Полный текст (4 257 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
وَمَا فِي الْحَاوِي غَرِيبٌ بَحْرٌ
(فَلَوْ خَاصَمَ ثُمَّ تَرَكَ ثُمَّ عَادَ وَخَاصَمَ فَلَهُ الرَّدُّ) مَا لَمْ يُوجَدْ مُبْطِلُهُ كَدَلِيلِ الرِّضَا فَتْحٌ، وَفِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ لَمْ يَجِدْ الْبَائِعَ حَتَّى هَلَكَ رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ (وَاللُّبْسُ وَالرُّكُوبُ وَالْمُدَاوَاةُ) لَهُ أَوْ بِهِ عَيْنِيٌّ (رِضًا بِالْعَيْبِ) الَّذِي يُدَاوِيهِ فَقَطْ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي تَخْيِيرِ الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ [تَنْبِيهٌ] حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ، وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي الْبَاقِي سَوَاءٌ أَوْرَثَ الِاسْتِحْقَاقُ عَيْبًا فِي الْبَاقِي أَوْ لَا لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ؛ وَكَذَا لَوْ اسْتَحَقَّ بَعْدَ قَبْضِ بَعْضِهِ سَوَاءٌ اسْتَحَقَّ الْمَقْبُوضَ أَوْ غَيْرَهُ يُخَيَّرُ لِمَا مَرَّ مِنْ التَّفَرُّقِ وَلَوْ قَبَضَ كُلَّهُ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهُ بَطَلَ الْبَيْعُ بِقَدْرِهِ، ثُمَّ لَوْ أَوْرَثَ الِاسْتِحْقَاقُ عَيْبًا فِيمَا بَقِيَ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ لَمْ يُورِثْ عَيْبًا فِيهِ كَثَوْبَيْنِ أَوْ قِنَّيْنِ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا أَوْ كَيْلِيٍّ أَوْ وَزْنِيٍّ اُسْتُحِقَّ بَعْضُهُ وَلَا يَضُرُّ تَبْعِيضُهُ، فَالْمُشْتَرِي يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بِلَا خِيَارٍ. اهـ. وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْعِنَايَةِ: حُكْمُ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ سِيَّانِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، يَعْنِي فِيمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ وَغَيْرِهِمَا، وَحُكْمُهُمَا بَعْدَ الْقَبْضِ كَذَلِكَ إلَّا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ (قَوْلُهُ وَمَا فِي الْحَاوِي) أَيْ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَمْسَكَهُ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الرَّدِّ كَانَ رِضًا. اهـ ح
(قَوْلُهُ كَدَلِيلِ الرِّضَا) مِمَّا يَأْتِي قَرِيبًا، وَصَرِيحُهُ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ: وَجَدَ بِهِ عَيْبًا وَلَمْ يَجِدْ الْبَائِعَ لِيَرُدَّهُ فَأَطْعَمَهُ وَأَمْسَكَهُ وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ تَصَرُّفًا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ لَوْ حَضَرَ، وَلَوْ هَلَكَ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ. اهـ أَيْ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ وَهَذَا إذْ لَمْ يَرْفَعْ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ وَاللُّبْسُ وَالرُّكُوبُ إلَخْ) أَيْ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فِي الْمَبِيعِ فَلَبِسَهُ أَوْ رَكِبَهُ لِحَاجَتِهِ فَهُوَ رِضًا دَلَالَةً. وَلَوْ كَانَ لِلدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ إلَى سَيْرِهَا، وَلُبْسُهُ الثَّوْبَ لِيَنْظُرَ إلَى قَدْرِهِ كَمَا فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ قُلْت: إنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الشَّرْطِ فَكَذَا خِيَارُ الْعَيْبِ قُلْت: فَرَّقَ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ مَشْرُوعٌ لِلِاخْتِبَارِ، وَاللُّبْسُ وَالرُّكُوبُ مَرَّةً يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ فَإِنَّهُ شُرِعَ لِلرَّدِّ لِيَصِلَ إلَى رَأْسِ مَالِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْوُصُولِ إلَى الْفَائِتِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَخْتَبِرَ الْمَبِيعَ.
[تَنْبِيهٌ] أَشَارَ إلَى أَنَّ الرِّضَا بِالْعَيْبِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِالْقَوْلِ. ثُمَّ إنَّ الرِّضَا بِالْقَوْلِ لَا يَصِحُّ مُعَلَّقًا لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: عَثَرَ عَلَى عَيْبٍ فَقَالَ لِلْبَائِعِ إنْ لَمْ أَرُدَّ إلَيْك الْيَوْمَ رَضِيت بِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ: الْقَوْلُ بَاطِلٌ وَلَهُ الرَّدُّ (قَوْلُهُ وَلِمُدَاوَاةٍ لَهُ أَوْ بِهِ) أَيْ أَنَّهُ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا مَثَلًا فَدَاوَاهُ مِنْ عَيْبِهِ أَوْ كَانَ دَوَاءً فَدَاوَى بِهِ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى عَيْبٍ فِيهِ.
مَطْلَبٌ فِيمَا يَكُونُ رِضًا بِالْعَيْبِ (قَوْلُهُ رِضًا بِالْعَيْبِ الَّذِي يُدَاوِيهِ فَقَطْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: الْمُدَاوَاةُ إنَّمَا تَكُونُ رِضًا بِعَيْبٍ دَاوَاهُ، أَمَّا إذَا دَاوَى الْمَبِيعَ مِنْ عَيْبٍ قَدْ بَرِئَ مِنْهُ الْبَائِعُ وَبِهِ عَيْبٌ آخَرُ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ رَدُّهُ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ. اهـ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: شَرَى مَعِيبًا فَرَأَى عَيْبًا آخَرَ فَعَالَجَ الْأَوَّلَ مَعَ عِلْمِهِ بِالثَّانِي لَا يَرُدُّهُ، وَلَوْ عَالَجَ الْأَوَّلَ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبًا آخَرَ فَلَهُ رَدُّهُ. اهـ
قُلْت: بَقِيَ مَا لَوْ اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ بَرِئَ الْبَائِعُ مِنْهُ فَدَاوَاهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ آخَرَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا لَوْ رَضِيَ بِالْأَوَّلِ صَرِيحًا ثُمَّ رَأَى الْآخَرَ، إذْ قَدْ يَرْضَى بِعَيْبٍ دُونَ عَيْبٍ أَوْ بِعَيْبٍ وَاحِدٍ لَا بِعَيْبَيْنِ تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ: وَجَدَ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا
стр. 2767
مَا لَمْ يَنْقُصْهُ بُرْجُنْدِيٌّ
وَكَذَا كُلُّ مُفِيدِ رِضًا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ يَمْنَعُ الرَّدَّ وَالْأَرْشَ، وَمِنْهُ الْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ إلَّا الدَّرَاهِمَ إذَا وَجَدَهَا زُيُوفًا فَعَرَضَهَا عَلَى الْبَيْعِ فَلَيْسَ بِرِضًا؛
ــ
[رد المحتار]
فَدَاوَاهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دَوَاءً مِنْ ذَلِكَ الْعَيْبِ فَهُوَ رِضًا وَإِلَّا فَلَا إلَّا أَنْ يُنْقِصَهَا. اهـ (قَوْلُهُ مَا لَمْ يُنْقِصْهُ) كَمَا إذَا دَاوَى يَدَهُ الْمَوْجُوعَةَ فَشُلَّتْ أَوْ عَيْنَهُ مِنْ بَيَاضٍ بِهَا فَاعْوَرَّتْ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ رَدُّهُ بِعَيْبٍ آخَرَ لِمَا حَدَثَ فِيهِ مِنْ النَّقْصِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ط
مَطْلَبٌ فِيمَا يَكُونُ رِضًا بِالْعَيْبِ وَيَمْنَعُ الرَّدَّ (قَوْلُهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ) أَيْ عِلْمِهِ بِكَوْنِ ذَلِكَ عَيْبًا: فَفِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ رَأَى بِالْأَمَةِ قُرْحَةً وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا عَيْبٌ فَشَرَاهَا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا عَيْبٌ لَهُ رَدُّهَا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُشْتَبَهُ عَلَى النَّاسِ فَلَا يَثْبُتُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ. اهـ. وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا لَا يُشْتَبَهُ عَلَى النَّاسِ كَوْنُهُ عَيْبًا لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ. وَفِي نُورِ الْعَيْنِ عَنْ الْمُنْيَةِ قَالَ الْبَائِعُ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فَاتَّهَمَهُ الْمُشْتَرِي فِي إخْبَارِهِ وَيَقُولُ: إنَّ غَرَضَهُ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ رِضًا بِالْعَيْبِ وَلَا تَصَرُّفِهِ إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ، لَكِنْ الِاحْتِيَاطُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: لَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ وَأَنَا لَا أَرْضَى بِالْعَيْبِ، فَلَوْ ظَهَرَ عِنْدِي أَرُدُّهُ عَلَيْك. اهـ (قَوْلُهُ وَالْأَرْشُ) أَيْ نُقْصَانُ الْعَيْبِ (قَوْلُهُ وَمِنْهُ الْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ) وَلَوْ بِأَمْرِ الْبَائِعِ، بِأَنْ قَالَ لَهُ: اعْرِضْهُ عَلَى الْبَيْعِ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَ مِنْك رُدَّهُ عَلَيَّ، وَلَوْ طَلَبَ مِنْ الْبَائِعِ الْإِقَالَةَ فَأَبَى فَلَيْسَ بِعَرْضٍ فَلَهُ الرَّدُّ وَلَوْ عَرَضَ بَعْضَ الْمَبِيعِ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ قَالَ رَضِيت بِبَعْضِهِ بَطَلَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارُ الْعَيْبِ جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ وَقَدَّمْنَا عَنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّ قَبْضَ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ رِضًا بِالْعَيْبِ. وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: قَبْضُ بَعْضِهِ رِضًا ثُمَّ نَقَلَ لَيْسَ بِرِضًا حَتَّى يَسْقُطَ خِيَارُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. اهـ
قُلْت: وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: لَوْ عَرَضَ نِصْفَ الطَّعَامِ عَلَى الْبَيْعِ لَزِمَهُ النِّصْفُ وَيُرَدُّ لِلنِّصْفِ كَالْبَيْعِ. اهـ وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِخْدَامِ.
[تَتِمَّةٌ] نَقَلَ فِي الْبَحْرِ: مِنْ جُمْلَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ الْإِجَارَةُ وَالْعَرْضُ عَلَيْهَا وَالْمُطَالَبَةُ بِالْغَلَّةِ وَالرَّهْنُ وَالْكِتَابَةُ، أَمَّا لَوْ آجَرَهُ ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ فَلَهُ نَقْضُهَا لِلْعُذْرِ وَيَرُدُّهُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَلَا يَرُدُّهُ إلَّا بَعْدَ الْفِكَاكِ، وَمِنْهُ إرْسَالُ وَلَدِ الْبَقَرَةِ عَلَيْهَا لِيَرْتَضِعَ مِنْهُمَا وَحَلَبَ لَبَنِهَا أَوْ شُرْبُهُ، وَهَلْ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؟ قَوْلَانِ، وَابْتِدَاءُ سُكْنَى الدَّارِ لَا الدَّوَامُ عَلَيْهَا، وَسَقْيُ الْأَرْضِ وَزِرَاعَتُهَا، وَكَسْحُ الْكَرْمِ، وَالْبَيْعُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، وَالْإِعْتَاقُ، وَالْهِبَةُ لَوْ بِلَا تَسْلِيمٍ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْعَرْضِ، وَدَفْعُ بَاقِي الثَّمَنِ، وَجَمْعُ غَلَّاتِ الضَّيْعَةِ، وَكَذَا تَرْكُهَا؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ، وَلَيْسَ مِنْهُ أَكْلُ ثَمَرِ الشَّجَرِ وَغَلَّةُ الْقِنِّ وَالدَّارِ وَإِرْضَاعُ الْأَمَةِ وَلَدَ الْمُشْتَرِي وَضَرْبُ الْعَبْدِ إنْ لَمْ يُؤَثِّرْ الضَّرْبُ فِيهِ. اهـ مُلَخَّصًا.
وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا أَطْلَاهُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْعَيْبِ أَوْ حَجَمَهُ أَوْ جَزَّ رَأْسَهُ فَلَيْسَ بِرِضًا ثُمَّ ذَكَرَ تَفْصِيلًا فِي الْحِجَامَةِ بَيْنَ كَوْنِهَا دَوَاءً لِذَلِكَ الْعَيْبِ فَهُوَ رِضًا وَإِلَّا فَلَا. وَفِيهَا: أَمَرَ رَجُلًا يَبِيعُهُ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ بِهِ عَيْبًا فَإِنْ بَاعَهُ الْوَكِيلُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَهُوَ رِضًا بِالْعَيْبِ، (قَوْلُهُ إلَّا الدَّرَاهِمَ إلَخْ) ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الذَّخِيرَةِ وَجَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَسَيَذْكُرُهَا الشَّارِحُ فِي آخِرِ مُتَفَرِّقَاتِ الْبُيُوعِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ ثُمَّ إنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ هُنَا أَيْضًا مَا امْتَنَعَ رَدُّهُ قَبْلَ الْبَيْعِ بِزِيَادَةٍ وَنَحْوِهَا؛ كَمَا لَوْ لَتَّ السَّوِيقَ أَوْ خَاطَ الثَّوْبَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ ثُمَّ بَاعَهُ فَإِنَّ بَيْعَهُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْعَيْبِ لَا يَكُونُ رِضًا وَلَهُ الرُّجُوعُ بِنُقْصَانِهِ كَمَا مَرَّ، فَكَذَا لَوْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ فَلَيْسَ بِرِضًا) فَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ
стр. 2768
كَعَرْضِ ثَوْبٍ عَلَى خَيَّاطٍ لِيَنْظُرَ أَيَكْفِيهِ أَمْ لَا، أَوْ عَرْضِهِ عَلَى الْمُقَوِّمِينَ لِيُقَوَّمَ؛ وَلَوْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ أَتَبِيعُهُ قَالَ نَعَمْ لَزِمَ؛ وَلَوْ قَالَ لَا لَا.؛ لِأَنَّ نَعَمْ عَرْضٌ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا تَقْرِيرٌ لِمِلْكِهِ بَزَّازِيَّةٌ (لَا) يَكُونُ رِضًا (الرُّكُوبُ لِلرَّدِّ) عَلَى الْبَائِعِ (أَوْ لِشِرَاءِ الْعَلَفِ) لَهَا (أَوْ لِلسَّقْيِ وَ) الْحَالُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ (لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ) أَيْ الرُّكُوبِ لِعَجْزٍ أَوْ صُعُوبَةٍ، وَهَلْ هُوَ قَيْدٌ لِلْأَخِيرَيْنِ أَوْ لِلثَّلَاثَةِ؟ اسْتَظْهَرَ الْبُرْجَنْدِيُّ الثَّانِيَ وَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلدُّرَرِ وَالْبَحْرِ وَالشُّمُنِّيِّ وَغَيْرُهُمْ الْأَوَّلَ؛ وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ رَكِبْتَهَا لِحَاجَتِك وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ لِأَرُدَّهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي بَحْرٌ. وَفِي الْفَتْحِ: وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فِي السَّفَرِ فَحَمَلَهَا فَهُوَ عُذْرٌ.
ــ
[رد المحتار]
عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ رَدَّهَا لِكَوْنِهَا خِلَافَ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْجِيَادِ فَلَمْ تَدْخُلْ الزُّيُوفُ فِي مِلْكِهِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ مِلْكُهُ فَالْعَرْضُ رِضًا بِعَيْبِهِ بَحْرٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ بَاعَهَا ثُمَّ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِلَا قَضَاءٍ فَلَهُ رَدُّهَا عَلَى بَائِعِهِ كَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ عِنْدَ قَوْلِهِ بَاعَ مَا اشْتَرَاهُ إلَخْ، وَقَدَّمْنَا تَمَامَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ كَعَرْضِ ثَوْبٍ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ عَلَى الْبَيْعِ، وَالتَّشْبِيهُ فِي عَدَمِ الرِّضَا.
(قَوْلُهُ قَالَ نَعَمْ) الْأَوْلَى فَقَالَ: نَعَمْ عَطْفًا عَلَى قَالَ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ لَزِمَ) جَوَابُ لَوْ أَيْ لَزِمَ الْبَيْعُ وَلَا يُمْكِنُهُ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ: قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ: وَهَذِهِ تَصْلُحُ حِيلَةً مِنْ الْبَائِعِ لِإِسْقَاطِ خِيَارِ الْعَيْبِ عَنْ مُشْتَرِيهِ (قَوْلُهُ وَلَا تَقْرِيرَ لِمِلْكِهِ) لَفْظُ لَا مُبْتَدَأٌ وَتَقْرِيرَ خَبَرُهُ وَالضَّمِيرُ فِي مِلْكِهِ لِلْبَائِعِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا أَبِيعُهُ لِكَوْنِهِ مِلْكَك؛ لِأَنِّي أَرُدُّهُ عَلَيْك وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ نَعَمْ إلَخْ يُرِيدُ بِذَلِكَ تَنْبِيهَ الْمُشْتَرِي عَلَى لَفْظٍ يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ الرَّدِّ وَهُوَ لَفْظُ لَا وَيُحَذِّرُهُ مِنْ مَانِعِ الرَّدِّ وَهُوَ نَعَمْ ط. وَبِهِ انْدَفَعَ تَوَقُّفُ الْمُحَشِّي فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ إلَخْ: أَيْ يَقُولُ النَّاقِلُ لِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى، وَلَوْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ أَتَبِيعُهُ فَقَالَ لَا لَزِمَ فَيُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ضَمِيرُ يَقُولُ لِلْمُشْتَرِي: أَيْ يَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُولَ لَا بَدَلَ قَوْلِهِ نَعَمْ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْبَيْعُ فَيَكُونُ تَحْذِيرًا لِلْمُشْتَرِي فَافْهَمْ. ثُمَّ إنَّ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَالِبِ نُسَخِ الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْهَا، وَلَا تَقْرِيرَ لِمَكِنَتِهِ: أَيْ تَمَكُّنِهِ مِنْ الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ وَعَلَيْهِ فَالضَّمِيرُ لِلْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ الرُّكُوبُ لِلرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ) وَكَذَا لَوْ رَكِبَهُ لِيَرُدَّهُ فَعَجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ فَرَكِبَهُ جَاثِيًا فَلَهُ الرَّدُّ بَحْرٌ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: أَيْ لَهُ رَدُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا وَجَدَ بَيِّنَةً عَلَى كَوْنِ الْعَيْبِ قَدِيمًا؛ لِأَنَّ رُكُوبَهُ بَعْدَ الْعَجْزِ لَيْسَ دَلِيلَ الرِّضَا (قَوْلُهُ أَوْ لِشِرَاءِ الْعَلَفِ لَهَا) فَلَوْ رَكِبَهَا لِعَلَفِ دَابَّةٍ أُخْرَى فَهُوَ رِضًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ لِعَجْزٍ أَوْ صُعُوبَةٍ) أَيْ لِعَجْزِهِ عَنْ الْمَشْيِ أَوْ صُعُوبَةِ الدَّابَّةِ بِكَوْنِهَا لَا تَنْقَادُ مَعَهُ (قَوْلُهُ وَهَلْ هُوَ) أَيْ قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ وَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) الَّذِي فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ وَالدُّرَرِ وَالشُّمُنِّيِّ وَالْبَحْرِ جَعَلَهُ قَيْدًا لِلْأَخِيرَيْنِ فَقَطْ، وَلَكِنْ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ: وَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ بِلَا ضَمِيرٍ وَهِيَ الصَّوَابُ، فَقَوْلُهُ وَغَيْرِهِمْ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى مَجْرُورِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ تَبَعًا لِلدُّرَرِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلَ بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ اعْتَمَدَهُ أَمَّا عَلَى نُسْخَةِ اعْتَمَدَهُ بِالضَّمِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ وَغَيْرُهُمْ مَرْفُوعًا وَالتَّقْدِيرُ وَاعْتَمَدَ غَيْرُهُمْ الْأَوَّلَ، وَمَشَى فِي الْفَتْحِ عَلَى الْأَوَّلِ وَفِي الذَّخِيرَةِ عَلَى الثَّانِي قَالَ: وَيَدُلُّ لَهُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ جُوَالِقَ الْعَلَفِ لَوْ كَانَ وَاحِدًا فَرَكِبَ لَا يَكُونُ رِضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ إلَّا بِالرُّكُوبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ اثْنَيْنِ. اهـ لَكِنْ قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّ الْعُذْرَ الْمَذْكُورَ فِي السَّقْيِ يَجْرِي فِيمَا إذَا كَانَ الْعَلَفُ فِي عِدْلِينَ فَلَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ امْتِنَاعِ الرَّدِّ فِيهِ. اهـ، وَبَقِيَ قَوْلٌ ثَالِثٌ هُوَ ظَاهِرُ الْكَنْزِ أَنَّهُ غَيْرُ قَيْدٍ فِي الثَّلَاثَةِ، وَظَاهِرُ الزَّيْلَعِيِّ اعْتِمَادَهُ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ الْقَوْلَيْنِ بِقِيلَ وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْمَوَاهِبِ: الرُّكُوبُ لِلرَّدِّ أَوْ لِلسَّقْيِ أَوْ لِشِرَاءِ الْعَلَفِ لَا يَكُونُ رِضًا مُطْلَقًا فِي الْأَظْهَرِ. اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لَهُ ط وَكَذَا لَوْ قَالَ رَكِبْتُهَا لِلسَّقْيِ بِلَا حَاجَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَادُ وَهِيَ ذَلُولٌ يَنْبَغِي أَنْ يُسْمَعَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُسَوِّغَ الرُّكُوبِ بِلَا إبْطَالِ الرَّدِّ هُوَ خَوْفُ الْمُشْتَرِي مِنْ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا لَا حَقِيقَةُ الْجُمُوحِ وَالصُّعُوبَةِ، وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي تَخَيُّلِ أَسْبَابِ الْخَوْفِ، فَرُبَّ رَجُلٍ لَا يَخْطُرُ بِخَاطِرِهِ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ وَآخَرُ بِخِلَافِهِ كَذَا فِي الْفَتْح (قَوْلُهُ فَهُوَ عُذْرٌ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ
стр. 2769
[مَطْلَبٌ فِيمَا يَكُونُ رِضًا بِالْعَيْبِ وَيَمْنَعُ الرَّدَّ]
(اخْتَلَفَا بَعْدَ التَّقَابُضِ فِي عَدَدِ الْمَبِيعِ) أَوَاحِدً أَوْ مُتَعَدِّدٍ لِيَتَوَزَّعَ الثَّمَنُ عَلَى تَقْدِيرِ الرَّدِّ (أَوْ فِي) عَدَدِ (الْمَقْبُوضِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّهُ قَابِضٌ وَالْقَوْلُ لِلْقَابِضِ مُطْلَقًا قَدْرًا أَوْ صِفَةً أَوْ تَعَيُّنًا،
ــ
[رد المحتار]
بَعْدَ نَقْلِهِ: وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ: لَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ فَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فِي الطَّرِيقِ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ لَوْ أَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ يَتْلَفُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّدِّ وَقِيلَ يَتَمَكَّنُ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا حَمَلَ عَلَيْهِ عَلَفَهُ.
قُلْت: الْفَرْقُ وَاضِحٌ، فَإِنَّ عَلَفَهُ مِمَّا يُقَوِّمُهُ، إذْ لَوْلَاهُ لَا يَبْقَى، وَلَا كَذَلِكَ الْعَدْلُ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الرَّدِّ. اهـ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ ضَعِيفٌ. اهـ ط.
قُلْت: وَذَكَرَ الْفَرْقَ أَيْضًا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ السِّيَرِ الْكَبِيرِ اشْتَرَى دَابَّةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَغَزَا عَلَيْهَا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا فِي دَارِ الْحَرْبِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَرْكَبَهَا؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ رِضًا مِنْهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا فَلْيُحْتَرَزْ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ دَابَّةً غَيْرَهَا؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ الَّذِي لَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْبَائِعِ، وَالرُّكُوبُ لِحَاجَتِهِ دَلِيلُ الرِّضَا. اهـ مُلَخَّصًا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرُّكُوبَ دَلِيلُ الرِّضَا وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ أَلْزَمَهُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ؛ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْقَوْلِ الثَّالِثِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْعُذْرَ فِي رُكُوبِهَا لِلسَّقْيِ وَالْعَلَفِ وَإِنَّمَا هُوَ لِحَقِّ الْبَائِعِ إذْ فِيهِ حَيَاتُهَا بِخِلَافِ الْعُذْرِ فِي مَسْأَلَةِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
[مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي اخْتِلَافِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي عَدَدِ الْمَقْبُوضِ أَوْ قَدْرِهِ أَوْ صِفَتِهِ]
ِ (قَوْلُهُ اخْتَلَفَا بَعْدَ التَّقَابُضِ إلَخْ) أَيْ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً مَثَلًا فَقَبَضَهَا وَأَقْبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ جَاءَ لِيَرُدَّهَا بِعَيْبٍ وَاعْتَرَفَ بِهِ الْبَائِعُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ وَأُخْرَى مَعَهَا فَلَكَ عَلَيَّ رَدُّ حِصَّةِ هَذِهِ فَقَطْ مِنْ الثَّمَنِ لَا كُلِّهِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بِعْتَنِيهَا وَحْدَهَا فَارْدُدْ كُلَّ الثَّمَنِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ قَابِضٌ يُنْكِرُ زِيَادَةً يَدَّعِيهَا الْبَائِعُ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ انْفَسَخَ فِي الْمَرْدُودِ بِالرَّدِّ وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لِلثَّمَنِ عَنْهُ وَالْبَائِعُ يَدَّعِي بَعْضَ الثَّمَنِ بَعْدَ ظُهُورِ سَبَبِ السُّقُوطِ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ لِيَتَوَزَّعَ الثَّمَنُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِدَعْوِي الْبَائِعِ وَبَيَانٌ لِفَائِدَتِهَا عَلَى تَقْدِيرِ الرَّدِّ: أَيْ رَدِّ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى دَعْوَاهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ بَعْضِهِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ (قَوْلُهُ أَوْ فِي عَدَدِ الْمَقْبُوضِ) أَيْ بِأَنْ اتَّفَقَا عَلَى مِقْدَارِ الْمَبِيعِ أَنَّهُ الْجَارِيَتَانِ وَقَبَضَ الْبَائِعُ ثَمَنَهَا ثُمَّ جَاءَ الْمُشْتَرِي لِيَرُدَّ إحْدَاهُمَا فَقَالَ الْبَائِعُ قَبَضْتَهُمَا وَإِنَّمَا تَسْتَحِقُّ حِصَّةَ هَذِهِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي لَمْ أَقْبِضْ سِوَاهَا (قَوْلُهُ وَالْقَوْلُ لِلْقَابِضِ) وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ عَنْهُ كَالْمُودَعِ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ أَوْ الْهَلَاكَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً تُقْبَلُ مَعَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَالْبَيِّنَةُ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ مَقْبُولَةٌ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، مِنْ بَابِ الصَّرْفِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) فَسَّرَهُ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ قَدْرًا) أَيْ قَدْرَ الْمَبِيعِ أَوْ الْمَقْبُوضِ كَمَا مَرَّ، وَمِنْهُ مَا فِي النَّهْرِ عَنْ صُلْحِ الْخُلَاصَةِ: لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ وَزْنًا: وَجَدْتُهُ نَاقِصًا إلَّا إذَا سَبَقَ مِنْهُ إقْرَارٌ بِقَبْضِ مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ (قَوْلُهُ أَوْ صِفَةً) تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْبَحْرَ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ. وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْمَبِيعِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ خَبَّازٌ وَقَالَ الْبَائِعُ: لَمْ أَشْتَرِطْ شَيْئًا فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ وَلَا يَتَحَالَفَانِ. اهـ وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ والتتارخانية وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ: اخْتَلَفَا فِي وَصْفِ الْمَبِيعِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي ذَكَرْت لِي أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ شَامِيَّةٌ فَقَالَ الْبَائِعُ مَا قُلْت إلَّا أَنَّهَا بَلَدِيَّةٌ. أَجَابَ: الْقَوْلُ لِلْبَائِعِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ حَقَّ الْفَسْخِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ. اهـ وَفِي النَّهْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: اشْتَرَى عَبْدَيْنِ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ حَالَّةٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ إلَى سَنَةٍ صَفْقَةً أَوْ صَفْقَتَيْنِ فَرَدَّ أَحَدَهُمَا بِعَيْبٍ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ رَدَدْت مُؤَجَّلَ الثَّمَنِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ مُعَجَّلٌ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ سَوَاءٌ هَلَكَ مَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ لَا وَلَا تَحَالُفَ. اهـ
стр. 2770
فَلَوْ جَاءَ لِيَرُدَّهُ بِخِيَارِ شَرْطٍ أَوْ رُؤْيَةٍ فَقَالَ الْبَائِعُ لَيْسَ هُوَ الْمَبِيعَ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي فِي تَعْيِينِهِ، وَلَوْ جَاءَ لِيَرُدَّهُ بِخِيَارِ عَيْبٍ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي طُولِ الْمَبِيعِ وَعَرْضِهِ فَتْحٌ.
(اشْتَرَى عَبْدَيْنِ) أَيْ شَيْئَيْنِ يَنْتَفِعُ بِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ
ــ
[رد المحتار]
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ الْآتِي كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي طُولِ الْمَبِيعِ وَعَرْضِهِ عَلَى خِلَافِ مَا فِي النَّهْرِ كَمَا تَعْرِفُهُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَلَوْ جَاءَ لِيَرُدَّهُ إلَخْ) تَفْرِيغٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعْيِينًا؛ وَمِثْلُهُ مَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ: لَوْ اخْتَلَفَا فِي الرِّقِّ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِفَسْخِهِ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى رِضَا الْآخَرِ بَلْ عَلَى عِلْمِهِ عَلَى الْخِلَافِ، وَإِذْ انْفَسَخَ يَكُونُ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا فِي الْمَقْبُوضِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْقَابِضِ، بِخِلَافِ الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ لَا يَنْفَرِدُ الْمُشْتَرِي بِفَسْخِهِ وَلَكِنَّهُ يَدَّعِي ثُبُوتَ حَقِّ الْفَسْخِ فِي الَّذِي أَحْضَرَهُ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ. كَذَا فِي الْفَتْحِ مِنْ آخِرِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ
قُلْت: وَمُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا يَكُونُ الْقَوْلُ فِي تَعْيِينِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ بِفَسْخِهِ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى رِضَا الْآخَرِ وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي طُولِ الْمَبِيعِ وَعَرْضِهِ) لَمْ أَرَ هَذَا فِي الْفَتْحِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَبْلَهُ مَعَ الْفَرْقِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْهُ، نَعَمْ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مُصَرِّحًا بِأَنَّ الْقَوْلَ لِلْبَائِعِ.
قُلْت: وَهُوَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمُنْتَخَبِهَا لِلْعَيْنِيِّ وَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ والتتارخانية، فَمَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْمُشْتَرِي تَحْرِيفٌ أَوْ سَبْقُ قَلَمٍ فَافْهَمْ، وَنَصُّ الظَّهِيرِيَّةِ: ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: رَجُلٌ بَاعَ مِنْ آخَرَ ثَوْبًا مَرْوِيًّا فَقَبَضَهُ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى اخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُهُ عَلَى أَنَّهُ سِتٌّ فِي سَبْعٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُهُ عَلَى أَنَّهُ سَبْعٌ فِي ثَمَانٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ. اهـ.
[تَتِمَّةٌ] قَالَ بِعْتهَا وَبِهَا قُرْحَةٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا فَجَاءَ الْمُشْتَرِي لِيَرُدَّهَا بِقُرْحَةٍ فِي ذَلِكَ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنَّهَا هَذِهِ الْقُرْحَةُ بَلْ الْقُرْحَةُ بَرِئَتْ وَهَذِهِ غَيْرُهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا نَسَبَ الْعَيْبَ إلَى مَوْضِعٍ وَسَمَّاهُ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ ذَكَرَهُ مُطْلَقًا فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ، وَتَمَامُهُ فِي الذَّخِيرَةِ [خَاتِمَةٌ] بَاعَ أَلْفَ رِطْلٍ مِنْ الْقُطْنِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ الْبَيْعِ قُطْنٌ وَعِنْدَهُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ أَلْفُ رِطْلٍ مِنْ الْقُطْنِ يَقُولُ أَصَبْتُهُ بَعْدَ الْبَيْعِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ بِيَمِينِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(قَوْلُهُ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَبِيعَ لَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ شَيْئَيْنِ كَوَاحِدٍ حُكْمًا مِنْ حَيْثُ لَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا بِلَا صَاحِبِهِ كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ وَزَوْجَيْ خُفٍّ أَوْ شَيْئَيْنِ بِلَا اتِّحَادٍ حُكْمًا كَثَوْبَيْنِ وَعَبْدَيْنِ.
