Полный текст (4 257 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَطَهَّرَهُمَا مُحَمَّدٌ آخِرًا لِلْبَلْوَى، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
(وَلَوْ أَصَابَهُ مِنْ) نَجَاسَةٍ (غَلِيظَةٍ وَ) نَجَاسَةٍ (خَفِيفَةٍ جُعِلَتْ الْخَفِيفَةُ تَبَعًا لِلْغَلِيظَةِ) احْتِيَاطًا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، ثُمَّ مَتَى أَطْلَقُوا النَّجَاسَةَ فَظَاهِرُهُ التَّغْلِيظُ.
(وَعُفِيَ دُونُ رُبْعِ) جَمِيعِ بَدَنٍ وَ (ثَوْبٍ) وَلَوْ كَبِيرًا هُوَ الْمُخْتَارُ، ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ وَرَجَّحَهُ فِي النَّهْرِ عَلَى التَّقْدِيرِ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ: وَطَهَّرَهُمَا مُحَمَّدٌ آخِرًا) أَيْ: فِي آخِرِ أَمْرِهِ حِينَ دَخَلَ الرِّيَّ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَرَأَى بَلْوَى النَّاسِ مِنْ امْتِلَاءِ الطُّرُقِ وَالْخَانَاتِ بِهَا، وَقَاسَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا طِينَ بُخَارَى فَتْحٌ. (قَوْلُهُ: وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ) فِيهِ أَنَّهُ يَقُولُ: مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَبَوْلُهُ وَرَجِيعُهُ طَاهِرٌ فَقَطْ؛ فَلَا يَقُولُ بِطَهَارَةِ رَوْثِ الْحِمَارِ ط
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ) وَنَصُّهَا عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ: وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الشَّاةِ وَبَوْلُ الْآدَمِيِّ تُجْعَلُ الْخَفِيفَةُ تَبَعًا لِلْغَلِيظَةِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ الْخَفِيفَةُ أَكْثَرَ مِنْ الْغَلِيظَةِ كَمَا قَالَهُ ط.
قُلْت: لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ: تُجْمَعُ النَّجَاسَةُ الْمُتَفَرِّقَةُ فَتُجْعَلُ الْخَفِيفَةُ غَلِيظَةً إذَا كَانَتْ نِصْفًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ الْغَلِيظَةِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ. اهـ. وَنَحْوُهُ مَا فِي الْقُنْيَةِ: نِصْفُ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ وَنِصْفُ الْغَلِيظَةِ يُجْمَعَانِ. اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَطَتْ الْخَفِيفَةُ بِالْغَلِيظَةِ جُعِلَتْ تَبَعًا لِلْغَلِيظَةِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى الدِّرْهَمِ مَنَعَتْ الصَّلَاةَ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ الْغَلِيظَةُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ؛ وَمَعْنَى الثَّانِي أَنَّهُ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ وَلَمْ يَبْلُغْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ الْقَدْرَ الْمَانِعَ، فَتُرَجَّحُ الْغَلِيظَةُ لَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيَةً لِلْخَفِيفَةِ، فَإِذَا زَادَ مَجْمُوعُهُمَا عَلَى الدِّرْهَمِ مَنَعَ، وَلَوْ كَانَتْ الْخَفِيفَةُ أَكْثَرَ تَرَجَّحَتْ فَإِذَا بَلَغَ مَجْمُوعُهُمَا رُبْعَ الثَّوْبِ مَنَعَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ اخْتَلَطَا تُرَجَّحُ الْغَلِيظَةُ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَإِنْ تَسَاوَيَا أَوْ زَادَتْ الْغَلِيظَةُ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا تُرَجَّحْ الْخَفِيفَةُ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَتَى أَطْلَقُوا النَّجَاسَةَ إلَخْ) أَيْ: كَإِطْلَاقِهِمْ النَّجَاسَةَ فِي الْأَسْآرِ النَّجِسَةِ وَفِي جِلْدِ الْحَيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مَذْبُوحَةً؛ لِأَنَّ جِلْدَهَا لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ. اهـ. بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: فَظَاهِرُهُ التَّغْلِيظُ) هُوَ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُغَلَّظَةٌ وَأَنَّهَا الْمُرَادَةُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ
(قَوْلُهُ: دُونُ) بِالرَّفْعِ نَائِبُ فَاعِلِ عُفِيَ. (قَوْلُهُ: وَثَوْبٍ) أَيْ: وَنَحْوِهِ كَالْخُفِّ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَدْرُ الرُّبْعِ، وَالْمُرَادُ رُبْعُ مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ لَا مَا فَوْقَهُمَا؛ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْخُفِّ اهـ خَانِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَبِيرًا إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ اعْتِبَارِ الرُّبْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ رُبْعُ طَرَفٍ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ، كَالذَّيْلِ وَالْكُمِّ وَالدِّخْرِيصِ إنْ كَانَ الْمُصَابُ ثَوْبًا، وَرُبْعُ الْعُضْوِ الْمُصَابِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ إنْ كَانَ بَدَنًا وَصَحَّحَهُ فِي التُّحْفَةِ وَالْمُحِيطِ وَالْمُجْتَبَى وَالسِّرَاجِ. وَفِي الْحَقَائِقِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقِيلَ رُبْعُ جَمِيعِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَقِيلَ: رُبْعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْمِئْزَرِ. قَالَ الْأَقْطَعُ: وَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِيهِ اهـ لَكِنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى الثَّوْبِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا نَرَى، لَكِنْ تَرَجَّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ، وَوَفَّقَ فِي الْفَتْحِ بَيْنَ الْأَخِيرَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ اعْتِبَارُ رُبْعِ الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ أَوْ أَدْنَى مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ. اهـ. وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا، وَلَمْ يَنْقُلْ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَصْلًا بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَهُ فِي النَّهْرِ) أَيْ: بِأَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْكَنْزِ وَبِتَصْحِيحِ الْمَبْسُوطِ لَهُ، وَبِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رُبْعَ الْمُصَابِ لَيْسَ كَثِيرًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا. اهـ.
أَقُولُ: تَصْحِيحُ الْمَبْسُوطِ مُعَارَضٌ بِتَصْحِيحِ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ مَا كَثُرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُصَابِ؛ فَرُبْعُ الثَّوْبِ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّوْبِ، وَرُبْعُ الذَّيْلِ أَوْ الْكُمِّ مَثَلًا كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الذَّيْلِ أَوْ الْكُمِّ، وَكَذَا رُبْعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْفَتْوَى
стр. 317
بِرُبْعِ الْمُصَابِ كَيَدٍ وَكُمٍّ وَإِنْ قَالَ فِي الْحَقَائِقِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (مِنْ) نَجَاسَةٍ (مُخَفَّفَةٍ كَبَوْلِ مَأْكُولٍ) وَمِنْهُ الْفَرَسُ، وَطَهَّرَهُ مُحَمَّدٌ (وَخُرْءِ طَيْرٍ) مِنْ السِّبَاعِ أَوْ غَيْرِهَا (غَيْرِ مَأْكُولٍ) وَقِيلَ: طَاهِرٌ وَصُحِّحَ، ثُمَّ الْخِفَّةُ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ فَلْيُحْفَظْ
(وَ) عُفِيَ (دَمُ سَمَكٍ وَلُعَابُ بَغْلٍ وَحِمَارٍ) وَالْمَذْهَبُ طَهَارَتُهَا
(وَبَوْلٌ انْتَضَحَ كَرُءُوسِ إبَرٍ) وَكَذَا
ــ
[رد المحتار]
آكَدُ مِنْ لَفْظِ الْأَصَحِّ وَنَحْوِهِ مِنَحٌ، وَمُفَادُهُ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِرُبْعِ الْمُصَابِ وَهُوَ مُفَادُ مَا مَرَّ عَنْ الْبَحْرِ، لَكِنْ اعْتَرَضَهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُؤَدِّي إلَى التَّشْدِيدِ لَا إلَى التَّخْفِيفِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَبْلُغُ رُبْعُ الْمُصَابِ الدِّرْهَمَ فَيَلْزَمُ جَعْلُهُ مَانِعًا فِي الْمُخَفَّفَةِ مَعَ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الْمُغَلَّظَةِ إذْ لَوْ كَانَ الْمُصَابُ الْأُنْمُلَةَ مِنْ الْبَدَنِ يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِمَنْعِ رُبْعِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ رُبْعِ الْمُصَابِ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ اعْتِبَارُ كُلٍّ مِنْ الْيَدِ وَالرِّجْلِ بِتَمَامِهِ عُضْوًا وَاحِدًا فَلَا يَلْزَمُ مَا قَالَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ الْفَرَسُ) أَيْ: مِنْ الْمَأْكُولِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَيَكُونُ مُغَلَّظًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا كَرِهَ لَحْمَهُ تَنْزِيهًا أَوْ تَحْرِيمًا عَلَى اخْتِلَافِ التَّصْحِيحِ؛ لِأَنَّهُ آلَةُ الْجِهَادِ، لَا لِأَنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ بِدَلِيلِ أَنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: وَطَهَّرَهُ مُحَمَّدٌ) الضَّمِيرُ لِبَوْلِ الْمَأْكُولِ الشَّامِلِ لِلْفَرَسِ ح. (قَوْلُهُ: وَصُحِّحَ) صَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ كَمَا مَرَّ، وَرَوَى الْهِنْدُوَانِيُّ النَّجَاسَةَ وَصَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْأَوْلَى اعْتِمَادُهُ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْمُتُونِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: إنَّهُ أَوْجَهُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْخِفَّةُ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ) اقْتَصَرَ فِي الْكَافِي عَلَى ظُهُورِهَا فِي الثِّيَابِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْبَدَنُ كَالثِّيَابِ فَلِذَا عَمَّمَ الشَّارِحُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْكَافِي الِاحْتِرَازُ عَنْ الْمَائِعَاتِ لَا عَنْ خُصُوصِ الْمَاءِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَائِعَ مَتَى أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ خَفِيفَةٌ أَوْ غَلِيظَةٌ وَإِنْ قَلَّتْ تَنَجَّسَ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ رُبْعٌ وَلَا دِرْهَمٌ، نَعَمْ تَظْهَرُ الْخِفَّةُ فِيمَا إذَا أَصَابَ هَذَا الْمَائِعُ ثَوْبًا أَوْ بَدَنًا فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّبْعُ كَمَا أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ، وَاسْتَثْنَى ح خُرْءَ طَيْرٍ لَا يُؤْكَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبِئْرِ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهَا لِتَعَذُّرِ صَوْنِهَا عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبِئْرِ
(قَوْلُهُ: وَعُفِيَ دَمُ سَمَكٍ) صَرَّحَ بِالْفِعْلِ إشَارَةً إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَدَمُ سَمَكٍ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ دُونُ رُبْعِ ثَوْبٍ. (قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ طَهَارَتُهَا) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَتْنَ يَقْتَضِي نَجَاسَتَهَا بِنَاءً عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ " نَجَاسَةُ دَمِ السَّمَكِ الْكَبِيرِ نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ وَسُؤْرُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ نَجَاسَةٌ خَفِيفَةٌ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي هَامِشِ الْخَزَائِنِ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ دَمَ السَّمَكِ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ صُورَةً لَا حَقِيقَةً وَأَنَّ سُؤْرَ هَذَيْنِ طَاهِرٌ قَطْعًا، وَالشَّكُّ فِي طُهُورِيَّتِهِ فَيَكُونُ لُعَابُهُمَا طَاهِرًا
(قَوْلُهُ: وَبَوْلٌ اُنْتُضِحَ) أَيْ: تُرُشِّشَ، وَشَمِلَ بَوْلَهُ وَبَوْلَ غَيْرِهِ بَحْرٌ. وَكَالْبَوْلِ الدَّمُ عَلَى ثَوْبِ الْقَصَّابِ حِلْيَةٌ عَنْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ. وَظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِالْقَصَّابِ أَيْ: اللَّحَّامِ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي ثَوْبِ غَيْرِ الْقَصَّابِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الضَّرُورَةُ وَلَا ضَرُورَةَ لِغَيْرِهِ، وَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِ الْبَحْرِ الْمَارِّ وَشَمِلَ بَوْلَهُ وَبَوْلَ غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: كَرُءُوسِ إبَرٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ إبْرَةٍ احْتِرَازٌ عَنْ الْمِسَلَّةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا جَانِبُهَا الْآخَرُ) أَيْ: خِلَافًا لِأَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ حَيْثُ مَنَعَ بِالْجَانِبِ الْآخَرِ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ قَالُوا: لَا يُعْتَبَرُ الْجَانِبَانِ وَاخْتَارَهُ فِي الْكَافِي حِلْيَةٌ؛ فَرُءُوسُ الْإِبَرِ تَمْثِيلٌ لِلتَّقْلِيلِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الطَّلَبَةِ، لَكِنَّ فِيهِ أَيْضًا عَنْ الْكَرْمَانِيِّ أَنَّ هَذَا مَا لَمْ يُرَ عَلَى الثَّوْبِ وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُهُ إذَا صَارَ بِالْجَمْعِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ. اهـ. وَكَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَقَالَ: وَالتَّقْيِيدُ بِعَدَمِ إدْرَاكِ الطَّرْفِ ذَكَرَهُ الْمُعَلَّى فِي نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. مَطْلَبٌ إذَا صَرَّحَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِقَيْدٍ لَمْ يُصَرِّحْ غَيْرُهُ بِخِلَافِهِ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَإِذَا صَرَّحَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِقَيْدٍ لَمْ يَرِدْ عَنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ تَصْرِيحٌ بِخِلَافِهِ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ سِيَّمَا وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ احْتِيَاطٍ وَلَا حَرَجَ فِي التَّحَرُّزِ عَنْ مِثْلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَا يُرَى كَمَا فِي أَثَرِ أَرْجُلِ الذُّبَابِ، فَإِنَّ فِي التَّحَرُّزِ عَنْهُ حَرَجًا ظَاهِرًا. اهـ.
أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا التَّقْيِيدَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَقَدْ عَلِمْت تَصْرِيحَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَشَايِخِ بِخِلَافِهِ
стр. 318
جَانِبُهَا الْآخَرُ وَإِنْ كَثُرَ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ، لَكِنْ لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَاءِ
ــ
[رد المحتار]
؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ الْإِبْرَةِ يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْحِلْيَةِ ذَكَرَ أَنَّ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِرُءُوسِ الْإِبَرِ احْتِرَازٌ عَنْ رُءُوسِ الْمَسَالِّ هُوَ بِمَا عَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ أَشْبَهُ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِمَا فِي نَوَادِرِ الْمُعَلَّى. اهـ. وَهَذَا عَيْنُ مَا فَهِمْته - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ -.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَيْدٌ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ رَأْسِهَا مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَعَنْ رُءُوسِ الْمَسَالِّ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ التَّقْيِيدِ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ.
ثَانِيهِمَا أَنَّهُ غَيْرُ قَيْدٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَمْثِيلٌ لِلتَّقْلِيلِ، فَيُعْفَى عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مِقْدَارَ رَأْسِهَا مِنْ جَانِبِ الْخَرَزِ أَوْ مِنْ جَانِبِ الثَّقْبِ، وَمِثْلُهُ مَا كَانَ كَرَأْسِ الْمِسَلَّةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ فِي الْكَافِي اخْتَارَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الضَّرُورَةُ قِيَاسًا عَلَى مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى مِمَّا عَلَى أَرْجُلِ الذُّبَابِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى النَّجَاسَةِ ثُمَّ يَقَعُ عَلَى الثِّيَابِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَلَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يُسْتَحْسَنُ لِأَحَدٍ اسْتِعْدَادُ ثَوْبٍ لِدُخُولِ الْخَلَاءِ. وَرُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ زِيَنِ الْعَابِدِينَ تَكَلَّفَ لِبَيْتِ الْخَلَاءِ ثَوْبًا ثُمَّ تَرَكَهُ، وَقَالَ: لَمْ يَتَكَلَّفْ لِهَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ ﵃ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ قَوْلَ الْمُتُونِ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ اتِّبَاعٌ لِعِبَارَةِ مُحَمَّدٍ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَلِذَا لَمْ يَجْعَلْهُ لِلِاحْتِرَازِ إلَّا الْهِنْدُوَانِيُّ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ مُعَلَّلِينَ بِدَفْعِ الْحَرَجِ، وَلَا شَكَّ فِي وُجُودِ الْحَرَجِ فِي ذَلِكَ فَلِذَا اخْتَارَهُ فِي الْكَافِي اتِّبَاعًا لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ. وَقَالَ فِي مَتْنِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ: وَعُفِيَ عَنْ رَشَاشِ بَوْلٍ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ، وَقِيلَ: يَعْتَبِرُهُ أَيْ: أَبُو يُوسُفَ إنْ رُئِيَ أَثَرُهُ، فَأَفَادَ بِقِيلَ ضَعْفَ اعْتِبَارِ مَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُعَلَّى السَّابِقَةُ؛ وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا يُرَى أَثَرُهُ وَهُوَ مَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ، وَأَنَّ الْأَرْجَحَ الْعَفْوُ عَنْهُ وَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ، وَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا كَانَ مِثْلَ رَأْسِ الْإِبْرَةِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مَا كَانَ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ وَأَرْجُلِ الذُّبَابِ فَإِنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ الْمُعْتَدِلُ مَا لَمْ يَقْرَبْ إلَيْهِ جِدًّا أَيْ: مَعَ مُغَايَرَةِ لَوْنِ الرَّشَاشِ لِلَوْنِ الثَّوْبِ، وَإِلَّا فَقَدْ لَا يُرَى أَصْلًا. وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ شَكَّ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ بِالطَّرْفِ أَمْ لَا أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَشَكٌّ فِيمَا يُنَجِّسُهُ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَحَلِّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. (قَوْلُهُ: نَجَّسَهُ فِي الْأَصَحِّ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: ثُمَّ لَوْ وَقَعَ هَذَا الثَّوْبُ الْمُنْتَضَحُ عَلَيْهِ الْبَوْلُ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ هَلْ يَنْجُسُ؟ فَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَنْجُسُ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَنْجُسُ، وَهَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةِ الِاسْتِنْجَاءِ؛ يَعْنِي لَوْ اسْتَنْجَى بِغَيْرِ الْمَاءِ ثُمَّ ابْتَلَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ ثُمَّ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ. اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْكِفَايَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يُرَى أَثَرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الْمُتَّجَهُ. اهـ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اخْتِيَارِ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ عَدَمَ اعْتِبَارِ رُءُوسِ الْإِبَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ خِلَافًا لِلْهِنْدُوَانِيِّ. وَقَوْلُ الْخُلَاصَةِ الْمَارُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْجُسُ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُنَجِّسُهُ مَا قَلَّ وَكَثُرَ، فَإِذَا لَمْ يَنْجُسْ بِأَقَلَّ مِنْ الدِّرْهَمِ لَا يَنْجُسُ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ وُقُوعَ الرَّشَاشِ فِي الْمَاءِ ابْتِدَاءً مِثْلُ وُقُوعِ هَذَا الثَّوْبِ فِيهِ كَمَا فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ. هَذَا، وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ: إنْ اسْتَبَانَ أَثَرُهُ عَلَى الثَّوْبِ بِأَنْ تُدْرِكَهُ الْعَيْنُ أَوْ عَلَى الْمَاءِ بِأَنْ يَنْفَرِجَ أَوْ يَتَحَرَّكَ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ. وَعَنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ اعْتِبَارِ مَا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي الثَّوْبِ وَالْمَاءِ، وَفِي ذَلِكَ تَأْيِيدٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَافْهَمْ
стр. 319
آكَدُ جَوْهَرَةٌ. وَفِي الْقُنْيَةِ: لَوْ اتَّصَلَ وَانْبَسَطَ وَزَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالدُّهْنِ النَّجِسِ إذَا انْبَسَطَ. وَطِينُ شَارِعٍ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ: جَوْهَرَةٌ) وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَقَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَيْضِ أَيْضًا خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلدُّرَرِ فِي فَصْلِ الْبِئْرِ فَافْهَمْ. نَعَمْ يُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ آنِفًا عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. (قَوْلُهُ: لَوْ اتَّصَلَ وَانْبَسَطَ) أَيْ: مَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْقُنْيَةِ وَنَقَلَهَا فِي الْبَحْرِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالدُّهْنِ إلَخْ) أَيْ: فَيَكُونُ مَانِعًا لِلصَّلَاةِ. وَوَجْهُ إلْحَاقِهِ بِالدُّهْنِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ أَوَّلًا غَيْرَ مَانِعٍ ثُمَّ مَنَعَ بَعْدَ زِيَادَتِهِ عَلَى الدِّرْهَمِ، لَكِنْ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْبَوْلَ الَّذِي كَرُءُوسِ الْإِبَرِ اُعْتُبِرَ كَالْعَدَمِ لِلضَّرُورَةِ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِيهِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ بِدَلِيلِ مَا فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ امْتَلَأَ الثَّوْبُ. اهـ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا يَمْلَأُ الثَّوْبَ يَزِيدُ عَلَى الدِّرْهَمِ، وَكَذَا قَوْلُ الشَّارِحِ وَإِنْ كَثُرَ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَثْرَتِهِ بِالْمَاءِ وَبَيْنَ اتِّصَالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ. وَنَظِيرُهُ مَا لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ السَّيَلَانِ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ الْجَسَدِ فَإِنَّهُ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ وَإِنْ كَثُرَ وَعَمَّ الثَّوْبَ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْحِلْيَةِ بِعَيْنِ مَا قُلْنَا فَقَالَ: مَا لَيْسَ بِكَثِيرٍ مِنْ النَّجَاسَةِ مِنْهُ مَا هُوَ مُهْدَرُ الِاعْتِبَارِ فَلَا يُجْمَعُ بِحَالٍ. وَعَلَيْهِ مَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ أَنَّ مَا أَصَابَ مِنْ رَشِّ الْبَوْلِ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ، وَنَحْوُهُ الدَّمُ عَلَى ثَوْبِ الْقَصَّابِ وَمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْ بَلَّةِ الْجُرْحِ أَوْ الْقَيْءِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَإِنْ كَثُرَ. وَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ ذَلِكَ الرَّشِّ مَاءٌ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ. اهـ. نَعَمْ لَوْ كَانَ الرَّشُّ مِمَّا يُدْرَكُ بِالطَّرْفِ بِأَنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ رُءُوسِ الْإِبَرِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ عَلَى مَا مَرَّ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ وَيَمْنَعَ وَإِنْ كَانَ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَيْضًا. لَوْ أَصَابَ قَدْرُ مَا يُرَى مِنْ النَّجَاسَةِ أَثْوَابًا عِمَامَةً وَقَمِيصًا وَسَرَاوِيلَ مَثَلًا مَنَعَ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ إذَا جُمِعَ صَارَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ اهـ. لَكِنَّ كَلَامَ الْقُنْيَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الَّذِي يُجْمَعُ وَيَمْنَعُ مَا كَانَ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا عَلِمْته مِنْ أَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُهْدَرُ الِاعْتِبَارِ وَلَا يَنْفَعُهُ هَذَا التَّأْوِيلُ، فَافْهَمْ وَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ. مَطْلَبٌ فِي الْعَفْوِ عَنْ طِينِ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: وَطِينُ شَارِعٍ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: عَفْوٌ وَالشَّارِعُ الطَّرِيقُ ط. وَفِي الْفَيْضِ: طِينُ الشَّوَارِعِ عَفْوٌ وَإِنْ مَلَأَ الثَّوْبَ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ مُخْتَلِطًا بِالْعَذِرَاتِ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ. اهـ. . وَقَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا قَاسَهُ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ آخِرًا بِطَهَارَةِ الرَّوْثِ وَالْخِثْيِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ لَكِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: أَيْ: لَا يَقْبَلُ كَوْنَهُ طَاهِرًا وَهُوَ مُتَّجَهٌ، بَلْ الْأَشْبَهُ الْمَنْعُ بِالْقَدْرِ الْفَاحِشِ مِنْهُ إلَّا لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ بِحَيْثُ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ فِي أَيَّامِ الْأَوْحَالِ فِي بِلَادِنَا الشَّامِيَّةِ لِعَدَمِ انْفِكَاكِ طُرُقِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ غَالِبًا مَعَ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يَمُرُّ بِهَا أَصْلًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يُعْفَى فِي حَقِّهِ حَتَّى إنَّ هَذَا لَا يُصَلِّي فِي ثَوْبِ ذَاكَ. اهـ.
أَقُولُ: وَالْعَفْوُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ عَنْ التَّجْنِيسِ. وَقَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، لَكِنْ حَكَى فِي الْقُنْيَةِ قَوْلَيْنِ وَارْتَضَاهُمَا؛ فَحَكَى عَنْ أَبِي نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ أَنَّهُ طَاهِرٌ إلَّا إذَا رَأَى عَيْنَ النَّجَاسَةِ، وَقَالَ: وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ وَقَرِيبٌ مِنْ حَيْثُ الْمَنْصُوصُ؛ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ غَيْرِهِ فَقَالَ: إنْ غَلَبَتْ النَّجَاسَةُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ غَلَبَ الطِّينُ فَطَاهِرٌ. ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّهُ حَسَنٌ عِنْدَ الْمُنْصِفِ دُونَ الْمُعَانِدِ اهـ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إذَا اخْتَلَطَ مَاءٌ وَتُرَابٌ وَأَحَدُهُمَا نَجِسٌ فَالْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ سَتَأْتِي فِي الْفُرُوعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْعَفْوُ لِلضَّرُورَةِ، وَعَدَمُ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ أَنْ يُقَالَ بِالْعَفْوِ وَإِنْ غَلَبَتْ
стр. 320
وَبُخَارُ نَجِسٍ، وَغُبَارُ سِرْقِينٍ، وَمَحَلُّ كِلَابٍ، وَانْتِضَاحُ غُسَالَةٍ لَا تَظْهَرُ مَوَاقِعُ قَطْرِهَا فِي الْإِنَاءِ عَفْوٌ
. (وَمَاءٌ) بِالْمَدِّ (وَرَدَ) أَيْ: جَرَى (عَلَى نَجَسٍ نَجِسٌ) إذَا وَرَدَ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ وَلَوْ أَقَلُّهُ،
ــ
[رد المحتار]
النَّجَاسَةُ مَا لَمْ يَرَ عَيْنَهَا لَوْ أَصَابَهُ بِلَا قَصْدٍ وَكَانَ مِمَّنْ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ، وَإِلَّا فَلَا ضَرُورَةَ. وَقَدْ حَكَى فِي الْقُنْيَةِ أَيْضًا قَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ مِمَّا رُشَّ فِي الْأَسْوَاقِ الْغَالِبَةِ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ نَقَلَ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ طِينُ السُّوقِ أَوْ السِّكَّةِ ثُمَّ وَقَعَ الثَّوْبُ فِي الْمَاءِ تَنَجَّسَ. (قَوْلُهُ: وَبُخَارُ نَجَسٍ) فِي الْفَتْحِ مَرَّتْ الرِّيحُ بِالْعَذِرَاتِ وَأَصَابَ الثَّوْبَ، إنْ وُجِدَتْ رَائِحَتُهَا تَنَجَّسَ، لَكِنْ نَقَلَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ؛ وَمَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْ بِخَارَّاتِ النَّجَاسَةِ، قِيلَ يُنَجِّسُهُ، وَقِيلَ لَا وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْحِلْيَةِ: اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ لَا يَنْجُسُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَذَا إذَا كَانَ سَرَاوِيلُهُ مُبْتَلًّا.
وَفِي الْخَانِيَّةِ مَاءُ الطَّابَقِ نَجِسٌ قِيَاسًا لَا اسْتِحْسَانًا. وَصُورَتُهُ: إذَا أُحْرِقَتْ الْعَذِرَةُ فِي بَيْتٍ فَأَصَابَ مَاءُ الطَّابَقِ ثَوْبَ إنْسَانٍ لَا يُفْسِدُهُ اسْتِحْسَانًا مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَكَذَا الْإِصْطَبْلُ إذَا كَانَ حَارًّا، وَعَلَى كُوَّتِهِ طَابَقٌ أَوْ كَانَ فِيهِ كُوزٌ مُعَلَّقٌ فِيهِ مَاءٌ فَتَرَشَّحَ،، وَكَذَا الْحَمَّامُ لَوْ فِيهَا نَجَاسَاتٌ فَعَرِقَ حِيطَانُهَا وَكُوَّاتُهَا وَتَقَاطَرَ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَالظَّاهِرُ الْعَمَلُ بِالِاسْتِحْسَانِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالطَّابَقُ: الْغِطَاءُ الْعَظِيمُ مِنْ الزَّجَّاجِ أَوْ اللَّبِنِ. اهـ. مَطْلَبٌ: الْعَرَقِيُّ الَّذِي يُسْتَقْطَرُ مِنْ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ نَجِسٌ حَرَامٌ، بِخِلَافِ النُّوشَادِرِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ فِيهِ الضَّرُورَةُ لِتَعَذُّرِ التَّحَرُّزِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ اُسْتُقْطِرَتْ النَّجَاسَةُ فَمَائِيَّتُهَا نَجِسَةٌ لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ فَبَقِيَ الْقِيَاسُ بِلَا مُعَارِضٍ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا يُسْتَقْطَرُ مِنْ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْعِرْقِيِّ فِي وِلَايَةِ الرُّومِ نَجِسٌ حَرَامٌ كَسَائِرِ أَصْنَافِ الْخَمْرِ اهـ.
أَقُولُ: وَأَمَّا النُّوشَادِرُ الْمُسْتَجْمَعُ مِنْ دُخَانِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ طَاهِرٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ، وَأَوْضَحَهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي رِسَالَةٍ سَمَّاهَا (إتْحَافَ مَنْ بَادَرَ إلَى حُكْمِ النُّوشَادِرِ) . (قَوْلُهُ: وَغُبَارُ سِرْقِينٍ) بِكَسْرِ السِّينِ: أَيْ: زِبْلٍ وَيُقَالُ سِرْجِينٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. قَالَ فِي الْقُنْيَةِ رَاقِمًا: لَا عِبْرَةَ لِلْغُبَارِ النَّجِسِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ إنَّمَا الْعِبْرَةُ لِلتُّرَابِ اهـ وَنَظَمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أُرْجُوزَتِهِ وَعَلَّلَهُ فِي شَرْحِهَا بِالضَّرُورَةِ. (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ كِلَابٍ) فِي الْمُنْيَةِ مَشَى كَلْبٌ عَلَى الطِّينِ فَوَضَعَ رَجُلٌ قَدَمَهُ عَلَى ذَلِكَ الطِّينِ تَنَجَّسَ، وَكَذَا إذَا مَشَى عَلَى ثَلْجٍ رَطْبٍ وَلَوْ جَامِدًا فَلَا. اهـ. قَالَ فِي شَرْحِهَا: وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ نَجِسُ الْعَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ اهـ، وَمِثْلُهُ فِي الْحِلْيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَانْتِضَاحُ غُسَالَةٍ إلَخْ) ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَقَدْ رَأَيْتهَا فِي الْخَانِيَّةِ ذَكَرَهَا فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، لَكِنَّ غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ كَغُسَالَةِ الْحَدَثِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَيَدُلُّ لَهَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ. وَفِي الْفَتْحِ: وَمَا تَرَشَّشَ عَلَى الْغَاسِلِ مِنْ غُسَالَةِ الْمَيِّتِ مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ مَا دَامَ فِي عِلَاجِهِ لَا يُنَجِّسُهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، بِخِلَافِ الْغَسْلَاتِ الثَّلَاثِ إذَا اسْتَنْقَعَتْ فِي مَوْضِعٍ فَأَصَابَتْ شَيْئًا نَجَّسَتْهُ اهـ أَيْ: بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ مِنْ أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيِّتِ نَجَاسَةُ خَبَثٍ لَا حَدَثٍ كَمَا حَرَّرْنَاهُ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْبِئْرِ، وَاحْتُرِزَ بِالثَّلَاثِ عَنْ الْغُسَالَةِ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ
(قَوْلُهُ: وَمَاءٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: نَجِسٌ بِالْكَسْرِ وَنَجَسٌ الْأَوَّلُ بِالْفَتْحِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَيَجُوزُ فِيهِ الْكَسْرُ. (قَوْلُهُ: أَيْ: جَرَى) فُسِّرَ الْوُرُودُ بِهِ لِيَتَأَتَّى لَهُ التَّفْصِيلُ وَالْخِلَافُ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا، وَإِلَّا فَالْوُرُودُ أَعَمُّ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَا إذَا جَرَى عَلَيْهَا وَهِيَ عَلَى أَرْضٍ أَوْ سَطْحٍ وَمَا إذَا صُبَّ فَوْقَهَا فِي آنِيَةٍ بِدُونِ جَرَيَانٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَرَيَانَ أَبْلَغُ مِنْ الصَّبِّ الْمَذْكُورِ فَصَرَّحَ بِهِ مَعَ عِلْمِ حُكْمِ الصَّبِّ مِنْهُ بِالْأَوْلَى دَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَدَمِ إرَادَتِهِ فَافْهَمْ. نَعَمْ كَانَ الْأَوْلَى إبْقَاءَ الْمَتْنِ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ حَكَمَ بِطَهَارَةِ الْوَارِدِ دُونَ الْمَوْرُودِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَارِيَ فِيهِ تَفْصِيلٌ
стр. 321
لَا كَجِيفَةٍ فِي نَهْرٍ أَوْ نَجَاسَةٍ عَلَى سَطْحٍ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْإِبَرِ (كَعَكْسِهِ) أَيْ: إذَا وَرَدَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْمَاءِ تَنَجَّسَ الْمَاءُ إجْمَاعًا، لَكِنْ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ إذَا لَاقَى الْمُتَنَجِّسَ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ فَلْيُحْفَظْ
. (لَا) يَكُونُ نَجِسًا (رَمَادٍ قَذَرٍ) وَإِلَّا لَزِمَ نَجَاسَةُ الْخُبْزِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ (وَ) لَا (مِلْحٍ كَانَ حِمَارًا) أَوْ خِنْزِيرًا وَلَا قَذَرٌ وَقَعَ فِي بِئْرٍ فَصَارَ
ــ
[رد المحتار]
وَهُوَ أَنَّهُ إذَا جَرَى عَلَى نَجَاسَةٍ فَأَذْهَبَهَا وَاسْتَهْلَكَهَا وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهَا فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي طَهَارَةِ الْأَرْضِ الْمُتَنَجِّسَةِ.
، وَتَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْمِيَاهِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى تَعْرِيفِ الْمَاءِ الْجَارِي، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ الْجَارِيَ لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، وَأَنَّهُ يُسَمَّى جَارِيًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدَدٌ، وَأَنَّهُ لَوْ صُبَّ مَاءٌ فِي مِيزَابٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ حَالَ جَرَيَانِهِ لَا يَنْجُسُ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَأَنَّهُ لَوْ سَالَ دَمُ رِجْلِهِ مَعَ الْعَصِيرِ لَا يَنْجُسُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. وَقَدَّمْنَا عَنْ الْخِزَانَةِ وَالْخُلَاصَةِ: إنَاءَانِ مَاءُ أَحَدِهِمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجِسٌ فَصُبَّا مِنْ مَكَان عَالٍ فَاخْتَلَطَا فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ نَزَلَا طَهُرَ كُلُّهُ، وَلَوْ أُجْرِيَ مَاءُ الْإِنَاءَيْنِ فِي الْأَرْضِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَاءٍ جَارٍ. اهـ. وَقَالَ فِي الضِّيَاءِ مِنْ فَصْلِ الِاسْتِنْجَاءِ: ذَكَرَ فِي الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ لَوْ أَخَذَ الْإِنَاءَ فَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى يَدِهِ لِلِاسْتِنْجَاءِ فَوَصَلَتْ قَطْرَةُ بَوْلٍ إلَى الْمَاءِ النَّازِلِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى يَدِهِ، قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: لَا يَنْجُسُ؛ لِأَنَّهُ جَارٍ فَلَا يَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ.
قَالَ حُسَامُ الدِّينِ: هَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ غُسَالَةُ الِاسْتِنْجَاءِ غَيْرَ نَجِسَةٍ. قَالَ فِي الْمُضْمَرَاتِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاءَ عَلَى كَفِّ الْمُسْتَنْجِي لَيْسَ بِجَارٍ، وَلَئِنْ سَلِمَ فَأَثَرُ النَّجَاسَةِ يَظْهَرُ فِيهِ وَالْجَارِي إذَا ظَهَرَ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ صَارَ نَجِسًا وَالْمَاءُ النَّازِلُ مِنْ الْإِنَاءِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى الْكَفِّ جَارٍ وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ الْقَطْرَةِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ نَجِسًا، وَمَا قَالَهُ حُسَامُ الدِّينِ احْتِيَاطٌ اهـ. وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ التَّنَجُّسِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفُرُوعِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. وَهَذَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْجِيفَةِ فَإِنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ عَلَيْهَا لَمْ يَذْهَبْ بِالنَّجَاسَةِ وَلَمْ يَسْتَهْلِكْهَا، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ فِي مَحَلِّهَا وَعَيْنُهَا قَائِمَةٌ عَلَى أَنَّ فِيهَا اخْتِلَافًا، وَلِهَذَا اسْتَدْرَكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ " وَلَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْأَثَرِ، فَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّك لَا تَجِدُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ -.
(قَوْلُهُ: كَجِيفَةٍ فِي نَهْرٍ إلَخْ) أَيْ: فَإِنَّهَا إذَا وَرَدَ عَلَيْهَا كُلُّ الْمَاءِ أَوْ أَكْثَرُهُ فَهُوَ نَجِسٌ، وَلَوْ أَقَلُّهُ فَطَاهِرٌ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَدَّمْنَا إلَخْ) أَيْ: فِي بَحْثِ الْمِيَاهِ وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فَتَذَكَّرْهُ بِالْمُرَاجَعَةِ. (قَوْلُهُ: أَيْ: إذَا وَرَدَتْ النَّجَاسَةُ) سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَرَّدَةً أَوْ مَصْحُوبَةً بِثَوْبٍ ح. (قَوْلُهُ: عَلَى الْمَاءِ) أَيْ: الْقَلِيلِ. (قَوْلُهُ: إجْمَاعًا) أَيْ: مِنَّا وَمِنْ الشَّافِعِيِّ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى كَمَا يَظْهَرُ قَرِيبًا. (قَوْلُهُ: لَكِنْ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ تَنَجَّسَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَنَجُّسَ الْمَاءِ بِمُجَرَّدِ وَضْعِ الثَّوْبِ مَثَلًا فِيهِ كَمَا يَتَنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْعَذِرَةِ مَثَلًا، فَاحْتَرَزَ بِالْمُتَنَجِّسِ عَنْ عَيْنِ النَّجَاسَةِ كَالْعَذِرَةِ أَفَادَهُ ح. (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَنْفَصِلْ) أَيْ: الْمَاءُ أَوْ الشَّيْءُ الْمُتَنَجِّسُ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي تَنَجُّسَ الْمَاءِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ لِلنَّجَاسَةِ، لَكِنْ سَقَطَ لِلضَّرُورَةِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ فِي إجَّانَةٍ وَأُورِدَ الْمَاءُ عَلَيْهِ أَوْ بِالْعَكْسِ عِنْدَنَا، فَهُوَ طَاهِرٌ فِي الْمَحَلِّ نَجِسٌ إذَا انْفَصَلَ، سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَوْ لَا، وَهَذَا فِي الْمَاءَيْنِ اتِّفَاقًا، أَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ نَجِسٌ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ فِي الْمَحَلِّ ضَرُورَةُ تَطْهِيرِهِ وَقَدْ زَالَتْ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا إذَا انْفَصَلَ.
وَالْأَوْلَى فِي غَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ وَضْعُهُ فِي الْإِجَّانَةِ مِنْ غَيْرِ مَاءٍ ثُمَّ صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ لَا وَضْعُ الْمَاءِ أَوَّلًا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ. اهـ. وَلَا فَرْقَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بَيْنَ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ وَالْعُضْوِ. اهـ. ط
(قَوْلُهُ: قَذَرٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَذِرَةُ وَالرَّوْثُ كَمَا عَبَّرَ فِي الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَا نُقِلَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَجِسًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ الضَّرُورَةُ، وَصَرِيحُ الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ انْقِلَابُ الْعَيْنِ كَمَا يَأْتِي، لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّ الْعِلَّةَ هَذِهِ وَأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِلْبَلْوَى، فَمُفَادُهُ أَنَّ عُمُومَ الْبَلْوَى عِلَّةُ اخْتِيَارِ الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ الْمُعَلَّلَةِ بِانْقِلَابِ الْعَيْنِ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: كَانَ حِمَارًا أَوْ خِنْزِيرًا) أَفَادَ أَنَّ الْحِمَارَ مِثَالٌ لَا قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ.
وَأَشَارَ
стр. 322
حَمْأَةً لِانْقِلَابِ الْعَيْنِ بِهِ يُفْتَى
. (وَغَسْلُ طَرَفِ ثَوْبٍ) أَوْ بَدَنٍ (أَصَابَتْ نَجَاسَةٌ مَحَلًّا مِنْهُ وَنُسِيَ) الْمَحَلُّ (مُطَهِّرٌ لَهُ وَإِنْ) وَقَعَ الْغَسْلُ (بِغَيْرِ تَحَرٍّ) وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
ثُمَّ لَوْ ظَهَرَ وَأَنَّهَا فِي طَرَفٍ آخَرَ هَلْ يُعِيدُ؟ فِي الْخُلَاصَةِ نَعَمْ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ الَّتِي هُوَ
ــ
[رد المحتار]
بِإِطْلَاقِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ وُقُوعُهُ وَهُوَ حَيٌّ، فَإِنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَمْلَحَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: حَمْأَةً) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِهَاءِ التَّأْنِيثِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الطِّينُ الْأَسْوَدُ الْمُنْتِنُ ح. (قَوْلُهُ: لِانْقِلَابِ الْعَيْنِ) عِلَّةٌ لِلْكُلِّ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَذَكَرَ مَعَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ أَبَا حَنِيفَةَ حِلْيَةٌ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ اخْتَارُوهُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ وَصْفَ النَّجَاسَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ وَتَنْتَفِي الْحَقِيقَةُ بِانْتِفَاءِ بَعْضِ أَجْزَاءِ مَفْهُومِهَا فَكَيْفَ بِالْكُلِّ؟ فَإِنَّ الْمِلْحَ غَيْرُ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ، فَإِذَا صَارَ مِلْحًا تَرَتَّبَ حُكْمُ الْمِلْحِ. وَنَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِ النُّطْفَةُ نَجِسَةٌ وَتَصِيرُ عَلَقَةً وَهِيَ نَجِسَةٌ وَتَصِيرُ مُضْغَةً فَتَطْهُرُ، وَالْعَصِيرُ طَاهِرٌ فَيَصِيرُ خَمْرًا فَيَنْجُسُ وَيَصِيرُ خَلًّا فَيَطْهُرُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْعَيْنِ تَسْتَتْبِعُ زَوَالَ الْوَصْفِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا. اهـ.
[تَنْبِيهٌ]
يَجُوزُ أَكْلُ ذَلِكَ الْمِلْحِ وَالصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ الرَّمَادِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهَا، وَمَا فِيهَا مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ الرَّمَادُ فِي الْمَاءِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْجُسُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحَانِ. [تَنْبِيهٌ آخَرُ]
مُقْتَضَى مَا مَرَّ ثُبُوتُ انْقِلَابِ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ كَالنُّحَاسِ إلَى الذَّهَبِ، وَقِيلَ: إنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّ قَلْبَ الْحَقَائِقِ مُحَالٌ وَالْقُدْرَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُحَالِ، وَالْحَقُّ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ بَدَلَ النُّحَاسِ ذَهَبًا عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ الْمُحَقِّقِينَ، أَوْ بِأَنْ يَسْلُبَ عَنْ أَجْزَاءِ النُّحَاسِ الْوَصْفَ الَّذِي بِهِ صَارَ نُحَاسًا، وَيَخْلُقَ فِيهِ الْوَصْفَ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ ذَهَبًا عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ تَجَانُسِ الْجَوَاهِرِ وَاسْتِوَائِهَا فِي قَبُولِ الصِّفَاتِ، وَالْمُحَالُ إنَّمَا هُوَ انْقِلَابُهُ ذَهَبًا مَعَ كَوْنِهِ نُحَاسًا لِامْتِنَاعِ كَوْنِ الشَّيْءِ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ نُحَاسًا وَذَهَبًا، وَيَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠] وَإِلَّا لَبَطَلَ الْإِعْجَازُ. وَيَبْتَنِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ عِلْمَ الْكِيمْيَاءِ الْمُوصِلَ إلَى ذَلِكَ الْقَلْبِ يَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَهُ عِلْمًا يَقِينِيًّا أَنْ يُعَلِّمَهُ وَيَعْمَلَ بِهِ. أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَلَا؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ، وَتَمَامُهُ فِي تُحْفَةِ ابْنِ حَجَرٍ وَقَدَّمْنَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَنُسِيَ الْمَحَلُّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، ثُمَّ إنَّ النِّسْيَانَ يَقْتَضِي سَبْقَ الْعِلْمِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ قَيْدٍ وَأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ الثَّوْبَ نَجَاسَةٌ وَجَهِلَ مَحَلَّهَا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَلِذَا عَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ " وَاشْتَبَهَ مَحَلُّهَا " تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: هُوَ الْمُخْتَارُ) كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْفَيْضِ وَجَزَمَ بِهِ فِي النُّقَايَةِ وَالْوِقَايَةِ وَالدُّرَرِ وَالْمُلْتَقَى، وَمُقَابِلُهُ الْقَوْلُ بِالتَّحَرِّي وَالْقَوْلُ بِغَسْلِ الْكُلِّ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمُنْيَةِ الْمُفْتِي وَاخْتَارَهُ فِي الْبَدَائِعِ احْتِيَاطًا قَالَ: لِأَنَّ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ نُوحٌ أَفَنْدِي عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ مَا قَالُوهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. اهـ. وَعَلَّلُوا الْقَوْلَ الْمُخْتَارَ بِوُقُوعِ الشَّكِّ بَعْدَ الْغَسْلِ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ وَقَاسُوهُ عَلَى مَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ " إذَا فَتَحْنَا حِصْنًا وَفِيهِمْ ذِمِّيٌّ لَا يُعْرَفُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِيَقِينٍ، فَلَوْ قُتِلَ الْبَعْضُ أَوْ أُخْرِجَ حَلَّ قَتْلُ الْبَاقِي لِلشَّكِّ فِي قِيَامِ الْمُحَرِّمِ. فَكَذَا هُنَا.
وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ الشَّكَّ الطَّارِئَ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْيَقِينِ السَّابِقِ وَأَطَالَ فِي تَحْقِيقِهِ. وَأَجَابَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَأَطَالَ فِي تَحْقِيقِهِ أَيْضًا وَيَأْتِي مُلَخَّصُهُ قَرِيبًا. (قَوْلُهُ: وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ إلَخْ) هَذَا سَهْوٌ مِنْ الشَّارِحِ تَبِعَ فِيهِ النَّهْرَ، وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ هَكَذَا: وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا رَأَى عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ، فَفِيهِ تَقَاسِيمُ وَاخْتِلَافَاتٌ،
стр. 323
فِيهَا (كَمَا لَوْ بَالَ حُمُرٌ) خَصَّهَا لِتَغْلِيظِ بَوْلِهَا اتِّفَاقًا (عَلَى) نَحْوِ (حِنْطَةٍ تَدُوسُهَا فَقُسِمَ أَوْ غُسِلَ بَعْضُهُ) أَوْ ذَهَبَ بِهِبَةٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ كَمَا مَرَّ (حَيْثُ يَطْهُرُ الْبَاقِي) وَكَذَا الذَّاهِبُ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِ النَّجَسِ فِي كُلِّ طَرَفٍ كَمَسْأَلَةِ الثَّوْبِ (وَكَذَا يَطْهُرُ مَحَلُّ نَجَاسَةٍ) أَمَّا عَيْنُهَا فَلَا تَقْبَلُ الطَّهَارَةَ (مَرْئِيَّةٍ) بَعْدَ جَفَافٍ كَدَمٍ (بِقَلْعِهَا) أَيْ: بِزَوَالِ عَيْنِهَا وَأَثَرِهَا وَلَوْ بِمَرَّةٍ أَوْ بِمَا فَوْقَ ثَلَاثٍ فِي الْأَصَحِّ،
ــ
[رد المحتار]
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: حُمُرٌ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِمَارٍ. (قَوْلُهُ: خَصَّهَا إلَخْ) أَيْ: فَيُعْلَمُ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهَا بِالدَّلَالَةِ ابْنُ كَمَالٍ.
(قَوْلُهُ: فَقُسِمَ إلَخْ) الظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ الذَّاهِبُ مِنْهُ قَدْرَ مَا تَنَجَّسَ مِنْهُ إنْ عُلِمَ قَدْرُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ: فِي الْأَبْيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ حَيْثُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ تَصَرُّفُهُ فِي الْبَعْضِ وَهُوَ مُطْلَقٌ ط. (قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِ إلَخْ) أَيْ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ أَعْنِي الْبَاقِيَ وَالذَّاهِبَ أَوْ الْمَغْسُولَ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ فِيهِ فَلَمْ يُحْكَمْ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الطَّهَارَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً يَقِينًا لِمَحَلٍّ مَعْلُومٍ وَهُوَ جَمِيعُ الثَّوْبِ مَثَلًا ثُمَّ ثَبَتَ ضِدُّهَا وَهُوَ النَّجَاسَةُ يَقِينًا لِمَحَلٍّ مَجْهُولٍ، فَإِذَا غُسِلَ بَعْضُهُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي بَقَاءِ ذَلِكَ الْمَجْهُولِ وَعَدَمِهِ لِتَسَاوِي احْتِمَالَيْ الْبَقَاءِ وَعَدَمِهِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمَا كَانَ ثَابِتًا يَقِينًا لِلْمَحَلِّ الْمَعْلُومِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ فِي مَحَلٍّ مَعْلُومٍ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، بِخِلَافِ الْيَقِينِ لِمَحَلٍّ مَجْهُولٍ.
وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ. (قَوْلُهُ: أَمَّا عَيْنُهَا) أَشَارَ بِهِ إلَى فَائِدَةِ قَوْلِهِ " مَحَلُّ " حَيْثُ زَادَهُ عَلَى عِبَارَةِ الْكَنْزِ. وَلَا يَرُدُّ طَهَارَةُ الْخَمْرِ بِانْقِلَابِهَا خَلًّا وَالدَّمِ بِصَيْرُورَتِهِ مِسْكًا؛ لِأَنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ وَالدَّمِ ذَهَبَتْ وَخَلَفَتْهَا أُخْرَى، وَإِنَّمَا يُرَدُّ ذَلِكَ لَوْ قُلْنَا بِبَقَاءِ حَقِيقَةِ الْخَمْرِ وَالدَّمِ مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بَعْدَ جَفَافٍ) ظَرْفٌ لِمَرْئِيَّةٍ لِيَطْهُرَ ح، وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ تُرَى قَبْلَهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَا لَهُ جِرْمٌ هُوَ مَا يُرَى بَعْدَ الْجَفَافِ فَهُوَ مُسَاوٍ لِلْمَرْئِيَّةِ، وَقَدْ عَدَّ مِنْهُ فِي الْهِدَايَةِ الدَّمَ، وَعَدَّهُ قَاضِي خَانْ مِمَّا لَا جِرْمَ لَهُ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْحِلْيَةِ التَّوْفِيقَ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا كَانَ غَلِيظًا وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَانَ رَقِيقًا.
وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: الْمَرْئِيَّةُ مَا يَكُونُ مَرْئِيًّا بَعْدَ الْجَفَافِ كَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ، وَغَيْرُ الْمَرْئِيَّةِ مَا لَا يَكُونُ مَرْئِيًّا بَعْدَ الْجَفَافِ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ اهـ. وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى وَغَيْرِهَا: الْمَرْئِيَّةُ مَا لَهَا جِرْمٌ، وَغَيْرُهَا مَا لَا جِرْمَ لَهَا كَانَ لَهَا لَوْنٌ أَمْ لَا. اهـ. وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ غَايَةِ الْبَيَانِ بِالْمَرْئِيِّ مَا يَكُونُ ذَاتُهُ مُشَاهَدَةً بِحِسِّ الْبَصَرِ، وَبِغَيْرِهِ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلَا يُخَالِفُ كَلَامَ غَيْرِهِ، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الْأَبْوَالِ قَدْ يُرَى لَهُ لَوْنٌ بَعْدَ الْجَفَافِ أَفَادَهُ فِي الْحِلْيَةِ، وَيُوَافِقُهُ التَّوْفِيقُ الْمَارُّ، لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الدَّمَ الرَّقِيقَ وَالْبَوْلَ الَّذِي يُرَى لَوْنُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ الْغَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ وَأَنَّهُ يُكْتَفَى فِيهَا بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا بِلَا اشْتِرَاطِ زَوَالِ الْأَثَرِ مَعَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ غَيْرَ الْمَرْئِيَّةِ مَا لَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ أَصْلًا لِاكْتِفَائِهِمْ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْغَسْلِ، بِخِلَافِ الْمَرْئِيَّةِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا زَوَالُ الْأَثَرِ، فَالْمُنَاسِبُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَأَنَّ مُرَادَهُ بِالْبَوْلِ مَا لَا لَوْنَ لَهُ وَإِلَّا كَانَ مِنْ الْمَرْئِيَّةِ. .
(قَوْلُهُ: بِقَلْعِهَا) فِيهِ إيمَاءٌ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَصْرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ حَيْثُ ذَكَرَ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَصْرِ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَلَيْهِ فَمَا يَبْقَى فِي الْيَدِ مِنْ الْبَلَّةِ بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ تَبَعًا لِطَهَارَةِ الْيَدِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَعُرْوَةِ الْإِبْرِيقِ تَطْهُرُ بِطَهَارَةِ الْيَدَيْنِ، وَعَلَى هَذَا إذَا أَصَابَ خُفَّيْهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ فَإِنَّهُمَا يَطْهُرَانِ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ تَبَعًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهِمَا خَرْقٌ. اهـ. أَبُو السُّعُودِ عَنْ شَيْخِهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَثَرِهَا) يَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِمَرَّةٍ) يَعْنِي إنْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ تَطْهُرُ، سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْغَسْلَةُ الْوَاحِدَةُ فِي مَاءٍ جَارٍ أَوْ رَاكِدٍ كَثِيرٍ أَوْ بِالصَّبِّ أَوْ فِي إجَّانَةٍ، أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْإِجَّانَةُ فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا فِي الدُّرَرِ حَيْثُ قَالَ: غَسَلَ الْمَرْئِيَّةَ عَنْ الثَّوْبِ فِي إجَّانَةٍ حَتَّى زَالَتْ طَهُرَ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: أَوْ بِمَا فَوْقَ ثَلَاثٍ) أَيْ: إنْ لَمْ تَزُلْ الْعَيْنُ وَالْأَثَرُ بِالثَّلَاثِ يَزِيدُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ تَزُولَ مَا لَمْ يَشُقَّ زَوَالُ الْأَثَرِ. (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ وَلَوْ بِمَرَّةٍ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ:
стр. 324
وَلَمْ يَقُلْ بِغَسْلِهَا لِيَعُمَّ نَحْوَ دَلْكٍ وَفَرْكٍ.
(وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرٍ) كَلَوْنٍ وَرِيحٍ (لَازِمٍ) فَلَا يُكَلَّفُ فِي إزَالَتِهِ إلَى مَاءٍ حَارٍّ أَوْ صَابُونٍ وَنَحْوِهِ، بَلْ يَطْهُرُ مَا صُبِغَ أَوْ خُضِّبَ بِنَجِسٍ بِغَسْلِهِ ثَلَاثًا وَالْأَوْلَى غَسْلُهُ
ــ
[رد المحتار]
وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَقِيلَ: يَغْسِلُ بَعْدَ زَوَالِهَا مَرَّةً، وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ، وَقِيلَ: ثَلَاثًا كَمَا فِي الْكَافِي. اهـ.
(قَوْلُهُ: لِيَعُمَّ نَحْوَ دَلْكٍ وَفَرْكٍ) أَيْ: دَلْكِ خُفٍّ وَفَرْكِ مَنِيٍّ، وَأَرَادَ بِنَحْوِهِ نَظَائِرَ ذَلِكَ مِمَّا يُزِيلُ الْعَيْنَ مِنْ الْمُطَهِّرَاتِ بِدُونِ غَسْلٍ كَدَبْغِ جِلْدٍ، وَيُبْسِ أَرْضٍ، وَمَسْحِ سَيْفٍ؛ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا لَوْ جَفَّتْ عَلَى الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا فَقَدْ زَالَتْ عَيْنُهَا وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَطْهُرُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ أَشَارَ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُطَهِّرِ بِقَوْلِهِ يَطْهُرُ، فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُطَهِّرٍ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ
(قَوْلُهُ: كَلَوْنٍ وَرِيحٍ) الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَثَرِ هُوَ مَا ذُكِرَ فَقَطْ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْبَحْرِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا الطَّعْمُ فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ، وَاقْتَصَرَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَثَرِ بِالرِّيحِ فَقَطْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الرَّائِحَةِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ زَوَالُهَا. وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ ظَاهِرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
أَقُولُ: وَهُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلَهُ نُوحٌ أَفَنْدِي عَنْ الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ لَوْ غُسِلَ الثَّوْبُ عَنْ الْخَمْرِ ثَلَاثًا وَرَائِحَتُهَا بَاقِيَةٌ طَهُرَ وَقِيلَ لَا مَا لَمْ تَزُلْ الرَّائِحَةُ. (قَوْلُهُ: لَازِمٍ) أَيْ: ثَابِتٍ وَهُوَ نَعْتٌ لِأَثَرٍ. (قَوْلُهُ: حَارٍّ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: مُسَخَّنٍ. (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ) أَيْ: كَحُرْضٍ وَأُشْنَانٍ. (قَوْلُهُ: بَلْ يَطْهُرُ إلَخْ) إضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ ط. (قَوْلُهُ: بِنَجِسٍ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: مُتَنَجِّسٍ إذْ لَوْ كَانَ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ كَالدَّمِ وَجَبَ زَوَالُ عَيْنِهِ وَطَعْمِهِ وَرِيحِهِ وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ أَفَادَهُ ح. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الصَّبْغِ وَالِاخْتِضَابِ بِالصِّبْغِ أَوْ الْحِنَّاءِ النَّجِسَيْنِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى غَسْلُهُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الدُّهْنِ النَّجِسِ أَوْ اخْتَضَبَتْ الْمَرْأَةُ بِالْحِنَّاءِ النَّجِسِ أَوْ صُبِغَ الثَّوْبُ بِالصِّبْغِ النَّجِسِ ثُمَّ غُسِلَ كُلٌّ ثَلَاثًا طَهُرَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ يَطْهُرُ إنْ غُسِلَ الثَّوْبُ حَتَّى يَصْفُوَ الْمَاءُ وَيَسِيلَ أَبْيَضَ اهـ. وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي صِبْغٍ فَإِنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ الثَّوْبُ ثُمَّ يُغْسَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ كَالْمَرْأَةِ إذَا اخْتَضَبَتْ بِحِنَّاءٍ نَجِسٍ. اهـ. وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْحِنَّاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُطْلَقَةً أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْهُرَ مَا دَامَ يَخْرُجُ الْمَاءُ مُلَوَّنًا بِلَوْنِ الْحِنَّاءِ، فَعُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ صَفْوِ الْمَاءِ إمَّا قَوْلٌ ثَانٍ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الْمُحِيطِ، أَوْ هُوَ تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَبَيَانٌ لَهُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْخَانِيَّةِ وَيَنْبَغِي، وَعَلَى كُلٍّ فَكَلَامُ الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ يُشْعِرُ بِاخْتِيَارِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِ فِي الْفَتْحِ.
هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ كَلَامًا حَسَنًا سَبَقَهُ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ، وَهُوَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الِاخْتِضَابِ أَوْ الصَّبْغِ بِالْحِنَّاءِ أَوْ الصِّبْغِ النَّجِسَيْنِ وَغَمْسِ الْيَدِ فِي الدُّهْنِ النَّجِسِ مَبْنِيَّةٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ إمَّا عَلَى أَنَّ الْأَثَرَ الَّذِي يَشُقُّ زَوَالُهُ لَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُ، وَإِمَّا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّ الدُّهْنَ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا بِأَنْ يُجْعَلَ فِي إنَاءٍ فَيُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ ثُمَّ يُرْفَعَ وَيُرَاقَ الْمَاءُ، وَهَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ؛ فَمَنْ بَنَى ذَلِكَ عَلَى الْأَوَّلِ اشْتَرَطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَفْوَ الْمَاءِ لِيَكُونَ اللَّوْنُ الْبَاقِي أَثَرًا شَقَّ زَوَالُهُ فَيُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا نُفِضَ عَلَى ثَوْبٍ آخَرَ أَوْ ظَهَرَ فِي الْمَاءِ عِنْدَ غَسْلِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ. وَالْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِ غَسْلِهِ ثَلَاثًا بَعْدَ صَفْوِ الْمَاءِ ضَعِيفٌ، وَمَنْ بَنَى عَلَى الثَّانِي اكْتَفَى بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْحِنَّاءَ وَالصِّبْغَ وَالدُّهْنَ الْمُتَنَجِّسَاتِ تَصِيرُ طَاهِرَةً بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا فَلَا يُشْتَرَطُ بَعْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ الْمَاءِ صَافِيًا. اهـ. وَقَدْ أَطَالَ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ ثُمَّ جَنَحَ إلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَالَ: إنَّهُ الْأَشْبَهُ فَلْيَكُنْ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَرْجِيحٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْفَتْحِ،
стр. 325
إلَى أَنْ يَصْفُوَ الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّ أَثَرُ دُهْنٍ إلَّا دُهْنَ وَدَكِ مَيْتَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَا يُدْبَغَ بِهِ جِلْدٌ
ــ
[رد المحتار]
فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ الْجَزْمُ بِهِ إذْ لَمْ نَرَ مَنْ رَجَّحَ خِلَافَهُ فَافْهَمْ، ثُمَّ قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ: وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَصْبُوغِ بِالدَّمِ كَالثِّيَابِ الْحُمْرِ الَّتِي تُجْلَبُ فِي زَمَانِنَا مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ، فَلَا تَطْهُرُ أَبَدًا مَا لَمْ يَخْرُجْ الْمَاءُ صَافِيًا وَيُعْفَى عَنْ اللَّوْنِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْمَصْبُوغُ بِالدُّودَةِ فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ يَتَجَمَّدُ فِيهَا الدَّمُ النَّجِسُ مَا لَمْ تَكُنْ مِنْ دُودٍ يَتَوَلَّدُ فِي الْمَاءِ فَتَكُونُ طَاهِرَةً، لَكِنَّ بَيْعَهَا بَاطِلٌ، وَلَا يَضْمَنُ مُتْلِفُهَا، وَلَا يُمْلَكُ ثَمَنُهَا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ اهـ مُلَخَّصًا.
أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الدُّودَةَ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَائِيَّةِ الْمَوْلِدِ وَكَانَ لَهَا دَمٌ سَائِلٌ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَإِلَّا فَطَاهِرَةٌ فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهَا. وَأَمَّا حُكْمُ بَيْعِهَا فَيَنْبَغِي جَوَازُهُ كَمَا أَجَازُوا بَيْعَ السِّرْقِينِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ وَكَذَا بَيْعُ دُودِ الْقَزِّ وَبَيْضِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يُضَنُّ بِهِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ. وَكَذَا بَيْعُ النَّحْلِ وَالْعَلَقِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْهَوَامِّ، وَهَذِهِ الدُّودَةُ عِنْدَ أَهْلِ زَمَانِنَا مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ وَأَنْفَسِهَا وَالضِّنَّةُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ دُودِ الْقَزِّ. وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ الدُّودَةَ نَوْعَانِ نَوْعٌ مِنْهَا حَيَوَانِيٌّ يُخْنَقُ بِالْخَلِّ أَوْ الْخَمْرِ، وَنَوْعٌ مِنْهَا نَبَاتِيٌّ وَالْأَجْوَدُ فِي الصَّبْغِ الْأَوَّلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الْوَشْمِ [تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ]
يُسْتَفَادُ مِمَّا مَرَّ حُكْمُ الْوَشْمِ فِي نَحْوِ الْيَدِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَالِاخْتِضَابِ أَوْ الصَّبْغِ بِالْمُتَنَجِّسِ؛ لِأَنَّهُ إذَا غُرِزَتْ الْيَدُ أَوْ الشَّفَةُ مَثَلًا بِإِبْرَةٍ ثُمَّ حُشِيَ مَحَلُّهَا بِكُحْلٍ أَوْ نِيلَةٍ لِيَخْضَرَّ تَنَجَّسَ الْكُحْلُ بِالدَّمِ، فَإِذَا جَمَدَ الدَّمُ وَالْتَأَمَ الْجُرْحُ بَقِيَ مَحَلُّهُ أَخْضَرَ، فَإِذَا غُسِلَ طَهُرَ؛ لِأَنَّهُ أَثَرٌ يَشُقُّ زَوَالُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ إلَّا بِسَلْخِ الْجِلْدِ أَوْ جَرْحِهِ، فَإِذَا كَانَ لَا يُكَلَّفُ بِإِزَالَةِ الْأَثَرِ الَّذِي يَزُولُ بِمَاءٍ حَارٍّ أَوْ صَابُونٍ فَعَدَمُ التَّكْلِيفِ هُنَا أَوْلَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ فَقَالَ: وَلَوْ اتَّخَذَ فِي يَدِهِ وَشْمًا لَا يَلْزَمُهُ السَّلْخُ اهـ. لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ أَعَادَ سِنَّهُ ثَانِيًا وَنَبَتَ وَقَوِيَ، فَإِنْ أَمْكَنَ قَلْعُهُ بِلَا ضَرَرٍ قَلَعَهُ وَإِلَّا فَلَا وَتَنَجَّسَ فَمُهُ، وَلَا يَؤُمُّ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ اهـ. أَيْ: بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ السِّنِّ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ: وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ الْوَشْمَةِ، وَلَا رَيْبَ فِي عَدَمِ جَوَازِ كَوْنِهِ إمَامًا بِجَامِعِ النَّجَاسَةِ. ثُمَّ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ قِيلَ: يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ نَجِسًا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهُ إلَّا بِالْجَرْحِ فَإِنْ خِيفَ مِنْهُ الْهَلَاكُ أَوْ فَوَاتُ عُضْوٍ لَمْ تَجِبْ وَإِلَّا وَجَبَتْ، وَبِتَأْخِيرِهِ يَأْثَمُ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيهِ سَوَاءٌ اهـ.
