Полный текст (4 257 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَعَمَّ كَلَامُهُ الْمُبْتَدَأَةَ وَالْمُعْتَادَةَ. وَمَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا وَتُسَمَّى الْمُحَيَّرَةَ وَالْمُضَلَّةَ؛ وَإِضْلَالُهَا إمَّا بِعَدَدٍ أَوْ بِمَكَانٍ
ــ
[رد المحتار]
مَبْحَثٌ فِي مَسَائِلِ الْمُتَحَيِّرَةِ (قَوْلُهُ وَعَمَّ كَلَامُهُ الْمُبْتَدَأَةَ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْكَوِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي الْحَيْضِ: الْمُبْتَدَأَةُ مَنْ كَانَتْ فِي أَوَّلِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ. وَالْمُعْتَادَةُ: مَنْ سَبَقَ مِنْهَا دَمٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا. وَالْمُضَلَّةُ وَتُسَمَّى الضَّالَّةُ وَالْمُتَحَيِّرَةُ: مَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا، ثُمَّ قَالَ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ فِي الِاسْتِمْرَارِ: إذَا وَقَعَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ فَحَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ عَشْرَةٌ وَطُهْرُهَا عِشْرُونَ، ثُمَّ ذَلِكَ دَأْبُهَا وَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ ثُمَّ عِشْرُونَ طُهْرُهَا إذْ لَا يَتَوَالَى نِفَاسٌ وَحَيْضٌ، ثُمَّ عَشْرَةٌ حَيْضُهَا ثُمَّ ذَلِكَ دَأْبُهَا، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمُعْتَادَةِ فَطُهْرُهَا وَحَيْضُهَا مَا اعْتَادَتْ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إنْ كَانَ طُهْرُهَا أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَإِلَّا فَتُرَدُّ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً وَحَيْضُهَا بِحَالِهِ، وَإِنْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ دَمًا وَطُهْرًا صَحِيحَيْنِ ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ تَكُونُ مُعْتَادَةً وَعَلِمْت حُكْمَهَا. مِثَالُهُ: مُرَاهِقَةٌ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا وَأَرْبَعِينَ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ حَيْضٌ لَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ وَلَا تُوطَأُ وَكَذَا سَائِرُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ، ثُمَّ الْأَرْبَعُونَ طُهْرُهَا، تَفْعَلُ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ أَحْكَامِ الطَّهَارَاتِ. ثُمَّ قَالَ فِي فَصْلِ الْمُتَحَيِّرَةِ: وَلَا يُقَدَّرُ طُهْرُهَا وَحَيْضُهَا إلَّا فِي حَقِّ الْعِدَّةِ فِي الطَّلَاقِ، فَيُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِعَشْرَةٍ وَطُهْرُهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً، فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَعَشْرَةِ أَيَّامٍ غَيْرِ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ إذَا اسْتَمَرَّ دَمُهَا فَحَيْضُهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ عَشْرَةٌ وَطُهْرُهَا عِشْرُونَ كَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، بَلْ نَقَلَ نُوحٌ أَفَنْدِي الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِمَا فِي الْإِمْدَادِ مِنْ أَنَّ طُهْرَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْمُعْتَادَةُ تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا فِي الطُّهْرِ مَا لَمْ يَكُنْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ غَيْرَ سَاعَةٍ كَالْمُتَحَيِّرَةِ فِي حَقِّ الْعِدَّةِ فَقَطْ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْمَيْدَانِيِّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ فَتُرَدُّ إلَى شَهْرَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ. وَظَهَرَ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالشَّهْرَيْنِ أَوْ بِالسِّتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً خَاصٌّ بِالْمُتَحَيِّرَةِ وَالْمُعْتَادَةِ الَّتِي طُهْرُهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ. أَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ وَالْمُعْتَادَةُ الَّتِي طُهْرُهَا دُونَ ذَلِكَ فَلَيْسَا كَذَلِكَ. وَأَنَّ تَقْدِيرَ الطُّهْرِ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ لِأَجْلِ الْعِدَّةِ فَقَطْ. وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَمْ يُقَيِّدُوا طُهْرَهَا بِكَوْنِهِ لِلْعِدَّةِ، بَلْ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْمُعْتَادَةِ أَنَّ طُهْرَهَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ فَافْهَمْ.
[تَتِمَّةٌ] لَمْ أَرَ مَا لَوْ رَأَتْ الْمُتَحَيِّرَةُ فِي الْعِدَدِ وَالْمَكَانِ أَقَلَّ الطُّهْرِ ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهَا فِي الِاسْتِمْرَارِ حُكْمُ الْمُبْتَدَأَةِ (قَوْلُهُ إمَّا بِعِدَدٍ) أَيْ عِدَدِ أَيَّامِهَا فِي الْحَيْضِ مَعَ عِلْمِهَا بِمَكَانِهَا مِنْ الشَّهْرِ أَنَّهَا فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ مَثَلًا. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَإِنْ عَلِمْت أَنَّهَا تَطْهُرُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ وَلَمْ تَدْرِ عَدَدَ أَيَّامِهَا تَوَضَّأَتْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى الْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهَا تَتَيَقَّنُ الطُّهْرَ فِيهَا ثُمَّ فِي سَبْعَةٍ بَعْدَهَا تَتَوَضَّأُ كَذَلِكَ لِلشَّكِّ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ لِتَيَقُّنِهَا بِالْحَيْضِ فِيهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ لِعِلْمِهَا بِالْخُرُوجِ مِنْ الْحَيْضِ فِيهِ، وَإِنْ عَلِمْت أَنَّهَا تَرَى الدَّمَ إذَا جَاوَزَ الْعِشْرِينَ وَلَمْ تَدْرِ كَمْ كَانَتْ أَيَّامُهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ ثَلَاثَةً بَعْدَ الْعِشْرِينَ ثُمَّ تُصَلِّي بِالْغُسْلِ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ.
اهـ وَمِثْلُهُ فِي رِسَالَةِ الْبِرْكَوِيِّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَوْ بِمَكَانٍ) أَيْ عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَنَسِيَتْ مَكَانَهَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهَا إذَا أَضَلَّتْ أَيَّامَهَا فِي ضِعْفِهَا أَوْ أَكْثَرَ فَلَا تَيَقُّنَ فِي يَوْمٍ مِنْهَا بِحَيْضٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَضَلَّتْ فِي أَقَلَّ مِنْ الضِّعْفِ؛ مَثَلًا إذَا أَضَلَّتْ ثَلَاثَةً فِي خَمْسَةٍ تَتَيَقَّنُ بِالْحَيْضِ فِي الثَّالِثِ فَإِنَّهُ أَوَّلُ الْحَيْضِ أَوْ آخِرُهُ.
стр. 282
أَوْ بِهِمَا، كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ وَالْحَاوِي وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تَتَحَرَّى، وَمَتَى تَرَدَّدَتْ بَيْنَ حَيْضٍ وَدُخُولٍ فِيهِ وَطُهْرٍ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنْ بَيْنَهُمَا وَالدُّخُولِ فِيهِ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ
ــ
[رد المحتار]
فَنَقُولُ: إنْ عَلِمَتْ أَنَّ أَيَّامَهَا ثَلَاثَةٌ فَأَضَلَّتْهَا فِي الْعَشَرَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الشَّهْرِ وَلَا تَدْرِي فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْعَشَرَةِ وَلَا رَأْيَ لَهَا فِي ذَلِكَ تُصَلِّي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الْعَشَرَةِ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ ثُمَّ تُصَلِّي بَعْدَهَا إلَى آخِرِ الشَّهْرِ بِالْغُسْلِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْحَيْضِ وَإِنْ أَرْبَعَةً فِي عَشْرَةٍ تُصَلِّي أَرْبَعَةً مِنْ أَوَّلِ الْعَشَرَةِ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ بِالِاغْتِسَالِ إلَى آخِرِ الْعَشَرَةِ لِمَا قُلْنَا وَقِسْ عَلَيْهِ الْخَمْسَةَ؛ وَإِنْ سِتَّةً فِي عَشْرَةٍ تَتَيَقَّنُ بِالْحَيْضِ فِي الْخَامِسِ وَالسَّادِسِ، فَتَتْرُكُ فِيهِمَا الصَّلَاةَ وَتُصَلِّي فِي الْأَرْبَعَةِ الَّتِي قَبْلَهُمَا بِالْوُضُوءِ وَفِي الَّتِي بَعْدَهُمَا بِالْغُسْلِ، وَإِنْ سَبْعَةً فِي عَشْرَةٍ تَتَيَقَّنُ بِالْحَيْضِ فِي أَرْبَعَةٍ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ؛ وَإِنْ ثَمَانِيَةً فِيهَا تَتَيَقَّنُ بِهِ فِي سِتَّةٍ بَعْدَ الْأَوَّلَيْنِ.
وَإِنْ تِسْعَةً فِيهَا تَتَيَقَّنُ بِهِ فِي ثَمَانِيَةٍ بَعْدَ الْأَوَّلِ، فَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِي الْمُتَيَقَّنِ وَتُصَلِّي بِالْوُضُوءِ فِيمَا قَبْلَهُ وَبِالْغُسْلِ فِيمَا بَعْدَهُ لِمَا قُلْنَا بِرْكَوِيٌّ وتتارخانية (قَوْلُهُ أَوْ بِهِمَا) أَيْ الْعِدَدِ وَالْمَكَانِ، بِأَنْ لَمْ تَعْلَمْ عَدَدَ أَيَّامِهَا وَلَا مَكَانَهَا مِنْ الشَّهْرِ، وَحُكْمُهَا مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ وَحَاصِلُهُ إلَخْ) أَيْ حَاصِلُ حُكْمِ الْمُضَلَّةِ بِأَنْوَاعِهَا فَقَدْ صَرَّحَ الْبِرْكَوِيُّ بِأَنَّهُ حُكْمُ الْإِضْلَالِ الْعَامِّ (قَوْلُهُ أَنَّهَا تَتَحَرَّى) أَيْ إنْ وَقَعَ تَحَرِّيهَا عَلَى طُهْرٍ تُعْطَى حُكْمَ الطَّاهِرَاتِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى حَيْضٍ تُعْطَى حُكْمَهُ. اهـ ح أَيْ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ دُرَرٌ (قَوْلُهُ وَمَتَى تَرَدَّدَتْ) أَيْ إنْ لَمْ يَغْلِبْ ظَنُّهَا عَلَى شَيْءٍ فَعَلَيْهَا الْأَخْذُ بِالْأَحْوَطِ فِي الْأَحْكَامِ بِرْكَوِيٌّ (قَوْلُهُ بَيْنَ حَيْضٍ إلَخْ) أَيْ لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهَا أَنَّهَا مُتَلَبِّسَةٌ بِالْحَيْضِ أَوْ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِيهِ أَوْ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ بَلْ تَسَاوَتْ الثَّلَاثَةُ فِي ظَنِّهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَدُخُولٌ فِيهِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، لِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا احْتَمَلَ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ وَأَنَّهَا حَائِضٌ فَقَدْ اسْتَوَى فِعْلُ الصَّلَاةِ وَتَرْكُهَا فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْبَابُ بَابُ الْعِبَادَةِ، فَيُحْتَاطُ فِيهَا وَتُصَلِّي؛ لِأَنَّهَا إنْ صَلَّتْهَا وَلَيْسَتْ عَلَيْهَا يَكُونُ خَيْرًا مِنْ أَنْ تَتْرُكَهَا وَهِيَ عَلَيْهَا تَتَارْخَانِيَّةٌ، ثُمَّ إنَّ عِبَارَةَ الْبَحْرِ والتتارخانية وَالْبِرْكَوِيَّةِ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ وَإِنْ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، قَوْلُهُ وَالدُّخُولُ فِيهِ: أَيْ فِي الطُّهْرِ، وَعَبَّرَ فِي الْبَحْرِ بِالْخُرُوجِ عَنْ الْحَيْضِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.
وَمِثَالُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا: امْرَأَةٌ تَذْكُرُ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةٌ وَانْقِطَاعُهُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ وَلَا تَذْكُرُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَفِي الثَّانِي بَيْنَهُمَا وَالدُّخُولِ فِي الطُّهْرِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ تَذْكُرْ شَيْئًا أَصْلًا فَهِيَ مُرَدَّدَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ التَّرَدُّدِ بَيْنَهُمَا وَالدُّخُولِ فِي الطُّهْرِ (قَوْلُهُ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) لِجَوَازِ أَنَّهُ وَقْتُ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَيْضِ وَالدُّخُولِ فِي الطُّهْرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي سَهْلٍ أَنَّهَا إذَا اغْتَسَلَتْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ وَصَلَّتْ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ فِي وَقْتِ الْأُخْرَى أَعَادَتْ الْأُولَى قَبْلَ الْوَقْتِيَّةِ، وَهَكَذَا تَصْنَعُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ احْتِيَاطًا. اهـ لِاحْتِمَالِ حَيْضِهَا فِي وَقْتِ الْأُولَى وَطُهْرِهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَيَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ احْتِيَاطًا، وَاخْتَارَهُ الْبِرْكَوِيُّ.
[تَنْبِيهٌ] تَعْبِيرُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْبَحْرِ وَالْبَدَائِعِ، وَعَبَّرَ الْبِرْكَوِيُّ فِي رِسَالَتِهِ بِقَوْلِهِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَقَالَ فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهَا هَذَا اسْتِحْسَانُ وَالْقِيَاسُ أَنْ تَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ سَاعَةٍ إلَّا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَقْتُ خُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمُحِيطِ وَالنَّسَفِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَفِيمَا قَالَاهُ حَرَجٌ بَيِّنٌ مَعَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ بَاقٍ بِمَا قَالَاهُ لِجَوَازِ الِانْقِطَاعِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الْغُسْلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا، فَاخْتَرْنَا
стр. 283
وَتَتْرُكُ غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ وَمَسْجِدًا وَجِمَاعًا وَتَصُومُ رَمَضَانَ، ثُمَّ تَقْضِي عِشْرِينَ يَوْمًا إنْ عَلِمَتْ بِدَايَتَهُ لَيْلًا وَإِلَّا فَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَتَطُوفُ لِرُكْنٍ ثُمَّ تُعِيدُهُ بَعْدَ عَشْرَةٍ وَلِصَدَرٍ وَلَا تُعِيدُهُ، وَتَعْتَدُّ لِطَلَاقٍ بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ
(وَمَا تَرَاهُ) مِنْ لَوْنٍ كَكُدْرَةٍ وَتَرْبِيَةٍ (فِي مُدَّتِهِ) الْمُعْتَادَةِ (سِوَى بَيَاضٍ خَالِصٍ) قِيلَ هُوَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ
ــ
[رد المحتار]
الِاسْتِحْسَانَ، وَقَدْ قَالَ بِهِ الْبَعْضُ، وَقَدَّمَهُ بُرْهَانُ الدِّينِ فِي الْمُحِيطِ وَتَدَارَكْنَا ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ بِاخْتِيَارِ قَوْلِ أَبِي سَهْلٍ أَنَّهَا تُعِيدُ كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِ أُخْرَى قَبْلَ الْوَقْتِيَّةِ، فَتَتَيَقَّنُ بِالطَّهَارَةِ فِي إحْدَاهُمَا لَوْ وَقَعَتْ فِي طُهْرٍ. اهـ. أَقُولُ: وَهُوَ تَحْقِيقٌ بِالْقَبُولِ حَقِيقٌ (قَوْلُهُ وَتَتْرُكُ غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ بَيْنَهُمَا إلَخْ ذَكَرَهُ ح وط.
أَقُولُ: وَهُوَ تَخْصِيصٌ بِلَا مُخَصِّصٍ إذْ لَا فَرْقَ يَظْهَرُ وَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ فَلْيُرَاجَعْ، وَإِنَّمَا لَا تُتْرَكُ السُّنَنُ الْمُؤَكَّدَةُ وَمِثْلُهَا الْوَاجِبُ بِالْأَوْلَى لِكَوْنِهَا شُرِعَتْ جَبْرًا لِنُقْصَانٍ يُمْكِنُ فِي الْفَرَائِضِ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْفَرَائِضِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهَا تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً قَصِيرَةً، وَتَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْفَرْضِ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّحِيحِ، وَتَقْرَأُ الْقُنُوتَ وَسَائِرَ الدَّعَوَاتِ بِرْكَوِيَّةٌ وَغَيْرُهَا (قَوْلُهُ وَمَسْجِدًا وَجِمَاعًا) أَيْ تَتْرُكُهُمَا، بِأَنْ لَا تَدْخُلَ الْمَسْجِدَ أَيْ إلَّا لِطَوَافٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ، وَلَا تُمَكِّنُ زَوْجَهَا مِنْ جِمَاعِهَا، وَكَذَا لَا تَمَسُّ الْمُصْحَفَ وَلَا تَصُومُ تَطَوُّعًا، وَإِنْ سَمِعَتْ سَجْدَةً فَسَجَدَتْ لِلْحَالِ سَقَطَتْ؛ لِأَنَّهَا لَوْ طَاهِرَةً صَحَّ أَدَاؤُهَا وَإِلَّا لَمْ تَلْزَمْهَا، وَإِنْ أَخَّرَتْهَا أَعَادَتْهَا بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ لِلتَّيَقُّنِ بِالْأَدَاءِ فِي الطُّهْرِ فِي إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهَا صَلَاةٌ فَائِتَةٌ فَقَضَتْهَا فَعَلَيْهَا إعَادَتُهَا بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ تَزِيدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَإِلَّا اُحْتُمِلَ عَوْدُ حَيْضِهَا تَتَارْخَانِيَّةٌ وَبِرْكَوِيَّةٌ وَبَحْرٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ تَقْضِي عِشْرِينَ يَوْمًا) أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحَيْضَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ فِي رَمَضَانَ وَعَشْرَةُ أَيَّامٍ فِي الْعِشْرِينَ الَّتِي قَضَتْهَا. اهـ ح (قَوْلُهُ إنْ عَلِمَتْ بِدَايَتَهُ لَيْلًا) ؛ لِأَنَّهُ إنْ بَدَأَ لَيْلًا خُتِمَ لَيْلًا وَبَيْنَ اللَّيْلَتَيْنِ عَشْرَةٌ، فَلَمْ يَفْسُدْ مِنْ صَوْمِهَا سِوَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ فِي رَمَضَانَ وَعَشْرَةٍ فِي الْقَضَاءِ ح (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ عَلِمَتْ بِدَايَتَهُ نَهَارًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ بَدَأَ نَهَارًا خُتِمَ نَهَارَ حَادِي عَشَرَ الْأَوَّلِ، فَيَفْسُدُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ صَوْمِهَا فِي رَمَضَانَ، وَمِثْلُهَا فِي الْقَضَاءِ ح. وَمِثْلُهُ مَا إذَا لَمْ تَعْلَمْ شَيْئًا كَمَا فِي الْخَزَائِنِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا إنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ، أَوْ عَلِمَتْ أَنَّهُ بِالنَّهَارِ وَكَانَ رَمَضَانُ كَامِلًا قَضَتْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ إنْ قَضَتْ مَوْصُولًا بِرَمَضَانَ: أَيْ فِي ثَانِي شَوَّالٍ وَإِنْ مَفْصُولًا فَثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثِينَ، وَإِنْ كَانَ رَمَضَانُ نَاقِصًا تَقْضِي فِي الْوَصْلِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَفِي الْفَصْلِ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ، وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ بِاللَّيْلِ. وَالشَّهْرُ كَامِلٌ تَقْضِي فِي الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَفِي الْوَصْلِ عِشْرِينَ وَفِي الْفَصْلِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَتَمَامُ الْمَسَائِلِ فِي الْبِرْكَوِيَّةِ وَتَوْجِيهُهَا فِي شَرْحِنَا عَلَيْهَا، وَكَذَا فِي الْبَحْرِ، لَكِنْ فِيهِ تَحْرِيفٌ وَسَقْطٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
(قَوْلُهُ وَلِصَدَرٍ) بِالتَّحْرِيكِ: هُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِ الْمَكِّيِّ، وَسَكَتَ عَنْ طَوَافِ التَّحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَتَتْرُكُهُ (قَوْلُهُ وَلَا تُعِيدُهُ) ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَقَدْ سَقَطَ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَتَعْتَدُّ لِطَلَاقٍ) وَقِيلَ لَا يُقَدَّرُ لِعِدَّتِهَا طُهْرٌ وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا أَبَدًا (قَوْلُهُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ السَّابِقِ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ أَنَّهُ يُقَدَّرُ طُهْرُهَا لِلْعِدَّةِ بِشَهْرَيْنِ؛ فَتَنْقَضِي بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَثَلَاثِ حَيْضَاتٍ بِشَهْرٍ.
стр. 284
(وَلَوْ) الْمَرْئِيُّ (طُهْرًا مُتَخَلِّلًا)
ــ
[رد المحتار]
وَكَتَبَ الشَّارِحُ فِي هَامِشِ الْخَزَائِنِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْبَحْرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّهْرِ. اهـ لَكِنْ فِي السِّرَاجِ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ: إنَّمَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةِ أَيَّامٍ إلَّا سَاعَةً؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ طَلَّقَهَا فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ فَلَا يُحْتَسَبُ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ فَتَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةُ أَيَّامٍ إلَّا سَاعَةً، وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي مَضَتْ مِنْ الْحَيْضِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ.
(قَوْلُهُ كَكُدْرَةٍ وَتَرْبِيَةٍ) اعْلَمْ أَنَّ أَلْوَانَ الدِّمَاءِ سِتَّةٌ: هَذَانِ وَالسَّوَادُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ وَالْخَضِرَةُ.
ثُمَّ الْكُدْرَةُ مَا هُوَ كَالْمَاءِ الْكَدِرِ، وَالتُّرْبِيَّةُ نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ عَلَى لَوْنِ التُّرَابِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ نِسْبَةً إلَى التُّرْبِ بِمَعْنَى التُّرَابِ، وَالصُّفْرَةُ كَصُفْرَةِ الْقَزِّ وَالتِّبْنِ أَوْ السِّنِّ عَلَى الِاخْتِلَافِ؛ ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ حَالَةُ الرُّؤْيَةِ لَا حَالَةُ التَّغَيُّرِ؛ كَمَا لَوْ رَأَتْ بَيَاضًا فَاصْفَرَّ بِالْيُبْسِ أَوْ رَأَتْ حُمْرَةً أَوْ صُفْرَةً فَابْيَضَّتْ بِالْيُبْسِ. وَأَنْكَرَ أَبُو يُوسُفَ الْكُدْرَةَ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ دُونَ آخِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الْخُضْرَةَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا حَيْضٌ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ دُونَ الْآيِسَةِ. وَبَعْضُهُمْ قَالَ: فِيمَا عَدَا السَّوَادَ وَالْحُمْرَةَ لَوْ وَجَدَتْهُ عَجُوزٌ عَلَى الْكُرْسُفِ فَهُوَ حَيْضٌ إنْ كَانَتْ مُدَّةُ وَضْعِهِ قَرِيبَةً وَإِلَّا فَلَا.
مَطْلَبٌ لَوْ أَفْتَى مُفْتٍ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ طَلَبًا لِلتَّيْسِيرِ كَانَ حَسَنًا
وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ فَخْرِ الْأَئِمَّةِ: لَوْ أَفْتَى مُفْتٍ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ طَلَبًا لِلتَّيْسِيرِ كَانَ حَسَنًا. اهـ وَخَصَّهُ بِالضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْوَانَ كُلَّهَا حَيْضٌ فِي أَيَّامِهِ لِمَا فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ " كَانَتْ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ لِتَنْظُرَ إلَيْهِ فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ " اهـ وَالدُّرْجَةُ: بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِ الْجِيمِ خِرْقَةٌ وَنَحْوُهَا تُدْخِلُهَا الْمَرْأَةُ فِي فَرْجِهَا لِتَعْرِفَ أَزَالَ الدَّمُ أَمْ لَا. وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّاد الْمُهْمَلَةِ الْجَصَّةُ؛ وَالْمَعْنَى أَنْ تَخْرُجَ الدُّرْجَةُ كَأَنَّهَا قَصَّةٌ لَا يُخَالِطُهَا صُفْرَةٌ وَلَا تُرْبِيَّةٌ؛ وَهُوَ مَجَازٌ عَنْ الِانْقِطَاعِ.
وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: وَضْعُ الْكُرْسُفِ مُسْتَحَبٌّ لِلْبِكْرِ فِي الْحَيْضِ وَلِلثَّيِّبِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَمَوْضِعُهُ مَوْضِعُ الْبَكَارَةِ، وَيُكْرَهُ فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ. اهـ.
وَفِي غَيْرِهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِلثَّيِّبِ فِي الْحَيْضِ مُسْتَحَبٌّ فِي الطُّهْرِ، وَلَوْ صَلَّتَا بِدُونِهِ جَازَ. اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ. وَالْكُرْسُفُ: بِضَمِّ الْكَافِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ الْقُطْنُ. وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: مَا يُوضَعُ عَلَى فَمِ الْفَرْجِ (قَوْلُهُ فِي مُدَّتِهِ) احْتِرَازٌ عَمَّا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ، وَكَذَا الْآيِسَةُ فِي كُلِّ مَا تَرَاهُ مُطْلَقًا أَوْ سِوَى الدَّمِ الْخَالِصِ عَلَى مَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ الْمُعْتَادَةُ) احْتِرَازٌ عَمَّا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ وَجَاوَزَ الْعَشَرَةَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ
(قَوْلُهُ وَلَوْ الْمَرْئِيُّ طُهْرًا إلَخْ) مُرَادُهُمْ بِالطُّهْرِ هُنَا النَّقَاءُ بِالْمَدِّ: أَيْ عَدَمُ الدَّمِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ يَكُونُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي الْحَيْضِ اتِّفَاقًا فَمَا بَلَغَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الدَّمَيْنِ نِصَابًا جُعِلَ حَيْضًا، وَأَنَّهُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَكُونُ فَاصِلًا وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدَّمَيْنِ اتِّفَاقًا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ كُلُّهَا رُوِيَتْ عَنْ الْإِمَامِ أَشْهُرُهَا ثَلَاثَةٌ:
стр. 285
بَيْنَ الدَّمَيْنِ (فِيهَا حَيْضٌ) ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِأَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ فَلْيُحْفَظْ. ثُمَّ ذَكَرَ أَحْكَامَهُ بِقَوْلِهِ (يَمْنَعُ صَلَاةً)
ــ
[رد المحتار]
الْأُولَى - قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ: إنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ لَا يَفْصِلُ، بَلْ يَكُونُ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي بِشَرْطِ إحَاطَةِ الدَّمِ لِطَرَفَيْ الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ، فَيَجُوزُ بِدَايَةُ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَخَتْمُهُ بِهِ أَيْضًا، فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ الْأُولَى حَيْضٌ، وَلَوْ رَأَتْ الْمُعْتَادَةُ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَعَشْرَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ الَّتِي لَمْ تَرَ فِيهَا الدَّمَ حَيْضٌ إنْ كَانَتْ عَادَتَهَا وَإِلَّا رُدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الشَّرْطَ إحَاطَةُ الدَّمِ لِطَرَفَيْ مُدَّةِ الْحَيْضِ، فَلَا يَجُوزُ بِدَايَةُ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَلَا خَتْمُهُ بِهِ؛ فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ حَيْضٌ؛ وَلَوْ رَأَتْ مُعْتَادَةٌ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَتِسْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا، وَكَذَا النِّفَاسُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ.
الثَّالِثَةُ: قَوْلُ مُحَمَّدٍ إنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ الطُّهْرُ مِثْلَ الدَّمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ، فَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ فَصَلَ، لَكِنْ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا فَالسَّابِقُ حَيْضٌ، وَلَوْ فِي أَحَدِهِمَا فَهُوَ الْحَيْضُ وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِلَّا فَالْكُلُّ اسْتِحَاضَةٌ. وَلَا يَجُوزُ بَدْءُ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَلَا خَتْمُهُ بِهِ؛ فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْأَرْبَعَةُ حَيْضٌ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ دُونَ ثَلَاثِ وَهُوَ لَا يَفْصِلُ اتِّفَاقًا كَمَا مَرَّ؛ وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمَيْنِ دَمًا فَالسِّتَّةُ حَيْضٌ لِلِاسْتِوَاءِ؛ وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالثَّلَاثَةُ حَيْضٌ لِغَلَبَةِ الطُّهْرِ فَصَارَ فَاصِلًا وَالْمُتَقَدِّمُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ صَحَّحَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي الْمَسْبُوطِ وَالْمُحِيطِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِي الْهِدَايَةِ الْأَخْذُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ. اهـ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَفْتَوْا بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي سِرَاجٌ، وَهُوَ الْأَوْلَى فَتْحٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخِرُ نِهَايَةٌ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَفِي الْبَحْرِ قَدْ اخْتَارَهَا أَصْحَابُ الْمُتُونِ، لَكِنْ لَمْ تُصَحَّحْ فِي الشُّرُوحِ.
[تَتِمَّةٌ] الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ لَا يَفْصِلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَيُجْعَلُ إحَاطَةُ الدَّمَيْنِ بِطَرَفَيْهِ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَعِنْدَهُمَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ تَفْصِلُ، فَلَوْ رَأَتْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا؛ فَعِنْدَهُ الْأَرْبَعُونَ نِفَاسٌ وَعِنْدَهُمَا الدَّمُ الْأَوَّلُ؛ وَلَوْ رَأَتْ مَنْ بَلَغَتْ بِالْحَبَلِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ خَمْسَةً دَمًا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ خَمْسَةً دَمًا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ؛ فَعِنْدَهُ نِفَاسُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ؛ وَعِنْدَهُمَا نِفَاسُهَا الْخَمْسَةُ الْأُولَى وَحَيْضُهَا الْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ، وَتَمَامُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(قَوْلُهُ فِيهَا) أَيْ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ (قَوْلُهُ حَيْضٌ) خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَمَا تَرَاهُ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ) أَيْ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ فِي جَعْلِ الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ حَيْضًا كَوْنُ الدَّمَيْنِ الْمُحِيطِينَ بِهِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ لَا فِي مُدَّةِ الطُّهْرِ (قَوْلُهُ فَلْيُحْفَظْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ اخْتِيَارَ أَصْحَابِ الْمُتُونِ لَهُ تَرْجِيحٌ.
أَقُولُ: لَكِنَّهُ تَصْحِيحٌ الْتِزَامِيٌّ؛ وَقَدْ صَرَّحَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ بِأَنَّ التَّصْحِيحَ الصَّرِيحَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِالْتِزَامِيِّ (قَوْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ أَحْكَامَهُ) أَيْ بَعْضَهَا؛ وَإِلَّا فَقَدْ أَوْصَلَهَا فِي الْبَحْرِ إلَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ: مِنْهَا أَنْ يَمْنَعَ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ إلَّا الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا التَّنْظِيفُ كَأَغْسَالِ الْحَجِّ، وَلَا يُحَرِّمُهَا لِقَوْلِهِمْ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ كُلَّ صَلَاةٍ وَتَقْعُدَ عَلَى مُصَلَّاهَا تُسَبِّحُ وَتُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ بِقَدْرِ أَدَائِهَا كَيْ لَا تَنْسَى عَادَتَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ يُكْتَبُ لَهَا ثَوَابُ أَحْسَنِ صَلَاةٍ كَانَتْ تُصَلِّي، وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاعْتِكَافَ، وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ، وَيُفْسِدُهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ وَيَمْنَعُ وُجُوبَ طَوَافِ الصَّدَرِ، وَيُحَرِّمُ الطَّلَاقَ وَتَبْلُغُ بِهِ الصَّبِيَّةُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءُ؛ وَيُوجِبُ الْغُسْلَ بِشَرْطِ الِانْقِطَاعِ، وَلَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْفِطْرِ، بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَنَحْوِهَا، وَكُلُّ أَحْكَامِهِ تَتَعَلَّقُ بِالنِّفَاسِ إلَّا خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً عَلَى مَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ يَمْنَعُ) أَيْ الْحَيْضُ وَكَذَا النِّفَاسُ خَزَائِنُ (قَوْلُهُ صَلَاةَ) أَيْ يَمْنَعُ صِحَّتَهَا وَيُحَرِّمُهَا وَهَلْ يَمْنَعُ وُجُوبَهَا لِعَدَمِ
стр. 286
مُطْلَقًا وَلَوْ سَجْدَةَ شُكْرٍ (وَصَوْمًا) وَجِمَاعًا (وَتَقْضِيهِ) لُزُومًا دُونَهَا لِلْحَرَجِ.
وَلَوْ شَرَعَتْ تَطَوُّعًا فِيهِمَا فَحَاضَتْ قَضَتْهُمَا خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بَحْرٌ. وَفِي الْفَيْضِ: لَوْ نَامَتْ طَاهِرَةً وَقَامَتْ حَائِضَةً حُكِمَ بِحَيْضِهَا مُنْذُ قَامَتْ وَبِعَكْسِهِ مُنْذُ نَامَتْ احْتِيَاطًا.
