← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21613

حاشية ابن عابدين = رد المحتار - ط الحلبي

ابن عابدين

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قُلْت: وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَنُصُّ فِي مَنْشُورِهِ عَلَى نَهْيِهِ عَنْ الْقَضَاءِ بِالْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ، فَكَيْفَ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ فَيَكُونُ مَعْزُولًا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُعْتَمَدِ مِنْ مَذْهَبِهِ، فَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِيهِ وَيُنْقَضُ كَمَا بُسِطَ فِي قَضَاءِ الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَغَيْرِهَا. قَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَهَذَا صَرِيحُ الْحَقِّ الَّذِي يُعَضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ، نَعَمْ أَمْرُ الْأَمِيرِ مَتَى صَادَفَ فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ نَفَذَ أَمْرُهُ، كَمَا فِي سِيَرِ التَّتَارْخَانِيَّة وَشَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَلْيُحْفَظْ. ــ [رد المحتار] فِي الْقُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ، وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَضَى بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ أَوْ بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ أَوْ بِقَوْلٍ ضَعِيفٍ نَفَذَ. وَأَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا وَقَضَى بِالْفَتْوَى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ نَفَذَ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ، وَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ كَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ الثَّانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ أَيْضًا اهـ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَمَا فِي الْفَتْحِ يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُمَا، إذْ قُصَارَى الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ النَّاسِي لِمَذْهَبِهِ، وَقَدْ مَرَّ عَنْهُمَا فِي الْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فَالْمُقَلِّدُ أَوْلَى اهـ. (قَوْلُهُ: فِي مَنْشُورِهِ) الْمَنْشُورُ: مَا كَانَ غَيْرَ مَخْتُومٍ مِنْ كُتُبِ السُّلْطَانِ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: فَكَيْفَ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ) أَيْ فَكَيْفَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَهَاهُ عَنْ الْقَضَاءِ بِالْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ فِي مَذْهَبِهِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِيهَا فَبِخِلَافِ مَذْهَبِهِ بِالْأَوْلَى، وَمَبْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا قَالُوا إنَّ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ تَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالشَّخْصِ، فَلَوْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ الْقَضَاءَ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَكَان مَخْصُوصٍ أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ تَعَيَّنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَلَوْ نَهَاهُ عَنْ سَمَاعِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ فِيهَا، كَمَا إذَا نَهَاهُ عَنْ سَمَاعِ حَادِثَةٍ مَضَى عَلَيْهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِلَا مَانِعٍ شَرْعِيٍّ وَالْخَصْمُ مُنْكِرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ أَنَّ عَادَةَ سَلَاطِينِ زَمَانِنَا إذَا تَوَلَّى أَحَدُهُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ قَانُونُ مَنْ قَبْلَهُ وَأُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ. (قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعْزُولًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا ذُكِرَ لَا يَصِحُّ لَهُ قَضَاءٌ حَتَّى يَنْقُضَ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا يَكُونُ لِلثَّابِتِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَضَاءٌ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ ط. (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْبُرْهَانِ) هُوَ شَرْحُ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا لِلْعَلَّامَةِ إبْرَاهِيمِ الطَّرَابُلُسِيِّ صَاحِبِ الْإِسْعَافِ فِي الْأَوْقَافِ. (قَوْلُهُ: بِالنَّوَاجِذِ) هِيَ أَضْرَاسُ الْحُلُمِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ، وَالْكَلَامُ كِنَايَةٌ عَنْ غَايَةِ التَّمَسُّكِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُمْ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الضَّحِكِ وَإِلَّا فَلَا تَبْدُو بِالضَّحِكِ عَادَةً كَمَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ الزَّمَخْشَرِيّ. (قَوْلُهُ: نَعَمْ أَمْرُ الْأَمِيرِ إلَخْ) تَصْدِيقٌ لِمَا مَرَّ وَاسْتِدْرَاكٌ بِأَمْرِ آخَرَ كَالِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا قَبْلَهُ، هَكَذَا عُرْفُ الْمُصَنِّفِينَ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ. (قَوْلُهُ: نَفَذَ أَمْرُهُ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الطَّلَبَ بِلَا قَضَاءٍ فَظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالنَّفَاذِ وُجُوبُ الِامْتِثَالِ، وَهَذَا الَّذِي رَأَيْته فِي سِيَرِ التَّتَارْخَانِيَّة فِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ طَاعَةُ الْأَمِيرِ وَمَا لَا يَجِبُ، وَنَصُّهُ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَإِذَا أَمَرَ الْأَمِيرُ الْعَسْكَرَ بِشَيْءٍ كَانَ عَلَى الْعَسْكَرِ أَنْ يُطِيعُوهُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ مَعْصِيَةً بِيَقِينٍ. اهـ. وَلَكِنْ لَا مَحَلَّ لِذِكْرِ هَذَا هُنَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَضَاءَ إلَّا بِتَفْوِيضٍ مِنْ الْإِمَامِ. قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: يَجُوزُ قَضَاءُ الْأَمِيرِ الَّذِي يُولِي الْقَضَاءَ وَكَذَلِكَ كِتَابُهُ إلَى الْقَاضِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ، فَقَضَاءُ الْأَمِيرِ لَا يَجُوزُ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَقَدْ أَفْتَيْت بِأَنَّ تَوْلِيَةَ بَاشَا مِصْرَ قَاضِيًا لِيَحْكُمَ فِي قُبَّةٍ بِمِصْرَ مَعَ وُجُودِ قَاضِيهَا الْمُوَلَّى مِنْ السُّلْطَانِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ ذَلِكَ اهـ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: سِيَرِ) جَمْعُ سِيرَةٍ: وَهِيَ الطَّرِيقَةُ فِي الْأُمُورِ. وَفِي الشَّرْعِ تَخْتَصُّ بِسِيَرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَغَازِيهِ هِدَايَةٌ. (قَوْلُهُ: السِّيَرِ الْكَبِيرِ) لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ ط. وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَقَالُوا السِّيَرُ الْكَبِيرُ فَوَصَفُوهَا بِصِفَةِ الْمُذَكَّرِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُضَافِ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ، كَقَوْلِهِمْ: صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَسِيَرُ الْكَبِيرِ خَطَأٌ كَجَامِعِ الصَّغِيرِ وَجَامِعِ الْكَبِيرِ. اهـ.

стр. 72

وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ قَدْ فُقِدَ، وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَعَلَى سَبْعِ مَرَاتِبَ مَشْهُورَةٍ. وَأَمَّا نَحْنُ فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُ مَا رَجَّحُوهُ وَمَا صَحَّحُوهُ كَمَا لَوْ أَفْتَوْا فِي حَيَاتِهِمْ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ يَحْكُونَ أَقْوَالًا بِلَا تَرْجِيحٍ، وَقَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي الصَّحِيحِ. قُلْت: يُعْمَلُ بِمِثْلِ مَا عَمِلُوا مِنْ اعْتِبَارِ ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ إلَخْ) فِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ أَحَدُ السَّبْعَةِ. الثَّانِي، أَنَّ بَعْضَ السَّبْعَةِ لَيْسُوا مُجْتَهِدِينَ خُصُوصًا السَّابِعَةَ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى سَبْعِ مَرَاتِبَ، وَقَدْ أَوْضَحَهَا الْمُحَقِّقُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ فَقَالَ: لَا بُدَّ لِلْمُفْتِي أَنْ يَعْلَمَ حَالَ مَنْ يُفْتِي بِقَوْلِهِ، وَلَا يَكْفِيهِ مَعْرِفَتُهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فِي الرِّوَايَةِ، وَدَرَجَتِهِ فِي الدِّرَايَةِ، وَطَبَقَتِهِ مِنْ طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ، لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَائِلِينَ الْمُتَخَالِفِينَ وَقُدْرَةٍ كَافِيَةٍ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ. الْأُولَى: طَبَقَةُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الشَّرْعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ﵃ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ فِي تَأْسِيسِ قَوَاعِدِ الْأُصُولِ، وَبِهِ يَمْتَازُونَ عَنْ غَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ: طَبَقَةُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَذْهَبِ كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، الْقَادِرِينَ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الَّتِي قَرَّرَهَا أُسْتَاذُهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَحْكَامِ وَإِنْ خَالَفُوهُ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ، لَكِنْ يُقَلِّدُونَهُ فِي قَوَاعِدِ الْأُصُولِ، وَبِهِ يَمْتَازُونَ عَنْ الْمُعَارِضِينَ فِي الْمَذْهَبِ كَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ غَيْرِ مُقَلِّدِينَ لَهُ فِي الْأُصُولِ. الثَّالِثَةُ: طَبَقَةُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ كَالْخَصَّافِ وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ وَفَخْرِ الدِّينِ قَاضِي خَانْ وَأَمْثَالِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ لَكِنَّهُمْ يَسْتَنْبِطُونَ الْأَحْكَامَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا عَلَى حَسَبِ الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ. الرَّابِعَةُ: طَبَقَةُ أَصْحَابِ التَّخْرِيجِ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ كَالرَّازِيِّ وَأَضْرَابِهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِاجْتِهَادِ أَصْلًا، لَكِنَّهُمْ لِإِحَاطَتِهِمْ بِالْأُصُولِ وَضَبْطِهِمْ لِلْمَآخِذِ يَقْدِرُونَ عَلَى تَفْصِيلِ قَوْلٍ مُجْمَلٍ ذِي وَجْهَيْنِ، وَحُكْمٍ مُبْهَمٍ مُحْتَمِلٍ لِأَمْرَيْنِ، مَنْقُولٍ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَأْيِهِمْ وَنَظَرِهِمْ فِي الْأُصُولِ وَالْمُقَايَسَةِ عَلَى أَمْثَالِهِ وَنَظَائِرِهِ مِنْ الْفُرُوعِ. وَمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ كَذَا فِي تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ وَتَخْرِيجِ الرَّازِيّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. الْخَامِسَةُ: طَبَقَةُ أَصْحَابِ التَّرْجِيحِ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ كَأَبِي الْحَسَنِ الْقُدُورِيِّ، وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَشَأْنُهُمْ تَفْضِيلُ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَلَى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِمْ هَذَا أَوْلَى، وَهَذَا أَصَحُّ رِوَايَةً، وَهَذَا أَوْفَقُ لِلنَّاسِ. وَالسَّادِسَةُ: طَبَقَةُ الْمُقَلِّدِينَ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَقْوَى وَالْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ وَظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَةِ النَّادِرَةِ، كَأَصْحَابِ الْمُتُونِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِثْلُ صَاحِبِ الْكَنْزِ، وَصَاحِبِ الْمُخْتَارِ، وَصَاحِبِ الْوِقَايَةِ، وَصَاحِبِ الْمَجْمَعِ، وَشَأْنُهُمْ أَنْ لَا يَنْقُلُوا الْأَقْوَالَ الْمَرْدُودَةَ وَالرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةَ. وَالسَّابِعَةُ: طَبَقَةُ الْمُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ اهـ بِنَوْعِ اخْتِصَارٍ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا نَحْنُ) يَعْنِي أَهْلَ الطَّبَقَةِ السَّابِعَةِ، وَهَذَا مَعَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَأْخُوذٌ مِنْ تَصْحِيحِ الشَّيْخِ قَاسِمٍ. (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ أَفْتَوْا فِي حَيَاتِهِمْ) أَيْ كَمَا نَتْبَعُهُمْ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً وَأَفْتَوْنَا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُنَا مُخَالَفَتُهُمْ. (قَوْلُهُ: بِلَا تَرْجِيحٍ)

стр. 73

تَغَيُّرِ الْعُرْفِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ، وَمَا هُوَ الْأَوْفَقُ وَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ التَّعَامُلُ وَمَا قَوِيَ وَجْهُهُ، وَلَا يَخْلُو الْوُجُودُ عَمَّنْ يُمَيِّزُ هَذَا حَقِيقَةً لَا ظَنًّا، وَعَلَى مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ أَنْ يَرْجِعَ لِمَنْ يُمَيِّزُ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ وَالْقَبُولَ، بِجَاهِ الرَّسُولِ، كَيْفَ لَا وَقَدْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءَ تَبْيِيضِهِ فِي الرَّوْضَةِ الْمَحْرُوسَةِ، وَالْبُقْعَةِ الْمَأْنُوسَةِ، تُجَاهَ وَجْهِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ، وَحَائِزِ الْكَمَالِ وَالْبَسَالَةِ، وَضَجِيعَيْهِ الْجَلِيلَيْنِ الضِّرْغَامَيْنِ الْكَامِلَيْنِ ﵄، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَوَالِدِينَا وَمُقَلِّدِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَفِي الْحَطِيمِ وَالْمَقَامِ، وَاَللَّهُ الْمُيَسِّرُ لِلتَّمَامِ. ــ [رد المحتار] أَيْ صَرِيحٍ أَوْ ضِمْنِيٍّ: فَالصَّرِيحُ ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرَهُ سَابِقًا. وَالضِّمْنِيُّ مَا نَبَّهْنَاك عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَفِي وَقْفِ الْبَحْرِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ وَالْآخَرُ غَيْرَهَا فَقَدْ صَرَّحُوا إجْمَالًا بِأَنَّهُ لَا يَعْدِلُ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَهُوَ تَرْجِيحٌ ضِمْنِيٌّ لِكُلِّ مَا كَانَ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ بِلَا تَرْجِيحٍ صَرِيحٍ لِمُقَابِلِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُتُونِ أَوْ الشُّرُوحِ، أَوْ كَانَ قَوْلَ الْإِمَامِ، أَوْ كَانَ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ فِي غَيْرِ مَا اسْتَثْنَى، أَوْ كَانَ أَنْفَعَ الْوَقْفِ. (قَوْلُهُ: وَمَا قَوِيَ وَجْهُهُ) أَيْ دَلِيلُهُ الْمَنْقُولُ الْحَاصِلُ لَا الْمُسْتَحْصِلُ؛ لِأَنَّهُ رُتْبَةُ الْمُجْتَهِدِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْلُو الْوُجُودُ) أَيْ الْمَوْجُودُونَ أَوْ الزَّمَانُ. (قَوْلُهُ: حَقِيقَةً) الظَّاهِرُ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِ وَلَا يَخْلُو، وَأَرَادَ بِالْحَقِيقَةِ الْيَقِينَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حَقِّ الْأَمْرِ إذَا ثَبَتَ وَالْيَقِينُ ثَابِتٌ، وَلِذَا عَطَفَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ لَا ظَنًّا، وَجَزَمَ بِذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «حَتَّى تَأْتِيَ السَّاعَةُ» . (قَوْلُهُ: وَعَلَى مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ) أَيْ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ كَأَكْثَرِ الْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ فِي زَمَانِنَا الْآخِذِينَ الْمَنَاصِبَ بِالْمَالِ وَالْمَرَاتِبِ، وَعَبَّرَ بِعَلَى الْمُفِيدَةِ لِلْوُجُوبِ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْلِهِ - ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]-. (قَوْلُهُ: فَنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ) أَيْ إلَى اتِّبَاعِ الرَّاجِحِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ وَمَا يُوصِلُ إلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ أَصْعَبُ مَا يَكُونُ عَلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ أَوْ الْإِفْتَاءِ. وَالتَّوْفِيقُ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ مَعَ الدَّاعِيَةِ إلَيْهَا. (قَوْلُهُ: وَالْقَبُولَ) أَيْ قَبُولَ سَعْيِنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، بِأَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، لِيَحْصُلَ بِهِ النَّفْعُ الْعَمِيمُ وَالثَّوَابُ الْعَظِيمُ. (قَوْلُهُ: بِجَاهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ نَسْأَلُ: أَيْ نَسْأَلُهُ مُتَوَسَّلِينَ فَلَيْسَتْ الْبَاءُ لِلْقَسَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ. وَالْجَاهُ الْقَدْرُ وَالْمَنْزِلَةُ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: كَيْفَ لَا) أَيْ كَيْفَ لَا نَسْأَلُهُ الْقَبُولَ وَقَدْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يُفِيدُ الظَّنَّ بِحُصُولِهِ. (قَوْلُهُ: فِي الرَّوْضَةِ) هِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ الشَّرِيفِ، وَتُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ يَظْهَرُ قَوْلُهُ تُجَاهَ وَجْهِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا تُمْكِنُ مُوَاجِهَةُ الْوَجْهِ الشَّرِيفِ. (قَوْلُهُ: وَالْبَسَالَةِ) أَيْ الشَّجَاعَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. (قَوْلُهُ: الضِّرْغَامَيْنِ) تَثْنِيَةُ ضِرْغَامٍ كَجِرْيَالٍ وَهُوَ الْأَسَدُ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا ضَرْغَمٌ كَجَعْفَرٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَتَثْنِيَةُ الثَّانِي ضَرْغَمَيْنِ كَجَعْفَرَيْنِ، فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ تُجَاهَ) عَطْفٌ عَلَى تُجَاهٍ الْأَوَّلِ، فَالِابْتِدَاءُ الْحَقِيقِيُّ تُجَاهَ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ ﷺ ، وَالْإِضَافِيُّ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ ط. (قَوْلُهُ: وَفِي الْحَطِيمِ) أَيْ الْمَحْطُومِ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ حُطِّمَ مِنْ الْبَيْتِ وَأُخْرِجَ، أَوْ الْحَاطِمُ لِأَنَّهُ يُحَطِّمُ الذُّنُوبَ ط. (قَوْلُهُ: وَالْمَقَامِ) أَيْ مَقَامِ الْخَلِيلِ، وَهُوَ حَجَرٌ كَانَ يَقُومُ عَلَيْهِ الْخَلِيلُ ﵊ حَالَ بِنَاءِ الْبَيْتِ الشَّرِيفِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ط. (قَوْلُهُ: الْمُيَسِّرُ) أَيْ الْمُسَهِّلُ، وَيَتَوَقَّفُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ تَعَالَى عَلَى التَّوْقِيفِ وَإِنْ صَحَّ مَعْنَاهُ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ. (قَوْلُهُ: لِلتَّمَامِ) مَصْدَرُ تَمَّ يَتِمُّ وَاسْمٌ لِمَا يَتِمُّ بِهِ الشَّيْءُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَعَلَى الثَّانِي فَالْمُرَادُ بُلُوغُ التَّمَامِ، وَكَذَا يَقُولُ أَسِيرُ الذُّنُوبِ جَامِعُ هَذِهِ الْأَوْرَاقِ رَاجِيًا مِنْ مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ، مُتَوَسِّلًا بِنَبِيِّهِ الْعَظِيمِ وَبِكُلِّ ذِي جَاهٍ عِنْدَهُ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ كَرَمًا وَفَضْلًا بِقَبُولِ هَذَا السَّعْيِ وَالنَّفْعِ بِهِ لِلْعِبَادِ، فِي عَامَّةِ الْبِلَادِ، وَبُلُوغِ الْمَرَامِ، بِحُسْنِ الْخِتَامِ، وَالِاخْتِتَامِ، آمِينَ.

стр. 74

كِتَابُ الطَّهَارَةِ قُدِّمَتْ الْعِبَادَاتُ عَلَى غَيْرِهَا اهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا، وَالصَّلَاةُ تَالِيَةٌ لِلْإِيمَانِ وَالطَّهَارَةُ مِفْتَاحُهَا بِالنَّصِّ، وَشَرْطٌ بِهَا مُخْتَصٌّ، ــ [رد المحتار] [كِتَابُ الطَّهَارَةِ] ِ (قَوْلُهُ قُدِّمَتْ الْعِبَادَاتُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ مَدَارَ أُمُورِ الدِّينِ عَلَى الِاعْتِقَادَاتِ وَالْآدَابِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ، وَالْأَوَّلَانِ لَيْسَا مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ. وَالْعِبَادَاتُ خَمْسَةٌ: الصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالْحَجُّ، وَالْجِهَادُ. وَالْمُعَامَلَاتُ خَمْسَةٌ: الْمُعَاوَضَاتُ الْمَالِيَّةُ، وَالْمُنَاكَحَاتُ، وَالْمُخَاصَمَاتُ، وَالْأَمَانَاتُ، وَالتَّرِكَاتُ. وَالْعُقُوبَاتُ خَمْسَةٌ: الْقِصَاصُ، وَحَدُّ السَّرِقَةِ، وَالزِّنَا، وَالْقَذْفِ، وَالرِّدَّةُ. (قَوْلُهُ: اهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا) وَجْهُهُ أَنَّ الْعِبَادَ لَمْ يُخْلَقُوا إلَّا لَهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]-. (قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةُ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ وَجْهِ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَتَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: تَالِيَةٌ لِلْإِيمَانِ) أَيْ نَصًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]- وَكَحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» بَحْرٌ. أَقُولُ: وَفِعْلًا غَالِبًا، فَإِنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ بَعْدَ الْإِيمَانِ فِي الْغَالِبِ فِعْلُ الصَّلَاةِ لِسُرْعَةِ أَسْبَابِهَا، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَوُجُوبًا لِأَنَّ أَوَّلَ مَا وَجَبَ الشَّهَادَتَانِ ثُمَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ الزَّكَاةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ، وَفَضْلًا كَمَا قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ: إنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا، بِدَلِيلِ «أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْإِيمَانِ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا» . (قَوْلُهُ: وَالطَّهَارَةُ مِفْتَاحُهَا إلَخْ) أَيْ وَمَا كَانَ مِفْتَاحًا لِشَيْءٍ وَشَرْطًا لَهُ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ طَبْعًا فَيُقَدَّمُ وَضْعًا. (قَوْلُهُ: بِالنَّصِّ) وَهُوَ مَا رَوَاهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطُّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ فِيمَا قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِالْآلَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا مَجَازٌ مَا يَفْتَحُهَا مَنْ غَلَقَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَثَ مَانِعٌ مِنْهَا فَهُوَ كَالْقُفْلِ يُوضَعُ عَلَى الْمُحْدِثِ حَتَّى إذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّ الْقُفْلُ، وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ بَدِيعَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا النُّبُوَّةُ اهـ مِنْ شَرْحِهِ لِلْعَلْقَمِيِّ. (قَوْلُهُ: بِهَا مُخْتَصٌّ) الْأَصْلُ فِي لَفْظِ الْخُصُوصِ وَمَا يَتَفَرَّعُ مِنْهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ بِإِدْخَالِ الْبَاءِ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ، أَعْنِي مَا لَهُ الْخَاصَّةُ فَيُقَالُ خُصَّ الْمَالُ بِزَيْدٍ: أَيْ الْمَالُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، لَكِنَّ الشَّائِعَ فِي الِاسْتِعْمَالِ إدْخَالُهَا لَهَا عَلَى الْمَقْصُورِ أَعْنِي الْخَاصَّةَ كَقَوْلِك: اخْتَصَّ زَيْدٌ بِالْمَالِ، وَمَا هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ، إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْخَاصَّةَ هِيَ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ دُونَ الصَّلَاةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهَا شَرْطٌ مُخْتَصٌّ بِالصَّلَاةِ لَا يَتَجَاوَزُهَا إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي لَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَالَ تَخْتَصُّ الصَّلَاةُ بِهِ فَافْهَمْ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا شَرْطُ صِحَّةٍ فَلَا يَرِدُ أَنَّهَا تَكُونُ وَاجِبَةً فِي الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِدُونِهَا، وَلَا تَرِدُ النِّيَّةُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالصَّلَاةِ بَلْ هِيَ شَرْطٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ، وَلَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُشْتَرَطُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ وَحَالَةِ الْعُذْرِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ،

стр. 75

لَازِمٌ لَهَا فِي كُلِّ الْأَرْكَانِ، وَمَا قِيلَ قُدِّمَتْ لِكَوْنِهَا شَرْطًا لَا يَسْقُطُ أَصْلًا، وَلِذَا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، وَمَا أُورِدَ مِنْ أَنَّ النِّيَّةَ كَذَلِكَ مَرْدُودٌ كُلُّ ذَلِكَ أَمَّا النِّيَّةُ فَفِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا: مَنْ تَوَالَتْ عَلَيْهِ الْهُمُومُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ بِلِسَانِهِ. وَأَمَّا الطَّهَارَةُ، فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَبِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ وَلَا يُعِيدُ، قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ فِي الْأَصَحِّ. وَأَمَّا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ، فَفِي الْفَيْضِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَتَشَبَّهُ عِنْدَهُمَا، وَإِلَيْهِ صَحَّ رُجُوعُ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. ــ [رد المحتار] وَمِثْلُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ. وَأَمَّا وُجُوبُهُ فِي خَارِجِهَا فَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِيَّةِ. (قَوْلُهُ: لَازِمٌ لَهَا فِي كُلِّ الْأَرْكَانِ) أَقُولُ: لَمْ تَظْهَرْ لِي فَائِدَةُ هَذَا الْقَيْدِ فِي كَلَامِهِ، نَعَمْ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِعَدَمِ السُّقُوطِ أَصْلًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُشْتَرَطُ اسْتِصْحَابُهَا لِكُلِّ رُكْنٍ، وَقَدْ عَلِمْت الِاحْتِرَازَ عَنْ النِّيَّةِ بِمَادَّةِ الِاخْتِصَاصِ، عَلَى أَنَّهُ سَيَذْكُرُ عَنْ الْفَيْضِ أَنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ تَسْقُطُ أَصْلًا فَلَيْسَتْ شَرْطًا لَازِمًا دَائِمًا، فَإِنْ أَرَادَ لُزُومَهَا بِدُونِ عُذْرٍ وَرَدَ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ وَالسَّتْرُ فَإِنَّهُمَا كَالطَّهَارَةِ فِي ذَلِكَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ) قَائِلُهُ الْإِمَامُ السِّغْنَاقِيُّ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ شَرْحٍ لِلْهِدَايَةِ. (قَوْلُهُ: لَا يَسْقُطُ أَصْلًا) أَيْ لَا يَسْقُطُ بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ نِهَايَةٌ. (قَوْلُهُ: فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ) أَيْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ كَمَنْ حُبِسَ وَقُيِّدَ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَيْهِمَا. (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ شَرْطٌ لَا يَسْقُطُ أَصْلًا. (قَوْلُهُ: مَرْدُودٌ كُلُّ ذَلِكَ) أَيْ كُلٌّ مِنْ دَعْوَى عَدَمِ سُقُوطِ الطَّهَارَةِ أَصْلًا، وَأَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ يُؤَخِّرُ، وَأَنَّ النِّيَّةَ لَا تَسْقُطُ أَيْضًا، وَأَتَى بِرَدِّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرَ مُرَتِّبٍ. (قَوْلُهُ: أَمَّا النِّيَّةُ) أَيْ أَمَّا وَجْهُ الرَّدِّ فِي دَعْوَى عَدَمِ سُقُوطِ النِّيَّةِ أَصْلًا، وَهَذَا الرَّدُّ الَّذِي بَعْدَهُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ. (قَوْلُهُ: فَفِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا) كَالْمُجْتَبَى، وَهُوَ أَيْضًا لِلْعَلَّامَةِ مُخْتَارِ بْنِ مَحْمُودٍ الزَّاهِدِيِّ صَاحِبِ الْقُنْيَةِ، وَكِتَابُ الْقُنْيَةِ مَشْهُورٌ بِضَعْفِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ نُقِلَ هَذَا الْفَرْعُ مِنْ شَرْحِ الصَّبَّاغِيِّ. (قَوْلُهُ: تَكْفِيهِ النِّيَّةُ بِلِسَانِهِ) إطْلَاقُ النِّيَّةِ عَلَى اللَّفْظِ مَجَازٌ. اهـ. ح: أَيْ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ لَا اللِّسَانِ، وَإِنَّمَا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ كَلَامٌ، وَمِنْ ثَمَّ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى كَوْنِهَا بِالْقَلْبِ، فَقَدْ سَقَطَتْ النِّيَّةُ هُنَا لِلْعُذْرِ فَسَقَطَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ سُقُوطِهَا. بَقِيَ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا لِلْعَاجِزِ إنْ كَانَ غَيْرَ شَرْطٍ فَلَا إشْكَالَ؛ وَلِذَا اخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ عَزِيمَتُهُ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْقُنْيَةِ. وَرَدَ عَلَيْهِ مَا فِي الْحِلْيَةِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ أَنَّهُ نُصِبَ بَدَلٌ بِالرَّأْيِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ دَلِيلُهُ، وَأَقَرَّهُ فِي الْمِنَحِ. أَقُولُ: وَمَا قَالَهُ الْحَمَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى نِيَّةِ الْقَلْبِ صَارَ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ أَصْلًا لَا بَدَلًا اهـ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ. وَأَيْضًا هُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، فَإِنَّ نَصْبَ الشُّرُوطِ الْأَصْلِيَّةِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ أَيْضًا، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ الْفَرْعُ الْمَذْكُورُ مِنْ تَخْرِيجَاتِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَنْقُولًا عَنْ الْمُجْتَهِدِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُقَلَّدَ طَلَبُ دَلِيلِهِ. (قَوْلُهُ: وَبِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سَلِيمًا مَسَحَهُ عَلَى الْجِدَارِ بِقَصْدِ التَّيَمُّمِ ط، وَسَكَتَ عَنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَعْضَاءِ جَرِيحٌ، وَالْوَظِيفَةُ حِينَئِذٍ التَّيَمُّمُ وَلَكِنَّهُ سَقَطَ لِفَقْدِ آلَتِهِ وَهُمَا الْيَدَانِ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ) أَيْ فَسَقَطَ قَوْلُهُمْ إنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَسْقُطُ أَصْلًا ط، لَكِنْ ذَكَرَ الْحَمَوِيُّ فِي رِسَالَةٍ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِعَدَمِ السُّقُوطِ بِعُذْرٍ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ إمْكَانِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَا هُنَا رَاجِعٌ إلَى زَوَالِ الْأَهْلِيَّةِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ، عَلَى أَنَّ التَّخَلُّفَ فِي مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ قَلَّمَا تَقَعُ لَا يَقْدَحُ فِي الْكُلِّيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَصْحَابِ الرِّوَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ) هَذَا رَدٌّ مِنْ الشَّارِحِ لِلدَّعْوَى الْوُسْطَى ط. (قَوْلُهُ: يَتَشَبَّهُ) أَيْ بِالْمُصَلِّينَ وُجُوبًا، فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إنْ وَجَدَ مَكَانًا يَابِسًا،