أَقُولُ: وَعَلَيْهِ لَوْ أَصَابَ مَاءً قَلِيلًا أَوْ مَائِعًا نَجَّسَهُ، لَكِنَّ تَعْبِيرَ الْأَكْمَلِ بِقِيلَ يُفِيدُ عَدَمَ اعْتِمَادِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْهُمْ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَشْمَةِ وَبَيْنَ السِّنِّ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ السِّنَّ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَالْوَشْمَةَ أَثَرٌ، فَإِنْ اُدُّعِيَ أَنَّ بَقَاءَ اللَّوْنِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ رُدَّ بِأَنَّ الصَّبْغَ وَالِاخْتِضَابَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ عَدَمُ طَهَارَتِهِ، وَإِنْ فُرِّقَ بِأَنَّ الْوَشْمَةَ امْتَزَجَتْ بِاللَّحْمِ وَالْتَأَمَتْ مَعَهُ بِخِلَافِ الصَّبْغِ نَقُولُ: إنَّ مَا تَدَاخَلَ فِي اللَّحْمِ لَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ كَمَا لَوْ تَشَرَّبَتْ النَّجَاسَةُ فِي يَدِهِ مَثَلًا، وَمَا عَلَى سَطْحِ الْجِلْدِ مِثْلُ الْحِنَّاءِ وَالصَّبْغِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ نَجِسٍ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ «وَلَمَّا جُرِحَ ﷺ فِي أُحُدٍ جَاءَتْ فَاطِمَةُ ﵂ فَأَحْرَقَتْ حَصِيرًا وَكَمَّدَتْ بِهِ حَتَّى الْتَصَقَ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ» .
وَفِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى: كُسِرَ عَظْمُهُ فَوُصِّلَ بِعَظْمِ الْكَلْبِ وَلَا يُنْزَعُ إلَّا بِضَرَرٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ فِي يَدِهِ تَصَاوِيرُ وَيَؤُمُّ النَّاسَ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ اهـ. وَفِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ سُئِلَ فِي رَجُلٍ عَلَى يَدِهِ وَشْمٌ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ مَعَهُ أَمْ لَا؟ أَجَابَ نَعَمْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ بِلَا شُبْهَةٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. اهـ. (قَوْلُهُ: إلَّا دُهْنَ وَدَكِ مَيْتَةٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إلَّا وَدَكَ دُهْنِ مَيْتَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَدَكَ الدَّسَمُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. (قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يُدْبَغَ بِهِ جِلْدٌ) أَيْ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَوْ دُبِغَ ثُمَّ غُسِلَ طَهُرَ. قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: الْكِيمَخْتُ الْمَدْبُوغُ بِدُهْنِ الْخِنْزِيرِ إذَا
стр. 326
بَلْ يُسْتَصْبَحُ بِهِ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ -.
(وَ) يَطْهُرُ مَحَلُّ (غَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ (بِغَلَبَةِ ظَنِّ غَاسِلٍ) لَوْ مُكَلَّفًا وَإِلَّا فَمُسْتَعْمَلٌ (طَهَارَةَ مَحَلِّهَا) بِلَا عَدَدٍ بِهِ يُفْتَى.
(وَقُدِّرَ) ذَلِكَ لِمُوَسْوِسٍ (بِغَسْلٍ وَعَصْرٍ ثَلَاثًا) أَوْ سَبْعًا (فِيمَا يَنْعَصِرُ) مُبَالِغًا بِحَيْثُ لَا يَقْطُرُ، وَلَوْ كَانَ لَوْ عَصَرَهُ
ــ
[رد المحتار]
غُسِلَ يَطْهُرُ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ الْأَثَرِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَإِذَا دُبِغَ الْجِلْدُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ وَيَطْهُرُ وَالتَّشَرُّبُ عَفْوٌ اهـ. (قَوْلُهُ: بَلْ يُسْتَصْبَحَ بِهِ إلَخْ) ظَاهِرُ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هَذَا فِي الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ فَقَطْ يُؤَيِّدُهُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ يَقُولُ وَهُوَ بِمَكَّةَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؛ قَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ» الْحَدِيثَ "
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمُسْتَعْمَلٌ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغَاسِلُ مُكَلَّفًا، بِأَنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا يُعْتَبَرُ ظَنُّ الْمُسْتَعْمِلِ لِلثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: طَهَارَةَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ ظَنَّ. (قَوْلُهُ: بِلَا عَدَدٍ بِهِ يُفْتَى) كَذَا فِي الْمُنْيَةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُهُمَا بِمَرَّةٍ أَجْزَأَهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ. وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالثَّلَاثِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَفِي السِّرَاجِ اعْتِبَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ مُخْتَارُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالتَّقْدِيرُ بِالثَّلَاثِ مُخْتَارُ الْبُخَارِيِّينَ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُوَسْوِسًا وَإِنْ كَانَ مُوَسْوِسًا فَالثَّانِي اهـ بَحْرٌ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَهُوَ تَوْفِيقٌ حَسَنٌ اهـ وَعَلَيْهِ جَرَى صَاحِبُ الْمُخْتَارِ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ غَلَبَةَ الظَّنِّ إلَّا فِي الْمُوَسْوِسِ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَاسْتَحْسَنَهُ فِي الْحِلْيَةِ وَقَالَ: وَقَدْ مَشَى الْجَمُّ الْغَفِيرُ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
أَقُولُ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَحَقُّقِ الْخِلَافِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ غَيْرُ الْقَوْلِ بِالثَّلَاثِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَهُوَ الْحَقُّ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِكَلَامِ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَالْمُحِيطِ.
أَقُولُ: وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْكَافِي مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا قَوْلٌ وَاحِدٌ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَقَالَ: فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمَذْهَبَ اعْتِبَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالثَّلَاثِ لِحُصُولِهَا بِهِ فِي الْغَالِبِ وَقَطْعًا لِلْوَسْوَسَةِ وَأَنَّهُ مِنْ إقَامَةِ السَّبَبِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ الَّذِي فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى حَقِيقَتِهِ عُسْرٌ كَالسَّفَرِ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ اهـ. وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِمْدَادِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُتُونِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِالثَّلَاثِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. (قَوْلُهُ: لِمُوَسْوِسٍ) قَدَّرَهُ اخْتِيَارًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى تَحَقُّقِ الْخِلَافِ، وَإِلَّا فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِلدُّرَرِ كَعِبَارَةِ الْكَافِي وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا ظَاهِرٌ فِي خِلَافِهِ وَالْمُوَسْوِسُ بِكَسْرِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهُ مُحَدِّثٌ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ، وَلَا يُقَالُ بِالْفَتْحِ وَلَكِنْ مُوَسْوَسٌ لَهُ أَوْ إلَيْهِ أَيْ: يُلْقَى إلَيْهِ الْوَسْوَسَةُ، وَهِيَ حَدِيثُ النَّفْسِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ. (قَوْلُهُ: ثَلَاثًا) قَيْدٌ لِلْغَسْلِ وَالْعَصْرِ مَعًا عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ أَوْ لِلْعَصْرِ فَقَطْ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ تَثْلِيثُ الْغَسْلِ، فَإِنَّهُ إذَا عُصِرَ مَرَّةً بِحَيْثُ لَا يَبْقَى التَّقَاطُرُ لَا يُعْصَرُ مَرَّةً أُخْرَى إلَّا بَعْدَ أَنْ يُغْسَلَ. اهـ. نُوحٌ. ثُمَّ اشْتِرَاطُ الْعَصْرِ ثَلَاثًا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ يُكْتَفَى بِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ شَرْحُ الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: أَوْ سَبْعًا) ذَكَرَهُ فِي الْمُلْتَقَى وَالِاخْتِيَارِ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَيُنْدَبُ أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِهِ وَخِلَافِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا لَوْ النَّجَاسَةُ كَلْبِيَّةً. (قَوْلُهُ: فِيمَا يَنْعَصِرُ) أَيْ: تَقْيِيدُ الطَّهَارَةِ بِالْعَصْرِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَنْعَصِرُ وَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ مَتْنًا. (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَا يَقْطُرُ) تَصْوِيرٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْعَصْرِ ط. وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِيهِ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الْمَرَّاتِ، وَجَعَلَهَا فِي الدُّرَرِ شَرْطًا لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فَقَطْ، وَكَذَا فِي الْإِيضَاحِ لِابْنِ الْكَمَالِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَكَافِي النَّسَفِيِّ
стр. 327
غَيْرُهُ قَطَرَ طَهُرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ دُونَ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَلَوْ لَمْ يُبَالِغْ لِرِقَّتِهِ هَلْ يَطْهُرُ؟ الْأَظْهَرُ نَعَمْ لِلضَّرُورَةِ.
(وَ) قُدِّرَ (بِتَثْلِيثِ جَفَافٍ) أَيْ: انْقِطَاعِ تَقَاطُرٍ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مُنْعَصِرٍ مِمَّا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ وَإِلَّا فَبِقَلْعِهَا
ــ
[رد المحتار]
وَعَزَاهُ فِي الْحِلْيَةِ إلَى فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: غَسَلَ الثَّوْبَ ثَلَاثًا وَعَصَرَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَقُوَّتُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُبَالِغْ فِيهِ صِيَانَةً لِلثَّوْبِ لَا يَجُوزُ اهـ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: طَهُرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُكَلَّفٌ بِقُدْرَتِهِ وَوُسْعِهِ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَطْلُبَ مَنْ هُوَ أَقْوَى لِيَعْصِرَ ثَوْبَهُ شَرْحُ الْمُنْيَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ قُدْرَةَ الْغَيْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. (قَوْلُهُ: الْأَظْهَرُ نَعَمْ لِلضَّرُورَةِ) كَذَا فِي النَّهْرِ عَنْ السِّرَاجِ. أَيْ: لِئَلَّا يَلْزَمَ إضَاعَةُ الْمَالِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَكِنْ اخْتَارَ فِي الْخَانِيَّةِ عَدَمَ الطَّهَارَةِ اهـ.
قُلْت: وَبِهِ جَزَمَ فِي الدُّرَرِ، وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ مَا لَا يَنْعَصِرُ مِنْ تَثْلِيثِ الْجَفَافِ. (قَوْلُهُ: بِتَثْلِيثِ جَفَافٍ) أَيْ: جَفَافِ كُلِّ غَسْلَةٍ مِنْ الْغَسْلَاتِ الثَّلَاثِ وَهَذَا شَرْطٌ فِي غَيْرِ الْبَدَنِ وَنَحْوِهِ، أَمَّا فِيهِ فَيَقُومُ مَقَامَهُ تَوَالِي الْغَسْلِ ثَلَاثًا قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّوَالِي وَالْجَفَافِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَازِلِ وَفِي الذَّخِيرَةِ مَا يُوَافِقُهُ. اهـ. وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا جَرَى مَاءُ الِاسْتِنْجَاءِ تَحْتَ الْخُفِّ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَطْهُرُ الْخُفُّ تَبَعًا كَمَا قُلْنَا فِي عُرْوَةِ الْإِبْرِيقِ إذَا أَخَذَهَا بِيَدٍ نَجِسَةٍ وَغَسَلَ يَدَهُ ثَلَاثًا تَطْهُرُ الْعُرْوَة تَبَعًا لِلْيَدِ. (قَوْلُهُ: أَيْ: انْقِطَاعِ تَقَاطُرٍ) زَادَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَذَهَابِ النَّدَاوَةِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: حَدُّ التَّجْفِيفِ أَنْ يَصِيرَ بِحَالٍ لَا تَبَتُّلُ مِنْهُ الْيَدُ، وَلَا يُشْتَرَطُ صَيْرُورَتُهُ يَابِسًا جِدًّا. اهـ. ثُمَّ هَلْ يَلْزَمُ ذَهَابُ أَثَرٍ شَقَّ زَوَالُهُ؟ ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ مُفَادَ مَا فِي الْمُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ نَعَمْ بِخِلَافِ الثَّوْبِ. وَقَالَ: وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا لَا تَعْرَى عَنْ شَيْءٍ اهـ. وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ تَعَقَّبَ مَا فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ قَالَ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ زَوَالَ الْأَثَرِ شَرْطٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا لَمْ يَشُقَّ كَيْفَمَا كَانَ التَّطْهِيرُ وَبِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ فَلْيُحْفَظْ ذَلِكَ اهـ وَنَحْوُهُ فِي حَاشِيَةِ الْوَانِيِّ عَلَى الدُّرَرِ. (قَوْلُهُ: أَيْ: غَيْرِ مُنْعَصِرٍ) أَيْ: بِأَنْ تَعَذَّرَ عَصْرُهُ كَالْخَزَفِ أَوْ تَعَسَّرَ كَالْبِسَاطِ أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: مِمَّا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ إلَخْ) حَاصِلُهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الْمُتَنَجِّسَ إمَّا أَنْ لَا يَتَشَرَّبَ فِيهِ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ أَصْلًا كَالْأَوَانِي الْمُتَّخَذَةَ مِنْ الْحَجَرِ وَالنُّحَاسِ وَالْخَزَفِ الْعَتِيقِ، أَوْ يَتَشَرَّبَ فِيهِ قَلِيلًا كَالْبَدَنِ وَالْخُفِّ وَالنَّعْلِ أَوْ يَتَشَرَّبَ كَثِيرًا؛ فَفِي الْأَوَّلِ طَهَارَتُهُ بِزَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ الْمَرْئِيَّةِ أَوْ بِالْعَدَدِ عَلَى مَا مَرَّ؛ وَفِي الثَّانِي كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَسْتَخْرِجُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، وَأَمَّا فِي الثَّالِثِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ عَصْرُهُ كَالثِّيَابِ فَطَهَارَتُهُ بِالْغَسْلِ وَالْعَصْرِ إلَى زَوَالِ الْمَرْئِيَّةِ وَفِي غَيْرِهَا بِتَثْلِيثِهِمَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْعَصِرُ كَالْحَصِيرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْبَرْدِيِّ وَنَحْوِهِ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَشَرَّبْ فِيهِ بَلْ أَصَابَ ظَاهِرَهُ يَطْهُرُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ أَوْ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا بِلَا عَصْرٍ، وَإِنْ عُلِمَ تَشَرُّبُهُ كَالْخَزَفِ الْجَدِيدِ وَالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ بِدُهْنٍ نَجِسٍ وَالْحِنْطَةِ الْمُنْتَفِخَةِ بِالنَّجِسِ؛ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُنْقَعُ فِي الْمَاءِ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ كُلَّ مَرَّةٍ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ، وَالثَّانِي أَوْسَعُ اهـ وَبِهِ يُفْتَى دُرَرٌ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْخَزَفِ الْعَتِيقِ بِمَا إذَا تَنَجَّسَ رَطْبًا وَإِلَّا فَهُوَ كَالْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ يُشَاهَدُ اجْتِذَابُهُ اهـ وَقَالُوا فِي الْبِسَاطِ النَّجِسِ إذَا جُعِلَ فِي نَهْرٍ لَيْلَةً طَهُرَ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالتَّقْيِيدُ بِاللَّيْلَةِ لِقَطْعِ الْوَسْوَسَةِ وَإِلَّا فَالْمَذْكُورُ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ إذَا أَجْرَى عَلَيْهِ الْمَاءَ إلَى أَنْ يَتَوَهَّمَ زَوَالَهَا طَهُرَ؛ لِأَنَّ إجْرَاءَ الْمَاءِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَصْرِ اهـ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِاللَّيْلَةِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى عَنْ الشُّمُنِّيِّ وَابْنِ الْكَمَالِ، وَلَوْ مُوِّهَ الْحَدِيدُ بِالْمَاءِ النَّجِسِ يُمَوَّهُ بِالطَّاهِرِ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، فَعِنْدَهُ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا وَهَذَا فِي الْحَمْلِ فِي الصَّلَاةِ أَمَّا لَوْ غُسِلَ ثَلَاثًا ثُمَّ قُطِعَ بِهِ نَحْوُ بِطِّيخٍ أَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ لَا يُنَجِّسُهُ فَالْغَسْلُ يُطَهِّرُ ظَاهِرَهُ إجْمَاعًا، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَبِقَلْعِهَا) الْمُنَاسِبُ فَبِغَسْلِهَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ أَيْ: مَا لَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ مِمَّا لَا يَنْعَصِرُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَلَوْ بِدَفْعَةٍ بِلَا تَجْفِيفٍ كَالْخَزَفِ وَالْآجُرِّ
стр. 328
كَمَا مَرَّ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا غُسِلَ فِي إجَّانَةٍ، أَمَّا لَوْ غُسِلَ فِي غَدِيرٍ أَوْ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ، أَوْ جَرَى عَلَيْهِ الْمَاءُ طَهُرَ مُطْلَقًا بِلَا شَرْطِ عَصْرٍ وَتَجْفِيفٍ وَتَكْرَارِ غَمْسٍ هُوَ الْمُخْتَارُ.
ــ
[رد المحتار]
الْمُسْتَعْمَلَيْنِ كَمَا مَرَّ وَكَالسَّيْفِ وَالْمِرْآةِ وَمِثْلُهُ مَا يُتَشَرَّبُ فِيهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ كَالْبَدَنِ وَالنَّعْلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا. (قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ) أَيْ: الْغَسْلُ وَالْعَصْرُ ثَلَاثَةً فِيمَا يَنْعَصِرُ وَتَثْلِيثُ الْجَفَافِ فِي غَيْرِهِ ط. (قَوْلُهُ: فِي إجَّانَةٍ) بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ: إنَاءٌ تُغْسَلُ فِيهِ الثِّيَابُ وَالْجَمْعُ أَجَاجِينُ مِصْبَاحٌ أَيْ: إنَّ هَذَا الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ إذَا غُسِلَ ثَلَاثًا فِي إجَّانَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي ثَلَاثِ إجَّانَاتٍ. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَالْمِيَاهُ الثَّلَاثَةُ مُتَفَاوِتَةٌ فِي النَّجَاسَةِ، فَالْأُولَى يَطْهُرُ مَا أَصَابَتْهُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا، وَالثَّانِيَةُ بِثِنْتَيْنِ وَالثَّالِثَةُ بِوَاحِدَةٍ، وَكَذَا الْأَوَانِي الثَّلَاثَةُ الَّتِي غُسِلَ فِيهَا وَاحِدَةٌ بَعْدَ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ يَطْهُرُ الْإِنَاءُ الثَّالِثُ بِمُجَرَّدِ الْإِرَاقَةِ وَالثَّانِي بِوَاحِدَةٍ، وَالْأَوَّلُ بِثِنْتَيْنِ اهـ.
بَقِيَ لَوْ غُسِلَ فِي إجَّانَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ فِي الْفَيْضِ: تُغْسَلُ الْإِجَّانَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِ مَرَّةً اهـ وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ غَسَلَ الْعُضْوَ فِي الْإِجَّانَةِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ أَدْخَلَهُ فِي حَبَابِ الْمَاءِ وَلَوْ فِي خَوَابِي خَلٍّ يَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثَةِ طَاهِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ خِلَافًا لَهُمَا، لِاشْتِرَاطِ مُحَمَّدٍ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ الْمَاءَ، وَاشْتِرَاطِ أَبِي يُوسُفَ الصَّبَّ بَدَائِعُ. (قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ غُسِلَ إلَخْ) نَقَلَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ وَتَابَعَهُ مَنْ بَعْدَهُ حَتَّى الشُّرُنْبُلَالِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا اتَّزَرَ فِي الْحَمَّامِ وَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ عَلَى الْإِزَارِ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْإِزَارِ، وَإِنْ لَمْ يُعْصَرْ. وَفِي الْمُنْتَقَى: شَرَطَ الْعَصْرَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِمَا نَصُّهُ: تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ، وَلَوْ غَمَسَ الثَّوْبَ فِي نَهْرٍ جَارٍ مَرَّةً وَعَصَرَهُ يَطْهُرُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُعْصَرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَغْسِلُهَا أَيْ: النَّجَاسَةَ الْغَيْرَ الْمَرْئِيَّةِ ثَلَاثًا وَيَعْصِرُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ رِوَايَةِ الْأُصُولِ. وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْإِزَارِ لِضَرُورَةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَا تُتْرَكُ الرِّوَايَاتُ الظَّاهِرَةُ فِيهِ. اهـ.
أَقُولُ: لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ الْمَرْئِيَّةِ زَوَالُ عَيْنِهَا وَلَوْ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ فِي إجَّانَةٍ كَمَا مَرَّ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَثْلِيثُ غَسْلٍ وَلَا عَصْرٍ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي تَطْهِيرِ غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ بِلَا عَدَدٍ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ أَوْ مَعَ شَرْطِ التَّثْلِيثِ عَلَى مَا مَرَّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَسْلَ بِالْمَاءِ الْجَارِي وَمَا فِي حُكْمِهِ مِنْ الْغَدِيرِ أَوْ الصَّبَّ الْكَثِيرَ الَّذِي يَذْهَبُ بِالنَّجَاسَةِ أَصْلًا وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ مِرَارًا بِالْجَرَيَانِ أَقْوَى مِنْ الْغَسْلِ فِي الْإِجَّانَةِ الَّتِي عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ فِيهَا تُلَاقِي الْمَاءَ وَتَسْرِي مَعَهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الثَّوْبِ فَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي اشْتِرَاطِ التَّثْلِيثِ، وَلَيْسَ اشْتِرَاطُهُ حُكْمًا تَعَبُّدِيًّا حَتَّى يُلْتَزَمَ وَإِنْ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي إزَارِ الْحَمَّامِ: إنَّهُ لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ دَمًا أَوْ بَوْلًا وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ كَفَاهُ، وَقَوْلُ الْفَتْحِ إنَّ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ كَمَا مَرَّ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِمَا فِي السِّرَاجِ، وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: فِي غَدِيرٍ) أَيْ: مَاءٍ كَثِيرٍ لَهُ حُكْمُ الْجَارِي. (قَوْلُهُ: أَوْ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ) أَيْ: بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْمَاءُ وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْجَرَيَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّكْرَارِ وَالْعَصْرُ هُوَ الصَّحِيحُ سِرَاجٌ. (قَوْلُهُ: بِلَا شَرْطِ عَصْرٍ) أَيْ: فِيمَا يَنْعَصِرُ، وَقَوْلُهُ " وَتَجْفِيفٍ " أَيْ: فِي غَيْرِهِ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ. (قَوْلُهُ: هُوَ الْمُخْتَارُ) عِبَارَةُ السِّرَاجِ: وَأَمَّا حُكْمُ الْغَدِيرِ: فَإِنْ غُمِسَ الثَّوْبُ فِيهِ ثَلَاثًا وَقُلْنَا بِقَوْلِ الْبَلْخِيِّينَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ يُعْصَرْ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ كُلَّ مَرَّةٍ، وَقِيلَ: مَرَّةً وَاحِدَةً. اهـ.
وَحَاصِلُهُ: اشْتِرَاطُ الْغَمْسِ فِي الْغَدِيرِ ثَلَاثًا عِنْدَهُمْ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْعَصْرِ فَتَنَبَّهْ.
стр. 329
وَيَطْهُرُ لَبَنٌ وَعَسَلٌ وَدِبْسٌ وَدُهْنٌ يُغْلَى ثَلَاثًا وَلَحْمٌ طُبِخَ بِخَمْرٍ يُغْلَى وَتَبْرِيدٌ ثَلَاثًا، وَكَذَا دَجَاجَةٌ مُلْقَاةٌ حَالَّةٌ عَلَى الْمَاءِ لِلنَّتْفِ قَبْلَ شَقِّهَا فَتْحٌ. وَفِي التَّجْنِيسِ: حِنْطَةٌ طُبِخَتْ فِي خَمْرٍ لَا تَطْهُرُ أَبَدًا بِهِ يُفْتَى. وَلَوْ انْتَفَخَتْ مِنْ بَوْلٍ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي تَطْهِيرِ الدُّهْنِ وَالْعَسَلِ (قَوْلُهُ: وَيَطْهُرُ لَبَنٌ وَعَسَلٌ إلَخْ) قَالَ فِي الدُّرَرِ: لَوْ تَنَجَّسَ الْعَسَلُ فَتَطْهِيرُهُ أَنْ يُصَبَّ فِيهِ مَاءٌ بِقَدْرِهِ فَيُغْلَى حَتَّى يَعُودَ إلَى مَكَانِهِ، وَالدُّهْنُ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَيُغْلَى فَيَعْلُو الدُّهْنُ الْمَاءَ فَيُرْفَعُ بِشَيْءٍ هَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اهـ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَوْسَعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى. وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخُلَاصَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّثْلِيثِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مُجْزِئَةٌ عَنْ التَّثْلِيثِ وَفِيهِ اخْتِلَافُ تَصْحِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ لَفْظَةَ: فَيُغْلَى ذُكِرَتْ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ زِيَادَةِ النَّاسِخِ، فَإِنَّا لَمْ نَرَ مَنْ شَرَطَ لِتَطْهِيرِ الدُّهْنِ الْغَلَيَانَ مَعَ كَثْرَةِ النَّقْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالتَّتَبُّعِ لَهَا إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّحْرِيكُ مَجَازًا، فَقَدْ صَرَّحَ فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَةِ وَشَرْحِ الْقُدُورِيِّ أَنَّهُ يُصَبُّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مَاءً وَيُحَرَّكَ فَتَأَمَّلْ. اهـ. أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا جَمَدَ الدُّهْنُ بَعْدَ تَنَجُّسِهِ. ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْخَزَائِنِ فَقَالَ: وَالدُّهْنُ السَّائِلُ يُلْقَى فِيهِ الْمَاءُ، وَالْجَامِدُ يُغْلَى بِهِ حَتَّى يَعْلُوَ إلَخْ. ثُمَّ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمَاءِ مِثْلَ الْعَسَلِ أَوْ الدُّهْنِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْكَافِي، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ. وَذَكَرَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ الِاكْتِفَاءَ فِي الْعَسَلِ وَالدِّبْسِ بِالْخُمُسِ قَالَ: لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَدْرًا مِنْ الْمَاءِ.
قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنَّ قَدْرًا مُصَحَّفٌ عَنْ قَدْرِهِ بِالضَّمِيرِ فَيُوَافِقُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ، وَبِهِ يَسْقُطُ مَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ.
هَذَا وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ رُكْنِ الْأَئِمَّةِ الصَّبَّاغِيِّ أَنَّهُ جَرَّبَ تَطْهِيرَ الْعَسَلِ بِذَلِكَ فَوَجَدَهُ مُرًّا. وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَتْ الْفَأْرَةُ فِي دَنِّ النَّشَاءِ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ إنْ تَنَاهَى أَمْرُهُ وَإِلَّا فَلَا. (قَوْلُهُ: وَلَحْمٌ طُبِخَ إلَخْ) فِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ صُبَّتْ الْخَمْرَةُ فِي قِدْرٍ فِيهَا لَحْمٌ إنْ كَانَ قَبْلَ الْغَلَيَانِ يَطْهُرُ اللَّحْمُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا، وَإِنْ بَعْدَهُ فَلَا. وَقِيلَ يُغْلَى ثَلَاثًا كُلَّ مَرَّةٍ بِمَاءٍ طَاهِرٍ وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَتَجْفِيفُهُ بِالتَّبْرِيدِ. اهـ. بَحْرٌ.
قُلْت: لَكِنْ يَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ الْأَوَّلُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: إذَا صَبَّ الطَّبَّاخُ فِي الْقِدْرِ مَكَانَ الْخَلِّ خَمْرًا غَلَطًا فَالْكُلُّ نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُغْلَى ثَلَاثًا لَا يُؤْخَذُ بِهِ، وَكَذَا الْحِنْطَةُ إذَا طُبِخَتْ فِي الْخَمْرِ لَا تَطْهُرُ أَبَدًا. وَعِنْدِي إذَا صُبَّ فِيهِ الْخَلُّ وَتُرِكَ حَتَّى صَارَ الْكُلُّ خَلًّا لَا بَأْسَ بِهِ. اهـ. فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ هُنَا ضَعِيفٌ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا دَجَاجَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّهَا لَا تَطْهُرُ أَبَدًا لَكِنْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَطْهُرُ، وَالْعِلَّةُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - تَشَرُّبُهَا النَّجَاسَةَ بِوَاسِطَةِ الْغَلَيَانِ، وَعَلَيْهِ اُشْتُهِرَ أَنَّ اللَّحْمَ السَّمِيطَ بِمِصْرَ نَجِسٌ، لَكِنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَثْبُتُ مَا لَمْ يَمْكُثْ اللَّحْمُ بَعْدَ الْغَلَيَانِ زَمَانًا يَقَعُ فِي مِثْلِهِ التَّشَرُّبُ وَالدُّخُولُ فِي بَاطِنِ اللَّحْمِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرُ مُحَقَّقٍ فِي السَّمِيطِ حَيْثُ لَا يَصِلُ إلَى حَدِّ الْغَلَيَانِ، وَلَا يُتْرَكُ فِيهِ إلَّا مِقْدَارُ مَا تَصِلُ الْحَرَارَةُ إلَى ظَاهِرِ الْجِلْدِ لِتَنْحَلَّ مَسَامُّ الصُّوفِ، بَلْ لَوْ تُرِكَ يَمْنَعُ انْقِلَاعَ الشَّعْرِ؛ فَالْأَوْلَى فِي السَّمِيطِ أَنْ يُطَهَّرَ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا فَإِنَّهُمْ لَا يَتَحَرَّسُونَ فِيهِ عَنْ النَّجِسِ، وَقَدْ قَالَ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ بِهَذَا فِي الدَّجَاجَةِ وَالْكِرْشِ وَالسَّمِيطِ اهـ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: وَفِي التَّجْنِيسِ) هُوَ اسْمُ كِتَابٍ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ قَالَ فِيهِ: إنَّ هَذَا الْكِتَابَ لِبَيَانِ مَا اسْتَنْبَطَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ وَعِبَارَتُهُ هُنَا: وَلَوْ طُبِخَتْ الْحِنْطَةُ فِي الْخَمْرِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُطْبَخُ ثَلَاثًا بِالْمَاءِ وَتُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَكَذَلِكَ اللَّحْمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا طُبِخَتْ فِي الْخَمْرِ لَا تَطْهُرُ أَبَدًا وَبِهِ يُفْتَى. اهـ. أَيْ: إلَّا إذَا جَعَلَهَا فِي خَلٍّ كَمَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُخْتَصَرِ الْمُحِيطِ وَقَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ انْتَفَخَتْ مِنْ بَوْلٍ إلَخْ) إنْ كَانَ هَذَا قَوْلَ
стр. 330
نُقِعَتْ وَجُفِّفَتْ ثَلَاثًا. وَلَوْ عُجِنَ خُبْزٌ بِخَمْرٍ صُبَّ فِيهِ خَلٌّ حَتَّى يَذْهَبَ أَثَرُهُ فَيَطْهُرَ.
فَصْلُ الِاسْتِنْجَاءِ
إزَالَةُ نَجَسٍ عَنْ سَبِيلٍ فَلَا يُسَنُّ مِنْ رِيحٍ وَحَصَاةٍ وَنَوْمٍ وَفَصْدٍ (وَهُوَ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ مُطْلَقًا، وَمَا قِيلَ مِنْ افْتِرَاضِهِ لِنَحْوِ حَيْضٍ وَمُجَاوَزَةِ مَخْرَجٍ فَتَسَامُحٌ
ــ
[رد المحتار]
أَبِي يُوسُفَ، فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ قَوْلَ الْإِمَامِ، فَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَبْخِهَا بِالْخَمْرِ بِزِيَادَةِ التَّشَرُّبِ بِالطَّبْخِ، ثُمَّ لَا يُمْكِنُ هُنَا تَطْهِيرُهَا بِجَعْلِهَا فِي الْخَلِّ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ لَا يَنْقَلِبُ خَلًّا بِخِلَافِ الْخَمْرِ. (قَوْلُهُ: وَجُفِّفَتْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّجْفِيفُ إلَى أَنْ يَزُولَ الِانْتِفَاخُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. (قَوْلُهُ: فَيَطْهُرُ) لِانْقِلَابِ مَا فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْخَمْرِ خَلًّا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
[فَصْلُ الِاسْتِنْجَاءِ]
بِإِضَافَةِ فَصْلُ إلَى الِاسْتِنْجَاءِ، وَهُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَنْجَاسِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: إزَالَةُ نَجَسٍ إلَخْ) عَرَّفَهُ فِي الْمُغْرِبِ بِأَنَّهُ مَسْحُ مَوْضِعِ النَّجْوِ: وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ أَوْ غَسْلُهُ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يَشْمَلُ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ الْحَصَاةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ، فَلِذَا عَدَلَ عَنْهُ الشَّارِحُ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مَا لَوْ أَصَابَ الْمَخْرَجَ نَجَاسَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ أَكْثَرُ مِنْ الدِّرْهَمِ مَعَ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْحَجَرِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِيمَا يَأْتِي؛ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِمْدَادِ وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: فَلَا يُسَنُّ مِنْ رِيحٍ) لِأَنَّ عَيْنَهَا طَاهِرَةٌ، وَإِنَّمَا نَقَضَتْ لِانْبِعَاثِهَا عَنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ اهـ ح؛ وَلِأَنَّ بِخُرُوجِ الرِّيحِ لَا يَكُونُ عَلَى السَّبِيلِ شَيْءٌ فَلَا يُسَنُّ مِنْهُ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: وَحَصَاةٍ) لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا بَلَلٌ أَوْ كَانَ وَلَمْ يَتَلَوَّثْ مِنْهُ الدُّبُرُ فَهِيَ خَارِجَةٌ بِقَوْلِهِ عَنْ سَبِيلٍ وَإِنْ تَلَوَّثَ مِنْهَا فَالِاسْتِنْجَاءُ حِينَئِذٍ لِلنَّجَاسَةِ لَا لِلْحَصَاةِ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: وَنَوْمٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ أَيْضًا اهـ ح. (قَوْلُهُ: وَفَصْدٍ) أَيْ: الدَّمِ الَّذِي عَلَى مَوْضِعِ الْفَصْدِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى السَّبِيلِ لِيُزَالَ عَنْهُ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ عَنْ النِّهَايَةِ ثُمَّ عَزَاهُ أَيْضًا إلَى الْأَصْلِ وَعَلَّلَهُ فِي الْكَافِي بِمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ ﷺ . وَنَقَلَ فِي الْحِلْيَةِ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ وَمَا يَصْرِفُهَا عَنْ الْوُجُوبِ فَرَاجِعْهُ. وَعَلَيْهِ فَيُكْرَهُ تَرْكُهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ مُسْتَدْرَكًا عَلَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ نَفْيِ الْكَرَاهَةِ، وَنَحْوُهُ فِي الْحِلْيَةِ، وَأَوْضَحَ الْمَقَامَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الدُّرَرِ فَرَاجِعْهُ. ثُمَّ رَأَيْته فِي الْبَدَائِعِ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ. (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ الْخَارِجُ مُعْتَادًا أَمْ لَا رَطْبًا أَمْ لَا ط وَسَوَاءٌ كَانَ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْحَجَرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ مُحْدِثٍ أَوْ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ هُنَا. (قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ إلَخْ) دَفْعٌ لِمَا يُخَالِفُ الْإِطْلَاقَ الْمَذْكُورَ، وَالْقَائِلُ بِذَلِكَ صَاحِبُ السِّرَاجِ وَالِاخْتِيَارِ وَخِزَانَةِ الْفِقْهِ وَالْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَالزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَأَقَرَّهُمْ فِي الْحِلْيَةِ، وَاعْتَرَضَهُمْ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْحَدَثِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَخْرَجِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ فَهُوَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ. اهـ.