ثُمَّ الْحَادِثُ فِي الْمَبِيعِ نَوْعَانِ: عَيْبٌ وَاسْتِحْقَاقٌ، وَالْأَحْوَلُ ثَلَاثَةٌ: قَبْلَ الْقَبْضِ، وَبَعْدَهُ، وَبَعْدَ قَبْضِ بَعْضِهِ فَقَطْ. أَمَّا لَوْ وَجَدَ فِي بَعْضِهِ عَيْبًا قَبْلَ قَبْضِ كُلِّهِ وَكَانَ الْعَيْبُ مَوْجُودًا وَقْتَ الْبَيْعِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْكُلِّ بِثَمَنِهِ أَوْ رَدِّ كُلِّهِ لَا الْمَعِيبِ وَحْدَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَا لَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقْبَلَ الْمَعِيبَ خَاصَّةً إلَّا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى رَدِّ الْمَعِيبِ فَقَطْ وَأَخْذِ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَلَهُمَا ذَلِكَ، إذْ الصَّفْقَةُ لَا تَتِمُّ قَبْلَ الْقَبْضِ بِدَلِيلِ انْفِسَاخِ الْبَيْعِ بِرَدِّهِ بِلَا رِضًا وَلَا قَضَاءٍ؛ وَلَوْ قَبَضَ بَعْضَهُ فَقَطْ فَوَجَدَ فِيهِ أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَيْبًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ
стр. 2771
صَفْقَةً وَاحِدَةً (وَقَبَضَ أَحَدَهُمَا وَوَجَدَ) بِهِ أَوْ (بِالْآخَرِ عَيْبًا) لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ (أَخَذَهُمَا أَوْ رَدَّهُمَا، وَلَوْ قَبَضَهُمَا رَدَّ الْمَعِيبَ) بِحِصَّتِهِ سَالِمًا (وَحْدَهُ) لِجَوَازِ التَّفْرِيقِ بَعْدَ التَّمَامِ (كَمَا لَوْ قَبَضَ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا) أَوْ زَوْجَيْ خُفٍّ وَنَحْوَهُ كَزَوْجَيْ ثَوْرٍ أَلِفَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِحَيْثُ لَا يَعْمَلُ بِدُونِهِ (وَوَجَدَ بِبَعْضِهِ عَيْبًا فَإِنَّ لَهُ رَدَّ كُلِّهِ أَوْ أَخْذَهُ)
ــ
[رد المحتار]
فِي كُلِّ مَا مَرَّ، إذْ الصَّفْقَةُ لَا تَتِمُّ بَعْدُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ وَاحِدًا أَوْ أَشْيَاءَ؛ وَلَوْ قَبَضَ كُلَّهُ فَوَجَدَ بِبَعْضِهِ عَيْبًا قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا بَيْنَ شِرَائِهِ وَقَبْضِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ وَاحِدًا كَدَارٍ وَكَرْمٍ وَأَرْضٍ وَثَوْبٍ أَوْ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا فِي وِعَاءٍ وَاحِدٍ أَوْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ شَيْئَيْنِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ حُكْمًا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِ كُلِّهِ وَرَدِّ كُلِّهِ دُونَ رَدِّ بَعْضِهِ فَقَطْ، إذْ فِيهِ زِيَادَةُ عَيْبٍ هُوَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْأَعْيَانِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِلَا اتِّحَادٍ حُكْمًا كَثِيَابٍ وَعَبِيدٍ أَوْ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا فِي أَوْعِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلِلْمُشْتَرِي الرِّضَا بِهِ بِكُلِّ ثَمَنِهِ أَوْ رَدُّ الْمَعِيبِ فَقَطْ لَا يَرُدُّ كُلَّهُ إلَّا بِتَرَاضِي، وَلَا يَرُدُّ الْمَعِيبَ إلَّا بِرِضًا أَوْ قَضَاءٍ إذْ الصَّفْقَةُ تَمَّتْ فَيَصِحُّ تَفْرِيقُهَا فَيَرُدُّ الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ غَيْرَ مَعِيبٍ، إذْ الْمَبِيعُ الْمَعِيبُ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ سَلِيمًا، وَفِي خِيَارِ شَرْطٍ وَرُؤْيَةٍ لَيْسَ لَهُ رَدُّ بَعْضِهِ فَقَطْ إنْ قَبَضَ الْكُلَّ؛ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ تَمَامَ الصَّفْقَةِ فَهِيَ قَبْلَ تَمَامِهَا لَا تَحْتَمِلُ التَّفْرِيقَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضًا لَوْ قَبَضَ الْكُلَّ وَمَتَى عَجَزَ عَنْ رَدِّ الْبَعْضِ لَزِمَهُ الْكُلُّ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَسَائِلَ الِاسْتِحْقَاقِ وَقَدْ مَرَّتْ
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْعَيْبَ قَبْلَ قَبْضِ شَيْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ أَوْ بَعْدَ قَبْضِ الْبَعْضِ فَقَطْ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ بِلَا رِضَا الْبَائِعِ، وَكَذَا لَوْ بَعْدَ قَبْضِ الْكُلِّ إلَّا إذَا كَانَ مُتَعَدِّدًا غَيْرَ مُتَّحِدٍ حُكْمًا كَثَوْبَيْنِ وَطَعَامٍ فِي وِعَاءَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي وِعَاءٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ الْوَاحِدِ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَوْ كَانَ الطَّعَامُ كُلُّهُ بَاقِيًا، فَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ أَوْ أَكَلَ بَعْضَهُ فَقَدَّمْنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِيَ وَيَرْجِعَ بِنُقْصَانِ مَا أَكَلَ لَا مَا بَاعَ، وَمَرَّ بَيَانُهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ صَفْقَةً وَاحِدَةً) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ اشْتَرَى لِتَأَوُّلِهِ بِالْمُشْتَقِّ: أَيْ صَافِقًا بِمَعْنَى عَاقِدًا أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ: أَيْ بِصَفْقَةٍ أَيْ عَقْدٍ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ فَهُوَ مِنْ قِسْمِ مَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ وَاحِدًا وَقَدْ عَلِمْته (قَوْلُهُ وَقَبَضَ أَحَدَهُمَا) وَكَذَا وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُمَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ رَدَّ الْمَعِيبَ) احْتِرَازٌ عَمَّا فِيهِ خِيَارُ شَرْطٍ أَوْ رُؤْيَةٍ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ) هَذَا لَا يُنَاسِبُ إلَّا مَا إذَا وَجَدَ الْعَيْبَ فِي الْمَقْبُوضِ كَمَا لَا تَخْفَى. اهـ ح
قُلْت: بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ يَصْدُقُ عَلَى مَا إذَا قَبَضَ السَّلِيمَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِعَيْبِ الْآخَرِ إلَّا بَعْدَ قَبْضِ الْمَقْبُوضِ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: قَيَّدَ بِتَرَاخِي ظُهُورِ الْعَيْبِ عَنْ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ قَبَضَ الْمَعِيبَ مِنْهُمَا لَزِمَاهُ، أَمَّا الْمَعِيبُ فَلِوُجُودِ الرِّضَا بِهِ؛ وَأَمَّا الْآخَرُ فَلِأَنَّهُ لَا عَيْبَ بِهِ، وَلَوْ قَبَضَ السَّلِيمَ مِنْهُمَا أَوْ كَانَا مَعِيبَيْنِ وَقَبَضَ أَحَدُهُمَا لَهُ رَدُّهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلْزَامُ الْبَيْعِ فِي الْمَقْبُوضِ دُونَ الْآمِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَا يُمْكِنُ إسْقَاطُ حَقِّهِ فِي غَيْرِ الْمَقْبُوضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ قَبَضَ إلَخْ) تَشْبِيهٌ بِقَوْلِهِ أَخَذَهُمَا أَوْ رَدَّهُمَا، وَالْأَوْلَى عَدَمُ التَّقْيِيدِ هُنَا بِالْقَبْضِ كَمَا فِي الْكَنْزِ لِيَشْمَلَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ: قَالَ فِي الْبَحْرِ وَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَإِنَّمَا هُوَ لِيَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقِيَمِيَّاتِ وَالْمِثْلِيَّاتِ. اهـ فَإِنَّ الْقِيَمِيَّاتِ كَعَبْدَيْنِ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ مِنْهُمَا بَعْدَ قَبْضِهِمَا، بِخِلَافِ الْمِثْلِيَّاتِ كَطَعَامٍ فِي وِعَاءٍ، أَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ فِي الْكُلِّ، لَكِنْ هَذَا الِاعْتِذَارُ لَا يَتَأَتَّى فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ أَتَى بِكَافٍ التَّشْبِيهِ (قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ) أَيْ مِنْ كُلِّ شَيْئَيْنِ لَا يُنْتَفَعُ بِأَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ، وَلَهُ أَحْكَامٌ ذَكَرَهَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ فَإِنَّ لَهُ رَدَّ كُلِّهِ أَوْ أَخْذَهُ)
стр. 2772
بِعَيْبِهِ؛ لِأَنَّهُ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَلَوْ فِي وِعَاءَيْنِ عَلَى الْأَظْهَرِ عِنَايَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ بُرْهَانٌ.
(اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا أَوْ قَبَّلَهَا أَوْ مَسَّهَا بِشَهْوَةٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَرُدَّهَا مُطْلَقًا) وَلَوْ ثَيِّبًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَلَنَا أَنَّهُ اسْتَوْفَى مَاءَهَا وَهُوَ جُزْؤُهَا؛ وَلَوْ الْوَاطِئُ زَوْجَهَا، إنْ ثَيِّبًا رَدَّهَا، وَإِنْ بِكْرًا لَا بَحْرٌ (وَرَجَعَ بِالنُّقْصَانِ) لِامْتِنَاعِ الرَّدِّ.
ــ
[رد المحتار]
أَيْ دُونَ أَخْذِ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا تَضَمَّنَهُ التَّشْبِيهُ، وَعَلِمْت أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ بَاقِيًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ الْبَعْضَ أَوْ أَكَلَهُ (قَوْلُهُ وَلَوْ فِي وِعَاءَيْنِ) أَيْ إذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَتَمْرٍ بِرْنِيٍّ أَوْ صَيْحَانِيٍّ أَوْ لِبَانَةٍ أَوْ حِنْطَةٍ صَعِيدِيَّةٍ أَوْ بَحْرِيَّةٍ فَإِنَّهُمَا جِنْسَانِ يَتَفَاوَتَانِ فِي الثَّمَنِ وَالْعَجِينِ كَذَا حَرَّرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ) وَقِيلَ إذَا كَانَ فِي وِعَاءَيْنِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ عَبْدَيْنِ حَتَّى يَرُدَّ الْوِعَاءَ الَّذِي وَجَدَ فِيهِ الْعَيْبَ وَحْدَهُ زَيْلَعِيٌّ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَرْفَقُ وَأَقْيَسُ. اهـ وَلِذَا مَشَى عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ كَمَا عَلِمْته آنِفًا
(قَوْلُهُ أَوْ قَبَّلَهَا أَوْ مَسَّهَا بِشَهْوَةٍ) قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ، قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ: قَوْلُ السَّرَخْسِيِّ التَّقْبِيلُ بِشَهْوَةٍ يَمْنَعُ الرَّدَّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ.
قُلْت: يُخَالِفُ هَذَا الْحَمْلَ مَا فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذْ وَطِئَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَرُدَّهَا وَيَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا إلَّا أَنْ يُقَبِّلَهَا الْبَائِعُ كَذَلِكَ، وَكَذَا إذَا كَانَ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا أَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ فَهُوَ رِضًا بِالْعَيْبِ فَلَا رَدَّ وَلَا رُجُوعَ بِنُقْصَانٍ. اهـ. وَكَذَا مَا فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ قَبَضَهَا فَوَطِئَهَا بِشَهْوَةٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَا يَرُدُّهَا بَلْ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ إلَخْ، وَلَا يَرِدُ قَوْلُهُ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَاءَهَا؛ لِأَنَّ دَوَاعِيَ الْوَطْءِ تَأْخُذُ حُكْمَهُ فِي مَوَاضِعَ كَمَا فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ اسْتَوْفَى مَاءَهَا وَهُوَ جُزْؤُهَا) أَيْ فَإِذَا رَدَّهَا صَارَ كَأَنَّهُ أَمْسَكَ بَعْضَهَا شَرْحُ الْمَجْمَعِ: وَعَلَّلَ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ بِأَنَّ الرَّدَّ بِعَيْبٍ فَسْخُ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ فَيَكُونُ وَطْؤُهُ فِي غَيْرِ مَمْلُوكِهِ لَهُ فَيَكُونُ عَيْبًا يَمْنَعُ الرَّدَّ وَهَذَا فِي الثَّيِّبِ، فَالْبِكْرُ يَمْتَنِعُ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ اتِّفَاقًا. اهـ.
قُلْت: وَهَذَا التَّعْلِيلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ دَوَاعِيَ الْوَطْءِ (قَوْلُهُ لَوْ الْوَاطِئُ زَوْجَهَا) أَيْ الزَّوْجُ الَّذِي كَانَ مِنْ عِنْدِ الْبَائِعِ. أَمَّا لَوْ زَوْجُهَا الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا وَطِئَهَا أَوْ لَا وَإِنْ رَضِيَ بِهَا الْبَائِعُ لِحُصُولِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ وَهِيَ الْمَهْرُ وَأَنَّهَا تَمْنَعُ الرَّدَّ كَمَا مَرَّ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لِوُجُوبِ الْعُقْرِ عَلَى الْوَاطِئِ بِخِلَافِ مَا لَوْ زَنَى بِهَا فَلَا يُرَدُّ وَيَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهَا الْبَائِعُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ بِعَيْبِ الزِّنَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ إنْ ثَيِّبًا رَدَّهَا) أَيْ إذَا لَمْ يَنْقُصْهَا الْوَطْءُ وَكَانَ الزَّوْجُ وَطِئَهَا عِنْدَ الْبَائِعِ أَيْضًا، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا إلَّا عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرُدُّهَا ذَخِيرَةٌ (قَوْلُهُ وَرَجَعَ بِالنُّقْصَانِ) كَذَا
стр. 2773
وَفِي الْمَنْظُومَةِ الْمُحِبِّيَّةِ: لَوْ شَرَطَ بَكَارَتَهَا فَبَانَتْ ثَيِّبًا لَمْ يَرُدَّهَا بَلْ يَرْجِعُ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا نُقْصَانِ هَذَا الْعَيْبِ. وَفِي الْحَاوِي وَالْمُلْتَقَطِ: الثُّيُوبَةُ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ إلَّا إذَا شَرَطَ الْبَكَارَةَ فَيَرُدُّهَا لِعَدَمِ الْمَشْرُوطِ (إلَّا إذَا قَبِلَهَا الْبَائِعُ) ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِ فَإِذَا رَضِيَ زَالَ الِامْتِنَاعُ (وَيَعُودُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ بَعْدَ زَوَالِ) الْعَيْبِ (الْحَادِثِ) لِعَوْدِ الْمَمْنُوعِ بِزَوَالِ الْمَانِعِ دُرَرٌ، فَيَرُدُّ الْمَبِيعَ مَعَ النُّقْصَانِ
ــ
[رد المحتار]
فِي الدُّرَرِ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِ الْكَنْزِ: وَمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَقَطَعَهُ إلَخْ وَعَزَاهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ إلَى الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا، وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ الذَّخِيرَةِ وَالْخَانِيَّةِ.
وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ: وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَا يَرُدُّهَا بِهِ، وَلَكِنْ تُقَوَّمُ وَبِهَا الْعَيْبُ، وَتُقَوَّمُ وَلَيْسَ بِهَا عَيْبٌ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ يَنْقُصُهَا الْعُشْرَ يَرْجِعُ بِعُشْرِ الثَّمَنِ. اهـ مُلَخَّصًا.
وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَفِي الْأَصْلِ: رَجُلٌ اشْتَرَى جَارِيَةً وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ عُيُوبِهَا فَوَطِئَهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَا يَمْلِكُ رَدَّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا نَقَصَهَا الْوَطْءُ أَوْ لَا، بِخِلَافِ الِاسْتِخْدَامِ، وَكَذَا لَوْ قَبَّلَهَا أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ وَيَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ أَنَا أُقَبِّلُهَا. اهـ فَهَذَا نَصُّ الْمَذْهَبِ.
مَطْلَبٌ الْأَصْلُ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَكَافِي الْحَاكِمِ جَمَعَ فِيهِ كُتُبَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَكَافِي الْحَاكِمِ جَمَعَ فِيهِ كُتُبَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِلْإِمَامِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَبِهِ سَقَطَ مَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ جَوَّزَ الرُّجُوعَ بِالنَّقْصِ مَعَ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ وَمَنَعَهُ مَعَ الْوَطْءِ. اهـ.
قُلْت: وَسَقَطَ بِهِ أَيْضًا مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا مِنْ أَنَّ وَطْءَ الثَّيِّبِ يَمْنَعُ الرَّدَّ وَالرُّجُوعَ بِالنُّقْصَانِ وَكَذَا التَّقْبِيلُ وَالْمَسُّ بِشَهْوَةٍ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ وَبَعْدَهُ، وَكَذَا مَا يَأْتِي قَرِيبًا عَنْ الْخَانِيَّةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَبَانَتْ ثَيِّبًا) أَيْ بِوَطْءِ الْمُشْتَرِي وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَوَّلِ فَصْلِ الْعُيُوبِ: وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ، ثُمَّ قَالَ هِيَ ثَيِّبٌ يُرِيهَا الْقَاضِي النِّسَاءَ، إنْ قُلْنَ بِكْرٌ كَانَ الْقَوْلُ لِلْبَائِعِ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ قُلْنَ ثَيِّبٌ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ، وَإِنْ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي: فَإِنْ زَايَلَهَا كَمَا عُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِكْرًا بِلَا لُبْثٍ وَإِلَّا لَزِمَتْهُ هَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ اهـ وَمَشَى الشَّارِحُ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتَمَّ الْعَقْدُ بِمَوْتِهِ إلَخْ، لَكِنْ عَلِمْت نَصَّ الْمَذْهَبِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ ثُمَّ رَمَزَ لِكِتَابٍ آخَرَ، الْوَطْءُ يَمْنَعُ الرَّدَّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. اهـ (قَوْلُ بَلْ يَرْجِعُ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا) فِيهِ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ قَدْ يَنْقُصُ الْقِيمَةَ أَقَلَّ مِنْ هَذَا الْقَدْرِ، وَقَدْ يَنْقُصُهَا أَكْثَرَ مِنْهُ فَمَا وَجْهُ هَذَا التَّعْيِينِ ط.
قُلْت: قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ نُقْصَانَ الثُّيُوبَةِ كَانَ كَذَلِكَ فِي زَمَانِهِمْ (قَوْلُهُ الثُّيُوبَةُ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْغَالِبُ عَدَمَهَا فَصَارَتْ كَمَا لَوْ شَرَى دَابَّةً فَوَجَدَهَا كَبِيرَةَ السِّنِّ كَمَا حَقَّقْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ، نَعَمْ لَوْ شَرَطَ الْبَكَارَةَ وَلَمْ تُوجَدْ كَانَ لَهُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ فَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ، كَمَا لَوْ شَرَى الْعَبْدَ عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ خَبَّازٌ، وَهَذَا لَوْ وَجَدَهَا ثَيِّبًا بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَإِلَّا فَالْوَطْءُ يَمْنَعُ الرَّدَّ، لَوْ نَزَعَ بِلَا لُبْثٍ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا عَلِمْت فَافْهَمْ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا قَبَّلَهَا الْبَائِعُ) أَيْ رِضَى أَنْ يَأْخُذَهَا بَعْدَمَا وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَرَجَعَ بِالنُّقْصَانِ (قَوْلُهُ وَيَعُودُ الرَّدُّ إلَخْ) مَحَلُّ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا حَدَثَ عَيْبٌ آخَرُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِنُقْصَانِهِ ط (قَوْلُهُ لِعَوْدِ الْمَمْنُوعِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الرَّدَّ لَمْ يَسْقُطْ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ إذَا لَوْ كَانَ سَاقِطًا لَمَا عَادَ ط (قَوْلُهُ مَعَ النُّقْصَانِ) أَيْ الَّذِي رَجَعَ بِهِ الْمُشْتَرِي
стр. 2774
عَلَى الرَّاجِحِ نَهْرٌ.
(ظَهَرَ عَيْبٌ بِمَشْرِيِّ) الْبَائِعُ (الْغَائِبِ) وَأَثْبَتَهُ (عِنْدَ الْقَاضِي فَوَضَعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ) فَإِذَا هَلَكَ (هَلَكَ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَّا إذَا قَضَى) الْقَاضِي (بِالرَّدِّ عَلَى بَائِعِهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ بِلَا خَصْمٍ يَنْفُذُ عَلَى الْأَظْهَرِ دُرَرٌ.
(قُتِلَ) الْعَبْدُ (الْمَقْبُوضُ أَوْ قُطِعَ بِسَبَبٍ) كَانَ (عِنْدَ الْبَائِعِ) كَقَتْلٍ أَوْ رِدَّةٍ (رَدَّ الْمَقْطُوعَ) أَوْ أَمْسَكَهُ وَرَجَعَ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ مَجْمَعٌ (وَأَخَذَ ثَمَنَهُمَا) أَيْ ثَمَنَ الْمَقْطُوعِ وَالْمَقْتُولِ؛ وَلَوْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي فَقُطِعَ عِنْدَ الْأَخِيرِ أَوْ قُتِلَ رَجَعَ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ عَلِمُوا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَالِاسْتِحْقَاقِ لَا كَالْعَيْبِ خِلَافًا لَهُمَا.
ــ
[رد المحتار]
عَلَى الْبَائِعِ حِينَ كَانَ الرَّدُّ مَمْنُوعًا ط (قَوْلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ زَوَالِ الْمَانِعِ، وَقِيلَ لَا يَرُدُّ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ يَسْقُطُ وَالسَّاقِطُ لَا يَعُودُ وَقِيلَ إنْ كَانَ بَدَلُ النُّقْصَانِ قَائِمًا ثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ وَإِلَّا لَا ط
(قَوْلُهُ بِمَشْرِيِّ الْبَائِعِ) الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى مِنْ: أَيْ بِمَشْرِيٍّ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَأَثْبَتَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ فَوَضَعَهُ) أَيْ الْقَاضِي عِنْدَ عَدْلٍ: أَيْ عِنْدَ أَمِينٍ يَحْفَظُهُ لِبَائِعِهِ. وَفِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ لِلرَّمْلِيِّ: وَقَدْ سُئِلْت عَنْ نَفَقَةِ الدَّابَّةِ وَهِيَ عِنْدَ الْعَدْلِ عَلَى مَنْ تَكُونُ فَأَجَبْت أَخْذًا مِمَّا فِي الذَّخِيرَةِ فِي آخِرِ النَّفَقَاتِ أَنَّهُ لَا يَفْرِضُ الْقَاضِي لَهَا عَلَى أَحَدٍ نَفَقَةً؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْمُشْتَرِي هُوَ الْمَالِكُ وَالْمَالِكُ يُفْتَى عَلَيْهِ دِيَانَةً بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَلَا يَجْبُرُهُ الْقَاضِي (قَوْلُهُ يَنْفُذُ عَلَى الْأَظْهَرِ) أَيْ لَوْ كَانَ الْقَاضِي يَرَى ذَلِكَ كَشَافِعِيٍّ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ الْحَنَفِيِّ كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ، وَقَدَّمْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمَفْقُودِ: وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي الْقَضَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَوْلُهُ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمَقْبُوضُ أَوْ قُطِعَ) قَيَّدَ بِكَوْنِهِ مَقْبُوضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ بَعْدَ الْبَيْعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِكُلِّ الثَّمَنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ قُطِعَ عِنْدَ الْبَائِعِ ثُمَّ بَاعَهُ فَمَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِسَبَبِ الْقَطْعِ قَالَ فِي الْبَحْرِ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ اتِّفَاقًا، وَقَيَّدَ بِالْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ مَرِيضًا فَمَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِسَبَبِ الْقَطْعِ قَالَ فِي الْبَحْرِ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِالْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ مَرِيضًا فَمَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ عَبْدًا زَنَى عِنْدَ الْبَائِعِ فَجُلِدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَمَاتَ رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ اتِّفَاقًا أَيْضًا، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ) أَيْ فَقَطْ، أَمَّا لَوْ سَرَقَ عِنْدَهُمَا فَقُطِعَ بِالسَّرِقَتَيْنِ، فَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ السَّرِقَةِ الْأُولَى وَعِنْدَهُ لَا يَرُدُّهُ بِلَا رِضَا الْبَائِعِ لِلْعَيْبِ الْحَادِثِ وَهُوَ السَّرِقَةُ الثَّانِيَةُ، فَإِنْ رَضِيَهُ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي وَرَجَعَ بِثَلَاثِهِ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ وَإِلَّا أَمْسَكَهُ وَرَجَعَ بِرُبُعِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ وَقَدْ تَلِفَتْ بِالسَّرِقَتَيْنِ فَيَتَوَزَّعُ نِصْفُ الثَّمَنِ بَيْنَهُمَا فَيَسْقُطُ مَا أَصَابَ الْمُشْتَرِيَ وَيَرْجِعُ بِالْبَاقِي، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ، وَقَدَّمَ الشَّارِحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ الْعَيْنِيِّ أَوَّلَ الْبَابِ.
(قَوْلُهُ كَقَتْلٍ أَوْ رِدَّةٍ) أَيْ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلًا عَمْدًا أَوْ ارْتَدَّ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَقَتْلٍ وَسَرِقَةٍ لِيَكُونَ بَيَانًا لِسَبَبِ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ (قَوْلُهُ رَدَّ الْمَقْطُوعَ وَأَخَذَ ثَمَنَهُمَا) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْقَطْعِ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ أَوْ أَمْسَكَهُ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ وَأَخَذَ ثَمَنَهُمَا، بِأَنْ يَقُولَ وَلَهُ أَنْ يُمْسِكَ الْمَقْطُوعَ وَيَرْجِعَ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ ط (قَوْلُهُ مَجْمَعٌ) عِبَارَتُهُ: وَلَوْ وَجَدَ الْعَبْدُ مُبَاحَ الدَّمِ فَقُتِلَ عِنْدَهُ فَلَهُ كُلُّ الثَّمَنِ، وَلَوْ قُطِعَ بِسَرِقَةٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ رَدَّ وَاسْتَرَدَّ أَوْ أَمْسَكَ وَاسْتَرَدَّ النِّصْفَ وَقَالَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ فِيهِمَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ رَجَعَ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أَيْ بِكُلِّ الثَّمَنِ كَمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى الِاسْتِحْقَاقِ، وَهَذَا إنْ اخْتَارَ الرَّدَّ، فَإِنْ أَمْسَكَهُ يَرْجِعُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَيَرْجِعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِنِصْفِ الثَّمَنِ. وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ الْأَخِيرُ بِالنُّقْصَانِ عَلَى بَائِعِهِ، وَلَا يَرْجِعُ بَائِعُهُ عَلَى بَائِعِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ. أَمَّا رُجُوعُهُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبِعْهُ لَمْ يَصِرْ حَابِسًا لِلْمَبِيعِ فَلَا مَانِعَ مِنْ الرُّجُوعِ وَأَمَّا بَائِعُهُ فَلَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ صَارَ حَابِسًا لَهُ مَعَ إمْكَانِ الرَّدِّ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ بَيْعَ الْمُشْتَرِي لِلْمَعِيبِ حَبْسٌ لِلْمَبِيعِ سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَا فَلَا يُمْكِنُهُ الرَّدُّ بَعْدَ ذَلِكَ فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ كَالِاسْتِحْقَاقِ) وَالْعِلْمُ بِالِاسْتِحْقَاقِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بَحْرٌ
стр. 2775
(وَصَحَّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ، وَيَصِحُّ عِنْدَنَا لِعَدَمِ إفْضَائِهِ إلَى الْمُنَازَعَةِ (وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَوْجُودُ وَالْحَادِثُ) بَعْدَ الْعَقْدِ (قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يُرَدُّ بِعَيْبٍ) وَخَصَّهُ مَالِكٌ وَمُحَمَّدٌ بِالْمَوْجُودِ كَقَوْلِهِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهِ؛ وَلَوْ قَالَ مِمَّا يَحْدُثُ صَحَّ عِنْدَ الثَّانِي وَفَسَدَ عِنْدَ الثَّالِثِ نَهْرٌ.