(وَ) يَمْنَعُ حِلَّ (دُخُولِ مَسْجِدٍ
ــ
[رد المحتار]
فَائِدَته وَهِيَ الْأَدَاءُ أَوْ الْقَضَاءُ أَمْ لَا؟ وَتَسْقُطُ لِلْحَرَجِ خِلَافٌ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى الْأَوَّلِ، وَبَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْبَحْرِ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا؛ لِأَنَّ مَنْعَ الشَّيْءِ مَنْعٌ لِأَبْعَاضِهِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ سَجْدَةَ شُكْرٍ) أَيْ أَوْ تِلَاوَةٍ فَيَمْنَعُ صِحَّتَهُمَا وَيُحَرِّمُهُمَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَصَوْمًا) أَيْ يُحَرِّمُهُ وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ لَا وُجُوبَهُ فَلِذَا تَقْضِيهِ (قَوْلُهُ وَجِمَاعًا) أَيْ يُحَرِّمُهُ، وَكَذَا مَا فِي حُكْمِهِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَتَقْضِيهِ) أَيْ الصَّوْمَ عَلَى التَّرَاخِي فِي الْأَصَحِّ خَزَائِنُ، وَعَزَاهُ فِي هَامِشِهَا إلَى مُنْلَا مِسْكِينٍ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ لِلْحَرَجِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ دُونَهَا: أَيْ؛ لِأَنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَرَجًا بِتَكَرُّرِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَتَكَرُّرُ الْحَيْضِ فِي كُلِّ شَهْرٍ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي السَّنَةِ شَهْرًا وَاحِدًا، وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ. وَفِيهِ وَهَلْ يُكْرَهُ لَهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ؟ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خ لَافَ الْأَوْلَى. قَالَ فِي النَّهْرِ: يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ الْمَسْحِ كُرِهَ. اهـ تَأَمَّلْ.
وَهَلْ يُكْرَهُ لَهَا التَّشَبُّهُ بِالصَّوْمِ أَمْ لَا؟ مَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَهَا حَرَامٌ فَالتَّشَبُّهُ بِهِ مِثْلُهُ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ وَالْقُعُودُ فِي مُصَلَّاهَا وَهُوَ تَشَبُّهٌ بِالصَّلَاةِ. اهـ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَوْ شَرَعَتْ تَطَوُّعًا فِيهِمَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ؛ أَمَّا الْفَرْضُ فَفِي الصَّوْمِ تَقْضِيهِ دُونَ الصَّلَاةِ وَإِنْ مَضَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهَا أَدَاؤُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَنَا لِآخِرِ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْمَنْبَعِ (قَوْلُهُ فَحَاضَتْ) أَيْ فِي أَثْنَائِهِمَا (قَوْلُهُ قَضَتْهُمَا) لِلُزُومِهِمَا بِالشُّرُوعِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ نَفْلِ الصَّلَاةِ لَا نَفْلَ الصَّوْمِ ط (قَوْلُهُ بَحْرٌ) ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمَتْنِ: وَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي الْمُدَّةِ حَيْضٌ وَنِفَاسٌ؛ وَنَقَلَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا عَنْ الْبَدَائِعِ وَالنِّهَايَةِ والإسبيجابي؛ ثُمَّ قَالَ: فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ. اهـ. ح (قَوْلُهُ وَبِعَكْسِهِ) أَيْ عَكْسِ التَّصْوِيرِ الْمَذْكُورِ، بِأَنْ نَامَتْ حَائِضًا وَقَامَتْ طَاهِرَةً: أَيْ وَضَعَتْ الْكُرْسُفَ وَنَامَتْ فَلَمَّا أَصْبَحَتْ رَأَتْ عَلَيْهِ الطُّهْرَ لَا عَكْسُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ مُنْذُ نَامَتْ: أَيْ حُكِمَ بِحَيْضِهَا مِنْ حِينِ نَامَتْ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ احْتِيَاطًا) أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ، فَتَقْضِي الْعِشَاءَ فِيهِمَا إنْ لَمْ تَكُنْ صَلَّتْهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ؛ حَتَّى لَوْ نَامَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ ثُمَّ انْتَبَهَتْ بَعْدَ خُرُوجِهِ حَائِضًا يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا طَاهِرَةً فِي آخِرِ الْوَقْتِ حَيْثُ لَمْ نَحْكُمْ بِحَيْضِهَا إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ، وَلَوْ نَامَتْ حَائِضًا وَانْتَبَهَتْ طَاهِرَةً بَعْدَ الْوَقْتِ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ الَّتِي نَامَتْ عَنْهَا؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا طَاهِرَةً مِنْ حِينِ نَامَتْ، وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَجَبَ الْقَضَاءُ وَلِأَنَّ الدَّمَ حَادِثٌ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُضَافَ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ فَتُجْعَلُ حَائِضًا مُنْذُ قَامَتْ؛ وَالِانْقِطَاعُ عَدَمٌ وَهُوَ الْأَصْلُ فَلَا يُحْكَمُ بِخِلَافِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَمْ يُعْلَمْ دُرُورُ الدَّمِ فِي نَوْمِهَا فَجُعِلَتْ طَاهِرَةً مُنْذُ نَامَتْ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الْوَجْهَيْنِ لَا فِي الْعَكْسِ فَقَطْ رَحْمَتِيٌّ فَافْهَمْ، نَعَمْ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَبِعَكْسِهِ مُذْ نَامَتْ إيهَامٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِأَنَّهَا كَانَتْ حَائِضًا حِينَ نَوْمِهَا وَطَهُرَتْ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَوْ قَالَ حُكِمَ بِطُهْرِهَا مُذْ نَامَتْ وَكَذَا فِي عَكْسِهِ لَكَانَ أَوْضَحَ
(قَوْلُهُ وَيَمْنَعُ حِلَّ) قَدَّرَ لَفْظَةَ حِلٍّ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ الْمَنْعُ فِيهِ مِنْ الْحِلِّ وَالصِّحَّةِ فَلِذَا أَطْلَقَ الْمَنْعَ فِيهِ (قَوْلُهُ دُخُولِ مَسْجِدٍ) أَيْ وَلَوْ الْمَسْجِدُ مَدْرَسَةً أَوْ دَارًا لَا يَمْنَعُ أَهْلُهُمَا النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ وَكَانَا لَوْ أُغْلِقَا يَكُونُ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَإِلَّا فَلَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْمَسْجِدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَحْثِ الْغُسْلِ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالْقُنْيَةِ. وَخَرَجَ مُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ وَإِنْ كَانَ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ
стр. 287
وَ) حِلَّ (الطَّوَافُ) وَلَوْ بَعْدَ دُخُولِهَا الْمَسْجِدَ وَشُرُوعِهَا فِيهِ (وَقُرْبَانُ مَا تَحْتَ إزَارٍ) يَعْنِي مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ، وَحَلَّ مَا عَدَاهُ مُطْلَقًا. وَهَلْ يَحِلُّ النَّظَرُ وَمُبَاشَرَتُهَا لَهُ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ
(وَقِرَاءَةُ قُرْآنٍ) بِقَصْدِهِ (وَمَسُّهُ) وَلَوْ مَكْتُوبًا بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الْأَصَحِّ (وَإِلَّا بِغِلَافِهِ) الْمُنْفَصِلِ كَمَا مَرَّ (وَكَذَا) يُمْنَعُ (حَمْلُهُ) كَلَوْحٍ وَوَرَقٍ فِيهِ آيَةٌ.
ــ
[رد المحتار]
فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ مَعَ عَدَمِ اتِّصَالِ الصُّفُوفِ، وَأَفَادَ مَنْعَ الدُّخُولِ وَلَوْ لِلْمُرُورِ، وَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ تَقْيِيدَهُ بِعَدَمِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ كَانَ بَابُهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَلَا يُمْكِنُهُ تَحْوِيلُهُ وَلَا السُّكْنَى فِي غَيْرِهِ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ الظَّاهِرَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يَجِبُ التَّيَمُّمُ لِلْمُرُورِ أَخْذًا مِمَّا فِي الْعِنَايَةِ عَنْ الْمَسْبُوطِ.
مُسَافِرٌ مَرَّ بِمَسْجِدٍ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَجِدُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ عِنْدَنَا. اهـ وَكَذَا وَلَوْ مَكَثَ فِي الْمَسْجِدِ خَوْفًا مِنْ الْخُرُوجِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ احْتَلَمَ فِيهِ وَأَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مُسْرِعًا فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ (قَوْلُهُ وَحَلَّ الطَّوَافُ) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَهُ وَاجِبَةٌ فَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا وَإِنْ صَحَّ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ بَعْدَ دُخُولِهَا الْمَسْجِدَ) أَيْ وَلَوْ عَرَضَ الْحَيْضُ بَعْدَ دُخُولِهَا الْمَسْجِدَ فَعَدَمُ الْحِلِّ ذَاتِيٌّ لَهُ لَا لِعِلَّةِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ ط، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَحِلُّ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَقُرْبَانُ مَا تَحْتَ إزَارٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ قُرْبَانَ زَوْجِهَا مَا تَحْتَ إزَارِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ يَعْنِي مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) فَيَجُوزُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالسُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا وَالرُّكْبَةِ وَمَا تَحْتَهَا وَلَوْ بِلَا حَائِلٍ، وَكَذَا بِمَا بَيْنَهُمَا بِحَائِلٍ بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَلَوْ تَلَطَّخَ دَمًا، وَلَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا وَلَا اسْتِعْمَالُ مَا مَسَّتْهُ مِنْ عَجِينٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ نَحْوِهِمَا إلَّا إذَا تَوَضَّأَتْ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ كَمَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْزِلَ عَنْ فِرَاشِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ فِعْلَ الْيَهُودِ بَحْرٌ.
وَفِي السِّرَاجِ: يُكْرَهُ أَنْ يَعْزِلَهَا فِي مَوْضِعٍ لَا يُخَالِطُهَا فِيهِ. هَذَا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ عِنْدَنَا فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّ الرُّكْبَةَ مِنْ الْعَوْرَةِ، وَمُقْتَضَاهُ كَمَا أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ حُرْمَةُ الِاسْتِمْتَاعِ بِالرُّكْبَةِ لِاسْتِدْلَالِهِمْ لَهُمْ هُنَا بِقَوْلِهِ ﵊ «مَا دُونَ الْإِزَارِ» وَمَحَلُّهُ الْعَوْرَةُ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا الرُّكْبَةُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ بِشَهْوَةٍ أَوْ لَا (قَوْلُهُ وَهَلْ يَحِلُّ النَّظَرُ) أَيْ بِشَهْوَةٍ، وَهَذَا كَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ عُمُومِ حِلِّ مَا عَدَا الْقُرْبَانَ، وَأَصْلُ التَّرَدُّدِ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ عَبَّرَ بِالِاسْتِمْتَاعِ فَيَشْمَلُ النَّظَرَ، وَبَعْضُهُمْ بِالْمُبَاشَرَةِ فَلَا يَشْمَلُهُ وَمَالَ إلَى الثَّانِي، وَمَالَ أَخُوهُ فِي النَّهْرِ إلَى الْأَوَّلِ، وَانْتَصَرَ الْعَلَّامَةُ ح إلَى الْأَوَّلِ.
وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مَنْ عَبَّرَ بِالْمُبَاشَرَةِ: أَيْ الْتِقَاءِ الْبَشَرَةِ سَاكِتٌ عَنْ النَّظَرِ، وَمَنْ عَبَّرَ بِالِاسْتِمْتَاعِ مَانِعٌ لِلنَّظَرِ، فَيُؤْخَذُ بِهِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى الْمَفْهُومِ، عَلَى أَنَّهُ نَقَلَ فِي الْحَقَائِقِ فِي بَابِ الِاسْتِحْسَانِ عَنْ التُّحْفَةِ وَالْخَانِيَّةِ: يَجْتَنِبُ الرَّجُلُ مِنْ الْحَائِضُ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ عِنْدَ الْإِمَامِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّمِ يَعْنِي الْجِمَاعَ فَقَطْ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الْإِمَامِ: قِيلَ لَا يُبَاحُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْ النَّظَرِ وَنَحْوِهِ بِمَا دُونَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَيُبَاحُ مَا وَرَاءَهُ، وَقِيلَ يُبَاحُ مَعَ الْإِزَارِ. اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ حِلِّ النَّظَرِ إلَى مَا تَحْتَ الْإِزَارِ، وَالثَّانِي قَرِيبٌ مِنْهُ، وَلَيْسَ بَعْدَ النَّقْلِ إلَّا الرُّجُوعُ إلَيْهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَمُبَاشَرَتُهَا لَهُ) سَبَبُ تَرَدُّدِهِ فِي الْمُبَاشَرَةِ تَرَدُّدُ الْبَحْرِ فِيهَا، حَيْثُ قَالَ: وَلَمْ أَرَ لَهُمْ حُكْمَ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَهُ بِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ تَمْكِينُهَا مِنْ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا حَرُمَ فِعْلُهَا بِهِ بِالْأَوْلَى. وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجَوِّزَهُ بِأَنَّ حُرْمَتَهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا حَائِضًا، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي حَقِّهِ فَحَلَّ لَهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ وَلِأَنَّ غَايَةَ مَسِّهَا لِذَكَرِهِ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِكَفِّهَا وَهُوَ جَائِزٌ قَطْعًا. اهـ. وَاسْتَظْهَرَ فِي النَّهْرِ الثَّانِي: لَكِنْ فِيمَا إذَا كَانَتْ مُبَاشَرَتُهَا لَهُ بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، كَمَا إذَا وَضَعَتْ
стр. 288
(وَلَا بَأْسَ) لِحَائِضٍ وَجُنُبٍ (بِقِرَاءَةِ أَدْعِيَةٍ وَمَسِّهَا وَحَمْلِهَا وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَسْبِيحٍ) وَزِيَارَةِ قُبُورٍ، وَدُخُولِ مُصَلَّى عِيدٍ (وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ بَعْدَ مَضْمَضَةٍ، وَغَسْلِ يَدٍ) وَأَمَّا قَبْلَهُمَا فَيُكْرَهُ لِجُنُبٍ
ــ
[رد المحتار]
يَدَهَا عَلَى فَرْجِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَحْرِ، لَا إذَا كَانَتْ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا؛ كَمَا إذَا وَضَعَتْ فَرْجَهَا عَلَى يَدِهِ فَهَذَا كَمَا تَرَى تَحْقِيقٌ لِكَلَامِ الْبَحْرِ لَا اعْتِرَاضٌ عَلَيْهِ فَافْهَمْ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ وَجِيهٌ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْمِسَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ حَتَّى بِذَكَرِهِ جَمِيعَ بَدَنِهَا إلَّا مَا تَحْتَ الْإِزَارِ فَكَذَا هِيَ لَهَا أَنْ تَلْمِسَ بِجَمِيعِ بَدَنِهَا إلَّا مَا تَحْتَ الْإِزَارِ جَمِيعَ بَدَنِهِ حَتَّى ذَكَرَهُ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ لَمْسُهَا لِذَكَرِهِ حَرَامًا لَحَرُمَ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ مِنْ لَمْسِهِ بِذَكَرِهِ لِمَا عَدَا مَا تَحْتَ الْإِزَارِ مِنْهَا، وَإِذَا حَرُمَ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ مَا تَحْتَ إزَارِهَا حَرُمَ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ مِنْهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مُبَاشَرَتُهَا لَهُ بِمَا تَحْتَ إزَارِهَا بِالْأَوْلَى
(قَوْلُهُ وَقِرَاءَةُ قُرْآنٍ) أَيْ وَلَوْ دُونَ آيَةٍ مِنْ الْمَرْكَبَاتِ لَا الْمُفْرَدَاتِ؛ لِأَنَّهُ جُوِّزَ لِلْحَائِضِ الْمُعَلِّمَةِ تَعْلِيمُهُ كَلِمَةً كَلِمَةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَكَالْقُرْآنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ بِقَصْدِهِ) فَلَوْ قَرَأَتْ الْفَاتِحَةَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ وَلَمْ تُرِدْ الْقِرَاءَةَ لَا بَأْسَ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعُيُونِ لِأَبِي اللَّيْثِ وَأَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَا لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاءِ كَسُورَةِ أَبِي لَهَبٍ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ قَصْدُ غَيْرِ الْقُرْآنِيَّةِ (قَوْلُهُ وَمَسُّهُ) أَيْ الْقُرْآنِ وَلَوْ فِي لَوْحٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ حَائِطٍ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ إلَّا مِنْ مَسِّ الْمَكْتُوبِ، بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ فَلَا يَجُوزُ مَسُّ الْجِلْدِ وَمَوْضِعِ الْبَيَاضِ مِنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ، وَالْمَنْعُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ كَمَا فِي الْبَحْرِ: أَيْ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ كَمَا نَذْكُرُهُ وَمِثْلُ الْقُرْآنِ سَائِرُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ وَغَيْرِهِ وَفِي التَّفْسِيرِ وَالْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ خِلَافٌ مَرَّ (قَوْلُهُ إلَّا بِغِلَافِهِ الْمُنْفَصِلِ) أَيْ كَالْجِرَابِ وَالْخَرِيطَةِ دُونَ الْمُتَّصِلِ كَالْجِلْدِ الْمُشْرِزِ هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ تَبَعٌ لَهُ سِرَاجٌ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْخَرِيطَةَ الْكِيسُ.
أَقُولُ: وَمِثْلُهَا صُنْدُوقُ الرَّبَعَةِ، وَهَلْ مِثْلُهَا كُرْسِيُّ الْمُصْحَفِ إذَا سُمِّرَ بِهِ؟ يُرَاجَعُ (قَوْلُهُ وَكَذَا يُمْنَعُ حَمْلُهُ) تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْبَحْرِ حَيْثُ ذَكَرَهُ عِنْدَ تَعْدَادِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ. وَفِيهِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ حَمْلَهُ اسْتِقْلَالًا أَغْنَى عَنْهُ ذِكْرُ الْمَسِّ، أَوْ تَبَعًا فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ.
فَفِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ كَانَ الْمُصْحَفُ فِي صُنْدُوقٍ فَلَا بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَحْمِلَهُ، وَفِيهَا قَالُوا: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَ خُرْجًا فِيهِ مُصْحَفٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ. أَخْذُ زِمَامِ الْإِبِلِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُصْحَفُ. قَالَ الْمَحْبُوبِيُّ: وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. اهـ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ يُمْكِنُ تَصْوِيرُ الْحَمْلِ بِدُونِ مَسٍّ وَتَبَعِيَّةٍ كَحَمْلِهِ مَرْبُوطًا بِخَيْطٍ مَثَلًا، لَكِنَّ الظَّاهِرَ جَوَازُهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فِيهِ آيَةٌ) قَيَّدَ بِالْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَتَبَ مَا دُونَ الْآيَةِ لَمْ يُكْرَهْ مَسُّهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ ح
(قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ وُضُوءَ الْجُنُبِ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُسْتَحَبٌّ كَوُضُوءِ الْمُحْدِثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ح أَيْ لِأَنَّ مَا لَا بَأْسَ فِيهِ يُسْتَحَبُّ خِلَافُهُ، لَكِنْ اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ ط الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ وَالْغَسْلِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ وَأَمَّا قَبْلَهُمَا فَيُكْرَهُ (قَوْلُهُ بِقِرَاءَةِ أَدْعِيَةٍ إلَخْ) شَمِلَ دُعَاءَ الْقُنُوتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ فَيُكْرَهُ لِجُنُبٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ شَارِبًا لِلْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ: أَيْ وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَيَدُهُ لَا تَخْلُو عَنْ النَّجَاسَةِ فَيَنْبَغِي غَسْلُهَا ثُمَّ يَأْكُلُ بَدَائِعُ. وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَنَّ اسْتِحْبَابَ الْمَضْمَضَةِ لِأَجْلِ الشُّرْبِ وَغَسْلَ الْيَدِ لِأَجْلِ الْأَكْلِ، فَلَا يُكْرَهُ الشُّرْبُ بِلَا غَسْلِ يَدٍ وَلَا الْأَكْلُ بِلَا مَضْمَضَةٍ، وَعَلَيْهِ فَفِي كَلَامِ الْمَتْنِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ، لَكِنْ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: إذَا أَرَادَ الْجُنُبُ أَنْ يَأْكُلَ
стр. 289
لَا حَائِضٍ مَا لَمْ تُخَاطَبْ بِغُسْلٍ، ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ.
(وَلَا يُكْرَهُ) تَحْرِيمًا (مَسُّ قُرْآنٍ بِكُمٍّ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَيْسِيرًا، وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ الْكَرَاهَةَ، وَهُوَ أَحْوَطُ.
(وَيَحِلُّ وَطْؤُهَا إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا لِأَكْثَرِهِ) بِلَا غُسْلٍ وُجُوبًا بَلْ نَدْبًا.
(وَإِنْ) انْقَطَعَ لِدُونِ أَقَلِّهِ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَإِنْ (لِأَقَلِّهِ) فَإِنْ لِدُونِ عَادَتِهَا لَمْ يَحِلَّ، وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ احْتِيَاطًا؛ وَإِنْ لِعَادَتِهَا، فَإِنْ كِتَابِيَّةً حَلَّ فِي الْحَالِ وَإِلَّا (لَا) يَحِلُّ (حَتَّى تَغْتَسِلَ) أَوْ تَتَيَمَّمَ بِشَرْطِهِ
ــ
[رد المحتار]
فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَيَتَمَضْمَضَ. اهـ تَأَمَّلْ. وَذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ ﵊ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ كَفَّيْهِ» وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» (قَوْلُهُ لَا حَائِضٍ) فِي الْخَانِيَّةِ قِيلَ: إنَّهَا كَالْجُنُبِ. وَقِيلَ لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ لَا يُزِيلُ نَجَاسَةَ الْحَيْضِ عَنْ الْفَمِ وَالْيَدِ، بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ. اهـ.
أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحَبَّ لَهَا غَسْلُ الْيَدِ لِلْأَكْلِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلطَّاهِرِ فَهِيَ أَوْلَى، وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَأْكُلَ تَغْسِلُ يَدَيْهَا، وَفِي الْمَضْمَضَةِ خِلَافٌ (قَوْلُهُ مَا لَمْ تُخَاطَبْ بِغَسْلٍ) أَيْ لَا يُكْرَهُ لَهَا مُدَّةَ عَدَمِ خِطَابِهَا التَّكْلِيفِيِّ بِالْغَسْلِ، وَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الطَّهَارَةِ مِنْ الْحَيْضِ
(قَوْلُهُ الْكَرَاهَةَ) أَيْ التَّحْرِيمِيَّةَ ط (قَوْلُهُ وَهُوَ أَحْوَطُ) وَقَدَّمْنَا عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَعَزَاهُ فِي الْخُلَاصَةِ إلَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَكَانَ أَوْلَى، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْكُمِّ اتِّفَاقِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مَسُّهُ بِغَيْرِ الْكُمِّ أَيْضًا مِنْ بَعْدِ ثِيَابِ الْبَدَنِ -.
(قَوْلُهُ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا لِأَكْثَرِهِ) مِثْلُهُ النِّفَاسُ، وَحَلَّ الْوَطْءُ بَعْدَ الْأَكْثَرِ لَيْسَ بِمُتَوَقِّفٍ عَلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِنَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ قَالَ ط: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الْوَطْءِ حَالَ نُزُولِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ اهـ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ بِحَائِلٍ بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَلَوْ تَلَطَّخَ دَمًا. اهـ وَهَذَا فِي الْحَائِضِ، فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَإِنْ تَلَطَّخَ دَمًا وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وُجُوبًا) مَنْصُوبٌ بِعَامِلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ بِلَا غَسْلٍ يَجِبُ وُجُوبًا، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ بَلْ نَدْبًا (قَوْلُهُ بَلْ نَدْبًا) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ - ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]- بِالتَّشْدِيدِ تَقْتَضِي حُرْمَةَ الْوَطْءِ إلَى غَايَةِ الِاغْتِسَالِ فَحَمَلْنَاهَا عَلَى مَا إذَا كَانَ أَيَّامُهَا أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ، فَظَاهِرُهُ يُورِثُ شُبْهَةً فَلِهَذَا لَا يُسْتَحَبُّ نُوحٌ عَنْ الْكَافِي
(قَوْلُهُ لِدُونِ أَقَلِّهِ) أَيْ أَقَلِّ الْحَيْضِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ) أَيْ وُجُوبًا بِرْكَوِيٌّ، وَالْمُرَادُ آخِرُ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ دُونَ الْمَكْرُوهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ كَلَامِ الدُّرَرِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ ط: وَأَهْمَلَ الشَّارِحُ حُكْمَ الْجِمَاعِ، وَيَظْهَرُ عَدَمُ حِلِّهِ بِدَلِيلِ مَسْأَلَةِ الِانْقِطَاعِ عَلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ دُونَ الْعَادَةِ.
قُلْت: قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ تَحَقُّقِ الْحَيْضِ وَعَدَمِهِ، وَانْظُرْ مَا نَذْكُرُهُ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَالنِّفَاسُ لِأُمِّ التَّوْأَمَيْنِ (قَوْلُهُ وَإِنْ وَلِأَقَلِّهِ) اللَّامُ بِمَعْنَى بَعْدَ ط (قَوْلُهُ لَمْ يَحِلَّ) أَيْ الْوَطْءُ وَإِنْ اغْتَسَلَتْ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَةِ غَالِبٌ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي) أَيْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَتَأْخِيرُهُ إلَيْهِ وَاجِبٌ هُنَا أَمَّا فِي صُورَةِ الِانْقِطَاعِ لِتَمَامِ الْعَادَةِ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ احْتِيَاطًا) عِلَّةٌ لِلْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ (قَوْلُهُ وَإِنْ لِعَادَتِهَا) وَكَذَا لَوْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً دُرَرٌ (قَوْلُهُ حَلَّ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا اغْتِسَالَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْخِطَابِ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ لَا تَتَغَيَّرُ الْأَحْكَامُ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ حَتَّى تَغْتَسِلَ) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا تَأْخِيرُهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ دُونَ الْمَكْرُوهِ.
قَالَ فِي الْمَسْبُوطِ: نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ. قَالَ: إذَا انْقَطَعَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ تُؤَخَّرُ إلَى وَقْتٍ يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِيهِ وَتُصَلِّيَ قَبْلَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ، وَمَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مَكْرُوهٌ بَحْرٌ (قَوْلُهُ بِشَرْطِهِ) هُوَ فَقْدُ الْمَاءِ وَالصَّلَاةُ بِهِ عَلَى صَحِيحِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ النَّهْرِ وَغَيْرِهِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ التَّيَمُّمُ الْكَامِلُ الْمُبِيحُ لِلصَّلَاةِ مَعَ الصَّلَاةِ بِهِ أَيْضًا، وَلَعَلَّ وَجْهَ شَرْطِهِمْ
стр. 290
(أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا زَمَنٌ يَسَعُ الْغُسْلَ) وَلُبْسَ الثِّيَابِ (وَالتَّحْرِيمَةَ) يَعْنِي مِنْ آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِتَعْلِيلِهِمْ بِوُجُوبِهَا فِي ذِمَّتِهَا، حَتَّى لَوْ طَهُرَتْ فِي وَقْتِ الْعِيدِ لَا بُدَّ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتُ الظُّهْرِ كَمَا فِي السِّرَاجِ، وَهَلْ تُعْتَبَرُ التَّحْرِيمَةُ فِي الصَّوْمِ؟
ــ
[رد المحتار]
الصَّلَاةَ بِهِ هُوَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ الْحَيْضِ، فَإِذَا صَلَّتْ بِهِ وَحَكَمَ الشَّرْعُ بِصِحَّةِ صَلَاتِهَا يَكُونُ حُكْمًا بِصِحَّةِ تَيَمُّمِهَا وَبِأَنَّهَا تَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْحَيْضِ، كَمَا يُحْكَمُ بِخُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ وَبَقَائِهَا بِمَنْزِلَةِ الْجُنُبِ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ أَوْ صَارَتْ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا لِحُكْمِ الشَّرْعِ عَلَيْهَا بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ، وَلِهَذَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ كَمَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ.
وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ صِحَّةُ مَا ذَكَرَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَائِضٍ التَّيَمُّمُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ إذَا كَانَ أَيَّامُ حَيْضِهَا عَشْرَةً وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَلَا. اهـ. فَشُرِطَ لِجَوَازِ تَيَمُّمِهَا لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ الْعِيدِ انْقِطَاعُ الْحَيْضِ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا التَّيَمُّمِ هُوَ التَّيَمُّمُ النَّاقِصُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةٍ تَفُوتُ لَا إلَى بَدَلٍ، وَإِنَّمَا كَانَ نَاقِصًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى بِهِ الْفَرْضُ، بَلْ يَبْطُلُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ، حَتَّى لَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ أُخْرَى لَا يَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا بِهَذَا التَّيَمُّمِ عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ فِي مَحَلِّهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا التَّيَمُّمُ نَاقِصًا فَلَا تَخْرُجُ بِهِ الْحَائِضُ مِنْ الْحَيْضِ لِمَا عَلِمْت مِنْ اعْتِبَارِ التَّيَمُّمِ بِشَرْطِهِ مَعَ الصَّلَاةِ مَعَهُ.
وَأَمَّا إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ فَيَجُوزُ تَيَمُّمُهَا لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ الْعِيدِ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ بِالِانْقِطَاعِ الْمَذْكُورِ، فَلَوْ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَشَرَةِ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَيَمَّمَ لِلْجِنَازَةِ أَوْ الْعِيدِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ لَا تَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْحَيْضِ، وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ الْمُنَافِي، وَالْحَيْضُ مُنَافٍ لِصِحَّتِهِ.
أَمَّا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَصَارَتْ كَالْجُنُبِ فَيَصِحُّ تَيَمُّمُهَا الْمَذْكُورُ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْجُنُبِ، فَكَلَامُ الظَّهِيرِيَّةِ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ هُنَا. وَفِي بَابِ التَّيَمُّمِ، لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا بِمَا إذَا انْقَطَعَ لِدُونِ الْعَشَرَةِ وَلَمْ تَصِرْ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا إذْ لَوْ انْقَطَعَ لِدُونِ الْعَشَرَةِ وَلِتَمَامِ عَادَتِهَا وَمَضَى عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةِ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ، وَجَازَ لِزَوْجِهَا قُرْبَانُهَا، فَيَنْبَغِي صِحَّةُ تَيَمُّمِهَا لِلْجِنَازَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ يَسَعُ الْغُسْلَ) أَيْ مَعَ مُقَدِّمَاتِهِ كَالِاسْتِقَاءِ وَخَلْعِ الثَّوْبِ وَالتَّسَتُّرِ عَنْ الْأَعْيَنِ. وَفِي شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ: وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْغُسْلُ الْمَسْنُونُ أَوْ الْفَرْضُ؛ وَالظَّاهِرُ الْفَرْضُ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ رُجْحَانُ جَانِبِ الطَّهَارَةِ. اهـ كَذَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ (قَوْلُهُ وَالتَّحْرِيمَةُ) وَهِيَ " اللَّهُ " عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ يَعْنِي مِنْ آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ وَكَانَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا إلَّا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ أَوْ التَّيَمُّمِ بِشَرْطِهِ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ طَاهِرَةً حَقِيقَةً أَوْ بَعْدَ أَنْ تَصِيرَ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْقَطِعَ وَيَمْضِيَ عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ مِنْ آخِرِهِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يَسَعُ الْغُسْلَ وَاللُّبْسَ وَالتَّحْرِيمَةَ، سَوَاءٌ كَانَ الِانْقِطَاعُ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ فِي أَوَّلِهِ أَوْ قُبَيْلَ آخِرِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ؛ فَإِذَا انْقَطَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ مَثَلًا أَوْ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا مَضَى عَلَيْهَا مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ ذَلِكَ الْقَدْرُ صَارَتْ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْوُجُوبِ آخِرُ الْوَقْتِ، وَإِذَا صَارَتْ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا صَارَتْ طَاهِرَةً حُكْمًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ إلَّا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالطَّهَارَةِ، وَكَذَا لَوْ انْقَطَعَ فِي آخِرِهِ وَكَانَ بَيْنَ الِانْقِطَاعِ وَبَيْنَ وَقْتِ الْعَصْرِ ذَلِكَ الْقَدْرُ فَلَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ لِمَا قُلْنَا. أَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا دُونَ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ لِصَيْرُورَةِ صَلَاةِ الْعَصْرِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا دُونَ صَلَاةِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُدْرِكْ مِنْ وَقْتِهَا مَا يُمْكِنُهَا الشُّرُوعُ فِيهِ.
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ مُوهِمَةٌ وَلَيْسَتْ عَلَى إطْلَاقِهَا؛ لِأَنَّهَا تُوهِمُ أَنَّهُ يَحِلُّ بِمُضِيِّ ذَلِكَ
стр. 291
الْأَصَحُّ لَا، وَهِيَ مِنْ الطُّهْرِ مُطْلَقًا، وَكَذَا الْغُسْلُ لَوْ لِأَكْثَرِهِ وَإِلَّا فَمِنْ الْحَيْضِ
ــ
[رد المحتار]
الْقَدْرِ سَوَاءٌ كَانَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ أَوْ فِي وَقْتٍ مُهْمَلٍ وَهُوَ مَا بَعْدَ الطُّلُوعِ إلَى الزَّوَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ فِي آخِرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلْوَقْتِ الْمُهْمَلِ وَلَا لِأَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْكَمَالِ وَدَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِوُجُوبِهَا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ كَذَلِكَ إلَّا بِخُرُوجِ وَقْتِهَا خِلَافًا لِمَا غَلَّظَ فِيهِ بَعْضُهُمْ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالْبَحْرِ، فَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ: يَعْنِي مِنْ آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُمَا، وَأَتَى بِالْعِنَايَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا فِي مَوْضِعِ الْخَفَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِيهَامِ، وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ كَمَا عَبَّرَ الْبِرْكَوِيُّ بِقَوْلِهِ أَوْ تَصِيرُ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَظْهَرَ، وَلَكِنَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ عَلَى مَا بِهِ تَصِيرُ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، وَهُوَ مُضِيُّ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَتِمَّ أَكْثَرُ الْمُدَّةِ قَبْلَ الْغُسْلِ كَمَا فِي الْبِرْكَوِيَّةِ، فَلَوْ تَمَّ لَهَا عَشْرَةُ أَيَّامٍ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَالْغُسْلُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مُضِيِّ هَذَا الزَّمَنِ.
