← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21613

حاشية ابن عابدين = رد المحتار - ط الحلبي

ابن عابدين

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مَا الْفَضْلُ إلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ ... عَلَى الْهُدَى لِمَنْ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ وَوَزْنُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ ... وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ فَفُزْ بِعِلْمٍ وَلَا تَجْهَلْ بِهِ أَبَدًا ... النَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ وَقَدْ قِيلَ: الْعِلْمُ وَسِيلَةٌ إلَى كُلِّ فَضِيلَةٍ، الْعِلْمُ يَرْفَعُ الْمَمْلُوكَ إلَى مَجَالِسِ الْمُلُوكِ، لَوْلَا الْعُلَمَاءُ لَهَلَكَ الْأُمَرَاءُ. وَإِنَّمَا الْعِلْمُ لِأَرْبَابِهِ ... وِلَايَةٌ لَيْسَ لَهَا عَزْلُ ــ [رد المحتار] (قَوْلُهُ: مَا الْفَضْلُ) الَّذِي فِي الْإِحْيَاءِ مَا الْفَخْرُ، وَأَلْ فِي الْعِلْمِ لِلْعَهْدِ: أَيْ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُوصِلُ إلَى الْآخِرَةِ. (قَوْلُهُ: أَنَّهُمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى حَذْفِ لَامِ الْعِلَّةِ: أَيْ لِأَنَّهُمْ. أَوْ بِالْكَسْرِ وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا التَّعْلِيلُ ط. (قَوْلُهُ: عَلَى الْهُدَى) أَيْ الرَّشَادِ قَامُوسٌ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَدِلَّاءُ جَمْعُ دَالٍّ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ دَلَّ، وَكَذَا قَوْلُهُ لِمَنْ اسْتَهْدَى: أَيْ طَلَبَ الْهِدَايَةَ. (قَوْلُهُ: وَوَزْنُ) أَيْ قَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ. أَيْ حُسْنُهُ بِمَا كَانَ يُحْسِنُهُ أَفَادَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، فَقَدْرُ الصَّانِعِ عَلَى مِقْدَارِ صَنْعَتِهِ. وَمَنْ أَحْسَنَ عُلُومَ الْآدَابِ فَقَدْرُهُ عَلَى قَدْرِهَا. وَمَنْ أَحْسَنَ عِلْمَ الْفِقْهِ فَقَدْرُهُ عَظِيمٌ لِعِظَمِهِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ شَيْئًا فَمَقَامُهُ عَلَى قَدْرِهِ اهـ ط. (قَوْلُهُ: وَالْجَاهِلُونَ) أَيْ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ. فَيَشْمَلُ الْعَالَمِينَ بِغَيْرِهِ، بَلْ هُمْ أَشَدُّ عَدَاوَةً لِعُلَمَاءِ الدِّينِ مِنْ الْعَوَّامِ قَالَ ط: وَسَبَبُ الْعَدَاوَةِ مِنْ الْجَاهِلِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ إذَا أَفْتَى عَلَيْهِ أَوْ رَأَى مِنْهُ مَا يُخَالِفُ رَأْيَهُ وَرُؤْيَةُ إقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا تَجْهَلْ بِهِ أَبَدًا) الَّذِي فِي الْإِحْيَاءِ: وَلَا تَبْغِي بِهِ بَدَلًا. (قَوْلُهُ: النَّاسُ مَوْتَى) أَيْ حُكْمًا لِعَدَمِ النَّفْعِ كَالْأَرْضِ الْمَيِّتَةِ الَّتِي لَا تَنْبُتُ. قَالَ تَعَالَى - ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]- أَيْ جَاهِلًا فَعَلَّمْنَاهُ - ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]- وَهُوَ الْعِلْمُ - ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]- وَهُوَ الْجَاهِلُ الْغَارِقُ فِي ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ أَوْ مَوْتَى الْقُلُوبِ. قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ وَقَالَ فَتْحٌ الْمُوصِلِيُّ: الْمَرِيضُ إذَا مُنِعَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالدَّوَاءَ أَلَيْسَ يَمُوتُ؟ قَالُوا بَلَى، قَالَ: كَذَلِكَ الْقَلْبُ إذَا مُنِعَ عَنْهُ الْحِكْمَةُ وَالْعِلْمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَمُوتُ، وَلَقَدْ صَدَقَ فَإِنَّ غِذَاءَ الْقَلْبِ الْعِلْمُ وَالْحِكْمَةُ وَبِهِ حَيَاتُهُ، كَمَا أَنَّ غِذَاءَ الْجَسَدِ الطَّعَامُ. وَمَنْ فَقَدَ الْعِلْمَ فَقَلْبُهُ مَرِيضٌ وَمَوْتُهُ لَازِمٌ إلَخْ قَالَ الشَّاعِرُ: أَخُو الْعِلْمِ حَيٌّ خَالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ... وَأَوْصَالُهُ تَحْتَ التُّرَابِ رَمِيمُ وَذُو الْجَهْلِ مَيْتٌ وَهُوَ مَاشٍ عَلَى الثَّرَى ... يُظَنُّ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَهُوَ عَدِيمُ (قَوْلُهُ: الْعِلْمُ يَرْفَعُ الْمَمْلُوكَ إلَخْ) قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ وَقَالَ ﵊ «إنَّ الْحِكْمَةَ تَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا وَتَرْفَعُ الْمَمْلُوكَ حَتَّى تُجْلِسَهُ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ» وَقَدْ نَبَّهَ بِهَذَا عَلَى ثَمَرَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى. اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: اشْتَرَانِي مَوْلَايَ بِثَلَثِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَنِي، فَقُلْت: بِأَيِّ حِرْفَةٍ أَحْتَرِفُ؟ فَاحْتَرَفْت بِالْعِلْمِ، فَمَا تَمَّتْ لِي سَنَةٌ حَتَّى أَتَانِي أَمِيرُ الْمَدِينَةِ زَائِرًا فَلَمْ آذَنْ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الْعِلْمُ إلَخْ) هَذَا بَيْتٌ مِنْ بَحْرِ السَّرِيعِ، وَقَوْلُهُ لِأَرْبَابِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ مِنْ وِلَايَةٍ؛ لِأَنَّ نَعْتَ النَّكِرَةِ إذَا قُدِّمَ عَلَيْهَا أُعْرِبَ حَالًا أَوْ صِفَةً لِلْعِلْمِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْزَلْ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ وِلَايَةٌ إلَهِيَّةٌ لَا سَبِيلَ لِلْعِبَادِ إلَى عَزْلِهِ مِنْهَا: وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ أُولِي الْأَمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]- هُمْ الْعُلَمَاءُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ آخِرَ الْكِتَابِ. وَفِي الْإِحْيَاءِ قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: لَيْسَ شَيْءٌ أَعَزُّ مِنْ الْعِلْمِ، الْمُلُوكُ حُكَّامٌ عَلَى النَّاسِ، وَالْعُلَمَاءُ حُكَّامٌ عَلَى الْمُلُوكِ. اهـ. وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: إنَّ الْمُلُوكَ لَيَحْكُمُونَ عَلَى الْوَرَى ... وَعَلَى الْمُلُوكِ لَتَحْكُمُ الْعُلَمَاءُ

стр. 37

إنَّ الْأَمِيرَ هُوَ الَّذِي ... يَضْحَى أَمِيرًا عِنْدَ عَزْلِهْ إنْ زَالَ سُلْطَانُ الْوِلَا ... يَةِ كَانَ فِي سُلْطَانِ فَضْلِهْ وَاعْلَمْ أَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ وَهُوَ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ لِدِينِهِ. وَفَرْضَ كِفَايَةٍ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ. ــ [رد المحتار] (قَوْلُهُ: إنَّ الْأَمِيرَ إلَخْ) الْبَيْتَانِ مِنْ مَجْزُوءِ الْكَامِلِ الْمُرَفَّلِ، يَعْنِي أَنَّ الْأَمِيرَ الْكَامِلَ لَيْسَ هُوَ مَنْ إذَا عُزِلَ صَارَ مِنْ آحَادِ الرَّعِيَّةِ، بَلْ هُوَ الَّذِي إذَا عُزِلَ مِنْ إمَارَةِ الْوِلَايَةِ يَبْقَى مُتَّصِفًا بِإِمَارَةِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ إلَخْ) أَيْ الْعِلْمُ الْمُوصِلُ إلَى الْآخِرَةِ أَوْ الْأَعَمُّ مِنْهُ. قَالَ الْعَلَامِيُّ فِي فُصُولِهِ: مِنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ تَعَلُّمُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَبْدُ فِي إقَامَةِ دِينِهِ وَإِخْلَاصِ عَمَلِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَمُعَاشَرَةِ عِبَادِهِ. وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَمُكَلَّفَةٍ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ عِلْمَ الدِّينِ وَالْهِدَايَةِ تَعَلُّمُ عِلْمِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَعِلْمِ الزَّكَاةِ لِمَنْ لَهُ نِصَابٌ، وَالْحَجِّ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَالْبُيُوعِ عَلَى التُّجَّارِ لِيَحْتَرِزُوا عَنْ الشُّبُهَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ. وَكَذَا أَهْلُ الْحِرَفِ، وَكُلُّ مَنْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ يُفْرَضُ عَلَيْهِ عِلْمُهُ وَحُكْمُهُ لِيَمْتَنِعَ عَنْ الْحَرَامِ فِيهِ اهـ. مَطْلَبٌ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَفَرْضِ الْعَيْنِ وَفِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ: لَا شَكَّ فِي فَرْضِيَّةِ عِلْمِ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ وَعِلْمِ الْإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْعَمَلِ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ وَعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَعِلْمِ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَابِدَ مَحْرُومٌ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِ بِالرِّيَاءِ، وَعِلْمِ الْحَسَدِ وَالْعُجْبِ إذْ هُمَا يَأْكُلَانِ الْعَمَلَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَعِلْمِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ لِمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَعِلْمِ الْأَلْفَاظِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ الْمُكَفِّرَةِ، وَلَعَمْرِي هَذَا مِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّك تَسْمَعُ كَثِيرًا مِنْ الْعَوَّامِ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يُكَفِّرُ وَهُمْ عَنْهَا غَافِلُونَ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُجَدِّدَ الْجَاهِلُ إيمَانَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَيُجَدِّدَ نِكَاحَ امْرَأَتِهِ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، إذْ الْخَطَأُ وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الرَّجُلِ فَهُوَ مِنْ النِّسَاءِ كَثِيرٌ. (قَوْلُهُ: وَفَرْضُ كِفَايَةٍ إلَخْ) عَرَّفَهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ بِالْمُتَحَتِّمِ الْمَقْصُودُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ. قَالَ: فَيَتَنَاوَلُ مَا هُوَ دِينِيٌّ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَدُنْيَوِيٌّ كَالصَّنَائِعِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا وَخَرَجَ الْمَسْنُونُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ مَنْظُورٌ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ. اهـ. قَالَ فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ: وَأَمَّا فَرْضُ الْكِفَايَةِ مِنْ الْعِلْمِ، فَهُوَ كُلُّ عِلْمٍ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِي قِوَامِ أُمُورِ الدُّنْيَا كَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْكَلَامِ وَالْقِرَاءَاتِ وَأَسَانِيدِ الْحَدِيثِ وَقِسْمَةِ الْوَصَايَا وَالْمَوَارِيثِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمَعَانِي وَالْبَدِيعِ وَالْبَيَانِ وَالْأُصُولِ وَمَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالنَّصِّ وَالظَّاهِرِ وَكُلُّ هَذِهِ آلَةٌ لِعِلْمِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، وَكَذَا عِلْمُ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ وَالْعِلْمُ بِالرِّجَالِ وَأَسَامِيهِمْ وَأَسَامِي الصَّحَابَةِ وَصِفَاتِهِمْ، وَالْعِلْمُ بِالْعَدَالَةِ فِي الرِّوَايَةِ، وَالْعِلْمُ بِأَحْوَالِهِمْ لِتَمْيِيزِ الضَّعِيفِ مِنْ الْقَوِيِّ، وَالْعِلْمِ بِأَعْمَارِهِمْ وَأُصُولِ الصِّنَاعَاتِ وَالْفِلَاحَةِ كَالْحِيَاكَةِ وَالسِّيَاسَةِ وَالْحِجَامَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا زَادَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَدْرٍ يَحْتَاجُهُ لِدِينِهِ فِي الْحَالِ مَطْلَبُ فَرْضِ الْعَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ [تَنْبِيهٌ] فَرْضُ الْعَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ حَقًّا لِلنَّفْسِ، فَهُوَ أَهَمُّ عِنْدَهَا وَأَكْثَرُ مَشَقَّةً، بِخِلَافِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّهُ مَفْرُوضٌ حَقًّا لِلْكَافَّةِ وَالْكَافِرُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَالْأَمْرُ إذَا عَمَّ خَفَّ، وَإِذَا خَصَّ ثَقُلَ.

стр. 38

وَمَنْدُوبًا، وَهُوَ التَّبَحُّرُ فِي الْفِقْهِ وَعِلْمِ الْقَلْبِ. وَحَرَامًا، وَهُوَ عِلْمُ الْفَلْسَفَةِ وَالشَّعْبَذَةِ وَالتَّنْجِيمِ ــ [رد المحتار] وَقِيلَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ مُسْقِطٌ لِلْحَرَجِ عَنْ الْأُمَّةِ بِأَسْرِهَا، وَبِتَرْكِهِ يَعْصِي الْمُتَمَكِّنُونَ مِنْهُ كُلُّهُمْ، وَلَا شَكَّ فِي عِظَمِ وَقْعِ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ. اهـ. طَوَّاقِيٌّ، وَنَقَلَ ط أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْأَوَّلُ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ التَّبَحُّرُ فِي الْفِقْهِ) أَيْ التَّوَسُّعُ فِيهِ وَالِاطِّلَاعُ عَلَى غَوَامِضِهِ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَآلَاتِهَا. (قَوْلُهُ: وَعِلْمِ الْقَلْبِ) أَيْ عِلْمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ أَنْوَاعُ الْفَضَائِلِ وَكَيْفِيَّةُ اكْتِسَابِهَا وَأَنْوَاعُ الرَّذَائِلِ وَكَيْفِيَّةُ اجْتِنَابِهَا. اهـ. ح وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْفِقْهِ لَا عَلَى التَّبَحُّرِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ عِلْمَ الْإِخْلَاصِ وَالْعُجْبِ وَالْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَمِثْلُهَا غَيْرُهَا مِنْ آفَاتِ النُّفُوسِ: كَالْكِبْرِ وَالشُّحِّ وَالْحِقْدِ وَالْغِشِّ وَالْغَضَبِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالطَّمَعِ وَالْبُخْلِ وَالْبَطَرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالْخِيَانَةِ وَالْمُدَاهَنَةِ وَالِاسْتِكْبَارِ عَنْ الْحَقِّ وَالْمَكْرِ وَالْمُخَادَعَةِ وَالْقَسْوَةِ وَطُولِ الْأَمَلِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي رُبُعِ الْمُهْلِكَاتِ مِنْ الْإِحْيَاءِ. قَالَ فِيهِ: وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهَا بَشَرٌ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهَا مَا يَرَى نَفْسَهُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَإِزَالَتُهَا فَرْضُ عَيْنٍ وَلَا يُمْكِنُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ حُدُودِهَا وَأَسْبَابِهَا وَعَلَامَاتِهَا وَعِلَاجِهَا، فَإِنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الشَّرَّ يَقَعُ فِيهِ. (قَوْلُهُ: الْفَلْسَفَةِ) هُوَ لَفْظٌ يُونَانِيٌّ، وَتَعْرِيبُهُ الْحِكَمُ الْمُمَوَّهَةُ: أَيْ مُزَيَّنَةُ الظَّاهِرِ فَاسِدَةُ الْبَاطِنِ، كَالْقَوْلِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ ط. وَذَكَرَ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهَا لَيْسَتْ عِلْمًا بِرَأْسِهَا بَلْ هِيَ أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ: أَحَدُهَا: الْهَنْدَسَةُ وَالْحِسَابُ، وَهُمَا مُبَاحَانِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُمَا إلَّا مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَاوَزَهُمَا إلَى عُلُومٍ مَذْمُومَةٍ. وَالثَّانِي: الْمَنْطِقُ، وَهُوَ بَحْثٌ عَنْ وَجْهِ الدَّلِيلِ وَشُرُوطِهِ وَوَجْهِ الْحَدِّ وَشُرُوطِهِ، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ. وَالثَّالِثُ: الْإِلَهِيَّاتُ، وَهُوَ بَحْثٌ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، انْفَرَدُوا فِيهِ بِمَذَاهِبَ بَعْضُهَا كُفْرٌ وَبَعْضُهَا بِدْعَةٌ. وَالرَّابِعُ: الطَّبِيعِيَّاتُ، وَبَعْضُهَا مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ، وَبَعْضُهَا بَحْثٌ عَنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ وَخَوَاصِّهَا وَكَيْفِيَّةِ اسْتِحَالَتِهَا وَتَغَيُّرِهَا، وَهُوَ شَبِيهٌ بِنَظَرِ الْأَطِبَّاءِ، إلَّا أَنَّ الطَّبِيبَ يَنْظُرُ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْخُصُوصِ مِنْ حَيْثُ يَمْرَضُ وَيَصِحُّ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ فِي جَمِيعِ الْأَجْسَامِ مِنْ حَيْثُ تَتَغَيَّرُ وَتَتَحَرَّكُ، وَلَكِنْ لِلطِّبِّ فَضْلٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ. وَأَمَّا عُلُومُهُمْ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا اهـ. (قَوْلُهُ: وَالشَّعْبَذَةِ) الصَّوَابُ الشَّعْوَذَةُ، وَهِيَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ خِفَّةٌ فِي الْيَدِ كَالسِّحْرِ تَرَى الشَّيْءَ بِغَيْرِ مَا عَلَيْهِ أَصْلُهُ. اهـ. حَمَوِيٌّ، لَكِنْ فِي الْمِصْبَاحِ شَعْوَذَ الرَّجُلُ شَعْوَذَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ شَعْبَذَ شَعْبَذَةً وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَهِيَ لَعِبٌ يَرَى الْإِنْسَانُ مِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ كَالسِّحْرِ. اهـ. ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَأَفْتَى الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَهْلِ الْحَقِّ فِي الطُّرُقَاتِ الَّذِينَ لَهُمْ أَشْيَاءُ غَرِيبَةٌ كَقَطْعِ رَأْسِ إنْسَانٍ وَإِعَادَتِهِ وَجَعْلِ نَحْوِ دَرَاهِمَ مِنْ التُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى السَّحَرَةِ إنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الَّذِي يَقْطَعُ يَدَ الرَّجُلِ أَوْ يُدْخِلُ السِّكِّينَ فِي جَوْفِهِ إنْ كَانَ سِحْرًا قُتِلَ وَإِلَّا عُوقِبَ. مَطْلَبٌ فِي التَّنْجِيمِ وَالرَّمْلِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّنْجِيمِ) هُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ الِاسْتِدْلَال بِالتَّشَكُّلَاتِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ السُّفْلِيَّةِ. اهـ. ح. وَفِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّ عِلْمَ النُّجُومِ فِي نَفْسِهِ حَسَنٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ، إذْ هُوَ قِسْمَانِ: حِسَابِيٌّ

стр. 39

وَالرَّمْلِ وَعُلُومِ الطَّبَائِعِيِّينَ وَالسِّحْرِ ــ [رد المحتار] وَإِنَّهُ حَقٌّ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]- أَيْ سَيْرُهُمَا بِحِسَابٍ. وَاسْتِدْلَالِيٌّ بِسَيْرِ النُّجُومِ وَحَرَكَةِ الْأَفْلَاكِ عَلَى الْحَوَادِثِ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْرِهِ، وَهُوَ جَائِزٌ كَاسْتِدْلَالِ الطَّبِيبِ بِالنَّبْضِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ ادَّعَى الْغَيْبَ بِنَفْسِهِ يَكْفُرُ، ثُمَّ تَعَلُّمُ مِقْدَارِ مَا يُعْرَفُ بِهِ مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ وَالْقِبْلَةُ لَا بَأْسَ بِهِ. اهـ. وَأَفَادَ أَنَّ تَعَلُّمَ الزَّائِدِ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ فِيهِ بَأْسٌ بَلْ صَرَّحَ فِي الْفُصُولِ بِحُرْمَتِهِ وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقِسْمُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: إنَّ عِلْمَ النُّجُومِ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مَذْمُومٍ لِذَاتِهِ إذْ هُوَ قِسْمَانِ إلَخْ ثُمَّ قَالَ وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ فِي الشَّرْعِ. وَقَالَ عُمَرُ: تَعَلَّمُوا مِنْ النُّجُومِ مَا تَهْتَدُوا بِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ثُمَّ امْسِكُوا، وَإِنَّمَا زَجَرَ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُضِرٌّ بِأَكْثَرِ الْخَلْقِ، فَإِنَّهُ إذَا أَلْقَى إلَيْهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ تَحْدُثُ عَقِيبَ سَيْرِ الْكَوَاكِبِ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّهَا الْمُؤَثِّرَةُ، وَثَانِيهَا: أَنَّ أَحْكَامَ النُّجُومِ تَخْمِينٌ مَحْضٌ، وَلَقَدْ كَانَ مُعْجِزَةً لِإِدْرِيسَ ﵇ فِيمَا يُحْكَى وَقَدْ انْدَرَسَ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَإِنَّ مَا قُدِّرَ كَائِنٌ وَالِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ اهـ مُلَخَّصًا. (قَوْلُهُ: وَالرَّمْلِ) هُوَ عِلْمٌ بِضُرُوبِ أَشْكَالٍ مِنْ الْخُطُوطِ وَالنُّقَطِ بِقَوَاعِدَ مَعْلُومَةٍ تَخْرُجُ حُرُوفًا تُجْمَعُ وَيُسْتَخْرَجُ جُمْلَةٌ دَالَّةٌ عَلَى عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ حَرَامٌ قَطْعًا وَأَصْلُهُ لِإِدْرِيسَ ﵇ ط أَيْ فَهُوَ شَرِيعَةٌ مَنْسُوخَةٌ. وَفِي فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ تَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ الْعَوَّامِ أَنَّ فَاعِلَهُ يُشَارِكُ اللَّهَ تَعَالَى فِي غَيْبِهِ. (قَوْلُهُ: وَعُلُومِ الطَّبَائِعِيِّينَ) الْعِلْمُ الطَّبِيعِيُّ عِلْمٌ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ الْجِسْمِ الْمَحْسُوسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُعَرَّضٌ لِلتَّغَيُّرِ فِي الْأَحْوَالِ وَالثَّبَاتِ فِيهَا. اهـ. ح. وَفِي فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ: مَا كَانَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْفَلَاسِفَةِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَفَاسِدَ كَاعْتِقَادِ قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَحْوِهِ وَحُرْمَتِهِ مُشَابَهَةً لِحُرْمَةِ التَّنْجِيمِ مِنْ حَيْثُ إفْضَاءُ كُلٍّ إلَى الْمَفْسَدَةِ. . (قَوْلُهُ: وَالسِّحْرِ) هُوَ عِلْمٌ يُسْتَفَادُ مِنْهُ حُصُولُ مَلَكَةٍ نَفْسَانِيَّةٍ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى أَفْعَالٍ غَرِيبَةٍ لِأَسْبَابٍ خَفِيَّةٍ. اهـ. ح. وَفِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ لِبِيرِيٍّ زَادَهْ قَالَ الشُّمُنِّيُّ: تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ حَرَامٌ. أَقُولُ: مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ وَلَوْ تَعَلَّمَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَفِي شَرْحِ الزَّعْفَرَانِيِّ: السِّحْرُ حَقٌّ عِنْدَنَا وُجُودُهُ وَتَصَوُّرُهُ وَأَثَرُهُ. وَفِي ذَخِيرَةِ النَّاظِرِ تَعَلُّمُهُ فَرْضٌ لِرَدِّ سَاحِرِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَحَرَامٌ لِيُفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا، وَجَائِزٌ لِيُوَفِّقَ بَيْنَهُمَا. اهـ. ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. قَالَ ط بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ عَنْ الْمُحِيطِ: وَفِيهِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ التُّوَلَةِ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ: وَهِيَ مَا يُفْعَلُ لِيُحَبِّبَ الْمَرْأَةَ إلَى زَوْجِهَا. اهـ. أَقُولُ: بَلْ نَصَّ عَلَى حُرْمَتِهَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ وَهْبَانَ بِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ السِّحْرِ. قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كِتَابَةِ آيَاتٍ، بَلْ فِيهِ شَيْءٌ زَائِدٌ اهـ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ قُبَيْلَ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ السَّاحِرِ وَالزِّنْدِيقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فَيَجِبُ قَتْلُ السَّاحِرِ وَلَا يُسْتَتَابُ بِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ لَا بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ اهـ.

стр. 40

وَالْكِهَانَةِ، وَدَخَلَ فِي الْفَلْسَفَةِ الْمَنْطِقُ، وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ عِلْمُ الْحَرْفِ ــ [رد المحتار] وَذُكِرَ فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي مَنْصُورٍ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ خَطَأٌ وَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ رَدُّ مَا لَزِمَ فِي شَرْطِ الْإِيمَانِ فَهُوَ كُفْرٌ وَإِلَّا فَلَا. اهـ. أَقُولُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا هُوَ سِحْرٌ يَكْفُرُ بِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَلْزَمُ مُرَاجَعَتُهُ مِنْ أَوَاخِرِ شَرْحِ اللَّقَانِيِّ الْكَبِيرِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ. وَمِنْ كِتَابِ [الْإِعْلَامِ فِي قَوَاطِعِ الْإِسْلَامِ] لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ. مَطْلَبُ السِّحْرِ أَنْوَاعٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ السِّحْرَ اسْمُ جِنْسٍ لِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ: السِّيمِيَاءُ، وَهِيَ مَا يُرَكَّبُ مِنْ خَوَاصَّ أَرْضِيَّةٍ كَدُهْنٍ خَاصٍّ أَوْ كَلِمَاتٍ خَاصَّةٍ تُوجِبُ إدْرَاكَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ أَوْ بَعْضِهَا بِمَا لَهُ وُجُودٌ حَقِيقِيٌّ، أَوْ بِمَا هُوَ تَخَيُّلٌ صِرْفٌ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْمُومٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. الثَّانِي: الْهِيمْيَاءُ، وَهِيَ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ مُضَافًا لِآثَارٍ سَمَاوِيَّةٍ لَا أَرْضِيَّةٍ. الثَّالِثُ: بَعْضُ خَوَاصِّ الْحَقَائِقِ، كَمَا يُؤْخَذُ سَبْعُ أَحْجَارٍ يُرْمَى بِهَا نَوْعٌ مِنْ الْكِلَابِ إذَا رَمَى بِحَجَرٍ عَضَّهُ، فَإِذَا عَضَّهَا الْكَلْبُ وَطُرِحَتْ فِي مَاءٍ فَمَنْ شَرِبَهُ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ آثَارٌ خَاصَّةٌ فَهَذِهِ أَنْوَاعُ السِّحْرِ الثَّلَاثَةِ، قَدْ تَقَعُ بِمَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ لَفْظٍ أَوْ اعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ، وَقَدْ تَقَعُ بِغَيْرِهِ كَوَضْعِ الْأَحْجَارِ. وَلِلسِّحْرِ فُصُولٌ كَثِيرَةٌ فِي كُتُبِهِمْ. فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُسَمَّى سِحْرًا كُفْرًا، إذْ لَيْسَ التَّكْفِيرُ بِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ بَلْ لِمَا يَقَعُ بِهِ مِمَّا هُوَ كُفْرٌ كَاعْتِقَادِ انْفِرَادِ الْكَوَاكِبِ: بِالرُّبُوبِيَّةِ أَوْ إهَانَةِ قُرْآنٍ أَوْ كَلَامٍ مُكَفِّرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِكَلَامِ إمَامِ الْهُدَى أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ، ثُمَّ إنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ كُفْرِهِ مُطْلَقًا عَدَمُ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ بِسَبَبِ سَعْيِهِ بِالْفَسَادِ كَمَا مَرَّ. فَإِذَا ثَبَتَ إضْرَارُهُ بِسِحْرِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ مُكَفِّرٍ: يُقْتَلُ دَفْعًا لِشَرِّهِ كَالْخُنَّاقِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ. مَطْلَبٌ فِي الْكِهَانَةِ. (قَوْلُهُ: وَالْكِهَانَةِ) وَهِيَ تَعَاطِي الْخَبَرِ عَنْ الْكَائِنَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَادِّعَاءُ مَعْرِفَةِ الْأَسْرَارِ. قَالَ فِي نِهَايَةِ الْحَدِيثِ: وَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَبِ كَهَنَةٌ كَشِقٍّ وَسَطِيحٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ تَابِعًا يُلْقِي إلَيْهِ الْأَخْبَارَ عَنْ الْكَائِنَاتِ، وَمِنْهُمْ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مُوَافِقِهَا مِنْ كَلَامِ مَنْ يَسْأَلُهُ أَوْ حَالِهِ أَوْ فِعْلِهِ وَهَذَا يَخُصُّونَهُ بِاسْمِ الْعَرَّافِ كَالْمُدَّعِي مَعْرِفَةَ الْمَسْرُوقِ وَنَحْوِهِ، وَحَدِيثُ " مَنْ أَتَى كَاهِنًا " يَشْمَلُ الْعَرَّافَ وَالْمُنَجِّمَ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ يَتَعَاطَى عِلْمًا دَقِيقًا كَاهِنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْمُنَجِّمَ وَالطَّبِيبَ كَاهِنًا اهـ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. (قَوْلُهُ: وَدَخَلَ فِي الْفَلْسَفَةِ الْمَنْطِقُ) لِأَنَّهُ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِهِمْ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ الْبَاطِلَةِ. أَمَّا مَنْطِقُ الْإِسْلَامِيِّينَ الَّذِي مُقَدِّمَاتُهُ قَوَاعِدُ إسْلَامِيَّةٌ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِحُرْمَتِهِ بَلْ سَمَّاهُ الْغَزَالِيُّ مِعْيَارَ الْعُلُومِ، وَقَدْ أَلَّفَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ وَمِنْهُمْ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فَإِنَّهُ أَتَى مِنْهُ بِبَيَانِ مُعْظَمِ مَطَالِبِهِ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ. (قَوْلُهُ: عِلْمُ الْحَرْفِ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَافُ الَّذِي هُوَ إشَارَةٌ إلَى الْكِيمْيَاءِ، وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ ضَيَاعِ الْمَالِ وَالِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يُفِيدُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَمْعُ حُرُوفٍ يَخْرُجُ مِنْهَا دَلَالَةٌ عَلَى حَرَكَاتٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ عِلْمُ أَسْرَارِ الْحُرُوفِ بِأَوْفَاقِ الِاسْتِخْدَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. اهـ. ط. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ الطَّلْسَمَاتُ، وَهِيَ كَمَا فِي شَرْحِ اللَّقَانِيِّ نَقْشُ أَسْمَاءٍ خَاصَّةٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ عَلَى زَعْمِ أَهْلِ هَذَا الْعِلْمِ فِي أَجْسَامٍ مِنْ الْمَعَادِنِ أَوْ غَيْرِهَا تَحْدُثُ لَهَا خَاصَّةً رُبِطَتْ بِهَا فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ. اهـ. هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ مِنْ التُّحْفَةِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي انْقِلَابِ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ

стр. 41

وَعِلْمُ الْمُوسِيقَى. وَمَكْرُوهًا وَهُوَ أَشْعَارُ الْمُوَلَّدِينَ مِنْ الْغَزَلِ وَالْبَطَالَةِ، وَمُبَاحًا كَأَشْعَارِهِمْ - ــ [رد المحتار] كَالنُّحَاسِ إلَى الذَّهَبِ هَلْ هُوَ ثَابِتٌ؟ فَقِيلَ نَعَمْ لِانْقِلَابِ الْعَصَا ثُعْبَانًا حَقِيقَةً وَإِلَّا لَبَطَلَ الْإِعْجَازُ. وَقِيلَ لَا لِأَنَّ قَلْبَ الْحَقَائِقِ مُحَالٌ. وَالْحَقُّ الْأَوَّلُ إلَى أَنْ قَالَ: تَنْبِيهٌ، كَثِيرًا مَا يُسْأَلُ عَنْ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ وَتَعَلُّمُهُ هَلْ يَحِلُّ أَوْ لَا، وَلَمْ نَرَ لِأَحَدٍ كَلَامًا فِي ذَلِكَ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَنْ عَلَّمَ الْعِلْمَ الْمُوصِلَ لِذَلِكَ الْقَلْبِ عِلْمًا يَقِينِيًّا جَازَ لَهُ عِلْمُهُ وَتَعْلِيمُهُ إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ بِوَجْهٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ وَكَانَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى الْغِشِّ فَالْوَجْهُ الْحُرْمَةُ اهـ مُلَخَّصًا. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قُلْنَا بِإِثْبَاتِ قَلْبِ الْحَقَائِقِ وَهُوَ الْحَقُّ جَازَ الْعَمَلُ بِهِ وَتَعَلُّمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغِشٍّ لِأَنَّ النُّحَاسَ يَنْقَلِبُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً حَقِيقَةً. وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ كَمَا لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ حَقِيقَةً لِمَا فِيهِ مِنْ إتْلَافِ الْمَالِ أَوْ غِشِّ الْمُسْلِمِينَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَذْهَبَنَا ثُبُوتُ انْقِلَابِ الْحَقَائِقِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرُوهُ فِي انْقِلَابِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ. كَانْقِلَابِ الْخَمْرِ خَلًّا وَالدَّمِ مِسْكًا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: وَعِلْمِ الْمُوسِيقِيِّ) بِكَسْرِ الْقَافِ: وَهُوَ عِلْمٌ رِيَاضِيٌّ يُعْرَفُ مِنْهُ أَحْوَالُ النَّغَمِ وَالْإِيقَاعَاتِ، وَكَيْفِيَّةُ تَأْلِيفِ اللُّحُونِ، وَإِيجَادُ الْآلَاتِ. وَمَوْضُوعُهُ الصَّوْتُ مِنْ جِهَةِ تَأْثِيرِهِ فِي النُّفُوسِ بِاعْتِبَارِ نِظَامِهِ فِي طَبَقَتِهِ وَزَمَانِهِ. وَثَمَرَتُهُ بَسْطُ الْأَرْوَاحِ وَتَعْدِيلُهَا وَتَفْوِيتُهَا وَقَبْضُهَا أَيْضًا. مَطْلَبٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى إنْشَادِ الشِّعْرِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَشْعَارُ الْمُوَلَّدِينَ) أَيْ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ حَدَثُوا بَعْدَ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمُوَلَّدَةُ الْمُحْدَثَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَمِنْ الشُّعَرَاءِ لِحُدُوثِهِمْ. وَفِي آخِرِ الرَّيْحَانَةِ لِلشِّهَابِ الْخَفَاجِيِّ: بُلَغَاءُ الْعَرَبِ فِي الشِّعْرِ وَالْخُطَبِ عَلَى سِتِّ طَبَقَاتٍ: الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى مِنْ عَادٍ وَقَحْطَانَ. وَالْمُخَضْرَمُونَ. وَهُمْ مَنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ. وَالْإِسْلَامِيُّونَ وَالْمُوَلَّدُونَ وَالْمُحْدَثُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ مِنْ الْعَصْرِيِّينَ، وَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ هُمْ مَا هُمْ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْجَزَالَةِ. وَمَعْرِفَةُ شِعْرِهِمْ رِوَايَةً وَدِرَايَةً عِنْدَ فُقَهَاءِ الْإِسْلَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِهِ تَثْبُتُ قَوَاعِدُ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى مَعْرِفَتِهِمَا الْأَحْكَامُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا الْحَلَالُ مِنْ الْحَرَامِ. وَكَلَامُهُمْ وَإِنْ جَازَ فِيهِ الْخَطَأُ فِي الْمَعَانِي فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْخَطَأُ فِي الْأَلْفَاظِ وَتَرْكِيبِ الْمَبَانِي اهـ. (قَوْلُهُ: عَنْ الْغَزَلِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا فِيهِ وَصْفُ النِّسَاءِ وَالْغِلْمَانِ. وَهُوَ فِي الْأَصْلِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ: اسْمٌ لِمُحَادَثَةِ النِّسَاءِ. وَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَالْبَطَالَةِ عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا. فَشَمِلَ وَصْفَ حَالِ الْمُحِبِّ مَعَ الْمَحْبُوبِ أَوْ مَعَ عُذَّالِهِ مِنْ الْوَصْلِ وَالْهَجْرِ وَاللَّوْعَةِ وَالْغَرَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْبَطَالَةُ نَقِيضُ الْعِمَالَةِ. مِنْ بَطَلَ الْأَجِيرُ مِنْ الْعَمَلِ فَهُوَ بَطَّالٌ بَيِّنُ الْبَطَالَةِ بِالْفَتْحِ وَحُكِيَ بِالْكَسْرِ وَهُوَ أَفْصَحُ وَرُبَّمَا قِيلَ بِالضَّمِّ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ وَجَدَ بِهَامِشِ الْمِصْبَاحِ بِخَطِّ مُصَنِّفِهِ مَا حَاصِلُهُ: الْفَعَالَةُ بِالْفَتْحِ قَدْ يَكُونُ وَصْفًا لِلطَّبِيعَةِ كَالرَّزَانَةِ وَالْجَهَالَةِ. وَبِالْكَسْرِ لِلصِّنَاعَةِ كَالتِّجَارَةِ. وَبِالضَّمِّ لِمَا يُرْمَى كَالْقُلَامَةِ. وَقَدْ يُضَمَّنُ اللَّفْظُ الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ فَيَجُوزُ فِيهِ الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثَةُ، فَالْبَطَالَةُ بِالْفَتْحِ لِأَنَّهُ وَصْفٌ ثَابِتٌ، وَبِالْكَسْرِ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الصِّنَاعَةَ لِلْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا، وَبِالضَّمِّ لِأَنَّهَا مِمَّا يُرْفَضُ. اهـ. أَقُولُ: وَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَكْرُوهَ مِنْهُ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ صِنَاعَةً لَهُ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ وَأَشْغَلَهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ. وَبِهِ فُسِّرَ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ، فَالْيَسِيرُ مِنْ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا قُصِدَ بِهِ إظْهَارُ النِّكَاتِ وَاللَّطَافَاتِ وَالتَّشَابِيهِ الْفَائِقَةِ وَالْمَعَانِي الرَّائِقَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي وَصْفِ الْخُدُودِ وَالْقُدُودِ، فَإِنَّ عُلَمَاءَ الْبَدِيعِ قَدْ اسْتَشْهَدُوا مِنْ ذَلِكَ

стр. 42

الَّتِي لَا يَسْتَخِفُّ فِيهَا كَذَا فِي فَوَائِدَ شَتَّى مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ. ثُمَّ نَقَلَ مَسْأَلَةَ الرُّبَاعِيَّاتِ، وَمَحَطُّهَا أَنَّ الْفِقْهَ هُوَ ثَمَرَةُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ ثَوَابُ الْفَقِيهِ أَقَلَّ مِنْ ثَوَابِ الْمُحَدِّثِ، وَفِيهَا كُلُّ إنْسَانٍ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَعْلَمُ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَبِهِ؛ لِأَنَّ إرَادَتَهُ تَعَالَى غَيْبٌ إلَّا الْفُقَهَاءَ فَإِنَّهُمْ عَلِمُوا إرَادَتَهُ تَعَالَى بِهِمْ بِحَدِيثِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَفِيهَا: كُلُّ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا الْعِلْمَ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ نَبِيِّهِ أَنْ يَطْلُبَ الزِّيَادَةَ مِنْهُ - ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]- فَكَيْفَ يَسْأَلُ عَنْهُ؟ . ــ [رد المحتار] بِأَشْعَارِ الْمُوَلَّدِينَ وَغَيْرِهِمْ لِهَذَا الْقَصْدِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي إشْهَادَاتِ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْهُ مَا كَانَ فِي اللَّفْظِ مَا لَا يَحِلُّ كَصِفَةِ الذُّكُورِ وَالْمَرْأَةِ الْمُعَيَّنَةِ الْحَيَّةِ وَوَصْفِ الْخَمْرِ الْمُهَيِّجِ إلَيْهَا وَالْحَانَاتِ وَالْهِجَاءِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ إذَا أَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ هِجَاءَهُ، لَا إذَا أَرَادَ إنْشَادَ الشِّعْرِ لِلِاسْتِشْهَادِ بِهِ أَوْ لِيُعْلِمَ فَصَاحَتَهُ وَبَلَاغَتَهُ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَصْفَ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ إنْشَادُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ لِذَلِكَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَكَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَمِمَّا يَقْطَعُ بِهِ فِي هَذَا قَوْلُ كَعْبٍ ﵁ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ : وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إذْ رَحَلُوا ... إلَّا أَغَنُّ غَضِيضَ الطَّرْفِ مَكْحُولُ تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذَا ابْتَسَمَتْ ... كَأَنَّهُ مَنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ وَكَثِيرٌ فِي شِعْرِ حَسَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ هَذَا كَقَوْلِهِ وَقَدْ سَمِعَهُ النَّبِيُّ ﷺ : تَبَّلَتْ فُؤَادَك فِي الْمَنَامِ خَرِيدَةٌ ... تَسْقِي الضَّجِيعَ بِبَارِدٍ بَسَّام فَأَمَّا الزُّهْرِيَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ ذَلِكَ الْمُتَضَمِّنَةُ وَصْفَ الرَّيَاحِينِ وَالْأَزْهَارِ وَالْمِيَاهِ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ نَعَمْ إذَا قِيلَ عَلَى الْمَلَاهِي امْتَنَعَ وَإِنْ كَانَ مَوَاعِظَ وَحِكَمًا اهـ مُلَخَّصًا. وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ النَّوَازِلِ قِرَاءَةُ شِعْرِ الْأَدَبِ إذَا كَانَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِسْقِ وَالْخَمْرِ وَالْغُلَامِ يُكْرَهُ، وَالِاعْتِمَادُ فِي الْغُلَامِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَرْأَةِ: أَيْ مِنْ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً حَيَّةً يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً فَلَا. اهـ. وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قُبَيْلَ بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: الَّتِي لَا يُسْتَخَفُّ فِيهَا) أَيْ لَيْسَ فِيهَا اسْتِخْفَافٌ بِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَذِكْرِ عَوْرَاتِهِ وَالْأَخْذِ فِي عِرْضِهِ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَشْبَاهِ لَا سُخْفَ فِيهَا: أَيْ لَا رِقَّةَ وَخِفَّةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ فِي نَقْلِ) أَيْ فِي الْفَوَائِدِ آخِرَ الْفَنِّ الثَّالِثِ مِنْ الْأَشْبَاهِ عَنْ الْمَنَاقِبِ الْبَزَّازِيِّ وَذَكَرَ الْحَلَبِيُّ عِبَارَتَهُ بِتَمَامِهَا، وَاقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى مَحَطِّهَا: أَيْ الْمَقْصُودِ مِنْهَا. (قَوْلُهُ: وَفِيهَا) أَيْ فِي الْأَشْبَاهِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْبَهْجَةِ لِلْعِرَاقِيِّ. (قَوْلُهُ: غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَالْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ كَالْعَشَرَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالَهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابْلُسِيُّ فِي شَرْحِ هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ. (قَوْلُهُ: لَهُ) أَيْ مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ حَيْثُ أَرَادَ بِهِ تَعَالَى الْخَيْرَ. (قَوْلُهُ: وَبِهِ) أَيْ وَلَا يَعْلَمُ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ. (قَوْلُهُ: إلَّا الْفُقَهَاءَ) الْمُرَادُ بِهِمْ الْعَالِمُونَ بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى اعْتِقَادًا وَعَمَلًا؛ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ عِلْمِ الْفُرُوعِ فِقْهًا تَسْمِيَةٌ حَادِثَةٌ، قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إنَّمَا الْفَقِيهُ الْمُعْرِضُ عَنْ الدُّنْيَا الرَّاغِبِ فِي الْآخِرَةِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: وَفِيهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَخْ) نَقَلَهُ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْفُصُوصِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فُصُوصُ الْحُكْمِ لِلشَّيْخِ الْأَكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ الْأَنْوَارُ. (قَوْلُهُ: إلَّا الْعِلْمَ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَمَوِيُّ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُفِيدُ السُّؤَالَ عَنْ الْعِلْمِ، وَلَفْظُهُ «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ

стр. 43

وَفِيهَا إذَا سُئِلْنَا عَنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ مُخَالِفِنَا قُلْنَا وُجُوبًا: مَذْهَبُنَا صَوَابٌ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَمَذْهَبُ مُخَالِفِنَا خَطَأٌ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ. وَإِذَا سُئِلْنَا عَنْ مُعْتَقَدِنَا ــ [رد المحتار] فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ اكْتَسَبَهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا صَنَعَ بِهِ» . وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ إلَّا طَلَبَ الزِّيَادَةِ مِنْ الْعِلْمِ وَبِهِ يَصِحُّ التَّعْلِيلُ. وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ طَلَبِهِ هَلْ قَصَدَ بِهِ الرِّيَاءَ أَوْ الْجَاهَ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ «وَلَكِنْ تَعَلَّمْت الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَدْ قِيلَ» إلَخْ. أَقُولُ: الْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ النَّافِعُ الْمُوصِلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَهُوَ الْمَقْرُونُ بِحُسْنِ النِّيَّةِ مَعَ الْعَمَلِ بِهِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ آفَاتِ النَّفْسِ، فَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مَحْضٌ. بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ صَاحِبُهُ عَنْهُ لِيُعَذِّبَهُ بِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَمَامُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ: وَلِذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَبْعَثُ الْعُلَمَاءَ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ إنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمِي فِيكُمْ إلَّا لِعِلْمِي بِكُمْ، وَلَمْ أَضَعْ عِلْمِي فِيكُمْ لِأُعَذِّبَكُمْ. اذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ» هَذَا مَا ظَهَرَ لِي. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَفِيهَا) أَيْ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ آخِرِ الْمُصَفَّى لِلْإِمَامِ النَّسَفِيِّ. (قَوْلُهُ: عَنْ مَذْهَبِنَا) أَيْ عَنْ صِفَتِهِ فَالْمَعْنَى إذَا سُئِلْنَا أَيُّ الْمَذَاهِبِ صَوَابٌ ط. (قَوْلُهُ: مُخَالِفِنَا) أَيْ مَنْ خَالَفَنَا فِي الْفُرُوعِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ. (قَوْلُهُ: قُلْنَا إلَخْ) لِأَنَّك لَوْ قَطَعْت الْقَوْلَ لَمَا صَحَّ قَوْلُنَا إنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ أَشْبَاهٌ: أَيْ فَلَا نَجْزِمُ بِأَنَّ مَذْهَبَنَا صَوَابٌ أَلْبَتَّةَ وَلَا بِأَنَّ مَذْهَبَ مُخَالِفِنَا خَطَأٌ أَلْبَتَّةَ، بِنَاءً عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ وَجَبَ طَلَبُهُ. فَمَنْ أَصَابَهُ فَهُوَ الْمُصِيبُ وَمَنْ لَا فَهُوَ الْمُخْطِئُ. وَنُقِلَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: ثُمَّ الْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُخْطِئَ مَأْجُورٌ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ. مَطْلَبٌ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي التَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ أَيْضًا أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ. وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَطَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يَجُوزُ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا. كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، فَقِيلَ يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ وَقَدْ شَاعَ أَنَّ الْعَامِّيَّ لَا مَذْهَبَ لَهُ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْ النَّسَفِيِّ مِنْ وُجُوبِ اعْتِقَادِ أَنَّ مَذْهَبَهُ صَوَابٌ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْتِزَامُ مَذْهَبِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِي الْعَامِّيِّ. وَقَدْ رَأَيْت فِي آخِرِ فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ الْفِقْهِيَّةِ التَّصْرِيحَ بِبَعْضِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ عِبَارَةِ النَّسَفِيِّ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ حَرَّرَ أَنَّ قَوْلَ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ إنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ تَقْلِيدُ الْأَعْلَمِ دُونَ غَيْرِهِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فِي تَقْلِيدِ أَيٍّ شَاءَ وَلَوْ مَفْضُولًا وَإِنْ اعْتَقَدَهُ كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْطَعَ أَوْ يَظُنَّ أَنَّهُ عَلَى الصَّوَابِ، بَلْ عَلَى الْمُقَلِّدِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ إمَامُهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ الْحَقُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ رَأَيْت الْمُحَقِّقَ ابْنَ الْهُمَامِ صَرَّحَ بِمَا يُؤَيِّدُهُ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: إنْ أَخَذَ الْعَامِّيُّ بِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ أَصْوَبُ أَوْلَى، وَعَلَى هَذَا اسْتَفْتَى مُجْتَهِدَيْنِ فَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ الْأَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ قَلْبُهُ مِنْهُمَا. وَعِنْدِي أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِقَوْلِ الَّذِي لَا يَمِيلُ إلَيْهِ جَازَ؛ لِأَنَّ مَيْلَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ وَقَدْ فَعَلَ. اهـ. (قَوْلُهُ: عَنْ مُعْتَقَدِنَا) أَيْ عَمَّا نَعْتَقِدُ مِنْ غَيْرِ

стр. 44

وَمُعْتَقَدِ خُصُومِنَا. قُلْنَا وُجُوبًا الْحَقُّ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَالْبَاطِلُ مَا عَلَيْهِ خُصُومُنَا وَفِيهَا: الْعُلُومُ ثَلَاثَةٌ: عِلْمٌ نَضِجَ وَمَا احْتَرَقَ، وَهُوَ عِلْمُ النَّحْوِ وَالْأُصُولِ. وَعِلْمٌ لَا نَضِجَ وَلَا احْتَرَقَ، وَهُوَ عِلْمُ الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ. وَعِلْمٌ نَضِجَ وَاحْتَرَقَ، وَهُوَ عِلْمُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ. وَقَدْ قَالُوا: الْفِقْهُ زَرَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁، وَسَقَاهُ عَلْقَمَةُ، وَحَصَدَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ، وَدَاسَهُ حَمَّادٌ، ــ [رد المحتار] الْمَسَائِلِ الْفَرْعِيَّةِ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِلَا تَقْلِيدٍ لِأَحَدٍ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهُمْ الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ، وَهُمْ مُتَوَافِقُونَ إلَّا فِي مَسَائِلَ يَسِيرَةٍ أَرْجَعَهَا بَعْضُهُمْ إلَى الْخِلَافِ اللَّفْظِيِّ كَمَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ. (قَوْلُهُ: وَمُعْتَقَدِ خُصُومِنَا) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُكَفِّرَةِ وَغَيْرِهَا كَالْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ نَفْيِ الصَّانِعِ أَوْ عَدَمِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ، وَالْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَعَدَمِ إرَادَتِهِ تَعَالَى الشَّرَّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: عِلْمٌ نَضِجَ وَمَا احْتَرَقَ) الْمُرَادُ بِنُضْجِ الْعِلْمِ تَقَرُّرُ قَوَاعِدِهِ وَتَفْرِيعُ فُرُوعِهَا وَتَوْضِيحُ مَسَائِلِهِ، وَالْمُرَادُ بِاحْتِرَاقِهِ بُلُوغُهُ النِّهَايَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّحْوَ وَالْأُصُولَ لَمْ يَبْلُغَا النِّهَايَةَ فِي ذَلِكَ أَفَادَهُ ح. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُصُولِ أُصُولُ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ أُصُولَ الْعَقَائِدِ فِي غَايَةِ التَّحْرِيرِ وَالتَّنْقِيحِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ عِلْمُ الْبَيَانِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْعُلُومَ الثَّلَاثَةَ: الْمَعَانِيَ وَالْبَيَانَ وَالْبَدِيعَ؛ وَلِذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إنَّ مَنْزِلَةَ عِلْمِ الْبَيَانِ مِنْ الْعُلُومِ مِثْلُ مَنْزِلَةِ السَّمَاءِ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ جَمِيعِهِ مِنْ بَلَاغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَنُكَتِهِ وَبَدِيعَاتِهِ، بَلْ عَلَى النَّزْرِ الْيَسِيرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]- وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَلَاغَةِ ط. (قَوْلُهُ: وَالتَّفْسِيرِ) أَيْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيّ فِي الْإِتْقَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، كُلُّ حَرْفٍ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ جَبَلٍ قَافٍ، وَكُلُّ آيَةٍ تَحْتَهَا مِنْ التَّفَاسِيرِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ط. (قَوْلُهُ: عِلْمُ الْحَدِيثِ) لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ الْمُرَادُ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ جَزَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى خَيْرًا وَضَعُوا كُتُبًا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَنَسَبِهِمْ وَالْفَرْقِ بَيْنَ أَسْمَائِهِمْ، وَبَيَّنُوا سَيِّئَ الْحِفْظِ مِنْهُمْ وَفَاسِدَ الرِّوَايَةِ مِنْ صَحِيحِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ حَفِظَ الْمِائَةَ أَلْفٍ وَالثَّلَثَمِائَةِ، وَحَصَرُوا مَنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَبَيَّنُوا الْأَحْكَامَ وَالْمُرَادَ مِنْهَا فَانْكَشَفَتْ حَقِيقَتُهُ ط. (قَوْلُهُ: وَالْفِقْهُ) لِأَنَّ حَوَادِثَ الْخَلَائِقِ عَلَى اخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا وَتَشَتُّتَاتِهَا مَرْقُومَةٌ بِعَيْنِهَا أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، بَلْ قَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أُمُورٍ لَا تَقَعُ أَصْلًا أَوْ تَقَعُ نَادِرًا، وَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا فَنَادِرٌ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْصُوصًا غَيْرَ أَنَّ النَّاظِرَ يَقْصُرُ عَنْ الْبَحْثِ عَنْ مَحَلِّهِ أَوْ عَنْ فَهْمِ مَا يُفِيدُهُ مِمَّا هُوَ مَنْصُوصٌ بِمَفْهُومٍ أَوْ مَنْطُوقٍ ط، أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْفِقْهِ مَا يَشْمَلُ مَذْهَبَنَا وَغَيْرَهُ فَإِنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ أَصْلًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُ قَوْلٍ خَارِجٍ عَنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَالُوا الْفِقْهُ) أَيْ الْفِقْهُ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْ أَعَمَّ. (قَوْلُهُ: زَرَعَهُ) أَيْ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِاسْتِنْبَاطِ فُرُوعِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ، أَحَدُ السَّابِقِينَ وَالْبَدْرِيِّينَ وَالْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ مِنْ الصَّحَابَةِ. أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التَّقْرِيبِ: وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: انْتَهَى عِلْمُ الصَّحَابَةِ إلَى سِتَّةٍ: عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُبَيُّ وَزَيْدٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ انْتَهَى عِلْمُ السِّتَّةِ إلَى عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. (قَوْلُهُ: وَسَقَاهُ) أَيْ أَيَّدَهُ وَوَضَّحَهُ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ النَّخَعِيّ الْفَقِيهُ الْكَبِيرُ، عَمُّ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَخَالُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ. وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخَذَ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيٍّ وَعُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ. (قَوْلُهُ: وَحَصَدَهُ) أَيْ جَمَعَ مَا تَفَرَّقَ مِنْ فَوَائِدِهِ وَنَوَادِرِهِ وَهَيَّأَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَبُو عِمْرَانَ النَّخَعِيّ الْكُوفِيُّ، الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ الصَّالِحُ الزَّاهِدُ. رَوَى عَنْ الْأَعْمَشِ وَخَلَائِقَ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. (قَوْلُهُ: وَدَاسَهُ) أَيْ اجْتَهَدَ فِي تَنْقِيحِهِ وَتَوْضِيحِهِ حَمَّادُ بْنُ مُسْلِمٍ الْكُوفِيُّ شَيْخُ الْإِمَامِ وَبِهِ تَخَرَّجَ. وَأَخَذَ حَمَّادٌ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْهُ، قَالَ الْإِمَامُ مَا صَلَّيْت

стр. 45

وَطَحَنَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَعَجَنَهُ أَبُو يُوسُفَ وَخَبَزَهُ مُحَمَّدٌ، فَسَائِرُ النَّاسِ يَأْكُلُونَ مِنْ خُبْزِهِ، وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: الْفِقْهُ زَرْعُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةُ ... حَصَادُهُ ثُمَّ إبْرَاهِيمُ دَوَّاسُ نُعْمَانُ طَاحِنُهُ يَعْقُوبُ عَاجِنُهُ ... مُحَمَّدٌ خَابِزٌ وَالْآكِلُ النَّاسُ وَقَدْ ظَهَرَ عِلْمُهُ بِتَصَانِيفِهِ كَالْجَامِعَيْنِ وَالْمَبْسُوطِ وَالزِّيَادَاتِ وَالنَّوَادِرِ، حَتَّى قِيلَ إنَّهُ صَنَّفَ فِي الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ كِتَابًا. وَمِنْ تَلَامِذَتِهِ الشَّافِعِيُّ ﵁. وَتَزَوَّجَ بِأُمِّ الشَّافِعِيِّ وَفَوَّضَ إلَيْهِ كُتُبَهُ وَمَالَهُ ــ [رد المحتار] صَلَاةً إلَّا اسْتَغْفَرْت لَهُ مَعَ وَالِدَيَّ مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ. (قَوْلُهُ: وَطَحَنَهُ) أَيْ أَكْثَرَ أُصُولَهُ وَفَرَّعَ فُرُوعَهُ وَأَوْضَحَ سُبُلَهُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ وَسِرَاجُ الْأُمَّةِ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الْفِقْهَ وَرَتَّبَهُ أَبْوَابًا وَكُتُبًا عَلَى نَحْوِ مَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وَتَبِعَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُ إنَّمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَى حِفْظِهِمَا. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ كِتَابَ الْفَرَائِضِ وَكِتَابَ الشُّرُوطِ، كَذَا فِي الْخَيْرَاتِ الْحِسَانِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَعَجَنَهُ) أَيْ دَقَّقَ النَّظَرَ فِي قَوَاعِدِ الْإِمَامِ وَأُصُولِهِ وَاجْتَهَدَ فِي زِيَادَةِ اسْتِنْبَاطِ الْفُرُوعِ مِنْهَا، وَالْأَحْكَامِ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَاضِي الْقُضَاةِ، فَإِنَّهُ كَمَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْكُتُبَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمْلَى الْمَسَائِلَ وَنَشَرَهَا وَبَثَّ عِلْمَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَهُوَ أَفْقَهُ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ أَحَدٌ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ النِّهَايَةَ فِي الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ وَالرِّيَاسَةِ. وُلِدَ سَنَةَ (١١٣) وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ (١٨٢) . (قَوْلُهُ: وَخَبَزَهُ) أَيْ زَادَ فِي اسْتِنْبَاطِ الْفُرُوعِ وَتَنْقِيحِهَا وَتَهْذِيبِهَا وَتَحْرِيرِهَا بِحَيْثُ لَمْ تَحْتَجْ إلَى شَيْءٍ آخَرَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ تِلْمِيذُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ مُحَرِّرِ الْمَذْهَبِ النُّعْمَانِيِّ، الْمُجْمَعِ عَلَى فَقَاهَتِهِ وَنَبَاهَتِهِ. رُوِيَ أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلٌ الْمُزَنِيّ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ؟ فَقَالَ: سَيِّدُهُمْ، قَالَ: فَأَبُو يُوسُفَ؟ قَالَ: أَتْبَعُهُمْ لِلْحَدِيثِ، قَالَ: فَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ تَفْرِيعًا قَالَ: فَزُفَرُ؟ قَالَ أَحَدُّهُمْ قِيَاسًا، وُلِدَ سَنَةَ (١٣٢) وَتُوُفِّيَ بِالرَّيِّ سَنَةَ (١٨٩) . (قَوْلُهُ: مِنْ خُبْزِهِ) بِالضَّمِّ أَيْ خُبْزِ مُحَمَّدٍ الَّذِي خَبَزَهُ مِنْ عَجِينِ أَبِي يُوسُفَ مِنْ طَحِينِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِذَا رَوَى الْخَطِيبُ عَنْ الرَّبِيعِ قَالَ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: النَّاسُ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ. كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّنْ وُفِّقَ لَهُ الْفِقْهُ. (قَوْلُهُ: فَقَالَ) أَيْ مِنْ بَحْرِ الْبَسِيطِ، وَتَرْتِيبُ هَذَا النَّظَرِ بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ قَبْلَهُ وَسَقَطَ مِنْهُ حَمَّادٌ. (قَوْلُهُ: عِلْمُهُ) أَيْ مُحَمَّدٍ. (قَوْلُهُ: كَالْجَامِعَيْنِ) الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَقَدْ أُلِّفَتْ فِي الْمَذْهَبِ تَآلِيفُ سُمِّيَتْ بِالْجَامِعِ فَوْقَ مَا يَنُوفُ عَنْ أَرْبَعِينَ، وَكُلُّ تَأْلِيفٍ لِمُحَمَّدٍ وُصِفَ بِالصَّغِيرِ فَهُوَ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ الْإِمَامِ، وَمَا وُصِفَ بِالْكَبِيرِ فَرِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ بِلَا وَاسِطَةٍ ط. (قَوْلُهُ: وَالنَّوَادِرِ) الْأَوْلَى إبْدَالُهَا بِالسِّيَرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ الْخَمْسَةَ هِيَ كُتُبُ مُحَمَّدٍ الْمُسَمَّاةُ بِالْأَصْلِ وَظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا رُوِيَتْ عَنْهُ بِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ عَنْهُ مُتَوَاتِرَةٌ أَوْ مَشْهُورَةٌ، وَفِيهَا الْمَسَائِلُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ أَصْحَابِ الْمَذْهَبِ، وَهُمْ أَبُو ح وَأَبُو س وم. وَأَمَّا النَّوَادِرُ فَهِيَ مَسَائِلُ مَرْوِيَّةٌ عَنْهُمْ فِي كُتُبٍ أُخَرَ لِمُحَمَّدٍ كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات وَالرُّقَيَّاتِ وَهِيَ دُونُ الْأُولَى، وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ مَسَائِلُ النَّوَازِلِ سُئِلَ عَنْهَا الْمَشَايِخُ الْمُجْتَهِدُونَ فِي الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَجِدُوا فِيهَا نَصًّا فَأَفْتَوْا فِيهَا تَخْرِيجًا، وَقَدْ نَظَمْت ذَلِكَ فَقُلْت: وَكُتْبُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَتَتْ ... سِتًّا لِكُلِّ ثَابِتٍ عَنْهُمْ حَوَتْ صَنَّفَهَا مُحَمَّدٌ الشَّيْبَانِيُّ ... حَرَّرَ فِيهَا الْمَذْهَبَ النُّعْمَانِيّ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ ... وَالسِّيَرَ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ ثُمَّ الزِّيَادَاتِ مَعَ الْمَبْسُوطِ ... تَوَاتَرَتْ بِالسَّنَدِ الْمَضْبُوطِ كَذَا لَهُ مَسَائِلُ النَّوَادِرِ ... إسْنَادُهَا فِي الْكُتْبِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَبَعْدَهَا مَسَائِلُ النَّوَازِلِ ... خَرَّجَهَا الْأَشْيَاخُ بِالدَّلَائِلِ