стр. 76

قُلْت: وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ تَعَمُّدَ الصَّلَاةِ بِلَا طُهْرٍ غَيْرُ مُكَفِّرٍ كَصَلَاتِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ ثَوْبٍ نَجَسٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي سِيَرِ الْوَهْبَانِيَّةِ: وَفِي كُفْرِ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ... مَعَ الْعَمْدِ خُلْفٌ فِي الرِّوَايَاتِ يُسْطَرُ ثُمَّ هُوَ مُرَكَّبٌ إضَافِيٌّ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ أَوْ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، فَإِنْ أُرِيدَ التَّعْدَادَ بُنِيَ عَلَى السُّكُونِ وَكُسِرَ تَخَلُّصًا ــ [رد المحتار] وَإِلَّا يُومِئُ قَائِمًا ثُمَّ يُعِيدُ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّيَمُّمِ: وَنَقَلَ ط أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ رَدًّا؛ لِأَنَّ هَذِهِ صُورَةُ صَلَاةٍ وَلَيْسَتْ بِصَلَاةٍ حَقِيقِيَّةٍ لِمَا أَنَّهُ يُطَالَبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِفِعْلِهَا؛ وَلِذَا قَالَ ح الْأَوْلَى الْمُعَارَضَةُ بِالْمَعْذُورِ اهـ أَيْ إذَا تَوَضَّأَ عَلَى السَّيَلَانِ وَصَلَّى فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ مِنْ الْمَعْذُورِ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَبِهِ) أَيْ بِمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُنْتِجُ مَا ذَكَرَهُ ط. (قَوْلُهُ: غَيْرُ مُكَفِّرٍ) أَشَارَ بِهِ إلَى الرَّدِّ عَلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ، حَيْثُ قَالَ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِالصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ لَا بِالصَّلَاةِ بِالثَّوْبِ النَّجِسِ وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ لِجَوَازِ الْأَخِيرَتَيْنِ حَالَةَ الْعُذْرِ بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّهُ لَا يُؤْتَى بِهَا بِحَالٍ فَيَكْفُرُ. قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: وَبِهِ نَأْخُذُ ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَالذَّخِيرَةِ، وَبَحَثَ فِيهِ فِي الْحِلْيَةِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ. ثَانِيهِمَا أَنَّ الْجَوَازَ بِعُذْرٍ لَا يُؤَثِّرُ فِي عَدَمِ الْإِكْفَارِ بِلَا عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْإِكْفَارِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ هُوَ الِاسْتِهَانَةُ، فَحَيْثُ ثَبَتَتْ الِاسْتِهَانَةُ فِي الْكُلِّ تَسَاوَى الْكُلُّ فِي الْإِكْفَارِ، وَحَيْثُ انْتَفَتْ مِنْهَا تَسَاوَتْ فِي عَدَمِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ حُكْمُ الْفَرْضِ لُزُومَ الْكُفْرِ بِتَرْكِهِ، وَإِلَّا كَانَ كُلُّ تَارِكٍ لِفَرْضٍ كَافِرًا، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ لُزُومُ الْكُفْرِ بِجَحْدِهِ بِلَا شُبْهَةٍ دَارِئَةٍ اهـ مُلَخَّصًا: أَيْ وَالِاسْتِخْفَافُ فِي حُكْمِ الْجُحُودِ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ) حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ بِلَا طَهَارَةٍ وَأَنَّ الْإِكْفَارَ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَكُونُ كُفْرًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا إذَا صَلَّى لَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ، فَإِنْ كَانَ وَجْهُ الِاسْتِخْفَافِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كُفْرًا عِنْدَ الْكُلِّ. اهـ. أَقُولُ: وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا بَحَثَهُ فِي الْحِلْيَةِ لَكِنْ بَعْدَ اعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُسْتَخِفًّا وَمُسْتَهِينًا بِالدِّينِ كَمَا عَلِمْت مِنْ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ بِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِمَعْنَى عَدِّ ذَلِكَ الْفِعْلِ خَفِيفًا وَهَيِّنًا مِنْ غَيْرِ اسْتِهْزَاءٍ وَلَا سُخْرِيَةٍ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الْكَسَلِ أَوْ الْجَهْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ كُفْرًا عِنْدَ الْكُلِّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: مَعَ الْعَمْدِ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُصَاحِبًا لِلْعَمْدِ ط. (قَوْلُهُ: خُلْفٌ) أَيْ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ التَّفْكِيرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، بَلْ قَالُوا لَوْ وُجِدَ سَبْعُونَ رِوَايَةً مُتَّفِقَةً عَلَى تَكْفِيرِ الْمُؤْمِنِ وَرِوَايَةٌ وَلَوْ ضَعِيفَةً بِعَدَمِهِ يَأْخُذُ الْمُفْتِي وَالْقَاضِي بِهَا دُونَ غَيْرِهَا، وَالْخِلَافُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ فَرْعِ الظَّهِيرِيَّةِ، وَأَمَّا هُوَ فَصَلَاتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ لِأَمْرِ الشَّارِعِ لَهُ بِذَلِكَ ط. (قَوْلُهُ: يُسْطَرُ) أَيْ يُكْتَبُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ هُوَ) أَيْ كِتَابُ الطَّهَارَةِ وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، وَقَدْ تَأْتِي لِلِاسْتِئْنَافِ ط. (قَوْلُهُ: مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ) أَيْ كِتَابُ الطَّهَارَةِ هَذَا، أَوْ هَذَا كِتَابُ الطَّهَارَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْأَوْلَى مِنْهُمَا، فَقِيلَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ هُوَ الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ الشَّدِيدُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَإِبْقَاؤُهُ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ التَّجَوُّزَ فِي آخِرِ الْجُمْلَةِ أَسْهَلُ، وَقِيلَ الثَّانِي لِأَنَّ الْخَبَرَ مَحَطُّ الْفَائِدَةِ. (قَوْلُهُ: لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ) نَحْوُ خُذْ أَوْ اقْرَأْ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ أُرِيدَ التَّعْدَادُ) أَيْ تَعْدَادُهُ مَعَ الْكُتُبِ الْآتِيَةِ بِلَا قَصْدِ إسْنَادٍ كَالْأَعْدَادِ الْمَسْرُودَةِ. (قَوْلُهُ: بُنِيَ عَلَى السُّكُونِ) لِشَبَهِهِ الْحَرْفَ فِي الْإِهْمَالِ ط. زَادَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَيَجُوزُ الْفَتْحُ عَلَى النَّقْلِ وَالضَّمُّ عَلَى الْحَذْفِ اهـ لَكِنْ فِيهِ أَنَّ نَقْلَ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ شَرْطُهُ كَوْنُهَا لِلْقَطْعِ. وَقَدْ يُجَابُ بِمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الم اللَّهُ مِنْ أَنَّ مِيمَ فِي حُكْمِ الْوَقْفِ وَالْهَمْزَةَ

стр. 77

مِنْ السَّاكِنَيْنِ وَإِضَافَتُهُ لَامِيَّةٌ لَا مِيمِيَّةٌ. وَهَلْ يَتَوَقَّفُ حَدُّهُ لَقَبًا عَلَى مَعْرِفَةِ مُفْرَدَيْهِ؟ الرَّاجِحُ نَعَمْ، فَالْكِتَابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْجَمْعِ ــ [رد المحتار] فِي حُكْمِ الثَّابِتِ وَإِنَّمَا حُذِفَتْ تَخْفِيفًا وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهَا تَأَمَّلْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالضَّمِّ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ وَبِالْحَذْفِ حَذْفَ الْمُبْتَدَإِ أَوْ الْخَبَرِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْإِعْرَابِ فَذِكْرُ الشَّارِحِ لَهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى مَعَ ذِكْرِ حُكْمِ الْإِعْرَابِ قَبْلَهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَإِضَافَتُهُ لَامِيَّةٌ) أَيْ عَلَى مَعْنَى لَامِ الِاخْتِصَاصِ: أَيْ كِتَابٌ لِلطَّهَارَةِ: أَيْ مُخْتَصٌّ بِهَا. (قَوْلُهُ: لَا مِيمِيَّةٌ) كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ تَبَعًا لِلنَّهْرِ وَالصَّوَابُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا مُنَيَّةَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ نِسْبَةً إلَى مِنْ الَّتِي هِيَ مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ، وَوَجْهُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الَّتِي بِمَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ شَرْطُهَا كَوْنُ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَصْلًا لِلْمُضَافِ وَصَالِحًا لِلْإِخْبَارِ بِهِ عَنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُضَافِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ. وَزَادَ فِي التَّسْهِيلِ رَابِعًا وَهُوَ صِحَّةُ تَقْدِيرِ مِنْ الْبَيَانِيَّةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَيْسَتْ عَلَى مَعْنَى فِي اهـ: أَيْ لِأَنَّ ضَابِطَهَا كَوْنُ الثَّانِي ظَرْفًا لِلْأَوَّلِ نَحْوُ - ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ: ٣٣]- وَخَالَفَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ وَاخْتَارَ كَوْنَهَا بِمَعْنَاهَا وَقَالَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا. اهـ. لَكِنَّ الظَّرْفِيَّةَ حِينَئِذٍ مَجَازِيَّةٌ وَهِيَ كَثِيرَةٌ. أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قَدْ يُصَرِّحُ بِفِي فَيُقَالُ فَصْلٌ فِي كَذَا بَابٌ فِي كَذَا، وَهُوَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الدَّالِّ فِي الْمَدْلُولِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ وَالْفَصْلِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ التَّرَاجِمِ الْأَلْفَاظُ الْمُعَيَّنَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ سَيِّدِ الْمُحَقِّقِينَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الطَّهَارَةِ أَيْ مِنْ مَسَائِلِهَا الْمَعَانِي، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ، فَيَكُونُ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ فِي الدَّالِّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَهَلْ يَتَوَقَّفُ حَدُّهُ لَقَبًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ لَقَبًا فَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ فِي مِثْلِ هَذَا الرَّسْمِ، وَأَرَادَ بِاللَّقَبِ الْعِلْمَ إذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِرِفْعَةِ الْمُسَمَّى أَوْ بِضَعَتِهِ، وَأَتَى بِالِاسْتِفْهَامِ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، أَمَّا تَوَقُّفُهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُرَكَّبًا إضَافِيًّا فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ قَبْلَ ذَلِكَ حَدَّهُ لِلَّقَبِيِّ، بِأَنْ يَقُولَ هُوَ عَلَمٌ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ جُعِلَ شَرْعًا عُنْوَانًا لِمَسَائِلَ مُسْتَقِلَّةٍ فَهُوَ بَيَانٌ لِمَعْنَى الْمُضَافِ لَا لِلِاسْمِ اللَّقَبِيِّ الَّذِي هُوَ مَجْمُوعُ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: الرَّاجِحُ نَعَمْ) قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: وَالْمُرَكَّبُ الْإِضَافِيُّ قِيلَ حَدُّهُ لَقَبًا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ جُزْأَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمُرَكَّبِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِجُزْأَيْهِ، وَقِيلَ لَا يَتَوَقَّفُ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ سَلَبَتْ كُلًّا مِنْ جُزْأَيْهِ عَنْ مَعْنَاهُ الْإِفْرَادِيِّ وَصَيَّرَتْ الْجَمِيعَ اسْمًا لِشَيْءٍ آخَرَ، وَرَجَحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ أَتَمُّ فَائِدَةً. اهـ. وَاسْتَحْسَنَهُ فِي النَّهْرِ. أَقُولُ: أَمَّا كَوْنُهُ أَتَمَّ فَائِدَةً فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا تَوَقُّفُ فَهْمِ مَعْنَاهُ الْعِلْمِيِّ عَلَى فَهْمِ مَعْنَى جُزْأَيْهِ فَفِي حَيِّزِ الْمَنْعِ، فَإِنَّ فَهْمَ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ مِنْ امْرِئِ الْقَيْسِ مَثَلًا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِ مَا وُضِعَ ذَلِكَ اللَّفْظُ بِإِزَائِهِ وَهُوَ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، وَإِنْ جُهِلَ مَعْنَى كُلٍّ مِنْ مُفْرَدَيْهِ فَالْحَقُّ الْقَوْلُ الثَّانِي، وَلِذَا اقْتَصَرَ فِي التَّحْرِيرِ وَالتَّلْوِيحِ وَغَيْرِهِمَا فِي تَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى بَيَانِ مَعْنَى الْمُفْرَدَيْنِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُرَكَّبًا إضَافِيًّا فَقَطْ. (قَوْلُهُ: فَالْكِتَابُ) تَفْرِيعٌ عَلَى الرَّاجِحِ. (قَوْلُهُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْجَمْعِ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ الْبَحْرِ وَالْعِنَايَةِ هُوَ جَمْعُ الْحُرُوفِ، لِمَا أُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْكِتَابَ وَالْكِتَابَةَ لُغَةً: الْجَمْعُ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ كَتَبْت الْخَيْلَ إذَا جَمَعْتهَا. اهـ. وَزَادَ فِي الدُّرَرِ احْتِمَالَ كَوْنِهِ فِعَالًا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ كَاللِّبَاسِ

стр. 78

لُغَةً، جُعِلَ شَرْعًا عُنْوَانًا لِمَسَائِلَ مُسْتَقِلَّةٍ. بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ. وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهُرَ بِالْفَتْحِ وَيُضَمُّ: بِمَعْنَى النَّظَافَةِ لُغَةً، وَلِذَا أَفْرَدَهَا. وَشَرْعًا النَّظَافَةُ عَنْ حَدَثٍ أَوْ خُبْثٍ ــ [رد المحتار] بِمَعْنَى الْمَلْبُوسِ. قَالَ: وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَجْمُوعِ. (قَوْلُهُ: لُغَةً) مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ عَلَى الْحَالِيَّةِ وَمِثْلُهُ شَرْعًا وَاصْطِلَاحًا: وَبَيَانُ ذَلِكَ مَعَ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ فِي رِسَالَتِنَا الْفَوَائِدِ الْعَجِيبَةِ فِي إعْرَابِ الْكَلِمَاتِ الْغَرِيبَةِ. (قَوْلُهُ: جُعِلَ) أَيْ الْكِتَابُ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مُضَافًا لِلطَّهَارَةِ بَلْ أَعَمُّ مِنْهَا وَمِنْ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ فِي صَدَدِ بَيَانِ الْمُضَافِ بِمُفْرَدِهِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: شَرْعًا) الْأَوْلَى اصْطِلَاحًا لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لَا يَخُصُّ أَهْلَ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْغَالِبُ عِنْدَهُمْ لَكِنْ قَيَّدَ بِهِ نَظَرًا لِلْمَقَامِ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: عُنْوَانًا) أَيْ عِبَارَةٌ تُذْكَرُ صَدْرَ الْكَلَامِ. (قَوْلُهُ: لِمَسَائِلَ) أَيْ لِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ دَالَّةٍ عَلَى مَسَائِلَ مَجْمُوعَةٍ وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ. مَطْلَبٌ فِي اعْتِبَارَاتِ الْمُرَكَّبِ التَّامِّ وَذَكَرَ فِي التَّلْوِيحِ أَنَّ الْمُرَكَّبَ التَّامَّ الْمُحْتَمِلَ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ يُسَمَّى مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْحُكْمِ قَضِيَّةً، وَمِنْ حَيْثُ احْتِمَالُهُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ خَبَرًا، وَمِنْ حَيْثُ يُطْلَبُ بِالدَّلِيلِ مَطْلُوبًا، وَمِنْ حَيْثُ يَحْصُلُ مِنْ الدَّلِيلِ نَتِيجَةً، وَمِنْ حَيْثُ يَقَعُ فِي الْعِلْمِ وَيُسْأَلُ عَنْهُ مَسْأَلَةً، فَالذَّاتُ وَاحِدَةٌ، وَاخْتِلَافُ الْعِبَارَاتِ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: مُسْتَقِلَّةٍ) بِمَعْنَى عَدَمِ تَوَقُّفِ تَصَوُّرِهَا عَلَى شَيْءٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا لَا بِمَعْنَى الْأَصَالَةِ الْمُطْلَقَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكِتَابَ تَابِعٌ لِكِتَابِ الصَّلَاةِ الْمَقْصُودِ أَصَالَةً، وَعَمَّ التَّعْرِيفُ مَا كَانَ تَحْتَهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ وَالْآبِقِ وَالْمَفْقُودِ، أَوْ أَكْثَرُ كَالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مِنْ الْأَحْكَامِ كُلُّ نَوْعٍ يُسَمَّى بَابًا، وَكُلُّ بَابٍ مُشْتَمِلٌ عَلَى صِنْفٍ مِنْ الْمَسَائِلِ، أَوْ أَكْثَرَ كُلُّ صِنْفٍ يُسَمَّى فَصْلًا. وَزَادَ بَعْضُهُمْ مُطْلَقًا بَعْدَ قَوْلِهِ مُسْتَقِلَّةٍ احْتِرَازٌ عَنْ الْبَابِ قَالَ: لِأَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَبَعِيَّتِهَا لِلْغَيْرِ أَوْ تَبَعِيَّةِ الْغَيْرِ لَهَا، فَإِنَّ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ تَابِعٌ لِلْوُضُوءِ وَالْوُضُوءُ مُسْتَتْبِعٌ لَهُ، وَقَدْ اُعْتُبِرَا مُسْتَقِلَّيْنِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالْبَابِ أَنَّ الْكِتَابَ قَدْ يَكُونُ تَابِعًا وَقَدْ لَا يَكُونُ، بِخِلَافِ الْبَابِ: أَيْ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ تَابِعًا أَوْ مُسْتَتْبِعًا. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَلْحُوظَ فِي الْكِتَابِ جِنْسُ الْمَسَائِلِ لَا بِاعْتِبَارِ نَوْعِهَا أَوْ فَصْلِهَا عَمَّا قَبْلَهَا وَالْحَيْثِيَّةُ مُرَاعَاةٌ فِي التَّعْرِيفِ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْمَسَائِلَ إنْ اُعْتُبِرَتْ بِجِنْسِهَا تَصْدُرُ بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ فِي اللُّغَةِ الْجَمْعُ وَالْجِنْسُ يَشْمَلُ الْأَنْوَاعَ غَالِبًا فَيَكُونُ مَعْنَى الْجَمْعِ مُنَاسِبًا لِمَعْنَى الْجِنْسِ، وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ بِنَوْعِهَا تَصْدُرُ بِالْبَابِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ فِي اللُّغَةِ النَّوْعُ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ مُنَاسِبًا لِنَوْعِ الْمَسَائِلِ وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ بِفَصْلِهَا، وَفَرَّقَهَا عَمَّا قَبْلَهَا تَصْدُرُ بِالْفَصْلِ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ فِي اللُّغَةِ الْفَرْقُ وَالْقَطْعُ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ مُنَاسِبًا لِلْمَسَائِلِ الْمُنْقَطِعَةِ عَمَّا قَبْلَهَا. قَالَ وَأَكْثَرُ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ: مَشَوْا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَالْكِتَابُ مَصْدَرٌ، فَهُوَ مَصْدَرٌ مُرَادٌ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ كَمَا فِي النَّهْرِ ط، فَالْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ جُعِلَ شَرْعًا. (قَوْلُهُ: وَالطَّهَارَةُ) أَيْ بِفَتْحِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ، وَأَمَّا بِكَسْرِهَا فَهِيَ الْآلَةُ وَبِضَمِّهَا فَضْلُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيُّ أَنَّهَا بِالضَّمِّ اسْمٌ لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بِالْفَتْحِ) أَيْ فَتْحِ الْهَاءِ. (قَوْلُهُ: وَيُضَمُّ) أَيْ وَكَذَا يُكْسَرُ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ قُهُسْتَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى النَّظَافَةِ) أَيْ عَنْ الْأَدْنَاسِ حِسِّيَّةً كَالْأَنْجَاسِ أَوْ مَعْنَوِيَّةً كَالْعُيُوبِ وَالذُّنُوبِ، فَقِيلَ الثَّانِي مَجَازٌ، وَقِيلَ حَقِيقَةٌ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِمَا، إذْ الْحَدَثُ دَنَسٌ حُكْمِيٌّ، وَالنَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ دَنَسٌ حَقِيقِيٌّ وَزَوَالُهُمَا طَهَارَةٌ نَهْرٌ. (قَوْلُهُ: وَلِذَا أَفْرَدَهَا) أَيْ لِكَوْنِهَا مَصْدَرًا، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهَا وَأَفْرَادِهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْجَمْعِ؛ وَلِذَا قِيلَ الْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ. (قَوْلُهُ: النَّظَافَةُ عَنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ) شَمِلَ طَهَارَةَ مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصَّلَاةِ كَالْآنِيَةِ وَالْأَطْعِمَةِ

стр. 79

وَمَنْ جَمَعَ نَظَرَ لِأَنْوَاعِهَا وَهِيَ كَثِيرَةٌ. وَحِكَمُهَا شَهِيرَةٌ. وَحُكْمُهَا اسْتِبَاحَةُ مَا لَا يَحِلُّ بِدُونِهَا (وَسَبَبُهَا) أَيْ سَبَبُ وُجُوبِهَا (مَا لَا يَحِلُّ) فِعْلُهُ فَرْضًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَالصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ (إلَّا بِهَا) أَيْ بِالطَّهَارَةِ. صَاحِبُ الْبَحْرِ قَالَ بَعْدَ سَرْدِ الْأَقْوَالِ وَنَقْلِ كَلَامِ الْكَمَالِ: الظَّاهِرُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِرَادَةُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، لَكِنْ بِتَرْكِ إرَادَةِ النَّفْلِ يَسْقُطُ الْوُجُوبُ ــ [رد المحتار] وَأَرَادَ بِالْخَبَثِ مَا يَعُمُّ الْمَعْنَوِيَّ كَمَا مَرَّ، فَيَشْمَلُ أَيْضًا الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مُطَهِّرٌ لِلذُّنُوبِ، وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِ الْبَحْرِ زَوَالُ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ لِيَشْمَلَ الطَّهَارَةَ الْأَصْلِيَّةَ؛ لِأَنَّ الزَّوَالَ يُشْعِرُ بِسَبْقِ الْوُجُودِ، وَعَنْ قَوْلِ النَّهْرِ إزَالَةٌ لِيَشْتَمِلَ النَّظَافَةَ بِلَا قَصْدٍ كَنُزُولِ الْمُحْدِثِ فِي الْمَاءِ لِلسِّبَاحَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَوْ هُنَا لِلتَّقْسِيمِ وَالتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّرْدِيدِ، فَالْقِسْمَانِ الْمُتَخَالِفَانِ حَقِيقَةً مُتَشَارِكَانِ فِي مُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْحَدَّ إمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا عَلَى سَبِيلِ الشَّكِّ أَوْ التَّشْكِيكِ لِيُنَافِيَ الْحَدَّ الْمَقْصُودَ بِهِ بَيَانُ الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ عَلَى أَنَّ مَا هُنَا رَسْمٌ لَا حَدٌّ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ. قَالَ فِي السَّلَمِ: وَلَا يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ ذِكْرُ أَوْ ... وَجَائِزٌ فِي الرَّسْمِ فَادْرِ مَا رَوَوْا. (قَوْلُهُ: وَمَنْ جَمَعَ) أَيْ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ كِتَابُ الطِّهَارَات. (قَوْلُهُ: نَظَرَ لِأَنْوَاعِهَا) أَيْ فَإِنَّهَا مُتَنَوِّعَةٌ إلَى وُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ وَغَسْلِ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّامَ تُبْطِلُ الْجَمْعِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا مَجَازٌ عَنْ الْجِنْسِ. وَدُفِعَ بِأَنَّ هَذَا عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِغْرَاقِ وَالْعَهْدِ وَانْتِفَاؤُهُمَا هَا هُنَا مُمْتَنِعٌ، وَلَوْ سَلِمَ فَاسْتِوَاءُ هَذَا الْجَمْعِ وَالْمُفْرَدِ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِي لَفْظِ الْجَمْعِ مِنْ الْإِشْعَارِ بِالتَّعَدُّدِ وَإِنْ بَطَلَ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ، وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَعْنَى إبْطَالِهَا الْجَمْعِيَّةَ أَنَّ مَدْخُولَهَا صَارَ يَصْدُقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ صَالِحًا لِلْكَثِيرِ. فَإِنْ قِيلَ الْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ قِيلَ جَمَعَهَا بِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَذَلِكَ شَائِعٌ كَمَا يُجْمَعُ الْعِلْمُ وَالْبَيْعُ قَالَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى، وَقَدَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَالْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ. (قَوْلُهُ: وَحِكَمُهَا) بِكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعُ حِكْمَةٍ: أَيْ مَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ. (قَوْلُهُ: شَهِيرَةٌ) مِنْهَا تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ وَمَنْعُ الشَّيْطَانِ عَنْهُ ط وَتَحْسِينُ الْأَعْضَاءِ فِي الدُّنْيَا بِالتَّنْظِيفِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالتَّحْجِيلِ، إمْدَادٌ. (قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا) أَيْ أَثَرُهَا الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: اسْتِبَاحَةُ) السِّينُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ أَوْ لِلصَّيْرُورَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ يَذْكُرُوا مِنْ حُكْمِهَا الثَّوَابَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِيهَا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى النِّيَّةِ وَهِيَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا ط. (قَوْلُهُ: أَيْ سَبَبُ وُجُوبِهَا) قُدِّرَ الْمُضَافُ لِظُهُورِ أَنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا لَيْسَتْ سَبَبًا لِوُجُودِ الطَّهَارَةِ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: مَا لَا يَحِلُّ) أَيْ إرَادَةُ مَا لَا يَحِلُّ، وَقَوْلُهُ فَرْضًا كَانَ تَعْمِيمٌ لِقَوْلِهِ فِعْلُهُ وَقَوْلُهُ كَالصَّلَاةِ فِيهِ الْقِسْمَانِ الْفَرْضُ وَغَيْرُهَا، قَوْلُهُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ قَاصِرٌ عَلَى غَيْرِ الْفَرْضِ ط. (قَوْلُهُ: صَاحِبُ الْبَحْرِ قَالَ إلَخْ) ذِكْرُهُ عَقِبَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ هُوَ الْإِرَادَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، إذْ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْوُجُوبِ. وَقَدْ يُقَالُ لَا تَقْدِيرَ أَصْلًا، وَأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ ذَاتَ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهَا سَبَبُ الْوُجُوبِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْأَتْقَانِيُّ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ أَنَّ السَّبَبَ عِنْدَنَا الصَّلَاةُ بِدَلِيلِ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا، وَهُوَ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ اهـ وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَشْمَلُ لِشُمُولِهِ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: الْأَقْوَالُ) أَيْ الْأَرْبَعَةُ الْآتِيَةُ. (قَوْلُهُ: هُوَ الْإِرَادَةُ) أَقُولُ: هُوَ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَثِمَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يَأْتِي عَنْ الزَّيْلَعِيِّ، وَالثَّانِي أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِرَادَةُ الْمُسْتَلْحِقَةُ لِلشُّرُوعِ. اهـ.

