Полный текст (4 257 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
(أَوْ دَالِيَةً كَنَاعُورَةٍ أَوْ جِسْرٍ) أَوْ قَنْطَرَةٍ (أَوْ يُوَسِّعُ فَمَ النَّهْرِ أَوْ يَقْسِمُ بِالْأَيَّامِ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِالْكِوَى) بِكَسْرِ الْكَافِ جَمْعُ كَوَّةٍ بِفَتْحِهَا الثَّقْبُ لِأَنَّ الْقَدِيمَ يُتْرَكُ عَلَى قِدَمِهِ لِظُهُورِ الْحَقِّ فِيهِ (أَوْ يَسُوقُ نَصِيبَهُ إلَى أَرْضٍ لَهُ أُخْرَى لَيْسَ لَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النَّهْرِ (شِرْبٌ بِلَا رِضَاهُمْ) يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ وَلَهُمْ نَقْضُهُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ وَلِوَرَثَتِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْأَعْلَى سَكْرُ النَّهْرِ بِلَا رِضَاهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَشْرَبْ أَرْضُهُ بِدُونِهِ مُلْتَقًى
ــ
[رد المحتار]
وَمَعْنَى الضَّرَرِ بِالنَّهْرِ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ كَسْرِ ضِفَّتِهِ، وَبِالْمَاءِ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ سُنَنِهِ الَّذِي كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِ هِدَايَةٌ: أَيْ بِأَنْ يَعْوَجَّ الْمَاءُ حَتَّى يَصِلَ إلَى الرَّحَى فِي أَرَضَةِ ثُمَّ يَجْرِيَ إلَى النَّهْرِ مِنْ أَسْفَلِهِ، لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ وُصُولُ حَقِّهِمْ إلَيْهِمْ وَيَنْقُصُ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ أَوْ دَالِيَةً إلَخْ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الدَّالِيَةُ جِذْعٌ طَوِيلٌ يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ مِدَقِّ الْأُرْزِ فِي رَأْسِهِ مِغْرَفَةٌ كَبِيرَةٌ يُسْتَقَى بِهَا وَالنَّاعُورَةُ مَا يُدِيرُهُ الْمَاءُ وَالْجِسْرُ مَا يُعْبَرُ بِهِ النَّهْرُ وَغَيْرُهُ مَبْنِيًّا كَانَ أَوْ لَا وَالْفَتْحُ لُغَةٌ، وَالْقَنْطَرَةُ مَا يُبْنَى عَلَى الْمَاءِ لِلْعُبُورِ وَالْجِسْرِ عَامٌّ اهـ لَكِنْ فِي الْعِنَايَةِ الْجِسْرُ مَا يُوضَعُ وَيُرْفَعُ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْ الْخَشَبِ وَالْأَلْوَاحِ وَالْقَنْطَرَةِ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْحَجَرِ وَالْآجُرِّ مَوْضُوعًا لَا يُرْفَعُ (قَوْلُهُ أَوْ يُوَسِّعُ فَمَ النَّهْرِ) لِأَنَّهُ يَكْسِرُ ضِفَّتَهُ وَيَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ فِي أَخْذِ الْمَاءِ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ بِكَسْرِ الْكَافِ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَقَدْ تُضَمُّ فِي الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْقَدِيمَ يُتْرَكُ عَلَى قِدَمِهِ إلَخْ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ مِيَاهٌ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَمْ يَجُزْ جَمْعُهَا فِي وَقْتٍ إلَّا بِرِضَاهُمْ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ لَكِنْ فِي التَّتِمَّةِ إنَّهُ جَائِزٌ اهـ (قَوْلُهُ أَوْ يَسُوقُ نَصِيبَهُ إلَخْ) لِأَنَّهُ إذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ حَقُّهُ هِدَايَةٌ: أَيْ فَيَلْزَمُ أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِشِرْبِ الْأَرْضِينَ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ يُقْسَمُ عَلَى مِقْدَارِ الْأَرَاضِيِ أَتْقَانِيٌّ، وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَسُوقَ شِرْبَهُ فِي أَرْضِهِ الْأُولَى حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْأُخْرَى، لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ إذْ الْأَرْضُ الْأُولَى تُنَشِّفُ بَعْضَ الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَسْقِيَ الْأُخْرَى هِدَايَةٌ.
وَذَكَرَ خُوَاهَرْ زَادَهْ: أَنَّهُ إذَا مَلَأَ الْأُولَى وَسَدَّ فُوَّهَةَ النَّهْرِ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ الْأُخْرَى مِنْ هَذَا الْمَاءِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَسْتَوْفِ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ وَإِنْ لَمْ يَسُدَّ فَلَا كِفَايَةٌ (قَوْلُهُ لَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْأَرْضِ وَذِكْرُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ ط (قَوْلُهُ وَلَهُمْ نَقْضُهُ إلَخْ) لِأَنَّهُ إعَارَةُ الشِّرْبِ فَإِنَّ مُبَادَلَةَ الشِّرْبِ بِالشِّرْبِ بَاطِلَةٌ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْأَعْلَى سَكْرُ النَّهْرِ بِلَا رِضَاهُمْ) لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْبَاقِينَ، فَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ الْأَعْلَى النَّهْرَ، حَتَّى يُشْرِبَ بِحِصَّتِهِ أَوْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُسْكِرَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي نَوْبَتِهِ جَازَ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ بِلَوْحٍ لَا يُسْكِرُ بِمَا يَنْكَبِسَ بِهِ النَّهْرُ كَالطِّينِ وَغَيْرِهِ لِكَوْنِهِ إضْرَارًا بِهِمْ مَنَعَ مَا فَضَلَ مِنْ السَّكْرِ عَنْهُمْ إلَّا إذَا رَضُوا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ الشِّرْبُ إلَّا بِالسَّكْرِ وَلَمْ يَصْطَلِحُوا عَلَى شَيْءٍ يَبْدَأُ بِأَهْلِ الْأَسْفَلِ حَتَّى يَرْوُوا ثُمَّ بَعْدَهُ لِأَهْلِ الْأَعْلَى أَنْ يَسْكُرُوا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَهْلُ أَسْفَلِ النَّهْرِ أُمَرَاءُ عَلَى أَهْلِ أَعْلَاهُ، حَتَّى يَرْوُوا لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا أَهْلَ الْأَعْلَى مِنْ السَّكْرِ وَعَلَيْهِمْ طَاعَتُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ لَزِمَك طَاعَتُهُ، فَهُوَ أَمِيرُك عِنَايَةٌ وَهِدَايَةٌ. وَفِي الدُّرِّ الْمُلْتَقَى قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَاسْتَحْسَنَ مَشَايِخُ الْأَنَامِ قَسْمَ الْإِمَامِ بِالْأَيَّامِ اهـ: أَيْ إذَا لَمْ يَصْلُحُوا وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِلَا سَكْرٍ يَقْسِمُ الْإِمَامُ بَيْنَهُمْ فَيَسْكُرُ كُلٌّ فِي نَوْبَتِهِ.
قُلْت: لَكِنَّهُ خِلَافُ مَا فِي الْمُتُونِ كَالْمُلْتَقَى وَالْهِدَايَةِ فَتَنَبَّهْ بَقِيَ لَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ مِنْ قَدِيمٍ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يُفْعَلُ فِي أَنْهَارِ دِمَشْقَ الْآخِذَةِ مِنْ نَهْرِ بَرَدَى، وَقَدْ يَقِلُّ الْمَاءُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فَيَتَضَرَّرُ أَهْلُ الْأَسْفَلِ بِسَكْرِ الْأَعْلَى فَهَلْ يُقَالُ يَبْقَى الْقَدِيمُ عَلَى قِدَمِهِ؟ أَجَابَ فِي الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَتَبِعَهُ فِي الْحَامِدِيَّةِ: بِأَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي الْمُشْتَرَكِ بِلَا رِضَا الشُّرَكَاءِ وَرِضَا مَنْ تَقَدَّمَ لَا يُلْزَمُ بِهِ مَنْ تَأَخَّرَ فَيُبْدَأُ بِالْأَسْفَلِ ثُمَّ بِالْأَعْلَى اهـ مُلَخَّصًا. وَكَذَلِكَ سُئِلَ فِي الْخَيْرِيَّةِ عَنْ خُصُوصِ نَهْرِ بَرَدَى فَأَجَابَ: بِالْمَنْعِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فِي الْمُتُونِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا اسْتَحْسَنَهُ مَشَايِخُ الْأَنَامِ مِنْ الْقَسْمِ بِالْأَيَّامِ فِيهِ دَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ وَقَطْعُ التَّنَازُعِ وَالْخِصَامِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ
стр. 3887
(كَطَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُفْتَحَ فِيهِ بَابًا إلَى دَارٍ أُخْرَى سَاكِنُهَا غَيْرُ سَاكِنِ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي مِفْتَحُهَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَاكِنُ الدَّارَيْنِ وَاحِدًا حَيْثُ لَا يُمْنَعُ) لِأَنَّ الْمَارَّةَ لَا تَزْدَادُ.
(وَيُورَثُ الشِّرْبُ وَيُوصَى بِالِانْتِفَاعِ بِهِ) أَمَّا الْإِيصَاءُ بِبَيْعِهِ فَبَاطِلٌ (وَلَا يُبَاعُ) الشِّرْبُ (وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُؤْجَرُ وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ
ــ
[رد المحتار]
لِكُلٍّ فِي هَذَا الْمَاءِ حَقًّا فَتَخْصِيصُ أَهْلِ الْأَسْفَلِ بِهِ حِينَ قِلَّةِ الْمَاءِ فِيهِ ضَرَرٌ لِأَهْلِ الْأَعْلَى، وَكَذَا تَخْصِيصُ أَهْلِ الْأَعْلَى بِهِ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُلِّ فَلِذَا اسْتَحْسَنُوا مَا ذُكِرَ وَارْتَضَوْهُ. ثُمَّ رَأَيْت فِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى مِنْهُمْ لَا يَشْرَبُ، حَتَّى يُسْكَرَ النَّهْرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْكُرَ النَّهْرَ عَلَى الْأَسْفَلِ؛ وَلَكِنْ يُشْرِبُ بِحِصَّتِهِ اهـ فَقَوْلُهُ: وَلَكِنْ يُشْرِبُ بِحِصَّتِهِ يُومِئُ إلَى هَذَا حَيْثُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الشِّرْبِ أَصْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ كَطَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ إلَخْ) وَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الشِّرْبِ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقُّ الشِّرْبِ وَيَزِيدُ فِي الطَّرِيقِ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْمُرُورِ كِفَايَةٌ (قَوْلُهُ سَاكِنُهَا) مُبْتَدَأٌ وَغَيْرُ خَبَرٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ لَهُ دَارَانِ بَابُ إحْدَاهُمَا فِي طَرِيقٍ خَاصٍّ، وَهُوَ سَاكِنٌ فِيهَا وَبَابُ الثَّانِيَةِ فِي طَرِيقٍ آخَرَ وَظَهْرُهَا فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ أَسْكَنَ فِيهَا غَيْرَهُ بِإِجَارَةٍ، أَوْ إعَارَةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ لِلثَّانِيَةِ بَابًا فِي طَرِيقِ الدَّارِ الْأُولَى، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الطَّرِيقِ الْخَاصِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْمُرُورِ وَهُوَ سَاكِنُ الدَّارِ الثَّانِيَةِ بِلَا رِضَا أَصْحَابِ الطَّرِيقِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَارَّةَ لَا تَزْدَادُ) وَلَهُ حَقُّ الْمُرُورِ وَيَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ، وَهُوَ الْجِدَارُ بِالرَّفْعِ زَيْلَعِيٌّ وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ يَطُولُ الزَّمَانُ، وَيَبِيعُ الَّتِي لَا مَمَرَّ لَهَا فَيَدَّعِي الْمُشْتَرِي أَنَّ لَهُ حَقَّ الْمُرُورِ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالْفِعْلِ السَّابِقِ ط.
أَقُولُ: وَذَكَرَ فِي الْفَصْلِ ٣٥ مِنْ نُورِ الْعَيْنِ خِلَافًا فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَهُ دَارٌ فِي سِكَّةٍ لَا تَنْفُذُ فَشَرَى بِجَانِبِ دَارِهِ بَيْتًا ظَهْرُهُ فِي هَذِهِ السِّكَّةِ قِيلَ لَهُ: أَنْ يَفْتَحَ مِنْ ظَهْرِهِ بَابًا فِي السِّكَّةِ، وَقِيلَ: لَا وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا لِلْبَيْتِ فِي دَارِهِ، وَيَتَطَرَّقَ مِنْ دَارِهِ إلَى السِّكَّةِ لَهُ ذَلِكَ مَا دَامَ هُوَ سَاكِنًا أَمَّا إذَا صَارَتْ لِرَجُلٍ، وَالْبَيْتُ لِآخَرَ لَيْسَ لِرَبِّ الْبَيْتِ أَنْ يَمُرَّ فِي هَذِهِ السِّكَّةِ اهـ وَبَيَانُ الْفَرْقِ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فَرَاجِعْهُ.
١ -
[تَتِمَّةٌ]
لَهُ كُوَّةٌ فِي أَسْفَلِ النَّهْرِ أَرَادَ أَنْ يَسُدَّهَا، وَيَفْتَحَ أُخْرَى فِي الْأَعْلَى لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ بَابَ دَارِهِ فِي أَعْلَى السِّكَّةِ الْغَيْرِ النَّافِذَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُسْفِلَهَا عَنْ مَوْضِعِهَا لِيَكْثُرَ أَخْذُ الْمَاءِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: لَهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ كَذَلِكَ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: لَهُ مُطْلَقًا وَكَذَا الْخِلَافُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَهَا لِيَقِلَّ عَنْهُ الْمَاءُ اهـ تَتَارْخَانِيَّةٌ مُلَخَّصًا
(قَوْلُهُ وَيُورَثُ الشِّرْبُ إلَخْ) لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِرْثِ يَقَعُ حُكْمًا لَا قَصْدًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الشَّيْءُ حُكْمًا وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ قَصْدًا كَالْخَمْرِ تُمْلَكُ حُكْمًا بِالْمِيرَاثِ، وَإِنْ لَمْ تُمْلَكْ قَصْدًا بِسَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ وَمَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ تَجْرِي فِيهِ الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّهَا أُخْتُهُ وَفِي الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا يَرِدُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ مَقْصُودًا أَتْقَانِيٌّ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَيُوصِي بِالِانْتِفَاعِ بِهِ) وَتُعْتَبَرُ الْوَصِيَّةُ مِنْ الثُّلُثِ قَالَ بَعْضُهُمْ: بِأَنْ يَسْأَلَ مِنْ الْمُقَوِّمِينَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ مُنْفَرِدًا بِكَمْ يُشْتَرَى، فَإِنْ قَالُوا بِمِائَةٍ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا فِي إتْلَافِ الْمُدَبَّرِ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُضَمُّ إلَى هَذَا الشِّرْبِ جَرِيبٌ مِنْ أَقْرَبِ أَرْضٍ إلَيْهِ فَيُنْظَرُ بِكَمْ يُشْتَرَى مَعَهُ، وَبِدُونِهِ تَتَارْخَانِيَّةٌ: أَيْ فَيَكُونُ فَضْلُ مَا بَيْنَهُمَا قِيمَتُهُ (قَوْلُهُ أَمَّا الْإِيصَاءُ بِبَيْعِهِ فَبَاطِلٌ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ وَلَا يُوصِي بِذَلِكَ ط وَفِيهِ عَنْ الْهِنْدِيَّةِ أَوْصَى بِثُلُثِ شِرْبِهِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الرِّقَابِ كَانَتْ وَصِيَّةً بِبَيْعِهِ، إذْ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِثَمَنِهِ اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَلَا يُبَاعُ الشِّرْبُ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ شِرْبُ يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَفْسُدُ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ، لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَإِلَّا بَطَلَ وَجَازَ مَعَ الْأَرْضِ فِي الصَّحِيحِ دُرُّ مُلْتَقًى: أَيْ تَبَعًا لَهَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ:
стр. 3888
وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا سَيَجِيءُ (وَلَا يُوصَى بِذَلِكَ) أَيْ بِبَيْعِهِ وَأَخَوَيْهِ
(وَلَا يَصْلُحُ) الْمَاءُ (بَدَلَ خُلْعٍ وَصُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمَّهُ وَمَهْرِ نِكَاحٍ وَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْعُقُودُ) لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ لِأَنَّ الشِّرْبَ لَا يُمْلَكُ بِسَبَبٍ مَا حَتَّى لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُبَعْ الشِّرْبُ بِلَا أَرْضٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْضٌ قِيلَ يُجْمَعُ الْمَاءُ فِي كُلِّ نَوْبَةٍ فِي حَوْضٍ فَيُبَاعُ الْمَاءُ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ دَيْنُهُ وَقِيلَ يَنْظُرُ الْإِمَامُ لِأَرْضٍ لَا شِرْبَ لَهَا فَيَضُمُّهُ إلَيْهَا فَيَبِيعُهَا بِرِضَا رَبِّهَا فَيَنْظُرُ لِقِيمَةِ الْأَرْضِ بِلَا شِرْبٍ وَلِقِيمَتِهَا مَعَهُ فَيَصْرِفُ تَفَاوُتَ مَا بَيْنَهُمَا لِدَيْنِ الْمَيِّتِ وَتَمَامُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ
(وَلَا يَضْمَنُ مَنْ مَلَأَ أَرْضَهُ مَاءً فَنَزَّتْ أَرْضُ جَارِهِ أَوْ غَرِقَتْ) لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ وَهَذَا إذَا سَقَاهَا سَقْيًا مُعْتَادًا تَتَحَمَّلُهُ أَرْضُهُ عَادَةً وَإِلَّا فَيَضْمَنُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِي الذَّخِيرَةِ وَهَذَا إذَا سَقَى فِي نَوْبَتِهِ مِقْدَارَ حَقِّهِ وَأَمَّا إذَا سَقَى فِي غَيْرِ نَوْبَتِهِ أَوْ زَادَ عَلَى حَقِّهِ يَضْمَنُ عَلَى مَا قَالَ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ قُهُسْتَانِيٌّ (وَلَا يَضْمَنُ مَنْ سَقَى أَرْضَهُ) أَوْ زَرْعَهُ (مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى شَرْحُ وَهْبَانِيَّةٍ وَابْنِ الْكَمَالِ عَنْ الْخُلَاصَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَلَوْ تَصَدَّقَ
ــ
[رد المحتار]
بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ وَبِعْتُك شِرْبَهَا قِيلَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الشِّرْبِ، لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْبَيْعِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَذْكُرْ لَهُ ثَمَنًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ التَّبَعِيَّةِ، حَتَّى لَوْ ذَكَرَ لَمْ يَجُزْ وِفَاقًا لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ شِرْبِ أَرْضٍ أُخْرَى عَنْ ابْنِ سَلَّامٍ يَجُوزُ، وَلَوْ أَجَّرَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الشِّرْبَ فِي الْبَيْعِ أَصْلٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَتَبَعٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لِعَيْنِهِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَبَعٌ لَا يُبَاعُ مِنْ غَيْرِ أَرْضٍ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَصْلٌ يَجُوزُ مَعَ أَيِّ أَرْضٍ كَانَتْ وَفِي الْإِجَارَةِ تَبَعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ اهـ مُلَخَّصًا. وُلِلشُّرُنْبُلَالِيِّ رِسَالَةٌ فِي الشِّرْبِ ذَكَرَ فِيهَا الصُّوَرَ الصَّحِيحَةَ وَالْفَاسِدَةَ فِي جَدْوَلٍ فَرَاجِعْهَا وَذَكَرَ فِيهَا أَيْضًا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ أَيْضًا كَالْإِجَارَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ) الَّذِي سَيَجِيءُ قَرِيبًا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ، لَكِنَّ عَدَمَ ضَمَانِهِ بِالْإِتْلَافِ مُفَرَّعٌ عَلَى كَوْنِهِ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ فَيَكُونُ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَأَخَوَيْهِ) أَيْ الْهِبَةِ وَالتَّصَدُّقِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَصْلُحُ الْمَاءُ) أَيْ مَاءُ الشِّرْبِ الْغَيْرِ الْمُحْرَزِ (قَوْلُهُ بَدَلَ خُلْعٍ) فَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الشِّرْبِ شَيْءٌ وَعَلَيْهَا أَنْ تَرُدَّ الْمَهْرَ الَّذِي أَخَذَتْهُ، لِأَنَّهَا غَرَّتْهُ بِالتَّسْمِيَةِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى مَا فِي بَيْتِهَا مِنْ مَتَاعٍ فَإِذَا لَيْسَ فِي بَيْتِهَا شَيْءٌ كِفَايَةٌ (قَوْلُهُ وَصَلَحَ إلَخْ) وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الْقَبُولِ، وَعَلَى الْقَاتِلِ رَدُّ الدِّيَةِ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَمْ يَرْضَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ مَجَّانًا أَتْقَانِيٌّ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ قِصَاصٍ فَالْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ عِنَايَةٌ (قَوْلُهُ وَمَهْرُ نِكَاحٍ) وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ أَتْقَانِيٌّ زَادَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى: وَلَا يُقْرَضُ وَلَا يُرْهَنُ وَلَا يُعَارُ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ) يَعْنِي أَنَّ الْعَقْدَ بِبَدَلٍ هُوَ غَيْرُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ بِمَعْنَى الشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَهَذِهِ الْعُقُودُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الشِّرْبَ إلَخْ) عِلَّةٌ أُخْرَى أَوْ بَيَانٌ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الشَّرْطِ الْفَاسِدِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ إلَخْ) صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ اشْتَرَى عَلَى تَرِكَةِ الْمَيِّتِ أَرْضًا بِغَيْرِ شِرْبٍ ثُمَّ ضَمَّ الشِّرْبَ إلَيْهَا وَبَاعَهَا فَيُصْرَفُ مِنْ الثَّمَنِ إلَى ثَمَنِ الْأَرْضِ، وَيُصْرَفُ الْفَاضِلُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ) فَهُوَ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي أَرْضِهِ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ) كَمَا لَوْ أَوْقَدَ نَارًا فِي دَارٍ لَا يُوقَدُ مِثْلُهَا عَادَةً فَاحْتَرَقَتْ دَارُ جَارِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي أَرْضِهِ ثُقْبٌ فَغَرِقَتْ أَرْضُ جَارِهِ، فَإِنْ عَلِمَ بِهِ ضَمِنَ وَإِلَّا لَا أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَهَذَا إذَا سَقَى) الْإِشَارَةُ إلَى عَدَمِ الضَّمَانِ إذَا سَقَاهَا مُعْتَادًا كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ فِي الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا سَقَى إلَخْ) أَيْ سَوَاءً كَانَ مُعْتَادًا أَوْ لَا كَمَا أَفَادَهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَرْجِعِ الْإِشَارَةِ قَالَ ط: وَقَدْ عَلِمْت مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَهُوَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ عَلَى مَا قَالَ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ) هَذَا يَقْتَضِي انْفِرَادَهُ مِمَّا ذُكِرَ وَأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الْأَوَّلِ ط وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الزَّاهِدِيُّ بِالْيَاءِ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا بِدُونِ يَاءٍ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ إلَخْ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِنَّمَا لَا يَضْمَنُ لِوَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِهْلَاكَهُ لِلشُّفْعَةِ، وَمَنْ مَلَكَ اسْتِهْلَاكَ شَيْءٍ بِجِهَةٍ
стр. 3889
بِنُزُلِهِ فَحَسَنٌ لِبَقَاءِ الْمَاءِ الْحَرَامِ فِيهِ بِخِلَافِ الْعَلَفِ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّ الدَّابَّةَ إذَا سَمُنَتْ بِهِ انْعَدَمَ وَصَارَ شَيْئًا آخَرَ قُهُسْتَانِيٌّ (فَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ) لَا ضَمَانَ وَ (أَدَّبَهُ الْإِمَامُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ إنْ رَأَى) الْإِمَامُ (ذَلِكَ) خَانِيَّةٌ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ قَالَ وَجَوَّزَ بَعْضُ مَشَايِخِ بَلْخٍ بَيْعَ الشُّرْبِ لِتَعَامُلِ أَهْلِ بَلْخٍ وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ لِلتَّعَامُلِ، وَنُوقِضَ بِأَنَّهُ تَعَامُلُ أَهْلِ بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَفْتَى النَّاصِحِيُّ بِضَمَانِهِ ذَكَرَهُ فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى قَالَ: وَيَنْفُذُ الْحَكَمُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ فَلْيُحْفَظْ قُلْت: وَفِي الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا مِنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ فَلَوْ سَقَى أَرْضَ نَفْسِهِ بِمَاءِ غَيْرِهِ ضَمِنَهُ وَبِهِ جَزَمَ فِي النُّقَايَةِ هُنَا فَافْهَمْ. قُلْت: وَقَدْ مَرَّ مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى فَتَنَبَّهْ وَفِي الْوَهْبَانِيَّةِ:
وَسَاقٍ بِشِرْبِ الْغَيْرِ لَيْسَ بِضَامِنٍ ... وَضَمَّنَهُ بَعْضٌ وَمَا مَرَّ أَظْهَرُ
وَمَا جَوَّزُوا أَخْذَ التُّرَابِ الَّذِي عَلَى ... جَوَانِبِ نَهْرٍ دُونَ إذْنٍ يُقَرَّرُ
ــ
[رد المحتار]
فَاسْتَهْلَكَهُ بِجِهَةٍ أُخْرَى لَا يَضْمَنُ كَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَاسْتَهْلَكَ الْعَلَفَ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِهْلَاكَهُ بِعَلَفِ دَابَّتِهِ، الثَّانِي أَنَّ الْمَاءَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالْأَوَانِي لَا يُمْلَكُ فَقَدْ أَتْلَفَ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ اهـ (قَوْلُهُ بِنُزُلِهِ) أَيْ بِضَمَّتَيْنِ أَيْ رِيعِهِ وَنَمَائِهِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ فَحَسَنٌ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّنَزُّهِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَفِي التَّتِمَّةِ أَنَّ الْمَاءَ وَقَعَ فِي كَرْمِ زَاهِدٍ فِي غَيْرِ نَوْبَتِهِ أَمَرَ بِقَطْعِهِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ضَرَحَ مِنْهُ التُّرَابَ الْمَبْلُولَ وَقَالَ الْفَقِيهُ: لَا آمُرُ بِهِ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِنُزُلِهِ لَكَانَ حَسَنًا وَهَذَا أَفْضَلُ (قَوْلُهُ لِبَقَاءِ الْمَاءِ الْحَرَامِ فِيهِ) هَذَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا عَلَى مُقَابِلِ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ أَنَّهُ يُمْلَكُ فَيَضْمَنُهُ لِمَالِكِهِ أَيْ إنْ عَلِمَ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ إذَا سَمُنَ) الْأَوْلَى سَمُنَتْ (قَوْلُهُ انْعَدَمَ وَصَارَ شَيْئًا آخَرَ) أَيْ دَمًا أَوْ فَرْثًا أَوْ لَحْمًا وَنَحْوَهُ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ التَّصَدُّقُ بِهَا ط (قَوْلُهُ فَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ) بِأَنْ فَعَلَهُ مَرَّةً أُخْرَى قَالَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَإِنْ فَعَلَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إلَخْ ط (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ) أَيْ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ الشِّحْنَةِ حَيْثُ ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الطَّرَسُوسِيَّ فَهِمَ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمَارِّ، بِأَنَّ الْمَاءَ قَبْلَ إحْرَازِهِ لَا يُمْلَكُ أَنَّهُ يَكُونُ مُبَاحًا وَرَدَّهُ النَّاظِمُ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ وَيَكُونُ مُسْتَحَقًّا لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِلَا إذْنٍ، وَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ وَفِي الْعُيُونِ لَا يَفْعَلُ، وَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَخِّصَ فِي أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ خَوْفُ الْهَلَاكِ عَلَى النَّفْسِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَوْ فَعَلَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَنَّ الطَّرَسُوسِيَّ قَالَ: إنَّ كَلَامَ الْعُيُونِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دِيَانَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِلَا إذْنٍ وَلَوْ فُعِلَ لَا ضَمَانَ فِي الْقَضَاءِ اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ قَالَ) أَيْ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ أَوَّلَ الْفَصْلِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَيَنْفُذُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ) لِمُصَادَفَتِهِ فَصْلًا مُجْتَهِدًا فِيهِ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ الْآنَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِغَيْرِ مُعْتَمَدِ مَذْهَبِهِ (قَوْلُهُ فَافْهَمْ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى دَفْعِ مَا أُورِدَ عَلَى الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا لَا يَضْمَنُ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلْخٍ، لِأَنَّهُ حَظٌّ مِنْ الْمَاءِ وَلِهَذَا يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ، وَلَهُ حَظٌّ مِنْ الثَّمَنِ يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَلِهَذَا يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَابِلِ الْمُفْتَى بِهِ، وَإِنْ أَوْهَمَ الِاتِّفَاقَ عَلَى الضَّمَانِ كَمَا هُوَ شَأْنُ التَّعْلِيلِ.
(قَوْلُهُ قُلْت وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا يُضْمَنُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَصَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ فَتَنَبَّهْ) أَيْ فَإِنَّ مَا أَفْتَى بِهِ النَّاصِحِيُّ وَمَا فِي النُّقَايَةِ وَبُيُوعِ الْهِدَايَةِ خِلَافُ الْمُفْتَى بِهِ (قَوْلُهُ وَسَاقٍ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ط (قَوْلُهُ وَمَا جَوَّزُوا إلَخْ) التُّرَابُ الْمُسْتَخْرَجُ بِالْحَفْرِ، وَيُوضَعُ عَلَى حَافَّتَيْ النَّهْرِ قِيلَ لِمَنْ وُضِعَ بِجَانِبِهِ أَخْذُهُ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالنَّهْرِ، وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أَهْلِ النَّهْرِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي النَّظْمِ وَقِيلَ: يُبَاحُ لِكُلِّ مَنْ أَخَذَهُ إنْ لَمْ يَضُرَّ، لِأَنَّ الْحَافِرَ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ فَهُوَ كَمَنْ احْتَشَّ حَشِيشَ النَّهْرِ، لِيَجْرِيَ الْمَاءُ فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَخْذُهُ وَصَوَّبَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَفِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ حَسَنٌ جِدًّا (قَوْلُهُ دُونَ إذْنٍ) قَدْ عَلِمْت أَنَّ
стр. 3890
وَلَوْ حَفَرُوا نَهْرًا وَأَلْقَوْا تُرَابَهُ ... فَلَوْ فِي حَرِيمٍ لَيْسَ بِالنَّقْلِ يُؤْمَرُ
كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ هِيَ جَمْعُ شَرَابٍ (وَالشَّرَابُ) لُغَةً: كُلُّ مَائِعٍ يُشْرَبُ وَاصْطِلَاحًا (مَا يُسْكِرُ وَالْمُحَرَّمُ مِنْهَا أَرْبَعَةُ) أَنْوَاعٍ.