стр. 46

فَبِسَبَبِهِ صَارَ الشَّافِعِيُّ فَقِيهًا. وَلَقَدْ أَنْصَفَ الشَّافِعِيُّ حَيْثُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَلْيَلْزَمْ أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ الْمَعَانِيَ قَدْ تَيَسَّرَتْ لَهُمْ، وَاَللَّهِ مَا صِرْت فَقِيهًا إلَّا بِكُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ: رَأَيْت مُحَمَّدًا فِي الْمَنَامِ فَقُلْت لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَرَدْت أَنْ أُعَذِّبَك مَا جَعَلْت هَذَا الْعِلْمَ فِيك، فَقُلْت لَهُ: فَأَيْنَ أَبُو يُوسُفَ؟ قَالَ: فَوْقَنَا بِدَرَجَتَيْنِ قُلْت: فَأَبُو حَنِيفَةَ؟ قَالَ: هَيْهَاتَ، ذَاكَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ. كَيْفَ وَقَدْ صَلَّى الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَحَجَّ خَمْسًا وَخَمْسِينَ حَجَّةً، وَرَأَى رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَلَهَا قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ. وَفِي حَجَّتِهِ الْأَخِيرَةِ اسْتَأْذَنَ حَجَبَةَ الْكَعْبَةِ بِالدُّخُولِ لَيْلًا فَقَامَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَوَضَعَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِهَا حَتَّى خَتَمَ نِصْفَ الْقُرْآنِ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ــ [رد المحتار] وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ آخِرَ الْمُقَدِّمَةِ. وَفِي طَبَقَاتِ التَّمِيمِيِّ عَنْ شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِلسَّرَخْسِيِّ أَنَّ السِّيَرَ الْكَبِيرَ آخِرُ تَصْنِيفٍ صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْفِقْهِ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ السِّيَرَ الصَّغِيرَ وَقَعَ بِيَدِ الْأَوْزَاعِيِّ إمَامِ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ مَا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَالتَّصْنِيفِ فِي هَذَا الْبَابِ. فَإِنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالسِّيَرِ، فَبَلَغَ مُحَمَّدًا فَصَنَّفَ الْكَبِيرَ، فَحَكَى أَنَّهُ لَمَّا نَظَرَ فِيهِ الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: لَوْلَا مَا ضَمَّنَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَقُلْت إنَّهُ يَضَعُ الْعِلْمَ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَيَّنَ جِهَةَ إصَابَةِ الْجَوَابِ فِي رَأْيِهِ، صَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]- ثُمَّ أَمَرَ مُحَمَّدٌ أَنْ يُكْتَبَ فِي سِتِّينَ دَفْتَرًا، وَأَنْ يُحْمَلَ إلَى الْخَلِيفَةِ فَأَعْجَبَهُ وَعَدَّهُ مِنْ مَفَاخِرِ أَيَّامِهِ اهـ مُلَخَّصًا. (قَوْلُهُ: فَبِسَبَبِهِ صَارَ الشَّافِعِيُّ فَقِيهًا) أَيْ ازْدَادَ فَقَاهَةً، وَاطَّلَعَ عَلَى مَسَائِلَ لَمْ يَكُنْ مُطَّلِعًا عَلَيْهَا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا أَبْدَعَ فِي كَثْرَةِ اسْتِخْرَاجِ الْمَسَائِلِ، وَإِلَّا فَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقِيهٌ مُجْتَهِدٌ قَبْلَ وُرُودِهِ إلَى بَغْدَادَ، وَكَيْفَ يُسْتَفَادُ الِاجْتِهَادُ الْمُطْلَقُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ أَفَادَهُ ح. (قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ مَا صِرْت فَقِيهًا) الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا: حَمَلْت مِنْ عِلْمِ ابْنِ الْحَسَنِ وِقْرَ بَعِيرٍ كُتُبًا. وَقَالَ: أَمَنُّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي الْفِقْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. (قَوْلُهُ: هَيْهَاتَ) اسْمُ فِعْلٍ: أَيْ بَعُدَ مَكَانُهُ عَنِّي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ط. (قَوْلُهُ: فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ) اسْمٌ لِأَعْلَى الْجَنَّةِ: أَيْ هُوَ فِي أَعْلَى مَكَان فِي الْجَنَّةِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا لَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّحَابَةَ أَرْفَعُ مِنْهُ دَرَجَةً قَطْعًا. وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِنَحْوِ اجْعَلْنِي مَعَ النَّبِيِّينَ فَالْمُرَادُ فِي الِاجْتِمَاعِ وَالْمُؤَانَسَةِ لَا فِي الدَّرَجَةِ وَالْمَنْزِلَةِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩]- إلَخْ ط. (قَوْلُهُ: كَيْفَ) اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ بِمَعْنَى النَّفْيِ: أَيْ كَيْفَ لَا يُعْطَى هَذَا الْمَكَانُ الْأَعْلَى ط. (قَوْلُهُ: وَلَهَا) أَيْ لِرُؤْيَتِهِ رَبَّهُ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ النَّجْمُ الْغَيْطِيُّ. وَهِيَ أَنَّ الْإِمَامَ ﵁ قَالَ: رَأَيْت رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ مَرَّةً فَقُلْت فِي نَفْسِي إنْ رَأَيْته تَمَامَ الْمِائَةِ لَأَسْأَلَنَّهُ: بِمَ يَنْجُو الْخَلَائِقُ مِنْ عَذَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَرَأَيْته فَقُلْت: يَا رَبِّ عَزَّ جَارُك وَجَلَّ ثَنَاؤُك وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُك، بِمَ يَنْجُو عِبَادُك يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَذَابِك؟ فَقَالَ : مَنْ قَالَ بَعْدَ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ: سُبْحَانَ الْأَبَدِيِّ الْأَبَدِ، سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، سُبْحَانَ الْفَرْدِ الصَّمَدِ، سُبْحَانَ رَافِعِ السَّمَاءِ بِلَا عَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ بَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى مَاءٍ جَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ فَأَحْصَاهُمْ عَدَدْ، سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الرِّزْقَ وَلَمْ يَنْسَ أَحَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدْ، نَجَا مِنْ عَذَابِي. اهـ. ط. (قَوْلُهُ: عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ. اهـ. ح أَيْ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ.

стр. 47

ثُمَّ قَامَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِهَا حَتَّى خَتَمَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَلَّمَ بَكَى وَنَاجَى رَبَّهُ وَقَالَ: إلَهِي مَا عَبَدَك هَذَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ حَقَّ عِبَادَتِك لَكِنْ عَرَفَك حَقَّ مَعْرِفَتِك، فَهَبْ نُقْصَانَ خِدْمَتِهِ لِكَمَالِ مَعْرِفَتِهِ، فَهَتَفَ هَاتِفٌ مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ: يَا أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ عَرَفْتَنَا حَقَّ الْمَعْرِفَةِ وَخَدَمْتَنَا فَأَحْسَنْتَ الْخِدْمَةَ، قَدْ غَفَرْنَا لَك وَلِمَنْ اتَّبَعَك مِمَّنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِك إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: بِمَ بَلَغْت مَا بَلَغْت؟ قَالَ: مَا بَخِلْتُ بِالْإِفَادَةِ، وَمَا اسْتَنْكَفْتُ عَنْ الِاسْتِفَادَةِ. قَالَ مُسَافِرُ بْنُ كِدَامٍ: مَنْ جَعَلَ أَبَا حَنِيفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ رَجَوْت أَنْ لَا يَخَافَ. وَقَالَ فِيهِ: حَسْبِي مِنْ الْخَيْرَاتِ مَا أَعْدَدْته ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي رِضَا الرَّحْمَنِ دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْوَرَى ... ثُمَّ اعْتِقَادِي مَذْهَبَ النُّعْمَانِ وَعَنْهُ ﵊ «إنَّ آدَمَ افْتَخَرَ بِي وَأَنَا أَفْتَخِرُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي اسْمُهُ نُعْمَانُ وَكُنْيَتُهُ أَبُو حَنِيفَةَ، هُوَ سِرَاجُ أُمَّتِي» وَعَنْهُ ﵊ «إنَّ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ يَفْتَخِرُونَ بِي وَأَنَا أَفْتَخِرُ بِأَبِي حَنِيفَةَ، مَنْ أَحَبَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَقَدْ أَبْغَضَنِي» كَذَا فِي التَّقْدُمَةِ شَرْحِ مُقَدِّمَةِ أَبِي اللَّيْثِ. قَالَ فِي الضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ: ــ [رد المحتار] وَأَجَابَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ بِحَمْلِهِ عَلَى التَّرَاوُحِ؛ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ نَصْبِ الْقَدَمَيْنِ، وَتَفْسِيرُ التَّرَاوُحِ: أَنْ يَعْتَمِدَ الْمُصَلِّي عَلَى قَدَمٍ مَرَّةً وَعَلَى الْأُخْرَى مَرَّةً أُخْرَى: أَيْ مَعَ وَضْعِ الْقَدَمَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ بِدُونِ رَفْعِ إحْدَاهُمَا لَكِنْ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ وَوَضَعَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِهَا إلَخْ. أَفَادَهُ ط. وَقَدْ يُقَالُ: لِلْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَقْصِدٌ حَسَنٌ فِي ذَلِكَ نَفْيُ الْكَرَاهَةِ عَنْهُ كَمَا قَالُوا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ حَاسِرًا عَنْ رَأْسِهِ، لَكِنْ إذَا قَصَدَ التَّذَلُّلَ فَلَا كَرَاهَةَ. ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَجَابَ بِذَلِكَ فَقَالَ: إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مُجَاهَدَةً لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ غَرَضُ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ بِذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَخْتَلَّ مِنْهُ خُشُوعُهُ مَانِعًا لِلْكَرَاهَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: حَقَّ عِبَادَتِك) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ: أَيْ عِبَادَتَك الْحَقَّةَ الَّتِي تَلِيقُ بِجَلَالِك بَلْ هِيَ بِقَدْرِ مَا فِي وُسْعِهِ ط. (قَوْلُهُ: لَكِنْ عَرَفَك) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ عَدَمَ عِبَادَتِهِ حَقَّ الْعِبَادَةِ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ عَرَفَهُ بِصِفَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كِبْرِيَائِهِ وَمَجْدِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ دَوَامَ مُشَاهَدَتِهِ، وَمُرَاقَبَتِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَعْرِفَةَ كُنْهِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُسْتَحِيلَاتِ ط. (قَوْلُهُ: فَهَبْ) مِنْ الْهِبَةِ: وَهِيَ الْعَطِيَّةُ، يَقُولُ وَهَبْت لَهُ: أَيْ أَعْطِ نُقْصَانَ الْخِدْمَةِ لِكَمَالِ الْمَعْرِفَةِ أَيْ شَفَعَ هَذَا بِهَذَا كَمَا فِي هَبْ مُسِيئَنَا لِمُحْسِنِنَا. (قَوْلُهُ: وَلِمَنْ اتَّبَعَك) أَيْ فِي الْخِدْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ أَوْ فِيمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُك مِنْ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَلَمْ يَزِغْ عَنْهَا لَا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ. (قَوْلُهُ: إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِكَانَ التَّامَّةِ أَوْ بِاتَّبَعَك (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ) ذَكَرَ فِي التَّعْلِيمِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: بِمَ أَدْرَكْت الْعِلْمَ؟ قَالَ: إنَّمَا أَدْرَكْت الْعِلْمَ بِالْجُهْدِ وَالشُّكْرِ، وَكُلَّمَا فَهِمْت وَوَقَفْت عَلَى فِقْهٍ وَحِكْمَةٍ قُلْت الْحَمْدُ لِلَّهِ فَازْدَادَ عِلْمِي ط. (قَوْلُهُ: وَمَا اسْتَنْكَفْت) أَيْ أَنِفْت وَامْتَنَعْت. (قَوْلُهُ: مُسَافِرُ بْنُ كِدَامٍ) الَّذِي رَأَيْته فِي مَوَاضِعَ كَتَعَدُّدِهِ: مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا وَكِدَامٌ بِالدَّالِ. (قَوْلُهُ: رَجَوْت أَنْ لَا يَخَافَ) لِأَنَّهُ قَلَّدَ إمَامًا عَالِمًا صَحِيحَ الِاجْتِهَادِ سَالِمَ الِاعْتِقَادِ، وَمَنْ قَلَّدَ عَالِمًا لَقَى اللَّهَ سَالِمًا، وَتَمَامُ كَلَامِ مِسْعَرٍ: وَأَنْ لَا يَكُونَ فَرَّطَ فِي الِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ) أَيْ مِسْعَرٌ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْغَزْنَوِيَّةِ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَأَنَّهُ أَنْشَدَهُمَا أَبُو يُوسُفَ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: حَسْبِي) أَيْ كَافِي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ مَا أَعْدَدْته: أَيْ هَيَّأْته، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِحَسْبِي أَوْ بِأَعْدَدْته أَوْ بِرِضَا وَفِي لِلسَّبَبِيَّةِ وَدِينُ بَدَلٌ مِنْ مَا. (قَوْلُهُ: وَأَنَا أَفْتَخِرُ إلَخْ) الْفَخْرُ وَالِافْتِخَارُ التَّمَدُّحُ بِالْخِصَالِ: أَيْ يَذْكُرُ مِنْ جُمْلَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنْ جَعَلَ مِنْ أَتْبَاعِهِ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي شَيَّدَ بُنْيَانَ الدِّينِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرِ التَّابِعِينَ، وَتَبِعَهُ مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْأُمَّةِ، وَسَبَقَ فِي الِاجْتِهَادِ وَتَدْوِينِ الْفِقْهِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَأَعَانَهُمْ بِأَصْحَابِهِ وَفَوَائِدِهِ الْجَمَّةِ عَلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الْمُهِمَّةِ. (قَوْلُهُ: الضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ)

стр. 48

وَقَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ إنَّهُ مَوْضُوعٌ تَعَصُّبٌ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَرَوَى الْجُرْجَانِيُّ فِي مَنَاقِبِهِ بِسَنَدِهِ لِسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ " لَوْ كَانَ فِي أُمَّتَيْ مُوسَى وَعِيسَى مِثْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَمَا تَهَوَّدُوا وَلَمَا تَنَصَّرُوا " ــ [رد المحتار] هُوَ شَرْحُ مُقَدِّمَةِ الْغَزْنَوِيِّ لِلْقَاضِي أَبِي الْبَقَاءِ بْنِ الضِّيَاءِ الْمَكِّيِّ. (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ) أَيْ نَاقِلًا عَنْ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ رُوِيَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ) بَسَطَهَا الْعَلَّامَةُ طَاشْ كُبْرَى، فَيُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا فَيُقْبَلُ؛ إذْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلَا شَكَّ فِي تَحَقُّقِ مَعْنَاهُ فِي الْإِمَامِ فَإِنَّهُ سِرَاجٌ يُسْتَضَاءُ بِنُورِ عِلْمِهِ وَيُهْتَدَى بِثَاقِبِ فَهْمِهِ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ قَدْ أَقَرَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى عَدِّهِ هَذِهِ الْأَخْبَارَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ وَالْحَافِظُ السُّيُوطِيّ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ وَالْحَافِظُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إلَيْهِ رِئَاسَةُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي زَمَنِهِ الشَّيْخُ قَاسِمٌ الْحَنَفِيُّ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُورِدْ شَيْئًا مِنْهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي مَنَاقِبِ هَذَا الْإِمَامِ كَالطَّحَاوِيِّ وَصَاحِبِ طَبَقَاتِ الْحَنَفِيَّةِ مُحْيِي الدِّينِ الْقُرَشِيِّ وَآخَرِينَ مُتْقِنِينَ ثِقَاتٍ أَثْبَاتٍ نُقَّادٍ لَهُمْ اطِّلَاعٌ كَثِيرٌ. اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي الْخَيْرَاتِ الْحِسَانِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ: وَمَنْ اطَّلَعَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ أَحْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَرَامَاتِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَسِيرَتِهِ عَلِمَ أَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ أَنْ يُسْتَشْهَدَ عَلَى فَضْلِهِ بِخَبَرٍ مَوْضُوعٍ. وَقَالَ: وَمِمَّا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَظِيمِ شَأْنِ أَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «تُرْفَعُ زِينَةُ الدُّنْيَا سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ» وَمِنْ ثَمَّ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكُرْدِيُّ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُحْمَلٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ تِلْكَ السَّنَةِ. اهـ. وَقَالَ أَيْضًا: وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ تُشِيرُ إلَى فَضْلِهِ: مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ» وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالشِّيرَازِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بِلَفْظِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَوْ كَانَ الْعِلْمُ مُعَلَّقًا عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ» وَلَفْظُ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ قَيْسٍ «لَا تَنَالُهُ الْعَرَبُ لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ» وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الدِّينُ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ» وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِفَارِسَ الْبِلَادَ الْمَعْرُوفَةَ، بَلْ جِنْسٌ مِنْ الْعَجَمِ وَهُمْ الْفُرْسُ؛ لِخَبَرِ الدَّيْلَمِيِّ «خَيْرُ الْعَجَمِ فَارِسُ» وَقَدْ كَانَ جَدُّ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ فَارِسَ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ. قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ: هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَصْلٌ صَحِيحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْإِشَارَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَبِهِ يُسْتَغْنَى عَمَّا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَنَاقِبِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ دِرَايَةٌ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ فِي سَنَدِهِ كَذَّابِينَ وَوَضَّاعِينَ اهـ مُلَخَّصًا. وَفِي حَاشِيَةِ الشبراملسي عَلَى الْمَوَاهِبِ عَنْ الْعَلَّامَةِ الشَّامِيِّ تِلْمِيذِ الْحَافِظِ السُّيُوطِيّ قَالَ: مَا جَزَمَ بِهِ شَيْخُنَا مِنْ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ فِي الْعِلْمِ مَبْلَغَهُ أَحَدٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: التُّسْتَرِيِّ) إمَامٌ عَظِيمٌ ﵁، كَانَ يَقُولُ: إنِّي لَأَعْهَدُ الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ فِي عَالَمِ الذَّرِّ؛ وَإِنِّي لَأَرْعَى أَوْلَادِي مِنْ هَذَا الْوَقْتِ إلَى أَنْ أَخْرَجَهُمْ اللَّهُ مِنْ عِلْمِ الشُّهُودِ وَالظُّهُورِ. (قَوْلُهُ: لَمَا تَهَوَّدُوا إلَخْ) أَيْ لَمَا دَامُوا عَلَى دِينِهِمْ الْبَاطِلِ وَاعْتِقَادِهِمْ الْعَاطِلِ؛ وَلَمْ يَقْبَلُوا مَا أَدْخَلَهُ عَلَيْهِمْ عُلَمَاؤُهُمْ مِنْ الدَّسَائِسِ فَأَعْمَوْهُمْ عَمَّا

стр. 49

وَمَنَاقِبُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَصَنَّفَ فِيهَا سَبْطُ بْنُ الْجَوْزِيِّ مُجَلَّدَيْنِ كَبِيرَيْنِ، وَسَمَّاهُ الِانْتِصَارَ لِإِمَامِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ ــ [رد المحتار] جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا مِنْ النَّفَائِسِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ إلَّا لِعَقْلِهِمْ الْفَاسِدِ، وَرَأْيِهِمْ الْكَاسِدِ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مِثْلُهُ غَزِيرَ الْعِلْمِ، ثَاقِبَ الْفَهْمِ، قَائِمًا بِالصِّدْقِ، عَارِفًا بِالْحَقِّ، لَرَدَّ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَأَنْقَذَهُمْ مِنْ الْمَهَالِكِ، قَبْلَ غُلُوِّهِمْ وَتَمَكُّنِ الشَّبَهِ فِي عُقُولِهِمْ، فَإِنَّ كَوْنَهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ يَكُونُ لِكَلَامِهِ أَقْبَلَ، فَإِنَّ الْجِنْسَ إلَى الْجِنْسِ أَمْيَلُ، فَلَا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهُ عَلَى نَبِيِّنَا الْمُكَرَّمِ ﷺ ، فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَمَنَاقِبُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى) هَذَا مِنْ مُشْكِلِ التَّرَاكِيبِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ فِي الْأَكْثَرِيَّةِ عَلَى الْإِحْصَاءِ وَلَا مَعْنَى لَهُ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ قَلَّ مَنْ يَتَنَبَّهُ لِإِشْكَالِهَا، وَوُجِّهَ بِأَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ بَيَّنْتهَا فِي رِسَالَتِي الْمُسَمَّاةِ بِالْفَوَائِدِ الْعَجِيبَةِ فِي إعْرَابِ الْكَلِمَاتِ الْغَرِيبَةِ، أَحْسَنُهَا مَا ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ التَّفْضِيلَ بَلْ الْمُرَادُ الْبُعْدُ عَنْ الْكَثْرَةِ، فَمِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ بِمَعْنَى تَجَاوَزَ وَبَايَنَ بِلَا تَفْضِيلٍ. (قَوْلُهُ: سَبْطُ) قِيلَ الْأَسْبَاطُ الْأَوْلَادُ خَاصَّةً، وَقِيلَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ، وَقِيلَ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ نِهَايَةُ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الثَّالِثِ. (قَوْلُهُ: وَسَمَّاهُ الِانْتِصَارَ) إنَّمَا سَمَّاهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ ﵁ لَمَّا شَاعَتْ فَضَائِلُهُ وَعَمَّتْ الْخَافِقِينَ فَوَاضِلُهُ، جَرَتْ عَلَيْهِ الْعَادَةُ الْقَدِيمَةُ مِنْ إطْلَاقِ أَلْسِنَةِ الْحَاسِدِينَ فِيهِ حَتَّى طَعَنُوا فِي اجْتِهَادِهِ وَعَقِيدَتِهِ بِمَا هُوَ مُبَرَّأٌ مِنْهُ قَطْعًا لِقَصْدِ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ وَيَأْبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، كَمَا تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي مَالِكٍ، وَبَعْضُهُمْ فِي الشَّافِعِيِّ، وَبَعْضُهُمْ فِي أَحْمَدَ، بَلْ قَدْ تَكَلَّمَتْ فِرْقَةٌ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَفِرْقَةٌ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَفِرْقَةٌ كَفَّرَتْ كُلَّ الصَّحَابَةِ: وَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْجُو مِنْ النَّاسِ سَالِمًا ... وَلِلنَّاسِ قَالٌ بِالظُّنُونِ وَقِيلُ وَمِمَّنْ انْتَصَرَ لِلْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيّ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ تَبْيِيضَ الصَّحِيفَةِ وَالْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ الْخَيْرَاتِ الْحِسَانَ وَالْعَلَّامَةُ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي الْحَنْبَلِيُّ فِي مُجَلَّدٍ كَبِيرٍ سَمَّاهُ تَنْوِيرَ الصَّحِيفَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا تَتَكَلَّمْ فِي أَبِي حَنِيفَةَ بِسُوءٍ وَلَا تُصَدِّقَنَّ أَحَدًا يُسِيءُ الْقَوْلَ فِيهِ، فَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا رَأَيْت أَفْضَلَ وَلَا أَوْرَعَ وَلَا أَفْقَهَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَغْتَرُّ أَحَدٌ بِكَلَامِ الْخَطِيبِ، فَإِنَّ عِنْدَهُ الْعَصَبِيَّةَ الزَّائِدَةَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَتَحَامَلَ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَصَنَّفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ السَّهْمَ الْمُصِيبَ فِي كَيْدِ الْخَطِيبِ. وَأَمَّا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَإِنَّهُ تَابَعَ الْخَطِيبَ وَقَدْ عَجِبَ سَبْطُهُ مِنْهُ حَيْثُ قَالَ فِي مِرْآةِ الزَّمَانِ: وَلَيْسَ الْعَجَبُ مِنْ الْخَطِيبِ فَإِنَّهُ طَعَنَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا الْعَجَبُ مِنْ الْجَدِّ كَيْفَ سَلَكَ أُسْلُوبَهُ وَجَاءَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ. قَالَ: وَمِنْ الْمُتَعَصِّبِينَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو نُعَيْمٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْحِلْيَةِ وَذَكَرَ مَنْ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ اهـ. وَمِمَّنْ انْتَصَرَ لَهُ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ بِمَا يَتَعَيَّنُ مُطَالَعَتُهُ قَالَ فِي الْخَيْرَاتِ الْحِسَانِ: وَبِفَرْضِ صِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ مِنْ الْقَدْحِ عَنْ قَائِلِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَقْرَانِ الْإِمَامِ فَهُوَ مُقَلِّدٌ لِمَا قَالَهُ أَوْ كَتَبَهُ أَعْدَاؤُهُ أَوْ مِنْ أَقْرَانِهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْأَقْرَانِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ غَيْرُ مَقْبُولٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الذَّهَبِيُّ وَالْعَسْقَلَانِيُّ قَالَا وَلَا سِيَّمَا إذَا لَاحَ أَنَّهُ لِعَدَاوَةٍ أَوْ لِمَذْهَبٍ؛ إذْ الْحَسَدُ لَا يَنْجُو مِنْهُ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَمَا عَلِمْت أَنَّ عَصْرًا سَلِمَ أَهْلُهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عَصْرَ النَّبِيِّينَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالصِّدِّيقِينَ. وَقَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ. يَنْبَغِي لَك أَيُّهَا الْمُسْتَرْشِدُ أَنْ تَسْلُكَ سَبِيلَ الْأَدَبِ مَعَ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ وَلَا تَنْظُرَ إلَى كَلَامِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ إلَّا إذَا أَتَى بِبُرْهَانٍ وَاضِحٍ. ثُمَّ إنْ قَدَرْت عَلَى التَّأْوِيلِ وَتَحْسِينِ الظَّنِّ فَدُونَك، وَإِلَّا فَاضْرِبْ صَفْحًا، فَإِيَّاكَ ثُمَّ إيَّاكَ أَنْ تُصْغِيَ إلَى مَا اتَّفَقَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ، أَوْ بَيْنَ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، أَوْ بَيْنَ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ وَالنَّسَائِيُّ، أَوْ بَيْنَ أَحْمَدَ

стр. 50

وَصَنَّفَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ النُّعْمَانَ مِنْ أَعْظَمِ مُعْجِزَاتِ الْمُصْطَفَى ــ [رد المحتار] وَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ، وَذَكَرَ كَلَامَ كَثِيرِينَ مِنْ نُظَرَاءِ مَالِكٍ فِيهِ، وَكَلَامَ ابْنِ مَعِينٍ فِي الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَمَا مِثْلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِمَا وَفِي نَظَائِرِهِمَا إلَّا كَمَا قَالَ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ: يَا نَاطِحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيُكْلِمَهُ ... أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ اهـ مُلَخَّصًا. وَقَدْ أَطَالَ فِي ذَلِكَ وَفِي ذِكْرِ مَنْ أَثْنَى عَلَى الْإِمَامِ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ، وَمَا نَقَلُوهُ مِنْ سِعَةِ عِلْمِهِ وَفَهْمِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَعِبَادَتِهِ وَاحْتِيَاطِهِ وَخَوْفِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَدْعِي مُؤَلَّفَاتٍ، وَمَا يُنْسَبُ إلَى الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ يَرُدُّهُ مَا ذَكَرَهُ فِي إحْيَائِهِ الْمُتَوَاتِرُ عَنْهُ حَيْثُ تَرْجَمَ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ وَقَالَ: وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَقَدْ كَانَ أَيْضًا عَابِدًا زَاهِدًا عَارِفًا بِاَللَّهِ تَعَالَى، خَائِفًا مِنْهُ، مُرِيدًا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِعِلْمِهِ إلَخْ. أَقُولُ: وَلَا عَجَبَ مِنْ تَكَلُّمِ السَّلَفِ فِي بَعْضِهِمْ كَمَا وَقَعَ لِلصَّحَابَةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ فَيُنْكِرُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَ الْآخَرَ سِيَّمَا إذَا قَامَ عِنْدَهُ مَا يَدُلُّ لَهُ عَلَى خَطَأِ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ قَصْدُهُمْ إلَّا الِانْتِصَارُ لِلدِّينِ لَا لِأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا الْعَجَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ فِي زَمَانِنَا وَمَأْكَلُهُ وَمَشْرَبُهُ وَمَلْبَسُهُ وَعُقُودُهُ وَأَنْكِحَتُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ تَعَبُّدَاتِهِ يُقَلِّدُ فِيهَا الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ ثُمَّ يَطْعَنُ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ إلَّا كَمِثْلِ ذُبَابَةٍ وَقَعَتْ تَحْتَ ذَنَبِ جَوَادٍ فِي حَالَةِ كَرِّهِ وَفَرِّهِ وَلَيْتَ شِعْرِي لِأَيِّ شَيْءٍ يُصَدِّقُ مَا قِيلَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يُصَدِّقُ مَا قِيلَ فِي إمَامِ مَذْهَبِهِ، وَلِمَ لَا يُقَلِّدُ إمَامَ مَذْهَبِهِ فِي أَدَبِهِ مَعَ هَذَا الْإِمَامِ الْجَلِيلِ؟ فَقَدْ نَقَلَ الْعُلَمَاءُ ثَنَاءَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَتَأَدُّبَهُمْ مَعَهُ وَلَا سِيَّمَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَالْكَامِلُ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ إلَّا الْكَمَالُ، وَالنَّاقِصُ بِضِدِّهِ. وَيَكْفِي الْمُعْتَرِضَ حِرْمَانُهُ بَرَكَةَ مَنْ يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَدَامَنَا عَلَى حُبِّ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَجَمِيعِ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ يَوْمَ الدِّينِ. وَمِمَّا رُوِيَ مِنْ تَأَدُّبِهِ مَعَهُ أَنَّهُ قَالَ: إنِّي لَأَتَبَرَّكُ بِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَجِيءُ إلَى قَبْرِهِ، فَإِذَا عَرَضَتْ لِي حَاجَةٌ صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ وَسَأَلْت اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ قَبْرِهِ فَتُقْضَى سَرِيعًا. وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ عَلَى الْمَنَاهِجِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ صَلَّى الصُّبْحَ عِنْدَ قَبْرِهِ فَلَمْ يَقْنُتْ، فَقِيلَ لَهُ لِمَ؟ قَالَ: تَأَدُّبًا مَعَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ. وَزَادَ غَيْرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْهَرْ بِالْبَسْمَلَةِ. وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لِلسُّنَّةِ مَا يُرَجِّحُ تَرْكَهَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ كَرَغْمِ أَنْفِ حَاسِدٍ، وَتَعْلِيمِ جَاهِلٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ لَهُ حُسَّادٌ كَثِيرُونَ، وَالْبَيَانُ بِالْفِعْلِ أَظْهَرُ مِنْهُ بِالْقَوْلِ، فَمَا فَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِ الْقُنُوتِ وَالْجَهْرِ. أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ ذَلِكَ الطَّاعِنَ الْأَحْمَقَ طَاعِنٌ فِي إمَامِ مَذْهَبِهِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْمِيزَانِ: سَمِعْت سَيِّدِي عَلِيًّا الْخَوَاصَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِرَارًا يَقُولُ: يَتَعَيَّنُ عَلَى أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ أَنْ يُعَظِّمُوا كُلَّ مَنْ مَدَحَهُ إمَامُهُمْ؛ لِأَنَّ إمَامَ الْمَذْهَبِ إذَا مَدَحَ عَالِمًا وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ أَتْبَاعِهِ أَنْ يَمْدَحُوهُ تَقْلِيدًا لِإِمَامِهِمْ، وَأَنْ يُنَزِّهُوهُ عَنْ الْقَوْلِ فِي دِينِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ. وَقَالَ أَيْضًا لَوْ أَنْصَفَ الْمُقَلِّدُونَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَمْ يُضَعِّفْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَوْلًا مِنْ أَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ أَنْ سَمِعُوا مَدْحَ أَئِمَّتِهِمْ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ التَّنْوِيهِ بِرِفْعَةِ مَقَامِهِ إلَّا كَوْنَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي الصُّبْحِ لَمَّا صَلَّى عِنْدَ قَبْرِهِ لَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ فِي لُزُومِ أَدَبِ مُقَلِّدِيهِ مَعَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَصَنَّفَ غَيْرُهُ) كَالْإِمَامِ الطَّحَاوِيِّ وَالْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ وَالْكَرْدَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ قَدَّمْنَاهُمْ (قَوْلُهُ: مِنْ أَعْظَمِ مُعْجِزَاتِ إلَخْ) لِأَنَّهُ ﷺ -