стр. 80

ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي الظِّهَارِ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي نُكَتِهِ: الصَّحِيحُ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ أَوْ إرَادَةُ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهَا (وَقِيلَ) سَبَبُهَا (الْحَدَثُ) فِي الْحُكْمِيَّةِ، وَهُوَ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ يَحِلُّ فِي الْأَعْضَاءِ يُزِيلُ الطَّهَارَةَ. مَا قِيلَ إنَّهُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْأَعْضَاءِ إلَى غَايَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُزِيلِ فَتَعْرِيفٌ بِالْحُكْمِ (وَالْخَبَثُ) فِي الْحَقِيقَةِ وَهُوَ عَيْنٌ مُسْتَقْذَرَةٌ شَرْعًا، وَقِيلَ سَبَبُهَا الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ، وَنُسِبَا إلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ ــ [رد المحتار] أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ سَبَبَ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَجِبَ الطَّهَارَةُ قَبْلَ الشُّرُوعِ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ الْمُسْتَلْحِقَةَ لَهُ مُقَارِنَةٌ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِهَا عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا شَرْطَ الصِّحَّةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ) أَيْ هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ حَيْثُ قَالَ إنَّهُ إنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ، فَإِذَا رَجَعَ وَتَرَكَ التَّنَفُّلَ سَقَطَتْ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِأَجْلِهَا ط. (قَوْلُهُ: فِي الظِّهَارِ) أَيْ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَعَوْدِهِ: وَعَزْمِهِ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْعَلَّامَةُ إلَخْ) هَذَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَأْثَمَ عَلَى الْوُضُوءِ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ، وَلَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ الْوَقْتِيَّةَ فِيهِ بَلْ عَلَى تَفْوِيتِ الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَأَنَّهُ إذَا أَرَادَ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ. اهـ. ح. أَقُولُ: فِيهِ أَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ قَبْلَ وَقْتِهَا تَنْعَقِدُ نَافِلَةً فَتَجِبُ الطَّهَارَةُ بِإِرَادَتِهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: الصَّحِيحُ إلَخْ) مَشَى عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَاسْتَوْجَبَهُ فِي التَّحْرِيرِ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْعَلَّامَةُ الْكَاكِيُّ، لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ غَيْرَ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ فَلِذَا زَادَ عَلَيْهِ هُنَا قَوْلَهُ أَوْ إرَادَةُ إلَخْ، وَمَا مَرَّ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ مُلَاحَظٌ هُنَا أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وُجُوبُ الصَّلَاةِ) أَيْ لَا وُجُودُهَا؛ لِأَنَّ وُجُودَهَا مَشْرُوطٌ بِهَا فَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا، وَالْمُتَأَخِّرُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمُتَقَدِّمِ. اهـ. عِنَايَةٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ تَجِبُ الطَّهَارَةُ لَكِنَّهُ وُجُوبٌ مُوَسَّعٌ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَارَ الْوُجُوبُ فِيهِمَا مُضَيَّقًا بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ سَبَبُهَا الْحَدَثُ) أَيْ لِدَوَرَانِهَا مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا وَدُفِعَ بِمَنْعِ كَوْنِ الدَّوَرَانِ دَلِيلًا، وَلَئِنْ سَلِمَ فَالدَّوَرَانُ هُنَا مَفْقُودٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الْحَدَثُ وَلَا يُوجَدُ وُجُوبُ الطَّهَارَةِ كَمَا قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَفِي حَقِّ غَيْرِ الْبَالِغِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ لَكِنْ سَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ. (قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ) الْقَائِلُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي بَابِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْفَتْحِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ النَّهْرِ هُنَاكَ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ تَعْرِيفٌ بِالْحُكْمِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِي كَوْنِ هَذَا التَّعْرِيفِ تَعْرِيفًا بِالْحُكْمِ نَظَرٌ إذْ حُكْمُ الشَّيْءِ مَا كَانَ أَثَرًا لَهُ خَارِجًا عَنْهُ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، وَالْمَانِعِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا حُكْمُ الْحَدَثِ عَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَهُ وَحُرْمَةُ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَالتَّعْرِيفُ بِالْحُكْمِ كَأَنْ يُقَالَ مَثَلًا الْحَدَثُ هُوَ مَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ اهـ هَكَذَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ الْفَتَّالِ. (قَوْلُهُ: شَرْعِيَّةٌ) أَيْ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ مَانِعًا ط. (قَوْلُهُ: إلَى غَايَةِ اسْتِعْمَالِ) الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ ط. (قَوْلُهُ: فَتَعْرِيفٌ بِالْحُكْمِ) عَلِمْت مَا فِيهِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مَحَلُّ مَوَاقِعِ أَنْظَارِهِمْ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ سَبَبُهَا الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ) ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ: وَصَرَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِفَسَادِهِ لِصِحَّةِ الِاكْتِفَاءِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ لِصَلَوَاتٍ مَا دَامَ مُتَطَهِّرًا. وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهَا سَبَبٌ بِشَرْطِ الْحَدَثِ فَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ خُصُوصًا أَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ. اهـ. أَقُولُ: هَذَا الدَّفْعُ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا وَرَدَ الْفَسَادُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ: وَنُسِبَا) أَيْ الْقَوْلُ بِسَبَبِيَّةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَالْقَوْلُ بِسَبَبِيَّةِ الْقِيَامِ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: إلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ) هُمْ الْآخِذُونَ بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ أَبِي سُلَيْمَانَ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمَنْسُوبَ إلَيْهِمْ هُوَ الثَّانِي مِنْ الْقَوْلَيْنِ، أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَنَسَبَهُ الْأُصُولِيُّونَ إلَى أَهْلِ الطَّرْدِ وَهُمْ

стр. 81

وَفَسَادُهُمَا ظَاهِرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَثَرَ الْخِلَافِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي نَحْوِ التَّعَالِيقِ، نَحْوُ: إنْ وَجَبَ عَلَيْك طَهَارَةٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ دُونَ الْإِثْمِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِهِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْحَدَثِ، ذَكَرَهُ فِي التَّوْشِيحِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي السِّرَاجِ مِنْ إثْبَاتِ الثَّمَرَةِ مِنْ جِهَةِ الْإِثْمِ، بَلْ وُجُوبُهَا مُوَسَّعٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ، فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَارَ الْوُجُوبُ فِيهِمَا مُضَيِّقًا. وَشَرَائِطُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَلَى مَا فِي الْأَشْبَاهِ شَرَائِطُ وُجُوبِهَا تِسْعَةٌ، وَشَرَائِطُ صِحَّتِهَا أَرْبَعَةٌ، وَنَظَمَهَا شَيْخُ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةُ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيَّ شَارِحُ نَظْمِ الْكَنْزِ فَقَالَ: شَرْطُ الْوُجُوبِ الْعَقْلُ وَالْإِسْلَامُ ... وَقُدْرَةٌ مَاءٌ وَالِاحْتِلَامُ وَحَدَثٌ وَنَفْيُ حَيْضٍ وَعَدَمْ ... نِفَاسِهَا وَضِيقُ وَقْتٍ قَدْ هَجَمْ وَشَرْطُ صِحَّةٍ عُمُومْ الْبَشَرَهْ ... بِمَائِهِ الطَّهُورِ ثُمَّ فِي الْمَرَهْ فَقْدُ نِفَاسِهَا وَحَيْضِهَا وَأَنْ ... يَزُولَ كُلُّ مَانِعٍ عَنْ الْبَدَنْ ــ [رد المحتار] الْمُسْتَدِلُّونَ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ وَيُسَمَّى الدَّوَرَانُ كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعِهِ. وَخَالَفَهُمْ فِيهِ الْحَنَفِيَّةُ وَمُحَقِّقُو الْأَشَاعِرَةِ. (قَوْلُهُ: وَفَسَادُهُمَا ظَاهِرٌ) لِمَا عَلِمْته مِمَّا يَرُدُّ عَلَيْهِمَا، لَكِنْ عَلِمْت الْجَوَابَ عَمَّا يَرُدُّ عَلَى الثَّانِي، فَكَانَ عَلَيْهِ إفْرَادُ الضَّمِيرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. (قَوْلُهُ: أَنَّ أَثَرَ الْخِلَافِ) أَيْ فَائِدَةَ الِاخْتِلَافِ فِي السَّبَبِ. (قَوْلُهُ: فِي نَحْوِ التَّعَالِيقِ) أَيْ فِي التَّعَالِيقِ وَنَحْوِهَا كَصِدْقِ الْإِخْبَارِ بِوُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَكَذِبِهِ أَفَادَهُ ط، وَفِيمَا إذَا اُسْتُشْهِدَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فَقَدْ صَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهَا تُغَسَّلُ، فَكَانَ تَصْحِيحًا لِكَوْنِ السَّبَبِ الْحَدَثَ أَعْنِي الْحَيْضَ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ، أَيْ لِأَنَّ الْغُسْلَ وَجَبَ عَلَيْهَا بِالْحَيْضِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ انْقِطَاعُ الدَّمِ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِقَوْلِ أَهْلِ الطَّرْدِ. (قَوْلُهُ: فَأَنْتِ طَالِقٌ) أَيْ فَتَطْلُقُ بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَبِوُجُوبِهَا عَلَى الثَّانِي، وَبِالْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ عَلَى الثَّالِثِ، وَبِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى الرَّابِعِ. (قَوْلُهُ: بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْحَدَثِ) أَيْ أَوْ الْخَبَثِ، أَوْ عَنْ إرَادَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ الْقِيَامِ إلَيْهَا ط. (قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ فِي التَّوْشِيحِ) هُوَ شَرْحُ الْهِدَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ سِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ. قَالَ فِي غَسْلِ الْبَحْرِ: وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى الْمُحْدِثِ وَالْغُسْلُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قَبْلَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، أَوْ إرَادَةِ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ. اهـ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ لِثُبُوتِ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ الطَّهَارَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ الِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ رَأَيْت فِي النَّهْرِ وَفَّقَ بِذَلِكَ بَيْنَ كَلَامِ الْهِنْدِيِّ وَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْهِدَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي السِّرَاجِ إلَخْ) هُوَ شَرْحُ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ لِلْحَدَّادِيِّ صَاحِبِ الْجَوْهَرَةِ، وَذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِالِانْقِطَاعِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَعَامَّةِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَبِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّينَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ ثُمَّ قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَأَخَّرَتْ الْغُسْلَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ فَتَأْثَمُ عَلَى الْأَوَّلِ لَا عَلَى الثَّانِي، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ وُجُوبُ الْوُضُوءِ فَعِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ يَجِبُ الْوُضُوءُ لِلْحَدَثِ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّينَ لِلصَّلَاةِ اهـ. (قَوْلُهُ: بَلْ وُجُوبُهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ. (قَوْلُهُ: بِدُخُولِ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، لِقَوْلِهِ وُجُوبُهَا لَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مُوَسَّعٌ. وَكَوْنُ وُجُوبِهَا بِدُخُولِ الْوَقْتِ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمَهُ عَنْ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ مِنْ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ إذْ وُجُوبُ الصَّلَاةِ أَيْضًا بِدُخُولِ الْوَقْتِ اهـ ح. (قَوْلُهُ: فِيهِمَا) أَيْ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: وَشَرَائِطُهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: هُوَ جَمْعُ شَرْطٍ عَلَى خِلَافِ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْقَاعِدَةِ الصَّرْفِيَّةِ، إذْ لَمْ يُحْفَظْ فَعَائِلُ جَمْعُ فَعْلٍ بَلْ جَمْعُهُ شُرُوطٌ. (قَوْلُهُ: شَرَائِطُ وُجُوبِهَا إلَخْ) أَيْ الطَّهَارَةِ أَعَمُّ مِنْ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى وَشَرَائِطُ الْوُجُوبِ هِيَ مَا إذَا اجْتَمَعَتْ وَجَبَتْ الطَّهَارَةُ عَلَى شَخْصٍ. وَشَرَائِطُ الصِّحَّةِ مَا لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ إلَّا بِهَا، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ بَلْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَجْهِيٌّ، وَعَدَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ الْخِطَابُ وَلِلصِّحَّةِ مِنْ حَيْثُ أَدَاءُ الْوَاجِبِ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: شَرْطُ الْوُجُوبِ) مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الْعَقْلُ إلَخْ ط. (قَوْلُهُ: الْعَقْلُ إلَخْ) فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ وَلَا عَلَى كَافِرٍ، بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْعِبَادَاتِ، وَلَا عَلَى عَاجِزٍ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ، وَلَا عَلَى

стр. 82

وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ أَرْبَعَةً: شَرْطُ وُجُودِهَا الْحِسِّيِّ وُجُودُ الْمُزِيلِ وَالْمُزَالِ عَنْهُ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْإِزَالَةِ. وَشَرْطُ وُجُودِهَا الشَّرْعِيِّ كَوْنُ الْمُزِيلِ مَشْرُوعُ الِاسْتِعْمَالِ فِي مِثْلِهِ. وَشَرْطُ وُجُوبِهَا التَّكْلِيفُ وَالْحَدَثُ. وَشَرْطُ صِحَّتِهَا صُدُورُ الطُّهْرِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ مَعَ فَقْدِ مَانِعِهِ، وَنَظَمَهَا فَقَالَ: ــ [رد المحتار] فَاقِدِ الْمَاءِ أَيْ وَالتُّرَابِ، وَلَا عَلَى صَبِيٍّ، وَلَا عَلَى مُتَطَهِّرٍ وَلَا عَلَى حَائِضٍ، وَلَا عَلَى نُفَسَاءَ، وَلَا مَعَ سِعَةِ الْوَقْتِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ وَمَا قَبْلَهُ لِأَصْلِ الْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ: مَاءٌ) بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى إسْقَاطِ الْعَاطِفِ وَتَقْدِيرِ مُضَافٍ: أَيْ وَوُجُودُ مَاءٍ مُطْلَقٍ طَهُورٌ كَافٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ تُرَابٍ طَاهِرٍ. (قَوْلُهُ: وَشَرْطُ صِحَّةٍ إلَخْ) الصِّحَّةُ تَرَتُّبُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، فَفِي الْمُعَامَلَاتِ الْحِلُّ وَالْمِلْكُ؛ لِأَنَّهُمَا الْمَقْصُودَانِ مِنْهَا، وَفِي الْعِبَادَاتِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ مُسْتَجْمِعًا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِزِيَادَةِ قَيْدٍ وَهُوَ انْدِفَاعُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، فَصَلَاةُ ظَانِّ الطَّهَارَةِ مَعَ عَدَمِهَا صَحِيحَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ لِمُوَافَقَةِ الْأَمْرِ عَلَى ظَنِّهِ، لَا عَلَى الثَّانِي لِعَدَمِ سُقُوطِ الْقَضَاءِ، وَتَمَامُهُ فِي التَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ. (قَوْلُهُ: عُمُومُ الْبَشَرَهْ إلَخْ) أَيْ أَنْ يَعُمَّ الْمَاءُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ الْوَاجِبِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَرَهْ) بِدُونِ هَمْزَةٍ مُؤَنَّثٌ مَرْءٍ، يُقَالُ فِيهَا مَرْأَةٌ وَمَرَّةٌ وَامْرَأَةٌ ذَكَرَ الثَّلَاثَ فِي الْقَامُوسِ. (قَوْلُهُ: فَقْدُ نِفَاسِهَا وَحَيْضِهَا) أَيْ وَفَقْدُ حَيْضِهَا فَهُمَا شَرْطَانِ. (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَزُولَ كُلُّ مَانِعٍ) أَيْ مِنْ نَحْوِ رَمَصٍ وَشَمْعٍ، وَهَذَا الشَّرْطُ الرَّابِعُ يُغْنِي عَنْهُ الْأَوَّلُ، وَالْأَوْلَى مَا فِي الْبَحْرِ حَيْثُ جَعَلَ الرَّابِعَ عَدَمَ التَّلَبُّسِ فِي حَالَةِ التَّطْهِيرِ بِمَا يُنْقِصُهُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ بِذَلِكَ. [تَنْبِيهٌ] جَمْعُ الشُّرُوطِ الْأُوَلِ تَرْجِعُ إلَى سِتَّةٍ: وَهِيَ الْإِسْلَامُ، وَالتَّكْلِيفُ، وَقُدْرَةُ اسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ وَوُجُودُ حَدَثٍ، وَفَقْدُ الْمُنَافِي مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، وَضِيقِ الْوَقْتِ، وَالْأَخِيرَةُ تَرْجِعُ إلَى اثْنَيْنِ: تَعْمِيمُ الْمَحَلِّ بِالْمُطَهِّرِ، وَفَقْدُ الْمُنَافِي مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَحَدَثٍ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ بِهِ، وَقَدْ نَظَمْتهَا بِقَوْلِي: شَرْطُ الْوُجُوبِ جَاءَ ضِمْنَ سِتٍّ ... تَكْلِيفٌ إسْلَامٌ وَضِيقُ وَقْتٍ وَقُدْرَةُ الْمَاءِ الطَّهُورِ الْكَافِي ... وَحَدَثٌ مَعَ انْتِفَا الْمُنَافِي وَاثْنَانِ لِلصِّحَّةِ تَعْمِيمُ الْمَحَلْ ... بِالْمَاءِ مَعَ فَقْدِ مُنَافٍ لِلْعَمَلْ. (قَوْلُهُ: وَجَعَلَهَا) أَيْ هَذِهِ الشُّرُوطَ. وَقَدْ نَقَلَ هَذَا التَّقْسِيمَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ عَنْ شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِلْآمِدِيِّ. (قَوْلُهُ: أَرْبَعَةً) أَيْ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ، فَفِي الْأَوَّلِ وَكَذَا ثَلَاثَةٌ وَكَذَا الثَّانِي، وَفِي الثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ، وَفِي الرَّابِعِ اثْنَانِ. (قَوْلُهُ: وُجُودُهَا الْحِسِّيُّ) أَيْ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ الطَّهَارَةُ مَوْجُودَةً فِي الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ: أَيْ يَصِيرُ فِعْلُهَا مَوْجُودًا، وَإِلَّا فَهِيَ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ الضَّمِيرُ فِي وُجُودِهَا لِلشُّرُوطِ حَتَّى يَرِدَ أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا وُجُودَ لَهَا فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وُجُودُ الْمُزِيلِ) أَيْ الْمَاءِ أَوْ التُّرَابِ. (قَوْلُهُ: وَالْمُزَالِ عَنْهُ) أَيْ الْأَعْضَاءِ. (قَوْلُهُ: مَشْرُوعُ الِاسْتِعْمَالِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُطْلَقًا وَطَاهِرًا وَمُطَهِّرًا. (قَوْلُهُ: فِي مِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ الْمَشْرُوطِ، وَلَوْ قَالَ مَشْرُوعُ الِاسْتِعْمَالِ فِيهَا أَيْ الطَّهَارَةِ لَكَانَ أَوْلَى، وَخَرَجَ بِهِ نَحْوُ الزَّيْتِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعُ الِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ فِي الدُّهْنِ مَثَلًا ط. أَقُولُ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ الْأَوْلَى. (قَوْلُهُ: التَّكْلِيفُ) تَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ، بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْمَشْهُورِ. (قَوْلُهُ: وَالْحَدَثُ) أَيْ الْأَصْغَرُ أَوْ الْأَكْبَرُ. (قَوْلُهُ: مِنْ أَهْلِهِ) بِأَنْ لَا تَكُونَ حَائِضًا وَلَا نُفَسَاءَ، وَهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي النَّظْمِ الْآتِي. (قَوْلُهُ: فِي مَحَلِّهِ) وَهُوَ جَمِيعُ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ وَالْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْوُضُوءِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا أَيْضًا مِنْ شُرُوطِ الْوُجُودِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تَعْمِيمَ الْبَشَرَةِ. (قَوْلُهُ: مَعَ فَقْدِ مَانِعِهِ) بِأَنْ لَا يَحْصُلَ نَاقِصٌ فِي خِلَالِ الطَّهَارَةِ لِغَيْرِ مَعْذُورٍ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَنَظَمَهَا) عَطْفٌ عَلَى جَعَلَهَا، وَهَذَا النَّظْمُ مِنْ بَحْرِ الطَّوِيلِ، وَفِيهِ مِنْ عُيُوبِ الْقَوَافِي التَّحْرِيدُ

стр. 83

نَعْلَمُ شُرُوطًا لِلْوُضُوءِ مُهِمَّةً ... مُقَسَّمَةً فِي أَرْبَعٍ وَثَمَانِ فَشَرْطُ وُجُودِ الْحِسِّ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ ... سَلَامَةُ أَعْضَاءٍ وَقُدْرَةُ إمْكَانٍ لِمُسْتَعْمِلِ الْمَاءِ الْقَرَاحِ وَهُوَ مَعًا ... وَشَرْطُ وُجُودِ الشَّرْعِ خُذْهَا بِإِمْعَانِ فَمُطْلَقُ مَاءٍ مَعَ طَهَارَتِهِ وَمَعْ ... طَهُورِيَّةٍ أَيْضًا فَفُزْ بِبَيَانِ وَشَرْطُ وُجُوبٍ وَهُوَ إسْلَامُ بَالِغٍ ... مَعَ الْحَدَثِ التَّمْيِيزِ بِالْعَقْلِ يَاعَانِي وَشَرْطٌ لِتَصْحِيحِ الْوُضُوءِ زَوَالُ مَا ... يُبَعِّدُ إيصَالَ الْمِيَاهِ مِنْ إدران كَشَمْعٍ وَرَمْصٍ ثُمَّ لَمْ يَتَخَلَّلْ ... الْوُضُوءُ مُنَافٍ يَا عَظِيمَ ذَوِي الشَّانِ وَزِيدَ عَلَى هَذَيْنِ أَيْضًا تَقَاطُرٌ ... مَعَ الْغَسَلَاتِ لَيْسَ هَذَا لَدَى الثَّانِي ــ [رد المحتار] بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَضْرُبِ، فَإِنَّ ضَرْبَ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَالْبَيْتِ الرَّابِعِ مَحْذُوفٌ وَزْنُهُ فَعُولُنْ، وَبَاقِي الْأَبْيَاتِ أَضْرُبُهَا تَامَّةٌ وَزْنُهَا مَفَاعِيلُنْ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مُقَسَّمَةٌ فِي عَشْرَةٍ بَعْدَهَا اثْنَانِ وَفِي الْبَيْتِ الرَّابِعِ طَهُورِيَّةٌ أَيْضًا فَخُذْهَا بِإِذْعَانِ. (قَوْلُهُ: تَعَلَّمْ) فِعْلُ أَمْرٍ. (قَوْلُهُ: لِلْوُضُوءِ) وَمِثْلُهُ الْغُسْلُ. (قَوْلُهُ: سَلَامَةُ أَعْضَاءٍ) إشَارَةٌ إلَى الْمُزَالِ عَنْهُ. اهـ. ح أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى مَوْصُوفِهَا أَيْ أَعْضَاءٌ سَالِمَةٌ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: وَقُدْرَةُ إمْكَانٍ) أَيْ تَمَكُّنٌ مِنْ الْإِزَالَةِ. (قَوْلُهُ: لِمُسْتَعْمِلِ) صِفَةُ قُدْرَةٍ أَوْ إمْكَانٍ. (قَوْلُهُ: الْقَرَاحِ) كَسَحَابٍ أَيْ الْخَالِصِ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ بَعْدَهَا لِلضَّرُورَةِ رَاجِعٌ لِلْمَاءِ. (قَوْلُهُ: مَعًا) ظَرْفٌ مَنْصُوبٌ لِقَطْعِهِ عَنْ الْإِضَافَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ هُوَ أَصْلُهُ مَعَهُمَا، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى انْضِمَامِهِ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْمَاءَ عَلَى كَوْنِهِ مُضَافًا إلَيْهِ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَيْسَ قِسْمًا بِرَأْسِهِ وَأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ الْمُضَافِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِوُجُودِ الْمُزِيلِ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: وَشَرْطَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ لِخُذْ مَحْذُوفًا فَسَّرَهُ قَوْلُهُ الْآتِي خُذْهَا: أَيْ الشُّرُوطَ الْمَفْهُومَةَ مِنْ عُمُومِ الْمَصْدَرِ الْمُضَافِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُ قَوْلُهُ خُذْهَا أَوْ قَوْلُهُ فَمُطْلَقٌ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ بِالْجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ أَوْ اقْتِرَانِ الْخَبَرِ بِالْفَاءِ. (قَوْلُهُ: بِإِمْعَانِ) أَيْ بِتَأَمُّلٍ وَإِتْقَانٍ ط. (قَوْلُهُ: مُطْلَقُ مَاءٍ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَهُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وَالْمُرَادُ كَوْنُ الْمَاءِ مُطْلَقًا، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ ط أَنَّ الشَّرْطَ مُغْنٍ عَنْ الطَّهَارَةِ وَالطَّهُورِيَّةِ أَيْ لِأَنَّ غَيْرَ الطَّاهِرِ وَغَيْرَ الْمُطَهِّرِ غَيْرُ مُطْلَقٍ. (قَوْلُهُ: مَعْ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ ط. (قَوْلُهُ: وَشَرْطَ) بِالنَّصْبِ أَيْضًا لَا غَيْرُ عَطْفٌ عَلَى " شَرْطَ " الْمَنْصُوبِ أَيْ وَخُذْ شَرْطَ وُجُوبِ إلَخْ إذْ لَيْسَ بَعْدَهُ مَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ بِهِ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: بَالِغٍ) بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ شَرْطٌ ثَانٍ، وَالشَّرْطُ الْبُلُوغُ ط أَيْ لَا ذَاتُ الْبَالِغِ. (قَوْلُهُ: التَّمْيِيزُ) بِحَذْفِ الْعَاطِفِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى " إسْلَامُ " فَيَكُونُ مَرْفُوعًا، أَوْ عَلَى الْحَدَثِ فَيَكُونُ مَجْرُورًا ط. (قَوْلُهُ: يَا عَانِي) أَيْ يَا قَاصِدَ الْفَوَائِدِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالْأَسِيرِ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: شَرْطٌ) مُبْتَدَأٌ وَزَوَالٌ خَبَرُهُ ط. (قَوْلُهُ: يُبَعِّدُ) بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ. (قَوْلُهُ: مِنْ أَدْرَانِ) بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إلَى النُّونِ، وَهُوَ بَيَانٌ لِمَا وَالدَّرَنُ الْوَسَخُ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: كَشَمْعٍ) بِسُكُونِ الْمِيمِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَأَنْكَرَهَا الْفَرَّاءُ فَقَالَ: الْفَتْحُ كَلَامُ الْعَرَبِ وَالْمُوَلِّدُونَ يُسَكِّنُونَهَا، لَكِنْ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَقَدْ تُفْتَحُ الْمِيمُ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ فَأَفْهَمَ أَنَّ الْإِسْكَانَ أَكْثَرُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَرَمَصٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ وَبِالصَّادِ: وَسَخٌ يَجْتَمِعُ فِي الْمُوقِ مِمَّا يَلِي الْأَنْفَ وَسَكَنَتْ الْمِيمُ لِضَرُورَةِ النَّظْمِ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: لَمْ يَتَخَلَّلْ الْوُضُوءُ) اللَّامُ مِنْ الْوُضُوءِ آخِرُ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ وَالْوَاوُ مِنْهُ أَوَّلُ الشَّطْرِ الثَّانِي. (قَوْلُهُ: مُنَافٍ) كَخُرُوجِ رِيحٍ وَدَمٍ ط أَيْ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ بِذَلِكَ. (قَوْلُهُ: يَا عَظِيمَ ذَوِي الشَّانِ) أَيْ الْعِظَمِ: أَيْ يَا عَظِيمُهُمْ، وَفِي نُسْخَةٍ ذِي وَلَيْسَتْ بِصَوَابٍ لِاخْتِلَالِ النَّظْمِ ط: أَقُولُ: وَاَلَّذِي رَأَيْته مِنْ النُّسَخِ: يَا عَظِيمَ الشَّانِ وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وَزِيدَ عَلَى هَذَيْنِ) أَيْ شَرْطَيْ الصِّحَّةِ ط. (قَوْلُهُ: تَقَاطُرٌ) وَأَقَلُّهُ قَطْرَتَانِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: مَعَ الْغَسَلَاتِ) أَيْ الْمَفْرُوضَةِ، وَأَخْرَجَ بِهَا الْمَسْحَ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَقَاطُرٌ. (قَوْلُهُ: لَيْسَ هَذَا إلَخْ) أَيْ