стр. 331
(وَأَرْكَانُهُ) أَرْبَعَةٌ شَخْصٌ (مُسْتَنْجٍ، وَ) شَيْءٌ (مُسْتَنْجًى بِهِ) كَمَاءٍ وَحَجَرٍ (وَ) نَجَسٌ (خَارِجٌ) مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وَكَذَا لَوْ أَصَابَهُ مِنْ خَارِجٍ وَإِنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ
ــ
[رد المحتار]
أَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ غَسْلَ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ فِي الْجَنَابَةِ يُسَمَّى إزَالَةَ نَجَسٍ عَنْ سَبِيلٍ، فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الِاسْتِنْجَاءِ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا. وَأَمَّا إذَا تَجَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ غَسْلَ الْمُتَجَاوِزِ إذَا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ، فَكَوْنُهُ تَسَامُحًا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ غَسْلَ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ عِنْدَ التَّجَاوُزِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْآتِي فَلَا تَسَامُحَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الِاخْتِيَارِ مِنْ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: اثْنَانِ وَاجِبَانِ:
أَحَدُهُمَا: غَسْلُ نَجَاسَةِ الْمَخْرَجِ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ كَيْ لَا تَشِيعَ فِي بَدَنِهِ.
وَالثَّانِي: إذَا تَجَاوَزَتْ مَخْرَجَهَا يَجِبُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَهُوَ الْأَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ إذَا جَاوَزَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ، وَالْمُعْتَبَرُ مَا وَرَاءَهُ.
وَالثَّالِثُ: سُنَّةٌ، وَهُوَ إذَا لَمْ تَتَجَاوَزْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا.
وَالرَّابِعُ: مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ مَا إذَا بَالَ وَلَمْ يَتَغَوَّطْ فَيَغْسِلُ قُبُلَهُ. وَالْخَامِسُ: بِدْعَةٌ، وَهُوَ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَرْكَانُهُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ وَلَمْ أُسْبَقْ إلَى بَيَانِهَا فِيمَا عَلِمْت اهـ وَفِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ شُرُوطٌ لِلْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ لَا أَرْكَانٌ، لِمَا فِي الْحِلْيَةِ: رُكْنُ الشَّيْءِ جَانِبُهُ الْأَقْوَى. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: مَاهِيَّةُ الشَّيْءِ أَوْ جَزْءٌ مِنْهَا يَتَوَقَّفُ تَقَوُّمُهَا عَلَيْهِ، فَالشَّرْطُ وَالرُّكْنُ مُتَبَايِنَانِ، لِاعْتِبَارِ الْخُرُوجِ عَنْ مَاهِيَّةِ الْمَشْرُوطِ فِي مَاهِيَّةِ الشَّرْطِ؛ وَكَوْنِ الرُّكْنِ نَفْسَ الشَّيْءِ أَوْ جُزْأَهُ الدَّاخِلَ فِيهِ. اهـ. قَالَ ح: وَحَقِيقَةُ الِاسْتِنْجَاءِ الَّذِي هُوَ إزَالَةُ نَجَسٍ عَنْ سَبِيلٍ لَا تَتَقَوَّمُ وَلَا بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ ذَكَرَ النَّجَسَ فِي التَّعْرِيفِ فَهُوَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاهِيَّةِ قُلْت: أَجْزَاءُ التَّعْرِيفِ الْإِزَالَةُ وَإِضَافَتُهَا إلَى النَّجَسِ لَا نَفْسُ النَّجَسِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي قَوْلِهِمْ: الْعَمَى عَدَمُ الْبَصَرِ، فَإِنَّ أَجْزَاءَ التَّعْرِيفِ الْعَدَمُ وَإِضَافَتُهُ إلَى الْبَصَرِ لَا نَفْسُ الْبَصَرِ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ عَنْ سَبِيلٍ، فَإِنَّ جَزْءَ التَّعْرِيفِ الْإِزَالَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسَّبِيلِ لَا السَّبِيلُ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الذَّوَاتُ أَجْزَاءً مِنْ الْمَعْنَى، وَلَلَزِمَ أَنْ يُقَالَ: أَرْكَانُ التَّيَمُّمِ مُتَيَمِّمٌ، مُتَيَمَّمٌ بِهِ إلَخْ، وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَنَجَسٌ خَارِجٌ إلَخْ) أَيْ: وَلَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ كَدَمٍ أَوْ قَيْحٍ خَرَجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ فَيَطْهُرُ بِالْحِجَارَةِ عَلَى الصَّحِيحِ زَيْلَعِيٌّ. وَقِيلَ: لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْمَاءِ وَبِهِ جَزَمَ فِي السِّرَاجِ نَهْرٌ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ أَصَابَهُ مِنْ خَارِجٍ) أَيْ: فَيَطْهُرُ بِالْحِجَارَةِ. وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ زَيْلَعِيٌّ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ نَقَلُوا هَذَا التَّصْحِيحَ هُنَا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ فَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ اهـ. قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي: وَيُوهَمُ أَنَّهُمْ نَقَلُوهُ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ بِهَا مَعَ أَنَّ شَارِحَ الْمَجْمَعِ وَالنُّقَايَةِ نَقَلَاهُ عَنْ الْقُنْيَةِ بِدُونِهَا اهـ.
أَقُولُ: يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْحِجَارَةِ وَارِدٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِلضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ فِيمَا يَكْثُرُ لَا فِيمَا يَنْدُرُ كَهَذِهِ الصُّورَةِ، ثُمَّ رَأَيْت مَا بَحَثْته فِي الْحِلْيَةِ حَيْثُ نَقَلَ مَا فِي الْقُنْيَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الْأَحْسَنُ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الْوَارِدِ اهـ. لَكِنْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ زَادِ الْفَقِيرِ أَنَّ مَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْقُنْيَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهَا، وَأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى وَمُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ أَنَّ الْأَصَحَّ طَهَارَتُهُ بِالْمَسْحِ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَامَ) أَيْ: الْمُسْتَنْجِي مِنْ مَوْضِعِهِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْحَجَرِ أَيْضًا قَالَ فِي السِّرَاجِ: قِيلَ إنَّمَا يُجْزِئُ الْحَجَرُ إذَا كَانَ الْغَائِطُ رَطْبًا لَمْ يَجِفَّ وَلَمْ يَقُمْ مِنْ مَوْضِعِهِ، أَمَّا إذَا قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ أَوْ جَفَّ الْغَائِطُ فَلَا يَجْزِيهِ إلَّا الْمَاءُ؛ لِأَنَّهُ بِقِيَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْحَجَرِ يَزُولُ الْغَائِطُ عَنْ مَوْضِعِهِ وَيَتَجَاوَزُ مَخْرَجَهُ، وَبِجَفَافِهِ لَا يُزِيلُهُ الْحَجَرُ فَوَجَبَ الْمَاءُ فِيهِ. اهـ.
стр. 332
عَلَى الْمُعْتَمَدِ (وَمَخْرَجٌ) دُبُرٌ أَوْ قُبُلٌ (بِنَحْوِ حَجَرٍ) مِمَّا هُوَ عَيْنٌ طَاهِرَةٌ قَالِعَةٌ لَا قِيمَةَ لَهَا كَمَدَرٍ (مُنَقٍّ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، فَيَخْتَارُ الْأَبْلَغَ وَالْأَسْلَمَ عَنْ التَّلْوِيثِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِإِقْبَالٍ وَإِدْبَارٍ شِتَاءً وَصَيْفًا (وَلَيْسَ الْعَدَدُ) ثَلَاثًا (بِمَسْنُونٍ فِيهِ) بَلْ مُسْتَحَبٌّ (وَالْغَسْلُ) بِالْمَاءِ إلَى أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ
ــ
[رد المحتار]
أَقُولُ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إنْ تَجَاوَزَ عَنْ مَوْضِعِهِ بِالْقِيَامِ أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمِ أَوْ جَفَّ بِحَيْثُ لَا يُزِيلُهُ الْحَجَرُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمَاءِ إذَا أَرَادَ إزَالَتَهُ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُعْتَمَدِ) كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ جَزْمِهِ بِهِ فِي الْبَحْرِ، وَتَعْبِيرِ السِّرَاجِ عَنْ مُقَابِلِهِ بِقِيلَ. (قَوْلُهُ: مِمَّا هُوَ عَيْنٌ طَاهِرَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: السُّنَّةُ هُوَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ مِنْ الْأَحْجَارِ وَالْأَمْدَادِ وَالتُّرَابِ وَالْخِرَقِ الْبَوَالِي اهـ. (قَوْلُهُ: لَا قِيمَةَ لَهَا) يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَاءُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ. (قَوْلُهُ: كَمَدَرٍ) بِالتَّحْرِيكِ: قِطَعُ الطِّينِ الْيَابِسِ قَامُوسٌ وَمِثْلُهُ الْجِدَارُ إلَّا جِدَارَ غَيْرِهِ كَالْوَقْفِ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقَارِي، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ هُنَا جَوَازَهُ بِالْجِدَارِ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ الْإِجَارَةِ أَنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَائِطِ وَلَوْ الدَّارُ مُسَبَّلَةً. اهـ. قَالَ شَيْخُنَا: وَتَزُولُ الْمُخَالَفَةُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَأْجِرًا أَبُو السُّعُودِ. مَطْلَبٌ إذَا دَخَلَ الْمُسْتَنْجِي فِي مَاءٍ قَلِيلٍ (قَوْلُهُ: مُنَقٍّ) بِتَشْدِيدِ الْقَافِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ أَوْ تَخْفِيفِهَا مَعَ سُكُونِهَا مِنْ التَّنْقِيَةِ أَوْ الْإِنْقَاءِ: أَيْ: مُنَظِّفٍ غُرَرُ الْأَفْكَارِ. قَالَ فِي السِّرَاجِ: وَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْإِنْقَاءِ بَلْ تَقْلِيلَ النَّجَاسَةِ اهـ وَلِذَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ إذَا دَخَلَهُ الْمُسْتَنْجِي. وَلِقَائِلٍ مَنْعُهُ لِجَوَازِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ طَهَارَتَهُ بِالْمَسْحِ كَالنَّعْلِ وَقَدَّمْنَا حِكَايَةَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي نَحْوِ الْمَنِيِّ إذَا فُرِكَ ثُمَّ أَصَابَهُ الْمَاءُ، وَأَنَّ الْمُخْتَارَ عَدَمُ عَوْدِهِ نَجِسًا وَقِيَاسُهُ أَنْ يَجْرِيَا أَيْضًا هُنَا، وَأَنْ لَا يَتَنَجَّسَ الْمَاءُ عَلَى الرَّاجِحِ. وَأَجْمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنْ لَا يَتَنَجَّسَ بِالْعَرَقِ، حَتَّى لَوْ سَالَ مِنْهُ وَأَصَابَ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يَمْنَعُ، وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّرْعِ طَهَارَتَهُ بِالْحَجَرِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ، وَقَالَ: إنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْفَتْحِ، وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا فِي الْكِتَابِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَنَقَلَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة اخْتِلَافَ التَّصْحِيحِ، لَكِنْ قَدَّمْنَا قُبَيْلَ بَحْثِ الدِّبَاغَةِ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْكُتُبِ تَصْحِيحُ النَّجَاسَةِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ) أَيْ: لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا. (قَوْلُهُ: وَلَا يَتَقَيَّدُ إلَخْ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْإِنْقَاءُ، فَلَيْسَ لَهُ كَيْفِيَّةٌ خَاصَّةٌ، وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ: كَيْفِيَّتُهُ فِي الْمَقْعَدَةِ فِي الصَّيْفِ لِلرَّجُلِ إدْبَارُ الْحَجَرِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَإِقْبَالُ الثَّانِي، وَفِي الشِّتَاءِ بِالْعَكْسِ، وَهَكَذَا تَفْعَلُ الْمَرْأَةُ فِي الزَّمَانَيْنِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَهُ كَيْفِيَّاتٌ أُخَرُ فِي النَّظْمِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي الذَّكَرِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِشِمَالٍ وَيُمِرَّهُ عَلَى حَجَرٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ مَدَرٍ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ. اهـ. قُهُسْتَانِيٌّ.
وَاخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي الْمُجْتَبَى وَالْفَتْحِ وَالْبَحْرِ. وَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ: إنَّهُ الْأَوْجَهُ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَلَمْ أَرَ لِمَشَايِخِنَا فِي حَقِّ الْقُبُلِ لِلْمَرْأَةِ كَيْفِيَّةً مُعَيَّنَةً فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ. اهـ. قُلْت: بَلْ صَرَّحَ فِي الْغَزْنَوِيَّةِ بِأَنَّهَا تَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ إلَّا فِي الِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهَا لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا، بَلْ كَمَا فَرَغَتْ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ تَصْبِرُ سَاعَةً لَطِيفَةً ثُمَّ تَمْسَحُ قُبُلَهَا وَدُبُرَهَا بِالْأَحْجَارِ ثُمَّ تَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ اهـ. (قَوْلُهُ: بَلْ مُسْتَحَبٌّ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ لَا أَصْلِهَا، لِمَا وَرَدَ مِنْ الْأَمْرِ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَلَمْ نَقُلْ إنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.
فَحُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَوْفِيقًا، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْحِلْيَةِ وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْعَيْنِيِّ. (قَوْلُهُ: وَالْغَسْلُ بِالْمَاءِ) أَيْ: الْمُطْلَقِ وَإِنْ صَحَّ عِنْدَنَا بِمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ. (قَوْلُهُ: إلَى أَنْ يَقَعَ إلَخْ)
стр. 333
أَنَّهُ طَهُرَ مَا لَمْ يَكُنْ مُوَسْوِسًا فَيُقَدَّرُ بِثَلَاثٍ كَمَا مَرَّ (بَعْدَهُ) أَيْ: الْحَجَرِ (بِلَا كَشْفِ عَوْرَةٍ) عِنْدَ أَحَدٍ، أَمَّا مَعَهُ فَيَتْرُكُهُ كَمَا مَرَّ؛ فَلَوْ كَشَفَ لَهُ صَارَ فَاسِقًا لَا لَوْ كَشَفَ لِاغْتِسَالٍ أَوْ تَغَوُّطٍ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ (سُنَّةٌ) مُطْلَقًا بِهِ يُفْتَى سِرَاجٌ
(وَيَجِبُ) أَيْ: يُفْرَضُ غَسْلُهُ (إنْ جَاوَزَ الْمَخْرَجَ نَجَسٌ) مَائِعٌ
ــ
[رد المحتار]
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ الصَّبُّ ثَلَاثًا، وَقِيلَ: سَبْعًا، وَقِيلَ: عَشْرًا، وَقِيلَ: فِي الْإِحْلِيلِ ثَلَاثًا، وَفِي الْمَقْعَدَةِ خَمْسًا خُلَاصَةٌ. (قَوْلُهُ: فَيُقَدَّرُ بِثَلَاثٍ) وَقِيلَ: بِسَبْعٍ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ مِعْرَاجٌ عَنْ الْمَبْسُوطِ. (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ: فِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ الْغَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ: لِأَنَّ الْبَوْلَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وَالْغَائِطُ وَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا فَالْمُسْتَنْجِي لَا يَرَاهُ، فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: عِنْدَ أَحَدٍ) أَيْ: مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ جِمَاعُهُ وَلَوْ أَمَتَهُ الْمَجُوسِيَّةَ أَوْ الَّتِي زَوَّجَهَا لِلْغَيْرِ أَفَادَهُ ح. (قَوْلُهُ: أَمَّا مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْكَشْفِ الْمَذْكُورِ أَوْ مَعَ الْأَحَدِ. (قَوْلُهُ: فَيَتْرُكُهُ) أَيْ: الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ وَإِنْ تَجَاوَزَتْ الْمَخْرَجَ وَزَادَتْ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَمْ يَجِدْ سَاتِرًا أَوْ لَمْ يَكُفُّوا بَصَرَهُمْ عَنْهُ بَعْدَ طَلَبِهِ مِنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يُقَلِّلُهَا بِنَحْوِ حَجَرٍ وَيُصَلِّي. وَهَلْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؟ الْأَشْبَهُ نَعَمْ، كَمَا إذَا مُنِعَ عَنْ الِاغْتِسَالِ بِصُنْعِ عَبْدٍ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى كَمَا مَرَّ، أَفَادَهُ فِي الْحِلْيَةِ، وَذَكَرْنَا خِلَافَهُ فِي بَحْثِ الْغُسْلِ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ: قُبَيْلَ سُنَنِ الْغُسْلِ، حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ فَيَتْرُكُهُ مُطْلَقًا اهـ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، بَيْنَ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ أَوْ خَنَاثَى، أَوْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، أَوْ رِجَالٍ وَخَنَاثَى، أَوْ نِسَاءٍ وَخَنَاثَى، أَوْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَخَنَاثَى، فَهِيَ إحْدَى وَعِشْرُونَ صُورَةً. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: فَلَوْ كَشَفَ لَهُ إلَخْ) أَيْ: لِلِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي: لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ حَرَامٌ وَمُرْتَكِبُ الْحَرَامِ فَاسِقٌ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَ النَّجَسُ الْمَخْرَجَ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُجَاوِزُ أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمِ أَوْ أَقَلَّ، وَمَنْ فَهِمَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ سَهَا لِمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ النَّهْيَ رَاجِعٌ عَلَى الْأَمْرِ.
(قَوْلُهُ: لَا لَوْ كَشَفَ إلَخْ) أَمَّا التَّغَوُّطُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ ضَرُورِيٌّ لَا انْفِكَاكَ عَنْهُ، وَأَمَّا الِاغْتِسَالُ فَقَدْ ذَكَرَهُ قُبَيْلَ سُنَنِ الْغُسْلِ، وَبَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ الصُّوَرَ إحْدَى وَعِشْرُونَ لَا يُغْتَسَلُ فِيهَا إلَّا فِي صُورَتَيْنِ: وَهُمَا رَجُلٌ بَيْنَ رِجَالٍ وَامْرَأَةٌ بَيْنَ نِسَاءٍ، فَيَجِبُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَيْهِمَا فَقَطْ اهـ ح أَيْ: لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ وَقَدْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ لُزُومَ الِاغْتِسَالِ فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ عَنْ شَرْحِ النُّقَايَةِ وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ نَقْلَهُ عَنْ الْقُنْيَةِ وَأَنَّ شَارِحَ الْمُنْيَةِ قَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْمَنْهِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَلِلْغُسْلِ خَلَفٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ. وَقَدْ مَرَّ تَمَامُهُ فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: سُنَّةٌ مُطْلَقًا) أَيْ: فِي زَمَانِنَا وَزَمَانِ الصَّحَابَةِ « ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قِيلَ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَهْلَ قُبَاءَ إنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فَمَاذَا تَصْنَعُونَ عِنْدَ الْغَائِطِ؟ قَالُوا: نُتْبِعُ الْغَائِطَ الْأَحْجَارَ ثُمَّ نُتْبِعُ الْأَحْجَارَ الْمَاءَ» فَكَانَ الْجَمْعُ سُنَّةً عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَقِيلَ: ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَبْعَرُونَ اهـ إمْدَادٌ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ أَفْضَلُ، وَيَلِيهِ فِي الْفَضْلِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَاءِ، وَيَلِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِالْكُلِّ وَإِنْ تَفَاوَتَ الْفَضْلُ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْإِمْدَادِ وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ أَيْ: يُفْرَضُ غَسْلُهُ) أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الْغَسْلِ دُونَ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ غَسْلَ مَا عَدَا الْمَخْرَجَ لَا يُسَمَّى اسْتِنْجَاءً، وَفُسِّرَ الْوُجُوبُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجَاوَزَةِ مَا زَادَ مِنْ الدِّرْهَمِ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ، وَلِقَوْلِهِ فِي الْمُجْتَبَى " لَا يَجِبُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ إلَّا إذَا تَجَاوَزَ مَا عَلَى نَفْسِ الْمَخْرَجِ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ الشَّرْجِ وَكَانَ الْمُجَاوِزُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ ". اهـ. وَلِذَا قَيَّدَ الشَّارِحُ النَّجَسَ بِقَوْلِهِ مَائِعٌ. وَالشَّرَجُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ: مَجْمَعُ حَلَقَةِ الدُّبُرِ الَّذِي يَنْطَبِقُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ. (قَوْلُهُ: إنْ جَاوَزَ الْمَخْرَجَ) يَشْمَلُ الْإِحْلِيلَ، فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَإِذَا أَصَابَ طَرَفَ الْإِحْلِيلِ مِنْ الْبَوْلِ أَكْثَرُ مِنْ الدِّرْهَمِ يَجِبُ غَسْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ. وَلَوْ مَسَحَهُ بِالْمَدَرِ، قِيلَ يُجْزِئُهُ قِيَاسًا عَلَى الْمَقْعَدَةِ، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
стр. 334
وَيُعْتَبَرُ الْقَدْرُ الْمَانِعُ لِصَلَاةٍ (فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ) ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ سَاقِطٌ شَرْعًا وَإِنْ كَثُرَ، وَلِهَذَا لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَهُ.
(وَكُرِهَ) تَحْرِيمًا (بِعَظْمٍ وَطَعَامٍ وَرَوْثٍ)
ــ
[رد المحتار]
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ قُلْفَةَ الْأَقْلَفِ الْقَدْرُ الْمَانِعُ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ. [تَنْبِيهٌ]
مُقْتَضَى اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْمَخْرَجِ أَيْ: وَمَا حَوْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ الشَّرْجِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمُجَاوِزِ لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْغَائِطُ الصَّفْحَةَ وَهِيَ مَا يَنْضَمُّ مِنْ الْأَلْيَتَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ وَالْبَوْلُ الْحَشَفَةَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ اكْتَفَوْا بِالْحَجَرِ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَيُعْتَبَرُ إلَخْ) أَيْ: خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا جَاوَزَ الْمَخْرَجَ إنْ زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ فِي نَفْسِهِ يُفْتَرَضُ غَسْلُهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ زَادَ بِضَمِّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ إلَيْهِ لَا يُفْرَضُ عِنْدَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ عِنْدَهُمَا فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ مُطْلَقًا حَتَّى لَا يُضَمَّ إلَى مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ النَّجَسِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُفْرَضُ غَسْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ عِنْدَهُ فَلَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ وَيُضَمُّ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْهُ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ غَسْلِهِ فِي الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، وَفِيمَا لَوْ أَصَابَهُ نَجَسٌ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. اهـ. نُوحٌ عَنْ الْبُرْهَانِ. وَالصَّحِيحُ قَوْلُهُمَا قَاسِمٌ.
قُلْت: وَعَلَيْهِ الْكَنْزُ وَالْمُصَنِّفُ، وَاسْتَوْجَبَهُ فِي الْحِلْيَةِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَأَيَّدَهُ بِكَلَامِ الْفَتْحِ حَيْثُ بَحَثَ فِي دَلِيلِهِمَا، وَبِقَوْلِ الْغَزْنَوِيِّ فِي مُقَدِّمَتِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا: مَنْ اسْتَجْمَرَ بِالْأَحْجَارِ وَأَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ يَسِيرَةٌ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جُمِعَ زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ. اهـ. وَقَدَّمْنَا عَنْ الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ الْأَحْوَطُ، وَعَلَيْهِ فَالْوَاجِبُ لَيْسَ غَسْلَ الْمُتَجَاوِزِ بِعَيْنِهِ وَلَا الْجَمِيعِ، بَلْ الْمُتَجَاوِزِ أَوْ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْحِلْيَةِ أَيْ: لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ دِرْهَمٌ أَوْ أَقَلُّ كَانَ عَفْوًا، ثُمَّ قَالَ: إنَّ قَوْلَهُمْ بِوُجُوبِ غَسْلِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لِقُرْبِهِ مِنْ الْفَرْضِ وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَأْثُورٍ عَنْ أَصْحَابِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ. اهـ. وَقَدَّمْنَا عَنْهُ فِي الْأَنْجَاسِ نَحْوَ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: لِصَلَاةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَانِعِ. (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا إلَخْ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى سُقُوطِ اعْتِبَارِ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ، وَفِيهِ أَنَّ تَرْكَ غَسْلِ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ إنَّمَا لَا يُكْرَهُ بَعْدَ الِاسْتِجْمَارِ كَمَا عَرَفْته لَا مُطْلَقًا، فَالدَّلِيلُ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ تَحْرِيمًا إلَخْ) كَذَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْبَحْرِ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ أَيْ: فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَنْزِ بِقَوْلِهِ " لَا بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ وَطَعَامٍ وَيَمِينٍ.
أَقُولُ: أَمَّا الْعَظْمُ وَالرَّوْثُ فَالنَّهْيُ وَرَدَ فِيهِمَا صَرِيحًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَمَّا سَأَلَهُ الْجِنُّ الزَّادَ فَقَالَ: لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إخْوَانِكُمْ» وَعَلَّلَ فِي الْهِدَايَةِ لِلرَّوْثِ بِالنَّجَاسَةِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ: ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّهَا رِكْسٌ» لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا لَا يُفِيدُ التَّحْرِيمَ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِحَجَرٍ اُسْتُنْجِيَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَهْيٌ أَيْضًا. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَإِذَا ثَبَتَ النَّهْيُ فِي مَطْعُومِ الْجِنِّ وَعَلَفِ دَوَابِّهِمْ فَفِي مَطْعُومِ الْإِنْسِ وَعَلَفِ دَوَابِّهِمْ بِالْأَوْلَى. وَأَمَّا الْيَمِينُ فَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ» . وَأَمَّا الْآجُرُّ وَالْخَزَفُ فَعَلَّلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ يَضُرُّ الْمَقْعَدَةَ، فَإِنْ تَيَقَّنَ الضَّرَرَ فَظَاهِرٌ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِمَا. وَأَمَّا الشَّيْءُ الْمُحْتَرَمُ فَلِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ. وَأَمَّا حَقُّ الْغَيْرِ وَلَوْ جِدَارَ مَسْجِدٍ أَوْ مِلْكَ آدَمِيٍّ فَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَدِّي الْمُحَرَّمِ. وَأَمَّا الْفَحْمُ فَعَلَّلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ يَضُرُّ الْمَقْعَدَةَ كَالزُّجَاجِ وَالْخَزَفِ، وَفِيهِ مَا عَلِمْته، نَعَمْ فِي الْحِلْيَةِ رَوَى أَبُو دَاوُد
стр. 335
يَابِسٍ كَعَذِرَةٍ يَابِسَةٍ وَحَجَرٍ اُسْتُنْجِيَ بِهِ إلَّا بِحَرْفٍ آخَرَ (وَآجُرٍّ وَخَزَفٍ وَزُجَاجٍ وَ) شَيْءٍ مُحْتَرَمٍ (كَخِرْقَةِ دِيبَاجٍ وَيَمِينٍ) وَلَا عُذْرَ بِيُسْرَاهُ، فَلَوْ مَشْلُولَةً وَلَمْ يَجِدْ مَاءً جَارِيًا وَلَا صَابًّا تَرَكَ الْمَاءَ، وَلَوْ شُلَّتَا
ــ
[رد المحتار]
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ «قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ انْهَ أُمَّتَك أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًا، قَالَ: فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْحُمَمُ: الْفَحْمُ. اهـ. [تَنْبِيهٌ]
اُسْتُفِيدَ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَظْمَ مَيْتَةٍ لَا يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: يَابِسٍ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ صَحَّ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُجَفِّفُ مَا عَلَى الْبَدَنِ مِنْ النَّجَاسَةِ الرَّطْبَةِ بَحْرٌ. أَيْ: بِخِلَافِ الرَّطْبِ فَإِنَّهُ لَا يُجَفِّفُ فَلَا يَصِحُّ بِهِ أَصْلًا. (قَوْلُهُ: اُسْتُنْجِيَ بِهِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. (قَوْلُهُ: إلَّا بِحَرْفٍ آخَرَ) أَيْ: لَمْ تُصِبْهُ النَّجَاسَةُ. (قَوْلُهُ: وَآجُرٍّ) بِالْمَدِّ الطُّوبُ الْمَشْوِيُّ. (قَوْلُهُ: وَخَزَفٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا فَاءٌ. فِي الْقَامُوسِ: هُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْ طِينٍ يُشْوَى بِالنَّارِ حَتَّى يَكُونَ فَخَّارًا حِلْيَةٌ، وَفَسَّرَهُ فِي الْإِمْدَادِ بِصِغَارِ الْحَصَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْخَذْفَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ: الرَّمْيُ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا بِالسِّبَابَتَيْنِ، فَيَكُونُ أَطْلَقَ الْمَصْدَرَ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَشَيْءٍ مُحْتَرَمٍ) أَيْ: مَا لَهُ احْتِرَامٌ وَاعْتِبَارٌ شَرْعًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مُتَقَوِّمٍ إلَّا الْمَاءَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصْدُقُ بِمَا يُسَاوِي فَلْسًا لِكَرَاهَةِ إتْلَافِهِ كَمَا مَرَّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ جَزْءُ الْآدَمِيِّ وَلَوْ كَافِرًا أَوْ مَيِّتًا وَلِذَا لَا يَجُوزُ كَسْرُ عَظْمِهِ، وَصَرَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مِنْ الْمُحْتَرَمِ جَزْءُ حَيَوَانٍ مُتَّصِلٍ بِهِ وَلَوْ فَأْرَةً، بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلِ عَنْ حَيَوَانٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ. اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ كُنَاسَةُ مَسْجِدٍ، وَلِذَا لَا تُلْقَى فِي مَحَلٍّ مُمْتَهَنٍ، وَدَخَلَ أَيْضًا مَاءُ زَمْزَمَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ فَصْلِ الْمِيَاهِ، وَيَدْخُلُ أَيْضًا الْوَرَقُ. قَالَ فِي السِّرَاجِ: قِيلَ: إنَّهُ وَرَقُ الْكِتَابَةِ، وَقِيلَ: وَرَقُ الشَّجَرِ وَأَيُّهُمَا كَانَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ اهـ.
وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَانْظُرْ مَا الْعِلَّةُ فِي وَرَقِ الشَّجَرِ، وَلَعَلَّهَا كَوْنُهُ عَلَفًا لِلدَّوَابِّ أَوْ نُعُومَتُهُ فَيَكُونُ مُلَوِّثًا غَيْرَ مُزِيلٍ، وَكَذَا وَرَقُ الْكِتَابَةِ لِصِقَالَتِهِ وَتَقَوُّمِهِ، وَلَهُ احْتِرَامٌ أَيْضًا لِكَوْنِهِ آلَةً لِكِتَابَةِ الْعِلْمِ، وَلِذَا عَلَّلَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بِأَنَّ تَعْظِيمَهُ مِنْ أَدَبِ الدِّينِ. وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يَجُوزُ بِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِلْمِ الْمُحْتَرَمِ كَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَمَا كَانَ آلَةً لِذَلِكَ. أَمَّا غَيْرُ الْمُحْتَرَمِ كَفَلْسَفَةٍ وَتَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ عُلِمَ تَبَدُّلُهُمَا وَخُلُوُّهُمَا عَنْ اسْمٍ مُعَظَّمٍ فَيَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ. اهـ. وَنَقَلَ الْقُهُسْتَانِيُّ الْجَوَازَ بِكُتُبِ الْحُكْمِيَّاتِ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَأَقَرَّهُ.