[تَنْبِيهٌ] إنَّمَا حَلَّ وَطْؤُهَا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالطَّهَارَةِ بِصَيْرُورَةِ الصَّلَاةِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْجُنُبِ وَخَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ حُكْمًا، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَمَا نَقَلَهُ ط عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا اغْتَسَلَتْ؛ وَحَيْثُ صَارَتْ كَالْجُنُبِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهَا التَّيَمُّمُ لِصَلَاةِ جِنَازَةٍ أَوْ عِيدٍ خَافَتْ فَوْتَهَا كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْجُنُبِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا (قَوْلُهُ الْأَصَحُّ لَا) أَيْ فَلَوْ انْقَطَعَ قَبْلَ الصُّبْحِ فِي رَمَضَانَ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ الْغُسْلَ فَقَطْ لَزِمَهَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ تُدْرِكْ قَدْرَ تَحْرِيمَةِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْمُجْتَبَى.
وَنَقَلَ بَعْدَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّوْشِيحِ وَالسِّرَاجِ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا إلَّا بِهَذَا، وَإِنْ بَقِيَ قَدْرُهُمَا يُجْزِيهَا؛ لِأَنَّ الْعِشَاءَ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ مِنْ حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ فَحُكِمَ بِطَهَارَتِهَا ضَرُورَةً. اهـ وَنَحْوُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ. وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فِيمَا يَظْهَرُ. اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ.
أَقُولُ: وَلَعَلَّهُ أَنَّ الصَّوْمَ يُمْكِنُ إنْشَاؤُهُ فِي النَّهَارِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى إدْرَاكِهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الْغُسْلِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ أَجْزَأَهَا الصَّوْمُ بِمُجَرَّدِ إدْرَاكِ قَدْرِ الْغُسْلِ لَزِمَ أَنْ يُحْكَمَ بِطَهَارَتِهَا مِنْ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يُجْزِئُ مِنْ الْحَائِضِ، وَلَزِمَ أَنْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا لَوْ كَانَا مُسَافِرَيْنِ فِي رَمَضَانَ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ، مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ تَجِبْ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، وَلَا تَجِبُ إلَّا بِإِدْرَاكِ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ؛ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مَا قَالَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ الْحَقُّ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ لُبْسَ الثِّيَابِ مِثْلُ التَّحْرِيمَةِ إذْ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ كَمَا مَرَّ، لَكِنَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ التَّحْرِيمَةِ لَا عَلَى مَا صَحَّحَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْمُجْتَبَى فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَهِيَ) أَيْ التَّحْرِيمَةُ: أَيْ زَمَانُهَا مِنْ الطُّهْرِ: أَيْ مِنْ زَمَنِهِ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الِانْقِطَاعُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ أَوْ لِدُونِ ذَلِكَ ح (قَوْلُهُ وَكَذَا الْغُسْلُ) أَيْ الْغُسْلُ مِثْلُ التَّحْرِيمَةِ فِي أَنَّهُ مِنْ الطُّهْرِ لَوْ الِانْقِطَاعُ لِأَكْثَرِهِ أَوْ لِأَقَلِّهِ فَلَا، بَلْ هُوَ مِنْ الْحَيْضِ، لَكِنَّ هَذَا فِي حَقِّ الْقُرْبَانِ، وَانْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ وَجَوَازِ التَّزَوُّجِ بِآخَرَ لَا فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ عَقِبَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ فِي اللَّيْلَةِ السَّادِسَةَ عَشَرَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّفَقِ فَهُوَ طُهْرٌ تَامٌّ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ وَقْتِ الِاغْتِسَالِ. اهـ بَحْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى: أَيْ لَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ حَلَّ لِزَوْجِهَا قُرْبَانُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْغُسْلِ حِينَئِذٍ مِنْ الطُّهْرِ فَصَارَ وَاطِئًا فِي الطُّهْرِ، وَكَذَا تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ بِمُجَرَّدِ طُهْرِهَا بِتَمَامِ الْعَشَرَةِ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا. وَيَجُوزُ لَهَا التَّزَوُّجُ بِآخَرَ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْ الْأَوَّلِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ الِانْقِطَاعُ لِدُونِ الْعَشَرَةِ وَلِتَمَامِ عَادَتِهَا فَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْغُسْلِ حِينَئِذٍ مِنْ الْحَيْضِ، فَلَوْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ كَانَ وَاطِئًا فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَكَذَا لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ،
стр. 292
فَتَقْضِي إنْ بَقِيَ بَعْدَ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ وَلَوْ لِعَشْرَةٍ فَقَدْرُ التَّحْرِيمَةِ فَقَطْ لِئَلَّا تَزِيدَ أَيَّامُهُ عَلَى عَشْرَةٍ فَلْيُحْفَظْ
(وَ) وَطْؤُهَا (يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ) كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَكَذَا مُسْتَحِلُّ وَطْءِ الدُّبُرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مُجْتَبٍ (وَقِيلَ لَا) يَكْفُرُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ خُلَاصَةٌ (وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ) ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ لِغَيْرِهِ وَلِمَا يَجِيءُ فِي الْمُرْتَدِّ أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِتَكْفِيرِ مُسْلِمٍ كَانَ فِي كُفْرِهِ خِلَافٌ، وَلَوْ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ، ثُمَّ هُوَ كَبِيرَةٌ لَوْ عَامِدًا مُخْتَارًا عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ لَا جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا فَتَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ؛
ــ
[رد المحتار]
وَأَمَّا فِي حَقِّ بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ فَلَا يُشْتَرَطُ الْغُسْلُ، فَفِي مِثْلِ الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ يَجِبُ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ لَكِنْ بِشَرْطِ إدْرَاكِ زَمَنِ التَّحْرِيمَةِ (قَوْلُهُ فَتَقْضِي إلَخْ) أَيْ إذَا عَلِمَتْ أَنَّ زَمَنَ التَّحْرِيمَةِ مِنْ الطُّهْرِ مُطْلَقًا وَأَنَّ زَمَنَ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ فِي الِانْقِطَاعِ لِأَقَلِّهِ فَتَقْضِي الصَّلَاةَ إنْ بَقِيَ قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ، فَلَا يَكْفِي إدْرَاكُ قَدْرِ الْغُسْلِ فَقَطْ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ قَدْرِ التَّحْرِيمَةِ أَيْضًا: أَيْ وَلُبْسِ الثِّيَابِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَلَوْ لِعَشْرَةٍ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ انْقَطَعَ لِعَشْرَةٍ، فَتَقْضِي الصَّلَاةَ إنْ بَقِيَ قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ فَقَطْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ زَمَنَ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ لَوْ انْقَطَعَ لِأَقَلِّهِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَطْهُرُ بَعْدَ الْغُسْلِ، فَإِذَا أَدْرَكَتْ مِنْ آخَرِ الْوَقْتِ قَدْرَ مَا يَسَعُ الْغُسْلَ فَقَطْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الْحَيْضِ فِي الْوَقْتِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ مِنْ الطُّهْرِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ. وَأَمَّا إذَا انْقَطَعَ لِأَكْثَرِهِ فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ الْحَيْضِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ زَمَنُ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَزِيدَ مُدَّةُ الْحَيْضِ عَلَى الْعَشَرَةِ، فَإِذَا أَدْرَكَتْ مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ وَجَبَ الْقَضَاءُ وَإِنْ لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهَا أَدْرَكَتْ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَيْضِ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا حَلَّ الْوَطْءُ فِي الِانْقِطَاعِ لِأَكْثَرِهِ مُطْلَقًا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْحَيْضِ وَقَدْ وُجِدَ، بِخِلَافِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى إدْرَاكِ جُزْءٍ آخَرَ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ وَوَطْؤُهَا) أَيْ الْحَائِضِ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: وَلَمْ أَرَ حُكْمَ وَطْءِ النُّفَسَاءِ مِنْ حَيْثُ التَّكْفِيرُ، أَمَّا الْحُرْمَةُ فَمُصَرَّحٌ بِهَا. اهـ.
وَاعْتَرَضَهُ الشَّارِحُ فِي هَامِشِ الْخَزَائِنِ بِقَوْلِهِ وَأَقُولُ: قَدْ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ النُّفَسَاءَ كَالْحَائِضِ فِي الْأَحْكَامِ وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَالسِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ وَغَيْرِهَا: وَحُكْمُ النِّفَاسِ حُكْمُ الْحَيْضِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إفَادَةِ هَذَا الْحُكْمِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا اُسْتُثْنِيَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَتَبِّعِ فَتَنَبَّهْ. اهـ. أَقُولُ: وَالْمُسْتَثْنَيَات سَبْعٌ سَتَأْتِي (قَوْلُهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ جَمَاعَةٌ ذَوُو عَدَدٍ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ وَالِاخْتِيَارِ وَالْبَدَائِعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَكَذَا مُسْتَحِلُّ وَطْءِ الدُّبُرِ) أَيْ دُبُرِ الْحَلِيلَةِ، أَمَّا دُبُرُ الْغُلَامِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي التَّكْفِيرِ وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ الْآتِي يَظْهَرُ فِيهِ ط: أَيْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ لِغَيْرِهِ.
أَقُولُ: وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ أَنَّ اللِّوَاطَةَ أَشَدُّ حُرْمَةً مِنْ الزِّنَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُبَحْ بِطَرِيقٍ مَا لِكَوْنِ قُبْحِهَا عَقْلِيًّا، وَلِذَا لَا تَكُونُ فِي الْجَنَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ. اهـ (قَوْلُهُ خُلَاصَةٌ) لَمْ يَذْكُرْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ مَسْأَلَةَ وَطْءِ الدُّبُرِ (قَوْلُهُ فَلَعَلَّهُ يُفِيدُ التَّوْفِيقَ) أَيْ بِحَمْلِ الْقَوْلِ بِكُفْرِهِ عَلَى اسْتِحْلَالِ اللِّوَاطَةِ بِغَيْرِ الْمَذْكُورَيْنِ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِهِ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ لِغَيْرِهِ) أَيْ حُرْمَتُهُ لَا لِعَيْنِهِ، بَلْ لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إلَى شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْهُ وَهُوَ الْإِيذَاءُ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ: مَنْ اعْتَقَدَ الْحَرَامَ حَلَالًا أَوْ عَلَى الْقَلْبِ يَكْفُرُ إذَا كَانَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ وَثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ. أَمَّا إذَا كَانَ حَرَامًا لِغَيْرِهِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أَوْ حَرَامًا لِعَيْنِهِ بِإِخْبَارِ الْآحَادِ لَا يَكْفُرُ إذَا اعْتَقَدَهُ حَلَالًا. اهـ وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ (قَوْلُهُ ثُمَّ هُوَ) أَيْ وَطْءُ الْحَائِضِ (قَوْلُهُ لَا جَاهِلًا إلَخْ) هُوَ عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَهْلَ إنَّمَا يَنْفِي كَوْنَهُ كَبِيرَةً لَا أَصْلَ الْحُرْمَةِ إذْ لَا عُذْرَ بِالْجَهْلِ بِالْأَحْكَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَفَادَهُ ط
стр. 293
وَيُنْدَبُ تَصَدُّقُهُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ. وَمَصْرِفُهُ كَزَكَاةٍ وَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَصَدُّقٌ؟ قَالَ فِي الضِّيَاءِ: الظَّاهِرُ لَا.
(وَدَمُ اسْتِحَاضَةٍ) حُكْمُهُ (كَرُعَافٍ دَائِمٍ) وَقْتًا كَامِلًا (لَا يَمْنَعُ صَوْمًا وَصَلَاةً) وَلَوْ نَفْلًا (وَجِمَاعًا) لِحَدِيثِ «تَوَضَّئِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» .
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ وَيُنْدَبُ إلَخْ) لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» ثُمَّ قِيلَ إنْ كَانَ الْوَطْءُ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ فَبِدِينَارٍ أَوْ آخِرِهِ فَبِنِصْفِهِ، وَقِيلَ بِدِينَارٍ لَوْ الدَّمُ أَسْوَدَ وَبِنِصْفِهِ لَوْ أَصْفَرَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ «إذَا وَاقَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، إنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» . اهـ (قَوْلُهُ قَالَ فِي الضِّيَاءِ إلَخْ) أَيْ الضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ شَرْحِ مُقَدِّمَةِ الْغَزْنَوِيِّ، وَأَصْلُ الْبَحْثِ لِلْحَدَّادِيِّ فِي السِّرَاجِ، وَيُؤَيِّدُهُ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ. وَظَاهِرُهَا أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ جَاهِلًا بِحَيْضِهَا أَوْ لَا.
[تَتِمَّةٌ] تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِإِخْبَارِهَا وَإِنْ كَذَّبَهَا فَتْحٌ وَبِرْكَوِيٌّ. وَحَرَّرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ هَذَا إذَا كَانَتْ عَفِيفَةً أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهَا أَمَّا لَوْ فَاسِقَةً وَلَمْ يَغْلِبْ صِدْقُهَا؛ بِأَنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ أَوَانِ حَيْضِهَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ وَقْتًا كَامِلًا) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ دَائِمٍ، الْأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِ هَذَا الْقَيْدِ: أَيْ قَيْدِ الدَّوَامِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِهِ فِي الدَّوَامِ وَعَدَمِهِ ط (قَوْلُهُ لَا يَمْنَعُ صَوْمًا إلَخْ) أَيْ وَلَا قِرَاءَةً وَمَسَّ مُصْحَفٍ وَدُخُولَ مَسْجِدٍ وَكَذَا لَا تُمْنَعُ عَنْ الطَّوَافِ إذَا أَمِنَتْ مِنْ اللَّوْثِ قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ الْخِزَانَةِ ط. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِذَكَرِهِ نَجَاسَةٌ
(قَوْلُهُ وَجِمَاعًا) ظَاهِرُهُ جَوَازُهُ فِي حَالِ سَيَلَانِهِ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ تَلْوِيثٌ، وَكَذَا هُوَ ظَاهِرُ غَيْرِهِ مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَكَذَا قَوْلُهُمْ: يَجُوزُ مُبَاشَرَةُ الْحَائِضِ فَوْقَ الْإِزَارِ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ التَّلَطُّخُ بِالدَّمِ، وَتَمَامُهُ فِي ط.
وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فِي الْأَنْجَاسِ مِنْ أَنَّ التَّلَوُّثَ بِالنَّجَاسَةِ مَكْرُوهٌ فَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِلَا عُذْرٍ وَالْوَطْءُ عُذْرٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ نَجِسَةٌ مَعَ أَنَّ فِيهِ تَلَوُّثًا بِالنَّجَاسَةِ، فَتَخْصِيصُ الْحِلِّ بِوَقْتِ عَدَمِ السَّيَلَانِ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ وَلَمْ يُوجَدْ، بَلْ قَدَّمْنَا عَلَى شُرُوحِ الْهِدَايَةِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ حِلَّ الْوَطْءِ بَعْدَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى الِانْقِطَاعِ فَافْهَمْ.
[تَنْبِيهٌ] أَفْتَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِحُرْمَةِ جِمَاعِ مَنْ تَنَجَّسَ ذَكَرُهُ قَبْلَ غَسْلِهِ إلَّا إذَا كَانَ بِهِ سَلَسٌ فَيَحِلُّ كَوَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ مَعَ الْجَرَيَانِ؛ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ عِنْدَنَا كَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ لِإِمْكَانِ غَسْلِهِ، بِخِلَافِ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَوَطْءِ السَّلِسِ تَأَمَّلْ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ مُسْتَنْجِيًا بِغَيْرِ الْمَاءِ، فَفِي فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ الصَّوَابَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ لِعَدَمِ الْمَاءِ جَازَ لَهُ الْوَطْءُ لِلْحَاجَةِ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: وَرَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِرَجُلٍ يَغِيبُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ أَيُجَامِعُ أَهْلَهُ؟ قَالَ نَعَمْ» . اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ تَوَضَّئِي) فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الصَّلَاةِ عِبَارَةً، وَحُكْمُ الصَّوْمِ وَالْجِمَاعِ دَلَالَةً اهـ مِنَحٌ وَدُرَرٌ وَإِبْدَالُ الدَّلَالَةِ بِالْإِشَارَةِ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ عَلَى مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْأُصُولِ فَافْهَمْ
стр. 294
(وَالنِّفَاسُ) لُغَةً: وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ. وَشَرْعًا (دَمٌ) فَلَوْ لَمْ تَرَهُ هَلْ تَكُونُ نُفَسَاءَ؟ الْمُعْتَمَدُ نَعَمْ (وَيَخْرُجُ) مِنْ رَحِمِهَا فَلَوْ وَلَدَتْهُ مِنْ سُرَّتِهَا إنْ سَالَ الدَّمُ مِنْ الرَّحِمِ فَنُفَسَاءُ وَإِلَّا فَذَاتُ جُرْحٍ وَإِنْ ثَبَتَ لَهُ أَحْكَامُ الْوَلَدِ (عَقِبَ وَلَدٍ) أَوْ أَكْثَرِهِ وَلَوْ مُتَقَطِّعًا عُضْوًا عُضْوًا لَا أَقَلِّهِ، فَتَتَوَضَّأُ إنْ قَدَرَتْ أَوْ تَتَيَمَّمُ وَتُومِئُ بِصَلَاةٍ وَلَا تُؤَخِّرُ، فَمَا عُذْرُ الصَّحِيحِ الْقَادِرِ؟ . وَحُكْمُهُ كَالْحَيْضِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي سَبْعَةٍ ذَكَرْتهَا فِي الْخَزَائِنِ وَشَرْحِي لِلْمُلْتَقَى: مِنْهَا أَنَّهُ (لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) إلَّا إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِعِدَّةٍ كَقَوْلِهِ إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ مَضَتْ عِدَّتِي؛ فَقَدَّرَهُ الْإِمَامُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ
ــ
[رد المحتار]
ثُمَّ الْحَدِيثُ مَذْكُورٌ فِي الْهِدَايَةِ، وَظَاهِرُ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَذَكَرَ عَنْ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: اجْتَنِبِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِك ثُمَّ اغْتَسِلِي وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى سَنَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ بِدُونِ «وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» .
(قَوْلُهُ وَالنِّفَاسُ) بِالْكَسْرِ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ تَرَهُ) أَيْ بِأَنْ خَرَجَ الْوَلَدُ جَافًّا بِلَا دَمٍ (قَوْلُهُ الْمُعْتَمَدُ نَعَمْ) وَعَلَيْهِ فَيُعَمَّمُ فِي الدَّمِ، فَيُقَالُ دَمٌ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ مِنْ سُرَّتِهَا) عِبَارَةُ الْبَحْرِ: مِنْ قِبَلِ سُرَّتِهَا، بِأَنْ كَانَ بِبَطْنِهَا جُرْحٌ فَانْشَقَّتْ وَخَرَجَ الْوَلَدُ مِنْهَا. اهـ (قَوْلُهُ فَنُفَسَاءُ) ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ الرَّحِمِ عَقِبَ الْوِلَادَةِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ بِأَنْ سَالَ الدَّمُ مِنْ السُّرَّةِ (قَوْلُهُ وَإِنْ ثَبَتَ لَهُ أَحْكَامُ الْوَلَدِ) أَيْ فَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِوِلَادَتِهَا وَقَعَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ بَحْرٌ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ فَتَتَوَضَّأُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا أَقَلِّهِ ط (قَوْلُهُ وَتُومِئُ بِصَلَاةٍ) أَيْ إنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ لَمْ تُصَلِّ تَكُونُ عَاصِيَةً لِرَبِّهَا ثُمَّ كَيْفَ تُصَلِّي؟ قَالُوا يُؤْتَى بِقِدْرٍ فَيُجْعَلُ الْقِدْرُ تَحْتَهَا وَيُحْفَرُ لَهَا وَتَجْلِسُ هُنَاكَ وَتُصَلِّي كَيْ لَا تُؤْذِيَ وَلَدَهَا. اهـ. (قَوْلُهُ فَمَا عُذْرُ الصَّحِيحِ الْقَادِرِ) اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ: أَيْ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّرْكِ أَوْ التَّأْخِيرِ. قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي: فَانْظُرْ وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هَلْ تَجِدُ عُذْرًا لِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ؟ وَا وَيْلَاهُ لِتَارِكِهَا (قَوْلُهُ إلَّا فِي سَبْعَةٍ) هِيَ الْبُلُوغُ وَالِاسْتِبْرَاءُ وَالْعِدَّةُ، وَأَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ، وَأَنَّ أَكْثَرَهُ أَرْبَعُونَ، وَأَنَّهُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَصْلُ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ. اهـ فَقَوْلُهُ الْبُلُوغُ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْبُلُوغَ قَدْ حَصَلَ بِالْحَبَلِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَصُورَتُهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً حَامِلًا فَقَبَضَهَا وَوَضَعَتْ عِنْدَهُ وَلَدًا وَبَقِيَ وَلَدٌ آخَرُ فِي بَطْنِهَا، فَالدَّمُ الَّذِي بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ نِفَاسٌ، وَلَا يَحْصُلُ الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا بِوَضْعِ الْوَلَدِ الثَّانِي.
وَصُورَةُ الْعِدَّةِ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ ثُمَّ قَالَتْ مَضَتْ عِدَّتِي فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ حِيَضٍ مَا خَلَا النِّفَاسَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. اهـ. سِرَاجٌ (قَوْلُهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ بِأَقَلَّ لَأَدَّى إلَى نَقْضِ الْعَادَةِ عِنْدَ عَوْدِ الدَّمِ فِي الْأَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ الْإِمَامِ أَنَّ الدَّمَ إذَا كَانَ فِي الْأَرْبَعِينَ فَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ لَا يَفْصِلُ طَالَ أَوْ قَصُرَ، حَتَّى لَوْ رَأَتْ سَاعَةً دَمًا وَأَرْبَعِينَ إلَّا سَاعَتَيْنِ طُهْرًا ثُمَّ سَاعَةً دَمًا كَانَ الْأَرْبَعُونَ كُلُّهَا نِفَاسًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى:
стр. 295
مَعَ ثَلَاثِ حِيَضٍ وَالثَّانِي بِأَحَدَ عَشَرَ وَالثَّالِثُ بِسَاعَةٍ
(وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) كَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَلِأَنَّ أَكْثَرَهُ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ.
(وَالزَّائِدُ) عَلَى أَكْثَرِهِ (اسْتِحَاضَةٌ) لَوْ مُبْتَدَأَةً؛ أَمَّا الْمُعْتَادَةُ فَتُرَدُّ لِعَادَتِهَا وَكَذَا الْحَيْضُ، فَإِنْ انْقَطَعَ عَلَى أَكْثَرِهِمَا أَوْ قَبْلَهُ
ــ
[رد المحتار]
كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ نَهْرٌ: أَيْ فَلَوْ قُدِّرَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَ عَشَرَ ثُمَّ عَادَ الدَّمُ كَانَ نِفَاسًا فَيَلْزَمُ نَقْضُ الْعَادَةِ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ قُدِّرَ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُ يَكُونُ حَيْضًا لِكَوْنِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْأَرْبَعِينَ (قَوْلُهُ مَعَ ثَلَاثِ حِيَضٍ) فَأَدْنَى مُدَّةٍ تُصَدَّقُ فِيهَا عِنْدَهُ خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا: خَمْسَةٌ وَعِشْرِينَ نِفَاسٌ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ، ثُمَّ ثَلَاثُ حِيَضٍ كُلُّ حَيْضَةٍ خَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَطُهْرَانِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَهَذَا رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْهُ.
وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ: لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَةِ يَوْمٍ لِتَقْدِيرِهِ كُلَّ حَيْضَةٍ بِعَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَتَمَامُهُ فِي السِّرَاجِ (قَوْلُهُ وَالثَّانِي بِأَحَدَ عَشَرَ) أَيْ وَلَوْ قَدَّرَ أَبُو يُوسُفَ أَقَلَّ النِّفَاسِ بِأَحَدِ عَشَرَ يَوْمًا لِيَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَأَدْنَى مُدَّةٍ تُصَدَّقُ فِيهَا عِنْدَهُ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا، أَحَدَ عَشَرَ نِفَاسٌ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ، وَثَلَاثُ حِيَضٍ بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ بَيْنَهُمَا طُهْرَانِ بِثَلَاثِينَ يَوْمًا ح (قَوْلُهُ وَالثَّالِثُ بِسَاعَةٍ) أَيْ قَدَّرَهُ مُحَمَّدٌ بِسَاعَةٍ فَتُصَدَّقُ فِي أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَسَاعَةٍ: خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ، ثُمَّ ثَلَاثُ حِيَضٍ بِتِسْعَةٍ، ثُمَّ طُهْرَانِ ثَلَاثُونَ. قَالَ فِي الْمَنْظُومَةِ النَّسَفِيَّةِ:
أَدْنَى زَمَانٍ عِنْدَهُ تُصَدَّقُ ... فِيهِ الَّتِي بَعْدَ الْوِلَادِ تَطْلُقُ
هِيَ الثَّمَانُونَ بِخَمْسٍ تُقْرَنُ ... وَمِائَةٌ فِيمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ
وَالْخَمْسُ وَالسِّتُّونَ عِنْدَ الثَّانِي ... وَحَطَّ إحْدَى عَشَرَ الشَّيْبَانِيُّ
. اهـ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحُرَّةِ النُّفَسَاءِ وَأَمَّا الْأَمَةُ وَغَيْرُ النُّفَسَاءِ فَسَيَأْتِي حُكْمُهَا فِي الْعِدَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ كَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ) أَيْ بِالْمَعْنَى.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» وَأَثْنَى الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ وَقَّتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ» وَرُوِيَ هَذَا مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ لَمْ تَخْلُ عَنْ الطَّعْنِ، لَكِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِكَثْرَتِهَا إلَى الْحَسَنِ. اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ أَكْثَرَهُ إلَخْ) يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، حَتَّى إنَّ مَنْ جَعَلَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَجْعَلُ أَكْثَرَ النِّفَاسِ سِتِّينَ ح
(قَوْلُهُ لَوْ مُبْتَدَأَةً) يَعْنِي إنَّمَا يُعْتَبَرُ الزَّائِدُ عَلَى الْأَكْثَرِ اسْتِحَاضَةً فِي حَقِّ الْمُبْتَدَأَةِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ لَهَا عَادَةٌ، أَمَّا الْمُعْتَادَةُ فَتُرَدُّ لِعَادَتِهَا أَيْ وَيَكُونُ مَا زَادَ عَنْ الْعَادَةِ اسْتِحَاضَةً، لَا مَا زَادَ عَلَى الْأَكْثَرِ فَقَطْ (قَوْلُهُ فَتُرَدُّ لِعَادَتِهَا) أَطْلَقَهُ، فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ خَتْمُ عَادَتِهَا بِالدَّمِ أَوْ بِالطُّهْرِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: إنْ خُتِمَ بِالدَّمِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ بِالطُّهْرِ فَلَا.
وَبَيَانُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ: إذَا كَانَ عِدَّتُهَا فِي النِّفَاسِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَانْقَطَعَ دَمُهَا عَلَى رَأْسِ عِشْرِينَ يَوْمًا وَطَهُرَتْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ تَمَامُ عَادَتِهَا فَصَلَّتْ وَصَامَتْ ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ فَاسْتَمَرَّ بِهَا حَتَّى جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ ذَكَرَ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِينَ، وَلَا يُجْزِيهَا صَوْمُهَا فِي الْعَشَرَةِ الَّتِي صَامَتْ فَيَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ. أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ فَنِفَاسُهَا عِشْرُونَ، فَلَا تَقْضِي مَا صَامَتْ بَعْدَهَا بَحْرٌ مِنْ الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْحَيْضُ) يَعْنِي إنْ زَادَ عَلَى عَشْرَةٍ فِي الْمُبْتَدَأَةِ فَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ وَتُرَدُّ الْمُعْتَادَةُ لِعَادَتِهَا ط (قَوْلُهُ فَإِنْ انْقَطَعَ عَلَى أَكْثَرِهِمَا) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ الزَّائِدُ ط (قَوْلُهُ أَوْ قَبْلَهُ) أَيْ وَقَبْلَ الْأَكْثَرِ وَزَادَ عَلَى الْعَادَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ زَادَ عَلَى الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَى الْعَادَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَكْثَرِ
стр. 296
فَالْكُلُّ نِفَاسٌ. وَكَذَا حَيْضٌ إنْ وَلِيَهُ طُهْرٌ تَامٌّ وَإِلَّا فَعَادَتُهَا وَهِيَ تَثْبُتُ وَتَنْتَقِلُ بِمَرَّةٍ بِهِ يُفْتَى، وَتَمَامُهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْمُلْتَقَى
(وَالنِّفَاسُ لِأُمِّ تَوْأَمَيْنِ مِنْ الْأَوَّلِ)
ــ
[رد المحتار]
فَالْكُلُّ حَيْضٌ اتِّفَاقًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ طُهْرٌ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ إنْ وَلِيَهُ طُهْرٌ تَامٌّ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ فَرَأَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ السَّادِسَ حَيْضٌ أَيْضًا، فَإِنْ طَهُرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا وَهِيَ خَمْسَةٌ وَالْيَوْمُ السَّادِسُ اسْتِحَاضَةٌ، فَتَقْضِي مَا تَرَكَتْ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ. اهـ.
قَالَ ح: وَصُورَتُهُ فِي النِّفَاسِ كَانَتْ عَادَتُهَا فِي كُلِّ نِفَاسٍ ثَلَاثِينَ ثُمَّ رَأَتْ مَرَّةً إحْدَى وَثَلَاثِينَ ثُمَّ طُهْرًا أَرْبَعَةَ عَشَرَ ثُمَّ رَأَتْ الْحَيْضَ، فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا وَهِيَ الثَّلَاثُونَ وَيُحْسَبُ الْيَوْمُ الزَّائِدُ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي هِيَ طُهْرٌ (قَوْلُهُ وَهِيَ تَثْبُتُ وَتَنْتَقِلُ بِمَرَّةٍ) أَشَارَ إلَى أَنَّ مَا رَأَتْهُ ثَانِيًا بَعْدَ الطُّهْرِ التَّامِّ يَصِيرُ عَادَةً لَهَا. وَهَذَا مِثَالُ الِانْتِقَالِ بِمَرَّةٍ، وَمِثَالُ الثُّبُوتِ مُبْتَدَأَةٌ رَأَتْ دَمًا وَطُهْرًا صَحِيحَيْنِ ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَعَادَتُهَا فِي الدَّمِ وَالطُّهْرِ مَا رَأَتْ فَتُرَدُّ إلَيْهَا. لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْ الْبِرْكَوِيِّ تَقْيِيدَهُ بِمَا إذَا كَانَ طُهْرُهَا أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَإِلَّا فَتُرَدُّ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً وَحَيْضُهَا بِحَالِهِ (قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لَهُمَا. ثُمَّ الْخِلَافُ فِي الْعَادَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَهِيَ أَنْ تَرَى دَمَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ وَطُهْرَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى الْوِلَاءِ أَوْ أَكْثَرَ، لَا الْجَعْلِيَّةُ بِأَنْ تَرَى أَطْهَارًا مُخْتَلِفَةً وَمَاءً كَذَلِكَ فَإِنَّهَا تُنْتَقَضُ بِرُؤْيَةِ الْمُخَالِفِ اتِّفَاقًا نَهْرٌ، وَتَمَامُ بَيَانِ ذَلِكَ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ نَبَّهَ الْبِرْكَوِيُّ فِي هَامِشِ رِسَالَتِهِ عَلَى أَنَّ بَحْثَ انْتِقَالِ الْعَادَةِ مِنْ أَهَمِّ، مَبَاحِثِ الْحَيْضِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ وَصُعُوبَةِ فَهْمِهِ وَتَعَسُّرِ إجْرَائِهِ.
وَذَكَرَ فِي الرِّسَالَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لِلْعَادَةِ إنْ كَانَتْ فِي النِّفَاسِ، فَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الْأَرْبَعِينَ فَالْعَادَةُ بَاقِيَةٌ تُرَدُّ إلَيْهَا وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ انْتَقَلَتْ الْعَادَةُ إلَى مَا رَأَتْهُ وَالْكُلُّ نِفَاسٌ؛ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَيْضِ، فَإِنْ جَاوَزَ الْعَشَرَةَ، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِ الْعَادَةِ نِصَابٌ انْتَقَلَتْ زَمَانًا وَالْعَدَدُ بِحَالِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ. وَإِنْ وَقَعَ فَالْوَاقِعُ فِي زَمَانِهَا فَقَطْ حَيْضٌ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ مُسَاوِيًا لِعَادَتِهَا عَدَدًا فَالْعَادَةُ بَاقِيَةٌ وَإِلَّا انْتَقَلَتْ الْعَادَةُ عَدَدًا إلَى مَا رَأَتْهُ نَاقِصًا، وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ فَالْكُلُّ حَيْضٌ. فَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا صَارَ الثَّانِي عَادَةً وَإِلَّا فَالْعَدَدُ بِحَالِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ لِذَلِكَ أَمْثِلَةً أَوْضَحَ بِهَا الْمَقَامَ، فَرَاجِعْهَا مَعَ شَرْحِنَا عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ إلَخْ) ذَكَرَ فِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ السِّرَاجِ، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَجْمُوعِ مَا ذَكَرَهُ لَا إلَى مَسْأَلَةِ الِانْتِقَالِ فَقَطْ إذْ لَمْ يُذْكَرُ فِيهَا أَزْيَدَ مِمَّا هُنَا فَافْهَمْ.