стр. 84

وَصِفَتُهَا فَرْضٌ لِلصَّلَاةِ وَوَاجِبٌ لِلطَّوَافِ، قِيلَ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُطَهَّرِينَ الْمَلَائِكَةُ، وَسُنَّةٌ لِلنَّوْمِ، وَمَنْدُوبٌ فِي نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا ذَكَرْتهَا فِي الْخَزَائِنِ: مِنْهَا بَعْدَ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ وَقَهْقَهَةٍ وَشِعْرٍ وَأَكْلِ جَزُورٍ ــ [رد المحتار] لَيْسَ هَذَا الشَّرْطُ وَهُوَ التَّقَاطُرُ بِمُشْتَرَطٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ ﵁ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ ط. [تَنْبِيهٌ] يُزَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَقْدُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ كَمَا مَرَّ، وَهُوَ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُودِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا، وَكَذَا مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ شُرُوطَ الْوُجُودِ الشَّرْعِيِّ شُرُوطٌ لِلصِّحَّةِ وَبِالْعَكْسِ، إذْ لَا فَرْقَ يَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: وَصِفَتُهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ. (قَوْلُهُ: فَرْضٌ) أَيْ قَطْعِيٌّ ط. (قَوْلُهُ: لِلصَّلَاةِ) فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا ط. (قَوْلُهُ: وَوَاجِبٌ) الْأَوْلَى وَاجِبَةٌ. (قَوْلُهُ: لِلْقَوْلِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّهُ قِيلَ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ لَا فَرْضٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، فَلَمْ تَكُنْ قَطْعِيَّةَ الدَّلَالَةِ حَتَّى تُثْبِتَ الْفَرْضِيَّةَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى - ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]- قِيلَ إنَّهُ صِفَةٌ لِكِتَابٍ مَكْنُونٍ وَهُوَ اللَّوْحُ، وَقِيلَ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ كَرِيمٍ وَهُوَ الْمُصْحَفُ. فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُرَادُ مِنْ الْمُطَهَّرِينَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مُطَهَّرُونَ عَنْ أَدْنَاسِ الذُّنُوبِ: أَيْ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُمْ. وَعَلَى الثَّانِي الْمُرَادُ مِنْهُمْ النَّاسُ الْمُطَهَّرُونَ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِيهِ حَمْلَ الْمَسِّ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَاحْتِمَالُ غَيْرِهَا بِلَا دَلِيلٍ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ؛ إذْ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ دَلِيلٌ بِلَا احْتِمَالٍ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْقَطْعِيَّةَ، فَلِذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى اخْتِيَارِ الْقَوْلِ بِالْفَرْضِيَّةِ وَقَوَّاهُ الْمُحَشِّي الْحَلَبِيُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّ الْفَرْضَ مَا قُطِعَ بِلُزُومِهِ حَتَّى يَكْفُرَ جَاحِدُهُ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ الْوُضُوءَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ لَا يَكْفُرُ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ مِنْ الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ، وَهُوَ أَقْوَى نَوْعَيْ الْوَاجِبِ وَأَضْعَفُ نَوْعَيْ الْفَرْضِ، فَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (قَوْلُهُ: وَسُنَّةٌ لِلنَّوْمِ) كَذَا فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى، لَكِنْ عَدَّهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَجَعَلَ الْأَنْوَاعَ ثَلَاثَةً فَلْيُحْفَظْ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. (قَوْلُهُ: فِي نَيِّفٍ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: النَّيِّفُ بِوَزْنِ الْهَيِّنِ الزِّيَادَةُ يُخَفَّفُ وَيُشَدَّدُ، وَيُقَالُ عَشَرَةٌ وَنَيِّفٌ وَمِائَةٌ وَنَيِّفٌ، وَكُلُّ مَا زَادَ عَلَى الْعَقْدِ فَهُوَ نَيِّفٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَقْدَ الثَّانِيَ اهـ ط. (قَوْلُهُ: ذَكَرْتهَا فِي الْخَزَائِنِ) ذَكَرَهَا فِي مَكْرُوهَاتِ الْوُضُوءِ، فَمِنْهَا عِنْدَ اسْتِيقَاظٍ مِنْ نَوْمٍ، وَلِمُدَاوَمَةٍ عَلَيْهِ، وَلِلْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ إذَا تَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ، وَغُسْلُ مَيِّتٍ وَحَمْلُهُ، وَلِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَقَبْلَ غُسْلِ جَنَابَةٍ، وَلِجُنُبٍ عِنْدَ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَوْمٍ وَوَطْءٍ، وَلِغَضَبٍ وَقِرَاءَةٍ وَحَدِيثٍ وَرِوَايَتِهِ، وَدِرَاسَةِ عِلْمٍ، وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَلِخُطْبَةٍ وَلَوْ نِكَاحًا، وَزِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَوُقُوفٍ وَسَعْيٍ شُرُنْبُلَالِيٌّ، وَمَسِّ كُتُبٍ شَرْعِيَّةٍ تَعْظِيمًا لَهَا إمْدَادٌ وَسَيَجِيءُ، وَنَظَرٍ لِمَحَاسِنِ امْرَأَةٍ نَهْرٌ، وَلِمُطْلَقِ الذِّكْرِ كَمَا يَأْتِي قُبَيْلَ الْمِيَاهِ، وَفِي ابْتِدَاءِ الْغُسْلِ كَمَا يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ وَلِكُلِّ صَلَاةٍ لَوْ مُتَوَضِّئًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اغْتَابَ أَوْ كَذَبَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَيَمَّمَ وَنَوَى بِهِ رَفْعَ الْإِثْمِ فَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ، فَهِيَ مَعَ السَّبْعَةِ الَّتِي هِيَ هُنَا نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ كَمَا ذَكَرَهُ أَفَادَهُ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. (قَوْلُهُ: بَعْدَ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ) لِأَنَّهُمَا مِنْ النَّجَاسَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ؛ وَلِذَا يَخْرُجُ مِنْ الْكَاذِبِ نَتِنٌ يَتَبَاعَدُ مِنْهُ الْمَلِكُ الْحَافِظُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَكَذَا أَخْبَرَهُ ﷺ عَنْ رِيحٍ مُنْتِنَةٍ بِأَنَّهَا رِيحُ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ النَّاسَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَلِإِلْفِ ذَلِكَ مِنَّا وَامْتِلَاءِ أُنُوفِنَا مِنْهَا لَا تَظْهَرُ لَنَا كَالسَّاكِنِ فِي مَحَلَّةِ الدَّبَّاغِينَ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ الْكَلَامُ عَلَى الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَمَا يُرَخَّصُ مِنْهُمَا. (قَوْلُهُ: وَقَهْقَهَةٍ) لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ جِنَايَةٌ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَوْجَبَتْ نُقْصَانَ الطَّهَارَةِ خَارِجَهَا فَكَانَ الْوُضُوءُ مِنْهَا مُسْتَحَبًّا كَمَا ذَكَرَهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ فِي نِهَايَةِ الْمُرَادِ عَلَى هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ. (قَوْلُهُ: وَشِعْرٍ) أَيْ قَبِيحٍ إمْدَادٌ وَقَدَّمْنَا بَيَانَ الْقَبِيحِ مِنْهُ وَغَيْرَ الْقَبِيحِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَمَنْ أَرَادَ مِنْ بَيَانِهِ نِهَايَةَ الْمُرَادِ فَعَلَيْهِ بِنِهَايَةِ الْمُرَادِ. (قَوْلُهُ: وَأَكْلِ جَزُورٍ) أَيْ أَكْلِ لَحْمِ جَزُورٍ: أَيْ جَمَلٍ، لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِوُجُوبِ

стр. 85

وَبَعْدَ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ. وَرُكْنُهَا: غَسْلٌ وَمَسْحٌ وَزَوَالُ نَجَسٍ. وَآلَتُهَا: مَاءٌ وَتُرَابٌ وَنَحْوُهُمَا. وَدَلِيلُهَا آيَةُ - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]- وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ إجْمَاعًا. وَأَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ الْوُضُوءَ وَالْغَسْلَ فُرِضَا بِمَكَّةَ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ ﵇، وَأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ إلَّا بِوُضُوءٍ، بَلْ هُوَ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا، بِدَلِيلِ «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ ــ [رد المحتار] الْوُضُوءِ مِنْهُ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: وَبَعْدَ كُلِّ خَطِيئَةٍ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِمَّا هُوَ خَطِيئَةٌ وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ تَكْفِيرِ الْوُضُوءِ لِلذُّنُوبِ. (قَوْلُهُ: وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ) كَمَسِّ ذَكَرِهِ وَمَسِّ امْرَأَةٍ. (قَوْلُهُ: وَرُكْنُهَا) هُوَ فِي اللُّغَةِ الْجَانِبُ الْأَقْوَى. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْجَزَاءُ الذَّاتِيُّ الَّذِي تَتَرَكَّبُ الْمَاهِيَّةُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ. (قَوْلُهُ: غُسْلٌ وَمَسْحٌ وَزَوَالُ نَجَسٍ) أَيْ مَجْمُوعُ الثَّلَاثَةِ، فَفِي النَّجَاسَةِ الْمَرْئِيَّةِ زَوَالُ عَيْنِ النَّجَسِ، وَفِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ وَالْحَدَثِ الْأَكْبَرِ غُسْلٌ فَقَطْ، وَفِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ غُسْلٌ وَمَسْحٌ، وَأَمَّا نَحْوُ الْعَصْرِ وَالتَّثْلِيثِ فَمِنْ الشُّرُوطِ. (قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُمَا) مِنْ مَائِعٍ وَذَلِكَ وَذَكَاةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي فِي الْمُطَهَّرَاتِ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ) لِأَنَّهَا مِنْ الْمَائِدَةِ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا. [فَائِدَةٌ] الْمَدَنِيُّ مَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَالْمَكِّيُّ مَا نَزَلَ قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ حَكَاهَا السُّيُوطِيّ فِي الْإِتْقَانِ ط. (قَوْلُهُ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ) جَمْعُ سِيرَةٍ أَيْ الْمَغَازِي، وَهَذَا رَدٌّ لِمَا يُقَالُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ بِلَا وُضُوءٍ إلَى وَقْتِ نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّك ذَكَرْت أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ مَدَنِيَّةٌ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، بَلْ فِي الْمَوَاهِبِ عَنْ فَتْحِ الْبَارِي أَنَّهُ كَانَ ﷺ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ يُصَلِّي قَطْعًا وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ اُفْتُرِضَ قَبْلَ الْخَمْسِ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ إنَّ الْفَرْضَ كَانَ صَلَاةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا - ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]-. اهـ. (قَوْلُهُ: مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ) إنْ أُرِيدَ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ أَشْكَلَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَهَا قَطْعًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعِيَّةَ لِلْمَكَانِ لَا لِلزَّمَانِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ قَبْلَ الِافْتِرَاضِ بِلَا وُضُوءٍ؛ وَلِذَا عَمَّمَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ وَأَنَّهُ ﵊ إلَخْ. مَطْلَبٌ فِي تَعَبُّدِهِ ﵊ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ. (قَوْلُهُ: بَلْ هُوَ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا) انْتِقَالٌ إلَى جَوَابٍ آخَرَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ أَنَّهُ ﵊ قَبْلَ مَبْعَثِهِ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ لَمْ يَنْقَطِعْ مِنْ بَعْثَةِ آدَمَ وَلَمْ يُتْرَكْ النَّاسُ سُدًى قَطُّ، وَلِتَظَافُرِ رِوَايَاتِ صَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ وَحَجِّهِ، وَلَا تَكُونُ طَاعَةٌ بِلَا شَرْعٍ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ وَكَذَا بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﵊، وَبُسِطَ ذَلِكَ فِي التَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ، وَسَيَأْتِي أَوَّلَ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا عَدَمُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. (قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ إلَخْ) أَيْ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ وَفِي آخِرِهِ «ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ هَذَا وُضُوئِي» إلَخْ ". مَطْلَبُ لَيْسَ أَصْلُ الْوُضُوءِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، بَلْ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ وَدُفِعَ بِأَنَّ وُجُودَهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ فِي أُمَمِهِمْ؛ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَقِيَّةِ الْأُمَمِ دُونَ أَنْبِيَائِهِمْ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» .

стр. 86

قَبْلِي» وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إذَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَلَمْ يَظْهَرْ نَسْخُهُ فَفَائِدَةُ نُزُولِ الْآيَةِ تَقْرِيرُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ، وَتَأَتِّي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ الَّذِي هُوَ رَحْمَةٌ. كَيْفَ وَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ حُكْمًا مَبْسُوطٍ فِي تَيَمُّمِ الضِّيَاءِ عَنْ فَوَائِدِ الْهِدَايَةِ، وَعَلَى ثَمَانِيَةِ أُمُورٍ كُلُّهَا مُثَنَّى طَهَارَتَيْنِ: الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَمُطَهِّرَيْنِ: الْمَاءُ وَالصَّعِيدُ، وَحُكْمَيْنِ: الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ، وَمُوجِبَيْنِ: الْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ، وَمُبِيحَيْنِ: الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ وَدَلِيلَيْنِ: التَّفْصِيلِيُّ فِي الْوُضُوءِ وَالْإِجْمَالِيُّ فِي الْغُسْلِ، ــ [رد المحتار] وَأُجِيبَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّ الْخَاصَّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ لَا أَصْلُ الْوُضُوءِ، وَبِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا ثَبَتَ لِلْأَنْبِيَاءِ يَثْبُتُ لِأُمَمِهِمْ، يُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ قِصَّةِ سَارَةَ مَعَ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِالدُّنُوِّ مِنْهَا قَامَتْ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، وَمِنْ قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ أَنَّهُ قَامَ فَتَوَضَّأَ، قِيلَ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ. أَقُولُ: حَيْثُ ثَبَتَ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ لِلْأَنْبِيَاءِ بِحَدِيثِ هَذَا وُضُوئِي إلَخْ، فَحَمْلُ الْوُضُوءِ الثَّابِتِ لِأُمَمِهِمْ بِالْقِصَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ عَلَى اللُّغَوِيِّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفَرْقِ. (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى بَقَائِهِ، أَمَّا لَوْ نَصَّ عَلَيْنَا مُقْتَرِنًا بِالْإِنْكَارِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]- الْآيَةَ فَإِنَّهُ أَنْكَرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥]- الْآيَةَ وَكَتَحْرِيمِ السَّبْتِ، أَوْ ظَهَرَ نَسْخُهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ كَالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَا يَكُونُ شَرْعًا لَنَا، بِخِلَافِ نَحْوِ - ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة: ٤٥]- وَنَحْوُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ. (قَوْلُهُ: فَفَائِدَةُ نُزُولِ الْآيَةِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا كَانَ الْوُضُوءُ فُرِضَ بِمَكَّةَ مَعَ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ أَيْضًا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا فَقَدْ ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهُ فَمَا فَائِدَةُ نُزُولِ آيَةِ الْمَائِدَةِ؟ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: تَقْرِيرُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ) أَيْ تَثْبِيتُهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً بَلْ تَابِعًا لِلصَّلَاةِ احْتَمَلَ أَنْ لَا تَهْتَمَّ الْأُمَّةُ بِشَأْنِهِ، وَأَنْ يَتَسَاهَلُوا فِي شَرَائِطِهِ وَأَرْكَانِهِ بِطُولِ الْعَهْدِ عَنْ زَمَنِ الْوَحْيِ وَانْتِقَاصِ النَّاقِلِينَ يَوْمًا فَيَوْمًا، بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ الْمُتَوَاتِرِ الْبَاقِي فِي كُلِّ زَمَانٍ وَعَلَى كُلِّ لِسَانٍ. اهـ. دُرَرٌ. (قَوْلُهُ: وَتَأَتِّي) مَصْدَرُ تَأَتَّيْ مَعْطُوفٌ عَلَى " تَقْرِيرُ ". (قَوْلُهُ: اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ) أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي النِّيَّةِ وَالدَّلْكِ وَالتَّرْتِيبِ وَنَقْضِهِ بِالْمَسِّ وَقَدْرِ الْمَمْسُوحِ. (قَوْلُهُ: عَلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ حُكْمًا) مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ إرَادَتُهُ وَاقْتِضَاءُ اللَّفْظِ إيجَابَ الْغُسْلِ عَقِبَهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْكَمٌ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِسَالَةُ دُونَ الْمَسْحِ بِلَا اشْتِرَاطِ الدَّلْكِ وَلَا النِّيَّةِ وَلَا التَّرْتِيبِ وَلَا الْوَلَاءِ، وَجَوَازُ مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى بُطْلَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، وَعَلَى جَوَازِ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ، وَعَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَعَلَى تَعْمِيمِ الْبَدَنِ فِي الْغُسْلِ، وَعَلَى وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِيهِ، وَعَلَى وُجُوبِ التَّيَمُّمِ لِمَرِيضٍ خَافَ الضَّرَرَ وَعَلَى جَوَازِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَعَلَى جَوَازِهِ لِخَائِفِ سَبُعٍ وَعَدُوٍّ، وَعَلَى جَوَازِهِ لِلْجُنُبِ، وَعَلَى أَنَّ نَاسِيَ الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِهِ، وَعَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ خِلَالَ الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ، وَعَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ نَبِيذِ التَّمْرِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ شَرْحِ ابْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. قَالَ: وَإِنَّمَا اقْتَصَرْنَا عَلَى ذَلِكَ لِاسْتِبْعَادِ بَعْضِهَا وَتَقَارُبِ بَعْضِهَا الْبَعْضَ. (قَوْلُهُ: كُلُّهَا) أَيْ الثَّمَانِيَةُ أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فِيهِ شَيْئَانِ فَالْجُمْلَةُ سِتَّةَ عَشَرَ ط. (قَوْلُهُ: طَهَارَتَيْنِ) تَثْنِيَةُ طَهَارَةٍ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ ط. (قَوْلُهُ: الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]- وَقَوْلُهُ - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]-. (قَوْلُهُ: الْمَاءُ وَالصَّعِيدُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ - ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]- لِأَنَّ الْغَسْلَ بِالْمَاءِ، وَقَوْلُهُ - ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦]-. (قَوْلُهُ: وَحُكْمَيْنِ) تَثْنِيَةُ حُكْمٍ بِمَعْنَى مَحْكُومٍ بِهِ: أَيْ مَأْمُورٍ بِهِ ط. (قَوْلُهُ: وَمُوجِبَيْنِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ فَإِنَّهُمَا مُوجِبَانِ لِلطَّهَارَةِ ط أَيْ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَدَثَ هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ: الْحَدَثُ) أَيْ الْأَصْغَرُ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]- وَالْجَنَابَةُ: أَيْ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦]-. (قَوْلُهُ: وَمُبِيحَيْنِ) أَيْ لِلتَّرَخُّصِ بِالتَّيَمُّمِ. (قَوْلُهُ: الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]-. (قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَالِيُّ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى

стр. 87

وَكِنَايَتَيْنِ: الْغَائِطُ وَالْمُلَامَسَةُ، وَكَرَامَتَيْنِ: تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ وَإِتْمَامُ النِّعْمَةِ أَيْ بِمَوْتِهِ شَهِيدًا، لِحَدِيثِ «مَنْ دَاوَمَ عَلَى الْوُضُوءِ مَاتَ شَهِيدًا» ذَكَرَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ. وَإِنَّمَا قَالَ آمَنُوا بِالْغَيْبَةِ دُونَ آمَنْتُمْ لِيَعُمَّ كُلَّ مَنْ آمَنَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَهُ فِي الضِّيَاءِ، وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ فِي الْآيَةِ الْتِفَاتًا، وَالتَّحْقِيقُ خِلَافُهُ. وَأَتَى فِي الْوُضُوءِ بِإِذَا التَّحْقِيقِيَّةِ، وَفِي الْجَنَابَةِ بِإِنْ التَّشَكُّكِيَّةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ ــ [رد المحتار] ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]- فَإِنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ فِيهِ مِقْدَارَ الْمَغْسُولِ كَمَا فَصَّلَ فِي الْوُضُوءِ؛ وَلِذَا وَقَعَ فِي مِقْدَارِهِ اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ. (قَوْلُهُ: وَكِنَايَتَيْنِ) تَثْنِيَةُ كِنَايَةٍ، وَمِنْ مَعَانِيهَا لُغَةً أَنْ تَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وَأَنْتَ تُرِيدَ غَيْرَهُ وَهُنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ عَبَّرَ بِالْغَائِطِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ وَأُرِيدَ بِهِ الْخَارِجُ مِنْ الْإِنْسَانِ، وَعَبَّرَ بِالْمُلَامَسَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْمَسِّ بِالْيَدِ وَأُرِيدَ بِهَا الْجِمَاعُ وَمِنْهُ يُقَالُ لِلزَّانِيَةِ لَا تَمْنَعُ كَفَّ لَامِسٍ. (قَوْلُهُ: وَكَرَامَتَيْنِ إلَخْ) أَيْ نِعْمَتَيْنِ تَفَضَّلَ بِهِمَا تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِقَوْلِهِ - ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]-. (قَوْلُهُ: تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ) لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَالِكٌ مَرْفُوعًا «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» . (قَوْلُهُ: أَيْ بِمَوْتِهِ شَهِيدًا) أَقُولُ أَوْ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَارِّ. (قَوْلُهُ: لِيَعُمَّ إلَخْ) أَيْ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ آمَنْتُمْ لَاخْتَصَّ بِالْحَاضِرِينَ فِي عَصْرِهِ ﷺ . وَرَدَّهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ يَتَعَمَّمُ. (قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ إلَخْ) لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْأَصْلَ التَّعْبِيرُ بِآمَنْتُمْ. (قَوْلُهُ: الْتِفَاتًا) هُوَ التَّعْبِيرُ عَنْ مَعْنًى بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ: أَعْنِي التَّكَلُّمَ، أَوْ الْخِطَابَ، أَوْ الْغَيْبَةَ بَعْدَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِآخَرَ مِنْهَا، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ الثَّانِي عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ وَيَتَرَقَّبُهُ السَّامِعُ. (قَوْلُهُ: وَالتَّحْقِيقُ خِلَافُهُ) لِأَنَّ الْمُنَادَى مُخَاطَبٌ، فَحَقُّ ضَمِيرِهِ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى طَرِيقِ الْخِطَابِ، فَيُقَالُ يَا فُلَانُ إذَا فَعَلْت وَلَا يُقَالُ إذَا فَعَلَ، وَإِنَّمَا جِيءَ فِي الصِّلَةِ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ لِعَوْدِهِ عَلَى الْمَوْصُولِ وَالْمَوْصُولُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الظَّاهِرَةِ وَكُلُّهَا غَيْبٌ، فَإِذَا تَمَّ الْمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ الْعَائِدُ ضَمِيرُهَا عَلَيْهِ تَمَحَّضَ الْكَلَامُ لِلْخِطَابِ الَّذِي اقْتَضَاهُ النِّدَاءُ، فَلَيْسَ حِينَئِذٍ فِي الْكَلَامِ عُدُولٌ عَنْ طَرِيقٍ إلَى آخَرَ؛ وَلِذَا كَانَ جَمِيعُ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَمْثَالِ هَذَا النِّدَاءِ لَمْ يَجِئْ إلَّا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَدَعْوَى الْعُدُولِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لَا تُسْمَعُ نَعَمْ الْعَائِدُ إلَى الْمَوْصُولِ قَدْ سُمِعَ فِيهِ الْخِطَابُ وَالتَّكَلُّمُ قَلِيلًا فِي غَيْرِ النِّدَاءِ كَمَا فِي قَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهُ وَقَوْلِ كُثَيِّرٌ: وَأَنْتِ الَّتِي حَبَّبْت كُلَّ قَصِيرَةٍ ... إلَيَّ وَمَا تَدْرِي بِذَاكَ الْقَصَائِرُ فَهُوَ مِنْ الِالْتِفَاتِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْخُطْبَةِ، وَقَدَّمْنَاهُ هُنَاكَ أَيْضًا عَنْ الْمُغْنِي أَنَّ الْقَوْلَ بِالِالْتِفَاتِ فِي الْآيَةِ سَهْوٌ وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْمَعَانِي. (قَوْلُهُ: التَّحْقِيقِيَّةِ) أَيْ الدَّالَّةِ عَلَى تَحَقُّقِ مَدْخُولِهَا غَالِبًا، وَقَوْلُهُ: التَّشْكِيكِيَّةِ: أَيْ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ غَالِبًا، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَكَانَ الْأُخْرَى كَمَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ. [لَطِيفَةٌ] إنْ لِلشَّكِّ مَعَ أَنَّهَا جَازِمَةٌ وَإِذَا لِلْجَزْمِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَجْزِمُ، وَقَدْ أَلْغَزَ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ الزَّمَخْشَرِيّ فَقَالَ: أَنَا إنْ شَكَكْت وَجَدْتُمُونِي جَازِمًا ... وَإِذَا جَزَمْت فَإِنَّنِي لَمْ أَجْزِمْ