ــ
[رد المحتار]
[مَطْلَبٌ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ]
ٍ (قَوْلُهُ وَصَحَّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ) بِأَنْ قَالَ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَوَقَعَ فِي الْعَيْنِيِّ لَفْظُ فِيهِ وَهُوَ سَهْوٌ لِمَا يَأْتِي نَهْرٌ. قُلْت: وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِهَذَا اللَّفْظِ، بَلْ مِثْلُهُ كُلُّ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ. مَطْلَبٌ بَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ كَوْمُ تُرَابٍ أَوْ حِرَاقٌ عَلَى الزِّنَادِ أَوْ حَاضِرٌ حَلَالٌ
وَمِنْهُ مَا تُعُورِفَ فِي زَمَانِنَا فِيمَا إذَا بَاعَ دَارًا مَثَلًا فَيَقُولُ بِعْتُك هَذِهِ الدَّارَ عَلَى أَنَّهَا كَوْمُ تُرَابٍ، وَفِي بَيْعِ الدَّابَّةِ يَقُولُ مُكَسَّرَةٌ مُحَطَّمَةٌ، وَفِي نَحْوِ الثَّوْبِ يَقُولُ حِرَاقٌ عَلَى الزِّنَادِ وَيُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْعُيُوبِ فَإِذَا رَضِيَهُ الْمُشْتَرِي لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَهُ بِكُلِّ عَيْبٍ يَظْهَرُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ بِعْته عَلَى أَنَّهُ حَاضِرٌ حَلَالٌ وَيُرَادُ بَيْعُ هَذَا الْحَاضِرِ بِمَا فِيهِ أَيُّ عَيْبٍ كَانَ سِوَى عَيْبِ الِاسْتِحْقَاقِ: أَيْ لَوْ ظَهَرَ غَيْرَ حَلَالٍ أَيْ مَسْرُوقًا أَوْ مَغْصُوبًا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فَهَذَا كُلُّهُ بِمَعْنَى الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَنَظِيرُهُ مَا فِي الْبَحْرِ: لَوْ قَبِلَ الثَّوْبَ بِعُيُوبِهِ يَبْرَأُ مِنْ الْحُرُوقِ وَتَدْخُلُ الرُّقَعُ وَالرَّفْوُ. اهـ أَيْ لَوْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ لَا يَرُدُّهُ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَهُ مَرْقُوعًا أَوْ مَرْفُوًّا، وَهُوَ مِنْ بَابِ رَفَوْت الثَّوْبَ رَفْوًا مِنْ بَابِ قَتَلَ: أَيْ أَصْلَحْتُهُ ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُحَشِّينَ ذَكَرَ أَنَّ الْعَلَّامَةَ إبْرَاهِيمَ الْبِيرِيَّ سُئِلَ عَمَّنْ بَاعَ أَمَةً وَقَالَ أَبِيعُك الْحَاضِرَ الْمَنْظُورَ يُرِيدُ بِذَلِكَ جَمِيعَ الْعُيُوبِ: فَأَجَابَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْأَمَةِ الَّتِي أَبْرَأَهُ عَنْ عُيُوبِهَا. اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ) أَيْ لَمْ يَذْكُرْ أَسْمَاءَ الْعُيُوبِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) حَيْثُ قَالَ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَعُدَّ الْعُيُوبَ؛ لِأَنَّ فِي الْإِبْرَاءِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَتَمْلِيكُ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ إفْضَائِهِ إلَى الْمُنَازَعَةِ) الْأَوْلَى لِعَدَمِ إفْضَائِهَا؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ لِلْبَرَاءَةِ: قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَنَا أَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ حَتَّى يَتِمَّ بِلَا قَبُولٍ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ نِسْوَتَهُ أَوْ أَعْتَقَ عَبِيدَهُ وَلَا يَدْرِي كَمْ هُمْ وَلَا أَعْيَانَهُمْ وَالْإِسْقَاطُ؛ لِأَنَّهَا جَهَالَةُ السَّاقِطِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ فَلَا يُرَدُّ بِعَيْبٍ) أَيْ مَوْجُودٍ أَوْ حَادِثٍ (قَوْلُهُ بِالْمَوْجُودِ) ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ تَتَنَاوَلَ الثَّابِتَ وَهُوَ الْمَوْجُودُ وَقْتَ الْعَقْدِ فَقَطْ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمُلَاحَظَ هُوَ الْمَعْنَى وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ إلْزَامُ الْعَقْدِ بِإِسْقَاطِ الْمُشْتَرِي حَقَّهُ عَنْ وَصْفِ السَّلَامَةِ لِيَلْزَمَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَا يُطَالِبُ الْبَائِعُ بِحَالٍ وَذَلِكَ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ يُوجِبُ لِلْمُشْتَرِي الرَّدَّ وَالْحَادِثُ بَعْدَ الْعَقْدِ كَذَلِكَ فَاقْتَضَى الْغَرَضَ وَالْمَعْلُومَ دُخُولُهُ فَتْحٌ (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهِ) فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحَادِثُ إجْمَاعًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ مِمَّا يَحْدُثُ) أَيْ بَاعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَمَا يَحْدُثُ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ صَحَّ عِنْدَ الثَّانِي إلَخْ) هَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ، أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَلَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَوْرَدَ عَلَى الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ يَدْخُلُ الْحَادِثُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِلَا تَنْصِيصٍ فَكَيْفَ يُبْطِلُهُ مَعَ التَّنْصِيصِ وَأَجَبْت يَمْنَعُ الْإِجْمَاعَ لِمَا عَلِمْت مِنْ رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ، وَلَئِنْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَادِثَ يَدْخُلُ تَبَعًا لِتَقْرِيرِ غَرَضِهِمَا وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ لَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا وَيَثْبُتُ الْغَنْم أَفَادَهُ فِي الْفَتْحِ: وَنَقَلَ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ أَنَّ الْأَصَحَّ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ فَاسِدٌ. اهـ، فَهَذَا تَصْحِيحٌ لِرِوَايَةِ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، لَكِنِّي لَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي
стр. 2776
(أَبْرَأَهُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ فَهُوَ عَلَى) الْمَرَضِ، وَقِيلَ عَلَى (مَا فِي الْبَاطِنِ) وَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلِاخْتِيَارِ وَالْجَوْهَرَةِ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ فِي الْعَادَةِ (وَمَا سِوَاهُ) فِي الْعُرْفِ (مَرَضٌ) وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ كُلِّ غَائِلَةٍ فَهِيَ السَّرِقَةُ وَالْإِبَاقُ وَالزِّنَا. (اشْتَرَى عَبْدًا فَقَالَ لِمَنْ سَاوَمَهُ إيَّاهُ: اشْتَرِهِ فَلَا عَيْبَ بِهِ فَلَمْ يَتَّفِقْ بَيْنَهُمَا الْبَيْعُ فَوَجَدَ) مُشْتَرِيهِ (بِهِ عَيْبًا) فَلَهُ (رَدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ) بِشَرْطِهِ (وَلَأَنْ يَمْنَعَهُ) مِنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ (إقْرَارُهُ السَّابِقُ) بِعَدَمِ الْعَيْبِ،؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ التَّرْوِيجِ (وَلَوْ عَيَّنَهُ) أَيْ الْعَيْبَ فَقَالَ لَا عَوَرَ بِهِ أَوْ لَا شَلَلَ (لَا) يَرُدُّهُ لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ إلَّا أَنْ لَا يَحْدُثَ مِثْلُهُ كَلَا أُصْبُعَ بِهِ زَائِدَةٌ ثُمَّ وَجَدَهَا فَلَهُ رَدُّهُ لِلتَّيَقُّنِ بِكَذِبِهِ.
(قَالَ) لِآخَرَ (عَبْدِي) هَذَا (آبِقٌ فَاشْتَرِهِ مِنِّي فَاشْتَرَاهُ وَبَاعَ) مِنْ آخَرَ (فَوَجَدَهُ) الْمُشْتَرِي (الثَّانِي آبِقًا لَا يَرُدُّهُ بِمَا سَبَقَ مِنْ إقْرَارِ الْبَائِعِ) الْأَوَّلِ (مَا لَمْ يُبَرْهِنْ أَنَّهُ أَبِقَ عِنْدَهُ) ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي الْمَوْجُودِ مِنْهُ السُّكُوتُ.
(اشْتَرَى جَارِيَةً لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ صَبِيًّا لَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا) ؛؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ،
ــ
[رد المحتار]
شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَلَكِيِّ فَلَعَلَّهُ فِي شَرْحٍ آخَرَ فَلْيُرَاجَعْ، نَعَمْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّ الْبَيْعَ بِهَذَا الشَّرْطِ فَاسِدٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ، وَإِنْ كَانَ إسْقَاطًا فَفِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَلِهَذَا لَا يَقْبَلُ الرَّدَّ فَلَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ نَصًّا كَالتَّعْلِيقِ فَكَانَ شَرْطًا فَاسِدًا فَأَفْسَدَ الْبَيْعَ. اهـ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ مُوَافِقًا لِمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَقَوْلُ النَّهْرِ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ (قَوْلُهُ عِنْدَنَا عَلَى مَا فِي الْبَاطِنِ) مِنْ طِحَالٍ أَوْ فَسَادِ حَيْضٍ مِنَحٌ (قَوْلُهُ وَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ) حَيْثُ قَالَ وَهَذَا مَا عَوَّلْنَا عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَادَةِ وَإِلَّا فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الدَّاءَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمَرَضُ سَوَاءٌ كَانَ بِالْجَوْفِ أَوْ بِغَيْرِهِ. اهـ.
قُلْت لَكِنَّ عُرْفَنَا الْآنَ مُوَافِقٌ فِي اللُّغَةِ (قَوْلُهُ فَهِيَ السَّرِقَةُ وَالْإِبَاقُ وَالزِّنَا) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَتْحٌ وَفِي الْمِصْبَاحِ غَائِلَةُ الْعَبْدِ فُجُورُهُ وَإِبَاقُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ بِشَرْطٍ) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ أَوْ نُكُولِهِ. اهـ ح وَمِنْ شُرُوطِ الرَّدِّ أَنْ لَا يَزِيدَ زِيَادَةً مَانِعَةً مِنْ الرَّدِّ، وَلَا يُوجَدَ مَا هُوَ دَلِيلُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ مِمَّا مَرَّ وَلَا بَرِئَ الْبَائِعُ مِنْ عُيُوبِهِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ التَّرْوِيجِ) رَوَاجَ الْمَتَاعِ نَفَاقُهُ أَيْ أَنَّهُ أَرَادَ رَوَاجَهُ وَنَفَاقَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي قَالَ فِي الْمِنَحِ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ عَيْبٍ مَا فَيَتَيَقَّنُ الْقَاضِي بِأَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ. اهـ وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْمُحِيطِ: وَهَذَا كَمَنْ قَالَ لِجَارِيَتِهِ يَا زَانِيَةُ يَا مَجْنُونَةُ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ بِالْعَيْبِ وَلَكِنَّهُ لِلشَّتِيمَةِ، حَتَّى قِيلَ لَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ أَيْ قَالَ لِآخَرَ اشْتَرَاهُ فَلَا عَيْبَ بِهِ يَكُونُ إقْرَارًا بِنَفْيِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ عُيُوبَ الثَّوْبِ ظَاهِرَةٌ. اهـ
(قَوْلُهُ عَبْدِي هَذَا آبِقٌ) أَفَادَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ أَنَّ الْعَبْدَ حَاضِرٌ، وَأَنَّ قَوْلَهُ آبِقٌ بِمَعْنَى الْمَاضِي، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بِعْتُك عَلَى أَنَّهُ آبِقٌ أَوْ عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ إبَاقِهِ وَقَبِلَهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ فَإِنَّ الثَّانِيَ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ بَاعَ عَبْدًا إلَخْ (قَوْلُهُ فَوَجَدَهُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي آبِقًا) بِأَنْ أَبِقَ عِنْدَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ لَا يَكُونُ عَيْبًا إلَّا بِتَكَرُّرِهِ (قَوْلُهُ لَا يَرُدُّهُ) أَيْ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي (قَوْلُهُ إنَّهُ أَبِقَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ الْمُقِرِّ (قَوْلُهُ الْمَوْجُودُ مِنْهُ السُّكُوتُ) يَعْنِي وَالسُّكُوتُ لَيْسَ تَصْدِيقًا مِنْهُ لِبَائِعِهِ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ فَأَمَّا إذَا قَالَ الْبَائِعُ الثَّانِي وَجَدْته آبِقًا الْآنَ صَارَ مُصَدِّقًا لِلْبَائِعِ فِي إقْرَارِهِ بِكَوْنِهِ آبِقًا شُرُنْبُلَالِيَّةٌ
(قَوْلُهُ اشْتَرَى جَارِيَةً إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: اشْتَرَى مُرْضِعًا ثُمَّ اطَّلَعَ بِهَا عَلَى عَيْبٍ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْإِرْضَاعِ لَهُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ وَلَوْ حَلَبَ اللَّبَنَ فَأَكَلَهُ أَوْ بَاعَهُ لَا يَرُدُّ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ جُزْءٌ مِنْهُمَا فَاسْتِيفَاؤُهُ دَلِيلُ الرِّضَا. وَفِي الْفَتْوَى: الْحَلْبُ بِلَا أَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ لَا يَكُونُ رِضًا، وَحَلْبُ لَبَنِ الشَّاهِ رِضًا شَرِبَ أَمْ لَا (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ) وَالِاسْتِخْدَامُ لَا يَكُونُ رِضًا خَانِيَّةٌ
стр. 2777
بِخِلَافِ الشَّاةِ الْمُصَرَّاةِ فَلَا يَرُدُّهَا مَعَ لَبَنِهَا أَوْ صَاعِ تَمْرٍ بَلْ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ عَلَى الْمُخْتَارِ شُرُوحُ مَجْمَعٍ وَحَرَّرْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْمَنَارِ (كَمَا لَوْ اسْتَخْدَمَهَا) فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَفِي الْمَبْسُوطِ الِاسْتِخْدَامُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ لَيْسَ بِرِضًا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَوَسَّعُونَ فِيهِ فَهُوَ لِلِاخْتِبَارِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ رِضًا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِي نَوْعٍ آخَرَ وَفِي الصُّغْرَى أَنَّهُ مَرَّةٌ لَيْسَ بِرِضًا إلَّا عَلَى كُرْهٍ مِنْ الْعَبْدِ بَحْرٌ (قَالَ الْمُشْتَرِي لَيْسَ بِهِ) بِالْمَبِيعِ (أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ أَوْ نَحْوُهَا مِمَّا لَا يَحْدُثُ) مِثْلُهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ (ثُمَّ وَجَدَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرَّدُّ) بِلَا يَمِينٍ لِمَا مَرَّ.
(بَاعَ عَبْدًا وَقَالَ) لِلْمُشْتَرِي (بَرِئْت إلَيْك مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهِ إلَّا الْإِبَاقَ فَوَجَدَهُ آبِقًا فَلَهُ الرَّدُّ، وَلَوْ قَالَ إلَّا إبَاقَهُ لَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يُضِفْ الْإِبَاقَ لِلْعَبْدِ وَلَا وَصَفَهُ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِإِبَاقِهِ لِلْحَالِ، وَفِي الثَّانِي أَضَافَهُ إلَيْهِ
ــ
[رد المحتار]
أَيْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَيَكُونُ رِضًا فِي الثَّانِيَةِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهَا بِهِ ثَانِيًا كَانَ رِضًا لَا لَوْ أَرْضَعَتْهُ مَرَّاتٍ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ تَأَمَّلْ.
مَطْلَبٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الشَّاةِ الْمُصَرَّاةِ) رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ شَرْحُ التَّحْرِيرِ وَتُصَرُّوا بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ مِنْ التَّصْرِيَةِ وَهِيَ رَبْطُ ضَرْعِ النَّاقَةِ أَوْ الشَّاةِ وَتَرْكُ حَلْبِهَا الْيَوْمَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنَارِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الثَّابِتِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَنَّ ضَمَانَ الْعُدْوَانِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ وَالتَّمْرُ لَيْسَ مِنْهُمَا فَكَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ وَمُخَالَفَتُهُ مُخَالَفَةٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَلَمْ يُعْمَلْ بِهِ لِمَا مَرَّ، فَيَرُدُّ قِيمَةَ اللَّبَنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِأَرْشِهَا. اهـ
وَفِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهَا فَذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ أَبُو يُوسُفَ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لِلْإِسْبِيجَابِيِّ نَقْلًا عَنْ أَصْحَابِ الْأَمَالِي عَنْهُ وَالْمَذْكُورُ عَنْهُ لِلْخَطَّابِيِّ وَابْنِ قَدَامَةَ أَنَّهُ يَرُدُّهَا مَعَ قِيمَةِ اللَّبَنِ وَلَمْ يَأْخُذْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ. اهـ
وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْحَقَائِقِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا فَحَلَبَهَا فَوَجَدَهَا قَلِيلَةَ اللَّبَنِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عِنْدَنَا: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا مَعَ اللَّبَنِ لَوْ قَائِمًا وَمَعَ صَاعِ تَمْرٍ لَوْ هَالِكًا، وَهَلْ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ عِنْدَنَا: فَعَلَى رِوَايَةِ الْأَسْرَارِ لَا وَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ نَعَمْ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِفِعْلِ التَّصْرِيَةِ غَرَّ الْمُشْتَرِيَ فَصَارَ كَمَا إذَا غَرَّهُ بِقَوْلِهِ إنَّهَا لَبُونٌ (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ فِي غَيْرِ الْإِرْضَاعِ (قَوْلُهُ فَهُوَ لِلِاخْتِبَارِ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَخْتَبِرَهُ وَيَمْتَحِنَهُ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ مَعَ الْعَيْبِ يَصْلُحُ لَهُ أَمْ لَا (قَوْلُهُ إلَّا عَلَى كُرْهٍ مِنْ الْعَبْدِ) مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ مَا مَرَّ أَنَّهُ الِاسْتِحْسَانُ مَعَ أَنَّ وَجْهَهُ خَفِيٌّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ لِلتَّيَقُّنِ بِكَذِبِهِ
(قَوْلُهُ فَلَهُ الرَّدُّ إلَخْ) كَذَا فِي الْفَتْحِ وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ بِمَا فِي الْمُحِيطِ: لَوْ قَالَ عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ إبَاقِهِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَبَقَ وَقَبِلَهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ عَلَى ذَلِكَ يَرُدُّهُ الثَّانِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا وَصْفًا لِلْإِيجَابِ أَوْ شَرْطًا فِيهِ وَالْإِيجَابُ يَفْتَقِرُ إلَى الْجَوَابِ وَالْجَوَابُ يَتَضَمَّنُ إعَادَةَ مَا فِي الْخِطَابِ فَإِذَا قَالَ الْمُشْتَرِي قَبِلْت ذَلِكَ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ اشْتَرَيْت عَلَى أَنَّهُ آبِقٌ فَيَكُونُ اعْتِرَافًا بِكَوْنِهِ آبِقًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِبَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْ الْإِبَاقَ إلَى الْعَبْدِ وَلَا وَصَفَهُ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ اعْتِرَافًا بِوُجُودِ الْإِبَاقِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَمَا يَحْتَمِلُ التَّبَرِّي عَنْ الْإِبَاقِ مَوْجُودٌ مِنْ الْعَبْدِ يَحْتَمِلُ التَّبَرِّي عَنْ إبَاقٍ سَيَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يَصِيرُ مُقِرًّا بِكَوْنِهِ آبِقًا لِلْحَالِ بِالشَّكِّ فَلَا يَثْبُتُ حَقُّ الرَّدِّ بِالشَّكِّ. اهـ وَكَتَبَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي هَامِشِ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ أَنَّ حَقَّ الْعِبَارَةِ فِي كَلَامِ الْفَتْحِ لَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ إلَّا إبَاقَهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ إبَاقِهِ فَيُرَدُّ بِهِ وَلَوْ قَالَ إلَّا الْإِبَاقَ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ. اهـ.
стр. 2778
فَكَانَ إخْبَارًا بِأَنَّهُ آبِقٌ فَيَكُونُ رَاضِيًا بِهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ خَانِيَّةٌ. وَفِيهَا: لَوْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ حَقٍّ لَهُ قِبَلَهُ دَخَلَ الْعَيْبُ لَا الدَّرَكُ
(مُشْتَرٍ) لِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ (قَالَ أَعْتَقَ الْبَائِعُ) الْعَبْدَ (أَوْ دَبَّرَ أَوْ اسْتَوْلَدَ) الْأَمَةَ (أَوْ هُوَ حُرُّ الْأَصْلِ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ حَلَفَ) لِعَجْزِ الْمُشْتَرِي عَنْ الْإِثْبَاتِ (فَإِنْ حَلَفَ قَضَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا قَالَهُ) مِنْ الْعِتْقِ وَنَحْوِهِ لِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ (وَرَجَعَ بِالْعَيْبِ إنْ عَلِمَ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لِلرُّجُوعِ إزَالَتُهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى غَيْرِهِ بِإِنْشَائِهِ أَوْ إقْرَارِهِ وَلَمْ يُوجَدْ (حَتَّى لَوْ قَالَ بَاعَهُ وَهُوَ مِلْكُ فُلَانٍ وَصَدَّقَهُ) فُلَانٌ (وَأَخَذَهُ لَا) يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ لِإِزَالَتِهِ بِإِقْرَارِهِ كَأَنَّهُ وَهَبَهُ.
(وَجَدَ الْمُشْتَرِي الْغَنِيمَةَ مُحْرَزَةً) بِدَارِنَا أَوْ غَيْرَ مُحْرَزَةٍ لَوْ الْبَيْعُ (مِنْ الْإِمَامِ أَوْ أَمِينِهِ) بَحْرٌ.
ــ
[رد المحتار]
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ وَالْفَتْحِ مَقْلُوبَةٌ لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا فِي الْمُحِيطِ.
أَقُولُ: لَا مُخَالَفَةَ وَلَا قَلْبَ أَصْلًا، وَذَلِكَ أَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ فِيمَا إذَا اشْتَرَاهُ كَذَلِكَ ثُمَّ بَاعَهُ لِآخَرَ فَلِلْمُشْتَرِي الْآخَرِ رَدُّهُ عَلَى الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْبَائِعُ إلَّا إبَاقَهُ بِإِضَافَةِ الْإِبَاقِ إلَيْهِ يَكُونُ إخْبَارًا بِإِبَاقِهِ وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي رَاضِيًا بِهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ فَلَا يَرُدُّهُ بِإِبَاقِهِ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ إلَّا الْإِبَاقَ بِلَا إضَافَةٍ وَلَا وَصْفٍ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إقْرَارٌ بِإِبَاقِهِ لِلْحَالِ فَلَمْ يُوجَدْ رِضَا الْمُشْتَرِي بِهِ فَلَهُ رَدُّهُ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا الْمُشْتَرِيَ بَاعَهُ لِآخَرَ فَلِلْآخَرِ رَدُّهُ عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَا فِي الثَّانِيَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُحِيطِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ لَوْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ حَقٍّ لَهُ قِبَلَهُ دَخَلَ الْعَيْبُ لَا الدَّرَكُ) ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ حَقٌّ لَهُ قِبَلَهُ لِلْحَالِ وَالدَّرَكِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَبَيَانُهُ: لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ أَبْرَأْتُك مِنْ كُلِّ حَقٍّ لِي قِبَلَك ثُمَّ ظَهَرَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ لَيْسَ لَهُ دَعْوَى الرَّدِّ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ جُمْلَةِ الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ لَهُ وَقَدْ أَبْرَأَهُ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ عَبْدًا مَثَلًا فَضَمِنَ لَهُ آخَرُ الدَّرَكَ أَيْ ضَمِنَ لَهُ الثَّمَنَ إذَا ظَهَرَ الْعَبْدُ مُسْتَحَقًّا ثُمَّ قَالَ الْمُشْتَرِي لِلضَّامِنِ أَبْرَأْتُك مِنْ كُلِّ حَقٍّ لِي قِبَلَك لَا يَدْخُلُ الدَّرَكُ فَلَوْ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الضَّامِنِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْتَ الْإِبْرَاءِ حَقُّ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الِاسْتِحْقَاقِ ثُمَّ عَلَى الْقَضَاءِ لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَنْتَقِضُ الْبَيْعُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا لَمْ يَقْضِ لَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَصِيلِ رَدُّ الثَّمَنِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ الْكَفَالَةِ فَحَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ الْحَقُّ فِي الْحَالِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِبْرَاءِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ لِعَجْزِ الْمُشْتَرِي عَنْ الْإِثْبَاتِ) اللَّام لِلتَّوْقِيتِ أَيْ حَلَفَ الْبَائِعُ وَقْتَ عَجْزِ الْمُشْتَرِي أَمَّا لَوْ بَرْهَنَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ (قَوْلُهُ إنْ عَلِمَ بِهِ) أَيْ عَلِمَ أَنَّ بِهِ عَيْبًا بَعْدَ قَوْلِهِ مَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لِلرُّجُوعِ إزَالَتُهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى غَيْرِهِ بِإِنْشَائِهِ) أَيْ بِأَنْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ كِتَابَةٍ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حَابِسًا لَهُ بِحَبْسِ بَدَلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهُ بِلَا مَالٍ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَ الْأَمَةَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِهِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ الرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنْهَاءٌ لِلْمِلْكِ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُ ذَلِكَ لَكِنْ قَدْ يَبْطُلُ الرُّجُوعُ بِدُونِ إزَالَةٍ عَنْ مِلْكِهِ إلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ فَكَلَامُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَالِبِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَوْ إقْرَارِهِ) مِثَالُهُ مَا فَرَّعَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَوْ بَاعَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ) فَلَوْ كَذَّبَهُ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ لِبُطْلَانِ إقْرَارِهِ بِتَكْذِيبِهِ عَزْمِيَّةٌ عَنْ الْكَافِي (قَوْلُهُ كَأَنَّهُ وَهَبَهُ) قَالَ فِي الْكَافِي وَلَا نَعْنِي بِهِ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لَكِنَّ التَّمْلِيكَ يَثْبُتُ مُقْتَضًى لِلْإِقْرَارِ ضَرُورَةً فَجُعِلَ كَأَنَّهُ مَلَكَهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ. اهـ عَزْمِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ الْغَنِيمَةَ) أَيْ لِشَيْءٍ مَغْنُومٍ مِنْ الْكَفَّارَةِ (قَوْلُهُ بَحْرٌ) وَنَصُّهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْغَنَائِمِ وَلَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَا فِي التَّلْخِيصِ وَشَرْحِهِ، وَقَوْلُهُمْ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَفِي دَارِ الْحَرْبِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْإِمَامِ وَأَمِينِهِ. اهـ.
قُلْت: لَكِنْ قَيَّدَ فِي الذَّخِيرَةِ بَيْعَ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ
لِمَصْلَحَةٍ
رَآهَا أَفَادَ قَيْدًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَبِيعُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ
стр. 2779
قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَقَيْدُ مُحْرَزَةٍ غَيْرُ لَازِمٍ (عَيْبًا لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا) ؛؛ لِأَنَّ الْأَمِينَ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا (بَلْ) يَنْصِبُ لَهُ الْإِمَامُ خَصْمًا فَيَرُدُّ عَلَى (مَنْصُوبِ الْإِمَامِ وَلَا يُحَلِّفُهُ) ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْحَلِفِ النُّكُولُ وَلَا يَصِحُّ نُكُولُهُ وَإِقْرَارُهُ (فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ) الْمَعِيبَ (بَعْدَ ثُبُوتِهِ يُبَاعُ وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَيْهِ وَيَرُدُّ النَّقْصَ وَالْفَضْلَ إلَى مَحَلِّهِ) ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ دُرَرٌ.
(وَجَدَ) الْمُشْتَرِي (بِمَشْرِيِّهِ عَيْبًا وَأَرَادَ الرَّدَّ بِهِ فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ الْبَائِعُ الدَّرَاهِمَ إلَى الْمُشْتَرِي وَلَا يَرُدَّ عَلَيْهِ جَازَ) وَيُجْعَلُ حَطًّا مِنْ الثَّمَنِ (وَعَلَى الْعَكْسِ) وَهُوَ أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي الدَّرَاهِمَ إلَى الْبَائِعِ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ (لَا) يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ غَيْرُ الرِّشْوَةِ فَلَا يَجُوزُ. وَفِي الصُّغْرَى: ادَّعَى عَيْبًا فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ بَرِئَ أَوْ ظَهَرَ أَنْ لَا عَيْبَ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَدَّى، وَلَوْ زَالَ بِمُعَالَجَةِ الْمُشْتَرِي لَا قُنْيَةٌ.
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) رَدٌّ عَلَى صَاحِبِ الدُّرَرِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمِينَ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا) الْمُرَادُ بِالْأَمِينِ مَا يَعُمُّ الْإِمَامَ لِيُوَافِقَ الدَّلِيلَ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ نَفْسَهُ أَمِينُ بَيْتِ الْمَالِ عَزْمِيَّةٌ، وَبَيَّنَ فِي الذَّخِيرَةِ وَجْهَ كَوْنِهِ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا بِأَنَّ بَيْعَ الْإِمَامِ خَرَجَ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ بِالنَّظَرِ لِلْغَانِمِينَ، فَلَوْ صَارَ خَصْمًا خَرَجَ بَيْعُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَصْلُحُ خَصْمًا. اهـ (قَوْلُهُ وَلَا يُحَلِّفُهُ) أَيْ لَا يُحَلِّفُ مَنْصُوبَ الْإِمَامِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِالْعَيْبِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ لَوْ أَنْكَرَ، وَإِنَّمَا هُوَ خَصْمٌ لِإِثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَالْأَبِ وَوَصِيِّهِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ إذَا أَقَرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ لَكِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِهِ. اهـ.
قُلْت: لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ: فَلَوْ أَقَرَّ مَنْصُوبُ الْإِمَامِ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَيُخْرِجُهُ الْقَاضِي عَنْ الْخُصُومَةِ وَيَنْصِبُ لِلْمُشْتَرِي خَصْمًا آخَرَ. اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مِثْلُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ نُكُولُهُ وَإِقْرَارُهُ) وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَلَا يَصِحُّ نُكُولُهُ؛ لِأَنَّهُ إمَّا بَذْلٌ أَوْ إقْرَارٌ، وَلَا يَصِحُّ بَذْلُهُ وَلَا إقْرَارُهُ. اهـ ح (قَوْلُهُ وَيَرُدُّ النَّقْصَ وَالْفَضْلَ إلَى مَحَلِّهِ) أَيْ إنْ نَقَصَ الْآخَرُ عَنْ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ يُعْطَى مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْخُمُسِ يُعْطَى مِنْهُ، وَكَذَا الزِّيَادَةُ وَتُوضَعُ فِيمَا كَانَ الْمَبِيعُ مِنْهُ ح عَنْ الدُّرَرِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَنَّ الْغُرْمَ وَهُوَ رَدُّ النَّقْصِ إلَى الْمُشْتَرِي بِسَبَبِ الْغُنْمِ وَهُوَ رَدُّ الْفَضْلِ إلَى مَحَلِّهِ.
(قَوْلُهُ الدَّرَاهِمَ) الْأَوْلَى دَرَاهِمَ بِالتَّنْكِيرِ ط (قَوْلُهُ لَا يَصِحُّ) إلَّا إذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَمَا بَحَثَهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ.
قُلْت: وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا مَا إذَا لَمْ يُقِرَّ الْبَائِعُ بِالْعَيْبِ، لِمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ شَرَاهُ بِمِائَةٍ وَقَبَضَهُ فَطَعَنَ بِعَيْبٍ فَتَصَالَحَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ الْبَائِعُ وَيُرَدَّ مِائَةً إلَّا وَاحِدًا قَالَ إنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَهُ فَعَلَيْهِ رَدُّ بَاقِي الثَّمَنِ وَإِلَّا مَلَكَ الْبَاقِيَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. اهـ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ غَيْرُ الرِّشْوَةِ) فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رِبًا وَلِصَاحِبِ الْبَحْرِ رِسَالَةٌ فِي الرِّشْوَةِ ذَكَرَ ط هُنَا حَاصِلَهَا، وَمَحَلُّ الْكَلَامِ عَلَيْهَا فِي الْقَضَاءِ، وَسَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ وَلَوْ زَالَ بِمُعَالَجَةٍ لَا) أَيْ لَا يَرْجِعُ وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِقِيلَ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ قَبَضَ بَدَلَ الصُّلْحِ وَزَالَ ذَلِكَ الْعَيْبُ يَرُدُّ بَدَلَ الصُّلْحِ، وَقِيلَ هَذَا لَوْ زَالَ بِلَا عِلَاجِهِ فَإِنْ زَالَ بِعِلَاجِهِ لَا يُرَدُّ اهـ.
стр. 2780
(رَضِيَ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ مَعَ الْعَيْبِ) الَّذِي بِهِ (يُسَاوِي الثَّمَنَ) الْمُسَمَّى (وَإِلَّا) يُسَاوِيهِ (لَا) يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ اهـ.
[فُرُوعٌ]
لَا يَحِلُّ كِتْمَانُ الْعَيْبِ فِي مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ؛ لِأَنَّ الْغِشَّ حَرَامٌ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ.
الْأُولَى: الْأَسِيرُ إذَا شَرَى شَيْئًا ثَمَّةَ وَدَفَعَ الثَّمَنَ مَغْشُوشًا جَازَ إنْ كَانَ حُرًّا لَا عَبْدًا. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ إعْطَاءُ الزُّيُوفِ وَالنَّاقِصِ فِي الْجِبَايَاتِ أَشْبَاهٌ.
ــ
[رد المحتار]
[مَطْلَبٌ فِي الصُّلْحِ عَنْ الْعَيْبِ]
ِ [فَرْعٌ] لَوْ شَرَيَاهُ فَوَجَدَ عَيْبًا فَصَالَحَ أَحَدُهُمَا الْبَائِعُ مِنْ حِصَّتِهِ فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يُخَاصِمَ، وَهَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةِ أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ شَرَيَا فَوَجَدَا عَيْبًا لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الرَّدُّ بِدُونِ الْآخَرِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَدُّ حِصَّتِهِ جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ (قَوْلُهُ رَضِيَ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ) أَيْ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ (قَوْلُهُ يُسَاوِي الثَّمَنَ الْمُسَمَّى) أَيْ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ عَنْ الْمُنْتَقَى بَعْدَمَا ذَكَرَ قَوْلًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ لَوْ الْعَيْبُ يَسِيرًا وَإِلَّا فَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مَا لَا يُفَوِّتُ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ كَقَطْعِ يَدٍ وَاحِدَةٍ وَفَقْءِ عَيْنٍ، بِخِلَافِ قَطْعِ الْيَدَيْنِ وَفَقْءِ الْعَيْنَيْنِ فَهُوَ فَاحِشٌ، وَذَكَرَ أَنَّ السَّرَخْسِيَّ قَالَ: إنَّ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَاحِشٌ، بِأَنْ لَا يُقَوِّمَهُ أَحَدٌ مِنْ الْعَيْبِ بِقِيمَةِ الصَّحِيحِ، وَأَنَّ مَا فِي الْمُنْتَقَى قَرِيبٌ مِنْ هَذَا ثُمَّ قَالَ: وَفِي الزِّيَادَاتِ إنْ رَضِيَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ، وَإِنْ بَعْدَهُ لَزِمَ الْوَكِيلَ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْفَاحِشِ وَالصَّحِيحُ مَا فِي الْمُنْتَقَى سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُسَاوِي ذَلِكَ الثَّمَنَ لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ. اهـ فَافْهَمْ.