стр. 51

بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَحَسْبُك مِنْ مَنَاقِبِهِ اشْتِهَارُ مَذْهَبِهِ مَا قَالَ قَوْلًا إلَّا أَخَذَ بِهِ إمَامٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْحُكْمَ لِأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ مِنْ زَمَنِهِ إلَى هَذِهِ الْأَيَّامِ، إلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ عِيسَى ﵇، ــ [رد المحتار] قَدْ أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، فَإِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ بِلَا شَكٍّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الشَّامِيِّ صَاحِبِ السِّيرَةِ وَشَيْخِهِ السُّيُوطِيّ، كَمَا حُمِلَ حَدِيثُ «لَا تَسُبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا» عَلَى الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، لَكِنْ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهُوَ حَقِيقٌ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ، وَكَمَا حُمِلَ حَدِيثُ «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ الْمُنْفَرِدِينَ فِي زَمَنِهِمْ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّهَا لَيْسَ لَهَا مَحْمَلٌ إلَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ كَمَا أَفَادَهُ ط. وَأَمَّا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ حَيْثُ الصُّحْبَةُ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ وَنَشْرِ الدِّينِ وَتَدْوِينِ أَحْكَامِهِ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي الْمَفْضُولِ مَا لَا يُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحَدِّي فِي تَعْرِيفِ الْمُعْجِزَةِ هُوَ دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ طَلَبُ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُقَابَلَةِ، وَعَلَيْهِ فَذَلِكَ كَرَامَةٌ لَا مُعْجِزَةٌ، فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْقُرْآنِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَعْظَمَ، أَيْ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ دَائِمَةُ الْإِعْجَازِ وَقَيَّدَ بِذَلِكَ وَإِنْ عَبَّرَ بِمِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مُسَاوَاةُ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ لِتِلْكَ، فَإِنَّ الْمُشَارَكَةَ فِي الْأَعْظَمِيَّةِ تَصْدُقُ بِالْمُسَاوَاةِ، فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: اشْتِهَارُ مَذْهَبِهِ) أَيْ فِي عَامَّةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، بَلْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَقَالِيمِ وَالْبِلَادِ لَا يُعْرَفُ إلَّا مَذْهَبُهُ، كَبِلَادِ الرُّومِ وَالْهِنْدِ وَالسِّنْدِ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَسَمَرْقَنْدَ. وَقَدْ نُقِلَ أَنَّ فِيهَا تُرْبَةَ الْمُحَمَّدِينَ، دُفِنَ فِيهَا نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ نَفْسٍ كُلٌّ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، صَنَّفَ وَأَفْتَى وَأَخَذَ عَنْهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ. وَلَمَّا مَاتَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَنَعُوا دَفْنَهُ بِهَا فَدُفِنَ بِقُرْبِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ نَقَلَ مَذْهَبَهُ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ نَفَرٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ أَصْحَابٌ وَهَلُمَّ جَرَّا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ لَمْ يَظْهَرْ لِأَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورِينَ مِثْلُ مَا ظَهَرَ لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الْأَصْحَابِ وَالتَّلَامِيذِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ الْعُلَمَاءُ وَجَمِيعُ النَّاسِ بِمِثْلِ مَا انْتَفَعُوا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ، فِي تَفْسِيرِ الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَبِهَةِ، وَالْمَسَائِلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَالنَّوَازِلِ وَالْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ، جَزَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى الْخَيْرَ التَّامَّ. وَقَدْ ذَكَرَ مِنْهُمْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُحَدِّثِينَ فِي تَرْجَمَتِهِ ثَمَانَمِائَةٍ مَعَ ضَبْطِ أَسْمَائِهِمْ وَنَسَبِهِمْ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: قَوْلًا) أَيْ سَوَاءٌ ثَبَتَ عَلَيْهِ أَوْ رَجَعَ عَنْهُ ط. (قَوْلُهُ: إلَّا أَخَذَ بِهِ إمَامٌ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِهِ تَبَعًا لَهُ، فَإِنَّ أَقْوَالَهُمْ مَرْوِيَّةٌ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُوَافَقَةً فِي اجْتِهَادِهِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: مِنْ زَمَنِهِ إلَى هَذِهِ الْأَيَّامِ) فَالدَّوْلَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُمْ مَذْهَبَ جَدِّهِمْ، فَأَكْثَرُ قُضَاتِهَا وَمَشَايِخِ إسْلَامِهَا حَنَفِيَّةٌ، يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَصَفَّحَ كُتُبَ التَّوَارِيخِ وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِمْ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا. وَأَمَّا الْمُلُوكُ السَّلْجُوقِيُّونَ وَبَعْدَهُمْ الْخَوَارِزْمِيُّونَ فَكُلُّهُمْ حَنَفِيُّونَ وَقُضَاةُ مَمَالِكِهِمْ غَالِبُهَا حَنَفِيَّةٌ. وَأَمَّا مُلُوكُ زَمَانِنَا سَلَاطِينُ آلِ عُثْمَانَ، أَيَّدَ اللَّهُ تَعَالَى دَوْلَتَهُمْ مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ فَمِنْ تَارِيخِ تِسْعِمِائَةٍ إلَى يَوْمِنَا هَذَا لَا يُوَلُّونَ الْقَضَاءَ وَسَائِرَ مَنَاصِبِهِمْ إلَّا لِلْحَنَفِيَّةِ قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ ادِّعَاءُ التَّخْصِيصِ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ، حَتَّى يَرِدَ أَنَّ الْقَضَاءَ بِمِصْرَ كَانَ مُخْتَصًّا بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ إلَى زَمَنِ الظَّاهِرِ بِيبَرْسَ البندقداري فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: إلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ عِيسَى ﵇) تَبِعَ فِيهِ الْقُهُسْتَانِيَّ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا ذَكَرَهُ أَهْلُ

стр. 52

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ اُخْتُصَّ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ الْعِظَامِ، كَيْفَ لَا وَهُوَ كَالصِّدِّيقِ ﵁، لَهُ أَجْرُهُ وَأَجْرُ ــ [رد المحتار] الْكَشْفِ أَنَّ مَذْهَبَهُ آخِرُ الْمَذَاهِبِ انْقِطَاعًا فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ مَا نَصُّهُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا مَنَّ عَلَيَّ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى عَيْنِ الشَّرِيعَةِ رَأَيْت الْمَذَاهِبَ كُلَّهَا مُتَّصِلَةً بِهَا، وَرَأَيْت مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ تَجْرِي جَدَاوِلُهَا كُلُّهَا، وَرَأَيْت جَمِيعَ الْمَذَاهِبِ الَّتِي انْدَرَسَتْ قَدْ اسْتَحَالَتْ حِجَارَةً، وَرَأَيْت أَطْوَلَ الْأَئِمَّةِ جَدْوَلًا الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ وَيَلِيهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ، وَيَلِيهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَيَلِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَقْصَرُهُمْ جَدْوَلًا الْإِمَامُ دَاوُد، وَقَدْ انْقَرَضَ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ، فَأَوَّلْت ذَلِكَ بِطُولِ زَمَنِ الْعَمَلِ بِمَذَاهِبِهِمْ وَقِصَرِهِ فَكَمَا كَانَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ أَوَّلَ الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ آخِرَهَا انْقِرَاضًا، وَبِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْكَشْفِ اهـ لَكِنْ لَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَحْكُمُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ مَوْجُودِينَ فِي زَمَنِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فِي رِسَالَةٍ سَمَّاهَا الْإِعْلَامَ مَا حَاصِلُهُ: إنَّ مَا يُقَالُ إنَّهُ يَحْكُمُ بِمَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِنَبِيٍّ أَنَّهُ يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا مَعَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مِنْ آحَادِ هَذِهِ الْأَئِمَّةِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِالِاجْتِهَادِ، أَوْ بِمَا كَانَ يَعْلَمُهُ قَبْلُ مِنْ شَرِيعَتِنَا بِالْوَحْيِ، أَوْ بِمَا تَعَلَّمَهُ مِنْهَا وَهُوَ فِي السَّمَاءِ، أَوْ أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي الْقُرْآنِ فَيَفْهَمُ مِنْهُ كَمَا كَانَ يَفْهَمُ نَبِيُّنَا ﵊ اهـ وَاقْتَصَرَ السُّبْكِيُّ عَلَى الْأَخِيرِ. وَذَكَرَ مُنْلَا عَلِيِّ الْقَارِي أَنَّ الْحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيَّ سُئِلَ هَلْ يَنْزِلُ عِيسَى ﵇ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَوْ يَتَلَقَّاهُمَا عَنْ عُلَمَاءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ؟ فَأَجَابَ: لَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ صَرِيحٌ، وَاَلَّذِي يَلِيقُ بِمَقَامِهِ ﵊ أَنَّهُ يَتَلَقَّى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَحْكُمُ فِي أُمَّتِهِ كَمَا تَلَقَّاهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ خَلِيفَةٌ عَنْهُ. اهـ. وَمَا يُقَالُ إنَّ الْإِمَامَ الْمَهْدِيَّ يُقَلِّدُ أَبَا حَنِيفَةَ، رَدَّهُ مُنْلَا عَلَى الْقَارِي فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْرَبُ الْوَرْدِيُّ فِي مَذْهَبِ الْمَهْدِيِّ وَقَرَّرَ فِيهَا أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ، وَرَدَّ فِيهَا مَا وَضَعَهُ بَعْضُ الْكَذَّابِينَ مِنْ قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ. حَاصِلُهَا: أَنَّ الْخَضِرَ ﵇ تَعَلَّمَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ، ثُمَّ عَلَّمَهَا لِلْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ، وَأَنَّ الْقُشَيْرِيِّ صَنَّفَ فِيهَا كُتُبًا وَضَعَهَا فِي صُنْدُوقٍ، وَأَمَرَ بَعْضَ مُرِيدِيهِ بِإِلْقَائِهِ فِي جَيْحُونَ، وَأَنَّ عِيسَى ﵇ بَعْدَ نُزُولِهِ يُخْرِجُهُ مِنْ جَيْحُونَ وَيَحْكُمُ بِمَا فِيهِ، وَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا تَجُوزُ حِكَايَتُهُ إلَّا لِرَدِّهِ كَمَا أَوْضَحَهُ ط وَأَطَالَ فِي رَدِّهِ وَإِبْطَالِهِ فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَمِنْ كَثْرَةِ الْمَنَاقِبِ، وَمِنْ كَوْنِ الْحُكْمِ لِأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ ط. (قَوْلُهُ: سَائِرِ) بِمَعْنَى بَاقِي أَوْ جَمِيعِ عَلَى خِلَافٍ بَسَطَهُ فِي دُرَّةِ الْغَوَّاصِ. (قَوْلُهُ: كَيْفَ لَا) أَيْ كَيْفَ لَا يَخْتَصُّ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَالصِّدِّيقِ) وَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ابْتَدَأَ أَمْرًا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ فَأَبُو بَكْرٍ ﵁ ابْتَدَأَ جَمْعَ الْقُرْآنِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ بِمَشُورَةِ عُمَرَ وَأَبُو حَنِيفَةَ ابْتَدَأَ تَدْوِينَ الْفِقْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، أَوْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنْ الرِّجَالِ وَفَتَحَ بَابَ التَّصْدِيقِ كَذَا فِي حَوَاشِي الْأَشْبَاهِ. قَالَ شَيْخُنَا الْبَعْلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَيْهَا: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ بِهِ أَتَمُّ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ الثَّانِي، هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ بَعْدَمَا جُمِعَ لَا يُتَصَوَّرُ جَمْعُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَإِنَّهُ قَدْ جُمِعَ ثَانِيًا وَالْجَامِعُ لَهُ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَجْمَعْهُ فِي الْمَصَاحِفِ وَجَمَعَهُ عُثْمَانُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ اهـ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ أَجْرُهُ: أَيْ أَجْرُ عَمَلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ تَدْوِينُ الْفِقْهِ وَاسْتِخْرَاجُ فُرُوعِهِ ط. (قَوْلُهُ: وَأَجْرُ) أَيْ وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ دَوَّنَ الْفِقْهَ: أَيْ جَمَعَهُ، وَأَصْلُهُ مِنْ التَّدْوِينِ: أَيْ جَعَلَهُ فِي الدِّيوَانِ، وَهُوَ بِكَسْرٍ وَفَتْحٍ اسْمٌ لِمَا يُكْتَبُ فِيهِ أَسْمَاءُ الْجَيْشِ لِلْعَطَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ عُمَرُ ﵁، ثُمَّ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الْكُتُبِ مَجَازًا أَوْ مَنْقُولًا اصْطِلَاحِيًّا، وَقَوْلُهُ وَأَلَّفَهُ عَطْفٌ عَلَى دَوَّنَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. اهـ. بَعْلِيٌّ: أَيْ لِأَنَّ التَّأْلِيفَ جَمْعٌ عَلَى وَجْهِ الْأُلْفَةِ.

стр. 53

مَنْ دَوَّنَ الْفِقْهَ وَأَلَّفَهُ وَفَرَّعَ أَحْكَامَهُ عَلَى أُصُولِهِ الْعِظَامِ، إلَى يَوْمِ الْحَشْرِ وَالْقِيَامِ. وَقَدْ اتَّبَعَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْكِرَامِ، مِمَّنْ اتَّصَفَ بِثَبَاتِ الْمُجَاهَدَةِ، وَرَكَضَ فِي مَيْدَانِ الْمُشَاهَدَةِ كَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ وَشَقِيقٍ الْبَلْخِيّ وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ وَفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَدَاوُد الطَّائِيِّ، ــ [رد المحتار] تَنْبِيهٌ] وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ " لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ. الْحَدِيثَ " قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ ابْتَدَعَ شَيْئًا مِنْ الشَّرِّ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُ مَنْ اقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ فَعَمِلَ مِثْلَ عَمَلِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكُلُّ مَنْ ابْتَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ كُلِّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَتَمَامُهُ فِي آخِرِ عُمْدَةِ الْمُرِيدِ لِلَّقَانِيِّ. (قَوْلُهُ: إلَى يَوْمِ الْحَشْرِ) تَنَازَعَ فِيهِ كُلُّ مَنْ دَوَّنَ وَأَلَّفَ وَفَرَّعَ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ اتَّبَعَهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ كَالصِّدِّيقِ: أَيْ كَيْفَ لَا يَخْتَصُّ وَقَدْ اتَّبَعَهُ إلَخْ وَالْإِتْبَاعُ تَقْلِيدُهُ فِيمَا قَالَهُ ط. (قَوْلُهُ: مِنْ الْأَوْلِيَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِكَثِيرٍ لِلْبَيَانِ، وَالْوَلِيُّ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ مَنْ تَوَالَتْ طَاعَتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا عِصْيَانٌ، وَبِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، فَهُوَ مَنْ يَتَوَالَى عَلَيْهِ إحْسَانُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِفْضَالُهُ تَعْرِيفَاتُ السَّيِّدِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ الْوَصْفَيْنِ حَتَّى يَكُونَ وَلِيًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا كَمَا يُشْتَرَطُ فِي النَّبِيِّ كَوْنُهُ مَعْصُومًا كَمَا فِي رِسَالَةِ الْإِمَامِ الْقُشَيْرِيِّ. (قَوْلُهُ: مِمَّنْ اتَّصَفَ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ حَالٌ. (قَوْلُهُ: بِثَبَاتِ الْمُجَاهَدَةِ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى مَوْصُوفِهَا: أَيْ الْمُجَاهَدَةِ الثَّابِتَةِ أَيْ الدَّائِمَةِ. وَالْمُجَاهَدَةُ لُغَةً: الْمُحَارَبَةُ. وَفِي الشَّرْعِ: مُحَارَبَةُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ بِتَحَمُّلِهَا مَا يَشُقُّ عَلَيْهَا مِمَّا هُوَ مَطْلُوبٌ فِي الشَّرْعِ تَعْرِيفَاتٌ، وَقَدْ وَرَدَ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ بِالْجِهَادِ الْأَكْبَرِ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَزَاةٍ فَقَالَ ﵊ «قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ وَقَدِمْتُمْ مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ، قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ» . اهـ. (قَوْلُهُ: الْمُشَاهَدَةِ) أَيْ مُشَاهَدَةِ الْحَقِّ تَعَالَى بِآثَارِهِ. (قَوْلُهُ: كَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ) بْنِ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيّ. كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، خَرَجَ مُتَصَيِّدًا فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ: أَلِهَذَا خُلِقْت؟ فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَأَخَذَ جُبَّةَ رَاعٍ وَسَارَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ ثُمَّ أَتَى الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا كَذَا فِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ. (قَوْلُهُ: وَشَقِيقٍ الْبَلْخِيّ) بْنِ إبْرَاهِيمَ الزَّاهِدِ الْعَابِدِ الْمَشْهُورِ. صَحِبَ أَبَا يُوسُفَ الْقَاضِيَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ الصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَهُوَ أُسْتَاذُ حَاتِمٍ الْأَصَمِّ، وَصَحِبَ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ، مَاتَ شَهِيدًا سَنَةَ (١٩٤) تَمِيمِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ) بْنِ فَيْرُوزَ، مِنْ الْمَشَايِخِ الْكِبَارِ، مُجَابِ الدَّعْوَةِ، يُسْتَسْقَى بِقَبْرِهِ وَهُوَ أُسْتَاذُ السِّرِّيِّ السَّقَطِيِّ مَاتَ سَنَةَ (٢٠٠) . (قَوْلُهُ: وَأَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ) شَيْخُ الْمَشَايِخِ، وَذُو الْقَدَمِ الرَّاسِخِ، وَاسْمُهُ طَيْفُورُ بْنُ عِيسَى. كَانَ جَدُّهُ مَجُوسِيًّا وَأَسْلَمَ، مَاتَ سَنَةَ (١٦١) . (قَوْلُهُ: وَفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ) الْخُرَاسَانِيِّ. رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَأَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً وَارْتَقَى جِدَارًا لَهَا، فَسَمِعَ تَالِيًا يَتْلُو - ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] فَتَابَ وَرَجَعَ، فَوَرَدَ مَكَّةَ وَجَاوَرَ بِهَا الْحَرَمَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ (١٨٧) رِسَالَةُ الْقُشَيْرِيِّ. وَذَكَرَ الصَّيْمَرِيُّ أَنَّهُ أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَرَوَى عَنْهُ الشَّافِعِيُّ، فَأَخَذَ عَنْ إمَامٍ عَظِيمٍ، وَأَخَذَ عَنْهُ إمَامٌ عَظِيمٌ. وَرَوَى لَهُ إمَامَانِ عَظِيمَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَتَرْجَمَهُ التَّمِيمِيُّ وَغَيْرُهُ بِتَرْجَمَةٍ حَافِلَةٍ. (قَوْلُهُ: وَدَاوُد الطَّائِيِّ) هُوَ ابْنُ نَصْرِ بْنِ نُصَيْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيِّ الطَّائِيِّ، الْعَالِمُ الْعَامِلُ، الزَّاهِدُ الْعَابِدُ، أَحَدُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ، كَانَ مِمَّنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ وَدَرَسَ الْفِقْهَ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ اخْتَارَ الْعُزْلَةَ وَلَزِمَ الْعِبَادَةَ. قَالَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ: لَوْ كَانَ دَاوُد فِي الْأُمَمِ

стр. 54

وَأَبِي حَامِدٍ اللَّفَّافِ وَخَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَأَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُحْصَى لِبُعْدِهِ أَنْ يُسْتَقْصَى، فَلَوْ وَجَدُوا فِيهِ شُبْهَةً مَا اتَّبَعُوهُ، وَلَا اقْتَدَوْا بِهِ وَلَا وَافَقُوهُ. ــ [رد المحتار] الْمَاضِيَةِ لَقَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: مَاتَ سَنَةَ (١٦٠) . (قَوْلُهُ: وَأَبِي حَامِدٍ اللَّفَّافِ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ خِضْرَوَيْهِ الْبَلْخِيّ، مِنْ كِبَارِ مَشَايِخِ خُرَاسَانَ، مَاتَ سَنَةَ (٢٤٠) رِسَالَةٌ. (قَوْلُهُ: وَخَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ) مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا، وَأَخَذَ الزُّهْدَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَصَحِبَهُ مُدَّةً: وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ سَنَةَ (٢١٥) كَمَا ذَكَرَهُ التَّمِيمِيُّ: وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: صَارَ الْعِلْمُ مِنْ اللَّهِ إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ صَارَ إلَى الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، ثُمَّ صَارَ إلَى التَّابِعِينَ، ثُمَّ صَارَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَرْضَ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَسْخَطْ. (قَوْلُهُ: وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ) الزَّاهِدُ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ، جَمَعَ الْفِقْهَ وَالْأَدَبَ وَالنَّحْوَ وَاللُّغَةَ وَالْفَصَاحَةَ وَالْوَرَعَ وَالْعِبَادَةَ، وَصَنَّفَ الْكُتُبَ الْكَثِيرَةَ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ وَالزُّهْدِ، وَأَحَدُ شُيُوخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَخَذَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَدَحَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَشَهِدَ لَهُ الْأَئِمَّةُ، مَاتَ سَنَةَ (١٨١) وَتَرْجَمَهُ التَّمِيمِيُّ بِتَرْجَمَةٍ حَافِلَةٍ، وَذَكَرَ مِنْ مَحَاسِنِ أَخْبَارِهِ مَا يَأْخُذُ بِمَجَامِعِ الْعَقْلِ، وَلَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي فُرُوعِ الْمُذْهَبِ ذُكِرَتْ فِي الْمُطَوَّلَاتِ. (قَوْلُهُ: وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ) بْنِ مَلِيحِ بْنِ عَدِيٍّ الْكُوفِيِّ، شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَأَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: كَانَ وَكِيعٌ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: مَا رَأَيْت أَفْضَلَ مِنْهُ قِيلَ لَهُ: وَلَا ابْنَ الْمُبَارَكِ؟ قَالَ: كَانَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ فَضْلٌ، وَلَكِنْ مَا رَأَيْت أَفْضَلَ مِنْ وَكِيعٍ، كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَيُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا. قَالَ: وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ يُفْتِي بِقَوْلِهِ أَيْضًا، مَاتَ سَنَةَ (١٩٨) ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ تَمِيمِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَأَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو التِّرْمِذِيُّ. أَقَامَ بِبَلْخٍ، وَصَحِبَ أَحْمَدَ بْنَ خِضْرَوَيْهِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي الرِّيَاضَاتِ، رِسَالَةٌ. وَفِي طَبَقَاتِ التَّمِيمِيِّ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي جُمْلَةِ أَصْحَابِنَا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْكَرْخِيَّ، فَقَالَ: وَلَهُ مِنْ الْكُتُبِ شَرْحُ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ، وَذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا فَلَمَّا سَارَ مَرْحَلَةً قَالَ لِأَصْحَابِهِ رُدُّونِي، ارْتَكَبْت سَبْعَمِائَةِ كَبِيرَةٍ فِي مَرْحَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَرَدُّوهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِمْ) كَالْإِمَامِ الْعَارِفِ الْمَشْهُورِ بِالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالتَّقَشُّفِ وَالتَّقَلُّلِ حَاتِمٍ الْأَصَمِّ، أَحَدِ أَتْبَاعِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، لَهُ كَلَامٌ مُدَوَّنٌ فِي الزُّهْدِ وَالْحِكَمِ: سَأَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: أَخْبِرْنِي يَا حَاتِمُ فِيمَ التَّخَلُّصُ مِنْ النَّاسِ؟ فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ: أَنْ تُعْطِيَهُمْ مَالَك وَلَا تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِمْ شَيْئًا، وَتَقْضِيَ حُقُوقَهُمْ وَلَا تَسْتَقْضِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ حَقًّا لَك، وَتَحْتَمِلَ مَكْرُوهَهُمْ وَلَا تُكْرِهَ أَحَدًا مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ، فَأَطْرَقَ أَحْمَدُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا حَاتِمُ إنَّهَا لَشَدِيدَةٌ، فَقَالَ لَهُ حَاتِمُ: وَلَيْتَك تَسْلَمُ. وَمِنْهُمْ خَتْمُ دَائِرَةِ الْوِلَايَةِ قُطْبُ الْوُجُودِ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الشَّاذِلِيُّ الْبَكْرِيُّ الشَّهِيرُ بِالْحَنَفِيِّ، الْفَقِيهُ الْوَاعِظُ أَحَدُ مَنْ صَرَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَوْنِ، وَمَكَّنَهُ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَنَطَقَ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَخَرَقَ لَهُ الْعَوَائِدَ، وَقَلَبَ لَهُ الْأَعْيَانَ، وَتَرْجَمَهُ بَعْضُهُمْ فِي مُجَلَّدَيْنِ، فَقَالَ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ: إنَّهُ لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِمَقَامِهِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ بَعْضَ أُمُورٍ عَلَى طَرِيقِ أَرْبَابِ التَّوَارِيخِ تُوُفِّيَ سَنَةَ (٨٤٧) . (قَوْلُهُ: لِبُعْدِهِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا يُحْصَى، وَحُذِفَ مِنْ قَبْلُ قَوْلُهُ أَنْ يَسْتَقْصِيَ لِأَمْنِ اللَّبْسِ، وَهُوَ شَائِعٌ مُطَّرِدٌ: أَيْ لَا يُمْكِنُ إحْصَاؤُهُ لِتَبَاعُدِهِ مِنْ طَلَبِ اسْتِقْصَائِهِ: أَيْ غَايَتِهِ وَمُنْتَهَاهُ وَالتَّعْبِيرُ

стр. 55

وَقَدْ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ مَعَ صَلَابَتِهِ فِي مَذْهَبِهِ وَتَقَدُّمِهِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: سَمِعْت الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ يَقُولُ: أَنَا أَخَذْت هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيِّ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: أَنَا أَخَذْتهَا مِنْ الشِّبْلِيِّ، وَهُوَ أَخَذَهَا مِنْ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ، وَهُوَ مِنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، وَهُوَ مِنْ دَاوُد الطَّائِيِّ. وَهُوَ أَخَذَ الْعِلْمَ وَالطَّرِيقَةَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ أَثْنَى عَلَيْهِ وَأَقَرَّ بِفَضْلِهِ. فَعَجَبًا لَك يَا أَخِي: أَلَمْ يَكُنْ لَك أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي هَؤُلَاءِ السَّادَاتِ الْكِبَارِ؟ أَكَانُوا مُتَّهَمِينَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ وَالِافْتِخَارِ، وَهُمْ أَئِمَّةُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَأَرْبَابُ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ــ [رد المحتار] بِقَوْلِهِ لَا يُحْصَى أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِنَا لَا يُعَدُّ؛ لِأَنَّ الْعَدَّ أَنْ تَعُدَّ فَرْدًا فَرْدًا، وَالْإِحْصَاءُ يَكُونُ لِلْجُمَلِ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]- مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنْ أَرَدْتُمْ عَدَّهَا فَلَا تَقْدِرُوا عَلَى إحْصَائِهَا، فَضْلًا عَنْ الْعَدِّ كَذَا أَفَادَهُ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى (قَوْلُهُ: أَبُو الْقَاسِمِ) تِلْكَ كُنْيَتُهُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْحَافِظُ الْمُفَسِّرُ الْفَقِيهُ، النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ الْأَدِيبُ الْكَاتِبُ الْقُشَيْرِيُّ، الشُّجَاعُ الْبَطَلُ، لَمْ يَرَ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَلَا رَأَى الرَّاءُونَ مِثْلَهُ، وَأَنَّهُ الْجَامِعُ لِأَنْوَاعِ الْمَحَاسِنِ. وُلِدَ سَنَةَ (٣٧٧) وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ. وَرَوَى عَنْهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيفَ الشَّهِيرَةَ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ (٤٦٥) ط عَنْ الزَّرْقَانِيِّ عَلَى الْمَوَاهِبِ. (قَوْلُهُ: فِي رِسَالَتِهِ) أَيْ الَّتِي كَتَبَهَا إلَى جَمَاعَةِ الصُّوفِيَّةِ بِبُلْدَانِ الْإِسْلَامِ سَنَةَ (٤٣٧) هـ، ذَكَرَ فِيهَا مَشَايِخَ الطَّرِيقَةِ وَفَسَّرَ أَلْفَاظًا تَدُورُ بَيْنَهُمْ بِعِبَارَاتٍ أَنِيقَةٍ. (قَوْلُهُ: مَعَ صَلَابَتِهِ) أَيْ قُوَّتِهِ وَتَمَكُّنِهِ ط. (قَوْلُهُ: فِي مَذْهَبِهِ) وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَوْ طَرِيقَةُ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ ط. (قَوْلُهُ: سَمِعْت إلَخْ) مَقُولُ الْقَوْلِ وَأَبُو عَلِيٍّ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ. وَأَبُو الْقَاسِمِ: هُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّصْرَابَاذِيُّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ شَيْخُ خُرَاسَانَ، جَاوَرَ بِمَكَّةَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ (٣٥٧) . وَالشِّبْلِيُّ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ دُلَفَ الشِّبْلِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْمَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ، صَحِبَ الْجُنَيْدَ، مَاتَ سَنَةَ (٣٣٤) وَالسِّرِّيُّ هُوَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مُغَلِّسٍ السَّقَطِيُّ خَالُ الْجُنَيْدِ وَأُسْتَاذُهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ (٢٥٧) . (قَوْلُهُ: مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ) هُوَ فَارِسُ هَذَا الْمَيْدَانِ، فَإِنَّ مَبْنَى عِلْمِ الْحَقِيقَةِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَتَصْفِيَةِ النَّفْسِ، وَقَدْ وَصَفَهُ بِذَلِكَ عَامَّةُ السَّلَفِ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي حَقِّهِ إنَّهُ كَانَ مِنْ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَالزُّهْدِ وَإِيثَارِ الْآخِرَةِ بِمَحَلٍّ لَا يُدْرِكُهُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ لِيَلِيَ الْقَضَاءَ فَلَمْ يَفْعَلْ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ مِنْ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إمَامًا تَقِيًّا نَقِيًّا وَرِعًا عَالِمًا فَقِيهًا، كَشَفَ الْعِلْمَ كَشْفًا لَمْ يَكْشِفْهُ أَحَدٌ بِبَصَرٍ وَفَهْمٍ وَفِطْنَةٍ وَتُقًى: وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لِمَنْ قَالَ لَهُ جِئْت مِنْ عِنْدِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَقَدْ جِئْت مِنْ عِنْدِ أَعْبَدْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْأَثْبَاتِ. (قَوْلُهُ: فَعَجَبًا) هُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ: أَيْ فَأَعْجَبُ مِنْك عَجَبًا وَهَذَا الْخِطَابُ لِمَنْ أَنْكَرَ فَضْلَهُ أَوْ خَالَفَ قَوْلَهُ ط. (قَوْلُهُ: أَلَمْ يَكُنْ) اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ، أَوْ هُوَ إنْكَارِيٌّ بِمَعْنَى النَّفْيِ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ: أُسْوَةٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا: أَيْ قُدْوَةٌ. (قَوْلُهُ: فِي هَؤُلَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِأُسْوَةٍ، وَفِي بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]-. (قَوْلُهُ: وَهُمْ أَئِمَّةُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلَخْ) فِي رِسَالَةِ الْفُتُوحَاتِ لِلْقَاضِي زَكَرِيَّا: الطَّرِيقَةُ سُلُوكُ طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ، وَالشَّرِيعَةُ: أَعْمَالٌ شَرْعِيَّةٌ مَحْدُودَةٌ، وَهُمَا وَالْحَقِيقَةُ ثَلَاثَةٌ مُتَلَازِمَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ إلَيْهِ تَعَالَى ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ فَظَاهِرُهَا الطَّرِيقَةُ وَالشَّرِيعَةُ، وَبَاطِنُهَا الْحَقِيقَةُ فَبُطُونُ الْحَقِيقَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالطَّرِيقَةِ كَبُطُونِ الزُّبْدِ فِي لَبَنِهِ، لَا يُظْفَرُ بِزُبْدِهِ بِدُونِ مَخْضِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الثَّلَاثَةِ إقَامَةُ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُرَادِ مِنْ الْعَبْدِ اهـ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ بَعْدَهُمْ) أَيْ مَنْ أَتَى بَعْدَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي الزَّمَانِ سَالِكًا فِي هَذَا الْأَمْرِ وَهُوَ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ فَهُوَ تَابِعٌ لَهُمْ؛ إذْ هُمْ الْأَئِمَّةُ فِيهِ فَيَكُونُ فَخْرُهُ بِاتِّصَالِ