[تَتِمَّةٌ] اخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَادَةِ، هَلْ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا الزِّيَادَةَ عَنْ الْعَادَةِ؟ قِيلَ لَا لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ نَعَمْ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمَا وَكَذَا الْحُكْمُ فِي النِّفَاسِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُبْتَدَأَةِ أَيْضًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَتْرُكُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا الدَّمَ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ حَالَهَا نُوحٌ أَفَنْدِي
(وَقَوْلُهُ وَالنِّفَاسُ لِأُمِّ تَوْأَمَيْنِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ تَثْنِيَةُ تَوْأَمٍ: اسْمُ وَلَدٍ إذَا كَانَ مَعَهُ آخَرُ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ مِنْ الْأَوَّلِ) وَالْمَرْئِيُّ عَقِيبَ الثَّانِي، إنْ كَانَ فِي الْأَرْبَعِينَ فَمِنْ نِفَاسِ الْأَوَّلِ وَإِلَّا فَاسْتِحَاضَةٌ وَقِيلَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ يَجِبُ عَلَيْهَا نِفَاسٌ مِنْ الثَّانِي وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ
стр. 297
هُمَا وَلَدَانِ بَيْنَهُمَا دُونَ نِصْفِ حَوْلٍ وَكَذَا الثَّلَاثَةُ وَلَوْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ
(وَ) انْقِضَاءُ (الْعِدَّةِ مِنْ الْأَخِيرِ وِفَاقًا) لِتَعَلُّقِهِ بِالْفَرَاغِ (وَسِقْطٌ) مُثَلَّثُ السِّينِ: أَيْ مَسْقُوطٌ (ظَهَرَ بَعْضُ خَلْقِهِ كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ) أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ ظُفُرٍ أَوْ شَعْرٍ، وَلَا يَسْتَبِينُ خَلْقُهُ إلَّا بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا (وَلَدٌ) حُكْمًا (فَتَصِيرُ) الْمَرْأَةُ (بِهِ نُفَسَاءَ وَالْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ وَيَحْنَثُ بِهِ) فِي تَعْلِيقِهِ وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ
ــ
[رد المحتار]
نِهَايَةٌ وَبَحْرٌ. ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُمَا. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ النِّفَاسُ مِنْ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ اسْتِحَاضَةٌ. وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي النَّهْرِ
(قَوْلُهُ وِفَاقًا) أَشَارَ إلَى أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى خِلَافًا كَمَا ذَكَرْنَا (قَوْلُهُ لِتَعَلُّقِهِ بِالْفَرَاغِ) أَيْ لِتَعَلُّقِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِفَرَاغِ الرَّحِمِ وَهُوَ لَا يَفْرُغُ إلَّا بِخُرُوجِ كُلِّ مَا فِيهِ ط (قَوْلُهُ مُثَلَّثُ السِّينِ) أَيْ يَجُوزُ فِيهِ تَحْرِيكُهَا بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ، قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَالْكَسْرُ أَكْثَرُ.
مَطْلَبٌ فِي أَحْوَالِ السِّقْطِ وَأَحْكَامِهِ (قَوْلُهُ أَيْ مَسْقُوطٌ) الَّذِي فِي الْبَحْرِ التَّعْبِيرُ بِالسَّاقِطِ وَهُوَ الْحَقُّ لَفْظًا وَمَعْنًى؛ أَمَّا لَفْظًا فَلِأَنَّ سَقَطَ لَازِمٌ لَا يُبْنَى مِنْهُ اسْمُ الْمَفْعُولِ، وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ سُقُوطُ الْوَلَدِ سَوَاءٌ سَقَطَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَسْقَطَهُ غَيْرُهُ ح (قَوْلُهُ وَلَا يَسْتَبِينُ خَلْقُهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: الْمُرَادُ نَفْخُ الرُّوحِ وَإِلَّا فَالْمُشَاهَدُ ظُهُورُ خَلْقِهِ قَبْلَهَا اهـ وَكَوْنُ الْمُرَادِ بِهِ مَا ذُكِرَ مَمْنُوعٌ.
وَقَدْ وَجَّهَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً وَأَرْبَعِينَ عَلَقَةً وَأَرْبَعِينَ مُضْغَةً. وَعِبَارَتُهُ فِي عِقْدِ الْفَرَائِدِ قَالُوا: يُبَاحُ لَهَا أَنْ تُعَالِجَ فِي اسْتِنْزَالِ الدَّمِ مَا دَامَ الْحَمْلُ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً وَلَمْ يُخْلَقْ لَهُ عُضْوٌ، وَقَدَّرُوا تِلْكَ الْمُدَّةَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَإِنَّمَا أَبَاحُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآدَمِيٍّ. اهـ كَذَا فِي النَّهْرِ.
أَقُولُ: لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْبَحْرِ: إنَّ الْمُشَاهَدَ ظُهُورُ خَلْقِهِ قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحِ «إذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا» وَأَيْضًا هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ
فَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ دَاوُد فِي تَذْكِرَتِهِ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ عِظَامًا مُخَطَّطَةً فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا إلَى خَمْسِينَ، ثُمَّ يَجْتَذِبُ الْغِذَاءَ وَيَكْتَسِي اللَّحْمَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، ثُمَّ تَظْهَرُ فِيهِ الْغَاذِيَةُ وَالنَّامِيَةُ وَيَكُونُ كَالنَّبَاتِ إلَى نَحْوِ الْمِائَةِ، ثُمَّ يَكُونُ كَالْحَيَوَانِ النَّائِمِ إلَى عِشْرِينَ بَعْدَهَا فَتُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ الْحَقِيقِيَّةُ الْإِنْسَانِيَّةُ. اهـ مُلَخَّصًا.
نَعَمْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نَفْخَ الرُّوحِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَيْ عَقِبَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةِ أَيَّامٍ وَبِهِ أَخَذَ أَحْمَدُ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ ظُهُورَ الْخَلْقِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفْخَ الرُّوحِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْخَلْقِ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ) أَيْ إنْ ادَّعَاهُ الْمَوْلَى قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ (قَوْلُهُ وَيَحْنَثُ بِهِ فِي تَعْلِيقِهِ) أَيْ يَقَعُ
стр. 298
فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالْمَرْئِيُّ حَيْضٌ إنْ دَامَ ثَلَاثًا وَتَقَدَّمَهُ طُهْرٌ تَامٌّ وَإِلَّا اسْتِحَاضَةٌ، وَلَوْ لَمْ يُدْرَ حَالُهُ وَلَا عَدَدُ أَيَّامِ حَمْلِهَا وَدَامَ الدَّمُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا بِيَقِينٍ ثُمَّ تَغْتَسِلُ ثُمَّ تُصَلِّي كَمَعْذُورٍ.
(وَلَا يُحَدُّ إيَاسٌ بِمُدَّةٍ، بَلْ هُوَ أَنْ تَبْلُغَ مِنْ السِّنِّ مَا لَا تَحِيضُ مِثْلُهَا فِيهِ)
ــ
[رد المحتار]
الْمُعَلَّقُ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِمَا بِوِلَادَتِهِ، بِأَنْ قَالَ: إنْ وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ بَعْدَ كَلَامٍ: وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ فَلَا حُكْمَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَإِذَا ظَهَرَ وَلَمْ يَتِمَّ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُسَمَّى، وَتَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِذَا تَمَّ وَلَمْ يُسْتَهَلَّ أَوْ اُسْتُهِلَّ وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرُهُ مَاتَ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَا يُغَسَّلُ أَوْ لَا يُسَمَّى وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ إرْثِهِ وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ وَيُدْفَنُ وِفَاقًا. وَإِذَا خَرَجَ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَلَا خِلَافَ فِي غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَتَسْمِيَتِهِ، وَيَرِثُ وَيُورَثُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْآدَمِيِّ الْحَيِّ الْكَامِلِ. اهـ.
قُلْت: لَكِنَّ قَوْلَهُ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ، أَمَّا مَنْ تَمَّ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُغَسَّلُ كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ فِي الْجَنَائِزِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ وَالْمَرْئِيُّ) أَيْ الدَّمُ الْمَرْئِيُّ مَعَ السِّقْطِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ (قَوْلُهُ وَتَقَدَّمَهُ) أَيْ وُجِدَ قَبْلَهُ بَعْدَ حَيْضِهَا السَّابِقِ، لِيَصِيرَ فَاصِلًا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ. وَزَادَ فِي النِّهَايَةِ قَيْدًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يُوَافِقَ تَمَامَ عَادَتِهَا، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ لَا تَنْتَقِلُ بِمَرَّةٍ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَإِلَّا اسْتِحَاضَةٌ) أَيْ إنْ لَمْ يَدُمْ ثَلَاثًا وَتَقَدَّمَهُ طُهْرٌ تَامٌّ، أَوْ دَامَ ثَلَاثًا وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ طُهْرٌ تَامٌّ، أَوْ لَمْ يَدُمْ ثَلَاثًا وَلَا تَقَدَّمَهُ طُهْرٌ تَامٌّ ح (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُدْرَ حَالُهُ إلَخْ) أَيْ لَا يَدْرِي أَمُسْتَبِينٌ هُوَ أَمْ لَا؟ بِأَنْ أَسْقَطَتْ فِي الْمَخْرَجِ وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَإِذَا كَانَ مَثَلًا حَيْضُهَا عَشْرَةً وَطُهْرُهَا عِشْرِينَ وَنِفَاسُهَا أَرْبَعِينَ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ حَيْضِهَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَشْرَةً بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّهَا إمَّا حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عِشْرِينَ بِالشَّكِّ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا نُفَسَاءَ أَوْ طَاهِرَةً ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَشْرَةً بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّهَا إمَّا نُفَسَاءُ أَوْ حَائِضٌ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عِشْرِينَ بِيَقِينٍ لِاسْتِيفَاءِ الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ دَأْبُهَا حَيْضُهَا عَشْرَةٌ وَطُهْرُهَا عِشْرُونَ، وَإِنْ أَسْقَطَتْ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا فَإِنَّهَا تُصَلِّي مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ قَدْرَ عَادَتِهَا فِي الطُّهْرِ بِالشَّكِّ ثُمَّ تَتْرُكُ قَدْرَ عَادَتِهَا فِي الْحَيْضِ بِيَقِينٍ.
وَحَاصِلُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلشَّكِّ، وَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ. اهـ مِنْ الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَتَمَامُ تَفَارِيعِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَنَبَّهَ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْخُلَاصَةِ غَلَطًا فِي التَّصْوِيرِ مِنْ النُّسَّاخِ (قَوْلُهُ وَلَا عَدَدَ أَيَّامِ حَمْلِهَا) هَذَا زَادَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ وَلَمْ تَعْلَمْ عَدَدَ أَيَّامِ حَمْلِهَا بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ عَنْهَا، أَمَّا لَوْ لَمْ تَرَهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ أَسْقَطَتْهُ فِي الْمَخْرَجِ كَانَ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ. اهـ (قَوْلُهُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا بِيَقِينٍ) أَيْ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي لَا تَتَيَقَّنُ فِيهَا بِالطُّهْرِ، فَيَشْمَلُ مَا يَحْتَمِلُ الْمَرْئِيُّ فِيهَا أَنَّهُ حَيْضٌ أَوْ نِفَاسٌ كَالْعَشَرَةِ الْأُولَى مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَالْعَشَرَةِ الْأَخِيرَةِ وَمَا تَتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَيْضٌ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ ثُمَّ تَغْتَسِلُ إلَخْ: أَيْ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي تَتَرَدَّدُ فِيهَا بَيْنَ النِّفَاسِ وَالطُّهْرِ أَوْ تَتَيَقَّنُ فِيهَا بِالطُّهْرِ فَقَطْ، فَلِلَّهِ دَرُّ هَذَا الشَّارِحِ فَقَدْ أَدَّى جَمِيعَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ مَعَ زِيَادَةِ مَا فِي النَّهْرِ وَأَنَّ صَلَاتَهَا صَلَاةُ الْمَعْذُورِ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُحَدُّ إيَاسٌ بِمُدَّةٍ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي عُدَّةِ الْفَتْحِ عَنْ الْمُحِيطِ ح. ثُمَّ إنَّ الْإِيَاسَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْيَأْسِ وَهُوَ الْقُنُوطُ ضِدُّ الرَّجَاءِ. قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: أَصْلُهُ إيئَاسٌ عَلَى وَزْنِ إفْعَالٍ مِنْ أَيْأَسَهُ إذَا جَعَلَهُ يَائِسًا مُنْقَطِعَ الرَّجَاءِ، فَكَأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهَا مُنْقَطِعَةَ الرَّجَاءِ عَنْ رُؤْيَةِ الدَّمِ، حُذِفَتْ الْهَمْزَةُ الَّتِي
стр. 299
فَإِذَا بَلَغَتْهُ وَانْقَطَعَ دَمُهَا حُكِمَ بِإِيَاسِهَا (فَمَا رَأَتْهُ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ حَيْضٌ) فَيَبْطُلُ الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ وَتَفْسُدُ الْأَنْكِحَةُ.
(وَقِيلَ: يُحَدُّ بِخَمْسِينَ سَنَةً وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ) وَالْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا مُجْتَبًى وَغَيْرُهُ (تَيْسِيرًا) وَحَدَّهُ فِي الْعُدَّةِ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ. قَالَ فِي الضِّيَاءِ: وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ (وَمَا رَأَتْهُ بَعْدَهَا) أَيْ: الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ (فَلَيْسَ بِحَيْضٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) إلَّا إذَا كَانَ دَمًا خَالِصًا فَحَيْضٌ حَتَّى يَبْطُلَ بِهِ الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ، لَكِنْ قَبْلَ تَمَامِهَا لَا بَعْدُ حَتَّى لَا تَفْسُدَ الْأَنْكِحَةُ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى جَوْهَرَةٌ وَغَيْرُهَا وَسَنُحَقِّقُهُ فِي الْعِدَّةِ.
ــ
[رد المحتار]
هِيَ عَيْنُ الْكَلِمَةِ تَخْفِيفًا. اهـ. نُوحٌ (قَوْلُهُ: مِثْلُهَا) قَالَ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُمَاثِلَةَ فِي تَرْكِيبِ الْبَدَنِ وَالسِّمَنِ وَالْهُزَالِ. اهـ. وَيُقَالُ: لَا بُدَّ أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ ذَلِكَ جِنْسُهَا لِمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ الْفَتْحِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَدَّرَهُ فِي الرُّومِيَّاتِ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَفِي غَيْرِهِنَّ بِسِتِّينَ، وَرُبَّمَا يُعْتَبَرُ الْقُطْرُ أَيْضًا، فَلْيُحَرَّرْ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ: فَإِذَا بَلَغَتْهُ) فَلَوْ لَمْ تَبْلُغْهُ وَانْقَطَعَ دَمُهَا فَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ رَحْمَتِيٌّ.
وَعَلَيْهِ فَالْمُرْضِعُ الَّتِي لَا تَرَى الدَّمَ فِي مُدَّةِ إرْضَاعِهَا، لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا إلَّا بِالْحَيْضِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ.
وَقَالَ فِي السِّرَاجِ: سُئِلَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَنْ الْمُرْضِعَةِ إذَا لَمْ تَرَ حَيْضًا فَعَالَجَتْهُ حَتَّى رَأَتْ صُفْرَةً فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ قَالَ: هُوَ حَيْضٌ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَانْقَطَعَ دَمُهَا) أَمَّا لَوْ بَلَغَتْهُ وَالدَّمُ يَأْتِيهَا فَلَيْسَتْ بِآيِسَةٍ، وَمَعْنَاهُ: إذَا رَأَتْ الدَّمَ عَلَى الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ ذَلِكَ الْمُعْتَادُ، وَعَوْدُ الْعَادَةِ يُبْطِلُ الْإِيَاسَ، ثُمَّ فَسَّرَ بَعْضُهُمْ هَذَا بِأَنْ تَرَاهُ سَائِلًا كَثِيرًا احْتِرَازًا عَمَّا إذَا رَأَتْ بَلَّةً يَسِيرَةً وَنَحْوَهُ، وَقَيَّدُوهُ بِأَنْ يَكُونَ أَحْمَرَ أَوْ أَسْوَدَ، فَلَوْ أَصْفَرَ أَوْ أَخْضَرَ أَوْ تُرَبِيَّةً لَا يَكُونُ حَيْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ فَقَالَ: إذَا رَأَتْهُ عَلَى الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ عَادَتُهَا قَبْلَ الْإِيَاسِ أَصْفَرَ فَرَأَتْهُ كَذَلِكَ أَوْ عَلَقًا فَرَأَتْهُ كَذَلِكَ كَانَ حَيْضًا. اهـ. فَتْحٌ مِنْ الْعِدَّةِ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ هُوَ الثَّانِي رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ: حُكِمَ بِإِيَاسِهَا) فَائِدَةُ هَذَا الْحُكْمِ الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ إذَا لَمْ تَرَ فِي أَثْنَائِهَا دَمًا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَحَدَّهُ) أَيْ: الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ قَوْلُ مَشَايِخِ بُخَارَى وَخُوَارِزْمَ ح وَبِخَطِّ الشَّارِحِ فِي هَامِشِ الْخَزَائِنِ. قَالَ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِي نُكَتِ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ عَنْ الْمُفِيدِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَمِثْلُهُ فِي الْفَيْضِ وَغَيْرِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ) وَهِيَ الْخَمْسُونَ أَوْ الْخَمْسَةُ وَالْخَمْسُونَ ط (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ بِحَيْضٍ) وَلَا يَبْطُلُ بِهِ الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ ط (قَوْلُهُ: دَمًا خَالِصًا) أَيْ كَالْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ الْقَانِي دُرَرٌ. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَتَقَدَّمَ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَالِصًا وَكَانَتْ عَادَتُهَا كَذَلِكَ قَبْلَ الْإِيَاسِ يَكُونُ حَيْضًا (قَوْلُهُ: حَتَّى يَبْطُلَ) تَفْرِيعٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَبْلَ تَمَامِهَا) أَيْ: تَمَامِ الْعِدَّةِ بِالْأَشْهُرِ لَا بَعْدَهُ أَيْ: بَعْدَ تَمَامِ الِاعْتِدَادِ ط (قَوْلُهُ: وَسَنُحَقِّقُهُ فِي الْعِدَّةِ) عِبَارَتُهُ هُنَاكَ: آيِسَةٌ اعْتَدَّتْ بِالْأَشْهُرِ ثُمَّ عَادَ دَمُهَا عَلَى جَارٍ الْعَادَةِ أَوْ حَبِلَتْ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ بَطَلَتْ عِدَّتُهَا وَفَسَدَ نِكَاحُهَا وَاسْتَأْنَفَتْ بِالْحَيْضِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلِيفَةِ تَحَقُّقُ الْإِيَاسِ عَنْ الْأَصْلِ وَذَلِكَ بِالْعَجْزِ إلَى الْمَوْتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْغَايَةِ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ حِكَايَةِ سِتَّةِ أَقْوَالٍ مُصَحَّحَةٍ. وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ، لَكِنْ اخْتَارَ الْبَهْنَسِيُّ مَا اخْتَارَهُ الشَّهِيدُ أَنَّهَا إنْ رَأَتْهُ قَبْلَ تَمَامِ الْأَشْهُرِ اسْتَأْنَفَتْ لَا بَعْدَهَا.
قُلْت: وَهُوَ مَا اخْتَارَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَمُنْلَا خُسْرو وَالْبَاقَانِيُّ، وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْحَيْضِ، وَعَلَيْهِ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ، وَتَعْتَدُّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِالْحَيْضِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَالْمُجْتَبَى أَنَّهُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي تَصْحِيحِ الْقُدُورِيِّ: وَهَذَا التَّصْحِيحُ أَوْلَى مِنْ تَصْحِيحِ الْهِدَايَةِ، وَفِي النَّهْرِ أَنَّهُ أَطَالَ الرِّوَايَاتِ. اهـ. ح.
стр. 300
(وَصَاحِبُ عُذْرٍ مَنْ بِهِ سَلَسٌ) بَوْلٍ لَا يُمْكِنُهُ إمْسَاكُهُ (أَوْ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ أَوْ انْفِلَاتُ رِيحٍ أَوْ اسْتِحَاضَةٌ) أَوْ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ أَوْ عَمَشٌ أَوْ غَرَبٌ، وَكَذَا كُلُّ مَا يَخْرُجُ بِوَجَعٍ وَلَوْ مِنْ أُذُنٍ وَثَدْيٍ وَسُرَّةٍ (إنْ اسْتَوْعَبَ عُذْرُهُ تَمَامَ وَقْتِ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ)
بِأَنْ لَا يَجِدَ فِي جَمِيعِ وَقْتِهَا زَمَنًا يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي فِيهِ خَالِيًا عَنْ الْحَدَثِ (وَلَوْ حُكْمًا) لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ الْيَسِيرَ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ (وَهَذَا شَرْطُ) الْعُذْرِ (فِي حَقِّ الِابْتِدَاءِ، وَفِي) حَقِّ (الْبَقَاءِ كَفَى وُجُودُهُ فِي جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ) وَلَوْ مَرَّةً (وَفِي) حَقِّ الزَّوَالِ يُشْتَرَطُ (اسْتِيعَابُ الِانْقِطَاعِ) تَمَامَ الْوَقْتِ (حَقِيقَةً) لِأَنَّهُ الِانْقِطَاعُ الْكَامِلُ.
(وَحُكْمُهُ الْوُضُوءُ) لَا غَسْلُ ثَوْبِهِ
ــ
[رد المحتار]
[مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْمَعْذُورِ]
ِ (قَوْلُهُ: وَصَاحِبُ عُذْرٍ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَقَوْلُهُ: مَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَالْأَوَّلُ نَكِرَةٌ فَافْهَمْ. قَالَ فِي النَّهْرِ: قِيلَ السَّلَسُ بِفَتْحِ اللَّامِ نَفْسُ الْخَارِجِ، وَبِكَسْرِهَا مَنْ بِهِ هَذَا الْمَرَضِ (قَوْلُهُ: لَا يُمْكِنُهُ إمْسَاكُهُ) أَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ صَاحِبَ عُذْرٍ كَمَا يَأْتِي ط. (قَوْلُهُ: أَوْ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ) أَيْ: جَرَيَانُ مَا فِيهِ مِنْ الْغَائِطِ (قَوْلُهُ: أَوْ انْفِلَاتُ رِيحٍ) هُوَ مَنْ لَا يَمْلِكُ جَمْعَ مَقْعَدَتِهِ لِاسْتِرْخَاءٍ فِيهَا نَهْرٌ (قَوْلُهُ: أَوْ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ) أَيْ: وَيَسِيلُ مِنْهُ الدَّمْعُ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ (قَوْلُهُ: أَوْ عَمَشٌ) ضَعْفُ الرُّؤْيَةِ مَعَ سَيَلَانِ الدَّمْعِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ ح عَنْ الْقَامُوسِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ غَرَبٌ) قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: هُوَ عِرْقٌ فِي مَجْرَى الدَّمْعِ يَسْقِي فَلَا يَنْقَطِعُ مِثْلُ الْبَاسُورِ وَعَنْ الْأَصْمَعِيِّ: بِعَيْنِهِ غَرَبٌ إذَا كَانَتْ تَسِيلُ وَلَا تَنْقَطِعُ دُمُوعُهَا. وَالْغَرَبُ بِالتَّحْرِيكِ: وَرَمٌ فِي الْمَآقِيِ اهـ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا كُلُّ مَا يَخْرُجُ بِوَجَعٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ يَعُمُّ الْأَنْفَ إذَا زُكِمَ ط، لَكِنْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَاءَ فَمِ النَّائِمً طَاهِرٌ وَلَوْ مُنْتِنًا فَتَأَمَّلْ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنْيَةِ: كُلُّ مَا يَخْرُجُ بِعِلَّةٍ فَالْوَجَعُ غَيْرُ قَيْدٍ كَمَا مَرَّ. وَفِي الْمُجْتَبَى: الدَّمُ وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ وَمَاءُ الْجُرْحِ وَالنَّفِطَةِ وَمَاءُ الْبَثْرَةِ وَالثَّدْيُ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ لِعِلَّةٍ سَوَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ. اهـ.
وَقَدَّمْنَا فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ عَنْ الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْعِلَّةِ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَاءً فَقَطْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَيْحًا أَوْ صَدِيدًا، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ أَيْضًا بَقِيَّةَ الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدَّمْعِ فَرَاجِعْهَا (قَوْلُهُ: مَفْرُوضَةٍ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْوَقْتِ الْمُهْمَلِ كَمَا بَيْنَ الطُّلُوعِ وَالزَّوَالِ فَإِنَّهُ وَقْتٌ لِصَلَاةٍ غَيْرِ مَفْرُوضَةٍ وَهِيَ الْعِيدُ وَالضُّحَى كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ، فَلَوْ اسْتَوْعَبَهُ لَا يَصِيرُ مَعْذُورًا وَكَذَا لَوْ اسْتَوْعَبَهُ الِانْقِطَاعُ لَا يَكُونُ بُرْءًا، أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ حُكْمًا) أَيْ: وَلَوْ كَانَ الِاسْتِيعَابُ حُكْمًا بِأَنْ انْقَطَعَ الْعُذْرُ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ لَا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ فَلَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِيعَابُ الْحَقِيقِيُّ فِي حَقِّ الِابْتِدَاءِ كَمَا حَقَّقَهُ فِي الْفَتْحِ وَالدُّرَرِ، خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ الزَّيْلَعِيُّ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْبَحْرِ، قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: ثُمَّ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُمْكِنَا مَعَ سُنَنِهِمَا أَوْ الِاقْتِصَارُ عَلَى فَرْضِهِمَا؟ يُرَاجَعْ. اهـ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ الثَّانِي، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فِي حَقِّ الِابْتِدَاءِ) أَيْ: فِي حَقِّ ثُبُوتِهِ ابْتِدَاءً (قَوْلُهُ: فِي جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ) أَيْ: مِنْ كُلِّ وَقْتٍ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِيعَابِ إمْدَادٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَرَّةً) أَيْ: لِيُعْلَمَ بِهَا بَقَاؤُهُ إمْدَادٌ (قَوْلُهُ: وَفِي حَقِّ الزَّوَالِ) أَيْ: زَوَالِ الْعُذْرِ، وَخُرُوجِ صَاحِبِهِ عَنْ كَوْنِهِ مَعْذُورًا (قَوْلُهُ: تَمَامَ الْوَقْتِ حَقِيقَةً) أَيْ: بِأَنْ لَا يُوجَدَ الْعُذْرُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ أَصْلًا فَيَسْقُطَ الْعُذْرُ مِنْ أَوَّلِ الِانْقِطَاعِ؛ حَتَّى لَوْ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ الصَّلَاةِ وَدَامَ الِانْقِطَاعُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الثَّانِي يُعِيدُ؛ وَلَوْ عَرَضَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ فَرْضٍ انْتَظَرَ إلَى آخِرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي ثُمَّ إنْ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ الثَّانِي يُعِيدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ.
وَإِنْ اسْتَوْعَبَ الْوَقْتَ الثَّانِيَ لَا يُعِيدُ لِثُبُوتِ الْعُذْرِ حِينَئِذٍ مِنْ وَقْتِ الْعُرُوضِ. اهـ. بِرْكَوِيَّةٌ، وَنَحْوُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالظَّهِيرِيَّةِ. وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ أَنَّهُ لَوْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لَا يُعِيدُ لِزَوَالِ الْعُذْرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ) أَيْ: الْعُذْرِ أَوْ صَاحِبِهِ (قَوْلُهُ: الْوُضُوءُ) أَيْ: مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالتَّيَمُّمُ (قَوْلُهُ: لَا غَسْلُ ثَوْبِهِ) أَيْ: إنْ لَمْ يُفِدْ كَمَا يَأْتِي
стр. 301
وَنَحْوِهِ (لِكُلِّ فَرْضٍ) اللَّامُ لِلْوَقْتِ كَمَا فِي - ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]- (ثُمَّ يُصَلِّي) بِهِ (فِيهِ فَرْضًا وَنَفْلًا) فَدَخَلَ الْوَاجِبُ بِالْأَوْلَى (فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ) أَيْ: ظَهَرَ حَدَثُهُ السَّابِقُ، حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ عَلَى الِانْقِطَاعِ وَدَامَ إلَى خُرُوجِهِ لَمْ يَبْطُلْ بِالْخُرُوجِ مَا لَمْ يَطْرَأْ حَدَثٌ آخَرُ أَوْ يَسِيلُ كَمَسْأَلَةِ مَسْحِ خُفِّهِ.
وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَلَوْ لِعِيدٍ أَوْ ضُحًى لَمْ يَبْطُلْ إلَّا بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ.
(وَإِنْ سَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) فَوْقَ الدِّرْهَمِ (جَازَ لَهُ أَنْ لَا يَغْسِلَهُ إنْ كَانَ لَوْ غَسَلَهُ تَنَجَّسَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (وَإِلَّا) يَتَنَجَّسْ قَبْلَ فَرَاغِهِ (فَلَا) يَجُوزُ تَرْكُ غَسْلِهِ، هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى،
ــ
[رد المحتار]
مَتْنًا (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ) كَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ ط (قَوْلُهُ: اللَّامُ لِلْوَقْتِ) أَيْ: فَالْمَعْنَى لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ، فَلَا يَجِبُ لِكُلِّ صَلَاةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَفِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُحْكَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بِخِلَافِ حَدِيثِ " لِكُلِّ صَلَاةٍ " فَإِنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ فِي وَقْتِهَا فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُحْكَمِ وَتَمَامُهُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ) أَيْ: بِالْوُضُوءِ فِيهِ أَيْ: فِي الْوَقْتِ (قَوْلُهُ: فَرْضًا) أَيْ: أَيَّ فَرْضٍ كَانَ نَهْرٌ أَيْ: فَرْضَ الْوَقْتِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْفَوَائِتِ (قَوْلُهُ: بِالْأَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ النَّفَلُ وَهُوَ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِهِ يَجُوزُ لَهُ الْوَاجِبُ الْمُطَالَبُ بِهِ بِالْأَوْلَى، أَفَادَهُ ح، أَوْ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى يَجُوزُ الْأَوْسَطُ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ) أَفَادَ أَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَقَطْ لَا بِدُخُولِهِ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَلَا بِكُلٍّ مِنْهُمَا خِلَافًا لِلثَّانِي وَتَأْتِي ثَمَرَةُ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: أَيْ: ظَهَرَ حَدَثُهُ السَّابِقُ) أَيْ: السَّابِقُ عَلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ.
وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْخُرُوجِ فِي الِانْتِقَاضِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا النَّاقِضُ هُوَ الْحَدَثُ السَّابِقُ بِشَرْطِ الْخُرُوجِ، فَالْحَدَثُ مَحْكُومٌ بِارْتِفَاعِهِ إلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَيَظْهَرُ عِنْدَهَا مُقْتَصِرًا لَا مُسْتَنِدًا، كَمَا حَقَّقَهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ أَيْ: ظَهَرَ حَدَثُهُ السَّابِقُ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَظْهَرُ حَدَثُهُ الَّذِي قَارَنَ الْوُضُوءَ أَوْ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ بِأَنْ تَوَضَّأَ عَلَى السَّيَلَانِ أَوْ وَجَدَ السَّيَلَانَ بَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ أَيْ: فَأَمَّا إذَا تَوَضَّأَ عَلَى الِانْقِطَاعِ وَدَامَ إلَى الْخُرُوجِ فَلَا حَدَثَ بَلْ هُوَ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ، فَلَا يَبْطُلُ بِالْخُرُوجِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَطْرَأْ إلَخْ) أَيْ: فَإِنَّهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ لَوْ طَرَأَ أَيْ: عَرَضَ لَهُ حَدَثٌ آخَرُ أَوْ سَالَ حَدَثُهُ يَبْطُلُ وُضُوءُهُ بِذَلِكَ الْحَدَثِ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: كَمَسْأَلَةِ مَسْحِ خُفِّهِ) أَيْ: الَّتِي قَدَّمَهَا فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ أَيْ: الْمَعْذُورَ يَمْسَحُ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ إلَّا إذَا تَوَضَّأَ وَلَبِسَ عَلَى الِانْقِطَاعِ فَكَالصَّحِيحِ. اهـ. وَقَدَّمْنَاهُ أَنَّهَا رُبَاعِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَلْبَسَ عَلَى الِانْقِطَاعِ أَوْ يُوجَدَ الْحَدَثُ مَعَ الْوُضُوءِ أَوْ مَعَ اللُّبْسِ أَوْ مَعَهُمَا، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَقَطْ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا مِنْ الْمَسْحِ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ وَهِيَ الْمُرَادَةُ هُنَا فَلَمَّا كَانَ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْلُومًا حَيْثُ صَرَّحَ فِيهَا بِأَنَّهُ كَالصَّحِيحِ أَيْ: إنَّهُ يَمْسَحُ فِي الْوَقْتِ وَخَارِجَهُ إلَى انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى الِانْقِطَاعِ وَدَامَ إلَى خُرُوجِهِ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ أَيْضًا، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ لَا يَبْطُلُ وُضُوءُهُ مَا لَمْ يَطْرَأْ حَدَثٌ آخَرُ، فَتَشْبِيهُ مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ بِمَسْأَلَةِ الْمَسْحِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حُكْمُهُ كَالصَّحِيحِ.
وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِي الْأُولَى يَبْطُلُ وُضُوءُهُ بِطُرُوِّ الْحَدَثِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَلَا يَبْطُلُ مَسْحُهُ بِذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْمَسْحِ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ الْخُفِّ وَالْغَسْلُ بَعْدَ الْوَقْتِ، بِخِلَافِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَأَفَادَ) أَيْ: بِقَوْلِهِ فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَقْتُ الْفَرْضِ لَا الْمُهْمَلِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَبْطُلْ إلَّا بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ) أَيْ: خِلَافًا لِزُفَرَ وَأَبِي يُوسُفَ حَيْثُ أَبْطَلَاهُ بِدُخُولِهِ وَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الطُّلُوعِ بَطَلَ أَيْضًا بِالطُّلُوعِ خِلَافًا لِزُفَرَ فَقَطْ لِعَدَمِ الدُّخُولِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْعَصْرِ لَهُ بَطَلَ اتِّفَاقًا لِوُجُودِ الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ وَالْأَصْلُ مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى) وَقِيلَ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ أَصْلًا، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مُقَيَّدًا
стр. 302
وَكَذَا مَرِيضٌ لَا يَبْسُطُ ثَوْبَهُ إلَّا تَنَجَّسَ فَوْرًا لَهُ تَرْكُهُ
(وَ) الْمَعْذُورُ (إنَّمَا تَبْقَى طَهَارَتُهُ فِي الْوَقْتِ) بِشَرْطَيْنِ (إذَا) تَوَضَّأَ لِعُذْرِهِ وَ (لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ حَدَثٌ آخَرُ، أَمَّا إذَا) تَوَضَّأَ لِحَدَثٍ آخَرَ وَعُذْرُهُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ سَالَ أَوْ تَوَضَّأَ لِعُذْرِهِ ثُمَّ (طَرَأَ) عَلَيْهِ حَدَثٌ آخَرُ، بِأَنْ سَالَ أَحَدُ مَنْخِرَيْهِ أَوْ جُرْحَيْهِ أَوْ قُرْحَتَيْهِ وَلَوْ مِنْ جُدَرِيٍّ ثُمَّ سَالَ الْآخَرُ (فَلَا) تَبْقَى طَهَارَتُهُ.
(فُرُوعٌ) يَجِبُ رَدُّ عُذْرِهِ أَوْ تَقْلِيلُهُ بِقَدْرِ قُدْرَتِهِ وَلَوْ بِصَلَاتِهِ مُومِيًا،
ــ
[رد المحتار]
بِأَنْ لَا يُصِيبَهُ مَرَّةً أُخْرَى يَجِبُ. وَإِنْ كَانَ يُصِيبُهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى فَلَا وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ بَحْرٌ.
قُلْت: بَلْ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ اخْتِيَارُ مَشَايِخِنَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا فِي الْمَتْنِ فَهُوَ أَوْسَعُ عَلَى الْمَعْذُورِينَ، وَيُؤَيِّدُ التَّوْفِيقَ مَا فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الزَّاهِدِيِّ عَنْ الْبَقَّالِيِّ: لَوْ عَلِمَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ أَنَّهَا لَوْ غَسَلَتْهُ يَبْقَى طَاهِرًا إلَى أَنْ تُصَلِّيَ يَجِبُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ يَعُودُ نَجِسًا غَسَلَتْهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ دُونَ مُحَمَّدٍ اهـ لَكِنْ فِيهَا عَنْ الزَّاهِدِيِّ أَيْضًا عَنْ قَاضِي صَدْرٍ أَنَّهُ لَوْ يَبْقَى طَاهِرًا إلَى أَنْ تَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَا يَبْقَى إلَى أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ، فَعِنْدَنَا تُصَلِّي بِدُونِ غَسْلِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ عِنْدَنَا مُقَدَّرَةٌ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَعِنْدَهُ بِالْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ. اهـ. لَكِنْ هَذَا قَوْلُ ابْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَجِبُ غَسْلُهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ. وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَنَجَاسَةُ الثَّوْبِ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ فَلَا تَلْحَقُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا مَرِيضٌ إلَخْ) فِي الْخُلَاصَةِ مَرِيضٌ مَجْرُوحٌ تَحْتَهُ ثِيَابٌ نَجِسَةٌ، إنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يُبْسَطُ تَحْتَهُ شَيْءٌ إلَّا تَنَجَّسَ مِنْ سَاعَتِهِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَالِهِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَنَجَّسْ الثَّانِي إلَّا أَنَّهُ يَزْدَادُ مَرَضُهُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بَحْرٌ مِنْ بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " مِنْ سَاعَتِهِ " أَنْ يَتَنَجَّسَ نَجَاسَةً مَانِعَةً قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَكَذَا
(قَوْلُهُ: وَالْمَعْذُورُ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ مِنْ أَنَّ وُضُوءَهُ يَبْقَى مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَطْرَأْ) بِالْهَمْزِ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَطَرَأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ: جَاءَ مِنْ بَعِيدٍ فَجْأَةً، مِنْ بَابِ مَنَعَ وَمَصْدَرُهُ الطُّرُوءُ، وَقَوْلُهُمْ: طَرِيَ الْجُنُونُ، وَالطَّارِي خِلَافُ الْأَصْلِ فَالصَّوَابُ الْهَمْزَةُ، وَأَمَّا الطَّرَيَانُ فَخَطَأٌ أَصْلًا اهـ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا تَوَضَّأَ لِحَدَثٍ آخَرَ) أَيْ: لِحَدَثٍ غَيْرِ الَّذِي صَارَ بِهِ مَعْذُورًا وَكَانَ حَدَثُهُ مُنْقَطِعًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: أَمَّا إذَا كَانَ حَدَثُهُ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ وَأَحْدَثَ حَدَثًا آخَرَ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَلَا يَنْتَقِضُ بِسَيَلَانِ عُذْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ التَّقْيِيدِ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهُ وَقَعَ لَهُمَا، ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ إذَا تَوَضَّأَ لِعُذْرِهِ.
وَوَجْهُ النَّقْضِ فِيهِ بِالْعُذْرِ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَقَعْ لَهُ فَكَانَ عَدَمًا فِي حَقِّهِ بَدَائِعُ. وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ عَلَى الِانْقِطَاعِ وَدَامَ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ ثُمَّ جَدَّدَ الْوُضُوءَ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي ثُمَّ سَالَ انْتَقَضَ؛ لِأَنَّ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَوَضَّأَ بَعْدَ السَّيَلَانِ زَيْلَعِيٌّ. (قَوْلُهُ: أَوْ تَوَضَّأَ لِعُذْرِهِ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ حَدَثٌ آخَرُ،
وَوَجْهُ النَّقْضِ فِيهِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ هَذَا حَدَثٌ جَدِيدٌ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَقْتَ الطَّهَارَةِ، فَكَانَ هُوَ وَالْبَوْلُ وَالْغَائِطُ سَوَاءً. اهـ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ سَالَ أَحَدُ مَنْخِرَيْهِ) أَمَّا لَوْ سَالَ مِنْهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ انْقَطَعَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ مَا بَقِيَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ حَصَلَتْ لَهُمَا جَمِيعًا وَالطَّهَارَةُ مَتَى وَقَعَتْ لِعُذْرٍ لَا يَضُرُّهَا السَّيَلَانُ مَا بَقِيَ الْوَقْتُ، فَبَقِيَ هُوَ صَاحِبَ عُذْرٍ بِالْمَنْخِرِ الْآخَرِ، وَعَلَى هَذَا صَاحِبُ الْقُرُوحِ إذَا انْقَطَعَ السَّيَلَانُ عَنْ بَعْضِهَا بَدَائِعُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ جُدَرِيٍّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ ط وَبِخَطِّ الشَّارِحِ فِي هَامِشِ الْخَزَائِنِ. قَوْلُهُ: أَوْ قُرْحَتَيْهِ يَشْمَلُ مَنْ بِهِ جُدَرِيٌّ سَالَ مِنْهَا مَاءٌ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ سَالَ مِنْهَا قُرْحَةٌ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ؛ لِأَنَّ الْجُدَرِيَّ قُرُوحٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ جُرْحَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْبَدَنِ أَحَدُهُمَا لَا يَرْقَأُ لَوْ تَوَضَّأَ لِأَجْلِهِ ثُمَّ سَالَ الْآخَرُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَلَا تَبْقَى طَهَارَتُهُ) جَوَابُ أَمَّا (قَوْلُهُ: أَوْ تَقْلِيلُهُ) أَيْ: إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِصَلَاتِهِ مُومِئًا) أَيْ: كَمَا إذَا سَالَ عِنْدَ السُّجُودِ وَلَمْ يَسِلْ بِدُونِهِ فَيُومِئُ قَائِمًا
стр. 303
وَبِرَدِّهِ لَا يَبْقَى ذَا عُذْرٍ بِخِلَافِ الْحَائِضِ.
وَلَا يُصَلِّي مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ؛ لِأَنَّ مَعَهُ حَدَثًا وَنَجَسًا.
بَابُ الْأَنْجَاسِ
جَمْعُ نَجَسٍ بِفَتْحَتَيْنِ. وَهُوَ لُغَةً: يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ. وَعُرْفًا يَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ.
ــ
[رد المحتار]
أَوْ قَاعِدًا، وَكَذَا لَوْ سَالَ عِنْدَ الْقِيَامِ يُصَلِّي قَاعِدًا، بِخِلَافِ مَنْ لَوْ اسْتَلْقَى لَمْ يَسِلْ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا. اهـ. بِرْكَوِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: وَبِرَدِّهِ لَا يَبْقَى ذَا عُذْرٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَمَتَى قَدَرَ الْمَعْذُورُ عَلَى رَدِّ السَّيَلَانِ بِرِبَاطٍ أَوْ حَشْوٍ أَوْ كَانَ لَوْ جَلَسَ لَا يَسِيلُ وَلَوْ قَامَ سَالَ وَجَبَ رَدُّهُ، وَخَرَجَ بِرَدِّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ عُذْرٍ، وَيَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا بِإِيمَاءٍ إنْ سَالَ بِالْمَيَلَانِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَهْوَنُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ. اهـ.
وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ صَاحِبَ كَيِّ الْحِمَّصَةِ غَيْرُ مَعْذُورٍ لِإِمْكَانِ رَدِّ الْخَارِجِ بِرَفْعِهَا ط، وَهَذَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ مِنْهُ فِيهِ قُوَّةُ السَّيَلَانِ بِنَفْسِهِ لَوْ تُرِكَ وَكَانَ إذَا رَفَعَهَا يَنْقَطِعُ سَيَلَانُهُ أَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ رَبْطُهُ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ السَّيَلَانِ وَالنَّشِّ كَنَحْوِ جِلْدٍ، أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَنْقَطِعُ فِي الْوَقْتِ بِرَفْعِهَا وَلَا يُمْكِنُهُ الرَّبْطُ الْمَذْكُورُ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَقَدَّمْنَا بَقِيَّةَ الْكَلَامِ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْحَائِضِ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ دَمَ الْحَيْضِ كَالْخَارِجِ حَيْثُ جَعَلَهَا حَائِضًا وَكَانَ الْقِيَاسُ خِلَافَهُ لِانْعِدَامِ دَمِ الْحَيْضِ حِسًّا اهـ حِلْيَةٌ. وَهَذَا إذَا مَنَعَتْهُ بَعْدَ نُزُولِهِ إلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ كَمَا أَفَادَهُ الْبِرْكَوِيُّ، لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحَيْضُ إلَّا بِالْبُرُوزِ لَا بِالْإِحْسَاسِ بِهِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، فَلَوْ أَحَسَّتْ بِهِ فَوَضَعَتْ الْكُرْسُفَ فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ وَمَنَعَتْهُ مِنْ الْخُرُوجِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ كَمَا لَوْ حَبَسَ الْمَنِيَّ فِي الْقَصَبَةِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ مَعَهُ حَدَثًا وَنَجَسًا) أَيْ: بِخِلَافِ الْمُقْتَدِي، فَإِنَّ مَعَهُ انْفِلَاتَ الرِّيحِ وَهُوَ حَدَثٌ فَقَطْ. وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ جَوَازُ عَكْسِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي النَّهْرِ هُنَاكَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَبِأَنَّ مُجَرَّدَ اخْتِلَافِ الْعُذْرِ مَانِعٌ.
أَقُولُ: وَيُوَافِقُهُ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ وَالتَّبْيِينِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهَا، مِنْ أَنَّ اقْتِدَاءَ الْمَعْذُورِ بِالْمَعْذُورِ صَحِيحٌ إنْ اتَّحَدَ عُذْرُهُمَا، وَأَوْضَحَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَرَاجِعْهُ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي مَحَلِّهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَنْجَاسِ]
أَيْ: بَابُ بَيَانِهَا وَبَيَانِ أَحْكَامِهَا وَتَطْهِيرِ مَحَالِّهَا. وَقَدَّمَ الْحُكْمِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى، لِكَوْنِ قَلِيلِهَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا وَلَا يَسْقُطُ وُجُوبُ إزَالَتِهَا بِعُذْرٍ بَحْرٌ عَنْ النِّهَايَةِ.
أَقُولُ فِيهِ: إنَّ الْحُكْمِيَّةَ لَا تَتَجَزَّأُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَمَنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ لُمْعَةٌ فَهُوَ مُحْدِثٌ فَلَا تُوصَفُ بِالْقِلَّةِ، وَقَدْ تَسْقُطُ بِعُذْرٍ كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الطَّهَارَةِ فِيمَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَبِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: بِفَتْحَتَيْنِ) كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ اسْمًا اهـ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مَا قَالَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ جَمْعُ نَجِسٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ، لِمَا فِي الْعُبَابِ: النَّجِسُ ضِدُّ الطَّاهِرِ، وَالنَّجَاسَةُ ضِدُّ الطَّهَارَةُ وَقَدْ نَجِسَ يَنْجَسُ كَسَمِعَ يَسْمَعُ وَكَرُمَ يَكْرُمُ، وَإِذَا قُلْت: رَجُلٌ نَجِسٌ بِكَسْرِ الْجِيمِ ثَنَّيْت وَجَمَعْت وَبِفَتْحِهَا لَمْ تُثَنِّ وَلَمْ تَجْمَعْ وَتَقُولُ: رَجُلٌ وَرَجُلَانِ وَرِجَالٌ وَامْرَأَةٌ وَنِسَاءٌ نَجَسٌ اهـ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْعَيْنِيِّ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَنْجَاسَ لَيْسَ جَمْعًا لِمَفْتُوحِ الْجِيمِ بَلْ لِمَكْسُورِهَا. (قَوْلُهُ: يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ) وَالْخَبَثُ يَخُصُّ الْأَوَّلَ وَالْحَدَثُ الثَّانِيَ بَحْرٌ،
стр. 304
(يَجُوزُ رَفْعُ نَجَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ عَنْ مَحَلِّهَا) وَلَوْ إنَاءً أَوْ مَأْكُولًا عُلِمَ مَحَلُّهَا أَوْ لَا (بِمَاءٍ لَوْ مُسْتَعْمَلًا) بِهِ يُفْتَى (وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ) لِلنَّجَاسَةِ يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ (كَخَلٍّ وَمَاءِ وَرْدٍ) حَتَّى الرِّيقُ، فَتَطْهُرُ أُصْبُعٌ وَثَدْيٌ تَنَجَّسَ بِلَحْسٍ ثَلَاثًا (بِخِلَافِ نَحْوِ لَبَنٍ) كَزَيْتٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَالِعٍ، وَمَا قِيلَ إنَّ اللَّبَنَ وَبَوْلَ مَا يُؤْكَلُ مُزِيلٌ فَخِلَافُ الْمُخْتَارِ.
(وَيَطْهُرُ خُفٌّ وَنَحْوُهُ) كَنَعْلٍ (تَنَجَّسَ بِذِي جِرْمٍ)
ــ
[رد المحتار]
فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: رَفْعُ خَبَثٍ بَدَلَ قَوْلِهِ " رَفْعُ نَجَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ " كَانَ أَخْصَرَ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: يَجُوزُ إلَخْ) عَبَّرَ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ عَنْ مَحَلِّهَا وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِبَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَمَكَانِهِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ فَعَبَّرَ بِالْوُجُوبِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ بَيَانُ جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَا ذُكِرَ أَيْ: مِنْ الْمَاءِ وَكُلِّ مَائِعٍ إلَخْ لَا بَيَانُ وُجُوبِهَا حَالَةَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ اهـ.
عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ كَمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ مُقَيَّدٌ بِالْإِمْكَانِ وَبِمَا إذَا لَمْ يَرْتَكِبْ مَا هُوَ أَشَدُّ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إزَالَتِهَا إلَّا بِإِبْدَاءِ عَوْرَتِهِ لِلنَّاسِ يُصَلِّي مَعَهَا؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ أَشَدُّ، فَلَوْ أَبَدَاهَا لِلْإِزَالَةِ فَسَقَ؛ إذْ مَنْ اُبْتُلِيَ بَيْنَ مَحْظُورَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْتَكِبَ أَهْوَنَهُمَا. اهـ. وَقَدَّمَ الشَّارِحُ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ أَنَّهُ لَا يَدَعُهُ وَإِنْ رَآهُ النَّاسُ، وَقَدَّمْنَا مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ هُنَاكَ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ إنَاءً أَوْ مَأْكُولًا) أَيْ: كَقَصْعَةٍ وَأَدْهَانٍ؛ وَهَذَا حَيْثُ أَمْكَنَ لِقَوْلِهِ آخِرَ الْبَابِ " حِنْطَةٌ طُبِخَتْ فِي خَمْرٍ " لَا تَطْهُرُ أَبَدًا. (قَوْلُهُ: أَوْ لَا) كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ طَرَفٌ مِنْ ثَوْبِهِ وَنَسِيَهُ فَيَغْسِلُ طَرَفًا مِنْهُ وَلَوْ بِلَا تَحَرٍّ كَمَا سَيَأْتِي مَتْنًا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ. (قَوْلُهُ: بِمَاءٍ) يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَاءُ الْمَشْكُوكُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا مَرَّ فِي الْأَسْآرِ. (قَوْلُهُ: بِهِ يُفْتَى) أَيْ: خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ بَحْرٌ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ الطَّهَارَةَ بِانْقِلَابِ الْعَيْنِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَبِكُلِّ مَائِعٍ) أَيْ: سَائِلٍ، فَخَرَجَ الْجَامِدُ كَالثَّلْجِ قَبْلَ ذَوْبِهِ أَفَادَهُ ط. [تَنْبِيهٌ]
صَرَّحَ فِي الْحِلْيَةِ فِي بَحْثِ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَنَّهُ تُكْرَهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعِ الْمَذْكُورِ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ. (قَوْلُهُ: طَاهِرٍ) فَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَا يُطَهِّرُ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ اتِّفَاقًا، بَلْ وَلَا يُزِيلُ حُكْمَ الْغَلِيظَةِ فِي الْمُخْتَارِ، فَلَوْ غُسِلَ بِهِ الدَّمُ بَقِيَتْ نَجَاسَةُ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ مَا ازْدَادَ الثَّوْبُ بِهِ إلَّا شَرًّا؛ وَلَوْ حَلَفَ مَا فِيهِ دَمٌ أَيْ: نَجَاسَةُ دَمٍ يَحْنَثُ، وَعَلَى الضَّعِيفِ لَا وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ، وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ. (قَوْلُهُ: قَالِعٍ) أَيْ: مُزِيلٍ. (قَوْلُهُ: يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ) تَفْسِيرٌ لِقَالِعٍ لَا قَيْدٌ آخَرُ. اهـ. ح (قَوْلُهُ: فَتَطْهُرُ أُصْبُعٌ إلَخْ) عِبَارَةُ الْبَحْرِ: وَعَلَى هَذَا فَرَّعُوا طَهَارَةَ الثَّدْيِ إذَا قَاءَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ ثُمَّ رَضَعَهُ حَتَّى زَالَ أَثَرُ الْقَيْءِ، وَكَذَا إذَا لَحِسَ أُصْبُعَهُ مِنْ نَجَاسَةٍ حَتَّى ذَهَبَ الْأَثَرُ أَوْ شَرِبَ خَمْرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ رِيقُهُ فِي فِيهِ مِرَارًا طَهُرَ، حَتَّى لَوْ صَلَّى صَحَّتْ. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا. اهـ. وَقَدَّمْنَا فِي الْأَسْآرِ عَنْ الْحِلْيَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَزُولَ أَثَرُ الْخَمْرِ مِنْ الرِّيقِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَفِي الْفَتْحِ: صَبِيٌّ ارْتَضَعَ ثُمَّ قَاءَ فَأَصَابَ ثِيَابَ الْأُمِّ إنْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ فَنَجِسٌ، فَإِذَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ وَقَدَّمْنَا مَا يَقْتَضِي طَهَارَتَهُ. (قَوْلُهُ: مُزِيلٌ) لَمْ يَقُلْ مُطَهِّرٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ بَوْلَ الْمَأْكُولِ لَا يُطَهِّرُ اتِّفَاقًا؛ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي إزَالَتِهِ لِلنَّجَاسَةِ الْكَائِنَةِ. (قَوْلُهُ: فَخِلَافُ الْمُخْتَارِ) وَعَلَى ضَعْفِهِ فَالْمُرَادُ بِاللَّبَنِ مَا لَا دُسُومَةَ فِيهِ بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: وَيَطْهُرُ خُفٌّ وَنَحْوُهُ) احْتِرَازٌ عَنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ؛ فَلَا يَطْهُرَانِ بِالدَّلْكِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ؛ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ؛ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا أَصَابَ النَّجَسُ مَوْضِعَ الْوَطْءِ وَمَا فَوْقَهُ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ. (قَوْلُهُ: كَنَعْلٍ) وَمِثْلُهُ الْفَرْوُ. اهـ. ح عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ وَالْحَمَوِيِّ: أَيْ: مِنْ غَيْرِ جَانِبِ الشَّعْرِ؛ وَقَيَّدَ النَّعْلَ فِي النَّهْرِ بِغَيْرِ الرَّقِيقِ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْبَحْرِ: قَيَّدَهُ أَبُو يُوسُفَ بِغَيْرِ الرَّقِيقِ؛ فَالْمُرَادُ بِهِ النَّجَسُ ذُو الْجِرْمِ؛ وَمَثَّلَ لَهُ فِي الْمِعْرَاجِ بِالْخَمْرِ وَالْبَوْلِ، فَالضَّمِيرُ فِي عِبَارَةِ الْبَحْرِ لِلنَّجَسِ لَا لِلنَّعْلِ. (قَوْلُهُ: بِذِي جِرْمٍ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ رَطْبًا عَلَى قَوْلِ الثَّانِي؛ وَعَلَيْهِ
стр. 305
هُوَ كُلُّ مَا يُرَى بَعْدَ الْجَفَافِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِهَا كَخَمْرٍ وَبَوْلٍ أَصَابَهُ تُرَابٌ بِهِ يُفْتَى بِدَلْكٍ يَزُولُ بِهِ أَثَرُهَا (وَإِلَّا) جِرْمٌ لَهَا كَبَوْلٍ (فَيُغْسَلْ وَ) يَطْهُرُ (صَقِيلٌ) لَا مَسَامَّ لَهُ (كَمِرْآةٍ) وَظُفْرٍ وَعَظْمٍ وَزُجَاجٍ وَآنِيَةٍ مَدْهُونَةٍ أَوْ خِرَاطِي وَصَفَائِحَ فِضَّةٍ غَيْرِ مَنْقُوشَةٍ بِمَسْحٍ يَزُولُ بِهِ أَثَرُهَا مُطْلَقًا بِهِ يُفْتَى.
ــ
[رد المحتار]
أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ؛ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِعُمُومِ الْبَلْوَى؛ وَلِإِطْلَاقِ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلِهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: هُوَ كُلُّ مَا يُرَى بَعْدَ الْجَفَافِ) أَيْ: عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ كَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ، وَمَا لَا يُرَى بَعْدَ الْجَفَافِ فَلَيْسَ بِذِي جِرْمٍ بَحْرٌ. وَيَأْتِي تَمَامُهُ قَرِيبًا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْجِرْمُ الْمَرْئِيُّ مِنْ غَيْرِ النَّجَاسَةِ. (قَوْلُهُ: كَخَمْرٍ وَبَوْلٍ إلَخْ) أَيْ: بِأَنْ ابْتَلَّ الْخُفُّ بِخَمْرٍ فَمَشَى بِهِ عَلَى رَمْلٍ أَوْ رَمَادٍ فَاسْتَجْسَدَ فَمَسَحَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى تَنَاثَرَ طَهُرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ بَحْرٌ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ.
أَقُولُ: وَمُفَادَهُ أَنَّ الْخَمْرَ وَالْبَوْلَ لَيْسَ بِذِي جِرْمٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُرَى أَثَرُهُ بَعْدَ الْجَفَافِ، فَالْمُرَادُ بِذِي الْجِرْمِ مَا تَكُونُ ذَاتُهُ مُشَاهَدَةً بِحِسِّ الْبَصَرِ، وَبِغَيْرِهِ مَا لَا تَكُونُ كَذَلِكَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَكَذَا يَطْهُرُ مَحَلُّ نَجَاسَةٍ مَرْئِيَّةٍ ". (قَوْلُهُ: بِدَلْكٍ) أَيْ: بِأَنْ يَمْسَحَهُ مَسْحًا قَوِيًّا ط وَمِثْلُ الدَّلْكِ الْحَكُّ وَالْحَتُّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَفِي الْمُغْرِبِ: الْحَتُّ الْقَشْرُ بِالْيَدِ أَوْ الْعُودِ. (قَوْلُهُ: يَزُولُ بِهِ أَثَرُهَا) أَيْ: إلَّا أَنْ يَشُقَّ زَوَالُهُ نَهْرٌ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا جِرْمٌ لَهَا) أَيْ: وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ الْمَفْهُومَةُ مِنْ الْمَقَامِ لَا جِرْمَ لَهَا. (قَوْلُهُ: فَيُغْسَلْ) أَيْ: الْخُفُّ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُغْسَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُتْرَكَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَتَّى يَنْقَطِعَ التَّقَاطُرُ وَتَذْهَبَ النَّدَاوَةُ، وَلَا يُشْتَرَطُ اللُّبْسُ. (قَوْلُهُ: صَقِيلٌ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ نَحْوِ الْحَدِيدِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ صَدَأٌ أَوْ مَنْقُوشًا، وَبِقَوْلِهِ " لَا مَسَامَّ لَهُ " عَنْ الثَّوْبِ الثَّقِيلِ فَإِنَّ لَهُ مَسَامًّا ح عَنْ الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: وَآنِيَةٍ مَدْهُونَةٍ) أَيْ: كَالزُّبْدِيَّةِ الصِّينِيَّةِ حِلْيَةٌ. (قَوْلُهُ: أَوْ خَرَّاطِيٍّ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُهُ يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ نِسْبَةً إلَى الْخَرَّاطِ، وَهُوَ خَشَبٌ يَخْرُطُهُ الْخَرَّاطُ فَيَصِيرُ صَقِيلًا كَالْمِرْآةِ ح (قَوْلُهُ: بِمَسْحٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَطْهُرُ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِالْمَسْحِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِسُيُوفِهِمْ ثُمَّ يَمْسَحُونَهَا وَيُصَلُّونَ مَعَهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ، وَمَا عَلَى ظَهْرِهِ يَزُولُ بِالْمَسْحِ بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ أَصَابَهُ نَجَسٌ لَهُ جِرْمٌ أَوْ لَا، رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا عَلَى الْمُخْتَارِ لِلْفَتْوَى شُرُنْبُلَالِيَّةٌ عَنْ الْبُرْهَانِ.
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا لَوْ يَابِسَةً ذَاتَ جِرْمٍ تَطْهُرُ بِالْحَتِّ وَالْمَسْحِ بِمَا فِيهِ بَلَلٌ ظَاهِرٌ مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا حَتَّى يَذْهَبَ أَثَرُهَا مَعَ عَيْنِهَا، وَلَوْ يَابِسَةً لَيْسَتْ بِذَاتِ جِرْمٍ كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ فَبِالْمَسْحِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ لَا غَيْرُ، وَلَوْ رَطْبَةً ذَاتَ جِرْمٍ أَوْ لَا فَبِالْمَسْحِ بِخِرْقَةٍ مُبْتَلَّةٍ أَوْ لَا. [تَنْبِيهٌ]
بَقِيَ مِمَّا يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ مَوْضِعُ الْحِجَامَةِ، فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا مَسَحَهَا بِثَلَاثِ خِرَقٍ رَطَبَاتٍ نِظَافٍ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَسْلِ، وَأَقَرَّهُ فِي الْفَتْحِ وَقَاسَ عَلَيْهِ مَا حَوْلَ مَحَلِّ الْفَصْدِ إذَا تَلَطَّخَ وَيُخَافُ مِنْ الْإِسَالَةِ السَّرَيَانُ إلَى الثَّقْبِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ يَقْتَضِي تَقْيِيدَ مَسْأَلَةِ الْمَحَاجِمِ بِمَا إذَا خَافَ مِنْ الْإِسَالَةِ ضَرَرًا وَالْمَنْقُولُ مُطْلَقٌ. اهـ.
أَقُولُ: وَقَدْ نُقِلَ فِي الْقُنْيَةِ عَنْ نَجْمِ الْأَئِمَّةِ الِاكْتِفَاءُ فِيهَا بِالْمَسْحِ مَرَّةً وَاحِدَةً إذَا زَالَ بِهَا الدَّمُ، لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ مَسَحَ مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ بِثَلَاثِ خِرَقٍ مَبْلُولَةٍ يَجُوزُ إنْ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا. اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِلُزُومِ الْغَسْلِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ
стр. 306
(وَ) تَطْهُرُ (أَرْضٌ) بِخِلَافِ نَحْوِ بِسَاطٍ (بِيُبْسِهَا) أَيْ: جَفَافِهَا وَلَوْ بِرِيحٍ (وَذَهَابِ أَثَرِهَا كَلَوْنٍ) وَرِيحٍ (لِ) أَجْلِ (صَلَاةٍ) عَلَيْهَا (لَا لِتَيَمُّمٍ) بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ لَهَا الطَّهَارَةُ وَلَهُ الطَّهُورِيَّةُ.
(وَ) حُكْمُ (آجُرٍّ) وَنَحْوِهِ كَلَبِنٍ (مَفْرُوشٍ وَخُصٍّ) بِالْخَاءِ تَحْجِيرَةُ سَطْحٍ (وَشَجَرٍ وَكَلَأٍ قَائِمَيْنِ فِي أَرْضٍ كَذَلِكَ)
ــ
[رد المحتار]
مَا فِي الْخَانِيَّةِ قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَمَسَحَهَا بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ ثَلَاثًا يَطْهُرُ لَوْ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا عَلَى بَدَنِهِ. اهـ. فَإِنَّهُ مَعَ التَّقَاطُرِ يَكُونُ غَسْلًا لَا مَسْحًا، لِمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَصَابَهُ نَجَاسَةٌ فَبَلَّ يَدَهُ ثَلَاثًا وَمَسَحَهَا، إنْ كَانَتْ الْبَلَّةُ مِنْ يَدِهِ مُتَقَاطِرَةً جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ غَسْلًا وَإِلَّا فَلَا. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَحْوِ بِسَاطٍ) أَيْ: وَحَصِيرٍ وَثَوْبٍ وَبَدَنٍ مِمَّا لَيْسَ أَرْضًا وَلَا مُتَّصِلًا بِهَا اتِّصَالَ قَرَارٍ. (قَوْلُهُ: بِيُبْسِهَا) لِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بَابُ طَهُورِ الْأَرْضِ إذَا يَبِسَتْ وَسَاقَ بِسَنَدِهِ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْت أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُنْت شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ» اهـ وَلَوْ أُرِيدَ تَطْهِيرُهَا عَاجِلًا يُصَبُّ عَلَيْهَا الْمَاءُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَتُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ، وَكَذَا لَوْ صُبَّ عَلَيْهَا الْمَاءُ بِكَثْرَةٍ حَتَّى لَا يَظْهَرَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ وَفَتْحٌ. وَهَلْ الْمَاءُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ نَجِسٌ أَمْ طَاهِرٌ؟ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْبَحْرِ " صَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ كَثِيرًا ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى نَشَفَتْ طَهُرَتْ أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَهَارَتَهَا بِنَشَافِهَا أَيْ: يُبْسِهَا وَبِهِ صَرَّحَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْحُجَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَيَتَنَجَّسُ الْمَوْضِعُ الَّذِي انْتَقَلَ الْمَاءُ إلَيْهِ. وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا حَيْثُ لَمْ يَصِرْ الْمَاءُ جَارِيًا عُرْفًا، أَمَّا لَوْ جَرَى بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْ مَحَلِّهَا وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ الْجَارِيَ لَا يَتَنَجَّسُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدَدٌ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ الْأَثَرُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ: إذَا صُبَّ عَلَيْهَا الْمَاءُ فَجَرَى قَدْرَ ذِرَاعٍ طَهُرَتْ الْأَرْضُ وَالْمَاءُ طَاهِرٌ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي.