[مَطْلَبٌ فِي جُمْلَةِ مَا يَسْقُطُ بِهِ الْخِيَارُ]
ُ [تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْبَحْرِ، وَإِلَى هُنَا ظَهَرَ أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ يَسْقُطُ بِالْعِلْمِ بِهِ وَقْتَ الْبَيْعِ، أَوْ وَقْتَ الْقَبْضِ أَوْ الرِّضَا بِهِ بَعْدَهُمَا أَوْ اشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، أَوْ الصُّلْحِ عَلَى شَيْءٍ أَوْ الْإِقْرَارِ بِأَنْ لَا عَيْبَ بِهِ إذَا عَيَّنَهُ كَقَوْلِهِ لَيْسَ بِآبِقٍ فَإِنَّهُ إقْرَارٌ بِانْتِفَاءِ الْإِبَاقِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَيْسَ بِهِ عَيْبٌ كَمَا مَرَّ. اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْغِشَّ حَرَامٌ) ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَوْ الْبَابِ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْفَتَاوَى: إذَا بَاعَ سِلْعَةً مَعِيبَةً، عَلَيْهِ الْبَيَانُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَفْسُقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، قَالَ الصَّدْرُ لَا نَأْخُذُ بِهِ. اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ: أَيْ لَا نَأْخُذُ بِكَوْنِهِ يَفْسُقُ بِمُجَرَّدِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ صَغِيرَةٌ. اهـ
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْغِشَّ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ فَكَيْفَ يَكُونُ صَغِيرَةً، بَلْ الظَّاهِرُ فِي تَعْلِيلِ كَلَامِ الصَّدْرِ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ مَرَّةً بِلَا إعْلَانٍ لَا يَصِيرُ بِهِ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرَةً كَمَا فِي شُرْبِ الْمُسْكِرِ (قَوْلُهُ الْأَوْلَى الْأَسِيرُ إذَا شَرَى شَيْئًا إلَخْ) عِبَارَةُ الْأَشْبَاهِ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ: اشْتَرَى الْأَسِيرَ الْمُسْلِمَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَدَفَعَ الثَّمَنَ إلَخْ وَالْمُتَبَادِرُ مِنْهُ أَنَّ الْأَسِيرَ فَاعِلُ الشِّرَاءِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مَفْعُولُهُ؛ لِأَنَّ نَصَّ عِبَارَةِ الْوَلْوَالِجيَّةِ هَكَذَا: رَجُلٌ اشْتَرَى الْأَسِيرَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَعْطَاهُمْ الزُّيُوفَ وَالسَّتُّوقَةَ أَوْ اشْتَرَى بِعُرُوضٍ وَأَعْطَاهُمْ الْعُرُوضَ الْمَغْشُوشَةَ جَازَ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْأَحْرَارِ لَيْسَ بِشِرَاءٍ لِيَجِبَ عَلَيْهِ الْمَالُ الْمُسَمَّى لَكِنَّهُ طَرِيقٌ لِتَخْلِيصِهِمْ فَكَيْفَمَا اسْتَطَاعَ تَخْلِيصَهُمْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ. وَعَلَى هَذَا قَالُوا إذَا اضْطَرَّ الْمَرْءُ إلَى إعْطَاءِ جُعْلِ الْعَوَانِ أَجْزَأَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الزُّيُوفَ وَالسَّتُّوقَةَ وَيَنْقُصَ الْوَزْنَ بِدَلِيلِ مَسْأَلَةِ الْأَسِيرِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْأُسَرَاءُ أَحْرَارًا، فَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا لَا يَسَعُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ. اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ اشْتَرَى الْأُسَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ جَازَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ الزُّيُوفَ وَالْمَغْشُوشَ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْأَحْرَارِ لَا يَكُونُ شِرَاءً حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ الْأُسَرَاءُ عَبِيدًا لَا يَسَعُهُ ذَلِكَ. اهـ (قَوْلُهُ فِي الْجِبَايَاتِ) جَمْعِ جِبَايَةٍ
стр. 2781
وَفِيهَا: رَدُّ الْبَيْعِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءٍ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: لَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ ثُمَّ رُدَّ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ بِقَضَاءٍ لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ، الثَّانِيَةُ: لَوْ بَاعَهُ بَعْدَ الرَّدِّ بِعَيْبٍ بِقَضَاءٍ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي وَكَانَ مَنْقُولًا لَمْ يَجُزْ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَوْ كَانَ فَسْخًا لَجَازَ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: شَرَى عَبْدًا فَضَمِنَ لَهُ رَجُلٌ عُيُوبَهُ فَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ وَرَدَّهُ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ، وَضَمِنَهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الْعُيُوبِ، وَإِنْ ضَمِنَ السَّرِقَةَ أَوْ الْحُرِّيَّةَ أَوْ الْجُنُونَ أَوْ الْعَمَى فَوَجَدَهُ كَذَلِكَ ضَمِنَ الثَّمَنَ.
ــ
[رد المحتار]
بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: الْجِبَايَاتُ الْمُوَظَّفَةُ عَلَى النَّاسِ بِبِلَادِ فَارِسَ عَلَى الضِّيَاعِ وَغَيْرِهَا لِلسُّلْطَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا ظُلْمٌ بِيرِيٌّ. وَنَقَلَ قَبْلَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ مَسْأَلَةِ جُعْلِ الْعَوَانِ (قَوْلُهُ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ) أَيْ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ عِنْدَ قَوْلِ الْكَنْزِ وَلَوْ بَاعَ الْمَبِيعَ فَرُدَّ عَلَيْهِ إلَخْ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلَ مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْحَوَالَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَقَارًا فَرُدَّ بِعَيْبٍ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الشَّفِيعِ فِي الشُّفْعَةِ، وَلَوْ كَانَ فَسْخًا لَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ وَالشُّفْعَةُ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَجَابَ فِي الْمِعْرَاجِ بِأَنَّهُ فَسْخٌ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ لَا فِي الْأَحْكَامِ الْمَاضِيَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ زَوَائِدَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يَرُدُّهَا مَعَ الْأَصْلِ
قُلْت: وَعَلَيْهِ فَلَا مَحَلَّ لِلِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ لَوْ أَحَالَ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ بَاعَ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ أَحَالَ غَرِيمًا عَلَى الْمُشْتَرِي حَوَالَةً مُقَدَّرَةً بِالثَّمَنِ فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْقَبْضِ حَتَّى سَقَطَ الثَّمَنُ أَوْ رُدَّ الْعَبْدُ بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ بِخِيَارِ شَرْطٍ أَوْ خِيَارِ عَيْبٍ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهَا تُعْتَبَرُ مُتَعَلِّقَةً بِمِثْلِ مَا أُضِيفَتْ الْحَوَالَةُ إلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنِ ذَلِكَ الدِّينِ وَتُعْتَبَرُ مُطْلَقَةً إذَا ظَهَرَ أَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَقْتَ الْحَوَالَةِ، وَقَيَّدَ بِمَا إذَا أَحَالَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ ثُمَّ رُدَّ الْمُشْتَرَى بِالْعَيْبِ بِقَضَاءٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُبْطِلُ الْحَوَالَةَ بِيرِيٌّ.
قُلْت: وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَحَالَ الْبَائِعَ عَلَى آخَرَ حَوَالَةً مُقَيَّدَةً فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي الْجَوْهَرَةِ مِنْ الْحَوَالَةِ بِأَنَّ الْمُطْلَقَةَ لَا تَبْطُلُ بِحَالٍ وَلَا تَنْقَطِعُ فِيهَا الْمُطَالَبَةُ مَعَ أَنَّ الْمُقَيَّدَةَ هُنَا بَقِيَتْ، وَالْمُطْلَقَةَ بَطَلَتْ، لَكِنَّ بَقَاءَ الْمُقَيَّدَةِ هُنَا اسْتِحْسَانٌ كَمَا عَلِمْت وَالْقِيَاسُ بُطْلَانُهَا إذَا ظَهَرَ بُطْلَانُ الْمَالِ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ هُنَا، وَإِنَّمَا بَطَلَتْ الْمُطْلَقَةُ هُنَا لِبُطْلَانِ الْمَالِ الَّذِي كَانَ لِلْمُحْتَالِ وَهُوَ الْبَائِعُ، وَإِنَّمَا لَا تَبْطُلُ الْمُطْلَقَةُ بِبُطْلَانِ مَا عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ ثُمَّ رُدَّ الْمَبِيعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي) أَمَّا لَوْ بَاعَهُ مِنْهُ ثَانِيًا جَازَ ط، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْمَنْقُولَ مِنْ بَائِعِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ بَاقِيًا بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْإِقَالَةِ مِنْ أَنَّهَا فَسْخٌ فِي حَقِّهِمَا فَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ بَيْعُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِهِ (قَوْلُهُ وَكَانَ مَنْقُولًا) احْتِرَازٌ عَنْ الْعَقَارِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ، أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ) وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ الْإِمَامِ لِلِاشْتِبَاهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَفَالَةِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُنَا لَمَّا ضَمِنَ عُيُوبَهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُدَاوِيهِ مِنْهُمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَ لَهُ النُّقْصَانَ أَوْ أَنَّهُ يَضْمَنُ لَهُ الرَّدَّ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ مُنَازَعَةٍ فَلِذَا كَانَ الضَّمَانُ فَاسِدًا ط (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الْعُيُوبِ) أَيْ وَهُوَ عِنْدَهُ ضَمَانُ الدَّرْكِ كَمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ فَهُوَ كَالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدُ ط (قَوْلُهُ ضَمِنَ الثَّمَنَ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي وَلَوْ مَاتَ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ وَقَضَى عَلَى الْبَائِعِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الضَّامِنِ
стр. 2782
وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: شَرَى ثَمَرَةَ كَرْمٍ وَلَا يُمْكِنُ قِطَافُهَا لِغَلَبَةِ الزَّنَابِيرِ، إنْ بَعْدَ الْقَبْضِ لَمْ يَرُدَّهُ، وَإِنْ قَبْلَهُ، فَإِنْ اُنْتُقِصَ الْمَبِيعُ بِتَنَاوُلِ الزَّنَابِيرِ فَلَهُ الْفَسْخُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ:.
بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ الْمُرَادُ بِالْفَاسِدِ الْمَمْنُوعُ مَجَازًا عُرْفِيًّا فَيَعُمُّ الْبَاطِلَ وَالْمَكْرُوهَ، وَقَدْ يُذْكَرُ فِيهِ بَعْضُ الصَّحِيحِ تَبَعًا،
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي ضَمَانِ الْعُيُوبِ وَلَوْ ضَمِنَ لَهُ بِحِصَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ الْعُيُوبِ فِيهِ مِنْ الثَّمَنِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، فَإِنْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي رَجَعَ عَلَى الضَّامِنِ بِذَلِكَ كَمَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ ذَخِيرَةٌ (قَوْلُهُ لَمْ يَرُدَّهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ط (قَوْلُهُ وَإِنْ قَبِلَهُ) أَيْ وَإِنْ حَصَلَتْ الْغَلَبَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ ط (قَوْلُهُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ) أَيْ بِهَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَقَدَّمْنَا عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَنَّهُ يَطْرَحُ عَنْ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ النُّقْصَانِ مِنْ الثَّمَنِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْبَاقِي بَيْنَ أَخْذِهِ بِحِصَّتِهِ أَوْ تَرْكِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ]
ِ أَخَّرَهُ عَنْ الصَّحِيحِ لِكَوْنِهِ عَقْدًا مُخَالِفًا لِلدَّيْنِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْفَتْحِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ يَجِبُ رَفْعُهَا، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الرِّبَا أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَهُوَ رِبًا، يَعْنِي إذَا كَانَ فَسَادُهُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ. وَفِي الْقَامُوسِ: فَسَدَ كَنَصَرَ وَقَعَدَ وَكَرُمَ فَسَادًا وَفُسُودًا ضِدُّ صَلَحَ فَهُوَ فَاسِدٌ فَسَيِّدٌ وَلَمْ يُسْمَعْ انْفَسَدَ اهـ. وَنُقِلَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلَّحْمِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِدُودٍ وَنَحْوِهِ بَطَلَ، وَإِذَا أَنْتَنَ وَهُوَ بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِهِ فَسَدَ اللَّحْمُ، وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ، وَمُرَادُهُمْ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ أَصْلِهِ كَوْنُهُ مَالًا مُتَقَوِّمًا لَا جَوَازُهُ وَصِحَّتُهُ؛ لِأَنَّ فَسَادَهُ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، أَوْ أَطْلَقُوا الْمَشْرُوعِيَّةَ عَلَيْهِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ لَوْ خَلَا عَنْ الْوَصْفِ لَكَانَ مَشْرُوعًا. وَأَمَّا الْبَاطِلُ، فَفِي الْمِصْبَاحِ بَطَلَ الشَّيْءُ يَبْطُلُ بُطْلًا وَبُطُولًا وَبُطْلَانًا بِضَمِّ الْأَوَائِلِ فَسَدَ أَوْ سَقَطَ حُكْمُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَالْجَمْعُ بَوَاطِلٌ أَوْ أَبَاطِيلُ اهـ. وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا لَا بِأَصْلِهِ وَلَا بِوَصْفِهِ. وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ، فَهُوَ لُغَةً خِلَافُ الْمَحْبُوبِ وَاصْطِلَاحًا مَا نُهِيَ عَنْهُ لِمُجَاوِرٍ كَالْبَيْعِ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ. وَعَرَّفَهُ فِي الْبِنَايَةِ بِمَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ لَكِنْ نُهِيَ عَنْهُ لِمُجَاوِرٍ، وَيُمْكِنُ إدْخَالُهُ تَحْتَ الْفَاسِدِ أَيْضًا عَلَى إرَادَةِ الْأَعَمِّ وَهُوَ مَا نُهِيَ عَنْهُ فَيَشْمَلُ الثَّلَاثَةَ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِالْفَاسِدِ الْمَمْنُوعُ إلَخْ) قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْفَاسِدَ مُبَايِنٌ لِلْبَاطِلِ؛؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ فَقَطْ يُبَايِنُ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ أَصْلًا. وَأَيْضًا حُكْمُ الْفَاسِدِ أَنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَالْبَاطِلُ لَا يُفِيدُهُ أَصْلًا، وَتَبَايُنُ الْحُكْمَيْنِ دَلِيلُ تَبَايُنِهِمَا، فَإِطْلَاقُ الْفَاسِدِ فِي قَوْلِهِمْ بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْبَاطِلَ لَا يَصِحُّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْفَاسِدِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْأَعَمِّ وَالْأَخَصِّ أَوْ يُجْعَلُ مَجَازًا عُرْفِيًّا فِي الْأَعَمِّ؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.
مَطْلَبٌ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَقَدْ مَرَّ بِأَقْسَامِهِ. وَغَيْرُ جَائِزٍ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ: بَاطِلٌ وَفَاسِدٌ، وَمَوْقُوفٌ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَأَرَادَ بِالْجَائِزِ النَّافِذَ، وَبِمُقَابِلِهِ غَيْرَهُ لَا الْحَرَامَ، إذْ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَخَرَجَ الْمَوْقُوفُ لِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ بَيْعَ مَالِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ بِدُونِ تَسْلِيمٍ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ،
стр. 2783
وَكُلُّ مَا أَوْرَثَ خَلَلًا فِي رُكْنِ الْبَيْعِ فَهُوَ مُبْطِلٌ، وَمَا أَوْرَثَهُ فِي غَيْرِهِ فَمُفْسِدٌ
(بَطَلَ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ) وَالْمَالُ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ وَيَجْرِي فِيهِ الْبَذْلُ وَالْمَنْعُ دُرَرٌ،
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ لِبَيْعِ الْمَوْقُوفِ مِنْ قِسْمِ الصَّحِيحِ عَلَى أَنَّهُ فِي الْمُسْتَصْفَى جَعَلَهُ مِنْ قِسْمِ الصَّحِيحِ، حَيْثُ قَالَ: الْبَيْعُ نَوْعَانِ: صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ. وَالصَّحِيحُ نَوْعَانِ لَازِمٌ وَغَيْرُ لَازِمٍ نَهْرٌ. وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْبَيْعَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ ثَلَاثَةٌ: بَاطِلٌ، وَفَاسِدٌ، وَمَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَقَدْ مَرَّتْ. وَمَا لَا نَهْيَ فِيهِ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا: نَافِذٌ لَازِمٌ، وَنَافِذٌ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَمَوْقُوفٌ فَالْأَوَّلُ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ وَلَا خِيَارَ فِيهِ. وَالثَّانِي مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ وَفِيهِ خِيَارٌ. وَالْمَوْقُوفُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَحَصَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ. قُلْت: بَلْ أَوْصَلَهُ فِي النَّهْرِ إلَى نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالصَّحِيحُ يَشْمَلُ الثَّلَاثَةَ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ وَالْمَوْقُوفُ كَذَلِكَ فَهُوَ قِسْمٌ مِنْهُ، وَهُوَ الْحَقُّ لِصِدْقِ التَّعْرِيفِ وَحُكْمِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ إفَادَةُ الْمِلْكِ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَبْضِ، وَلَا يَضُرُّ تَوَقُّفُهُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَتَوَقُّفِ مَا فِيهِ خِيَارٌ عَلَى إسْقَاطِهِ اهـ.
قُلْت: يَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ بَيْعِ الْمُكْرَهِ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَتِهِ مَعَ أَنَّهُ فَاسِدٌ كَمَا حَقَّقْنَاهُ أَوَّلَ الْبُيُوعِ، وَحَرَّرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا أَنَّ بَيْعَ الْهَزْلِ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ لِكَوْنِهِ أَشْبَهَ الْبَيْعَ بِالْخِيَارِ، وَلَيْسَ كُلُّ فَاسِدٍ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ فِي رُكْنِ الْبَيْعِ) هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، بِأَنْ كَانَ مِنْ مَجْنُونٍ أَوْ صَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ أَوْ فِي مَحَلِّهِ أَعْنِي لِمَبِيعٍ، فَإِنَّ الْخَلَلَ فِيهِ مُبْطِلٌ بِأَنْ كَانَ الْمَبِيعُ مَيْتَةً أَوْ دَمًا أَوْ حُرًّا أَوْ خَمْرًا كَمَا فِي ط عَنْ الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَمَا أَوْرَثَهُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الرُّكْنِ وَكَذَا فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ، وَذَلِكَ بِأَنْ كَانَ فِي الثَّمَنِ بِأَنْ يَكُونَ خَمْرًا مَثَلًا أَوْ بِأَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ أَوْ فِيهِ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَاسِدًا لَا بَاطِلًا لِسَلَامَةِ رُكْنِهِ وَمَحَلِّهِ عَنْ الْخَلَلِ كَمَا فِي ط عَنْ الْبَدَائِعِ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الْوَصْفَ مَا كَانَ خَارِجًا عَنْ الرُّكْنِ وَالْمَحَلِّ.
[تَنْبِيهٌ] فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ: ثُمَّ الضَّابِطُ فِي تَمْيِيزِ الْفَاسِدِ مِنْ الْبَاطِلِ أَنَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالًا فِي دِينٍ سَمَاوِيٍّ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا، فَبَيْعُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْحُرِّ بَاطِلٌ، وَكَذَا الْبَيْعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَدْيَانِ مَالًا دُونَ الْبَعْضِ إنْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ ثَمَنًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فَبَيْعُ الْعَبْدِ بِالْخَمْرِ أَوْ الْخَمْرِ بِالْعَبْدِ فَاسِدٌ، وَإِنْ تَعَيَّنَ كَوْنُهُ مَبِيعًا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فَبَيْعُ الْخَمْرِ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّرَاهِمِ بِالْخَمْرِ بَاطِلٌ اهـ. قُلْت: وَهَذَا الضَّابِطُ يَرْجِعُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَحَلُّ فَقَطْ، وَمَا مَرَّ مِنْ حَيْثُ الرُّكْنُ وَالْمَحَلُّ فَهُوَ أَعَمُّ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ بَطَلَ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ) أَيْ مَا لَيْسَ بِمَالٍ فِي سَائِرِ الْأَدْيَانِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَالْبَيْعُ بِهِ فَإِنَّ مَا يَبْطُلُ سَوَاءٌ كَانَ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا مَا لَيْسَ بِمَالٍ أَصْلًا بِخِلَافِ نَحْوِ الْخَمْرِ فَإِنَّ بَيْعَهُ بَاطِلٌ إذَا تَعَيَّنَ كَوْنُهُ مَبِيعًا، أَمَّا لَوْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ ثَمَنًا فَبَيْعُهُ فَاسِدٌ كَمَا عَلِمْته مِنْ الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ آنِفًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَإِنْ كَانَ مَبْنَاهُ عَلَى الْبَدَلَيْنِ لَكِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْمَبِيعُ دُونَ الثَّمَنِ وَلِذَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ دُونَ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِالْأَعْيَانِ.
مَطْلَبٌ فِي تَعْرِيفِ الْمَالِ (قَوْلُهُ وَالْمَالُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ يَدْخُلُ فِيهِ الْخَمْرُ فَهِيَ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَقَوِّمَةً، وَلِذَا قَالَ بَعْدَهُ: وَبَطَلَ بَيْعُ مَالٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ فَإِنَّ الْمُتَقَوِّمَ هُوَ الْمَالُ الْمُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا،
стр. 2784
فَخَرَجَ التُّرَابُ وَنَحْوُهُ (كَالدَّمِ) الْمَسْفُوحِ فَجَازَ بَيْعُ كَبِدٍ وَطِحَالٍ (وَالْمَيْتَةِ) سِوَى سَمَكٍ وَجَرَادٍ، وَلَا فَرْقَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ بَيْنَ الَّتِي مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا أَوْ بِخَنْقٍ وَنَحْوِهِ
ــ
[رد المحتار]
وَقَدَّمْنَا أَوَّلَ الْبُيُوعِ تَعْرِيفَ الْمَالِ بِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ وَيُمْكِنُ ادِّخَارُهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ، وَأَنَّهُ خَرَجَ بِالِادِّخَارِ، الْمَنْفَعَةُ فَهِيَ مِلْكٌ لَا مَالٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُتَصَرَّفَ فِيهِ بِوَصْفِ الِاخْتِصَاصِ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ، فَالْأَوْلَى مَا فِي الدُّرَرِ مِنْ قَوْلِهِ الْمَالُ مَوْجُودٌ يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ إلَخْ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِالْمَوْجُودِ الْمَنْفَعَةُ فَافْهَمْ. وَلَا يَرِدَ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تُمَلَّكُ بِالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَمْلِيكٌ لَا بَيْعٌ حَقِيقَةً، وَلِذَا قَالُوا: إنَّ الْإِجَارَةَ لَا بَيْعَ الْمَنَافِعِ حُكْمًا: أَيْ إنَّ فِيهَا حُكْمَ الْبَيْعِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ لَا حَقِيقَتُهُ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ
(قَوْلُهُ فَخَرَجَ التُّرَابُ) أَيْ الْقَلِيلُ مَا دَامَ فِي مَحَلِّهِ وَإِلَّا فَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ بِالنَّقْلِ مَا يَصِيرُ بِهِ مَالًا مُعْتَبَرًا وَمِثْلُهُ الْمَالُ، وَخَرَجَ أَيْضًا نَحْوُ حَبَّةٍ مِنْ حِنْطَةٍ وَالْعَذِرَةُ الْخَالِصَةُ، بِخِلَافِ الْمَخْلُوطَةِ بِتُرَابٍ، وَلِذَا جَازَ بَيْعُهَا كَسِرْقِينٍ كَمَا يَأْتِي، وَخَرَجَ أَيْضًا الْمَنْفَعَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا آنِفًا (قَوْلُهُ وَالْمَيْتَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ الَّتِي مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا لَا بِسَبَبٍ، وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ: الَّتِي لَمْ تَمُتْ حَتْفَ أَنْفِهَا بَلْ بِسَبَبٍ غَيْرِ الذَّكَاةِ كَالْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ نُوحٌ أَفَنْدِي، وَلَمْ أَرَ هَذَا الْفَرْقَ فِي الْقَامُوسِ وَلَا فِي الْمِصْبَاحِ وَلَا غَيْرِهِمَا فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ إلَخْ) أَمَّا فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ فَيُرَادُ بِهَا الْأَوَّلُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِيهِ؛ فَفِي التَّجْنِيسِ جَعَلَهُ قِسْمًا مِنْ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمْ يَدِينُونَهُ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَجَعَلَهُ فِي الْإِيضَاحِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ، وَجَزَمَ فِي الذَّخِيرَةِ بِفَسَادِهِ، وَجَعَلَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ نَهْرٌ. وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيمَا لَمْ يَمُتْ حَتْفَ أَنْفِهِ بَلْ بِسَبَبٍ غَيْرِ الذَّكَاةِ رِوَايَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَافِرِ فِي رِوَايَةِ الْجَوَازِ، وَفِي رِوَايَةِ الْفَسَادِ، وَأَمَّا الْبُطْلَانُ فَلَا، وَأَمَّا فِي حَقِّنَا فَالْكُلُّ سَوَاءٌ اهـ.
وَذَكَرَ ط أَنَّ عَدَمَ الْفَرْقِ فِي حَقِّنَا فِي الْمُنْخَنِقَةِ مَثَلًا إذَا قُوبِلَتْ بِدَرَاهِمَ حَتَّى تَعَيَّنَ كَوْنُهَا مَبِيعًا، أَمَّا إذَا قُوبِلَتْ بِعَيْنٍ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهَا ثَمَنًا فَكَانَ فَاسِدًا بِالنَّظَرِ إلَى الْعِوَضِ الْآخَرِ، بَاطِلًا بِالنَّظَرِ إلَيْهَا، وَهَذَا مَا اقْتَضَاهُ الضَّابِطُ السَّابِقُ اهـ (قَوْلُهُ الَّتِي مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا) الْحَتْفُ الْهَلَاكُ يُقَالُ: مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ إذَا مَاتَ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلَا قَتْلٍ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَمُوتَ عَلَى فِرَاشِهِ فَيَتَنَفَّسَ حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَقُهُ، وَلِهَذَا خَصَّ الْأَنْفَ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ أَوْ بِخَنِقٍ) مِثْلُ كَتِفٍ وَيُسَكَّنُ تَخْفِيفًا مِصْبَاحٌ.
[تَنْبِيهٌ] لَمْ يَذْكُرُوا حُكْمَ دُودَةِ الْقِرْمِزِ: أَمَّا إذَا كَانَتْ حَيَّةً فَيَنْبَغِي جَرَيَانُ الْخِلَافِ الْآتِي فِي دُودِ الْقَزِّ وَبِزْرِهِ وَبَيْضِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَيْتَةً وَهُوَ الْغَالِبُ فَإِنَّهَا عَلَى مَا بَلَغَنَا تُخْنَقُ فِي الْكِلْسِ أَوْ الْخَلِّ فَمُقْتَضَى مَا مَرَّ بُطْلَانُ بَيْعِهَا بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ. وَقَدْ ذَكَرَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ فِي رِسَالَةٍ أَنَّ بَيْعَهَا بَاطِلٌ، وَأَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ مُتْلِفُهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَالٍ قُلْت: وَفِيهِ أَنَّهَا مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ الْيَوْمَ، وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا تَعْرِيفُ الْمَالِ الْمُتَقَدِّمُ وَيَحْتَاجُ إلَيْهَا النَّاسُ كَثِيرًا فِي الصِّبَاغِ وَغَيْرِهِ، فَيَنْبَغِي جَوَازُ بَيْعِهَا كَبَيْعِ السِّرْقِينِ وَالْعَذِرَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالتُّرَابِ كَمَا يَأْتِي مَعَ أَنَّ هَذِهِ الدُّودَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ تَكُونُ مَيْتَتُهَا طَاهِرَةً كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهَا، وَسَيَأْتِي أَنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ يَدُورُ مَعَ حِلِّ الِانْتِفَاعِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْعَلَقِ لِلْحَاجَةِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْهَوَامِّ، وَبَيْعُهَا بَاطِلٌ.
وَكَذَا بَيْعُ الْحَيَّاتِ لِلتَّدَاوِي: وَفِي الْقُنْيَةِ: وَبَيْعُ غَيْرِ السَّمَكِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ لَوْ لَهُ ثَمَنٌ كَالسَّقَنْقُورِ وَجُلُودِ الْخَزِّ وَنَحْوِهَا يَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا وَجَمَلِ الْمَاءِ قِيلَ يَجُوزُ حَيًّا لَا مَيِّتًا وَالْحَسَنُ
стр. 2785
(وَالْحُرِّ وَالْبَيْعِ بِهِ) أَيْ جَعْلِهِ ثَمَنًا بِإِدْخَالِ الْبَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَلَمْ يُوجَدْ.
(وَالْمَعْدُومِ كَبَيْعِ حَقِّ التَّعَلِّي) أَيْ عُلْوٍ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ.
، وَمِنْهُ بَيْعُ مَا أَصْلُهُ غَائِبٌ كَجَزَرٍ وَفُجْلٍ، أَوْ بَعْضُهُ مَعْدُومٌ كَوَرْدٍ وَيَاسَمِينٍ وَوَرَقِ فِرْصَادٍ. وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ لِتَعَامُلِ النَّاسِ، وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ مَشَايِخِنَا عَمَلًا بِالِاسْتِحْسَانِ، هَذَا إذَا نَبَتَ وَلَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهُ، فَإِذَا عُلِمَ جَازَ وَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَتَكْفِي رُؤْيَةُ الْبَعْضِ عِنْدَهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى شَرْحُ مَجْمَعٍ.
ــ
[رد المحتار]
أَطْلَقَ الْجَوَازَ اهـ فَتَأَمَّلْ، وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ دُودِ الْقَزِّ وَالْعَلَقِ (قَوْلُهُ وَالْبَيْعِ بِهِ) أَيْ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ.
(قَوْلُهُ وَالْمَعْدُومُ كَبَيْعِ حَقِّ التَّعَلِّي) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِذَا كَانَ السُّفْلُ لِرَجُلٍ وَعُلْوُهُ لِآخَرَ فَسَقَطَا أَوْ سَقَطَ الْعُلْوُ وَحْدَهُ فَبَاعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ عُلْوَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ حِينَئِذٍ لَيْسَ إلَّا حَقُّ التَّعَلِّي، وَحَقُّ التَّعَلِّي لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ عَيْنٌ يُمْكِنُ إحْرَازُهَا وَإِمْسَاكُهَا وَلَا هُوَ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ بَلْ هُوَ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْهَوَاءِ، وَلَيْسَ الْهَوَاءُ مَالًا يُبَاعُ وَالْمَبِيعُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدَهُمَا، بِخِلَافِ الشُّرْبِ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، فَلَوْ بَاعَهُ قَبْلَ سُقُوطِهِ جَازَ، فَإِنْ سَقَطَ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ لِهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْعَ الْعُلْوِ صَحِيحٌ قَبْلَ سُقُوطِهِ لَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ بَعْدَ سُقُوطِهِ بَيْعٌ لِحَقِّ التَّعَلِّي وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلِذَا عَبَّرَ فِي الْكَنْزِ بِقَوْلِهِ وَعُلْوٌ سَقَطَ، وَعَبَّرَ فِي الدُّرَرِ بِحَقِّ التَّعَلِّي؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْكَنْزِ وَعُلْوٌ سَقَطَ كَمَا عَلِمْته مِنْ عِبَارَةِ الْفَتْحِ، فَالْمُرَادُ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ؛ فَلِذَا فَسَّرَ الشَّارِحُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ اخْتِلَافِ الْمُرَادِ مِنْهُمَا فَافْهَمْ.
[تَنْبِيهٌ] لَوْ كَانَ الْعُلْوُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ فَقَالَ بِعْتُك عُلْوَ هَذَا السُّفْلِ بِكَذَا صَحَّ وَيَكُونُ سَطْحُ السُّفْلِ لِصَاحِبِ السُّفْلِ وَلِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْقَرَارِ، حَتَّى لَوْ انْهَدَمَ الْعُلْوُ كَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ عُلْوًا آخَرَ مِثْلَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ السُّفْلَ اسْمٌ لِمَبْنِيٍّ مُسَقَّفٍ فَكَانَ سَطْحُ السُّفْلِ سَقْفًا لِلسُّفْلِ خَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ) يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْمَعْدُومُ أَفَادَهُ ط.
[مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ الْمَغِيبِ فِي الْأَرْضِ]
(قَوْلُهُ وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ.
مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ الْمَغِيبِ فِي الْأَرْضِ (قَوْلُهُ بَيْعُ مَا أَصْلُهُ غَائِبٌ) أَيْ مَا يَنْبُتُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، وَهَذَا إذَا كَانَ لَمْ يَنْبُتْ أَوْ نَبَتَ وَلَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهُ وَقْتَ الْبَيْعِ وَإِلَّا جَازَ بَيْعُهُ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا (قَوْلُهُ وَفُجْلٌ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِضَمَّتَيْنِ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ كَوَرْدٍ وَيَاسَمِينٍ) فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِالتَّدْرِيجِ ط (قَوْلُهُ وَوَرَقِ فِرْصَادٍ) قِيلَ هُوَ التُّوتُ الْأَحْمَرُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ التُّوتُ. وَفِي التَّهْذِيبِ: قَالَ اللَّيْثُ: الْفِرْصَادُ الشَّجَرُ مَعْرُوفٌ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ مَشَايِخِنَا) بِالْيَاءِ فِي مَشَايِخَ لَا بِالْهَمْزَةِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَأَفْتَى الْعُقَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ بِجَوَازِهِ بِتَبَعِيَّةِ الْمَوْجُودِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْمَعْدُومِ اهـ ط.
قُلْت: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي فَصْلِ مَا يَدْخُلُ تَبَعًا (قَوْلُهُ هَذَا إذَا نَبَتَ إلَخْ) الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ مَا أَصْلُهُ غَائِبٌ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هَذَا إذَا لَمْ يَنْبُتْ أَوْ نَبَتَ وَلَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِيهِمَا كَمَا فِي ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ (قَوْلُهُ وَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِنْدِيَّةِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي الْأَرْضِ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ بَعْدَ الْقَلْعِ كَالثُّومِ وَالْجَزَرِ وَالْبَصَلِ فَقَلَعَ الْمُشْتَرِي شَيْئًا بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَوْ قَلَعَ الْبَائِعُ، إنْ كَانَ الْمَقْلُوعُ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ إذَا رَأَى الْمَقْلُوعَ وَرَضِيَ بِهِ لَزِمَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ وَتَكُونُ رُؤْيَةُ الْبَعْضِ كَرُؤْيَةِ الْكُلِّ إذَا وَجَدَ الْبَاقِي كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْلُوعُ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَزْنِ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِنْ كَانَ يُبَاعُ بَعْدَ الْقَلْعِ عَدَدًا كَالْفُجْلِ فَقَلَعَ الْبَائِعُ أَوْ قَلَعَ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ لَا يَلْزَمُ الْكُلُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ بِمَنْزِلَةِ الثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ، وَإِنْ قَلَعَهُ بِلَا إذْنِ الْبَائِعِ لَزِمَهُ الْكُلُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَيْئًا يَسِيرًا، وَإِنْ أَبَى كُلَّ الْقَلْعِ تَبَرَّعَ مُتَبَرِّعٌ بِالْقَلْعِ أَوْ فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ اهـ ط.
стр. 2786
(وَالْمَضَامِينِ) مَا فِي ظُهُورِ الْآبَاءِ مِنْ الْمَنِيِّ (وَالْمَلَاقِيحِ) جَمْعُ مَلْقُوحَةٍ: مَا فِي الْبَطْنِ مِنْ الْجَنِينِ (وَالنِّتَاجِ) بِكَسْرِ النُّونِ: حَبَلُ الْحَبَلَةِ أَيْ نِتَاجُ النِّتَاجِ لِدَابَّةٍ أَوْ آدَمِيٍّ
(وَبَيْعِ أَمَةٍ تَبَيَّنَ أَنَّهُ) ذَكَّرَ الضَّمِيرَ لِتَذْكِيرِ الْخَبَرِ (عَبْدٌ وَعَكْسُهُ) بِخِلَافِ الْبَهَائِمِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ حُكْمًا فَيَبْطُلُ، وَفِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَيَصِحُّ وَيَتَخَيَّرُ لِفَوَاتِ الْوَصْفِ.
(وَمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا) وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ بَزَّازِيَّةٌ، وَكَذَا مَا ضُمَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ بِالنَّصِّ
(وَبَيْعِ الْكِرَابِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ، بِخِلَافِ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ فَيَصِحُّ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ تَرْكُهَا وَلْوَالِجِيَّةٌ.
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ أَصْلِ الْفِصْفِصَةِ قُلْت: بَقِيَ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ أَصْلُهُ تَحْتَ الْأَرْضِ وَيَبْقَى سِنِينَ مُتَعَدِّدَةً مِثْلُ الْفِصْفِصَةِ تُزْرَعُ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ وَتَكُونُ كَالْكِرْدَارِ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي زَمَانِنَا فَإِذَا بَاعَ ذَلِكَ الْأَصْلَ وَعُلِمَ وُجُودُهُ فِي الْأَرْضِ صَحَّ بَيْعُهُ لَكِنَّهُ لَا يُرَى وَلَا يُقْصَدُ قَلْعَهُ؛ لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِلْبَقَاءِ فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ يَثْبُتُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ مَا فِي ظُهُورِ الْآبَاءِ مِنْ الْمَنِيِّ) مُوَافِقٌ لِمَا فِي الدُّرَرِ وَالْمِنَحِ. وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ: الْمَضَامِينُ جَمْعُ مَضْمُونَةٍ مَا فِي أَصْلَابِ الْإِبِلِ وَالْمَلَاقِيحُ: جَمْعُ مَلْقُوحٍ: مَا فِي بُطُونِهَا، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ (قَوْلُهُ وَالْمَلَاقِيحُ إلَخْ) يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ هَهُنَا عَلَى مَا سَيَكُونُ وَإِلَّا كَانَ حَمْلًا، وَسَيَأْتِي أَنَّ بَيْعَ الْحَمْلِ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ دُرَرٌ. قُلْت: وَفِي فَسَادِهِ كَلَامٌ سَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَالنِّتَاجُ بِكَسْرِ النُّونِ) كَذَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الدُّرَرِ، وَضَبَطَهُ الْكَاكِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ، وَهُوَ مَصْدَرُ نُتِجَتْ النَّاقَةُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَنْتُوجُ، وَفَسَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالرَّازِيِّ وَمِسْكِينٌ بِحَبَلِ الْحَبَلَةِ وَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ نُوحٌ (قَوْلُهُ حَبَلُ الْحَبَلَةِ) بِالْفَتْحَتَيْنِ فِيهِمَا قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: مَصْدَرُ حَبِلَتْ الْمَرْأَةُ حَبَلًا فَهِيَ حُبْلَى سُمِّيَ بِهِ الْمَحْمُولُ كَمَا سُمِّيَ بِالْحَمْلِ وَإِنَّمَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ التَّاءِ لِلْإِشْعَارِ بِمَعْنَى الْأُنُوثَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا سَوْفَ يَحْمِلُهُ الْجَنِينُ إنْ كَانَ أُنْثَى، وَمَنْ رَوَى الْحَبَلَةَ بِكَسْرِ الْبَاءِ فَقَدْ أَخْطَأَ اهـ نُوحٌ.
(قَوْلُهُ وَبَيْعِ أَمَةٍ إلَخْ) عَلَّلَهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: حَقِّ التَّعَلِّي، أَوْ قَوْلِهِ: وَالنِّتَاجِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ إسْقَاطَ لَفْظِ بَيْعٍ نُوحٌ (قَوْلُهُ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ) أَيْ أَتَى بِهِ مُذَكَّرًا مَعَ أَنَّ الْأَمَةَ مُؤَنَّثَةٌ مُرَاعَاةً لِتَذْكِيرِ الْخَبَرِ وَهُوَ عَبْدٌ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ (قَوْلُهُ وَعَكْسُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ بَيْعُ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَمَةٍ ط (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْبَهَائِمِ) كَمَا إذَا بَاعَ كَبْشًا فَإِذَا هُوَ نَعْجَةٌ حَيْثُ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَيَتَخَيَّرُ بَحْرٌ.
مَطْلَبٌ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَتْ الْإِشَارَةُ مَعَ التَّسْمِيَةِ (قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَالْفَرْقُ يُبْتَنَى عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي النِّكَاحِ لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ أَنَّ الْإِشَارَةَ مَعَ التَّسْمِيَةِ إذَا اجْتَمَعَتَا فَفِي مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُسَمَّى وَيَبْطُلُ لِانْعِدَامِهِ، وَفِي مُتَّحِدَيْ الْجِنْسِ يَتَعَلَّقُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ وَيَنْعَقِدُ لِوُجُودِهِ وَيَتَخَيَّرُ لِفَوَاتِ الْوَصْفِ، كَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ خَبَّازٌ، فَإِذَا هُوَ كَاتِبٌ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْأَغْرَاضِ، وَفِي الْحَيَوَانَاتِ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِلتَّقَارُبِ فِيهَا اهـ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْأَصْلُ الْمَذْكُورُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ هُنَا وَيَجْرِي فِي سَائِرِ الْعُقُودِ مِنْ النِّكَاحِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فِي الْآدَمِيِّ جِنْسَانِ فِي الْفِقْهِ وَإِنْ اتَّحَدَا جِنْسًا فِي الْمَنْطِقِ؛ لِأَنَّهُ الذَّاتِيُّ الْمَقُولُ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِمُمَيِّزٍ دَاخِلٍ، وَفِي الْفِقْهِ الْمَقُولُ عَلَى كَثِيرِينَ لَا يَتَفَاوَتُ الْغَرَضُ مِنْهَا فَاحِشًا قَالَ فِي الْفَتْحِ
стр. 2787
(وَمَا فِي حُكْمِهِ) أَيْ حُكْمِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ (كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ) فَإِنَّ بَيْعَ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ: أَيْ بَقَاءً، فَلَمْ يُمْلَكُوا بِالْقَبْضِ لِابْتِدَاءٍ فَصَحَّ بَيْعُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَبَيْعُ قِنٍّ ضُمَّ إلَيْهِمْ دُرَرٌ،
ــ
[رد المحتار]
وَمِنْ الْمُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ مَا إذَا بَاعَ فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَإِذَا هُوَ زُجَاجٌ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَلَوْ بَاعَهُ لَيْلًا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ أَحْمَرُ فَظَهَرَ أَصْفَرَ صَحَّ الْبَيْعُ وَيُخَيَّرُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ) نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَأَقَرَّهُ. قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَارُّ فِيمَا مَاتَتْ بِسَبَبٍ غَيْرِ الذَّبْحِ مِمَّا يَدِينُ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ، بَلْ هَذَا بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَدِينُ بِهِ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَكَوْنُ حُرْمَتِهِ بِالنَّصِّ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ بَيْعِهِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُنْخَنِقَةِ بِالنَّصِّ أَيْضًا، وَلَمَّا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا لَمْ نَحْكُمْ بِبُطْلَانِ بَيْعِهَا بَيْنَهُمْ، نَعَمْ لَوْ بَاعَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا مُسْلِمٌ يَقُولُ بِحِلِّهِ كَشَافِعِيٍّ نَحْكُمُ بِبُطْلَانِ بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِأَحْكَامِنَا وَمُعْتَقِدٌ لِبُطْلَانِ مَا خَالَفَ النَّصِّ فَنُلْزِمُهُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ بِالنَّصِّ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ، فَيَكُونُ بَيْعُهُ بَيْنَهُمْ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا لَا بَاطِلًا كَمَا مَرَّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ مِنْ عَدَمِ صِحَّتِهَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ لِعَدَمِ التَّسَاوِي فِي التَّصَرُّفِ، وَتَصِحُّ بَيْنَ حَنَفِيٍّ وَشَافِعِيٍّ، وَإِنْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِلْزَامِ قَائِمَةٌ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا مَا ضُمَّ إلَيْهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَمَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كَاَلَّذِي مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ حَتَّى يَسْرِيَ الْفَسَادُ إلَى مَا ضُمَّ إلَيْهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْرِيَ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ كَالْمُدَبَّرِ فَيَنْعَقِدُ فِيهِ الْبَيْعُ بِالْقَضَاءِ، وَأَجَابَ فِي الْكَافِي بِأَنَّ حُرْمَتَهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، فَلَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ وَلَا يَنْفُذُ بِالْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ وَبَيْعِ الْكِرَابِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ) فِي الْمِصْبَاحِ: كَرَبْتُ الْأَرْضَ مِنْ بَابِ قَتَلَ كِرَابًا بِالْكَسْرِ قَلَّبْتُهَا لِلْحَرْثِ، وَفِيهِ أَيْضًا: كَرَى النَّهْرَ كَرْيًا مِنْ بَابِ رَمَى حَفَرْتُ فِيهِ حُفْرَةً جَدِيدَةً (قَوْلُهُ وَلْوَالِجِيَّةٌ) قَالَ فِيهَا: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عِمَارَةٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا، إنْ كَانَ بِنَاءً أَوْ أَشْجَارًا جَازَ بَيْعُهُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ تَرْكَهَا وَإِنْ كِرَابًا أَوْ كَرْيَ الْأَنْهَارِ وَنَحْوَهُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَالٍ وَلَا بِمَعْنَى مَالٍ لَا يَجُوزُ. اهـ يَعْنِي يَبْطُلُ، فَإِنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِنَا بَطَلَ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَمَا لَا يَخْفَى وَبِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي الْكِرَابِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ مِنَحٌ، وَتَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَةُ أَوَّلَ الْبُيُوعِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى مَشَدِّ الْمُسْكَةِ وَبَيْعِ الْبَرَاءَاتِ وَالْجَامِكِيَّةِ وَالنُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ، وَأَشْبَعْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّ بَيْعَ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَأَوْرَدَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَاطِلًا لَسَرَى الْبُطْلَانُ إلَى مَا ضُمَّ إلَيْهِمْ كَالْمَضْمُومِ إلَى الْحُرِّ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَسْرِي. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فَاسِدٌ، وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُمْلَكُوا بِالْقَبْضِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُمْلَكُوا بِهِ اتِّفَاقًا، وَأُجِيبَ عَنْهُمَا بِادِّعَاءِ التَّخْصِيصِ، وَهُوَ أَنَّ مِنْ الْبَاطِلِ مَا لَا يَسْرِي حُكْمُهُ إلَى الْمَضْمُومِ لِضَعْفِهِ وَمِنْ الْفَاسِدِ مَا لَا يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ. وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَلَا تَخْصِيصَ لِجَوَازِ تَخَلُّفِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ الْخُصُوصِيَّةِ. قُلْت: وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ يَصْلُحُ بَيَانًا لِلْخُصُوصِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ بَاطِلٌ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً لِعَدَمِ مَحَلِّيَّتِهِ لِلْبَيْعِ
стр. 2788
وَقَوْلُ ابْنِ الْكَمَالِ بَيْعُ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ مَوْقُوفٌ، ضَعَّفَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ الْمُرَجَّحَ اشْتِرَاطُ رِضَا الْمُكَاتَبِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَعَدَمُ نَفَاذِ الْقَضَاءِ بِبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَصَحَّحَ فِي الْفَتْحِ نَفَاذَهُ. قُلْت: الْأَوْجَهُ تَوَقُّفُهُ عَلَى قَضَاءٍ آخَرَ إمْضَاءً أَوْ رَدًّا عَيْنِيٌّ وَنَهْرٌ، فَلْيَكُنْ التَّوْفِيقُ. وَفِي السِّرَاجِ: وَلَدُ هَؤُلَاءِ كَهُمْ، وَبَيْعُ مُبَعَّضٍ كَحُرٍّ.
(وَ) بَطَلَ (بَيْعُ مَالٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ) أَيْ غَيْرِ مُبَاحِ الِانْتِفَاعِ بِهِ ابْنُ كَمَالٍ فَلْيُحْفَظْ (كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَمَيْتَةٍ لَمْ تَمُتْ حَتْفَ أَنْفِهَا)
ــ
[رد المحتار]
أَصْلًا بِثُبُوتِ حَقِيقَةِ الْحُرِّيَّةِ، وَبَيْعُ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ بَقَاءً لِحَقِّ الْحُرِّيَّةِ فَلِذَا لَمْ يُمْلَكُوا بِالْقَبْضِ، لَا ابْتِدَاءً لِعَدَمِ حَقِيقَتِهَا فَلِذَا جَازَ بَيْعُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ بُطْلَانُ بَيْعِ قِنٍّ ضُمَّ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْبَيْعِ ابْتِدَاءً لِكَوْنِهِمْ مَحَلًّا لَهُ فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهُ بِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ، فَيَبْقَى الْقِنُّ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَتَمَامُهُ فِي الدُّرَرِ (قَوْلُهُ وَقَوْلُ ابْنِ الْكَمَالِ) عِبَارَتُهُ: الْبَيْعُ فِي هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ مَوْقُوفٌ يَنْقَلِبُ جَائِزًا بِالرِّضَا فِي الْمُكَاتَبِ وَبِالْقَضَاءِ فِي الْآخَرِينَ لِقِيَامِ الْمَالِيَّةِ اهـ. (قَوْلُهُ قَبْلَ الْبَيْعِ) وَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ فِي ضِمْنِهِ؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ كَانَ لِحَقِّهِ وَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ، أَمَّا إذَا بَاعَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَأَجَازَهُ لَمْ يَجُزْ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ إجَازَتَهُ لَمْ تَتَضَمَّنْ فَسْخَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ كَذَا فِي السِّرَاجِ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ بِيعَ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَأَجَازَ بَيْعَ مَوْلَاهُ لَمْ يَنْفُذْ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ نَهْرٌ. قُلْت: لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ آخَرَ الْبَابِ فِيمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدٍ وَمُدَبَّرٍ، وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ وَالْفَتْحِ أَنَّ الْبَيْعَ فِي هَؤُلَاءِ مَوْقُوفٌ وَقَدْ دَخَلُوا تَحْتَ الْعَقْدِ لِقِيَامِ الْمَالِيَّةِ: وَلِهَذَا يَنْفُذُ فِي الْمُكَاتَبِ بِرِضَاهُ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي الْمُدَبَّرِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَكَذَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ اهـ، فَقَوْلُهُ مَوْقُوفٌ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ هُنَا بَاطِلٌ، وَقَوْلُهُ يَنْفُذُ فِي الْمُكَاتَبِ بِرِضَاهُ فِي الْأَصَحِّ مُخَالِفٌ لِلْمَذْكُورِ عَنْ السِّرَاجِ وَالْخَانِيَّةِ، وَبِهَذَا يَتَأَيَّدُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَمَالِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ يَنْفُذُ فِي الْمُكَاتَبِ بِرِضَاهُ فِي الْأَصَحِّ أَيْ رِضَاهُ وَقْتَ الْبَيْعِ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى رِضَاهُ فَلَوْ لَمْ يَرْضَ كَانَ بَاطِلًا، وَبِهَذَا تَنْتَفِي الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ كَلَامَيْهِ، لَكِنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَتَأَتَّى فِي عِبَارَةِ ابْنِ الْكَمَالِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ قُلْت الْأَوْجَهُ إلَخْ) أَيْ إذَا قَضَى بِنَفَاذِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ قَاضٍ يَرَاهُ لَا يَنْفُذُ فَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَمْضَاهُ نَفَذَ الْأَوَّلُ وَإِنْ رَدَّهُ ارْتَدَّ وَقَدَّمْنَا تَحْقِيقَ ذَلِكَ فِي بَابِ الِاسْتِيلَادِ (قَوْلُهُ فَلْيَكُنْ التَّوْفِيقُ) بِحَمْلِ مَا فِي الْبَحْرِ عَلَى مَا قَبْلَ الْإِمْضَاءِ، وَمَا فِي الْفَتْحِ عَلَى مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ وَلَدُ هَؤُلَاءِ كَهُمْ) أَيْ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، بِأَنْ زَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ بَعْدَ مَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا وَكَذَا وَلَدُ الْمُدَبَّرِ أَوْ الْمُكَاتَبِ الْمَوْلُودُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ، وَقَوْلُهُ كَهُمْ: أَيْ فِي حُكْمِهِمْ، وَفِيهِ إدْخَالُ الْكَافِ عَلَى الضَّمِيرِ وَهُوَ قَلِيلٌ (قَوْلُهُ وَبَيْعُ مُبَعَّضٍ) أَيْ مُعْتَقِ الْبَعْضِ كَبَيْعِ الْحُرِّ.
(قَوْلُهُ ابْنُ كَمَالٍ) وَنَصُّهُ التَّقَوُّمُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي التَّلْوِيحِ ضَرْبَانِ: عُرْفِيٌّ وَهُوَ بِالْإِحْرَازِ، فَغَيْرُ الْمُحْرَزِ كَالصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ، وَشَرْعِيٌّ وَهُوَ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هَهُنَا مَنْفِيًّا. اهـ أَيْ هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّقَوُّمِ الْمَنْفِيِّ هُنَا (قَوْلُهُ كَخَمْرٍ) قَيَّدَ بِهَا؛ لِأَنَّ بَيْعَ مَا سِوَاهَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ جَائِزٌ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَمَيْتَةٌ لَمْ تَمُتْ حَتْفَ أَنْفِهَا) هَذَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، أَمَّا الذِّمِّيُّ فَفِي رِوَايَةٍ بَيْعُهَا صَحِيحٌ وَفِي أُخْرَى فَاسِدٌ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ
стр. 2789
بَلْ بِالْخَنْقِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهَا مَالٌ عِنْدَ الذِّمِّيِّ كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ، وَهَذَا إنْ بِيعَتْ (بِالثَّمَنِ) أَيْ بِالدَّيْنِ كَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَمَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ بَطَلَ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ بِيعَتْ بِعَيْنٍ كَعَرْضٍ بَطَلَ فِي الْخَمْرِ وَفَسَدَ فِي الْعَرْضِ فَيَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ بِقِيمَتِهِ ابْنُ كَمَالٍ.
(وَ) بَطَلَ (بَيْعُ قِنٍّ ضُمَّ إلَى حُرٍّ وَذَكِيَّةٍ ضُمَّتْ إلَى مَيْتَةٍ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا) قَيَّدَ بِهِ لِتَكُونَ كَالْحُرِّ (وَإِنْ سَمَّى ثَمَنَ كُلٍّ) أَيْ فَصَّلَ الثَّمَنَ خِلَافًا لَهُمَا، وَمَبْنَى الْخِلَافِ أَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَتَعَدَّدُ بِمُجَرَّدِ تَفْصِيلِ الثَّمَنِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارِ لَفْظِ الْعَقْدِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَظَاهِرُ النِّهَايَةِ يُفِيدُ أَنَّهُ فَاسِدٌ (بِخِلَافِ بَيْعِ قِنٍّ ضُمَّ إلَى مُدَبَّرٍ) أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ
ــ
[رد المحتار]
فِي الْمَيْتَةِ فَقَطْ، أَمَّا الْخَمْرُ فَصَحِيحٌ.
(قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ) كَالْجُرْحِ، وَالضَّرْبُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ سِوَى الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهَا) أَيْ الْمَيْتَةَ الْمَذْكُورَةَ، أَمَّا الَّتِي مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا فَهِيَ غَيْرُ مَالٍ عِنْدَ الْكُلِّ فَلِذَا بَطَلَ بَيْعُهَا فِي حَقِّ الْكُلِّ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ بِلَا تَفْصِيلٍ (قَوْلُهُ أَيْ بِالدَّيْنِ) أَيْ مَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ. قَالَ ابْنُ كَمَالٍ: إنَّمَا قَالَ بِالدَّيْنِ دُونَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ أَعَمُّ مِنْهُ، وَالْمُعْتَبَرُ الْمُقَابَلَةُ بِهِ دُونَ الثَّمَنِ (قَوْلُهُ بَطَلَ فِي الْكُلِّ) ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْأَصْلُ وَلَيْسَ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ فَبَطَلَ فِيهِ فَكَذَا فِي الثَّمَنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا فَإِنَّهُ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ مَقْصُودٍ بِالتَّمَلُّكِ وَلَكِنْ فَسَدَتْ التَّسْمِيَةُ فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ دُونَ الْخَمْرِ الْمُسَمَّى (قَوْلُهُ بَطَلَ فِي الْخَمْرِ) أَيْ وَفِي أَخَوَيْهِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمَتْنِ وَالزَّيْلَعِيِّ سَائِحَانِيٌّ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ بَاطِلٌ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا قَابَلَهُ فَإِنْ دَيْنًا كَانَ بَاطِلًا أَيْضًا، وَإِنْ عَرْضًا كَانَ فَاسِدًا ثُمَّ قَالَ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ بَيْعِهَا لِاعْتِقَادِهِمْ الْحِلَّ وَالتَّمَوُّلَ وَقَدْ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ، وَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ اهـ مُلَخَّصًا. وَظَاهِرُهُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَوْ بِيعَتْ بِالثَّمَنِ، وَيَشْهَدُ لَهُ فُرُوعٌ ذَكَرَهَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ بِقِيمَتِهِ) لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ كَمَالٍ الْقِيمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُرَادَةً ط.
(قَوْلُهُ ضُمَّ إلَى حُرٍّ) وَلَوْ مُبَعَّضًا كَمُعْتَقِ الْبَعْضِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ عِتْقِ الْبَعْضِ (قَوْلُهُ لِتَكُونَ كَالْحُرِّ) أَيْ فَلَا تَكُونُ مَالًا أَصْلًا، أَمَّا لَوْ مَاتَتْ بِخَنْقٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهِيَ مَالٌ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ كَمَا مَرَّ آنِفًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِيمَا ضُمَّ إلَيْهَا كَبَيْعِ قِنٍّ ضُمَّ إلَى مُدَبَّرٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا) فَعِنْدَهُمَا إذَا فُصِلَ ثَمَنُ كُلٍّ جَازَ فِي الْقِنِّ وَالذَّكِيَّةِ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَصِيرُ مُتَعَدِّدَةً مَعْنًى فَلَا يَسْرِي الْفَسَادُ مِنْ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ النِّهَايَةِ يُفِيدُ أَنَّهُ فَاسِدٌ) أَيْ مَا ضُمَّ إلَى الْحُرِّ وَالْمَيْتَةِ وَهُوَ الْقِنُّ وَالذَّكِيَّةُ، وَعَزَاهُ الْقُهُسْتَانِيُّ لِلْمُحِيطِ وَالْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِمَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَاسِدِ الْبَاطِلُ، فَيُوَافِقُ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ التَّصْرِيحِ بِالْبُطْلَانِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ) (بَيْعِ قِنٍّ ضُمَّ إلَى مُدَبَّرٍ) كَمُكَاتَبٍ وَأُمِّ وَلَدٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَيْ فَيَصِحُّ فِي الْقِنِّ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مَحَلٌّ لِلْبَيْعِ عِنْدَ الْبَعْضِ فَيَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَكُونُ الْبَيْعُ بِالْحِصَّةِ فِي الْبَقَاءِ دُونَ الِابْتِدَاءِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ تَصْحِيحُ كَلَامِ الْعَاقِلِ مِنْ رِعَايَةِ حَقِّ الْمُدَبَّرِ ابْنُ كَمَالٍ.
قُلْت: وَمَعْنَى الْبَيْعِ بِالْحِصَّةِ بَقَاءً أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ الْمُدَبَّرُ صَارَ الْقِنُّ مَبِيعًا بِحِصَّتِهِ مَعَ الثَّمَنِ، بِأَنْ يُقْسَمَ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَتِهِ وَقِيمَةِ الْمُدَبَّرِ فَمَا أَصَابَ الْقِنُّ فَهُوَ ثَمَنُهُ وَهَذَا بِخِلَافِ ضَمِّ الْقِنِّ إلَى الْحُرِّ فَإِنَّ فِيهِ الْبَيْعَ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ لِعَدَمِ مَالِيَّتِهِ.
[تَنْبِيهٌ] تَقَدَّمَ أَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ وَنَحْوِهِ بَاطِلٌ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي الْعَقْدِ، وَهَهُنَا إنَّمَا دَخَلَ لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ فِيمَا ضُمَّ إلَيْهِ
стр. 2790
(أَوْ) (قِنُّ غَيْرِهِ وَمِلْكٍ ضُمَّ إلَى وَقْفٍ) غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْعَامِرِ فَإِنَّهُ كَالْحُرِّ بِخِلَافِ الْغَامِرِ: بِالْمُعْجَمَةِ الْخَرَابِ فَكَمُدَبَّرٍ أَشْبَاهٌ. مِنْ قَاعِدَةِ: إذَا اجْتَمَعَ الْحَرَامُ وَالْحَلَالُ (وَلَوْ مَحْكُومًا بِهِ) فِي الْأَصَحِّ
ــ
[رد المحتار]
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ هُنَاكَ: فَصَارَ كَمَالِ الْمُشْتَرِي لَا يَدْخُلُ فِي حُكْمِ عَقْدِهِ بِانْفِرَادِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الدُّخُولِ فِيمَا ضُمَّ إلَيْهِ اهـ أَيْ إذَا ضَمَّ الْبَائِعُ إلَيْهِ مَالَ نَفْسِهِ وَبَاعَهُمَا لَهُ صَفْقَةً وَاحِدَةً يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي الْمَضْمُومِ بِالْحِصَّةِ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ لَا يَصِحُّ أَصْلًا فِي شَيْءٍ فَتْحٌ.
مَطْلَبٌ فِيمَا إذَا اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ جَمِيعَ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ مِنْ شَرِيكِهِ قُلْت: عُلِمَ مِنْ هَذَا مَا يَقَعُ كَثِيرًا، وَهُوَ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَارٍ وَنَحْوهَا يَشْتَرِي مِنْ شَرِيكِهِ جَمِيعَ الدَّارِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ بِحِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَهِيَ حَادِثَةُ الْفَتْوَى فَلْتُحْفَظْ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي الْمُرَابَحَةِ فِي مَسْأَلَةِ شِرَاءِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الْمُضَارِبِ مَعَ أَنَّ الْكُلَّ مَالُهُ.
(قَوْلُهُ أَوْ قِنِّ غَيْرِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى مُدَبَّرٍ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ) أَيْ (الْمَسْجِدَ الْعَامِرَ) قَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْغَامِرِ بِالْمُعْجَمَةِ الْخَرَابِ) بِجَرِّ الْخَرَابِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الْغَامِرِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَغَيْرَهُ أَيْ مِنْ سَائِرِ الْأَوْقَافِ.
مَطْلَبٌ فِي بُطْلَانِ بَيْعِ الْوَقْفِ وَصِحَّةِ بَيْعِ الْمِلْكِ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ قَبْلَ خَرَابِهِ كَالْحُرِّ لَيْسَ بِمَالٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بِخِلَافِ بَعْدَ خَرَابِهِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ إذَا خَرِبَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَصَارَ مُجْتَهَدًا فِيهِ كَالْمُدَبَّرِ فَيَصِحُّ بَيْعُ مَا ضُمَّ إلَيْهِ وَمِثْلُهُ سَائِرُ الْأَوْقَافِ، وَلَوْ عَامِرَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ فَكَمُدَبَّرٍ) أَيْ فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ صَرَّحَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِبُطْلَانِ بَيْعِ الْوَقْفِ، وَأَحْسَنَ بِذَلِكَ إذْ جَعَلَهُ فِي قِسْمِ الْبَيْعِ الْبَاطِلِ، إذْ لَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِ بَيْعِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّمْلِيكَ وَالتَّمَلُّكَ، وَغَلِطَ مَنْ جَعَلَهُ فَاسِدًا، وَأَفْتَى بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ وَرَدَّ كَلَامَهُ بِجُمْلَةِ رَسَائِلَ. وَلَنَا فِيهِ رِسَالَةٌ هِيَ حِسَابُ الْحُكَّامِ مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيَانِ فَسَادِ قَوْلِهِ وَبُطْلَانِ فَتْوَاهُ اهـ. وَالْغَالِطُ الْمَذْكُورُ هُوَ قَاضِي الْقُضَاةِ نُورُ الدِّينِ الطَّرَابُلُسِيُّ وَالْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الشَّلَبِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ مَحْكُومًا بِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: تَكْمِيلٌ، قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَصَحَّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْمِلْكِ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمِلْكِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ مَوَالِي الرُّومِ هُوَ مَوْلَانَا أَبُو السُّعُودِ جَامِعُ أَشْتَاتِ الْعُلُومِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرِضْوَانِهِ بِمَا إذَا لَمْ يُحْكَمْ بِلُزُومِهِ فَأَفْتَى بِفَسَادِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَوَافَقَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ وَمِنْهُمْ شَيْخُنَا الْأَخُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِهِ هُنَا: يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ مِنْ أَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ الْقَضَاءِ تُسْمَعُ دَعْوَى الْمِلْكِ فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ كَالْحُرِّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ضُمَّ إلَى مِلْكٍ لَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ فِي الْمِلْكِ وَهَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ وَهُوَ إطْلَاقُ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَإِنْ صَارَ لَازِمًا بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنَّهُ يَقْبَلُ الْبَيْعَ بَعْدَ لُزُومِهِ إمَّا بِشَرْطِ الِاسْتِبْدَالِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوْ بِوُرُودِ غَصْبٍ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ إنْزَاعُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَهُنَا مَسْأَلَتَيْنِ: الْأُولَى أَنَّ بَيْعَ الْوَقْفِ بَاطِلٌ وَلَوْ غَيْرَ مَسْجِدٍ خِلَافًا لِمَنْ أَفْتَى بِفَسَادِهِ، لَكِنَّ الْمَسْجِدَ الْعَامِرَ كَالْحُرِّ، وَغَيْرُهُ كَالْمُدَبَّرِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَالْمُدَبَّرِ يَكُونُ بَيْعُ مَا ضُمَّ إلَيْهِ صَحِيحًا، وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مَحْكُومًا بِلُزُومِهِ خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ
стр. 2791
خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ الْمُنْلَا أَبُو السُّعُودِ فَيَصِحُّ بِحِصَّتِهِ فِي الْقِنِّ وَعَبْدِهِ وَالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ.