стр. 88

مِنْ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ وَالْجَنَابَةَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ، وَصَرَّحَ بِذِكْرِ الْحَدَثِ فِي الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ دُونَ الْوُضُوءِ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ وَفَرْضٌ وَالْحَدَثَ شَرْطٌ لِلثَّانِي لَا لِلْأَوَّلِ، فَيَكُونُ الْغُسْلُ عَلَى الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ عَبَثًا وَالْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ. أَرْكَانُ الْوُضُوءِ أَرْبَعَةٌ عَبَّرَ بِالْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهُ أَفْيَدُ مَعَ سَلَامَتِهِ عَمَّا يُقَالُ إنْ أُرِيدَ بِالْفَرْضِ الْقَطْعِيُّ يُرَدْ تَقْدِيرُ الْمَسْمُوحِ بِالرُّبُعِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْعَمَلِيُّ يُرَدْ الْمَغْسُولُ، وَإِنْ أُجِيبَ عَنْهُ بِمَا لَخَّصْنَاهُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى. ــ [رد المحتار] (قَوْلُهُ: مِنْ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ) أَيْ الْغَالِبَةِ الْوُجُودِ بِالنَّظَرِ إلَى دِيَانَةِ الْمُسْلِمِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَتْقَانِيِّ. (قَوْلُهُ: وَالْجَنَابَةُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ لَا تَقَعَ أَصْلًا ط. (قَوْلُهُ: فِي الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ) أَيْ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦]- وقَوْله تَعَالَى - ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]-. (قَوْلُهُ: لِيُعْلِمَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ إلَخْ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ عَنْ حَدَثٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] إلَخْ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ الْوُجُوبُ فِي الْحَدِيثِ وَالنَّدْبُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْآيَةِ مُرَادٌ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ وَالْغُسْلَ لَا يَكُونَانِ إلَّا فَرْضًا لِلتَّصْرِيحِ بِالْحَدَثِ فِيهِمَا. وَفِيهِ أَنَّ الْغُسْلَ يُنْدَبُ فِي مَوَاضِعَ وَيُسَنُّ فِي أُخَرَ، وَكَذَا يَقُومُ التَّيَمُّمُ مَقَامَ الْوُضُوءِ لِنَحْوِ نَوْمٍ وَدُخُولِ مَسْجِدٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَا فَرْضًا ط لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ لَا يُقَالُ إنَّ الْغُسْلَ سُنَّةٌ لِلْجُمُعَةِ فَيَثْبُتُ التَّنَوُّعُ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُدَّعَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِكُلِّ صَلَاةٍ. أَوْ نَقُولُ: إنَّ اخْتِيَارَ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ. مَطْلَبٌ فِي حَدِيثِ: «الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ» . (قَوْلُهُ: وَالْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ) هَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، رَوَاهُ رَزِينٌ فِي مُسْنَدِهِ. اهـ. جِرَاحِيٌّ، نَعَمْ رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مَرْفُوعًا «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ» يَعْنِي وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُحْدِثِينَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» وَلَمْ يُقَيِّدْ الشَّارِحُ بِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ تَبَعًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ. [أَرْكَانُ الْوُضُوءِ] (قَوْلُهُ: عَبَّرَ بِالْأَرْكَانِ) أَيْ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْفَرَائِضِ كَمَا عَبَّرَ غَيْرُهُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ التَّعْبِيرَ الْمَأْخُوذَ مِنْ عَبَّرَ ط. (قَوْلُهُ: أَفْيَدُ) أَيْ أَكْثَرُ فَائِدَةً: قَالَ فِي الْمِنَحِ: لِأَنَّ الرُّكْنَ أَخَصُّ، وَلِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ مُرَادَ مَنْ عَبَّرَ بِالْفَرْضِ الْأَرْكَانُ. اهـ. (قَوْلُهُ: مَعَ سَلَامَتِهِ إلَخْ) اعْتَرَضَ بِأَنَّ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ فَرْضٌ دَاخِلُ الْمَاهِيَّةِ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْفَرْضِ وَلَازِمُ الْأَعَمِّ لَازِمٌ لِلْأَخَصِّ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ مَفْهُومَ الرُّكْنِ مَا كَانَ جُزْءُ الْمَاهِيَّةِ وَإِنْ لَزِمَ هُنَا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَاهِيَّاتِ الِاعْتِبَارِيَّةِ مَا اعْتَبَرَهُ الْوَاضِعُ عِنْدَ وَضْعِ الِاسْمِ لَهَا، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الرُّكْنِ ثُبُوتُهُ بِقَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ. (قَوْلُهُ: بِالرُّبُعِ) أَيْ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَمِثْلُهُ غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْهَا بِقَطْعِيٍّ وَلِذَا لَمْ يَكْفُرْ الْمُخَالِفُ فِيهَا إجْمَاعًا كَذَا فِي الْحِلْيَةِ. (قَوْلُهُ: يَرِدُ الْمَغْسُولُ) أَيْ مِنْ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ سِوَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، زَادَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى وَإِنْ أُرِيدَا يَلْزَمُ عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ أَوْ إرَادَةُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِمَا لَخَّصْنَاهُ إلَخْ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ.

стр. 89

ثُمَّ الرُّكْنُ مَا يَكُونُ فَرْضًا دَاخِلَ الْمَاهِيَّةِ، وَأَمَّا الشَّرْطُ فَمَا يَكُونُ خَارِجَهَا، فَالْفَرْضُ أَعَمُّ مِنْهُمَا، وَهُوَ مَا قُطِعَ بِلُزُومِهِ حَتَّى يُكَفَّرَ جَاحِدُهُ كَأَصْلَيْ مَسْحِ الرَّأْسِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِيِّ وَهُوَ مَا تَفُوتُ الصِّحَّةُ بِفَوَاتِهِ، كَالْمِقْدَارِ الِاجْتِهَادِيِّ فِي الْفُرُوضِ ــ [رد المحتار] مَطْلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ عُمُومِ الْمَجَازِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي الْأَوَّلِ تُجْعَلُ فَرْدًا مِنْ الْأَفْرَادِ، بِأَنْ يُرَادَ مَعْنًى يَتَحَقَّقُ فِي كِلَا الْأَفْرَادِ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ يُرَادُ بِهَا الْوَضْعُ الْأَصْلِيُّ، وَالْمَجَازَ يُرَادُ بِهِ الْوَضْعُ الثَّانَوِيُّ، فَهُمَا اسْتِعْمَالَانِ مُتَبَايِنَانِ، أَوْ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الْقَطْعِيُّ. وَيُجَابُ عَنْ إيرَادِ الْمَمْسُوحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَصْلُ الْمَسْحِ فِيهِ، وَذَلِكَ قَطْعِيٌّ لِثُبُوتِهِ بِالْكِتَابِ أَوْ الْعَمَلِيِّ: وَيُجَابُ عَنْ إيرَادِ الْمَغْسُولِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْقَدْرُ فِي الْكُلِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ عَمَلِيٌّ، لِخِلَافِ زُفَرَ فِي الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ وَأَبِي يُوسُفَ فِيمَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ ط. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَالْمُخْلَصُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ نَقُولَ: إطْلَاقُ الْفَرْضِ عَلَيْهِمَا حَقِيقَةٌ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ فَيَسْقُطُ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ. اهـ. أَقُولُ: وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي النِّهَايَةِ حَيْثُ أَجَابَ بِأَنَّ الْفَرْضَ عَلَى نَوْعَيْنِ: قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ، وَهُوَ الْفَرْضُ عَلَى زَعْمِ الْمُجْتَهِدِ كَإِيجَابِ الطَّهَارَةِ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ. اهـ. وَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا. (قَوْلُهُ: ثُمَّ الرُّكْنُ) تَرْتِيبٌ إخْبَارِيٌّ ط. (قَوْلُهُ: مَا يَكُونُ فَرْضًا) وَمَعْنَاهُ لُغَةً الْجَانِبُ الْأَقْوَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: دَاخِلَ الْمَاهِيَّةِ) يَعْنِي بِأَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْهَا يَتَوَقَّفُ تَقَوُّمُهَا عَلَيْهِ، وَالْمَاهِيَّةُ مَا بِهِ الشَّيْءُ هُوَ هُوَ، سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْهَا بِمَا هُوَ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الشَّرْطُ) هُوَ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ، وَقَوْلُهُ فَمَا يَكُونُ خَارِجَهَا بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِهِ هُنَا، وَالْمُرَادُ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا وَاسْتِمْرَارُهُ فِيهَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، فَالشَّرْطُ وَالرُّكْنُ مُتَبَايِنَانِ كَذَا فِي الْحِلْيَةِ. مَطْلَبُ قَدْ يُطْلَقُ الْفَرْضُ عَلَى مَا لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ. (قَوْلُهُ: فَالْفَرْضُ أَعَمُّ مِنْهُمَا) وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، كَتَرْتِيبِ مَا شُرِعَ غَيْرَ مُكَرَّرٍ فِي رَكْعَةٍ، كَتَرْتِيبِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَالرُّكُوعِ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَالسُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ، وَالْقَعْدَةِ عَلَى السُّجُودِ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّرَاتِيبَ كُلَّهَا فُرُوضٌ لَيْسَتْ بِأَرْكَانٍ وَلَا شُرُوطٍ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا قُطِعَ بِلُزُومِهِ) مَأْخُوذٌ مِنْ فَرَضَ: بِمَعْنَى قَطَعَ تَحْرِيرٌ، وَيُسَمَّى فَرْضًا عِلْمًا وَعَمَلًا لِلُزُومِ اعْتِقَادِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يُكَفَّرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ: أَيْ يُنْسَبَ إلَى الْكُفْرِ مَنْ أَكْفَرَهُ: إذَا دَعَاهُ كَافِرًا، وَأَمَّا يُكَفِّرُ مِنْ التَّكْفِيرِ فَغَيْرُ ثَابِتٍ هُنَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لُغَةً كَمَا فِي الْمُغْرِبِ، وَالْأَصْلُ حَتَّى يُكَفِّرَ الشَّارِعُ جَاحِدَهُ، سَوَاءٌ أَنْكَرَهُ قَوْلًا أَوْ اعْتِقَادًا كَذَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِابْنِ نُجَيْمٍ فَقَالَ (قَوْلُهُ: كَأَصْلِ مَسْحِ الرَّأْسِ) أَيْ مُجَرَّدًا بِرُبُعٍ أَوْ غَيْرِهِ. مَطْلَبٌ فِي فَرْضِ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُطْلَقُ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ. أَنَّ الْفَرْضَ عَلَى نَوْعَيْنِ: قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ، هُوَ فِي قُوَّةِ الْقَطْعِيِّ فِي الْعَمَلِ بِحَيْثُ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوَاتِهِ، وَالْمِقْدَارُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي. وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ لِكَمَالِهِ. وَالْفَارِقُ بَيْنَ الظَّنِّيِّ الْقَوِيِّ الْمُثْبِتِ لِلْفَرْضِ وَبَيْنَ الظَّنِّيِّ الْمُثْبِتِ لِلْوَاجِبِ اصْطِلَاحًا خُصُوصُ الْمَقَامِ. اهـ.

стр. 90

فَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ: (غَسْلُ الْوَجْهِ) أَيْ إسَالَةُ الْمَاءِ مَعَ التَّقَاطُرِ ــ [رد المحتار] أَقُولُ: بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَنُصُوصِ الْقُرْآنِ الْمُفَسِّرَةِ أَوْ الْمُحْكَمَةِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي مَفْهُومُهَا قَطْعِيٌّ. الثَّانِي قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ كَالْآيَاتِ الْمُؤَوَّلَةِ. الثَّالِثُ عَكْسُهُ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا قَطْعِيٌّ. الرَّابِعُ ظَنِّيُّهُمَا كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا ظَنِّيٌّ، فَبِالْأَوَّلِ يَثْبُتُ الْفَرْضُ وَالْحَرَامُ، وَبِالثَّانِي وَالثَّالِثِ الْوَاجِبُ وَكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، وَبِالرَّابِعِ السُّنَّةُ وَالْمُسْتَحَبُّ. ثُمَّ إنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يَقْوَى عِنْدَهُ الدَّلِيلُ الظَّنِّيُّ حَتَّى يَصِيرَ قَرِيبًا عِنْدَهُ مِنْ الْقَطْعِيِّ، فَمَا ثَبَتَ بِهِ يُسَمِّيهِ فَرْضًا عَمَلِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْفَرْضِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَيُسَمَّى وَاجِبًا نَظَرًا إلَى ظَنِّيَّةِ دَلِيلِهِ، فَهُوَ أَقْوَى نَوْعَيْ الْوَاجِبِ وَأَضْعَفُ نَوْعَيْ الْفَرْضِ، بَلْ قَدْ يَصِلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ عِنْدَهُ إلَى حَدِّ الْقَطْعِيِّ؛ وَلِذَا قَالُوا إنَّهُ إذَا كَانَ مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ جَازَ إثْبَاتُ الرُّكْنِ بِهِ حَتَّى ثَبَتَتْ رُكْنِيَّةُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ بِقَوْلِهِ ﷺ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَفِي التَّلْوِيحِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْفَرْضِ فِيمَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ. وَالْوَاجِبُ فِيمَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ شَائِعٌ مُسْتَفِيضٌ، فَلَفْظُ الْوَاجِبِ يَقَعُ عَلَى مَا هُوَ فَرْضٌ عِلْمًا وَعَمَلًا كَصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَعَلَى ظَنِّيٍّ هُوَ فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ كَالْوِتْرِ حَتَّى يَمْنَعَ تَذَكُّرُهُ صِحَّةَ الْفَجْرِ كَتَذَكُّرِ الْعِشَاءِ، وَعَلَى ظَنِّيٍّ هُوَ دُونَ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ وَفَوْقَ السُّنَّةِ كَتَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى لَا تَفْسُدَ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا لَكِنْ تَجِبُ سَجْدَةُ السَّهْوِ. اهـ. وَتَمَامُ تَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ فِي فَصْلِ الْمَشْرُوعَاتِ مِنْ حَوَاشِينَا عَلَى شَرْحِ الْمَنَارِ فَرَاجِعْهُ فَإِنَّك لَا تَجِدْهُ فِي غَيْرِهَا. (قَوْلُهُ: فَلَا يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ) لِمَا فِي التَّلْوِيحِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَلْزَمُ اعْتِقَادُ حَقِيقَتِهِ لِثُبُوتِهِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وَمَبْنَى الِاعْتِقَادِ عَلَى الْيَقِينِ، لَكِنْ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ لِلدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الظَّنِّ، فَجَاحِدُهُ لَا يُكَفَّرُ، وَتَارِكُ الْعَمَلِ بِهِ إنْ كَانَ مُؤَوِّلًا لَا يُفَسَّقُ وَلَا يُضَلَّلُ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ فِي مَظَانِّهِ مِنْ سِيرَةِ السَّلَفِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ مُسْتَخِفًّا يُضَلَّلُ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ بِدْعَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَوِّلًا وَلَا مُسْتَخِفًّا يُفَسَّقْ لِخُرُوجِهِ عَنْ الطَّاعَةِ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. اهـ. أَقُولُ: وَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْأَكْمَلُ فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ التَّكْفِيرِ لِجَاحِدِ مِقْدَارِ الْمَسْحِ بِلَا تَأْوِيلٍ لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَهَبَ هُوَ إلَيْهِ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ فِي حَقِّ الْمِقْدَارِ، وَأَنَّ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ مِنْ مَسْحِهِ ﵊ بِنَاصِيَتِهِ الْتَحَقَ بَيَانًا لَهَا فَيَكُونُ ثَابِتًا بِقَطْعِيٍّ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا الْتَحَقَ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ كَانَ الْحُكْمُ بَعْدَهُ مُضَافًا لِلْمُجْمَلِ لَا لِلْبَيَانِ. وَمَا رَدَّ بِهِ فِي الْبَحْرِ عَلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَجَبْت عَنْهُ فِيمَا عَلَّقْته عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: غَسْلُ الْوَجْهِ) الْغَسْلُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ لُغَةً: إزَالَةُ الْوَسَخِ عَنْ الشَّيْءِ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَبِضَمِّهَا اسْمٌ لِغَسْلِ تَمَامِ الْجَسَدِ وَلِلْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ، وَبِكَسْرِهَا مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ بَحْرٌ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ، وَإِضَافَتُهُ إلَى الْوَجْهِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ أَيْ غَسَلَ الْمُتَوَضِّئُ وَجْهَهُ؛ وَلَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ صِفَةً لِلْفَاعِلِ وَهُوَ غَيْرُ شَرْطٍ إذْ لَوْ أَصَابَهُ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ كَفَى، فَالْأَوْلَى جَعْلُهُ مَصْدَرَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ عَلَى إرَادَةِ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ أَيْ مَغْسُولِيَّةِ الْوَجْهِ. قَالَ فِي حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ: الْمَصْدَرُ يُسْتَعْمَلُ فِي أَصْلِ النِّسْبَةِ وَفِي الْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْهَا لِلْمُتَعَلِّقِ مَعْنَوِيَّةٌ أَوْ حِسِّيَّةٌ كَهَيْئَةِ المتحركية الْحَاصِلَةِ مِنْ الْحَرَكَةِ وَتُسَمَّى الْحَاصِلَةُ بِالْمَصْدَرِ، وَتِلْكَ الْهَيْئَةُ لِلْفَاعِلِ فَقَطْ فِي اللَّازِمِ كالمُتَحَرِّكِيةِ وَالْقَائِمِيَّةِ مِنْ الْحَرَكَةِ وَالْقِيَامِ، أَوْ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ لِلْمُتَعَدِّي كَالْعَالِمِيَّةِ مِنْ الْعِلْمِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَصْدَرِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ اسْتِعْمَالُ الشَّيْءِ فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ انْتَهَى أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ. (قَوْلُهُ: أَيْ إسَالَةُ الْمَاءِ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: هُوَ الْإِسَالَةُ مَعَ التَّقَاطُرِ وَلَوْ قَطْرَةً حَتَّى لَوْ لَمْ يُسِلْ الْمَاءَ بِأَنْ اسْتَعْمَلَهُ

стр. 91

وَلَوْ قَطْرَةً. وَفِي الْفَيْضِ أَقَلُّهُ قَطْرَتَانِ فِي الْأَصَحِّ (مَرَّةً) لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ (وَهُوَ) مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُوَاجَهَةِ، وَاشْتِقَاقُ الثُّلَاثِيِّ مِنْ الْمَزِيدِ إذَا كَانَ أَشْهَرَ فِي الْمَعْنَى شَائِعٌ كَاشْتِقَاقِ الرَّعْدِ مِنْ الِارْتِعَادِ وَالْيَمِّ مِنْ التَّيَمُّمِ (مِنْ مَبْدَإِ سَطْحِ جَبْهَتِهِ) أَيْ الْمُتَوَضِّئِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ (إلَى أَسْفَلِ ذَقَنِهِ) ــ [رد المحتار] اسْتِعْمَالَ الدُّهْنِ لَمْ يَجُزْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِالثَّلْجِ وَلَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَجُزْ. عَنْ أَبِي يُوسُفَ هُوَ مُجَرَّدُ بَلِّ الْمَحَلِّ بِالْمَاءِ سَالَ أَوْ لَمْ يَسِلْ. اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ صَرَّحَ كَغَيْرِهِ بِذِكْرِ التَّقَاطُرِ مَعَ الْإِسَالَةِ وَإِنْ كَانَ حَدُّ الْإِسَالَةِ أَنْ يَتَقَاطَرَ الْمَاءُ لِلتَّأْكِيدِ، وَزِيَادَةُ التَّنْبِيهِ عَلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنَّهُ سَالَ مِنْ الْعُضْوِ قَطْرَةٌ أَوْ قَطْرَتَانِ وَلَمْ يَتَدَارَكْ. اهـ.، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى لَمْ يَتَدَارَكْ لَمْ يَقْطُرْ عَلَى الْفَوْرِ بِأَنْ قَطَرَ بَعْدَ مُهْلَةٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذِكْرُ السَّيَلَانِ الْمُصَاحِبِ لِلتَّقَاطُرِ احْتِرَازًا عَمَّا لَا يُتَدَارَكُ فَافْهَمْ، ثُمَّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَنْدَفِعُ مَا أُورِدَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ الْبَلَّ بِلَا تَقَاطُرٍ مَسْحٌ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا مَمْسُوحَةً مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ وَالْمَسْحِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَطْرَةً) عَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقَاطُرُ بِمَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ. اهـ. ح. (قَوْلُهُ: أَقَلُّهُ قَطْرَتَانِ) يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ التَّفَاعُلِ. اهـ. ح. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لِلْفَرْضِ الَّذِي لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي صَدَدِ بَيَانِ الْغَسْلِ الْمَفْرُوضِ وَسَيَأْتِي أَنَّ التَّقْتِيرَ مَكْرُوهٌ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ التَّقْتِيرِ عَلَى مَا دُونَ الْقَطْرَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ حِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ لِمَا عَلِمْت، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِي التَّقْتِيرُ إلَّا بِالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ التَّقَاطُرُ ظَاهِرًا لِيَكُونَ غَسْلًا بِيَقِينٍ، وَبِدُونِهَا يَقْرَبُ إلَى حَدِّ الدَّهْنِ وَرُبَّمَا لَا يُتَيَقَّنُ بِسَيَلَانِ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعُضْوِ فَلِذَاكِرِهِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَمْرَ) وَهُوَ هُنَا قَوْله تَعَالَى - ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]-. (قَوْلُهُ: لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ) أَيْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ بَلْ وَلَا يَحْتَمِلُهُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ كَتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ لِتَكَرُّرِ أَوْقَاتِهَا. مَطْلَبٌ فِي مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ وَتَقْسِيمِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ. (قَوْلُهُ: مُشْتَقٌّ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالِاشْتِقَاقِ الْأَخْذُ مَجَازًا عَلَاقَتُهُ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ، إذْ الِاشْتِقَاقُ فِي الصَّرْفِ أَخْذُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْعَشَرَةِ مِنْ الْمَصْدَرِ وَهِيَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعُ وَالْأَمْرُ وَاسْمُ الْفَاعِلِ وَاسْمُ الْمَفْعُولِ وَالصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ وَاسْمُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ وَالْوَجْهُ لَيْسَ مِنْهَا اهـ ح لَكِنْ فِي تَعْرِيفَاتِ السَّيِّدِ، الِاشْتِقَاقُ نَزْعُ لَفْظٍ مِنْ آخَرَ بِشَرْطِ مُنَاسَبَتِهِمَا مَعْنًى وَتَرْكِيبًا وَمُغَايَرَتِهِمَا فِي الصِّيغَةِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاسُبٌ فِي الْحُرُوفِ وَالتَّرْتِيبِ كَضَرَبَ مِنْ الضَّرْبِ فَهُوَ اشْتِقَاقٌ صَغِيرٌ، أَوْ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى دُونَ التَّرْتِيبِ كَجَبَذَ مِنْ الْجَذْبِ فَكَبِيرٌ، أَوْ فِي الْمَخْرَجِ كَنَعَقَ مِنْ النَّهْقِ فَأَكْبَرُ اهـ وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ قَالَ: وَقَدْ تُسَمَّى أَصْغَرَ وَصَغِيرًا وَأَكْبَرَ، وَقَدْ تُسَمَّى أَصْغَرَ وَأَوْسَطَ وَأَكْبَرَ، الْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: شَائِعٌ) خَبَرُ اشْتِقَاقٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ أَنْ يَنْتَظِمَ الصِّيغَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مَعْنًى وَاحِدٌ وَفِي هَذَا لَا تَوْقِيتَ، بِأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ ثُلَاثِيًّا، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَزِيدُ أَشْهَرَ وَأَقْرَبَ لِلْفَهْمِ مِنْ الثُّلَاثِيِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، فَصَحَّ ذِكْرُ الِاشْتِقَاقِ لِإِيضَاحِ مَعْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَزِيدُ أَصْلًا لَهُ أَفَادَهُ فِي النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ: مِنْ الِارْتِعَادِ) أَيْ الِاضْطِرَابِ أُخِذَ مِنْهُ الرَّعْدُ، لِاضْطِرَابِهِ فِي السَّمَاءِ أَوْ اضْطِرَابِ السَّحَابِ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَالْيَمِّ) وَهُوَ الْبَحْرُ، مِنْ التَّيَمُّمِ: وَهُوَ الْقَصْدُ: قَالَ فِي الْكَشَّافِ: لِأَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَهُ. وَقَالَ أَيْضًا: وَاشْتِقَاقُ الْبُرْجِ مِنْ التَّبَرُّجِ لِظُهُورِهِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالْجِنُّ مِنْ الِاجْتِنَانِ، لِاسْتِتَارِهِمْ عَنْ الْعُيُونِ. (قَوْلُهُ: سَطْحِ جَبْهَتِهِ) أَيْ أَعْلَاهَا ط. (قَوْلُهُ: بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ) وَهِيَ كَوْنُ الْمُتَوَضِّئِ أَوْ الْمُكَلَّفِ فَاعِلَ الْمَصْدَرِ الَّذِي