стр. 56

فِي هَذَا الْأَمْرِ فَلَهُمْ تَبَعٌ، وَكُلُّ مَا خَالَفَ مَا اعْتَمَدُوهُ مَرْدُودٌ وَمُبْتَدَعٌ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَعِبَادَتِهِ وَعِلْمِهِ وَفَهْمِهِ بِمُشَارَكٍ وَمِمَّا قَالَ فِيهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ ﵁: لَقَدْ زَانَ الْبِلَادَ وَمَنْ عَلَيْهَا ... إمَامُ الْمُسْلِمِينَ أَبُو حَنِيفَهْ بِأَحْكَامٍ وَآثَارٍ وَفِقْهٍ ... كَآيَاتِ الزَّبُورِ عَلَى صَحِيفَهْ ــ [رد المحتار] سَنَدِهِ بِهَذَا الْإِمَامِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ فَخْرُ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِذَلِكَ وَتَبِعُوهُ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَشْرَبِهِ، وَاقْتَدَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِطَرِيقَتِهِ وَمَذْهَبِهِ. (قَوْلُهُ: فَلَهُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَبِعَ، وَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ بِمَعْنَى تَابِعٌ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ مَنْ، وَدَخَلَتْ عَلَيْهَا الْفَاءُ لِأَنَّ مَنْ فِيهَا مَعْنَى الْعُمُومِ فَأَشْبَهَتْ الشَّرْطِيَّةَ. (قَوْلُهُ: وَكُلُّ مَا) أَيْ كُلُّ رَأْيٍ. (قَوْلُهُ: مَا اعْتَمَدُوهُ) مِنْ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالِافْتِخَارِ بِهِ مِنْ حَيْثُ أَخْذُ عِلْمِ الْحَقِيقَةِ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: وَمُبْتَدَعٌ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ: أَيْ مُحْدَثٌ لَمْ يُسْبَقْ بِنَظِيرٍ. (قَوْلُهُ: وَبِالْجُمْلَةِ) أَيْ وَأَقُولُ قَوْلًا مُلْتَبِسًا بِالْجُمْلَةِ: أَيْ جُمْلَةَ مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (قَوْلُهُ: لَقَدْ زَانَ الْبِلَادَ إلَخْ) مِنْ الزَّيْنِ: وَهُوَ ضِدُّ الشَّيْنِ، يُقَالُ زَانَهُ وَأَزَانَهُ وَزَيَّنَهُ وَأَزْيَنَهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْبِلَادُ: جَمْعُ بَلَدٍ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ مُسْتَحِيزَةٌ عَامِرَةٌ أَوْ غَامِرَةٌ قَامُوسٌ وَمَنْ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَقَوْلُهُ بِأَحْكَامٍ مُتَعَلِّقٌ بِزَانَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَدْوِينَهَا وَتَعْلِيمَهَا لِلنَّاسِ سَبَبٌ لِلْعَمَلِ بِهَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ الِانْقِيَادَ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَعَمَلِ الْحُكَّامِ بِهَا وَالرَّعِيَّةِ زَيْنٌ لِلْبِلَادِ وَالْعِبَادِ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَبِضِدِّهِ الْجَهْلُ وَالْفَسَادُ، فَإِنَّهُ شَيْنٌ وَدَمَارٌ لِلدِّيَارِ وَالْأَعْمَارِ. (قَوْلُهُ: وَآثَارٍ) جَمْعُ أَثَرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْأَثَرُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ يَعُمُّ الْمَرْفُوعَ وَالْمَوْقُوفَ كَالْخَبَرِ، وَالْمُخْتَارُ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَرْوِيِّ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ عَنْ الصَّحَابِيِّ أَوْ الْمُصْطَفَى ﷺ وَخَصَّهُ فُقَهَاءُ خُرَاسَانَ بِالْمَوْقُوفِ عَلَى الصَّحَابِيِّ وَالْخَبَرِ بِالْمَرْفُوعِ. وَلَقَدْ كَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إمَامًا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَخَذَ الْحَدِيثَ عَنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ شَيْخٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُ فِي طَبَقَاتِ الْحُفَّاظِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ، وَمَنْ زَعَمَ قِلَّةَ اعْتِنَائِهِ بِالْحَدِيثِ فَهُوَ إمَّا لِتَسَاهُلِهِ أَوْ حَسَدِهِ إذْ كَيْفَ يَتَأَتَّى مِمَّنْ هُوَ كَذَلِكَ اسْتِنْبَاطُ مِثْلِ مَا اسْتَنْبَطَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ مَعَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ اسْتَنْبَطَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ الْمَعْرُوفِ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ، وَلِأَجْلِ اشْتِغَالِهِ بِهَذَا الْأَهَمِّ لَمْ يَظْهَرْ حَدِيثُهُ فِي الْخَارِجِ، كَمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لَمَّا اشْتَغَلَا بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَحَادِيثِ مِثْلُ مَا ظَهَرَ عَنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُمَا مِثْلُ مَا ظَهَرَ عَمَّنْ تَفَرَّغَ لِلرِّوَايَةِ كَأَبِي زُرْعَةَ وَابْنِ مَعِينٍ لِاشْتِغَالِهِمَا بِذَلِكَ الِاسْتِنْبَاطِ، عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ الرِّوَايَةِ بِدُونِ دِرَايَةٍ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مَدْحٍ بَلْ عَقَدَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَابًا فِي ذَمِّهِ ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ ذَمُّ الْإِكْثَارِ مِنْ الْحَدِيثِ بِدُونِ تَفَقُّهٍ وَلَا تَدَبُّرٍ. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: أَقْلِلْ الرِّوَايَةَ تَتَفَقَّهْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لِيَكُنْ الَّذِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْأَثَرَ وَخُذْ مِنْ الرَّأْيِ مَا يُفَسِّرُ لَك الْحَدِيثَ. وَمِنْ أَعْذَارِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُحَدِّثَ مِنْ الْحَدِيثِ إلَّا بِمَا يَحْفَظُهُ يَوْمَ سَمِعَهُ إلَى يَوْمِ يُحَدِّثُ بِهِ، فَهُوَ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ إلَّا لِمَنْ حَفِظَ. وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ أَنَّهُ قَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ النُّعْمَانُ، مَا كَانَ أَحْفَظَهُ لِكُلِّ حَدِيثٍ فِيهِ فِقْهٌ وَأَشَدُّ فَحْصِهِ عَنْهُ، وَأَعْلَمُهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ، وَتَمَامُهُ فِي الْخَيْرَاتِ الْحِسَانِ لِابْنِ حَجَرٍ. (قَوْلُهُ: وَفِقْهٍ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ التَّوْحِيدَ، فَإِنَّ الْفِقْهَ كَمَا عَرَّفَهُ الْإِمَامُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا ط. (قَوْلُهُ: كَآيَاتِ الزَّبُورِ) التَّشْبِيهُ فِي الْإِيضَاحِ

стр. 57

فَمَا فِي الْمَشْرِقَيْنِ لَهُ نَظِيرٌ ... وَلَا فِي الْمَغْرِبَيْنِ وَلَا بِكُوفَهْ يَبِيتُ مُشَمِّرًا سَهِرَ اللَّيَالِيَ ... وَصَامَ نَهَارَهُ لِلَّهِ خِيفَهْ فَمَنْ كَأَبِي حَنِيفَةَ فِي عُلَاهُ ... إمَامٌ لِلْخَلِيفَةِ وَالْخَلِيقَهْ رَأَيْت الْعَائِبِينَ لَهُ سَفَاهًا ... خِلَافَ الْحَقِّ مَعَ حِجَجٍ ضَعِيفَهْ وَكَيْفَ يَحِلُّ أَنْ يُؤْذَى فَقِيهٌ ... لَهُ فِي الْأَرْضِ آثَارٌ شَرِيفَهْ ــ [رد المحتار] وَالْبَيَانِ لَا فِي الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الزَّبُورَ مَوَاعِظُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي الزِّينَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ زَانَ مَا ذُكِرَ كَمَا زَيَّنَتْ النُّقُوشُ الطُّرُوسَ ط. (قَوْلُهُ: فَمَا فِي الْمَشْرِقَيْنِ إلَخْ) الْمَشْرِقُ مَحَلُّ الشُّرُوقِ: أَيْ الطُّلُوعُ وَالْمَغْرِبُ مَحَلُّ الْغُرُوبِ وَثَنَّاهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَاحِدٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]- عَلَى إرَادَةِ مَشْرِقَيْ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَمَغْرِبَيْهِمَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَقِيلَ مَشْرِقُ الشَّمْسِ وَالْفَجْرِ وَمَغْرِبُ الشَّمْسِ وَالشَّفَقِ، أَوْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَغْرِبَيْهِمَا، وَجُمِعَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]- بِاعْتِبَارِ الْأَقْطَارِ أَوْ الْأَيَّامِ أَوْ الْمَنَازِلِ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: وَلَا بِكُوفَةَ) خَصَّهَا بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَشْرِقَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، لِأَنَّهَا بَلَدُهُ، أَوْ لِأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْكُوفَةُ الرَّمْلَةُ الْحَمْرَةُ الْمُسْتَدِيرَةُ أَوْ كُلُّ رَمْلَةٍ يُخَالِطُهَا حَصْبَاءُ وَمَدِينَةُ الْعِرَاقِ الْكُبْرَى، وَقُبَّةُ الْإِسْلَامِ، وَدَارُ هِجْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَصَّرَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَكَانَتْ مَنْزِلَ نُوحٍ وَبَنَى مَسْجِدَهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهَا وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا، وَيُقَالُ لَهَا كَوْفَانُ وَيُفْتَحُ وَكُوفَةُ الْجُنْدِ؛ لِأَنَّهَا اُخْتُطَّتْ فِيهَا خُطَطُ الْعَرَبِ أَيَّامَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَطَّطَهَا السَّائِبُ بْنُ الْأَقْرَعِ الثَّقَفِيُّ إلَخْ. (قَوْلُهُ: يَبِيتُ مُشَمِّرًا إلَخْ) التَّشْمِيرُ: الْجِدُّ وَالتَّهَيُّؤُ قَامُوسٌ، وَسَهِرَ فِعْلٌ مَاضٍ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ عَلَى إضْمَارِ قَدْ مِثْلُهَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]- أَوْ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وَالْأُولَى أَنْسَبُ بِقَوْلِهِ، وَصَامَ وَلِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِصَامَ وَخِيفَهْ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، وَزَادَ فِي تَنْوِيرِ الصَّحِيفَةِ بَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ بَيْتَيْنِ وَهُمَا: وَصَانَ لِسَانَهُ عَنْ كُلِّ إفْكٍ ... وَمَا زَالَتْ جَوَارِحُهُ عَفِيفَهْ يَعِفُّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالْمَلَاهِي ... وَمَرْضَاةُ الْإِلَهِ لَهُ وَظِيفَهْ وَنَنْقُلُ نُبْذَةً يَسِيرَةً شَاهِدَةً لِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ. قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: قَدْ تَوَاتَرَ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَتَهَجُّدُهُ وَتَعَبُّدُهُ، أَيْ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ يُسَمَّى الْوَتَدَ لِكَثْرَةِ قِيَامِهِ بِاللَّيْلِ، بَلْ أَحْيَاهُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي رَكْعَةٍ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ يُسْمَعُ بُكَاؤُهُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يَرْحَمَهُ جِيرَانُهُ. وَوَقَعَ رَجُلٌ فِيهِ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ: وَيْحَك، أَتَقَعُ فِي رَجُلٍ صَلَّى خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يَجْمَعُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَنَظَّمْت مَا عِنْدِي مِنْ الْفِقْهِ مِنْهُ. وَلَمَّا غَسَّلَهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: رَحِمَك اللَّهُ، وَغَفَرَ لَك، لَمْ تُفْطِرْ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَدْ أَتْعَبْت مَنْ بَعْدَك، وَفَضَحْت الْقُرَّاءَ. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: كَانَ هَيُّوبًا، لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا جَوَابًا، وَلَا يَخُوضُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَلَا يَسْتَمِعُ إلَيْهِ. وَقِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، فَانْتَفَضَ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا أَخِي جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا، مَا أَحْوَجَ أَهْلَ كُلِّ وَقْتٍ إلَى مَنْ يُذَكِّرُهُمْ اللَّهَ تَعَالَى. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: كَانَ شَدِيدَ الْوَرَعِ، هَائِبًا لِلْحَرَامِ، تَارِكًا لِكَثِيرٍ مِنْ الْحَلَالِ مَخَافَةَ الشُّبْهَةِ، مَا رَأَيْت فَقِيهًا أَشَدَّ مِنْهُ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: رَأَيْت) أَيْ عَلِمْت أَوْ أَبْصَرْت، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْعَائِبِينَ مَفْعُولُهُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ

стр. 58

وَقَدْ قَالَ ابْنُ إدْرِيسِ مَقَالًا ... صَحِيحَ النَّقْلِ فِي حِكَمٍ لَطِيفَهْ بِأَنَّ النَّاسَ فِي فِقْهٍ عِيَالٌ ... عَلَى فِقْهِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَهْ فَلَعْنَةُ رَبِّنَا أَعْدَادَ رَمْلٍ ... عَلَى مَنْ رَدَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَهْ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ثَابِتًا وَالِدَ الْإِمَامِ أَدْرَكَ الْإِمَامَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَدَعَا لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ بِالْبَرَكَةِ وَصَحَّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ سَبْعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا بُسِطَ فِي أَوَاخِرِ مُنْيَةِ الْمُفْتِي، ــ [رد المحتار] جَمْعُ عَائِبٍ أُعِلَّتْ عَيْنُهُ بِالْهَمْزَةِ كَقَائِلٍ وَبَائِعٍ فَافْهَمْ، وَسَفَاهًا مَفْعُولُهُ الثَّانِي: قَالَ فِي الْقَامُوسِ: سَفِهَ كَفَرِحَ وَكَرُمَ عَلَيْنَا: جَهِلَ كَتَسَافَهَ فَهُوَ سَفِيهٌ جَمْعُهُ سُفَهَاءُ وَسِفَاهٌ وَخِلَافُ الْحَقِّ صِفَةٌ: أَيْ مُخَالِفِينَ، أَوْ ذَوِي خِلَافٍ: وَالْحُجَجُ: جَمْعُ حُجَّةٍ بِالضَّمِّ، وَهِيَ الْبُرْهَانُ، سَمَّاهَا بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى زَعْمِ الْعَائِبِينَ وَإِلَّا فَهِيَ شُبَهٌ وَأَوْهَامٌ فَاسِدَةٌ. (قَوْلُهُ: ابْنُ إدْرِيسِ) بِالتَّنْوِينِ لِلضَّرُورَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِمَامُ الرَّئِيسُ، ذُو الْعِلْمِ النَّفِيسِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ، الشَّافِعِيُّ الْقُرَشِيُّ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَنَفَعَنَا بِهِ فِي الدَّارَيْنِ آمِينَ، وَمَقَالًا مَصْدَرٌ قَالَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، وَصَحِيحُ النَّقْلِ نَعْتٌ لَهُ، وَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُضَافَةٌ إلَى فَاعِلِهَا: أَيْ صَحَّ نَقْلُهُ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الْفِقْهِ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، إنَّهُ مِمَّنْ لَهُ الْفِقْهُ، هَذِهِ رِوَايَةُ حَرْمَلَةَ عَنْهُ، وَرِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَنْهُ: النَّاسُ عِيَالٌ فِي الْفِقْهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، مَا رَأَيْت أَيْ مَا عَلِمْت أَحَدًا أَفْقَهَ مِنْهُ. وَجَاءَ عَنْهُ أَيْضًا: مَنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي كُتُبِهِ لَمْ يَتَبَحَّرْ فِي الْعِلْمِ وَلَا يَتَفَقَّهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي حِكَمٍ) أَيْ فِي ضِمْنِ حِكَمٍ لَطِيفَةٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَا مِنْهَا تَرْغِيبُ النَّاسِ فِي مَذْهَبِهِ، وَالرَّدُّ عَلَى الْعَائِبِينَ لَهُ، وَبَيَانُ اعْتِقَادِهِ فِي هَذَا الْإِمَامِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْفَضْلِ لِلْمُتَقَدِّمِ. (قَوْلُهُ: بِأَنَّ النَّاسَ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ لِتَضَمُّنِ قَالَ مَعْنَى صَرَّحَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ، وَفِي فِقْهٍ مُتَعَلِّقٌ بِعِيَالٍ، مِنْ عَالَهُ: إذَا تَكَفَّلَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا. (قَوْلُهُ: عَلَى مَنْ رَدَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ عَلَى مَنْ رَدَّ مَا قَالَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مُحْتَقِرًا لَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ، لَا بِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ فِي الِاسْتِدْلَالِ؛ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ لَمْ تَزَلْ يَرُدُّ بَعْضُهُمْ قَوْلَ بَعْضٍ، وَلَا بِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ فِي الْإِمَامِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ غَايَتَهُ الْحُرْمَةُ فَلَا يُوجِبُ اللَّعْنَ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ لَعْنُ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَهُوَ كَلَعْنِ الْكَاذِبِينَ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْعُصَاةِ فَافْهَمْ. وَفِي هَذَا الْبَيْتِ مِنْ عُيُوبِ الشِّعْرِ الْإِيطَاءُ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَنْوِيرِ الصَّحِيفَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ ثَبَتَ إلَخْ) فَفِي تَارِيخِ ابْنِ خِلِّكَانَ عَنْ الْخَطِيبِ أَنَّ حَفِيدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَاَللَّهِ مَا وَقَعَ عَلَيْنَا رِقٌّ قَطُّ: وُلِدَ جَدِّي أَبُو حَنِيفَةَ سَنَةَ ثَمَانِينَ، وَذَهَبَ ثَابِتٌ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ صَغِيرٌ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِيهِ وَفِي ذُرِّيَّتِهِ، وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ اسْتَجَابَ لِعَلِيٍّ فِينَا؟ وَالنُّعْمَانُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ أَبُو ثَابِتٍ هُوَ الَّذِي أَهْدَى لِعَلِيٍّ الْفَالُوذَجَ فِي يَوْمِ مِهْرَجَانٍ فَقَالَ عَلِيٌّ مَهْرِجُونَا كُلَّ يَوْمٍ هَكَذَا. اهـ. وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ مِنْ قَوْلِهِ: وَذَهَبَ ثَابِتٌ بِجَدِّي إلَى عَلِيٍّ إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ كَمَا فِي أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَةَ بِجَدِّي مِنْ زِيَادَةِ النُّسَّاخِ أَوْ الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَأَصْلُهُ جَدِّي. (قَوْلُهُ: وَصَحَّ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمُحَدِّثِينَ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ كِتَابًا حَافِلًا مَا حَاصِلُهُ: إنَّ أَصْحَابَهُ الْأَكَابِرَ كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَنْقُلُوا عَنْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لَنَقَلُوهُ، فَإِنَّهُ مِمَّا يَتَنَافَسُ فِيهِ الْمُحَدِّثُونَ وَيَعْظُمُ افْتِخَارُهُمْ، وَبَانَ كُلُّ سَنَدٍ فِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ صَحَابِيٍّ لَا يَخْلُو مِنْ كَذَّابٍ، فَأَمَّا رُؤْيَتُهُ لِأَنَسٍ وَإِدْرَاكُهُ لِجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالسِّنِّ فَصَحِيحَانِ لَا شَكَّ فِيهِمَا، وَمَا وَقَعَ لِلْعَيْنِيِّ أَنَّهُ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ لِجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَدَّهُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ الشَّيْخُ الْحَافِظُ قَاسِمٌ الْحَنَفِيُّ.

стр. 59

وَأَدْرَكَ بِالسِّنِّ نَحْوَ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا كَمَا بُسِطَ فِي أَوَائِلِ الضِّيَاءِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ أَبُو النَّصْرِ بْنُ عَرَبِ شَاهْ الْأَنْصَارِيُّ الْحَنَفِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ الْأَلْفِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِجَوَاهِرِ الْعَقَائِدِ وَدُرَرِ الْقَلَائِدِ ثَمَانِيَةً مِنْ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَبُو حَنِيفَةَ حَيْثُ قَالَ: مُعْتَقِدًا مَذْهَبْ عَظِيمِ الشَّانِ ... أَبِي حَنِيفَةَ الْفَتَى النُّعْمَانِ التَّابِعِيُّ سَابِقُ الْأَئِّمَهْ ... بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ سِرَاجِ الْأُمَّهْ جَمْعًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ أَدْرَكَا ... أَثَرَهُمْ قَدْ اقْتَفَى وَسَلَكَا طَرِيقَةً وَاضِحَةَ الْمِنْهَاجِ ... سَالِمَةً مِنْ الضَّلَالِ الدَّاجِي وَقَدْ رَوَى عَنْ أَنَسٍ. وَجَابِرٍ ... وَابْنِ أَبِي أَوْفَى كَذَا عَنْ عَامِرٍ أَعْنِي أَبَا الطُّفَيْلِ ذَا ابْنَ وَاثِلَهْ ... وَابْنَ أُنَيْسٌ الْفَتَى وَوَاثِلَهْ عَنْ ابْنِ جُزْءٍ قَدْ رَوَى الْإِمَامُ ... وَبِنْتُ عَجْرَدٍ هِيَ التَّمَامُ فَرَضِيَ اللَّهُ الْكَرِيمُ دَائِمًا ... عَنْهُمْ وَعَنْ كُلِّ الصِّحَابِ الْعُظَمَا ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الْإِمَامِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ سَمَاعِهِ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ أَوَّلَ أَمْرِهِ اشْتَغَلَ بِالِاكْتِسَابِ حَتَّى أَرْشَدَهُ الشَّعْبِيُّ لَمَّا رَأَى مِنْ بَاهِرِ نَجَابَتِهِ إلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، وَلَا يَسَعُ مَنْ لَهُ أَدْنَى إلْمَامٌ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ خِلَافُ مَا ذَكَرْته. اهـ. لَكِنْ يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ: قَاعِدَةُ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ رَاوِيَ الِاتِّصَالِ مُقَدَّمٌ عَلَى رَاوِي الْإِرْسَالِ أَوْ الِانْقِطَاعِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ، فَاحْفَظْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ كَذَا فِي عِقْدِ اللَّآلِئِ وَالْمَرْجَانِ لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ الْعَجْلُونِيِّ الْجِرَاحِيِّ. وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ مِنْ التَّابِعِينَ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ وَالْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: إنَّهُ أَدْرَكَ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا بِالْكُوفَةِ بَعْدَ مَوْلِدِهِ بِهَا سَنَةَ ثَمَانِينَ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِأَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ كَالْأَوْزَاعِيِّ بِالشَّامِ، وَالْحَمَّادِينَ بِالْبَصْرَةِ وَالثَّوْرِيِّ بِالْكُوفَةِ وَمَالِكٍ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِمِصْرَ. (قَوْلُهُ: وَأَدْرَكَ بِالسِّنِّ) أَيْ وُجِدَ فِي زَمَنِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَرَهُمْ كُلَّهُمْ. (قَوْلُهُ: كَمَا بُسِطَ فِي أَوَائِلِ الضِّيَاءِ) فَقَالَ: هُمْ ابْنُ نُفَيْلٍ وَوَاثِلَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى وَابْنُ جُزْءٍ وَعُتْبَةُ وَالْمِقْدَادُ وَابْنُ بُسْرٍ وَابْنُ ثَعْلَبَةَ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَنَسٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ وَمَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَبُو أُمَامَةَ وَأَبُو الطُّفَيْلِ فَهَؤُلَاءِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، وَرُبَّمَا أَدْرَكَ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَمْ أَظْفَرْ بِهِ، اهـ مُلَخَّصًا. وَزَادَ فِي تَنْوِيرِ الصَّحِيفَةِ: عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ وَعَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَسَهْلَ بْنَ مُنَيْفٍ ثُمَّ قَالَ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَمَاثِلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -،. اهـ. ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. (قَوْلُهُ: مَذْهَبْ) بِسُكُونِ الْبَاءِ لِضَرُورَةِ النَّظْمِ وَهُوَ مُضَافٌ وَعَظِيمٌ مُضَافٌ إلَيْهِ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: الْفَتَى) مِنْ الْفُتُوَّةِ: وَهِيَ السَّخَاءُ وَالْقُوَّةُ ط. (قَوْلُهُ: سَابِقُ الْأَئِمَّةِ) أَيْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ بِالْعِلْمِ: أَيْ بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَكُلِّ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ بِتَدْوِينِهِ: فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَهُ كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: جَمْعًا) مَفْعُولُ أَدْرَكَ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ، فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: مِنْ أَصْحَابِ) بِدَرْجِ الْهَمْزَةِ لِنَقْلِ حَرَكَتِهَا إلَى النُّونِ قَبْلَهَا وَأَلِفُ أَدْرَكَا لِلْإِشْبَاعِ كَأَلِفِ سَلَكَا. (قَوْلُهُ: إثْرَهُمْ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مَعَ إشْبَاعِ الْمِيمِ: أَيْ بَعْدَهُمْ، فَهُوَ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ: أَيْ خَبَرَهُمْ فَهُوَ مَفْعُولُ اقْتَفَى، وَطَرِيقَةً مَفْعُولُ سَلَكَ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْحَالَةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. وَالْمِنْهَاجُ فِي الْأَصْلِ: الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا مُطْلَقَ الطَّرِيقِ فَأَضَافَ وَاضِحَةً إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: الدَّاجِي) شَدِيدِ الظُّلْمَةِ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ رَوَى عَنْ أَنَسٍ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ، خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [رد المحتار] مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَدْ صَحَّ كَمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ إنَّهُ رَآهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَيْته مِرَارًا، وَكَانَ يُخَضِّبُ بِالْحُمْرَةِ. وَجَاءَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَحَادِيثَ ثَلَاثَةً، لَكِنْ قَالَ أَئِمَّةُ الْمُحَدِّثِينَ مَدَارُهَا عَلَى مَنْ اتَّهَمَهُ الْأَئِمَّةُ بِوَضْعِ الْأَحَادِيثِ. اهـ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَقَدْ أَطَالَ الْعَلَّامَةُ طَاشْ كُبْرَى فِي سَرْدِ النُّقُولِ الصَّحِيحَةِ فِي إثْبَاتِ سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. (قَوْلُهُ: وَجَابِرٍ) أَيْ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ (٧٩) قَبْلَ وِلَادَةِ الْإِمَامِ بِسَنَةٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ مَنْ لَمْ يُرْزَقْ وَلَدًا بِكَثْرَةِ الِاسْتِغْفَارِ وَالصَّدَقَةِ فَفَعَلَ فَوُلِدَ لَهُ تِسْعَةُ ذُكُورٍ إنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ. ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنْ نَقَلَ ط عَنْ شَرْحِ الْخُوَارِزْمِيِّ عَلَى مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ: سَمِعْت وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ جَابِرٍ مَا قَالَ سَمِعْت، وَإِنَّمَا قَالَ عَنْ جَابِرٍ كَمَا هُوَ عَادَةُ التَّابِعِينَ فِي إرْسَالِ الْأَحَادِيثِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَتَمَشَّى عَلَى الْقَوْلِ بِوِلَادَةِ الْإِمَامِ سَنَةَ (٧٠) أهـ. أَقُولُ: وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ فَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَأَمَّا الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ فَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ حُجَّةٌ ثَبْتٌ لَا يَضَعُ وَلَا يَرْوِي عَنْ وَضَّاعٍ. (قَوْلُهُ: وَابْنِ أَبِي أَوْفَى) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ (٨٦) ، وَقِيلَ سَنَةَ (٨٧) ، وَقِيلَ سَنَةَ (٨٨) سُيُوطِيٌّ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَى عَنْهُ الْإِمَامُ هَذَا الْحَدِيثَ الْمُتَوَاتِرَ «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» . (قَوْلُهُ: أَعْنِي أَبَا الطُّفَيْلِ) أَيْ أَقْصِدُ بِعَامِرٍ الْمَذْكُورِ أَبَا الطُّفَيْلِ بْنَ وَاثِلَةَ بِكَسْرِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ اللَّيْثِيَّ، وَهُوَ آخِرُ الصَّحَابَةِ مَوْتًا عَلَى الْإِطْلَاقِ. تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ، وَقِيلَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ مِائَةٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْعِرَاقِيُّ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِمُسْلِمٍ، وَصَحَّحَ الذَّهَبِيُّ أَنَّهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. (قَوْلُهُ: وَابْنَ أُنَيْسٌ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ. أَخْرَجَ بَعْضُهُمْ بِسَنَدِهِ إلَى الْإِمَامِ أَنَّهُ قَالَ: وُلِدْت سَنَةَ ثَمَانِينَ، وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٌ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْكُوفَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، وَرَأَيْته وَسَمِعْت مِنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «حُبُّك الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» . وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِي سَنَدِهِ مَجْهُولِينَ، وَبِأَنَّ ابْنَ أُنَيْسٌ مَاتَ سَنَةَ (٥٤) . وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ لِخَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الْجُهَنِيِّ. وَرُدَّ بِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَدْخُلْ الْكُوفَةَ. (قَوْلُهُ: وَوَاثِلَهْ) هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْضًا كَمَا فِي الْقَامُوسِ ابْنِ الْأَسْقَعِ بِالْقَافِ؟ مَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سُيُوطِيٌّ. وَرَوَى الْإِمَامُ عَنْهُ حَدِيثَيْنِ «لَا تُظْهِرْ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيك فَيُعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَك» «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَالْأَوَّلُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَحَسَّنَهُ، وَالثَّانِي جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَصَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ ابْنُ حَجَرٍ. (قَوْلُهُ: عَنْ ابْنِ جُزْءٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَبِالْهَمْزَةِ الزُّبَيْدِيُّ بِضَمِّ الزَّايِ مُصَغَّرًا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ (٨٦) بِمِصْرَ بِسَقْطِ أَبِي تُرَابٍ: قَرْيَةٌ مِنْ الْغَرْبِيَّةِ قُرْبَ سَمَنُّودَ وَالْمَحَلَّةِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِهَا. وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ أَبِيهِ سَنَةَ (٩٦) وَأَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يُدَرِّسُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا، فَرَدَّهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّيْخُ قَاسِمٌ الْحَنَفِيُّ، بِأَنَّ سَنَدَ ذَلِكَ فِيهِ قَلْبٌ وَتَحْرِيفٌ، وَفِيهِ كَذَّابٌ بِاتِّفَاقٍ، وَبِأَنَّ ابْنَ جُزْءٍ مَاتَ بِمِصْرَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ سِتُّ سِنِينَ، وَبِأَنَّ ابْنَ جُزْءٍ لَمْ يَدْخُلْ الْكُوفَةَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ ابْنُ حَجَرٍ. (قَوْلُهُ: وَبِنْتُ عَجْرَدٍ) اسْمُهَا عَائِشَةُ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ حَاصِلَ كَلَامِ الذَّهَبِيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ أَنَّ هَذِهِ لَا صُحْبَةَ