وَلَوْ بَاعَ قَرْيَةً وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْمَسَاجِدَ وَالْمَقَابِرَ لَمْ يَصِحَّ عَيْنِيٌّ.
(كَمَا بَطَلَ) (بَيْعُ صَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ وَمَجْنُونٍ) شَيْئًا
وَبَوْلٍ (وَرَجِيعِ آدَمِيٍّ لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ التُّرَابُ) فَلَوْ مَغْلُوبًا بِهِ جَازَ كَسِرْقِينٍ وَبَعْرٍ، وَاكْتَفَى فِي الْبَحْرِ بِمُجَرَّدِ خَلْطِهِ بِتُرَابٍ (وَشَعْرِ الْإِنْسَانِ) لِكَرَامَةِ الْآدَمِيِّ وَلَوْ كَافِرًا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي بَحْثِ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ.
(وَبَيْعُ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ) لِبُطْلَانِ بَيْعِ الْمَعْدُومِ
ــ
[رد المحتار]
الْمُفْتِي أَبُو السُّعُودِ (قَوْلُهُ فَيَصِحُّ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَيَصِحُّ إلَخْ عَلَى وَجْهِ التَّرْتِيبِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ الْمُدَبَّرَ وَقِنَّ الْغَيْرِ وَالْوَقْفَ.
(قَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ) لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْعَامِرَ كَالْحُرِّ فَيَبْطُلُ بَيْعُ مَا ضُمَّ إلَيْهِ، لَكِنْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الْأَصَحَّ الصِّحَّةُ فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ مَا فِيهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ وَالْمَقَابِرِ مُسْتَثْنًى عَادَةً اهـ أَيْ فَلَمْ يُوجَدْ ضَمُّ الْمِلْكِ إلَى الْمَسْجِدِ بَلْ الْبَيْعُ وَاقِعٌ عَلَى الْمِلْكِ وَحْدَهُ.
(قَوْلُهُ لَا يَعْقِلُ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ إذَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى انْعَقَدَ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ لِنَفْسِهِ، وَنَافِذًا بِلَا عُهْدَةٍ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ ط عَنْ الْمِنَحِ، وَهَذَا إذَا بَاعَ الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ مَالَهُ وَاشْتَرَى بِدُونِ غَبْنٍ فَاحِشٍ وَإِلَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ مِنْ وَلِيِّهِ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ شَيْئًا) قَدَّرَهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي بَيْعِ صَبِيٍّ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ ط.
(قَوْلُهُ جَازَ) أَيْ بَيْعُهُ ط (قَوْلُهُ كَسِرْقِينٍ وَبَعْرٍ) فِي الْقَامُوسِ: السِّرْجِينُ وَالسِّرْقِينُ بِكَسْرِهِمَا مُعَرَّبَا سِرْكِينٍ بِالْفَتْحِ وَفَسَّرَهُ فِي الْمِصْبَاحِ بِالزِّبْلِ، قَالَ ط: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُمَا وَلَوْ خَالِصَيْنِ اهـ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ وَيَجُوزُ بَيْعُ السِّرْقِينِ وَالْبَعْرِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ وَالْوُقُودُ بِهِ (قَوْلُهُ وَاكْتَفَى فِي الْبَحْرِ) حَيْثُ قَالَ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمِنَحِ: وَلَمْ يَنْعَقِدْ بَيْعُ النَّحْلِ وَدُودِ الْقَزِّ إلَّا تَبَعًا، وَلَا بَيْعُ الْعَذِرَةِ خَالِصَةً بِخِلَافِ بَيْعِ السِّرْقِينِ وَالْمَخْلُوطَةِ بِتُرَابٍ. اهـ (قَوْلُهُ وَشَعْرِ الْإِنْسَانِ) وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِحَدِيثِ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ فِيمَا يُتَّخَذُ مِنْ الْوَبَرِ فَيَزِيدُ فِي قُرُونِ النِّسَاءِ وَذَوَائِبِهِنَّ هِدَايَةٌ.
[فَرْعٌ] لَوْ أَخَذَ شَعْرَ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ عِنْدَهُ وَأَعْطَاهُ هَدِيَّةً عَظِيمَةً لَا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ فَلَا بَأْسَ بِهِ سَائِحَانِيٌّ عَنْ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ.
مَطْلَبٌ الْآدَمِيُّ مُكَرَّمٌ شَرْعًا وَلَوْ كَافِرًا (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ) حَيْثُ قَالَ: وَالْآدَمِيُّ مُكَرَّمٌ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَابْتِذَالُهُ بِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِالْجَمَادَاتِ إذْلَالٌ لَهُ. اهـ أَيْ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَبَعْضُهُ فِي حُكْمِهِ وَصَرَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِبُطْلَانِهِ ط. قُلْت وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْحَرْبِيِّ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَكْرِيمُ صُورَتِهِ وَخِلْقَتِهِ، وَلِذَا لَمْ يَجُزْ كَسْرُ عِظَامِ مَيِّتٍ كَافِرٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَحَلَّ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، بَلْ مَحَلُّهُ النَّفْسُ الْحَيَوَانِيَّةُ فَلِذَا لَا يَمْلِكُ بَيْعَ لَبَنِ أَمَتِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا سَيَأْتِي فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَبَيْعُ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ) فِيهِ أَنَّهُ يَشْمَلُ بَيْعَ مِلْكِ الْغَيْرِ لِوَكَالَةٍ أَوْ بِدُونِهَا مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ صَحِيحٌ نَافِذٌ وَالثَّانِي صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَيْعُ مَا سَيَمْلِكُهُ قَبْلَ مِلْكِهِ لَهُ ثُمَّ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي الْفَتْحِ فِي أَوَّلِ فَصْلِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ، وَذَكَرَ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ لِبُطْلَانِ بَيْعِ الْمَعْدُومِ) إذْ مِنْ شَرْطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ: أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَالًا مُتَقَوِّمًا مَمْلُوكًا فِي نَفْسِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مِلْكَ
стр. 2792
وَمَا لَهُ خَطَرُ الْعَدَمِ.
(لَا بِطَرِيقِ السَّلَمِ) فَإِنَّهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ، وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ»
(وَ) بَطَلَ (بَيْعٌ صُرِّحَ بِنَفْيِ الثَّمَنِ فِيهِ) لِانْعِدَامِ الرُّكْنِ وَهُوَ الْمَالُ.
(وَ) الْبَيْعُ الْبَاطِلُ (حُكْمُهُ عَدَمُ مِلْكِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ) إذَا قَبَضَهُ (فَلَا ضَمَانَ لَوْ هَلَكَ) الْمَبِيعُ (عِنْدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ وَصَحَّحَ فِي الْقُنْيَةِ ضَمَانَهُ، قِيلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِيهَا بَيْعُ الْحَرْبِيِّ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ، قِيلَ بَاطِلٌ، وَقِيلَ فَاسِدٌ. وَفِي وَصَايَاهَا بَيْعُ الْوَصِيِّ مَالَ الْيَتِيمِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَاطِلٌ وَقِيلَ فَاسِدٌ وَرُجِّحَ.
وَفِي النُّتَفِ: بَيْعُ الْمُضْطَرِّ وَشِرَاؤُهُ فَاسِدٌ.
ــ
[رد المحتار]
الْبَائِعِ فِيمَا بِبَيْعِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ مِنَحٌ (قَوْلُهُ وَمَا لَهُ خَطَرُ الْعَدَمِ) كَالْحَمْلِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ فَإِنَّهُ عَلَى احْتِمَالِ عَدَمِ الْوُجُودِ، وَأَمَّا بَيْعُ نِتَاجِ النِّتَاجِ فَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَعْدُومِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ لَا بِطَرِيقِ السَّلَمِ) فَلَوْ بِطَرِيقِ السَّلَمِ جَازَ وَكَذَا لَوْ بَاعَ مَا غَصَبَهُ ثُمَّ أَدَّى ضَمَانَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبُيُوعِ.
(قَوْلُهُ لِانْعِدَامِ الرُّكْنِ وَهُوَ الْمَالُ) أَيْ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَلَمْ يَكُنْ بَيْعًا، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ نَفْيَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ نَفَى الْعَقْدَ فَصَارَ كَأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الثَّمَنِ، وَفِيهِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا أَفَادَهُ فِي الدُّرَرِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا بَطَلَ بَقِيَ مُجَرَّدُ الْقَبْضِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ إلَّا بِالتَّعَدِّي دُرَرٌ (قَوْلُهُ وَصَحَّحَ فِي الْقُنْيَةِ ضَمَانَهُ إلَخْ) قَالَ فِي الدُّرَرِ وَقِيلَ يَكُونُ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَهُوَ أَنْ يُسَمِّيَ الثَّمَنَ فَيَقُولَ اذْهَبْ بِهَذَا فَإِنْ رَضِيتَ بِهِ اشْتَرَيْته بِمَا ذُكِرَ أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّهِ فَذَهَبَ بِهِ فَهَلَكَ عِنْدَهُ لَا يَضْمَنُ، نَصَّ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ، قِيلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْعِنَايَةِ اهـ قَالَ فِي الْعَزْمِيَّةِ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ عَوْدُ الضَّمِيرَيْنِ فِي عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ ذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلَى كَلَامِ الْفَقِيهِ، إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ فِي مَسْأَلَتِنَا مُرَجَّحٌ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ اهـ. لَكِنْ فِي النَّهْرِ وَاخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْمِثْلِ أَوْ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. وَفِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ لِكَوْنِهِ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ فَشَابَهَ الْغَصْبَ، وَقِيلَ الْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي قَوْلُهُمَا، وَتَمَامُهُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ) الْمَشْهُورُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ (قَوْلُهُ وَرَجَّحَ) رَجَّحَهُ فِي الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْوَقْفِ الْمَشْرُوطِ اسْتِبْدَالُهُ أَوْ الْخَرَابِ الَّذِي جَازَ اسْتِبْدَالُهُ إذَا بِيعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ بِالْقَبْضِ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ فَلَا ضَرَرَ عَلَى الْيَتِيمِ وَالْوَقْفِ اهـ. قُلْت وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ حَيْثُ لَزِمَ الضَّرَرُ بِأَنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا أَوْ مُمَاطِلًا تَأَمَّلْ.
[مَطْلَبٌ بَيْعُ الْمُضْطَرِّ وَشِرَاؤُهُ]
ُ فَاسِدٌ (قَوْلُهُ بَيْعُ الْمُضْطَرِّ وَشِرَاؤُهُ فَاسِدٌ) هُوَ أَنْ يُضْطَرّ الرَّجُلُ إلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ لِبَاسٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا يَبِيعُهَا الْبَائِعُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا بِكَثِيرٍ، وَكَذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُ كَذَا فِي الْمِنَحِ. اهـ. ح، وَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَكَذَا فِي الشِّرَاءِ مِنْهُ: أَيْ مِنْ الْمُضْطَرِّ مِثَالٌ لِبَيْعِ الْمُضْطَرِّ أَيْ بِأَنْ اُضْطُرَّ إلَى بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَرْضَ الْمُشْتَرِي إلَّا بِشِرَائِهِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ. وَمِثَالُهُ مَا لَوْ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِبَيْعِ مَالِهِ لِإِيفَاءِ دَيْنِهِ أَوْ أَلْزَمَ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ مُصْحَفٍ أَوْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ وَنَحْو ذَلِكَ لَكِنْ سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِكْرَاهِ لَوْ صَادَرَهُ السُّلْطَانُ وَلَمْ يُعَيِّنْ بَيْعَ مَالِهِ فَبَاعَ صَحَّ. قَالَ الشَّارِحُ هُنَاكَ: وَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ مِنْ أَيْنَ أُعْطِي فَإِذَا قَالَ الظَّالِمُ: بِعْ كَذَا فَقَدْ صَارَ مُكْرَهًا فِيهِ. اهـ فَأَفَادَ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْمُصَادَرَةِ لَا يَكُونُ مُكْرَهًا بَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ إلَّا إذَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ مَعَ أَنَّهُ بِدُونِ أَمْرٍ مُضْطَرٌّ إلَى الْبَيْعِ
стр. 2793
(وَفَسَدَ) بَيْعُ (مَا سُكِتَ) أَيْ وَقَعَ السُّكُوتُ (فِيهِ عَنْ الثَّمَنِ) كَبَيْعِهِ بِقِيمَتِهِ
(وَ) فَسَدَ (بَيْعُ عَرْضٍ) هُوَ الْمَتَاعُ الْقِيَمِيُّ، ابْنُ كَمَالٍ (بِخَمْرٍ وَعَكْسُهُ) فَيَنْعَقِدُ فِي الْعَرْضِ لَا الْخَمْرِ كَمَا مَرَّ
(وَ) فَسَدَ (بَيْعُهُ) أَيْ الْعَرْضِ (بِأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ) (حَتَّى لَوْ تَقَابَضَا مَلَكَ الْمُشْتَرِي) لِلْعَرْضِ (الْعَرْضَ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُمْ مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ
(وَ) فَسَدَ (بَيْعُ سَمَكٍ لَمْ يُصَدْ) لَوْ بِالْعَرْضِ وَإِلَّا فَبَاطِلٌ لِعَدَمِ الْمِلْكِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (أَوْ) (صِيدَ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي مَكَان لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إلَّا بِحِيلَةٍ) لِلْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ (وَإِنْ أُخِذَ بِدُونِهَا صَحَّ) وَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ (إلَّا إذَا دَخَلَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَسُدَّ مَدْخَلَهُ) فَلَوْ سَدَّهُ مَلَكَهُ.
ــ
[رد المحتار]
حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ غَيْرُهُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ بَاعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ نَعَمْ الْعِبَارَةُ مُطْلَقَةٌ فَيُمْكِنُ تَقْيِيدُهَا بِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ غَبْنٍ يَسِيرٍ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ فَتَأَمَّلْ.
[مَطْلَبٌ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ]
ِ (قَوْلُهُ وَفَسَدَ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْبَاطِلِ وَحُكْمِهِ (قَوْلُهُ مَا سَكَتَ فِيهِ عَنْ الثَّمَنِ) ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي الْمُعَاوَضَةَ فَإِذَا سَكَتَ كَانَ غَرَضُهُ الْقِيمَةَ فَكَأَنَّهُ بَاعَ بِقِيمَتِهِ فَيَفْسُدُ وَلَا يَبْطُلُ دُرَرٌ: أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا صَرَّحَ بِنَفْيِ الثَّمَنِ كَمَا قَدَّمَهُ قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ وَعَكْسُهُ) أَيْ بَيْعُ الْخَمْرِ بِالْعَرْضِ، بِأَنْ أَدْخَلَ الْبَاءَ عَلَى الْعَرْضِ فَيَنْعَقِدُ فِي الْعَرْضِ أَيْ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْخَمْرِ ثَمَنًا وَهِيَ مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَرْضِ بِدَمٍ أَوْ مَيْتَةٍ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ بِيعَتْ بِعَيْنٍ كَعَرْضٍ بَطَلَ فِي الْخَمْرِ وَفَسَدَ فِي الْعَرْضِ فَيَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ بِقِيمَتِهِ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ مَلَكَ الْمُشْتَرِي لِلْعَرْضِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لِأُمِّ الْوَلَدِ وَأَخَوَيْهَا لَا يَمْلِكُهُمْ بِالْقَبْضِ لِبُطْلَانِ بَيْعِهِمْ بَقَاءً كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُمْ مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ فَيَدْخُلُونَ فِي الْعَقْدِ وَلِذَا لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ فَمَا ضُمَّ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَبِيعَ مَعَهُمْ، وَلَوْ كَانُوا كَالْحُرِّ لَبَطَلَ كَمَا فِي الدُّرَرِ.
(قَوْلُهُ وَفَسَدَ بَيْعُ سَمَكٍ لَمْ يُصَدْ لَوْ بِالْعَرْضِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْفَاسِدَ بَيْعُ السَّمَكِ، وَأَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ. وَفِيهِ أَنَّ بَيْعَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِمَالٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ بَاطِلًا، وَأَنْ يَكُونَ الْفَاسِدُ هُوَ بَيْعُ الْعَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبَاءُ، وَيَكُونُ السَّمَكُ ثَمَنًا فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ بَاعَ الْعَرْضَ وَسَكَتَ عَنْ الثَّمَنِ أَوْ بَاعَهُ بِأُمِّ الْوَلَدِ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ بَيْعَ الْعَرْضِ أَيْضًا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ السَّمَكَ لَيْسَ بِمَالٍ فَيَكُونُ كَبَيْعِ الْعَرْضِ بِمَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ، لَكِنْ جَعْلُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَادَهُ بَعْدَهُ مَلَكَهُ، نَعَمْ هَذَا يَظْهَرُ لَوْ بَاعَ سَمَكَةً بِعَيْنِهَا قَبْلَ صَيْدِهَا، أَمَّا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ صَادَ سَمَكَةً لَمْ تَكُنْ عَيْنَ مَا جُعِلَتْ ثَمَنَ الْعَرْضِ حَتَّى يُقَالَ إنَّهَا مُلِكَتْ بِالصَّيْدِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ سَمَكَةً مُطْلَقَةً بِعَرْضٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَاطِلًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَبَيْعِ مَيْتَةٍ بِعَرْضٍ أَوْ عَكْسِهِ وَلَوْ كَانَتْ السَّمَكَةُ مُعَيَّنَةً بَطَلَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ وَفَسَدَ فِي الْعَرْضِ؛ لِأَنَّ السَّمَكَةَ مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَمِثْلُهَا مَا لَوْ كَانَ الْبَيْعُ عَلَى لَحْمِ سَمَكٍ؛ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ، وَلَوْ بَاعَهَا بِدَرَاهِمَ بَطَلَ الْبَيْعُ لِتَعَيُّنِ كَوْنِهَا مَبِيعَةً، وَهِيَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْهُ (قَوْلُهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ) حَيْثُ قَالَ: فَفِي السَّمَكِ الَّذِي لَمْ يُصَدْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَاطِلًا إذَا كَانَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَيَكُونُ فَاسِدًا إذَا كَانَ بِالْعَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ الْإِحْرَازُ وَالْإِحْرَازُ مُنْتَفٍ (قَوْلُهُ وَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) وَلَا يُعْتَدُّ بِرُؤْيَتِهِ وَهُوَ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ فِي الْمَاءِ وَخَارِجَهُ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا دَخَلَ بِنَفْسِهِ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ أَخَذَ بِدُونِهَا صَحَّ، يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ صِيدَ فَأُلْقِيَ فِي مَكَان يُؤْخَذُ مِنْهُ بِدُونِ حِيلَةٍ كَانَ صَحِيحًا، وَأَمَّا إذَا دَخَلَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَسُدَّ مَدْخَلَهُ يَكُونُ بَاطِلًا لِعَدَمِ الْمِلْكِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَلَوْ سَدَّهُ مَلَكَهُ فَافْهَمْ، (قَوْلُهُ فَلَوْ سَدَّهُ مَلَكَهُ) أَيْ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ إنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُ بِلَا حِيلَةٍ وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ.
стр. 2794
وَلَمْ تَجُزْ إجَارَةُ بِرْكَةٍ لِيُصَادُ مِنْهَا السَّمَكُ بَحْرٌ
(وَ) بَيْعُ (طَيْرٍ فِي الْهَوَاءِ) (لَا يَرْجِعُ) بَعْدَ إرْسَالِهِ مِنْ يَدِهِ، أَمَّا قَبْلَ صَيْدِهِ فَبَاطِلٌ أَصْلًا لِعَدَمِ الْمِلْكِ (وَإِنْ) كَانَ (يَطِيرُ وَيَرْجِعُ) كَالْحَمَامِ (صَحَّ) وَقِيلَ لَا وَرَجَّحَهُ فِي النَّهْرِ
ــ
[رد المحتار]
وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ دَخَلَ السَّمَكُ فِي حَظِيرَةٍ: فَإِمَّا أَنْ يَعُدَّهَا لِذَلِكَ أَوْ لَا فَفِي الْأَوَّلِ يَمْلِكُهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُ بِلَا حِيلَةٍ جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ. وَفِي الثَّانِي لَا يَمْلِكُهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ إلَّا أَنْ يَسُدَّ الْحَظِيرَةَ إذَا دَخَلَ فَحِينَئِذٍ يَمْلِكُهُ، ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُ بِلَا حِيلَةٍ جَازَ بَيْعُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ لَمْ يَعُدَّهَا لِذَلِكَ لَكِنَّهُ أَخَذَهُ وَأَرْسَلَهُ فِيهَا مَلَكَهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُ بِلَا حِيلَةٍ جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ، أَوْ بِحِيلَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا فَلَيْسَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ اهـ.
[مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ إيجَارِ الْبِرَكِ لِلِاصْطِيَادِ]
ِ (قَوْلُهُ وَلَمْ تَجُزْ إجَارَةُ بِرْكَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: اعْلَمْ أَنَّ فِي مِصْرَ بِرَكًا صَغِيرَةً كَبِرْكَةِ الْفَهَادَةَ تَجْتَمِعُ فِيهَا الْأَسْمَاكُ هَلْ تَجُوزُ إجَارَتُهَا لِصَيْدِ السَّمَكِ مِنْهَا؟ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْإِيضَاحِ عَدَمَ جَوَازِهَا. وَنَقَلَ أَوَّلًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: كَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي بُحَيْرَةٍ يَجْتَمِعُ فِيهَا السَّمَكُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ أَنُؤْجِرُهَا؟ فَكَتَبَ إلَيَّ أَنْ افْعَلُوا،
وَمَا فِي الْإِيضَاحِ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَلْيَقُ اهـ. وَنَقَلَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عَنْ بَيْعِ صَيْدِ الْآجَامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَسَمَّاهُ الْحَبْسَ اهـ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْآجَامِ إلَّا إذَا كَانَ فِي أَرْضِ بَيْتِ الْمَالِ، وَيَلْحَقُ بِهِ أَرْضُ الْوَقْفِ. وَقَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ: الَّذِي عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ عَدَمُ جَوَازِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي بَحْرٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ أَجَمَةٍ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضِ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ أَرْضِ الْوَقْفِ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ كِتَابِ الْخَرَاجِ غَيْرُ بَعِيدٍ أَيْضًا عَنْ الْقَوَاعِدِ، وَمَرْجِعُهُ إلَى إجَارَةِ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ لِمَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ هِيَ الِاصْطِيَادُ، وَمَا حَدَّثَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ بَيْعُ السَّمَكِ قَبْلَ الصَّيْدِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ فِي آجَامٍ هُيِّئَتْ لِذَلِكَ وَكَانَ السَّمَكُ فِيهَا مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ، فَتَأَمَّلْ وَاعْتَنِ بِهَذَا التَّحْرِيرِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ وَيَكْثُرُ السُّؤَالُ عَنْهَا اهـ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: غَيْرُ بَعِيدٍ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَاقِعَةٌ عَلَى اسْتِهْلَاكِ الْعَيْنِ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إجَارَةُ الْمَرَاعِي، وَهَذَا كَذَلِكَ، وَلِذَا جَزَمَ الْمَقْدِسِيَّ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ.
وَاعْتَرَضَ الْبَحْرُ بِمَا قُلْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ وَبَيْعُ طَيْرٍ) جَمْعُ طَائِرٍ، وَقَدْ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعُ طُيُورٌ وَأَطْيَارٌ بَحْرٌ عَنْ الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ إرْسَالِهِ مِنْ يَدِهِ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ وَلَكِنَّ عِلَّةَ الْفَسَادِ كَوْنُهُ غَيْرَ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ، فَلَوْ سَلَّمَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ لَا يَعُودُ إلَى الْجَوَازِ عِنْدَ مَشَايِخِ بَلْخٍ. وَعَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ يَعُودُ، وَكَذَا عَنْ الطَّحَاوِيِّ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الطَّيْرُ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ أَمَّا قَبْلَ صَيْدِهِ فَبَاطِلٌ أَصْلًا) يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي السَّمَكِ (قَوْلُهُ صَحَّ) ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ، وَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْمُنْتَقَى بَحْرٌ. قَالَ فِي الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ الْمَعْلُومَ عَادَةً كَالْوَاقِعِ، وَتَجْوِيزُ كَوْنِهَا لَا تَعُودُ أَوْ عُرُوضُ عَدَمِ عَوْدِهَا لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ كَتَجْوِيزِ هَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، ثُمَّ إذَا عَرَضَ الْهَلَاكُ انْفَسَخَ، كَذَا هُنَا إذَا فُرِضَ وُقُوعُ عَدَمِ الْمُعْتَادِ مِنْ عَوْدِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ انْفَسَخَ اهـ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا) فِي الْبَحْرِ والشرنبلالية أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (قَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ فِي النَّهْرِ) حَيْثُ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ: وَأَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ: الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ عَقِبَهُ وَلِذَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْآبِقِ اهـ.
стр. 2795
(وَ) بَيْعُ (الْحَمْلِ) أَيْ الْجَنِينِ، وَجَزَمَ فِي الْبَحْرِ بِبُطْلَانِهِ كَالنِّتَاجِ (وَأَمَةٍ إلَّا حَمْلَهَا) لِفَسَادِهِ بِالشَّرْطِ، بِخِلَافِ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ (وَلَبَنٍ فِي ضَرْعٍ)
ــ
[رد المحتار]
قَالَ ح: أَقُولُ: فَرْقُ مَا بَيْنَ الْحَمَامِ وَالْآبِقِ، فَإِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَقْضِ بِعَوْدِهِ غَالِبًا، بِخِلَافِ الْحَمَامِ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ عَقِبَهُ، إنْ أَرَادَ بِهِ الْقُدْرَةَ حَقِيقَةً فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِلَّا لَاشْتُرِطَ حُضُورَ الْمَبِيعِ مَجْلِسَ الْعَقْدِ وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ بِهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْقُدْرَةَ حُكْمًا كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا، فَمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ لِحُكْمِ الْعَادَةِ بِعَوْدِهِ اهـ.
قُلْت: وَهُوَ وَجِيهٌ فَهُوَ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمُرْسَلِ فِي حَاجَةِ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ وَقْتَ الْعَقْدِ حُكْمًا إذْ الظَّاهِرُ عَوْدُهُ، وَلَوْ أَبَقَ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي فِي فَسْخِ الْعَقْدِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَهُنَا كَذَلِكَ، لَكِنْ لِيُنْظَرْ مَتَى يُحْكَمُ بِفَسْخِ الْعَقْدِ لِعَدَمِ عَوْدِ ذَلِكَ الطَّائِرِ فَإِنَّهُ مَا دَامَ مُحْتَمَلُ الْحَيَاةِ يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ. [تَنْبِيهٌ] فِي الذَّخِيرَةِ: بَاعَ بُرْجَ حَمَامٍ، فَإِنْ لَيْلًا جَازَ، وَلَوْ نَهَارًا فَلَا؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ يَكُونُ خَارِجَ الْبَيْتِ فَلَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِالِاحْتِيَالِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَأَمَّلْ.، وَفِيهِ أَلْغَزَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
يَا إمَامًا فِي فِقْهِ نُعْمَانَ أَضْحَى ... حَائِزَ السَّبْقِ مُفْرَدًا لَا يُجَارَى
أَيُّ بَيْتٍ يَجُوزُ بَيْعُكَ إيَّا ... هـ بِلَيْلٍ وَلَا يَجُوزُ نَهَارَا.
(قَوْلُهُ وَبَيْعُ الْحَمْلِ) بِسُكُونِ الْمِيمِ (قَوْلُهُ وَجَزَمَ فِي الْبَحْرِ بِبُطْلَانِهِ) «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ» ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ بَيْعَ الثَّلَاثَةِ بَاطِلٌ، وَاعْتَرَضَ فِي الْيَعْقُوبِيَّةِ التَّعْلِيلَ بِالْغَرَرِ، وَهُوَ الشَّكُّ فِي وُجُودِهِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ الشَّيْءِ الْمَلْفُوفِ الْمَوْصُوفِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُوجَدَ شَيْءٌ أَوْ وَصْفُهُ الْمَذْكُورُ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِجَوَازِهِ. اهـ. قُلْت: فِيهِ أَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْهُلُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْحَمْلِ فَتَدَبَّرْ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ: فَلَوْ بَاعَ الْحَمْلَ وَوَلَدَتْ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَسَلَّمَ لَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ لِفَسَادِهِ بِالشَّرْطِ) ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ، وَالْحَمْلُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ فَكَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَطْرَافِ فَصَارَ شَرْطًا فَاسِدًا، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْبَائِعِ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ.
