إلَى الْفُقَرَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ عَنْ الْمُنْتَقَى أَنَّهُ يَجُوزُ مَا دَامَ فُلَانٌ حَيًّا، وَبَعْدَهُ يَرْجِعُ إلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ اهـ وَفِيهَا أَيْضًا لَوْ عَيَّنَ كَوَقَفْتُهَا عَلَى فُلَانٍ لَا يَجُوزُ اهـ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا ذَكَرَ لَفْظَ صَدَقَةٍ مَعَ مَوْقُوفَةٍ وَعَيَّنَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، أَمَّا إذَا لَمْ يُعَيِّنْهُ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِذَا أَفْرَدَ مَوْقُوفَةً وَعَيَّنَ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، خِلَافًا لِمَا
стр. 2481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[رد المحتار]
فِي الْبَزَّازِيَّةِ حَيْثُ جَعَلَ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْوَقْفِ، وَيُخَالِفُهُ أَيْضًا كَلَامُ الْإِسْعَافِ وَقَوْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ: وَقِيلَ إنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطُ الْإِجْمَاعِ إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ مُنْبِئٌ عَنْهُ.
وَلِهَذَا قَالَ فِي الْكِتَابِ وَصَارَ بَعْدَهَا لِلْفُقَرَاءِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِمْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ذِكْرُهُ شَرْطٌ إلَخْ فَقَوْلُهُ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ ذَكَرَهُمَا مَعًا لَا فِي ذِكْرِ لَفْظِ الْوَقْفِ فَقَطْ، وَيُوَضِّحُهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى فُلَانٍ صَحَّ وَيَصِيرُ تَقْدِيرُهُ: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِأَنَّ مَحَلَّ الصَّدَقَةِ الْفُقَرَاءُ إلَّا أَنَّ غَلَّتَهَا تَكُونُ لِفُلَانٍ مَا دَامَ حَيًّا، وَلَوْ قَالَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِي أَوْ عَلَى وَلَدِي لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُمْ يَنْقَطِعُونَ، فَلَا يَتَأَبَّدُ الْوَقْفُ وَبِدُونِ التَّأْبِيدِ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ آخِرُهُ لِلْفُقَرَاءِ فَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ قَوْلِهِ: مَوْقُوفَةٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَلَدِي فَيَصِحُّ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي اهـ أَيْ لِأَنَّ الثَّانِيَ ذُكِرَ مُقَيَّدًا بِالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ، وَذَلِكَ يُنَافِي التَّأْبِيدَ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ وَلَا بِمَا فِي مَعْنَاهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَوْقُوفَةٌ فَقَطْ لِانْصِرَافِهِ إلَى الْفُقَرَاءِ عُرْفًا فَهُوَ مُؤَبَّدٌ، وَكَذَا صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى فُلَانٍ فَإِنَّهُ وَإِنْ قُيِّدَ بِمُعَيَّنٍ لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لِلْفُقَرَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ وَبَعْدَ فُلَانٍ فَعَلَى الْفُقَرَاءِ فَيَكُونُ مُؤَبَّدًا، لَكِنْ إذَا لَمْ يُقَيَّدْ بِمَعْنًى فَهُوَ مُؤَبَّدٌ بِلَا خِلَافٍ فَيَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَيْضًا كَمَا مَرَّ لِعَدَمِ مُنَافِي التَّأْبِيدِ أَصْلًا.
وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ قَالَ مَوْقُوفَةٌ وَلَمْ يَزِدْ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَيَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَوْ قَالَ: مَوْقُوفَةٌ صَدَقَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ وَلَمْ يَزِدْ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهِلَالٍ، وَقِيلَ لَا مَا لَمْ يَقُلْ وَآخِرُهَا لِلْمَسَاكِينِ أَبَدًا وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الصَّدَقَةِ فِي الْأَصْلِ الْفُقَرَاءُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِمْ وَلَا انْقِطَاعَ لَهُمْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْأَبَدِ أَيْضًا اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّصْرِيحَ بِالصَّدَقَةِ تَصْرِيحٌ بِالتَّأْبِيدِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا بِلَا خِلَافٍ إنْ لَمْ يُعَيَّنْ، فَلَوْ عَيَّنَ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَجَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ يَعُودُ إلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ كَالْقُدُورِيِّ وَالْمُلْتَقَى وَالنُّقَايَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ يَعُودُ إلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ. وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ تَصْحِيحَهُ، لَكِنْ نَقَلَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَشَرْحِ السَّرَخْسِيِّ، وَأَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ قَالُوا إنَّهُ خَطَأٌ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ عَنْ الْإِسْعَافِ مِنْ أَنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطٌ اتِّفَاقًا، وَإِذَا عَادَ إلَى الْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ مُؤَبَّدًا إلَّا لَفْظًا وَمَعْنًى.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَهُمَا فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ مَعَ عَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إذَا ذُكِرَ لَفْظُ التَّأْبِيدِ، وَأَمَّا فِي مَعْنَاهُ كَالْفُقَرَاءِ وَكَلَفْظِ صَدَقَتُهُ مَوْقُوفَةٌ وَكَمَوْقُوفَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَكَمَوْقُوفَةٍ عَلَى وُجُوهِ الْبِرِّ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الصَّدَقَةِ، وَكَذَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْجِهَادِ أَوْ عَلَى أَكْفَانِ الْمَوْتَى، أَوْ حَفْرِ الْقُبُورِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهِ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظٍ مَوْقُوفَةٌ مَعَ التَّعَيُّنِ كَمَوْقُوفَةٍ عَلَى زَيْدٍ، خِلَافًا لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا لَوْ اقْتَصَرَ بِلَا تَعْيِينٍ أَوْ جَمَعَ مَعَ التَّعْيِينِ كَصَدَقَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى فُلَانٍ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَصِحُّ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ يَعُودُ إلَى الْمِلْكِ وَالْمُرَادُ بِالْمُعَيَّنِ مَا يَحْتَمِلُ الِانْقِطَاعَ كَأَوْلَادِ زَيْدٍ، أَوْ فُقَرَاءِ قَرَابَةِ فُلَانٍ وَهُمْ يُحْصَوْنَ وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ وَقْفِ الْخَصَّافِ قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الْأَرْضَ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً عَلَى فُلَانٍ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، فَإِذَا سَمَّى مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَ بُطُونٍ فَهِيَ وَقْفٌ مُؤَبَّدٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَبَقِيَ مَا إذَا وَقَفَ عَلَى عِمَارَةِ مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ فَقِيلَ
стр. 2482
وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ، وَالْأَخْذُ بِقَوْلِ الثَّانِي أَحْوَطُ وَأَسْهَلُ بَحْرٌ وَفِي الدُّرَرِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَبِهِ يُفْتَى وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَإِذَا وَقَّتَهُ) بِشَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ (بَطَلَ) اتِّفَاقًا دُرَرٌ وَعَلَيْهِ فَلَوْ وَقَفَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ عَادَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِوَرَثَةِ الْوَاقِفِ بِهِ يُفْتِي فَتْحٌ. قُلْت: وَجَزَمَ فِي الْخَانِيَّةِ بِصِحَّةِ الْمَوْقُوفِ مُطْلَقًا فَتَنَبَّهْ وَأَقَرَّهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ
(فَإِذَا تَمَّ وَلَزِمَ
ــ
[رد المحتار]
يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِتَأَبُّدِهِ مَسْجِدٌ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقِيلَ يَصِحُّ اتِّفَاقًا وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ فَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَحَلِّ فَإِنَّك لَا تَجِدُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى مُلْهِمِ الصَّوَابِ (قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ) مَعَ التَّصْرِيحِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ أَوْجَهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ.