стр. 92

أَيْ مَنْبَتِ أَسْنَانِهِ السُّفْلَى (طُولًا) كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ أَوْ لَا، عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِمْ مِنْ قُصَاصِ شَعْرِهِ الْجَارِي عَلَى الْغَالِبِ إلَى الْمُطَّرِدِ لِيَعُمَّ الْأَغَمَّ وَالْأَصْلَعَ وَالْأَنْزَعَ (وَمَا بَيْنَ شَحْمَتَيْ الْأُذُنَيْنِ عَرْضًا) وَحِينَئِذٍ (فَيَجِبُ غَسْلُ الْمَيَاقِي) وَمَا يَظْهَرُ مِنْ الشَّفَةِ عِنْدَ انْضِمَامِهَا (وَمَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ) لِدُخُولِهِ فِي الْحَدِّ وَبِهِ يُفْتَى (لَا غَسْلُ بَاطِنِ الْعَيْنَيْنِ) وَالْأَنْفِ وَالْفَمِ وَأُصُولِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ وَاللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ ــ [رد المحتار] هُوَ غَسْلٌ. اهـ. ط. (قَوْلُهُ: أَيْ مَنْبَتُ أَسْنَانِهِ السُّفْلَى) تَفْسِيرٌ لِلذَّقَنِ بِالتَّحْرِيكِ: أَيْ إلَى أَسْفَلِ الْعَظْمِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ السُّفْلَى: وَهُوَ مَا تَحْتَ الْعَنْفَقَةِ. (قَوْلُهُ: طُولًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ ط. (قَوْلُهُ: كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ. (قَوْلُهُ: شَعْرٌ) بِالْإِسْكَانِ وَيُحَرَّكُ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِمْ) أَيْ عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْوَجْهِ طُولًا كَالْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى ط. (قَوْلُهُ: قُصَاصِ) بِتَثْلِيثِ الْقَافِ وَالضَّمُّ أَعْلَاهَا حَيْثُ يَنْتَهِي نَبَاتُهُ فِي الرَّأْسِ نَهْرٌ. (قَوْلُهُ: الْجَارِي) صِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ ط. (قَوْلُهُ: عَلَى الْغَالِبِ) أَيْ فِي الْأَشْخَاصِ، إذْ الْغَالِبُ فِيهِمْ طُلُوعُ الشَّعْرِ مِنْ مَبْدَأِ سَطْحِ الْجَبْهَةِ، وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ الْأَغَمُّ وَأَخَوَاهُ ط. (قَوْلُهُ: إلَى الْمُطَّرِدِ) أَيْ الْعَامِّ فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ ط. (قَوْلُهُ لِيَعُمَّ الْأَغَمَّ إلَخْ) هُوَ الَّذِي سَالَ شَعْرُ رَأْسِهِ حَتَّى ضَيَّقَ الْجَبْهَةَ. وَالْأَصْلَعُ: هُوَ الَّذِي انْحَسَرَ مُقَدَّمُ شَعْرِ رَأْسِهِ: وَالْأَنْزَعُ: هُوَ الَّذِي انْحَسَرَ شَعْرُهُ مِنْ جَانِبَيْ جَبْهَتِهِ. اهـ. ح عَنْ جَامِعِ اللُّغَةِ. أَقُولُ: وَبَقِيَ الْأَقْرَعُ، وَهُوَ مَنْ ذَهَبَ شَعْرُ رَأْسِهِ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: شَحْمَتَيْ الْأُذُنَيْنِ) أَيْ مَا لَانَ مِنْهُمَا، وَالْأُذُنُ بِضَمِّ الذَّالِ وَلَك إسْكَانُهَا تَخْفِيفًا أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ التَّحْدِيدِ بِالشَّحْمَتَيْنِ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الشَّحْمَتَيْنِ لَمَّا اتَّصَلَتَا بِبَعْضِ الْوَجْهِ وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي خَلْفَ الْعِذَارِ صَارَ مَظِنَّةَ أَنْ يَجِبَ غَسْلُهُمَا مَثَلًا فَجَعَلُوا الْحَدَّ بِهِمَا لِدَفْعِ ذَلِكَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ عَلِمْت حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا وَعَرْضًا ط. (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ غَسْلُ الْمَيَاقِي) جَمْعُ مُوقٍ، وَهُوَ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ بِالْيَاءِ الْمَمْدُودَةِ بَعْدَ الْمِيمِ وَالصَّوَابُ بِالْهَمْزَةِ الْمَمْدُودَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ فِي بَابِ الْقَافِ عَشْرَ لُغَاتٍ فِي الْمُوقِ: مِنْهَا مَأْقٌ بِالْهَمْزَةِ وَمُوقٌ وَمَأْقَئٌ بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الْقَافِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا: وَهُوَ طَرَفُ الْعَيْنِ الْمُتَّصِلُ بِالْأَنْفِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ الْكُلِّ أَرْبَعَةَ جُمُوعٍ: آمَاقٍ وَإِمَاقٍ أَيْ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ فِي أَوَّلِهِ أَوْ قَبْلَ آخِرِهِ وَمَوَاقٍ وَمَاقٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَيَاقِي لَا فِي الْمُفْرَدَاتِ وَلَا فِي الْجُمُوعِ هَذَا. وَفِي الْبَحْرِ لَوْ رَمِدَتْ عَيْنُهُ فَرَمَصَتْ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ تَحْتَ الرَّمَصِ إنْ بَقِيَ خَارِجًا بِتَغْمِيضِ الْعَيْنِ وَإِلَّا فَلَا اهـ هَذَا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَيَجِبُ غَسْلُ الْمُلَاقِي، وَيُغْنِي عَنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَغَسْلُ جَمِيعِ اللِّحْيَةِ فَرْضٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُلَاقِي مَا لَاقَى الْبَشَرَةَ مِنْهَا كَمَا فِي الدُّرَرِ. وَفِي شَرْحِهَا لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ: وَالْمُلَاقِي هُوَ مَا كَانَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُسْتَرْسِلِ: وَهُوَ مَا خَرَجَ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا مَسْحُهُ بَلْ يُسَنُّ. اهـ. وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَمَا يَظْهَرُ) أَيْ يُفْتَرَضُ غَسْلُهُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَقِيلَ الشَّفَةُ تَبَعٌ لِلْفَمِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: عِنْدَ انْضِمَامِهَا) أَشَارَ بِصِيغَةِ الِانْفِعَالِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ انْضِمَامِهَا الطَّبِيعِيِّ لَا عِنْدَ انْضِمَامِهَا بِشِدَّةٍ وَتَكَلُّفٍ. اهـ. ح وَكَذَا لَوْ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ شَدِيدًا لَا يَجُوزُ بَحْرٌ، لَكِنْ نَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِ الْكَنْزِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ الْجَوَازُ، وَأَقَرَّهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَمَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ) أَيْ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْبَيَاضِ. (قَوْلُهُ: وَبِهِ يُفْتَى) وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ: قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَدَمُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ بِخِلَافِهِ بَحْرٌ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ عَنْ تُفِيدُ أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُ، وَالْخِلَافُ فِي الْمُلْتَحِي، أَمَّا الْمَرْأَةُ وَالْأَمْرَدُ وَالْكَوْسَجُ فَيُفْتَرَضُ الْغَسْلُ اتِّفَاقًا دُرٌّ مُنْتَقَى. (قَوْلُهُ: لَا غَسْلُ بَاطِنِ الْعَيْنَيْنِ إلَخْ) لِأَنَّهُ شَحْمٌ يَضُرُّهُ الْمَاءُ الْحَارُّ وَالْبَارِدُ، وَهَذَا لَوْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ نَجِسٍ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ كَذَا فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَنْفِ وَالْفَمِ) مَعْطُوفَانِ عَلَى الْعَيْنَيْنِ أَيْ لَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِهِمَا أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وَأُصُولِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ) يُحْمَلُ هَذَا عَلَى مَا إذَا كَانَا

стр. 93

وَوَنِيمِ ذُبَابٍ لِلْحَرَجِ (وَغَسْلِ الْيَدَيْنِ) أَسْقَطَ لَفْظَ فُرَادَى لِعَدَمِ تَقْيِيدِ الْفَرْضِ بِالِانْفِرَادِ (وَالرِّجْلَيْنِ) الْبَادِيَتَيْنِ السَّلِيمَتَيْنِ، فَإِنَّ الْمَجْرُوحَتَيْنِ وَالْمَسْتُورَتَيْنِ بِالْخُفِّ وَظِيفَتُهُمَا الْمَسْحُ (مَرَّةً) لِمَا مَرَّ (مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ) عَلَى الْمَذْهَبِ وَمَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّ الثَّابِتَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ غَسْلُ يَدٍ وَرِجْلٍ وَالْأُخْرَى بِدَلَالَتِهِ، وَمِنْ الْبَحْثِ فِي إلَى وَفِي الْقِرَاءَتَيْنِ فِي - ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]- قَالَ فِي الْبَحْرِ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ ــ [رد المحتار] كَثِيفَيْنِ، أَمَّا إذَا بَدَتْ الْبَشَرَةُ فَيَجِبُ كَمَا يَأْتِي لَهُ قَرِيبًا عَنْ الْبُرْهَانِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ، وَنَقَلَهُ ح عَنْ عِصَامِ الدِّينِ شَارِحِ الْهِدَايَةِ ط. (قَوْلُهُ: وَوَنِيمِ ذُبَابٍ) أَيْ خَرْؤُهُ: قَالَ فِي بَحْثِ الْغُسْلِ: وَلَا يَمْنَعُ الطَّهَارَةَ وَنِيمُ ذُبَابٍ وَبُرْغُوثٍ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ تَحْتَهُ وَحِنَّاءٌ وَلَوْ جِرْمَهُ بِهِ يُفْتَى، وَدَرَنٌ وَدُهْنٌ وَتُرَابٌ وَطِينٌ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لِلْحَرَجِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا غَسْلَ إلَخْ أَيْ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إلَّا أَنَّهَا لَا يَجِبُ غَسْلُهَا لِلْحَرَجِ. وَعَلَّلَ فِي الدُّرَرِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْفَرْضِ اسْتَتَرَ بِالْحَائِلِ وَصَارَ بِحَالٍ لَا يُوَاجِهُ النَّاظِرَ إلَيْهِ فَسَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ وَتَحَوَّلَ إلَى الْحَائِلِ. (قَوْلُهُ: أَسْقَطَ لَفْظَ فُرَادَى) تَعْرِيضٌ بِصَاحِبِ الدُّرَرِ حَيْثُ قَيَّدَ بِهِ. اهـ. ح، وَمَعْنَاهُ غَسَلَ كُلَّ يَدٍ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأُخْرَى ط. (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ فِي صَدَدِ بَيَانِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، فَيُشْعِرُ كَلَامُهُ بِأَنَّ الِانْفِرَادَ لَازِمٌ مَعَ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَهُمَا مَعًا سَقَطَ الْفَرْضُ. (قَوْلُهُ: الْبَادِيَتَيْنِ) أَيْ الظَّاهِرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا خُفَّ عَلَيْهِمَا ط. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْمَجْرُوحَتَيْنِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقَيْدَيْنِ السَّابِقَيْنِ عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوِّشِ ط. (قَوْلُهُ: وَظِيفَتُهُمَا الْمَسْحُ) لَكِنَّهُ مُخْتَلِفُ الْكَيْفِيَّةِ كَمَا يَأْتِي ط. (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. (قَوْلُهُ: مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ) تَثْنِيَةُ مِرْفَقٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَفِيهِ الْعَكْسُ: اسْمٌ لِمُلْتَقَى الْعَظْمَاتِ عَظْمِ الْعَضُدِ وَعَظْمِ الذِّرَاعِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ إلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ، وَهُوَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الْيَدَ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ لِلْمَنْكِبِ، فَإِنْ كَانَتْ إلَى بِمَعْنَى مَعَ وَجَبَ الْغَسْلُ إلَى الْمَنْكِبِ؛ لِأَنَّهُ كَغَسْلِ الْقَمِيصِ وَكُمِّهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ كَإِفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ وَذَلِكَ لَا يَخْرُجُ غَيْرُهُ بَحْرٌ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْيَدِ فِي الْآيَةِ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِ مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَعَدَلَ عَنْ التَّعْبِيرِ بِإِلَى الْمُحْتَمِلَةِ لِدُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ وَعَدَمِهِ إلَى التَّعْبِيرِ بِمَعَ الصَّرِيحَةِ بِالدُّخُولِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ الشَّارِحِ عَلَى الْمَذْهَبِ: أَيْ خِلَافًا لِزُفَرَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ. (قَوْلُهُ: وَالْكَعْبَيْنِ) هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاشِزَانِ مِنْ جَانِبَيْ الْقَدَمِ أَيْ الْمُرْتَفِعَانِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَقْعَدِ الشِّرَاكِ، قَالُوا: هُوَ سَهْوٌ مِنْ هِشَامٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ حَيْثُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَأَشَارَ مُحَمَّدٌ بِيَدِهِ إلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ فَنَقَلَهُ هِشَامٌ إلَى الطَّهَارَةِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرُوا) أَيْ فِي الْجَوَابِ عَمَّا أُورِدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي غَسْلُ يَدٍ وَرِجْلٍ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ. (قَوْلُهُ: بِعِبَارَةِ النَّصِّ) أَيْ بِصَرِيحِهِ الْمَسُوقِ لَهُ ط. (قَوْلُهُ: بِدَلَالَتِهِ) أَيْ أَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْبَحْثِ فِي إلَى) أَيْ فِي كَوْنِهَا تُدْخِلُ الْغَايَةَ أَوْ لَا تُدْخِلُهَا، أَوْ الْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ، وَالْمُرَجَّحُ الْقَرَائِنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أَطَالَ بِهِ فِي الْبَحْرِ ط. (قَوْلُهُ: وَفِي الْقِرَاءَتَيْنِ) أَيْ قِرَاءَتَيْ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ فِي - ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]- مِنْ حَمْلِ الْجَرِّ عَلَى حَالَةِ التَّخْفِيفِ وَالنَّصْبِ عَلَى غَيْرِهَا، أَوْ أَنَّ الْجَرَّ لِلْجِوَارِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ غَيْرُ مُغَيًّا بِالْكَعْبَيْنِ إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا. (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْبَحْرِ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ) أَيْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ " مَا " فِي قَوْلِهِ وَمَا ذَكَرُوا أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى افْتِرَاضِ غَسْلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَعَلَى دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، وَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لَا مَسْحُهُمَا أَفَادَهُ ح. أَقُولُ: مَنْ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ كَالْقُدُورِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِيُتِمَّ دَلِيلَهُ، عَلَى أَنَّ فِي ثُبُوتِ

стр. 94

(وَمَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ مَرَّةً) فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ وَلَوْ بِإِصَابَةِ مَطَرٍ أَوْ بَلَلٍ بَاقٍ بَعْدَ غَسْلٍ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا بَعْدَ مَسْحٍ إلَّا أَنْ يَتَقَاطَرَ، وَلَوْ مَدَّ أُصْبُعَيْنِ لَمْ يَجُزْ. ــ [رد المحتار] الْإِجْمَاعِ عَلَى دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ كَلَامًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَحْرِ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ: لَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي إيجَابِ دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ. وَرَدَّهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لَيْسَ حِكَايَةً لِلْإِجْمَاعِ الَّذِي يَكُونُ غَيْرُهُ مَحْجُوجًا بِهِ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ اللَّامِشِيُّ فِي أُصُولِهِ: لَا خِلَافَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ وَوُجِدَ الرِّضَا مِنْ الْكُلِّ نَصًّا كَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا، فَأَمَّا إذَا نَصَّ الْبَعْضُ وَسَكَتَ الْبَاقُونَ لَا عَنْ خَوْفٍ بَعْدَ اشْتِهَارِ الْقَوْلِ فَعَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ إجْمَاعًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَقُولُ إنَّهُ إجْمَاعٌ، وَلَكِنْ أَقُولُ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا: وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَيَكُونُ حُجَّةً أَيْضًا. اهـ. وَقَدَّمْنَا أَيْضًا عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ غَسْلَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ لَيْسَ بِفَرْضٍ قَطْعِيٍّ بَلْ هُوَ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ كَرُبُعِ الرَّأْسِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ أَيْضًا: لَا يَحْتَاجُ إلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْفُرُوضَ الْعَمَلِيَّةَ لَا يَحْتَاجُ فِي إثْبَاتِهَا إلَى الْقَاطِعِ. (قَوْلُهُ: وَمَسْحِ رُبُعِ الرَّأْسِ) الْمَسْحُ لُغَةً إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ. وَعُرْفًا إصَابَةُ الْمَاءِ الْعُضْوَ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي مِقْدَارِ فَرْضِ الْمَسْحِ رِوَايَاتٍ أَشْهَرُهَا مَا فِي الْمَتْنِ. الثَّانِيَةُ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، وَاخْتَارَهَا الْقُدُورِيُّ. وَفِي الْهِدَايَةِ وَهِيَ الرُّبُعُ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا أَقَلُّ مِنْهُ. الثَّالِثَةُ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ رَوَاهَا هِشَامٌ عَنْ الْإِمَامِ، وَقِيلَ هِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهَا رِوَايَةُ الْأُصُولِ، وَصَحَّحَهَا فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَعَلَيْهَا الْفَتْوَى. وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَاخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ، لَكِنْ نَسَبَهَا فِي الْخُلَاصَةِ إلَى مُحَمَّدٍ، فَيُحْمَلُ مَا فِي الْمِعْرَاجِ مِنْ أَنَّهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ تَوْفِيقًا وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ وَالْبَحْرِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ رِوَايَةُ الرُّبُعِ، وَعَلَيْهَا مَشَى الْمُتَأَخِّرُونَ كَابْنِ الْهُمَامِ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ أَمِيرِ الْحَجِّ وَصَاحِبِ النَّهْرِ وَالْبَحْرِ وَالْمَقْدِسِيِّ وَالْمُصَنِّفِ وَالشُّرُنْبُلالي وَغَيْرِهِمْ. (قَوْلُهُ: فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ) فَلَوْ مَسَحَ عَلَى طَرَفِ ذُؤَابَةٍ شُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يَجُزْ مَقْدِسِيٌّ. (قَوْلُهُ: أَوْ بَلَلِ بَاقٍ إلَخْ) هَذَا إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْ عُضْوٍ آخَرَ مَقْدِسِيٌّ، فَلَوْ أَخَذَهُ مِنْ عُضْوٍ آخَرَ لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا بَحْرٌ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْعُضْوُ مَغْسُولًا أَوْ مَمْسُوحًا دُرَرٌ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ) مُقَابِلُهُ قَوْلُ الْحَاكِمِ بِالْمَنْعِ، وَخَطَّأَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَانْتَصَرَ لَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْكَمَالِ وَقَالَ الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ، فَقَدْ نَصَّ الْكَرْخِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ غَسْلِ ذِرَاعَيْهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِمَاءٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَطْهُرُ بِهِ مَرَّةً اهـ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَتَقَاطَرَ) كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْغُرَرِ؛ لِأَنَّهُ كَأَخْذِ مَاءٍ جَدِيدٍ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَدَّ إلَخْ) أَيْ مَدَّ الْمَسْحَ حَتَّى اسْتَوْعَبَ قَدْرَ الرُّبُعِ. وَفِي الْبَدَائِعِ: لَوْ وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ وَلَمْ يَمُدَّهَا جَازَ عَلَى رِوَايَةِ الثَّلَاثِ أَصَابِعَ لَا الرُّبُعِ، وَلَوْ مَسَحَ بِهَا مَنْصُوبَةً غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ وَلَا مَمْدُودَةً فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ: أَيْ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي النَّهْرِ، فَلَوْ مَدّهَا حَتَّى بَلَغَ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْإِصْبَعِ وَالْإِصْبَعَيْنِ إذَا مَدَّهَا وَبَلَغَ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ اهـ مُلَخَّصًا: بَقِيَ مَا إذَا وَضَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعَ وَمَدَّهَا وَبَلَغَ الرُّبُعَ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ إلَّا الْجَوَازَ، وَتَعَقَّبَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ قَدْ وَقَفْت عَلَى مَا هُوَ الْمَنْقُولُ يَعْنِي قَوْلَ الْبَدَائِعِ فَلَوْ مَدَّهَا إلَخْ. أَقُول: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِ الْبَدَائِعِ فَلَوْ مَدَّهَا إلَخْ عَائِدٌ عَلَى الْمَنْصُوبَةِ: أَيْ بِأَنْ مَسَحَ بِأَطْرَافِهَا لَا الْمَوْضُوعَةِ، عَلَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ لَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَالْمَاءُ مُتَقَاطِرٌ جَازَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَقَاطِرًا فَالْمَاءُ يَنْزِلُ مِنْ أَصَابِعِهِ إلَى أَطْرَافِهَا، فَإِذَا مَدَّهُ صَارَ كَأَنَّهُ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا هُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَنَحْوُهُ فِي الْوَاقِعَاتِ وَالْفَيْضِ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ) قِيلَ لِأَنَّ الْبَلَّةَ

стр. 95

إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْكَفِّ أَوْ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ بِمِيَاهٍ، وَلَوْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ الْإِنَاءَ أَوْ خُفَّهُ أَوْ جَبِيرَتَهُ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ نَوَى اتِّفَاقًا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ. (وَغَسْلُ جَمِيعِ اللِّحْيَةِ فَرْضٌ) يَعْنِي عَمَلِيًّا (أَيْضًا) عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُفْتَى بِهِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ. ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُسْتَرْسِلَ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا مَسْحُهُ ــ [رد المحتار] صَارَتْ مُسْتَعْمَلَةً، وَهُوَ مُشْكِلٌ بِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَبِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِمَدِّ الثَّلَاثِ عَلَى رِوَايَةِ الرُّبُعِ: وَقِيلَ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالْمَسْحِ بِالْيَدِ وَالْأُصْبُعَانِ مِنْهَا لَا تُسَمَّى يَدًا بِخِلَافِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُهَا. وَفِيهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي تَعْيِينَ الْإِصَابَةِ بِالْيَدِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ بِمَسْأَلَةِ الْمَطَرِ: وَقَدْ يُقَالُ فِي الْعِلَّةِ أَنَّ الْبَلَّةَ تَتَلَاشَى وَتَفْرُغُ قَبْلَ بُلُوغِ قَدْرِ الْفَرْضِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ مَدَّ الثَّلَاثَ وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْكَفِّ إلَخْ) لِأَنَّهُمَا مَعَ الْكَفِّ أَوْ مَعَ مَا بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ يَصِيرَانِ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِذَا مَدَّهُمَا وَبَلَغَ قَدْرَ الرُّبُعِ جَازَ، أَمَّا بِدُونِ مَدٍّ فَيَجُوزُ عَلَى رِوَايَةِ الثَّلَاثِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة. (قَوْلُهُ: أَوْ بِمِيَاهٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَعَادَهَا إلَى الْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ جَازَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا يَجُوزُ اهـ أَيْ عَلَى رِوَايَةِ الرُّبُعِ لَا يَجُوزُ، فَمَا فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ اتِّفَاقًا فِيهِ نَظَرٌ، كَذَا قِيلَ: وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ لَوْ كَانَ بِمِيَاهٍ فِي مَوَاضِعَ مِقْدَارِ الْفَرْضِ جَازَ اتِّفَاقًا، فَقَوْلُهُ مِقْدَارَ الْفَرْضِ شَامِلٌ لِرِوَايَةِ الثَّلَاثِ أَصَابِعَ، وَلِرِوَايَةِ الرُّبُعِ. وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ بِبَطْنِهَا وَظَهْرِهَا وَجَانِبَيْهَا لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمَسْحِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ اعْتِبَارِ الرُّبُعِ، وَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَلَكٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا فِي الْأَصَحِّ فَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَجْزَأَهُ) أَيْ إنْ أَصَابَ الْمَاءُ قَدْرَ الْفَرْضِ ط. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا) لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ الِاسْتِعْمَالُ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، وَاَلَّذِي لَاقَى الرَّأْسَ أَيْ وَأَخَوَيْهِ أَيْ الْخُفَّ وَالْجَبِيرَةَ لَصِقَ بِهِ فَطَهَّرَهُ وَغَيْرُهُ لَمْ يُلَاقِهِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ، وَفِيهِ نَظَرٌ كَذَا فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: اتِّفَاقًا) أَيْ بَيْنَ الصَّاحِبَيْنِ. (قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ) قَيْدٌ لِلِاتِّفَاقِ، وَمُقَابِلُهُ مَا قِيلَ إنَّهُ لَوْ نَوَى لَا يُجْزِئُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. (قَوْلُهُ: جَمِيعِ اللِّحْيَةِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا نَهْرٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ مِنْ عِذَارٍ وَعَارِضٍ وَالذَّقَنِ. وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: اللِّحْيَةُ الشَّعْرُ النَّابِتُ بِمُجْتَمَعِ الْخَدَّيْنِ وَالْعَارِضُ مَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِذَارِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُحَاذِي لِلْأُذُنِ، يَتَّصِلُ مِنْ الْأَعْلَى بِالصُّدْغِ وَمِنْ الْأَسْفَلِ بِالْعَارِضِ بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي عَمَلِيًّا) ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ التَّفْسِيرَ بِأَيِّ لِلْبَيَانِ وَالتَّوْضِيحِ وَالتَّفْسِيرِ يَعْنِي لِدَفْعِ السُّؤَالِ وَإِزَالَةِ الْوَهْمِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ لِلْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ، وَهُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ دَفَعَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ إطْلَاقِ الْفَرْضِ أَنَّهُ الْقَطْعِيُّ مَعَ أَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً عَلَى انْتِقَالِ حُكْمِ مَا تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ الْبَشَرَةِ إلَيْهَا. (قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَمَا أَنَّ مَسْحَ رُبُعِ الرَّأْسِ كَذَلِكَ ط. (قَوْلُهُ: وَمَا عَدَا هَذِهِ الرِّوَايَةِ) أَيْ مِنْ رِوَايَةِ مَسْحِ الْكُلِّ أَوْ الرُّبُعِ أَوْ الثُّلُثِ أَوْ مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ أَوْ غَسْلِ الرُّبُعِ أَوْ الثُّلُثِ أَوْ عَدَمِ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فَالْمَجْمُوعُ ثَمَانِيَةٌ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْبَدَائِعِ) هَذَا الْكِتَابُ جَلِيلُ الشَّأْنِ، لَمْ أَرَ لَهُ نَظِيرًا فِي كُتُبِنَا، وَهُوَ لِلْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَاسَانِيِّ شَرَحَ بِهِ تُحْفَةَ الْفُقَهَاءِ لِشَيْخِهِ عَلَاءِ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، فَلَمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ بَعْدَمَا خَطَبَهَا الْمُلُوكُ مِنْ أَبِيهَا فَامْتَنَعَ، وَكَانَتْ الْفَتْوَى تَخْرُجُ مِنْ دَارِهِمْ وَعَلَيْهَا خَطُّهَا وَخَطُّ أَبِيهَا وَزَوْجِهَا. (قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا خِلَافَ) أَيْ بَيْنَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ط. (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُسْتَرْسِلَ) أَيْ الْخَارِجَ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ

стр. 96

بَلْ يُسَنُّ، وَأَنَّ الْخَفِيفَةَ الَّتِي تُرَى بَشَرَتُهَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا كَذَا فِي النَّهْرِ. وَفِي الْبُرْهَانِ: يَجِبُ غَسْلُ بَشَرَةٍ لَمْ يَسْتُرْهَا الشَّعْرُ كَحَاجِبٍ وَشَارِبٍ وَعَنْفَقَةٍ فِي الْمُخْتَارِ (وَلَا يُعَادُ الْوُضُوءُ) بَلْ وَلَا بَلُّ الْمَحَلِّ (بِحَلْقِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ كَمَا لَا يُعَادُ) الْغَسْلُ لِلْمَحَلِّ وَلَا الْوُضُوءُ (بِحَلْقِ شَارِبِهِ وَحَاجِبِهِ وَقَلْمِ ظُفْرِهِ) وَكَشْطِ جِلْدِهِ (وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَى أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ قُرْحَةٌ) كَالدُّمُّلَةِ (وَعَلَيْهَا جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ فَتَوَضَّأَ وَأَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهَا ثُمَّ نَزَعَهَا لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ غَسْلٍ عَلَى مَا تَحْتِهَا) وَإِنْ تَأَلَّمَ بِالنَّزْعِ ــ [رد المحتار] الْمِنْهَاجِ بِمَا لَوْ مَدَّ مِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ لَخَرَجَ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ، وَعَلَى هَذَا فَالنَّابِتُ عَلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ لَا يَجِبُ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِهِ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جِهَةُ نُزُولِهِ وَإِنْ كَانَ لَوْ مُدَّ إلَى فَوْقٍ لَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْجَبْهَةِ وَكَذَا النَّابِتُ عَلَى أَطْرَافِ الْحَنَكِ مِنْ اللِّحْيَةِ، وَأَمَّا النَّابِتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ فَيَجِبُ غَسْلُ مَا دَخَلَ مِنْهُ فِي دَائِرَةِ الْوَجْهِ دُونَ الزَّائِدِ عَلَيْهَا؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ الَّذِي يُلَاقِي الْخَدَّيْنِ وَظَاهِرَ الذَّقَنِ لَا مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ اللِّحْيَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَرْسَلَ تَابِعٌ لِمَا اتَّصَلَ وَلِلتَّبَعِ حُكْمُ الْأَصْلِ. وَلَنَا أَنَّهُ إنَّمَا يُوَاجِهُ إلَى الْمُتَّصِلِ عَادَةً لَا إلَى الْمُسْتَرْسِلِ فَلَمْ يَكُنْ وَجْهًا فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ اهـ فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت الْمُصَنِّفَ فِي شَرْحِهِ عَلَى زَادِ الْفَقِيرِ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَفِي الْمُجْتَبَى قَالَ الْبَقَّالِيُّ: وَمَا نَزَلَ مِنْ شَعْرِ اللِّحْيَةِ مِنْ الذَّقَنِ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ اهـ وَلَا رِوَايَةَ فِي غَسْلِ الذُّؤَابَتَيْنِ إذَا جَاوَزَتَا الْقَدَمَيْنِ فِي الْجَنَابَةِ، وَكَذَا السَّلْعَةُ إذَا تَدَلَّتْ عَنْ الْوَجْهِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا فِي الْجَنَابَةِ وَغَسْلُ السَّلْعَةِ فِي الْوُضُوءِ أَيْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ: بَلْ يُسَنُّ) أَيْ الْمَسْحُ لِكَوْنِهِ الْأَقْرَبَ لِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ: وَعِبَارَةُ الْمُنْيَةِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ كَذَا فِي ح. (قَوْلُهُ: الَّتِي تَرَى بَشَرَتَهَا) قَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ. وَأَمَّا مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهُ إذَا نَبَتَ الشَّعْرُ يَسْقُطُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَثِيفًا كَانَ أَوْ خَفِيفًا؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَهُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَاجِهُ بِهِ اهـ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تُرَ بَشَرَتُهَا كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ التَّعْلِيلُ، فَالْخَفِيفَةُ قِسْمَانِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَبَيْنَ الْكَثِيفَةِ الْعُرْفُ كَمَا هُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْخَفِيفَةَ مَا تُرَى بَشَرَتُهَا فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ، أَفَادَهُ فِي الْحِلْيَةِ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَسْتُرْهَا الشَّعْرُ) أَمَّا الْمَسْتُورَةُ فَسَاقِطٌ غَسْلُهَا لِلْحَرَجِ ط. وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا كَانَ الشَّارِبُ طَوِيلًا يَسْتُرُ حُمْرَةَ الشَّفَتَيْنِ، وَلِمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ مِنْ أَنَّ تَخْلِيلَ الشَّارِبِ السَّاتِرِ حُمْرَةَ الشَّفَتَيْنِ وَاجِبٌ. اهـ.؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ ظَاهِرَ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ الشَّفَةِ أَوْ بَعْضِهَا وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ كَثِيفًا، وَتَخْلِيلُهُ مُحَقِّقٌ لِوُصُولِ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِهَا، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُعَادُ الْوُضُوءُ إلَخْ) لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الْمَسْحِ عَنْ الْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَسْحِ الْبَشَرَةِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا لَمْ يَجُزْ. اهـ. بَحْرٌ. بَقِيَ مَا إذَا كَانَتْ اللِّحْيَةُ كَثِيفَةً فَإِنَّ ظَاهِرَ مَا قَدَّمْنَا عَنْ الدُّرَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ لِلْحَرَجِ أَنَّ غَسْلَهَا بَدَلٌ عَمَّا تَحْتَهَا، وَمُقْتَضَاهُ إعَادَةُ غَسْلِهِ بِحَلْقِ الشَّعْرِ فَلْيُرَاجَعْ، لَكِنْ قَوْلُ الْبَحْرِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ غَسْلُ بَشَرَتِهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَا بَلُّ الْمَحَلِّ) عَبَّرَ بِالْبَلِّ لِيَشْمَلَ الْمَسْحَ وَالْغَسْلَ. (قَوْلُهُ: الْغَسْلُ لِلْمَحَلِّ إلَخْ) الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، بَلْ الْأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِ شَيْءٍ لِظُهُورِ الْمُرَادِ أَفَادَهُ ط. (قَوْلُهُ: ظُفْرِهِ) مُثَلَّثُ الظَّاءِ ط. (قَوْلُهُ: قُرْحَةٌ) أَيْ جِرَاحَةٌ ط. (قَوْلُهُ: كَالدُّمُّلَةِ) مَأْخُوذٌ مِنْ دَمَلَ بِالْفَتْحِ: بِالْمَعْنَى أَصْلَحَ، يُقَالُ دَمَلْت بَيْنَ الْقَوْمِ: بِمَعْنَى أَصْلَحْت كَمَا فِي الصِّحَاحِ، وَصَلَاحُهَا بِبُرْئِهَا، فَتَسْمِيَةُ الْقُرْحَةِ دُمَّلًا تَفَاؤُلًا بِبُرْئِهَا، كَالْقَافِلَةِ وَالْمَفَازَةِ ط. (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَأَلَّمَ بِالنَّزْعِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِدُونِ وَاوٍ، وَالْأَصْوَبُ وَإِنْ لَمْ يَتَأَلَّمْ كَمَا أَفَادَهُ ط؛ لِأَنَّهُ