مَطْلَبٌ اسْتِثْنَاءُ الْحَمْلِ فِي الْعُقُودِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ ثُمَّ اسْتِثْنَاءُ الْحَمْلِ فِي الْعُقُودِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: فِي وَجْهٍ: يَفْسُدُ الْعَقْدُ وَالِاسْتِثْنَاءُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهَا تُبْطِلُهَا الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ، وَفِي وَجْهٍ: الْعَقْدُ جَائِزٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَفِي وَجْهٍ: يَجُوزَانِ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِجَارِيَةٍ إلَّا حَمْلَهَا، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِحَمْلِهَا لِآخَرَ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، وَالْمِيرَاثُ يَجْرِي فِي الْحَمْلِ فَكَذَا الْوَصِيَّةُ، بِخِلَافِ الْخِدْمَةِ زَيْلَعِيٌّ مُلَخَّصًا أَيْ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِأَمَةٍ إلَّا خِدْمَتَهَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَجْرِي فِيهَا وَالْغَلَّةُ كَالْخِدْمَةِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ) أَيْ حَيْثُ يَصِحُّ الْعَقْدُ
стр. 2796
وَجَزَمَ الْبُرْجَنْدِيُّ بِبُطْلَانِهِ
(وَلُؤْلُؤٍ فِي صَدَفٍ) لِلْغَرَرِ (وَصُوفٍ عَلَى ظَهْرِ غَنَمٍ) وَجَوَّزَهُ الثَّانِيَ وَمَالِكٌ. وَفِي السِّرَاجِ: لَوْ سَلَّمَ الصُّوفَ وَاللَّبَنَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَنْقَلِبْ صَحِيحًا، وَكَذَا كُلُّ مَا اتِّصَالُهُ خِلْقِيٌّ كَجِلْدِ حَيَوَانٍ وَنَوَى تَمْرٍ وَبُنٍّ وَبِطِّيخٍ، لِمَا مَرَّ أَنَّهُ مَعْدُومٌ عُرْفًا، وَإِنَّمَا صَحَّحُوا بَيْعَ الْكُرَّاثِ
ــ
[رد المحتار]
فِيهِمَا، لَكِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَاطِلٌ فِي الْهِبَةِ جَائِزٌ فِي الْوَصِيَّةِ كَمَا عَلِمْت فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَجَزَمَ الْبُرْجَنْدِيُّ بِبُطْلَانِهِ) قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: ذَكَرُوا فِي فَسَادِهِ عِلَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَبَنٌ أَوْ دَمٌ أَوْ رِيحٌ، وَهَذِهِ تَقْتَضِي بُطْلَانَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكُ الْوُجُودِ فَلَا يَكُونُ مَالًا، وَالْأُخْرَى أَنَّ اللَّبَنَ يُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِطُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي بِمِلْكِ الْبَائِعِ. اهـ أَيْ وَهَذِهِ تَقْتَضِي الْفَسَادَ ط. قُلْت: مُقْتَضَى الْفَسَادِ لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبُطْلَانِ بَلْ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ مَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمَشْرُوعِيَّةِ أَصْلًا فَلِذَا جَزَمَ بِبُطْلَانِهِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ لِلْغَرَرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، فَهُوَ مِثْلُ اللَّبَنِ رَمْلِيٌّ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي التَّجْنِيسِ: رَجُلٌ اشْتَرَى لُؤْلُؤَةً فِي صَدَفٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْبَيْعُ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ تُرَابَ الذَّهَبِ وَالْحُبُوبَ فِي غِلَافِهَا حَيْثُ يَجُوزُ لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةً وَيُمْكِنُ تَجْرِبَتُهَا بِالْبَعْضِ أَيْضًا. اهـ قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ الْجَوْزُ الْهِنْدِيُّ (قَوْلُهُ وَصُوفٌ عَلَى ظَهْرِ غَنَمٍ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الْجَزِّ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ وَصْفِ الْحَيَوَانِ لِقِيَامِهِ بِهِ كَسَائِرِ أَطْرَافِهِ وَ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ مِنْ أَسْفَلَ فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ كَمَا قُلْنَا فِي اللَّبَنِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَجَوَّزَهُ الثَّانِي) هُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ لَمْ يَنْقَلِبْ صَحِيحًا) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا وَإِلَّا لَصَحَّ بِزَوَالِ الْمُفْسِدِ كَمَا سَيَتَّضِحُ فِي بَيْعِ الْآبِقِ وَهُوَ أَيْضًا مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفُ ذَكَرَهُ فِي الْبَاطِلِ (قَوْلُهُ وَكَذَا كُلُّ مَا اتِّصَالُهُ خِلْقِيٌّ) بِخِلَافِ اتِّصَالِ الْجِذْعِ وَالثَّوْبِ فَإِنَّهُ بِصُنْعِ الْعِبَادِ ابْنُ مَلَكٍ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ مَعْدُومٌ عُرْفًا) أَيْ مَرَّ فِي فَصْلِ مَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ كَبَيْعِ بُرٍّ فِي سُنْبُلِهِ، وَبَيَّنَّاهُ هُنَاكَ بِأَنَّهُ يُقَالُ هَذَا تَمْرٌ وَقُطْنٌ، وَلَا يُقَالُ هَذَا نَوًى فِي تَمْرِهِ وَلَا حَبٌّ فِي قُطْنِهِ، وَيُقَالُ هَذِهِ حِنْطَةٌ فِي سُنْبُلِهَا وَهَذَا لَوْزٌ وَفُسْتُقٌ فِي قِشْرَهُ، وَلَا يُقَالُ هَذِهِ قُشُورٌ فِيهِمَا لَوْزٌ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا صَحَّحُوا إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو يُوسُفَ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ كَمَا فِي الْكُرَّاثِ وَقَوَائِمِ الْخِلَافِ - بِالْكَسْرِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ - نَوْعٌ مِنْ الصَّفْصَافِ أَيْ مَعَ أَنَّهَا تَزِيدُ، وَالْجَوَابُ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ أَنَّهُ أُجِيزَ فِي الْكُرَّاثِ وَالْقَوَائِمِ لِلتَّعَامُلِ، إذْ لَا نَصَّ فِيهِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ اهـ. وَأَيْضًا فَالْقَوَائِمُ تَزِيدُ مِنْ أَعْلَاهَا أَيْ فَلَا يَحْصُلُ اخْتِلَاطُ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الصُّوفِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْخِضَابِ كَمَا أَفَادَهُ الزَّيْلَعِيُّ. وَفِي الْبَحْرِ مِنْ فَصْلِ فِيمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا
стр. 2797
وَشَجَرِ الصَّفْصَافِ وَأَوْرَاقِ التُّوتِ بِأَغْصَانِهَا لِلتَّعَامُلِ. وَفِي الْقُنْيَةِ: بَاعَ أَوْرَاقَ تُوتٍ لَمْ تُقْطَعْ قَبْلَهُ بِسَنَةٍ جَازَ وَبِسَنَتَيْنِ لَا؛ لِأَنَّهُ يُشْتَبَهُ مَوْضِعُ قَطْعِهِ عُرْفًا (وَجِذْعٍ) مُعَيَّنٍ (فِي سَقْفٍ) أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلَا (وَذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ) فَلَوْ قُطِعَ وَسُلِّمَ قَبْلَ فَسْخِ الْمُشْتَرِي عَادَ صَحِيحًا، وَلَوْ لَمْ يَضُرَّهُ الْقَطْعُ كَكِرْبَاسٍ جَازَ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ
(وَضَرْبَةِ الْقَانِصِ) بِقَافٍ وَنُونٍ الصَّائِدُ
ــ
[رد المحتار]
عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: اشْتَرَى رَطْبَةً مِنْ الْبُقُولِ أَوْ قِثَّاءَ أَوْ شَيْئًا يَنْمُو سَاعَةً فَسَاعَةً لَا يَجُوزُ كَبَيْعِ الصُّوفِ، وَبَيْعُ قَوَائِمِ الْخِلَافِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ يَنْمُو؛ لِأَنَّ نُمُوَّهَا مِنْ الْأَعْلَى، بِخِلَافِ الرَّطْبَاتِ إلَّا الْكُرَّاثِ لِلتَّعَامُلِ وَمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ لَا يَجُوزُ اهـ.
قُلْت: وَقَوْلُهُ لِلتَّعَامُلِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ إلَّا الْكُرَّاثَ فَقَطْ، وَإِلَّا فَكَوْنُ قَوَائِمِ الْخِلَافِ تَنْمُو مِنْ الْأَعْلَى، بِخِلَافِ الرَّطْبَاتِ يُفِيدُ الْجَوَازَ بِلَا حَاجَةٍ إلَى التَّعْلِيلِ بِالتَّعَامُلِ. وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ هُنَا عَنْ الْفَضْلِيِّ تَصْحِيحَ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي قَوَائِمِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَنْمُو مِنْ أَعْلَاهُ فَمَوْضِعُ الْقَطْعِ مَجْهُولٌ، كَمَنْ اشْتَرَى شَجَرَةً لِلْقَطْعِ لَا يَجُوزُ لِجَهَالَةِ مَوْضِعِ الْقَطْعِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ إذْ لَا بُدَّ لِلْقَطْعِ مِنْ حَفْرِ الْأَرْضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ لِلتَّعَامُلِ. وَفِي الصُّغْرَى الْقِيَاسُ فِي بَيْعِ الْقَوَائِمِ الْمَنْعُ، لَكِنْ جَازَ لِلتَّعَامُلِ، وَبَيْعُ الْكُرَّاثِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ يَنْمُو مِنْ أَسْفَلِهِ لِلتَّعَامُلِ أَيْضًا، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْفَضْلِيُّ عَلَى الْمَنْعِ فِي الْقَوَائِمِ لِمَنْ تَأَمَّلَ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَشَجَرُ الصَّفْصَافِ) أَيْ قَوَائِمُ شَجَرِهِ أَيْ أَغْصَانِهِ (قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ بَاعَ أَوْرَاقَ تُوتٍ) أَيْ مَعَ أَغْصَانِهَا. قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: اشْتَرَى أَوْرَاقَ التُّوتِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَ الْقَطْعِ لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ عُرْفًا صَحَّ، وَلَوْ تَرَكَ الْأَغْصَانَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَوْ بَاعَ أَوْرَاقَ تُوتٍ لَمْ يُقْطَعْ قَبْلُ بِسَنَةٍ يَجُوزُ، وَبِسَنَتَيْنِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِسَنَةٍ يُعْلَمُ مَوْضِعُ قَطْعِهَا عُرْفًا. اهـ (قَوْلُهُ وَجِذْعٌ) هُوَ الْقِطْعَةُ مِنْ النَّخْلِ أَوْ غَيْرِهِ تُوضَعُ عَلَيْهَا الْأَخْشَابُ نَهْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِضَرَرٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا لَا يَجُوزُ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا وَلِلْجَهَالَةِ أَيْضًا هِدَايَةٌ، فَقَوْلُهُ مُعَيَّنٌ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْفَسَادِ بَلْ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ إلَخْ) الْأَوْلَى ذِكْرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَلَوْ قَطَعَ وَسَلَّمَ ط.
(قَوْلُهُ فَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَذَكَرَ الزَّاهِدِيُّ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَا يَنْقَلِبُ بِالتَّسْلِيمِ صَحِيحًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ مُعَلَّلٌ بِلُزُومِ الضَّرَرِ وَالْجَهَالَةِ فَإِذَا تَحَمَّلَ الْبَائِعُ الضَّرَرَ وَسَلَّمَهُ زَالَ الْمُفْسِدُ وَارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ أَيْضًا، وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ فِي الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ صَحِيحًا اهـ. قُلْت: وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ عَنْ الزَّاهِدِيِّ عَنْ شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ عَكْسُ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّهْرِ فَلْيُرَاجَعْ، نَعَمْ عِبَارَةُ ابْنِ كَمَالٍ فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ أَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ لَا يَعُودُ صَحِيحًا، وَعَزَاهُ إلَى الزَّاهِدِيِّ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيُّ (قَوْلُهُ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ) كَالثَّوْبِ الْمُهَيَّأِ لِلُّبْسِ زَيْلَعِيٌّ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ حِلْيَةٍ مِنْ سَيْفٍ أَوْ نِصْفِ زَرْعٍ لَمْ يُدْرَكْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِقَطْعِ جَمِيعِهِ، وَكَذَا بَيْعُ فَصِّ خَاتَمٍ مُرَكَّبٍ فِيهِ، وَكَذَا نَصِيبُهُ مِنْ ثَوْبٍ مُشْتَرَكٍ مِنْ غَيْرِ شَرِيكِهِ وَذِرَاعٍ مِنْ خَشَبَةٍ لِلضَّرَرِ فِي تَسْلِيمِ ذَلِكَ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ الْعَقْدَ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ بَحْرٌ وَفَتْحٌ. وَفِي بَيْعِ نِصْفِ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ كِتَابِ الشَّرِكَةِ (قَوْلُهُ جَازَ) كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ) عِلَّةٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَضَرْبَةُ الْقَانِصِ) مِنْ قَنَصَ قَنْصًا عَلَى حَدِّ ضَرَبَ صَادَ كَمَا فِي الصِّحَاحِ
стр. 2798
(وَالْغَائِصِ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ الْغَوَّاصُ، وَالْبَيْعُ فِيهِمَا بَاطِلٌ لِلْغَرَرِ بَحْرٌ وَنَهْرٌ وَالْكَمَالُ وَابْنُ الْكَمَالِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ نَظَمَهُ مُنْلَا خُسْرو فِي سَلْكِ الْمَقَاصِدِ فَتَبِعْتُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَاطِلُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ كَمَا مَرَّ
(وَالْمُزَابَنَةُ) هِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ مَقْطُوعٍ مِثْلُ كَيْلِهِ تَقْدِيرًا شُرُوحُ مَجْمَعٍ، وَمِثْلُهُ الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ عِنَايَةٌ لِلنَّهْيِ وَلِشُبْهَةِ الرِّبَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ رَطْبًا جَازَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ (وَالْمُلَامَسَةُ) لِلسِّلْعَةِ (وَالْمُنَابَذَةُ) أَيْ نَبْذُهَا لِلْمُشْتَرِي (وَإِلْقَاءُ الْحَجَرِ) عَلَيْهَا، وَهِيَ مِنْ بُيُوعِ الْجَاهِلِيَّةِ فَنُهِيَ عَنْهَا كُلُّهَا عَيْنِيٌّ
ــ
[رد المحتار]
بِأَنْ يَقُولَ بِعْتُك مَا يَخْرُجُ مِنْ إلْقَاءِ هَذِهِ الشَّبَكَةِ مَرَّةً بِكَذَا نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَالْغَائِصُ) بِأَنْ يَقُولَ: أَغُوصُ غَوْصَةً فَمَا أَخْرَجْتُهُ مِنْ اللَّآلِئِ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا كَمَا فِي تَهْذِيبِ الْأَزْهَرِيّ، وَمُقْتَضَاهُ الْمُبَايَنَةُ بَيْنَ الْقَانِصِ بِالْقَافِ وَالْغَائِصِ بِالْغَيْنِ، وَفَسَّرَ الزَّيْلَعِيُّ ضَرْبَةَ الْقَانِصِ بِالْقَافِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الصَّيْدِ بِضَرْبَةِ الشَّبَكَةِ أَوْ بِغَوْصِ الصَّائِدِ فِي الْمَاءِ. قَالَ النَّهْرِ: وَهَذَا يُوهِمُ شُمُولَ الْقَانِصِ بِالْقَافِ لِلْغَائِصِ، وَالْوَاقِعُ مَا قَدْ عَلِمْتَهُ. وَجَعَلَ فِي السِّرَاجِ الْقَانِصُ صَيَّادُ الْبَرِّ وَالْغَائِصُ صَيَّادُ الْبَحْرِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الصَّائِدَ بِالْآلَةِ وَهُوَ الْقَانِصُ بِالْقَافِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ فِي الْبَحْرِ أَوْ الْبَرِّ بِخِلَافِ الْغَائِصِ. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَانِصَ بِالْقَافِ مَنْ يَصْطَادُ الصَّيْدَ بَرًّا أَوْ بَحْرًا، وَأَمَّا الْغَائِصُ بِالْغَيْنِ فَهُوَ مَنْ يَغُوصُ لِاسْتِخْرَاجِ اللَّآلِئِ مَثَلًا
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفُ وَبَيْعُ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ.
(قَوْلُهُ وَالْمُزَابَنَةُ) مِنْ الزَّبْنِ: وَهُوَ الدَّفْعُ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إلَى النِّزَاعِ وَالْمُدَافَعَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْفَائِقِ (قَوْلُهُ مِثْلُ كَيْلِهِ تَقْدِيرًا) أَيْ بِأَنْ يُقَدَّرَ الرُّطَبُ الَّذِي عَلَى النَّخْلِ بِمِقْدَارِ مِائَةِ صَاعٍ مَثَلًا بِطَرِيقِ الظَّنِّ وَالْحَزْرِ فَيَبِيعُهُ بِقَدْرِهِ مِنْ التَّمْرِ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ الْعِنَبُ) أَيْ عَلَى الْكَرْمِ (قَوْلُهُ وَلِشُبْهَةِ الرِّبَا) ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَكِيلٍ بِمَكِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا بِالْكَيْلِ (قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَيْ) مَا بِيعَ بِالتَّمْرِ الْمَقْطُوعِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُزَابَنَةِ بِأَنَّهَا بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ: أَيْ بِالْمُثَلَّثَةِ فِي الْأَوَّلِ وَالْمُثَنَّاةِ فِي الثَّانِي خِلَافُ التَّحْقِيقِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِتَمْرٍ إلَخْ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ بِالْمُثَلَّثَةِ حَمْلُ الشَّجَرِ رُطَبًا أَوْ غَيْرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ رُطَبًا جَازَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَلَوْ كَانَ الرُّطَبُ عَلَى الْأَرْضِ كَالتَّمْرِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُتَسَاوِيًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ لِمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الرِّبَا. اهـ (قَوْلُهُ فَنَهَى عَنْهَا كُلِّهَا) فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ» زَادَ مُسْلِمٌ أَمَّا الْمُلَامَسَةُ: فَأَنْ يَلْمِسَ كُلٌّ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ لِيَلْزَمَ اللَّامِسَ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لَهُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، وَهَذَا بِأَنْ يَكُونَ مَثَلًا فِي ظُلْمَةٍ أَوْ يَكُونَ الثَّوْبُ مَطْوِيًّا مَرْئِيًّا يَتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمَسَهُ فَقَدْ بَاعَهُ مِنْهُ، وَفَسَادُهُ لِتَعْلِيقِ التَّمْلِيكِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى لَمَسَهُ وَجَبَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ: وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إلَى الْآخَرِ وَلَا يَنْظُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ عَلَى جَعْلِ النَّبْذِ بَيْعًا، وَهَذِهِ كَانَتْ بُيُوعًا يَتَعَارَفُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَكَذَا إلْقَاءُ الْحَجَرِ أَنْ يُلْقِيَ حَصَاةً وَثَمَّةَ أَثْوَابٍ فَأَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَ عَلَيْهِ كَانَ الْمَبِيعَ بِلَا تَأَمُّلٍ وَرُؤْيَةٍ، وَلَا خِيَارَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَسْبِقَ تَرَاوُضَهُمَا عَلَى الثَّمَنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ. وَمَعْنَى النَّهْيِ مَا فِي كُلٍّ مِنْ الْجَهَالَةِ وَتَعْلِيقِ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى إذَا وَقَعَ حَجَرِي عَلَى ثَوْبٍ فَقَدْ بِعْتُهُ مِنْكَ أَوْ بِعْتنِيهِ بِكَذَا أَوْ إذَا نَبَذْته أَوْ لَمَسْته كَذَا فِي الْفَتْحِ. وَذَكَرَ فِي الدُّرَرِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ إلْقَاءِ الْحَجَرِ أُلْحِقَ
стр. 2799
لِوُجُودِ الْقِمَارِ، فَكَانَتْ فَاسِدَةً إنْ سَبَقَ ذِكْرُ الثَّمَنِ بَحْرٌ
(وَ) بَيْعُ (ثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ) أَوْ عَبْدٍ مِنْ عَبْدَيْنِ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ، فَلَوْ قَبَضَهُمَا وَهَلَكَا مَعًا ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَةِ كُلٍّ.
إذْ الْفَاسِدُ مُعْتَبَرٌ بِالصَّحِيحِ وَلَوْ مُرَتَّبَيْنِ، فَقِيمَةُ الْأَوَّلِ لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ وَالْقَوْلُ لِلضَّامِنِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ خِيَارُ التَّعْيِينِ، فَلَوْ شَرَطَ أَخْذَ أَيِّهِمَا شَاءَ جَازَ لِمَا مَرَّ
(وَالْمَرَاعِي) أَيْ الْكَلَأُ (وَإِجَارَتُهَا) أَمَّا بُطْلَانُ بَيْعِهَا فَلِعَدَمِ الْمِلْكِ لِحَدِيثِ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ»
ــ
[رد المحتار]
بِالْأَوَّلَيْنِ دَلَالَةً (قَوْلُهُ لِوُجُودِ الْقِمَارِ) أَيْ بِسَبَبِ تَعْلِيقِ التَّمْلِيكِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ. اهـ. ح (قَوْلُهُ إنْ سَبَقَ ذِكْرُ الثَّمَنِ) عِبَارَةُ الْبَحْرِ: وَلَا بُدَّ فِي هَذِهِ الْبُيُوعِ أَنْ يَسْبِقَ الْكَلَامُ مِنْهُمَا عَلَى الثَّمَنِ. اهـ أَيْ لِتَكُونَ عِلَّةُ الْفَسَادِ مَا ذَكَرَ وَإِلَّا كَانَ الْفَسَادُ لِعَدَمِ ذِكْرِ الثَّمَنِ إنْ سَكَتَا عَنْهُ، لِمَا مَرَّ أَنَّ الْبَيْعَ مَعَ نَفْيِ الثَّمَنِ بَاطِلٌ وَمَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ فَاسِدٌ.
(قَوْلُهُ وَثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ) قَيَّدَ بِالْقِيَمِيِّ، إذْ بَيْعُ الْمُبْهَمِ فِي الْمِثْلِيِّ جَائِزٌ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ (قَوْلُهُ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَةِ كُلٍّ) ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْآخَرَ أَمَانَةٌ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَشَاعَتْ الْأَمَانَةُ وَالضَّمَانُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ إذْ الْفَاسِدُ مُعْتَبَرٌ بِالصَّحِيحِ) أَيْ مُلْحَقٌ بِهِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا بِأَنْ يَقْبِضَ ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا صَحَّ، فَإِذَا هَلَكَا ضَمِنَ نِصْفَ ثَمَنِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْقِيمَةُ فِي الْفَاسِدِ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ) أَيْ رَدِّ مَا هَلَكَ أَوَّلًا فَتَعَيَّنَ مَضْمُونًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَالْقَوْلُ لِلضَّامِنِ) أَيْ فِي تَعْيِينِ الْهَالِكِ، وَذَلِكَ بِأَنْ اخْتَلَفَ الثَّوْبَانِ أَوْ الْعَبْدَانِ وَادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّ الْهَالِكَ هُوَ الْأَقَلُّ قِيمَةً وَعَكْسُ الْآخَرِ، وَلَوْ بَرْهَنَّا فَبُرْهَانُ الْبَائِعِ أَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا قَدَّمْنَا التَّصْرِيحَ بِهِ فِي خِيَارِ التَّعْيِينِ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ الْفَسَادُ فِيمَا إذَا بَاعَ ثَوْبَيْنِ مَثَلًا (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ خِيَارُ التَّعْيِينِ) أَيْ فِيمَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ، وَقَوْلُ الْبَحْرِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ فِيهِ قُصُورٌ (قَوْلُهُ فَلَوْ شَرَطَ أَخْذَ أَيِّهِمَا شَاءَ) بِنَصْبِ أَخْذَ مَصْدَرًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِشَرَطَ، بِأَنْ قَالَ بِعْتُك وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ تَأْخُذُ أَيَّهُمَا شِئْت فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمَسْأَلَةِ بِفُرُوعِهَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ فِي بَابِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَالتَّعْيِينِ.
(قَوْلُهُ وَالْمَرَاعِي) فِي الْمِصْبَاحِ: الرِّعْيُ بِالْكَسْرِ وَالْمَرْعَى بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا تَرْعَاهُ الدَّوَابُّ وَالْجَمْعُ الْمَرَاعِي بَحْرٌ (قَوْلُهُ أَيْ الْكَلَأُ) فَسَّرَهَا بِالْكَلَإِ دَفْعًا لِوَهْمِ أَنْ يُرَادَ مَكَانُ الرَّعْيِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ فَتْحٌ: أَيْ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا كَمَا لَا يَخْفَى وَالْكَلَأُ كَجَبَلٍ: الْعُشْبُ رَطْبُهُ وَيَابِسُهُ قَامُوسٌ: قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ مَا تَرْعَاهُ الْمَوَاشِي رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا، بِخِلَافِ الْأَشْجَارِ؛ لِأَنَّ الْكَلَأَ مَا لَا سَاقَ لَهُ وَالشَّجَرُ لَهُ سَاقٌ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ، حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهَا إذَا نَبَتَتْ فِي أَرْضِهِ لِكَوْنِهَا مِلْكَهُ وَالْكَمْأَةُ كَالْكَلَإِ. اهـ (قَوْلُهُ أَمَّا بُطْلَانُهَا) هَذَا مُخَالِفٌ لِسَوْقِ كَلَامِ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي ذِكْرِ الْفَاسِدِ، فَمُرَادُهُ أَنَّ بَيْعَهَا فَاسِدٌ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِهِ، نَعَمْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَصَرَّحَ مُنْلَا خُسْرو بِفَسَادِ هَذَا الْبَيْعِ، وَصَرَّحَ فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ بِبُطْلَانِهِ وَعَلَّلَهُ بِعَدَمِ الْإِحْرَازِ.
اهـ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ شَرْحُ كَلَامِهِ عَلَى وَفْقِ مَرَامِهِ مَعَ بَيَانِ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ لَمَّا رَأَى الْقَوْلَ بِالْفَسَادِ مُعَلَّلًا بِعَدَمِ الْمِلْكِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّ بَيْعَ مَا لَا يَمْلِكُ بَاطِلٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ لَكِنَّهُ لَا يُوَافِقُ غَرَضَ الْمُصَنِّفُ كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ فَلِعَدَمِ الْمِلْكِ) لِاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِيهِ اشْتَرَاكَ إبَاحَةٍ لَا مِلْكٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُهُ بِدُونِ بَيْعٍ فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ: النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ " الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ " إلَخْ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي آخِرِهِ " ثَمَنُهُ حَرَامٌ " أَيْ ثَمَنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ عَدِيٍّ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ نُوحٌ أَفَنْدِي، وَمَعْنَى الشَّرِكَةِ فِي النَّارِ الِاصْطِلَاءُ بِهَا وَتَجْفِيفُ الثِّيَابِ لَا أَخَذُ الْجَمْرِ
стр. 2800
وَأَمَّا بُطْلَانُ إجَارَتِهَا فَلِأَنَّهَا عَلَى اسْتِهْلَاكِ عَيْنٍ ابْنُ كَمَالٍ، وَهَذَا إذَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَإِنْ أَنْبَتَهُ بِسَقْيٍ وَتَرْبِيَةٍ مَلَكَهُ وَجَازَ بَيْعُهُ عَيْنِيٌّ، وَقِيلَ لَا
قَالَ وَبَيْعُ الْقَصِيلِ وَالرَّطْبَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ لِيَقْطَعَهُ أَوْ لِيُرْسِلَ دَابَّتَهُ فَتَأْكُلَ جَازَ وَإِنْ لِيَتْرُكَهُ لَمْ يَجُزْ، وَحِيلَتُهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَرْضَ لِضَرْبِ فُسْطَاطِهِ أَوْ لِإِيقَافِ دَوَابِّهِ أَوْ لِمَنْفَعَةٍ أُخْرَى كَمَقِيلٍ وَمُرَاحٍ، وَتَمَامُهُ فِي وَقْفِ الْأَشْبَاهِ.
ــ
[رد المحتار]
إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، وَفِي الْمَاءِ سَقْيُ الدَّوَابِّ وَالِاسْتِقَاءُ مِنْ الْآبَارِ وَالْحِيَاضِ وَالْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ، وَفِي الْكَلَإِ الِاحْتِشَاشُ، وَلَوْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ غَيْرَ أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الْمَنْعَ مِنْ دُخُولِهِ، وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ إنَّ لِي فِي أَرْضِك حَقًّا فَإِمَّا أَنْ تُوصِلَنِي إلَيْهِ أَوْ تَحُشَّهُ أَوْ تَسْتَقِي وَتَدْفَعَهُ لِي، وَصَارَ كَثَوْبِ رَجُلٍ وَقَعَ فِي دَارِ رَجُلٍ إمَّا أَنْ يَأْذَنَ لِلْمَالِكِ فِي دُخُولِهِ لِيَأْخُذَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُخْرِجَهُ إلَيْهِ فَتْحٌ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا بُطْلَانُ إجَارَتِهَا) مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْكَمَالِ مِنْ بُطْلَانِ إجَارَتِهَا مُخَالِفٌ لِسَوْقِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: وَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَهَلْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ ذَكَرَ فِي الشُّرْبِ أَنَّهَا فَاسِدَةٌ حَتَّى يَمْلِكَ الْآجِرُ الْأُجْرَةَ بِالْقَبْضِ وَيَنْفُذَ عِتْقُهُ فِيهِ. اهـ قَالَ فِي النَّهْرِ: فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ اهـ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ بُطْلَانُ بَيْعِ الْكَلَإِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا) أَيْ لَا يَمْلِكُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ ثَابِتَةٌ، وَإِنَّمَا تَنْقَطِعُ بِالْحِيَازَةِ وَسَوْقُ الْمَاءِ لَيْسَ بِحِيَازَةٍ وَعَلَى الْجَوَازِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، وَاخْتَارَهُ الشَّهِيدُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَعَلَيْهِ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَنْبَغِي أَنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ يَمْلِكُ الْمَاءَ بِتَكَلُّفِهِ الْحَفْرَ وَالطَّيِّ لِتَحْصِيلِ الْمَاءِ كَمَا يَمْلِكُ الْكَلَأَ بِتَكَلُّفِهِ سَوْقَ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ لِيَنْبُتَ فَلَهُ مَنْعُ الْمُسْتَقِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ اهـ. وَأَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ سَقْيَ الْكَلَأِ كَانَ سَبَبًا فِي إنْبَاتِهِ فَنَبَتَ، بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ قَبْلَ حَفْرِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِالْحَفْرِ نَهْرٌ.
مَطْلَبٌ صَاحِبُ الْبِئْرِ لَا يَمْلِكُ الْمَاءَ وَقَالَ الرَّمْلِيُّ: إنَّ صَاحِبَ الْبِئْرِ لَا يَمْلِكُ الْمَاءَ كَمَا قَدَّمَهُ فِي الْبَحْرِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَانْتِفَاخُ حَيَوَانٍ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ فَرَاجِعْهُ، وَهَذَا مَا دَامَ فِي الْبِئْرِ، أَمَّا إذَا أَخْرَجَهُ مِنْهَا بِالِاحْتِيَالِ كَمَا فِي السَّوَانِي فَلَا شَكَّ فِي مِلْكِهِ لَهُ لِحِيَازَتِهِ لَهُ فِي الْكِيزَانِ ثُمَّ صَبَّهُ فِي الْبِرَكِ بَعْدَ حِيَازَتِهِ. تَأَمَّلْ، ثُمَّ حَرَّرَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا فِي الْبِئْرِ وَمَا فِي الْجِبَابِ وَالصَّهَارِيجِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْبُيُوتِ لِجَمْعِ مَاءِ الشِّتَاءِ بِأَنَّهَا أُعِدَّتْ لِإِحْرَازِ الْمَاءِ فَيَمْلِكُ مَا فِيهَا، فَلَوْ آجَرَ الدَّارَ لَا يُبَاحُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَاؤُهَا إلَّا بِإِبَاحَةِ الْمُؤْجِرِ اهـ مُلَخَّصًا
(قَوْلُهُ قَالَ) أَيْ الْعَيْنِيُّ (قَوْلُهُ وَبَيْعُ الْقَصِيلِ وَالرَّطْبَةِ) فِي الْمِصْبَاحِ قَصَلْتُهُ قَصْلًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ قَطَعْتَهُ فَهُوَ قَصِيلٌ وَمَقْصُولٌ، مِنْهُ الْقَصِيلُ: وَهُوَ الشَّعِيرُ يُجَزُّ إذَا اخْضَرَّ لِعَلَفِ الدَّوَابِّ، وَالرَّطْبَةُ. الْغَضَّةُ خَاصَّةً قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ وَالْجَمْعُ رِطَابٌ مِثْلُ كَلْبَةٍ وَكِلَابٍ، وَالرُّطْبُ وِزَانُ قُفْلٍ: الْمَرْعَى الْأَخْضَرُ مِنْ بُقُولِ الرَّبِيعِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الرُّطْبَةُ وِزَانُ غُرْفَةٍ: الْخَلَا، وَهُوَ الْغَضُّ مِنْ الْكَلَإِ (قَوْلُهُ وَحِيلَتُهُ) أَيْ حِيلَةُ جَوَازِ بَيْعِ الْكَلَإِ وَكَذَا إجَارَتُهُ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ إجَارَتِهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا أَرْضًا لِإِيقَافِ الدَّوَابِّ فِيهَا أَوْ لِمَنْفَعَةٍ أُخْرَى بِقَدْرِ مَا يُرِيدُ صَاحِبُهُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْأُجْرَةِ فَيَحْصُلُ بِهِ غَرَضُهُمَا اهـ. وَفِي الْفَتْحِ: وَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَرْضَ لِيَضْرِبَ فِيهَا فُسْطَاطَهُ أَوْ لِيَجْعَلَهُ حَظِيرَةً لِغَنَمِهِ ثُمَّ يَسْتَبِيحَ الْمَرْعَى فَيَحْصُلُ مَقْصُودُهُمَا (قَوْلُهُ كَمَقِيلٍ وَمُرَاحٍ) الْمَقِيلُ: مَكَانُ الْقَيْلُولَةِ، وَهِيَ النَّوْمُ نِصْفَ النَّهَارِ. وَالْمُرَاحُ: بِالضَّمِّ حَيْثُ تَأْوِي الْمَاشِيَةُ بِاللَّيْلِ وَبِالْفَتْحِ اسْمُ الْمَوْضِعِ.