(الْأَوَّلُ: الْخَمْرُ وَهِيَ النِّيءُ) بِكَسْرِ النُّونِ فَتَشْدِيدِ الْيَاءِ (مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ) أَيْ رَمَى (بِالزَّبَدِ) أَيْ الرَّغْوَةِ وَلَمْ يَشْتَرِطَا قَذْفَهُ وَبِهِ قَالَتْ الثَّلَاثَةُ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَنْ الْمَوَاهِبِ وَيَأْتِي مَا يُفِيدُهُ وَقَدْ تُطْلَقُ الْخَمْرُ عَلَى غَيْرِ مَا ذُكِرَ مَجَازًا. ثُمَّ شَرَعَ فِي أَحْكَامِهَا الْعَشَرَةِ فَقَالَ (وَحُرِّمَ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا) بِالْإِجْمَاعِ
ــ
[رد المحتار]
النَّاظِمَ جَرَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، فَاشْتِرَاطُ الْإِذْنِ لَا بُدَّ مِنْهُ بِنَاءً عَلَيْهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَوْ حَفَرُوا نَهْرًا إلَخْ) الشَّطْرُ الثَّانِي لَهُ غَيَّرَ بِهِ نَظْمَ الْأَصْلِ لِتَضَمُّنِهِ مَسْأَلَتَيْنِ:
الْأُولَى: نَهْرٌ لِقَوْمٍ يَجْرِي فِي أَرْضٍ حَفَرُوهُ وَأَلْقَوْا تُرَابَهُ فَإِنْ أَلْقَوْهُ فِي غَيْرِ حَرِيمِ النَّهْرِ فَلَهُمْ أَخْذُهُ بِنَقْلِهِ وَإِلَّا فَلَا،
وَالثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ يَجْرِي فِي سِكَّةٍ فَكَذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ]
ِ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشِّرْبِ لِأَنَّهُمَا شُعْبَتَا عِرْقٍ وَاحِدٍ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَقَدَّمَ الشِّرْبَ لِمُنَاسَبَتِهِ لِإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَتَمَامُهُ فِي الْعِنَايَةِ وَالْمِنَحِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَأُصُولُ الْأَشْرِبَةِ الثِّمَارُ كَالْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْحُبُوبَاتُ كَالْبُرِّ وَالذُّرَةِ وَالدَّخَنُ وَالْحَلَاوَاتُ كَالسُّكْرِ وَالْفَانِيذِ وَالْعَسَلِ وَالْأَلْبَانُ كَلَبَنِ الْإِبِلِ وَالرِّمَاكُ وَالْمُتَّخَذُ مِنْ الْعِنَبِ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ أَوْ سِتَّةٌ وَمِنْ الثَّمَرِ ثَلَاثَةٌ وَمِنْ الزَّبِيبِ اثْنَانِ وَمِنْ كُلِّ الْبَوَاقِي وَاحِدٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى نَوْعَيْنِ نِيءٌ وَمَطْبُوخٌ اهـ (قَوْلُهُ كُلُّ مَائِعٍ يُشْرَبُ) أَيْ هُوَ اسْمٌ مِنْ الشُّرْبِ أَيْ مَا يُشْرَبُ مَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَلَالًا أَوْ غَيْرَهُ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَهِيَ) أَنَّثَ الضَّمِيرَ، لِأَنَّ الْخَمْرَ مُؤَنَّثَةٌ سَمَاعًا قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَقَدْ تُذَكَّرُ أَيْ نَظَرًا لِلَّفْظِ (قَوْلُهُ بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ) هَذَا خِلَافُ الْأَصْلِ فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ فِي بَابِ الْهَمْزَةِ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ النِّيءُ بِكَسْرِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ وَالْهَمْزَةِ، وَفِي الْمُغْرِبِ وَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ عَلَى الْقَلْبِ وَالْإِدْغَامِ أَيْ غَيْرُ النَّضِيجِ، وَمِثْلُهُ فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ وَفِي الْعَزْمِيَّةِ الْإِبْدَالُ وَالْإِدْغَامُ غَيْرُ مَشْهُورٍ وَقَالَ الْمَقْدِسِيَّ إنَّهُ عَامِّيٌّ (قَوْلُهُ إذَا غَلَى) أَيْ ارْتَفَعَ أَسْفَلُهُ إذْ أَصْلُهُ الِارْتِفَاعُ كَمَا فِي الْمَقَايِيسِ وَقَوْلُهُ: اشْتَدَّ أَيْ قَوِيَ بِحَيْثُ يَصِيرُ مُسْكِرًا قُهُسْتَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ أَيْ رَمَى بِالزَّبَدِ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الزَّبَدِ فَيَصْفُوا وَيَرُوقُ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ) وَاعْتَمَدَهُ الْمَحْبُوبِيُّ وَالنَّسَفِيُّ وَغَيْرُهُمَا تَصْحِيحُ قَاسِمٍ، وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَأَنَا آخُذُ بِقَوْلِهِمَا دَفْعًا لِتَجَاسُرِ الْعَوَامّ، لِأَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ يَحِلُّ قَبْلَ قَذْفِ الزَّبَدِ يَقَعُونَ فِي الْفَسَادِ اهـ وَفِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَقِيلَ يُؤْخَذُ فِي حُرْمَةِ الشُّرْبِ بِمُجَرَّدِ الِاشْتِدَادِ وَفِي الْحَدِّ بِقَذْفِ الزَّبَدِ احْتِيَاطًا (قَوْلُهُ وَيَأْتِي مَا يُفِيدُهُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَالْكُلُّ حَرَامٌ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ اهـ ح (قَوْلُهُ وَقَدْ تُطْلَقُ إلَخْ) قَالَ فِي الْمِنَحِ: هَذَا الِاسْمُ خُصَّ بِالشُّرْبِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا نَقُولُ إنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ لِاشْتِقَاقِهِ مِنْ مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّ اللُّغَةَ لَا يَجْرِي فِيهَا الْقِيَاسُ، فَلَا يُسَمَّى الدَّنُّ قَارُورَةً لِقَرَارِ الْمَاءِ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» وَقَوْلُهُ «إنَّ مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْرًا وَإِنْ مِنْ الشَّعِيرِ خَمْرًا وَمِنْ الزَّبِيبِ خَمْرًا وَمِنْ الْعَسَلِ خَمْرًا» فَجَوَابُهُ: أَنَّ الْخَمْرَ حَقِيقَةً تُطْلَقُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَغَيْرِهِ كُلُّ وَاحِدٍ لَهُ اسْمٌ مِثْلُ الْمُثَلَّثِ وَالْبَاذِقِ وَالْمُنَصَّفِ وَنَحْوِهَا وَإِطْلَاقُ الْخَمْرِ عَلَيْهَا مَجَازًا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ اهـ مُلَخَّصًا أَوْ هُوَ لِبَيَانِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ ﵊ بَعْث لَهُ لَا لِبَيَانِ الْحَقَائِقِ (قَوْلُهُ وَحَرُمَ قَلِيلُهَا)
стр. 3891
(لِعَيْنِهَا) أَيْ لِذَاتِهَا وَفِي قَوْله تَعَالَى: - ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠]- الْآيَةَ عَشْرُ دَلَائِلَ عَلَى حُرْمَتِهَا مَبْسُوطَةٌ فِي الْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِ (وَهِيَ نَجِسَةٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً كَالْبَوْلِ وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا وَسَقَطَ تَقَوُّمُهَا) فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ (لَا مَالِيَّتُهَا) فِي الْأَصَحِّ
(وَحَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِهَا) وَلَوْ لِسَقْيِ دَوَابَّ أَوْ لِطِينٍ أَوْ نَظَرٍ لِلتَّلَهِّي، أَوْ دَوَاءٍ أَوْ دُهْنٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا لِتَخْلِيلٍ أَوْ لِخَوْفِ عَطَشٍ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَلَوْ زَادَ فَسَكِرَ حُدَّ مُجْتَبَى
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» (وَيُحَدُّ شَارِبُهَا وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ مِنْهَا وَ) يُحَدُّ (شَارِبُ غَيْرِهَا إنْ سَكِرَ
ــ
[رد المحتار]
أَيْ شُرْبُ قَلِيلِهَا لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ الْآتِي مِنْ حُرْمَةِ الِانْتِفَاعِ وَالتَّدَاوِي اهـ ح وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا قَالَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إنَّ الْحَرَامَ هُوَ الْكَثِيرُ الْمُسْكِرُ لَا الْقَلِيلُ قُهُسْتَانِيٌّ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَهَذَا كُفْرٌ لِأَنَّهُ جُحُودُ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ سَمَّاهُ رِجْسًا وَالرِّجْسُ مَا هُوَ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ مُتَوَاتِرَةً «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ حَرَّمَ الْخَمْرَ» وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الْأَمَةِ، وَلِأَنَّ قَلِيلَهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ الْخَمْرِ (قَوْلُهُ لِعَيْنِهَا إلَخْ) أَيْ لَا لِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ فَتَحْرُمُ الْقَطْرَةُ مِنْهَا وَهَذَا عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ وَإِنَّمَا أُعِيدَ لِتَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ الْبَاطِلِ (قَوْلُهُ عَشْرُ دَلَائِلَ) هِيَ نَظْمُهَا فِي سِلْكِ الْمَيْسِرِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَتَسْمِيَتُهَا رِجْسًا وَعَدُّهَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، وَالْأَمْرُ بِالِاجْتِنَابِ، وَتَعْلِيقُ الْفَلَاحِ بِاجْتِنَابِهَا وَإِرَادَةُ الشَّيْطَانِ إيقَاعَ الْعَدَاوَةِ بِهَا، وَإِيقَاعُ الْبَغْضَاءِ وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْ الصَّلَاةِ وَالنَّهْيُ الْبَلِيغُ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْمُؤْذِنِ بِالتَّهْدِيدِ اهـ ح (قَوْلُهُ وَهِيَ نَجِسَةٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا رِجْسًا فَكَانَتْ كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا) لِإِنْكَارِهِ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَسَقَطَ تَقَوُّمُهَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ) حَتَّى لَا يَضْمَنَهَا مُتْلِفُهَا وَغَاصِبُهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا نَجَّسَهَا فَقَدْ أَهَانَهَا، وَالتَّقَوُّمُ يُشْعِرُ بِعِزَّتِهَا وَقَالَ ﵊ «إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا وَأَكْلَ ثَمَنِهَا» هِدَايَةٌ. وَعَدَمُ ضَمَانِهَا لَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ إتْلَافِهَا. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَقِيلَ: يُبَاحُ وَقِيلَ: لَا يُبَاحُ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ بِأَنْ كَانَتْ عِنْدَ شِرِّيبٍ خِيفَ عَلَيْهِ الشُّرْبُ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ عِنْدَ صَالِحٍ فَلَا يُبَاحُ لِأَنَّهُ يُخَلِّلُهَا عِنَايَةٌ وَفِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ مَجْدِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الصَّحِيحَ الثَّانِي.
قَالَ أَبُو السُّعُودِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي سُقُوطِ مَالِيَّتِهَا فَمَنْ قَالَ إنَّهَا مَالٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ لَا يُبَاحُ إتْلَافُهَا إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ اهـ وَهُوَ حَسَنٌ (قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ) أَمَّا الذِّمِّيُّ فَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ فِي حَقِّهِ كَالْخِنْزِيرِ حَتَّى صَحَّ بَيْعُهُ لَهُمَا، وَلَوْ أَتْلَفَهُمَا لَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ مَأْمُورِهِ ضَمِنَ قِيمَتَهَا لَهُ كَمَا مَرَّ فِي آخِرِ الْغَصْبِ (قَوْلُهُ لَا مَالِيَّتِهَا فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْمَالَ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ وَيَجْرِي فِيهِ الْبَذْلُ وَالْمَنْعُ، فَتَكُونُ مَالًا لَكِنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ لِمَا قُلْنَا أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَلَوْ لِسَقْيِ دَوَابَّ) قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ لَوْ قَادَ الدَّابَّةَ إلَى الْخَمْرِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَوْ نَقَلَ إلَى الدَّابَّةِ يُكْرَهُ وَكَذَا قَالُوا فِيمَنْ أَرَادَ تَخْلِيلَ الْخَمْرِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَ الْخَلَّ إلَى الْخَمْرِ وَلَوْ عَكَسَ يُكْرَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ تَتَارْخَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ أَوْ لِطِينٍ) أَيْ لِبَلِّ طِينٍ (قَوْلُهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَامْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ بِهَا لِيَزِيدَ بَرِيقُ شَعْرِهَا أَوْ الِاكْتِحَالِ بِهَا أَوْ جَعْلِهَا فِي سَعُوطٍ تَتَارْخَانِيَّةٌ، وَمِنْهُ مَا يَأْتِي مِنْ الِاحْتِقَانِ بِهَا أَوْ إقْطَارِهَا فِي إحْلِيلٍ قَالَ الأتقاني: لِأَنَّ ذَلِكَ انْتِفَاعٌ بِالْخَمْرِ وَأَنَّهُ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِعَدَمِ الشُّرْبِ (قَوْلُهُ أَوْ لِخَوْفِ عَطَشٍ) الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى مِنْ أَيْ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَطَشٍ بِأَنْ خَافَ هَلَاكَهُ مِنْهُ، وَلَا يَجِدُ مَا يُزِيلُهُ بِهِ إلَّا الْخَمْرَ (قَوْلُهُ فَلَوْ زَادَ فَسَكِرَ حُدَّ) وَكَذَا لَوْ رَوِيَ ثُمَّ شَرِبَ حُدَّ مُجْتَبَى، فَأَفَادَ أَنَّ السُّكْرَ غَيْرُ قَيْدٍ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الضَّرُورَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ فَإِنْ شَرِبَ مِقْدَارَ مَا يَرْوِيهِ وَزِيَادَةً وَلَمْ يُسْكِرْهُ قَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ شَرِبَ هَذَا الْقَدْرَ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ وَلَمْ يَسْكَرْ
(قَوْلُهُ وَيُحَدُّ شَارِبُهَا إلَخْ) فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ خَلَطَهَا بِالْمَاءِ إنْ الْمَاءُ أَقَلَّ أَوْ مُسَاوِيًا حُدَّ، وَإِنْ أَغْلَبَ فَلَا إلَّا إذَا سَكِرَ اهـ وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْقُدُورِيِّ إذَا غَلَبَ الْمَاءُ عَلَيْهَا حَتَّى زَالَ طَعْمُهَا وَرِيحُهَا فَلَا حَدَّ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا
стр. 3892
وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الطَّبْخُ) إلَّا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِيهِ مَا لَمْ يَسْكَرْ مِنْهُ لِاخْتِصَاصِ الْحَدِّ بِالنِّيءِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَاسْتَظْهَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَضَعَّفَ مَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى ثُمَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ وَهْبَانَ أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ لِمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْقُنْيَةِ مُخَالِفًا لِلْقَوَاعِدِ مَا لَمْ يَعْضُدْهُ نَقْلٌ مِنْ غَيْرِهِ اهـ وَفِيهِ كَلَامٌ لِابْنِ الشِّحْنَةِ
(وَلَا يَجُوزُ بِهَا التَّدَاوِي) عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
ــ
[رد المحتار]
ثَرَدَ فِيهَا خُبْزًا وَأَكَلَهُ إنْ وَجَدَ الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ حُدَّ وَمَا لَا لَوْنَ لَهَا يُحَدُّ إنْ وَجَدَ الطَّعْمَ (قَوْلُهُ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الطَّبْخُ) أَيْ فِي زَوَالِ الْحُرْمَةِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْنَاءِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ) نَقَلَهُ فِي الْعِنَايَةِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَكِنْ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: يُحَدُّ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا بِالنَّصِّ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ التَّتِمَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ حُكْمُ الْعِرْقِ الْمُسْتَقْطَرِ مِنْ فَضَلَاتِ الْخَمْرِ، فَيَنْبَغِي جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْحَدِّ مِنْ شُرْبِ قَلِيلِهِ كَمَا بَحَثَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ، أَمَّا نَجَاسَتُهُ فَغَلِيظَةٌ كَأَصْلِهِ لَكِنْ لَيْسَ كَحُرْمَةِ الْخَمْرِ لِعَدَمِ إكْفَارِ مُسْتَحِلِّهِ لِلْخِلَافِ فِيهِ، وَقَوْلُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ بَحْثًا لَا حَدَّ بِهِ بِلَا سُكْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْقُهُسْتَانِيِّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَاسْتَظْهَرَهُ الْمُصَنِّفُ) حَيْثُ قَالَ: وَالطَّبْخُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا لِأَنَّهُ لِلْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ لَا لِرَفْعِهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِيهِ مَا لَمْ يَسْكَرْ مِنْهُ عَلَى مَا قَالُوا لِأَنَّ الْحَدَّ فِي النِّيءِ خَاصَّةً لِمَا ذَكَرْنَا فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْمَطْبُوخِ ذَكَرَهُ فِي تَبْيِينِ الْكَنْزِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وَبِهِ يَظْهَرُ لَك ضَعْفُ مَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: خَمْرٌ طُبِخَتْ وَزَالَتْ مَرَارَتُهَا حَلَّتْ، وَضَعْفُ مَا فِي الْمُجْتَبَى عَنْ شَرْحِ السَّرَخْسِيِّ لَوْ صَبَّ فِيهَا سُكَّرًا أَوْ فَانِيذًا، حَتَّى صَارَ حُلْوًا حَلَّ، وَتَحِلُّ بِزَوَالِ الْمَرَارَةِ وَعِنْدَهُمَا بِقَلِيلِ الْحُمُوضَةِ اهـ مُلَخَّصًا. أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الطَّبْخَ لَا يَرْفَعُ الْحُرْمَةَ بَعْدَ ثُبُوتِهَا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ لَا إشَارَةً إلَى عَدَمِ الْحَدِّ، لِأَنَّ لَفْظَهُ قَالُوا تُذْكَرُ فِيمَا فِيهِ خِلَافٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى مَا قَالُوا يُفِيدُ بِظَاهِرِهِ التَّبَرِّي، وَالتَّضْعِيفَ، لِأَنَّ الْمُفْتَى بِهِ خِلَافُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ ضَعْفُ مَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى هُوَ الْأَوَّلُ الْمَذْكُورُ، بِلَا خِلَافٍ لَا الثَّانِي الْمُشَارُ إلَى ضَعْفِهِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَفِيهِ كَلَامٌ لِابْنِ الشِّحْنَةِ) أَيْ فِي التَّضْعِيفِ الْمَفْهُومِ مِنْ ضَعْفِ وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: مُرَادُ صَاحِبِ الْقُنْيَةِ أَنَّهَا تَحِلُّ إذَا زَالَتْ عَنْهَا أَوْصَافُ الْخَمْرِيَّةِ: وَهِيَ الْمَرَارَةُ وَالْإِسْكَارُ لِتَحَقُّقِ انْقِلَابِ الْعَيْنِ، كَمَا لَوْ انْقَلَبَتْ خَلًّا وَمُرَادُ الْمَبْسُوطِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِالطَّبْخِ، حَيْثُ كَانَتْ عَلَى أَوْصَافِ الْخَمْرِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ مِنْ الِانْقِلَابِ وَالِاسْتِحَالَةِ، وَكَوْنُ النَّارِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي إثْبَاتِ الْحِلِّ لَا يُنَافِي أَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ الِانْقِلَابُ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلنَّارِيَّةِ اهـ.
أَقُولُ: وَلَمْ يُعَوِّلْ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ، وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، لِأَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ لِعَيْنِهَا، وَلَا نُسَلِّمُ انْقِلَابَ الْعَيْنِ بِهَذَا الطَّبْخِ، وَلِذَا لَوْ وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْهَا فِي الْمَاءِ الْغَيْرِ الْجَارِي، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ نَجَّسَتْهُ، وَإِنْ اُسْتُهْلِكَتْ فِيهِ وَصَارَ مَاءً وَكَذَا لَوْ وَقَعَتْ فِي قِدْرِ الطَّعَامِ نَجَّسَتْهُ، وَإِنْ صَارَتْ طَعَامًا كَمَا لَوْ وَقَعَتْ فِيهِ قَطْرَةُ بَوْلٍ، وَأَمَّا طَهَارَتُهَا بِانْقِلَابِهَا خَلًّا فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِنَصِّ الْمُجْتَهِدِ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِ حَدِيثِ «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» فَلْيُتَأَمَّلْ. وَلَعَلَّ هَذَا الْفَرْعَ مُفَرَّعٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَنَّ الْحَرَامَ مِنْ الْخَمْرِ هُوَ الْمُسْكِرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي الْقُنْيَةِ نَقَلَهُ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ أَحَدِ مَشَايِخِ الْمُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الشِّحْنَةِ نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ وَهْبَانَ كَمَا خَطَرَ لِي لَكِنْ بَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلِاعْتِزَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَأَقُولُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَخْصِيصِهِمْ الْحُرْمَةَ بِالْإِسْكَارِ، وَلَعَلَّ هَذَا وَجْهُ عَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَى مَا يَقُولُهُ صَاحِبُ الْقُنْيَةِ حَيْثُ يَذْكُرُ مَا يُخَرِّجُهُ مَشَايِخُ عَقِيدَتِهِ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الذَّبَائِحِ وَأَمْثَالِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ) لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ
стр. 3893
قُلْت: وَلَوْ بِاحْتِقَانٍ أَوْ إقْطَارٍ فِي إحْلِيلٍ نِهَايَةٌ (وَلَا يَجُوزُ تَحْلِيلُهَا وَلَوْ بِطَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(وَ) الثَّانِي (الطِّلَاءُ) بِالْكَسْرِ (وَهُوَ الْعَصِيرُ يُطْبَخُ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ) وَيَصِيرُ مُسْكِرًا وَصَوَّبَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذَا يُسَمَّى الْبَاذَقَ، وَأَمَّا الطِّلَاءُ فَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَقِيلَ مَا طُبِخَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ) وَصَارَ مُسْكِرًا (وَهُوَ الصَّوَابُ) كَمَا جَرَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَغَيْرُهُ، يَعْنِي فِي التَّسْمِيَةِ لَا فِي الْحَكَمِ، لِأَنَّ حِلَّ هَذَا الْمُثَلَّثِ الْمُسَمَّى بِالطِّلَاءِ عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ ثَابِتٌ لِشُرْبِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ﵃ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة. قَالَ: وَسُمِّيَ بِالطِّلَاءِ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: مَا أَشْبَهَ هَذَا الطِّلَاءَ الْبَعِيرَ وَهُوَ الْقَطِرَانُ الَّذِي يُطْلَى بِهِ الْبَعِيرُ الْجَرْبَانُ (وَنَجَاسَتُهُ) أَيْ الطِّلَاءِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ كَذَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (كَالْخَمْرِ) بِهِ يُفْتَى
(وَ) الثَّالِثُ (السَّكَرُ) بِفَتْحَتَيْنِ (وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ)
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ وَيَجُوزُ تَخْلِيلُهَا) وَهُوَ أَوْلَى هِدَايَةٌ أَقُولُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ وَإِنْ كَانَ فِي إرَاقَتِهَا ضَيَاعُهَا، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ وَلِذَا لَا تُضْمَنُ كَمَا مَرَّ وَذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ بَحْثًا أَنَّهُ يَجِبُ لِأَنَّهَا مَالٌ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِطَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا) كَالْمِلْحِ وَالْمَاءِ وَالسَّمَكِ وَكَذَا بِإِيقَادِ النَّارِ عِنْدَهَا وَنَقْلِهَا إلَى الشَّمْسِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الشَّمْسُ عَلَيْهَا بِلَا نَقْلٍ كَرَفْعِ سَقْفٍ لَا يَحِلُّ نَقْلُهَا، وَلَوْ خُلِطَ الْخَلُّ بِالْخَمْرِ وَصَارَ حَامِضًا يَحِلُّ، وَإِنْ غَلَبَ الْخَمْرُ وَإِذَا دَخَلَ فِيهِ بَعْضُ الْحُمُوضَةِ لَا يَصِيرُ خَلًّا عِنْدَهُ، حَتَّى يَذْهَبَ تَمَامُ الْمَرَارَةِ وَعِنْدَهُمَا يَصِيرُ خَلًّا كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ، وَلَوْ وَقَعَتْ فِي الْعَصِيرِ فَأْرَةٌ فَأُخْرِجَتْ قَبْلَ التَّفَسُّخِ، وَتُرِكَ حَتَّى صَارَ خَمْرًا ثُمَّ تَخَلَّلَتْ أَوْ خَلَّلَهَا يَحِلُّ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ، وَلَوْ وَقَعَتْ قَطْرَةُ خَمْرٍ فِي جَرَّةِ مَاءٍ، ثُمَّ صُبَّ فِي حُبِّ خَلٍّ لَمْ يَفْسُدْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَتَمَامُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، وَإِذَا صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا يَطْهُرُ مَا يُوَازِيهَا مِنْ الْإِنَاءِ، وَأَمَّا أَعْلَاهُ فَقِيلَ يَطْهُرُ تَبَعًا وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ، لِأَنَّهُ خَمْرٌ يَابِسٌ إلَّا إذَا غُسِلَ بِالْخَلِّ فَتَخَلَّلَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَيَطْهُرُ هِدَايَةٌ وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ خَانِيَّةٌ
(قَوْلُهُ بِالْكَسْرِ) أَيْ وَالْمَدِّ كَكِسَاءٍ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ يُطْبَخُ) أَيْ بِالنَّارِ أَوْ الشَّمْسِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ فَمَا دَامَ حُلْوًا يَحِلُّ شُرْبُهُ عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ يَحِلُّ شُرْبُهُ عِنْدَهُمَا مَا لَمْ يُسْكِرْ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ اهـ شَرْحُ مِسْكِينٍ وَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَيَصِيرُ مُسْكِرًا) بِأَنْ غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ أَمَّا مَا دَامَ حُلْوًا فَيَحِلُّ شُرْبُهُ أَتْقَانِيٌّ، وَهَذَا الْقَيْدُ ذِكْرُهُ هُنَا غَيْرُ ضَرُورِيٍّ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ: وَالْكُلُّ حَرَامٌ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ (قَوْلُهُ يُسَمَّى الْبَاذَقَ) بِكَسْرِ الذَّالِ وَفَتْحِهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَيُسَمَّى الْمُنَصَّفَ أَيْضًا، وَالْمُنَصَّفُ: الذَّاهِبُ النِّصْفِ، وَالْبَاذِقُ الذَّاهِبُ مَا دُونَهُ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا وَاحِدٌ كَمَا فِي الْغَايَةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ وَصَارَ مُسْكِرًا) أَيْ بِأَنْ اشْتَدَّ وَزَالَتْ حَلَاوَتُهُ، وَإِذَا أَكْثَرَ مِنْهُ أَسْكَرَ (قَوْلُهُ يَعْنِي فِي التَّسْمِيَةِ لَا فِي الْحُكْمِ إلَخْ) لَمَّا كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُوهِمًا أَشَدَّ الْإِيهَامِ أَتَى بِالْعِنَايَةِ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَذَكَرَ مِنْهَا الطِّلَاءَ، وَفَسَّرَهُ أَوَّلًا بِتَفْسِيرٍ ثُمَّ بِآخَرَ وَحَكَمَ بِأَنَّهُ الصَّوَابُ، فَيُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ، فَالْبَاذِقُ وَالْمُنَصَّفُ حَرَامٌ اتِّفَاقًا. وَالطِّلَاءُ: وَهُوَ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَيُسَمَّى الْمُثَلَّثَ حَلَالٌ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا سَيَأْتِي، فَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ عِنْدَهُمَا إلَّا الْقَدَحُ الْأَخِيرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْإِسْكَارُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُنَصَّفُ أَنَّ الَّذِي يُسَمَّى الطِّلَاءَ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ حَرَامٌ وَالثَّانِيَ حَلَالٌ. وَبَحَثَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي هَذَا التَّصْوِيبِ بِأَنَّ الطِّلَاءَ يُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ: مِنْهَا الْبَاذَقُ وَالْمُنَصَّفُ وَالْمُثَلَّثُ وَكُلُّ مَا طُبِخَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ اهـ أَقُولُ: وَفِي الْمُغْرِبِ الطِّلَاءُ كُلُّ مَا يُطْلَى بِهِ مِنْ قَطِرَانٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَيُقَالُ لِكُلِّ مَا خَثَرَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ طِلَاءٌ عَلَى التَّشْبِيهِ حَتَّى يُسَمَّى بِهِ الْمُثَلَّثُ (قَوْلُهُ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ) أَمَّا عَلَى الثَّانِي فَظَاهِرٌ لِحِلِّ شُرْبِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نَجِسٌ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) عَزَاهُ الْقُهُسْتَانِيُّ إلَى الْكَرْمَانِيِّ وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ) هَذَا أَحَدُ الْأَشْرِبَةِ
стр. 3894
إذَا اشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ
(وَ) الرَّابِعُ (نَقِيعُ الزَّبِيبِ، وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ) بِشَرْطِ أَنْ يَقْذِفَ بِالزَّبَدِ بَعْدَ الْغَلَيَانِ (وَالْكُلُّ) أَيْ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ (حَرَامٌ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ) وَإِلَّا اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَذَفَ حَرُمَ اتِّفَاقًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فَبَقِيَّةِ الْمُتُونِ أَنَّهُ اخْتَارَ هَاهُنَا قَوْلَهُمَا قَالَهُ الْبُرْجَنْدِيُّ، نَعَمْ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَتَرَكَ الْقَيْدَ هُنَا لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى السَّابِقِ اهـ فَتَنَبَّهْ؛ وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ نَجَاسَةِ السَّكَرِ وَالنَّقِيعِ؛ وَمُفَادُ كَلَامِهِ أَنَّهَا خَفِيفَةٌ وَهُوَ مُخْتَارُ السَّرَخْسِيِّ، وَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهَا غَلِيظَةٌ (وَحُرْمَتُهَا دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ فَلَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا) لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِالِاجْتِهَادِ.
(وَالْحَلَالُ مِنْهَا) أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
الْأَوَّلُ (نَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إنْ طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةً) يَحِلُّ شُرْبُهُ
ــ
[رد المحتار]
الثَّلَاثَةِ الَّتِي تُتَّخَذُ مِنْ التَّمْرِ
وَالثَّانِي النَّبِيذُ مِنْهُ: وَهُوَ مَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ، وَهُوَ حَلَالٌ.
وَالثَّالِثُ الْفَضِيخُ: وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْبُسْرِ الْمُذَنَّبِ، مُشْتَقٌّ مِنْ الْفَضْخِ: بِالضَّادِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ الْكَسْرُ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يُكْسَرُ وَيُجْعَلُ فِي حُبٍّ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْحَارُّ لِتَخْرُجَ حَلَاوَتُهُ. وَحُكْمُهُ كَالسُّكْرِ أَفَادَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنَّفُ وَالثَّالِثُ النِّيءُ مِنْ مَاءِ التَّمْرِ لَشَمِلَ السُّكْرَ وَالْفَضِيخَ، فَإِنَّ التَّمْرَ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْبُسْرَ وَغَيْرَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إذَا اشْتَدَّ إلَخْ) ذِكْرُهُ غَيْرُ لَازِمٍ نَظِيرُ مَا مَرَّ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
(قَوْلُهُ نَقِيعُ الزَّبِيبِ) النَّقِيعُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ الْمَزِيدِ أَوْ الثُّلَاثِيِّ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: أَنْقَعَ الزَّبِيبَ فِي الْخَابِيَةِ وَنَقَعَهُ: إذَا أَلْقَاهُ فِيهَا لِيَبْتَلَّ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ الْحَلَاوَةُ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: إنَّهُ شَرَابٌ مُتَّخَذٌ مِنْ زَبِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الصِّحَاحِ وَالْأَسَاسِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ نَقِيعُ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ قُهُسْتَانِيٌّ مُلَخَّصًا، لَكِنْ أَفَادَ الأتقاني أَنَّ الرُّطَبَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النَّقْعِ فِي الْمَاءِ أَيْ لِأَنَّ النَّقِيعَ مَا يَكُونُ يَابِسًا لِيَبْتَلَّ بِالْمَاءِ، فَلِذَا أَفْرَدَ الْمُصَنِّفُ الرُّطَبَ بِالذِّكْرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِشَرْطِ إلَخْ) يُغْنِي عَنْهُ مَا بَعْدَهُ نَظِيرَ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ) أَيْ ذَهَبَتْ حَلَاوَتُهُ وَصَارَ مُسْكِرًا وَإِنْ لَمْ يَقْذِفْ بِالزَّبَدِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا) بِأَنْ بَقِيَ حُلْوًا (قَوْلُهُ وَإِنْ قَذَفَ حَرُمَ اتِّفَاقًا) أَيْ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، لَكِنْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ إلَّا إذَا سَكِرَ كَمَا فِي الْمُلْتَقَى (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ) حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ (قَوْلُهُ قَوْلُهُمَا) أَيْ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَذْفِ (قَوْلُهُ وَتَرَكَ الْقَيْدَ) وَهُوَ الْقَذْفُ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى السَّابِقِ) أَيْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي تَعْرِيفِ الْخَمْرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَمُفَادُ كَلَامِهِ) حَيْثُ صَرَّحَ بِأَنَّ نَجَاسَةَ الْبَاذَقِ كَالْخَمْرِ وَسَكَتَ عَنْ هَذَيْنِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ تَرَكَهُ هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهَا غَلِيظَةٌ) فِيهِ نَظَرٌ. وَنَصُّ مَا فِي الْهِدَايَةِ: وَنَجَاسَتُهَا خَفِيفَةٌ فِي رِوَايَةٍ وَغَلِيظَةٌ فِي أُخْرَى اهـ. وَعِبَارَتُهُ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى أَحْسَنُ مِمَّا هُنَا، حَيْثُ قَالَ: وَمُخْتَارُ السَّرَخْسِيِّ الْخِفَّةُ فِي الْأَخِيرَيْنِ وَإِنْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ بِالْغِلْظَةِ فِي رِوَايَةٍ اهـ وَعِبَارَتُهُ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ هَكَذَا. وَفِي بَاقِي الْأَشْرِبَةِ رِوَايَاتُ التَّغْلِيظِ وَالتَّخْفِيفِ وَالطَّهَارَةِ، رَجَّحَ فِي الْبَحْرِ الْأَوَّلَ، وَفِي النَّهْرِ الْأَوْسَطُ اهـ (قَوْلُهُ وَحُرْمَتُهَا) أَيْ الْأَشْرِبَةِ الثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِالِاجْتِهَادِ) حَتَّى قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بِإِبَاحَةِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ مِنْهَا. وَقَالَ شَرِيكٌ بِإِبَاحَةِ الثَّانِي لِامْتِنَانِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا بِقَوْلِهِ - ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]- وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَاكَ لَمَّا كَانَتْ الْأَشْرِبَةُ كُلُّهَا مُبَاحَةً وَتَمَامُهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَمْرِ، فَإِنَّ أَدِلَّتَهَا قَطْعِيَّةٌ، فَلِذَا كَفَرَ مُسْتَحِلُّهَا
(قَوْلُهُ نَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) أَيْ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَالتَّمْرُ اسْمُ جِنْسٍ كَمَا مَرَّ، فَيَتَنَاوَلُ الْيَابِسَ وَالرَّطْبَ وَالْبُسْرَ، وَيَتَّحِدُ حُكْمُ الْكُلِّ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ وَالنَّبِيذُ يُتَّخَذُ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ أَوْ الْعَسَلِ أَوْ الْبُرِّ أَوْ غَيْرِهِ، بِأَنْ يُلْقَى فِي الْمَاءِ وَيُتْرَكَ حَتَّى يُسْتَخْرَجَ مِنْهُ مُشْتَقٌّ مِنْ النَّبْذِ: وَهُوَ الْإِلْقَاءُ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الطِّلْبَةِ وَغَيْرِهِ اهـ ثُمَّ قَالَ: فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيذِ بِالطَّبْخِ وَعَدَمِهِ كَمَا فِي النَّظْمِ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَبَيْنَ النَّبِيذِ سَبْقُ قَلَمٍ، وَالصَّوَابُ وَبَيْنَ النَّقِيعِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي بَيْنَهُ لِلنَّبِيذِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إنْ طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ) وَهُوَ أَنْ يُطْبَخَ إلَى أَنْ يَنْضَجَ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ. وَقَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَطْبُوخِ مِنْ الْأَنْبِذَةِ حَرَامٌ
стр. 3895
(وَإِنْ اشْتَدَّ) وَهَذَا (إذَا شَرِبَ) مِنْهُ (بِلَا لَهْوٍ وَطَرَبٍ) فَلَوْ شَرِبَ لِلَّهْوِ فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٍ (وَمَا لَمْ يُسْكِرْ) فَلَوْ شَرِبَ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ فَيَحْرُمُ، لِأَنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي كُلِّ شَرَابٍ.
(وَ) الثَّانِي (الْخَلِيطَانِ) مِنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ إذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةً، وَإِنْ اشْتَدَّ يَحِلُّ بِلَا لَهْوٍ.
(وَ) الثَّالِثُ (نَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ) يَحِلُّ سَوَاءً (طُبِخَ أَوْ لَا) بِلَا لَهْوٍ وَطَرَبٍ.
(وَ) الرَّابِعُ (الْمُثَلَّثُ) الْعِنَبِيُّ وَإِنْ اشْتَدَّ، وَهُوَ مَا طُبِخَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى ثُلُثُهُ
ــ
[رد المحتار]
بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حُرْمَةِ الْمُتَّخَذِ مِنْ التَّمْرِ أَحَادِيثُ وَفِي حِلِّهِ أَحَادِيثُ، فَإِذَا حُمِلَ الْمُحَرِّمُ عَلَى النِّيءِ وَالْمُحَلِّلُ عَلَى الْمَطْبُوخِ فَقَدْ حَصَلَ التَّوْفِيقُ وَانْدَفَعَ التَّعَارُضُ عَيْنِيٌّ، وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ كُلُّهَا صِحَاحٌ سَاقَهَا الزَّيْلَعِيُّ، وَوَفَّقَ بِمَا ذُكِرَ فَرَاجِعْهُ. قَالَ الأتقاني: وَقَدْ أَطْنَبَ الْكَرْخِيُّ فِي رِوَايَةِ الْآثَارِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ فِي تَحْلِيلِ النَّبِيذِ الشَّدِيدِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلِ بَدْرٍ كَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ ﵃ كَانُوا يُحِلُّونَهُ، وَكَذَا الشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ. وَرُوِيَ أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ لِبَعْضِ تَلَامِذَتِهِ إنَّ مِنْ إحْدَى شَرَائِطِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنْ لَا يُحَرَّمَ نَبِيذُ الْجَرِّ اهـ. وَفِي الْمِعْرَاجِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ أُعْطِيت الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَا أُفْتِي بِحُرْمَتِهَا لِأَنَّ فِيهِ تَفْسِيقَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ أُعْطِيت الدُّنْيَا لِشُرْبِهَا لَا أَشْرَبُهَا لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ وَهَذَا غَايَةُ تَقْوَاهُ اهـ. وَمَنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَعَلَيْهِ بِغَايَةِ الْبَيَانِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (قَوْلُهُ وَإِنْ اشْتَدَّ) أَيْ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ. قَالَ فِي الزُّمَرِ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَذْفَ اكْتِفَاءً بِمَا سَبَقَ اهـ ط (قَوْلُهُ بِلَا لَهْوٍ وَطَرَبٍ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الطَّرَبُ خِفَّةٌ تُصِيبُ الْإِنْسَانَ لِشِدَّةِ حُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ اهـ. قَالَ فِي الدُّرَرِ. وَهَذَا التَّقْيِيدُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذِهِ الْأَشْرِبَةِ بَلْ إذَا شَرِبَ الْمَاءَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ بِلَهْوٍ وَطَرَبٍ عَلَى هَيْئَةِ الْفَسَقَةِ حَرَامٌ اهـ ط.