قُلْت: لَكِنْ نَقَلُوا عِنْدَنَا أَنَّ لِلْحُرُوفِ حُرْمَةً وَلَوْ مُقَطَّعَةً. وَذَكَرَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ أَنَّ حُرُوفَ الْهِجَاءِ قُرْآنٌ أُنْزِلَتْ عَلَى هُودٍ ﵇، وَمُفَادُهُ الْحُرْمَةُ بِالْمَكْتُوبِ مُطْلَقًا، وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي الْأَبْيَضِ كَوْنُهُ آلَةً لِلْكِتَابَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِيمَا لَا يَصْلُحُ لَهَا إذَا كَانَ قَالِعًا لِلنَّجَاسَةِ غَيْرَ مُتَقَوِّمٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَوَازِهِ بِالْخِرَقِ الْبَوَالِي، وَهَلْ إذَا كَانَ مُتَقَوِّمًا ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ قِطْعَةً لَا قِيمَةَ لَهَا بَعْدَ الْقَطْعِ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا أَمْ لَا؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَنْجِ بِمُتَقَوِّمٍ، نَعَمْ قَطْعُهُ لِذَلِكَ الظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ لَوْ بِلَا عُذْرٍ، بِأَنْ وُجِدَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَطْعِ إتْلَافٌ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -. [تَنْبِيهٌ]
يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْكَرَاهَةِ فِيمَا لَهُ قِيمَةٌ بِمَا إذَا أَدَّى إلَى إتْلَافِهِ، أَمَّا لَوْ اسْتَنْجَى بِهِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ مَنِيٍّ مَثَلًا وَكَانَ يُغْسَلُ بَعْدَهُ فَلَا كَرَاهَةَ إلَّا إذَا كَانَ شَيْئًا ثَمِينًا تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِغَسْلِهِ كَمَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا بِخِرْقَةِ الْمَنِيِّ لَيْلَةَ الْعُرْسِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلَا صَابًّا) أَمَّا لَوْ وَجَدَ صَابًّا كَخَادِمٍ وَزَوْجَةٍ لَا يَتْرُكُهُ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ وَتَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ الْكَلَامُ عَلَى الْقَادِرِ
стр. 336
سَقَطَ أَصْلًا كَمَرِيضٍ وَمَرِيضَةٍ لَمْ يَجِدَا مَنْ يَحِلُّ جِمَاعُهُ (وَفَحْمٍ وَعَلَفِ حَيَوَانٍ) وَحَقِّ غَيْرٍ وَكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ (فَلَوْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ) مَعَ الْكَرَاهَةِ لِحُصُولِ الْإِنْقَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا غَيْرُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُقِيمًا لَهَا بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ
(كَمَا كُرِهَ) تَحْرِيمًا (اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ وَاسْتِدْبَارُهَا لِ) أَجْلِ (بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ) فَلَوْ لِلِاسْتِنْجَاءِ لَمْ يُكْرَهْ (وَلَوْ فِي بُنْيَانٍ) لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ (فَإِنْ جَلَسَ مُسْتَقْبِلًا لَهَا) غَافِلًا (ثُمَّ ذَكَرَهُ انْحَرَفَ) نَدْبًا لِحَدِيثِ الطَّبَرِيِّ «مَنْ جَلَسَ
ــ
[رد المحتار]
بِقُدْرَةِ الْغَيْرِ فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: سَقَطَ أَصْلًا) أَيْ: بِالْمَاءِ وَالْحَجَرِ. (قَوْلُهُ: كَمَرِيضٍ إلَخْ) فِي التَّتَارْخَانِيَّة: الرَّجُلُ الْمَرِيضُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ وَلَا أَمَةٌ وَلَهُ ابْنٌ أَوْ أَخٌ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُضُوءِ قَالَ يُوَضِّئُهُ ابْنُهُ أَوْ أَخُوهُ غَيْرَ الِاسْتِنْجَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَمَسُّ فَرْجَهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ وَالْمَرْأَةُ الْمَرِيضَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْوُضُوءِ وَلَهَا بِنْتٌ أَوْ أُخْتٌ تُوَضِّئُهَا وَيَسْقُطُ عَنْهَا الِاسْتِنْجَاءُ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ يَجْرِي فِيمَنْ شُلَّتْ يَدَاهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ. (قَوْلُهُ: وَحَقِّ غَيْرٍ) أَيْ: كَحَجَرِهِ وَمَائِهِ الْمُحْرَزِ لَوْ بِلَا إذْنِهِ وَمِنْهُ الْمُسَبَّلُ لِلشُّرْبِ فَقَطْ وَجِدَارٌ وَلَوْ لِمَسْجِدٍ أَوْ دَارٌ وَقْفٌ لَمْ يَمْلِكْ مَنَافِعَهَا كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: وَكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ) أَيْ: لِإِنْسِيٍّ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ دَوَابِّهِمَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِمَّا لَا يَتْلَفُ بِأَنْ كَانَ يُمْكِنُ غَسْلُهُ. (قَوْلُهُ: مَعَ الْكَرَاهَةِ) أَيْ: التَّحْرِيمِيَّةِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالتَّنْزِيهِيَّةِ فِي غَيْرِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَوَّلًا، وَمَا ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ عَنْ النَّظْمِ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَنْجِي بِثَلَاثَةِ أَمَدَارٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِالْأَحْجَارِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِثَلَاثَةِ أَكُفٍّ مِنْ تُرَابٍ لَا بِمَا سِوَاهَا مِنْ الْخِرْقَةِ وَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُورِثُ الْفَقْرَ. اهـ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: إِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرِ الْوَجْهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِعَامَّةِ الْكُتُبِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: لَا بِمَا سِوَاهَا إلَخْ. فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ الْمُتَقَوِّمُ لَا مُطْلَقًا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَدِيثِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ اهـ مُلَخَّصًا. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) كَذَا فِي الْبَحْرِ. وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْمَسْنُونَ إنَّمَا هُوَ الْإِزَالَةُ، وَنَحْوُ الْحَجَرِ لَمْ يُقْصَدْ بِذَاتِهِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ مُزِيلٌ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْإِزَالَةَ بِهَذَا الْخَاصِّ مَنْهِيٌّ وَذَا لَا يَنْفِي كَوْنَهُ مُزِيلًا. وَنَظِيرُهُ لَوْ صَلَّى السُّنَّةَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ كَانَ آتِيًا بِهَا مَعَ ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. اهـ.
قُلْت: وَأَصْلُ الْجَوَابِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كَافِي النَّسَفِيِّ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ النَّهْيَ فِي غَيْرِهِ، فَلَا يَنْفِي مَشْرُوعِيَّتَهُ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ مَغْصُوبٍ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ الصِّحَّةَ، لَكِنْ يُقَالُ عَلَيْهِ: إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ السُّنَّةِ الثَّوَابُ وَهُوَ مُنَافٍ لِلنَّهْيِ، بِخِلَافِ الْفَرْضِ فَإِنَّهُ مَعَ النَّهْيِ يَحْصُلُ بِهِ سُقُوطُ الْمُطَالَبَةِ، كَمَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ وَإِنْ أَثِمَ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَدَّدَ بِهِ الْوُضُوءَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَإِنْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوَابٌ
(قَوْلُهُ: اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ) أَيْ: جِهَتِهَا كَمَا فِي الصَّلَاةِ فِيمَا يَظْهَرُ. وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْبَلَهَا بِصَدْرِهِ وَحَوَّلَ ذَكَرَهُ عَنْهَا وَبَالَ لَمْ يُكْرَهْ بِخِلَافِ عَكْسِهِ. اهـ. أَيْ: فَالْمُعْتَبَرُ الِاسْتِقْبَالُ بِالْفَرْجِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِالْفَرْجِ فِي الْخَلَاءِ " وَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّحَرِّي لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ، وَلَوْ هَبَّتْ رِيحٌ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَيَسَارِهَا وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَوْدُ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ اسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ حَيْثُ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ أَفْحَشُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. (قَوْلُهُ: وَاسْتِدْبَارُهَا) هُوَ الصَّحِيحُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحِلُّ الِاسْتِدْبَارُ. (قَوْلُهُ: لَمْ يُكْرَهْ) أَيْ: تَحْرِيمًا، لِمَا فِي الْمُنْيَةِ أَنَّ تَرْكَهُ أَدَبٌ، وَلِمَا مَرَّ فِي الْغُسْلِ أَنَّ مِنْ آدَابِهِ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ غَالِبًا مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَسْتُورَةً لَا بَأْسَ بِهِ، وَلِقَوْلِهِمْ يُكْرَهُ مَدُّ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ عَمْدًا، وَكَذَا فِي حَالَ مُوَاقَعَةِ أَهْلِهِ. مَطْلَبٌ الْقَوْلُ الْمُرَجَّحُ عَلَى الْفِعْلِ (قَوْلُهُ: لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ) وَهُوَ قَوْلُهُ: ﷺ «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» رَوَاهُ السِّتَّةُ، وَفِيهِ رَدٌّ لِرِوَايَةِ حِلِّ الِاسْتِدْبَارِ، وَلِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي الْبُنْيَانِ أَخْذًا مِنْ
стр. 337
يَبُولُ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ فَذَكَرَهَا فَانْحَرَفَ عَنْهَا إجْلَالًا لَهَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ» (إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا فَلَا) بَأْسَ.
(وَكَذَا يُكْرَهُ) هَذِهِ تَعُمُّ التَّحْرِيمِيَّةَ وَالتَّنْزِيهِيَّةَ (لِلْمَرْأَةِ إمْسَاكُ صَغِيرٍ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) وَكَذَا مَدُّ رِجْلِهِ إلَيْهَا (وَاسْتِقْبَالُ شَمْسٍ وَقَمَرٍ لَهُمَا) أَيْ: لِأَجْلِ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ (وَبَوْلٌ وَغَائِطٍ فِي مَاءٍ وَلَوْ جَارِيًا) فِي الْأَصَحِّ وَفِي الْبَحْرِ
ــ
[رد المحتار]
«قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - رَقِيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ قَوْلٌ وَهَذَا فِعْلٌ، وَالْقَوْلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ وَالْعُذْرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَبِأَنَّهُ مُحَرِّمٌ وَهَذَا مُبِيحٌ، وَالْمُحَرِّمُ مُقَدَّمٌ. وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: قُبَالَةَ) بِضَمِّ الْقَافِ بِمَعْنَى تُجَاهَ قَامُوسٌ. اهـ. ط. (قَوْلُهُ: فَانْحَرَفَ عَنْهَا) أَيْ: بِجُمْلَتِهِ أَوْ بِقُبُلِهِ حَتَّى خَرَجَ عَنْ جِهَتِهَا وَالْكَلَامُ مَعَ الْإِمْكَانِ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ) أَيْ: تَقْصِيرُهُ فِي عَدَمِ تَثَبُّتِهِ حَتَّى غَفَلَ وَاسْتَقْبَلَهَا، أَوْ الْمُرَادُ غُفْرَانُ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذُنُوبِهِ الصَّغَائِرِ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] . (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَا بَأْسَ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْكَرَاهَةِ أَصْلًا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَنْحَرِفْ مَعَ الْإِمْكَانِ فَلَا بَأْسَ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا هُوَ الشَّائِعُ فِي اسْتِعْمَالِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الشَّارِحُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ نَدْبًا
(قَوْلُهُ: هَذِهِ إلَخْ) الْإِشَارَةُ إلَى الْكَرَاهَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَشْيَاءِ الْآتِيَةِ. أَيْ: بِخِلَافِ كَرَاهَةِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ فَإِنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَأَرَادَ دَفْعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْآتِيَةِ مِثْلُهَا بِمُقْتَضَى ظَاهِرِ التَّشْبِيهِ. (قَوْلُهُ: إمْسَاكُ صَغِيرٍ) هَذِهِ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الْفِعْلُ مِنْ الْمَرْأَةِ ط. (قَوْلُهُ: وَكَذَا مَدُّ رِجْلِهِ) هِيَ كَرَاهَةٌ تَنْزِيهِيَّةٌ ط، لَكِنْ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ بِمَدِّ الرِّجْلِ إلَيْهَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَلْيُحَرَّرْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَاسْتِقْبَالُ شَمْسٍ وَقَمَرٍ) لِأَنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْبَاهِرَةِ، وَقِيلَ لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُمَا سِرَاجٌ. وَنَقَلَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ عَنْ الْمِفْتَاحِ: وَلَا يَقْعُدْ مُسْتَقْبِلًا لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَلَا مُسْتَدْبِرًا لَهُمَا لِلتَّعْظِيمِ. اهـ.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا تَنْزِيهِيَّةٌ مَا لَمْ يَرِدْ نَهْيٌ، وَهَلْ الْكَرَاهَةُ هُنَا فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ كَمَا فِي الْقِبْلَةِ أَمْ فِي الصَّحْرَاءِ فَقَطْ؟ وَهَلْ اسْتِقْبَالُ الْقَمَرِ نَهَارًا كَذَلِكَ؟ لَمْ أَرَهُ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِقْبَالُ عَيْنِهِمَا مُطْلَقًا لَا جِهَتِهِمَا وَلَا ضَوْئِهِمَا، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ سَاتِرٌ يَمْنَعُ عَنْ الْعَيْنِ وَلَوْ سَحَابًا فَلَا كَرَاهَةَ، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ إذَا لَمْ يَكُونَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَإِلَّا فَلَا اسْتِقْبَالَ لِلْعَيْنِ، وَلَمْ أَرَهُ أَيْضًا فَلْيُحَرَّرْ نَقْلًا. ثُمَّ رَأَيْت فِي نُورِ الْإِيضَاحِ قَالَ: وَاسْتِقْبَالُ عَيْنِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. (قَوْلُهُ: فِي مَاءٍ وَلَوْ جَارِيًا إلَخْ) لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْهُ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يُقَذِّرُهُ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى تَنْجِيسِهِ. وَأَمَّا الرَّاكِدُ الْقَلِيلُ فَيَحْرُمُ الْبَوْلُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَيُتْلِفُ مَالِيَّتَهُ وَيَغُرُّ غَيْرَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ وَالتَّغَوُّطُ فِي الْمَاءِ أَقْبَحُ مِنْ الْبَوْلِ، وَكَذَا إذَا بَالَ فِي إنَاءٍ ثُمَّ صَبَّهُ فِي الْمَاءِ أَوْ بَالَ بِقُرْبِ النَّهْرِ فَجَرَى إلَيْهِ، فَكُلُّهُ مَذْمُومٌ قَبِيحٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَأَمَّا انْغِمَاسُ الْمُسْتَنْجِي بِحَجَرٍ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، فَهُوَ حَرَامٌ لِتَنْجِيسِ الْمَاءِ وَتَلَطُّخِهِ بِالنَّجَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ جَارِيًا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا فَلَا تَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْبَوْلِ وَلَا يُقَارِبُهُ، لَكِنَّ اجْتِنَابَهُ أَحْسَنُ اهـ. كَذَا فِي الضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ شَرْحِ مُقَدِّمَةِ الْغَزْنَوِيِّ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْبَحْرِ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي بَحْثِ الْمِيَاهِ تَوْفِيقًا بِصِيغَةِ يَنْبَغِي.
стр. 338
أَنَّهَا فِي الرَّاكِدِ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَفِي الْجَارِي تَنْزِيهِيَّةٌ (وَعَلَى طَرَفِ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ حَوْضٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ أَوْ فِي زَرْعٍ أَوْ فِي ظِلٍّ) يُنْتَفَعُ بِالْجُلُوسِ فِيهِ (وَبِجَنْبِ مَسْجِدٍ وَمُصَلَّى عِيدٍ، وَفِي مَقَابِرَ، وَبَيْنَ دَوَابَّ، وَفِي طَرِيقِ) النَّاسِ (وَ) فِي (مَهَبِّ رِيحٍ وَجُحْرِ فَأْرَةٍ أَوْ حَيَّةٌ أَوْ نَمْلَةٍ وَثَقْبٍ) زَادَ الْعَيْنِيُّ: وَفِي مَوْضِعٍ يَعْبُرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَوْ يَقْعُدُ عَلَيْهِ، وَبِجَنْبِ طَرِيقٍ أَوْ قَافِلَةٍ أَوْ خَيْمَةٍ وَفِي أَسْفَلِ الْأَرْضِ إلَى أَعْلَاهَا، وَالتَّكَلُّمُ عَلَيْهِمَا
ــ
[رد المحتار]
تَنْبِيهٌ]
يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْبَوْلُ وَالتَّغَوُّطُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ وَمِثْلُهُ بُيُوتُ الْخَلَاءِ فِي دِمَشْقَ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ مَاءَهَا يَجْرِي دَائِمًا، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ مَنْعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ بِهَا بَعْدَ نُزُولِهِ مِنْ الْجُرْنِ إلَى الْأَسْفَلِ لَمْ تَبْقَ لَهُ حُرْمَةُ الْمَاءِ الْجَارِي لِقُرْبِ اتِّصَالِهِ بِالنَّجَاسَةِ فَلَا تَظْهَرُ فِيهِ الْعِلَّةُ الْمَارَّةُ لِلْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مُعَدًّا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ نَعَمْ ذَكَرَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي شَرْحِ الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَنَّهُ يَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ اتِّخَاذِ بُيُوتِ الْخَلَاءِ فَوْقَ الْأَنْهَارِ الطَّاهِرَةِ، وَكَذَا إجْرَاءُ مِيَاهِ الْكُنُفِ إلَيْهَا بِخِلَافِ إجْرَائِهَا إلَى النَّهْرِ الَّذِي هُوَ مَجْمَعُ الْمِيَاهِ النَّجِسَةِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَالِحِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -. (قَوْلُهُ: وَعَلَى طَرَفِ نَهْرٍ إلَخْ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَصِلْ النَّجَاسَةُ إلَى الْمَاءِ لِعُمُومِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْبَرَازِ فِي الْمَوَارِدِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الْمَارِّينَ بِالْمَاءِ، وَخَوْفِ وُصُولِهَا إلَيْهِ، كَذَا فِي الضِّيَاءِ عَنْ النَّوَوِيِّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ) أَيْ: لِإِتْلَافِ الثَّمَرِ وَتَنْجِيسِهِ إمْدَادٌ. وَالْمُتَبَادِرُ أَنَّ الْمُرَادَ وَقْتُ الثَّمَرَةِ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا قَبْلَهُ بِحَيْثُ لَا يَأْمَنُ زَوَالَ النَّجَاسَةِ بِمَطَرٍ أَوْ نَحْوِهِ، كَجَفَافِ أَرْضٍ مِنْ بَوْلٍ. وَيَدْخُلُ فِيهِ الثَّمَرُ الْمَأْكُولُ وَغَيْرُهُ وَلَوْ مَشْمُومًا لِاحْتِرَامِ الْكُلِّ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْغَزْنَوِيَّةِ: وَلَا عَلَى خَضِرَةٍ يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهَا. (قَوْلُهُ: أَوْ فِي ظِلٍّ) لِقَوْلِهِ ﷺ «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةَ الطَّرِيقِ، وَالظِّلَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (قَوْلُهُ: يُنْتَفَعُ بِالْجُلُوسِ فِيهِ) يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلِاجْتِمَاعِ عَلَى مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ وَإِلَّا فَقَدْ يُقَالُ يُطْلَبُ ذَلِكَ لِدَفْعِهِمْ عَنْهُ وَيَلْحَقُ بِالظِّلِّ فِي الصَّيْفِ مَحَلُّ الِاجْتِمَاعِ فِي الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي مَقَابِرَ) لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَتَأَذَّى بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ الْحَيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمُرُورَ فِي سِكَّةٍ حَادِثَةٍ فِيهَا حَرَامٌ، فَهَذَا أَوْلَى ط. (قَوْلُهُ: وَبَيْنَ دَوَابَّ) لِخَشْيَةِ حُصُولِ أَذِيَّةٍ مِنْهَا وَلَوْ بِتَنَجُّسٍ بِنَحْوِ مَشْيِهَا. (قَوْلُهُ: وَفِي مَهَبِّ رِيحٍ) لِئَلَّا يَرْجِعَ الرَّشَاشُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَجُحْرٍ) بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الْمُهْمَلَةِ هُوَ مَا يَحْتَفِرُهُ الْهَوَامُّ وَالسِّبَاعُ لِأَنْفُسِهَا قَامُوسٌ، لِقَوْلِ قَتَادَةَ ﵁ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ، قَالُوا لِقَتَادَةَ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: يُقَالُ إنَّهُ مَسَاكِنُ الْجِنِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَلَيْهِ مِنْ الْجُحْرِ مَا يَلْسَعُهُ أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ بَوْلَهُ.
وَنُقِلَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْخَزْرَجِيَّ ﵁ قَتَلَتْهُ الْجِنُّ؛ لِأَنَّهُ بَالَ فِي جُحْرٍ بِأَرْضِ حَوْرَانَ، وَتَمَامُهُ فِي الضِّيَاءِ. (قَوْلُهُ: وَثَقْبٍ) الْخَرْقُ النَّافِذُ قَامُوسٌ، وَهُوَ بِالْفَتْحِ وَاحِدُ الثُّقُوبِ، وَبِالضَّمِّ جَمْعُ ثُقْبَةٍ كَالثَّقْبِ بِفَتْحِ الْقَافِ. اهـ. مُخْتَارٌ، ثُمَّ هَذَا يُغْنِي عَنْهُ مَا قَبْلَهُ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ كَبَالُوعَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ. (قَوْلُهُ: زَادَ الْعَيْنِيُّ إلَخْ) أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ أَيْضًا الْبَوْلُ عَلَى مَا مُنِعَ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِ لِاحْتِرَامِهِ كَالْعَظْمِ وَنَحْوِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ. (قَوْلُهُ: يَعْبُرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ) هَذَا أَعَمُّ مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ. (قَوْلُهُ: وَبِجَنْبِ طَرِيقٍ أَوْ قَافِلَةٍ) قَيَّدَ ذَلِكَ فِي الْغَزْنَوِيَّةِ بِقَوْلِهِ: وَالْهَوَاءُ يَهَبُ مِنْ صَوْبِهِ إلَيْهَا.
قَالَ فِي الضِّيَاءِ: أَيْ: إلَى الطَّرِيقِ أَوْ الْقَافِلَةِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي أَسْفَلِ الْأَرْضِ إلَخْ) أَيْ: بِأَنْ يَقْعُدَ فِي أَسْفَلِهَا وَيَبُولَ إلَى أَعْلَاهَا فَيَعُودَ الرَّشَاشُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّكَلُّمُ عَلَيْهِمَا) أَيْ: عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، قَالَ ﷺ «لَا يَخْرُجْ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَيَضْرِبَانِ الْغَائِطَ أَيْ: يَأْتِيَانِهِ وَالْمَقْتُ وَهُوَ الْبُغْضُ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَجْمُوعِ أَيْ: مَجْمُوعِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَالتَّحَدُّثِ فَبَعْضُ مُوجِبَاتِ الْمَقْتِ مَكْرُوهٌ إمْدَادٌ.
стр. 339
(وَأَنْ يَبُولَ قَائِمًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُجَرَّدًا مِنْ ثَوْبِهِ بِلَا عُذْرٍ أَوْ) يَبُولَ (فِي مَوْضِعٍ يَتَوَضَّأُ) هُوَ (أَوْ يَغْتَسِلُ فِيهِ) لِحَدِيثِ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ» .
[فُرُوعٌ]
يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِمَشْيٍ
ــ
[رد المحتار]
تَنْبِيهٌ]
عِبَارَةُ الْغَزْنَوِيَّةِ وَلَا يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَيْ: فِي الْخَلَاءِ. وَفِي الضِّيَاءِ عَنْ بُسْتَانِ أَبِي اللَّيْثِ: يُكْرَهُ الْكَلَامُ فِي الْخَلَاءِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِحَالِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ، وَزَادَ فِي الْإِمْدَادِ وَلَا يَتَنَحْنَحُ أَيْ: إلَّا بِعُذْرٍ، كَمَا إذَا خَافَ دُخُولَ أَحَدٍ عَلَيْهِ. اهـ. وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى مَا لَوْ خَشِيَ وُقُوعَ مَحْذُورٍ بِغَيْرِهِ؟ وَلَوْ تَوَضَّأَ فِي الْخَلَاءِ لِعُذْرٍ هَلْ يَأْتِي بِالْبَسْمَلَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَدْعِيَتِهِ مُرَاعَاةً لِسُنَّةِ الْوُضُوءِ أَوْ يَتْرُكُهَا مُرَاعَاةً لِلْمَحَلِّ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الثَّانِي لِتَصْرِيحِهِمْ بِتَقْدِيمِ النَّهْيِ عَلَى الْأَمْرِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَبُولَ قَائِمًا) لِمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْهُ «وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إلَّا قَاعِدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَقَدْ رُوِيَ فِي النَّهْيِ أَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ وَلَكِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ ثَابِتٌ فَلِذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ يُكْرَهُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ. وَأَمَّا «بَوْلُهُ ﷺ فِي السُّبَاطَةِ الَّتِي بِقُرْبِ الدُّورِ» فَقَدْ ذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ لَعَلَّهُ طَالَ عَلَيْهِ مَجْلِسٌ حَتَّى حَفَزَهُ الْبَوْلُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّبَاعُدُ اهـ. أَوْ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ بَالَ قَائِمًا لِجُرْحٍ بِمَأْبِضِهِ» بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْمِيمِ وَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ: وَهُوَ بَاطِنُ الرُّكْبَةِ، أَوْ لِوَجَعٍ كَانَ بِصُلْبِهِ وَالْعَرَبُ كَانَتْ تَسْتَشْفِي بِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا لِلْقُعُودِ، أَوْ فَعَلَهُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَتَمَامُهُ فِي الضِّيَاءِ. (قَوْلُهُ: أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُجَرَّدًا) لِأَنَّهُمَا مِنْ عَمَلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى غَزْنَوِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: بِلَا عُذْرٍ) يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ مَا قَبْلَهُ ط. (قَوْلُهُ: يَتَوَضَّأُ هُوَ) قَدَّرَ هُوَ لِيُوَافِقَ الْحَدِيثَ وَيَثْبُتَ حُكْمُ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَفَادَهُ ح. (قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ إلَخْ) لَفْظُهُ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ عَنْ أَبِي دَاوُد «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ فِيهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ» وَالْمَعْنَى مَوْضِعُهُ الَّذِي يَغْتَسِلُ فِيهِ بِالْحَمِيمِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْمَاءُ الْحَارُّ، ثُمَّ قِيلَ لِلِاغْتِسَالِ بِأَيِّ مَكَانِ اسْتِحْمَامٍ؛ وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْلَكٌ يَذْهَبُ فِيهِ الْبَوْلُ أَوْ كَانَ الْمَكَانُ صُلْبًا فَيُوهَمُ الْمُغْتَسِلُ أَنَّهُ أَصَابَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَحْصُلُ بِهِ الْوَسْوَاسُ كَمَا فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ. اهـ. مَدَنِيٌّ.
[فُرُوعٌ فِي الِاسْتِبْرَاء]
مَطْلَبٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِبْرَاءِ وَالِاسْتِنْقَاءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ (قَوْلُهُ: يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ إلَخْ) هُوَ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْخَارِجِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ بِزَوَالِ الْأَثَرِ. وَأَمَّا الِاسْتِنْقَاءُ هُوَ طَلَبُ النَّقَاوَةِ: وَهُوَ أَنْ يُدَلِّكَ الْمَقْعَدَةَ بِالْأَحْجَارِ أَوْ بِالْأَصَابِعِ حَالَةَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ. وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ: فَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْأَحْجَارِ أَوْ الْمَاءِ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْغَزْنَوِيَّةِ. وَفِيهَا أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ إلَّا فِي الِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهُ لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا، بَلْ كَمَا فَرَغَتْ تَصْبِرُ سَاعَةً لَطِيفَةً ثُمَّ تَسْتَنْجِي، وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْدَادِ. وَعَبَّرَ بِالْوُجُوبِ تَبَعًا لِلدُّرَرِ وَغَيْرِهَا، وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ بِأَنَّهُ فَرْضٌ وَبَعْضُهُمْ بِلَفْظِ يَنْبَغِي وَعَلَيْهِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَحَلُّهُ إذَا أَمِنَ خُرُوجَ شَيْءٍ بَعْدَهُ فَيُنْدَبُ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ الْمُرَادُ الِاسْتِبْرَاءُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ نَحْوِ الْمَشْيِ وَالتَّنَحْنُحِ، أَمَّا نَفْسُ الِاسْتِبْرَاءِ حَتَّى يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِزَوَالِ الرَّشْحِ فَهُوَ فَرْضٌ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ، وَلِذَا قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ: يَلْزَمُ الرَّجُلَ الِاسْتِبْرَاءُ حَتَّى يَزُولَ أَثَرُ الْبَوْلِ وَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ. وَقَالَ: عَبَّرْت بِاللُّزُومِ لِكَوْنِهِ أَقْوَى مِنْ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُفَوِّتُ الْجَوَازَ لِفَوْتِهِ فَلَا يَصِحُّ لَهُ الشُّرُوعُ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى يَطْمَئِنَّ بِزَوَالِ
стр. 340
أَوْ تَنَحْنُحٍ أَوْ نَوْمٍ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، وَيَخْتَلِفُ بِطِبَاعِ النَّاسِ.
وَمَعَ طَهَارَةِ الْمَغْسُولِ تَطْهُرُ الْيَدُ؛ وَيُشْتَرَطُ إزَالَةُ الرَّائِحَةِ عَنْهَا وَعَنْ الْمَخْرَجِ إلَّا إذَا عَجَزَ، وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ، اسْتَنْجَى الْمُتَوَضِّئُ، إنْ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ بِأَنْ أَرْخَى انْتَقَضَ وَإِلَّا لَا.
نَامَ أَوْ مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ، إنْ ظَهَرَ عَيْنُهَا تَنَجَّسَ وَإِلَّا لَا. وَلَوْ وَقَعَتْ فِي نَهْرٍ فَأَصَابَ ثَوْبَهُ، إنْ ظَهَرَ أَثَرُهَا تَنَجَّسَ وَإِلَّا لَا.
ــ
[رد المحتار]
الرَّشْحِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ تَنَحْنُحٍ) لِأَنَّ الْعُرُوقَ مُمْتَدَّةٌ مِنْ الْحَلْقِ إلَى الذَّكَرِ وَبِالتَّنَحْنُحِ تَتَحَرَّكُ وَتَقْذِفُ مَا فِي مَجْرَى الْبَوْلِ. اهـ. ضِيَاءٌ. (قَوْلُهُ: وَيَخْتَلِفُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَمَنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ صَارَ طَاهِرًا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ أَعْلَمُ بِحَالِهِ ضِيَاءٌ.