(قَوْلُهُ: بَطَلَ اتِّفَاقًا) هَذَا إذَا شُرِطَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا عِنْدَ الْخَصَّافِ صَحِيحٌ مُؤَبَّدٌ عِنْدَ هِلَالٍ كَمَا فِي الْإِسْعَافِ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ اعْتِمَادُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا فَهُوَ مِثْلُ مَا لَوْ وَقَفَهُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَارُّ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ، فَيَصِحُّ عِنْدَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ لَفْظَ صَدَقَةٍ يُفِيدُ التَّأْبِيدَ فَيَلْغُو التَّوْقِيتُ، أَمَّا إذَا شُرِطَ رُجُوعُهُ إلَيْهِ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ، فَقَدْ أَبْطَلَ التَّأْبِيدَ فَيَبْطُلُ الْوَقْفُ، نَعَمْ ذُكِرَ فِي الْإِسْعَافِ عَنْ هِلَالٍ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ بَعْدَ مَوْتِي سَنَةً يَصِحُّ مُؤَبَّدًا إلَّا إذَا قَالَ فَإِذَا مَضَتْ السَّاعَةُ فَالْوَقْفُ بَاطِلٌ فَهُوَ كَمَا شُرِطَ فَتَصِيرُ الْغَلَّةُ لِلْمَسَاكِينِ سَنَةً وَالْأَرْضُ مِلْكٌ لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّهُ بِاشْتِرَاطِ الْبُطْلَانِ خَرَجَتْ مِنْ الْوَقْفِ الْمُضَافِ اللَّازِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ إلَى الْوَصِيَّةِ الْمَحْضَةِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ فَلَوْ وَقَفَ عَلَى رَجُلٍ) أَيْ مَقْرُونًا بِلَفْظِ صَدَقَةٍ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ اتِّفَاقًا كَمَا حَقَّقْنَاهُ قَرِيبًا، ثُمَّ إنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ بِنَاؤُهُ عَلَى بُطْلَانِ الْوَقْفِ الْمُوَقَّتِ، بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّتِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَهُ بَعْدَ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ بَلْ الْأَوْلَى ذِكْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَإِذَا وَقَّتَهُ لِيَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَى أَبِي يُوسُفَ، لَكِنَّهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَقِّقُو الْمَشَايِخِ، وَلِمَا فِي الْمُتُونِ مِنْ أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَعُودُ لِلْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ لِلْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ مُوَقَّتًا لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، وَالتَّأْبِيدُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ كَمَا مَرَّ فَلِذَا أَفَادَ فِي النَّهْرِ ضَعْفَ مَا هُنَا وَإِنْ نُقِلَ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْأَجْنَاسِ أَنَّهُ بِهِ يُفْتِي (قَوْلُهُ: قُلْت وَجَزَمَ فِي الْخَانِيَّةِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِ الدُّرَرِ بَطَلَ اتِّفَاقًا، وَعِبَارَةُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْ الدُّرَرِ مَا فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ وَقَفَ دَارِهِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ وَقْتًا مَعْلُومًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ جَازَ الْوَقْفُ وَيَكُونُ وَقْفًا أَبَدًا. اهـ.
قُلْت: وَعَلَى مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الدُّرَرِ لَا يَرِدُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ إلَيْهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مَحَلَّ لِقَوْلِ الشَّارِحِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يُفَسِّرُ الْإِطْلَاقَ بَلْ رُبَّمَا يُفِيدُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ شَرِطَ رُجُوعُهُ إلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ يَبْطُلُ اتِّفَاقًا كَمَا عَلِمْت، وَقَدْ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ عَقِبَ عِبَارَتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَوْ قَالَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ شَهْرًا فَإِذَا مَضَى شَهْرٌ فَالْوَقْفُ بَاطِلٌ كَانَ الْوَقْفُ بَاطِلًا فِي كُلِّ هِلَالٍ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَجُوزُ إلَّا مُؤَبَّدًا، فَإِذَا كَانَ التَّأْبِيدُ شَرْطًا لَا يَجُوزُ مُؤَقَّتًا اهـ وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ فِي قَوْلِ هِلَالٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْخَصَّافِ بَاطِلٌ مُطْلَقًا كَمَا عَلِمْت آنِفًا، وَقَيَّدَ الصِّيغَةَ بِقَوْلِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ لِأَنَّهُ بِدُونِ لَفْظِ صَدَقَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا لَا يَصِحُّ كَمَا مَرَّ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَفَ دَارِهِ يَوْمًا لَيْسَ صِيغَةَ الْوَقْفِ بَلْ حِكَايَةً عَنْ صِيغَةِ قَوْلِ الْوَاقِفِ أَرْضِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ وَنَحْوُهُ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا تَمَّ وَلَزِمَ) لُزُومُهُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الْمَارَّةِ عِنْدَهُمَا بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالْإِفْرَازِ وَالتَّأْبِيدِ لَفْظًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِالتَّأْبِيدِ فَقَطْ وَلَوْ مَعْنَى كَمَا
стр. 2483
لَا يُمَلَّكُ وَلَا يُمْلَكُ وَلَا يُعَارُ وَلَا يُرْهَنُ) فَبَطَلَ شَرْطُ وَاقِفِ الْكُتُبِ، الرَّهْنُ شَرْطٌ كَمَا فِي التَّدْبِيرِ
وَلَوْ سَكَنَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ وَقْفٌ أَوْ الصَّغِيرُ لَزِمَ أَجْرُ الْمِثْلِ قُنْيَةٌ
ــ
[رد المحتار]
عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: لَا يُمْلَكُ) أَيْ لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا لِصَاحِبِهِ وَلَا يُمَلَّكُ أَيْ لَا يَقْبَلُ التَّمْلِيكَ لِغَيْرِهِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ لِاسْتِحَالَةِ تَمْلِيكِ الْخَارِجِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَا يُعَارُ، وَلَا يُرْهَنُ لِاقْتِضَائِهِمَا الْمِلْكَ دُرَرٌ؛ وَيُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ تَمْلِيكِهِ مَا لَوْ اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ اسْتِبْدَالَهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَعَلَى بَيْعِ الْوَقْفِ إذَا افْتَقَرَ الْوَاقِفُ، لَمْ يَكُنْ مُسَجَّلًا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ الْإِعَارَةِ مَا لَوْ كَانَ دَارًا مَوْقُوفَةً لِلسُّكْنَى؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ السُّكْنَى لَهُ الْإِعَارَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْمَوْقُوفِ لِلِاسْتِغْلَالِ.
قَالَ فِي الْإِسْعَافِ: وَمَنْ وَقَفَ دُورَهُ لِلِاسْتِغْلَالِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْكُنَهَا أَحَدٌ بِلَا أَجْرٍ اهـ وَفِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى: وَجَازَ بَيْعُ الْمُصْحَفِ الْمُخَرَّقِ وَشِرَاءُ آخَرَ بِثَمَنِهِ (قَوْلُهُ: فَبَطَلَ إلَخْ) لَا يَصِحُّ تَفْرِيعُهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَا يُرْهَنُ لِأَنَّهُ فِي رَهْنِ الْوَقْفِ لَا فِي الرَّهْنِ بِهِ، بَلْ هُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَا يُمَلَّكُ فَافْهَمْ وَوَجْهُهُ أَنَّ الرَّهْنَ حَبْسُ شَيْءٍ مَالِيٍّ بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ كَالدَّيْنِ وَالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ صَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ لَوْ مُسَاوِيًا لِلرَّهْنِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِيمَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ وَالْوَقْفُ لَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ وَلِأَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ. مَطْلَبٌ فِي شَرْطِ وَاقِفِ الْكُتُبِ أَنْ لَا تُعَارَ إلَّا بِرَهْنٍ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ فِي الْقَوْلِ فِي الدَّيْنِ مَعْزِيًّا إلَى السُّبْكِيّ.