قُلْت: وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ التَّقْيِيدَ بِعَدَمِ اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ وَعَدَمِ السُّكْرِ بَعْدَ الرَّابِعِ لِيَكُونَ قَيْدًا لِلْكُلِّ (قَوْلُهُ فَلَوْ شَرِبَ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ إلَخْ) أَيْ يَحْرُمُ الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُ يَقِينًا أَوْ بِغَالِبِ الرَّأْيِ أَنَّهُ يُسْكِرُهُ كَالْمُتْخِمِ مِنْ الطَّعَامِ، وَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَعْقُبُهُ التُّخَمَةُ تَتَارْخَانِيَّةٌ. فَالْحَرَامُ: هُوَ الْقَدَحُ الْأَخِيرُ الَّذِي يَحْصُلُ السُّكْرُ بِشُرْبِهِ كَمَا بَسَطَهُ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا؛ وَيُحَدُّ إذَا سَكِرَ بِهِ طَائِعًا. قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي شَرِبَ تِسْعَةَ أَقْدَاحٍ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ فَأَوْجَرَ الْعَاشِرَ لَمْ يُحَدَّ اهـ. وَقَالَ فِي الْخَانِيَّةِ. وَفِيمَا سِوَى الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ لَا يُحَدُّ مَا لَمْ يَسْكَرْ، ثُمَّ قَالَ فِي تَعْرِيفِ السَّكْرَانِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ مَنْ يَخْتَلِطُ كَلَامُهُ وَيَصِيرُ غَالِبُهُ الْهَذَيَانَ وَتَمَامُهُ فِي حُدُودِ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَالثَّانِي الْخَلِيطَانِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَقَاهُ لِابْنِ زِيَادٍ، وَمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوْ عَلَى غَيْرِ الْمَطْبُوخِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ حَمَوِيٌّ، وَبِالْأَخِيرِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ مَا فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ حُرْمَةِ نَقِيعِ الزَّبِيبِ النِّيءِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ مِنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ) أَوْ الْبُسْرِ أَوْ الرُّطَبِ الْمُجْتَمَعَيْنِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ إذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي الْمِعْرَاجِ وَالْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْمَفْهُومُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُلْتَقَى عَدَمُ اشْتِرَاطِ الطَّبْخِ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. ثُمَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِ الْمَذْكُورَاتِ مَاءُ الْعِنَبِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ ذَهَابِ الثُّلُثَيْنِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَهُوَ مَا طُبِخَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ) أَيْ طَبْخًا مَوْصُولًا، فَلَوْ مَفْصُولًا، فَإِنْ قِيلَ تَغَيُّرُهُ بِحُدُوثِ الْمَرَارَةِ وَغَيْرِهَا حَلَّ وَإِلَّا حَرُمَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى، وَتَمَامُهُ فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ دُرُّ مُنْتَقَى.
стр. 3896
إذَا قَصَدَ بِهِ اسْتِمْرَاءَ الطَّعَامِ وَالتَّدَاوِي وَالتَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ لِلَّهْوِ لَا يَحِلُّ إجْمَاعًا حَقَائِقُ.
(وَصَحَّ بَيْعُ غَيْرِ الْخَمْرِ) مِمَّا مَرَّ، وَمُفَادُهُ صِحَّةُ بَيْعِ الْحَشِيشَةِ وَالْأَفْيُونِ.
قُلْت: وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ نُجَيْمٍ عَنْ بَيْعِ الْحَشِيشَةِ هَلْ يَجُوزُ؟ فَكَتَبَ لَا يَجُوزُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الْحِلِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَتُضْمَنُ) هَذِهِ الْأَشْرِبَةُ (بِالْقِيمَةِ لَا بِالْمِثْلِ) لِمَنْعِنَا عَنْ تَمَلُّكِ عَيْنِهِ وَإِنْ جَازَ فِعْلُهُ، بِخِلَافِ الصَّلِيبِ حَيْثُ تُضْمَنُ قِيمَتُهُ صَلِيبًا لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ زَيْلَعِيٌّ. (وَحَرَّمَهَا مُحَمَّدٌ) أَيْ الْأَشْرِبَةَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَنَحْوِهِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (مُطْلَقًا) قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا
ــ
[رد المحتار]
وَقَيَّدَ بِالْعِنَبِ لِأَنَّ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ يَحِلَّانِ بِأَدْنَى طَبْخَةٍ كَمَا مَرَّ، لَكِنَّ الْمَاءَ غَيْرُ قَيْدٍ، لِأَنَّهُ لَوْ طُبِخَ الْعِنَبُ كَمَا هُوَ ثُمَّ عُصِرَ فَلَا بُدَّ مِنْ ذَهَابِ ثُلُثَيْهِ بِالطَّبْخِ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي رِوَايَةٍ يُكْتَفَى بِأَدْنَى طَبْخَةٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِيهَا وَلَوْ جَمَعَ فِي الطَّبْخِ بَيْنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ أَوْ بَيْنَ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ لِأَنَّ التَّمْرَ وَإِنْ اُكْتُفِيَ فِيهِ بِأَدْنَى طَبْخَةٍ فَعَصِيرُ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ فَيُعْتَبَرُ جَانِبُ الْعِنَبِ احْتِيَاطًا، وَكَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَقِيعِ التَّمْرِ.
وَفِيهَا: وَلَوْ طُبِخَ نَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ أَدْنَى طَبْخَةٍ ثُمَّ أُنْقِعَ فِيهِ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ، إنْ كَانَ مَا أُنْقِعَ فِيهِ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يُتَّخَذُ النَّبِيذُ مِنْ مِثْلِهِ يَحِلُّ وَإِلَّا لَا.
وَفِيهَا: وَاَلَّذِي يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ حَتَّى يَرِقَّ ثُمَّ يُطْبَخُ حُكْمُهُ كَالْمُثَلَّثِ، بِخِلَافِ مَا إذَا صُبَّ عَلَى الْعَصِيرِ ثُمَّ يُطْبَخُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَا الْكُلِّ، لِأَنَّ الْمَاءَ يَذْهَبُ أَوَّلًا لِلَطَافَتِهِ أَوْ يَذْهَبُ الْمَاءُ مِنْهَا فَلَا يَكُونُ الذَّاهِبُ ثُلُثَيْ مَاءِ الْعِنَبِ أَيْ فَلَا يَحِلُّ (قَوْلُهُ إذَا قَصَدَ) مُتَعَلِّقٌ بِيَحِلُّ مِقْدَارٌ، وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: فَإِنْ قَصَدَ بِهِ اسْتِمْرَاءَ الطَّعَامِ، وَالتَّقَوِّي فِي اللَّيَالِي عَلَى الْقِيَامِ، أَوْ فِي الْأَيَّامِ عَلَى الصِّيَامِ، أَوْ الْقِتَالِ لِأَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، أَوْ التَّدَاوِي لِدَفْعِ الْآلَامِ، فَهُوَ الْمَحَلُّ لِلْخِلَافِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَنَامِ.
(قَوْلُهُ وَصَحَّ بَيْعُ غَيْرِ الْخَمْرِ) أَيْ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا فِي الْبَيْعِ وَالضَّمَانِ، لَكِنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ فِي الْبَيْعِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا فِي الضَّمَانِ إنْ قَصَدَ الْمُتْلِفُ الْحِسْبَةَ وَذَلِكَ يُعْرَفُ بِالْقَرَائِنِ، وَإِلَّا فَعَلَى قَوْلِهِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَغَيْرِهَا.
ثُمَّ إنَّ الْبَيْعَ وَإِنْ صَحَّ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا فِي الْغَايَةِ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُ ذَلِكَ قُبَيْلَ الْأَشْرِبَةِ الْمُبَاحَةِ، فَيَقُولُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا: وَصَحَّ بَيْعُهَا إلَخْ كَمَا فَعَلَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا لَا فِي الْمُبَاحَةِ أَيْضًا إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِيمَا يَظْهَرُ مِمَّا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ بِحُرْمَةِ كُلِّ الْأَشْرِبَةِ وَنَجَاسَتِهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ مِمَّا مَرَّ) أَيْ مِنْ الْأَشْرِبَةِ السَّبْعَةِ (قَوْلُهُ وَمُفَادَةُ إلَخْ) أَيْ مُفَادُ التَّقْيِيدِ بِغَيْرِ الْخَمْرِ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا دُونَ الْخَمْرِ وَلَيْسَا فَوْقَ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، فَصِحَّةُ بَيْعِهَا يُفِيدُ صِحَّةَ بَيْعِهِمَا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ عَدَمُ الْحِلِّ) أَيْ لِقِيَامِ الْمَعْصِيَةِ بِعَيْنِهَا. وَذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ بَائِعُهَا وَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَتُضْمَنُ هَذِهِ الْأَشْرِبَةُ) يَعْنِي الْمُحَرَّمَةَ مِنْهَا (قَوْلُهُ عَنْ تَمَلُّكِ عَيْنِهِ) أَيْ الْمِثْلِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَمْلِيكٌ (قَوْلُهُ وَإِنْ جَازَ فِعْلُهُ) قَالَ الأتقاني فِي كِتَابِ الْغَصْبِ: يَعْنِي أَنَّا قُلْنَا بِضَمَانِ السُّكْرِ وَالْمُصَنِّفُ بِالْقِيمَةِ لَا بِالْمِثْلِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَوْ أَخَذَ الْمِثْلَ جَازَ لِعَدَمِ سُقُوطِ التَّقْوِيمِ وَالْمَالِيَّةِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الصَّلِيبِ إلَخْ) ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ، وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِمَا قَبْلَهَا مِنْ ضَمَانِ آلَاتِ اللَّهْوِ وَصَالِحَةٌ لِغَيْرِ اللَّهْوِ. قَالَ الأتقاني فِي الْغَصْبِ: أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي ضَمَانِ الطَّبْلِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَنَّ قِيمَتَهَا تَجِبُ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، بِخِلَافِ صَلِيبِ النَّصْرَانِيِّ حَيْثُ تَجِبُ قِيمَتُهُ صَلِيبًا لِأَنَّا أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ فَصَارَ كَالْخَمْرِ (قَوْلُهُ وَنَحْوُهُمَا) كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعِنَبِ، فَالْمُرَادُ الْأَشْرِبَةُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي هِيَ حَلَالٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ إذَا غَلَتْ وَاشْتَدَّتْ وَإِلَّا
стр. 3897
(وَبِهِ يُفْتَى) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ؛ وَاخْتَارَهُ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ الْكُلِّ وَنَظَمَهُ فَقَالَ:
وَفِي عَصْرِنَا فَاخْتِيرَ حَدٌّ وَأَوْقَعُوا ... طَلَاقًا لِمَنْ مِنْ مُسْكِرِ الْحَبِّ يَسْكَرُ
وَعَنْ كُلِّهِمْ يُرْوَى وَأَفْتَى مُحَمَّدٌ ... بِتَحْرِيمِ مَا قَدْ قَلَّ وَهُوَ الْمُحَرَّرُ
قُلْت: وَفِي طَلَاقِ الْبَزَّازِيَّةِ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، وَهُوَ نَجِسٌ أَيْضًا،
ــ
[رد المحتار]
فَلَا تَحْرُمُ كَغَيْرِهَا اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ وَبِهِ يُفْتَى) أَيْ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَوْلِهِ ﵊ " «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ (قَوْلُهُ غَيْرُهُ) كَصَاحِبِ الْمُلْتَقَى وَالْمَوَاهِبِ وَالْكِفَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ وَشَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ وَالْعَيْنِيِّ، حَيْثُ قَالُوا الْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ. وَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْفُسَّاقَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ وَيَقْصِدُونَ اللَّهْوَ وَالسُّكْرَ بِشُرْبِهَا.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا وَسَدُّ الْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَّا فَالْحُرْمَةُ عِنْدَ قَصْدِ اللَّهْوِ لَيْسَتْ مَحَلَّ الْخِلَافِ بَلْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي، يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ قَصْدَ اللَّهْوِ لَا التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَذَكَرَ) أَيْ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَنَصُّهُ: وَفِي الْعِمَادِيَّةِ حُكِيَ عَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْيَسْرِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ وَجَدَ رِوَايَةً عَنْ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ، فَإِنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَجِبُ فِي سَائِرِ الْأَنْبِذَةِ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا شُرْبُهُ فِي الِابْتِدَاءِ، لِأَنَّ مَا يَقَعُ بِهِ السُّكْرُ حَرَامٌ وَالسُّكْرُ سَبَبُ الْفَسَادِ، فَوَجَبَ الْحَدُّ لِيَنْزَجِرُوا عَنْ شُرْبِهِ فَيَرْتَفِعَ الْفَسَادُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْأَشْرِبَةِ اهـ أَيْ الْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْحُبُوبِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمَا حَيْثُ حَلَّلَا الْأَنْبِذَةَ وَأَوْجَبَا الْحَدَّ بِالْقَدَحِ الْمُسْكِرِ مِنْهَا لَزِمَ مِنْهُ وُجُوبُ الْحَدِّ بِالسُّكْرِ مِنْ بَاقِي الْأَشْرِبَةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ إنَّهُ مَرْوِيٌّ) يُوهِمُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِتَحْرِيمِ الْأَشْرِبَةِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ رَاجِعٌ لِلْحَدِّ بِالسُّكْرِ مِنْهَا كَمَا عَلِمْت، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ بِمَا يَقَعُ بِهِ السُّكْرُ أَنْ يَحْرُمَ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ لِمَنْ مِنْ مُسْكِرِ الْحَبِّ يَسْكَرُ) مَنْ مَوْصُولَةٌ وَالثَّانِيَةُ بَيَانِيَّةٌ وَالْحَبُّ جِنْسٌ: أَيْ يَسْكَرُ مِنْ مُسْكِرِ الْحُبُوبِ وَحُكْمُ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ أَصْلِ الْخَمْرِ وَهُوَ الزَّبِيبُ وَالْعِنَبُ وَالتَّمْرُ كَذَلِكَ ش.
(قَوْلُهُ وَفِي طَلَاقِ الْبَزَّازِيَّةِ) الْأَوْلَى حَذْفُ طَلَاقٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا أَسْكَرَ كَثِيرَةُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَهُوَ نَجِسٌ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ بَلْ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ (قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إلَخْ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالْأَشْرِبَةِ الْمَائِعَةِ دُونَ الْجَامِدِ كَالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ، فَلَا يَحْرُمُ قَلِيلُهَا بَلْ كَثِيرُهَا الْمُسْكِرُ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا لِأَنَّهُمْ عَدُّوهَا مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْمُبَاحَةِ وَإِنْ حَرُمَ السُّكْرُ مِنْهَا بِالِاتِّفَاقِ كَمَا نَذْكُرُهُ، وَلَمْ نَرَ أَحَدًا قَالَ بِنَجَاسَتِهَا وَلَا بِنَجَاسَةِ نَحْوِ الزَّعْفَرَانِ مَعَ أَنَّ كَثِيرَهُ مُسْكِرٌ، وَلَمْ يُحَرِّمُوا أَكْلَ قَلِيلِهِ أَيْضًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِالسُّكْرِ مِنْهَا كَمَا يَأْتِي، بِخِلَافِ الْمَائِعَةِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ: وَهَذِهِ الْأَشْرِبَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَمُوَافِقِيهِ كَخَمْرٍ بِلَا تَفَاوُتٍ فِي الْأَحْكَامِ، وَبِهَذَا يُفْتَى فِي زَمَانِنَا اهـ فَخُصَّ الْخِلَافُ بِالْأَشْرِبَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بِلَا تَفَاوُتٍ أَنَّ نَجَاسَتَهَا غَلِيظَةٌ فَتَنَبَّهْ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَدُّ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالسُّكْرِ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْكَثِيرِ الْمُسْكِرِ حُرْمَةُ قَلِيلِهِ وَلَا نَجَاسَتُهُ مُطْلَقًا إلَّا فِي الْمَائِعَاتِ لِمَعْنًى خَاصٍّ بِهَا.
أَمَّا الْجَامِدَاتُ فَلَا يَحْرُمُ مِنْهَا الْكَثِيرُ الْمُسْكِرُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَتِهِ نَجَاسَتُهُ كَالسُّمِّ الْقَاتِلِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ مَعَ أَنَّهُ طَاهِرٌ،
стр. 3898
وَلَوْ سَكِرَ مِنْهَا الْمُخْتَارُ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُ يُحَدُّ. زَادَ فِي الْمُلْتَقَى: وُقُوعُ طَلَاقٍ مِنْ سُكْرٍ مِنْهَا تَابِعٌ لِلْحُرْمَةِ، وَالْكُلُّ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ يُفْتَى، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ قَصْدِ التَّقَوِّي. أَمَّا عِنْدَ قَصْدِ التَّلَهِّي فَحَرَامٌ إجْمَاعًا اهـ، وَتَمَامُهُ فِيمَا عَلَّقْته عَلَيْهِ. زَادَ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ: أَنَّ لَبَنَ الْإِبِلِ إذَا اشْتَدَّ لَمْ يَحِلَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لَهُمَا، وَالسُّكْرُ مِنْهُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ، وَالْحَدُّ وَالطَّلَاقُ عَلَى الْخِلَافِ، وَكَذَا لَبَنُ الرِّمَاكِ: أَيْ الْفَرَسَةِ إذَا اشْتَدَّ لَمْ يَحِلَّ، وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ حِلَّهُ. وَفِي الْخِزَانَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ عَلَى قَوْلِهِ.
ــ
[رد المحتار]
هَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي الْقَاصِرِ، وَسَنَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ وَيُشَيِّدُهُ (قَوْلُهُ وَلَوْ سَكِرَ مِنْهَا إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِالْقَلِيلِ مِنْهَا الَّذِي لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِسْكَارُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَيُحَدُّ شَارِبُهُ إذَا سَكِرَ مِنْهُ، وَيَقَعُ طَلَاقُهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ اهـ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا فِيمَا مَرَّ: وَيُحَدُّ شَارِبُ غَيْرِهَا: أَيْ غَيْرِ الْخَمْرِ إنْ سَكِرَ (قَوْلُهُ وَبِهِ يُفْتَى) أَيْ بِتَحْرِيمِ كُلِّ الْأَشْرِبَةِ، وَكَذَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ. قَالَ فِي النَّهْرِ. وَفِي الْفَتْحِ: وَبِهِ يُفْتَى لِأَنَّ السُّكْرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ حَرَامٌ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا حَلَالٌ، وَصَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَالْخِلَافُ) أَيْ فِي إبَاحَةِ الشُّرْبِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْأَرْبَعَةِ. قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ: وَسُئِلَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ عَنْهُ فَقَالَ. لَا يَحِلُّ، فَقِيلَ لَهُ: خَالَفْت أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ، فَقَالَ: إنَّهُمَا يُحِلَّانِهِ لِلِاسْتِمْرَاءِ وَالنَّاسُ فِي زَمَانِنَا يَشْرَبُونَ لِلْفُجُورِ وَالتَّلَهِّي. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ أَرَادَ السُّكْرَ فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ، وَقُعُودُهُ لِذَلِكَ حَرَامٌ، وَمَشْيُهُ إلَيْهِ حَرَامٌ اهـ.
زَادَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ: وَيُحَدُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ وَغَيْرِهَا اهـ.
أَقُولُ: هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ تَقْيِيدِ الْحَدِّ بِالسُّكْرِ، وَلَعَلَّ صَوَابَهُ إنْ سَكِرَ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ: وَصَحَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ قَوْلَهُمَا، وَعَلَّلَهُ فِي الْمُضْمَرَاتِ فَإِنَّ الْخَمْرَ مَوْعُودَةٌ فِي الْعُقْبَى فَيَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ مِنْ جِنْسِهَا فِي الدُّنْيَا أُنْمُوذَجٌ تَرْغِيبًا اهـ (قَوْلُهُ عَلَى الْخِلَافِ) أَيْ يَثْبُتَانِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا عِنْدَهُمَا (قَوْلُهُ أَيْ الْفَرْسَةِ) صَرَّحَ فِي جَامِعِ اللُّغَةِ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فَرَسَّةٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ أَيْ الْإِنَاثِ مِنْ الْخَيْلِ اهـ ح (قَوْلُهُ لَمْ يَحِلَّ) أَيْ عِنْدَ الْإِمَامِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِهِ) أَيْ قَوْلِ الْإِمَامِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا: لَبَنُ الْمَأْكُولِ حَلَالٌ، وَكَذَا لَبَنُ الرِّمَاكِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ يُكْرَهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ تَنْزِيهًا. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: إنَّهُ مُبَاحٌ كَالْبَنْجِ. وَعَامَّتُهُمْ قَالُوا: يُكْرَهُ تَحْرِيمًا، لَكِنْ لَا يُحَدُّ وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ، كَمَا لَوْ زَالَ بِالْبَنْجِ يَحْرُمُ، وَلَا يُحَدُّ فِيهِ اهـ. زَادَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ تَنْزِيهٌ اهـ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الذَّبَائِحِ فَرَاجِعْهُ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِالْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ لَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ عَلِمَ حِينَ تَنَاوُلِهِ أَنَّهُ بَنْجٌ يَقَعُ طَلَاقُهُ وَإِلَّا فَلَا. وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا لَوْ شَرِبَ شَرَابًا حُلْوًا فَلَمْ يُوَافِقْهُ فَزَالَ عَقْلُهُ فَطَلَّقَ، قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَقَعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ وَهَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْمَعْصِيَةَ وَإِلَّا فَيَقَعُ طَلَاقُهُ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْبَحْرِ. وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ: وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الصَّاحِبَيْنِ جَوَازُ شُرْبِهِ: أَيْ لَبَنِ الرِّمَاكِ وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ إذَا سَكِرَ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ كَمَا عَلَّلَ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ اهـ أَيْ إلَّا أَنْ يَشْرَبَهُ لِلَّهْوِ وَالْمَعْصِيَةِ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ، وَإِلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُشْتَدِّ، وَكَلَامُ الْقُهُسْتَانِيِّ فِي الْمُشْتَدِّ، وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ فِي تَعْلِيلِ حِلِّ لَبَنِ الرِّمَاكِ: لِأَنَّ كَرَاهِيَةَ لَحْمِهِ لِاحْتِرَامِهِ أَوْ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى قَطْعِ مَادَّةِ الْجِهَادِ فَلَا
стр. 3899
(وَحَلَّ الِانْتِبَاذُ) اتِّخَاذُ النَّبِيذِ (فِي الدُّبَّاءِ) جَمْعِ دُبَّاءَةٍ وَهُوَ الْقَرْعُ (وَالْحَنْتَمِ) جَرَّةٌ خَضْرَاءُ (وَالْمُزَفَّتُ) الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ: أَيْ الْقِيرِ (وَالنَّقِيرِ) الْخَشَبَةُ الْمَنْقُورَةُ، وَمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ نُسِخَ.
(وَكُرِهَ شُرْبُ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ) أَيْ عَكِرِهِ (وَالِامْتِشَاطُ) بِالدُّرْدِيِّ لِأَنَّ فِيهِ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ، وَقَلِيلُهُ كَكَثِيرِهِ كَمَا مَرَّ (وَ) لَكِنْ (لَا يُحَدُّ شَارِبُهُ) عِنْدَنَا (بِلَا سُكْرٍ) وَبِهِ يُحَدُّ إجْمَاعًا.
(وَيَحْرُمُ أَكْلُ الْبَنْجِ وَالْحَشِيشَةِ)
ــ
[رد المحتار]
يَتَعَدَّى إلَى لَبَنِهِ اهـ. أَوْ يُقَالُ هَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْمَعْصِيَةَ. وَكَلَامُ الْقُهُسْتَانِيِّ إذَا قَصَدَهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ الشِّحْنَةِ وَيَأْتِي مِثْلُهُ عَنْ الْبَحْرِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ فِي الدُّبَّاءِ) بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ قُهُسْتَانِيٌّ: أَيْ مَعَ التَّشْدِيدِ (قَوْلُهُ جَمْعُ دُبَّاءَةٍ) بِالْمَدِّ اهـ ح (قَوْلُهُ وَالْحَنْتَمُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالتَّاءِ وَسُكُونِ النُّونِ بَيْنَهُمَا قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ جَرَّةٌ خَضْرَاءُ) كَذَا فَسَّرَهُ فِي الْقَامُوسِ. وَفِي الْمُغْرِبِ: الْحَنْتَمُ الْخَزَفُ الْأَخْضَرُ أَوْ كُلُّ خَذْفٍ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: هِيَ جِرَارٌ حُمْرٌ يُحْمَلُ فِيهَا الْخَمْرُ إلَى الْمَدِينَةِ، الْوَاحِدَةُ حَنْتَمَةٌ (قَوْلُهُ وَمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ نُسِخَ) أَيْ بِقَوْلِهِ ﵊ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ فَانْتَبِذُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا فِي كُلِّ ظَرْفٍ فَإِنَّ الظَّرْفَ لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَلَا تَشْرَبُوا الْمُسْكِرَ» وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ غُرَرِ الْأَفْكَارِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ: إنَّمَا نَهَى عَنْ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ عَلَى الْخُصُوصِ لِأَنَّ الْأَنْبِذَةَ تَشْتَدُّ بِهَذِهِ الظُّرُوفِ أَكْثَرَ مَا تَشْتَدُّ فِي غَيْرِهِ، يَعْنِي فَصَاحِبُهَا عَلَى خَطَرٍ مِنْ الْوُقُوعِ فِي شُرْبِ الْمُحْرِمِ عِنَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ) عَبَّرَ فِي النُّقَايَةِ كَالزَّاهِدِيِّ بِقَوْلِهِ وَحَرُمَ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَإِنَّمَا آثَرَ الْحُرْمَةَ عَلَى الْكَرَاهَةِ الْوَاقِعَةِ فِي عِبَارَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتُونِ لِأَنَّهُ أَرَادَ التَّنْبِيهَ عَلَى الْمُرَادِ الدَّالِّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ أَيْ عَكَرَهُ) بِفَتْحَتَيْنِ وَيُسَكَّنُ قَامُوسٌ. وَدُرْدِيُّ الشَّيْءِ: مَا يَبْقَى أَسْفَلَهُ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَالِامْتِشَاطُ) إنَّمَا خَصَّهُ لِأَنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي تَحْسِينِ الشَّعْرِ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ عِنْدَنَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحَدُّ لِأَنَّهُ شَرِبَ جُزْءًا مِنْ الْخَمْرِ.
وَلَنَا أَنَّ قَلِيلَهُ لَا يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ لِمَا فِي الطِّبَاعِ مِنْ النَّبْوَةِ عَنْهُ فَكَانَ نَاقِصًا فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْخَمْرِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَلَا حَدَّ فِيهَا إلَّا بِالسُّكْرِ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الثِّقَلُ فَصَارَ كَمَا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَاءُ بِالِامْتِزَاجِ هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَيَحْرُمُ أَكْلُ الْبَنْجِ) هُوَ بِالْفَتْحِ: نَبَاتٌ يُسَمَّى فِي الْعَرَبِيَّةِ شَيْكَرَانُ، يُصَدِّعُ وَيُسْبِتُ وَيُخَلِّطُ الْعَقْلَ كَمَا فِي التَّذْكِرَةِ لِلشَّيْخِ دَاوُد. وَزَادَ فِي الْقَامُوسِ: وَأَخْبَثُهُ الْأَحْمَرُ ثُمَّ الْأَسْوَدُ وَأَسْلَمُهُ الْأَبْيَضُ، وَفِيهِ: السَّبْتُ يَوْمُ الْأُسْبُوعِ، وَالرَّجُلُ الْكَثِيرُ النَّوْمِ، وَالْمُسْبِتُ: الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: هُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ شَجَرِ الْقَنْبِ، حَرَامٌ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَقْلَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، بِخِلَافِ نَوْعٍ آخَرَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ كَالْأَفْيُونِ لِأَنَّهُ وَإِنْ اخْتَلَّ الْعَقْلُ بِهِ لَا يَزُولُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ إبَاحَةِ الْبَنْجِ كَمَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّ مَا يُخِلُّ الْعَقْلَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا بِلَا شُبْهَةٍ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ مُبَاحٌ: بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ إبَاحَةُ قَلِيلِهِ لِلتَّدَاوِي وَنَحْوِهِ وَمَنْ صَرَّحَ بِحُرْمَتِهِ أَرَادَ بِهِ الْقَدْرَ الْمُسْكِرَ مِنْهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ شَرْحِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: أَكْلُ قَلِيلِ السَّقَمُونْيَا وَالْبَنْجِ مُبَاحٌ لِلتَّدَاوِي، مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَ يَقْتُلُ أَوْ يُذْهِبُ الْعَقْلَ حَرَامٌ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ مُؤَيِّدٌ لِمَا سَبَقَ بَحَثْنَاهُ مِنْ تَخْصِيصِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ بِالْمَائِعَاتِ، وَهَكَذَا يَقُولُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْجَامِدَةِ الْمُضِرَّةِ فِي الْعَقْلِ أَوْ غَيْرِهِ، يَحْرُمُ تَنَاوُلُ الْقَدْرِ الْمُضِرِّ مِنْهَا دُونَ الْقَلِيلِ النَّافِعِ، لِأَنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ لِعَيْنِهَا بَلْ لِضَرَرِهَا. وَفِي أَوَّلِ طَلَاقِ الْبَحْرِ: مَنْ غَابَ عَقْلُهُ بِالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ يَقَعُ طَلَاقُهُ إذَا اسْتَعْمَلَهُ لِلَّهْوِ وَإِدْخَالِ الْآفَاتِ قَصْدًا لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً، وَإِنْ كَانَ لِلتَّدَاوِي فَلَا لِعَدَمِهَا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي حُرْمَةِ الْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ لَا لِلدَّوَاءِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَالتَّعْلِيلُ يُنَادِي بِحُرْمَتِهِ لَا لِلدَّوَاءِ اهـ كَلَامُ الْبَحْرِ. وَجَعَلَ فِي النَّهْرِ هَذَا التَّفْصِيلَ هُوَ الْحَقَّ.
стр. 3900
هِيَ وَرَقُ الْقَتَبِ (وَالْأَفْيُونُ) لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ لِلْعَقْلِ وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ (لَكِنْ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ، فَإِنْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ سَكِرَ) مِنْهُ (بَلْ يُعَزَّرُ بِمَا دُونَ الْحَدِّ) كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَكَذَا تَحْرُمُ جَوْزَةُ الطِّيبِ لَكِنْ دُونَ حُرْمَةِ الْحَشِيشَةِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. وَنَقَلَ عَنْ الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحِلِّ الْبَنْجِ وَالْحَشِيشَةِ فَهُوَ زِنْدِيقٌ مُبْتَدِعٌ؛
ــ
[رد المحتار]
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْكَثِيرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْغَايَةِ. وَأَمَّا الْقَلِيلُ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهْوِ حَرَامٌ، وَإِنْ سَكِرَ مِنْهُ يَقَعْ طَلَاقُهُ لِأَنَّ مَبْدَأَ اسْتِعْمَالِهِ كَانَ مَحْظُورًا، وَإِنْ كَانَ لِلتَّدَاوِي وَحَصَلَ مِنْهُ إسْكَارٌ فَلَا، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْمُفْرَدَ.
بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اعْتَادَ أَكْلَ شَيْءٍ مِنْ الْجَامِدَاتِ الَّتِي لَا يَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَيُسْكِرُ كَثِيرُهَا حَتَّى صَارَ يَأْكُلُ مِنْهَا الْقَدْرَ الْمُسْكِرَ وَلَا يُسْكِرُهُ سَوَاءً أَسْكَرَهُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ أَوْ لَا، فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يُسْكِرُ غَيْرَهُ أَوْ إلَى أَنَّهُ قَدْ أَسْكَرَهُ قَبْلَ اعْتِيَادِهِ أَمْ لَا يَحْرُمُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ مُبَاحٌ، وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِهِ الْإِسْكَارُ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الِاعْتِيَادِ وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ الَّذِي أَسْكَرَهُ قَبْلَهُ حَرَامًا، كَمَنْ اعْتَادَ أَكْلَ شَيْءٍ مَسْمُومٍ حَتَّى صَارَ يَأْكُلُ مَا هُوَ قَاتِلٌ عَادَةً وَلَا يَضُرُّهُ كَمَا بَلَغَنَا عَنْ بَعْضِهِمْ فَلْيُتَأَمَّلْ، نَعَمْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ بِالنَّظَرِ لِغَالِبِ النَّاسِ بِلَا عَادَةٍ (قَوْلُهُ وَهِيَ وَرَقُ الْقَنْبِ) قَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ. وَمِنْ الْقَنْبِ الْهِنْدِيِّ نَوْعٌ يُسَمَّى بِالْحَشِيشَةِ يُسْكِرُ جِدًّا إذَا تَنَاوَلَ مِنْهُ يَسِيرًا قَدْرَ دِرْهَمٍ، حَتَّى إنَّ مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَخْرَجَهُ إلَى حَدِّ الرُّعُونَةِ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ قَوْمٌ فَاخْتَلَّتْ عُقُولُهُمْ وَرُبَّمَا قَتَلَتْ، بَلْ نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ فِي أَكْلِ الْحَشِيشَةِ مِائَةً وَعِشْرِينَ مَضَرَّةً دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحِلِّهَا كَفَرَ. قَالَ: وَأَقَرَّهُ أَهْلُ مَذْهَبِهِ اهـ وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ وَالْأَفْيُونُ) هُوَ عُصَارَةُ الْخَشْخَاشِ، يُكْرِبُ وَيُسْقِطُ الشَّهْوَتَيْنِ إذَا تُمُودِيَ عَلَيْهِ، وَيَقْتُلُ إلَى دِرْهَمَيْنِ، وَمَتَى زَادَ أَكْلُهُ عَلَى أَرْبَعِهِ أَيَّامٍ وِلَاءً اعْتَادَهُ بِحَيْثُ يُفْضِي تَرْكُهُ إلَى مَوْتِهِ لِأَنَّهُ يَخْرِقُ الْأَغْشِيَةَ خُرُوقًا لَا يَسُدُّهَا غَيْرُهُ، وَكَذَا فِي تَذْكِرَةِ دَاوُد (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ لِلْعَقْلِ) حَتَّى يَصِيرَ لِلرَّجُلِ فِيهِ خَلَاعَةٌ وَفَسَادٌ جَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ وَإِنْ سَكِرَ) لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْحَدَّ بِالسُّكْرِ مِنْ الْمَشْرُوبِ لَا الْمَأْكُولِ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ) الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ وَيَحْرُمُ أَكْلُ الْبَنْجِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَكَذَا جَوْزَةُ الطِّيبِ) وَكَذَا الْعَنْبَرُ وَالزَّعْفَرَانُ كَمَا فِي الزَّوَاجِرِ لِابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ، وَقَالَ: فَهَذِهِ كُلُّهَا مُسْكِرَةٌ، وَمُرَادُهُمْ بِالْإِسْكَارِ هُنَا تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ لَا مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ لِأَنَّهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمُسْكِرِ الْمَائِعِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا تُسَمَّى مُخَدِّرَةً، فَمَا جَاءَ فِي الْوَعِيدِ عَلَى الْخَمْرِ يَأْتِي فِيهَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إزَالَةِ الْعَقْلِ الْمَقْصُودِ لِلشَّارِعِ بَقَاؤُهُ اهـ.