قُلْت: وَمَنْ كَانَ بَطِيءَ الِاسْتِبْرَاءِ فَلْيَفْتِلْ نَحْوَ وَرَقَةٍ مِثْلَ الشَّعِيرَةِ وَيَحْتَشِي بِهَا فِي الْإِحْلِيلِ فَإِنَّهَا تَتَشَرَّبُ مَا بَقِيَ مِنْ أَثَرِ الرُّطُوبَةِ الَّتِي يَخَافُ خُرُوجُهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُغَيِّبَهَا فِي الْمَحَلِّ لِئَلَّا تَذْهَبَ الرُّطُوبَةُ إلَى طَرَفِهَا الْخَارِجِ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ فَوُجِدَ أَنْفَعَ مِنْ رَبْطِ الْمَحَلِّ لَكِنَّ الرَّبْطَ أَوْلَى إذَا كَانَ صَائِمًا لِئَلَّا يَفْسُدَ صَوْمُهُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ. (قَوْلُهُ: وَمَعَ طَهَارَةِ الْمَغْسُولِ تَطْهُرُ الْيَدُ) هَذَا مُخْتَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّهَا تَتَنَجَّسُ بِالِاسْتِنْجَاءِ، وَقِيلَ: يُسَنُّ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا مَرَّ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ نُوحٌ. وَنُقِلَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَبِيَدِهِ خَيْطٌ مَشْدُودٌ لَا يَطْهُرُ بِطَهَارَةِ الْيَدِ مَا لَمْ يُمِرَّ الْيَدَ بِالْخَيْطِ إمْرَارًا بَلِيغًا. (قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ إلَخْ) قَالَ فِي السِّرَاجِ: وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَهَابُ الرَّائِحَةِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، فَعَلَى هَذَا لَا يُقَدَّرُ بِالْمَرَّاتِ بَلْ يُسْتَعْمَلُ الْمَاءُ حَتَّى تَذْهَبَ الْعَيْنُ وَالرَّائِحَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يُسْتَعْمَلُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ وَقَدَّرُوهُ بِالثَّلَاثِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ شَمُّ يَدِهِ حَتَّى يَعْلَمَ زَوَالَ الرَّائِحَةِ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ بَلْ يَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ أَرْخَى إلَخْ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِإِرْخَائِهِ نَفْسَهُ الشَّرْجُ الدَّاخِلُ وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ رُطُوبَةِ النَّجَاسَةِ ثُمَّ رَأَيْتُهُ مَنْقُولًا عَنْ خَطِّ الْبَزَّازِيِّ فِي هَامِشِ نُسْخَتَيْ الْبَزَّازِيَّةِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِوَجْهِ السُّنَّةِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْإِرْخَاءِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فَهِمَهُ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ بِنَاءِ الْقَوْلِ بِالنَّقْضِ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِوَجْهِ السُّنَّةِ هُوَ إدْخَالُ الْإِصْبَعِ فِي الدُّبُرِ، فَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَشَايِخِ الْكِبَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُدْخِلُ الْإِصْبَعَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. [تَتِمَّةٌ]
إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَهُ الْخَارِجُ وَلَا يَصْحَبَهُ شَيْءٌ عَلَيْهِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ وَلَا حَاسِرَ الرَّأْسِ وَلَا مَعَ الْقَلَنْسُوَةِ بِلَا شَيْءٍ عَلَيْهَا، فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْبَابِ يَبْدَأُ بِالتَّسْمِيَةِ قَبْلَ الدُّعَاءِ هُوَ الصَّحِيحُ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» ، ثُمَّ يَدْخُلُ بِالْيُسْرَى وَلَا يَكْشِفُ قَبْلَ أَنْ يَدْنُوَ إلَى الْقُعُودِ، ثُمَّ يُوَسِّعُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَيَمِيلُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَا يُفَكِّرُ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ كَالْفِقْهِ وَالْعِلْمِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ شَيْءٌ أَعْظَمُ مِنْهُ وَلَا يَرُدُّ سَلَامًا وَلَا يُجِيبُ مُؤَذِّنًا، فَإِنْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى عَوْرَتِهِ وَلَا إلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلَا يَبْزُقُ فِي الْبَوْلِ، وَلَا يُطِيلُ الْقُعُودَ فَإِنَّهُ يُوَلِّدُ الْبَاسُورَ، وَلَا يَمْتَخِطُ، وَلَا يَتَنَحْنَحُ، وَلَا يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ وَلَا يَعْبَثُ بِبَدَنِهِ، وَلَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ وَيُنَكِّسُ رَأْسَهُ حَيَاءً مِمَّا اُبْتُلِيَ بِهِ وَيَدْفِنُ الْخَارِجَ، وَيَجْتَهِدُ فِي الِاسْتِفْرَاغِ مِنْهُ، فَإِذَا فَرَغَ يَعْصِرُ ذَكَرَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ إلَى الْحَشَفَةِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ثُمَّ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ يَخْرُجُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: «غُفْرَانَك، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي مَا يُؤْذِينِي، وَأَمْسَكَ عَلَيَّ مَا يَنْفَعُنِي» ثُمَّ يَسْتَبْرِئُ فَإِذَا اسْتَيْقَنَ بِانْقِطَاعِ أَثَرِ الْبَوْلِ يَقْعُدُ لِلِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ مَوْضِعًا آخَرَ، وَيَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ثَلَاثًا.
وَيَقُولُ قَبْلَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ: «بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ بِالْيُمْنَى عَلَى فَرْجِهِ، وَيُعْلِي الْإِنَاءَ، وَيَغْسِلُ فَرْجَهُ بِالْيُسْرَى، وَيَبْدَأُ بِالْقُبُلِ ثُمَّ الدُّبُرِ، وَيُرْخِي مَقْعَدَتَهُ ثَلَاثًا، وَيُدَلِّكُ كُلَّ مَرَّةٍ، وَيُبَالِغُ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فَيُنَشِّفُ بِخِرْقَةٍ قَبْلَ أَنْ يَجْمَعَهُ
стр. 341
لُفَّ طَاهِرٌ فِي نَجِسٍ مُبْتَلٍّ بِمَاءٍ
ــ
[رد المحتار]
كَيْ لَا يَصِلَ الْمَاءُ إلَى جَوْفِهِ فَيُفْطِرَ، ثُمَّ يُدَلِّكُ يَدَهُ عَلَى حَائِطٍ أَوْ أَرْضٍ طَاهِرَةٍ ثُمَّ يَغْسِلُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُومُ وَيُنَشِّفُ فَرْجَهُ بِخِرْقَةٍ نَظِيفَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ يَمْسَحُ بِيَدِهِ مِرَارًا حَتَّى لَا تَبْقَى إلَّا بَلَّةٌ يَسِيرَةٌ، وَيَلْبَسُ سَرَاوِيلَهُ وَيَرُشُّ فِيهِ الْمَاءَ أَوْ يَحْشُو بِقُطْنَةٍ إنْ كَانَ يُرِيبُهُ الشَّيْطَانُ وَيَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا وَالْإِسْلَامَ نُورًا، وَقَائِدًا وَدَلِيلًا إلَى اللَّهِ وَإِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ اللَّهُمَّ حَصِّنْ فَرْجِي، وَطَهِّرْ قَلْبِي، وَمَحِّصْ ذُنُوبِي»
اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْغَزْنَوِيَّةِ وَالضِّيَاءِ
(قَوْلُهُ: نَامَ) أَيْ: فَعَرِقَ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مَشَى: أَيْ: وَقَدَمُهُ مُبْتَلَّةٌ. (قَوْلُهُ: عَلَى نَجَاسَةٍ) أَيْ: يَابِسَةٍ لِمَا فِي مَتْنِ الْمُلْتَقَى لَوْ وَضَعَ ثَوْبًا رَطْبًا عَلَى مَا طِينَ بِطِينٍ نَجِسٍ جَافٍّ لَا يَنْجُسُ، قَالَ الشَّارِحُ: لِأَنَّ بِالْجَفَافِ تَنْجَذِبُ رُطُوبَةُ الثَّوْبِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الطِّينُ رَطْبًا. اهـ. (قَوْلُهُ: إنْ ظَهَرَ عَيْنُهَا) الْمُرَادُ بِالْعَيْنِ مَا يَشْمَلُ الْأَثَرَ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِهَا لَوْ عَبَّرَ بِهِ كَمَا فِي نُورِ الْإِيضَاحِ لَكَانَ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: تَنَجَّسَ) أَيْ: فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَدْرُ الْمَانِعُ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ وَقَعَتْ) أَيْ: النَّجَاسَةُ فِي نَهْرٍ: أَيْ: مَاءٍ جَارٍ، بِأَنْ بَالَ فِيهِ حِمَارٌ فَأَصَابَ الرَّشَاشُ ثَوْبَ إنْسَانٍ اُعْتُبِرَ الْأَثَرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَالَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ فَإِنَّهُ إذَا أَصَابَهُ مِنْ الرَّشَاشِ أَكْثَرُ مِنْ الدِّرْهَمِ مَنَعَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ لَوْ أُلْقِيَتْ عَذِرَةٌ فِي الْمَاءِ فَأَصَابَهُ مِنْهُ اُعْتُبِرَ الْأَثَرُ، فَأَطْلَقَ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ الْجَارِي وَغَيْرِهِ.
وَلَعَلَّ إطْلَاقَهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّفْصِيلِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ بِأَنَّهُ إذَا أَصَابَ الْبَوْلُ الْمَاءَ الرَّاكِدَ يَتَرَجَّحُ الظَّنُّ بِأَنَّ الرَّشَاشَ مِنْ الْبَوْلِ لِصَدْمِهِ الْمَاءَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ جَارِيًا فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصْدِمُ الْآخَرَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ الْمَاءِ فَلِذَا اُعْتُبِرَ الْأَثَرُ. وَأَمَّا فِي الْعَذِرَةِ فَالرَّشَاشُ الْمُتَطَايِرُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمَاءِ قَطْعًا سَوَاءٌ كَانَ رَاكِدًا أَوْ جَارِيًا، وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي أَصَابَ الْعَذِرَةَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ تَطَايَرَ بِقُوَّةِ وَقْعِهَا فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَثَرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -.
هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ ابْنِ الْفَضْلِ التَّنْجِيسَ فِي الْجَارِي وَغَيْرِهِ، وَأَنَّ اخْتِيَارَ أَبِي اللَّيْثِ عَدَمُهُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: أَيْ: فِي الْجَارِي وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ؛ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الرَّشَاشَ الْمُتَصَاعِدَ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ لَا مِنْ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ الصَّادِمِ، فَيُحْكَمُ بِالْغَالِبِ مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ اهـ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّ كَوْنَ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ مَحَلُّ نَظَرٍ.
بَقِيَ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ الْمُرَادُ بِالرَّاكِدِ الْقَلِيلُ أَوْ الْكَثِيرُ؟ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا. وَقَالَ ح: الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ مَعْنًى لِتَفْصِيلِ قَاضِي خَانْ. وَيُفْهَمُ مِنْ تَعْلِيلِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْأَصَحِّ أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ لَا يَتَنَجَّسُ فِي آنِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ أُخِذَ مَاءٌ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ عَقِبَ الْوُقُوعِ بِلَا فَاصِلٍ يَكُونُ طَاهِرًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْكُمُوا بِسَرَيَانِ النَّجَاسَةِ إلَى الرَّشَاشِ لِعَدَمِ زَمَانٍ تَسْرِي فِيهِ مَعَ قُرْبِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، فَعَدَمُ نَجَاسَةِ الطَّرَفِ الْمُقَابِلِ لِطَرَفِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي آنِ الْوُقُوعِ أَوْلَى تَأَمَّلْ تَظْفَرْ. اهـ.
قُلْت: وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفَرْقِ يَظْهَرُ لِتَفْصِيلِ الْخَانِيَّةِ مَعْنًى، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّاكِدِ الْقَلِيلُ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: لُفَّ طَاهِرٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا لُفَّ طَاهِرٌ جَافٌّ فِي نَجِسٍ مُبْتَلٍّ وَاكْتَسَبَ الطَّاهِرُ مِنْهُ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ،
стр. 342
إنْ بِحَيْثُ لَوْ عُصِرَ قَطَرَ تَنَجَّسَ وَإِلَّا لَا.
وَلَوْ لُفَّ فِي مُبْتَلٍّ بِنَحْوِ بَوْلٍ، إنْ ظَهَرَ نَدَاوَتُهُ أَوْ أَثَرُهُ تَنَجَّسَ وَإِلَّا لَا.
فَأْرَةٌ وُجِدَتْ فِي خَمْرٍ فَرُمِيَتْ فَتَخَلَّلَ، إنْ مُتَفَسِّخَةً تَنَجَّسَ وَإِلَّا لَا وَقَعَ خَمْرٌ فِي خَلٍّ، إنْ قَطْرَةً لَمْ يَحِلَّ إلَّا بَعْدَ سَاعَةٍ، وَإِنْ كُوزًا حَلَّ فِي الْحَالِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ.
ــ
[رد المحتار]
فَقِيلَ: يَتَنَجَّسُ الطَّاهِرُ. وَاخْتَارَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ إنْ كَانَ الطَّاهِرُ بِحَيْثُ لَا يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَقَاطَرُ لَوْ عُصِرَ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ مُتُونًا وَشُرُوحًا، وَفَتَاوَى فِي بَعْضِهَا بِلَا ذِكْرِ خِلَافٍ، وَفِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ الْأَصَحِّ، وَقَيَّدَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِمَا إذَا كَانَ النَّجِسُ مَبْلُولًا بِالْمَاءِ لَا بِنَحْوِ الْبَوْلِ، وَبِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الثَّوْبِ الطَّاهِرِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَنْبُعْ مِنْ الطَّاهِرِ شَيْءٌ عِنْدَ عَصْرِهِ لِيَكُونَ مَا اكْتَسَبَهُ مُجَرَّدَ نَدْوَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِلَيِّ الثَّوْبِ وَعَصْرِهِ نَبْعُ رُءُوسٍ صِغَارٍ لَيْسَ لَهَا قُوَّةُ السَّيَلَانِ ثُمَّ تَرْجِعُ إذَا حُلَّ الثَّوْبُ، وَيَبْعُدُ فِي مِثْلِهِ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ مَعَ وُجُودِ الْمُخَالَطَةِ حَقِيقَةً. قَالَ فِي الْبُرْهَانِ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا فِي الْفَتْحِ: وَلَا يَخْفَى مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نَدْوَةٍ إلَّا إذَا كَانَ النَّجِسُ الرَّطْبَ هُوَ الَّذِي لَا يَتَقَاطَرُ بِعَصْرِهِ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَ الثَّوْبَ الْجَافَّ قَدْرٌ كَثِيرٌ مِنْ النَّجَاسَةِ وَلَا يَنْبُعُ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَصْرِهِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ عِنْدَ الْبِدَايَةِ بِغَسْلِهِ. فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُفْتَى بِخِلَافِ مَا صَحَّحَهُ الْحَلْوَانِيُّ اهـ وَأَقَرَّهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ. وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الْحَلْوَانِيُّ: الْعِبْرَةُ لِلطَّاهِرِ الْمُكْتَسَبِ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ انْعَصَرَ قَطَرَ تَنَجَّسَ وَإِلَّا لَا، سَوَاءٌ كَانَ النَّجِسُ الْمُبْتَلُّ يَقْطُرُ بِالْعَصْرِ أَوْ لَا. وَعَلَى مَا فِي الْبُرْهَانِ الْعِبْرَةُ لِلنَّجِسِ الْمُبْتَلِّ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ عُصِرَ قَطَرَ تَنَجَّسَ الطَّاهِرُ سَوَاءٌ كَانَ الطَّاهِرُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ لَا، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَمْ يَقْطُرْ لَمْ يَتَنَجَّسْ الطَّاهِرُ وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ فِي مَسَائِلَ شَتَّى آخِرَ الْكِتَابِ، مَعَ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هُنَاكَ كَالْكَنْزِ وَغَيْرِهِ خِلَافُهُ، بَلْ كَلَامُ الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا صَرِيحٌ بِخِلَافِهِ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ هُنَاكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ: إنْ بِحَيْثُ لَوْ عُصِرَ إلَخْ) الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ عَوْدُ الضَّمَائِرِ الثَّلَاثِ إلَى الطَّاهِرِ، فَيُوَافِقُ مَا صَحَّحَهُ الْحَلْوَانِيُّ، وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي عُصِرَ وَقَطَرَ إلَى النَّجِسِ، وَالضَّمِيرِ فِي تَنَجَّسَ إلَى الطَّاهِرِ فَيُوَافِقُ مَا فِي الْبُرْهَانِ وَالشُّرُنْبُلاليُّ ةِ وَالزَّيْلَعِيِّ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ لُفَّ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ مُبْتَلٍّ بِمَاءٍ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَقَالَ: لِأَنَّ النَّدَاوَةَ حِينَئِذٍ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ بِالْعَصْرِ.
أَقُولُ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمَاءَ الْمُجَاوِرَ لِلنَّجَاسَةِ حُكْمُهُ حُكْمُهَا مِنْ تَغْلِيظٍ أَوْ تَخْفِيفٍ، فَلَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُبْتَلِّ بِبَوْلٍ أَوْ بِمَاءٍ أَصَابَهُ بَوْلٌ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: إنْ مُتَفَسِّخَةً تَنَجَّسَ) لِأَنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنْهَا أَجْزَاءٌ بِسَبَبِ الِانْتِفَاخِ، وَانْقِلَابُ الْخَمْرِ خَلًّا لَا يُوجِبُ انْقِلَابَ الْأَجْزَاءِ النَّجِسَةِ طَاهِرَةً اهـ ح. قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَكَذَا الْكَلْبُ إذَا وَقَعَ فِي عَصِيرٍ ثُمَّ تَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ لُعَابَ الْكَلْبِ أَقَامَ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَصِيرُ خَلًّا. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ: لَا يَتَنَجَّسُ الْخَلُّ لِعَدَمِ بَقَاءِ شَيْءٍ بَعْدَ التَّخَلُّلِ، وَالْفَأْرَةُ وَإِنْ كَانَتْ نَجِسَةً قَبْلَ التَّخَلُّلِ مِثْلُ الْخَمْرِ، لَكِنَّ النَّجِسَ لَا يُؤَثِّرُ فِي مِثْلِهِ.
فَإِذَا أُلْقِيَتْ ثُمَّ تَخَلَّلَ الْخَمْرُ طَهُرَ بِانْقِلَابِ الْعَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فَإِنَّهَا تُنَجِّسُهُ لِمُلَاقَاتِهَا الْمَاءَ الطَّاهِرَ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ وَيَجِبُ النَّزْحُ وَإِنْ لَمْ تَتَفَسَّخْ. وَلَا يَرُدُّ مَا إذَا تَفَسَّخَتْ فِي الْخَمْرِ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الْأَثَرَ بَعْدَ التَّخَلُّلِ لَا يَنْقَلِبُ خَلًّا فَيُؤَثِّرُ فِي طَهَارَةِ الْخَلِّ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَقَعَ خَمْرٌ فِي خَلٍّ إلَخْ) وَجْهُهُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ فِي الْكُوزِ لَمَّا زَالَتْ الرَّائِحَةُ عُرِفَ التَّغَيُّرُ
стр. 343
فَأْرَةٌ وُجِدَتْ فِي قُمْقُمَةٍ وَلَمْ يُدْرَ هَلْ مَاتَتْ فِيهَا أَوْ فِي جَرَّةٍ أَوْ فِي بِئْرٍ يُحْمَلُ عَلَى الْقُمْقُمَةِ. ثَلَاثُ قِرَبٍ مِنْ سَمْنٍ وَعَسَلٍ وَدِبْسٍ أُخِذَ مِنْ كُلٍّ حِصَّةٌ وَخُلِطَ فَوُجِدَ فِيهِ فَأْرَةٌ نَضَعُهَا فِي الشَّمْسِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا الدُّهْنُ فَسَمْنٌ، وَإِلَّا فَإِنْ بَقِيَ بِحَالِ الْجَمَدِ فَالْعَسَلُ أَوْ مُتَلَطِّخًا فَالدِّبْسُ. يُعْمَلُ بِخَبَرِ الْحُرْمَةِ فِي الذَّبِيحَةِ، وَبِخَبَرِ الْحِلِّ فِي مَاءٍ وَطَعَامٍ. يُتَحَرَّى فِي ثِيَابٍ أَقَلُّهَا طَاهِرٌ وَفِي أَوَانٍ أَكْثَرُهَا طَاهِرٌ لَا أَقَلُّهَا، بَلْ يُحْكَمُ بِالْأَغْلَبِ إلَّا لِضَرُورَةِ شُرْبٍ. يَحْرُمُ أَكْلُ لَحْمٍ أَنْتَنَ لَا نَحْوُ سَمْنٍ وَلَبَنٍ.
ــ
[رد المحتار]
وَعُرِفَ أَنَّهُ صَارَ خَلًّا. وَأَمَّا فِي الْقَطْرَةِ فَإِنَّهَا لَا رَائِحَةَ لَهَا فَلَا يُعْرَفُ التَّغَيُّرُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي الْحَالِ فَلَا يُحْكَمُ بِحِلِّهِ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ يُحَكِّمُ ظَنَّهُ إنْ كَانَ غَالِبُ ظَنِّهِ أَنَّهُ صَارَ خَلًّا طَهُرَ وَإِلَّا فَلَا اهـ
(قَوْلُهُ: فَأْرَةٌ وُجِدَتْ إلَخْ) صُورَتُهُ مَلَأَ جَرَّةً مِنْ بِئْرٍ ثُمَّ مَلَأَ قُمْقُمَةً مِنْ تِلْكَ الْجَرَّةِ ثُمَّ وُجِدَتْ فِي الْقُمْقُمَةِ فَأْرَةٌ، وَفِي نِهَايَةِ الْحَدِيثِ الْقُمْقُمَةُ مَا يُسَخَّنُ فِيهِ الْمَاءُ مِنْ نُحَاسٍ وَغَيْرِهِ وَيَكُونُ ضَيِّقَ الرَّأْسِ. اهـ. (قَوْلُهُ: يُحْمَلُ عَلَى الْقُمْقُمَةِ) هَذَا مِنْ بَابِ الْحَوَادِثِ تُضَافُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ. اهـ. ح. وَفِي الْفَتْحِ: أَخَذَ مِنْ حُبٍّ ثُمَّ مِنْ حُبٍّ آخَرَ مَاءً وَجَعَلَ فِي إنَاءٍ ثُمَّ وَجَدَ فِي الْإِنَاءِ فَأْرَةً، فَإِنْ غَابَ سَاعَةً فَالنَّجَاسَةُ لِلْإِنَاءِ، وَإِلَّا فَإِنْ تَحَرَّى وَوَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى أَحَدِ الْحُبَّيْنِ عَمِلَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ عَلَى شَيْءٍ فَلِلْحُبِّ الْأَخِيرِ، وَهَذَا إذَا كَانَا لِوَاحِدٍ، فَلَوْ لِاثْنَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقُولُ مَا كَانَتْ فِي حُبِّي فَكِلَاهُمَا طَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا الدُّهْنُ) أَيْ: مِنْ جَوْفِهَا، أَوْ الْمُرَادُ مِمَّا يُلَاقِي جِلْدَهَا. (قَوْلُهُ: فَقِرْبَتُهُ) أَيْ: هِيَ النَّجِسَةُ، وَكَذَا يُقَدَّرُ فِيمَا بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا الدُّهْنُ، فَإِنْ بَقِيَ مَا عَلَيْهَا بِحَالِ الْجَمَدِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ أَيْ: جَامِدًا فَهُوَ دَلِيلُ أَنَّهُ عَسَلٌ؛ لِأَنَّ الْعَسَلَ إذَا أَصَابَتْهُ الشَّمْسُ تَلَاحَمَتْ أَجْزَاؤُهُ وَتَمَاسَكَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، بِخِلَافِ الدِّبْسِ فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ بِحَرَارَةِ الشَّمْسِ أَفَادَهُ ح. بَقِيَ مَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ الْحَالُ بِذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلَ فِيهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ. .
(قَوْلُهُ: يُعْمَلُ بِخَبَرِ الْحُرْمَةِ إلَخْ) أَيْ: إذَا أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِأَنَّ هَذَا اللَّحْمَ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ أَوْ مَيْتَةٌ وَعَدْلٌ آخَرُ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَهَاتَرَ الْخَبَرَانِ بَقِيَ عَلَى الْحُرْمَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّكَاةِ، وَلَوْ أَخْبَرَا عَنْ مَاءٍ وَتَهَاتَرَا بَقِيَ عَلَى الطَّهَارَةِ الْأَصْلِيَّةِ. اهـ. إمْدَادٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَعْدَ التَّهَاتُرِ فِي الصُّورَتَيْنِ لَا يُعْتَبَرُ التَّحَرِّي، وَسَنَذْكُرُ مَا يُخَالِفُهُ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ قَبْلَ فَصْلِ اللُّبْسِ عَنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَرَاجِعْهُ هُنَاكَ. (قَوْلُهُ: أَقَلُّهَا طَاهِرٌ) كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ ثَوْبٌ طَاهِرٌ مَعَ ثَوْبَيْنِ نَجِسَيْنِ وَكَذَا بِالْعَكْسِ بِالْأَوْلَى. (قَوْلُهُ: لَا أَقَلُّهَا) مِثْلُهُ التَّسَاوِي فَإِنَّهُ لَا يُتَحَرَّى فِيهِ أَيْضًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّ اخْتِلَاطَ الذَّبِيحَةِ الذَّكِيَّةِ وَالْمَيْتَةِ كَحُكْمِ الْأَوَانِي.
ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي كَمَا فِي الْإِمْدَادِ أَنَّ الثَّوْبَ لَا خَلَفَ لَهُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ، بِخِلَافِ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَإِنَّهُ يَخْلُفُهُ التَّيَمُّمُ. وَأَمَّا فِي حَقِّ الشُّرْبِ فَيُتَحَرَّى مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا خَلَفَ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ إلَّا لِضَرُورَةِ شُرْبٍ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا فِي مَسْأَلَتَيْ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي مُوَافِقٌ لِمَا فِي نُورِ الْإِيضَاحِ وَمَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ، وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ الطَّاهِرُ فِي الْأَوَانِي أَوْ الثِّيَابِ أَوْ الذَّبَائِحِ تَحَرَّى فِي حَالَتَيْ الِاخْتِيَارِ وَالِاضْطِرَارِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ، وَإِلَّا فَفِي الِاخْتِيَارِ لَا يَتَحَرَّى فِي الْكُلِّ، وَفِي الِاضْطِرَارِ يَتَحَرَّى فِي الْكُلِّ إلَّا فِي الْأَوَانِي لِغَيْرِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَ مِنْ نِسَائِهِ امْرَأَةً أَوْ أَعْتَقَ مِنْ إمَائِهِ أَمَةً فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى لِوَطْءٍ وَلَا بَيْعٍ وَإِنْ كَانَتْ الْغِيبَةُ لِلْحَلَالِ، وَتَمَامُهُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كِتَابِ التَّحَرِّي فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: يَحْرُمُ أَكْلُ لَحْمٍ أَنْتَنَ) عَزَاهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة إلَى مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ.
стр. 344
شَعِيرٌ فِي بَعْرٍ أَوْ رَوْثٍ صُلْبٌ يُؤْكَلُ بَعْدَ غَسْلِهِ، وَفِي خِثْيٍ لَا. مَرَارَةُ كُلِّ حَيَوَانٍ كَبَوْلِهِ وَجِرَّتُهُ كَزِبْلِهِ. حُكْمُ الْعَصِيرِ حُكْمُ الْمَاءِ. رُطُوبَةُ الْفَرْجِ طَاهِرَةٌ خِلَافًا لَهُمَا الْعِبْرَةُ لِلطَّاهِرِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ مَاءٍ اخْتَلَطَا بِهِ يُفْتَى.
ــ
[رد المحتار]
قَالَ ح: أَيْ: لِأَنَّهُ يَضُرُّ لَا لِأَنَّهُ نَجِسٌ. وَأَمَّا نَحْوُ اللَّبَنِ الْمُنْتِنِ فَلَا يَضُرُّ ذَكَرَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِ كَرَاهِيَةِ الْوَهْبَانِيَّةِ. اهـ.
قُلْت: وَنَقَلَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ صَلَاةِ الْجَلَّابِي أَنَّهُ إذَا اشْتَدَّ تَغَيُّرُهُ تَنَجَّسَ، ثُمَّ نَقَلَ التَّوْفِيقَ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَشْتَدَّ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُنْيَةِ، لَكِنْ فِي الْحَمَوِيِّ عَنْ النِّهَايَةِ أَنَّ الِاسْتِحَالَةَ إلَى فَسَادٍ لَا تُوجِبُ النَّجَاسَةَ لَا مَحَالَةَ. اهـ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: دُودُ لَحْمٍ وَقَعَ فِي مَرَقَةٍ لَا يُنَجِّسُ وَلَا تُؤْكَلُ الْمَرَقَةُ إنْ تَفَسَّخَ الدُّودُ فِيهَا اهـ أَيْ: لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا. قُلْت: وَبِهِ يُعْلَمُ حُكْمُ الدُّودِ فِي الْفَوَاكِهِ وَالثِّمَارِ. (قَوْلُهُ: شَعِيرٌ إلَخْ) فِي التَّتَارْخَانِيَّة: إذَا وُجِدَ الشَّعِيرُ فِي بَعْرِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ يُغْسَلُ وَيُجَفَّفُ ثَلَاثًا وَيُؤْكَلُ وَفِي أَخْثَاءِ الْبَقَرِ لَا يُؤْكَلُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: لِأَنَّهُ لَا صَلَابَةَ فِيهِ. .
ثُمَّ نَقَلَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْكُبْرَى أَنَّ الصَّحِيحَ التَّفْصِيلُ بِالِانْتِفَاخِ وَعَدَمِهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْبَعْرُ وَالْخِثْيُ اهـ أَيْ: إنْ انْتَفَخَ لَا يُؤْكَلُ فِيهِمَا وَإِلَّا أُكِلَ فِيهِمَا، وَبَحَثَ نَحْوَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ صُلْبٌ مَرْفُوعٌ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِ " شَعِيرٌ " فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: مَرَارَةُ كُلِّ حَيَوَانٍ كَبَوْلِهِ) أَيْ: فَإِنْ كَانَ بَوْلُهُ نَجِسًا مُغَلَّظًا أَوْ مُخَفَّفًا فَهِيَ كَذَلِكَ خِلَافًا وَوِفَاقًا. وَمِنْ فُرُوعِهِ مَا ذَكَرُوا: لَوْ أَدْخَلَ فِي إصْبَعِهِ مَرَارَةَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ يُكْرَهُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبِيحُ التَّدَاوِي بِبَوْلِهِ، لَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ يُبِيحُهُ. وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْخَانِيَّةِ أَنَّ الْفَقِيهَ أَبَا اللَّيْثِ أَخَذَ بِالثَّانِي لِلْحَاجَةِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. قُلْت: وَقِيَاسُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا لِطَهَارَةِ بَوْلِهِ عِنْدَهُ. اهـ. حِلْيَةٌ. (قَوْلُهُ: وَجِرَّتُهُ كَزِبْلِهِ) أَيْ: كَسِرْقِينِهِ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ. وَقَدْ تُفْتَحُ: مَا يَجُرُّهُ أَيْ: يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ مِنْ جَوْفِهِ إلَى فَمِهِ فَيَأْكُلُهُ ثَانِيًا كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَالْقَامُوسِ، وَعَلَّلَهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّهُ وَارَاهُ جَوْفُهُ، أَلَا تَرَى إلَى مَا يُوَارِي جَوْفَ الْإِنْسَانِ بِأَنْ كَانَ مَاءً ثُمَّ قَاءَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَوْلِهِ اهـ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَذَلِكَ وَإِنْ قَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ؛ لَكِنْ قَالَ بَعْدَهُ فِي الصَّبِيِّ: ارْتَضَعَ ثُمَّ قَاءَ فَأَصَابَ ثِيَابَ الْأُمِّ، إنْ زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ مَنَعَ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَأَنَّ نَجَاسَتَهُ دُونَ نَجَاسَةِ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّهَا مُتَغَيِّرَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَظَاهِرُهُ الْمَيْلُ إلَى إعْطَاءِ الْجَرَّةِ حُكْمَ هَذَا الْقَيْءِ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ. (قَوْلُهُ: حُكْمُ الْعَصِيرِ حُكْمُ الْمَاءِ) أَيْ: فِي أَنَّهُ تُزَالُ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَنَّهُ إذَا كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَا يَنْجُسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَمَا فِي الْمَاءِ اهـ ح، فِي أَنَّهُ لَوْ عُصِرَ الْعِنَبُ وَهُوَ يَسِيلُ فَأَدْمَى رِجْلَهُ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ الدَّمِ لَا يَنْجُسُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: رُطُوبَةُ الْفَرْجِ طَاهِرَةٌ) وَلِذَا نُقِلَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ رُطُوبَةَ الْوَلَدِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ طَاهِرَةٌ، وَكَذَا السَّخْلَةُ إذَا خَرَجَتْ مِنْ أُمِّهَا، وَكَذَا الْبَيْضَةُ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهَا الثَّوْبُ وَلَا الْمَاءُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ التَّوَضُّؤُ بِهِ لِلِاخْتِلَافِ، وَكَذَا الْإِنْفَحَةُ هُوَ الْمُخْتَارُ. وَعِنْدَهُمَا يَتَنَجَّسُ، وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ. اهـ. قُلْت: وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ دَمٌ وَلَمْ يُخَالِطْ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ مِنْ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ. (قَوْلُهُ: الْعِبْرَةُ لِلطَّاهِرِ إلَخْ) هَذَا مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ فَتْحٌ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالْفَتْوَى عَلَيْهِ بَزَّازِيَّةٌ؛ وَقِيلَ: الْعِبْرَةُ لِلْمَاءِ إنْ كَانَ نَجِسًا فَالطِّينُ نَجِسٌ وَإِلَّا فَطَاهِرٌ؛ وَقِيلَ: الْعِبْرَةُ لِلتُّرَابِ، وَقِيلَ: لِلْغَالِبِ، وَقِيلَ: أَيُّهُمَا كَانَ نَجِسًا فَالطِّينُ نَجِسٌ؛ وَاخْتَارَهُ أَبُو اللَّيْثِ وَصَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَقَوَّاهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَحَكَمَ بِفَسَادِ بَقِيَّةِ الْأَقْوَالِ تَأَمَّلْ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ أَيْضًا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَزُولُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِالِاخْتِلَاطِ، بِخِلَافِ السِّرْقِينِ إذَا جُعِلَ
стр. 345
مَشَى فِي حَمَّامٍ وَنَحْوِهِ لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ غُسَالَةُ نَجِسٍ.
لَا يَنْبَغِي أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْأُنْبُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْمَاءَ رَاكِدًا.
التَّبْكِيرُ إلَى الْحَمَّامِ لَيْسَ مِنْ الْمُرُوءَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ مَقْلُوبِ الْكِنَايَةِ.
ثِيَابُ الْفَسَقَةِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ طَاهِرَةٌ.
دِيبَاجُ أَهْلِ فَارِسَ نَجِسٌ، لِجَعْلِهِمْ فِي الْبَوْلِ لِبَرِيقِهِ.
رَأَى فِي ثَوْبِ غَيْرِهِ نَجَسًا مَانِعًا، إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ أَزَالَهَا وَجَبَ وَإِلَّا لَا، فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى هَذَا.
حَمْلُ السَّجَّادَةِ فِي زَمَانِنَا أَوْلَى احْتِيَاطًا، لِمَا وَرَدَ «أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ فِي الْقَبْرِ الطَّهَارَةُ وَفِي الْمَوْقِفِ الصَّلَاةُ» .