فَرْعٌ: حَدَثَ فِي الْأَعْصَارِ الْقَرِيبَةِ وَقْفُ شَرْطِ الْوَاقِفِ أَنْ لَا تُعَارَى إلَّا بِرَهْنٍ أَوْ لَا تَخْرُجَ أَصْلًا وَاَلَّذِي أَقُولُ هَذَا: إنَّ الرَّهْنَ لَا يَصِحُّ بِهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فِي يَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ لَهَا عَارِيَّةٌ أَيْضًا بَلْ الْآخِذُ لَهَا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفُ اسْتَحَقَّ الِانْتِفَاعَ وَيَدُهُ عَلَيْهَا فَشَرْطُ أَخْذِ الرَّهْنِ عَلَيْهَا فَاسِدٌ، وَإِنْ أَعْطَى كَانَ رَهْنًا فَاسِدًا، وَيَكُونُ فِي يَدِ خَازِنِ الْكُتُبِ أَمَانَةً هَذَا إنْ أُرِيدَ الرَّهْنُ الشَّرْعِيُّ، وَإِنْ أُرِيدَ مَدْلُولُهُ لُغَةً وَأَنْ يَكُونَ تَذْكِرَةً فَيَصِحُّ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ مُرَادُ الْوَاقِفِ، فَالْأَقْرَبُ الْحَمْلُ عَلَى اللُّغَوِيِّ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ وَفِي بَعْضِ الْأَوْقَافِ يَقُولُ لَا تُخْرَجُ إلَّا بِتَذْكِرَةٍ، فَيَصِحُّ وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنْ تَجُوزَ وَالْوَقْفُ الِانْتِفَاعُ مَشْرُوطٌ بِذَلِكَ، وَلَا نَقُولُ إنَّهَا تَبْقَى رَهْنًا بَلْ لَهُ أَخْذُهَا فَيُطَالِبُهُ الْخَازِنُ بِرَدِّ الْكِتَابِ، وَعَلَى كُلٍّ فَلَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الرَّهْنِ وَلَا بَيْعُهُ، وَلَا بَدَلُ الْكِتَابِ الْمَوْقُوفِ بِتَلَفِهِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ اهـ مُلَخَّصًا قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ بَعْدَ نَقْلِهِ: وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِالْأَمَانَاتِ شَامِلٌ لِلْكُتُبِ الْمَوْقُوفَةِ وَالرَّهْنُ بِالْأَمَانَاتِ بَاطِلٌ، فَإِذَا هَلَكَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ بِخِلَافِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ كَالصَّحِيحِ، أَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِ شَرْطِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَغَيْرُ بَعِيدٍ. اهـ. وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الْكُتُبِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ: وَيَبْدَأُ مِنْ غَلَّتِهِ بِعِمَارَتِهِ. .
مَطْلَبٌ سَكَنَ دَارًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا وَقْفٌ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مَا سَكَنَ (قَوْلُهُ: لَزِمَ أَجْرُ الْمِثْلِ) بِنَاءً عَلَى الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّ مَنَافِعَ الْعَقَارِ تُضْمَنُ إذَا كَانَ وَقْفًا أَوْ لِيَتِيمٍ أَوْ مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يُفْتَى بِالضَّمَانِ إلَخْ وَبِهِ أَفْتَى الرَّمْلِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَتْحِ آخِرَ الْبَابِ وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقُنْيَةِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ سَكَنَ الدَّارَ سِنِينَ يَدَّعِي الْمِلْكَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ لِلْوَقْفِ لَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مَا مَضَى اهـ ضَعِيفٌ، كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَوُجُوبُ الْأُجْرَةِ قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْعَافِ، أَفَادَهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ وَلَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي أَوْ غَرَسَ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ عِنْدَ
стр. 2484
[مَطْلَبٌ سَكَنَ دَارًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا وَقْفٌ]
(وَلَا يُقْسَمُ) بَلْ يَتَهَايَئُونَ (إلَّا عِنْدَهُمَا)
ــ
[رد المحتار]
مَسْأَلَةِ ابْنِ النَّقَّارِ فِي سِوَادَةِ الْفَصْلِ الْآتِي.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقْسَمُ إلَّا عِنْدَهُمَا إلَخْ) أَيْ إذَا قَضَى قَاضٍ بِجَوَازِ وَقْفِ الْمَشَاعِ وَنَفَذَ قَضَاؤُهُ وَصَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَسَائِرُ الْمُخْتَلِفَاتِ، فَإِنْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ الْقِسْمَةَ فَعِنْدَهُ لَا يُقْسَمُ، وَيَتَهَايَئُونَ وَعِنْدَهُمَا يُقْسَمُ: أَيْ إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْوَاقِفِ وَالْمَالِكِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْكُلَّ لَوْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى الْأَرْبَابِ، فَأَرَادُوا الْقِسْمَةَ لَا يُقْسَمُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ دُرَرٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا عِنْدَهُمَا إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْوَاقِفِ وَالْمَالِكِ لَا الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ. مَطْلَبٌ فِي التَّهَايُؤِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ
(قَوْلُهُ: بَلْ يَتَهَايَئُونَ) قَالَ فِي فَتَاوَى ابْنِ الشَّلَبِيِّ الْقِسْمَةُ بِطَرِيقِ التَّهَايُؤِ، وَهُوَ التَّنَاوُبُ فِي الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ كَمَا إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ أَرْضًا مَثَلًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ، فَتَرَاضَوْا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، يَأْخُذُ لَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ قِطْعَةً مُعَيَّنَةً يَزْرَعُهَا لِنَفْسِهِ هَذِهِ السَّنَةَ، ثُمَّ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى يَأْخُذُ كُلٌّ مِنْهُمْ قِطْعَةً غَيْرَهَا، فَذَلِكَ سَائِغٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، فَلَهُمْ إبْطَالُهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ بِقِسْمَةٍ إذْ الْقِسْمَةُ الْحَقِيقَةُ أَنْ يَخْتَصَّ بِبَعْضٍ مِنْ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الدَّوَامِ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ، عَنْ الْإِسْعَافِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ اسْتِدَامَةُ هَذِهِ الْقِسْمَةِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَقْضُهَا، وَاسْتِبْدَالُ الْأَمَاكِنِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ إذْ لَوْ اُسْتُدِيمَتْ صَارَتْ مِنْ الْقِسْمَةِ الْمَمْنُوعَةِ بِالْإِجْمَاعِ، لِتَأَدِّيهَا فِي طُولِ الزَّمَانِ إلَى دَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ، أَوْ دَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمْ أَوْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمُهَايَأَةَ فِي الْوَقْفِ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِطَلَبِ الْقِسْمَةِ، وَالْقِسْمَةُ فِي الْوَقْفِ مُتَعَذِّرَةٌ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ يُمْكِنُ نَقْضُهَا وَإِبْطَالُهَا بِإِعَادَتِهِ كَمَا كَانَ أَوْ بِاسْتِبْدَالِ الْأَمَاكِنِ كَمَا قُلْنَا، وَلَوْ ثَبَتَ عَدَمُ إمْكَانِ إبْطَالِهَا لَبَطَلَ مَا نَقَلُوهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ، عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ لَا يُقْسَمُ أَيْ قِسْمَةً مُسْتَدَامَةً، فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ هَذَا كَلَامٌ نَاشِئٌ عَنْ عَدَمِ التَّدَبُّرِ، لِمُخَالَفَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ فَتَدَبَّرْ.