стр. 61

وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ قِيلَ فِي السِّجْنِ لِيَلِيَ الْقَضَاءَ وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً بِتَارِيخِ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، قِيلَ وَيَوْمَ تُوُفِّيَ وُلِدَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَعُدَّ مِنْ مَنَاقِبِهِ. وَقَدْ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي مُخَالَفَةِ تَلَامِذَتِهِ لَهُ أَنَّهُ رَأَى صَبِيًّا يَلْعَبُ فِي الطِّينِ فَحَذَّرَهُ مِنْ السُّقُوطِ، ــ [رد المحتار] لَهَا، وَأَنَّهَا لَا تَكَادُ تُعْرَفُ، وَبِذَلِكَ رُدَّ مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَوَى عَنْهَا هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ «أَكْثَرُ جُنْدِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ الْجَرَادُ، لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ، وَزَادَ عَلَى مَنْ ذَكَرَ هُنَا مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ الْإِمَامُ فَقَالَ: وَمِنْهُمْ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٨٨) وَقِيلَ بَعْدَهَا. وَمِنْهُمْ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سَعِيدٍ، وَوَفَاتُهُ سَنَةَ إحْدَى أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ، وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٩٦) وَمِنْهُمْ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٩٩) . (قَوْلُهُ: رَضِيَ اللَّهُ) الْأَصْوَبُ فَرَضِيَ بِالْفَاءِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ لِيَتِمَّ الْوَزْنُ وَيَسْلَمَ مِنْ ادِّعَاءِ دُخُولِ الْخَزْلِ فِيهِ. (قَوْلُهُ: لِيَلِيَ الْقَضَاءَ) أَيْ قَضَاءَ الْقُضَاةِ لِتَكُونَ قُضَاةُ الْإِسْلَامِ مِنْ تَحْتِ أَمْرِهِ، وَالطَّالِبُ لَهُ هُوَ الْمَنْصُورُ فَامْتَنَعَ فَحَبَسَهُ، وَكَانَ يُخْرَجُ كُلَّ يَوْمٍ فَيُضْرَبُ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ وَيُنَادَى عَلَيْهِ فِي الْأَسْوَاقِ، ثُمَّ ضُرِبَ ضَرْبًا مُوجِعًا حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى عَقِبِهِ وَنُودِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، ثُمَّ ضُيِّقَ عَلَيْهِ تَضْيِيقًا شَدِيدًا حَتَّى فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ، فَبَكَى وَأَكَّدَ الدُّعَاءَ، فَتُوُفِّيَ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ. وَرَوَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ دُفِعَ إلَيْهِ قَدَحٌ فِيهِ سُمٌّ فَامْتَنَعَ وَقَالَ: لَا أَعِينُ عَلَى قَتْلِ نَفْسِي، فَصُبَّ فِي فِيهِ قَهْرًا، قِيلَ إنَّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمَنْصُورِ. وَصَحَّ أَنَّهُ لَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ سَجَدَ فَمَاتَ وَهُوَ سَاجِدٌ. قِيلَ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَعْدَائِهِ دَسَّ إلَى الْمَنْصُورِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَثَارَ إبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃ الْخَارِجَ عَلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْقَضَاءَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ لِيَتَوَصَّلَ إلَى قَتْلِهِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ [الْخَيْرَاتِ الْحِسَانِ] لِابْنِ حَجَرٍ. وَذَكَرَ التَّمِيمِيُّ أَنَّ الْخَطِيبَ رَوَى بِسَنَدِهِ أَنَّ أَبَا هُبَيْرَةَ كَانَ عَامِلَ مَرْوَانَ عَلَى الْعِرَاقِ فَكَلَّمَ أَبَا حَنِيفَةَ أَنْ يَلِيَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ فَأَبَى فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ وَعَشْرَةَ أَسْوَاطٍ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إذَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَكَى وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، خُصُوصًا بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ هُوَ أَيْضًا اهـ. فَالظَّاهِرُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ وَبَنُو مَرْوَانَ قَبْلَ الْمَنْصُورِ فَإِنَّهُ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَقِصَّةُ أَبِي هُبَيْرَةَ كَانَتْ أَوَّلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: وَلَهُ) أَيْ مِنْ الْعُمُرِ. (قَوْلُهُ: بِتَارِيخِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تُوُفِّيَ، فَمَا قَبْلَهُ بَيَانُ الْمَكَانِ وَهَذَا بَيَانُ الزَّمَانِ. مَطْلَبٌ فِي مَوْلِدِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَوَفَاتِهِمْ وَمُدَّةِ حَيَاتِهِمْ [فَائِدَةٌ] قَدْ عَلِمْت أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وُلِدَ سَنَةَ (٨٠) وَمَاتَ سَنَةَ (١٥٠) وَعَاشَ (٧٠) سَنَةً. وَقَدْ وُلِدَ الْإِمَامُ مَالِكٌ سَنَةَ (٩٠) وَمَاتَ سَنَةَ (١٧٩) وَعَاشَ (٨٩) سَنَةً. وَالشَّافِعِيُّ وُلِدَ سَنَةَ (١٥٠) وَمَاتَ سَنَةَ (٢٠٤) وَعَاشَ (٥٤) سَنَةً. وَأَحْمَدُ وُلِدَ سَنَةَ (١٦٤) وَمَاتَ سَنَةَ (٢٤١) وَعَاشَ (٧٧) سَنَةً، وَقَدْ نَظَمَ جَمِيعَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ مُشِيرًا إلَيْهِ بِحُرُوفِ الْجُمَلِ، لِكُلِّ إمَامٍ مِنْهُمْ ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فَقَالَ: تَارِيخُ نُعْمَانَ يَكُنْ سَيْفٌ سَطَا ... وَمَالِكُ فِي قَطْعِ جَوْف ضُبِطَا وَالشَّافِعِيُّ صَيِّنٌ بِبِرْنَدٌ ... وَأَحْمَدُ بِسَبْقِ أَمْرٍ جُعِّدَ فَاحْسُبْ عَلَى تَرْتِيبِ نَظْمِ الشِّعْرِ ... مِيلَادَهُمْ فَمَوْتُهُمْ كَالْعُمُرِ

стр. 62

فَأَجَابَهُ بِأَنْ: احْذَرْ أَنْتَ السُّقُوطَ، فَإِنَّ فِي سُقُوطِ الْعَالِمِ سُقُوطُ الْعَالَمِ، فَحِينَئِذٍ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إنْ تَوَجَّهَ لَكُمْ دَلِيلٌ فَقُولُوا بِهِ، فَكَانَ كُلٌّ يَأْخُذُ بِرِوَايَةٍ عَنْهُ وَيُرَجِّحُهَا، وَهَذَا مِنْ غَايَةِ احْتِيَاطِهِ وَوَرَعِهِ - ــ [رد المحتار] (قَوْلُهُ: فَأَجَابَهُ إلَخْ) لِلَّهِ دَرُّ هَذَا الصَّبِيِّ مَا أَحْكَمَهُ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ سُقُوطَهُ وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ جَسَدُهُ وَحْدَهُ لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّ فِي الدِّينِ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِسُقُوطٍ، بِخِلَافِ سُقُوطِ الْعَالِمِ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قَبْلَ بَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي نَيْلِ الْمَقْصُودِ يَلْزَمُ مِنْهُ سُقُوطُ غَيْرِهِ مِمَّنْ اتَّبَعَهُ أَيْضًا، فَيَعُودُ ضَرَرُهُمْ عَلَيْهِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ فِي الدِّينِ، عَلَى حَدٍّ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦]- الْآيَةَ: أَيْ الْعَمَى الضَّارُّ لَيْسَ عَمَى الْأَبْصَارِ وَإِنَّمَا عَمَى الْقُلُوبِ. (قَوْلُهُ: فَحِينَئِذٍ إلَخْ) رَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الشِّيرَامَاذِيُّ عَنْ شَقِيقٍ الْبَلْخِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَانَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ، وَأَعْبَدْ النَّاسِ، وَأَكْرَمِ النَّاسِ، وَأَكْثَرِهِمْ احْتِيَاطًا فِي الدِّينِ، وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ فِي دِينِ اللَّهِ ، وَكَانَ لَا يَضَعُ مَسْأَلَةً فِي الْعِلْمِ حَتَّى يَجْمَعَ أَصْحَابَهُ عَلَيْهَا وَيَعْقِدَ عَلَيْهَا مَجْلِسًا، فَإِذَا اتَّفَقَ أَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ عَلَى مُوَافَقَتِهَا لِلشَّرِيعَةِ قَالَ لِأَبِي يُوسُفَ أَوْ غَيْرِهِ ضَعْهَا فِي الْبَابِ الْفُلَانِيِّ. اهـ. كَذَا فِي الْمِيزَانِ لِلْإِمَامِ الشَّعْرَانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ. وَنَقَلَ ط عَنْ مُسْنَدِ الْخُوَارِزْمِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ اجْتَمَعَ مَعَهُ أَلْفٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَجَلُّهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ أَرْبَعُونَ قَدْ بَلَغُوا حَدَّ الِاجْتِهَادِ، فَقَرَّبَهُمْ وَأَدْنَاهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّى أَلْجَمْت هَذَا الْفِقْهَ وَأَسْرَجْته لَكُمْ فَأَعِينُونِي، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ جَعَلُونِي جِسْرًا عَلَى النَّارِ، فَإِنَّ الْمُنْتَهَى لِغَيْرِي، وَاللَّعِبَ عَلَى ظَهْرِي، فَكَانَ إذَا وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ شَاوَرَهُمْ وَنَاظَرَهُمْ وَحَاوَرَهُمْ وَسَأَلَهُمْ فَيَسْمَعُ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَيَقُولُ مَا عِنْدَهُ وَيُنَاظِرُهُمْ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى يَسْتَقِرَّ آخِرُ الْأَقْوَالِ فَيُثْبِتَهُ أَبُو يُوسُفَ، حَتَّى أَثْبَتَ الْأُصُولَ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ، شُورَى، لَا أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: إنْ تَوَجَّهَ لَكُمْ دَلِيلٌ) أَيْ ظَهَرَ لَكُمْ فِي مَسْأَلَةٍ وَجْهُ الدَّلِيلِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقُولُ ط. (قَوْلُهُ: فَقُولُوا بِهِ) وَكَانَ كَذَلِكَ، فَحَصَلَ الْمُخَالَفَةُ مِنْ الصَّاحِبَيْنِ فِي نَحْوِ ثُلُثِ الْمَذْهَبِ، وَلَكِنْ الْأَكْثَرُ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ ط. (قَوْلُهُ: فَكَانَ كُلٌّ يَأْخُذُ بِرِوَايَةٍ عَنْهُ) أَيْ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ خَارِجٌ عَنْ أَقْوَالِهِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَا قُلْت قَوْلًا خَالَفْت فِيهِ أَبَا حَنِيفَةَ إلَّا قَوْلًا قَدْ كَانَ قَالَهُ. وَرَوَى عَنْ زُفَرُ أَنَّهُ قَالَ: مَا خَالَفْت أَبَا حَنِيفَةَ فِي شَيْءٍ إلَّا قَدْ قَالَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُمْ مَا سَلَكُوا طَرِيقَ الْخِلَافِ، بَلْ قَالُوا مَا قَالُوا عَنْ اجْتِهَادٍ وَرَأْيٍ اتِّبَاعًا لِمَا قَالَهُ أُسْتَاذُهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ. اهـ. وَفِي آخِرِ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَإِذَا أَخَذَ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ يَكُونُ بِهِ آخِذًا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ مِنْ الْكِبَارِ كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا قُلْنَا فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلًا إلَّا وَهُوَ رِوَايَتُنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَقْسَمُوا عَلَيْهِ أَيْمَانًا غِلَاظًا فَلَمْ يَتَحَقَّقْ إذًا فِي الْفِقْهِ جَوَابٌ وَلَا مَذْهَبٌ إلَّا لَهُ كَيْفَمَا كَانَ، وَمَا نُسِبَ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِلْمُوَافَقَةِ. اهـ. فَإِنْ قُلْت: إذَا رَجَعَ الْمُجْتَهِدُ عَنْ قَوْلٍ لَمْ يَبْقَ قَوْلًا لَهُ، بَلْ صَرَّحَ فِي قَضَاءِ الْبَحْرِ بِأَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَهُوَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَأَنَّ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ لَيْسَ قَوْلًا لَهُ. اهـ. وَفِيهِ عَنْ التَّوْشِيحِ أَنَّ مَا رَجَعَ عَنْهُ الْمُجْتَهِدُ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا قَالَهُ أَصْحَابُهُ مُخَالِفِينَ لَهُ فِيهِ لَيْسَ مَذْهَبَهُ، فَحِينَئِذٍ صَارَتْ أَقْوَالُهُمْ مَذَاهِبَ لَهُمْ، مَعَ أَنَّا الْتَزَمْنَا تَقْلِيدَ مَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ، وَلِذَا نَقُولُ إنَّ مَذْهَبَنَا حَنَفِيٌّ لَا يُوسُفِيٌّ وَنَحْوُهُ. مَطْلَبُ صَحَّ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي قُلْت: قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَقْوَالِهِ بِمَا يُتَّجَهُ لَهُمْ مِنْهَا عَلَيْهِ الدَّلِيلُ صَارَ مَا قَالُوهُ قَوْلًا لَهُ لِابْتِنَائِهِ عَلَى قَوَاعِدِهِ الَّتِي أَسَّسَهَا لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ مَرْجُوعًا عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَيَكُونُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَيْضًا، وَنَظِيرُ هَذَا مَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ بِيرِيّ فِي أَوَّلِ شَرْحِهِ عَلَى الْأَشْبَاهِ عَنْ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ، وَنَصُّهُ: إذَا صَحَّ

стр. 63

وَعَلِمَ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ، فَمَهْمَا كَانَ الِاخْتِلَافُ أَكْثَرَ كَانَتْ الرَّحْمَةُ أَوْفَرَ، لِمَا قَالُوا: ــ [رد المحتار] الْحَدِيثُ وَكَانَ عَلَى خِلَافِ الْمَذْهَبِ عُمِلَ بِالْحَدِيثِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ وَلَا يَخْرُجُ مُقَلِّدُهُ عَنْ كَوْنِهِ حَنَفِيًّا بِالْعَمَلِ بِهِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ. اهـ. وَنَقَلَهُ أَيْضًا الْإِمَامُ الشَّعْرَانِيُّ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ فِي النُّصُوصِ وَمَعْرِفَةِ مُحْكَمِهَا مِنْ مَنْسُوخِهَا، فَإِذَا نَظَرَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي الدَّلِيلِ وَعَمِلُوا بِهِ صَحَّ نِسْبَتُهُ إلَى الْمَذْهَبِ لِكَوْنِهِ صَادِرًا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ ضَعْفَ دَلِيلِهِ رَجَعَ عَنْهُ وَاتَّبَعَ الدَّلِيلَ الْأَقْوَى؛ وَلِذَا رَدَّ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ عَلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ حَيْثُ أَفْتَوْا بِقَوْلِ الْإِمَامَيْنِ بِأَنَّهُ لَا يُعْدَلُ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ إلَّا لِضَعْفِ دَلِيلِهِ (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ) خَبَرٌ آخَرُ عَنْ قَوْلِهِ وَهَذَا: أَيْ وَهَذَا الْقَوْلُ عُلِمَ مِنْهُ: أَيْ دَلِيلُ عِلْمِهِ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إلَخْ ط. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَعَلِمَهُ بِالضَّمِيرِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ. (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ) أَيْ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْفُرُوعِ لَا مُطْلَقِ الِاخْتِلَافِ. مَطْلَبٌ فِي حَدِيثِ «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» . (قَوْلُهُ: مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ) فَإِنَّ اخْتِلَافَ أَئِمَّةِ الْهُدَى تَوْسِعَةٌ لِلنَّاسِ كَمَا فِي أَوَّلِ التَّتَارْخَانِيَّة، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ، وَهُوَ «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» قَالَ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَهْمَا أُوتِيتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَالْعَمَلُ بِهِ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَسُنَّةٌ مِنِّي مَاضِيَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُنَّةٌ مِنِّي فَمَا قَالَ أَصْحَابِي، إنَّ أَصْحَابِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، فَأَيُّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، وَاخْتِلَافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ» وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْمُخْتَصَرِ بِلَفْظِ «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ» وَقَالَ مُنْلَا عَلِيِّ الْقَارِي: إنَّ السُّيُوطِيّ قَالَ: أَخْرَجَهُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيَّ فِي الْحُجَّةِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الرِّسَالَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ بِغَيْرِ سَنَدٍ، وَرَوَاهُ الْحَلِيمِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمْ، وَلَعَلَّهُ خَرَجَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحُفَّاظِ الَّتِي لَمْ تَصِلْ إلَيْنَا. وَنَقَلَ السُّيُوطِيّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا سَرَّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةً. وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نَكْتُبُ هَذِهِ الْكُتُبَ يَعْنِي مُؤَلَّفَاتِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَنُفَرِّقُهَا فِي آفَاقِ الْإِسْلَامِ لِنَحْمِلَ عَلَيْهَا الْأُمَّةَ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، كُلٌّ يَتْبَعُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ، وَكُلُّهُمْ عَلَى هُدًى، وَكُلٌّ يُرِيدُ اللَّهَ تَعَالَى، وَتَمَامُهُ فِي [كَشْفِ الْخَفَاءِ وَمُزِيلِ الْإِلْبَاسِ] لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ الْجِرَاحِيِّ. (قَوْلُهُ: كَانَتْ الرَّحْمَةُ أَوْفَرَ) أَيْ الْإِنْعَامُ أَزْيَدَ ط. (قَوْلُهُ: لَمَا قَالُوا) بِاللَّامِ: أَيْ لَمَا رَوَاهُ الْعُلَمَاءُ فِي شَأْنِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْحَدِيثُ السَّابِقُ وَغَيْرُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَافٌ مُعَلَّقَةٌ حَرَّفَهَا النُّسَّاخُ أَيْ كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ رَسْمَ الْمُفْتِي مَقُولُ الْقَوْلِ وَمَحَطُّ التَّعْلِيلِ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي الْإِفْتَاءِ بِالْقَوْلَيْنِ الْمُصَحَّحَيْنِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رَحْمَةً وَتَوْسِعَةً ط.

стр. 64

رَسْمُ الْمُفْتِي أَنَّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ يُفْتَى بِهِ قَطْعًا. ــ [رد المحتار] مَطْلَبُ رَسْمِ الْمُفْتِي. (قَوْلُهُ: رَسْمُ الْمُفْتِي) أَيْ الْعَلَامَةُ الَّتِي تَدُلُّ الْمُفْتِيَ عَلَى مَا يُفْتِي بِهِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ أَنَّ إلَخْ خَبَرُهُ. قَالَ فِي [فَتْحِ الْقَدِيرِ] : وَقَدْ اسْتَقَرَّ رَأْيُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ مِمَّنْ يَحْفَظُ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَ بِمُفْتٍ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذَا سُئِلَ أَنْ يَذْكُرَ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ كَالْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ، فَعُرِفَ أَنَّ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا مِنْ فَتْوَى الْمَوْجُودِينَ لَيْسَ بِفَتْوَى، بَلْ هُوَ نَقْلُ كَلَامِ الْمُفْتِي لِيَأْخُذَ بِهِ الْمُسْتَفْتِي. وَطَرِيقُ نَقْلِهِ لِذَلِكَ عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ فِيهِ، أَوْ يَأْخُذَهُ مِنْ كِتَابٍ مَعْرُوفٍ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي نَحْوُ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَوْ الْمَشْهُورِ انْتَهَى ط. (قَوْلُهُ: فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ) اعْلَمْ أَنَّ مَسَائِلَ أَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّةِ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ أَشَرْت إلَيْهَا سَابِقًا مُلَخَّصَةً وَنَظَّمْتهَا: الْأُولَى مَسَائِلُ الْأُصُولِ، وَتُسَمَّى ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَيْضًا، وَهِيَ مَسَائِلُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَصْحَابِ الْمَذْهَبِ، وَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَيَلْحَقُ بِهِمْ زُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ أَخَذَ عَنْ الْإِمَامِ، لَكِنَّ الْغَالِبَ الشَّائِعَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ وَكُتُبُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، كُتُبُ مُحَمَّدٍ السِّتَّةُ الْمَبْسُوطُ وَالزِّيَادَاتُ وَالْجَامِعُ الصَّغِيرُ وَالسِّيَرُ الصَّغِيرُ وَالْجَامِعُ الْكَبِيرُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا رُوِيَتْ عَنْ مُحَمَّدٍ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ عَنْهُ إمَّا مُتَوَاتِرَةً أَوْ مَشْهُورَةً عَنْهُ. الثَّانِيَةُ مَسَائِلُ النَّوَادِرِ، وَهِيَ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمَذْكُورِينَ لَكِنْ لَا فِي الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ إمَّا فِي كُتُبٍ أُخَرَ لِمُحَمَّدٍ كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات وَالرُّقَيَّاتِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُرْوَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِرِوَايَاتٍ ظَاهِرَةٍ ثَابِتَةٍ صَحِيحَةٍ كَالْكُتُبِ الْأُولَى، وَإِمَّا فِي كُتُبِ مُحَمَّدٍ كَالْمُحَرَّرِ لِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَغَيْرِهِ وَمِنْهَا كُتُبُ الْأَمَالِي الْمَرْوِيَّةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَالْأَمَالِي: جَمْعُ إمْلَاءٍ، وَهُوَ مَا يَقُولُهُ الْعَالِمُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ وَيَكْتُبُهُ التَّلَامِذَةُ وَكَانَ ذَلِكَ عَادَةَ السَّلَفِ، وَإِمَّا بِرِوَايَةٍ مُفْرَدَةٍ كَرِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ وَالْمُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِمَا فِي مَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ. الثَّالِثَةُ الْوَاقِعَاتُ، وَهِيَ مَسَائِلُ اسْتَنْبَطَهَا الْمُجْتَهِدُونَ الْمُتَأَخِّرُونَ لَمَّا سُئِلُوا عَنْهَا وَلَمْ يَجِدُوا فِيهَا رِوَايَةً، وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابُ أَصْحَابِهِمَا، وَهَلُمَّ جَرَّا، وَهُمْ كَثِيرُونَ، فَمِنْ أَصْحَابِهِمَا مِثْلُ عِصَامِ بْنِ يُوسُفَ وَابْنِ رُسْتُمَ وَمُحَمَّدِ بْنُ سِمَاعَةَ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الْجُرْجَانِيِّ وَأَبِي حَفْصٍ الْبُخَارِيِّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ وَنُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى وَأَبِي النَّصْرِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ. وَقَدْ يَتَّفِقُ لَهُمْ أَنْ يُخَالِفُوا أَصْحَابَ الْمَذْهَبِ لِدَلَائِلَ وَأَسْبَابٍ ظَهَرَتْ لَهُمْ، وَأَوَّلُ كِتَابِ جَمْعٍ فِي فَتْوَاهُمْ فِيمَا بَلَغَنَا كِتَابُ النَّوَازِلِ لِلْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، ثُمَّ جَمَعَ الْمَشَايِخُ بَعْدَهُ كُتُبًا أُخَرَ كَمَجْمُوعِ النَّوَازِلِ وَالْوَاقِعَاتِ لِلنَّاطِفِيِّ وَالْوَاقِعَاتِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مُخْتَلِطَةً غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَمَيَّزَ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي كِتَابِ الْمُحِيطِ لِرَضِيِّ الدِّينِ السَّرَخْسِيِّ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَسَائِلَ الْأُصُولِ ثُمَّ النَّوَادِرَ ثُمَّ الْفَتَاوَى وَنِعْمَ مَا فَعَلَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ كُتُبِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ كِتَابُ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ، وَهُوَ كِتَابٌ مُعْتَمَدٌ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ، شَرَحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَشَايِخِ، مِنْهُمْ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ بِمَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّرَسُوسِيُّ:

стр. 65

وَاخْتُلِفَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يُفْتِي بِقَوْلِ الْإِمَامِ ــ [رد المحتار] مَبْسُوطُ السَّرَخْسِيِّ لَا يُعْمَلُ بِمَا يُخَالِفُهُ، وَلَا يُرْكَنُ إلَّا إلَيْهِ، وَلَا يُفْتَى وَلَا يُعَوَّلُ إلَّا عَلَيْهِ، وَمِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَيْضًا الْمُنْتَقَى لَهُ أَيْضًا إلَّا أَنَّ فِيهِ بَعْضَ النَّوَادِرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ نُسَخَ الْمَبْسُوطِ الْمَرْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأَظْهَرُهَا مَبْسُوطُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيِّ. وَشَرَحَ الْمَبْسُوطَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِثْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بَكْرٌ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهُ وَيُسَمَّى الْمَبْسُوطَ الْكَبِيرَ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَمَبْسُوطَاتُهُمْ شُرُوحٌ فِي الْحَقِيقَةِ ذَكَرُوهَا مُخْتَلِطَةً بِمَبْسُوطِ مُحَمَّدٍ كَمَا فَعَلَ شُرَّاحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِثْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمْ، فَيُقَالُ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْمُرَادُ شَرْحُهُ وَكَذَا فِي غَيْرِهِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ شَرْحِ الْبِيرِيِّ عَلَى الْأَشْبَاهِ وَشَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ النَّابُلُسِيِّ عَلَى شَرْحِ الدُّرَرِ فَاحْفَظْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ كَحِفْظِ طَبَقَاتِ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ، وَسَنَذْكُرُهَا قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. مَطْلَبٌ فِي طَبَقَاتِ الْمَسَائِلِ وَكُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ الْبَحْرِ أَنَّ كَافِيَ الْحَاكِمِ هُوَ جَمْعُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِهِ السِّتَّةِ الَّتِي هِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَفَسَّرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِحْصَارِ الْأَصْلَ بِالْمَبْسُوطِ، وَفِي بَابِ الْعِيدَيْنِ مِنْ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ أَنَّ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ بَعْدَ الْأَصْلِ، فَمَا فِيهِ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ فِي النَّهْرِ: سُمِّيَ الْأَصْلُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ صُنِّفَ أَوَّلًا، ثُمَّ الْجَامِعُ الصَّغِيرُ، ثُمَّ الْكَبِيرُ، ثُمَّ الزِّيَادَاتُ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. اهـ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي أَوَّلِ شَرْحِهِ عَلَى السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ السِّيَرَ الْكَبِيرَ هُوَ آخِرُ تَصْنِيفٍ صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْفِقْهِ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ الْحَلَبِيِّ فِي بَحْثِ التَّسْمِيعِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَرَأَ أَكْثَرَ الْكُتُبِ عَلَى أَبِي يُوسُفَ إلَّا مَا كَانَ فِيهِ اسْمُ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ: كَالْمُضَارَبَةِ الْكَبِيرِ وَالْمُزَارَعَةِ الْكَبِيرِ وَالْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالسِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَتَمَامُ هَذِهِ الْأَبْحَاثِ فِي مَنْظُومَتِنَا فِي رَسْمِ الْمُفْتِي وَفِي شَرْحِهَا. [تَتِمَّةٌ] قَدَّمْنَا عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ كَيْفِيَّةَ الْإِفْتَاءِ مِمَّا فِي الْكُتُبِ، فَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ مِمَّا فِي الْكُتُبِ الْغَرِيبَةِ. وَفِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ لِشَيْخِنَا الْمُحَقِّقِ هِبَةِ اللَّهِ الْبَعْلِيِّ، قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْجُنَيْنِيُّ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ مِنْ الْكُتُبِ الْمُخْتَصَرَةِ كَالنَّهْرِ وَشَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ وَالدُّرِّ الْمُحْتَارِ شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ، أَوْ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى حَالِ مُؤَلِّفِيهَا كَشَرْحِ الْكَنْزِ لِمُنْلَا مِسْكِينٍ وَشَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ، أَوْ لِنَقْلِ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ فِيهَا كَالْقُنْيَةِ لِلزَّاهِدِيِّ، فَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ مِنْ هَذِهِ إلَّا إذَا عَلِمَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ وَأَخْذَهُ مِنْهُ، هَكَذَا سَمِعْته مِنْهُ وَهُوَ عَلَّامَةٌ فِي الْفِقْهِ مَشْهُورٌ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ. اهـ. أَقُولُ: وَيَنْبَغِي إلْحَاقُ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ بِهَا، فَإِنَّ فِيهَا مِنْ الْإِيجَازِ فِي التَّعْبِيرِ مَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ إلَّا بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَأْخَذِهِ، بَلْ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ الْإِيجَازُ الْمُخِلُّ، يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ مَارَسَ مُطَالَعَتَهَا مَعَ الْحَوَاشِي فَلَا يَأْمَنُ الْمُفْتِي مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْغَلَطِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَاجَعَةِ مَا كُتِبَ عَلَيْهَا مِنْ الْحَوَاشِي أَوْ غَيْرِهَا. وَرَأَيْت فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ الْأَزْهَرِيِّ عَلَى شَرْحِ مُنْلَا مِسْكِينٍ أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى فَتَاوَى ابْنِ نُجَيْمٍ وَلَا عَلَى فَتَاوَى الطُّورِيِّ. مَطْلَبُ إذَا تَعَارَضَ التَّصْحِيحُ. (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ) أَقُولُ: عِبَارَتُهَا ثُمَّ الْفَتْوَى عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ قَوْلِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَوْلِ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ. وَقِيلَ إذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَانِبٍ وَصَاحِبَاهُ فِي جَانِبٍ فَالْمُفْتِي بِالْخِيَارِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُفْتِي مُجْتَهِدًا اهـ فَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: بِقَوْلِ الْإِمَامِ)