وَفِي الْمُنْتَقَى أَصَابَهَا الْمَطَرُ غَالِبًا وَجَرَى عَلَيْهَا فَذَلِكَ مُطَهِّرٌ لَهَا، وَلَوْ قَلِيلًا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا لَمْ تَطْهُرْ، فَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ وَخُفَّيْهِ يُرِيدُ بِهِ إذَا كَانَ الْمَطَرُ قَلِيلًا وَمَشَى عَلَيْهَا. اهـ. فَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَقْصُودِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَسَنَذْكُرُ آخِرَ الْفَصْلِ تَمَامَ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: أَيْ: جَفَافِهَا) الْمُرَادُ بِهِ ذَهَابُ النَّدْوَةِ، وَفَسَّرَ الشَّارِحُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَشْرُوطُ دُونَ الْيُبْسِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ قُهُسْتَانِيٌّ. وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْكَمَالِ عَنْ الذَّخِيرَةِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِرِيحٍ) أَشَارَ إلَى أَنَّ تَقْيِيدَ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا بِالشَّمْسِ اتِّفَاقِيٌّ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَفَافِ بِالشَّمْسِ أَوْ النَّارِ أَوْ الرِّيحِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: كَلَوْنٍ وَرِيحٍ) أَدْخَلَتْ الْكَافُ الطَّعْمَ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا. (قَوْلُهُ: وَلَهُ الطَّهُورِيَّةُ) ؛ لِأَنَّ الصَّعِيدَ عُلِمَ قَبْلَ التَّنَجُّسِ طَاهِرًا وَطَهُورًا وَبِالتَّنَجُّسِ عُلِمَ زَوَالُ الْوَصْفَيْنِ ثُمَّ ثَبَتَ بِالْجَفَافِ شَرْعًا أَحَدُهُمَا أَعْنِي التَّطْهِيرَ فَيَبْقَى الْآخَرُ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ زَوَالِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَهُورًا لَا يُتَيَمَّمُ بِهِ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ: مَفْرُوشٍ) أَمَّا لَوْ مَوْضُوعًا غَيْرَ مُثَبَّتٍ فِيهَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْجَفَافِ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْأَرْضِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يُسَمَّى أَرْضًا عُرْفًا، وَلِذَا لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ حُكْمًا لِعَدَمِ اتِّصَالِهِ بِهَا عَلَى جِهَةِ الْقَرَارِ فَلَا يَلْحَقُ بِهَا. شَارِحُ الْمُنْيَةِ. زَادَ فِي الْحِلْيَةِ: وَإِذَا قُلِعَ الْمَفْرُوشُ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَعُودُ نَجِسًا فِيهِ رِوَايَتَانِ. قُلْت: وَالْأَشْبَهُ عَدَمُ الْعَوْدِ. اهـ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ (قَوْلُهُ: بِالْخَاءِ) أَيْ: الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ. (قَوْلُهُ: تَحْجِيرَةُ سَطْحٍ) مِنْ الْحَجْرِ بِالْفَتْحِ: وَهُوَ الْمَنْعُ، وَفَسَّرَهُ فِي الدُّرَرِ تَبَعًا لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِالسُّتْرَةِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى السُّطُوحِ أَيْ: لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَنْ هُوَ خَلْفَهَا، وَفَسَّرَهُ فِي الْمُغْرِبِ وَالصِّحَاحِ بِالْبَيْتِ مِنْ الْقَصَبِ. (قَوْلُهُ: وَكَلَأٍ) بِوَزْنِ جَبَلٍ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: هُوَ اسْمٌ لِمَا يَرْعَاهُ الدَّوَابُّ رَطْبًا كَانَ
стр. 307
أَيْ: كَأَرْضٍ، فَيَطْهُرُ بِجَفَافٍ وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ ثَابِتًا فِيهَا لِأَخْذِهِ حُكْمَهَا بِاتِّصَالِهِ بِهَا فَالْمُنْفَصِلُ يُغْسَلُ لَا غَيْرُ، إلَّا حَجَرًا خَشِنًا كَرَحًى فَكَأَرْضٍ.
(وَيَطْهُرُ مَنِيٌّ) أَيْ: مَحَلُّهُ (يَابِسٌ بِفَرْكٍ) وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرِهِ (إنْ طَهُرَ رَأْسُ حَشَفَةٍ) كَأَنْ كَانَ مُسْتَنْجِيًا بِمَاءٍ.
وَفِي الْمُجْتَبَى أَوْلَجَ فَنَزَعَ فَأَنْزَلَ لَمْ يَطْهُرْ إلَّا بِغَسْلِهِ لِتَلَوُّثِهِ بِالنَّجَسِ انْتَهَى
ــ
[رد المحتار]
أَوْ يَابِسًا. (قَوْلُهُ: وَكَذَا إلَخْ) وَمِثْلُهُ الْحَصَى إذَا كَانَ مُتَدَاخِلًا فِي الْأَرْضِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَا يَطْهُرُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التُّرَابَ لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَ تَقْيِيدُ الْأَرْضِ الَّتِي تَطْهُرُ بِالْيُبْسِ بِمَا لَا تُرَابَ عَلَيْهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: إلَّا حَجَرًا خَشِنًا إلَخْ) فِي الْخَانِيَّةِ مَا نَصُّهُ: الْحَجَرُ إذَا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ، إنْ كَانَ حَجَرًا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ كَحَجَرِ الرَّحَى يَكُونُ يُبْسُهُ طَهَارَةً، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَشَرَّبُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ.
وَبَحَثَ فِيهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَقَالَ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِي الْأَرْضِ مَعْقُولُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تَجْذِبُ النَّجَاسَةَ وَالْهَوَاءَ يُجَفِّفُهَا فَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الِاجْتِذَابُ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَطْهُرَ اللَّبِنُ وَالْآجُرُّ بِالْجَفَافِ وَذَهَابِ الْأَثَرِ وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ الْأَرْضِ لِوُجُودِ التَّشَرُّبِ وَالِاجْتِذَابِ. اهـ. وَعَلَى هَذَا اسْتَظْهَرَ فِي الْحِلْيَةِ حَمْلَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى الْحَجَرِ الْمَفْرُوشِ دُونَ الْمَوْضُوعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ عِبَارَةِ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْخَشِنِ وَغَيْرِهِ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الْمُنْفَصِلِ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ وَالْبَحْرِ.
وَيُجَابُ عَمَّا بَحَثَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِأَنَّ اللَّبِنَ وَالْآجُرَّ قَدْ خَرَجَا بِالطَّبْخِ وَالصَّنْعَةِ عَنْ مَاهِيَّتِهمَا الْأَصْلِيَّةِ بِخِلَافِ الْحَجَرِ فَإِنَّهُ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ فَأَشْبَهَ الْأَرْضَ بِأَصْلِهِ، وَأَشْبَهَ غَيْرَهَا بِانْفِصَالِهِ عَنْهَا، فَقُلْنَا إذَا كَانَ خَشِنًا فَهُوَ فِي حُكْمِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ، وَإِنْ كَانَ أَمْلَسَ فَهُوَ فِي حُكْمِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -
(قَوْلُهُ: بِفَرْكٍ) هُوَ الْحَكُّ بِالْيَدِ حَتَّى يَتَفَتَّتَ بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرِهِ) أَيْ: كَبَقَائِهِ بَعْدَ الْغَسْلِ بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: إنْ طَهُرَ رَأْسُ حَشَفَةٍ) قِيلَ هُوَ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ مَذْيٌ، فَإِنْ سَبَقَهُ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: مَسْأَلَةُ الْمَنِيِّ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَحْلٍ يَمْذِي ثُمَّ يُمْنِي إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَغْلُوبٌ بِالْمَنِيِّ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ فَيُجْعَلُ تَبَعًا. اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ كُلُّ فَحْلٍ كَذَلِكَ وَقَدْ طَهَّرَهُ الشَّرْعُ بِالْفَرْكِ يَابِسًا يَلْزَمُ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ مُسْتَهْلَكًا لِلضَّرُورَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَالَ فَلَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ حَتَّى أَمْنَى لِعَدَمِ الْمُلْجِئِ اهـ فَتْحٌ. وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُتُونِ الْإِطْلَاقُ فَإِنَّ الْمَذْيَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ إلَّا لِكَوْنِهِ مُسْتَهْلَكًا لَا لِلضَّرُورَةِ فَكَذَا الْبَوْلُ. رَدَّهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يُجْعَلَ النَّجَسَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَقَدْ قَامَ فِي الْمَذْيِ دُونَ الْبَوْلِ. اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَهُوَ وَجِيهٌ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَذْيَ إنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ لَا لِلِاسْتِهْلَاكِ، ثُمَّ أَطَالَ فِي رَدِّ مَا فِي حَاشِيَةِ أَخِي جَلَبِي مِنْ أَنَّ اللَّائِقَ بِحَالِ الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَكْتَفِيَ بِالْفَرْكِ فِي الْمَنِيِّ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْقُيُودَ الْمُعْتَبَرَةَ فِيهِ مِمَّا يَسْتَحِيلُ رِعَايَتُهَا عَادَةً فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: كَأَنْ كَانَ مُسْتَنْجِيًا بِمَاءٍ) أَيْ: بَعْدَ الْبَوْلِ، وَاحْتَرَزَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُ مُقَلِّلٌ لِلنَّجَاسَةِ لَا قَالِعٌ لَهَا كَمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَلَوْ بَالَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ، قِيلَ لَا يَطْهُرُ الْمَنِيُّ الْخَارِجُ بَعْدَهُ بِالْفَرْكِ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، وَهَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَقِيلَ: إنْ لَمْ يَنْتَشِرْ الْبَوْلُ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ وَلَمْ يُجَاوِزْ الثَّقْبَ يَطْهُرُ بِهِ وَكَذَا إنْ انْتَشَرَ وَلَكِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دَفْقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مُرُورُهُ عَلَى الْبَوْلِ الْخَارِجِ، وَلَا أَثَرَ لِمُرُورِهِ عَلَيْهِ فِي الدَّاخِلِ لِعَدَمِ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي: إمَّا أَنْ يَنْتَشِرَ كُلٌّ مِنْ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ أَوْ لَا، أَوْ الْبَوْلِ فَقَطْ، أَوْ الْمَنِيِّ فَقَطْ، فَفِي الْأَوَّلِ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَفِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ يَطْهُرُ. (قَوْلُهُ: لِتَلَوُّثِهِ بِالنَّجَسِ) قَدْ يُقَالُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْمَارِّ آنِفًا: إنَّهُ
стр. 308
أَيْ: بِرُطُوبَةِ الْفَرْجِ، فَيَكُونُ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِهِمَا بِنَجَاسَتِهَا، أَمَّا عِنْدَهُ فَهِيَ طَاهِرَةٌ كَسَائِرِ رُطُوبَاتِ الْبَدَنِ جَوْهَرَةٌ (وَإِلَّا) يَكُنْ يَابِسًا أَوْ لَا رَأْسُهَا طَاهِرًا (فَيُغْسَلْ) كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَلَوْ دَمًا عَبِيطًا عَلَى الْمَشْهُورِ (بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ مَنِيِّهِ) وَلَوْ رَقِيقًا لِمَرَضٍ بِهِ (وَمَنِيِّهَا) وَلَا بَيْنَ مَنِيِّ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ كَمَا بَحَثَهُ الْبَاقَانِيُّ (وَلَا بَيْنَ ثَوْبٍ) وَلَوْ جَدِيدًا أَوْ مُبَطَّنًا
ــ
[رد المحتار]
إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ وَلَمْ يَنْتَشِرْ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ لَا تَلَوُّثَ فِيهِ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: بِرُطُوبَةِ الْفَرْجِ) أَيْ: الدَّاخِلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوْلَجَ. وَأَمَّا رُطُوبَةُ الْفَرْجِ الْخَارِجِ فَطَاهِرَةٌ اتِّفَاقًا اهـ ح. وَفِي مِنْهَاجِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ رُطُوبَةُ الْفَرْجِ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ: وَهِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمَذْيِ وَالْعَرَقِ يَخْرُجُ مِنْ بَاطِنِ الْفَرْجِ الَّذِي لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، بِخِلَافِ مَا يَخْرُجُ مِمَّا يَجِبُ غَسْلُهُ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ قَطْعًا، وَمِنْ وَرَاءِ بَاطِنِ الْفَرْجِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ قَطْعًا كَكُلِّ خَارِجٍ مِنْ الْبَاطِنِ كَالْمَاءِ الْخَارِجِ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ قُبَيْلَهُ. اهـ. وَسَنَذْكُرُ فِي آخِرِ بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ أَنَّ رُطُوبَةَ الْوَلَدِ طَاهِرَةٌ وَكَذَا السَّخْلَةُ وَالْبَيْضَةُ. (قَوْلُهُ: أَمَّا عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ الْإِمَامِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الْآتِي أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ. (قَوْلُهُ: أَوْ لَا رَأْسُهَا طَاهِرًا) أَوْ مَانِعَةُ الْخُلُوِّ مُجَوِّزَةٌ الْجَمْعَ، فَيَصْدُقُ بِمَا إذَا كَانَ يَابِسًا وَرَأْسُهَا غَيْرُ طَاهِرٍ، أَوْ رَطْبًا وَرَأْسُهَا طَاهِرٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَابِسًا وَلَا رَأْسُهَا طَاهِرًا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْوَاوِ بَدَلَ أَوْ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْ النَّاسِخِ. اهـ. ح.
أَقُولُ: لَا سَهْوَ بَلْ غَايَةُ مَا يَلْزَمُهُ أَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِبَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ صُورَةُ الْجَمْعِ دُونَ صُورَتَيْ الِانْفِرَادِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ دَمًا عَبِيطًا) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ: طَرِيًّا مُغْرِبٌ وَقَامُوسٌ أَيْ: وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ دَمًا عَبِيطًا فَإِنَّهَا لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ طَهَارَةَ الثَّوْبِ بِالْفَرْكِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنِيِّ لَا فِي غَيْرِهِ بَحْرٌ، فَمَا فِي الْمُجْتَبَى لَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ دَمٌ عَبِيطٌ فَيَبِسَ فَحَتَّهُ طَهُرَ كَالْمَنِيِّ فَشَاذٌّ نَهْرٌ، وَكَذَا مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ النَّوَازِلِ أَنَّ الثَّوْبَ يَطْهُرُ عَنْ الْعَذِرَةِ الْغَلِيظَةِ بِالْفَرْكِ قِيَاسًا عَلَى الْمَنِيِّ. اهـ. نَعَمْ لَوْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دَمًا عَبِيطًا فَالظَّاهِرُ طَهَارَتُهُ بِالْفَرْكِ. (قَوْلُهُ: بِلَا فَرْقٍ) أَيْ: فِي فَرْكِهِ يَابِسًا وَغَسْلِهِ طَرِيًّا (قَوْلُهُ: وَمَنِيِّهَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَنَا كَمَا فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَجَزَمَ فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِهِ وَرَجَّحَهُ فِي الْحِلْيَةِ بِمَا حَاصِلُهُ: إنَّ كَلَامَهُمْ مُتَظَافِرٌ عَلَى أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْفَرْكِ فِي الْمَنِيِّ اسْتِحْسَانٌ بِالْأَثَرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي مَنِيِّ الرَّجُلِ وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ لَيْسَ مِثْلَهُ لِرِقَّتِهِ وَغِلَظِ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَالْفَرْكُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ زَوَالَ الْمَفْرُوكِ أَوْ تَقْلِيلَهُ وَذَلِكَ فِيمَا لَهُ جِرْمٌ، وَالرَّقِيقُ الْمَائِعُ لَا يَحْصُلُ مِنْ فَرْكِهِ هَذَا الْغَرَضُ فَيَدْخُلُ مَنِيُّ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَ غَلِيظًا وَيَخْرُجُ مَنِيُّ الرَّجُلِ إذَا كَانَ رَقِيقًا لِعَارِضٍ اهـ
أَقُولُ: وَقَدْ يُؤَيِّدُ مَا صَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ بِمَا صَحَّ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كُنْت أَحُكُّ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي» وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ جِمَاعٍ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تَحْتَلِمُ، فَيَلْزَمُ اخْتِلَاطُ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ بِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ مَنِيِّهَا بِالْفَرْكِ بِالْأَثَرِ لَا بِالْإِلْحَاقِ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: كَمَا بَحَثَهُ الْبَاقَانِيُّ) لَعَلَّهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى النُّقَايَةِ. وَأَمَّا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى فَلَمْ أَجِدْهُ فِيهِ، وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْقُهُسْتَانِيُّ فَقَالَ: وَالْمَنِيُّ شَامِلٌ لِكُلِّ حَيَوَانٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَطْهُرَ بِهِ اهـ أَيْ: بِالْفَرْكِ.
وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنِيِّ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْفَيْضِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ أَيْضًا، خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ الْحَمَوِيُّ عَنْ السَّمَرْقَنْدِيِّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَنِيِّ الْآدَمِيِّ. اهـ.
أَقُولُ: الْمَنْقُولُ فِي الْبَحْرِ والتتارخانية أَنَّ مَنِيَّ كُلِّ حَيَوَانٍ نَجِسٌ، وَأَمَّا عَدَمُ الْفَرْقِ فِي التَّطْهِيرِ فَمُحْتَاجٌ إلَى نَقْلٍ، وَمَا مَرَّ عَنْ السَّمَرْقَنْدِيِّ مُتَّجَهٌ وَلِذَا قَالَ: ح إنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي مَنِيِّ الْآدَمِيِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِنَّ الْحَقَّ دَلَالَةً يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ أَنَّ مَنِيَّ غَيْرِ الْآدَمِيِّ خُصُوصًا مَنِيَّ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ وَالْفِيلِ الدَّاخِلَ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ فِي مَعْنَى مَنِيِّ الْآدَمِيِّ وَدُونَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ. اهـ.
стр. 309
فِي الْأَصَحِّ (وَبَدَنٍ عَلَى الظَّاهِرِ) مِنْ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ هَلْ يَعُودُ نَجِسًا بِبَلِّهِ بَعْدَ فَرْكِهِ؟ ؟ الْمُعْتَمَدُ لَا، وَكَذَا كُلُّ مَا حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ بِغَيْرِ مَائِعٍ. وَقَدْ أَنْهَيْت فِي الْخَزَائِنِ الْمُطَهِّرَاتِ إلَى نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ، وَغَيَّرْت نَظْمَ ابْنِ وَهْبَانَ فَقُلْت:
ــ
[رد المحتار]
وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْهَوَامِشِ عَنْ شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْبُرْجُنْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَطْهِيرِ الثَّوْبِ مِنْ الْمَنِيِّ بِالْفَرْكِ عُمُومُ الْبَلْوَى وَعَدَمُ تَدَاخُلِهِ الثَّوْبَ، فَبِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ كَذَلِكَ. اهـ. [تَنْبِيهٌ]
نَجَاسَةُ الْمَنِيِّ عِنْدَنَا مُغَلَّظَةٌ سِرَاجٌ وَالْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ نَجِسَانِ كَالْمَنِيِّ نِهَايَةٌ وَزَيْلَعِيٌّ. وَكَذَا الْوَلَدُ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ. لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ سَقَطَ فِي الْمَاءِ أَفْسَدَهُ وَإِنْ غُسِلَ، وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ الْمُصَلِّي لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بَحْرٌ. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ الْعَلَقَةَ إذَا صَارَتْ مُضْغَةً تَطْهُرُ فَمُشْكِلٌ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا نُفِخَتْ فِيهَا الرُّوحُ وَاسْتَمَرَّتْ الْحَيَاةُ إلَى الْوِلَادَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ مَائِعٍ) أَيْ: كَالدَّلْكِ فِي الْخُفِّ، وَالْجَفَافِ فِي الْأَرْضِ، وَالدِّبَاغَةِ الْحُكْمِيَّةِ فِي الْجِلْدِ، وَغَوَرَانِ الْمَاءِ فِي الْبِئْرِ، وَالْمَسْحِ فِي الصَّقِيلِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ سَوْقِ عِبَارَاتِهِمْ فِيهَا: فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّصْحِيحَ وَالِاخْتِيَارَ قَدْ اخْتَلَفَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْهَا كَمَا تَرَى فَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الطَّهَارَةِ فِي الْكُلِّ كَمَا يُفِيدُهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِالطَّهَارَةِ فِي كُلٍّ وَاخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ. وَلَا يَرِدُ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَائِعِ لَمْ يُعْتَبَرْ مُطَهِّرًا فِي الْبَدَنِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ اهـ أَيْ: فَالْحَجَرُ لَا يُطَهِّرُ مَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُقَلِّلٌ فَلِذَا نَجُسَ الْمَاءُ بِخِلَافِ الدَّلْكِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مُطَهِّرٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْخُفَّ لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ لَا يُنَجِّسُهُ. ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّجْنِيسِ قَالَ: وَلَوْ أُلْقِيَ تُرَابَ هَذِهِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَا جَفَّ فِي الْمَاءِ هَلْ يَنْجُسُ؟ هُوَ عَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ اهـ أَيْ: فَعَلَى رِوَايَةِ الطَّهَارَةِ لَا يَنْجُسُ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْآجُرَّةَ إذَا تَنَجَّسَتْ فَجَفَّتْ ثُمَّ قُلِعَتْ فَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْعَوْدِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَنْهَيْت فِي الْخَزَائِنِ إلَخْ) وَنَصُّهَا ذَكَرُوا أَنَّ التَّطْهِيرَ يَكُونُ بِغَسْلٍ وَجَرْيِ الْمَاءِ عَلَى نَحْوِ بِسَاطٍ، وَدُخُولِهِ مِنْ جَانِبٍ وَخُرُوجِهِ مِنْ آخَرَ بِحَيْثُ يُعَدُّ جَارِيًا، وَغَسْلِ طَرَفِ ثَوْبٍ نُسِيَ مَحَلُّ نَجَاسَتِهِ، وَمَسْحِ صَقِيلٍ، وَمَسْحِ نَطْعٍ، وَمَوْضِعِ مِحْجَمَةٍ وَفَصْدٍ بِثَلَاثِ خِرَقٍ، وَجَفَافِ أَرْضٍ، وَدَلْكِ خُفٍّ، وَفَرْكِ مَنِيٍّ، وَاسْتِنْجَاءٍ بِنَحْوِ حَجَرٍ، وَنَحْتِ مِلْحٍ وَخَشَبَةٍ، وَتَقَوُّرِ نَحْوِ سَمْنٍ جَامِدٍ بِأَنْ لَا يَسْتَوِيَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَذَكَاةٍ وَدَبْغٍ وَنَارٍ وَنَدْفِ قُطْنٍ تَنَجَّسَ أَقَلُّهُ، وَقِسْمَةِ مِثْلِيٍّ، وَغَسْلٍ وَبَيْعٍ وَهِبَةٍ، وَأَكْلٍ لِبَعْضِهِ وَانْقِلَابِ عَيْنٍ، وَقَلْبِهَا بِجَعْلِ أَعْلَى الْأَرْضِ أَسْفَلَ، وَنَزْحِ بِئْرٍ وَغَوَرَانِهَا، وَغَوَرَانِ قَدْرِ الْوَاجِبِ وَجَرَيَانِهَا، وَتَخَلُّلِ خَمْرٍ، وَكَذَا تَخْلِيلُهَا عِنْدَنَا، وَغَلْيِ اللَّحْمِ عِنْدَ الثَّانِي وَنَضْحِ بَوْلِ صَغِيرٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَهَذِهِ نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ وَفِي بَعْضِهَا مُسَامَحَةٌ اهـ.
وَوَجْهُ الْمُسَامَحَةِ مَا أَوْضَحَهُ فِي النَّهْرِ، مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي عَدُّ التَّقَوُّرِ؛ لِأَنَّ السَّمْنَ الْجَامِدَ لَمْ يَتَنَجَّسْ كُلُّهُ، بَلْ مَا أُلْقِيَ مِنْهُ فَقَطْ وَلَا قَلْبِ الْأَرْضِ لِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِي الْأَسْفَلِ، وَكَذَا الْقِسْمَةُ وَالْأَرْبَعَةُ بَعْدَهَا؛ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَوْجُودِ وَكَذَا النَّدْفُ، وَمَنْ عَدَّهُ شَرَطَ كَوْنَ النَّجَسِ مِقْدَارًا قَلِيلًا يَذْهَبُ بِالنَّدْفِ وَإِلَّا فَلَا يَطْهُرُ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. اهـ.
أَقُولُ: وَمِثْلُ التَّقَوُّرِ النَّحْتُ، عَلَى أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ تَدَاخُلًا، وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُ نَضْحِ بَوْلِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبَنَا.
هَذَا وَقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ نَفْخَ الرُّوحِ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ التَّمْوِيهَ كَالسِّكِّينِ إذَا مُوِّهَ: أَيْ: سُقِيَ بِمَاءٍ نَجِسٍ يُمَوَّهُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ، وَكَذَا لَحْسُ الْيَدِ وَنَحْوِهَا. (قَوْلُهُ: وَغَيَّرْت نَظْمَ ابْنِ وَهْبَانَ) حَيْثُ قَالَ: فَصْلُ الْمُعَايَاةِ مُلْغِزًا:
стр. 310
وَغَسْلٌ وَمَسْحٌ وَالْجَفَافُ مُطَهِّرُ ... وَنَحْتٌ وَقَلْبُ الْعَيْنِ وَالْحَفْرُ يُذَكِّرُ
وَدَبْغٌ وَتَخْلِيلٌ ذَكَاةٌ تَخَلُّلُ ... وَفَرْكٌ وَدَلْكٌ وَالدُّخُولُ التَّغَوُّرُ
تَصَرُّفُهُ فِي الْبَعْضِ نَدْفٌ وَنَزْحُهَا ... وَنَارٌ وَغَلْيٌ غَسْلُ بَعْضٍ تَقَوُّرُ
(وَ) يَطْهُرُ (زَيْتٌ) تَنَجَّسَ (بِجَعْلِهِ صَابُونًا) بِهِ يُفْتَى لِلْبَلْوَى. كَتَنُّورٍ رُشَّ بِمَاءٍ نَجِسٍ
ــ
[رد المحتار]
وَآخَرُ دُونَ الْفَرْكِ وَالنَّدْفِ وَالْجَفَا ... فِ وَالنَّحْتِ قَلْبُ الْعَيْنِ وَالْغَسْلُ يُطَوَّرُ
وَلَا دَبْغٌ تَخْلِيلٌ ذَكَاةٌ تَخَلُّلُ ... وَلَا الْمَسْحُ وَالنَّزْحُ الدُّخُولُ التَّغَوُّرُ
وَزَادَ شَارِحُهَا بَيْتًا فَقَالَ:
وَأَكْلٌ وَقَسْمٌ غَسْلُ بَعْضٍ وَنَحْلُهُ ... وَنَدْفٌ وَغَلْيٌ بَيْعُ بَعْضٍ تَقَوُّرُ
اهـ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ وَآخَرُ الْحَفْرَ أَيْ: مَا شَيْءٌ آخَرُ مِنْ الْمُطَهِّرَاتِ غَيْرُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ. (قَوْلُهُ: وَقَلْبُ الْعَيْنِ) كَانْقِلَابِ الْخِنْزِيرِ مِلْحًا كَمَا سَيَأْتِي مَتْنًا. (قَوْلُهُ: الْحَفْرُ) أَيْ: قَلْبُ الْأَرْضِ يُجْعَلُ الْأَعْلَى أَسْفَلَ (قَوْلُهُ: وَتَخْلِيلٌ) أَيْ: تَخْلِيلُ الْخَمْرِ بِالتَّاءِ شَيْءٌ فِيهَا وَهُوَ كَالتَّخَلُّلِ بِنَفْسِهَا، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي انْقِلَابِ الْعَيْنِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْبَحْرِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَوْ صُبَّ مَاءٌ فِي خَمْرٍ أَوْ بِالْعَكْسِ ثُمَّ صَارَ خَلًّا طَهُرَ فِي الصَّحِيحِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَعَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ ثُمَّ أُخْرِجَتْ بَعْدَمَا تَخَلَّلَتْ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا تَنَجَّسَتْ بَعْدَ التَّخَلُّلِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أُخْرِجَتْ قَبْلَهُ. اهـ. وَكَذَا لَوْ وَقَعَتْ فِي الْعَصِيرِ أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ ثُمَّ تَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ لَا يَطْهُرُ هُوَ الْمُخْتَارُ بَحْرٌ عَنْ الْخُلَاصَةِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: خَمْرٌ صُبَّ فِي قِدْرِ الطَّعَامِ ثُمَّ صُبَّ فِيهِ الْخَلُّ وَصَارَ حَامِضًا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ لِحُمُوضَتِهِ حُمُوضَةَ الْخَلِّ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا صُبَّ فِيهِ الْخَلُّ وَصَارَ خَلًّا، وَكَذَا لَوْ وَقَعَتْ فَأْرَةٌ فِي خَمْرٍ وَاسْتُخْرِجَتْ قَبْلَ التَّفَسُّخِ ثُمَّ صَارَتْ خَلًّا؛ فَلَوْ بَعْدَهُ لَا يَحِلُّ.
وَالْخَلُّ النَّجِسُ إذَا صُبَّ فِي خَمْرٍ فَصَارَ خَلًّا يَكُونُ نَجِسًا؛ لِأَنَّ النَّجَسَ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَإِذَا أُلْقِيَ فِي الْخَمْرِ رَغِيفٌ أَوْ بَصَلٌ ثُمَّ صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ طَاهِرٌ. اهـ. . وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ آخِرَ الْفَصْلِ الْآتِي. (قَوْلُهُ: ذَكَاةٌ) أَيْ: ذَبْحُ حَيَوَانٍ فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ الْجِلْدَ، كَذَا اللَّحْمُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مَأْكُولٍ عَلَى أَحَدِ التَّصْحِيحَيْنِ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ. (قَوْلُهُ: وَالدُّخُولُ) أَيْ: دُخُولُ الْمَاءِ الطَّاهِرِ فِي الْحَوْضِ الصَّغِيرِ النَّجِسِ مَعَ خُرُوجِهِ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ وَإِنْ قَلَّ فِي الصَّحِيحِ كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: التَّغَوُّرُ) أَيْ: غَوْرَانِ مَاءِ الْبِئْرِ قَدْرَ مَا يَجِبُ نَزْحُهُ مِنْهَا مُطَهِّرٌ لَهَا كَالنَّزْحِ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: تَصَرُّفُهُ فِي الْبَعْضِ) أَيْ: مِنْ نَحْوِ حِنْطَةٍ تَنَجَّسَ بَعْضُهَا، وَالتَّصَرُّفُ يَعُمُّ الْأَكْلَ وَالْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ أَفَادَهُ ح وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ سَتَأْتِي مَتْنًا، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ التَّصَرُّفِ بِأَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِ مَا تَنَجَّسَ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ لَا أَقَلَّ، كَمَا يُقَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي النَّدْفِ عَنْ النَّهْرِ. (قَوْلُهُ: وَنَزْحُهَا) أَيْ: نَزْحُ الْبِئْرِ. (قَوْلُهُ: وَنَارٌ) كَمَا لَوْ أَحْرَقَ مَوْضِعَ الدَّمِ مِنْ رَأْسِ الشَّاةِ بَحْرٌ وَلَهُ نَظَائِرُ تَأْتِي قَرِيبًا وَلَا تَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَتْهُ النَّارُ يَطْهُرُ كَمَا بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ تَوَهَّمَ ذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ مَا اسْتَحَالَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ بِالنَّارِ أَوْ زَالَ أَثَرُهَا بِهَا يَطْهُرُ، وَلِذَا قَيَّدَ ذَلِكَ فِي الْمُنْيَةِ بِقَوْلِهِ فِي مَوَاضِعَ. (قَوْلُهُ: وَغَلْيٌ) أَيْ: بِالنَّارِ كَغَلْيِ الدُّهْنِ أَوْ اللَّحْمِ ثَلَاثًا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. (قَوْلُهُ: غَسْلُ بَعْضٍ) أَيْ: بَعْضِ نَحْوِ ثَوْبٍ تَنَجَّسَ شَيْءٌ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: تَقَوُّرُ) أَيْ: تَقْوِيرُ نَحْوِ سَمْنٍ جَامِدٍ مِنْ جَوَانِبِ النَّجَاسَةِ. فَهُوَ مِنْ اسْتِعْمَالِ مَصْدَرِ اللَّازِمِ فِي الْمُتَعَدِّي كَالطَّهَارَةِ بِمَعْنَى التَّطْهِيرِ كَمَا أَفَادَهُ الْحَمَوِيُّ. وَخَرَجَ بِالْجَامِدِ الْمَائِعُ، وَهُوَ مَا يَنْضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ كُلُّهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْقَدْرَ الْكَثِيرَ عَلَى مَا مَرَّ. اهـ. فَتْحٌ. أَيْ: بِأَنْ كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ وَسَيَأْتِي كَيْفِيَّةُ تَطْهِيرِهِ إذَا تَنَجَّسَ
(قَوْلُهُ: وَيَطْهُرُ زَيْتٌ إلَخْ) قَدْ
стр. 311
لَا بَأْسَ بِالْخَبْزِ فِيهِ (كَطِينٍ تَنَجَّسَ فَجُعِلَ مِنْهُ كُوزٌ بَعْدَ جَعْلِهِ عَلَى النَّارِ) يَطْهُرُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَسِ بَعْدَ الطَّبْخِ ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ.