مَطْلَبٌ فِيمَا إذَا ضَاقَتْ الدَّارُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بَقِيَ مَا لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ دَارًا شَرَطَ الْوَاقِفُ سُكْنَاهَا لِأَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ قَالَ فِي الْإِسْعَافِ: تَكُونُ سُكْنَاهَا لَهُمْ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَوْ لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدٌ، وَأَرَادَ أَنْ يُؤَجِّرَهَا أَوْ مَا فَضَلَ عَنْهُ مِنْهَا لَيْسَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ السُّكْنَى فَقَطْ، وَلَوْ كَثُرَتْ أَوْلَادُ الْوَاقِفِ، وَضَاقَتْ الدَّارُ عَلَيْهِمْ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُؤَجِّرُوهَا وَإِنَّمَا تَسْقُطُ سُكْنَاهَا عَلَى عَدَدِهِمْ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بَطَلَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ سُكْنَاهَا، وَيَكُونُ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَلَوْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَأَرَادَ كُلٌّ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يُسْكِنُوا مَعَهُمْ نِسَاءَهُمْ وَأَزْوَاجَهُنَّ مَعَهُنَّ، جَازَ لَهُمْ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ الدَّارُ ذَاتَ مَقَاصِيرَ وَحُجَرٍ يُغْلَقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بَابٌ، وَإِنْ كَانَتْ دَارًا وَاحِدَةً لَا يُمْكِنُ أَنْ تَسْقُطَ بَيْنَهُمْ لَا يَسْكُنُهَا إلَّا مَنْ جَعَلَ لَهُمْ الْوَاقِفُ السُّكْنَى دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ نِسَاءِ الرِّجَالِ وَرِجَالِ النِّسَاءِ اهـ: أَيْ لِأَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَ صِيَانَتَهُمْ، وَسَتْرَهُمْ، فَلَوْ سَكَنَ زَوْجُ امْرَأَةٍ مَعَهَا، وَلَهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ أَخَوَاتٌ مَثَلًا كَانَ فِيهِ بِذْلَةٌ لَهُنَّ بِدُخُولِ الرَّجُلِ عَلَيْهِنَّ، كَمَا فِي الْخَصَّافِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ حُجْرَةٌ لَهَا بَابٌ يُغْلَقُ، فَإِنَّ لِكُلٍّ أَنْ يَسْكُنَ بِأَهْلِهِ وَحَشَمِهِ وَجَمِيعِ مَنْ مَعَهُ كَمَا فِي الْخَصَّافِ أَيْضًا وَقَدَّمْنَا فِي السَّرِقَةِ: أَنَّ الْمَقْصُورَةَ الْحُجْرَةَ بِلِسَانِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَإِنَّهُ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِيمَا لَوْ أَخْرَجَ السَّارِقُ السَّرِقَةَ إلَى صَحْنِ الدَّارِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِيهَا مَقَاصِيرُ، فَأَخْرَجَهَا مِنْ مَقْصُورَةٍ إلَى صَحْنِ الدَّارِ قُطِعَ، قَالَ فِي الْفَتْحِ هُنَاكَ: أَيْ إذَا
стр. 2485
فَيُقْسَمُ الْمَشَاعُ وَبِهِ أَفْتَى قَارِئُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ (إذَا كَانَتْ) الْقِسْمَةُ (بَيْنَ الْوَاقِفِ وَ) شَرِيكِهِ (الْمَالِكِ) أَوْ لِوَاقِفِ الْآخَرِ أَوْ نَاظِرِهِ إنْ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ وَقْفِهِمَا قَارِئُ الْهِدَايَةِ،
ــ
[رد المحتار]
كَانَتْ الدَّارُ عَظِيمَةً فِيهَا بُيُوتٌ كُلُّ بَيْتٍ يَسْكُنُهُ أَهْلُ بَيْتٍ عَلَى حِدَتِهِمْ، وَيَسْتَغْنُونَ بِهِ اسْتِغْنَاءَ أَهْلِ الْمَنَازِلِ بِمَنَازِلِهِمْ عَنْ صَحْنِ الدَّارِ وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ انْتِفَاعَهُمْ بِالسِّكَّةِ اهـ وَهَلْ الْمُرَادُ هُنَا بِالْحُجْرَةِ، كَذَلِكَ الظَّاهِرُ نَعَمْ، كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْخَصَّافِ لِكُلٍّ أَنْ يَسْكُنَ فِي حُجْرَةٍ بِأَهْلِهِ وَحَشَمِهِ وَجَمِيعِ مَنْ مَعَهُ.
ثُمَّ قَدْ صَرَّحَ الْخَصَّافُ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا حُجَرٌ، لَا تُقْسَمُ، وَيَقَعُ فِيهَا مُهَايَأَةٌ بَيْنَهُمْ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا حُجَرٌ لَا تَكْفِيهِمْ، فَهِيَ كَذَلِكَ أَيْ يَسْكُنُهَا الْمُسْتَحِقُّونَ فَقَطْ، دُونَ نِسَاءِ الرِّجَالِ وَرِجَالِ النِّسَاءِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْخَصَّافِ، وَعَنْ هَذَا تَعْرِفُ أَنَّهُ لَوْ سَكَنَ بَعْضُهُمْ، فَلَمْ يَجِدْ الْآخَرُ مَوْضِعًا يَكْفِيهِ لَا يَسْتَوْجِبُ أُجْرَةَ حِصَّتِهِ عَلَى السَّاكِنِينَ، بَلْ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْكُنَ مَعَهُ فِي بُقْعَةٍ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ، بِلَا زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجٍ وَإِلَّا تَرَكَ الْمُتَضَيِّقَ وَخَرَجَ، أَوْ جَلَسُوا مَعًا كُلٌّ فِي بُقْعَةٍ إلَى جَنْبِ الْآخَرِ، ثُمَّ ذُكِرَ أَنَّ الْخَصَّافَ لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فِيمَا ذُكِرَ كَيْفَ وَقَدْ نَقَلُوا إجْمَاعَهُمْ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ أَيْ عَلَى قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ الْكُلُّ وَقْفًا عَلَى أَرْبَابِهِ وَأَرَادُوا الْقِسْمَةَ لَا يَجُوزُ التَّهَايُؤُ اهـ لَكِنْ هَذَا يُشْكَلُ عَلَى قَوْلِ الشَّارِحِ بَلْ يَتَهَايَئُونَ وَالتَّوْفِيقُ كَمَا أَفَادَهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ بِحَمْلِ مَا فِي الْخَصَّافِ وَغَيْرِهِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْقِسْمَةِ، وَالتَّهَايُؤُ عَلَى الْقِسْمَةِ تَمَلُّكٌ جَبْرًا، وَمَا فِي الشَّرْحِ تَبَعًا لِلْإِسْعَافِ وَغَيْرِهِ، عَلَى قِسْمَةِ التَّرَاضِي بِلَا لُزُومٍ، وَلِذَا قَالُوا وَلِمَنْ أَبَى مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إبْطَالُهُ.
مَطْلَبٌ فِي قِسْمَةِ الْوَاقِفِ مَعَ شَرِيكِهِ (قَوْلُهُ: فَيُقْسَمُ الْمَشَاعُ) فَإِذَا تَقَاسَمَ الْوَاقِفُ مَعَ شَرِيكِهِ، فَوَقَعَ نَصِيبُ الْوَاقِفِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقِفَهُ ثَانِيًا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَعْيِينُ الْمَوْقُوفِ، وَإِذَا أَرَادَ الِاجْتِنَابَ عَنْ الْخِلَافِ يَقِفُ الْمَقْسُومُ ثَانِيًا بَحْرٌ عَنْ الْخُلَاصَةِ: أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهِ، إذْ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَبْقَ خِلَافٌ. مَطْلَبٌ قَاسَمَ وَجَمَعَ حِصَّةَ الْوَقْفِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ جَازَ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْضُونَ وَدُورٌ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ آخَرَ فَوَقَفَ نَصِيبَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُقَاسِمَ شَرِيكَهُ، وَيَجْمَعَ الْوَقْفَ كُلَّهُ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَدَارٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهِلَالٍ. اهـ. مَطْلَبٌ لَوْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ فَضْلُ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَقْفِ صَحَّ لَا مِنْ الشَّرِيكِ
وَفِي الْفَتْحِ: وَلَوْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ دَرَاهِمُ بِأَنْ كَانَ أَحَدُ النِّصْفَيْنِ أَجْوَدَ، فَجُعِلَ بِإِزَاءِ الْجَوْدَةِ دَرَاهِمَ، فَإِنْ كَانَ الْآخِذُ لِلدَّرَاهِمِ هُوَ الْوَاقِفَ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ الْوُقُوفِ هُوَ الْأَحْسَنَ، لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَائِعًا بَعْضَ الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ شَرِيكَهُ بِأَنْ كَانَ نَصِيبُ الْوَقْفِ أَحْسَنَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ مُشْتَرٍ لَا بَائِعٌ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى بَعْضَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَوَقَفَهُ اهـ لَكِنْ فِي الْإِسْعَافِ، وَمَا اشْتَرَاهُ مِلْكٌ لَهُ وَلَا يَصِيرُ وَقْفًا، وَمِثْلُهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَكَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ تَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ إذَا وَقَفَ كُلَّ نِصْفٍ عَلَى حِدَةٍ صَارَا وَقْفَيْنِ
(قَوْلُهُ: إنْ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ وَقْفِهِمَا) أَيْ بِأَنْ كَانَ كُلُّ وَقْفٍ مِنْهُمَا غَيْرَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى، لَكِنَّ هَذَا التَّقْيِيدَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْإِسْعَافِ، حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ وَقَفَ نِصْفَ أَرْضِهِ عَلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَجَعَلَ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ لِزَيْدٍ
стр. 2486
وَلَوْ وَقَفَ نِصْفَ عَقَارٍ كُلُّهُ لَهُ فَالْقَاضِي يَقْسِمُهُ مَعَ الْوَاقِفِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَابْنُ الْكَمَالِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ لِوَرَثَتِهِ ذَلِكَ فَيُفْرِزُ الْقَاضِي الْوَقْفَ مِنْ الْمِلْكِ، وَلَهُمْ بَيْعُهُ بِهِ أَفْتَى قَارِئُ الْهِدَايَةِ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْمَنْظُومَةِ الْمُحِبِّيَّةِ (لَا الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ) فَلَا يُقْسَمُ الْوَقْف بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهِ إجْمَاعًا دُرَرٌ وَكَافِيٌّ وَخُلَاصَةٌ وَغَيْرُهَا لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَيْسَ فِي الْعَيْنِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي فَتَاوَاهُ، وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَ ذَلِكَ، وَلَوْ سَكَنَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَجِدْ الْآخَرُ مَوْضِعًا يَكْفِيهِ فَلَيْسَ لَهُ أُجْرَةٌ وَلَا لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا أَسْتَعْمِلُ بِقَدْرِ مَا اسْتَعْمَلْته لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْخُصُومَةِ قُنْيَةٌ نَعَمْ لَوْ اسْتَعْمَلَهُ كُلَّهُ أَحَدُهُمْ بِالْغَلَبَةِ بِلَا إذْنِ الْآخَرِ، لَزِمَهُ أَجْرُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَلَوْ وَقْفًا عَلَى سُكْنَاهُمَا بِخِلَافِ الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ وَلَوْ مُعَدًّا لِلْإِجَارَةِ قُنْيَةٌ. قُلْت: وَلَوْ بَعْضُهُ مِلْكٌ وَبَعْضُهُ وَقْفٌ وَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ.
(وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْمَسْجِدِ
ــ
[رد المحتار]
فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، ثُمَّ وَقَفَ النِّصْفَ الْآخَرَ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَجَعَلَ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ لِعَمْرٍو فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَقْتَسِمَا وَيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ فَيَكُونَ فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ كُلَّ نِصْفٍ عَلَى حِدَةٍ صَارَا وَقْفَيْنِ وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْجِهَةُ كَمَا لَوْ كَانَتْ لِشَرِيكَيْنِ فَوَقَفَاهَا كَذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَالْقَاضِي يَقْسِمُهُ مَعَ الْوَاقِفِ) أَيْ بِأَنْ يَأْمُرَ رَجُلًا بِأَنْ يُقَاسِمَهُ وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ الثَّانِيَ مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ يُقَاسِمَ الْمُشْتَرِيَ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ مِنْهُ إنْ أَحَبَّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَاسِمًا وَمُقَاسَمًا اهـ (قَوْلُهُ: بِهِ أَفْتَى قَارِئُ الْهِدَايَةِ) حَيْثُ قَالَ نَعَمْ تَجُوزُ الْقِسْمَةُ وَيُفْرَزُ الْوَقْفُ مِنْ الْمِلْكِ، وَيُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا وَيَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ بَيْعُ مَا صَارَ إلَيْهِمْ بِالْقِسْمَةِ، وَإِذَا قَسَمَ بَيْنَهُمْ مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِالْقِسْمَةِ إنْ شَاءَ عَيَّنَ جِهَةَ الْوَقْفِ وَجِهَةَ الْمِلْكِ بِقَوْلِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَ الْجُزْأَيْنِ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: يَقْسِمُ الْوَقْفَ بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهِ إجْمَاعًا) وَكَذَا لَا يَجُوزُ التَّهَايُؤُ فِيهِ جَبْرًا كَمَا حَرَّرْنَاهُ آنِفًا (قَوْلُهُ: وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَ ذَلِكَ) هَذَا ضَعِيفٌ لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْخُصُومَةِ) مَفْهُومُهُ ثُبُوتُ الْمُهَايَأَةِ لَهُ بَعْدَ الْخُصُومَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا مُهَايَأَةَ فِي الْوَقْفِ. نَعَمْ هَذَا فِي الْمِلْكِ كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ الْوَقْفِ نَظْمًا (قَوْلُهُ لَزِمَهُ أَجْرُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَهُ بِالْغَلَبَةِ صَارَ غَاصِبًا، وَمَنَافِعُ الْوَقْفِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ؛ لِأَنَّ السَّاكِنَ فِيهَا غَيْرُ غَاصِبٍ، كَمَا أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ وَالْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَلَوْ وَقْفًا عَلَى سُكْنَاهُمَا) أَيْ وَإِنْ كَانَ مَنْ لَهُ السُّكْنَى لَيْسَ لَهُ الْإِيجَارُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْإِسْعَافِ لِأَنَّ هَذَا تَضْمِينٌ لَا إيجَارٌ قَصْدِيٌّ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ) أَيْ بَيْنَ بَالِغَيْنِ فَلَوْ أَحَدُهُمَا يَتِيمًا وَسَكَنَهُ الْآخَرُ، لَزِمَهُ أَجْرُ حِصَّةِ الْيَتِيمِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مُعَدًّا لِلْإِجَارَةِ) لِأَنَّهُ سَكَنَهُ بِتَأْوِيلِ مِلْكٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْغَصْبِ اهـ ح (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْضُهُ مِلْكٌ وَبَعْضُهُ وَقْفٌ) جُمْلَةُ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا خَبَرُ كَانَ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ لَوْ وَاسْمُهَا مُسْتَتِرٌ فِيهَا عَائِدٌ عَلَى الْمَكَانِ الْمُسْتَعْمَلِ الْمُحَدَّثِ عَنْهُ، وَالْوَلُوعُ بِالِاعْتِرَاضِ يَمْنَعُ الِاهْتِدَاءَ إلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِدُونِ وَاوٍ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ لَوْ الْأَخِيرَةِ، لَكِنَّ نَسْخَ إثْبَاتِهَا أَحْسَنُ لِأَنَّ غَالِبَ مَا ذُكِرَ هُنَا مِنْ مَسَائِلِ الْغَصْبِ، يَأْتِي فِي بَابِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَخِيرَةُ لَمْ تَذْكُرْ فِيهِ نَصًّا لَكِنَّهَا مَعْلُومَةٌ لِأَنَّهُمْ نَصُّوا هُنَاكَ عَلَى تَضْمِينِ مَنَافِعِ الْوَقْفِ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَعْضُهُ مِلْكًا عَلَى أَنَّهُ فِي الْغَصْبِ، قَالَ: أَمَّا فِي الْوَقْفِ إذَا سَكَنَهُ أَحَدُهُمَا بِالْغَلَبَةِ بِلَا إذْنٍ لَزِمَ الْآخَرَ. اهـ.
قَوْلُهُ: إذَا سَكَنَهُ أَحَدُهُمَا أَيْ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، يَشْمَلُ الشَّرِيكَ فِي الْمِلْكِ أَوْ فِي الْوَقْفِ، وَاحْتُرِزَ بِالْغَلَبَةِ عَمَّا إذَا لَمْ يَجِدْ شَرِيكُ الْوَقْفِ مَوْضِعًا يَسْكُنُ فِيهِ فَخَرَجَ بِاخْتِيَارِهِ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الدَّارُ كُلُّهَا وَقْفًا، فَإِنَّ السَّاكِنَ يَلْزَمُهُ أَجْرُهَا، وَلَوْ كَانَتْ بِتَأْوِيلِ مِلْكٍ كَمَا إذَا اشْتَرَاهَا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا وَقْفٌ كَمَا قَدَّمْنَا.