стр. 66

عَلَى الْإِطْلَاقِ، ثُمَّ بِقَوْلِ الثَّانِي، ثُمَّ بِقَوْلِ الثَّالِثِ، ثُمَّ بِقَوْلِ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، وَصَحَّحَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ قُوَّةَ الْمُدْرَكِ وَفِي وَقْفِ الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ: مَتَى كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مُصَحَّحَانِ جَازَ الْقَضَاءُ وَالْإِفْتَاءُ بِأَحَدِهِمَا. وَفِي أَوَّلِ ــ [رد المحتار] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ لِأَنَّهُ رَأَى الصَّحَابَةَ وَزَاحَمَ التَّابِعِينَ فِي الْفَتْوَى، فَقَوْلُهُ أَشَدُّ وَأَقْوَى مَا لَمْ يَكُنْ اخْتِلَافَ عَصْرٍ وَزَمَانٍ كَذَا فِي تَصْحِيحِ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْإِطْلَاقِ) أَيْ سَوَاءٌ انْفَرَدَ وَحْدَهُ فِي جَانِبٍ أَوْ لَا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ السِّرَاجِيَّةِ مِنْ مُقَابَلَتِهِ بِالْقَوْلِ الثَّانِي الْمُفَصَّلِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ بِقَوْلِ الثَّانِي) أَيْ ثُمَّ إذَا لَمْ يُوجَدْ لِلْإِمَامِ رِوَايَةٌ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَبُو يُوسُفَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ رِوَايَةٌ أَيْضًا فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ الثَّالِثِ وَهُوَ مُحَمَّدٌ إلَخْ. (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ قُوَّةَ الْمُدْرِكِ) أَيْ الدَّلِيلَ وَبِهِ عَبَّرَ فِي الْحَاوِي. قَالَ ح: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي التَّوْفِيقِ أَيْ بَيْنَ مَا فِي الْحَاوِي وَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ قُوَّةُ إدْرَاكٍ لِقُوَّةِ الْمُدْرِكِ يُفْتِي بِالْقَوْلِ الْقَوِيِّ الْمُدْرَكِ وَإِلَّا فَالتَّرْتِيبُ. اهـ. أَقُولُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ السِّرَاجِيَّةِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُفْتِي مُجْتَهِدًا، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَعْنِي مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ يَتْبَعُ مِنْ الْأَقْوَالِ مَا كَانَ دَلِيلًا وَإِلَّا فَاتَّبَعَ التَّرْتِيبَ السَّابِقَ، وَمِنْ هَذَا تَرَاهُمْ قَدْ يُرَجِّحُونَ قَوْلَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَلَى قَوْلِهِ كَمَا رَجَّحُوا قَوْلَ زُفَرَ وَحْدَهُ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً، فَنَتْبَعُ مَا رَجَّحُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ الْإِمَامِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ رِوَايَةٌ أَصْلًا، فَفِي الْأَوَّلِ يُؤْخَذُ بِأَقْوَاهَا حُجَّةً كَمَا فِي الْحَاوِي، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْحَادِثَةِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَوَابٌ ظَاهِرٌ وَتَكَلَّمَ فِيهِ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ قَوْلًا وَاحِدًا يُؤْخَذُ بِهِ، فَإِنْ اخْتَلَفُوا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ثُمَّ الْأَكْثَرِينَ مِمَّا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْكِبَارُ الْمَعْرُوفُونَ مِنْهُمْ كَأَبِي حَفْصٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي اللَّيْثِ وَالطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ جَوَابٌ أَلْبَتَّةَ نَصًّا يَنْظُرُ الْمُفْتِي فِيهَا نَظَرَ تَأَمُّلٍ وَتَدَبُّرٍ وَاجْتِهَادٍ لِيَجِدَ فِيهَا مَا يُقَرِّبُ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا جُزَافًا، وَيَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى وَيُرَاقِبُهُ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَتَجَاسَرُ عَلَيْهِ إلَّا كُلُّ جَاهِلٍ شَقِيٍّ. اهـ. [تَتِمَّةٌ] قَدْ جَعَلَ الْعُلَمَاءُ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فِي الْعِبَادَاتِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْوَاقِعُ بِالِاسْتِقْرَاءِ، مَا لَمْ يَكُنْ عَنْهُ رِوَايَةٌ كَقَوْلِ الْمُخَالِفِ كَمَا فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَالتَّيَمُّمِ فَقَطْ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِ نَبِيذِ التَّمْرِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ لِلْحَلَبِيِّ فِي بَحْثِ التَّيَمُّمِ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ ذَوِي الْأَرْحَامِ. وَفِي قَضَاءِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ: الْفَتْوَى: عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ اهـ أَيْ لِحُصُولِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ لَهُ بِهِ بِالتَّجْرِبَةِ، وَلِذَا رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ لَمَّا حَجَّ وَعَرَفَ مَشَقَّتَهُ. وَفِي شَرْحِ الْبِيرِيِّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا فِي الشَّهَادَاتِ. وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً حَرَّرْتهَا فِي رِسَالَةٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عِنْدَ عَدَمِ ذِكْرِ أَهْلِ الْمُتُونِ لِلتَّصْحِيحِ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ بِمَا فِي الْمُتُونِ كَمَا لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مُتَوَاتِرَةً اهـ: وَإِذَا كَانَ فِي مَسْأَلَةٍ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ فَالْعَمَلُ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ إلَّا فِي مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ مَشْهُورَةٍ. وَفِي بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ مِنْ الْبَحْرِ: الْمَسْأَلَةُ إذَا لَمْ تُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهَا. اهـ. وَفِي آخِرِ الْمُسْتَصْفَى لِلْإِمَامِ النَّسَفِيِّ: إذَا ذُكِرَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ أَقْوَالٍ فَالرَّاجِحُ هُوَ الْأَوَّلُ أَوْ الْأَخِيرُ لَا الْوَسَطُ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ عَنْ الدِّرَايَةِ إذَا وَافَقَتْهَا رِوَايَةٌ. اهـ. ذَكَرَهُ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فِي مَعْرِضِ تَرْجِيحِ رِوَايَةِ وُجُوبِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِلْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ مَعَ أَنَّهَا خِلَافُ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ الْإِمَامِ. (قَوْلُهُ: وَفِي وَقْفِ الْبَحْرِ إلَى آخِرِهِ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ التَّصْحِيحِ فِي أَحَدِهِمَا آكَدَ مِنْ الْآخَرِ كَمَا أَفَادَهُ ح: أَيْ فَلَا يُخَيَّرُ بَلْ يَتْبَعُ الْآكَدَ كَمَا سَيَأْتِي.

стр. 67

الْمُضْمَرَاتِ: أَمَّا الْعَلَامَاتُ لِلْإِفْتَاءِ فَقَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَبِهِ يُفْتَى، وَبِهِ نَأْخُذُ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْيَوْمِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْأُمَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَوْ الْأَصَحُّ، أَوْ الْأَظْهَرُ، أَوْ الْأَشْبَهُ، أَوْ الْأَوْجَهُ، أَوْ الْمُخْتَارُ، وَنَحْوُهَا مِمَّا ذُكِرَ فِي حَاشِيَةِ الْبَزْدَوِيِّ اهـ وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: وَبَعْضُ الْأَلْفَاظِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ، ــ [رد المحتار] أَقُولُ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ التَّخْيِيرِ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُتُونِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْبِيرِيِّ، وَلِمَا فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ مِنْ الْبَحْرِ، مِنْ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَالْفَتْوَى فَالْعَمَلُ بِمَا وَافَقَ الْمُتُونَ أَوْلَى. اهـ. وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي الشُّرُوحِ وَالْآخَرُ فِي الْفَتَاوَى لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الشُّرُوحِ، وَمَا فِي الشُّرُوحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى، لَكِنْ هَذَا عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِتَصْحِيحِ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ عَدَمِ التَّصْرِيحِ أَصْلًا. أَمَّا لَوْ ذَكَرْت مَسْأَلَةَ الْمُتُونِ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِتَصْحِيحِهَا بَلْ صَرَّحُوا بِتَصْحِيحِ مُقَابِلِهَا فَقَدْ أَفَادَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ تَرْجِيحَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ تَصْحِيحٌ صَرِيحٌ، وَمَا فِي الْمُتُونِ تَصْحِيحٌ الْتِزَامِيٌّ، وَالتَّصْحِيحُ الصَّرِيحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّصْحِيحِ الِالْتِزَامِيِّ: أَيْ الْتِزَامُ الْمُتُونِ ذِكْرُ مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَذَا لَا تَخْيِيرَ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَوْلَ الْإِمَامِ وَالْآخَرُ قَوْلَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ التَّصْحِيحَانِ تَسَاقَطَا فَرَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ تَقْدِيمُ قَوْلِ الْإِمَامِ، بَلْ فِي شَهَادَاتِ الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ: الْمُقَرَّرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُفْتِي وَيَعْمَلُ إلَّا بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَى قَوْلِهِمَا أَوْ قَوْلِ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ وَإِنْ صَرَّحَ الْمَشَايِخُ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ وَالْإِمَامُ الْمُقَدَّمُ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ: يَحِلُّ الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ بَلْ يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ قَالَ. اهـ. وَكَذَا لَوْ عَلَّلُوا أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَانَ التَّعْلِيقُ تَرْجِيحًا لِلْمُعَلَّلِ كَمَا أَفَادَهُ الرَّمْلِيُّ فِي فَتَاوَاهُ مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا اسْتِحْسَانًا وَالْآخَرُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَقْدِيمُ الِاسْتِحْسَانِ إلَّا فِيمَا اسْتَثْنَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي كِتَابِ الرَّضَاعِ مِنْ الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ: الْفَتْوَى إذَا اخْتَلَفَتْ كَانَ التَّرْجِيحُ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِيهِ مِنْ بَابِ الْمَصْرِفِ: إذَا اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَجَبَ الْفَحْصُ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالرُّجُوعُ إلَيْهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَنْفَعَ لِلْوَقْفِ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ وَالْإِجَارَاتِ أَنَّهُ يُفْتِي بِكُلِّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْوَقْفِ فِيمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَوْلَ الْأَكْثَرِينَ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْحَاوِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مُرَجِّحٌ عَلَى الْآخَرِ ثُمَّ صَحَّحَ الْمَشَايِخُ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ بِهِ مَا كَانَ لَهُ مُرَجِّحٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُرَجِّحَ لَمْ يَزُلْ بَعْدَ التَّصْحِيحِ، فَيَبْقَى فِيهِ زِيَادَةُ قُوَّةٍ لَمْ تُوجَدْ فِي الْآخَرِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي مِنْ فَيْضِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ. (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُفْتِي وَهُوَ الشَّابُّ الْقَوِيُّ، وَسُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّ الْمُفْتِيَ يُقَوِّي السَّائِلَ بِجَوَابِ حَادِثَتِهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْعَيْنِيِّ، وَالْمُرَادُ بِالِاشْتِقَاقِ فِيهَا مُلَاحَظَةُ مَا أَنْبَأَ عَنْهُ الْفَتَى مِنْ الْقُوَّةِ وَالْحُدُوثِ لَا حَقِيقَتُهُ كَذَا قِيلَ. (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْيَوْمِ) الْمُرَادُ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمَانِ، وَأَلْ فِيهِ لِلْحُضُورِ، وَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى فِي، وَهِيَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى زَمَانِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ: أَيْ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْحَاضِرِ. (قَوْلُهُ: أَوْ الْأَشْبَهُ) قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: مَعْنَاهُ الْأَشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ رِوَايَةً وَالرَّاجِحُ دِرَايَةً فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. وَالدِّرَايَةُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الدَّلِيلِ كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى. (قَوْلُهُ: أَوْ الْأَوْجَهُ) أَيْ الْأَظْهَرُ وَجْهًا مِنْ حَيْثُ إنَّ دَلَالَةَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مُتَّجِهَةٌ ظَاهِرَةٌ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا) كَقَوْلِهِمْ: وَبِهِ جَرَى الْعُرْفُ، وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ، وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا ط. (قَوْلُهُ: وَقَالَ شَيْخُنَا) الْمُرَادُ بِهِ حَيْثُ أَطْلَقَ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ. (قَوْلُهُ: فِي فَتَاوِيهِ) جَمْعُ فَتْوَى وَيُجْمَعُ عَلَى فَتَاوَى بِالْأَلِفِ أَيْضًا، وَهِيَ هُنَا اسْمٌ لِفَتَاوَى شَيْخِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ لِنَفْعِ الْبَرِّيَّةِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي آخِرِهَا فِي مَسَائِلَ شَتَّى. (قَوْلُهُ: آكَدُ مِنْ بَعْضٍ) أَيْ أَقْوَى فَتُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهَا،

стр. 68

فَلَفْظُ الْفَتْوَى آكَدُ مِنْ لَفْظِ الصَّحِيحِ، وَالْأَصَحِّ وَالْأَشْبَهِ وَغَيْرِهَا، وَلَفْظُ وَبِهِ يُفْتَى آكَدُ مِنْ الْفَتْوَى عَلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ آكَدُ مِنْ الصَّحِيحِ، وَالْأَحْوَطُ آكَدُ مِنْ الِاحْتِيَاطِ انْتَهَى. قُلْت: لَكِنْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَا يَجُوزُ مَسُّ مُصْحَفٍ إلَّا بِغِلَافِهِ إذَا تَعَارَضَ إمَامَانِ مُعْتَبَرَانِ عَبَّرَ أَحَدُهُمَا بِالصَّحِيحِ وَالْآخَرُ بِالْأَصَحِّ، فَالْأَخْذُ بِالصَّحِيحِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَالْأَخْذُ بِالْمُتَّفَقِ أَوْفَقُ فَلْيُحْفَظْ. ثُمَّ رَأَيْت فِي رِسَالَةِ آدَابِ الْمُفْتِي: إذَا ذُيِّلَتْ رِوَايَةٌ فِي كِتَابٍ يُعْتَمَدُ بِالْأَصَحِّ أَوْ الْأَوْلَى، أَوْ الْأَوْفَقِ أَوْ نَحْوِهَا، فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهَا وَبِمُخَالِفِهَا أَيْضًا أَيًّا شَاءَ، وَإِذَا ذُيِّلَتْ بِالصَّحِيحِ أَوْ الْمَأْخُوذِ بِهِ، أَوْ وَبِهِ يُفْتَى، أَوْ عَلَيْهِ الْفَتْوَى - ــ [رد المحتار] وَهَذَا التَّقْدِيمُ رَاجِحٌ لَا وَاجِبٌ كَمَا يُفِيدُهُ مَا يَأْتِي عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: فَلَفْظُ الْفَتْوَى) أَيْ اللَّفْظُ الَّذِي فِيهِ حُرُوفُ الْفَتْوَى الْأَصْلِيَّةِ بِأَيِّ صِيغَةٍ عَبَّرَ بِهَا ط. (قَوْلُهُ: آكَدُ مِنْ لَفْظِ الصَّحِيحِ إلَخْ) لِأَنَّ مُقَابِلَ الصَّحِيحِ أَوْ الْأَصَحِّ وَنَحْوَهُ قَدْ يَكُونُ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَحْوَطُ أَوْ الْأَرْفَقُ بِالنَّاسِ أَوْ الْمُوَافِقُ لِتَعَامُلِهِمْ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَرَاهُ الْمُرَجِّحُونَ فِي الْمَذْهَبِ دَاعِيًا إلَى الْإِفْتَاءِ بِهِ، فَإِذَا صَرَّحُوا بِلَفْظِ الْفَتْوَى فِي قَوْلٍ عُلِمَ أَنَّهُ الْمَأْخُوذُ بِهِ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ لَفْظَ وَبِهِ نَأْخُذُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ مُسَاوٍ لِلَفْظِ الْفَتْوَى وَكَذَا بِالْأَوْلَى لَفْظُ عَلَيْهِ عَمَلُ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهَا) كَالْأَحْوَطِ وَالْأَظْهَرِ ط. وَفِي الضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ فِي مُسْتَحَبَّاتِ الصَّلَاةِ: لَفْظَةُ الْفَتْوَى آكَدُ وَأَبْلَغُ مِنْ لَفْظَةِ الْمُخْتَارِ. (قَوْلُهُ: آكَدُ مِنْ الْفَتْوَى عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْفَتْوَى لَا تَكُونُ إلَّا بِذَلِكَ، الثَّانِي يُفِيدُ الْأَصَحِّيَّةَ. اهـ. ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ آكَدُ مِنْ الصَّحِيحِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ مُقَابِلٌ لِلصَّحِيحِ، وَهُوَ: أَيْ الصَّحِيحُ مُقَابِلٌ لِلضَّعِيفِ، لَكِنْ فِي حَوَاشِي الْأَشْبَاهِ لِبِيرِيٍّ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِالْغَالِبِ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا مُقَابِلَ الْأَصَحِّ الرِّوَايَةَ الشَّاذَّةَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ. اهـ. ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَحْوَطُ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا عَبَّرَ فِيهِ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ ط، وَالِاحْتِيَاطُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ كَمَا فِي النَّهْرِ. (قَوْلُهُ: قُلْت لَكِنْ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الرَّمْلِيِّ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ تَقْدِيمُ الْآكَدِ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْأَصَحِّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَأَمَّا كَوْنُ مُرَادِهِ مُجَرَّدَ بَيَانٍ أَنَّ الْأَصَحَّ آكَدُ بِمُقْتَضَى أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي تَقْدِيمَ الصَّحِيحِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، فَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي لَفْظِ الْفَتْوَى مَعَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ آكَدَ، وَلَا مَعْنَى لِآكَدِيَّتِهِ إلَّا تَقْدِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا مَا قَالَهُ فِي الْخَيْرِيَّةِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ بَعْدَ كَلَامٍ. قُلْت: وَقَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ لَا يُدْفَعُ قَوْلُ صَاحِبِ الْمُحِيطِ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. (قَوْلُهُ: إمَامَانِ مُعْتَبَرَانِ) أَيْ مِنْ أَئِمَّةِ التَّرْجِيحِ ط. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا إلَخْ) أَيْ وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا يُجْعَلُ الْآخَرُ أَصَحُّ. قُلْت: وَالْعِلَّةُ لَا تَخُصُّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، بَلْ كَذَلِكَ الْوَجِيهُ وَالْأَوْجَهُ وَالِاحْتِيَاطُ وَالْأَحْوَطُ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: إذَا ذُيِّلَتْ رِوَايَةٌ إلَخْ) أَيْ جُعِلَ ذَيْلُهَا: أَيْ فِي آخِرِهَا، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ التَّذْيِيلَ بِالتَّصْحِيحِ وَقَعَ لِرِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ دُونَ مُخَالَفَتِهَا فَلَيْسَ فِيهِ تَعَارُضُ التَّصْحِيحِ، لَكِنْ إذَا كَانَ التَّصْحِيحُ بِصِيغَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ أَفَادَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُخَالِفَةَ صَحِيحَةٌ أَيْضًا، فَلَهُ الْإِفْتَاءُ بِأَيٍّ شَاءَ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَ الْأُولَى لِزِيَادَةِ الصِّحَّةِ فِيهَا، وَسَكَتَ عَنْهُ لِظُهُورِهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ التَّصْحِيحُ بِصِيغَةٍ تَقْتَضِي قَصْرِ الصِّحَّةِ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَقَطْ كَالصَّحِيحِ وَالْمَأْخُوذِ بِهِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُفِيدُ ضَعْفَ الرِّوَايَةِ الْمُخَالِفَةِ لَمْ يَجُزْ الْإِفْتَاءُ بِمُخَالِفِهَا، لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْفُتْيَا بِالْمَرْجُوحِ جَهْلٌ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا

стр. 69

لَمْ يُفْتِ بِمُخَالِفِهِ إلَّا إذَا كَانَ فِي الْهِدَايَةِ مَثَلًا هُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْكَافِي بِمُخَالِفِهِ هُوَ الصَّحِيحُ فَيُخَيَّرُ فَيَخْتَارُ الْأَقْوَى عِنْدَهُ وَالْأَلْيَقَ وَالْأَصْلَحَ اهـ فَلْيُحْفَظْ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِهِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُفْتِي وَالْقَاضِي إلَّا أَنَّ الْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ عَنْ الْحُكْمِ وَالْقَاضِيَ مُلْزِمٌ بِهِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ وَالْفُتْيَا بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ جَهْلٌ وَخَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، ــ [رد المحتار] وَجَدَ التَّصْحِيحَ فِي كِتَابٍ آخَرَ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْآكَدِ مِنْهُمَا أَوْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَارِّ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ هَذَا تَفْصِيلٌ آخَرُ زَائِدٌ عَلَى مَا مَرَّ غَيْرُ مُخَالِفٍ لَهُ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَا وُجِدَ فِيهِ التَّصْحِيحُ مِنْ كِلَا الطَّرَفَيْنِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِيمَا إذَا لَمْ يُذَيَّلْ مُخَالِفُهُ بِشَيْءٍ كَمَا مَرَّ. وَفَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ تَوْضِيحُ مَا مَرَّ عَنْ وَقْفِ الْبَحْرِ وَبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ التَّخْيِيرِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَكْرِيرٌ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْكَافِي) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَافِي الْحَاكِمِ أَوْ كَافِي النَّسَفِيِّ الَّذِي شَرَحَ بِهِ كِتَابَهُ الْوَافِيَ أَصْلَ الْكَنْزِ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي. (قَوْلُهُ: فَيَخْتَارُ الْأَقْوَى) أَيْ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ أَوْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا تَنْسَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ بَقِيَّةِ قُيُودِ التَّخْيِيرِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَلْيَقُ) أَيْ لِزَمَانِهِ وَالْأَصْلَحُ الَّذِي يَرَاهُ مُنَاسِبًا فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ. (قَوْلُهُ: فَلْيُحْفَظْ) أَيْ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْحُكْمَ إنْ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا يُفْتَى بِهِ قَطْعًا، وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ يُصَحِّحَ الْمَشَايِخُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ أَوْ كُلًّا مِنْهُمَا، أَوَّلًا وَإِلَّا فَفِي الثَّالِثِ يُعْتَبَرُ التَّرْتِيبُ، بِأَنْ يُفْتَى بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إلَخْ، أَوْ يُعْتَبَرُ قُوَّةُ الدَّلِيلِ، وَقَدْ مَرَّ التَّوْفِيقُ، وَفِي الْأَوَّلِ إنْ كَانَ التَّصْحِيحُ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ خُيِّرَ الْمُفْتِي، وَإِلَّا فَلَا، بَلْ يُفْتَى بِالْمُصَحَّحِ فَقَطْ، وَهَذَا مَا نَقَلَهُ عَنْ الرِّسَالَةِ. وَفِي الثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ أَوْ لَا. فَفِي الْأَوَّلِ قِيلَ يُفْتَى بِالْأَصَحِّ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْخَيْرِيَّةِ وَقِيلَ بِالصَّحِيحِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَفِي الثَّانِي يُخَيَّرُ الْمُفْتِي وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ وَقْفِ الْبَحْرِ وَالرِّسَالَةِ أَفَادَهُ ح. (قَوْلُهُ: فِي تَصْحِيحِهِ) أَيْ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّصْحِيحِ، وَالتَّرْجِيحِ الْمَوْضُوعِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ. (قَوْلُهُ: لَا فَرْقَ إلَخْ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِالتَّشَهِّي، بَلْ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ مَا رَجَّحُوهُ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي مُخْبِرًا وَالْقَاضِي مُلْزِمًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرَ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْحُكْمَ وَالْفُتْيَا إلَخْ) وَكَذَا الْعَمَلُ بِهِ لِنَفْسِهِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ [الْعِقْد الْفَرِيدِ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ] : مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ مَنْعُ الْعَمَلِ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ فِي الْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ دُونَ الْعَمَلِ لِنَفْسِهِ. مَطْلَبُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالضَّعِيفِ حَتَّى لِنَفْسِهِ عِنْدَنَا وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ الْمَنْعُ عَنْ الْمَرْجُوحِ حَتَّى لِنَفْسِهِ لِكَوْنِ الْمَرْجُوعِ صَارَ مَنْسُوخًا اهـ فَلْيُحْفَظْ، وَقَيَّدَهُ الْبِيرِيُّ بِالْعَامِّيِّ أَيْ الَّذِي لَا رَأْيَ لَهُ يَعْرِفُ بِهِ مَعْنَى النُّصُوصِ حَيْثُ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ الْعَمَلُ بِالضَّعِيفِ مِنْ الرِّوَايَةِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، نَعَمْ إذَا كَانَ لَهُ رَأْيٌ، أَمَّا إذَا كَانَ عَامِّيًّا فَلَمْ أَرَهُ، لَكِنْ مُقْتَضَى تَقْيِيدِهِ بِذِي الرَّأْيِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ ذَلِكَ. قَالَ فِي خِزَانَةِ الرِّوَايَاتِ: الْعَالِمُ الَّذِي يَعْرِفُ مَعْنَى النُّصُوصِ وَالْأَخْبَارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ اهـ. قُلْت: لَكِنْ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ فِي حَيْضِ الْبَحْرِ فِي بَحْثِ أَلْوَانِ الدِّمَاءِ أَقْوَالًا ضَعِيفَةً، ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ فَخْرِ الْأَئِمَّةِ: لَوْ أَفْتَى مُفْتٍ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ طَلَبًا لِلتَّيْسِيرِ كَانَ حَسَنًا. اهـ. وَكَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَنِيِّ إذَا خَرَجَ بَعْدَ فُتُورِ الشَّهْوَةِ لَا يَجِبُ بِهِ الْغَسْلُ ضَعِيفٌ، وَأَجَازُوا الْعَمَلَ بِهِ لِلْمُسَافِرِ أَوْ الضَّيْفِ الَّذِي خَافَ الرِّيبَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ وَذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ. (قَوْلُهُ: بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ) كَقَوْلِ

стр. 70

وَأَنَّ الْحُكْمَ الْمُلَفَّقَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ التَّقْلِيدِ بَعْدَ الْعَمَلِ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ خَاصٌّ بِالْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ، وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ أَصْلًا كَمَا فِي الْقُنْيَةِ. ــ [رد المحتار] مُحَمَّدٍ مَعَ وُجُودِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إذَا لَمْ يُصَحَّحْ أَوْ يَقْوَ وَجْهُهُ، وَأَوْلَى مِنْ هَذَا بِالْبُطْلَانِ الْإِفْتَاءُ بِخِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إذَا لَمْ يُصَحَّحْ وَالْإِفْتَاءُ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْحُكْمَ الْمُلَفَّقَ) الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ كَالصِّحَّةِ. مِثَالُهُ: مُتَوَضِّئٌ سَالَ مِنْ بَدَنِهِ دَمٌ وَلَمَسَ امْرَأَةً ثُمَّ صَلَّى فَإِنَّ صِحَّةَ هَذِهِ الصَّلَاةِ مُلَفَّقَةٌ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ وَالتَّلْفِيقُ بَاطِلٌ، فَصِحَّتُهُ مُنْتَفِيَةٌ. اهـ. ح. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ التَّقْلِيدِ وَالرُّجُوعِ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الرُّجُوعَ إلَخْ) صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ، وَمِثْلُهُ فِي أُصُولِ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَجَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَالرَّمْلِيُّ فِي شَرْحَيْهِمَا عَلَى الْمِنْهَاجِ وَابْنُ قَاسِمٍ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مَا إذَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ الْفِعْلِ السَّابِقِ أَثَرٌ يُؤَدِّي إلَى تَلْفِيقِ الْعَمَلِ بِشَيْءٍ لَا يَقُولُ بِهِ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ، كَتَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَمَالِكٍ فِي طَهَارَةِ الْكَلْبِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَمَا لَوْ أَفْتَى بِبَيْنُونَةِ زَوْجَتِهِ بِطَلَاقِهَا مُكْرَهًا ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا مُقَلِّدًا لِلْحَنَفِيِّ بِطَلَاقِ الْمُكْرَهِ ثُمَّ أَفْتَاهُ شَافِعِيٌّ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ الْأُولَى مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ وَالثَّانِيَةَ مُقَلِّدًا لِلْحَنَفِيِّ، أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْعِ التَّقْلِيدِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا لَا مِثْلِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ صَلَّى ظُهْرًا بِمَسْحِ رُبُعِ الرَّأْسِ مُقَلِّدًا لِلْحَنَفِيِّ فَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُهَا بِاعْتِقَادِ لُزُومِ مَسْحِ الْكُلِّ مُقَلِّدًا لِلْمَالِكِيِّ. وَأَمَّا لَوْ صَلَّى يَوْمًا عَلَى مَذْهَبٍ وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ يَوْمًا آخَرَ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، عَلَى أَنَّ فِي دَعْوَى الِاتِّفَاقِ نَظَرًا، فَقَدْ حُكِيَ الْخِلَافُ، فَيَجُوزُ اتِّبَاعُ الْقَائِلِ بِالْجَوَازِ كَذَا أَفَادَهُ الْعَلَّامَةُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي الْعِقْدِ الْفَرِيدِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ فُرُوعٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ صَرِيحَةٍ بِالْجَوَازِ وَكَلَامٍ طَوِيلٍ: فَتَحَصَّلَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِمَا يُخَالِفُ مَا عَمِلَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ مُقَلِّدًا فِيهِ غَيْرَ إمَامِهِ مُسْتَجْمِعًا شُرُوطَهُ وَيَعْمَلُ بِأَمْرَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي حَادِثَتَيْنِ لَا تَعَلُّقَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْأُخْرَى، وَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُ عَيْنِ مَا فَعَلَهُ بِتَقْلِيدِ إمَامٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ إمْضَاءَ الْفِعْلِ كَإِمْضَاءِ الْقَاضِي لَا يُنْقَضُ. وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ لَهُ التَّقْلِيدَ بَعْدَ الْعَمَلِ كَمَا إذَا صَلَّى ظَانًّا صِحَّتَهَا عَلَى مَذْهَبِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهَا فِي مَذْهَبِهِ وَصِحَّتُهَا عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ فَلَهُ تَقْلِيدُهُ، وَيَجْتَزِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: إنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ مُغْتَسِلًا مِنْ الْحَمَّامِ ثُمَّ أُخْبِرَ بِفَأْرَةٍ مَيِّتَةٍ فِي بِئْرِ الْحَمَّامِ فَقَالَ نَأْخُذُ بِقَوْلِ إخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» . اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْخِلَافَ) أَيْ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِيمَا إذَا قَضَى بِغَيْرِ رَأْيِهِ عَمْدًا هَلْ يَنْفُذُ فَعِنْدَهُ، نَعَمْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا كَمَا فِي التَّحْرِيرِ. وَقَالَ شَارِحُهُ: نَصَّ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُحِيطِ عَلَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ النَّفَاذِ فِي الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَالْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ إجْمَاعًا وَهَذَا خِلَافُ مُقْتَضَى ظَنِّهِ. اهـ. وَقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، عَلَى قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا اجْتَهَدَ فِي وَاقِعَةٍ بِحُكْمٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ فِيهَا اتِّفَاقًا، وَالْخِلَافُ فِي تَقْلِيدِهِ قَبْلَ اجْتِهَادِهِ فِيهَا، وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْمَنْعِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبْطِلُ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ وَأَجَابَ فِي التَّحْرِيرِ بِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ بِالنَّفَاذِ لَا يُوجِبُ حَمْلَ الْإِقْدَامِ عَلَى هَذَا الْقَضَاءِ، نَعَمْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي الْحِلِّ وَيَجِبُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ عَدَمِهِ. اهـ. وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ إلَخْ) نَقَلَهُ