(وَعَفَا) الشَّارِعُ (عَنْ قَدْرِ دِرْهَمٍ) وَإِنْ كُرِهَ تَحْرِيمًا، فَيَجِبُ غَسْلُهُ، وَمَا دُونَهُ تَنْزِيهًا فَيُسَنُّ، وَفَوْقَهُ مُبْطِلٌ
ــ
[رد المحتار]
ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي فَتَاوَاهُ، وَكَذَا مَا سَيَأْتِي مَتْنًا وَشَرَحَهَا مِنْ مَسَائِلِ التَّطْهِيرِ بِانْقِلَابِ الْعَيْنِ، وَذَكَرَ الْأَدِلَّةَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَحَقَّقَ وَدَقَّقَ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلْيُرَاجَعْ.
ثُمَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ فَرَّعُوهَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِالطَّهَارَةِ بِانْقِلَابِ الْعَيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِمَا. وَعِبَارَةُ الْمُجْتَبَى: جَعْلُ الدُّهْنِ النَّجِسِ فِي صَابُونٍ يُفْتَى بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَالتَّغَيُّرُ يُطَهِّرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيُفْتَى بِهِ لِلْبَلْوَى. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ دُهْنَ الْمَيْتَةِ كَذَلِكَ لِتَعْبِيرِهِ بِالنَّجِسِ دُونَ الْمُتَنَجِّسِ إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ خَاصٌّ بِالنَّجِسِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الصَّابُونِ وَضْعُ الزَّيْتِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَدْهَانِ تَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ حَيْثُ قَالَ: وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ مَا لَوْ وَقَعَ إنْسَانٌ أَوْ كَلْبٌ فِي قِدْرِ الصَّابُونِ فَصَارَ صَابُونًا يَكُونُ طَاهِرًا لِتَبَدُّلِ الْحَقِيقَةِ. اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ التَّغَيُّرُ وَانْقِلَابُ الْحَقِيقَةِ وَأَنَّهُ يُفْتَى بِهِ لِلْبَلْوَى كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالصَّابُونِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ تَغَيُّرٌ وَانْقِلَابُ حَقِيقَةٍ وَكَانَ فِيهِ بَلْوَى عَامَّةٌ، فَيُقَالُ: كَذَلِكَ فِي الدِّبْسِ الْمَطْبُوخِ إذَا كَانَ زَبِيبُهُ مُتَنَجِّسًا وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الْفَأْرَ يَدْخُلُهُ فَيَبُولُ وَيَبْعَرُ فِيهِ وَقَدْ يَمُوتُ فِيهِ، وَقَدْ بَحَثَ كَذَلِكَ بَعْضُ شُيُوخِ مَشَايِخِنَا فَقَالَ: وَعَلَى هَذَا إذَا تَنَجَّسَ السِّمْسِمُ ثُمَّ صَارَ طَحِينَةً يَطْهُرُ، خُصُوصًا وَقَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى وَقَاسَهُ عَلَى مَا إذَا وَقَعَ عُصْفُورٌ فِي بِئْرٍ حَتَّى صَارَ طِينًا لَا يَلْزَمُ إخْرَاجُهُ لِاسْتِحَالَتِهِ.
قُلْت: لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الدِّبْسَ لَيْسَ فِيهِ انْقِلَابُ حَقِيقَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَصِيرٌ جَمَدَ بِالطَّبْخِ؛ وَكَذَا السِّمْسِمُ إذَا دُرِسَ وَاخْتَلَطَ دُهْنُهُ بِأَجْزَائِهِ فَفِيهِ تَغَيُّرُ وَصْفٍ فَقَطْ؛ كَلَبَنٍ صَارَ جُبْنًا، وَبُرٍّ صَارَ طَحِينًا، وَطَحِينٍ صَارَ خُبْزًا؛ بِخِلَافِ نَحْوِ خَمْرٍ صَارَ خَلًّا وَحِمَارٍ وَقَعَ فِي مَمْلَحَةٍ فَصَارَ مِلْحًا، وَكَذَا دُرْدِيُّ خَمْرٍ صَارَ طِرْطِيرًا وَعَذِرَةٌ صَارَتْ رَمَادًا أَوْ حَمْأَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ انْقِلَابُ حَقِيقَةٍ إلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى لَا مُجَرَّدُ انْقِلَابِ وَصْفٍ كَمَا سَيَأْتِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. (قَوْلُهُ: رُشَّ بِمَاءٍ نَجِسٍ) أَيْ: أَوْ بَالَ فِيهِ صَبِيٌّ أَوْ مُسِحَ بِخِرْقَةٍ مُبْتَلَّةٍ نَجِسَةٍ حِلْيَةٌ. (قَوْلُهُ: لَا بَأْسَ بِالْخَبْزِ فِيهِ) أَيْ: بَعْدَ ذَهَابِ الْبَلَّةِ النَّجِسَةِ بِالنَّارِ وَإِلَّا تَنَجَّسَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. (قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ) وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِاضْمِحْلَالِ النَّجَاسَةِ بِالنَّارِ وَزَوَالِ أَثَرِهَا
(قَوْلُهُ: وَعَفَا الشَّارِعُ) فِيهِ تَغْيِيرٌ لِلَفْظِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، لَكِنَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ لَا مَحْضُ قِيَاسٍ فَقَطْ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَلَنَا أَنَّ الْقَلِيلَ عَفْوٌ إجْمَاعًا، إذْ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ كَافٍ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ لَا يَسْتَأْصِلُ النَّجَاسَةَ، وَالتَّقْدِيرُ بِالدِّرْهَمِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ فَيُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ. اهـ.
وَفِي الْحِلْيَةِ: التَّقْدِيرُ بِالدِّرْهَمِ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ عَنْ مَوْضِعِ خُرُوجِ الْحَدَثِ مِنْ الدُّبُرِ كَمَا أَفَادَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ بِقَوْلِهِ: إنَّهُمْ اسْتَكْرَهُوا ذِكْرَ الْمَقَاعِدِ فِي مَجَالِسِهِمْ فَكَنُّوا عَنْهُ بِالدِّرْهَمِ، وَيُعَضِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْقَلِيلِ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ فَقَالَ: إذَا كَانَ مِثْلَ ظُفْرِي هَذَا لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، قَالُوا وَظُفْرُهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ كَفِّنَا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كُرِهَ تَحْرِيمًا) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْعَفْوَ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِهِ، فَلَا يُنَافِي الْإِثْمَ كَمَا
стр. 312
فَيُفْرَضُ، وَالْعِبْرَةُ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ لَا الْإِصَابَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ نَهْرٌ
ــ
[رد المحتار]
اسْتَنْبَطَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ عِبَارَةِ السِّرَاجِ، وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَقَدْ نَقَلَهُ أَيْضًا فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْيَنَابِيعِ، لَكِنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّ غَسْلَ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مُسْتَحَبٌّ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى غَسْلِهِ، فَتَرْكُهُ حِينَئِذٍ خِلَافُ الْأَوْلَى، نَعَمْ الدِّرْهَمُ غَسْلُهُ آكَدُ مِمَّا دُونَهُ، فَتَرْكُهُ أَشَدُّ كَرَاهَةً كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ غَيْرِ مَا كِتَابٍ مِنْ مَشَاهِيرِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ.
فَفِي الْمُحِيطِ: يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَمَعَهُ قَدْرُ دِرْهَمٍ أَوْ دُونَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ عَالِمًا بِهِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ. زَادَ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ قَادِرًا عَلَى إزَالَتِهِ وَحَدِيثُ «تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الدَّمِ» لَمْ يَثْبُتْ، وَلَوْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِعَادَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى سُقُوطِ غَسْلِ الْمَخْرَجِ بَعْدَ الِاسْتِجْمَارِ مِنْ سُقُوطِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ النَّجَاسَةِ مُطْلَقًا اهـ مُلَخَّصًا.
أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ: وَالصَّلَاةُ مَكْرُوهَةٌ مَعَ مَا لَا يَمْنَعُ، حَتَّى قِيلَ لَوْ عَلِمَ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ يَرْفُضُهَا مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ أَوْ الْجَمَاعَةِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُحِيطِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ فِي الْكَرَاهَةِ وَرَفْضِ الصَّلَاةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا دُونَهُ لَا يُكْرَهُ تَحْرِيمًا إذْ لَا قَائِلَ بِهِ، فَالتَّسْوِيَةُ فِي أَصْلِ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ فِيهِمَا، وَيُؤَيِّدُهُ تَعْلِيلُ الْمُحِيطِ لِلْكَرَاهَةِ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ إذْ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّحْرِيمَ. وَفِي النُّتَفِ مَا نَصُّهُ: فَالْوَاجِبَةُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَالنَّافِلَةُ إذَا كَانَتْ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ. وَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ قَوْلِهِ " وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ لَا يَمْنَعُ، وَيَكُونُ مُسِيئًا وَإِنْ قَلَّ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَغْسِلَهَا وَلَا يَكُونُ مُسِيئًا. اهـ. لَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ فِي الدِّرْهَمِ لِقَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ: إنَّ الْإِسَاءَةَ دُونَ الْكَرَاهَةِ، نَعَمْ يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ إزَالَتِهِ عَلَى مَا دُونَهُ فَيُوَافِقُ مَا مَرَّ عَنْ الْحِلْيَةِ وَلَا يُخَالِفُ مَا فِي الْفَتْحِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَيُؤَيِّدُ إطْلَاقَ أَصْحَابِ الْمُتُونِ قَوْلُهُمْ " وَعُفِيَ قَدْرُ الدِّرْهَمِ " فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِعَدَمِ الْإِثْمِ فَتُقَدَّمُ هَذِهِ النُّقُولُ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْيَنَابِيعِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -. (قَوْلُهُ: وَالْعِبْرَةُ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ) أَيْ: لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ دُهْنٌ نَجِسٌ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ ثُمَّ انْبَسَطَ وَقْتَ الصَّلَاةِ فَزَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ، قِيلَ: يَمْنَعُ. وَبِهِ أَخَذَ الْأَكْثَرُونَ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ. وَفِي الْمُنْيَةِ وَبِهِ يُؤْخَذُ، وَقَالَ شَارِحُهَا: وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمِقْدَارِ مِنْ النَّجَاسَةِ الرَّقِيقَةِ لَيْسَ جَوْهَرُ النَّجَاسَةِ بَلْ جَوْهَرُ الْمُتَنَجِّسِ عَكْسُ الْكَثِيفَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. وَقِيلَ: لَا يَمْنَعُ اعْتِبَارُ الْوَقْتِ الْإِصَابَةَ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَبِهِ يُفْتَى. وَظَاهِرُ الْفَتْحِ اخْتِيَارُهُ أَيْضًا. وَفِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ عِنْدِي، وَإِلَيْهِ مَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ وَقَالَ: فَلَوْ كَانَتْ أَزْيَدَ مِنْ الدِّرْهَمِ وَقْتَ الْإِصَابَةِ ثُمَّ جَفَّتْ فَخَفَّتْ فَصَارَتْ أَقَلَّ مَنَعَتْ.
هَذَا وَفِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ: وَلَا يُعْتَبَرُ نُفُوذُ الْمِقْدَارِ إلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ لَوْ الثَّوْبُ وَاحِدًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَا طَاقَيْنِ كَدِرْهَمٍ مُتَنَجِّسِ الْوَجْهَيْنِ اهـ. وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ الْمَنْعِ فِي الدِّرْهَمِ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ. وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: الْحَقُّ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ مَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لَا يَنْفُذُ إلَى الْآخَرِ، فَلَمْ تَكُنْ النَّجَاسَةُ مُتَّحِدَةً بَلْ مُتَعَدِّدَةً وَهُوَ الْمَنَاطُ. اهـ.
[تَتِمَّةٌ] قَالَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ: ثُمَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ مُضَافًا إلَى الْمُصَلِّي، فَلَوْ جَلَسَ الصَّبِيُّ أَوْ الْحَمَامُ الْمُتَنَجِّسُ فِي حِجْرِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ لَوْ الصَّبِيُّ مُسْتَمْسِكًا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَامِلُ لَهَا، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُسْتَمْسِكِ كَالرَّضِيعِ الصَّغِيرِ حَيْثُ يَصِيرُ مُضَافًا إلَيْهِ، وَبَحَثَ فِيهِ فِي الْحِلْيَةِ بِأَنَّهُ لَا أَثَرَ فِيمَا يَظْهَرُ لِلِاسْتِمْسَاكِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الْمَعْنَى حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ، وَمَنْ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
أَقُولُ: وَهُوَ قَوِيٌّ، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُ. وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ «أَنَسٍ ﵁ قَالَ رَأَيْت
стр. 313
(وَهُوَ مِثْقَالٌ) عِشْرُونَ قِيرَاطًا (فِي) نَجِسٍ (كَثِيفٍ) لَهُ جِرْمٌ
(وَعَرْضِ مُقَعَّرِ الْكَفِّ) وَهُوَ دَاخِلُ مَفَاصِلِ أَصَابِعِ الْيَدِ (فِي رَقِيقٍ مِنْ مُغَلَّظَةٍ كَعَذِرَةِ) آدَمِيٍّ، وَكَذَا كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْهُ مُوجِبًا لِوُضُوءٍ أَوْ غَسْلِ مُغَلَّظٍ
(وَبَوْلِ غَيْرِ مَأْكُولٍ وَلَوْ مِنْ صَغِيرٍ لَمْ يَطْعَمْ) إلَّا بَوْلَ الْخُفَّاشِ وَخُرْأَهُ
ــ
[رد المحتار]
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَالْحَسَنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا سَجَدَ نَحَّاهُ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَخْلُو عَنْ النَّجَاسَةِ عَادَةً، فَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِلْمَنْقُولِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مِثْقَالٌ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ دِرْهَمُهُ بَحْرٌ. وَأَفَادَ أَنَّ الدِّرْهَمَ هُنَا غَيْرُهُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ هُنَاكَ مَا كَانَ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهُ وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ. (قَوْلُهُ: فِي نَجِسٍ كَثِيفٍ) لَمَّا اخْتَلَفَ تَفْسِيرُ مُحَمَّدٍ لِلدِّرْهَمِ، فَتَارَةً فَسَّرَهُ بِعَرْضِ الْكَفِّ وَتَارَةً بِالْمِثْقَالِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، وَوَفَّقَ الْهِنْدُوَانِيُّ بَيْنَهُمَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَصَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالزَّاهِدِيُّ، وَأَقَرَّهُ فِي الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ إعْمَالَ الرِّوَايَتَيْنِ إذَا أَمْكَنَ أَوْلَى، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ قَدْرَ الدِّرْهَمِ مِنْ الْكَثِيفَةِ لَوْ كَانَ مُنْبَسِطًا فِي الثَّوْبِ أَكْثَرُ مِنْ عَرْضِ الْكَفِّ لَا يَمْنَعُ كَمَا ذَكَرَهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ. (قَوْلُهُ: لَهُ جِرْمٌ) تَفْسِيرٌ لِلْكَثِيفِ، وَعَدَّ مِنْهُ فِي الْهِدَايَةِ الدَّمَ، وَعَدَّهُ قَاضِي خَانْ مِمَّا لَيْسَ لَهُ جِرْمٌ، وَوَفَّقَ فِي الْحِلْيَةِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا كَانَ غَلِيظًا، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَانَ رَقِيقًا. قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَنِيُّ كَذَلِكَ. اهـ. فَالْمُرَادُ بِذِي الْجِرْمِ مَا تُشَاهَدُ بِالْبَصَرِ ذَاتَهُ لَا أَثَرَهُ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي
(قَوْلُهُ: وَهُوَ دَاخِلُ مَفَاصِلِ أَصَابِعِ الْيَدِ) قَالَ مُنْلَا مِسْكِينٍ: وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ أَنْ تَغْرِفَ الْمَاءَ بِالْيَدِ ثُمَّ تَبْسُطَ، فَمَا بَقِيَ مِنْ الْمَاءِ فَهُوَ مِقْدَارُ الْكَفِّ. (قَوْلُهُ: مِنْ مُغَلَّظَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ عُفِيَ ط أَوْ بِمَحْذُوفِ صِفَةٍ لِكَثِيفٍ وَرَقِيقٍ أَيْ: كَائِنَيْنِ مِنْ نَجَاسَةٍ مُغَلَّظَةٍ. وَقَالَ فِي الدُّرَرِ مُتَعَلِّقٌ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُغَلَّظَ مِنْ النَّجَاسَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ لَمْ يُعَارَضْ بِنَصٍّ آخَرَ، فَإِنْ عُورِضَ بِنَصٍّ آخَرَ فَمُخَفَّفٌ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَإِنَّ حَدِيثَ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَحَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ. وَعِنْدَهُمَا مَا اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي نَجَاسَتِهِ فَهُوَ مُخَفَّفٌ، فَالرَّوْثُ مُغَلَّظٌ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ ﵊ سَمَّاهُ رِكْسًا وَلَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ آخَرُ. وَعِنْدَهُمَا مُخَفَّفٌ، لِقَوْلِ مَالِكٍ بِطَهَارَتِهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ. (قَوْلُهُ: كَعَذِرَةٍ) تَمْثِيلٌ لِلْمُغَلَّظَةِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا إلَخْ) يَرُدُّ عَلَيْهِ الرِّيحُ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ ط أَيْ: عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْكَلَامَ فِي الْكَثِيفِ وَالرَّقِيقِ وَالرِّيحُ لَيْسَ مِنْهُمَا فَلْيُتَأَمَّلْ، أَوْ يُقَالُ: " مَا " فِي " كُلِّ مَا " وَاقِعَةٌ عَلَى النَّجَسِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ التَّغْلِيظِ. مَطْلَبٌ فِي طَهَارَةِ بَوْلِهِ ﷺ [تَنْبِيهٌ]
صَحَّحَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ طَهَارَةَ بَوْلِهِ ﷺ وَسَائِرِ فَضَلَاتِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنْيَّةِ عَنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَيْنِيِّ وَصَرَّحَ بِهِ الْبِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: تَظَافَرَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ. وَعَدَّ الْأَئِمَّةُ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ . وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ لِمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي أَنَّهُ قَالَ: اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَطَالَ فِي تَحْقِيقِهِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الشَّمَائِلِ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي تَعَطُّرِهِ ﵊. (قَوْلُهُ: مُغَلَّطٍ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ كَذَا ط
(قَوْلُهُ: لَمْ يَطْعَمْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ: لَمْ يَأْكُلْ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ، وَاكْتَفَى الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ بِالنَّضْحِ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ ط، وَالْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ. (قَوْلُهُ: إلَّا بَوْلَ الْخُفَّاشِ) بِوَزْنِ رُمَّانٍ: وَهُوَ الْوَطْوَاطُ؛ سُمِّيَ بِهِ لِصِغَرِ عَيْنِهِ وَضَعْفِ بَصَرِهِ قَامُوسٌ. وَفِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ: بَوْلُ
стр. 314
فَطَاهِرٌ، وَكَذَا بَوْلُ الْفَأْرَةِ لِتَعَذُّرِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَسَيَجِيءُ آخِرَ الْكِتَابِ أَنَّ خُرْأَهَا لَا يُفْسِدُ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ.
وَفِي الْأَشْبَاهِ بَوْلُ السِّنَّوْرِ فِي غَيْرِ أَوَانِي الْمَاءِ عَفْوٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
(وَدَمٍ) مَسْفُوحٍ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ إلَّا دَمَ شَهِيدٍ مَا دَامَ عَلَيْهِ وَمَا بَقِيَ فِي لَحْمِ مَهْزُولٍ وَعُرُوقٍ وَكَبِدٍ وَطِحَالٍ وَقَلْبٍ وَمَا لَمْ يَسِلْ، وَدَمِ سَمَكٍ
ــ
[رد المحتار]
الْخَفَافِيشِ وَخُرْؤُهَا لَيْسَ بِنَجَسٍ لِتَعَذُّرِ صِيَانَةِ الثَّوْبِ وَالْأَوَانِي عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا تَبُولُ مِنْ الْهَوَاءِ وَهِيَ فَأْرَةٌ طَيَّارَةٌ فَلِهَذَا تَبُولُ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ سُقُوطَ النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، كَمَا عَزَاهُ فِي الذَّخِيرَةِ إلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ لَهُ نَابًا وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْخَانِيَّةِ، لَكِنْ نَظَرَ فِيهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ ذَا النَّابِ إنَّمَا يُنْهَى عَنْهُ إذَا كَانَ يَصْطَادُ بِنَابِهِ أَيْ: وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ. وَفِي الْمُبْتَغَى: قِيلَ: يُؤْكَلُ. وَقِيلَ: لَا. وَنَقَلَ الْعَبَّادِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ فِي طَهَارَةِ بَوْلِهِ وَخُرْئِهِ، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ. أَقُولُ: وَعَلَيْهِ يَتَمَشَّى قَوْلُ الشَّارِحِ فَطَاهِرٌ وَإِلَّا كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ فَافْهَمْ. مَبْحَثٌ فِي بَوْلِ الْفَأْرَةِ وَبَعْرِهَا وَبَوْلِ الْهِرَّةِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا بَوْلُ الْفَأْرَةِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ بَوْلَ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَخُرْأَهَا نَجِسٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ يُفْسِدُ الْمَاءَ وَالثَّوْبَ. وَلَوْ طُحِنَ بَعْرُ الْفَأْرَةِ مَعَ الْحِنْطَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: إذَا بَالَتْ الْهِرَّةُ فِي الْإِنَاءِ أَوْ عَلَى الثَّوْبِ تَنَجَّسَ، وَكَذَا بَوْلُ الْفَأْرَةِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: يَنْجُسُ الْإِنَاءُ دُونَ الثَّوْبِ. اهـ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ حَسَنٌ لِعَادَةِ تَخْمِيرِ الْأَوَانِي، وَبَوْلُ الْفَأْرَةِ فِي رِوَايَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَالْمَشَايِخُ عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ لِخِفَّةِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ خُرْئِهَا، فَإِنَّ فِيهِ ضَرُورَةً فِي الْحِنْطَةِ. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ نَجَاسَةُ الْكُلِّ. لَكِنَّ الضَّرُورَةَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي بَوْلِ الْهِرَّةِ فِي غَيْرِ الْمَائِعَاتِ كَالثِّيَابِ، وَكَذَا فِي خُرْءِ الْفَأْرَةِ فِي نَحْوِ الْحِنْطَةِ دُونَ الثِّيَابِ وَالْمَائِعَاتِ. وَأَمَّا بَوْلُ الْفَأْرَةِ فَالضَّرُورَةُ فِيهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ إلَّا عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ الْمَارَّةِ الَّتِي ذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ عَلَيْهَا الْفَتْوَى، لَكِنَّ عِبَارَةَ التَّتَارْخَانِيَّة: بَوْلُ الْفَأْرَةِ وَخُرْؤُهَا نَجِسٌ، وَقِيلَ بَوْلُهَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِي الْحُجَّةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ. اهـ. وَلَفْظُ الْفَتْوَى وَإِنْ كَانَ آكَدُ مِنْ لَفْظِ الصَّحِيحِ إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ هُنَا تَأَيَّدَ بِكَوْنِهِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ فَافْهَمْ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْبِئْرِ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الضَّرُورَةَ فِي الْبِئْرِ مُتَحَقِّقَةٌ، بِخِلَافِ الْأَوَانِي؛ لِأَنَّهَا تُخَمَّرُ كَمَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: إلَّا دَمَ شَهِيدٍ) أَيْ: وَلَوْ مَسْفُوحًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ وَكَلَامُ الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: مَا دَامَ عَلَيْهِ) فَلَوْ حَمَلَهُ الْمُصَلِّي جَازَتْ صَلَاتُهُ إلَّا إذَا أَصَابَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ زَالَ عَنْ الْمَكَانِ الَّذِي حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ حَمَوِيٌّ، وَنَحْوُهُ فِي الْحِلْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَمَا بَقِيَ فِي لَحْمٍ إلَخْ) يُوهِمُ أَنَّ هَذِهِ الدِّمَاءَ طَاهِرَةٌ وَلَوْ كَانَتْ مَسْفُوحَةً وَلَيْسَ بِمُرَادٍ. فَهِيَ خَارِجَةٌ بِقَيْدِ الْمَسْفُوحِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْبَحْرِ. وَأَفَادَهُ ح. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَكَذَا الدَّمُ الْبَاقِي فِي عُرُوقِ الْمُذَكَّاةِ بَعْدَ الذَّبْحِ.
وَعَنْ الْإِمَامِ الثَّانِي أَنَّهُ يُفْسِدُ الثَّوْبَ إذَا فَحَشَ وَلَا يُفْسِدُ الْقِدْرَ لِلضَّرُورَةِ أَوْ الْأَثَرِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى فِي بُرْمَةِ عَائِشَةَ ﵂ صُفْرَةَ دَمِ الْعُنُقِ وَالدَّمَ الْخَارِجَ مِنْ الْكَبِدِ، لَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَنَجِسٌ، وَإِنْ مِنْهُ فَطَاهِرٌ، وَكَذَا الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ اللَّحْمِ الْمَهْزُولِ عِنْدَ الْقَطْعِ. إنْ مِنْهُ فَطَاهِرٌ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا دَمُ مُطْلَقِ اللَّحْمِ وَدَمُ الْقَلْبِ. قَالَ الْقَاضِي: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ طَاهِرَانِ قَبْلَ الْغَسْلِ، حَتَّى لَوْ طُلِيَ بِهِ وَجْهُ الْخُفِّ وَصُلِّيَ بِهِ جَازَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَمَا لَمْ يَسِلْ) أَيْ: مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ بَحْرٌ، لَكِنْ فِي حَوَاشِي الْحَمَوِيِّ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالْإِنْسَانِ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ غَيْرَهُ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَدَمَ سَمَكٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا يَبِسَ يَبْيَضُّ وَالدَّمُ يَسْوَدُّ، وَشَمِلَ
стр. 315
وَقَمْلٍ وَبُرْغُوثٍ وَبَقٍّ. زَادَ فِي السِّرَاجِ وَكَتَّانٍ وَهِيَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ كَرُمَّانٍ: دُوَيْبَّةٌ حَمْرَاءُ لَسَّاعَةٌ، فَالْمُسْتَثْنَى اثْنَا عَشَرَ
(وَخَمْرٍ) وَفِي بَاقِي الْأَشْرِبَةِ رِوَايَاتُ التَّغْلِيظِ وَالتَّخْفِيفِ وَالطَّهَارَةِ. وَرَجَّحَ فِي الْبَحْرِ الْأَوَّلَ. وَفِي النَّهْرِ الْأَوْسَطَ.
(وَخُرْءِ) كُلِّ طَيْرٍ لَا يَذْرِقُ فِي الْهَوَاءِ كَبَطٍّ أَهْلِيٍّ (وَدَجَاجٍ) أَمَّا مَا يَذْرِقُ فِيهِ، فَإِنْ مَأْكُولًا فَطَاهِرٌ وَإِلَّا فَمُخَفَّفٌ (وَرَوْثٍ وَخِثْيٍ) أَفَادَ بِهِمَا نَجَاسَةَ خُرْءِ كُلِّ حَيَوَانٍ غَيْرِ الطُّيُورِ. وَقَالَا: مُخَفَّفَةٌ. وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ قَوْلُهُمَا أَظْهَرُ،
ــ
[رد المحتار]
السَّمَكَ الْكَبِيرَ إذَا سَالَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: وَقَمْلٍ وَبُرْغُوثٍ وَبَقٍّ) أَيْ: وَإِنْ كَثُرَ بَحْرٌ وَمُنْيَةٌ. وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمَا عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَشَمِلَ مَا كَانَ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ تَعَمَّدَ إصَابَتَهُ أَوْ لَا. اهـ. حِلْيَةٌ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ قَتَلَ الْقَمْلَ فِي ثَوْبِهِ يُعْفَى عَنْهُ، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي زَيْتٍ وَنَحْوِهِ لَا يُنَجِّسُهُ لِمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ أَنَّ مَوْتَ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ فِي الْإِنَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ.
وَفِي الْحِلْيَةِ الْبُرْغُوثُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحُ قَلِيلٌ. (قَوْلُهُ: كَرُمَّانٍ) هُوَ الثَّمَرُ الْمَعْرُوفُ. (قَوْلُهُ: دُوَيْبَّةٌ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَسُكُونٍ لِلْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدٍ لِلْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ تَصْغِيرُ دَابَّةٍ. (قَوْلُهُ: لَسَّاعَةٌ) أَيْ: شَدِيدَةُ اللَّسْعِ: وَهُوَ الْعَضُّ وَتَمَامُهُ فِي ح
(قَوْلُهُ: وَخَمْرٍ) هَذَا مَا فِي عَامَّةِ الْمُتُونِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ فَتَاوَى الدِّينَارِيِّ قَالَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ: الْخَمْرُ تَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَإِنْ قَلَّتْ، بِخِلَافِ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي بَاقِي الْأَشْرِبَةِ) أَيْ: الْمُسْكِرَةِ وَلَوْ نَبِيذًا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْمُفْتَى بِهِ ط. (قَوْلُهُ: وَفِي النَّهْرِ الْأَوْسَطَ) وَاسْتَدَلَّ بِمَا فِي الْمُنْيَةِ: صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دُونَ الْكَثِيرِ الْفَاحِشِ مِنْ السَّكَرِ أَوْ الْمُنَصَّفِ تَجْزِيهِ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ ح: وَهُوَ نَصٌّ فِي التَّخْفِيفِ، فَكَانَ هُوَ الْحَقَّ؛ لِأَنَّ فِيهِ الرُّجُوعَ إلَى الْفَرْعِ الْمَنْصُوصِ فِي الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا تَرْجِيعُ صَاحِبِ الْبَحْرِ فَبَحْثٌ مِنْهُ. اهـ. .
قُلْت: لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَأَمَّا سِوَى الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَغَلِيظَةٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خَفِيفَةٌ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا. اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ التَّخْفِيفَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِمَا أَيْ: لِثُبُوتِ اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّ السَّكَرَ وَالْمُنَصَّفَ وَهُوَ الْبَاذَقُ قَالَ بِحِلِّهِمَا الْإِمَامُ الْأَوْزَاعِيُّ.
وَيَظْهَرُ لِي التَّوْفِيقُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ بِأَنَّ رِوَايَةَ التَّغْلِيظِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، وَرِوَايَةَ التَّخْفِيفِ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَرِوَايَةَ الطَّهَارَةِ خَاصَّةٌ بِالْأَشْرِبَةِ الْمُبَاحَةِ. وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ التَّغْلِيظِ فِي الْجَمِيعِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ مِنْ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ حَيْثُ قَالَ: وَهَذِهِ الْأَشْرِبَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَمُوَافِقِيهِ كَخَمْرٍ بِلَا تَفَاوُتٍ فِي الْأَحْكَامِ وَبِهَذَا يُفْتَى فِي زَمَانِنَا. اهـ. فَقَوْلُهُ: بِلَا تَفَاوُتٍ فِي الْأَحْكَامِ يَقْتَضِي أَنَّهَا مُغَلَّظَةٌ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: لَا يَذْرِقُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَوْ بِالزَّايِ ح عَنْ الْقَامُوسِ. (قَوْلُهُ: كَبَطٍّ أَهْلِيٍّ) أَمَّا إنْ كَانَ يَطِيرُ وَلَا يَعِيشُ بَيْنَ النَّاسِ فَكَالْحَمَامَةِ بَحْرٌ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ، وَجَعْلُهُ كَالْحَمَامَةِ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: وَدَجَاجٍ) بِتَثْلِيثِ الدَّالِ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى حِلْيَةٌ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ مَأْكُولًا) كَحَمَامٍ وَعُصْفُورٍ. (قَوْلُهُ: فَطَاهِرٌ) وَقِيلَ: مَعْفُوٌّ عَنْهُ لَوْ قَلِيلًا لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبَدَائِعِ وَالْخَانِيَّةِ حِلْيَةٌ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمُخَفَّفٌ) أَيْ: وَإِلَّا يَكُنْ مَأْكُولًا كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالْحَدَأَةِ، فَهُوَ نَجِسٌ مُخَفَّفٌ عِنْدَهُ مُغَلَّظٌ عِنْدَهُمَا، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْهِنْدُوَانِيُّ. وَرَوَى الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا مُغَلَّظٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: وَرَوْثٍ وَخِثْيٍ) قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الْبِئْرِ أَنَّ الرَّوْثَ لِلْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَالْخِثْيَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ لِلْبَقَرِ وَالْفِيلِ، وَالْبَعْرَ لِلْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَالْخُرْءَ لِلطُّيُورِ، وَالنَّجْوَ لِلْكَلْبِ، وَالْعَذِرَةَ لِلْإِنْسَانِ. (قَوْلُهُ: أَفَادَ بِهِمَا نَجَاسَةَ خُرْءِ كُلِّ حَيَوَانٍ) أَرَادَ بِالنَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا وَلِانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ إلَيْهَا كَمَا يَأْتِي، وَلِقَوْلِهِ وَقَالَا مُخَفَّفَةٌ، وَأَرَادَ بِالْحَيَوَانِ مَا لَهُ رَوْثٌ أَوْ خِثْيٌ: أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولًا كَالْفَرَسِ وَالْبَقَرِ، أَوْ لَا كَالْحَمَامِ وَإِلَّا فَخُرْءُ الْآدَمِيِّ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ مُتَّفَقٌ عَلَى تَغْلِيظِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ إلَخْ) عَزَاهُ فِيهَا إلَى [مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ] لَكِنْ فِي النُّكَتِ لِلْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ أَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ بِالتَّغْلِيظِ رَجَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ اهـ وَلِذَا جَرَى عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ
стр. 316
وَطَهَّرَهُمَا مُحَمَّدٌ آخِرًا لِلْبَلْوَى، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
(وَلَوْ أَصَابَهُ مِنْ) نَجَاسَةٍ (غَلِيظَةٍ وَ) نَجَاسَةٍ (خَفِيفَةٍ جُعِلَتْ الْخَفِيفَةُ تَبَعًا لِلْغَلِيظَةِ) احْتِيَاطًا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، ثُمَّ مَتَى أَطْلَقُوا النَّجَاسَةَ فَظَاهِرُهُ التَّغْلِيظُ.