أَقُولُ: وَمِثْلُهُ زَهْرُ الْقُطْنِ فَإِنَّهُ قَوِيُّ التَّفْرِيحِ يَبْلُغُ الْإِسْكَارَ كَمَا فِي التَّذْكِرَةِ، فَهَذَا كُلُّهُ وَنَظَائِرُهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ دُونَ الْقَلِيلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَافْهَمْ، وَمِثْلُهُ بَلْ أَوْلَى الْبُرْشُ وَهُوَ شَيْءٌ مُرَكَّبٌ مِنْ الْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَكَرَ فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ إدْمَانَهُ يُفْسِدُ الْبَدَنَ وَالْعَقْلَ، وَيُسْقِطُ الشَّهْوَتَيْنِ، وَيُفْسِدُ اللَّوْنَ، وَيُنْقِصُ الْقُوَى، وَيُنْهِكُ وَقَدْ وَقَعَ بِهِ الْآنَ ضَرَرٌ كَثِيرٌ اهـ (قَوْلُهُ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ) وَعِبَارَتُهُ: وَمِثْلُ الْحَشِيشَةِ فِي الْحُرْمَةِ جَوْزَةُ الطِّيبِ فَقَدْ أَفْتَى كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِحُرْمَتِهَا، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ ابْنُ حَجَرٍ نَزِيلُ مَكَّةَ فِي فَتَاوَاهُ وَالشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي رِسَالَةٍ وَضَعَهَا فِي ذَلِكَ، وَأَفْتَى بِحُرْمَتِهَا الْأَقْصَرَاوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَفْت عَلَى ذَلِكَ بِخَطِّهِ الشَّرِيفِ لَكِنْ قَالَ حُرْمَتُهَا دُونَ حُرْمَةِ الْحَشِيشِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
أَقُولُ: بَلْ سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ حُرْمَتَهَا عَنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ (قَوْلُهُ عَنْ الْجَامِعِ) أَيْ جَامِعِ الْفَتَاوَى (قَوْلُهُ وَالْحَشِيشَةُ) عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الْحَشِيشَةُ (قَوْلُهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ مُبْتَدِعٌ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ: أَيْ آكِلِ
стр. 3901
بَلْ قَالَ نَجْمُ الدِّينِ الزَّاهِدِيُّ: إنَّهُ يَكْفُرُ وَيُبَاحُ قَتْلُهُ.
قُلْت: وَنَقَلَ شَيْخُنَا النَّجْمُ الْغَزِّيِّ الشَّافِعِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَنْظُومَةِ أَبِيهِ الْبَدْرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ أَنَّهُ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِ جَوْزِهِ الطِّيبِ بِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّهَا مُسْكِرَةٌ. ثُمَّ قَالَ شَيْخُنَا النَّجْمُ: وَالْتُتْنَ الَّذِي حَدَثَ وَكَانَ حُدُوثُهُ بِدِمَشْقَ فِي سَنَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعْدَ الْأَلْفِ يَدَّعِي شَارِبُهُ أَنَّهُ لَا يُسْكِرُ وَإِنْ سَلِمَ لَهُ فَإِنَّهُ مُفْتِرٌ
ــ
[رد المحتار]
الْحَشِيشِ فَتْوَى مَشَايِخِ الْمَذْهَبَيْنِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ لِفَتْوَاهُمْ بِحُرْمَتِهِ وَتَأْدِيبِ بَاعَتِهِ، حَتَّى قَالُوا: مَنْ قَالَ بِحِلِّهِ فَهُوَ زِنْدِيقٌ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ وَتَبِعَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ اهـ (قَوْلُهُ بَلْ قَالَ نَجْمُ الدِّينِ الزَّاهِدِيُّ إلَخْ) هَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ نَقْلًا عَنْ خَطِّ بَعْضِ الْأَفَاضِلِ. وَرَدَّهُ الرَّمْلِيُّ بِأَنَّهُ لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ وَلَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ، وَإِذْ الْكُفْرُ بِإِنْكَارِ الْقَطْعِيَّاتِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا.
أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ مَتْنًا مِنْ أَنَّ الْأَشْرِبَةَ الْأَرْبَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ حُرْمَتُهَا دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ فَلَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا، فَعَلَى هَذَا يُشْكِلُ أَيْضًا الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ زِنْدِيقٌ مَعَ أَنَّهُ أَقَرَّهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهَا، وَالزِّنْدِيقُ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، لَكِنْ رَأَيْت فِي الزَّوَاجِرِ لِابْنِ حَجَرٍ مَا نَصُّهُ: وَحَكَى الْقَرَافِيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشِيشَةِ. وَقَالَ: وَمَنْ اسْتَحَلَّهَا فَقَدْ كَفَرَ. قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِهِمْ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ فِي آخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ وَأَوَّلِ السَّابِعَةِ حِينَ ظَهَرَتْ دَوْلَةُ التَّتَارِ اهـ بِحُرُوفِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَالتُّتْن إلَخْ) أَقُولُ: قَدْ اضْطَرَبَتْ آرَاءُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، فَبَعْضُهُمْ قَالَ بِكَرَاهَتِهِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ بِحُرْمَتِهِ، وَبَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ، وَأَفْرَدُوهُ بِالتَّأْلِيفِ. وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ: وَيُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الدُّخَانِ وَشُرْبِهِ وَشَارِبُهُ فِي الصَّوْمِ لَا شَكَّ يُفْطِرُ وَفِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ النَّابْلُسِيِّ وَالِدِ سَيِّدِنَا عَبْدِ الْغَنِيِّ عَلَى شَرْحِ الدُّرَرِ بَعْدَ نَقْلِهِ أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَ الزَّوْجَةِ مِنْ أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَكُلِّ مَا يُنْتِنُ الْفَمَ. قَالَ: وَمُقْتَضَاهُ الْمَنْعُ مِنْ شُرْبِهَا التُّتْن لِأَنَّهُ يُنْتِنُ الْفَمَ خُصُوصًا إذَا كَانَ الزَّوْجُ لَا يَشْرَبُهُ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ. وَقَدْ أَفْتَى بِالْمَنْعِ مِنْ شُرْبِهِ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْمُسَيَّرَيْ وَغَيْرُهُ اهـ. وَلِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْأُجْهُورِيِّ الْمَالِكِيِّ رِسَالَةٌ فِي حِلِّهِ نَقَلَ فِيهَا أَنَّهُ أَفْتَى بِحِلِّهِ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ.
قُلْت: وَأَلَّفَ فِي حِلِّهِ أَيْضًا سَيِّدُنَا الْعَارِفُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابْلُسِيُّ رِسَالَةً سَمَّاهَا (الصُّلْحُ بَيْنَ الْإِخْوَانِ فِي إبَاحَةِ شُرْبِ الدُّخَانِ) وَتَعَرَّضَ لَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ تَآلِيفِهِ الْحِسَانِ، وَأَقَامَ الطَّامَّةَ الْكُبْرَى عَلَى الْقَائِلِ بِالْحُرْمَةِ أَوْ بِالْكَرَاهَةِ فَإِنَّهُمَا حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ دَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إسْكَارُهُ وَلَا تَفْتِيرُهُ وَلَا إضْرَارُهُ، بَلْ ثَبَتَ لَهُ مَنَافِعُ، فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَاعِدَةِ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ وَأَنَّ فَرْضَ إضْرَارِهِ لِلْبَعْضِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَحْرِيمُهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَإِنَّ الْعَسَلَ يَضُرُّ بِأَصْحَابِ الصَّفْرَاءِ الْغَالِبَةِ وَرُبَّمَا أَمْرَضَهُمْ مَعَ أَنَّهُ شِفَاءٌ بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ، وَلَيْسَ الِاحْتِيَاطُ فِي الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِثْبَاتِ الْحُرْمَةِ أَوْ الْكَرَاهَةِ اللَّذَيْنِ لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ دَلِيلٍ بَلْ فِي الْقَوْلِ بِالْإِبَاحَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ، وَقَدْ تَوَقَّفَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْمُشَرِّعُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أُمِّ الْخَبَائِثِ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ النَّصُّ الْقَطْعِيُّ، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ إذَا سُئِلَ عَنْهُ سَوَاءً كَانَ مِمَّنْ يَتَعَاطَاهُ أَوْ لَا كَهَذَا الْعَبْدِ الضَّعِيفِ وَجَمِيعِ مَنْ فِي بَيْتِهِ أَنْ يَقُولَ هُوَ مُبَاحٌ، لَكِنَّ رَائِحَتَهُ تَسْتَكْرِهُهَا الطِّبَاعُ؛ فَهُوَ مَكْرُوهٌ طَبْعًا لَا شَرْعًا إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَذَا الَّذِي يُعْطِيهِ كَلَامُ الشَّارِحِ هُنَا حَيْثُ أَعْقَبَ كَلَامَ شَيْخِنَا النَّجْمِ بِكَلَامِ الْأَشْبَاهِ وَبِكَلَامِ شَيْخِهِ الْعِمَادِيِّ وَإِنْ كَانَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى جَزَمَ بِالْحُرْمَةِ، لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِوُرُودِ النَّهْيِ السُّلْطَانِيِّ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ مُفْتِرٌ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: فَتَرَ جِسْمُهُ فُتُورًا لَانَتْ مَفَاصِلُهُ وَضَعُفَ، وَالْفُتَارُ كَغُرَابٍ ابْتِدَاءُ النَّشْوَةِ،
стр. 3902
وَهُوَ حَرَامٌ لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ» قَالَ: وَلَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ تَنَاوُلُهُ الْمَرَّةَ وَالْمَرَّتَيْنِ، وَمَعَ نَهْيِ وَلِيِّ الْأَمْرِ عَنْهُ حَرُمَ قَطْعًا، عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ رُبَّمَا أَضَرَّ بِالْبَدَنِ، نَعَمْ الْإِصْرَارُ عَلَيْهِ كَبِيرَةٌ كَسَائِرِ الصَّغَائِرِ اهـ بِحُرُوفِهِ. وَفِي الْأَشْبَاهِ فِي قَاعِدَةِ: الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ أَوْ التَّوَقُّفُ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا أَشْكَلَ حَالُهُ كَالْحَيَوَانِ الْمُشْكِلِ أَمْرُهُ وَالنَّبَاتِ الْمَجْهُولِ سَمْتُهُ اهـ.
قُلْت: فَيُفْهَمُ مِنْهُ حُكْمُ النَّبَاتِ الَّذِي شَاعَ فِي زَمَانِنَا الْمُسَمَّى بِالتُّتُن فَتَنَبَّهْ، وَقَدْ كَرِهَهُ شَيْخُنَا الْعِمَادِيُّ فِي هَدِيَّتِهِ
ــ
[رد المحتار]
وَأَفْتَرَ الشَّرَابُ فَتَرَ شَارِبُهُ (قَوْلُهُ وَهُوَ حَرَامٌ) مُخَالِفٌ لِمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُو عَلَى الزَّوْجِ كِفَايَتَهَا مِنْهُ اهـ أَبُو السُّعُودِ فَذَكَرُوا أَنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ إلَّا لِعَارِضٍ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ لِلزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا كَانَ لَهَا اعْتِيَادٌ وَلَا يَضُرُّهَا تَرْكُهُ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ التَّفَكُّهِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ تَتَضَرَّرُ بِتَرْكِهِ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ التَّدَاوِي وَهُوَ لَا يَلْزَمُهُ ط (قَوْلُهُ وَمَعَ نَهْيِ وَلِيِّ الْأَمْرِ عَنْهُ إلَخْ) قَالَ سَيِّدِي الْعَارِفُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: لَيْتَ شَعْرِي أَيُّ أَمْرٍ مِنْ أَمْرَيْهِ يُتَمَسَّكُ بِهِ، أَمْرُهُ النَّاسَ بِتَرْكِهِ أَمْ أَمْرُهُ بِإِعْطَاءِ الْمَكْسِ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْرٌ بِاسْتِعْمَالِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ الْعُلَمَاءُ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي آخِرِ مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ شَرْحِ الْكَنْزِ. وَأَيْضًا هَلْ مَنْعُ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ الْمُصِرِّينَ عَلَى الْمُصَادَرَاتِ وَتَضْيِيعِ بُيُوتِ الْمَالِ وَإِقْرَارُهُمْ الْقُضَاةَ وَغَيْرَهُمْ عَلَى الرِّشْوَةِ وَالظُّلْمِ يُثْبِتُ حُكْمًا شَرْعِيًّا. وَقَدْ قَالُوا: مَنْ قَالَ لِسُلْطَانِ زَمَانِنَا عَادِلٌ كَفَرَ اهـ مُلَخَّصًا.
أَقُولُ: مُقْتَضَاهُ أَنَّ أُمَرَاءَ زَمَانِنَا لَا يُفِيدُ أَمْرُهُمْ الْوُجُوبَ، وَقَدْ صَرَّحُوا فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْقَضَاءِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُتُونِ أَمَرَك قَاضٍ بِرَجْمٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ ضَرْبٍ قَضَى فِيهِ وُسْعَك فِعْلَهُ بِقَوْلِهِمْ لِوُجُوبِ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ. قَالَ الشَّارِحُ هُنَاكَ: وَمَنَعَهُ مُحَمَّدٌ حَتَّى يُعَايِنَ الْحُجَّةَ، وَاسْتَحْسَنُوهُ فِي زَمَانِنَا وَبِهِ يُفْتَى إلَخْ. وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ فِي أَوَاخِرِ شَرْحِهِ عَلَى الْأَشْبَاهِ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ: أَنْ يَكُونَ عَدْلًا بَالِغًا أَمِينًا وَرِعًا، ذَكَرًا مَوْثُوقًا بِهِ فِي الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ، زَاهِدًا مُتَوَاضِعًا مُسَايِسًا فِي مَوْضِعِ السِّيَاسَةِ. ثُمَّ إذَا وَقَعَتْ الْبَيْعَةُ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مَعَ مَنْ صِفَتُهُ مَا ذُكِرَ صَارَ إمَامًا يُفْتَرَضُ إطَاعَتُهُ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ. وَفِي شَرْحِ الْجَوَاهِرِ: تَجِبُ إطَاعَتُهُ فِيمَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ، وَهُوَ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْعَامَّةِ، وَقَدْ نَصُّوا فِي الْجِهَادِ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة. إذَا أَمَرَ الْأَمِيرُ الْعَسْكَرَ بِشَيْءٍ فَعَصَاهُ وَاحِدٌ لَا يُؤَدِّبُهُ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ بَلْ يَنْصَحُهُ، فَإِنْ عَادَ بِلَا عُذْرٍ أَدَّبَهُ اهـ مُلَخَّصًا. وَأَخَذَ الْبِيرِيُّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِصَوْمِ أَيَّامِ الطَّاعُونِ وَنَحْوِهِ يَجِبُ امْتِثَالُهُ.
أَقُولُ: وَظَاهِرُ عِبَارَةِ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى لُزُومُ إطَاعَةِ مَنْ اسْتَوْفَى شُرُوطَ الْإِمَامَةِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَلَامَ الْعَارِفِ قُدِّسَ سِرُّهُ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ لَا لِصِحَّةِ التَّوْلِيَةِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ رُبَّمَا أَضَرَّ بِالْبَدَنِ) الْوَاقِعُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمَلِينَ ط (قَوْلُهُ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ أَوْ التَّوَقُّفُ) الْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِ الْأُصُولِ (قَوْلُهُ فَيُفْهَمُ مِنْهُ حُكْمُ النَّبَاتِ) وَهُوَ الْإِبَاحَةُ عَلَى الْمُخْتَارِ أَوْ التَّوَقُّفُ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ تَسْلِيمِ إسْكَارِهِ وَتَفْتِيرِهِ وَإِضْرَارِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ إدْخَالُهُ تَحْتَ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلِذَا أَمَرَ بِالتَّنَبُّهِ (قَوْلُهُ وَقَدْ كَرِهَهُ شَيْخُنَا الْعِمَادِيُّ فِي هَدِيَّتِهِ) أَقُولُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْعِمَادِيِّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا وَيَفْسُقُ مُتَعَاطِيهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَصْلِ الْجَمَاعَةِ. وَيُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِالْمَعْرُوفِ بِأَكْلِ الرِّبَا أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ يُدَاوِمُ الْإِسْرَارَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَاتِ كَالدُّخَانِ الْمُبْتَدَعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ صُدُورِ مَنْعِ السُّلْطَانِ اهـ. وَرَدَّ عَلَيْهِ سَيِّدُنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي شَرْحِ الْهَدِيَّةِ بِمَا حَاصِلُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ إلْحَاقًا
стр. 3903
إلْحَاقًا لَهُ بِالثُّومِ وَالْبَصَلِ بِالْأَوْلَى فَتَدَبَّرْ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِحُرْمَةِ الْحَشِيشَةِ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ فِي الْحَظْرِ، وَنَظَمَهُ فَقَالَ:
وَأَفْتَوْا بِتَحْرِيمِ الْحَشِيشِ وَحَرْقِهِ
وَتَطْلِيقِ مُحْتَشٍّ لِزَجْرٍ وَقَرَّرُوا ... لِبَائِعِهِ التَّأْدِيبَ وَالْفِسْقَ أَثْبَتُوا
وَزَنْدَقَةً لِلْمُسْتَحِلِّ وَحَرَّرُوا
كِتَابُ الصَّيْدِ لَعَلَّ مُنَاسَبَتَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِمَّا يُورِثُ السُّرُورَ (هُوَ مُبَاحٌ) بَخَمْسَةَ عَشَرَ شَرْطًا مَبْسُوطَةٍ فِي الْعِنَايَةِ، وَسَنُقَرِّرُهُ
ــ
[رد المحتار]
لَهُ بِالثُّومِ وَالْبَصَلِ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا يُنَاسِبُ كَلَامَ الْعِمَادِيِّ، نَعَمْ إلْحَاقُهُ بِمَا ذُكِرَ هُوَ الْإِنْصَافُ. قَالَ أَبُو السُّعُودِ: فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةً، وَالْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا يُجَامِعُ الْإِبَاحَةِ اهـ. وَقَالَ ط: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ فِي الْمَسْجِدِ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِهِمَا، وَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ تَعَاطِيهِ حَالَ الْقِرَاءَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِتَعْظِيمِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ (قَوْلُهُ وَمِمَّنْ جَزَمَ إلَخْ) قَدْ عَلِمْت إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ.
١ -
[تَتِمَّةٌ]
لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ قَهْوَةِ الْبَنْ، وَقَدْ حَرَّمَهَا بَعْضُهُمْ وَلَا وَجْهَ لَهُ كَمَا فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ وَفَتَاوَى الْمُصَنِّفِ وَحَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ لِلرَّمْلِيِّ. وَقَالَ شَيْخُ الشَّارِحِ النَّجْمُ الْغَزِّيِّ فِي تَارِيخِهِ تَرْجَمَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّاذِلِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْعَيْدَرُوسِ: إنَّهُ أَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَ الْقَهْوَةَ لَمَّا مَرَّ فِي سِيَاحَتِهِ بِشَجَرِ الْبُنِّ فَاقْتَاتَ مِنْ ثَمَرِهِ، فَوَجَدَ فِيهِ تَجْفِيفًا لِلدِّمَاغِ وَاجْتِلَابًا لِلسَّهَرِ وَتَنْشِيطًا لِلْعِبَادَةِ، فَاِتَّخَذَهُ قُوتًا وَطَعَامًا وَأَرْشَدَ أَتْبَاعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَشَرَتْ فِي الْبِلَادِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَوَّلِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ، فَحَرَّمَهَا جَمَاعَةٌ تَرَجَّحَ عِنْدَ هُمْ أَنَّهَا مُضِرَّةٌ، آخِرُهُمْ بِالشَّامِ وَالِدُ شَيْخِنَا الْعِيتَاوِيِّ وَالْقُطْبُ ابْنُ سُلْطَانٍ الْحَنَفِيِّ وَبِمِصْرِ أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ السَّنْبَاطِيُّ تَبَعًا لِأَبِيهِ، وَالْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهَا مُبَاحَةٌ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا يَنْضَمُّ إلَيْهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَلَا شُبْهَةَ فِي تَحْرِيمِهِ اهـ مُلَخَّصًا.
١ -
[خَاتِمَةٌ]
سُئِلَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ عَمَّنْ اُبْتُلِيَ بِأَكْلِ نَحْوِ الْأَفْيُونِ وَصَارَ إنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ هَلَكَ. فَأَجَابَ: إنْ عُلِمَ ذَلِكَ قَطْعًا حَلَّ لَهُ، بَلْ وَجَبَ لِاضْطِرَارِهِ إلَى إبْقَاءِ رُوحِهِ كَالْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّدْرِيجُ فِي تَنْقِيصِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَزُولَ تَوَلُّعُ الْمَعِدَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَشْعُرَ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَهُوَ آثِمٌ فَاسِقٌ اهـ مُلَخَّصًا. قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَقَوَاعِدُنَا لَا تُخَالِفُهُ.
[فَرْعٌ]
قَدَّمْنَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِشُرْبِ مَا يَذْهَبُ بِالْعَقْلِ لِقَطْعِ نَحْوِ أَكْلِهِ. أَقُولُ: يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِغَيْرِ الْخَمْرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِنَحْوِ بَنْجٍ مِنْ غَيْرِ الْمَائِعِ، وَقَيَّدَهُ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الصَّيْدِ]
مَصْدَرُ صَادَهُ: إذَا أَخَذَهُ فَهُوَ صَائِدٌ وَذَاكَ مَصِيدٌ وَيُسَمَّى الْمَصِيدُ صَيْدًا فَيُجْمَعُ صَيُودًا وَهُوَ كُلُّ مُمْتَنِعٍ مُتَوَحِّشٍ طَبْعًا لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ
مُغْرِبٌ، فَخَرَجَ بِالْمُمْتَنِعِ مِثْلُ الدَّجَاجِ وَالْبَطِّ، إذْ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوَائِمُ أَوْ جَنَاحَانِ يَمْلِكُ عَلَيْهِمَا وَيَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ مِنْ جِهَتِهِمَا، وَبِالْمُتَوَحِّشِ مِثْلُ الْحَمَامِ إذْ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَأْلَفَ النَّاسَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَبِطَبْعًا مَا يَتَوَحَّشُ مِنْ الْأَهْلِيَّاتِ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ بِالِاصْطِيَادِ وَتَحِلُّ بِذَكَاةِ الضَّرُورَةِ وَدَخَلَ بِهِ مُتَوَحِّشٌ بِإِلْفٍ كَالظَّبْيِ لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ، وَتَمَامُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ: أَيْ فَالظَّبْيُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَأْلَفُ بَعْدَ الْأَخْذِ إلَّا أَنَّهُ صَيْدٌ قَبْلَهُ يَحِلُّ بِالِاصْطِيَادِ، وَدَخَلَ فِيهِ مَا لَا يُؤْكَلُ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ مِمَّا يُورِثُ السُّرُورَ) وَقِيلَ: الْغَفْلَةَ وَاللَّهْوَ، لِحَدِيثِ «مَنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ فَقَدْ غَفَلَ» وَفِي السَّعْدِيَّةِ وَلِأَنَّ الصَّيْدَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِلْأَشْرِبَةِ غَيْرُ خَفِيَّةٍ، وَكُلٌّ مِنْهَا فِيهِ مَا هُوَ حَلَالٌ وَحَرَامٌ.
(قَوْلُهُ بَخَمْسَةَ عَشَرَ شَرْطًا) خَمْسَةٌ فِي الصَّائِدِ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، وَأَنْ
стр. 3904
فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ (إلَّا) لِمُحْرِمٍ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَوْ (لِلتَّلَهِّي) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (أَوْ حِرْفَةٍ) عَلَى مَا فِي الْأَشْبَاهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنَّمَا زِدْته تَبَعًا لَهُ، وَإِلَّا فَالتَّحْقِيقُ عِنْدِي إبَاحَةُ اتِّخَاذِهِ حِرْفَةً لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الِاكْتِسَابِ، وَكُلُّ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ فِي الْإِبَاحَةِ سَوَاءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
(نَصْبُ شَبَكَةٍ لِلصَّيْدِ مِلْكُ مَا تَعْقِلُ بِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا نَصَبَهَا لِلْجَفَافِ) فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا تَعْقِلُ بِهَا (وَإِنْ وَجَدَ) الْمُقَلِّشُ أَوْ غَيْرُهُ (خَاتَمًا أَوْ دِينَارًا مَضْرُوبًا) بِضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ (لَا) يَمْلِكُهُ وَيَجِبُ تَعْرِيفُهُ.
ــ
[رد المحتار]
يُوجَدَ مِنْهُ الْإِرْسَالُ، وَأَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْإِرْسَالِ مَنْ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ، وَأَنْ لَا يَتْرُكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا، وَأَنْ لَا يَشْتَغِلَ بَيْنَ الْإِرْسَالِ وَالْأَخْذِ بِعَمَلٍ آخَرَ، وَخَمْسَةٌ فِي الْكَلْبِ: أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا، وَأَنْ يَذْهَبَ عَلَى سُنَنِ الْإِرْسَالِ، وَأَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْأَخْذِ مَا لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ، وَأَنْ يَقْتُلَهُ جُرْحًا، وَأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ. وَخَمْسَةٌ فِي الصَّيْدِ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ الْحَشَرَاتِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ بَنَاتِ الْمَاءِ إلَّا السَّمَكَ، وَأَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ بِجَنَاحَيْهِ أَوْ قَوَائِمِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُتَقَوِّيًا بِنَابِهِ أَوْ بِمِخْلَبِهِ، وَأَنْ يَمُوتَ بِهَذَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى ذَبْحِهِ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ مَذْكُورٌ مَعَ جَوَابِهِ فِي الْمِنَحِ، وَمَجْمُوعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ لِمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلَمْ يُدْرِكْهُ حَيًّا (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَوْ فِي الْحَرَمِ لِيَشْمَلَ الصُّوَرَ الثَّلَاثِ وَهِيَ الصَّيْدُ الْمُحَرَّمُ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ أَوْ الْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ (قَوْلُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ) لِأَنَّ مُطْلَقَ اللَّهْوِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ كَمَا مَرَّ فِي الْحَظْرِ (قَوْلُهُ عَلَى مَا فِي الْأَشْبَاهِ) أَيْ أَخْذًا مِمَّا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ مُبَاحٌ إلَّا لِلتَّلَهِّي أَوْ حِرْفَةً.
وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى: وَيُكْرَهُ لِلتَّلَهِّي، وَأَنْ يُتَّخَذَ خَمْرًا وَأَقَرَّهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الِاكْتِسَابِ) وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى إبَاحَةِ الِاصْطِيَادِ بَعْدَ اسْتِدْلَالِهِ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَأَقَرَّهُ الشُّرَّاحُ (قَوْلُهُ وَكُلُّ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ إلَخْ) أَيْ أَنْوَاعُهُ الْمُبَاحَةُ، بِخِلَافِ الْكَسْبِ بِالرِّبَا وَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ) قَالَ بَعْدَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: الزِّرَاعَةُ مَذْمُومَةٌ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي التِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ. وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ الزِّرَاعَةَ أَفْضَلُ اهـ وَفِي الْمُلْتَقَى وَالْمَوَاهِبِ: أَفْضَلُهُ الْجِهَادُ، ثُمَّ التِّجَارَةُ، ثُمَّ الْحِرَاثَةُ، ثُمَّ الصِّنَاعَةُ اهـ.
أَقُولُ: فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ كُلُّ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ فِي الْإِبَاحَةِ سَوَاءٌ أَنَّهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ بِطَرِيقٍ مَحْظُورٍ لَا يُذَمُّ بَعْضُهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ تَأَمَّلْ. ثُمَّ إنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا تَارَةً يَتَّخِذُهُ الْإِنْسَانُ حِرْفَةً وَمَعَاشًا وَتَارَةً يَفْعَلُهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَحَيْثُ كَانَ الِاصْطِيَادُ نَوْعًا مِنْهَا دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ اتِّخَاذِهِ حِرْفَةً وَلَا سِيَّمَا مَعَ إطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ. وَعِبَارَاتُ الْمُتُونِ: وَالْكَرَاهَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ، وَمَا قِيلَ إنَّ فِيهِ إزْهَاقَ الرُّوحِ وَهُوَ يُورِثُ قَسْوَةَ الْقَلْبِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ غَيْرَهُ كَالتِّجَارَةِ وَالْحِرَاثَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا طَلَبَ الصَّيْدَ لَهْوًا وَلَعِبًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَأَكْرَهُهُ، وَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ إدَامٍ أَوْ حَاجَةٍ أُخْرَى فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ
(قَوْلُهُ تَعْقِلُ) بِتَقْدِيمِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْقَافِ: أَيْ عَلِقَ وَنَشِبَ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَهُوَ مَصْنُوعٌ غَيْرُ مَسْمُوعٍ (قَوْلُهُ وَإِنْ وَجَدَ الْمُقَلِّشُ) بِالْقَافِ: وَهُوَ الَّذِي يُفَتِّشُ الْمَزَابِلَ بِيَدِهِ أَوْ بِالْغِرْبَالِ لِيُسْتَخْرَجَ مَا فِيهَا مِنْ النُّقُودِ وَغَيْرِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَفْظٌ عَامِّيٌّ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، فَلْتُرَاجِعْ كُتُبَ اللُّغَةِ، وَلَا مُنَاسَبَةَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِبَابِ الصَّيْدِ، وَمَحَلُّهَا كِتَابُ اللُّقَطَةِ حَمَوِيٌّ مُلَخَّصًا. وَوُجِدَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِنَحِ الْمُفَتِّشُ (قَوْلُهُ بِضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ) أَمَّا الْمَضْرُوبُ بِضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ رِكَازٌ يُخَمَّسُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا اشْتَبَهَ الضَّرْبُ يُجْعَلُ جَاهِلِيًّا ط (قَوْلُهُ وَيَجِبُ تَعْرِيفُهُ) إلَى أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُهُ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ إنْ كَانَ مَصْرِفًا ط
стр. 3905
اعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ الْمِلْكِ ثَلَاثَةٌ: نَاقِلٌ كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَخِلَافَةٌ كَإِرْثٍ وَأَصَالَةٌ، وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ حَقِيقَةً بِوَضْعِ الْيَدِ أَوْ حُكْمًا بِالتَّهْيِئَةِ كَنَصْبِ الصَّيْدِ لَا لِجَفَافٍ عَلَى الْمُبَاحِ الْخَالِي عَنْ مَالِكٍ، فَلَوْ اسْتَوْلَى فِي مَفَازَةٍ عَلَى حَطَبِ غَيْرِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَمْ يَحِلَّ لِلْمُقَلِّشِ مَا يَجِدُهُ بِلَا تَعْرِيفٍ، وَتَمَامُ التَّفْرِيعِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.
(وَيَحِلُّ الصَّيْدُ بِكُلِّ ذِي نَابٍ وَمِخْلَبٍ) تَقَدَّمَا فِي الذَّبَائِحِ (مِنْ كَلْبٍ وَبَازٍ وَنَحْوِهِمَا بِشَرْطِ قَابِلِيَّةِ التَّعْلِيمِ وَ) بِشَرْطِ (كَوْنِهِ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ) . ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَا مَهَّدَ مِنْ الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ (فَلَا يَجُوزُ الصَّيْدُ بِدُبٍّ وَأَسَدٍ) لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهِمَا التَّعْلِيمَ فَإِنَّهُمَا لَا يَعْمَلَانِ لِلْغَيْرِ، الْأَسَدُ لِعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وَالدُّبِّ لِخَسَاسَتِهِ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِالدُّبِّ الْحَدَأَةَ لِخَسَاسَتِهَا (وَلَا بِخِنْزِيرٍ) لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ بِالْكَلْبِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَإِلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِيهِ فَتَنَبَّهْ.