стр. 71

قُلْت: وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَنُصُّ فِي مَنْشُورِهِ عَلَى نَهْيِهِ عَنْ الْقَضَاءِ بِالْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ، فَكَيْفَ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ فَيَكُونُ مَعْزُولًا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُعْتَمَدِ مِنْ مَذْهَبِهِ، فَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِيهِ وَيُنْقَضُ كَمَا بُسِطَ فِي قَضَاءِ الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَغَيْرِهَا. قَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَهَذَا صَرِيحُ الْحَقِّ الَّذِي يُعَضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ، نَعَمْ أَمْرُ الْأَمِيرِ مَتَى صَادَفَ فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ نَفَذَ أَمْرُهُ، كَمَا فِي سِيَرِ التَّتَارْخَانِيَّة وَشَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَلْيُحْفَظْ. ــ [رد المحتار] فِي الْقُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ، وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَضَى بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ أَوْ بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ أَوْ بِقَوْلٍ ضَعِيفٍ نَفَذَ. وَأَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا وَقَضَى بِالْفَتْوَى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ نَفَذَ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ، وَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ كَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ الثَّانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ أَيْضًا اهـ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَمَا فِي الْفَتْحِ يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُمَا، إذْ قُصَارَى الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ النَّاسِي لِمَذْهَبِهِ، وَقَدْ مَرَّ عَنْهُمَا فِي الْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فَالْمُقَلِّدُ أَوْلَى اهـ. (قَوْلُهُ: فِي مَنْشُورِهِ) الْمَنْشُورُ: مَا كَانَ غَيْرَ مَخْتُومٍ مِنْ كُتُبِ السُّلْطَانِ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: فَكَيْفَ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ) أَيْ فَكَيْفَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَهَاهُ عَنْ الْقَضَاءِ بِالْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ فِي مَذْهَبِهِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِيهَا فَبِخِلَافِ مَذْهَبِهِ بِالْأَوْلَى، وَمَبْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا قَالُوا إنَّ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ تَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالشَّخْصِ، فَلَوْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ الْقَضَاءَ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَكَان مَخْصُوصٍ أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ تَعَيَّنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَلَوْ نَهَاهُ عَنْ سَمَاعِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ فِيهَا، كَمَا إذَا نَهَاهُ عَنْ سَمَاعِ حَادِثَةٍ مَضَى عَلَيْهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِلَا مَانِعٍ شَرْعِيٍّ وَالْخَصْمُ مُنْكِرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ أَنَّ عَادَةَ سَلَاطِينِ زَمَانِنَا إذَا تَوَلَّى أَحَدُهُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ قَانُونُ مَنْ قَبْلَهُ وَأُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ. (قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعْزُولًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا ذُكِرَ لَا يَصِحُّ لَهُ قَضَاءٌ حَتَّى يَنْقُضَ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا يَكُونُ لِلثَّابِتِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَضَاءٌ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ ط. (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْبُرْهَانِ) هُوَ شَرْحُ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا لِلْعَلَّامَةِ إبْرَاهِيمِ الطَّرَابُلُسِيِّ صَاحِبِ الْإِسْعَافِ فِي الْأَوْقَافِ. (قَوْلُهُ: بِالنَّوَاجِذِ) هِيَ أَضْرَاسُ الْحُلُمِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ، وَالْكَلَامُ كِنَايَةٌ عَنْ غَايَةِ التَّمَسُّكِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُمْ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الضَّحِكِ وَإِلَّا فَلَا تَبْدُو بِالضَّحِكِ عَادَةً كَمَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ الزَّمَخْشَرِيّ. (قَوْلُهُ: نَعَمْ أَمْرُ الْأَمِيرِ إلَخْ) تَصْدِيقٌ لِمَا مَرَّ وَاسْتِدْرَاكٌ بِأَمْرِ آخَرَ كَالِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا قَبْلَهُ، هَكَذَا عُرْفُ الْمُصَنِّفِينَ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ. (قَوْلُهُ: نَفَذَ أَمْرُهُ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الطَّلَبَ بِلَا قَضَاءٍ فَظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالنَّفَاذِ وُجُوبُ الِامْتِثَالِ، وَهَذَا الَّذِي رَأَيْته فِي سِيَرِ التَّتَارْخَانِيَّة فِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ طَاعَةُ الْأَمِيرِ وَمَا لَا يَجِبُ، وَنَصُّهُ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَإِذَا أَمَرَ الْأَمِيرُ الْعَسْكَرَ بِشَيْءٍ كَانَ عَلَى الْعَسْكَرِ أَنْ يُطِيعُوهُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ مَعْصِيَةً بِيَقِينٍ. اهـ. وَلَكِنْ لَا مَحَلَّ لِذِكْرِ هَذَا هُنَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَضَاءَ إلَّا بِتَفْوِيضٍ مِنْ الْإِمَامِ. قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: يَجُوزُ قَضَاءُ الْأَمِيرِ الَّذِي يُولِي الْقَضَاءَ وَكَذَلِكَ كِتَابُهُ إلَى الْقَاضِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ، فَقَضَاءُ الْأَمِيرِ لَا يَجُوزُ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَقَدْ أَفْتَيْت بِأَنَّ تَوْلِيَةَ بَاشَا مِصْرَ قَاضِيًا لِيَحْكُمَ فِي قُبَّةٍ بِمِصْرَ مَعَ وُجُودِ قَاضِيهَا الْمُوَلَّى مِنْ السُّلْطَانِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ ذَلِكَ اهـ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: سِيَرِ) جَمْعُ سِيرَةٍ: وَهِيَ الطَّرِيقَةُ فِي الْأُمُورِ. وَفِي الشَّرْعِ تَخْتَصُّ بِسِيَرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَغَازِيهِ هِدَايَةٌ. (قَوْلُهُ: السِّيَرِ الْكَبِيرِ) لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ ط. وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَقَالُوا السِّيَرُ الْكَبِيرُ فَوَصَفُوهَا بِصِفَةِ الْمُذَكَّرِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُضَافِ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ، كَقَوْلِهِمْ: صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَسِيَرُ الْكَبِيرِ خَطَأٌ كَجَامِعِ الصَّغِيرِ وَجَامِعِ الْكَبِيرِ. اهـ.

стр. 72

وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ قَدْ فُقِدَ، وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَعَلَى سَبْعِ مَرَاتِبَ مَشْهُورَةٍ. وَأَمَّا نَحْنُ فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُ مَا رَجَّحُوهُ وَمَا صَحَّحُوهُ كَمَا لَوْ أَفْتَوْا فِي حَيَاتِهِمْ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ يَحْكُونَ أَقْوَالًا بِلَا تَرْجِيحٍ، وَقَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي الصَّحِيحِ. قُلْت: يُعْمَلُ بِمِثْلِ مَا عَمِلُوا مِنْ اعْتِبَارِ ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ إلَخْ) فِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ أَحَدُ السَّبْعَةِ. الثَّانِي، أَنَّ بَعْضَ السَّبْعَةِ لَيْسُوا مُجْتَهِدِينَ خُصُوصًا السَّابِعَةَ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى سَبْعِ مَرَاتِبَ، وَقَدْ أَوْضَحَهَا الْمُحَقِّقُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ فَقَالَ: لَا بُدَّ لِلْمُفْتِي أَنْ يَعْلَمَ حَالَ مَنْ يُفْتِي بِقَوْلِهِ، وَلَا يَكْفِيهِ مَعْرِفَتُهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فِي الرِّوَايَةِ، وَدَرَجَتِهِ فِي الدِّرَايَةِ، وَطَبَقَتِهِ مِنْ طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ، لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَائِلِينَ الْمُتَخَالِفِينَ وَقُدْرَةٍ كَافِيَةٍ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ. الْأُولَى: طَبَقَةُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الشَّرْعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ﵃ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ فِي تَأْسِيسِ قَوَاعِدِ الْأُصُولِ، وَبِهِ يَمْتَازُونَ عَنْ غَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ: طَبَقَةُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَذْهَبِ كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، الْقَادِرِينَ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الَّتِي قَرَّرَهَا أُسْتَاذُهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَحْكَامِ وَإِنْ خَالَفُوهُ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ، لَكِنْ يُقَلِّدُونَهُ فِي قَوَاعِدِ الْأُصُولِ، وَبِهِ يَمْتَازُونَ عَنْ الْمُعَارِضِينَ فِي الْمَذْهَبِ كَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ غَيْرِ مُقَلِّدِينَ لَهُ فِي الْأُصُولِ. الثَّالِثَةُ: طَبَقَةُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ كَالْخَصَّافِ وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ وَفَخْرِ الدِّينِ قَاضِي خَانْ وَأَمْثَالِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ لَكِنَّهُمْ يَسْتَنْبِطُونَ الْأَحْكَامَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا عَلَى حَسَبِ الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ. الرَّابِعَةُ: طَبَقَةُ أَصْحَابِ التَّخْرِيجِ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ كَالرَّازِيِّ وَأَضْرَابِهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِاجْتِهَادِ أَصْلًا، لَكِنَّهُمْ لِإِحَاطَتِهِمْ بِالْأُصُولِ وَضَبْطِهِمْ لِلْمَآخِذِ يَقْدِرُونَ عَلَى تَفْصِيلِ قَوْلٍ مُجْمَلٍ ذِي وَجْهَيْنِ، وَحُكْمٍ مُبْهَمٍ مُحْتَمِلٍ لِأَمْرَيْنِ، مَنْقُولٍ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَأْيِهِمْ وَنَظَرِهِمْ فِي الْأُصُولِ وَالْمُقَايَسَةِ عَلَى أَمْثَالِهِ وَنَظَائِرِهِ مِنْ الْفُرُوعِ. وَمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ كَذَا فِي تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ وَتَخْرِيجِ الرَّازِيّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. الْخَامِسَةُ: طَبَقَةُ أَصْحَابِ التَّرْجِيحِ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ كَأَبِي الْحَسَنِ الْقُدُورِيِّ، وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَشَأْنُهُمْ تَفْضِيلُ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَلَى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِمْ هَذَا أَوْلَى، وَهَذَا أَصَحُّ رِوَايَةً، وَهَذَا أَوْفَقُ لِلنَّاسِ. وَالسَّادِسَةُ: طَبَقَةُ الْمُقَلِّدِينَ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَقْوَى وَالْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ وَظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَةِ النَّادِرَةِ، كَأَصْحَابِ الْمُتُونِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِثْلُ صَاحِبِ الْكَنْزِ، وَصَاحِبِ الْمُخْتَارِ، وَصَاحِبِ الْوِقَايَةِ، وَصَاحِبِ الْمَجْمَعِ، وَشَأْنُهُمْ أَنْ لَا يَنْقُلُوا الْأَقْوَالَ الْمَرْدُودَةَ وَالرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةَ. وَالسَّابِعَةُ: طَبَقَةُ الْمُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ اهـ بِنَوْعِ اخْتِصَارٍ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا نَحْنُ) يَعْنِي أَهْلَ الطَّبَقَةِ السَّابِعَةِ، وَهَذَا مَعَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَأْخُوذٌ مِنْ تَصْحِيحِ الشَّيْخِ قَاسِمٍ. (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ أَفْتَوْا فِي حَيَاتِهِمْ) أَيْ كَمَا نَتْبَعُهُمْ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً وَأَفْتَوْنَا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُنَا مُخَالَفَتُهُمْ. (قَوْلُهُ: بِلَا تَرْجِيحٍ)

стр. 73

تَغَيُّرِ الْعُرْفِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ، وَمَا هُوَ الْأَوْفَقُ وَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ التَّعَامُلُ وَمَا قَوِيَ وَجْهُهُ، وَلَا يَخْلُو الْوُجُودُ عَمَّنْ يُمَيِّزُ هَذَا حَقِيقَةً لَا ظَنًّا، وَعَلَى مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ أَنْ يَرْجِعَ لِمَنْ يُمَيِّزُ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ وَالْقَبُولَ، بِجَاهِ الرَّسُولِ، كَيْفَ لَا وَقَدْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءَ تَبْيِيضِهِ فِي الرَّوْضَةِ الْمَحْرُوسَةِ، وَالْبُقْعَةِ الْمَأْنُوسَةِ، تُجَاهَ وَجْهِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ، وَحَائِزِ الْكَمَالِ وَالْبَسَالَةِ، وَضَجِيعَيْهِ الْجَلِيلَيْنِ الضِّرْغَامَيْنِ الْكَامِلَيْنِ ﵄، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَوَالِدِينَا وَمُقَلِّدِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَفِي الْحَطِيمِ وَالْمَقَامِ، وَاَللَّهُ الْمُيَسِّرُ لِلتَّمَامِ. ــ [رد المحتار] أَيْ صَرِيحٍ أَوْ ضِمْنِيٍّ: فَالصَّرِيحُ ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرَهُ سَابِقًا. وَالضِّمْنِيُّ مَا نَبَّهْنَاك عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَفِي وَقْفِ الْبَحْرِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ وَالْآخَرُ غَيْرَهَا فَقَدْ صَرَّحُوا إجْمَالًا بِأَنَّهُ لَا يَعْدِلُ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَهُوَ تَرْجِيحٌ ضِمْنِيٌّ لِكُلِّ مَا كَانَ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ بِلَا تَرْجِيحٍ صَرِيحٍ لِمُقَابِلِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُتُونِ أَوْ الشُّرُوحِ، أَوْ كَانَ قَوْلَ الْإِمَامِ، أَوْ كَانَ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ فِي غَيْرِ مَا اسْتَثْنَى، أَوْ كَانَ أَنْفَعَ الْوَقْفِ. (قَوْلُهُ: وَمَا قَوِيَ وَجْهُهُ) أَيْ دَلِيلُهُ الْمَنْقُولُ الْحَاصِلُ لَا الْمُسْتَحْصِلُ؛ لِأَنَّهُ رُتْبَةُ الْمُجْتَهِدِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْلُو الْوُجُودُ) أَيْ الْمَوْجُودُونَ أَوْ الزَّمَانُ. (قَوْلُهُ: حَقِيقَةً) الظَّاهِرُ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِ وَلَا يَخْلُو، وَأَرَادَ بِالْحَقِيقَةِ الْيَقِينَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حَقِّ الْأَمْرِ إذَا ثَبَتَ وَالْيَقِينُ ثَابِتٌ، وَلِذَا عَطَفَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ لَا ظَنًّا، وَجَزَمَ بِذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «حَتَّى تَأْتِيَ السَّاعَةُ» . (قَوْلُهُ: وَعَلَى مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ) أَيْ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ كَأَكْثَرِ الْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ فِي زَمَانِنَا الْآخِذِينَ الْمَنَاصِبَ بِالْمَالِ وَالْمَرَاتِبِ، وَعَبَّرَ بِعَلَى الْمُفِيدَةِ لِلْوُجُوبِ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْلِهِ - ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]-. (قَوْلُهُ: فَنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ) أَيْ إلَى اتِّبَاعِ الرَّاجِحِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ وَمَا يُوصِلُ إلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ أَصْعَبُ مَا يَكُونُ عَلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ أَوْ الْإِفْتَاءِ. وَالتَّوْفِيقُ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ مَعَ الدَّاعِيَةِ إلَيْهَا. (قَوْلُهُ: وَالْقَبُولَ) أَيْ قَبُولَ سَعْيِنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، بِأَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، لِيَحْصُلَ بِهِ النَّفْعُ الْعَمِيمُ وَالثَّوَابُ الْعَظِيمُ. (قَوْلُهُ: بِجَاهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ نَسْأَلُ: أَيْ نَسْأَلُهُ مُتَوَسَّلِينَ فَلَيْسَتْ الْبَاءُ لِلْقَسَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ. وَالْجَاهُ الْقَدْرُ وَالْمَنْزِلَةُ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: كَيْفَ لَا) أَيْ كَيْفَ لَا نَسْأَلُهُ الْقَبُولَ وَقَدْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يُفِيدُ الظَّنَّ بِحُصُولِهِ. (قَوْلُهُ: فِي الرَّوْضَةِ) هِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ الشَّرِيفِ، وَتُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ يَظْهَرُ قَوْلُهُ تُجَاهَ وَجْهِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا تُمْكِنُ مُوَاجِهَةُ الْوَجْهِ الشَّرِيفِ. (قَوْلُهُ: وَالْبَسَالَةِ) أَيْ الشَّجَاعَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. (قَوْلُهُ: الضِّرْغَامَيْنِ) تَثْنِيَةُ ضِرْغَامٍ كَجِرْيَالٍ وَهُوَ الْأَسَدُ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا ضَرْغَمٌ كَجَعْفَرٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَتَثْنِيَةُ الثَّانِي ضَرْغَمَيْنِ كَجَعْفَرَيْنِ، فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ تُجَاهَ) عَطْفٌ عَلَى تُجَاهٍ الْأَوَّلِ، فَالِابْتِدَاءُ الْحَقِيقِيُّ تُجَاهَ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ ﷺ ، وَالْإِضَافِيُّ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ ط. (قَوْلُهُ: وَفِي الْحَطِيمِ) أَيْ الْمَحْطُومِ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ حُطِّمَ مِنْ الْبَيْتِ وَأُخْرِجَ، أَوْ الْحَاطِمُ لِأَنَّهُ يُحَطِّمُ الذُّنُوبَ ط. (قَوْلُهُ: وَالْمَقَامِ) أَيْ مَقَامِ الْخَلِيلِ، وَهُوَ حَجَرٌ كَانَ يَقُومُ عَلَيْهِ الْخَلِيلُ ﵊ حَالَ بِنَاءِ الْبَيْتِ الشَّرِيفِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ط. (قَوْلُهُ: الْمُيَسِّرُ) أَيْ الْمُسَهِّلُ، وَيَتَوَقَّفُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ تَعَالَى عَلَى التَّوْقِيفِ وَإِنْ صَحَّ مَعْنَاهُ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ. (قَوْلُهُ: لِلتَّمَامِ) مَصْدَرُ تَمَّ يَتِمُّ وَاسْمٌ لِمَا يَتِمُّ بِهِ الشَّيْءُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَعَلَى الثَّانِي فَالْمُرَادُ بُلُوغُ التَّمَامِ، وَكَذَا يَقُولُ أَسِيرُ الذُّنُوبِ جَامِعُ هَذِهِ الْأَوْرَاقِ رَاجِيًا مِنْ مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ، مُتَوَسِّلًا بِنَبِيِّهِ الْعَظِيمِ وَبِكُلِّ ذِي جَاهٍ عِنْدَهُ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ كَرَمًا وَفَضْلًا بِقَبُولِ هَذَا السَّعْيِ وَالنَّفْعِ بِهِ لِلْعِبَادِ، فِي عَامَّةِ الْبِلَادِ، وَبُلُوغِ الْمَرَامِ، بِحُسْنِ الْخِتَامِ، وَالِاخْتِتَامِ، آمِينَ.

стр. 74

كِتَابُ الطَّهَارَةِ قُدِّمَتْ الْعِبَادَاتُ عَلَى غَيْرِهَا اهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا، وَالصَّلَاةُ تَالِيَةٌ لِلْإِيمَانِ وَالطَّهَارَةُ مِفْتَاحُهَا بِالنَّصِّ، وَشَرْطٌ بِهَا مُخْتَصٌّ، ــ [رد المحتار] [كِتَابُ الطَّهَارَةِ] ِ (قَوْلُهُ قُدِّمَتْ الْعِبَادَاتُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ مَدَارَ أُمُورِ الدِّينِ عَلَى الِاعْتِقَادَاتِ وَالْآدَابِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ، وَالْأَوَّلَانِ لَيْسَا مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ. وَالْعِبَادَاتُ خَمْسَةٌ: الصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالْحَجُّ، وَالْجِهَادُ. وَالْمُعَامَلَاتُ خَمْسَةٌ: الْمُعَاوَضَاتُ الْمَالِيَّةُ، وَالْمُنَاكَحَاتُ، وَالْمُخَاصَمَاتُ، وَالْأَمَانَاتُ، وَالتَّرِكَاتُ. وَالْعُقُوبَاتُ خَمْسَةٌ: الْقِصَاصُ، وَحَدُّ السَّرِقَةِ، وَالزِّنَا، وَالْقَذْفِ، وَالرِّدَّةُ. (قَوْلُهُ: اهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا) وَجْهُهُ أَنَّ الْعِبَادَ لَمْ يُخْلَقُوا إلَّا لَهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]-. (قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةُ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ وَجْهِ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَتَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: تَالِيَةٌ لِلْإِيمَانِ) أَيْ نَصًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]- وَكَحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» بَحْرٌ. أَقُولُ: وَفِعْلًا غَالِبًا، فَإِنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ بَعْدَ الْإِيمَانِ فِي الْغَالِبِ فِعْلُ الصَّلَاةِ لِسُرْعَةِ أَسْبَابِهَا، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَوُجُوبًا لِأَنَّ أَوَّلَ مَا وَجَبَ الشَّهَادَتَانِ ثُمَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ الزَّكَاةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ، وَفَضْلًا كَمَا قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ: إنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، بِدَلِيلِ «أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْإِيمَانِ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا» . (قَوْلُهُ: وَالطَّهَارَةُ مِفْتَاحُهَا إلَخْ) أَيْ وَمَا كَانَ مِفْتَاحًا لِشَيْءٍ وَشَرْطًا لَهُ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ طَبْعًا فَيُقَدَّمُ وَضْعًا. (قَوْلُهُ: بِالنَّصِّ) وَهُوَ مَا رَوَاهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطُّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ فِيمَا قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِالْآلَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا مَجَازٌ مَا يَفْتَحُهَا مَنْ غَلَقَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَثَ مَانِعٌ مِنْهَا فَهُوَ كَالْقُفْلِ يُوضَعُ عَلَى الْمُحْدِثِ حَتَّى إذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّ الْقُفْلُ، وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ بَدِيعَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا النُّبُوَّةُ اهـ مِنْ شَرْحِهِ لِلْعَلْقَمِيِّ. (قَوْلُهُ: بِهَا مُخْتَصٌّ) الْأَصْلُ فِي لَفْظِ الْخُصُوصِ وَمَا يَتَفَرَّعُ مِنْهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ بِإِدْخَالِ الْبَاءِ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ، أَعْنِي مَا لَهُ الْخَاصَّةُ فَيُقَالُ خُصَّ الْمَالُ بِزَيْدٍ: أَيْ الْمَالُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، لَكِنَّ الشَّائِعَ فِي الِاسْتِعْمَالِ إدْخَالُهَا لَهَا عَلَى الْمَقْصُورِ أَعْنِي الْخَاصَّةَ كَقَوْلِك: اخْتَصَّ زَيْدٌ بِالْمَالِ، وَمَا هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ، إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْخَاصَّةَ هِيَ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ دُونَ الصَّلَاةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهَا شَرْطٌ مُخْتَصٌّ بِالصَّلَاةِ لَا يَتَجَاوَزُهَا إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي لَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَالَ تَخْتَصُّ الصَّلَاةُ بِهِ فَافْهَمْ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا شَرْطُ صِحَّةٍ فَلَا يَرِدُ أَنَّهَا تَكُونُ وَاجِبَةً فِي الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِدُونِهَا، وَلَا تَرِدُ النِّيَّةُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالصَّلَاةِ بَلْ هِيَ شَرْطٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ، وَلَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُشْتَرَطُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ وَحَالَةِ الْعُذْرِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ،

стр. 75

لَازِمٌ لَهَا فِي كُلِّ الْأَرْكَانِ، وَمَا قِيلَ قُدِّمَتْ لِكَوْنِهَا شَرْطًا لَا يَسْقُطُ أَصْلًا، وَلِذَا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، وَمَا أُورِدَ مِنْ أَنَّ النِّيَّةَ كَذَلِكَ مَرْدُودٌ كُلُّ ذَلِكَ أَمَّا النِّيَّةُ فَفِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا: مَنْ تَوَالَتْ عَلَيْهِ الْهُمُومُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ بِلِسَانِهِ. وَأَمَّا الطَّهَارَةُ، فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَبِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ وَلَا يُعِيدُ، قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ فِي الْأَصَحِّ. وَأَمَّا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ، فَفِي الْفَيْضِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَتَشَبَّهُ عِنْدَهُمَا، وَإِلَيْهِ صَحَّ رُجُوعُ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. ــ [رد المحتار] وَمِثْلُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ. وَأَمَّا وُجُوبُهُ فِي خَارِجِهَا فَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِيَّةِ. (قَوْلُهُ: لَازِمٌ لَهَا فِي كُلِّ الْأَرْكَانِ) أَقُولُ: لَمْ تَظْهَرْ لِي فَائِدَةُ هَذَا الْقَيْدِ فِي كَلَامِهِ، نَعَمْ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِعَدَمِ السُّقُوطِ أَصْلًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُشْتَرَطُ اسْتِصْحَابُهَا لِكُلِّ رُكْنٍ، وَقَدْ عَلِمْت الِاحْتِرَازَ عَنْ النِّيَّةِ بِمَادَّةِ الِاخْتِصَاصِ، عَلَى أَنَّهُ سَيَذْكُرُ عَنْ الْفَيْضِ أَنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ تَسْقُطُ أَصْلًا فَلَيْسَتْ شَرْطًا لَازِمًا دَائِمًا، فَإِنْ أَرَادَ لُزُومَهَا بِدُونِ عُذْرٍ وَرَدَ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ وَالسَّتْرُ فَإِنَّهُمَا كَالطَّهَارَةِ فِي ذَلِكَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ) قَائِلُهُ الْإِمَامُ السِّغْنَاقِيُّ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ شَرْحٍ لِلْهِدَايَةِ. (قَوْلُهُ: لَا يَسْقُطُ أَصْلًا) أَيْ لَا يَسْقُطُ بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ نِهَايَةٌ. (قَوْلُهُ: فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ) أَيْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ كَمَنْ حُبِسَ وَقُيِّدَ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَيْهِمَا. (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ شَرْطٌ لَا يَسْقُطُ أَصْلًا. (قَوْلُهُ: مَرْدُودٌ كُلُّ ذَلِكَ) أَيْ كُلٌّ مِنْ دَعْوَى عَدَمِ سُقُوطِ الطَّهَارَةِ أَصْلًا، وَأَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ يُؤَخِّرُ، وَأَنَّ النِّيَّةَ لَا تَسْقُطُ أَيْضًا، وَأَتَى بِرَدِّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرَ مُرَتِّبٍ. (قَوْلُهُ: أَمَّا النِّيَّةُ) أَيْ أَمَّا وَجْهُ الرَّدِّ فِي دَعْوَى عَدَمِ سُقُوطِ النِّيَّةِ أَصْلًا، وَهَذَا الرَّدُّ الَّذِي بَعْدَهُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ. (قَوْلُهُ: فَفِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا) كَالْمُجْتَبَى، وَهُوَ أَيْضًا لِلْعَلَّامَةِ مُخْتَارِ بْنِ مَحْمُودٍ الزَّاهِدِيِّ صَاحِبِ الْقُنْيَةِ، وَكِتَابُ الْقُنْيَةِ مَشْهُورٌ بِضَعْفِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ نُقِلَ هَذَا الْفَرْعُ مِنْ شَرْحِ الصَّبَّاغِيِّ. (قَوْلُهُ: تَكْفِيهِ النِّيَّةُ بِلِسَانِهِ) إطْلَاقُ النِّيَّةِ عَلَى اللَّفْظِ مَجَازٌ. اهـ. ح: أَيْ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ لَا اللِّسَانِ، وَإِنَّمَا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ كَلَامٌ، وَمِنْ ثَمَّ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى كَوْنِهَا بِالْقَلْبِ، فَقَدْ سَقَطَتْ النِّيَّةُ هُنَا لِلْعُذْرِ فَسَقَطَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ سُقُوطِهَا. بَقِيَ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا لِلْعَاجِزِ إنْ كَانَ غَيْرَ شَرْطٍ فَلَا إشْكَالَ؛ وَلِذَا اخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ عَزِيمَتُهُ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْقُنْيَةِ. وَرَدَ عَلَيْهِ مَا فِي الْحِلْيَةِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ أَنَّهُ نُصِبَ بَدَلٌ بِالرَّأْيِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ دَلِيلُهُ، وَأَقَرَّهُ فِي الْمِنَحِ. أَقُولُ: وَمَا قَالَهُ الْحَمَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى نِيَّةِ الْقَلْبِ صَارَ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ أَصْلًا لَا بَدَلًا اهـ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ. وَأَيْضًا هُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، فَإِنَّ نَصْبَ الشُّرُوطِ الْأَصْلِيَّةِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ أَيْضًا، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ الْفَرْعُ الْمَذْكُورُ مِنْ تَخْرِيجَاتِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَنْقُولًا عَنْ الْمُجْتَهِدِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُقَلَّدَ طَلَبُ دَلِيلِهِ. (قَوْلُهُ: وَبِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سَلِيمًا مَسَحَهُ عَلَى الْجِدَارِ بِقَصْدِ التَّيَمُّمِ ط، وَسَكَتَ عَنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَعْضَاءِ جَرِيحٌ، وَالْوَظِيفَةُ حِينَئِذٍ التَّيَمُّمُ وَلَكِنَّهُ سَقَطَ لِفَقْدِ آلَتِهِ وَهُمَا الْيَدَانِ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ) أَيْ فَسَقَطَ قَوْلُهُمْ إنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَسْقُطُ أَصْلًا ط، لَكِنْ ذَكَرَ الْحَمَوِيُّ فِي رِسَالَةٍ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِعَدَمِ السُّقُوطِ بِعُذْرٍ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ إمْكَانِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَا هُنَا رَاجِعٌ إلَى زَوَالِ الْأَهْلِيَّةِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ، عَلَى أَنَّ التَّخَلُّفَ فِي مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ قَلَّمَا تَقَعُ لَا يَقْدَحُ فِي الْكُلِّيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَصْحَابِ الرِّوَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ) هَذَا رَدٌّ مِنْ الشَّارِحِ لِلدَّعْوَى الْوُسْطَى ط. (قَوْلُهُ: يَتَشَبَّهُ) أَيْ بِالْمُصَلِّينَ وُجُوبًا، فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إنْ وَجَدَ مَكَانًا يَابِسًا،
следующие страницы →