стр. 97

عَلَى الْأَشْبَهِ لِعَدَمِ الْبَدَلِيَّةِ، بِخِلَافِ نَزْعِ الْخُفِّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَسَحَ خُفَّهُ ثُمَّ حَتَّهُ أَوْ قَشَرَهُ. [فُرُوعٌ] فِي أَعْضَائِهِ شُقَاقٌ غَسَلَهُ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا مَسَحَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَلَوْ بِيَدِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ تَيَمَّمَ، وَلَوْ قُطِعَ مِنْ الْمِرْفَقِ غَسَلَ مَحَلَّ الْقَطْعِ. وَلَوْ خُلِقَ لَهُ يَدَانِ وَرِجْلَانِ، فَلَوْ يَبْطِشُ بِهِمَا غَسَلَهُمَا، وَلَوْ بِإِحْدَاهُمَا فَهِيَ الْأَصْلِيَّةُ فَيَغْسِلُهَا، وَكَذَا الزَّائِدَةُ إنْ نَبَتَتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، كَأُصْبُعٍ وَكَفٍّ زَائِدَيْنِ وَإِلَّا فَمَا حَاذَى مِنْهُمَا مَحَلَّ الْفَرْضِ غَسَلَهُ وَمَا لَا فَلَا، لَكِنْ يُنْدَبُ مُجْتَبَى. [وَسُنَنُهُ] ــ [رد المحتار] ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَغَيْرِهَا أَنَّهُ إنْ نَزَعَ الْجِلْدَةَ بَعْدَ مَا بَرِئَ بِحَيْثُ لَمْ يَتَأَلَّمْ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ قَبِلَهُ بِحَيْثُ يَتَأَلَّمُ فَلَا. وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ اهـ مُلَخَّصًا، فَحَالَةُ التَّأَلُّمِ لَا خِلَافَ فِيهَا، فَإِذَا قَالَ وَإِنْ لَمْ يَتَأَلَّمْ يُعْلَمُ عَدَمُ لُزُومِ الْغُسْلِ مَعَ التَّأَلُّمِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ نَقِيضَ مَا بَعْدَ إنْ وَلَوْ الْوَصْلَتَيْنِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاوِ بِدُونِ لَمْ لِمُلَاحَظَةِ التَّعْلِيلِ بِعَدَمِ الْبَدَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْبَدَلِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ التَّأَلُّمِ أَوْلَى مِنْهُ عِنْدَ التَّأَلُّمِ تَأَمَّلْ، وَعَلَى كُلٍّ فَنُسْخَةُ إنْ تَأَلَّمَ بِدُونِ وَاوٍ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الْبَدَلِيَّةِ) عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْإِعَادَةِ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا ط وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَدَلِيَّةَ تَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَصْلِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَزْعِ الْخُفِّ) أَيْ فَإِنَّهُ بِنَزْعِهِ يَغْسِلُ مَا تَحْتَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْغُسْلِ ظَاهِرًا فَلَمَّا نَزَعَهُ سَرَى الْحَدَثُ إلَى الْقَدَمِ ط. (قَوْلُهُ: فَصَارَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَلْقِ وَالْقَلْمِ وَالْكَشْطِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ حَتَّهُ أَوْ قَشَرَهُ) هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ: أَيْ حَتَّ مَحَلَّ الْمَسْحِ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: شُقَاقٌ) هُوَ بِالضَّمِّ. وَفِي التَّهْذِيبِ قَالَ اللَّيْثُ: هُوَ تَشَقُّقُ الْجِلْدِ مِنْ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ: وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الشُّقَاقُ فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ، وَأَمَّا الشُّقُوقُ فَهِيَ صُدُوعٌ فِي الْجِبَالِ وَالْأَرْضِ. وَفِي التَّكْمِلَةِ عَنْ يَعْقُوبَ: يُقَالُ بِيَدِ فُلَانٍ شُقُوقٌ وَلَا يُقَالُ شِقَاقٌ؛ لِأَنَّ الشِّقَاقَ فِي الدَّوَابِّ: وَهِيَ صُدُوعٌ فِي حَوَافِرِهَا وَأَرْسَاغِهَا مُغْرِبٌ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا تَرَكَهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَمْسَحْهُ بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَسْحِ تَرَكَهُ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ) أَيْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ لِمَانِعٍ فِي الْيَدِ الْأُخْرَى، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى وَضْعِ وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ فِي الْمَاءِ. (قَوْلُهُ: تَيَمَّمَ) زَادَ فِي الْخَزَائِنِ وَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَلَوْ كَانَ فِي رِجْلِهِ فَجَعَلَ فِيهِ الدَّوَاءَ يَكْفِيهِ إمْرَارُ الْمَاءِ فَوْقَهُ وَلَا يَكْفِيهِ الْمَسْحُ، وَلَوْ أَمَرَّهُ فَسَقَطَ إنْ عَنْ بُرْءٍ يُعِيدُهُ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الصُّغْرَى. اهـ. ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ قُطِعَ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْمِرْفَقِ وَالْكَعْبِ شَيْءٌ سَقَطَ الْغُسْلُ، وَلَوْ بَقِيَ وَجَبَ. اهـ. ط. (قَوْلُهُ: وَلَوْ خُلِقَ لَهُ) أَيْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ. (قَوْلُهُ: فَلَوْ يَبْطِشْ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْبَطْشُ قَاصِرٌ عَلَى الْيَدَيْنِ، فَلَوْ قَالَ وَيَمْشِي بِهِمَا نَظَرًا إلَى الرِّجْلَيْنِ لَكَانَ حَسَنًا ط. (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِإِحْدَاهُمَا إلَخْ) أَيْ وَلَوْ يَبْطِشُ بِإِحْدَاهُمَا فَهِيَ الْأَصْلِيَّةُ وَالْأُخْرَى زَائِدَةٌ لَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ تَامَّةً. وَفِي النَّهْرِ: وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا لَوْ كَانَتَا تَامَّتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ أَوْ مُنْفَصِلَتَيْنِ وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ غَسْلِهِمَا فِي الْأَوَّلِ وَغَسْلِ وَاحِدَةٍ فِي الثَّانِي. اهـ. فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْبَطْشُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْبَطْشُ أَوَّلًا، فَإِنْ بَطَشَ بِهِمَا وَجَبَ غَسْلُهُمَا وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتَا تَامَّتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَإِنْ كَانَتَا مُنْفَصِلَتَيْنِ لَا يَجِبُ إلَّا غَسْلُ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَهُوَ حَسَنٌ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ ط. (قَوْلُهُ: كَأُصْبُعٍ) تَنْظِيرٌ لَا تَمْثِيلٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْيَدِ. [سُنَنُ الْوُضُوء] (قَوْلُهُ: وَسُنَنُهُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَشْرُوعَاتِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَسُنَّةٌ وَنَفْلٌ، فَمَا كَانَ فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ مَعَ مَنْعِ التَّرْكِ إنْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ فَفَرْضٌ، أَوْ بِظَنِّيٍّ فَوَاجِبٌ، وَبِلَا مَنْعِ التَّرْكِ إنْ كَانَ مِمَّا وَاظَبَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ أَوْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ فَسُنَّةٌ، وَإِلَّا فَمَنْدُوبٌ وَنَفْلٌ.

стр. 98

أَفَادَ أَنَّهُ لَا وَاجِبَ لِلْوُضُوءِ وَلَا لِلْغُسْلِ وَإِلَّا لَقَدَّمَهُ، وَجَمَعَهَا لِأَنَّ كُلَّ سُنَّةٍ مُسْتَقِلَّةٌ بِدَلِيلٍ وَحُكْمٍ. ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ فِي السُّنَّةِ وَتَعْرِيفِهَا ، وَالسُّنَّةُ نَوْعَانِ: سُنَّةُ الْهَدْيِ، وَتَرْكُهَا يُوجِبُ إسَاءَةً وَكَرَاهِيَةً كَالْجَمَاعَةِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَنَحْوِهَا. وَسُنَّةُ الزَّوَائِدِ، وَتَرْكُهَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ كَسَيْرِ النَّبِيِّ ﵊ فِي لِبَاسِهِ وَقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ. وَالنَّفَلُ وَمِنْهُ الْمَنْدُوبُ يُثَابُ فَاعِلُهُ وَلَا يُسِيءُ تَارِكُهُ، قِيلَ: وَهُوَ دُونَ سُنَنِ الزَّوَائِدِ. وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّفَلَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَسُنَنُ الزَّوَائِدِ مِنْ الْعَادَاتِ، وَهَلْ يَقُولُ أَحَدٌ إنَّ نَافِلَةَ الْحَجِّ دُونَ التَّيَامُنِ فِي التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ، كَذَا حَقَّقَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْكَمَالِ فِي تَغْيِيرِ التَّنْقِيحِ وَشَرْحِهِ. أَقُولُ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّفْلِ وَسُنَنِ الزَّوَائِدِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَرْكُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ كَوْنُ الْأَوَّلِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالثَّانِي مِنْ الْعَادَاتِ، لَكِنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعَادَةِ هُوَ النِّيَّةُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْإِخْلَاصِ، كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، وَجَمِيعُ أَفْعَالِهِ ﷺ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهَا كَمَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ. وَأَقُولُ: قَدْ مَثَّلُوا لِسُنَّةِ الزَّوَائِدِ أَيْضًا «بِتَطْوِيلِهِ ﵊ الْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ» ، وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ ذَلِكَ عِبَادَةً، وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى كَوْنِ سُنَّةِ الزَّوَائِدِ عَادَةً أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهَا حَتَّى صَارَتْ عَادَةً لَهُ وَلَمْ يَتْرُكْهَا إلَّا أَحْيَانًا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ، فَهِيَ فِي نَفْسِهَا عِبَادَةٌ وَسُمِّيَتْ عَادَةً لِمَا ذَكَرْنَا. وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الدِّينِ وَشَعَائِرِهِ سُمِّيَتْ سُنَّةَ الزَّوَائِدِ، بِخِلَافِ سُنَّةِ الْهَدْيِ، وَهِيَ السُّنَنُ الْمُؤَكَّدَةُ الْقَرِيبَةُ مِنْ الْوَاجِبِ الَّتِي يُضَلَّلُ تَارِكُهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ، وَبِخِلَافِ النَّفْلِ فَإِنَّهُ كَمَا قَالُوا مَا شُرِعَ لَنَا زِيَادَةً عَلَى الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ بِنَوْعَيْهَا؛ وَلِذَا جَعَلُوا قِسْمًا رَابِعًا، وَجَعَلُوا مِنْهُ الْمَنْدُوبَ وَالْمُسْتَحَبَّ، وَهُوَ مَا وَرَدَ بِهِ دَلِيلُ نَدْبٍ يَخُصُّهُ، كَمَا فِي التَّحْرِيرِ؛ فَالنَّفَلُ مَا وَرَدَ بِهِ دَلِيلُ نَدْبٍ عُمُومًا أَوْ خُصُوصًا وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ؛ وَلِذَا كَانَ دُونَ سُنَّةِ الزَّوَائِدِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ. وَقَدْ يُطْلَقُ النَّفَلُ عَلَى مَا يَشْمَلُ السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: بَابُ الْوَتْرِ وَالنَّوَافِلِ، وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْحَجِّ نَافِلَةً لِأَنَّ النَّفَلَ الزِّيَادَةُ، وَهُوَ زَائِدٌ عَلَى الْفَرْضِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ الْعَامَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَثْلِيثِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَمِنْ رَفْعِهِمَا لِلتَّحْرِيمَةِ مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ، فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَا ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْكَمَالِ، فَاغْتَنِمْ تَحْقِيقَ هَذَا الْمَحَلِّ فَإِنَّك لَا تَجِدْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (قَوْلُهُ: أَفَادَ إلَخْ) حَيْثُ ذَكَرَ السُّنَنَ عَقِبَ الْأَرْكَانِ هُنَا وَفِي الْغُسْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمَا وَاجِبًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ مُفِيدًا ذَلِكَ لَقَدَّمَ ذِكْرَ الْوَاجِبِ عَلَى السُّنَنِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى، فَمُقْتَضَى الصِّنَاعَةِ تَقْدِيمُهُ. وَأَرَادَ بِالْوَاجِبِ مَا كَانَ دُونَ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ، وَهُوَ أَضْعَفُ نَوْعَيْ الْوَاجِبِ، لَا مَا يَشْمَلُ النَّوْعَ الْآخَرَ، وَهُوَ مَا كَانَ فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ، لِأَنَّ غَسْلَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ وَمَسْحَ رُبُعِ الرَّأْسِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ الثَّانِي، وَكَذَا غَسْلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْفَرْضِ الْقَطْعِيِّ الَّذِي يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لِلْوُضُوءِ وَلِلْغُسْلِ عَنْ نَفْسِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ فَرْضًا وَوَاجِبًا وَسُنَّةً وَنَفْلًا كَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ، وَكَذَا الْغُسْلُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ (قَوْلُهُ: وَجَمَعَهَا) أَيْ السُّنَنَ حَيْثُ أَتَى بِهَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا مُفْرَدَةً كَمَا قَالَ فِي الْكَنْزِ وَسُنَّتُهُ. (قَوْلُهُ: مُسْتَقِلَّةٌ بِدَلِيلٍ وَحُكْمٍ) قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ عِنْدَ مَنْ تَأَمَّلَ فِي الْهِدَايَةِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِ السُّنَّةِ وَتَرْكِهَا مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَتَرَتَّبُ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ مِنْهَا وَتَرْكِهِ مُنْفَرِدَةً كَانَتْ أَوْ مُجْتَمِعَةً مَعَ أَخَوَاتِهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي الْفَرْضِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَجْمُوعُ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحِ

стр. 99

وَحُكْمُهَا مَا يُؤْجَرُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ، وَكَثِيرًا مَا يُعَرِّفُونَ بِهِ لِأَنَّهُ مَحَطُّ مَوَاقِعِ أَنْظَارِهِمْ. وَعَرَّفَهَا الشُّمُنِّيُّ بِمَا ثَبَتَ بِقَوْلِهِ ﵊ أَوْ بِفِعْلِهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ لَكِنَّهُ تَعْرِيفٌ لِمُطْلَقِهَا، وَالشَّرْطُ فِي الْمُؤَكَّدَةِ الْمُوَاظَبَةُ مَعَ تَرْكٍ وَلَوْ حُكْمًا، لَكِنَّ شَأْنَ الشُّرُوطِ أَنْ لَا تُذْكَرَ فِي التَّعَارِيفِ. ــ [رد المحتار] الرَّأْسِ، لَا أَنَّ كُلًّا مِنْهَا فَرْضٌ مُسْتَقِلٌّ يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ حُكْمُ الْفَرْضِ؛ وَلِذَلِكَ آثَرَ فِيهِ صِيغَةَ الْمُفْرَدِ، وَمَنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ الْأَنِيقَةِ سَلَكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَسْلَكَ الْإِفْرَادِ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ فِيمَا مَرَّ: وَرُكْنُ الْوُضُوءِ بِالْإِفْرَادِ لِاتِّحَادِ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْآيَةُ، وَاتِّحَادِ الْحُكْمِ بِدَلِيلِ فَسَادِ الْبَعْضِ بِتَرْكِ الْبَعْضِ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: مَا يُؤْجَرُ إلَخْ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ لَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَى السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ لَهَا الْأَجْرُ وَاللَّوْمُ عَلَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَى الْأَجْرِ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ: أَيْ الْأَجْرُ الَّذِي يُؤْجَرُهُ؛ وَعَلَى كُلٍّ؛ فَالْمُنَاسِبُ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَيُلَامُ) أَيْ يُعَاتَبُ بِالتَّاءِ لَا يُعَاقَبُ، كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، لَكِنْ فِي التَّلْوِيحِ تَرْكُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ قَرِيبٌ مِنْ الْحَرَامِ يَسْتَحِقُّ حِرْمَانَ الشَّفَاعَةِ، لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ تَرَكَ سُنَنِي لَمْ يَنَلْ شَفَاعَتِي» . اهـ. وَفِي التَّحْرِيرِ: إنَّ تَارِكَهَا يَسْتَوْجِبُ التَّضْلِيلَ وَاللَّوْمَ،. اهـ. وَالْمُرَادُ التَّرْكُ بِلَا عُذْرٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِصْرَارِ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اكْتَفَى بِالْغَسْلِ مَرَّةً إنْ اعْتَادَهُ أَثِمَ، وَإِلَّا لَا. وَفِي الْبَحْرِ مِنْ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاسْمَ مَنُوطٌ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ مَنْ تَرَكَ سُنَنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قِيلَ: لَا يَأْثَمُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْثَمُ، ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَتَصْرِيحُهُمْ بِالْإِثْمِ لِمَنْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ مَعَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَا فِي نَظَائِرِهِ لِمَنْ تَتَبَّعَ كَلَامَهُمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِثْمَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ بَعْضُهُ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، فَالْإِثْمُ لِتَارِكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ أَخَفُّ مِنْ الْإِثْمِ لِتَارِكِ الْوَاجِبِ. اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ هُنَاكَ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ مَعْزِيًّا إلَى أُصُولِ أَبِي الْيُسْرِ: حُكْمُ السُّنَّةِ أَنْ يُنْدَبَ إلَى تَحْصِيلِهَا، وَيُلَامَ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ لُحُوقِ إثْمٍ يَسِيرٍ. (قَوْلُهُ: وَكَثِيرًا إلَخْ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَمَا زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الْكَثْرَةِ: أَيْ وَيُعَرِّفُونَ بِالْحُكْمِ تَعْرِيفًا كَثِيرًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إلَخْ) الْمَحَطُّ: مَوْضِعُ الْحَطِّ مُقَابِلُ الرَّفْعِ، وَمَوَاقِعُ جَمْعُ مَوْقِعٍ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ وَالْأَنْظَارُ جَمْعُ نَظَرٍ: بِمَعْنَى التَّأَمُّلِ وَالتَّفْكِيرِ أَيْ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ مَحَلُّ وُقُوعِ أَنْظَارِهِمْ، أَيْ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ لِلْفُقَهَاءِ (قَوْلُهُ: وَعَرَّفَهَا الشُّمُنِّيُّ) أَيْ عَرَّفَ السُّنَّةَ اصْطِلَاحًا، أَمَّا هِيَ لُغَةً فَالطَّرِيقَةُ مُطْلَقًا وَلَوْ قَبِيحَةً ط (قَوْلُهُ: أَوْ بِفِعْلِهِ) يَنْبَغِي زِيَادَةُ أَوْ تَقْرِيرُهُ إلَّا أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ عَدَمُ النَّهْيِ عَمَّا يَقَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﵊، يَعْنِي أَنَّهُ كَفٌّ، وَالْكَفُّ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ ط (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) مُرَادُهُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْفَرْضَ ط (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ تَعْرِيفٌ لِمُطْلَقِهَا) أَيْ لِمُطْلَقِ السُّنَّةِ الشَّامِلِ لِقِسْمَيْهَا، وَهُمَا السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ الْمُسَمَّاةُ سُنَّةَ الْهَدْيِ، وَغَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ الْمُسَمَّاةُ سُنَّةَ الزَّوَائِدِ. وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ الْمُرَادِفُ لِلنَّفْلِ وَالْمَنْدُوبِ فَهُوَ قَسِيمٌ لَهَا لَا قِسْمٌ مِنْهَا، كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَافْهَمْ، وَأَفَادَ بِالِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السُّنَّةِ هُنَا هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي النَّهْرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ حُكْمًا) كَعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ لِأَنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّرْكِ حَقِيقَةً، فَدَخَلَ الِاعْتِكَافُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ ﵊ وَإِنْ وَاظَبَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ وَمُقْتَضَاهَا وُجُوبُ الِاعْتِكَافِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يُنْكِرْ ﵊ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْتَكِفْ كَانَ ذَلِكَ مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ التَّرْكِ حَقِيقَةً، وَالْمُرَادُ أَيْضًا الْمُوَاظَبَةُ وَلَوْ حُكْمًا لِتَدْخُلَ التَّرَاوِيحُ، فَإِنَّهُ ﷺ بَيَّنَ الْعُذْرَ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا، وَهُوَ خَوْفُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْنَا ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ، وَمُفَادُهُ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ بِلَا تَرْكٍ تُفِيدُ الْوُجُوبَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ يُخَالِفُ، فَإِنَّهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى سُنِّيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ

стр. 100

وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ الْمُبَاحَ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمَنْظُورُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ التَّوَقُّفُ، إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ كَثِيرًا مَا يَلْهَجُونَ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ فَالتَّعْرِيفُ بِنَاءً عَلَيْهِ. (الْبِدَايَةُ بِالنِّيَّةِ) ــ [رد المحتار] قَالَ: لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَهُمَا عَلَى الْمُوَاظَبَةِ، ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ السُّنَّةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ لَا مَعَ التَّرْكِ فَهِيَ دَلِيلُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا فَهِيَ دَلِيلُ غَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِالْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَهِيَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، فَافْهَمْ هَذَا فَإِنَّ بِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ. اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ هَذَا بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمُوَاظَبُ عَلَيْهِ مِمَّا اخْتَصَّ وُجُوبُهُ بِهِ ﵊؛ أَمَّا إذَا كَانَ كَصَلَاةِ الضُّحَى فَإِنَّ عَدَمَ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ التَّرْكِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ التَّرْكُ بِكَوْنِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ؛ لِيَخْرُجَ الْمَتْرُوكُ لِعُذْرٍ كَالْقِيَامِ الْمَفْرُوضِ. وَكَأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَهُ لِأَنَّ التَّرْكَ لِعُذْرٍ لَا يُعَدُّ تَرْكًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ عَلَى تَعْرِيفِ الشُّمُنِّيِّ، وَحَاصِلُهُ النَّقْضُ بِعَدَمِ الْمَنْعِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ التَّوَقُّفُ، بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ، هَلْ هُوَ الْإِبَاحَةُ أَوْ الْحَظْرُ؟ لَا تُعْلَمُ إبَاحَةُ الْمُبَاحِ إلَّا بِقَوْلِهِ ﵊ أَوْ فِعْلِهِ، فَيَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ السُّنَّةِ، إلَّا أَنْ يُزَادَ فِي التَّعْرِيفِ وَلَا مُبَاحَ. قَالَ ط: وَكَذَا يَرِدُ الْمُبَاحُ عَلَى الْقَوْلٍ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ الْإِيرَادِ. قَالَ فِي الصِّحَاح: اللَّهَجُ بِالشَّيْءِ الْوَلُوعُ بِهِ، وَقَدْ لَهِجَ بِالْكَسْرِ يَلْهَجُ لَهَجًا: إذَا غُرِيَ بِهِ. اهـ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَنْطِقُونَ بِهِ كَثِيرًا ط. مَطْلَبٌ الْمُخْتَارُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ أَقُولُ: وَصَرَّحَ فِي التَّحْرِيرِ بِأَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ اهـ وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ، وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ فَصْلِ الْحِدَادِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَوَائِلِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهُوَ قَوْلُ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ لَا سِيَّمَا الْعِرَاقِيِّينَ. قَالُوا: وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِيمَنْ هَدَّدَ بِالْقَتْلِ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ بِقَوْلِهِ: خِفْت أَنْ يَكُونَ آثِمًا؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَشُرْبَ الْخَمْرِ لَمْ يُحَرَّمَا إلَّا بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا، فَجَعَلَ الْإِبَاحَةَ أَصْلًا وَالْحُرْمَةَ بِعَارِضِ النَّهْيِ. اهـ. وَنُقِلَ أَيْضًا أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِلشَّيْخِ أَكْمَلِ الدِّينِ فِي شَرْحِ أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ فِي بَابِ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ أَنَّ الْإِبَاحَةَ رَأْيُ الْمُعْتَزِلَةِ فِيهِ نَظَرٌ، فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: فَالتَّعْرِيفُ بِنَاءً عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ. أَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ نَافِعٌ فِيمَا سَكَتَ عَنْهُ الشَّارِعُ، وَبَقِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، أَمَّا مَا نَصَّ عَلَى إبَاحَتِهِ أَوْ فِعْلِهِ ﵊ فَلَا يَنْفَعُ، وَقَدْ نَصَّ فِي التَّحْرِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ يُطْلَقُ عَلَى مُتَعَلِّقِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى مُتَعَلِّقِ الْإِبَاحَةِ الشَّرْعِيَّةِ. فَالْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي التَّعْرِيفِ مَا ثَبَتَ ثُبُوتُ طَلَبِهِ لَا ثُبُوتُ شَرْعِيَّتِهِ، وَالْمُبَاحُ غَيْرُ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ، وَأَنَّمَا هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ. (قَوْلُهُ: الْبِدَايَةُ) قِيلَ: الصَّوَابُ الْبُدَاءَةُ بِالْهَمْزَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقَامُوسِ مِنْ الْيَائِيِّ، وَبَدَيْتُ بِالشَّيْءِ وَبَدِيتُ ابْتَدَأْت اهـ أَيْ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا. مَطْلَبٌ الْفَرْقُ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ وَالْعَزْمِ (قَوْلُهُ: بِالنِّيَّةِ) بِالتَّشْدِيدِ وَقَدْ تُخَفَّفُ قُهُسْتَانِيٌّ. وَهِيَ لُغَةً عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى الشَّيْءِ. وَاصْطِلَاحًا كَمَا فِي التَّلْوِيحِ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إيجَاد الْفِعْلِ، وَدَخَلَ فِيهِ الْمَنْهِيَّاتُ، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ كَفُّ النَّفْسِ، الْعَزْمُ وَالْقَصْدُ وَالنِّيَّةُ اسْمٌ لِلْإِرَادَةِ الْحَادِثَةِ، لَكِنْ الْعَزْمُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْقَصْدُ الْمُقْتَرِنُ بِهِ وَالنِّيَّةُ الْمُقْتَرِنُ بِهِ مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ الْعِلْمِ بِالْمَنْوِيِّ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ.