ــ
[رد المحتار]
فِي الطِّينِ لِلتَّطْيِينِ لَا يُنَجِّسُ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً إلَى إسْقَاطِ نَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ إلَّا بِهِ حِلْيَةٌ. (قَوْلُهُ: مَشَى فِي حَمَّامٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ: كَمَا لَوْ مَشَى عَلَى أَلْوَاحٍ مُشْرَعَةٍ بَعْدَ مَشْيِ مَنْ بِرِجْلِهِ قَذَرٌ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ رِجْلِهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى مَوْضِعِهِ لِلضَّرُورَةِ فَتْحٌ. وَفِيهِ عَنْ التَّنْجِيسِ: مَشَى فِي طِينٍ أَوْ أَصَابَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَصَلَّى تَجْزِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ الْمَانِعُ إلَّا أَنْ يَحْتَاطَ، وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَلَا يَجِبُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْمَاءَ رَاكِدًا) أَيْ: لِأَنَّهُ بِأَخْذِهِ لَهُ مِنْ الْأُنْبُوبَةِ يَمْنَعُ نُزُولَهُ إلَى الْحَوْضِ فَيَصِيرُ رَاكِدًا وَرُبَّمَا كَانَ عَلَى يَدِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ فَأَدْخَلَهَا فِي الْحَوْضِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَيَتَنَجَّسُ فَيَنْبَغِي إذَا أَرَادَ الْأَخْذَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْحَوْضِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا كَانَ نَازِلًا وَالْعُرْفُ مُتَدَارَكٌ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْجَارِي. (قَوْلُهُ: التَّبْكِيرُ إلَى الْحَمَّامِ) أَيْ: الدُّخُولُ إلَيْهِ أَوَّلَ الْغَدَاةِ بِلَا ضَرُورَةٍ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ مَقْلُوبِ الْكِنَايَةِ) أَرَادَ بِهِ النَّيْكَ أَيْ: الْجِمَاعَ، وَلَمْ يَقُلْ مَقْلُوبَ الْكَيْنِ مَعَ أَنَّهُ قَلْبٌ حَقِيقِيٌّ لِزِيَادَةِ التَّبَاعُدِ عَنْ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُطْلَبُ كِتْمَانُهُ، وَلِذَا كَانَ مِنْ أَسْمَائِهِ السِّرُّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَعِبَارَةُ الْفَيْضِ إذْ فِيهِ إبْدَاءُ مَا يَجِبُ إخْفَاؤُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحَبُّ بِالْحَاءِ، وَلِذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الرَّمْلِيُّ: وَأَمَّا مَا نَهَى عَنْهُ ﷺ فَهُوَ السِّبَاعُ أَيْ: عَلَى وَزْنِ كِتَابٍ: وَهُوَ الْمُفَاخَرَةُ بِالْجِمَاعِ وَإِفْشَاءُ الرَّجُلِ مَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ فَذَاكَ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَلْ النَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: ثِيَابُ الْفَسَقَةِ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِ الْفَسَقَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَّقُونَ الْخُمُورَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ " يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ ": الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَّا السَّرَاوِيلُ مَعَ اسْتِحْلَالِهِمْ الْخَمْرَ، فَهَذَا أَوْلَى. اهـ. (قَوْلُهُ: لِجَعْلِهِمْ فِيهِ الْبَوْلَ) إنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا شَكَّ أَنَّهُ نَجِسٌ تَتَارْخَانِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ) عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ إنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ. مَطْلَبٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ (قَوْلُهُ: فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى هَذَا) كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي فُصُولِ الْعَلَّامِيِّ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَّعِظُ وَلَا يَنْزَجِرُ بِالْقَوْلِ وَلَا بِالْفِعْلِ وَلَوْ بِإِعْلَامِ سُلْطَانٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ وَالِدٍ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْمَنْعِ لَا يَلْزَمُهُ وَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، لَكِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ أَفْضَلُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُضَرُّ بِهِ أَوْ يَقْتُلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا.
قَالَ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] أَيْ: مِنْ ذُلٍّ أَوْ هَوَانٍ إذَا أَمَرْت ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] أَيْ: مِنْ حَقِّ الْأُمُورِ، وَيُقَالُ مِنْ وَاجِبِ الْأُمُورِ اهـ وَتَمَامُهُ فِيهِ. مَطْلَبٌ فِي أَوَّلِ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ (قَوْلُهُ: لِمَا وَرَدَ إلَخْ) أَيْ: فِي قَوْلِهِ ﷺ «اتَّقُوا الْبَوْلَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ فِي الْقَبْرِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَفِي قَوْلِهِ ﷺ «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ»
стр. 346
كِتَابُ الصَّلَاةِ
شُرُوعٌ فِي الْمَقْصُودِ بَعْدَ بَيَانِ الْوَسِيلَةِ، وَلَمْ تَخْلُ عَنْهَا شَرِيعَةُ مُرْسَلٍ. وَلَمَّا صَارَتْ قُرْبَةً بِوَاسِطَةِ الْكَعْبَةِ كَانَتْ دُونَ الْإِيمَانِ لَا مِنْهُ، بَلْ مِنْ فُرُوعِهِ. وَهِيَ لُغَةً الدُّعَاءُ، فَنُقِلَتْ شَرْعًا إلَى الْأَفْعَالِ الْمَعْلُومَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، لِوُجُودِهَا بِدُونِ الدُّعَاءِ فِي الْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ (هِيَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ)
ــ
[رد المحتار]
قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ الصَّحِيحِ «إنَّ أَوَّلَ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» لِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ، وَالثَّانِي عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ، وَظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَقَعُ أَوَّلًا الْمُحَاسَبَةُ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَكَذَا فِي شَرْحِ الْعَلْقَمِيِّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذِكْرِ الشَّارِحِ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ رِعَايَةِ التَّنَاسُبِ وَحُسْنِ الْخِتَامِ.
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
ِ (قَوْلُهُ شُرُوعٌ إلَخْ) بَيَانٌ لِوَجْهِ تَأْخِيرِهَا عَنْ الطَّهَارَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ وَجْهُ تَقْدِيمِهَا عَلَى غَيْرِهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ تَخْلُ عَنْهَا شَرِيعَةُ مُرْسَلٍ) أَيْ عَنْ أَصْلِ الصَّلَاةِ. قِيلَ الصُّبْحُ صَلَاةُ آدَمَ، وَالظُّهْرُ لِدَاوُدَ، وَالْعَصْرُ لِسُلَيْمَانَ، وَالْمَغْرِبُ لِيَعْقُوبَ، وَالْعِشَاءُ لِيُونُسَ ﵈، وَجُمِعَتْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: بِوَاسِطَةِ الْكَعْبَةِ) أَيْ بِوَاسِطَةِ اسْتِقْبَالِهَا، وَانْظُرْ لِمَاذَا خُصِّصَ هَذَا الشَّرْطُ مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَصِرْ قُرْبَةً إلَّا بِاجْتِمَاعِ سَائِرِ شَرَائِطِهَا ط.
وَقَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ أَنَّهَا صَارَتْ قُرْبَةً بِوَاسِطَةِ تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِاسْتِقْبَالِهَا تَعْظِيمًا لَهَا، وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهُ سُبْحَانَهُ بِوَاسِطَةِ تَعْظِيمِهَا، أَفَادَهُ شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: دُونَ الْإِيمَانِ) لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ بِلَا وَاسِطَةٍ.
(قَوْلُهُ: لَا مِنْهُ بَلْ مِنْ فُرُوعِهِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لِحُكْمِهَا وَهُوَ الِافْتِرَاضُ فَهِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مِنْ مُتَعَلِّقِ التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ط وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى خِلَافِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْأَعْمَالَ مِنْ الْإِيمَانِ كَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ لُغَةً الدُّعَاءُ) أَيْ حَقِيقَتُهَا ذَلِكَ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ الشَّائِعُ فِي كَلَامِهِمْ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِالْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ، وَقِيلَ إنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي تَحَرُّكِ الصَّلَوَيْنِ بِالسُّكُونِ: الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي أَعَالِي الْفَخِذَيْنِ اللَّذَانِ عَلَيْهِمَا الْأَلْيَتَانِ، مَجَازٌ لُغَوِيٌّ فِي الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُحَرِّكُهُمَا فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ فِي الدُّعَاءِ تَشْبِيهًا لِلدَّاعِي فِي تَخَشُّعِهِ بِالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ، وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: فَنُقِلَتْ إلَخْ) اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانٍ شَرْعِيَّةٍ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، أَهِيَ مَنْقُولَةٌ عَنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ إلَى حَقَائِقَ شَرْعِيَّةٍ: أَيْ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ مَرْعِيًّا، أَمْ مُغَيَّرَةٌ: أَيْ بِأَنْ يَبْقَى وَيُزَادَ عَلَيْهِ قُيُودٌ شَرْعِيَّةٌ قِيلَ بِالْأَوَّلِ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْغَايَةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهَا تُوجَدُ بِدُونِ الدُّعَاءِ فِي الْأُمِّيِّ وَقِيلَ بِالثَّانِي وَأَنَّهُ إنَّمَا زِيدَ عَلَى الدُّعَاءِ بَاقِي الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ، وَأُطْلِقَ الْجُزْءُ عَلَى الْكُلِّ كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ) الضَّمِيرُ لِلنَّقْلِ الْمَفْهُومِ مِنْ نُقِلَتْ، وَقَوْلُهُ لِوُجُودِهَا عِلَّةُ الظُّهُورِ. اهـ. ح، وَعَلَّلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ الدُّعَاءَ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهَا شَرْعًا أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الْقِرَاءَةِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهُوَ مَمْنُوعٌ. قُلْت: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ حَقِيقَتِهَا قِرَاءَةُ آيَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دُعَاءً تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: هِيَ) أَيْ الصَّلَاةُ الْكَامِلَةُ، وَهِيَ الْخَمْسُ الْمَكْتُوبَةُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ) أَيْ بِعَيْنِهِ؛ وَلِذَا سُمِّيَ فَرْضَ
стр. 347
بِالْإِجْمَاعِ. فُرِضَتْ فِي الْإِسْرَاءِ لَيْلَةَ السَّبْتِ سَابِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَنِصْفٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ صَلَاتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا شُمُنِّيٌّ. (وَإِنْ وَجَبَ ضَرْبُ ابْنِ عَشْرٍ عَلَيْهَا بِيَدٍ لَا بِخَشَبَةٍ) لِحَدِيثِ «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ» قُلْت وَالصَّوْمُ كَالصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي صَوْمِ الْقُهُسْتَانِيِّ مَعْزِيًّا لِلزَّاهِدِيِّ وَفِي حَظْرِ الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَيُنْهَى عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ لِيَأْلَفَ الْخَيْرَ وَيَتْرُكَ الشَّرَّ (وَيَكْفُرُ جَاحِدُهَا) لِثُبُوتِهَا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ (وَتَارِكُهَا عَمْدًا مَجَانَةً) أَيْ تَكَاسُلًا فَاسِقٌ (يُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ) لِأَنَّهُ يُحْبَسُ لِحَقِّ الْعَبْدِ فَحَقُّ الْحَقِّ أَحَقُّ، وَقِيلَ يُضْرَبُ حَتَّى يَسِيلَ مِنْهُ الدَّمُ.
ــ
[رد المحتار]
عَيْنٍ، بِخِلَافِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ كِفَايَةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ كَفَى عَنْ الْبَاقِينَ وَإِلَّا أَثِمُوا كُلُّهُمْ. ثُمَّ الْمُكَلَّفُ هُوَ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ وَلَوْ أُنْثَى أَوْ عَبْدًا.
(قَوْلُهُ: بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ وَبِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: فُرِضَتْ فِي الْإِسْرَاءِ إلَخْ) نَقَلَهُ أَيْضًا الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِي الْأَحْكَامِ شَرْحُ دُرَرِ الْحُكَّامِ، ثُمَّ قَالَ: وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الْبَكْرِيُّ نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِبَرَكَاتِهِ فِي الرَّوْضَةِ الزَّهْرَاءِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ سَنَةٍ كَانَ الْإِسْرَاءُ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ. فَجَزَمَ جَمْعٌ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ بِخَمْسِ سِنِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الشُّهُورِ كَانَ؟ فَجَزَمَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ فِي رَبِيعِ الْآخَرِ، وَقِيلَ فِي رَجَبٍ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ، وَقِيلَ فِي شَوَّالٍ. وَجَزَمَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيَّ فِي سِيرَتِهِ بِأَنَّهُ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ وَجَبَ إلَخْ) هَذَا مُبَالَغَةٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: كُلِّ مُكَلَّفٍ، كَأَنَّهُ قَالَ وَلَا يُفْتَرَضُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَإِنْ وَجَبَ أَيْ عَلَى الْوَلِيِّ ضَرْبُ ابْنِ عَشْرٍ، وَذَلِكَ لِيَتَخَلَّقَ بِفِعْلِهَا وَيَعْتَادَهُ لَا لِافْتِرَاضِهَا ح. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَمْرَ لِابْنِ سَبْعٍ وَاجِبٌ كَالضَّرْبِ. وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ الْوُجُوبَ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ لَا بِمَعْنَى الِافْتِرَاضِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ ظَنِّيٌّ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: بِيَدٍ) أَيْ وَلَا يُجَاوِزُ الثَّلَاثَ، وَكَذَلِكَ الْمُعَلِّمُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَهَا «قَالَ ﵊ لِمِرْدَاسٍ الْمُعَلِّمِ إيَّاكَ أَنْ تَضْرِبَ فَوْقَ الثَّلَاثِ، فَإِنَّك إذَا ضَرَبْت فَوْقَ الثَّلَاثِ اقْتَصَّ اللَّهُ مِنْك» اهـ إسْمَاعِيلُ عَنْ أَحْكَامِ الصِّغَارِ للأستروشني، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ بِالْعَصَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: لَا بِخَشَبَةٍ) أَيْ عَصًا، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ بِيَدٍ أَنْ يُرَادَ بِالْخَشَبَةِ مَا هُوَ الْأَعَمُّ مِنْهَا وَمِنْ السَّوْطِ أَفَادَهُ ط.
(قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ إلَخْ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى الضَّرْبِ الْمُطْلَقِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا بِخَشَبَةٍ فَلِأَنَّ الضَّرْبَ بِهَا وَرَدَ فِي جِنَايَةِ الْمُكَلَّفِ. اهـ. ح وَتَمَامُ الْحَدِيثِ «وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ» وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ. اهـ. إسْمَاعِيلُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوُجُوبَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ السَّبْعِ وَالْعَشْرِ بِأَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الثَّامِنَةِ وَالْحَادِيَةَ عَشَرَ كَمَا قَالُوا فِي مُدَّةِ الْحَضَانَةِ.
(قَوْلُهُ: قُلْت إلَخْ) مُرَادُهُ مِنْ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ بَيَانُ أَنَّ الصَّبِيَّ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَيُنْهَى عَنْ جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ. اهـ. ح.
أَقُولُ: وَقَدْ صَرَّحَ فِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ بِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ إذَا جَامَعَ وَبِإِعَادَةِ مَا صَلَّاهُ بِلَا وُضُوءٍ لَا لَوْ أَفْسَدَ الصَّوْمَ لِمَشَقَّتِهِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: مَجَانَةً) بِالتَّخْفِيفِ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الْمَاجِنُ الَّذِي لَا يُبَالِي مَا صَنَعَ وَمَا قِيلَ لَهُ، وَمَصْدَرُهُ الْمُجُونُ وَالْمَجَانَةُ اسْمٌ مِنْهُ وَالْفِعْلُ مِنْ بَابِ طَلَبَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ تَكَاسُلًا) تَفْسِيرٌ مُرَادٌ. اهـ. ح.
(قَوْلُهُ: فَحَقُّ الْحَقِّ أَحَقُّ) لَا يُقَالُ: إنَّ حَقَّهُ تَعَالَى مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَسَامُحَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ. اهـ. إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُضْرَبُ) قَائِلُهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ح عَنْ الْمِنَحِ. وَظَاهِرُ الْحِلْيَةِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الزُّهْرِيُّ لَا يُقْتَلُ
стр. 348
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْتَلُ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ حَدًّا، وَقِيلَ كُفْرًا (وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ فَاعِلِهَا) بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ (مَعَ جَمَاعَةٍ) مُؤْتَمًّا مُتَمِّمًا وَكَذَا لَوْ أَذَّنَ فِي الْوَقْتِ
ــ
[رد المحتار]
بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَتُوبَ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْتَلُ) وَكَذَا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا، وَبُسِطَ ذَلِكَ فِي الْحِلْيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ فَاعِلِهَا إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْكَافِرَ إذَا صَلَّى بِجَمَاعَةٍ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا لِوُجُودِهَا فِي سَائِرِ الْأُمَمِ قَالَ ﵊ «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَهُوَ مِنَّا» قَالُوا الْمُرَادُ صَلَاتُنَا بِالْجَمَاعَةِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ. اهـ. دُرَرٌ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ إذْ أَنَّهُ قَالَ فَهُوَ الْمُسْلِمُ إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ: بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ) قَيَّدَ الْإِمَامُ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ كَوْنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدٍ، وَعَلَيْهِ فَالشُّرُوطُ خَمْسَةٌ، لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْوَقْتِ) لِأَنَّهَا صَلَاةُ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلَةُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً لَا يَكْفِي لِعَدَمِ كَوْنِهَا فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَتْ أَدَاءً فَهِيَ غَيْرُ كَامِلَةٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْوَقْتِ الْأَدَاءَ، بَلْ الْأَخَصُّ مِنْهُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: مُؤْتَمًّا) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ مَعَ جَمَاعَةٍ احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ كَانَ إمَامًا قَالَ ط: لِأَنَّ الِائْتِمَامَ يَدُلُّ عَلَى اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ إمَامًا فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ نِيَّةَ الِانْفِرَادِ فَلَا جَمَاعَةَ. اهـ.
أَقُولُ: الِاحْتِمَالُ الْمَذْكُورُ مَوْجُودٌ فِي الْمُؤْتَمِّ أَيْضًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْإِمَامُ مَتْبُوعٌ غَيْرُ تَابِعٍ وَالْمُؤْتَمُّ تَابِعٌ لِإِمَامِهِ مُلْتَزِمٌ لِأَحْكَامِهِ، وَمَا قَيَّدَ بِهِ الشَّارِحُ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّظْمِ الْآتِي تَبَعًا لِلْمَجْمَعِ وَدُرَرِ الْبِحَارِ، وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِهِ فِي عَقْدِ الْفَرَائِدِ فَقَالَ: صَلَّى إمَامًا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، نَقَلَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ: مُتَمِّمًا) فَلَوْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَفْسَدَ لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا شَرْحُ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الْمُنْتَقَى. مَطْلَبٌ فِيمَا يَصِيرُ الْكَافِرُ بِهِ مُسْلِمًا مِنْ الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ أَذَّنَ فِي الْوَقْتِ) لَمَّا ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الصَّلَاةِ، أَرَادَ تَتْمِيمَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا الْكَافِرُ مُسْلِمًا فَذَكَرَ أَنَّ مِنْهَا الْأَذَانَ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ دِينِنَا وَشِعَارِ شَرْعِنَا؛ وَلِذَا قَيَّدَهُ فِي الْمِنَحِ تَبَعًا لِلْبَحْرِ بِكَوْنِ الْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَيْسَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ لِإِتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي ضِمْنِ الْأَذَانِ لِيَكُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ بِالْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْتِ أَوْ خَارِجَهُ بَلْ هُوَ مِنْ الْإِسْلَامِ بِالْفِعْلِ؛ وَلِذَا صَرَّحَ ابْنُ الشِّحْنَةِ بِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالْأَذَانِ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ عِيسَوِيًّا يُخَصِّصُ رِسَالَةَ نَبِيِّنَا ﷺ إلَى الْعَرَبِ؛ لِأَنَّ مَا يَصِيرُ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا قِسْمَانِ: قَوْلٌ وَفِعْلٌ، فَالْقَوْلُ مِثْلُ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَتَيْنِ، فَصَّلَ فِيهِ أَئِمَّتُنَا لِكَوْنِهِ مَحَلَّ اشْتِبَاهٍ وَاحْتِمَالٍ بَيْنَ الْعِيسَوِيِّ وَغَيْرِهِ، فَقَالُوا لَا بُدَّ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ، فِي الْعِيسَوِيِّ مِنْ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ ﷺ رَسُولُ اللَّهِ إلَى الْعَرَبِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّبَرِّي، وَأَمَّا الْفِعْلُ فَكَلَامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعِيسَوِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ الطَّرَسُوسِيُّ أَيْضًا خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ ابْنُ وَهْبَانَ؛ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أَيْضًا: وَأَمَّا الْأَذَانُ خَارِجَ الْوَقْتِ فَلَا يَكُونُ إسْلَامًا مِنْ الْعِيسَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْأَقْوَالِ، فَلَا بُدَّ فِيهِ حِينَئِذٍ مِنْ التَّبَرِّي مِنْ دِينِهِ. اهـ.
قُلْت: وَكَذَا لَا يَكُونُ إسْلَامًا مِنْ غَيْرِ الْعِيسَوِيِّ أَيْضًا لِمَا نَقَلَهُ قَبْلَهُ عَنْ الْغَايَةِ وَغَيْرِهَا، مِنْ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ أَذَّنَ
стр. 349
أَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ أَوْ زَكَّى السَّائِمَةَ صَارَ مُسْلِمًا، لَا لَوْ صَلَّى فِي غَيْرِ الْوَقْتِ أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ إمَامًا، أَوْ أَفْسَدَهَا أَوْ فَعَلَ بَقِيَّةَ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِشَرِيعَتِنَا، وَنَظَمَهَا صَاحِبُ النَّهْرِ فَقَالَ
ــ
[رد المحتار]
فِي غَيْرِ الْوَقْتِ لَا يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَهْزِئًا، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَذَانَ فِي الْوَقْتِ مِنْ الْإِسْلَامِ بِالْفِعْلِ، فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ كَافِرٍ، وَالْأَذَانَ خَارِجَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِالْقَوْلِ، لَكِنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الِاسْتِهْزَاءَ لَمْ يَصِرْ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِيسَوِيًّا يَزِيدُ أَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَهُ وَهُوَ التَّبَرِّي، فَافْهَمْ وَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ. بَقِيَ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْأَذَانِ فِي الْوَقْتِ الْمُدَاوَمَةُ أَمْ يَكْفِي مَرَّةً؟ يَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ) أَيْ عِنْدَ سَمَاعِ آيَةِ سَجْدَةٍ بَزَّازِيَّةٌ: أَيْ لِأَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِنَا، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ الْكُفَّارِ بِأَنَّهُمْ ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] .
(قَوْلُهُ: أَوْ زَكَّى السَّائِمَةَ) قَيَّدَهُ الطَّرَسُوسِيُّ فِي نَظْمِ الْفَوَائِدِ بِزَكَاةِ الْإِبِلِ. وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ وَهْبَانَ بِأَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِذَلِكَ، وَبِأَنَّهُ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ صَامَ الْكَافِرُ أَوْ حَجَّ أَوْ أَدَّى الزَّكَاةَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ اهـ وَأَقَرَّهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ وَصَاحِبُ النَّهْرِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: لَا لَوْ صَلَّى إلَخْ) مُحْتَرَزُ الْقُيُودِ السَّابِقَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مُنْفَرِدًا) لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِشَرِيعَتِنَا ابْنُ الشِّحْنَةِ عَنْ الْمُنْتَقَى. وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ نَفَى الْخِلَافَ بِحَمْلِ قَوْلِهِ عَلَى مَا إذَا صَلَّى وَحْدَهُ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ اتِّفَاقًا، وَحُمِلَ قَوْلُهُمَا عَلَى مَا إذَا صَلَّى وَحْدَهُ وَأَتَى بِهِمَا فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِشَرِيعَتِنَا. اهـ.
قُلْت: لَكِنْ فِي هَذَا التَّوْفِيقِ نَظَرٌ لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ عَنْ صَاحِبِ الْكَافِي مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْعِبَادَةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ لِيَظْهَرَ الِاخْتِصَاصُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ اهـ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِانْفِرَادَ نُقْصَانٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ إمَامًا) قَدَّمْنَا وَجْهَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فَعَلَ بَقِيَّةَ الْعِبَادَاتِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: الْأَصْلُ أَنَّ الْكَافِرَ مَتَى فَعَلَ عِبَادَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي سَائِرِ الْأَدْيَانِ لَا يَكُونُ بِهِ مُسْلِمًا كَالصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ الَّذِي لَيْسَ بِكَامِلٍ وَالصَّدَقَةِ. وَمَتَى فَعَلَ مَا اخْتَصَّ بِشَرْعِنَا، فَلَوْ مِنْ الْوَسَائِلِ كَالتَّيَمُّمِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ مِنْ الْمَقَاصِدِ أَوْ مِنْ الشَّعَائِرِ كَالصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ وَالْحَجِّ الْكَامِلِ وَالْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يَكُونُ بِهِ مُسْلِمًا إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ. اهـ.
أَقُولُ: ذُكِرَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ بِالْحَجِّ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا مَرَّ، ثُمَّ ذُكِرَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ إنْ حَجَّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ يَكُونُ مُسْلِمًا، وَإِنْ لَبَّى وَلَمْ يَشْهَدْ الْمَنَاسِكَ أَوْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ وَلَمْ يُلَبِّ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَشَارَ فِي الْوَهْبَانِيَّةِ إلَى ضَعْفِهَا وَإِلَيْهِ يُشِيرُ إطْلَاقُ النَّظْمِ الْآتِي وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْحَجَّ مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ شَرِيعَتِنَا حَتَّى إنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَحُجُّونَ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْحَجَّ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ الْخَاصَّةِ لَمْ يُوجَدْ فِي غَيْرِ شَرِيعَتِنَا فَصَارَ مِثْلَ الصَّلَاةِ إذَا وُجِدَتْ فِيهَا الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ السَّابِقَةُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ خَوَاصِّ شَرِيعَتِنَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، فَكَذَا الْحَجُّ الْكَامِلُ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إذَا جُعِلَتْ الثَّانِيَةُ مُفَسِّرَةً لِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الْحَجُّ الْغَيْرُ الْكَامِلِ فَتَأَمَّلْ. وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ قَاسِمٍ عَنْ خُلَاصَةِ النَّوَازِلِ لِأَبِي اللَّيْثِ قَالَ: وَكَذَا لَوْ رَآهُ يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ أَوْ يَقْرَؤُهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ مُسْلِمًا. اهـ. قُلْت: وَهَذَا أَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ لَمَّا قَالُوا لَا يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَنَظَمَهَا صَاحِبُ النَّهْرِ إلَخْ) أَيْ قُبَيْلَ بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ.
(قَوْلُهُ: صَلَّى بِاقْتِدَاءٍ) أَيْ بِجَمَاعَةٍ مُقْتَدِيًا.
(قَوْلُهُ: وَأَذَّنَ أَيْضًا) بِإِسْقَاطِ هَمْزَةِ أَيْضًا لِلضَّرُورَةِ ح، ثُمَّ إنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي النَّهْرِ غَيْرُ هَذَا الْبَيْتِ، وَنَصُّهُ:
أَوْ بِالْأَذَانِ مُعْلِنًا فِيهِ أَتَى ... أَوْ قَدْ سَجَدَ عِنْدَ سَمَاعِ مَا أَتَى
اهـ
стр. 350
وَكَافِرٌ فِي الْوَقْتِ صَلَّى بِاقْتِدَا ... مُتَمِّمًا صَلَاتَهُ لَا مُفْسِدَا
وَأَذَّنَ أَيْضًا مُعْلِنًا أَوْ زَكَّى ... سَوَائِمَا كَأَنْ سَجَدْ، تَزَكَّى
فَمُسْلِمٌ لَا بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدْ ... وَلَا الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ الْحَجَّ زِدْ
(وَهِيَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ، فَلَا نِيَابَةَ فِيهَا أَصْلًا) أَيْ لَا بِالنَّفْسِ كَمَا صَحَّتْ فِي الصَّوْمِ بِالْفِدْيَةِ لِلْفَانِي؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا
ــ
[رد المحتار]
وَمَعْنَى أَتَى الثَّانِي وَرَدَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْبَيْتُ أَحْسَنُ لِمَا فِيهِ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْأَذَانِ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ ضَمِيرَ فِيهِ عَائِدٌ عَلَى الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ أَنَّ الْمُرَادَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ، وَمِنْ إسْقَاطِ مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهَا خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَأَنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ اعْتَرَضَ عَلَى الطَّرَسُوسِيِّ فِي ذِكْرِهَا وَقَالَ لَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ بَلْ الْمَذْكُورُ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالزَّكَاةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
(قَوْلُهُ: مُعْلِنًا) الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَسْمَعَهُ مَنْ تَصِحُّ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ لَا أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى صَوْمَعَةٍ أَوْ سَطْحٍ يَسْمَعُهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ؛ وَلِذَا لَوْ كَانَ فِي السَّفَرِ صَحَّ كَمَا فِي سِيَرِ الْبَزَّازِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى الذِّمِّيِّ أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ كَانَ مُسْلِمًا سَوَاءٌ كَانَ فِي السَّفَرِ أَوْ الْحَضَرِ وَإِنْ قَالُوا سَمِعْنَاهُ يُؤَذِّنُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا حَتَّى يَقُولُوا هُوَ مُؤَذِّنٌ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ فَيَكُونُ مُسْلِمًا. اهـ. وَعَزَاهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ إلَى مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ظَاهِرُ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَادَةً لَهُ، لَكِنْ قَالَ فِي أَذَانِ الْبَحْرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْعِيسَوِيَّةِ أَمَّا غَيْرُهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بِنَفْسِ الْأَذَانِ اهـ.
قُلْت: لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ بِالْأَفْعَالِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ كَافِرٍ وَكَافِرٍ خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ ابْنُ وَهْبَانَ، فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ تَقْيِيدًا لِكَوْنِ الْأَذَانِ فِي الْوَقْتِ إسْلَامًا أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ فَقَطْ تَأَمَّلْ وَرَاجِعْ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ سَجَدْ) بِسُكُونِ الدَّالِ لِلضَّرُورَةِ أَوْ لِلْوَصْلِ بِنِيَّةِ الْوَقْفِ وَأَنْ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ كَسُجُودِهِ، وَالْمُرَادُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ ح.
(قَوْلُهُ: تَزَكَّى) تَكْمِلَةٌ لِلْوَزْنِ وَهُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ سَجَدَ: أَيْ كَسُجُودِهِ لِلتِّلَاوَةِ حَالَ كَوْنِهِ مُتَطَهِّرًا عَنْ أَرْجَاسِ الْكُفْرِ ح.
(قَوْلُهُ: فَمُسْلِمٌ) خَبَرُ كَافِرٍ ح. وَزِيدَتْ الْفَاءُ لِوُقُوعِ الْمُبْتَدَأِ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِفِعْلٍ أُرِيدَ بِهَا الْعُمُومُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَيُّ كَافِرٍ كَانَ عِيسَوِيًّا أَوْ غَيْرَهُ كَمَا قَدَّمْنَا تَقْرِيرَهُ. وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا زِيَادَةُ الْفَاءِ فِي الْخَبَرِ كَقَوْلِك: رَجُلٌ يَسْأَلُنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: مُنْفَرِدْ) بِالسُّكُونِ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ ح وَسَكَتَ عَنْ بَقِيَّةِ مُحْتَرَزَاتِ قُيُودِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَالزَّكَاةِ) أَيْ زَكَاةِ غَيْرِ السَّوَائِمِ وَعَلَى إنْشَاءِ الْبَيْتِ الثَّانِي عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْ النَّهْرِ. فَالْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ جَمِيعُ أَنْوَاعِهَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْخَانِيَّةِ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
(قَوْلُهُ: الْحَجَّ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ زِدْ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
(قَوْلُهُ: بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ) أَيْ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وَبِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ بِالْبَدَنِ وَإِنْفَاقِ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا نِيَابَةَ فِيهَا أَصْلًا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ إتْعَابُ الْبَدَنِ وَقَهْرُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَلَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ النَّائِبِ، بِخِلَافِ الْمَالِيَّةِ فَتَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ مُطْلَقًا: أَيْ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ وَالِاضْطِرَارِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ إغْنَاءِ الْفَقِيرِ وَتَنْقِيصِ الْمَالِ بِفِعْلِ النَّائِبِ، وَبِخِلَافِ الْمُرَكَّبَةِ فَتَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ حَالَةَ الْعَجْزِ نَظَرًا إلَى مَعْنَى الْمَشَقَّةِ بِتَنْقِيصِ الْمَالِ لِإِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ نَظَرًا إلَى إتْعَابِ الْبَدَنِ كَمَا قَرَّرُوهُ فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَا بِالنَّفْسِ إلَخْ) بَيَانٌ لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: فِي الْحَجِّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ صَحَّتْ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الصَّوْمِ.