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ نَاقِلٌ) أَيْ مِنْ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ، وَقَوْلُهُ وَخِلَافَةٍ: أَيْ ذُو خِلَافَةٍ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ ط (قَوْلُهُ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ حَقِيقَةً) شَمِلَ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى عَدِّهِ قِسْمًا رَابِعًا كَمَا فَعَلَ الْحَمَوِيُّ (قَوْلُهُ كَنَصْبِ شَبَكَةٍ لِصَيْدٍ لَا لِجَفَافٍ) تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْأَشْبَاهِ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ لِصَيْدٍ لِيَشْمَلَ مَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، لِمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَالظَّهِيرِيَّةِ: وَالِاسْتِيلَاءُ الْحُكْمِيُّ بِاسْتِعْمَالِ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِلِاصْطِيَادِ، حَتَّى إنَّ مَنْ نَصَبَ شَبَكَةً فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ مَلَكَهُ قَصَدَ بِهَا الِاصْطِيَادَ أَوْ لَا فَلَوْ نَصَبَهَا لِلتَّجْفِيفِ لَا يَمْلِكُهُ وَإِنْ نَصَبَ فُسْطَاطًا إنْ قَصَدَ الصَّيْدَ يَمْلِكُهُ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلصَّيْدِ اهـ مُلَخَّصًا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ عَلَى الْمُبَاحِ) مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِيلَاءِ (قَوْلُهُ عَنْ مِلْكٍ) أَيْ مِلْكِ مَالِكٍ (قَوْلُهُ عَلَى حَطَبِ غَيْرِهِ) أَيْ بِأَنْ جَمَعَهُ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَحِلَّ إلَخْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ عَنْ مِلْكِ مَالِكٍ (قَوْلُهُ وَتَمَامُ التَّفْرِيعِ) أَيْ عَلَى السَّبَبِ الثَّالِثِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ، مِنْهَا مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَغَيْرِهَا عَنْ الْمُنْتَقَى بِالنُّونِ: دَخَلَ صَيْدٌ دَارِهِ فَلَمَّا رَآهُ أَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَصَارَ بِحَالٍ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ بِلَا اصْطِيَادٍ بِشَبَكَةٍ أَوْ سَهْمٍ مَلَكَهُ، وَإِنْ أَغْلَقَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَا يَمْلِكُهُ وَلَوْ نَصَبَ حَبَّالَةً فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ فَقَطَعَهَا وَانْفَلَتَ فَأَخَذَهُ آخَرُ مَلَكَهُ، وَلَوْ جَاءَ صَاحِبُ الْحَبَّالَةِ لِيَأْخُذَهُ وَدَنَا مِنْهُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ فَانْفَلَتَ لَا يَمْلِكُهُ الْآخِذُ، وَكَذَا لَوْ انْفَلَتَ مِنْ الشَّبَكَةِ فِي الْمَاءِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ مَلَكَهُ لَا لَوْ رَمَى خَارِجَ الْمَاءِ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ اهـ مُلَخَّصًا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَتَمَامُ التَّعْرِيفِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ تَقَدَّمَا فِي الذَّبَائِحِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ سَبُعٌ لَهُ نَابٌ أَوْ مِخْلَبٌ يَصِيدُ بِهِ احْتِرَازًا عَنْ نَحْوِ الْبَعِيرِ وَالْحَمَامَةِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ مَا لَا نَابَ لَهُ وَلَا مِخْلَبَ لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ بِلَا ذَبْحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ كَمَا فِي الْكَرْمَانِيِّ (قَوْلُهُ وَبَازٍ) فِي الصِّحَاحِ: الْبَازُ لُغَةً فِي الْبَازِي الَّذِي يَصِيدُ وَالْجَمْعُ أَبْوَازٌ وَبِيزَانٌ وَجَمْعُ الْبَازِي بُزَاةٌ فَالْأَوَّلُ أَجْوَفُ، وَالثَّانِي نَاقِصٌ، فَظَهَرَ مِنْهُ لَحْنُ قَوْلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: الْبَازِي بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا كَذَا فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ: أَيْ حَيْثُ جَوَّزُوا فِيهِ التَّشْدِيدَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ (قَوْلُهُ بِدُبٍّ وَأَسَدٍ) ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ الذِّئْبَ بَدَلَ الدُّبِّ وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ، وَذَكَرَ فِي الِاخْتِيَارِ الثَّلَاثَةَ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهِمَا التَّعْلِيمَ) حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ التَّعَلُّمُ مِنْهُمَا وَعُرِفَ ذَلِكَ جَازَ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ عَنْ النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ إلَخْ) هُوَ بَحْثٌ لِلْمُصَنِّفِ، أَيْ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ نَجَاسَةُ عَيْنِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ فَلَا يَجُوزُ) الْفَاءُ فَصِيحَةٌ: أَيْ وَإِذَا بَنَيْنَا عَدَمَ الْجَوَازِ فِي الْخِنْزِيرِ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَلَا يَجُوزُ بِالْكَلْبِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ أَيْضًا. وَذَكَرَ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ النَّخَعِيّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ «هُوَ شَيْطَانٌ» وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَمَا وَجَبَ قَتْلُهُ حَرُمَ اقْتِنَاؤُهُ وَتَعْلِيمُهُ فَلَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ كَغَيْرِ الْمُعَلَّمِ. وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ اهـ (قَوْلُهُ وَإِنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِيهِ) وَهُوَ «قَوْلُهُ ﵊ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْك فَأَدْرَكْته قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ
стр. 3906
وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْقُهُسْتَانِيِّ: إنَّ الْكَلْبَ نَجِسُ الْعَيْنِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَالْخِنْزِيرَ لَيْسَ بِنَجَسِ الْعَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا فِي التَّجْرِيدِ وَغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ (بِشَرْطِ عِلْمِهِمَا) عِلْمِ ذِي نَابٍ وَمِخْلَبٍ (وَذَا بِتَرْكِ الْأَكْلِ) أَمَّا الشُّرْبُ مِنْ دَمِ الصَّيْدِ فَلَا يَضُرُّ قُهُسْتَانِيٌّ وَيَأْتِي (ثَلَاثًا فِي الْكَلْبِ) وَنَحْوِهِ (وَبِالرُّجُوعِ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْقُهُسْتَانِيِّ) حَيْثُ قَالَ: يَحِلُّ صَيْدُ كُلِّ ذِي نَابٍ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْأَسَدِ وَابْنِ عُرْسٍ وَالدُّبِّ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهَا بِشَرْطِ الْعِلْمِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْخِنْزِيرُ لِكَوْنِهِ نَجِسَ الْعَيْنِ، وَالْأَسَدُ وَالدُّبُّ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْمَلَانِ لِلْغَيْرِ، وَقَدْ يُلْحَقُ الْحَدَأَةُ بِالدُّبِّ مُضْمَرَاتٌ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الشَّرْطُ قَبُولُ التَّعْلِيمِ. وَمَا قَالَ السِّغْنَاقِيُّ: إنَّ الْأَسَدَ وَالدُّبَّ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِمَا التَّعْلِيمُ، فَقَدْ صَرَّحَ بِخِلَافِهِ فِي الْبَيْعِ، وَالْخِنْزِيرُ عِنْدَ الْإِمَامِ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ عَلَى مَا فِي التَّجْرِيدِ وَغَيْرِهِ. عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ نَجِسُ الْعَيْنِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ حَلَّ صَيْدُهُ بِالِاتِّفَاقِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَحَاصِلُهُ الْبَحْثُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْخِنْزِيرِ وَالْأَسَدِ وَالدُّبِّ. وَفِي التَّعْلِيلِ: لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَبُولُ التَّعْلِيمِ فَيَحِلُّ بِكُلِّ مُعَلَّمٍ وَلَوْ خِنْزِيرًا، وَكَوْنُهُ نَجِسَ الْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْكَلْبَ كَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِعَدَمِ حِلِّ صَيْدِهِ. وَوَجْهُ الدَّفْعِ الَّذِي أَفَادَهُ الشَّارِحُ الْفَاضِلُ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْكَلْبِ وَإِنْ قِيلَ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْخِنْزِيرُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ دَفَعَ بِهِ الشَّارِحُ شَيْئَيْنِ:
الْأَوَّلُ مَا بَحَثَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ إلْحَاقِ الْكَلْبِ بِالْخِنْزِيرِ فِي عَدَمِ حِلِّ الصَّيْدِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ، وَالثَّانِي مَا بَحَثَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ مِنْ إلْحَاقِ الْخِنْزِيرِ بِالْكَلْبِ فِي حِلِّ الصَّيْدِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْكَلْبَ وَإِنْ قِيلَ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، لَكِنْ لَمَّا وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ بِخُصُوصِهِ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ. وَوَجْهُ
الثَّانِي أَنَّ الْخِنْزِيرَ وَإِنْ دَخَلَ ظَاهِرًا فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]- لَكِنَّهُ مُسْتَثْنًى لِحُرْمَةِ الِانْتِفَاعِ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَمَا وَرَدَ بِهِ نَصٌّ بِخُصُوصِهِ حَتَّى يُتَّبَعَ بَلْ أُمِرْنَا بِاجْتِنَابِهِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْكَلْبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلِذَا جَزَمَ بِاسْتِثْنَائِهِ الْمُصَنِّفُ كَالْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ وَالْبَدَائِعِ وَالِاخْتِيَارِ، هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الشَّارِحِ الْفَاضِلِ وَقَدْ خَفِيَ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ لِلْغَفْلَةِ وَهُوَ بَرِيءٌ عَنْهَا وَلِلَّهِ تَعَالَى دَرُّهُ نَعَمْ فَاتَهُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْقُهُسْتَانِيِّ: وَالْخِنْزِيرُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، لَكِنْ تَرَكَهُ لِظُهُورِ أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ، وَالتَّعْلِيلُ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِشَرْطِ عِلْمِهِمَا) بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْمَارِّ، وقَوْله تَعَالَى - ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]- أَيْ مُعَلِّمِينَ الِاصْطِيَادَ - ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ [المائدة: ٤]- تُؤَدِّبُوهُنَّ، وَتَمَامُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ، وَالْمُنَاسِبُ الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ بِشَرْطِ التَّعْلِيمِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَذَا) أَيْ الْعِلْمُ وَالْبَاءُ فِي بِتَرْكِ لِلتَّصْوِيرِ ط (قَوْلُهُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ ثَلَاثًا) أَيْ مُتَوَالِيَاتٍ قُهُسْتَانِيٌّ وَهَذَا عِنْدَ هُمَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ لِأَنَّ فِيمَا دُونَهُ مَزِيدُ الِاحْتِمَالِ، فَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ شِبَعًا، فَإِذَا تَرَكَهُ ثَلَاثًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَارَ عَادَةً، وَتَمَامُهُ فِي الْهِدَايَةِ. وَنَقَلَ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ الْأَكْلِ مَعَ الْجُوعِ لَا الشِّبَعِ فَتَأَمَّلْ وَعَمَّ أَكْلُهُ مِنْ الْجِلْدِ وَالْعَظْمِ وَالْجَنَاحِ وَالظُّفْرِ وَغَيْرِهَا كَمَا فِي قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ قُهُسْتَانِيٌّ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بُدَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الصَّائِدِ وَأَنَّهُ مُعَلَّمٌ وَلَا يُقَدِّرُ بِالثَّلَاثِ، وَمَشَى فِي الْكَنْزِ وَالنُّقَايَةِ وَالِاصْطِلَاحِ وَمُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ عَلَى اعْتِبَارِ التَّقْدِيرِ بِالثَّلَاثِ، وَظَاهِرُ الْمُلْتَقَى تَرْجِيحُ عَدَمِهِ. ثُمَّ عَلَى رِوَايَةِ التَّقْدِيرِ عَنْ الْإِمَامِ يَحِلُّ مَا اصْطَادَهُ ثَالِثًا، وَعِنْدَهُمَا فِي حِلِّ الثَّالِثِ رِوَايَتَانِ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ: وَالْأَصَحُّ الْحِلُّ (قَوْلُهُ فِي الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ) أَيْ مِنْ كُلِّ ذِي نَابٍ، فَشَمِلَ نَحْوَ الْفَهْدِ وَالنَّمِرِ، وَقَوْلُهُ بِالرُّجُوعِ إذَا دَعَوْته فِي الْبَازِي وَنَحْوِهِ أَيْ مِنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: لِأَنَّ بَدَنَ الْبَازِي لَا يَحْتَمِلُ
стр. 3907
إذَا دَعَوْته فِي الْبَازِي) وَنَحْوِهِ (وَ) بِشَرْطِ (جُرْحِهِمَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ) عَلَى الظَّاهِرِ وَبِهِ يُفْتَى، وَعَنْ الثَّانِي يَحِلُّ بِلَا جُرْحٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (وَ) بِشَرْطِ (إرْسَالِ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ)
(وَ) بِشَرْطِ (التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ)
ــ
[رد المحتار]
الضَّرْبَ وَبَدَنُ الْكَلْبِ يَحْتَمِلُ فَيُضْرَبُ لِيَتْرُكَهُ، وَلِأَنَّ آيَةَ التَّعْلِيمِ تَرْكُ مَا هُوَ مَأْلُوفُهُ عَادَةً وَالْبَازِي مُتَوَحِّشٌ مُتَنَفِّرُ فَكَانَتْ الْإِجَابَةُ آيَةَ تَعْلِيمِهِ. أَمَّا الْكَلْبُ فَهُوَ أَلُوفٌ يَعْتَادُ الِانْتِهَابَ، فَكَانَ آيَةُ تَعْلِيمِهِ تَرْكَ مَأْلُوفِهِ وَهُوَ الْأَكْلُ وَالِاسْتِلَابُ اهـ. وَالتَّعْلِيلُ الثَّانِي لَا يَتَأَتَّى فِي الْفَهْدِ وَالنَّمِرِ فَإِنَّهُ مُتَوَحِّشٌ كَالْبَازِي مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ وَفِي الْكَلْبِ سَوَاءٌ، فَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلِ كِفَايَةٌ عَنْ الْمَبْسُوطِ، وَنَحْوُهُ فِي الْعِنَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْكَافِي: وَالْحُكْمُ فِي الْفَهْدِ وَالْكَلْبِ سَوَاءٌ اهـ أَيْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا تَرْكُ الْأَكْلِ. وَفِي الِاخْتِيَارِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ: وَالْفَهْدُ وَنَحْوُهُ يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ، وَعَادَتُهُ الِافْتِرَاسُ وَالنِّفَارُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ تَرْكُ الْأَكْلِ وَالْإِجَابَةُ جَمِيعًا، وَمِثْلُهُ فِي الدُّرِّ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ التَّعْلِيلِ الثَّانِي.
أَقُولُ: وَمُقْتَضَى اعْتِمَادِ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ تَرْجِيحُ مَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ. [تَنْبِيهٌ]
لَمْ يَذْكُرْ الْبَازِيَ بِكَمْ إجَابَةً يَصِيرُ مُعَلَّمًا؟ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْكَلْبِ، وَلَوْ قِيلَ يَصِيرُ مُعَلَّمًا بِإِجَابَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ لَهُ وَجْهٌ لِأَنَّ الْخَوْفَ يُنَفِّرُهُ بِخِلَافِ الْكَلْبِ زَيْلَعِيٌّ. قُلْت: وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا: إذَا فَرَّ الْبَازِي مِنْ صَاحِبِهِ فَدَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى حَكَمَ بِكَوْنِهِ جَاهِلًا إذَا أَجَابَ صَاحِبَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْوِلَاءِ يُحْكَمُ بِتَعَلُّمِهِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ قَبْلَهُ عَنْ الْمُحِيطِ. وَأَمَّا الْبَازِي وَمَا بِمَعْنَاهُ فَتَرْكُ الْأَكْلِ فِي حَقِّهِ لَيْسَ عَلَامَةَ تَعَلُّمِهِ بَلْ أَنْ يُجِيبَ صَاحِبَهُ إذَا دَعَاهُ، حَتَّى إذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ. قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: هَذَا إذَا أَجَابَ عِنْدَ الدَّعْوَةِ لِإِلْفِهِ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْمَعَ فِي اللَّحْمِ، أَمَّا إذَا كَانَ لَا يُجِيبُ إلَّا لِطَمَعٍ فِي اللَّحْمِ لَا يَكُونُ مُعَلَّمًا اهـ وَمِثْلُهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ إذَا دَعَوْته) أَيْ دَعَوْت الْجَارِحَ الْمَعْلُومَ مِنْ الْمَقَامِ (قَوْلُهُ وَبِشَرْطِ جُرْحِهِمَا) أَيْ ذِي النَّابِ وَالْمِخْلَبِ (قَوْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ) أَيْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي الْبَدَائِعِ الِاصْطِيَادُ بِذِي نَابٍ أَوْ مِخْلَبٍ كَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَجْرَحْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَحِلُّ. زَادَ فِي الْعِنَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِمَا وَالْفَتْوَى عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ مَا فِي الْمُتُونِ. فَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ النَّظْمِ مِنْ أَنَّ الْبَازِيَ وَالصَّقْرَ: لَوْ قَتَلَاهُ خَنْقًا حَلَّ بِالِاتِّفَاقِ مُشْكِلٌ. وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَوْ أَرْسَلَ الْكَلْبَ فَأَصَابَ الصَّيْدَ وَكَسَرَ عُنُقَهُ وَلَمْ يَجْرَحْهُ أَوْ جَثَمَ عَلَيْهِ: أَيْ جَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ وَخَنَقَهُ لَا يُؤْكَلُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا يُشْتَرَطُ الْجُرْحُ، وَالْبَازِي إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ حَلَّ وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْ اهـ. قَالَ: بَعْضُهُمْ: وَهُوَ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
أَقُولُ: يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، فَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ حَمْلِهِ كَلَامَ الْخَانِيَّةِ عَلَى مَا فِي النَّظْمِ وَرَدَّهُ قَوْلَ ذَلِكَ الْبَعْضِ فِيهِ نَظَرٌ، لِمَا عَلِمْت مِنْ مُخَالَفَةِ مَا فِي النَّظْمِ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْمُفْتَى بِهِ تَأَمَّلْ. وَذَكَرَ الْقُهُسْتَانِيُّ أَنَّ الْإِدْمَاءَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ إنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ صَغِيرَةً، وَفِيهِ كَلَامٌ سَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَبِشَرْطِ إرْسَالِ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ) سَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ وَهُوَ الْمَجُوسِيُّ وَالْوَثَنِيُّ وَالْمُرْتَدُّ، فَلَوْ انْفَلَتَ مِنْ صَاحِبِهِ فَأَخَذَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُعْلَمْ بِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ أَحَدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْطَعْ بِوُجُودِ الشَّرْطِ قُهُسْتَانِيٌّ وَسَيَأْتِي
(قَوْلُهُ وَبِشَرْطِ التَّسْمِيَةِ) أَيْ مِمَّنْ يَعْقِلُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَكْرَانَ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ عِنْدَ الْإِرْسَالِ) فَالشَّرْطُ اقْتِرَانُ التَّسْمِيَةِ بِهِ، فَلَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا عِنْدَ الْإِرْسَالِ ثُمَّ زَجَرَهُ مَعَهَا فَانْزَجَرَ لَمْ يُؤْكَلْ صَيْدُهُ قُهُسْتَانِيٌّ، فَلَا تُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ وَقْتَ الْإِصَابَةِ فِي الذَّكَاةِ
стр. 3908
وَلَوْ حُكْمًا، فَالشَّرْطُ عَدَمُ تَرْكِهَا عَمْدًا (عَلَى حَيَوَانٍ مُمْتَنِعٍ) أَيْ قَادِرٍ عَلَى الِامْتِنَاعِ بِقَوَائِمِهِ أَوْ بِجَنَاحَيْهِ (مُتَوَحِّشٍ) فَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الشَّبَكَةِ أَوْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ أَوْ اسْتَأْنَسَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ وَلِذَا قَالَ (يُؤْكَلُ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صَيْدِ الْأَكْلِ وَإِنْ حَلَّ صَيْدُ غَيْرِهِ كَمَا سَيَجِيءُ، أَوْ أَعَمُّ لِحِلِّ الِانْتِفَاعِ بِالْجِلْدِ مَثَلًا كَمَا يَأْتِي فَتَأَمَّلْ
(وَ) بِشَرْطِ (أَنْ لَا يُشْرِكَ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ كَلْبٌ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ كَكَلْبٍ) غَيْرِ مُعَلَّمٍ وَكَلْبِ (مَجُوسِيٍّ) أَوْ لَمْ يُرْسَلْ أَوْ لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ (وَ) بِشَرْطِ أَنْ (لَا تَطُولَ وَقْفَتُهُ بَعْدَ إرْسَالِهِ) لِيَكُونَ الِاصْطِيَادُ مُضَافًا لِلْإِرْسَالِ
ــ
[رد المحتار]
الِاضْطِرَارِيَّةِ، بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَقَعُ فِيهَا عَلَى الْمَذْبُوحِ لَا عَلَى الْآلَةِ، فَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً وَسَمَّى ثُمَّ أَرْسَلَهَا وَذَبَحَ أُخْرَى بِالتَّسْمِيَةِ الْأُولَى لَمْ تُجْزِهِ، وَلَوْ رَمَى صَيْدًا أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبًا فَأَصَابَ آخَرَ فَقَتَلَهُ أُكِلَ، وَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً وَسَمَّى ثُمَّ أَلْقَى السِّكِّينَ وَأَخَذَ سِكِّينًا أُخْرَى فَذَبَحَ بِهَا تُؤْكَلُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ سَمَّى عَلَى سَهْمٍ ثُمَّ رَمَى بِغَيْرِهِ وَتَمَامُهُ فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَلَوْ حُكْمًا) رَاجِعٌ إلَى التَّسْمِيَةِ وَقَصَدَ بِهِ إدْخَالَ النَّاسِي فِي حُكْمِ الْمُسَمِّي ط.
(قَوْلُهُ عَلَى حَيَوَانٍ) وَلَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَلَوْ أَرْسَلَ عَلَى صَيْدٍ وَأَخَذَ صَيُودًا أَكَلَ لِكُلٍّ مَا دَامَ فِي وَجْهِ الْإِرْسَالِ قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى صَيُودٍ كَثِيرَةٍ كَمَا يَأْتِي، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ مِنْ الشُّرُوطِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْإِرْسَالُ أَوْ الرَّمْيُ عَلَى الصَّيْدِ أَوْ إلَيْهِ قَالَ: حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ عَلَى غَيْرِ صَيْدٍ أَوْ رَمَى إلَى غَيْرِ صَيْدٍ فَأَصَابَ صَيْدًا لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ اصْطِيَادًا فَلَا يُضَافُ إلَى الْمُرْسِلِ أَوْ الرَّامِي اهـ وَسَيَأْتِي تَمَامُ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَمِعَ حِسَّ إنْسَانٍ إلَخْ، وَعَلَيْهِ فَالظَّرْفُ تُنَازِعُهُ كُلٌّ مِنْ التَّسْمِيَةِ وَالْإِرْسَالِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ مُتَوَحِّشٌ) أَيْ طَبْعًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: رَمَى إلَى بُرْجِ الْحَمَامِ فَأَصَابَ حَمَامًا وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ لَا يَحِلُّ، وَلِلْمَشَايِخِ فِيهِ كَلَامٌ أَنَّهُ هَلْ يَحِلُّ بِذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ أَمْ لَا: قِيلَ يُبَاحُ لِأَنَّهُ صَيْدٌ، وَقِيلَ لَا لِأَنَّهُ يَأْوِي إلَى الْبُرْجِ فِي اللَّيْلِ اهـ (قَوْلُهُ فَاَلَّذِي إلَخْ) مُحْتَرَزُ الْقُيُودِ (قَوْلُهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ) أَيْ الْحِلُّ بِالِاصْطِيَادِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ ذَكَاتُهُمَا الذَّبْحُ، وَكَذَا الثَّانِي إنْ أَمْكَنَ ذَبْحُهُ، وَإِلَّا فَفِي الْبَدَائِعِ: مَا وَقَعَ فِي بِئْرٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إخْرَاجِهِ وَلَا ذَبْحِهِ فَذَكَاةُ الصَّيْدِ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَاهُ اهـ.
وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الذَّبَائِحِ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْجُرْحُ كَنَعَمٍ تَوَحَّشَ. إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْكَلَامَ الْآنَ فِي الصَّيْدِ بِذِي نَابٍ أَوْ مِخْلَبٍ وَذَا لَا يُمْكِنُ هُنَا وَإِنْ أَمْكَنَ ذَكَاتُهُ بِسَهْمٍ وَنَحْوِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلِذَا قَالَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ مَا ذُكِرَ لَا يَحِلُّ بِالِاصْطِيَادِ بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الذَّبْحِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّيْدِ مَا يُؤْكَلُ أَوْ أَعَمُّ لِلِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ، وَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ بِالِاصْطِيَادِ لَا لِلْأَكْلِ وَلَا لِلِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ، لِأَنَّ حِلَّ اللَّحْمِ أَوْ الْجِلْدِ بِالِاصْطِيَادِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ تُمْكِنْ الذَّكَاةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَمَا ذُكِرَ أَمْكَنَتْ فِيهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الِامْتِنَاعِ أَوْ التَّوَحُّشِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يَشْرَكَ إلَخْ) أَيْ لَا يَشْرَكَهُ فِي الْجُرْحِ. وَحَاصِلُ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُشَارِكَ الْمُعَلَّمَ غَيْرُ الْمُعَلَّمِ فِي الْأَخْذِ وَالْجُرْحِ فَلَا يَحِلُّ، أَوْ فِي الْأَخْذِ فَقَطْ بِأَنْ فَرَّ مِنْ الْأَوَّلِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ الثَّانِي وَلَمْ يَجْرَحْهُ وَمَاتَ بِجُرْحِ الْأَوَّلِ كُرِهَ أَكْلُهُ تَحْرِيمًا فِي الصَّحِيحِ، وَقِيلَ تَنْزِيهًا، بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ مَجُوسِيٌّ بِنَفْسِهِ حَيْثُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَجُوسِيِّ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ فِعْلِ الْكَلْبِ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُشَارَكَةُ، بِخِلَافِ فِعْلِ الْكَلْبَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَرُدَّهُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، لَكِنْ اشْتَدَّ عَلَى الْأَوَّلِ فَاشْتَدَّ الْأَوَّلُ عَلَى الصَّيْدِ بِسَبَبِهِ فَقَتَلَهُ الْأَوَّلُ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ وَلَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ سَبُعٌ أَوْ ذُو مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ مِمَّا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ وَالِاصْطِيَادُ بِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ رَدَّهُ الْكَلْبُ عَلَيْهِ لِلْمُجَانَسَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ مَا لَا يُصْطَادُ بِهِ كَالْجَمَلِ وَالْبَقَرِ ثُمَّ الْبَازِي كَالْكَلْبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا (قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يُرْسِلْ إلَخْ) الْعَطْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَلَّمٍ، فَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَكَلْبُ مَجُوسِيٍّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَبِشَرْطِ أَنْ لَا تَطُولَ وَقْفَتُهُ) أَيْ وَقْفَةُ الْمُعَلَّمِ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَلَوْ أَكَلَ خُبْزًا بَعْدَ الْإِرْسَالِ أَوْ بَالَ لَمْ يُؤْكَلْ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِعَمَلٍ آخَرَ بَعْدَ الْإِرْسَالِ كَمَا فِي النَّظْمِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ عَدَمَ الطُّولِ أَمْرٌ غَيْرُ
стр. 3909
(بِخِلَافِ مَا إذَا كَمَنَ) وَاسْتَخْفَى (كَالْفَهْدِ) أَيْ كَمَا يَكْمُنُ الْفَهْدُ عَلَى وَجْهِ الْحِيلَةِ لَا لِلِاسْتِرَاحَةِ. وَلِلْفَهْدِ خِصَالٌ حَسَنَةٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ عَاقِلٍ الْعَمَلُ بِهَا كَمَا بَسَطَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْبَازِي أُكِلَ لِأَنَّ تَعْلِيمَهُ لَيْسَ بِتَرْكِ أَكْلِهِ.
(وَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ) وَنَحْوُهُ (لَا) يُؤْكَلُ مُطْلَقًا عِنْدَنَا (كَأَكْلِهِ مِنْهُ) أَيْ كَمَا لَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ الَّذِي أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْهُ (بَعْدَ تَرْكِهِ) لِلْأَكْلِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) لِأَنَّهُ عَلَامَةُ الْجَهْلِ (وَكَذَا) لَا يَأْكُلُ (مَا صَادَ بَعْدَهُ حَتَّى يَتَعَلَّمَ) ثَانِيًا بِتَرْكِ الْأَكْلِ ثَلَاثًا (أَوْ) مَا صَادَهُ (قَبْلَهُ لَوْ بَقِيَ فِي مِلْكِهِ) فَإِنَّ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الصَّيْدِ لَا تَظْهَرُ فِيهِ الْحُرْمَةُ اتِّفَاقًا لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، وَفِيهِ إشْكَالٌ ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ
ــ
[رد المحتار]
مَضْبُوطٍ قُهُسْتَانِيٌّ، وَلَوْ عَدَلَ عَنْ الصَّيْدِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً أَوْ تَشَاغَلَ فِي غَيْرِ طَلَبِ الصَّيْدِ وَفَتَرَ عَنْ سُنَنِهِ ثُمَّ اتَّبَعَهُ فَأَخَذَهُ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِإِرْسَالٍ مُسْتَأْنَفٍ أَوْ أَنْ يَزْجُرَهُ صَاحِبُهُ وَيُسَمِّي فِيمَا يَحْتَمِلُ الزَّجْرَ فَيَنْزَجِرُ بَدَائِعُ، وَإِذَا رَدَّ السَّهْمَ رِيحٌ إلَى وَرَائِهِ أَوْ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً فَأَصَابَ صَيْدًا لَا يَحِلُّ، وَكَذَا لَوْ رَدَّهُ حَائِطٌ أَوْ شَجَرَةٌ، وَتَمَامُهُ فِي الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَمَنَ) عَلَى وَزْنِ نَصَرَ وَسَمِعَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَوْلُهُ وَاسْتَخْفَى عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَهَذَا كَالِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ كَمَا بَسَطَهُ الْمُصَنِّفُ) وَنَصُّهُ: قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ نَاقِلًا عَنْ شَيْخِهِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لِلْفَهْدِ خِصَالٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ: مِنْهَا أَنَّهُ يَكْمُنُ لِلصَّيْدِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْهُ وَهَذِهِ حِيلَةٌ مِنْهُ لِلصَّيْدِ فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يُجَاهِرَ عَدُوَّهُ بِالْخِلَافِ وَلَكِنْ يَطْلُبُ الْفُرْصَةَ حَتَّى يُحَصِّلَ مَقْصُودَهُ مِنْ غَيْرِ إتْعَابِ نَفْسِهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّمُ بِالضَّرْبِ وَلَكِنْ يُضْرَبُ الْكَلْبُ بَيْنَ يَدَيْهِ إذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ فَيَتَعَلَّمُ بِذَلِكَ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَّعِظَ بِغَيْرِهِ كَمَا قِيلَ: السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْخَبِيثَ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ مِنْ صَاحِبِهِ اللَّحْمَ الطَّيِّبَ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ إلَّا الطَّيِّبَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَثِبُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا فَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَخْذِهِ تَرَكَ وَيَقُولُ لَا أَقْتُلُ نَفْسِي فِيمَا أَعْمَلُ لِغَيْرِي، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ عَاقِلٍ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَكَلَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ بِشَرْطِ عِلْمِهِمَا إلَخْ
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا عِنْدَنَا) أَيْ سَوَاءً كَانَ نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِيمَا إذَا كَانَ نَادِرًا؛ فَفِي قَوْلٍ يَحْرُمُ، وَفِي قَوْلٍ يَحِلُّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَتَمَامُهُ فِي الْمِنَحِ (قَوْلُهُ بَعْدَ تَرْكِهِ لِلْأَكْلِ) اللَّامُ لِلتَّقْوِيَةِ وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى مَعْمُولِ عَامِلٍ ضَعُفَ بِالتَّأْخِيرِ أَوْ فَرْعِيَّتُهُ عَنْ غَيْرِهِ نَحْوَ - ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]- ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]- (قَوْلُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَيْ عِنْدَهُمَا وَبِرَأْيِ الصَّائِدِ عِنْدَهُ ط (قَوْلُهُ مَا صَادَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْأَكْلِ الْمَذْكُورِ الَّذِي هُوَ بَعْدَ تَرْكِهِ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَكَذَا الضَّمِيرُ فِي قَبْلَهُ (قَوْلُهُ لَوْ بَقِيَ فِي مِلْكِهِ) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ أَوْ قَبْلَهُ، وَشَمِلَ مَا لَمْ يُحْرَزْ بِأَنْ كَانَ فِي الْمَفَازَةِ بَعْدُ وَالْحُرْمَةُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ أَوْ أَحْرَزَهُ فِي بَيْتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَحْرُمُ، وَتَمَامُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِمَامَ حَكَمَ بِجَهْلِ الْكَلْبِ مُسْتَنِدًا وَهُمَا بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا أَكَلَ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ عِنَايَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ الزَّادِ (قَوْلُهُ فَإِنَّ مَا أَتْلَفَهُ) أَيْ بِالْأَكْلِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ لَوْ بَقِيَ فِي مِلْكِهِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَأَمَّا مَا بَاعَهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يُنْقَضُ الْبَيْعُ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْقَضَ إذَا تَصَادَقَ مَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى جَهْلِ الْكَلْبِ (قَوْلُهُ وَفِيهِ إشْكَالٌ ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ) حَيْثُ قَالَ: وَهَاهُنَا إشْكَالٌ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي الْوُجُودَ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَحْكُمُ بِحُرِّيَّةِ الْأَمَةِ الْمَيِّتَةِ عِنْدَ دَعْوَى الْوَلَدِ حُرِّيَّتَهَا اهـ. وَصُورَتُهَا فِيمَا ظَهَرَ لِي أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ بِنِكَاحٍ فَادَّعَى رَجُلٌ بَعْدَ مَوْتِهَا أَنَّهَا أَمَتُهُ زَوَّجَهَا مِنْ أَبِي الْوَلَدِ فَأَثْبَتَ الْوَلَدُ حُرِّيَّتَهَا تَثْبُتُ وَيَنْدَفِعُ عَنْهُ الرِّقُّ تَأَمَّلْ. وَعَلَيْهِ فَلَا يَظْهَرُ مَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهَا بِالْحُرِّيَّةِ إنَّمَا سَرَى إلَيْهَا بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي دَعْوَى النَّسَبِ فَيَعْتِقُ فَتَتْبَعُهُ أُمُّ الْوَلَدِ، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا لَا قَصْدًا اهـ مُلَخَّصًا.
стр. 3910
(كَصَقْرٍ فَرَّ مِنْ صَاحِبِهِ فَمَكَثَ حِينًا ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَأَرْسَلَهُ) فَصَادَ لَمْ يُؤْكَلْ لِتَرْكِهِ مَا صَارَ بِهِ مُعَلَّمًا فَيَكُونُ كَالْكَلْبِ إذَا أَكَلَ.
(وَلَوْ أَخَذَ) الصَّيَّادُ (الصَّيْدَ مِنْ الْكَلْبِ وَقَطَعَ مِنْهُ بَضْعَةً وَأَلْقَاهَا إلَيْهِ فَأَكَلَهَا أَوْ خَطَفَ الْكَلْبُ مِنْهُ وَأَكَلَهُ أَكَلَ مَا بَقِيَ؛ كَمَا لَوْ شَرِبَ الْكَلْبُ مِنْ دَمِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ غَايَةِ عِلْمِهِ.
(وَلَوْ نَهَشَ الصَّيْدَ فَقَطَعَ مِنْهُ بِضْعَةً فَأَكَلَهَا ثُمَّ أَدْرَكَهُ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لَا يُؤْكَلُ) لِأَكْلِهِ حَالَةَ الِاصْطِيَادِ. (وَلَوْ أَلْقَى مَا نَهَشَهُ وَاتَّبَعَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حَتَّى أَخَذَهُ صَاحِبُهُ ثُمَّ أَكَلَ مَا أَلْقَى حَلَّ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَوْ أَكَلَ مِنْ نَفْسِ الصَّيْدِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا مَرَّ.
(وَإِذَا أَدْرَكَ) الْمُرْسِلُ أَوْ الرَّامِي (الصَّيْدَ حَيًّا) بِحَيَاةٍ فَوْقَ مَا فِي الْمَذْبُوحِ (ذَكَّاهُ) وُجُوبًا (وَشُرِطَ لِحِلِّهِ بِالرَّمْيِ التَّسْمِيَةُ) وَلَوْ حُكْمًا كَمَا مَرَّ (وَ) شُرِطَ (الْجُرْحُ) لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الذَّكَاةِ (وَ) شُرِطَ (أَنْ لَا يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ لَوْ غَابَ) الصَّيْدُ (مُتَحَامِلًا بِسَهْمِهِ) فَمَا دَامَ فِي طَلَبِهِ يَحِلُّ، وَإِنْ قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ ثُمَّ أَصَابَهُ مَيِّتًا لَا لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ: وَشَرَطَ فِي الْخَانِيَّةِ لِحِلِّهِ أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ، وَفِيهِ كَلَامٌ مَبْسُوطٌ فِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ.
ــ
[رد المحتار]
نَعَمْ يَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ ادَّعَى الْمَوْلَى أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ أَمَتِهِ الْمَيِّتَةِ تَأَمَّلْ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ بِأَنَّهُ لَا ثَمَرَةَ يَتَرَتَّبُ عَلَى ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ، وَمَا قِيلَ الثَّمَرَةُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ لَوْ بَاعَهُ وَالرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ أَوْ لُزُومُ التَّوْبَةِ، فَفِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْفَائِتِ بِنَحْوِ الْأَكْلِ، وَمَسْأَلَةُ الْبَيْعِ خِلَافِيَّةٌ كَمَا مَرَّ، وَهَذِهِ وِفَاقِيَّةٌ وَلَمْ يَكُنْ الْأَكْلُ مَعْصِيَةً قَبْلَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ حَتَّى تَلْزَمَ التَّوْبَةُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَصَقْرٍ فَرَّ مِنْ صَاحِبِهِ) بِأَنْ صَارَ لَا يُجِيبُ إذَا دَعَاهُ كَمَا يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ (قَوْلُهُ فَيَكُونُ كَالْكَلْبِ إذَا أَكَلَ) فَلَا يَحِلُّ صَيْدُهُ حَتَّى يَتَعَلَّمَ ثَانِيًا بِأَنْ يُجِيبَ صَاحِبَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى الْوِلَاءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة
(قَوْلُهُ أَكَلَ مَا بَقِيَ) لِأَنَّهُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ لَمْ يَبْقَ صَيْدًا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ لِبَقَاءِ جِهَةِ الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ أَفَادَهُ الزَّيْلَعِيُّ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مِنْ غَايَةِ عِلْمِهِ) حَيْثُ شَرِبَ مَا لَا يَصْلُحُ لِصَاحِبِهِ وَأَمْسَكَ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ لَهُ زَيْلَعِيٌّ
(قَوْلُهُ وَلَوْ نَهَشَ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَوْ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ: وَهُوَ أَخْذُ اللَّحْمِ بِمُقَدَّمِ الْأَسْنَانِ
(قَوْلُهُ وَإِذَا أَدْرَكَ الْمُرْسِلُ) أَيْ مُرْسِلُ الْكَلْبِ أَوْ الْبَازِي، وَقَوْلُهُ أَوْ الرَّامِي: أَيْ رَامِي سَهْمٍ وَنَحْوِهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي إسْقَاطُ هَذَا كُلِّهِ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُهُ مَبْسُوطًا (قَوْلُهُ وَشُرِطَ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي أَحْكَامِ الْآلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ آلَتَيْ الِاصْطِيَادِ، لِأَنَّهَا إمَّا حَيَوَانِيَّةٌ أَوْ جَمَادِيَّةٌ (قَوْلُهُ التَّسْمِيَةُ) أَيْ عِنْدَ الرَّمْيِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ وَلَوْ حُكْمًا) كَالنَّاسِي (قَوْلُهُ وَشُرِطَ الْجُرْحُ) فَلَوْ دَقَّهُ السَّهْمُ لَمْ يُؤْكَلْ لِفَقْدِ الذَّكَاةِ، وَفِي خُرُوجِ الدَّمِ الْخِلَافُ السَّابِقُ أَفَادَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ ط (قَوْلُهُ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الذَّكَاةِ) أَيْ التَّطْهِيرِ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ الَّذِي أُقِيمَ الْجُرْحُ مَقَامَهُ ط (قَوْلُهُ وَشُرِطَ أَنْ لَا يَقْعُدَ) أَيْ الْمُرْسِلُ أَوْ الرَّامِي الصَّيْدِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ بَدَائِعُ: أَيْ كَخَادِمِهِ أَوْ رَفِيقِهِ (قَوْلُهُ مُتَحَامِلًا) التَّحَامُلُ فِي الْمَشْيِ: أَنْ يَتَكَلَّفَهُ عَلَى مَشَقَّةٍ وَإِعْيَاءٍ، وَمِنْهُ تَحَامَلَ الصَّيْدُ: أَيْ تَكَلَّفَ الطَّيَرَانَ مُغْرِبٌ.
وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ أَنَّهُ لَوْ غَابَ وَتَوَارَى بِدُونِهِ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَعْلَمْ جُرْحَهُ يَقِينًا مِعْرَاجٌ (قَوْلُهُ يَحِلُّ) أَيْ إلَّا إذَا وَجَدَ بِهِ جِرَاحَةً سِوَى جِرَاحَةِ سَهْمِهِ فَلَا يَحِلُّ هِدَايَةٌ، وَتَمَامُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ (قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ) هَذَا الِاحْتِمَالُ مَوْجُودٌ أَيْضًا فِيمَا إذَا لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ لَكِنَّهُ سَقَطَ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَمُفَادُهُ كَظَاهِرِ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ (قَوْلُهُ وَفِيهِ كَلَامٌ مَبْسُوطٌ فِي الزَّيْلَعِيِّ) حَيْثُ ذَكَرَ أَوَّلًا عِبَارَةَ الْخَانِيَّةِ، وَذَكَرَ أَنَّهَا نَصٌّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ وَأَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِأَوَّلِ كَلَامِهِ، حَيْثُ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الطَّلَبِ وَعَدَمِهِ لَا عَلَى التَّوَارِي وَعَدَمِهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ كُتُبِ أَصْحَابِنَا لِقَوْلِهِ ﵊ لِأَبِي ثَعْلَبَةَ: «إذَا رَمَيْت سَهْمَك فَغَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَدْرَكْته فَكُلْهُ مَا لَمْ يَنْتُنْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَرُوِيَ " أَنَّهُ
стр. 3911
(فَإِنْ أَدْرَكَهُ الرَّامِي أَوْ الْمُرْسِلُ حَيًّا ذَكَّاهُ) وُجُوبًا فَلَوْ تَرَكَهَا حَرُمَ وَسَيَجِيءُ (وَالْحَيَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ هُنَا مَا) يَكُونُ (فَوْقَ ذَكَاةِ الْمَذْبُوحِ) بِأَنْ يَعِيش يَوْمًا، وَرُوِيَ أَكْثَرَهُ مَجْمَعٌ. أَمَّا مِقْدَارُهَا وَهُوَ مَا لَا يُتَوَهَّمُ بَقَاؤُهُ كَمَا فِي الْمُلْتَقَى يُعْتَبَرُ هَاهُنَا، حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ لَمْ يَحْرُمْ.
ــ
[رد المحتار]
﵊ «كَرِهَ أَكْلَ الصَّيْدِ إذَا غَابَ عَنْ الرَّامِي وَقَالَ: لَعَلَّ هَوَامَّ الْأَرْضِ قَتَلَتْهُ» فَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَا إذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ وَالْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْعُدْ اهـ مُلَخَّصًا.
وَأَقُولُ: نَصُّ عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ هَكَذَا: وَالسَّابِعُ أَنْ لَا يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ أَوْ لَا يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ فَيَكُونَ فِي طَلَبِهِ وَلَا يَشْتَغِلُ بِعَمَلٍ آخَرَ حَتَّى يَجِدَهُ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ رُبَّمَا يَكُونُ مَوْتُ الصَّيْدِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَا يَحِلُّ إلَخْ. فَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ جَعَلَ الشَّرْطَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا عَدَمَ التَّوَارِي، أَوْ عَدَمَ الْقُعُودِ لِتَعْبِيرِهِ بِأَوْ، فَلَعَلَّ نُسْخَةَ الزَّيْلَعِيِّ بِالْوَاوِ فَقَالَ مَا قَالَ. وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ إذَا غَابَ إلَخْ أَيْ مَعَ الْقُعُودِ عَنْ طَلَبِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْخَانِيَّةِ بَعْدَهُ: وَإِذَا تَوَارَى الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ عَنْ الْمُرْسِلِ أَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَوَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ لَيْسَ فِيهِ جُرْحٌ آخَرُ حَلَّ أَكْلُهُ إذَا لَمْ يَتْرُكْ الطَّلَبَ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْ التَّوَارِي عَلَى الْبَصَرِ فَيَكُونُ عَفْوًا اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْهِدَايَةِ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ مَا أَوْهَمَ خِلَافَهُ عَلَيْهِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ: وَمِنْهَا أَنْ يَلْحَقَهُ قَبْلَ التَّوَارِي عَنْ بَصَرِهِ أَوْ قَبْلَ انْقِطَاعِ الطَّلَبِ، فَإِنْ تَوَارَى عَنْهُ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ لَمْ يُؤْكَلْ، أَمَّا إذَا لَمْ يَتَوَارَ عَنْهُ أَوْ تَوَارَى وَلَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ أُكِلَ اسْتِحْسَانًا اهـ وَهَذَا يُعَيِّنُ أَنَّ نُسْخَةَ الْخَانِيَّةِ بِأَوْ لَا بِالْوَاوِ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ. [تَنْبِيهٌ]
فِيمَا ذُكِرَ إشْعَارٌ بِأَنَّ مُدَّةَ الطَّلَبِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِنِصْفِ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِنْ طَلَبَهُ أَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يَأْكُلْ. وَفِي الزِّيَادَاتِ إنْ طَلَبَهُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ أُكِلَ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ قُهُسْتَانِيٌّ، [فُرُوعٌ]
فِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ: رَمَى طَيْرًا فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ وَكَانَ لَوْ دَخَلَهُ بِخُفِّهِ أَدْرَكَهُ فَاشْتَغَلَ بِنَزْعِهِ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا حَرَّمَهُ بَدِيعُ الدِّينِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحِلُّ لِأَنَّ دُخُولَهُ مَعَ الْخُفِّ إضَاعَةُ مَالٍ وَخِلَافُ الْعَادَةِ فَصَارَ كَنَزْعِ الثِّيَابِ. قَالَ السَّائِحَانِيُّ: هَذَا إذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةُ غَيْرِ الْمَذْبُوحِ وَإِلَّا فَلَا تُعْتَبَرُ، وَلَوْ نَصَبَ شَبَكَةً أُحْبُولَةً وَسَمَّى وَوَقَعَ بِهَا صَيْدٌ وَمَاتَ مَجْرُوحًا لَا يَحِلُّ، وَلَوْ كَانَ بِهَا آلَةٌ جَارِحَةٌ كَمِنْجَلٍ وَسَمَّى عَلَيْهِ وَجَرَحَهُ حَلَّ عِنْدَنَا، كَمَا لَوْ رَمَاهُ بِهَا. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَضَعَ مِنْجَلًا فِي الصَّحْرَاءِ لِصَيْدِ حِمَارِ الْوَحْشِ فَجَاءَهُ فَإِذَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَهُوَ مَيِّتٌ وَكَانَ سَمَّى عِنْدَ الْوَضْعِ لَا يَحِلُّ. قَالَ الْمَقْدِسِيَّ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ اهـ وَفِيهِ كَلَامٌ قَدَّمْنَاهُ فِي الذَّبَائِحِ (قَوْلُهُ وَالْحَيَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ هُنَا) أَيْ فِي الصَّيْدِ احْتِرَازًا عَمَّا يَأْتِي مِنْ الْمُتَرَدِّيَةِ وَنَحْوِهَا (قَوْلُهُ فَوْقَ ذَكَاةِ الْمَذْبُوحِ) صَوَابُهُ حَيَاةُ الْمَذْبُوحِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْمُلْتَقَى (قَوْلُهُ بِأَنْ يَعِيشَ يَوْمًا إلَخْ) أَقُولُ. ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ ذَلِكَ فِي الْمُنْخَنِقَةِ وَنَحْوِهَا. وَعِبَارَتُهُ مَعَ شَرْحِهِ: وَلَوْ ذَكَّى الْمُنْخَنِقَةَ أَوْ الْمَوْقُوذَةَ وَبِهَا حَيَاةٌ حَلَّتْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَكَوْنُهَا بِحَيْثُ تَبْقَى يَوْمًا شَرْطٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَعْتَبِرُ أَبُو يُوسُفَ أَكْثَرَ الْيَوْمِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ فِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا فِي الْمَذْبُوحِ تُؤْكَلُ وَإِلَّا فَلَا اهـ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مُفَسَّرًا فَقَالَ: عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهَا إلَّا اضْطِرَابُ الْمَوْتِ فَذَبَحَهَا لَا تَحِلُّ وَإِنْ كَانَتْ تَعِيشُ مُدَّةً كَالْيَوْمِ أَوْ كَنِصْفِهِ حَلَّتْ اهـ. وَبِهِ يَظْهَرُ تَفْسِيرُ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ وَمَا فَوْقَهَا. أَمَّا مَا فِي الْمَجْمَعِ فَلَيْسَ تَفْسِيرًا لَهَا تَأَمَّلْ. عَلَى أَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ هُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ. وَذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الْحَيَاةِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهَا تَعِيشُ بِهِ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ فَذَبَحَهَا لَا تُؤْكَلُ (قَوْلُهُ أَمَّا مِقْدَارُهَا) أَيْ مِقْدَارُ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ (قَوْلُهُ فَلَا يُعْتَبَرُ هَاهُنَا) أَيْ فِي الصَّيْدِ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: أَمَّا إذَا شَقَّ الْكَلْبُ بَطْنَهُ وَأَخْرَجَ مَا فِيهِ ثُمَّ وَقَعَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ حَلَّ، لِأَنَّ مَا بَقِيَ اضْطِرَابُ الْمَذْبُوحِ فَلَا يُعْتَبَرُ، كَمَا إذَا وَقَعَتْ شَاةٌ فِي الْمَاءِ بَعْدَمَا ذُبِحَتْ اهـ.
стр. 3912
(وَ) الْمُعْتَبَرُ (فِي الْمُتَرَدِّيَةِ وَأَخَوَاتِهَا) كَنَطِيحَةٍ وَمَوْقُوذَةٍ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ (وَالْمَرِيضَةُ) مُطْلَقُ (الْحَيَاةِ وَإِنْ قَلَّتْ) كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ (وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) وَتَقَدَّمَ فِي الذَّبَائِحِ (فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ الذَّكَاةَ (عَمْدًا) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا (فَمَاتَ) حَرُمَ، وَكَذَا يَحْرُمُ لَوْ عَجَزَ عَنْ التَّذْكِيَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَحِلُّ
ــ
[رد المحتار]
وَفِي الْخَانِيَّةِ: أَرْسَلَ كَلْبَهُ الْمُعَلَّمَ عَلَى صَيْدٍ فَجَرَحَهُ وَبَقِيَ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ مَا يَبْقَى فِي الْمَذْبُوحِ بَعْدَ الذَّبْحِ فَأَخَذَهُ الْمَالِكُ وَلَمْ يُذَكِّهِ حَلَّ أَكْلُهُ اهـ. زَادَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: يَحِلُّ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَقَعَ ذَكَاةً فَيَسْتَغْنِي عَنْ ذَكَاةٍ أُخْرَى اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا فِيهِ حَيَاةُ الْمَذْبُوحِ لَمْ يَبْقَ قَابِلًا لِلذَّكَاةِ اسْتِغْنَاءً بِالذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ، حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَمَاتَ لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّ مَوْتَهُ لَمْ يُضَفْ إلَى وُقُوعِهِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ قَبْلَهُ فَلَمْ تُعْتَبَرْ هَذِهِ الْحَيَاةُ، بِخِلَافِ الْمُتَرَدِّيَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ فِيهَا الْحَيَاةُ وَإِنْ قَلَّتْ فَتَحِلُّ بِالذَّكَاةِ. فَظَهَرَ أَنَّ بَيْنَ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ فَرْقًا. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَكَاةِ الصَّيْدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَوْ لَا. وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّهُ إنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ فَلَمْ يَذْبَحْهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُؤْكَلْ سَوَاءٌ كَانَتْ الْحَيَاةُ فِيهِ بَيِّنَةً أَوْ خَفِيَّةً؛ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ، فَإِنْ كَانَتْ فَوْقَ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ مِقْدَارَهَا أُكِلَ. اهـ مُلَخَّصًا. وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يُحْمَلَ مَا قَدَّمْنَا عَنْ الْخَانِيَّةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ. وَيُخَالِفُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَا فِي الزَّيْلَعِيِّ حَيْثُ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: إذَا أَدْرَكَهُ حَيًّا وَلَمْ يُذَكِّهِ حَرُمَ إنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ وَإِلَّا فَلَوْ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ قَدْرُ مَا فِي الْمَذْبُوحِ، بِأَنْ بَقَرَ أَيْ الْكَلْبُ بَطْنَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُضْطَرِبًا اضْطِرَابَ الْمَذْبُوحِ فَحَلَالٌ.
قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ بِالْإِجْمَاعِ، وَقِيلَ هَذَا قَوْلُهُمَا. وَعِنْدَهُ لَا يَحِلُّ إلَّا إذَا ذَكَّاهُ لِأَنَّ الْحَيَاةَ الْخَفِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْمُتَرَدِّيَةِ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ فَوْقَ مَا فِي الْمَذْبُوحِ لَا يُؤْكَلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ اهـ. ثُمَّ قَالَ: فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَتْ خَفِيَّةً أَوْ بَيِّنَةً بِجُرْحِ الْمُعَلَّمِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ السِّبَاعِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى - ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]- فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ حَيٍّ مُطْلَقًا، وَكَذَا قَوْلُهُ ﵊ «فَإِنْ أَدْرَكْته حَيًّا فَاذْبَحْهُ» مُطْلَقٌ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ اهـ وَهُوَ تَرْجِيحٌ لِمُقَابِلِ قَوْلِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ. وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّازِيّ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ رَجَّحَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَاةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الصَّيْدَ وَفِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ كَمَا فِي الْمَذْبُوحِ وَلَمْ يُذَكِّهِ، فَعَلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ يَحِلُّ، وَعَلَى مَا فِي الْعِنَايَةِ يَحِلُّ إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ، وَعَلَى مَا فِي الزَّيْلَعِيِّ لَا يَحِلُّ أَصْلًا إلَّا بِالذَّكَاةِ كَمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ أَوْ كَانَ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ فَوْقَ مَا فِي الْمَذْبُوحِ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ. وَحَكَى فِي الْبَدَائِعِ الْأَوَّلَ عَنْ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَالثَّالِثَ عَنْ الْجَصَّاصِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فَمَا إذَا أَدْرَكَهُ وَأَخَذَهُ، فَلَوْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَإِنْ كَانَ وَقْتَ لَوْ أَخَذَهُ أَمْكَنَهُ ذَبْحُهُ لَمْ يُؤْكَلْ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أُكِلَ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ فِي الْمُتَرَدِّيَةِ) أَيْ الْوَاقِعَةِ فِي بِئْرٍ أَوْ مِنْ جَبَلٍ وَالنَّطِيحَةِ: الْمَقْتُولَةُ بِنَطْحِ أُخْرَى. وَالْمَوْقُوذَةُ: الْمَقْتُولَةُ ضَرْبًا (قَوْلُهُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ) أَيْ مِنْ تَقْيِيدِهِ مَا مَرَّ بِقَوْلِهِ هُنَا (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) أَيْ فَتَحِلُّ بِالذَّكَاةِ وَكَذَا الْفَتْوَى عَلَى اعْتِبَارِ مُطْلَقِ الْحَيَاةِ فِي الصَّيْدِ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ (قَوْلُهُ فَإِنْ تَرَكَهَا أَيْ الذَّكَاةَ) أَيْ ذَكَاةَ الصَّيْدِ، وَقَوْلُهُ حَرُمَ جَوَابُ الشَّرْطِ مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ لَكِنَّهُ لِبُعْدِهِ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ هُنَا (قَوْلُهُ وَلَوْ عَجَزَ عَنْ التَّذْكِيَةِ) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ آلَةً أَصْلًا أَوْ يَجِدَ لَكِنْ لَا يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْآلَةِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلذَّابِحِ، وَهَذَا إذَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الْمَذْبُوحِ بَعْدَ الذَّبْحِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ مِثْلُهُ فَهُوَ مَيِّتٌ حُكْمًا فَيَحِلُّ إجْمَاعًا كَمَا فِي
стр. 3913
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِي مَتْنِي وَمَتْنِ الْوِقَايَةِ إشَارَةٌ إلَى حِلِّهِ، وَالظَّاهِرُ مَا سَمِعْته اهـ. قُلْت: وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ التَّذْكِيَةِ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ.
(أَوْ أَرْسَلَ مَجُوسِيٌّ كَلْبًا فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ أَوْ قَتَلَهُ مِعْرَاضٌ بِعَرْضِهِ) وَهُوَ سَهْمٌ لَا رِيشَ لَهُ، سُمِّيَ بِهِ لِإِصَابَتِهِ بِعَرْضِهِ؛ وَلَوْ لِرَأْسِهِ حِدَّةٌ فَأَصَابَ بِحَدِّهِ حَلَّ (أَوْ بُنْدُقَةٍ ثَقِيلَةٍ ذَاتِ حِدَّةٍ) لِقَتْلِهَا بِالثِّقَلِ لَا بِالْحَدِّ، وَلَوْ كَانَتْ خَفِيفَةً بِهَا حِدَّةٌ حَلَّ؛ لِقَتْلِهَا بِالْجُرْحِ، وَلَوْ لَمْ
ــ
[رد المحتار]
الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا قُهُسْتَانِيٌّ، وَالتَّفْصِيلُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ (قَوْلُهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَاَلَّذِي فِي التَّبْيِينِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ فَصَّلَ، فَقَالَ: إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الذَّبْحِ لِفَقْدِ الْآلَةِ لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لِضِيقِ الْوَقْتِ أُكِلَ لِعَدَمِ التَّقْصِيرِ اهـ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَإِنْ كَانَ عَدَمُ التَّمَكُّنِ بِضِيقِ الْوَقْتِ، بِأَنْ بَقِيَ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ مِقْدَارُ مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الذَّبْحُ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِنْدَنَا. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ. وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي الْيَنَابِيعِ: وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ اسْتِحْسَانًا، وَقِيلَ بِأَنَّ هَذَا أَصَحُّ اهـ.
فَإِنْ قِيلَ: وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا حَيَاتُهُ فَوْقَ الْمَذْبُوحِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ضِيقُ الْوَقْتِ عَنْ الذَّبْحِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَذْبُوحِ كَالْعَدَمِ لِكَوْنِ الصَّيْدِ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ، وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ قَدْ لَا يَسَعُ لِلذَّبْحِ فِيهِ فَكَانَ عَدَمُ التَّمَكُّنِ مُتَصَوَّرًا عِنَايَةٌ (قَوْلُهُ إشَارَةً إلَى حِلِّهِ) حَيْثُ قَيَّدَ بِالْعَمْدِ (قَوْلُهُ أَنَّ الْعَجْزَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمِنَحِ لِأَنَّ الْعَجْزَ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ اهـ. وَاحْتَرَزَ عَنْ الْعَجْزِ عَنْ تَحْصِيلِ الْمَاءِ وَالْأَكْلِ فَإِنَّهُ يُبِيحُ لَهُ تَنَاوُلَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ، وَهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ بِسَبَبِ قَوْلِهِ عَنْ التَّذْكِيَةِ أَفَادَهُ ط. [تَنْبِيهٌ]
رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ عِنْدَ مَجُوسِيٍّ أَوْ نَائِمٍ لَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا يَقْدِرُ عَلَى ذَكَاتِهِ فَمَاتَ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمَجُوسِيَّ قَادِرٌ عَلَى ذَبْحِهِ بِتَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ وَالنَّائِمِ كَالْمُسْتَيْقِظِ فِي جُمْلَةِ مَسَائِلَ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنْهَا هَذِهِ خَانِيَّةٌ مُلَخَّصًا
(قَوْلُهُ وَأَرْسَلَ إلَخْ) هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ تَرَكَهَا وَالْأَصْلُ أَنَّ الْفِعْلَ يُرْفَعُ بِالْأَقْوَى وَالْمُسَاوِي دُونَ الْأَدْنَى؛ فَإِذَا أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ حَلَّ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الزَّجْرِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ لِكَوْنِ الزَّجْرِ دُونَهُ لِبِنَائِهِ عَلَيْهِ وَبِالْعَكْسِ حَرُمَ، وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ ذَكَاتُهُ كَالْمُرْتَدِّ وَالْمُحْرِمِ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَجُوسِيِّ، وَإِنْ انْفَلَتَ وَلَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ حَلَّ لِأَنَّهُ مِثْلُ الِانْفِلَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالزَّجْرِ الْإِغْرَاءُ بِالصِّيَاحِ عَلَيْهِ وَبِالِانْزِجَارِ إظْهَارُ زِيَادَةِ الطَّلَبِ وَتَمَامُهُ فِي الْهِدَايَةِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَهَذَا إذَا زَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ فِي ذَهَابِهِ، فَلَوْ وَقَفَ ثُمَّ زَجَرَهُ لَمْ يُؤْكَلْ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ سَهْمُ إلَخْ) فِي الْقَامُوسِ: مِعْرَاضٌ كَمِحْرَابٍ سَهْمٌ بِلَا رِيشٍ، دَقِيقُ الطَّرَفَيْنِ، غَلِيظُ الْوَسَطِ يُصِيبُ بِعَرْضِهِ دُونَ حَدِّهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ لِرَأْسِهِ حِدَّةٌ) مُحْتَرَزُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِعَرْضِهِ (قَوْلُهُ فَأَصَابَ بِحَدِّهِ) أَيْ وَجَرَحَ (قَوْلُهُ أَوْ بُنْدُقَةٍ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَالدَّالِ: طِينَةٌ مُدَوَّرَةٌ يُرْمَى بِهَا (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَتْ خَفِيفَةً) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الثَّقِيلَةَ لَا تَحِلُّ وَإِنْ جَرَحَتْ. قَالَ قَاضِي خَانْ: لَا يَحِلُّ صَيْدُ الْبُنْدُقَةِ وَالْحَجَرِ وَالْمِعْرَاضِ وَالْعَصَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِنْ جَرَحَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرِقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَدْ حَدَّدَهُ وَطُولُهُ كَالسَّهْمِ وَأَمْكَنَ أَنْ يَرْمِيَ بِهِ؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَخَرَقَهُ بِحَدِّهِ حَلَّ أَكْلُهُ، فَأَمَّا الْجُرْحُ الَّذِي يُدَقُّ فِي الْبَاطِنِ وَلَا يَخْرِقُ فِي الظَّاهِرِ لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ إنْهَارُ الدَّمِ؛ وَمُثَقَّلُ الْحَدِيدِ وَغَيْرِ الْحَدِيدِ سَوَاءٌ، إنْ خَزَقَ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا اهـ.
وَالْخَزْقُ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ: النَّفَاذُ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَالسِّينُ لُغَةٌ وَالرَّاءُ خَطَأٌ: وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْمَبْسُوطِ: بِالزَّايِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَيَوَانِ؛ وَبِالرَّاءِ فِي الثَّوْبِ. وَفِي التَّبْيِينِ: وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمَوْتَ إذَا حَصَلَ بِالْجُرْحِ بِيَقِينٍ حَلَّ؛ وَإِنْ بِالثِّقَلِ أَوْشَكَ فِيهِ فَلَا يَحِلُّ حَتْمًا أَوْ احْتِيَاطًا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجُرْحَ بِالرَّصَاصِ إنَّمَا هُوَ بِالْإِحْرَاقِ
стр. 3914
يَجْرَحْهُ لَا يُؤْكَلُ مُطْلَقًا. وَشُرِطَ فِي الْجُرْحِ الْإِدْمَاءُ، وَقِيلَ لَا. مُلْتَقًى، وَتَمَامُهُ فِيمَا عَلَّقْته عَلَيْهِ (أَوْ رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ فِي مَاءِ) لِاحْتِمَالِ قَتْلِهِ بِالْمَاءِ فَتَحْرُمُ، وَلَوْ الطَّيْرُ مَائِيًّا فَوَقَعَ فِيهِ، فَإِنْ انْغَمَسَ جُرْحُهُ فِيهِ حَرُمَ وَإِلَّا حَلَّ مُلْتَقًى (أَوْ وَقَعَ عَلَى سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ فَتَرَدَّى مِنْهُ إلَى الْأَرْضِ حَرُمَ) فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا، لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ مِثْلِ هَذَا مُمْكِنٌ (فَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ابْتِدَاءً) إذْ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَيَحِلُّ
(أَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ) أَيْ أَغْرَاهُ بِصِيَاحِهِ (مَجُوسِيٌّ فَانْزَجَرَ) إذْ الزَّجْرُ دُونَ الْإِرْسَالِ وَالْفِعْلُ يُرْفَعُ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ كَنَسْخِ الْحَدِيثِ (أَوْ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ) إذْ الزَّجْرُ إرْسَالٌ حُكْمًا (أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مَا أُرْسِلَ إلَيْهِ)
ــ
[رد المحتار]
وَالثِّقَلِ بِوَاسِطَةِ انْدِفَاعِهِ الْعَنِيفِ إذَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فَلَا يَحِلُّ. وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ نُجَيْمٍ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ ثَقِيلَةً أَوْ خَفِيفَةً (قَوْلُهُ وَشُرِطَ فِي الْجُرْحِ الْإِدْمَاءُ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدْمٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ لَا يَحِلُّ لِانْعِدَامِ مَعْنَى الذَّكَاةِ؛ وَهُوَ إخْرَاجُ الدَّمِ النَّجِسِ؛ وَشَرَطَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ " «أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا.
وَقِيلَ يَحِلُّ لِإِتْيَانِ مَا فِي وُسْعِهِ وَهُوَ الْجُرْحُ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يَنْجُسُ لِغِلَظِهِ أَوْ لِضِيقِ الْمَنْفَذِ. وَقِيلَ لَوْ الْجِرَاحَةُ كَبِيرَةً حَلَّ بِدُونِهِ وَلَوْ صَغِيرَةً فَلَا. وَإِذَا أَصَابَ السَّهْمُ ظِلْفَ الصَّيْدِ أَوْ قَرْنَهُ؛ فَإِنْ أَدْمَاهُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ اهـ مُلَخَّصًا وَمِثْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ. قَالَ فِي الْمُنْتَقَى قُلْت: وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ اللَّحْمِ وَظَاهِرُ مَا مَرَّ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْإِدْمَاءَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ مُلَخَّصًا.
قُلْت: ظَاهِرُ الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَالْمُلْتَقَطِ اعْتِمَادُ اشْتِرَاطِهِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ يُؤَيِّدهُ، وَقَدْ يُرَجَّحُ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ بِمَا فِي مَتْنِ الْمَوَاهِبِ، وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الذَّبَائِحِ مِنْ أَنَّهُ تَحِلُّ ذَبِيحَةٌ عُلِمَتْ حَيَاتُهَا وَإِنْ لَمْ تَتَحَرَّكْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا دَمٌ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ إلَخْ) هُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ أَوْ رَمَى صَيْدًا إلَخْ) هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ مَوْتَهُ مُضَافٌ إلَى غَيْرِ الرَّمْيِ، وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ اهـ زَيْلَعِيٌّ وَنَحْوُهُ فِي ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ (قَوْلُهُ فَوَقَعَ فِيهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ، فَمِثْلُهُ إذَا رَمَاهُ فِيهِ حَرُمَ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِالْمَاءِ ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا حَلَّ) لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَمِلْ مَوْتَهُ بِسَبَبِ الْمَاءِ (قَوْلُهُ مُلْتَقًى) وَمِثْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ. وَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ إنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَمَاتَ لَا يُؤْكَلُ لَعَلَّ أَنَّ وُقُوعَهُ فِي الْمَاءِ قَتَلَهُ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ طَيْرُ الْمَاءِ لِأَنَّ طَيْرَ الْمَاءِ إنَّمَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ غَيْرَ مَجْرُوحٍ اهـ وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ. ثُمَّ قَالَ فَلْيُتَأَمَّلْ عِنْدَ الْفَتْوَى وَتَمَامُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة (قَوْلُهُ فَتَرَدَّى مِنْهُ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَرَدَّ يَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ. وَهَذَا أَيْضًا إذَا تَرَدَّى وَلَمْ يَقَعْ الْجُرْحُ مُهْلِكًا فِي الْحَالِ، إذْ لَوْ بَقِيَ فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ بِقَدْرِ مَا فِي الْمَذْبُوحِ ثُمَّ تَرَدَّى يَحِلُّ أَيْضًا مِعْرَاجٌ (قَوْلُهُ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ابْتِدَاءً) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَرْضِ مَا يَقْتُلُهُ كَحَدِّ الرُّمْحِ وَالْقَصَبَةِ الْمَنْصُوبَةِ عِنَايَةٌ، وَتَمَامُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة (قَوْلُهُ إذْ الِاحْتِرَازُ) عِلَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَعْلُولِ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْآتِي أُكِلَ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ. قَالَ تَعَالَى - ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]- وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ) أَيْ فِي ذَهَابِهِ، فَلَوْ وَقَفَ ثُمَّ زَجَرَهُ فَانْزَجَرَ لَمْ يُؤْكَلْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ كَنَسْخِ الْحَدِيثِ) فَلَا يُنْسَخُ الصَّحِيحُ إلَّا بِصَحِيحٍ أَوْ أَصَحَّ لَا بِضَعِيفٍ ط (قَوْلُهُ أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مَا أُرْسِلَ إلَيْهِ) سَوَاءً أَخَذَ مَا أُرْسِلَ إلَيْهِ أَيْضًا أَوْ لَا بِشَرْطِ فَوْرِ الْإِرْسَالِ كَمَا مَرَّ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: فَلَوْ أَرْسَلَ الْكَلْبَ أَوْ الْبَازِيَ عَلَى صَيْدٍ وَسَمَّى فَأَخَذَ صَيْدًا ثُمَّ آخَرَ عَلَى فَوْرِهِ ذَلِكَ ثُمَّ وَثُمَّ أَكَلَ الْكُلَّ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصَّيْدِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فَصَارَ كَوُقُوعِ السَّهْمِ بِصَيْدَيْنِ اهـ مُلَخَّصًا، وَلَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ فَأَخْطَأَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ حَلَّ، وَلَوْ عَرَضَ لَهُ بَعْدَمَا رَجَعَ لَا يَحِلُّ لِبُطْلَانِ الْإِرْسَالِ بِالرُّجُوعِ كَمَا
стр. 3915
لِأَنَّ غَرَضَهُ أَخْذُ كُلِّ صَيْدٍ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ، حَتَّى لَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى صَيُودٍ كَثِيرَةٍ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَتَلَ الْكُلَّ أَكَلَ الْكُلَّ (أَكَلَ) فِي الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا ذَكَرْنَا (كَصَيْدٍ رُمِيَ فَقُطِعَ عُضْوٌ مِنْهُ) فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ (لَا الْعُضْوُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ فَهُوَ مَيْتَةٌ» وَلَوْ قَطَعَهُ وَلَمْ يُبِنْهُ، فَإِنْ اشْتَمَلَ الْتِئَامُهُ أُكِلَ الْعُضْوُ أَيْضًا وَإِلَّا لَا مُلْتَقًى (وَإِنْ قَطَعَهُ) الرَّامِي (أَثْلَاثًا وَأَكْثَرُهُ مَعَ عَجْزِهِ أَوْ قَطَعَ نِصْفَ رَأْسِهِ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ أُكِلَ كُلُّهُ) لِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يُمْكِنُ حَيَاةٌ فَوْقَ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ أَكْثَرُهُ مَعَ رَأْسِهِ لِلْإِمْكَانِ الْمَذْكُورِ.
(وَحَرُمَ صَيْدُ مَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيٍّ وَمُرْتَدٍّ) وَمُحْرِمٍ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، بِخِلَافِ كِتَابِيٍّ لِأَنَّ ذَكَاةَ الِاضْطِرَارِ كَذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ.
(وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَلَمْ يُثْخِنْهُ فَرَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلثَّانِي وَحَلَّ، وَإِنْ أَثْخَنَهُ) الْأَوَّلُ بِأَنْ أَخْرَجَهُ
ــ
[رد المحتار]
فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ أَصَابَ غَيْرَ مَا رَمَاهُ حَلَّ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ، وَكَذَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ وَنَفَذَ ثُمَّ أَصَابَ آخَرَ ثُمَّ وَثُمَّ حَلَّ الْكُلُّ كَمَا فِي النَّظْمِ اهـ فَالْإِرْسَالُ بِمَنْزِلَةِ الرَّمْيِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ، وَنَحْوُهُ فِي الْمُلْتَقَى (قَوْلُهُ لِأَنَّ غَرَضَهُ إلَخْ) أَيْ غَرَضُ الْمُرْسِلِ حُصُولُ أَيِّ صَيْدٍ تَمَكَّنَ مِنْهُ الْكَلْبُ أَوْ الْفَهْدُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْهِدَايَةِ: وَلَنَا أَنَّهُ: أَيْ التَّعْيِينُ شَرْطٌ غَيْرُ مُفِيدٍ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ حُصُولُ الصَّيْدِ، إذْ لَا يَقْدِرُ أَيْ الْكَلْبُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ: أَيْ يَأْخُذُ الْعَيْنَ إذْ لَا يُمْكِنُهُ تَعْلِيمُهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْخُذُ مَا عَيَّنَهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ (قَوْلُهُ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ) أَيْ حَالَةَ الْإِرْسَالِ (قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا) أَيْ مِنْ الْعِلَلِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ (قَوْلُهُ لَا الْعُضْوَ) أَيْ إنْ أَمْكَنَ حَيَاتُهُ بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَإِلَّا أَكَلَا عِنَايَةٌ، وَهَذَا يُتَصَوَّرُ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ غَيْرِ الرَّأْسِ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) حَيْثُ قَالَ: أَكَلَا إنْ مَاتَ الصَّيْدُ مِنْهُ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ) هَذَا وَإِنْ تَنَاوَلَ السَّمَكَ إلَّا أَنَّ مَيْتَتَهُ حَلَالٌ بِالْحَدِيثِ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَإِلَّا) بِأَنْ بَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِجِلْدِهِ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ قَطَعَ نِصْفَ رَأْسِهِ) أَيْ طُولًا أَوْ عَرْضًا بَدَائِعُ (قَوْلُهُ أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ) الْقَدُّ: الْقَطْعُ الْمُسْتَأْصِلُ أَوْ الْمُسْتَطِيلُ قَامُوسٌ، وَالضَّمِيرُ لِلصَّيْدِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَذَكَرَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الْقَدِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالْمَبْسُوطِ إنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ طُولًا أُكِلَ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الطُّولَ غَيْرُ قَيْدٍ هُنَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ الْبَدَائِعِ بِقَوْلِهِ يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ وُجِدَ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ لِكَوْنِهَا مُتَّصِلَةٌ مِنْ الْقَلْبِ بِالدِّمَاغِ فَأَشْبَهَ الذَّبْحَ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ اهـ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ) لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الْحَيَّ مُطْلَقًا فَيَنْصَرِفُ إلَى الْحَيِّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَهَذَا حَيٌّ صُورَةً لَا حُكْمًا إذْ لَا يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ بَعْدَ هَذَا الْجُرْحِ، وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَبِهِ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْحَيَاةِ أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ أَوْ سَطْحٍ لَا يَحْرُمُ، وَتَمَامُهُ فِي الْهِدَايَةِ.