(قَوْلُهُ: وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْمَسْجِدِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْجِدَ يُخَالِفُ سَائِرَ الْأَوْقَافِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُتَوَلِّي
стр. 2487
وَالْمُصَلَّى) بِالْفِعْلِ وَ (بِقَوْلِهِ جَعَلْته مَسْجِدًا) عِنْدَ الثَّانِي (وَشَرَطَ مُحَمَّدٌ) وَالْإِمَامُ (الصَّلَاةَ فِيهِ)
ــ
[رد المحتار]
عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَفِي مَنْعِ الشُّيُوعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَالْمُصَلَّى) شَمِلَ مُصَلَّى الْجِنَازَةِ وَمُصَلَّى الْعِيدِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَكُونُ مَسْجِدًا حَتَّى إذَا مَاتَ لَا يُورَثُ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا فِي مُصَلَّى الْجِنَازَةِ، أَمَّا مُصَلَّى الْعِيدِ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يُعْطَى لَهُ حُكْمَ الْمَسْجِدِ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ الصُّفُوفِ وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكُونُ مَسْجِدًا حَالَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا غَيْرُ وَهُوَ وَالْجَبَّانَةُ سَوَاءٌ، وَيُجَنَّبُ هَذَا الْمَكَانُ عَمَّا يُجَنَّبُ عَنْهُ الْمَسَاجِدُ احْتِيَاطًا. اهـ. خَانِيَّةٌ وَإِسْعَافٌ وَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْخَانِيَّةِ يُقَدَّمُ الْأَشْهَرُ (قَوْلُهُ بِالْفِعْلِ) أَيْ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَفِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى إنَّهُ يَصِيرُ مَسْجِدًا بِلَا خِلَافٍ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُلْتَقَى، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ لَا يَزُولُ بِدُونِهِ لِمَا عَرَفْت أَنَّهُ يَزُولُ بِالْفِعْلِ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ اهـ. مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ قُلْت: وَفِي الذَّخِيرَةِ وَبِالصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ يَقَعُ التَّسْلِيمُ بِلَا خِلَافٍ، حَتَّى إنَّهُ إذَا بَنَى مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ جَمَاعَةً فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَسْجِدًا اهـ وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْفِعْلِ الْإِفْرَازُ، وَيَكُونَ بَيَانًا لِلشَّرْطِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَسْجِدَ لَوْ كَانَ مَشَاعًا لَا يَصِحُّ إجْمَاعًا وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ عِنْدَ الثَّانِي مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِ الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ: جَعَلْته مَسْجِدًا وَلَيْسَتْ الْوَاوُ فِيهِ بِمَعْنَى أَوْ فَافْهَمْ، لَكِنَّ عِنْدَهُ لَا بُدَّ مِنْ إفْرَازِهِ بِطَرِيقَةٍ فَفِي النَّهْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ جَعَلَ وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ إنْ شَرَطَ مَعَهُ الطَّرِيقَ صَارَ مَسْجِدًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَإِلَّا فَلَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَصِيرُ مَسْجِدًا وَيَصِيرُ الطَّرِيقُ مِنْ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَمَا لَوْ آجَرَ أَرْضَهُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الطَّرِيقَ اهـ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَا بُدَّ مِنْ إفْرَازِهِ أَيْ تَمْيِيزِهِ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَلَوْ كَانَ الْعُلُوُّ مَسْجِدًا وَالسُّفْلُ حَوَانِيتَ أَوْ بِالْعَكْسِ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعَبْدِ بِهِ كَمَا فِي الْكَافِي. [تَنْبِيهٌ]
ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ مُفَادَ كَلَامِ الْحَاوِي اشْتِرَاطُ كَوْنِ أَرْضِ الْمَسْجِدِ مِلْكًا لِلْبَانِي اهـ لَكِنْ ذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ جَوَازَهُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَخْذًا مِنْ جَوَازِ وَقْفِ الْبِنَاءِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ، وَسُئِلَ فِي الْخَيْرِيَّةِ عَمَّنْ جَعَلَ بَيْتَ شَعْرٍ مَسْجِدًا فَأَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ (قَوْلُهُ: وَشَرَطَ مُحَمَّدٌ وَالْإِمَامُ الصَّلَاةَ فِيهِ) أَيْ مَعَ الْإِفْرَازِ كَمَا عَلِمْته وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَقْفَ إنَّمَا اُحْتِيجَ فِي لُزُومِهِ إلَى الْقَضَاءِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يُنْبِئُ عَنْ الْإِخْرَاجِ عَنْ الْمِلْكِ، بَلْ عَنْ الْإِبْقَاءِ فِيهِ، لِتَحْصُلَ الْغَلَّةُ عَلَى مِلْكِهِ، فَيَتَصَدَّقُ بِهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: جَعَلْته مَسْجِدًا، فَإِنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ لِيَحْتَاجَ إلَى الْقَضَاءِ بِزَوَالِهِ، فَإِذَا أَذِنَ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، قَضَى الْعُرْفُ بِزَوَالِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَوْلِهِ وَقَفْت وَنَحْوِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَقَفْته مَسْجِدًا، وَلَمْ يَأْذَنْ بِالصَّلَاةِ فِيهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ أَحَدٌ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَسْجِدًا بِلَا حُكْمٍ وَهُوَ بَعِيدٌ كَذَا فِي الْفَتْحِ مُلَخَّصًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا قَالَ جَعَلْته مَسْجِدًا فَالْعُرْفُ قَاضٍ، وَمَاضٍ بِزَوَالِهِ عَنْ مِلْكِهِ أَيْضًا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى الْقَضَاءِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يُتَرَدَّدَ فِيهِ نَهْرٌ.
قُلْت يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَوْلِ عِنْدَهُ، وَهُوَ خِلَافُ صَرِيحِ كَلَامِهِمْ تَأَمَّلْ وَفِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى وَقَدَّمَ
стр. 2488
بِجَمَاعَةٍ وَقِيلَ: يَكْفِي وَاحِدٌ وَجَعَلَهُ فِي الْخَانِيَّةِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ.
[فَرْعٌ] أَرَادَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ نَقْضَ الْمَسْجِدِ وَبِنَاءَهُ أَحْكَمَ مِنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْبَانِيَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لَهُمْ ذَلِكَ وَإِلَّا لَا بَزَّازِيَّةٌ.
(وَإِذَا جَعَلَ تَحْتَهُ سِرْدَابًا لِمَصَالِحِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (جَازَ) كَمَسْجِدِ الْقُدْسِ (وَلَوْ جَعَلَ لِغَيْرِهَا أَوْ) جَعَلَ (فَوْقَهُ بَيْتًا وَجَعَلَ بَابَ الْمَسْجِدِ إلَى طَرِيقٍ وَعَزَلَهُ عَنْ مِلْكِهِ لَا) يَكُونُ مَسْجِدًا.
(وَلَهُ بَيْعُهُ وَيُورَثُ عَنْهُ) خِلَافًا لَهُمَا
ــ
[رد المحتار]
فِي التَّنْوِيرِ وَالدُّرَرِ وَالْوِقَايَةِ وَغَيْرِهَا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَعَلِمْت أَرْجَحِيَّتَهُ فِي الْوَقْفِ وَالْقَضَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِجَمَاعَةٍ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَتَسْلِيمُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَفِي الْمَقْبَرَةِ بِدَفْنِ وَاحِدٍ وَفِي السِّقَايَةِ بِشُرْبِهِ وَفِي الْخَانِ بِنُزُولِهِ كَمَا فِي الْإِسْعَافِ، وَاشْتِرَاطُ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلِذَا شُرِطَ أَنْ تَكُونَ جَهْرًا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَإِلَّا لَمْ يَصِرْ مَسْجِدًا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَوْ اتَّحَدَ الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ وَصَلَّى فِيهِ وَحْدَهُ صَارَ مَسْجِدًا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَالْجَمَاعَةِ، قَالَ فِي النَّهْرِ: وَإِذْ قَدْ عَرَفْت أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أُقِيمَتْ مَقَامَ التَّسْلِيمِ، عَلِمْت أَنَّهُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُتَوَلِّي يَكُونُ مَسْجِدًا دُونَهَا: أَيْ دُونَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ وَفِي الْفَتْحِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِأَنَّ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ يَحْصُلُ تَمَامُ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ تَعَالَى، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَهُ إلَى الْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ كَمَا فِي الْإِسْعَافِ وَقِيلَ لَا وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَكْفِي وَاحِدٌ) لَكِنْ لَوْ صَلَّى الْوَاقِفُ وَحْدَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ لِأَجْلِ الْقَبْضِ لِلْعَامَّةِ، وَقَبْضُهُ لِنَفْسِهِ لَا يَكْفِي فَكَذَا صَلَاتُهُ فَتْحٌ وَإِسْعَافٌ (قَوْلُهُ: وَجَعَلَهُ فِي الْخَانِيَّةِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ) وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ كَالْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ عَلِمْت تَصْحِيحَ الْأَوَّلِ وَصَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي كَافِي الْحَاكِمِ فَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَيْضًا.