(قَوْلُهُ: بِالْفِدْيَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي صَحَّتْ لِرُجُوعِهِ إلَى النِّيَابَةِ الَّتِي هِيَ مَصْدَرٌ: أَيْ كَمَا صَحَّتْ النِّيَابَةُ بِالْفِدْيَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعَلُّقُ قَوْلِهِ بِالنَّفْسِ بِقَوْلِهِ نِيَابَةُ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صِحَّةَ الْفِدْيَةِ فِي الصَّوْمِ لِلْفَانِي مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِمْرَارِ عَجْزِهِ إلَى الْمَوْتِ. فَلَوْ قُدِّرَ قَبْلَهُ قَضَى كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّوْمِ. اهـ. ح.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ الْفِدْيَةَ. وَقَوْلُهُ لَمْ يُوجَدْ: أَيْ إذْنُ الشَّرْعِ بِالْفِدْيَةِ فِي الصَّلَاةِ ح وَهَذَا تَعْلِيلٌ
стр. 351
تَجُوزُ بِإِذْنِ الشَّرْعِ وَلَمْ يُوجَدْ (سَبَبُهَا) تَرَادُفُ النِّعَمِ ثُمَّ الْخِطَابِ ثُمَّ الْوَقْتِ أَيْ (الْجُزْءُ) (الْأَوَّلُ) مِنْهُ إنْ (اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ وَإِلَّا فَمَا) أَيْ جَزْءٌ مِنْ الْوَقْتِ (يَتَّصِلُ بِهِ) الْأَدَاءُ (وَإِلَّا) يَتَّصِلُ الْأَدَاءُ بِجُزْءٍ (فَالسَّبَبُ) هُوَ (الْجُزْءُ الْأَخِيرُ) وَلَوْ نَاقِصًا، حَتَّى تَجِبَ عَلَى مَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ أَفَاقَا، وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ طَهُرَتَا
ــ
[رد المحتار]
لِعَدَمِ جَرَيَانِ النِّيَابَةِ فِي الصَّلَاةِ بِالْمَالِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَقَدْ صَحَّتْ النِّيَابَةُ فِي الصَّوْمِ بِالْفِدْيَةِ لِلشَّيْخِ الْفَانِي دُونَ الصَّلَاةِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْفِدْيَةَ فِي الصَّوْمِ إنَّمَا أَثْبَتْنَاهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ؛ وَلِذَا سَمَّاهَا الْأُصُولِيُّونَ قَضَاءً بِمِثْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُولَ قَضَاءُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ نُثْبِتْهَا فِي الصَّلَاةِ لِعَدَمِ النَّصِّ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ أَوْجَبْتُمْ الْفِدْيَةَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْإِيصَاءِ بِهَا مِنْ الْعَاجِزِ عَنْهَا، فَقَدْ أَجْرَيْتُمْ فِيهَا النِّيَابَةَ بِالْمَالِ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ فَعَلَيْهِ غَيْرُهُ لَا يُقَاسُ. قُلْت: ثُبُوتُ الْفِدْيَةِ فِي الصَّوْمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا بِالْعَجْزِ وَأَنْ لَا يَكُونَ، فَبِاعْتِبَارِ تَعْلِيلِهِ بِهِ يَصِحُّ قِيَاسُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِمَا، وَبِاعْتِبَارِ عَدَمِهِ لَا يَصِحُّ، فَلَمَّا حَصَلَ الشَّكُّ فِي الْعِلَّةِ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِي الصَّلَاةِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهَا إنْ لَمْ تُجْزِهِ تَكُونُ حَسَنَةً مَاحِيَةً لِسَيِّئَةٍ، فَالْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ أَحْوَطُ؛ وَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ تُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ لَمَا عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِالْقِيَاسِ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا أَوْضَحْنَاهُ فِي حَوَاشِينَا عَلَى شَرْحِ الْمَنَارِ لِلشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: سَبَبُهَا تَرَادُفُ النِّعَمِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ سَبَبَ الصَّلَاةِ الْحَقِيقِيَّ هُوَ تَرَادُفُ النِّعَمِ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا. وَلَمَّا كَانَتْ النِّعَمُ وَاقِعَةً فِي الْوَقْتِ جُعِلَ الْوَقْتُ سَبَبًا بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَخِطَابِهِ حَيْثُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]- فَكَانَ الْوَقْتُ هُوَ السَّبَبُ الْمُتَأَخِّرُ، وَتَمَامُ تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ الْأُصُولِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ إلَخْ) إذْ لَوْ كَانَ السَّبَبُ هُوَ الْكُلُّ لَزِمَ تَقَدُّمُ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ أَوْ وُجُوبُ الْأَدَاءِ بَعْدَ وَقْتِهِ فَتَعَيَّنَ الْبَعْضُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ أَوَّلَ الْوَقْتِ عَيْنًا لِلُزُومِ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى مَنْ صَارَ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُهَا، وَلَا آخِرِ الْوَقْتِ عَيْنًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْأَدَاءُ فِي أَوَّلِهِ لِامْتِنَاعِ التَّقَدُّمِ عَلَى السَّبَبِ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ الْجُزْءَ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْأَدَاءُ وَيَلِيهِ الشُّرُوعُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السَّبَبِ هُوَ الِاتِّصَالُ بِالْمُسَبَّبِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِابْنِ نُجَيْمٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمَا يَتَّصِلُ بِهِ) مَا هُنَا عَامَّةٌ شَامِلَةٌ لِلْجُزْءِ الْأَخِيرِ، فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَالْجُزْءُ الْأَخِيرُ تَكْرَارٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ سَبَبُهَا جُزْءٌ أَوَّلٌ اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ. وَالْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: سَبَبُهَا جُزْءٌ اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ مِنْ الْوَقْتِ وَإِلَّا فَجُمْلَتُهُ. اهـ. ح وَسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ.
(قَوْلُهُ: هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ) وَهُوَ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ عَقْدِ التَّحْرِيمَةِ فَقَطْ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ زُفَرَ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَدَاءِ فِيهِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ خِيَارَ التَّأْخِيرِ إلَى أَنْ لَا يَسَعَ إلَّا جَمِيعَ الصَّلَاةِ، حَتَّى لَوْ أَخَّرَ عَنْهُ يَأْثَمُ. اهـ. ابْنُ نُجَيْمٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ نَاقِصًا) أَيْ إذَا اتَّصَلَ الْأَدَاءُ بِآخِرِ الْوَقْتِ كَانَ هُوَ السَّبَبَ، وَلَوْ كَانَ نَاقِصًا كَوَقْتِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ فَيَصِحُّ أَدَاءُ الْعَصْرِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اتَّصَلَ الْأَدَاءُ فِيهِ صَارَ هُوَ السَّبَبَ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَدَائِهِ فَيَكُونُ أَدَاؤُهُ كَمَا وَجَبَ بِخِلَافِ عَصْرِ أَمْسِهِ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: حَتَّى تَجِبُ) بِالرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَالسَّبَبُ هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ.
(قَوْلُهُ: أَفَاقَا) أَيْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَلَوْ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا. الثَّلَاثَةِ، خِلَافًا لِزُفَرَ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ لِابْنِ أَمِيرٍ حَاجٍّ: أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ لِاحْتِيَاجِهِمَا إلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّ الْجُنُونَ أَوْ الْإِغْمَاءَ يَنْقُضُهُ وَلَيْسَ فِي الْوَقْتِ مَا يَسَعُهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَفَاقَا وَفِي الْوَقْتِ مَا يَسَعُ أَكْثَرَ مِنْ التَّحْرِيمَةِ تَجِبُ عَلَيْهِمَا صَلَاتُهُ بِالْأَوْلَى، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمَا صَلَاتُهُ كَمَا مَرَّ فِي الْحَيْضِ إذَا انْقَطَعَ لِلْعَشَرَةِ. قَالَ ح: وَهَذَا إذَا زَادَ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ عَلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِمَا صَلَاةُ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ بَلْ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: طَهُرَتَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارَ مَا يَسَعُ
стр. 352
وَصَبِيٍّ بَلَغَ، وَمُرْتَدٍّ أَسْلَمَ وَإِنْ صَلَّيَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ (وَبَعْدَ خُرُوجِهِ يُضَافُ) السَّبَبُ (إلَى جُمْلَتِهِ) لِيَثْبُتَ الْوَاجِبُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَإِنَّهُ الْأَصْلُ حَتَّى يَلْزَمَهُمْ الْقَضَاءُ فِي كَامِلٍ هُوَ الصَّحِيحُ.
(وَقْتُ) صَلَاةِ (الْفَجْرِ) قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي طَرَفَيْهِ، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّاهُ آدَم
ــ
[رد المحتار]
التَّحْرِيمَةَ إذَا كَانَ الِانْقِطَاعُ عَلَى الْعَشَرَةِ أَوْ الْأَرْبَعِينَ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ وَالْبَاقِي قَدْرَ الْغُسْلِ مَعَ مُقَدِّمَاتِهِ كَالِاسْتِقَاءِ وَخَلْعِ الثَّوْبِ وَالتَّسَتُّرِ عَنْ الْأَعْيُنِ وَالتَّحْرِيمَةِ فَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَإِلَّا فَلَا. اهـ. شَرْحُ التَّحْرِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَصَبِيٍّ بَلَغَ) أَيْ وَكَانَ بَيْنَ بُلُوغِهِ وَآخِرِ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْحَائِضِ الَّتِي طَهُرَتْ عَلَى الْعَشَرَةِ ح.
(قَوْلُهُ: وَمُرْتَدٍّ أَسْلَمَ) أَيْ إذَا كَانَ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَآخِرِ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ كَمَا فِي الْحَائِضِ الْمَذْكُورَةِ، وَحُكْمُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ وَإِنْ صَلَّيَا أَوَّلَ الْوَقْتِ. وَصُورَتُهَا فِي الْمُرْتَدِّ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوَّلَ الْوَقْتِ فَيُصَلِّيَ الْفَرْضَ ثُمَّ يَرْتَدَّ ثُمَّ يُسْلِمَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ ح.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ صَلَّيَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ) يَعْنِي أَنَّ صَلَاتَهُمَا فِي أَوَّلِهِ لَا تُسْقِطُ عَنْهُمَا الطَّلَبَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. أَمَّا فِي الصَّبِيِّ فَلِكَوْنِهَا نَفْلًا، وَأَمَّا فِي الْمُرْتَدِّ فَلِحُبُوطِهَا بِالِارْتِدَادِ ح. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ: غُلَامٌ صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ احْتَلَمَ وَلَمْ يَنْتَبِهْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْعِشَاءِ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَإِنْ انْتَبَهَ قَبْلَهُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْعِشَاءِ إجْمَاعًا، وَهِيَ وَاقِعَةُ مُحَمَّدٍ سَأَلَهَا أَبَا حَنِيفَةَ فَأَجَابَهُ بِمَا قُلْنَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبَعْدَ خُرُوجِهِ) أَيْ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِلَا صَلَاةٍ.
(قَوْلُهُ: لِيَثْبُتَ الْوَاجِبُ إلَخْ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُضَفْ إلَى جُمْلَةِ الْوَقْتِ وَقُلْنَا بِتَعَيُّنِ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ لِلسَّبَبِيَّةِ لَزِمَ ثُبُوتُ الْوَاجِبِ بِصِفَةِ النَّقْصِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ الْأَصْلُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَهَمْزَةُ إنَّ مَكْسُورَةٌ ح وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى ثُبُوتِ الْوَاجِبِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى كَوْنِ السَّبَبِ هُوَ جُمْلَةُ الْوَقْتِ ط.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَلْزَمَهُمْ) أَيْ الْمَجْنُونَ وَمَنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ، وَكَذَا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ خَرَجَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ) مُقَابِلُهُ مَا قِيلَ إنَّ الْمَجْنُونَ وَنَحْوَهُ لَوْ أَفَاقَ أَوْ طَهُرَ أَوْ أَسْلَمَ فِي نَاقِصٍ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ النَّاقِصُ هُوَ السَّبَبُ فِي حَقِّهِمْ، لِتَعَذُّرِ إضَافَةِ السَّبَبِ إلَى جُمْلَةِ الْوَقْتِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمْ لِلْوُجُوبِ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ فَيَجُوزُ لَهُمْ الْقَضَاءُ فِي نَاقِصٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ وَجَبَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا نُقْصَانَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَدَاءِ فِيهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِعَبَدَةِ الشَّمْسِ كَمَا حَقَّقَهُ فِي التَّحْرِيرِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي طَرَفَيْهِ) أَيْ الطَّرَفَيْنِ الْآتِيَيْنِ: قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: نَعَمْ فِي كَوْنِ الْعِبْرَةِ بِأَوَّلِ طُلُوعِهِ أَوْ اسْتِطَارَتِهِ أَوْ انْتِشَارِهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ. وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى عَنْ شَرْحِ السَّرَخْسِيِّ عَلَى الْكَافِي وَذُكِرَ فِيهَا أَنَّ الْأَوَّلَ أَحْوَطُ وَالثَّانِيَ أَوْسَعُ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالظَّاهِرُ الْأَخِيرُ لِتَعْرِيفِهِمْ الْفَجْرَ الصَّادِقَ بِهِ كَمَا يَأْتِي. وَرَدَّهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلَ، لِمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْبَابِ «ثُمَّ صَلَّى بِي الْفَجْرَ» يَعْنِي فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ «حِينَ بَرَقَ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ» وَبَرَقَ: بِمَعْنَى بَزَغَ، وَهُوَ أَوَّلُ طُلُوعِهِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ. وَزَادَ: وَلَا يُنَافِيهِ التَّعْرِيفُ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ الِانْتِشَارَ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى انْتِشَارِهِ بِأَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُضِيِّ جَانِبٍ مِنْهُ بِدَلِيلِ لَفْظِ الْحَدِيثِ. قَالَ ح: وَأَظُنُّ أَنَّ الِاسْتِطَارَةَ وَالِانْتِشَارَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي فَهُمَا قَوْلَانِ لَا ثَلَاثَةٌ. اهـ.
وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ أَصْلُ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُرَادِ مِنْ الطُّلُوعِ. وَأَمَّا عَدَمُ الْخِلَافِ فِي آخِرِهِ فَلَمَّا صَرَّحَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ أَنَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا عَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، مِنْ أَنَّهُ إذَا أَسْفَرَ الْفَجْرُ يَخْرُجُ الْوَقْتُ وَتَصِيرُ الصَّلَاةُ بَعْدَهُ إلَى الطُّلُوعِ قَضَاءً. اهـ.
وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْقُهُسْتَانِيِّ: إنَّ نَفْيَ الْخِلَافِ فِي الطَّرَفَيْنِ مِنْ عَدَمِ التَّتَبُّعِ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّاهُ آدَم) أَيْ حِينَ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ وَجَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَلَمْ يَكُنْ رَآهُ قَبْلُ فَخَافَ، فَلَمَّا انْشَقَّ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى
стр. 353
وَأَوَّلُ الْخَمْسِ وُجُوبًا، وَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ الظُّهْرَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُهَا ظُهُورًا وَبَيَانًا، وَلَا يَخْفَى تَوَقُّفُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَى الْعِلْمِ بِالْكَيْفِيَّةِ فَلِذَا لَمْ يَقْضِ نَبِيُّنَا ﷺ الْفَجْرَ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، ثُمَّ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ أَحَدٍ؟ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا لَا، بَلْ كَانَ يَعْمَلُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الْكَشْفِ الصَّادِقِ مِنْ شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ. وَصَحَّ تَعَبُّدُهُ فِي حِرَاءٍ بَحْرٌ
ــ
[رد المحتار]
فَلِذَا قَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ عِنَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ الْخَمْسِ وُجُوبًا) قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَوَّلَهَا وُجُوبًا الْعِشَاءُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَالْإِسْرَاءُ كَانَ لَيْلًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَوَّلُهَا ظُهُورًا) أَيْ أَوَّلُ الْخَمْسِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ إمَامَةَ جِبْرِيلَ إنَّمَا كَانَتْ فِي الظُّهْرِ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ: وَأَنَّ إمَامَتَهُ لَهُ فِي الصُّبْحِ كَانَتْ فِي غَيْرِ صَبِيحَتِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا الْبُدَاءَةُ بِالظُّهْرِ كَمَا فِي أَبِي السُّعُودِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ. حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّبْحَ إذَا كَانَ أَوَّلُ الْخَمْسِ وُجُوبًا فَكَيْفَ تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ لَيْلًا.
وَبَيَانُ الْجَوَابِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْكَيْفِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ يُفِيدُ الِابْتِلَاءَ بِاعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بَعْدَ الْبَيَانِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْوُجُوبِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ، وَنَظِيرُهُ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى الْمَعْذُورِ بِلَا وُجُوبِ أَدَاءً. وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ نَائِمًا وَلَا وُجُوبَ عَلَى النَّائِمِ، فَفِي النَّهْرِ أَنَّهُ مَرْدُودٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمَعْذُورَ بِنَوْمٍ وَنَحْوِهِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ. اهـ.
[فَرْعٌ] لَا يَجِبُ انْتِبَاهُ النَّائِمِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَيَجِبُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، نَقَلَهُ الْبِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ، وَقَالَ: وَلَمْ نَرَهُ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ فَاغْتَنِمْهُ اهـ.
قُلْت: لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ عَلَى النَّائِمِ اتِّفَاقًا فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِبَاهُ: رَوَى مُسْلِمٌ فِي قِصَّةِ التَّعْرِيسِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّمَا التَّفْرِيطُ أَنْ تُؤَخَّرَ صَلَاةٌ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى» " وَأَصْلُ النُّسْخَةِ التَّنْبِيهُ بَدَلَ الِانْتِبَاهِ، وَسَنَذْكُرُ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ مَا أَخَّرَ صَلَاةً عَنْ وَقْتِهَا وَقَدْ نَامَ فَقَضَاهَا، قِيلَ لَا يَحْنَثُ وَاسْتَظْهَرَهُ الْبَاقَانِيُّ، لَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ نَامَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَانْتَبَهَ بَعْدَهُ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَ نَامَ بَعْدَ دُخُولِهِ حَنِثَ اهـ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ بِنَوْمِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا يَكُونُ مُؤَخِّرًا وَعَلَيْهِ فَلَا يَأْثَمُ وَإِذَا لَمْ يَأْثَمْ لَا يَجِبُ انْتِبَاهُهُ إذْ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ مُؤَخِّرًا لَهَا وَآثِمًا، بِخِلَافِ مَا إذَا نَامَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي الْبِيرِيِّ عَلَيْهِ. مَطْلَبٌ فِي تَعَبُّدِهِ ﵊ قَبْلَ الْبَعْثَةِ.
(قَوْلُهُ: مُتَعَبِّدًا) بِكَسْرِ الْبَاءِ. فِي الْقَامُوسِ: تَعَبَّدَ تَنَسَّكَ. اهـ. ح. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ أَيْ مُكَلَّفًا أَنَّهُ بِالْفَتْحِ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ يَقْتَضِي الْأَمْرَ، وَالْكَلَامُ فِيمَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا لَا) نَسَبَهُ فِي التَّقْرِيرِ الْأَكْمَلِيِّ إلَى مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا قَالَ: لِأَنَّهُ ﵊ قَبْلَ الرِّسَالَةِ فِي مَقَامِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أُمَّةِ نَبِيٍّ قَطُّ إلَخْ، وَعَزَاهُ فِي النَّهْرِ أَيْضًا إلَى الْجُمْهُورِ وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي التَّحْرِيرِ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ يَعْنِي لَا عَلَى الْخُصُوصِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَقَدَّمْنَا تَمَامَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ تَعَبُّدُهُ فِي حِرَاءٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ يُصْرَفُ وَيُمْنَعُ مِنْ الصَّرْفِ، وَحُكِيَ فِيهِ الْفَتْحُ وَالْقَصْرُ وَكَذَلِكَ حُكْمُ قُبَاءَ وَنَظَمَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
حِرَا وَقُبَا ذَكِّرْ وَأَنِّثْهُمَا مَعًا ... وَمُدَّ أَوْ اقْصِرْ وَاصْرِفَنَّ وَامْنَعْ الصَّرْفَا
. وَهُوَ جَبَلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ. قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ: وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ " أَنَّهُ ﵊ -
стр. 354
(مِنْ) أَوَّلِ (طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُنْتَشِرُ الْمُسْتَطِيرُ لَا الْمُسْتَطِيلُ (إلَى) قُبَيْلِ (طُلُوعِ ذُكَاءَ) بِالضَّمِّ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ اسْمُ الشَّمْسِ.
(وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنْ زَوَالِهِ) أَيْ مَيْلِ ذُكَاءَ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ (إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ) وَعَنْهُ مِثْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَزُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ: وَبِهِ نَأْخُذُ. وَفِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ: وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ. وَفِي الْبُرْهَانِ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. لِبَيَانِ جِبْرِيلَ. وَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَابِ. وَفِي الْفَيْضِ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَبِهِ يُفْتَى (سِوَى فَيْءٍ)
ــ
[رد المحتار]
كَانَ يَخْرُجُ إلَى حِرَاءٍ فِي كُلِّ عَامٍ شَهْرًا يَتَنَسَّكُ فِيهِ " قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا التَّعَبُّدَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الِانْعِزَالِ عَنْ النَّاسِ وَالِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ وَالْأَفْكَارِ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: كَانَتْ عِبَادَتُهُ ﵊ فِي حِرَاءٍ التَّفْكِيرَ، اهـ مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: مِنْ أَوَّلِ طُلُوعِ إلَخْ) زَادَ لَفْظَ أَوَّلِ اخْتِيَارًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَيَاضُ إلَخْ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَاللَّفْظُ لَهُ «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ وَلَكِنْ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ» " فَالْمُعْتَبَرُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ وَهُوَ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ: أَيْ الَّذِي يَنْتَشِرُ ضَوْءُهُ فِي أَطْرَافِ السَّمَاءِ لَا الْكَاذِبُ وَهُوَ الْمُسْتَطِيلُ الَّذِي يَبْدُو طَوِيلًا فِي السَّمَاءِ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ أَيْ الذِّئْبِ ثُمَّ يَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ.
[فَائِدَةٌ] ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ الْكَامِلِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى رِسَالَةِ الأسطرلاب لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةِ الْمُحَقِّقِ عَلِيٍّ أَفَنْدِي الدَّاغِسْتَانِيِّ أَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْفَجْرَيْنِ وَكَذَا بَيْنَ الشَّفَقَيْنِ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ إنَّمَا هُوَ بِثَلَاثِ دُرَجٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: إلَى قُبَيْلِ) كَذَا أَقْحَمَهُ فِي النَّهْرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى دُخُولِ الْغَايَةِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ عَدَمُهُ لِكَوْنِهَا غَايَةَ مَدٍّ كَمَا سَبَقَ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ. اهـ. إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ: بِالضَّمِّ) أَيْ وَبِالْمَدِّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ح.
(قَوْلُهُ مِنْ زَوَالِهِ) الْأَوْلَى مِنْ زَوَالِهَا ط.
(قَوْلُهُ: عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ) أَيْ وَسَطِهَا بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَنَا ط.
(قَوْلُهُ: إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ) هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ نِهَايَةٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ بَدَائِعُ وَمُحِيطٌ وَيَنَابِيعُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ غِيَاثِيَّةٌ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ وَعَوَّلَ عَلَيْهِ النَّسَفِيُّ وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ تَصْحِيحَ قَاسِمٍ وَاخْتَارَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ، وَارْتَضَاهُ الشَّارِحُونَ، فَقَوْلُ الطَّحَاوِيِّ وَبِقَوْلِهِمَا نَأْخُذُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَمَا فِي الْفَيْضِ مِنْ أَنَّهُ يُفْتَى بِقَوْلِهِمَا فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ مُسَلَّمٌ فِي الْعِشَاءِ فَقَطْ عَلَى مَا فِيهِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِمَامِ ح. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ بِالْمِثْلِ يَخْرُجُ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ إلَّا بِالْمِثْلَيْنِ ذَكَرَهَا الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهَا فَمَا بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْمِثْلَيْنِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ.
(قَوْلُهُ: مِثْلَهُ) مَنْصُوبٌ بِبُلُوغِ الْمُقَدَّرِ وَالتَّقْدِيرُ وَعَنْ الْإِمَامِ إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَهُ ح.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَابِ) فِيهِ أَنَّ الْأَدِلَّةَ تَكَافَأَتْ وَلَمْ يَظْهَرْ ضَعْفُ دَلِيلِ الْإِمَامِ، بَلْ أَدِلَّتُهُ قَوِيَّةٌ أَيْضًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مُرَاجَعَةِ الْمُطَوَّلَاتِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَقَدْ قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَا يُعْدَلُ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِهِمَا أَوْ قَوْلِ أَحَدِهِمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ مِنْ ضَعْفِ دَلِيلٍ أَوْ تَعَامُلٍ، بِخِلَافِهِ كَالْمُزَارَعَةِ وَإِنْ صَرَّحَ الْمَشَايِخُ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ) أَيْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْبِلَادِ، وَالْأَحْسَنُ مَا فِي السِّرَاجِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إلَى الْمِثْلِ، وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ الْعَصْرَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمِثْلَيْنِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ، وَانْظُرْ هَلْ إذَا لَزِمَ مِنْ تَأْخِيرِهِ الْعَصْرَ إلَى الْمِثْلَيْنِ فَوْتُ الْجَمَاعَةِ يَكُونُ الْأَوْلَى التَّأْخِيرَ أَمْ لَا، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ بَلْ يَلْزَمُ لِمَنْ اعْتَقَدَ رُجْحَانَ قَوْلِ الْإِمَامِ تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ نَاقِلًا عَنْ بَعْضِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامُ مَحَلَّتِهِ يُصَلِّي الْعِشَاءَ قَبْلَ غِيَابِ الشَّفَقِ الْأَبْيَضِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَحْدَهُ بَعْدَ الْبَيَاضِ.
(قَوْلُهُ: سِوَى فَيْءٍ) بِوَزْنِ شَيْءٍ: وَهُوَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ، سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فَاءَ أَيْ رَجَعَ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ، وَمَا قَبْلَ الزَّوَالِ إنَّمَا يُسَمَّى ظِلًّا، وَقَدْ يُسَمَّى بِهِ مَا بَعْدَهُ أَيْضًا وَلَا يُسَمَّى
стр. 355
يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ قُبَيْلَ (الزَّوَالِ) وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُغْرَزُ اعْتَبَرَ بِقَامَتِهِ وَهِيَ سِتَّةُ أَقْدَامٍ بِقَدَمِهِ مِنْ طَرَفِ إبْهَامِهِ.
(وَوَقْتُ الْعَصْرِ مِنْهُ إلَى) قُبَيْلِ (الْغُرُوبِ) فَلَوْ غَرَبَتْ ثُمَّ عَادَتْ هَلْ يَعُودُ الْوَقْتُ بِالظَّاهِرِ، نَعَمْ
ــ
[رد المحتار]
مَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَيْئًا أَصْلًا سِرَاجٌ وَنَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ قُبَيْلَ الزَّوَالِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ إضَافَةَ الْفَيْءِ إلَى الزَّوَالِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ لِحُصُولِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ فَلَا تُعَدُّ إضَافَتُهُ إلَيْهِ تَسَامُحًا دُرَرٌ، أَيْ خِلَافًا لِشَرْحِ الْمَجْمَعِ مِنْ أَنَّهَا تَسَامُحٌ، وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ؛ لِأَنَّ التَّسَامُحَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لَا لِعَلَاقَةٍ، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ مَجَازٌ فِي الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّ الْفَيْءَ إنَّمَا يُسْنَدُ حَقِيقَةً لِلْأَشْيَاءِ كَالشَّاخِصِ وَنَحْوِهِ لَا لِلزَّوَالِ.
قُلْت: لَكِنْ يَرِدُ أَنَّ الظِّلَّ لَا يُسَمَّى فَيْئًا إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا عَلِمْت، وَبِهِ اعْتَرَضَ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى التَّعْبِيرِ بِفَيْءِ الزَّوَالِ أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ عَنْ الظِّلِّ، وَإِسْنَادُهُ إلَى الزَّوَالِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ كَمَا عَلِمْت لَا لُغَوِيٌّ أَيْضًا. وَلَا تَسَامُحَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اسْتِعْمَالُ كَلِمَةٍ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ الْقُهُسْتَانِيِّ حَيْثُ جَعَلَ فِي الْكَلَامِ مَجَازَيْنِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) أَيْ طُولًا وَقِصَرًا وَانْعِدَامًا بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا أَوْضَحَهُ ح.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُغْرَزُ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ وَجَدَ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَنْتَظِرُ الظِّلَّ مَا دَامَ مُتَرَاجِعًا إلَى الْخَشَبَةِ فَإِذَا أَخَذَ فِي الزِّيَادَةِ حِفْظَ الظِّلِّ الَّذِي قَبْلَهَا فَهُوَ ظِلُّ الزَّوَالِ ح: وَعَنْ مُحَمَّدٍ: يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَمَا دَامَتْ الشَّمْسُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْسَرِ فَالشَّمْسُ لَمْ تَزُلْ وَإِنْ صَارَتْ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ فَقَدْ زَالَتْ، وَعَزَاهُ فِي الْمِفْتَاحِ إلَى الْإِيضَاحِ قَائِلًا إنَّهُ أَيْسَرُ مِمَّا سَبَقَ عَنْ الْمَبْسُوطِ مِنْ غَرْزِ الْخَشَبَةِ إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ: اعْتَبَرَ بِقَامَتِهِ) أَيْ بِأَنْ يَقِفَ مُعْتَدِلًا فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ حَاسِرًا عَنْ رَأْسِهِ خَالِعًا نَعْلَيْهِ مُسْتَقْبِلًا لِلشَّمْسِ أَوْ لِظِلِّهِ وَيَحْفَظُ ظِلَّ الزَّوَالِ كَمَا مَرَّ، ثُمَّ يَقِفُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَيَأْمُرُ مَنْ يُعَلِّمُ لَهُ عَلَى مُنْتَهَى ظِلِّهِ عَلَامَةً، فَإِذَا بَلَغَ الظِّلُّ طُولَ الْقَامَةِ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَإِنْ لَمْ يُعَلِّمْ عَلَامَةً يَكِيلُ بَدَلَهَا سِتَّةَ أَقْدَامٍ وَنِصْفًا بِقَدَمِهِ وَقِيلَ سَبْعَةً.
(قَوْلُهُ: مِنْ طَرَفِ إبْهَامِهِ) حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ بِقَدَمِهِ، أَشَارَ بِهِ إلَى الْجَمِيعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ إنَّ قَامَةَ كُلِّ إنْسَانٍ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٌ بِقَدَمِهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ: سَبْعَةُ أَقْدَامٍ: قَالَ الزَّاهِدِيُّ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُعْتَبَرَ سَبْعَةُ أَقْدَامٍ مِنْ طَرَفِ سَمْتِ السَّاقِ وَسِتَّةٌ وَنِصْفٌ مِنْ طَرَفِ الْإِبْهَامِ، وَإلَيْهِ أَشَارَ الْبَقَّالِيُّ. اهـ. حِلْيَةٌ:
أَقُولُ: بَيَانُهُ إذَا وَقَفَ الْوَاقِفُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ نَقَلَ الْيُمْنَى وَوَضَعَ عَقِبَهَا عِنْدَ طَرَفِ إبْهَامِ الْيُسْرَى ثُمَّ نَقَلَ الْيُسْرَى كَذَلِكَ وَهَكَذَا سِتَّ مَرَّاتٍ، فَإِنْ بَدَأَ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ طَرَفِ سَمْتِ السَّاقِ، يَعْنِي مِنْ طَرَفِ عَقِبِ الْيُسْرَى الَّتِي كَانَ وَاقِفًا عَلَيْهَا أَوَّلًا كَانَ سَبْعَةَ أَقْدَامٍ، وَإِنْ بَدَأَ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ طَرَفِ إبْهَامِهَا كَانَ سِتَّةَ أَقْدَامٍ وَنِصْفَ قَدَمٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَخْذُ طُولِ ارْتِفَاعِ الْقَامَةِ، وَمَبْدَأُ ارْتِفَاعِهَا مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ نِصْفِ الْقَدَمِ وَمِنْ جِهَةِ الْقَفَا عِنْدَ طَرَفِ الْعَقِبِ، فَمَنْ لَاحَظَ الْأَوَّلَ اعْتَبَرَ نِصْفَ الْقَدَمِ الَّتِي كَانَ وَاقِفًا عَلَيْهَا وَقَدْرَ الْقَامَةِ بِسِتَّةِ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ وَمَنْ لَاحَظَ الثَّانِيَ اعْتَبَرَ الْقَدَمَ الْمَذْكُورَةَ بِتَمَامِهَا وَقَدَّرَ بِسَبْعَةٍ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ وَاحِدٌ، وَهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا رَأَيْته فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمِيقَاتِ. وَحَاصِلُهُ إنْ حَسَبَ كُلَّ الْقَدَمِ الَّتِي كَانَ وَاقِفًا عَلَيْهَا كَانَ سَبْعَةَ أَقْدَامٍ، وَإِنْ حَسَبَ نِصْفَهَا كَانَ سِتَّةَ أَقْدَامٍ وَنِصْفًا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: مِنْهُ) أَيْ مِنْ بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ عَلَى رِوَايَةِ الْمَتْنِ. مَطْلَبُ لَوْ رُدَّتْ الشَّمْسُ بَعْدَ غُرُوبِهَا.
(قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ نَعَمْ) بَحْثٌ لِصَاحِبِ النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ: ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْوَقْتَ يَعُودُ «؛ لِأَنَّهُ ﵊ نَامَ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ ﵁ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِك وَطَاعَةِ رَسُولِك فَارْدُدْهَا عَلَيْهِ، فَرُدَّتْ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ» وَكَانَ ذَلِكَ بِخَيْبَرَ، وَالْحَدِيثُ صَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ
следующие страницы →