أَقُولُ: وَبِهَذَا سَقَطَ اعْتِرَاضُ ابْنِ الْمُصَنِّفِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: إنْ كَانَ الصَّيْدُ يَعِيشُ بِدُونِ الْمُبَانِ فَالْمُبَانُ لَا يُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ لَا يَعِيشُ بِدُونِهِ كَالرَّأْسِ يُؤْكَلَانِ اهـ حَيْثُ قَالَ إنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ فَمِنْ أَيْنَ لِلْبَزَّازِيِّ مَا قَالَهُ؟ اهـ. قُلْت: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْهِدَايَةِ وَصَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُهَا وَغَيْرُهُمْ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ أَكْثَرُهُ مَعَ رَأْسِهِ) بِأَنْ قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ فَخِذًا أَوْ أَلْيَةً أَوْ ثُلُثَهُ مِمَّا يَلِي الْقَوَائِمَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الرَّأْسِ، فَيَحْرُمُ الْمُبَانُ وَيَحِلُّ الْمُبَانُ مِنْهُ هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَمُرْتَدٍّ) وَلَوْ غُلَامًا مُرَاهِقًا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ رِدَّتِهِ عِنْدَهُمَا بَدَائِعُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ ذَكَاةَ الِاضْطِرَارِ إلَخْ) أَيْ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ، فَكَذَا ذَكَاةُ الِاضْطِرَارِ
(قَوْلُهُ فَلَمْ يُثْخِنْهُ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: أَثْخَنَتْهُ الْجِرَاحَاتُ أَوْهَنَتْهُ وَأَضْعَفَتْهُ. وَفِي التَّنْزِيلِ - ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]- أَيْ يُكْثِرَ فِيهَا الْقَتْلَ (قَوْلُهُ فَهُوَ لِلثَّانِي) لِأَنَّهُ هُوَ الْآخِذُ لَهُ (قَوْلُهُ وَحَلَّ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَخْرُجْ بِالْأَوَّلِ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ كَانَ ذَكَاتُهُ ذَكَاةَ الِاضْطِرَارِ وَهُوَ الْجُرْحُ: أَيَّ مَوْضِعٍ
стр. 3916
عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ وَفِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ مَا يَعِيشُ (فَ) الصَّيْدُ (لِلْأَوَّلِ وَحَرُمَ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ، فَصَارَ قَائِلًا لَهُ فَيَحْرُمُ (وَضَمِنَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ قِيمَتَهُ) كُلَّهَا وَقْتَ إتْلَافِهِ (غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ)
(وَحَلَّ اصْطِيَادُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ) لَحْمُهُ لِمَنْفَعَةِ جِلْدِهِ أَوْ شَعْرِهِ أَوْ رِيشِهِ أَوْ لِدَفْعِ شَرِّهِ، وَكُلُّهُ مَشْرُوعٌ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ. وَفِي الْقُنْيَةِ يَجُوزُ ذَبْحُ الْهِرَّةِ وَالْكَلْبِ لِنَفْعٍ مَا (وَالْأَوْلَى ذَبْحُ الْكَلْبِ إذَا أَخَذَتْهُ حَرَارَةُ الْمَوْتِ، وَبِهِ يَطْهُرُ لَحْمُ غَيْرِ نَجِسِ الْعَيْنِ) كَخِنْزِيرٍ فَلَا يَطْهُرُ أَصْلًا (وَجِلْدُهُ) وَقِيلَ يَطْهُرُ جِلْدُهُ لَا لَحْمُهُ وَهَذَا أَصَحُّ مَا يُفْتَى بِهِ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَنْ الْمَوَاهِبِ هُنَا وَمَرَّ فِي الطَّهَارَةِ
(أَخْذُ الطَّيْرِ لَيْلًا مُبَاحٌ وَالْأَوْلَى عَدَمُ فِعْلِهِ) خَانِيَّةٌ (يُكْرَهُ تَعْلِيمُ الْبَازِي بِالطَّيْرِ الْحَيِّ) لِتَعْذِيبِهِ
(سَمِعَ) الصَّائِدُ (حِسَّ إنْسَانٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَهْلِيَّاتِ)
ــ
[رد المحتار]
كَانَ وَقَدْ وُجِدَ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ وَفِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ مَا يَعِيشُ) أَيْ يَنْجُو مِنْهُ. أَمَّا إذَا كَانَ بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ، بِأَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ مِنْ الْحَيَاةِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَبْقَى فِي الْمَذْبُوحِ، كَمَا إذَا أَبَانَ رَأْسَهُ يَحِلُّ لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَعِيشُ مِنْهُ إلَّا أَنَّ فِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الْمَذْبُوحِ بِأَنْ كَانَ يَعِيشُ يَوْمًا أَوْ دُونَهُ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَحْرُمُ بِالرَّمْيَةِ الثَّانِيَةِ إذْ لَا عِبْرَةَ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحْرُمُ لِأَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَهُ زَيْلَعِيٌّ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ) أَيْ بِسَبَبِ خُرُوجِهِ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَصَارَ كَالرَّمْيِ إلَى الشَّاةِ، أَفَادَهُ فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَضَمِنَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ قِيمَتَهُ إلَخْ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ صَيْدًا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِثْخَانِ فَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ وَقِيمَتُهُ وَقْتَ إتْلَافِهِ كَانَ نَاقِصًا بِجِرَاحَةِ الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ. بَيَانُهُ أَنَّ الرَّامِيَ الْأَوَّلَ إذَا رَمَى صَيْدًا يُسَاوِي عَشْرَةً فَنَقَصَهُ دِرْهَمَيْنِ ثُمَّ رَمَاهُ الثَّانِي دِرْهَمَيْنِ ثُمَّ مَاتَ يَضْمَنُ الثَّانِي ثَمَانِيَةً وَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمَانِ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَلِفَ بِجِرَاحَةِ الْأَوَّلِ زَيْلَعِيٌّ. وَفَرَضَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا عُلِمَ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِالثَّانِي، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ حَصَلَ مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ أَوْ لَا يُدْرَى فَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الضَّمَانِ يَخْتَلِفُ وَحَقَّقَ الزَّيْلَعِيُّ عَدَمَ الْفَرْقِ فَرَاجِعْهُ. [تَتِمَّةٌ]
بَقِيَ لَوْ رَمَيَاهُ مَعًا فَأَصَابَهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ الْآخَرُ أَوْ رَمَاهُ أَحَدُهُمَا أَوَّلًا ثُمَّ رَمَاهُ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ الْأَوَّلُ أَوْ بَعْدَمَا أَصَابَهُ قَبْلَ أَنْ يُثْخِنَهُ فَأَصَابَهُ الْأَوَّلُ وَأَثْخَنَهُ أَوْ أَثْخَنَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ وَيُؤْكَلُ خِلَافًا لِزُفَرَ. وَلَوْ رَمَيَاهُ مَعًا وَأَصَابَا مَعًا فَمَاتَ مِنْهُمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَالْكَلْبُ فِي هَذَا كَالسَّهْمِ حَتَّى يَمْلِكَهُ بِإِثْخَانِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ إمْسَاكُهُ بِدُونِ الْإِثْخَانِ، حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ بَازِيَهُ فَأَمْسَكَ الصَّيْدَ بِمِخْلَبِهِ وَلَمْ يُثْخِنْهُ فَأَرْسَلَ آخَرُ بَازِيَهُ فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلثَّانِي وَيَحِلُّ لِأَنَّ يَدَ الْبَازِي الْأَوَّلِ لَيْسَتْ بِيَدٍ حَافِظَةٍ لِتُقَامَ مَقَامَ يَدِ الْمَالِكِ، وَلَوْ رَمَى سَهْمًا فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ رَمَاهُ ثَانِيًا فَقَتَلَهُ حَرُمَ، وَتَمَامُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبَيْنِ عَلَى صَيْدٍ فَضَرَبَهُ أَحَدُهُمَا فَوَقَذَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ الْآخَرُ فَقَتَلَهُ يُؤْكَلُ بَدَائِعُ
(قَوْلُهُ لِنَفْعٍ مَا) أَيْ وَلَوْ قَلِيلًا، وَالْهِرَّةُ لَوْ مُؤْذِيَةً لَا تُضْرَبُ وَلَا تُفْرَكُ أُذُنُهَا بَلْ تُذْبَحُ (قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى إلَخْ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْفِيفِ الْأَلَمِ عَنْهُ. قَالَ ط: وَالتَّقْيِيدُ بِالْكَلْبِ لَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ (قَوْلُهُ وَبِهِ يَطْهُرُ) أَيْ بِالِاصْطِيَادِ وَكَذَا بِالذَّبْحِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الطَّهَارَةِ كَوْنُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِهِ مَعَ التَّسْمِيَةِ، فِيهِ خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ آخِرَ الذَّبَائِحِ اسْتَظْهَرَ فِي الْجَوْهَرَةِ الِاشْتِرَاطَ وَفِي الْبَحْرِ عَدَمَهُ (قَوْلُهُ كَخِنْزِيرٍ) تَمْثِيلٌ لِجِنْسِ الْعَيْنِ (قَوْلُهُ فَلَا يَطْهُرُ أَصْلًا) أَيْ لَا جِلْدُهُ وَلَا لَحْمُهُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَهَذَا أَصَحُّ) وَكَذَا صَحَّحَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ مَعْزُوًّا لِلْكَافِي وَالْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ: إنَّ الْأَوَّلَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ سَمِعَ حِسَّ إنْسَانٍ) أَيْ صَوْتَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ حِينَ الرَّمْيِ يَعْلَمُ أَنَّهُ حِسُّ إنْسَانٍ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ هُنَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ. وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْهِدَايَةِ فِيمَا إذَا سَمِعَ حِسًّا ظَنَّهُ حِسَّ صَيْدٍ فَرَمَاهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حِسُّ إنْسَانٍ أَوْ صَيْدٍ فَلَا مُخَالَفَةَ
стр. 3917
كَفَرَسٍ وَشَاةٍ (فَرَمَى إلَيْهِ فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ بِخِلَافِ مَا إذَا سَمِعَ حِسَّ أَسَدٍ) أَوْ خِنْزِيرٍ (فَرَمَى إلَيْهِ) وَأَرْسَلَ كَلْبَهُ (فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ حَلَالُ الْأَكْلِ حَلَّ) وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْحِسَّ حِسُّ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ جَوْهَرَةٌ، لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ غُلِّبَ الْمُحَرَّمُ.
(رَمَى ظَبْيًا فَأَصَابَ قَرْنَهُ أَوْ ظِلْفَهُ فَمَاتَ، إنْ أَدْمَاهُ أَكَلَ) لِوُجُودِ الْجُرْحِ (وَإِلَّا لَا، وَالْعِبْرَةُ بِحَالَةِ الرَّمْيِ فَحَلَّ الصَّيْدُ بِرِدَّتِهِ) إذَا رَمَى مُسْلِمًا
ــ
[رد المحتار]
بَيْنَهُمَا كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ (قَوْلُهُ كَفَرَسٍ وَشَاةٍ) وَطَيْرٍ مُسْتَأْنِسٍ وَخِنْزِيرٍ أَهْلِيٍّ، فَالْمُرَادُ كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ بِالِاصْطِيَادِ (قَوْلُهُ فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ) لِأَنَّ الْفِعْلَ لَيْسَ بِاصْطِيَادٍ، وَلَوْ أَصَابَ الْمَسْمُوعَ حِسُّهُ وَقَدْ ظَنَّهُ آدَمِيًّا فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ يَحِلُّ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِظَنِّهِ مَعَ تَعْيِينِهِ هِدَايَةٌ. وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى بِالنُّونِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَيْضًا لِأَنَّهُ رَمَاهُ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الصَّيْدَ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَحِلُّ الصَّيْدُ إلَّا بِوَجْهَيْنِ: أَنْ يَرْمِيَهُ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّيْدَ، وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي أَرَادَهُ وَسَمِعَ حِسَّهُ وَرَمَى إلَيْهِ صَيْدًا، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ لَا. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَهَذَا يُنَاقِضُ مَا فِي الْهِدَايَةِ، وَهَذَا أَوْجَهُ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ لِأَبِي يُوسُفَ فِيهِ قَوْلَيْنِ: فِي قَوْلٍ يَحِلُّ، وَفِي قَوْلٍ لَا يَحِلُّ. وَقَالَ: فَيَحْمِلُ مَا فِي الْهِدَايَةِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ اهـ.
أَقُولُ: مَا فِي الْهِدَايَةِ أَقَرَّهُ شُرَّاحُهَا وَمَشْي عَلَيْهِ فِي الْمُلْتَقَى وَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَالَ: نَظِيرُهُ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَأَشَارَ إلَيْهَا: هَذِهِ الْكَلْبَةُ طَالِقٌ أَنَّهَا تَطْلُقُ وَيَبْطُلُ الِاسْمُ اهـ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَغَيْرِهَا: وَإِنْ أَرْسَلَ إلَى مَا يَظُنُّ أَنَّهُ شَجَرَةٌ أَوْ إنْسَانٌ فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ يُؤْكَلُ هُوَ الْمُخْتَارُ اهـ فَالْمُخْتَارُ مَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا سَمِعَ حِسَّ أَسَدٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) أَيْ مُتَوَحِّشٍ وَالْمُرَادُ كُلُّ مَا يَحِلُّ اصْطِيَادُهُ. وَاسْتَثْنَى فِي النِّهَايَةِ مَا لَوْ كَانَ الْمَسْمُوعُ حِسُّهُ جَرَادًا أَوْ سَمَكًا فَأَصَابَ غَيْرَهُمَا لَا يُؤْكَلُ، لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَقَعُ عَلَيْهِمَا فَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ ذَكَاةً. وَاعْتَرَضَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِمَا فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ رَمَى إلَى جَرَادٍ أَوْ سَمَكَةٍ وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ فَأَصَابَ طَائِرًا أَوْ صَيْدًا آخَرَ فَقَتَلَهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُؤْكَلُ اهـ.
أَقُولُ: لَكِنَّ قَوْلَ الْخَانِيَّةِ وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مُشْكِلٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُؤْكَلُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ، وَرَأَيْت بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ أَيْ نَاسِيًا وَهُوَ قَيْدٌ لَازِمٌ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَرَمَى إلَيْهِ) أَيْ وَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ غَيْرَ مَا سَمِعَهُ (قَوْلُهُ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْإِرْسَالَ كَالرَّمْيِ، وَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ: وَالْبَازِي وَالْفَهْدُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا كَالْكَلْبِ صَوَابُهُ كَالرَّمْيِ (قَوْلُهُ حَلَّ) أَيْ الصَّيْدُ الْمُصَابُ لِوُقُوعِ الْفِعْلِ اصْطِيَادًا فَصَارَ كَأَنَّهُ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ هِدَايَةٌ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ لَمْ يَحِلَّ) أَيْ الْمُصَابُ، كَمَا لَوْ رَمَى إلَى بَعِيرٍ لَا يَدْرِي أَهُوَ نَادٌّ أَوْ لَا فَأَصَابَ صَيْدًا لَا يَحِلُّ الْمُصَابُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الِاسْتِئْنَاسُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَى إلَى طَائِرٍ لَا يَدْرِي أَهُوَ وَحْشِيٌّ أَوْ لَا فَأَصَابَ صَيْدًا غَيْرَهُ حَلَّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِيهِ التَّوَحُّشُ، فَيُحْكَمُ عَلَى كُلٍّ بِظَاهِرِ حَالِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ لِوُجُودِ الْجُرْحِ) فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِوُجُودِ الدَّمِ عَلَى وُجُودِ الْجُرْحِ وَإِنْ كَانَ لَا يُشْتَرَطُ الْإِدْمَاءُ فِي غَيْرِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ط (قَوْلُهُ وَالْعِبْرَةُ بِحَالَةِ الرَّمْيِ) إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ. وَهِيَ: حَلَالٌ رَمَى صَيْدًا وَهُمَا فِي الْحِلِّ فَدَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ وَمَاتَ فِيهِ أَوْ فِي الْحِلِّ لَا يُؤْكَلُ، وَفِيمَا عَدَاهَا فَالْعِبْرَةُ بِحَالَةِ الرَّمْيِ تَتَارْخَانِيَّةٌ أَيْ فِي حَقِّ الْأَكْلِ. أَمَّا فِي حَقِّ الْمِلْكِ فَالْعِبْرَةُ لِوَقْتِ الْإِصَابَةِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، فَلَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ وَرَمَى بَعْدَهُ آخَرُ فَأَصَابَهُ الثَّانِي وَأَثْخَنَهُ قَبْلَ الْأَوَّلِ فَهُوَ لِلثَّانِي (قَوْلُهُ فَحَلَّ الصَّيْدُ بِرِدَّتِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلْمُصَاحَبَةِ نَحْوَ - ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ [هود: ٤٨]- أَيْ مَعَ رِدَّتِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الْإِصَابَةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فَيَحِلُّ لِأَنَّهُ حِينَ الرَّمْيِ كَانَ مُسْلِمًا، وَكَذَا
стр. 3918
(لَا بِإِسْلَامِهِ وَوَجَبَ الْجَزَاءُ بِحِلِّهِ) إذَا رَمَى مُحْرِمًا (لَا بِإِحْرَامِهِ) وَسَيَجِيءُ قُبَيْلَ كِتَابِ الدِّيَاتِ.
[فَرْعٌ]
لَوْ أَنَّ بَازِيًا مُعَلَّمًا أَخَذَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ وَلَا يُدْرَى أَرْسَلَهُ إنْسَانٌ أَوْ لَا لَا يُؤْكَلُ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي الْإِرْسَالِ وَلَا إبَاحَةَ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ مَالُ الْغَيْرِ فَلَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ زَيْلَعِيٌّ. قُلْت: وَقَدْ وَقَعَ فِي عَصْرِنَا حَادِثَةُ الْفَتْوَى، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ شَاتَه مَذْبُوحَةً بِبُسْتَانِهِ هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهَا أَمْ لَا؟ وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي أَنَّ الذَّابِحَ مِمَّنْ تَحِلُّ ذَكَاتُهُ أَمْ لَا، وَهَلْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهَا أَمْ لَا. لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ اللُّقَطَةِ: قَوْمٌ أَصَابُوا بَعِيرًا مَذْبُوحًا فِي طَرِيقِ الْبَادِيَةِ، إنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنْ الْمَاءِ وَوَقَعَ فِي الْقَلْبِ أَنَّ صَاحِبَهُ فَعَلَ ذَلِكَ إبَاحَةً لِلنَّاسِ لَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ وَالْأَكْلِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالدَّلَالَةِ كَالثَّابِتِ بِالصَّرِيحِ اهـ، فَقَدْ أَبَاحَ أَكْلَهَا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الذَّابِحِ أَهْلًا لِلذَّكَاةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. قُلْت: قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَادِثَةِ الْفَتْوَى وَاللُّقَطَةِ بِأَنَّ الذَّابِحَ فِي الْأَوَّلِ غَيْرُ الْمَالِكِ قَطْعًا وَفِي الثَّانِي يَحْتَمِلُ. وَرَأَيْت بِخَطِّ ثِقَةٍ: سَرَقَ شَاةً فَذَبَحَهَا بِتَسْمِيَةٍ فَوَجَدَ صَاحِبَهَا هَلْ تُؤْكَلُ؟ الْأَصَحُّ لَا لِكُفْرِهِ بِتَسْمِيَتِهِ عَلَى الْحَرَامِ الْقَطْعِيِّ بِلَا تَمَلُّكٍ وَلَا إذْنٍ شَرْعِيٍّ اهـ فَلْيُحَرَّرْ. وَفِي الْوَهْبَانِيَّةِ:
وَمَا مَاتَ لَا تُطْعِمْهُ كَلْبًا فَإِنَّهُ ... خَبِيثٌ حَرَامٌ نَفْعُهُ مُتَعَذِّرُ
ــ
[رد المحتار]
يَحِلُّ لَوْ رَمَى صَيْدًا فَانْكَسَرَ الصَّيْدُ بِسَبَبٍ آخَرَ ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ لِأَنَّهُ حِينَ الرَّمْيِ كَانَ صَيْدًا خَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ لَا بِإِسْلَامِهِ) أَيْ لَوْ رَمَاهُ مُرْتَدًّا (قَوْلُهُ وَوَجَبَ الْجَزَاءُ بِحِلِّهِ) أَيْ بِتَحَلُّلِهِ مِنْ إحْرَامِهِ (قَوْلُهُ لَا بِإِحْرَامِهِ) أَيْ إذَا رَمَاهُ حَلَالًا. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: حَلَالٌ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ فِي الْحِلِّ وَمَاتَ فِي الْحَرَمِ أَوْ رَمَاهُ مِنْ الْحَرَمِ وَأَصَابَهُ فِي الْحِلِّ وَمَاتَ فِيهِ لَا يَحِلُّ، وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمِنَحِ (قَوْلُهُ لِوُقُوعِ الشَّكِّ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْبَازِي الَّذِي طَبْعُهُ الِاصْطِيَادُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرْسَلٍ وَغَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ، بِخِلَافِ الذَّابِحِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَأَنَّهُ سَمَّى، وَاحْتِمَالُ عَدَمِ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي اللَّحْمِ الَّذِي يُبَاعُ فِي السُّوقِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي التَّحْرِيمِ قَطْعًا (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا يَحِلُّ إلَخْ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنْ الْمَاءِ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ احْتَمَلَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَأَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ فَذَبَحَهُ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ دَمٌ فَتَرَكَهُ صَاحِبُهُ لِعِلْمِهِ بِمَوْتِهِ بِالْمَاءِ فَلَا يَتَأَتَّى احْتِمَالُ أَنَّهُ تَرَكَهُ إبَاحَةً لِلنَّاسِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَوَقَعَ فِي الْقَلْبِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الظَّنُّ الْغَالِبُ لَا مُجَرَّدُ الْخُطُورِ فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ ط (قَوْلُهُ إبَاحَةً لِلنَّاسِ) قَدْ شَاهَدْنَا فِي طَرِيقِ الْحَجِّ مَنْ يَفْعَلُهُ لِذَلِكَ ط (قَوْلُهُ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالدَّلَالَةِ) أَيْ دَلَالَةِ حَالِ صَاحِبِهِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْقَلْبِ، فَهُوَ كَصَرِيحِ قَوْلِهِ أَبَحْته لِمَنْ يَأْخُذُهُ وَخُصُوصًا الذَّبَائِحُ الَّتِي تُوجَدُ فِي مِنًى أَيَّامَ الْمَوْسِمِ.
(قَوْلُهُ وَفِي الثَّانِي يَحْتَمِلُ) فِيهِ أَنَّ احْتِمَالَ الثَّانِي كَوْنُ الذَّابِحِ هُوَ الْمَالِكُ لَا يَنْفِي احْتِمَالَ أَنَّهُ مَجُوسِيٌّ أَوْ تَارِكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مِمَّا يَسْكُنُهُ أَوْ يَسْلُكُ فِيهِ مَجُوسِيٌّ لَا يُؤْكَلُ وَإِلَّا أُكِلَ، وَلَا يَتَعَرَّضُ بِشَأْنِ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ التَّسْمِيَةُ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهَا دِينًا، وَخِلَافُ هَذَا مَوْهُومٌ لَا يُعَارِضُ الرَّاجِحَ. اهـ ح. أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُ اعْتِبَارَ الْوَضْعِ مَا قَالُوا فِي اللَّقِيطِ إذَا ادَّعَاهُ ذِمِّيٌّ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَلَكِنْ هُوَ مُسْلِمٌ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي مَكَانِ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَقَرْيَتِهِمْ أَوْ بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ (قَوْلُهُ وَرَأَيْت إلَخْ) تَأْيِيدٌ لِلتَّفْرِقَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ بِصِحَّةِ التَّضْحِيَةِ بِشَاةِ الْغَصْبِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي صِحَّتِهَا بِشَاةِ الْوَدِيعَةِ، وَلِهَذَا قَالَ السَّائِحَانِيُّ أَقُولُ: هَذَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ وَفِي الْأُضْحِيَّةِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لَا تُطْعِمْهُ كَلْبًا) الْإِطْعَامُ حَمْلُهُ إلَيْهِ.
وَأَمَّا حَمْلُ الْكَلْبِ
стр. 3919
وَتَمْلِيكَ عُصْفُورٍ لِوَاجِدِهِ أَجِزْ ... وَإِعْتَاقَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ يُنْكِرُ
وَإِنْ يَلْقَهُ مَعْ غَيْرِهِ جَازَ أَخْذُهُ ... كَقِشْرٍ لِرُمَّانٍ رَمَاهُ الْمُقَشِّرُ
وَفِي مُعَايَاتِهَا:
وَأَيُّ حَلَالٍ لَا يَحِلُّ اصْطِيَادُهُ ... صَيُودًا وَمَا صِيدَتْ وَلَا هِيَ تَنْفِرُ
كِتَابُ الرَّهْنِ
مُنَاسَبَتُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّهْنِ وَالصَّيْدِ سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ الْمَالِ. (هُوَ) لُغَةً: حَبْسُ الشَّيْءِ. وَشَرْعًا (حَبْسُ شَيْءٍ مَالِيٍّ) أَيْ جَعْلُهُ مَحْبُوسًا لِأَنَّ الْحَابِسَ هُوَ الْمُرْتَهِنُ
ــ
[رد المحتار]
إلَيْهِ فَكَحَمْلِ الْهِرَّةِ لِمَيْتَةٍ جَائِزٌ شُرُنْبُلَالِيٌّ (قَوْلُهُ وَتَمْلِيكَ عُصْفُورٍ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ أَجِزْ مُقَدَّمٌ: أَيْ تَمْلِيكَهُ بِقَوْلِهِ جَعَلْته لِمَنْ أَخَذَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَهُ أَخْذُهُ مِمَّنْ أَخَذَهُ هُوَ الْمُخْتَارُ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِبَاحَةِ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِهِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْإِبَاحَةُ لِقَوْمٍ مَعْلُومِينَ خِلَافٌ (قَوْلُهُ وَإِعْتَاقَهُ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ يُنْكِرُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ يُنْكِرُ أَنَّهُ يُجَوِّزُهُ أَكْثَرُهُمْ وَلَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْحُرْمَةُ. اهـ ش. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَقُلْ مَنْ أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ عَيْنُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (قَوْلُهُ جَازَ أَخْذُهُ) أَيْ إنْ لَمْ يُبِحْهُ عِنْدَ الْإِرْسَالِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ كَقِشْرٍ لِرُمَّانٍ) تَشْبِيهٌ مِنْ حَيْثُ حِلُّ الْأَخْذِ، وَأَمَّا مِلْكُهُ وَمَنْعُ الْأَوَّلِ مِنْهُ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ. وَفِي الصَّيْدِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إذَا لَمْ يُبِحْهُ، وَكَذَا فِي الدَّابَّةِ إذَا سَيَّبَهَا كَمَا بَسَطَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ (قَوْلُهُ وَأَيُّ حَلَالٍ) يَعْنِي أَنَّ رَجُلًا لَيْسَ مُحْرِمًا وَلَا فِي أَرْضِ الْحَرَمِ وَرَأَى صَيْدًا لَمْ يَصِدْهُ غَيْرُهُ وَلَا نَفَرَ: أَيْ هَرَبَ مِمَّنْ هُوَ مَالِكُهُ وَلَا يَحِلُّ اصْطِيَادُهُ.
وَالْجَوَابُ: رَجُلٌ دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ فَلَمَّا رَآهُ غَلَقَ بَابَهُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ اصْطِيَادٍ مَلَكَهُ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْحَلَالِ اصْطِيَادُهُ أَوْ الْمُرَادُ لَا يَحِلُّ لِصَاحِبِ الدَّارِ الْحَلَالِ اصْطِيَادُهُ بِآلَةٍ جَارِحَةٍ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الرَّهْنِ]
ِ هُوَ مَشْرُوعٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]- وَبِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ بِهِ دِرْعَهُ» وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.
وَمِنْ مَحَاسِنِهِ النَّظَرُ لِجَانِبِ الدَّائِنِ بِأَمْنِ حَقِّهِ عَنْ التَّوَى، وَلِجَانِبِ الْمَدْيُونِ بِتَقْلِيلِ خِصَامِ الدَّائِنِ لَهُ وَبِقُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ مِنْهُ إذَا عَجَزَ.
وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ فَقَطْ أَوْ هُوَ وَالْقَبُولُ كَمَا يَجِيءُ.
وَشُرُوطُهُ تَأْتِي.
وَحُكْمُهُ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ.
وَسَبَبُهُ تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ، وَإِنَّمَا خُصَّ بِالسَّفَرِ فِي الْآيَةِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْكِتَابَةِ وَالِاسْتِشْهَادِ فَيَسْتَوْثِقُ بِالرَّهْنِ (قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً حَبْسُ الشَّيْءِ) أَيْ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ.
قَالَ تَعَالَى - ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]- أَيْ مَحْبُوسَةٌ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَرْهُونِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ، يُقَالُ رَهَنْتُ الرَّجُلَ شَيْئًا وَرَهَنْتُهُ عِنْدَهُ وَأَرْهَنْتُهُ لُغَةٌ فِيهِ وَالْجَمْعُ رِهَانٌ وَرُهُونٌ وَرُهُنٌ.
وَالرَّهِينُ وَالرَّهِينَةُ الرَّهْنُ أَيْضًا، وَالتَّرْكِيبُ دَالٌّ عَلَى الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ.
وَالرَّاهِنُ: الْمَالِكُ، وَالْمُرْتَهِنُ: آخِذُ الرَّهْنِ (قَوْلُهُ أَيْ جَعْلُهُ مَحْبُوسًا) قَالَ فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ: هُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ، لَمْ يَقُلْ حَبْسُ الشَّيْءِ بِحَقٍّ لِأَنَّ الْحَابِسَ هُوَ الْمُرْتَهِنُ لَا الرَّاهِنُ، بِخِلَافِ الْجَاعِلِ إيَّاهُ مَحْبُوسًا اهـ ح وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلرَّهْنِ التَّامِّ أَوْ اللَّازِمِ، وَإِلَّا فَفِي انْعِقَادِ الرَّهْنِ لَا يَلْزَمُ الْحَبْسُ بَلْ ذَلِكَ بِالْقَبْضِ اهـ سَعْدِيٌّ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَالْمُتَبَادِرُ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسُ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ، فَلَوْ أُكْرِهَ الْمَالِكُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ
стр. 3920
بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ) أَيْ أَخْذُهُ (مِنْهُ) كُلًّا أَوْ بَعْضًا كَأَنْ كَانَ قِيمَةُ الْمَرْهُونِ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ (كَالدَّيْنِ) كَافُ الِاسْتِقْصَاءِ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الرَّهْنِ إلَّا إذَا صَارَ دَيْنًا حُكْمًا كَمَا سَيَجِيءُ (حَقِيقَةً) وَهُوَ دَيْنٌ وَاجِبٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا فَقَطْ كَثَمَنِ عَبْدٍ أَوْ خَلٍّ وُجِدَ حُرًّا أَوْ خَمْرًا (أَوْ حُكْمًا) كَالْأَعْيَانِ (الْمَضْمُونَةِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ)
(كَمَا سَيَجِيءُ) كَوْنُهُ.
(وَيَنْعَقِدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ)
حَالٌ (غَيْرُ لَازِمٍ)
ــ
[رد المحتار]
لَمْ يَكُنْ رَهْنًا كَمَا فِي الْكُبْرَى فَلَا عَلَيْهِ ذِكْرُ الْإِذْنِ كَمَا ظَنَّ اهـ.
وَسَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ الْآتِي أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ عِمَامَةَ الْمَدْيُونِ تَكُونُ رَهْنًا إنْ رَضِيَ بِتَرْكِهَا (قَوْلُهُ بِحَقٍّ) أَيْ بِسَبَبِ حَقٍّ مَالِيٍّ وَلَوْ مَجْهُولًا.
وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ نَحْوِ الْقِصَاصِ وَالْحَدِّ وَالْيَمِينِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَدَخَلَ فِيهِ بَدَلُ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ الرَّهْنَ بِهِ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ بِهِ الْكَفَالَةُ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْحَانِيَّةِ (قَوْلُهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ) أَيْ اسْتِيفَاءُ هَذَا الْحَقِّ مِنْهُ: أَيْ مِنْ الرَّهْنِ بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ: وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا يَفْسُدُ كَالثَّلْجِ، وَعَنْ نَحْوِ الْأَمَانَةِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ.
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة: وَأَمَّا الْخَمْرُ فَهُوَ مَالٌ أَيْضًا.
وَيُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ بِتَوْكِيلِ ذِمِّيٍّ يَبِيعُهُ أَوْ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ اهـ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ رَهْنُهُ وَلَا ارْتِهَانُهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَإِنْ ضَمِنَهُ لِلذِّمِّيِّ كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي (قَوْلُهُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا) تَمْيِيزَانِ مِنْ هَاءِ اسْتِيفَاؤُهُ الرَّاجِعَةِ إلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ الدَّيْنُ اهـ ح فَهُمَا مُحَوَّلَانِ عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ الْمَفْعُولُ فِي الْمَعْنَى إذْ الْأَصْلُ اسْتِيفَاءُ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَفِيمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ جَوَابٌ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ لَا يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ كَالدَّيْنِ) تَمْثِيلٌ لِلْحَقِّ (قَوْلُهُ كَافٍ الِاسْتِقْصَاءَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّمْثِيلِ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا سِوَى الدَّيْنِ، وَالدَّاعِي إلَى هَذَا جَعْلُ الْمُصَنِّفِ الدَّيْنَ شَامِلًا لِلْعَيْنِ، أَمَّا لَوْ أَطْلَقَهُ أَمْكَنَ جَعْلُ الْكَافِ لِلتَّمْثِيلِ، بِأَنْ يُرَادَ بِالدَّيْنِ الدَّيْنُ حَقِيقَةً (قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ) أَيْ قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ أَوْ حُكْمًا (قَوْلُهُ وَجَدَ حُرًّا أَوْ خَمْرًا) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ؛ وَكَثَمَنِ ذَبِيحَةٍ وَبَدَلِ صُلْحٍ عَنْ إنْكَارٍ وَإِنْ وُجِدَتْ مَيِّتَةً أَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ، لِأَنَّ الدَّيْنَ وَجَبَ ظَاهِرًا، وَهُوَ كَافٍ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْ دَيْنٍ مَوْعُودٍ كَمَا سَيَأْتِي دُرَرٌ أَيْ فَالرَّهْنُ مَضْمُونٌ.
وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ بِهَلَاكِهِ: كَمَا لَوْ رُهِنَ بِالْحُرِّ وَالْخَمْرِ ابْتِدَاءً.
وَنَصَّ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ رَهْنٍ فَاسِدٍ مَضْمُونٌ بِالْأَكْلِ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ.
وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ أَبُو السُّعُودِ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ كَالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ) وَيُقَالُ لَهَا الْمَضْمُونَةُ بِنَفْسِهَا لِقِيَامِ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ مَقَامَهَا كَالْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا سَيَجِيءُ.
وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَمَبِيعٍ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ، وَعَنْ غَيْرِ الْمَضْمُونَةِ أَصْلًا كَالْأَمَانَاتِ.
فَالرَّهْنُ بِهَذَيْنِ بَاطِلٌ وَسَمَّاهَا دَيْنًا حُكْمًا لِأَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِيهَا هُوَ الْقِيمَةُ أَوْ الْمِثْلُ، وَرَدُّ الْعَيْنِ مُخَلِّصٌ إنْ أَمْكَنَ رَدُّهَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَذَلِكَ دَيْنٌ.