(وَعُفِيَ دُونُ رُبْعِ) جَمِيعِ بَدَنٍ وَ (ثَوْبٍ) وَلَوْ كَبِيرًا هُوَ الْمُخْتَارُ، ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ وَرَجَّحَهُ فِي النَّهْرِ عَلَى التَّقْدِيرِ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ: وَطَهَّرَهُمَا مُحَمَّدٌ آخِرًا) أَيْ: فِي آخِرِ أَمْرِهِ حِينَ دَخَلَ الرِّيَّ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَرَأَى بَلْوَى النَّاسِ مِنْ امْتِلَاءِ الطُّرُقِ وَالْخَانَاتِ بِهَا، وَقَاسَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا طِينَ بُخَارَى فَتْحٌ. (قَوْلُهُ: وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ) فِيهِ أَنَّهُ يَقُولُ: مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَبَوْلُهُ وَرَجِيعُهُ طَاهِرٌ فَقَطْ؛ فَلَا يَقُولُ بِطَهَارَةِ رَوْثِ الْحِمَارِ ط
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ) وَنَصُّهَا عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ: وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الشَّاةِ وَبَوْلُ الْآدَمِيِّ تُجْعَلُ الْخَفِيفَةُ تَبَعًا لِلْغَلِيظَةِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ الْخَفِيفَةُ أَكْثَرَ مِنْ الْغَلِيظَةِ كَمَا قَالَهُ ط.
قُلْت: لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ: تُجْمَعُ النَّجَاسَةُ الْمُتَفَرِّقَةُ فَتُجْعَلُ الْخَفِيفَةُ غَلِيظَةً إذَا كَانَتْ نِصْفًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ الْغَلِيظَةِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ. اهـ. وَنَحْوُهُ مَا فِي الْقُنْيَةِ: نِصْفُ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ وَنِصْفُ الْغَلِيظَةِ يُجْمَعَانِ. اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَطَتْ الْخَفِيفَةُ بِالْغَلِيظَةِ جُعِلَتْ تَبَعًا لِلْغَلِيظَةِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى الدِّرْهَمِ مَنَعَتْ الصَّلَاةَ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ الْغَلِيظَةُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ؛ وَمَعْنَى الثَّانِي أَنَّهُ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ وَلَمْ يَبْلُغْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ الْقَدْرَ الْمَانِعَ، فَتُرَجَّحُ الْغَلِيظَةُ لَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيَةً لِلْخَفِيفَةِ، فَإِذَا زَادَ مَجْمُوعُهُمَا عَلَى الدِّرْهَمِ مَنَعَ، وَلَوْ كَانَتْ الْخَفِيفَةُ أَكْثَرَ تَرَجَّحَتْ فَإِذَا بَلَغَ مَجْمُوعُهُمَا رُبْعَ الثَّوْبِ مَنَعَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ اخْتَلَطَا تُرَجَّحُ الْغَلِيظَةُ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَإِنْ تَسَاوَيَا أَوْ زَادَتْ الْغَلِيظَةُ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا تُرَجَّحْ الْخَفِيفَةُ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَتَى أَطْلَقُوا النَّجَاسَةَ إلَخْ) أَيْ: كَإِطْلَاقِهِمْ النَّجَاسَةَ فِي الْأَسْآرِ النَّجِسَةِ وَفِي جِلْدِ الْحَيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مَذْبُوحَةً؛ لِأَنَّ جِلْدَهَا لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ. اهـ. بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: فَظَاهِرُهُ التَّغْلِيظُ) هُوَ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُغَلَّظَةٌ وَأَنَّهَا الْمُرَادَةُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ
(قَوْلُهُ: دُونُ) بِالرَّفْعِ نَائِبُ فَاعِلِ عُفِيَ. (قَوْلُهُ: وَثَوْبٍ) أَيْ: وَنَحْوِهِ كَالْخُفِّ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَدْرُ الرُّبْعِ، وَالْمُرَادُ رُبْعُ مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ لَا مَا فَوْقَهُمَا؛ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْخُفِّ اهـ خَانِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَبِيرًا إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ اعْتِبَارِ الرُّبْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ رُبْعُ طَرَفٍ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ، كَالذَّيْلِ وَالْكُمِّ وَالدِّخْرِيصِ إنْ كَانَ الْمُصَابُ ثَوْبًا، وَرُبْعُ الْعُضْوِ الْمُصَابِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ إنْ كَانَ بَدَنًا وَصَحَّحَهُ فِي التُّحْفَةِ وَالْمُحِيطِ وَالْمُجْتَبَى وَالسِّرَاجِ. وَفِي الْحَقَائِقِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقِيلَ رُبْعُ جَمِيعِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَقِيلَ: رُبْعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْمِئْزَرِ. قَالَ الْأَقْطَعُ: وَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِيهِ اهـ لَكِنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى الثَّوْبِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا نَرَى، لَكِنْ تَرَجَّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ، وَوَفَّقَ فِي الْفَتْحِ بَيْنَ الْأَخِيرَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ اعْتِبَارُ رُبْعِ الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ أَوْ أَدْنَى مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ. اهـ. وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا، وَلَمْ يَنْقُلْ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَصْلًا بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَهُ فِي النَّهْرِ) أَيْ: بِأَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْكَنْزِ وَبِتَصْحِيحِ الْمَبْسُوطِ لَهُ، وَبِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رُبْعَ الْمُصَابِ لَيْسَ كَثِيرًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا. اهـ.
أَقُولُ: تَصْحِيحُ الْمَبْسُوطِ مُعَارَضٌ بِتَصْحِيحِ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ مَا كَثُرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُصَابِ؛ فَرُبْعُ الثَّوْبِ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّوْبِ، وَرُبْعُ الذَّيْلِ أَوْ الْكُمِّ مَثَلًا كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الذَّيْلِ أَوْ الْكُمِّ، وَكَذَا رُبْعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْفَتْوَى
стр. 317
بِرُبْعِ الْمُصَابِ كَيَدٍ وَكُمٍّ وَإِنْ قَالَ فِي الْحَقَائِقِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (مِنْ) نَجَاسَةٍ (مُخَفَّفَةٍ كَبَوْلِ مَأْكُولٍ) وَمِنْهُ الْفَرَسُ، وَطَهَّرَهُ مُحَمَّدٌ (وَخُرْءِ طَيْرٍ) مِنْ السِّبَاعِ أَوْ غَيْرِهَا (غَيْرِ مَأْكُولٍ) وَقِيلَ: طَاهِرٌ وَصُحِّحَ، ثُمَّ الْخِفَّةُ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ فَلْيُحْفَظْ
(وَ) عُفِيَ (دَمُ سَمَكٍ وَلُعَابُ بَغْلٍ وَحِمَارٍ) وَالْمَذْهَبُ طَهَارَتُهَا
(وَبَوْلٌ انْتَضَحَ كَرُءُوسِ إبَرٍ) وَكَذَا
ــ
[رد المحتار]
آكَدُ مِنْ لَفْظِ الْأَصَحِّ وَنَحْوِهِ مِنَحٌ، وَمُفَادُهُ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِرُبْعِ الْمُصَابِ وَهُوَ مُفَادُ مَا مَرَّ عَنْ الْبَحْرِ، لَكِنْ اعْتَرَضَهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُؤَدِّي إلَى التَّشْدِيدِ لَا إلَى التَّخْفِيفِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَبْلُغُ رُبْعُ الْمُصَابِ الدِّرْهَمَ فَيَلْزَمُ جَعْلُهُ مَانِعًا فِي الْمُخَفَّفَةِ مَعَ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الْمُغَلَّظَةِ إذْ لَوْ كَانَ الْمُصَابُ الْأُنْمُلَةَ مِنْ الْبَدَنِ يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِمَنْعِ رُبْعِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ رُبْعِ الْمُصَابِ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ اعْتِبَارُ كُلٍّ مِنْ الْيَدِ وَالرِّجْلِ بِتَمَامِهِ عُضْوًا وَاحِدًا فَلَا يَلْزَمُ مَا قَالَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ الْفَرَسُ) أَيْ: مِنْ الْمَأْكُولِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَيَكُونُ مُغَلَّظًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا كَرِهَ لَحْمَهُ تَنْزِيهًا أَوْ تَحْرِيمًا عَلَى اخْتِلَافِ التَّصْحِيحِ؛ لِأَنَّهُ آلَةُ الْجِهَادِ، لَا لِأَنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ بِدَلِيلِ أَنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: وَطَهَّرَهُ مُحَمَّدٌ) الضَّمِيرُ لِبَوْلِ الْمَأْكُولِ الشَّامِلِ لِلْفَرَسِ ح. (قَوْلُهُ: وَصُحِّحَ) صَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ كَمَا مَرَّ، وَرَوَى الْهِنْدُوَانِيُّ النَّجَاسَةَ وَصَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْأَوْلَى اعْتِمَادُهُ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْمُتُونِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: إنَّهُ أَوْجَهُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْخِفَّةُ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ) اقْتَصَرَ فِي الْكَافِي عَلَى ظُهُورِهَا فِي الثِّيَابِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْبَدَنُ كَالثِّيَابِ فَلِذَا عَمَّمَ الشَّارِحُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْكَافِي الِاحْتِرَازُ عَنْ الْمَائِعَاتِ لَا عَنْ خُصُوصِ الْمَاءِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَائِعَ مَتَى أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ خَفِيفَةٌ أَوْ غَلِيظَةٌ وَإِنْ قَلَّتْ تَنَجَّسَ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ رُبْعٌ وَلَا دِرْهَمٌ، نَعَمْ تَظْهَرُ الْخِفَّةُ فِيمَا إذَا أَصَابَ هَذَا الْمَائِعُ ثَوْبًا أَوْ بَدَنًا فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّبْعُ كَمَا أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ، وَاسْتَثْنَى ح خُرْءَ طَيْرٍ لَا يُؤْكَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبِئْرِ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهَا لِتَعَذُّرِ صَوْنِهَا عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبِئْرِ
(قَوْلُهُ: وَعُفِيَ دَمُ سَمَكٍ) صَرَّحَ بِالْفِعْلِ إشَارَةً إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَدَمُ سَمَكٍ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ دُونُ رُبْعِ ثَوْبٍ. (قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ طَهَارَتُهَا) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَتْنَ يَقْتَضِي نَجَاسَتَهَا بِنَاءً عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ " نَجَاسَةُ دَمِ السَّمَكِ الْكَبِيرِ نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ وَسُؤْرُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ نَجَاسَةٌ خَفِيفَةٌ " كَمَا ذَكَرَهُ فِي هَامِشِ الْخَزَائِنِ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ دَمَ السَّمَكِ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ صُورَةً لَا حَقِيقَةً وَأَنَّ سُؤْرَ هَذَيْنِ طَاهِرٌ قَطْعًا، وَالشَّكُّ فِي طُهُورِيَّتِهِ فَيَكُونُ لُعَابُهُمَا طَاهِرًا
(قَوْلُهُ: وَبَوْلٌ اُنْتُضِحَ) أَيْ: تُرُشِّشَ، وَشَمِلَ بَوْلَهُ وَبَوْلَ غَيْرِهِ بَحْرٌ. وَكَالْبَوْلِ الدَّمُ عَلَى ثَوْبِ الْقَصَّابِ حِلْيَةٌ عَنْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ. وَظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِالْقَصَّابِ أَيْ: اللَّحَّامِ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي ثَوْبِ غَيْرِ الْقَصَّابِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الضَّرُورَةُ وَلَا ضَرُورَةَ لِغَيْرِهِ، وَتَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِ الْبَحْرِ الْمَارِّ وَشَمِلَ بَوْلَهُ وَبَوْلَ غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: كَرُءُوسِ إبَرٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ إبْرَةٍ احْتِرَازٌ عَنْ الْمِسَلَّةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا جَانِبُهَا الْآخَرُ) أَيْ: خِلَافًا لِأَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ حَيْثُ مَنَعَ بِالْجَانِبِ الْآخَرِ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ قَالُوا: لَا يُعْتَبَرُ الْجَانِبَانِ وَاخْتَارَهُ فِي الْكَافِي حِلْيَةٌ؛ فَرُءُوسُ الْإِبَرِ تَمْثِيلٌ لِلتَّقْلِيلِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الطَّلَبَةِ، لَكِنَّ فِيهِ أَيْضًا عَنْ الْكَرْمَانِيِّ أَنَّ هَذَا مَا لَمْ يُرَ عَلَى الثَّوْبِ وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُهُ إذَا صَارَ بِالْجَمْعِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ. اهـ. وَكَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَقَالَ: وَالتَّقْيِيدُ بِعَدَمِ إدْرَاكِ الطَّرْفِ ذَكَرَهُ الْمُعَلَّى فِي نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. مَطْلَبٌ إذَا صَرَّحَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِقَيْدٍ لَمْ يُصَرِّحْ غَيْرُهُ بِخِلَافِهِ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَإِذَا صَرَّحَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِقَيْدٍ لَمْ يَرِدْ عَنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ تَصْرِيحٌ بِخِلَافِهِ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ سِيَّمَا وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ احْتِيَاطٍ وَلَا حَرَجَ فِي التَّحَرُّزِ عَنْ مِثْلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَا يُرَى كَمَا فِي أَثَرِ أَرْجُلِ الذُّبَابِ، فَإِنَّ فِي التَّحَرُّزِ عَنْهُ حَرَجًا ظَاهِرًا. اهـ.
أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا التَّقْيِيدَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَقَدْ عَلِمْت تَصْرِيحَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَشَايِخِ بِخِلَافِهِ
стр. 318
جَانِبُهَا الْآخَرُ وَإِنْ كَثُرَ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ، لَكِنْ لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَاءِ
ــ
[رد المحتار]
؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ الْإِبْرَةِ يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْحِلْيَةِ ذَكَرَ أَنَّ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِرُءُوسِ الْإِبَرِ احْتِرَازٌ عَنْ رُءُوسِ الْمَسَالِّ هُوَ بِمَا عَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ أَشْبَهُ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِمَا فِي نَوَادِرِ الْمُعَلَّى. اهـ. وَهَذَا عَيْنُ مَا فَهِمْته - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ -.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَيْدٌ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ رَأْسِهَا مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَعَنْ رُءُوسِ الْمَسَالِّ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ التَّقْيِيدِ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ.
ثَانِيهِمَا أَنَّهُ غَيْرُ قَيْدٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَمْثِيلٌ لِلتَّقْلِيلِ، فَيُعْفَى عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مِقْدَارَ رَأْسِهَا مِنْ جَانِبِ الْخَرَزِ أَوْ مِنْ جَانِبِ الثَّقْبِ، وَمِثْلُهُ مَا كَانَ كَرَأْسِ الْمِسَلَّةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ فِي الْكَافِي اخْتَارَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الضَّرُورَةُ قِيَاسًا عَلَى مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى مِمَّا عَلَى أَرْجُلِ الذُّبَابِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى النَّجَاسَةِ ثُمَّ يَقَعُ عَلَى الثِّيَابِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَلَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يُسْتَحْسَنُ لِأَحَدٍ اسْتِعْدَادُ ثَوْبٍ لِدُخُولِ الْخَلَاءِ. وَرُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ زِيَنِ الْعَابِدِينَ تَكَلَّفَ لِبَيْتِ الْخَلَاءِ ثَوْبًا ثُمَّ تَرَكَهُ، وَقَالَ: لَمْ يَتَكَلَّفْ لِهَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ ﵃ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ قَوْلَ الْمُتُونِ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ اتِّبَاعٌ لِعِبَارَةِ مُحَمَّدٍ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَلِذَا لَمْ يَجْعَلْهُ لِلِاحْتِرَازِ إلَّا الْهِنْدُوَانِيُّ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ مُعَلَّلِينَ بِدَفْعِ الْحَرَجِ، وَلَا شَكَّ فِي وُجُودِ الْحَرَجِ فِي ذَلِكَ فَلِذَا اخْتَارَهُ فِي الْكَافِي اتِّبَاعًا لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ. وَقَالَ فِي مَتْنِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ: وَعُفِيَ عَنْ رَشَاشِ بَوْلٍ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ، وَقِيلَ: يَعْتَبِرُهُ أَيْ: أَبُو يُوسُفَ إنْ رُئِيَ أَثَرُهُ، فَأَفَادَ بِقِيلَ ضَعْفَ اعْتِبَارِ مَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُعَلَّى السَّابِقَةُ؛ وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا يُرَى أَثَرُهُ وَهُوَ مَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ، وَأَنَّ الْأَرْجَحَ الْعَفْوُ عَنْهُ وَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ، وَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا كَانَ مِثْلَ رَأْسِ الْإِبْرَةِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مَا كَانَ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ وَأَرْجُلِ الذُّبَابِ فَإِنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ الْمُعْتَدِلُ مَا لَمْ يَقْرَبْ إلَيْهِ جِدًّا أَيْ: مَعَ مُغَايَرَةِ لَوْنِ الرَّشَاشِ لِلَوْنِ الثَّوْبِ، وَإِلَّا فَقَدْ لَا يُرَى أَصْلًا. وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ شَكَّ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ بِالطَّرْفِ أَمْ لَا أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَشَكٌّ فِيمَا يُنَجِّسُهُ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَحَلِّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. (قَوْلُهُ: نَجَّسَهُ فِي الْأَصَحِّ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: ثُمَّ لَوْ وَقَعَ هَذَا الثَّوْبُ الْمُنْتَضَحُ عَلَيْهِ الْبَوْلُ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ هَلْ يَنْجُسُ؟ فَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَنْجُسُ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَنْجُسُ، وَهَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةِ الِاسْتِنْجَاءِ؛ يَعْنِي لَوْ اسْتَنْجَى بِغَيْرِ الْمَاءِ ثُمَّ ابْتَلَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ ثُمَّ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ. اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْكِفَايَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يُرَى أَثَرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الْمُتَّجَهُ. اهـ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اخْتِيَارِ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ عَدَمَ اعْتِبَارِ رُءُوسِ الْإِبَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ خِلَافًا لِلْهِنْدُوَانِيِّ. وَقَوْلُ الْخُلَاصَةِ الْمَارُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْجُسُ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُنَجِّسُهُ مَا قَلَّ وَكَثُرَ، فَإِذَا لَمْ يَنْجُسْ بِأَقَلَّ مِنْ الدِّرْهَمِ لَا يَنْجُسُ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ وُقُوعَ الرَّشَاشِ فِي الْمَاءِ ابْتِدَاءً مِثْلُ وُقُوعِ هَذَا الثَّوْبِ فِيهِ كَمَا فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ. هَذَا، وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ: إنْ اسْتَبَانَ أَثَرُهُ عَلَى الثَّوْبِ بِأَنْ تُدْرِكَهُ الْعَيْنُ أَوْ عَلَى الْمَاءِ بِأَنْ يَنْفَرِجَ أَوْ يَتَحَرَّكَ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ. وَعَنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ اعْتِبَارِ مَا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي الثَّوْبِ وَالْمَاءِ، وَفِي ذَلِكَ تَأْيِيدٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَافْهَمْ
стр. 319
آكَدُ جَوْهَرَةٌ. وَفِي الْقُنْيَةِ: لَوْ اتَّصَلَ وَانْبَسَطَ وَزَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالدُّهْنِ النَّجِسِ إذَا انْبَسَطَ. وَطِينُ شَارِعٍ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ: جَوْهَرَةٌ) وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَقَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَيْضِ أَيْضًا خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلدُّرَرِ فِي فَصْلِ الْبِئْرِ فَافْهَمْ. نَعَمْ يُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ آنِفًا عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. (قَوْلُهُ: لَوْ اتَّصَلَ وَانْبَسَطَ) أَيْ: مَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْقُنْيَةِ وَنَقَلَهَا فِي الْبَحْرِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالدُّهْنِ إلَخْ) أَيْ: فَيَكُونُ مَانِعًا لِلصَّلَاةِ. وَوَجْهُ إلْحَاقِهِ بِالدُّهْنِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ أَوَّلًا غَيْرَ مَانِعٍ ثُمَّ مَنَعَ بَعْدَ زِيَادَتِهِ عَلَى الدِّرْهَمِ، لَكِنْ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْبَوْلَ الَّذِي كَرُءُوسِ الْإِبَرِ اُعْتُبِرَ كَالْعَدَمِ لِلضَّرُورَةِ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِيهِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ بِدَلِيلِ مَا فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ امْتَلَأَ الثَّوْبُ. اهـ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا يَمْلَأُ الثَّوْبَ يَزِيدُ عَلَى الدِّرْهَمِ، وَكَذَا قَوْلُ الشَّارِحِ وَإِنْ كَثُرَ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَثْرَتِهِ بِالْمَاءِ وَبَيْنَ اتِّصَالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ. وَنَظِيرُهُ مَا لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ السَّيَلَانِ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ الْجَسَدِ فَإِنَّهُ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ وَإِنْ كَثُرَ وَعَمَّ الثَّوْبَ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْحِلْيَةِ بِعَيْنِ مَا قُلْنَا فَقَالَ: مَا لَيْسَ بِكَثِيرٍ مِنْ النَّجَاسَةِ مِنْهُ مَا هُوَ مُهْدَرُ الِاعْتِبَارِ فَلَا يُجْمَعُ بِحَالٍ. وَعَلَيْهِ مَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ أَنَّ مَا أَصَابَ مِنْ رَشِّ الْبَوْلِ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ، وَنَحْوُهُ الدَّمُ عَلَى ثَوْبِ الْقَصَّابِ وَمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْ بَلَّةِ الْجُرْحِ أَوْ الْقَيْءِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَإِنْ كَثُرَ. وَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ ذَلِكَ الرَّشِّ مَاءٌ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ. اهـ. نَعَمْ لَوْ كَانَ الرَّشُّ مِمَّا يُدْرَكُ بِالطَّرْفِ بِأَنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ رُءُوسِ الْإِبَرِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ عَلَى مَا مَرَّ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ وَيَمْنَعَ وَإِنْ كَانَ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَيْضًا. لَوْ أَصَابَ قَدْرُ مَا يُرَى مِنْ النَّجَاسَةِ أَثْوَابًا عِمَامَةً وَقَمِيصًا وَسَرَاوِيلَ مَثَلًا مَنَعَ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ إذَا جُمِعَ صَارَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ اهـ. لَكِنَّ كَلَامَ الْقُنْيَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الَّذِي يُجْمَعُ وَيَمْنَعُ مَا كَانَ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا عَلِمْته مِنْ أَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُهْدَرُ الِاعْتِبَارِ وَلَا يَنْفَعُهُ هَذَا التَّأْوِيلُ، فَافْهَمْ وَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ. مَطْلَبٌ فِي الْعَفْوِ عَنْ طِينِ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: وَطِينُ شَارِعٍ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: عَفْوٌ وَالشَّارِعُ الطَّرِيقُ ط. وَفِي الْفَيْضِ: طِينُ الشَّوَارِعِ عَفْوٌ وَإِنْ مَلَأَ الثَّوْبَ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ مُخْتَلِطًا بِالْعَذِرَاتِ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ. اهـ. . وَقَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا قَاسَهُ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ آخِرًا بِطَهَارَةِ الرَّوْثِ وَالْخِثْيِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ لَكِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: أَيْ: لَا يَقْبَلُ كَوْنَهُ طَاهِرًا وَهُوَ مُتَّجَهٌ، بَلْ الْأَشْبَهُ الْمَنْعُ بِالْقَدْرِ الْفَاحِشِ مِنْهُ إلَّا لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ بِحَيْثُ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ فِي أَيَّامِ الْأَوْحَالِ فِي بِلَادِنَا الشَّامِيَّةِ لِعَدَمِ انْفِكَاكِ طُرُقِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ غَالِبًا مَعَ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يَمُرُّ بِهَا أَصْلًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يُعْفَى فِي حَقِّهِ حَتَّى إنَّ هَذَا لَا يُصَلِّي فِي ثَوْبِ ذَاكَ. اهـ.
أَقُولُ: وَالْعَفْوُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ عَنْ التَّجْنِيسِ. وَقَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، لَكِنْ حَكَى فِي الْقُنْيَةِ قَوْلَيْنِ وَارْتَضَاهُمَا؛ فَحَكَى عَنْ أَبِي نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ أَنَّهُ طَاهِرٌ إلَّا إذَا رَأَى عَيْنَ النَّجَاسَةِ، وَقَالَ: وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ وَقَرِيبٌ مِنْ حَيْثُ الْمَنْصُوصُ؛ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ غَيْرِهِ فَقَالَ: إنْ غَلَبَتْ النَّجَاسَةُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ غَلَبَ الطِّينُ فَطَاهِرٌ. ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّهُ حَسَنٌ عِنْدَ الْمُنْصِفِ دُونَ الْمُعَانِدِ اهـ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إذَا اخْتَلَطَ مَاءٌ وَتُرَابٌ وَأَحَدُهُمَا نَجِسٌ فَالْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ سَتَأْتِي فِي الْفُرُوعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْعَفْوُ لِلضَّرُورَةِ، وَعَدَمُ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ أَنْ يُقَالَ بِالْعَفْوِ وَإِنْ غَلَبَتْ
стр. 320
وَبُخَارُ نَجِسٍ، وَغُبَارُ سِرْقِينٍ، وَمَحَلُّ كِلَابٍ، وَانْتِضَاحُ غُسَالَةٍ لَا تَظْهَرُ مَوَاقِعُ قَطْرِهَا فِي الْإِنَاءِ عَفْوٌ
. (وَمَاءٌ) بِالْمَدِّ (وَرَدَ) أَيْ: جَرَى (عَلَى نَجَسٍ نَجِسٌ) إذَا وَرَدَ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ وَلَوْ أَقَلُّهُ،
ــ
[رد المحتار]
النَّجَاسَةُ مَا لَمْ يَرَ عَيْنَهَا لَوْ أَصَابَهُ بِلَا قَصْدٍ وَكَانَ مِمَّنْ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ، وَإِلَّا فَلَا ضَرُورَةَ. وَقَدْ حَكَى فِي الْقُنْيَةِ أَيْضًا قَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ مِمَّا رُشَّ فِي الْأَسْوَاقِ الْغَالِبَةِ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ نَقَلَ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ طِينُ السُّوقِ أَوْ السِّكَّةِ ثُمَّ وَقَعَ الثَّوْبُ فِي الْمَاءِ تَنَجَّسَ. (قَوْلُهُ: وَبُخَارُ نَجَسٍ) فِي الْفَتْحِ مَرَّتْ الرِّيحُ بِالْعَذِرَاتِ وَأَصَابَ الثَّوْبَ، إنْ وُجِدَتْ رَائِحَتُهَا تَنَجَّسَ، لَكِنْ نَقَلَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ؛ وَمَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْ بِخَارَّاتِ النَّجَاسَةِ، قِيلَ يُنَجِّسُهُ، وَقِيلَ لَا وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْحِلْيَةِ: اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ لَا يَنْجُسُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَذَا إذَا كَانَ سَرَاوِيلُهُ مُبْتَلًّا.
وَفِي الْخَانِيَّةِ مَاءُ الطَّابَقِ نَجِسٌ قِيَاسًا لَا اسْتِحْسَانًا. وَصُورَتُهُ: إذَا أُحْرِقَتْ الْعَذِرَةُ فِي بَيْتٍ فَأَصَابَ مَاءُ الطَّابَقِ ثَوْبَ إنْسَانٍ لَا يُفْسِدُهُ اسْتِحْسَانًا مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَكَذَا الْإِصْطَبْلُ إذَا كَانَ حَارًّا، وَعَلَى كُوَّتِهِ طَابَقٌ أَوْ كَانَ فِيهِ كُوزٌ مُعَلَّقٌ فِيهِ مَاءٌ فَتَرَشَّحَ،، وَكَذَا الْحَمَّامُ لَوْ فِيهَا نَجَاسَاتٌ فَعَرِقَ حِيطَانُهَا وَكُوَّاتُهَا وَتَقَاطَرَ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَالظَّاهِرُ الْعَمَلُ بِالِاسْتِحْسَانِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالطَّابَقُ: الْغِطَاءُ الْعَظِيمُ مِنْ الزَّجَّاجِ أَوْ اللَّبِنِ. اهـ. مَطْلَبٌ: الْعَرَقِيُّ الَّذِي يُسْتَقْطَرُ مِنْ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ نَجِسٌ حَرَامٌ، بِخِلَافِ النُّوشَادِرِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ فِيهِ الضَّرُورَةُ لِتَعَذُّرِ التَّحَرُّزِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ اُسْتُقْطِرَتْ النَّجَاسَةُ فَمَائِيَّتُهَا نَجِسَةٌ لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ فَبَقِيَ الْقِيَاسُ بِلَا مُعَارِضٍ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا يُسْتَقْطَرُ مِنْ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْعِرْقِيِّ فِي وِلَايَةِ الرُّومِ نَجِسٌ حَرَامٌ كَسَائِرِ أَصْنَافِ الْخَمْرِ اهـ.
أَقُولُ: وَأَمَّا النُّوشَادِرُ الْمُسْتَجْمَعُ مِنْ دُخَانِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ طَاهِرٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ، وَأَوْضَحَهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي رِسَالَةٍ سَمَّاهَا (إتْحَافَ مَنْ بَادَرَ إلَى حُكْمِ النُّوشَادِرِ) . (قَوْلُهُ: وَغُبَارُ سِرْقِينٍ) بِكَسْرِ السِّينِ: أَيْ: زِبْلٍ وَيُقَالُ سِرْجِينٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. قَالَ فِي الْقُنْيَةِ رَاقِمًا: لَا عِبْرَةَ لِلْغُبَارِ النَّجِسِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ إنَّمَا الْعِبْرَةُ لِلتُّرَابِ اهـ وَنَظَمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أُرْجُوزَتِهِ وَعَلَّلَهُ فِي شَرْحِهَا بِالضَّرُورَةِ. (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ كِلَابٍ) فِي الْمُنْيَةِ مَشَى كَلْبٌ عَلَى الطِّينِ فَوَضَعَ رَجُلٌ قَدَمَهُ عَلَى ذَلِكَ الطِّينِ تَنَجَّسَ، وَكَذَا إذَا مَشَى عَلَى ثَلْجٍ رَطْبٍ وَلَوْ جَامِدًا فَلَا. اهـ. قَالَ فِي شَرْحِهَا: وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ نَجِسُ الْعَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ اهـ، وَمِثْلُهُ فِي الْحِلْيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَانْتِضَاحُ غُسَالَةٍ إلَخْ) ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَقَدْ رَأَيْتهَا فِي الْخَانِيَّةِ ذَكَرَهَا فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، لَكِنَّ غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ كَغُسَالَةِ الْحَدَثِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَيَدُلُّ لَهَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ. وَفِي الْفَتْحِ: وَمَا تَرَشَّشَ عَلَى الْغَاسِلِ مِنْ غُسَالَةِ الْمَيِّتِ مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ مَا دَامَ فِي عِلَاجِهِ لَا يُنَجِّسُهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، بِخِلَافِ الْغَسْلَاتِ الثَّلَاثِ إذَا اسْتَنْقَعَتْ فِي مَوْضِعٍ فَأَصَابَتْ شَيْئًا نَجَّسَتْهُ اهـ أَيْ: بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ مِنْ أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيِّتِ نَجَاسَةُ خَبَثٍ لَا حَدَثٍ كَمَا حَرَّرْنَاهُ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْبِئْرِ، وَاحْتُرِزَ بِالثَّلَاثِ عَنْ الْغُسَالَةِ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ
(قَوْلُهُ: وَمَاءٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: نَجِسٌ بِالْكَسْرِ وَنَجَسٌ الْأَوَّلُ بِالْفَتْحِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَيَجُوزُ فِيهِ الْكَسْرُ. (قَوْلُهُ: أَيْ: جَرَى) فُسِّرَ الْوُرُودُ بِهِ لِيَتَأَتَّى لَهُ التَّفْصِيلُ وَالْخِلَافُ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا، وَإِلَّا فَالْوُرُودُ أَعَمُّ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَا إذَا جَرَى عَلَيْهَا وَهِيَ عَلَى أَرْضٍ أَوْ سَطْحٍ وَمَا إذَا صُبَّ فَوْقَهَا فِي آنِيَةٍ بِدُونِ جَرَيَانٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَرَيَانَ أَبْلَغُ مِنْ الصَّبِّ الْمَذْكُورِ فَصَرَّحَ بِهِ مَعَ عِلْمِ حُكْمِ الصَّبِّ مِنْهُ بِالْأَوْلَى دَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَدَمِ إرَادَتِهِ فَافْهَمْ. نَعَمْ كَانَ الْأَوْلَى إبْقَاءَ الْمَتْنِ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ حَكَمَ بِطَهَارَةِ الْوَارِدِ دُونَ الْمَوْرُودِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَارِيَ فِيهِ تَفْصِيلٌ
следующие страницы →