[فَرْعٌ أَرَادَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ نَقْضَ الْمَسْجِدِ وَبِنَاءَهُ أَحْكَمَ مِنْ الْأَوَّلِ]
(قَوْلُهُ: أَنَّ الْبَانِيَ إلَخْ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بَانِي الْمَسْجِدِ أَوَّلًا، لَكِنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يُرَادَ مُرِيدُ الْبِنَاءِ الْآنَ وَفِي ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ: مَسْجِدٌ مَبْنِيٌّ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَنْقُضَهُ وَيَبْنِيَهُ أَحْكَمَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ مُضْمَرَاتٌ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَنْهَدِمَ، إنْ لَمْ يُهْدَمْ تَتَارْخَانِيَّةٌ وَتَأْوِيلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْبَانِي مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ، وَأَمَّا أَهْلُهَا فَلَهُمْ أَنْ يَهْدِمُوهُ وَيُجَدِّدُوا بِنَاءَهُ وَيَفْرِشُوا الْحَصِيرَ، وَيُعَلِّقُوا الْقَنَادِيلَ، لَكِنْ مِنْ مَالِهِمْ لَا مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي خُلَاصَةٌ، وَيَضَعُوا حِيضَانَ الْمَاءِ لِلشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ إنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلْمَسْجِدِ بَانٍ فَإِنْ عُرِفَ فَالْبَانِي أَوْلَى، وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ مَنْعُهُمْ مِنْ نَقْضِهِ وَالزِّيَادَةِ فِيهِ، وَلِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ تَحْوِيلُ بَابِ الْمَسْجِدِ خَانِيَّةٌ وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى لَهُمْ تَحْوِيلُ الْمَسْجِدِ إلَى مَكَان آخَرَ إنْ تَرَكُوهُ بِحَيْثُ لَا يُصَلَّى فِيهِ، وَلَهُمْ بَيْعُ مَسْجِدٍ عَتِيقٍ لَمْ يُعْرَفْ بَانِيهِ وَصَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ. اهـ. سَائِحَانِيٌّ. اهـ.
قُلْت: وَفِي الْهِنْدِيَّةِ آخِرَ الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ نَقْلًا عَنْ الْكُبْرَى: أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَفِيهِ نَفْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَهُ ذَلِكَ كَذَا قَالَ هُنَا وَذُكِرَ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ قَبْلَ كِتَابِ الصَّلَاةِ لَا يَحْفِرُ، وَيَضْمَنُ وَالْفَتْوَى عَلَى الْمَذْكُورِ هُنَا اهـ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَحْرِ جُمْلَةٌ وَافِيَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا جَعَلَ تَحْتَهُ سِرْدَابًا) جَمْعُهُ سَرَادِيبُ، بَيْتٌ يُتَّخَذُ تَحْتَ الْأَرْضِ لِغَرَضِ تَبْرِيدِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَشَرَطَ فِي الْمِصْبَاحِ أَنْ يَكُونَ ضَيِّقًا نَهْرٌ (قَوْلُهُ أَوْ جَعَلَ فَوْقَهُ بَيْتًا إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ لِلْمَسْجِدِ أَوْ لَا إلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ كَوْنِهِ مَسْجِدًا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْإِسْعَافِ فَقَالَ: وَإِذَا كَانَ السِّرْدَابُ أَوْ الْعُلُوُّ لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَا وَقْفًا عَلَيْهِ صَارَ مَسْجِدًا. اهـ. شُرُنْبُلَالِيَّةٌ.
стр. 2489
(كَمَا لَوْ جَعَلَ وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ) حَيْثُ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا إلَّا إذَا شُرِطَ الطَّرِيقُ زَيْلَعِيٌّ. .
[فَرْعٌ] لَوْ بَنَى فَوْقَهُ بَيْتًا لِلْإِمَامِ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ، أَمَّا لَوْ تَمَّتْ الْمَسْجِدِيَّةُ ثُمَّ أَرَادَ الْبِنَاءَ مُنِعَ وَلَوْ قَالَ عَنَيْت ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقْ تَتَارْخَانِيَّةٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْوَاقِفِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ فَيَجِبُ هَدْمُهُ وَلَوْ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ مِنْهُ وَلَا أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْهُ مُسْتَغَلًّا وَلَا سُكْنَى بَزَّازِيَّةٌ.
(وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْلَهُ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ يَبْقَى مَسْجِدًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي) أَبَدًا إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ (وَبِهِ يُفْتِي) حَاوِي الْقُدْسِيِّ (وَعَادَ إلَى الْمِلْكِ) أَيْ مِلْكِ الْبَانِي أَوْ وَرَثَتِهِ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ)
ــ
[رد المحتار]
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ مَسْجِدًا أَنْ يَكُونَ سِفْلُهُ وَعُلُوُّهُ مَسْجِدًا لِيَنْقَطِعَ حَقُّ الْعَبْدِ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]- بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ السِّرْدَابُ وَالْعُلُوُّ مَوْقُوفًا لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ، فَهُوَ كَسِرْدَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُنَاكَ رِوَايَاتٌ ضَعِيفَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْهِدَايَةِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ جُعِلَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ مَعَ أَنَّ فِيهِ خِلَافَهُمَا أَيْضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُنْيَةِ وَنَحْوِهِ فِي الْهِدَايَةِ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرُ قَوْلِهِ خِلَافًا لَهُمَا بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِيَكُونَ رَاجِعًا لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ (قَوْلُهُ: وَأَذِنَ لِلصَّلَاةِ) اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ لَا صِلَةَ أَذِنَ، وَالْأَوْضَحُ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ وَالْمُرَادُ الْإِذْنُ مَعَ الصَّلَاةِ إذَا لَوْ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ أَحَدٌ لَا يَصِحُّ فِي الْمَسْجِدِ الْفَرْزُ فَهُنَا أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى.
[فَرْعٌ بِنَاء بيتا لِلْإِمَامِ فَوْق الْمَسْجِد]
(قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ تَمَّتْ الْمَسْجِدِيَّةُ) أَيْ بِالْقَوْلِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ أَوْ بِالصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى قَوْلِهِمَا ط وَعِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة، وَإِنْ كَانَ حِينَ بَنَاهُ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْنِي لَا بِتَرْكٍ اهـ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي النَّهْرِ، وَأَمَّا لَوْ تَمَّتْ الْمَسْجِدِيَّةُ، ثُمَّ أَرَادَ هَدْمَ ذَلِكَ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي عِبَارَةِ التَّتَارْخَانِيَّة ذِكْرُ الْهَدْمِ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْوَاقِفِ إلَخْ) مِنْ كَلَامِ الْبَحْرِ وَالْإِشَارَةِ إلَى الْمَنْعِ مِنْ الْبِنَاءِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ) مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ هَوَاءِ الْمَسْجِدِ شَيْئًا. اهـ. ط وَنَقَلَ فِي الْبَحْرِ قَبْلَهُ وَلَا يُوضَعُ الْجِذْعُ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْقَافِهِ. اهـ.
قُلْت: وَبِهِ حُكْمُ مَا يَصْنَعُهُ بَعْضُ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ مِنْ وَضْعِ جُذُوعٍ عَلَى جِدَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ وَلَوْ دَفَعَ الْأُجْرَةَ (قَوْلُهُ: وَلَا أَنْ يَجْعَلَ إلَخْ) هَذَا ابْتِدَاءً عِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُسْتَغِلِّ أَنْ يُؤَجَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَجْلِ عِمَارَتِهِ وَبِالسُّكْنَى مَحَلُّهَا وَعِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ، وَلَا مَسْكَنًا وَقَدْ رُدَّ فِي الْفَتْحِ مَا بَحَثَهُ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ احْتَاجَ الْمَسْجِدُ إلَى نَفَقَةٍ تُؤَجَّرُ قِطْعَةٌ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ. قُلْت: وَبِهَذَا عُلِمَ أَيْضًا حُرْمَةُ إحْدَاثِ الْخَلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ كَاَلَّتِي فِي رِوَاقِ الْمَسْجِدِ الْأُمَوِيِّ، وَلَا سِيَّمَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَقْذِيرِ الْمَسْجِدِ بِسَبَبِ الطَّبْخِ وَالْغَسْلِ وَنَحْوِهِ وَرَأَيْت تَأْلِيفًا مُسْتَقِلًّا فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. .