وَأَمَّا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْبَعْضُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ الْهَلَاكِ وَلَكِنَّهَا تَجِبُ عِنْدَ الْهَلَاكِ بِالْقَبْضِ السَّابِقِ، وَتَمَامُهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ (قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ) أَيْ فِي الْبَابِ الْآتِي
(قَوْلُهُ وَيَنْعَقِدُ بِإِيجَابٍ) كَرَهَنْتُكَ بِمَا لَكَ عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ خُذْ هَذَا الشَّيْءَ رَهْنًا بِهِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَلَفْظُ الرَّهْنِ غَيْرُ شَرْطٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي (قَوْلُهُ وَقَبُولٌ) كَارْتَهَنْتُهُ سَوَاءٌ صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ أَصِيلٍ أَوْ وَكِيلٍ، فَالْقَبُولُ رُكْنٌ كَالْإِيجَابِ وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ فَإِنَّهُ كَالْبَيْعِ وَلِذَا لَا يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَرْهَنُ بِدُونِ الْقَبُولِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ شَرْطُ صَيْرُورَةِ الْإِيجَابِ عِلَّةً لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَلِذَا لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَاقْتَصَرَ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى الثَّانِي، وَنَقَلَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ بِطَرِيقِ الْعَاطِي
(قَوْلُهُ غَيْرُ لَازِمٍ) لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَسْتَوْجِبُ بِمُقَابَلَتِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ
стр. 3921
وَحِينَئِذٍ فَلِلرَّهْنِ تَسْلِيمُهُ وَالرُّجُوعِ عَنْهُ كَمَا فِي الْهِبَةِ (فَإِذَا سَلَّمَهُ وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ) حَالَ كَوْنِهِ (مَحُوزًا) لَا مُتَفَرِّقًا كَثَمَرٍ عَلَى شَجَرٍ (مُفَرَّغًا) لَا مَشْغُولًا بِحَقِّ الرَّاهِنِ كَشَجَرٍ بِدُونِ الثَّمَرِ (مُمَيَّزًا) لَا مُشَاعًا وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ اتَّصَلَ الْمَرْهُونُ بِغَيْرِ الْمَرْهُونِ خِلْقَةً كَالشَّجَرِ وَسَيَتَّضِحُ (لَزِمَ) أَفَادَ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ اللُّزُومِ كَمَا فِي الْهِبَةِ، وَصُحِّحَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ شَرْطُ الْجَوَازِ (وَالتَّخْلِيَةِ) بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْمُرْتَهِنِ (قَبَضَ) حُكْمًا عَلَى الظَّاهِرِ (كَالْبَيْعِ) فَإِنَّهَا فِيهِ أَيْضًا قَبْضٌ
(وَهُوَ مَضْمُونٌ إذَا هَلَكَ
ــ
[رد المحتار]
شَيْئًا (قَوْلُهُ وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ انْعَقَدَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَيُغْنِي عَنْهُ فَاءُ التَّفْرِيعِ كَمَا أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ وَقَبَضَهُ) أَيْ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ صَرِيحًا أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ كَأَبٍ وَوَصِيٍّ وَعَدْلٍ هِنْدِيَّةٌ مُلَخَّصًا، وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ سَاكِتٌ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ رَهْنًا فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ حَالَ كَوْنِهِ) أَيْ الرَّهْنِ، وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ مُتَرَادِفَةٌ أَوْ مُتَدَاخِلَةٌ عَيْنِيٌّ وَأَفَادَ بِهَا أَنَّ الرَّهْنَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَيْسَ بِلَازِمٍ عِنْدَ الْعَقْدِ بَلْ عِنْدَ الْقَبْضِ، فَلَوْ اتَّصَلَ أَوْ اشْتَغَلَ بِغَيْرِهِ كَانَ فَاسِدًا لَا بَاطِلًا، وَكَذَا لَوْ كَانَ شَائِعًا.
وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يَكُونُ بَاطِلًا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ، فَلَوْ ارْتَفَعَ الْفَسَادُ عِنْدَ الْقَبْضِ صَارَ صَحِيحًا لَازِمًا كَمَا فِي الْكَرْمَانِيِّ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ مُحَوِّزًا) مِنْ الْحَوْزِ: وَهُوَ الْجَمْعُ وَضَمُّ الشَّيْءِ قَامُوسٌ، وَانْظُرْ مَا فِي الدُّرَرِ (قَوْلُهُ كَثَمَرٍ عَلَى شَجَرٍ) مِثَالٌ لِلْمُتَفَرِّقِ وَكَزَرْعٍ عَلَى أَرْضٍ أَيْ بِدُونِ الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ لِأَنَّ الثَّمَرَ وَالزَّرْعَ لَمْ يُحَازَا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بِمَعْنَى أَنَّ يَدَهُ لَمْ تَحْوِهِمَا وَتَجْمَعْهُمَا إذْ لَا يُمْكِنُ حِيَازَةُ ثَمَرٍ بِدُونِ شَجَرٍ وَلَا زَرْعٍ بِدُونِ أَرْضٍ ط (قَوْلُهُ لَا مَشْغُولًا) أَمَّا الشَّاغِلُ فَرَهْنُهُ جَائِزٌ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِحَقِّ الرَّاهِنِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ كَانَ مَشْغُولًا بِمِلْكِ غَيْرِهِ فَلَا يُمْنَعُ كَمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ حَمَوِيٌّ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الشَّاغِلِ الَّذِي يَجُوزُ رَهْنُهُ بِغَيْرِ الْمُتَّصِلِ لِمَا عَلِمْتَهُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ رَهْنِ الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ وَكَذَا الْبِنَاءُ وَحْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ لَا مُشَاعًا) كَنِصْفِ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ وَلَوْ مِنْ الشَّرِيكِ، وَسَيَجِيءُ تَمَامُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا ثَبَتَ الشُّيُوعُ فِيهِ ضَرُورَةً (قَوْلُهُ وَلَوْ حُكْمًا إلَخْ) يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَحُوزًا (قَوْلُهُ خِلْقَةً) فِي التَّقْيِيدِ بِهِ نَظَرٌ سَنَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ وَسَيَتَّضِحُ) أَيْ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ الْآتِي (قَوْلُهُ لَزِمَ) جَوَابُ إذَا (قَوْلُهُ شَرْطُ اللُّزُومِ) مَشَى عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُلْتَقَى وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْعَامَّةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبُوضًا، وَمِثْلُهُ فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ اهـ مُلَخَّصًا.
وَفِي السَّعْدِيَّةِ أَقُولُ: سَبَقَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً» وَالْقَبْضُ لَيْسَ بِشَرْطِ الْجَوَازِ فِي الْهِبَةِ، فَلْيَكُنْ هُنَا كَذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ هُنَا أَيْضًا الْجَوَازُ بِاللُّزُومِ لَا بِالصِّحَّةِ كَمَا فَعَلُوا فِي الْهِبَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ كَلَامِهِمْ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ إلَّا بِذَلِكَ (قَوْلُهُ وَصُحِّحَ فِي الْمُجْتَبَى) وَكَذَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ وَالتَّخْلِيَةُ) هِيَ رَفْعُ الْمَوَانِعِ وَالتَّمْكِينُ مِنْ الْقَبْضِ (قَوْلُهُ قَبْضٌ حُكْمًا) لِأَنَّهَا تَسْلِيمٌ فَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِالْقَبْضِ.
فَقَدْ ذَكَرَ الْغَايَةَ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا الْحُكْمُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ.
وَبِهِ انْدَفَعَ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ: الصَّوَابُ أَنَّ التَّخْلِيَةَ تَسْلِيمٌ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْمَانِعِ مِنْ الْقَبْضِ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُسَلِّمِ دُونَ الْمُتَسَلِّمِ وَالْقَبْضُ فِعْلُ الْمُتَسَلِّمِ اهـ أَفَادَهُ فِي الْمِنَحِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ (قَوْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ) أَيْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الْمَنْقُولِ إلَّا بِالنَّقْلِ هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَهُوَ مَضْمُونٌ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ مَالِيَّتَهُ مَضْمُونَةٌ، وَأَمَّا عَيْنُهُ فَأَمَانَةٌ.
قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ: وَيَهْلِكُ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ حَتَّى يُكَفِّنَهُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ حَقِيقَةً، وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، حَتَّى لَوْ اشْتَرَاهَا لَا يَنُوبُ قَبْضُ الرَّهْنِ عَنْ قَبْضِ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ، وَإِذَا كَانَ مِلْكُهُ فَمَاتَ كَانَ كَفَنُهُ عَلَيْهِ اهـ حَمَوِيٌّ عَلَى الْأَشْبَاهِ. وَاحْتَرَزَ عَمَّا إذَا اسْتَهْلَكَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ جَمِيعَهُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا شَرَطَ عَدَمَ الضَّمَانِ لَوْ ضَاعَ، فَالرَّهْنُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَيَهْلِكُ بِالدَّيْنِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا،
стр. 3922
بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ أَمَانَةٌ (وَالْمُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ) لَا يَوْمَ الْهَلَاكِ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْأَشْبَاهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْمَنْقُولِ كَمَا حَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ.
(الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الرَّهْنِ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمِقْدَارَ) أَيْ مِقْدَارَ مَا يُرِيدُ أَخْذَهُ مِنْ الدَّيْنِ (لَيْسَ بِمَضْمُونٍ فِي الْأَصَحِّ)
ــ
[رد المحتار]
وَشَمِلَ مَا لَوْ نَقَصَ بِعَيْبٍ.
فَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: لَوْ رَهَنَا قِنًّا فَأَبَقَ سَقَطَ الرَّهْنُ، فَلَوْ وَجَدَهُ عَادَ رَهْنًا وَيَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِهِ لَوْ كَانَ أَوَّلَ إبَاقِهِ وَإِلَّا فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ اهـ وَسَيَجِيءُ آخِرَ الرَّهْنِ، وَشَمِلَ الرَّهْنَ الْفَاسِدَ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الصَّحِيحِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي آخِرِ الرَّهْنِ.
[تَنْبِيهٌ] ذُكِرَ فِي الْفَصْلِ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْعِمَادِيَّةِ: لَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ وَهَلَكَ أَحَدُهُمَا وَقِيمَةُ الْهَالِكِ أَكْثَرُ مِنْ الدَّيْنِ لَا يَسْقُطُ كُلُّ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ بَلْ يُقَوَّمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الْحَيِّ وَقِيمَةِ الْهَالِكِ، فَمَا أَصَابَ الْهَالِكَ يَسْقُطُ، وَمَا أَصَابَ الْبَاقِي يَبْقَى، وَكَذَا إذَا رَهَنَ دَارًا بِأَلْفٍ وَخَرِبَتْ يُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَقِيمَةِ الْعَرْصَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ، فَمَا أَصَابَ الْبِنَاءَ يَسْقُطُ، وَمَا أَصَابَ الْعَرْصَةَ يَبْقَى كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ اهـ.
وَبَيَانُهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة: رَهَنَ فَرْوًا قِيمَتُهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَأَكَلَهُ السُّوسُ فَصَارَ قِيمَتُهُ عَشَرَةً فَإِنَّهُ يَفْتَكُّهُ بِدِرْهَمَيْنِ وَنِصْفٍ اهـ أَيْ لِأَنَّ الْهَالِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الرَّهْنِ فَيَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَلْيُحْفَظْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ.
وَسَيُذْكَرُ آخِرَ الْبَابِ الْآتِي: لَوْ ذَهَبَتْ عَيْنُ الدَّابَّةِ يَسْقُطُ رُبْعُ الدَّيْنِ وَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَسَيَأْتِي أَنَّ نُقْصَانَ السِّعْرِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الدَّيْنِ بِخِلَافِ نُقْصَانِ الْعَيْنِ وَأَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ الَّذِي صَارَ رَهْنًا تَبَعًا يَهْلِكُ مَجَّانًا إلَّا إذَا هَلَكَ بَعْدَ هَلَاكِ الْأَصْلِ، وَيَأْتِي بَيَانُ الْجَمِيعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْقُدُورِيُّ بِأَقَلَّ بِدُونِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَهُوَ خَطَأٌ، وَاعْتُبِرَ هَذَا بِقَوْلِ الرَّجُلِ مَرَرْت بِأَعْلَمَ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو يَكُونُ الْأَعْلَمُ غَيْرَهُمَا، وَلَوْ كَانَ بِالْأَعْلَمِ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو يَكُونُ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَكَلِمَةُ مِنْ لِلتَّمْيِيزِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْمُوَصَّلِ شَرْحِ الْمُفَصَّلِ: إنَّ مِنْ هَذِهِ لَيْسَتْ " مِنْ " التَّفْضِيلِيَّةَ الَّتِي لَا تُجَامِعُ اللَّامَ وَإِنَّمَا هِيَ " مِنْ " التَّبْيِينِيَّةُ فِي قَوْلِكَ أَنْتَ الْأَفْضَلُ مِنْ قُرَيْشٍ كَمَا تَقُولُ أَنْتَ مِنْ قُرَيْشٍ اهـ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا الَّذِي هُوَ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ قِيلَ بِأَقَلَّ مُنْكِرًا اقْتَضَى أَنَّهُ يَضْمَنُ بِشَيْءٍ ثَالِثٍ غَيْرِهِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُمَا وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَيْ بِدَيْنٍ أَوْ بِقِيمَةٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مِنْ الدَّيْنِ مُرَتَّبًا، فَكَلِمَةُ مِنْ تَفْضِيلِيَّةٌ وَالْمُفَضَّلُ الدَّيْنُ أَوَّلًا وَالْقِيمَةُ ثَانِيًا وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالْعَكْسِ اهـ.
فَالْمَعْنَى بِدَيْنٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ بِقِيمَةٍ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ أَمَانَةٌ) أَيْ كُلُّهُ لَهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ (قَوْلُهُ وَالْمُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَحُكْمُ الرَّهْنِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَإِلَى الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ سَقَطَ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ إلَخْ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ هَلَكَ بِاسْتِهْلَاكِهِ وَتَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ، وَتَمَامُهُ فِي الْمِنَحِ.
زَادَ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى: وَالْقَوْلُ فِيهَا لِلْمُرْتَهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ (قَوْلُهُ لَا يَوْمَ الْهَلَاكِ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْأَشْبَاهِ) أَيْ فِي بَحْثِ ثَمَنِ الْمِثْلِ مِنْ الْفَنِّ الثَّالِثِ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي الْأَشْبَاهِ عَلَى مَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَلِذَا قَالَ الرَّمْلِيِّ بَعْدَ كَلَامٍ: وَأَنْتَ إذَا أَمْعَنْتَ النَّظَرَ ظَهَرَ لَكَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْهَلَاكِ وَالِاسْتِهْلَاكِ، فَقَطَعْت فِي صُورَةِ الْهَلَاكِ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَفِي صُورَةِ الِاسْتِهْلَاكِ يَوْمَ الْهَلَاكِ لِوُرُودِهِ عَلَى الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ اهـ
(قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمِقْدَارَ) أَمَّا لَوْ بَيَّنَ يَكُونُ مَضْمُونًا.
стр. 3923
كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْأَشْبَاهِ (فَإِنْ) هَلَكَ وَ (سَاوَتْ قِيمَتُهُ الدَّيْنَ صَارَ مُسْتَوْفِيًا) دَيْنَهُ (حُكْمًا، أَوْ زَادَتْ كَانَ الْفَضْلُ أَمَانَةً) فَيَضْمَنُ بِالتَّعَدِّي (أَوْ نَقَصَتْ سَقَطَ بِقَدْرِهِ وَرَجَعَ) الْمُرْتَهِنُ (بِالْفَضْلِ) لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ بِقَدْرِ الْمَالِيَّةِ (وَضَمِنَ) الْمُرْتَهِنُ (بِدَعْوَى الْهَلَاكِ بِلَا بُرْهَانٍ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَمْوَالٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ بَاطِنَةٍ، وَخَصَّهُ مَالِكٌ بِالْبَاطِنَةِ (وَلَهُ طَلَبُ دَيْنِهِ مِنْ رَاهِنِهِ، وَلَهُ حَبْسُهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ لِأَنَّ) الْحَبْسَ جَزَاءُ مَطْلِهِ (وَلَهُ حَبْسُ رَهْنِهِ بَعْدَ الْفَسْخِ) لِلْعَقْدِ (حَتَّى يَقْبِضَ دَيْنَهُ أَوْ يُبْرِئَهُ) لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الْفَسْخِ بَلْ يَبْقَى رَهْنًا مَا بَقِيَ الْقَبْضُ وَالدَّيْنُ مَعًا
ــ
[رد المحتار]
وَصُورَتُهُ: أَخْذُ الرَّهْنِ بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ كَذَا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْرِضَهُ هَلَكَ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِمَّا سُمِّيَ لَهُ مِنْ الْقَرْضِ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِسَوْمِ الرَّهْنِ وَالْمَقْبُوضُ بِسَوْمِ الرَّهْنِ كَالْمَقْبُوضِ بِسَوْمِ الشِّرَاءِ إذَا هَلَكَ فِي الْمُسَاوَمَةِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ حَمَوِيٌّ (قَوْلُهُ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ) وَنَصُّهَا: الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الرَّهْنِ إذَا لَمْ يُبَيَّنْ الْمِقْدَارُ الَّذِي بِهِ رَهْنُهُ وَلَيْسَ فِيهِ دَيْنٌ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُعْطِيهِ الْمُرْتَهَنَ وَمَا شَاءَ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَا أَسْتَحْسِنُ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إذَا ضَاعَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ اهـ.
أَقُولُ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الرَّهْنِ بِدَيْنٍ مَوْعُودٍ، وَسَيَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ الْآتِي أَيْضًا (قَوْلُهُ فَإِنْ هَلَكَ إلَخْ) الْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الرَّهْنِ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ مَا قَبْلَهُ ط.
وَبَيَانُ ذَلِكَ إذَا رَهَنَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ سَقَطَ دَيْنُهُ، وَلَوْ قِيمَتُهُ خَمْسَةً رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِخَمْسَةٍ أُخْرَى، وَلَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ فَالْفَضْلُ أَمَانَةُ كِفَايَةٍ، وَأَطْلَقَ الْهَلَاكَ فَشَمِلَ مَا لَوْ كَانَ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَيَسْتَرِدُّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ مِنْ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْهَلَاكِ أَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ السَّابِقِ بَزَّازِيَّةٌ وَغَيْرُهَا، وَيَأْتِي آخِرَ الرَّهْنِ (قَوْلُهُ يَضْمَنُ بِالتَّعَدِّي) فَلَوْ رَهَنَ ثَوْبًا يُسَاوِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةٍ فَلَبِسَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَانْتَقَصَ سِتَّةً ثُمَّ لَبِسَهُ بِلَا إذْنٍ فَانْتَقَصَ أَرْبَعَةً ثُمَّ هَلَكَ وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ مِنْ دَيْنِهِ وَيَسْقُطُ تِسْعَةٌ لِأَنَّ الثَّوْبَ يَوْمَ الرَّهْنِ كَانَ نِصْفُهُ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ وَنِصْفُهُ أَمَانَةً، وَمَا انْتَقَصَ بِلُبْسِهِ بِالْإِذْنِ وَهُوَ سِتَّةٌ لَا يُضْمَنُ، وَمَا انْتَقَصَ بِلَا إذْنٍ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ يُضْمَنُ وَيَصِيرُ قِصَاصًا بِقَدْرِهِ مِنْ الدَّيْنِ، فَإِذَا هَلَكَ وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ نِصْفُهُ مَضْمُونٌ وَنِصْفُهُ أَمَانَةٌ فَبِقَدْرِ الْمَضْمُونِ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ وَيَبْقَى لَهُ دِرْهَمٌ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ ظَهِيرِيَّةٌ وَخَانِيَّةٌ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَضَمِنَ بِدَعْوَى الْهَلَاكِ بِلَا بُرْهَانٍ) كَذَا فِي الدُّرَرِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَلَكِيِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ بِلَا بُرْهَانٍ، وَأَنَّهُ بِإِقَامَتِهِ يَنْتَفِي الضَّمَانُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ.
أَمَّا مَذْهَبُنَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ ثُبُوتِ الْهَلَاكِ بِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ أَوْ بِالْبُرْهَانِ، وَهُوَ فِي الصُّورَتَيْنِ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْحَقَائِقِ، وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ الْحَلَبِيِّ، وَمِثْلُهُ فِي فَتَاوَى الْكَازَرُونِي وَفِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ.
وَقَدْ زَلَّ قَدَمُ الْعَلَّامَةِ الرَّمْلِيِّ فِي ذَلِكَ تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ هُنَا، فَأَفْتَى بِضَمَانِ الْقِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي فَتَاوَاهُ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ.
وَمِمَّنْ رَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الرَّحِيمِيَّةِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فَقَالَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ رَأْسًا وَاحِدًا وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ (قَوْلُهُ ظَاهِرَةٍ) كَالْحَيَوَانِ وَالْعَبِيدِ وَالْعَقَارِ أَوْ بَاطِنَةٍ كَالنَّقْدَيْنِ وَالْحُلِيِّ وَالْعُرُوضِ دُرَرٌ (قَوْلُهُ وَخَصَّهُ مَالِكٌ بِالْبَاطِنَةِ) أَيْ خَصَّ الضَّمَانَ بِالْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ لِلتُّهْمَةِ غُرَرُ الْأَفْكَارِ (قَوْلُهُ وَلَهُ حَبْسُهُ بِهِ) أَيْ حَبْسُ الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ (قَوْلُهُ لِلْعَقْدِ) أَيْ عَقْدُ الرَّهْنِ (قَوْلُهُ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الْفَسْخِ) بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ رَدِّهِ عَلَى الرَّاهِنِ (قَوْلُهُ بَلْ يَبْقَى عَلَى الرَّهْنِ رَهْنًا) أَيْ مَضْمُونًا، فَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ سَقَطَ الدَّيْنُ إذَا كَانَ بِهِ وَفَاءٌ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ مَا بَقِيَ الْقَبْضُ وَالدَّيْنُ مَعًا) أَيْ قَبْضُ الرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَالدِّينُ فِي ذِمَّةِ
стр. 3924
فَإِذَا فَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْقَ رَهْنًا زَيْلَعِيٌّ وَدُرَرٌ وَغَيْرُهُمَا
(لَا انْتِفَاعَ بِهِ مُطْلَقًا) لَا بِاسْتِخْدَامٍ، وَلَا سُكْنَى وَلَا لُبْسٍ وَلَا إجَارَةٍ وَلَا إعَارَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مُرْتَهِنٍ أَوْ رَاهِنٍ (إلَّا بِإِذْنِ) كُلٍّ لِلْآخَرِ، وَقِيلَ لَا يَحِلُّ لِلْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ رِبًا، وَقِيلَ إنْ شَرَطَهُ كَانَ رِبًا وَإِلَّا لَا.
وَفِي الْأَشْبَاهِ وَالْجَوَاهِرِ: أَبَاحَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ أَكْلَ الثِّمَارِ أَوْ سُكْنَى الدَّارِ أَوْ لَبَنِ الشَّاةِ الْمَرْهُونَةِ فَأَكَلَهَا
ــ
[رد المحتار]
الرَّاهِنِ وانى (قَوْلُهُ فَإِذَا فَاتَ أَحَدُهُمَا) بِأَنْ رَدَّ الرَّهْنَ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَبْقَ رَهْنًا فَيَسْقُطُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا كَانَتْ ذَاتَ وَصْفَيْنِ يُعْدَمُ الْحُكْمُ بِعَدَمِ أَحَدِهِمَا.
وَيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا لَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَبَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَيَضْمَنُ وَيَسْتَرِدُّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي، وَجَوَابُهُ مَعَ مَا فِيهِ فِي الْعِنَايَةِ
(قَوْلُهُ وَلَا إجَارَةَ) فَلَوْ أَجَرَهُ الْمُرْتَهِنُ بِلَا إذْنٍ فَالْأُجْرَةُ لَهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ آخِرَ الرَّهْنِ مَعَ بَقِيَّةِ فُرُوعِهِ (قَوْلُهُ وَلَا إعَارَةَ) سَيَذْكُرُ فِي بَابِ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ أَحْكَامَ إعَارَتِهِ مِنْ الرَّاهِنِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِإِذْنٍ أَوْ بِدُونِهِ (قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ) أَيْ الِانْتِفَاعُ (قَوْلُهُ مِنْ مُرْتَهِنٍ أَوْ رَاهِنٍ) الْأَوَّلُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي عَامَّةِ الْمُتُونِ، وَالثَّانِي صُرِّحَ بِهِ فِي دُرَرِ الْبِحَارِ وَشَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ وَشَرْحِ الزَّاهِدِيِّ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ فَعِنْدَهُ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِغَيْرِ الْوَطْءِ، وَالْأَوَّلُ لَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ.
بَقِيَ لَوْ سَكَنَ فِي دَارِ الرَّهْنِ هَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ؟ أَجَابَ فِي الْخَيْرِيَّةِ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ مُطْلَقًا أَذِنَ الرَّاهِنُ أَوْ لَا مُعَدَّةً لِلِاسْتِغْلَالِ أَوْ لَا، وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَأَجَابَ فِي الْخَيْرِيَّةِ بِذَلِكَ أَيْضًا لَوْ كَانَتْ لِيَتِيمٍ، وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ آخِرَ الْغَصْبِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ إلَّا بِإِذْنٍ) فَإِذَا انْتَفَعَ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَهَلَكَ الرَّهْنُ حَالَةَ اسْتِعْمَالِهِ يَهْلِكُ أَمَانَةً بِلَا خِلَافٍ، أَمَّا قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ بَعْدَهُ يَهْلِكُ بِالدَّيْنِ، وَلَوْ كَانَ أَمَةً لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا لِأَنَّ الْفَرْجَ أَشَدُّ حُرْمَةً، لَكِنْ لَا يُحَدُّ بَلْ يَجِبُ الْعُقْرُ عِنْدَنَا مِعْرَاجٌ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يَحِلُّ لِلْمُرْتَهِنِ) قَالَ فِي الْمِنَحِ: وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَكَانَ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ سَمَرْقَنْدَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ، لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الرِّبَا لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي دَيْنَهُ كَامِلًا فَتَبْقَى لَهُ الْمَنْفَعَةُ فَضْلًا فَيَكُونُ رِبًا، وَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ.
قُلْت: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِعَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ مِنْ أَنَّهُ يَحِلُّ بِالْإِذْنِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الدِّيَانَةِ، وَمَا فِي الْمُعْتَبَرَاتِ عَلَى الْحُكْمِ ثُمَّ رَأَيْتُ فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: إذَا كَانَ مَشْرُوطًا صَارَ قَرْضًا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَهُوَ رِبًا وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ اهـ مَا فِي الْمِنَحِ مُلَخَّصًا وَأَقَرَّهُ ابْنُهُ الشَّيْخُ صَالِحٌ.
وَتَعَقَّبَهُ الْحَمَوِيُّ بِأَنَّ مَا كَانَ رِبًا لَا يَظْهَرُ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ الدِّيَانَةِ وَالْقَضَاءِ.
عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّوْفِيقِ بَعْدُ لِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ: أَيْ مِنْ أَنَّهُ يُبَاحُ.
أَقُولُ: مَا فِي الْجَوَاهِرِ يَصْلُحُ لِلتَّوْفِيقِ وَهُوَ وَجِيهٌ، وَذَكَرُوا نَظِيرَهُ فِيمَا لَوْ أَهْدَى الْمُسْتَقْرِضُ لِلْمُقْرِضِ، إنْ كَانَتْ بِشَرْطٍ كُرِهَ وَإِلَّا فَلَا، وَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْجَوَاهِرِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ لَا يَضْمَنُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرِبًا، لِأَنَّ الرِّبَا مَضْمُونٌ فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوطِ وَمَا فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي آخِرَ الرَّهْنِ إنَّ التَّعْلِيلَ بِأَنَّهُ رِبًا يُفِيدُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ فَتَأَمَّلْ. وَإِذَا كَانَ مَشْرُوطًا ضَمِنَ كَمَا أَفْتَى بِهِ فِي الْخَيْرِيَّةِ فِيمَنْ رَهَنَ شَجَرَ زَيْتُونٍ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ الْمُرْتَهِنُ ثَمَرَتَهُ نَظِيرَ صَبْرِهِ بِالدَّيْنِ.
قَالَ ط: قُلْتُ وَالْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُرِيدُونَ عِنْدَ الدَّفْعِ الِانْتِفَاعَ، وَلَوْلَاهُ لَمَا أَعْطَاهُ الدَّرَاهِمَ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ وَهُوَ مِمَّا يُعَيِّنُ الْمَنْعَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَا نَصُّهُ: وَلَوْ اسْتَقْرَضَ دَرَاهِمَ وَسَلَّمَ حِمَارَهُ إلَى الْمُقْرِضِ لِيَسْتَعْمِلَهُ إلَى شَهْرَيْنِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ دَيْنَهُ أَوْ دَارِهِ لِيَسْكُنَهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، إنْ اسْتَعْمَلَهُ فَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَلَا يَكُونُ رَهْنًا اهـ.
وَقَدَّمْنَاهُ فِي الْإِجَارَاتِ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ فَأَكَلَهَا) سَيَأْتِي آخِرَ الرَّهْنِ عَنْ فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْأَكْلَ يَشْمَلُ أَكْلَ ثَمَنِهَا
стр. 3925
لَمْ يَضْمَنْ وَلَهُ مَنْعُهُ، ثُمَّ أَفَادَ فِي الْأَشْبَاهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِذَلِكَ، وَسَيَجِيءُ آخِرَ الرَّهْنِ.
(مَاتَتْ الشَّاةُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ قُسِّمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ وَلَبَنِهَا الَّذِي شَرِبَهُ، فَحَظُّ الشَّاةِ يَسْقُطُ وَحَظُّ اللَّبَنِ يَأْخُذُهُ الْمُرْتَهِنِ، فَلَوْ فَعَلَ) الِانْتِفَاعَ قَبْلَ إذْنِهِ (صَارَ مُتَعَدِّيًا وَلَمْ يَبْطُلْ) الرَّهْنُ (بِهِ) .
(وَإِذَا طَلَبَ) الْمُرْتَهِنُ (دَيْنَهُ أَمَرَ بِإِحْضَارِ رَهْنِهِ) لِئَلَّا يَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا مَرَّتَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ حَمْلٌ أَوْ عِنْدَ الْعَدْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ شَرْحُ مَجْمَعٍ (فَإِنْ أَحْضَرَ سَلَّمَ) لَهُ (كُلَّ دَيْنِهِ أَوَّلًا ثُمَّ) سَلَّمَ الْمُرْتَهِنُ (رَهْنَهُ) تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ (وَإِنْ طَلَبَ) دَيْنَهُ (فِي غَيْرِ بَلَدِ الْعَقْدِ) لِلرَّهْنِ (فَكَذَلِكَ) الْحُكْمُ (إنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّهْنِ مُؤْنَةٌ، وَإِنْ كَانَ) لِحِمْلِهِ مُؤْنَةٌ (سَلَّمَ دَيْنَهُ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ بِمَعْنَى التَّخْلِيَةِ لَا النَّقْلِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان.
وَنَقَلَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إحْضَارِهِ أَصْلًا مَعَ قِيَامِهِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ اهـ فَلْيُحْفَظْ (وَ) لَكِنْ (لِلرَّاهِنِ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ لَمْ يَضْمَنْ) أَيْ وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ قُنْيَةٌ يَعْنِي إذَا لَمْ يَهْلِكْ الْأَصْلُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ (قَوْلُهُ وَسَيَجِيءُ) أَيْ هَذَا الْبَحْثُ بِزِيَادَةِ بَيَانٍ (قَوْلُهُ مَاتَتْ الشَّاةُ إلَخْ) يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَتْنًا وَسَقَطَ مِنْ بَعْضِهَا وَلَمْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ الَّذِي شَرِبَهُ) أَيْ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ وَحَظُّ اللَّبَنِ يَأْخُذُهُ الْمُرْتَهِنُ) أَيْ يَأْخُذُهُ مِنْ الرَّاهِنِ، لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ رَهْنٌ مَعَ الْأَصْلِ وَلِمَا أَتْلَفَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ صَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ أَتْلَفَهُ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الدَّيْنِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا آنِفًا يَعْنِي إذَا لَمْ يَهْلِكْ الْأَصْلُ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ بَيَانِ ذَلِكَ آخِرَ الرَّهْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ صَارَ مُتَعَدِّيًا) فَيَضْمَنُهُ كَالْغَصْبِ، وَلَوْ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ عَادَ رَهْنًا وَيَأْتِي تَمَامُهُ
(قَوْلُهُ لِئَلَّا يَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا مَرَّتَيْنِ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِ الرَّهْنِ.
قَالَ فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ: فَإِنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْإِحْضَارِ فَرُبَّمَا يَهْلِكُ الرَّهْنُ أَوْ كَانَ هَالِكًا فَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ مَرَّتَيْنِ اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ حِمْلٌ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ شَرْحُ مَجْمَعٍ: أَيْ عَاجِزٌ حُكْمًا بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمُؤْنَةِ.
وَنَقَلَ الشَّلَبِيُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي بَلَدِ الرَّهْنِ يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِهِ مُطْلَقًا، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَكَذَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ حِمْلٌ لَا يُؤْمَرُ، وَحَمَلَ ط مَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَلَيْهِ.
أَقُولُ: هَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّخْلِيَةُ لَا النَّقْلُ كَمَا يَأْتِي عَلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: إنْ لَمْ يَلْحَقْهُ مُؤْنَةٌ فِي الْإِحْضَارِ يُؤْمَرُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْحَقُهُ مُؤْنَةٌ بِأَنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: الْأَصْلُ أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى إحْضَارِهِ بِلَا مُؤْنَةٍ فَلِلرَّاهِنِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَصْلًا مَعَ قِيَامِ الرَّهْنِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا بِمُؤْنَةٍ فَلَا.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ وَإِنْ لَقِيَهُ فِي بَلَدِ الرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ جَارِيَةٌ أُمِرَ بِإِحْضَارِهَا لِقُدْرَتِهِ بِلَا مُؤْنَةٍ، وَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ فِيمَا يَلْحَقُهُ مُؤْنَةٌ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ اهـ مُلَخَّصًا فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ أَوْ عِنْدَ الْعَدْلِ) سَيَأْتِي مَتْنًا قَرِيبًا (قَوْلُهُ ثُمَّ سَلَّمَ الْمُرْتَهِنُ رَهْنَهُ) فَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ اسْتَرَدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا عِنْدَ الْهَلَاكِ بِالْقَبْضِ السَّابِقِ، فَكَانَ الثَّانِي اسْتِيفَاءً بَعْدَ اسْتِيفَاءٍ فَيَجِبُ رَدُّهُ هِدَايَةٌ، وَسَيَأْتِي آخِرَ الرَّهْنِ (قَوْلُهُ تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ) أَيْ فِي تَعْيِينِ حَقِّ كُلٍّ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ عَيَّنَ حَقَّ الرَّاهِنِ فَيَجِبُ عَلَى الرَّاهِنِ تَعْيِينُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ إلَّا أَنَّ تَعْيِينَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لَا يَقَعُ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ لِيَحْصُلَ التَّعْيِينُ اهـ فَهُوَ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ تَسْلِيمِ الدَّيْنِ أَوَّلًا.
وَأَمَّا عِلَّةُ الْإِحْضَارِ فَقَدْ مَرَّتْ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ لِئَلَّا يَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا مَرَّتَيْنِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ لِلرَّهْنِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْعَقْدِ (قَوْلُهُ مَعَ قِيَامِهِ) أَيْ قِيَامِ الرَّهْنِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا لَمْ يُقَدِّرْ لِهَلَاكِهِ (قَوْلُهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ) أَيْ كَمَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إلَّا بِمُؤْنَةٍ تَلْحَقُهُ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ وَلَكِنْ لِلرَّاهِنِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ، وَقَوْلُهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ تُفِيدُهُ وَإِنَّمَا أَتَى بِلَكِنْ مُتَابَعَةً لِعِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ وَالْكِفَايَةِ وَغَيْرِهِمَا فَافْهَمْ.
следующие страницы →