стр. 2801
(وَيُبَاعُ دُودُ الْقَزِّ) أَيْ الْإِبْرَيْسَمُ (وَبَيْضُهُ) أَيْ بِزْرُهُ، وَهُوَ بِزْرُ الْفَيْلَقِ الَّذِي فِيهِ الدُّودُ (وَالنَّحْلُ) الْمُحْرَزُ، وَهُوَ دُودُ الْعَسَلِ، وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَبِهِ قَالَتْ الثَّلَاثَةُ، وَبِهِ يُفْتَى عَيْنِيٌّ وَابْنُ مَلَكٍ وَخُلَاصَةٌ وَغَيْرُهَا. وَجَوَّزَ أَبُو اللَّيْثِ بَيْعَ الْعَلَقِ، وَبِهِ يُفْتَى لِلْحَاجَةِ مُجْتَبَى (بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْهَوَامِّ) فَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا كَحَيَّاتٍ وَضَبٍّ وَمَا فِي بَحْرٍ كَسَرَطَانٍ، إلَّا السَّمَكَ وَمَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ أَوْ عَظْمِهِ.
ــ
[رد المحتار]
[مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ دُودَةِ الْقِرْمِزِ]
ِ (قَوْلُهُ أَيْ الْإِبْرَيْسَمُ) فِي الْمِصْبَاحِ: الْقَزُّ مُعَرَّبٌ. قَالَ اللَّيْثُ: هُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْهُ الْإِبْرَيْسَمُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَزُّ وَالْإِبْرَيْسَمُ مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ اهـ. وَأَمَّا الْخَزُّ فَاسْمُ دَابَّةٍ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَّخَذِ مِنْ وَبَرِهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ أَيْ بِزْرَهُ) أَيْ الْبِزْرُ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الدُّودُ قُهُسْتَانِيٌّ، وَهُوَ بِالزَّايِ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: بَذَرْت الْحَبَّ بَذْرًا أَيْ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مِنْ بَابِ قَتَلَ: إذَا أَلْقَيْتُهُ فِي الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ. وَالْبُذُورُ: الْمَبْذُورُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَذْرُ فِي الْحُبُوبِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ. وَالْبِزْرُ: أَيْ بِالزَّايِ فِي الرَّيَاحِينِ وَالْبُقُولِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَنُقِلَ عَنْ الْخَلِيلِ كُلُّ حَبٍّ يُبْذَرُ فَهُوَ بَذْرٌ وَبِزْرٌ ثُمَّ قَالَ فِي اجْتِمَاعِ الْبَاءِ مَعَ الزَّايِ الْبِزْرُ مِنْ الْبَقْلِ وَنَحْوِهِ بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ، وَقَوْلُهُمْ لِبَيْضِ الدُّودِ بِزْرُ الْقَزِّ مَجَازٌ عَلَى التَّشْبِيهِ بِبِزْرِ الْبَقْلِ لِصِغَرِهِ (قَوْلُهُ وَهُوَ بِزْرُ الْفَيْلَقِ) هُوَ الْمُسَمَّى الْآنَ بِالشَّرَانِقِ (قَوْلُهُ الْمُحْرَزُ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الذَّخِيرَةِ إذَا كَانَ مَجْمُوعًا؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ حَقِيقَةً وَشَرْعًا فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ كَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الثَّلَاثِ.
وَأَمَّا اقْتِصَارُ صَاحِبِ الْكَنْزِ عَلَى جَوَازِ الْأَوَّلَيْنِ دُونَ النَّخْلِ فَلَعَلَّ وَجْهَهُ كَمَا أَفَادَهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَنَّ إحْرَازَهُ مُتَعَسَّرٌ فَتَرَجَّحَ عِنْدَهُ قَوْلُهُمَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ بَيْعُهُ لَيْلًا لَا نَهَارًا لِتَفَرُّقِهِ حَالَ النَّهَارِ فِي الْمَرَاعِي. وَأَمَّا اعْتِذَارُ الْبَحْرِ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ بَعِيدٌ (قَوْلُهُ بَيْعُ الْعَلَقِ) فِي الْمِصْبَاحِ: الْعَلَقُ شَيْءٌ أَسْوَدُ شَبِيهُ الدُّودِ يَكُونُ فِي الْمَاءِ يَعْلَقُ بِأَفْوَاهِ الْإِبِلِ عِنْدَ الشُّرْبِ (قَوْلُهُ وَبِهِ يُفْتَى لِلْحَاجَةِ) فِي الْبَحْرِ عَنْ الذَّخِيرَةِ إذَا اشْتَرَى الْعَلَقَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ " مرعل " يَجُوزُ، وَبِهِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ لِتَمَوُّلِ النَّاسِ لَهُ اهـ.
أَقُولُ: الْعَلَقُ فِي زَمَانِنَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلتَّدَاوِي بِمَصِّهِ الدَّمَ، وَحَيْثُ كَانَ مُتَمَوَّلًا لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ دُودَةِ الْقِرْمِزِ فَإِنَّ تَمَوُّلُهَا الْآنَ أَعْظَمُ إذْ هِيَ مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ، وَيُبَاعُ مِنْهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ قَنَاطِيرُ بِثَمَنٍ عَظِيمٍ، وَلَعَلَّهَا هِيَ الْمُرَادَةُ بِالْعَلَقِ فِي عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ، فَتَكُونُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ بَيْعِ الْمَيْتَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَيْهِ لِلتَّدَاوِي لَا يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِهِ كَمَا فِي لَبَنِ الْمَرْأَةِ وَكَالِاحْتِيَاجِ إلَى الْخَرْزِ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ لَا يُسَوَّغُ بَيْعُهُ كَمَا يَأْتِي، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَلَقٌ خَاصٌّ مُتَمَوَّلٌ عِنْدَ النَّاسِ وَذَلِكَ مُتَحَقَّقٌ فِي دُودِ الْقِرْمِزِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دُودِ الْقَزِّ وَبَيْضِهِ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْحَالِ وَدُودُ الْقَزِّ فِي الْمَآلِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ مِنْ الْهَوَامِّ) جَمْعُ هَامَّةٍ مِثْلُ دَابَّةٍ وَدَوَابَّ: وَهِيَ مَا لَهُ سُمٌّ يَقْتُلُ كَالْحَيَّةِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُؤْذِي وَلَا يَقْتُلُ كَالْحَشَرَاتِ مِصْبَاحٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَشْمَلُ الْمُؤْذِيَ وَغَيْرَهُ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ فَلَا يَجُوزُ) وَبَيْعُهَا بَاطِلٌ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ ط (قَوْلُهُ كَحَيَّاتٍ) فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ: يَجُوزُ بَيْعُ الْحَيَّاتِ إذَا كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا لِلْأَدْوِيَةِ، وَمَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ أَوْ عَظْمِهِ أَيْ مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ أَوْ غَيْرِهَا.
قَالَ فِي الْحَاوِي: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْهَوَامِّ كَالْحَيَّةٍ وَالْفَأْرِ وَالْوَزَغَةِ وَالضَّبِّ وَالسُّلَحْفَاةِ وَالْقُنْفُذِ وَكُلِّ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا بِجِلْدِهِ وَبَيْعُ غَيْرِ السَّمَكِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ، إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ كَالسَّقَنْقُورِ وَجُلُودِ الْخَزِّ وَنَحْوِهَا يَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا كَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ، وَذَكَرَ قَبْلَهُ وَيَبْطُلُ بَيْعُ الْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَسَائِرِ الْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ، وَلَا يَضْمَنُ مُتْلِفُهَا. وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَازِي وَالشَّاهِينَ وَالصَّقْرِ وَأَمْثَالِهَا وَالْهِرَّةِ، وَيَضْمَنُ مُتْلِفُهَا، لَا بَيْعُ الْحِدَأَةِ وَالرَّخَمَةِ وَأَمْثَالِهِمَا. وَيَجُوزُ بَيْعُ رِيشِهَا، اهـ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ:
стр. 2802
وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ يَدُورُ مَعَ حِلِّ الِانْتِفَاعِ مُجْتَبًى، وَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ وَسَيَجِيءُ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ.
[فَرْعٌ] إنَّمَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِي الْقَزِّ إذَا كَانَ الْبَيْضُ مِنْهُمَا وَالْعَمَلُ مِنْهُمَا وَهُوَ بَيْنَهُمَا أَنْصَافًا لَا أَثْلَاثًا، فَلَوْ دَفَعَ بِزْرَ الْقَزِّ أَوْ بَقَرَةً أَوْ دَجَاجًا لِآخَرَ بِالْعَلَفِ مُنَاصَفَةً فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِلْمَالِكِ لِحُدُوثِهِ مِنْ مِلْكِهِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَلَفِ وَأَجْرُ مِثْلِ الْعَامِلِ عَيْنِيٌّ مُلَخَّصًا، وَمِثْلُهُ دَفْعُ الْبَيْضِ كَمَا لَا يَخْفَى
(وَالْآبِقِ) وَلَوْ لِطِفْلِهِ أَوْ لِيَتِيمٍ فِي حِجْرِهِ، وَلَوْ وَهَبَهُ لَهُمَا صَحَّ عَيْنِيٌّ؛
ــ
[رد المحتار]
بَيْعُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ عِنْدَنَا جَائِزٌ، وَكَذَا السِّنَّوْرُ، وَسِبَاعُ الْوَحْشِ وَالطَّيْرُ جَائِزٌ مُعَلَّمًا أَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ، وَبَيْعُ الْفِيلِ جَائِزٌ. وَفِي الْقِرْدِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ وَنَقَلَ السَّائِحَانِيُّ عَنْ الْهِنْدِيَّةِ: وَيَجُوزُ بَيْعُ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى الْخِنْزِيرِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ اهـ وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ بَابِ الْمُتَفَرِّقَاتِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَالْحَاصِلُ إلَخْ) وَيُرَدُّ عَلَيْهِ شَعْرُ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَمَا يَأْتِي. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ حِلَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَالْكَلَامُ عِنْدَ عَدَمِهَا (قَوْلُهُ وَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ) حَيْثُ قَالَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَلْيَكُنْ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَهُوَ بَيْنَهُمَا أَنْصَافًا) الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى الْقَزِّ الْخَارِجِ مِنْ الْبَيْضِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ اشْتِرَاطَ كَوْنِهِ بَيْنَهُمَا أَنْصَافًا إذَا كَانَ الْبَيْضُ مِنْهُمَا كَذَلِكَ فَلَوْ كَانَ ثُلُثُهُ مِنْ وَاحِدٍ وَالثُّلُثَانِ مِنْ آخَرَ يَكُونُ الْقَزُّ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا اعْتِبَارًا بِأَصْلِ الْمِلْكِ، كَمَا لَوْ زَرَعَا أَرْضًا بِبَذْرٍ مِنْهُمَا فَالْخَارِجُ عَلَى قَدْرِ الْبَذْرِ وَإِنْ شَرَطَا خِلَافَهُ (قَوْلُهُ بِالْعَلَفِ مُنَاصَفَةً) مُتَعَلِّقٌ بِدَفَعَ: أَيْ دَفَعَ ذَلِكَ لِيَكُونَ الْخَارِجُ مِنْ الْبِزْرِ وَالْبَقَرَةِ وَالدَّجَاجِ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَفَ ذَلِكَ مِنْ وَرَقِ التُّوتِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِلْمَالِكِ) أَيْ الْخَارِجُ: وَهُوَ الْقَزُّ وَاللَّبَنُ وَالسَّمْنُ وَالْبَيْضُ كُلُّهُ لِلْمَالِكِ، فَإِنَّ اسْتَهْلَكَهُ الْعَامِلُ ضَمِنَهُ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَلَفِ) أَيْ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا (قَوْلُهُ وَأَجْرُ مِثْلِ الْعَامِلِ) الظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ الْأَجْرَ بَالِغًا مَا بَلَغَ لِجَهَالَةِ التَّسْمِيَةِ، وَانْظُرْ مَا كَتَبْنَاهُ فِي إجَارَاتِ تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ دَفْعُ الْبَيْضِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْمُتَعَارَفُ فِي أَرْيَافِ مِصْرَ دَفْعُ الْبَيْضِ لِيَكُونَ الْخَارِجُ مِنْهُ بِالنِّصْفِ مَثَلًا، وَهُوَ عَلَى وِزَانِ دَفْعِ الْقَزِّ بِالنِّصْفِ، فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَيْضِ وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ اهـ. قُلْت: وَيُتَعَارَفُ الْآنَ دَفْعُ الْمُهْرِ أَوْ الْعِجْلِ أَوْ الْجَحْشِ لِيُرَبِّيَهُ بِنِصْفِهِ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِ الدَّافِعِ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَقِيمَةُ عَلَفِهِ: وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَبِيعَهُ نِصْفَ الْمُهْرِ بِثَمَنٍ يَسِيرٍ فَيَصِيرَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا. وَيُتَعَارَفُ أَيْضًا مَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ. وَهُوَ دَفْعُ الْأَرْضِ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِيَغْرِسَهَا وَتَكُونَ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَالثَّمَرُ وَالْغَرْسُ لِرَبِّ الْأَرْضِ تَبَعًا لِأَرْضِهِ وَلِلْآخَرِ قِيمَةُ غَرْسِهِ يَوْمَ غَرَسَهُ وَأَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْآبِقِ) أَيْ الْمُطْلَقِ وَهُوَ الَّذِي أَبَقَ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ: وَلَمْ يَزْعُمْ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ عِنْدَهُ فَهَذَا بَيْعُهُ فَاسِدٌ أَوْ بَاطِلٌ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ، أَمَّا لَوْ أَبَقَ مِنْ يَدِ غَاصِبِهِ وَبَاعَهُ الْمَالِكُ مِنْهُ أَوْ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ وَبَاعَهُ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عِنْدَهُ فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ كَمَا يَأْتِي. وَأَمَّا لَوْ بَاعَهُ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، فَفِي النَّهْرِ أَنَّ بَيْعَهُ فَاسِدٌ اتِّفَاقًا، وَعَلَّلَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ تَسْلِيمَهُ فِعْلُ غَيْرِهِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ. وَفِي النَّهْرِ أَيْضًا: خَرَجَ بِالْآبِقِ الْمُرْسَلُ فِي حَاجَةِ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ وَقْتَ الْعَقْدِ حُكْمًا، إذْ الظَّاهِرُ عَوْدُهُ (قَوْلُهُ، وَلَوْ وَهَبَهُ لَهُمَا صَحَّ) وَالْفَرْقُ أَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ عَقِبَ الْبَيْعِ وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْيَدِ يَصْلُحُ لِقَبْضِ الْهِبَةِ لَا لِقَبْضِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ بِإِزَاءِ مَالٍ مَقْبُوضٍ مِنْ مَالِ الِابْنِ
стр. 2803
وَمَا فِي الْأَشْبَاهِ تَحْرِيفٌ نَهْرٌ (إلَّا مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ) أَيْ الْآبِقَ (عِنْدَهُ) فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ وَهَلْ يَصِيرُ قَابِضًا إنْ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ قَبَضَهُ وَلَمْ يُشْهِدْ؟ نَعَمْ وَإِنْ أَشْهَدَ لَا؛ لِأَنَّهُ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى عِنَايَةٌ،
ــ
[رد المحتار]
وَهَذَا قَبْضٌ لَيْسَ بِإِزَائِهِ مَالٌ مِنْ الْوَلَدِ فَكَفَتْ تِلْكَ الْيَدُ لَهُ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ عَادَ إلَى مِلْكِ الصَّغِيرِ هَكَذَا فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ بَحْرٌ.
وَفِيهِ عَنْ الذَّخِيرَةِ تَقْيِيدُ صِحَّةِ الْهِبَةِ بِمَا دَامَ الْعَبْدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ وَمَا فِي الْأَشْبَاهِ تَحْرِيفٌ نَهْرٌ) اُعْتُرِضَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا فِي الْأَشْبَاهِ مُوَافِقٌ لِمَا هُنَا، وَهَذَا نَصُّهُ: بَيْعُ الْآبِقِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عِنْدَهُ وَلَوْ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ فِي النَّهْرِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأَشْبَاهِ، بَلْ حَكَمَ بِالتَّحْرِيفِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْخَانِيَّةِ الْمَنْقُولُ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ جَوَازُ بَيْعِ الْآبِقِ لِطِفْلِهِ لَا هِبَتُهُ لَهُ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ النُّسَخُ الْأُخْرَى. قُلْت: الَّذِي رَأَيْته فِي الْأَشْبَاهِ وَلِوَلَدٍ بِدُونِ لَوْ وَعَلَيْهَا كَتَبَ الْحَمَوِيُّ. وَاعْتَرَضَهَا بِمَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ وَلَمَّا كَانَ مَا فِي الْأَشْبَاهِ مَعْزِيًّا إلَى الْخَانِيَّةِ وَرَدَ عَلَيْهَا مَا وَرَدَ عَلَى الْخَانِيَّةِ فَسَاغَ ذِكْرُهَا بَدَلَ الْخَانِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ تَدَاوُلًا فِي أَيْدِي الطَّلَبَةِ مِنْ الْخَانِيَّةِ فَافْهَمْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْبَحْرِ هُنَا تَنَاقُضًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ نُسْخَةَ الْخَانِيَّةِ الْمُحَرَّفَةَ وَقَالَ: إنَّهُ عَكْسُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ. ثُمَّ قَالَ: إنَّ الْحَقَّ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ، لِمَا فِي الْمِعْرَاجِ: لَوْ بَاعَهُ لِطِفْلِهِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ وَهَبَهُ لَهُ جَازَ إلَخْ.
وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَالْحَقُّ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ إلَّا مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَبْدُهُ) مُفَادُهُ أَنَّ النَّظَرَ لِزَعْمِ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْآبِقَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ التَّسْلِيمَ حَاصِلُ فَانْتَفَى الْمَانِعُ وَهُوَ عَدَمُ قُدْرَةِ الْبَائِعِ عَلَى التَّسْلِيمِ عَقِبَ الْبَيْعِ (قَوْلُهُ عِنْدَهُ) شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ فِي مَنْزِلِهِ، أَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَخْذِ إلَّا بِخُصُومَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَمَا فِي السِّرَاجِ نَهْرٌ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ النَّهْرِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عِنْدَ غَيْرِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ اتِّفَاقًا. وَأَجَابَ بِحَمْلِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ إلَّا بِخُصُومَةٍ اهـ. قُلْت: رَاجَعْت عِبَارَةَ السِّرَاجِ فَلَمْ أَرَ فِيهَا قَوْلَهُ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ، وَمِثْلُهُ فِي الْجَوْهَرَةِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ أَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ أَيْ فِي حَالِ إبَاقِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذْهُ أَحَدٌ، أَمَّا إذَا أَخَذَهُ أَحَدٌ فَلَا يَجُوزُ لِمَا عَلِمْته مِنْ تَعْلِيلِ الْفَتْحِ السَّابِقِ وَقَدْ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْفَتْحِ بِمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَخْذُ لَهُ مُعْتَرَفًا بِأَخْذِهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَهَلْ يَصِيرُ قَابِضًا إلَخْ) أَيْ لَوْ اشْتَرَاهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عِنْدَهُ هَلْ يَصِيرُ قَابِضًا فِي الْحَالِ، حَتَّى لَوْ رَجَعَ فَوَجَدَهُ هَلَكَ بَعْدَ وَقْتِ الْبَيْعِ يَتِمُّ الْقَبْضُ وَالْبَيْعُ أَمْ لَا (قَوْلُهُ إنْ قَبَضَهُ) أَيْ قَبَضَ الْآبِقَ حِينَ وَجَدَهُ لِنَفْسِهِ لَا لِيَرُدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ أَوْ قَبَضَهُ وَلَمْ يَشْهَدْ: أَيْ عَلَى أَنَّهُ قَبَضَهُ لِسَيِّدِهِ (قَوْلُهُ نَعَمْ) أَيْ يَصِيرُ قَابِضًا؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ هَذَا قَبْضُ غَصْبٍ وَهُوَ قَبْضُ ضَمَانٍ كَقَبْضِ الْبَيْعِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَشْهَدَ لَا إلَخْ) أَيْ لَا يَصِيرُ قَابِضًا؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ هَذَا قَبْضُ أَمَانَةٍ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى سَيِّدِهِ لَا يَضْمَنُهُ فَتْحٌ (قَوْلُهُ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ) أَيْ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَرَجَعَ بِالثَّمَنِ اهـ.
وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الذَّخِيرَةِ إذَا اشْتَرَى مَا هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ لَا يَكُونُ قَابِضًا إلَّا إذَا ذَهَبَ إلَى الْعَيْنِ إلَى مَكَان يَتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهَا
стр. 2804
وَإِلَّا إذَا أَبَقَ مِنْ الْغَاصِبِ فَبَاعَهُ الْمَالِكُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِعَدَمِ لُزُومِ التَّسْلِيمِ ذَخِيرَةٌ (وَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ عَادَ) وَسَلَّمَهُ (يَتِمُّ الْبَيْعُ) عَلَى الْقَوْلِ بِفَسَادِهِ، وَرَجَّحَهُ الْكَمَالُ (وَقِيلَ لَا) يَتِمُّ (عَلَى) الْقَوْلِ بِبُطْلَانِهِ وَهُوَ (الْأَظْهَرُ) مِنْ الرِّوَايَةِ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الْبَلْخِيّ وَغَيْرُهُ بَحْرٌ وَابْنُ كَمَالٍ
. (وَلَبَنِ امْرَأَةٍ) وَلَوْ (فِي وِعَاءٍ وَلَوْ أَمَةً) عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ آدَمِيٍّ وَالرِّقُّ مُخْتَصٌّ بِالْحَيِّ وَلَا حَيَاةَ فِي اللَّبَنِ فَلَا يُحِلُّهُ الرِّقُّ
(وَشَعْرِ الْخِنْزِيرِ) لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ
ــ
[رد المحتار]
فَيَصِيرُ الْآنَ قَابِضًا بِالتَّخْلِيَةِ، فَإِذَا هَلَكَ بَعْدَهُ هَلَكَ مِنْ مَالِهِ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْعَيْنِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَاضِيًا بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي دَلَالَةً اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَإِلَّا إذَا أَبَقَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ ذَخِيرَةٌ) قَالَ فِيهَا: وَالْأَصْلُ أَنَّ الْإِبَاقَ إنَّمَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ إذَا كَانَ التَّسْلِيمُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ بِأَنْ أَبَقَ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ ثُمَّ بَاعَهُ الْمَالِكُ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا يَجُوزُ الْبَيْعُ.
اهـ (قَوْلُهُ يَتِمُّ الْبَيْعُ) هُوَ رِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِقِيَامِ الْمِلْكِ وَالْمَالِيَّةِ فِي الْآبِقِ، وَلِذَا صَحَّ عِتْقُهُ وَبِهِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمَشَايِخِ حَتَّى أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَقَدْ وُجِدَتْ قَبْلَ الْفَسْخِ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ بَعْدَ أَنْ فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ أَوْ تَخَاصَمَا فَلَا يَعُودُ صَحِيحًا اتِّفَاقًا فَتْحٌ (قَوْلُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِفَسَادِهِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْحَقُّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ بِنَاءٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّهُ بَاطِلٌ أَوْ فَاسِدٌ وَأَنَّكَ عَلِمْتَ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْمُفْسِدِ فِي الْفَاسِدِ يَرُدُّهُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَائِمٌ مَعَ الْفَسَادِ وَمَعَ الْبُطْلَانِ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِصِفَةِ الْبُطْلَانِ بَلْ مَعْدُومًا، فَوَجْهُ الْبُطْلَانِ عَدَمُ قُدْرَةِ التَّسْلِيمِ، وَوَجْهُ الْفَسَادِ قِيَامُ الْمَالِيَّةِ وَالْمِلْكِ (قَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ الْكَمَالُ) حَيْثُ قَالَ وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ مُفْسِدٌ لَا مُبْطِلٌ وَأَطَالَ فِي تَحْقِيقِهِ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ الرِّوَايَةِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَوَّلُوا تِلْكَ الرِّوَايَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا انْعِقَادُ الْبَيْعِ بِالتَّعَاطِي الْآنَ اهـ. قُلْت: وَهَذَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبُيُوعِ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ بَيْعٍ بَاطِلٍ أَوْ فَاسِدٍ إلَّا بَعْدَ مُتَارَكَةِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الْبَلْخِيّ) الَّذِي فِي الْفَتْحِ وَهُوَ مُخْتَارُ مَشَايِخِ بَلْخٍ وَالثَّلْجِيُّ بِالثَّاءِ وَالْجِيمِ ط.
قُلْت: وَالْأَوَّلُ هُوَ أَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ تُوُفِّيَ سَنَةَ " ١٩٧ " وَالثَّانِي هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثَّلْجِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ تُوُفِّيَ وَهُوَ سَاجِدٌ سَنَةَ " ٢٣٦ ".
(قَوْلُهُ وَلَوْ فِي وِعَاءٍ) أَتَى بِلَوْ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ غَيْرُ قَيْدٍ، وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ تَقَدَّمَ دَفْعُهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الضَّرْعَ خَاصٌّ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كَالثَّدْيِ لِلْمَرْأَةِ، فَالْأَوْلَى عَدَمُ التَّقْيِيدِ لِيَعُمَّ مَا قَبْلَ الِانْفِصَالِ وَمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ) أَيْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ جَوَازُ بَيْعِ لَبَنِ الْأَمَةِ لِجَوَازِ إيرَادِ الْبَيْعِ عَلَى نَفْسِهَا فَكَذَا عَلَى جُزْئِهَا قُلْنَا: الرِّقُّ حِلُّ نَفْسِهَا فَأَمَّا اللَّبَنُ فَلَا رِقَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَحَلٍّ تَتَحَقَّقُ فِيهِ الْقُوَّةُ الَّتِي هِيَ ضِدُّهُ وَهُوَ الْحَيُّ، وَلَا حَيَاةَ فِي اللَّبَنِ فَلَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ، وَلَا لِلرِّقِّ فَكَذَا الْبَيْعُ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مُتْلِفُهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّدَاوِي بِهِ فِي الْعَيْنِ الرَّمْدَاءِ. وَفِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ بِالْمَنْعِ، وَقِيلَ بِالْجَوَازِ إذَا عُلِمَ فِيهِ الشِّفَاءُ كَمَا فِي الْفَتْحِ هُنَا.
مَطْلَبٌ فِي التَّدَاوِي بِلَبَنِ الْبِنْتِ لِلرَّمَدِ قَوْلَانِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّ أَهْلَ الطِّبِّ يُثْبِتُونَ نَفْعًا لِلَبَنِ الْبِنْتِ لِلْعَيْنِ وَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ مَسْأَلَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمُحَرَّمِ لِلتَّدَاوِي كَالْخَمْرِ، وَاخْتَارَ فِي النِّهَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ الْجَوَازَ إذَا عُلِمَ فِيهِ الشِّفَاءُ وَلَمْ يَجِدْ دَوَاءً غَيْرَهُ بَحْرٌ، وَسَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - تَمَامُهُ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْبُيُوعِ، وَكَذَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ.
(قَوْلُهُ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ) أَيْ عَيْنِ الْخِنْزِيرِ أَيْ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ. وَأَوْرَدَ
стр. 2805
فَيَبْطُلُ بَيْعُهُ ابْنُ كَمَالٍ (وَ) إنْ (جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ) لِضَرُورَةِ الْخَرْزِ؛ حَتَّى لَوْ لَمْ يُوجَدْ بِلَا ثَمَنٍ جَازَ الشِّرَاءُ لِلضَّرُورَةِ وَكُرِهَ الْبَيْعُ فَلَا يَطِيبُ ثَمَنُهُ وَيُفْسِدُ الْمَاءَ عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، قِيلَ هَذَا فِي الْمَنْتُوفِ، أَمَّا الْمَجْزُوزُ فَطَاهِرٌ عِنَايَةٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُكْرَهُ الْخَرْزُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ، وَلِذَا لَمْ يَلْبَسْ السَّلَفُ مِثْلَ هَذَا الْخُفِّ ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ
ــ
[رد المحتار]
فِي الْفَتْحِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ بَيْعَ السِّرْقِينِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ مَعَ أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ: بَلْ الصَّحِيحُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْعَذِرَةِ الْخَالِصَةِ جَائِزٌ كَمَا سَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْكَرَاهِيَةِ. اهـ أَيْ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا خَالِصَةً كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ فَيَبْطُلُ بَيْعُهُ) نَقَلَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ أَيْضًا عَنْ الْبُرْهَانِ، وَفِيهِ تَوَرُّكٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَيْثُ عَدَّهُ فِي الْفَاسِدِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدٌ بِطَهَارَتِهِ لِضَرُورَةِ الْخَرْزِ بِهِ لِلنِّعَالِ وَالْأَخْفَافِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ لِضَرُورَةِ الْخَرْزِ) فَإِنَّ فِي مَبْدَإِ شَعْرِهِ صَلَابَةً قَدْرَ أُصْبُعٍ وَبَعْدَهُ لِينٌ يَصْلُحُ لِوَصْلِ الْخَيْطِ بِهِ قُهُسْتَانِيٌّ ط (قَوْلُهُ وَكَرِهَ الْبَيْعَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِلْبَائِعِ زَيْلَعِيٌّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ. وَفِيهِ أَنَّ جَوَازَ إقْدَامِ الْمُشْتَرِي عَلَى الشِّرَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا يُفِيدُ صِحَّةَ الْبَيْعِ، كَمَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى دَفْعِ مَرْشُوَّةٍ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ وَحَرُمَ عَلَى الْقَابِضِ، وَكَذَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى شِرَاءِ مَالِهِ مِنْ غَاصِبٍ مُتَغَلِّبٍ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْبَيْعِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ فَلَا يَطِيبُ ثَمَنُهُ) مُقْتَضَى مَا بَحَثْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ (قَوْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الضَّرُورَةِ لَا يَتَعَدَّاهَا وَهِيَ فِي الْخَرْزِ فَتَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَقَطْ كَذَلِكَ، وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ جَوَازِ صَلَاةِ الْخَرَّازِينَ مَعَ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ فِي حَقِّهِمْ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلَا وَهُوَ الْوَجْهُ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ لَمْ تَدْعُهُمْ إلَى أَنْ يَعْلَقَ بِهِمْ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ وَيَجْتَمِعَ فِي ثِيَابِهِمْ هَذَا الْمِقْدَارُ فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَيَفْسُدُ الْمَاءُ أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ عِنْدَهُ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الِانْتِفَاعِ بِهِ دَلِيلُ طَهَارَتِهِ اهـ وَهَذَا يُفِيدُ عَدَمَ تَقْيِيدِ حِلِّ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِالضَّرُورَةِ وَيُفِيدُ جَوَازَ بَيْعِهِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَطِيبَ لِلْبَائِعِ الثَّمَنُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ قِيلَ هَذَا) أَيْ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَأَشَارَ بِقِيلِ إلَى ضَعْفِهِ إذْ الْمَنْتُوفُ يُفْسِدُ الْمَاءَ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْخِنْزِيرِ لِاتِّصَالِ اللَّحْمِ النَّجِسِ بِمَحَلِّ النَّتْفِ مِنْهُ، وَلَوْ قِيلَ إنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَجْزُوزِ، أَمَّا الْمَنْتُوفُ فَغَيْرُ طَاهِرٍ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِ الْمَتْنِ وَجَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ لَحْمَهُ فَالشَّعْرُ أَوْلَى اهـ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ) فِيهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُنَافِي حِلَّ الِانْتِفَاعِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا عَلِمْت، لَكِنْ عَلَّلَ الزَّيْلَعِيُّ لِلْكَرَاهَةِ بِأَنَّ الْخَرْزَ يَتَأَتَّى بِغَيْرِهِ، وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ؛ وَحَيْثُ تَأَتَّى بِغَيْرِهِ فَلَا ضَرُورَةَ فَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِالنَّجِسِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فَرْدٌ تَحَمَّلَ مَشَقَّةً فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْزِمَ الْعُمُومُ حَرَجًا مِثْلَهُ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَأَتِّي الْخَرْزِ بِغَيْرِهِ مِنْ شَخْصٍ حَمَّلَ نَفْسَهُ مَشَقَّةً فِي ذَلِكَ لَا تَزُولُ بِهِ ضَرُورَةَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ مِنْ عَامَّةِ
следующие страницы →