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ خَرِبَ الْمَسْجِدُ أَوْ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْلَهُ) أَيْ وَلَوْ مَعَ بَقَائِهِ عَامِرًا وَكَذَا لَوْ خَرِبَ وَلَيْسَ لَهُ مَا يُعْمَرُ بِهِ وَقَدْ اسْتَغْنَى النَّاسُ عَنْهُ لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي) فَلَا يَعُودُ مِيرَاثًا وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ وَنَقْلُ مَالِهِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، سَوَاءٌ كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهِ أَوْ لَا وَهُوَ الْفَتْوَى حَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَيْهِ مُجْتَبَى وَهُوَ الْأَوْجَهُ فَتْحٌ. اهـ. بَحْرٌ قَالَ فِي الْإِسْعَافِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَهُ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ: وَعَادَ إلَى الْمِلْكِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ)
стр. 2490
وَعَنْ الثَّانِي يُنْقَلُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ بِإِذْنِ الْقَاضِي (وَمِثْلُهُ) فِي الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ (حَشِيشُ الْمَسْجِدِ وَحُصْرُهُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمَا وَ) كَذَا (الرِّبَاطُ وَالْبِئْرُ إذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِمَا فَيُصْرَفُ وَقْفُ الْمَسْجِدِ وَالرِّبَاطِ وَالْبِئْرِ) وَالْحَوْضِ (إلَى أَقْرَبِ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ بِئْرٍ) أَوْ حَوْضٍ (إلَيْهِ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِمَا دُرَرٌ وَفِيهَا: وَقْفُ ضَيْعَةٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَسَلَّمَهَا لِلْمُتَوَلِّي ثُمَّ قَالَ لِوَصِيِّهِ: أَعْطِ مِنْ غَلَّتِهَا فُلَانًا كَذَا وَفُلَانًا كَذَا لَمْ يَصِحَّ لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِالتَّسْجِيلِ
ــ
[رد المحتار]
ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ مَا إذَا انْهَدَمَ الْوَقْفُ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْغَلَّةُ مَا يُعْمَرُ بِهِ، فَيَرْجِعُ إلَى الْبَانِي أَوْ وَرَثَتِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لَكِنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ إنَّمَا مِلْكُهُ مَا خَرَجَ عَنْ الِانْتِفَاعِ الْمَقْصُودِ لِلْوَاقِفِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَحَانُوتٍ احْتَرَقَ، وَلَا يُسْتَأْجَرُ بِشَيْءٍ وَرِبَاطٍ وَحَوْضِ مَحَلَّةٍ خَرِبٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَا يُعَمَّرُ بِهِ وَأَمَّا مَا كَانَ مُعَدًّا لِلْغَلَّةِ فَلَا يَعُودُ إلَى الْمِلْكِ إلَّا نَقْضُهُ وَتَبْقَى سَاحَتُهُ وَقْفًا تُؤَجَّرُ وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ بِخِلَافِ الرِّبَاطِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ لِلسُّكْنَى وَامْتَنَعَتْ بِانْهِدَامِهِ.
أَمَّا دَارُ الْغَلَّةِ فَإِنَّهَا قَدْ تَخْرَبُ وَتَصِيرُ كَوْمًا وَهِيَ بِحَيْثُ لَوْ نُقِلَ نَقْضُهَا يَسْتَأْجِرُ أَرْضَهَا مَنْ يَبْنِي أَوْ يَغْرِسُ وَلَوْ بِقَلِيلٍ فَيُغْفَلُ عَنْ ذَلِكَ وَتُبَاعُ لِوَاقِفِهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْهَا إلَّا النَّقْضُ وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ لِلْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ اعْتِمَادُهُ (قَوْلُهُ: وَعَنْ الثَّانِي إلَخْ) جَزَمَ بِهِ فِي الْإِسْعَافِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ خَرِبَ الْمَسْجِدُ، وَمَا حَوْلَهُ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ لَا يَعُودُ إلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيُبَاعُ نَقْضُهُ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ إلَى بَعْضِ الْمَسَاجِدِ اهـ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ حَشِيشُ الْمَسْجِدِ إلَخْ) أَيْ الْحَشِيشُ الَّذِي يُفْرَشُ بَدَلَ الْحُصُرِ، كَمَا يُفْعَلُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ كَبِلَادِ الصَّعِيدِ كَمَا أَخْبَرَنِي بِهِ بَعْضُهُمْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَعَلَى هَذَا حَصِيرُ الْمَسْجِدِ وَحَشِيشُهُ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُمَا يَرْجِعُ إلَى مَالِكِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُنْقَلُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الرِّبَاطُ وَالْبِئْرُ إذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهَا اهـ وَصَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي آلَاتِ الْمَسْجِدِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي تَأْبِيدِ الْمَسْجِدِ اهـ وَالْمُرَادُ بِآلَاتِ الْمَسْجِدِ نَحْوُ الْقِنْدِيلِ وَالْحَصِيرِ، بِخِلَافِ أَنْقَاضِهِ لِمَا قَدَّمْنَا عَنْهُ قَرِيبًا مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَعُودُ مِيرَاثًا وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ وَنَقْلُ مَالِهِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الرِّبَاطُ) هُوَ الَّذِي يُبْنَى لِلْفُقَرَاءِ بَحْرٌ عَنْ الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: إلَى أَقْرَبِ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ إلَخْ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ وَقْفِ مَسْجِدٍ خَرِبٍ إلَى حَوْضٍ وَعَكْسُهُ وَفِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى يُصْرَفُ وَقْفُهَا لِأَقْرَبِ مُجَانِسٍ لَهَا. اهـ. ط.
(قَوْلُهُ: تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهَا) أَيْ قَوْلُهُ فَيُصْرَفُ إلَخْ مُفَرَّعٌ عَلَى الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا خَرِبَ يَبْقَى مَسْجِدًا أَبَدًا لَكِنْ عَلِمْت أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ وَنَقْلُ مَالِهِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ كَمَا مَرَّ عَنْ الْحَاوِي: نَعَمْ هَذَا التَّفْرِيعُ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ جَزَمَ بِهَا فِي الْإِسْعَافِ وَفِي الْخَانِيَّةِ رِبَاطٌ بَعِيدٌ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْمَارَّةُ وَبِجَنْبِهِ رِبَاطٌ آخَرُ قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو الشُّجَاعِ: تُصْرَفُ غَلَّتُهُ إلَى الرِّبَاطِ الثَّانِي كَالْمَسْجِدِ إذَا خَرِبَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي فَبَاعَ الْخَشَبَ وَصَرَفَ الثَّمَنَ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ جَازَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَصِيرُ مِيرَاثًا وَكَذَا حَوْضُ الْعَامَّةِ إذَا خَرِبَ اهـ وَنُقِلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسْجِدٍ أَوْ حَوْضٍ خَرِبَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَفَرُّقِ النَّاسِ عَنْهُ هَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَصْرِفَ أَوْقَافَهُ إلَى مَسْجِدٍ أَوْ حَوْضٍ آخَرَ: فَقَالَ: نَعَمْ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ وُلِلشُّرُنْبُلَالِيِّ رِسَالَةٌ فِي الْمَسْأَلَةِ اعْتَرَضَ فِيهَا مَا فِي الْمَتْنِ تَبَعًا لِلدُّرَرِ بِمَا مَرَّ عَنْ الْحَاوِي وَغَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ وَبِذَلِكَ تُعْلَمُ فَتْوَى بَعْضِ مَشَايِخِ عَصْرِنَا بَلْ وَمَنْ قَبْلَهُمْ كَالشَّيْخِ الْإِمَامِ أَمِينِ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ الْعَالِ وَالشَّيْخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ الشَّلَبِيِّ وَالشَّيْخِ زَيْنِ بْنِ نُجَيْمٍ وَالشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْوَفَائِيِّ فَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِنَقْلِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِنَقْلِهِ وَنَقْلِ مَالِهِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَقَدْ مَشَى الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ سِرَاجِ الدِّينِ الْحَانُوتِيُّ عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ عَدَمِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يُوَافِقْ الْمَذْكُورِينَ. اهـ.
ثُمَّ ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ أَنَّ هَذَا فِي
следующие страницы →