стр. 101

أَيْ نِيَّةِ عِبَادَةٍ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ كَوُضُوءٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ أَوْ امْتِثَالِ أَمْرٍ ــ [رد المحتار] مَطْلَبٌ الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَالْقُرْبَةِ وَالْعِبَادَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ نِيَّةِ عِبَادَةٍ) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالطَّاعَةِ لِيَشْمَلَ نَحْوَ مَسِّ الْمُصْحَفِ، فَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا أَنَّ الطَّاعَةَ فِعْلُ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ تَوَقَّفَ عَلَى نِيَّةٍ أَوْ لَا، عُرِفَ مَنْ يَفْعَلُهُ لِأَجْلِهِ أَوْ لَا. وَالْقُرْبَةُ فِعْلُ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَنْ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى نِيَّةٍ. وَالْعِبَادَةُ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ، فَنَحْوُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ مِنْ كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالْوَقْفُ وَالْعِتْقُ وَالصَّدَقَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ لَا عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى طَاعَةٌ لَا قُرْبَةٌ وَلَا عِبَادَةٌ اهـ وَقَوَاعِدُ مَذْهَبِنَا لَا تَأْبَاهُ حَمَوِيٌّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ النَّظَرُ قُرْبَةً لِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَحْصُلُ بَعْدَهُ وَلَا عِبَادَةَ لِعَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلَى النِّيَّةِ (قَوْلُهُ: لَا تَصِحُّ) الْأَوْلَى لَا تَحِلُّ، كَمَا فِي الْفَتْحِ؛ لِيَشْمَلَ مِثْلَ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالطَّوَافِ. اهـ. ح. وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ مَسَّ الْمُصْحَفِ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لَهُ لَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ بِهِ، فَإِنَّ النِّيَّةَ الْمَسْنُونَةَ فِي الْوُضُوءِ هِيَ الْمَشْرُوطَةُ فِي التَّيَمُّمِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الرَّحْمَتِيِّ: وَبَيَانُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ عِنْدَنَا بِالْوُضُوءِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْوِيًّا، وَإِنَّمَا تُسَنُّ النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ لِيَكُونَ عِبَادَةً، فَإِنَّهُ بِدُونِهَا لَا يُسَمَّى عِبَادَةً مَأْمُورًا بِهَا كَمَا يَأْتِي وَإِنْ صَحَّتْ بِهِ الصَّلَاةُ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ بِهِ فَالنِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ شَرْطٌ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً، وَفِي التَّيَمُّمِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ بِهِ. وَلَمَّا لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ الْمَنْوِيِّ بِهِ اسْتِبَاحَةَ مَسِّ الْمُصْحَفِ عُلِمَ أَنَّ الْوُضُوءَ الْمَنْوِيَّ بِهِ ذَلِكَ لَيْسَ عِبَادَةً؛ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ عَنْ عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ الْمَذْكُورِ عَدَمُ كَوْنِ ذَلِكَ الْوُضُوءِ عِبَادَةً لِأَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ أَقْوَى، عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ ضَرُورِيَّةٌ فَيُحْتَاطُ فِي شُرُوطِهَا؛ وَلِذَا شَرَطُوا فِي التَّيَمُّمِ نِيَّةَ عِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ كَوْنَ الْعِبَادَةِ مَقْصُودَةً غَيْرُ شَرْطٍ فِي النِّيَّةِ الْمَسْنُونَةِ لِلْوُضُوءِ فَيَدْخُلُ مِثْلُ مَسِّ الْمُصْحَفِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: كَوُضُوءٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْوُضُوءَ وَرَفْعَ الْحَدَثِ لَيْسَا عِبَادَةً لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِمَا عَلَى النِّيَّةِ عِنْدَنَا بَلْ هُمَا قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ كَمَا عَلِمْت، عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا مِمَّا لَا يَحِلُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ كَمَا أَفَادَهُ ح؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عَيْنُ الطَّهَارَةِ وَرَفْعُ الْحَدَثِ، وَكَذَا امْتِثَالُ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لَازِمَانِ مِنْ لَوَازِمِ وُجُودِهَا، فَقَوْلُهُ: كَوُضُوءٍ لَيْسَ تَمْثِيلًا لِلْعِبَادَةِ بَلْ تَنْظِيرٌ لِلْمَنْوِيِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَصْوَبَ أَنْ يَقُولَ أَوْ وُضُوءٌ بِالْعَطْفِ عَلَى عِبَادَةٍ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ هُوَ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَأَيَّدَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ لَا تَكْفِي فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ، وَكَأَنَّهُ لِأَنَّهَا مُتَنَوِّعَةٌ إلَى إزَالَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ فَلَمْ يَنْوِ خُصُوصَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، فَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ كَفَى؛ لِأَنَّهُ وَرَفْعَ الْحَدَثِ سَوَاءٌ، بَلْ هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ يَشْمَلُ الْغُسْلَ فَكَانَ الْوُضُوءُ أَوْلَى اهـ. لَا يُقَالُ: تَنَوُّعُ رَفْعِ الْحَدَثِ إلَى الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَالطَّهَارَةِ. لِأَنَّا نَقُولُ: تَنَوُّعُهُ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْغُسْلَ فِي ضِمْنِهِ وُضُوءٌ فَلَمْ يَكُنْ نَاوِيًا خِلَافَ مَا أَرَادَ بِخِلَافِ تَنَوُّعِ الطَّهَارَةِ، فَافْهَمْ، وَقَدْ مَشَى الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةِ الطَّهَارَةِ وَوَافَقَهُ فِي السِّرَاجِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ. وَفِي الْأَشْبَاهِ: وَعِنْدَ الْبَعْضِ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ تَكْفِي. أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي تَيَمُّمِ الْبَدَائِعِ عَنْ الْقُدُورِيِّ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا نَوَى الطَّهَارَةَ أَجْزَأَهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبَحْرِ هُنَاكَ، لَكِنْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالتُّرَابِ لَا تَتَنَوَّعُ بِخِلَافِهَا بِالْمَاءِ، وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ هُنَاكَ أَيْضًا أَنَّ نِيَّةَ التَّيَمُّمِ لَا تَكْفِي لِصِحَّتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَا فِي النَّوَادِرِ وَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ، بَلْ الْمُعْتَمَدُ اشْتِرَاطُ نِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ. اهـ. وَلَعَلَّ الْفَرْقَ

стр. 102

وَصَرَّحُوا أَنَّهَا بِدُونِهَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا، وَبِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَفِي التَّوَضُّؤِ بِسُؤْرِ حِمَارٍ وَنَبِيذِ تَمْرٍ كَالتَّيَمُّمِ. وَبِأَنَّ وَقْتَهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ. وَفِي الْأَشْبَاهِ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلرُّسْغَيْنِ لِيَنَالَ ثَوَابَ السُّنَنِ. ــ [رد المحتار] بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ أَنَّ كُلَّ وُضُوءٍ تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّ مِنْهُ مَا لَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ كَالتَّيَمُّمِ لِمَسِّ مُصْحَفٍ، فَلِذَا لَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ الْمُطْلَقِ، تَأَمَّلْ. هَذَا، وَأَوْرَدَ فِي الْبَحْرِ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْ امْتِثَالُ أَمْرٍ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ؛ إذْ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْوُضُوءَ لَا يَكُونُ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ وَشَرْطُهَا فَرْضٌ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. اهـ. وَأَجَابَ ط بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَهُوَ إحْدَى الثَّلَاثِ الَّتِي الْمَنْدُوبُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْفَرْضِ. اهـ. أَقُولُ: عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِ الْحَدَثُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ لَا يَنْوِي إزَالَةَ الْحَدَثِ وَلَا إبَاحَةَ الصَّلَاةِ. وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنْ يَنْوِيَ التَّجْدِيدَ، فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَيَكُونُ عِبَادَةً كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ شَرْحِ الْبُرْجَنْدِيِّ. أَقُولُ: فِيهِ أَنَّ التَّجْدِيدَ لَيْسَ عِبَادَةً لَا تَحِلُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَنْوِي الْوُضُوءَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ تَكْفِي أَوْ يَنْوِي امْتِثَالَ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ (قَوْلُهُ: وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ بِدُونِهَا) أَيْ الْوُضُوءَ بِدُونِ النِّيَّةِ لَيْسَ عِبَادَةً، وَذَلِكَ كَأَنْ دَخَّلَ الْمَاءَ مَدْفُوعًا أَوْ مُخْتَارًا لِقَصْدِ التَّبَرُّدِ أَوْ لِمُجَرَّدِ إزَالَةِ الْوَسَخِ كَمَا فِي الْفَتْحِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: لَا نِزَاعَ لِأَصْحَابِنَا أَيْ مَعَ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الْوُضُوءَ الْمَأْمُورَ بِهِ لَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ، إنَّمَا نِزَاعُهُمْ فِي تَوَقُّفِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَأَشَارَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ إلَى هَذَا. وَقَالَ الدَّبُوسِيُّ فِي أَسْرَارِهِ: وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا يَظُنُّونَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ الْوُضُوءِ يَتَأَدَّى مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ عِبَادَةٌ، وَالْوُضُوءُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ. وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: لَا كَلَامَ فِي أَنَّ الْوُضُوءَ الْمَأْمُورَ بِهِ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ، لَكِنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ الْمَأْمُورَ بِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الطَّهَارَةُ وَهِيَ تَحْصُلُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِالطَّبْعِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا) أَيْ إثْمًا يَسِيرًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْكَشْفِ، وَالْمُرَادُ التَّرْكُ بِلَا عُذْرٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِصْرَارِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَيْضًا عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَيْهَا كَمَا حَقَّقَهُ فِي الْفَتْحِ رَادًّا عَلَى الْقُدُورِيِّ حَيْثُ جَعَلَهَا مُسْتَحَبَّةً. (قَوْلُهُ: وَبِأَنَّهَا فَرْضٌ إلَخْ) الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ وَبِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي كَوْنِ الْوُضُوءِ عِبَادَةً لَا مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ، فَإِنَّ تَارِكَ النِّيَّةِ لَا يُعَاقَبُ عِقَابَ تَرْكِ الْفَرْضِ وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ انْتِقَاءَ الْمَلْزُومِ، وَالشَّرْطُ لَا يَكُونُ فَرْضًا إلَّا إذَا كَانَ شَرْطَ الصِّحَّةِ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي كَوْنِ الْوُضُوءِ عِبَادَةً فَقَطْ. اهـ. ح يُؤَيِّدُهُ أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ كَمَا حَقَّقَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ كَمَالٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ. وَفِي الْبَحْرِ: وَلَيْسَتْ النِّيَّةُ بِشَرْطٍ فِي كَوْنِ الْوُضُوءِ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ إنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلثَّوَابِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: يُثَابُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِسُؤْرِ حِمَارٍ) نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالْوِقَايَةِ مَعْزِيًّا لِلْكِفَايَةِ. وَفِي الْفَتْحِ: وَاخْتَلَفُوا فِي النِّيَّةِ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْوِيَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْأَحْوَطَ الْقَوْلُ بِلُزُومِ النِّيَّةِ، تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَنَبِيذِ تَمْرٍ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ بِجَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ فَهُوَ كَالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْمَاءِ حَتَّى لَا يَجُوزَ بِهِ حَالَ وُجُودِ الْمَاءِ وَيَنْتَقِضُ بِهِ إذَا وُجِدَ، ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ عَنْ أَصْحَابِنَا فَتْحٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَضَّأُ بِهِ مَعَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ ` الْمَاءِ، كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ وَقْتَهَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِأَنَّهُ بِدُونِهَا (قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ) أَيْ النِّيَّةُ. وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْأَشْبَاهِ يَكُونُ بِالْبَاءِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ يَكُونُ وَقْتُهَا،

стр. 103

قُلْت: لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَمَحَلُّهَا قَبْلَ سَائِرِ السُّنَنِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ، فَلَا تُسَنُّ عِنْدَنَا قُبَيْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ، كَمَا تُفْرَضُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. اهـ. وَفِيهَا سَبْعُ سُؤَالَاتٍ مَشْهُورَةٍ نَظَمَهَا الْعِرَاقِيُّ فَقَالَ: سَبْعُ سُؤَالَاتٍ لِذِي الْفَهْمِ أَتَتْ ... تُحْكَى لِكُلِّ عَالِمٍ فِي النِّيَّهْ حَقِيقَةٌ حُكْمٌ مَحَلٌّ زَمَنٌ ... وَشَرْطُهَا وَالْقَصْدُ وَالْكَيْفِيَّهْ (وَ) الْبُدَاءَةُ (بِالتَّسْمِيَةِ) قَوْلًا، ــ [رد المحتار] فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْبَغِي بِمَعْنَى يُطْلَبُ، وَعَلَى الثَّانِي هِيَ مَا يَسْتَعْمِلُهَا الْعُلَمَاءُ فِي مَقَامِ الْبَحْثِ فِيمَا لَا نَقْلَ فِيهِ، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْأَشْبَاهِ (قَوْلُهُ: قُلْت: لَكِنَّ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْأَشْبَاهِ بِأَنَّ مَا بَحَثَهُ مَنْقُولٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَمَوِيُّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ. قَالَ فِي [إمْدَادِ الْفَتَّاحِ] : وَأَمَّا وَقْتُهَا فَعِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ حَتَّى قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ اهـ أَيْ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ بَلْ مِنْ أَقْوَى سُنَنِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ هُنَا. مَطْلَبٌ: سَائِرٌ بِمَعْنَى بَاقِي لَا بِمَعْنَى جَمِيعٍ (قَوْلُهُ: قَبْلَ سَائِرِ السُّنَنِ) سَائِرٌ هُنَا بِمَعْنَى بَاقِي لَا بِمَعْنَى جَمِيعِ، وَإِلَّا لَكَانَ مَحَلُّهَا قَبْلَ نَفْسِهَا. اهـ. ح وَأَفَادَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَهْمٌ أَوْ قَلِيلٌ (قَوْلُهُ: فَلَا تُسَنُّ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مَحَلُّ سُنِّيَّتِهَا عِنْدَنَا هُوَ مَحَلُّ فَرْضِيَّتِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ الَّذِي هُوَ قُبَيْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ (قَوْلُهُ: لِذِي الْفَهْمِ) أَيْ الْإِدْرَاكِ، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أَتَتْ، أَوْ بِقَوْلِهِ تُحْكَى أَيْ تُذْكَرُ، أَوْ بِسُؤَالَاتٍ، أَوْ حَالٌ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: فِي النِّيَّةِ، لَكِنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ جَوَازُ تَعَلُّقِهِ بِعَالِمٍ عَلَى أَنَّ فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ (قَوْلُهُ: حَقِيقَةٌ) قَدَّمْنَا بَيَانَ حَقِيقَتِهَا لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، (قَوْلُهُ: حُكْمٌ) هُوَ أَنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَشَرْطٌ فِي الْمَقَاصِدِ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَفِي التَّيَمُّمِ وَفِي الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَسُؤْرِ الْحِمَارِ وَفِي نَحْوِ الْكَفَّارَاتِ وَفِي صَيْرُورَةِ الْمَنْوِيِّ بِهَا عِبَادَةً (قَوْلُهُ: مَحَلٌّ) هُوَ الْقَلْبُ، فَلَا يَكْفِي التَّلَفُّظُ بِاللِّسَانِ دُونَهُ إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ أَنْ يُحْضِرَ قَلْبَهُ لِيَنْوِيَ بِهِ أَوْ يَشُكَّ فِي النِّيَّةِ فَيَكْفِيه اللِّسَانُ. وَهَلْ يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا أَوْ يُسَنُّ أَوْ يُكْرَهُ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ اخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ الْأَوَّلَ لِمَنْ لَا تَجْتَمِعُ عَزِيمَتُهُ. وَفِي الْفَتْحِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ التَّلَفُّظُ بِهَا لَا فِي حَدِيثِ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ، وَزَادَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَلَا عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَتَمَامُهُ فِي الْأَشْبَاهِ فِي بَحْثٍ (قَوْلُهُ: زَمَنٌ) هُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَاتِ وَلَوْ حُكْمًا؛ كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ حَضَرَ الْمَسْجِدَ وَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِتِلْكَ النِّيَّةِ بِلَا فَاصِلٍ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ، وَكَنِيَّةِ الزَّكَاةِ عِنْدَ عَزْلِ مَا وَجَبَ، وَنِيَّةِ الصَّوْمِ عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَالْحَجِّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، كَمَا بَسَطَهُ فِي الْأَشْبَاهِ. (قَوْلُهُ:: وَشَرْطُهَا) هُوَ الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ وَالْعِلْمُ بِالْمَنْوِيِّ وَأَنْ لَا يَأْتِيَ بِمُنَافٍ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالْمَنْوِيِّ، وَبَيَانُهُ فِي الْأَشْبَاهِ (قَوْلُهُ: وَالْقَصْدُ) أَيْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ. قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: قَالُوا: الْمَقْصُودُ مِنْهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ مِنْ الْعَادَاتِ وَتَمْيِيزُ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضِ كَالْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ قَدْ يَكُونُ حَمِيَّةً أَوْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَمَا لَا يَكُونُ عَادَةً أَوْ لَا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ لَا تُشْتَرَطُ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْمَعْرِفَةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالنِّيَّةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَذَانِ. . (قَوْلُهُ:: وَالْكَيْفِيَّةُ) أَيْ الْهَيْئَةُ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ لِكَيْفِ اسْمُ الِاسْتِفْهَامِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُسْأَلَ بِهَا عَنْ حَالِ الْأَشْيَاءِ، فَمَا يُجَابُ بِهِ يُقَالُ فِيهِ كَيْفِيَّةٌ، فَهِيَ الْهَيْئَةُ الَّتِي يُجَابُ بِهَا السَّائِلُ عَنْ حَالِ شَيْءٍ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ هُوَ، كَقَوْلِهِ: كَيْفَ زَيْدٌ، فَتَقُولُ: صَحِيحٌ أَوْ سَقِيمٌ، فَيُقَالُ هُنَا: يَنْوِي فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ اسْتِبَاحَةَ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ مَثَلًا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، ثُمَّ رَأَيْت نَحْوَهُ فِي الْإِمْدَادِ، فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: قَوْلًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ سُنِّيَّةِ الِابْتِدَاءِ بِهَا وَبِالنِّيَّةِ وَبِغَسْلِ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَالتَّسْمِيَةُ مَحَلُّهَا اللِّسَانُ وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ بِالْفِعْلِ، أَفَادَهُ ط، لَكِنْ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ

стр. 104

وَتَحْصُلُ بِكُلِّ ذِكْرٍ، لَكِنَّ الْوَارِدَ عَنْهُ ﵊ «بِاسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ» (قَبْلَ الِاسْتِنْجَاء وَبَعْده) إلَّا حَالَ انْكِشَافٍ وَفِي مَحَلِّ نَجَاسَةٍ فَيُسَمِّي بِقَلْبِهِ؛ وَلَوْ نَسِيَهَا فَسَمَّى فِي خِلَالِهِ لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ، بَلْ الْمَنْدُوبُ. وَأَمَّا الْأَكْلُ فَتَحْصُلُ السُّنَّةُ فِي بَاقِيهِ لَا فِيمَا فَاتَ، وَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ. ــ [رد المحتار] أَنَّ مُرَاعَاةَ اسْتِحْبَابِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ يُفَوِّتُ الْبَدْءَ بِالتَّسْمِيَةِ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ إضَافِيًّا اهـ. (قَوْلُهُ:: وَتَحْصُلُ بِكُلِّ ذِكْرٍ) فَلَوْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ حَمِدَ كَانَ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ يَعْنِي لِأَصْلِهَا وَكَمَالِهَا بِمَا يَأْتِي، أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْوَارِدَ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: لَفْظُهَا الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ، وَقِيلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «بِاسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ» قِيلَ: الْأَفْضَلُ " بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " بَعْدَ التَّعَوُّذِ. وَفِي الْمُجْتَبَى يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْعَيْنِيِّ الْمَرْوِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «بِاسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ اهـ. (قَوْلُهُ: قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْوُضُوءِ، وَالْبُدَاءَةُ فِي الْوُضُوءِ شُرِعَتْ بِالتَّسْمِيَةِ حِلْيَةٌ، وَفِيهَا: ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ. أَمَّا عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» وَزَادَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ السَّكَنِ فِي أَوَّلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ " وَالْخُبُثُ: بِضَمَّتَيْنِ وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الْبَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمَا ذُكْرَانُ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثُهُمْ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَبَعْدَهُ) لِأَنَّهُ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْوُضُوءِ دُرَرٌ؟ وَفِيهَا أَنَّ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ تُسَنُّ قَبْلَهُ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ بَعْدَهُ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا. اهـ. وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَقَاضِي خَانْ. (قَوْلُهُ: إلَّا حَالَ انْكِشَافٍ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُسَمِّي قَبْلَ رَفْعِ ثِيَابِهِ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَإِلَّا فَقَبْلَ دُخُولِهِ، فَلَوْ نَسِيَ فِيهِمَا سَمَّى بِقَلْبِهِ، وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ تَعْظِيمًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ: بَلْ الْمَنْدُوبُ) قَالَ فِي السِّرَاجِ: إنَّهُ يَأْتِي بِهَا لِئَلَّا يَخْلُوَ وُضُوءُهُ عَنْهَا، وَقَالُوا: إنَّهَا عِنْدَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ مَنْدُوبَةٌ نَهْرٌ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْأَكْلُ إلَخْ) أَيْ إذَا نَسِيَهَا فِي ابْتِدَائِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ فِي الْوُضُوءِ، وَقَالَ بِخِلَافِ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عَمَلٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ، فَإِنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ فِعْلٌ مُبْتَدَأٌ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ قَالَ كُلَّمَا أَكَلْتُ اللَّحْمَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ، فَعَلَيْهِ بِكُلِّ لُقْمَةٍ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ أَكْلٌ. اهـ. وَذُكِرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يَسْتَلْزِمُ فِي الْأَكْلِ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ فِي الْبَاقِي لَا اسْتِدْرَاكَ مَا فَاتَ، وَقَالَ شَارِحُ الْمُنْيَةِ: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ لِقَوْلِهِ ﷺ " «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَنَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى طَعَامِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَا حَدِيثَ فِي الْوُضُوءِ اهـ أَيْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ أَوَّلَهُ فَائِدَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْرَاكُ فِي الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ «بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرِهِ» لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي الْأَكْلِ وَلَا حَدِيثَ فِي الْوُضُوءِ. وَقَدْ يُقَالُ: إذَا حَصَلَ بِهِ الِاسْتِدْرَاكُ فِي الْأَكْلِ مَعَ أَنَّهُ أَفْعَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ يَحْصُلُ فِي الْوُضُوءِ بِالْأَوْلَى، لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ فَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ إذَا سَمَّى فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ (قَوْلُهُ: وَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ) أَيْ إذَا أَرَادَ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ فِيمَا فَاتَ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مَا لَمْ يَقُلْ. [تَتِمَّةٌ] مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالتَّسْمِيَةِ سُنَّةٌ هُوَ مُخْتَارُ الطَّحَاوِيِّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَرَجَّحَ فِي الْهِدَايَةِ نَدْبَهَا، قِيلَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ نَهْرٌ. وَتَعَجَّبَ صَاحِبُ الْبَحْرِ مِنْ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ حَيْثُ رَجَّحَ هُنَا وُجُوبَهَا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْحَقَّ مَا عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ. كَيْفَ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ فِيهَا

стр. 105

(وَ) الْبُدَاءَةُ (بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ) الطَّاهِرَتَيْنِ ثَلَاثًا قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ، وَقَيْدُ الِاسْتِيقَاظِ اتِّفَاقِيٌّ؛ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُ السُّنَّةِ بِوَقْتِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ مَفَاهِيمَ الْكُتُبِ حُجَّةٌ، - ــ [رد المحتار] حَدِيثًا ثَابِتًا. (قَوْلُهُ: وَالْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ: السُّنَّةُ تَقْدِيمُ غَسْلِ الْيَدِ؛ وَأَمَّا نَفْسُ الْغَسْلِ فَفَرْضٌ، وَلِلْإِشَارَةِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَ: الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ غَسْلُ يَدَيْهِ ابْتِدَاءً كَمَا قَالَ غَيْرُهُ اهـ. (قَوْلُهُ: الطَّاهِرَتَيْنِ) أَمَّا غَسْلُ النَّجِسَتَيْنِ فَوَاجِبٌ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: ثَلَاثًا) لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ، لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، فَافْهَمْ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ نَقَصَ غَسْلُهُمَا عَنْ الثَّلَاثِ كَانَ آتِيًا بِالسُّنَّةِ تَارِكًا لِكَمَالِهَا، عَلَى أَنَّهُ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ لِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَقِيقِيِّ يُطْلَقُ عَلَى الْإِضَافِيِّ أَيْضًا، وَهُمَا سُنَّتَانِ لَا وَاحِدَةٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَيْدُ الِاسْتِيقَاظِ) أَيْ الْوَاقِعُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا تَبَعًا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا» وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (قَوْلُهُ: اتِّفَاقِيٌّ) أَيْ غَيْرُ مَقْصُودِ الذِّكْرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: خَصَّ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ بِالْمُسْتَيْقِظِ تَبَرُّكًا بِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَالسُّنَّةُ تَشْمَلُ الْمُسْتَيْقِظَ وَغَيْرَهُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ. اهـ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَقْصُودٌ، وَأَنَّ غَسْلَهُمَا لِغَيْرِ الْمُسْتَيْقِظِ أَدَبٌ، كَمَا فِي السِّرَاجِ. وَفِي النَّهْرِ: الْأَصَحُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُطْلَقًا، لَكِنَّهُ عِنْدَ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَمَا إذَا نَامَ لَا عَنْ اسْتِنْجَاءٍ أَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَغَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ عِنْدَ عَدَمِ تَوَهُّمِهَا، كَمَا إذَا نَامَ إلَّا عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَيْقِظًا عَنْ نَوْمٍ اهـ وَنَحْوِهِ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ لِكَوْنِ الْقَيْدِ اتِّفَاقِيًّا وَأَنَّ الْغَسْلَ سُنَّةٌ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: بِوَقْتِ الْحَاجَةِ) أَيْ إلَى إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ. ابْنُ كَمَالٍ: فَيَكُونُ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ الْإِنَاءُ صَغِيرًا يُمْكِنُ رَفْعُهُ وَالصَّبُّ مِنْهُ لَا يُسَنُّ غَسْلُهُمَا مَعَ أَنَّهُ يُسَنُّ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَفَاهِيمَ الْكُتُبِ حُجَّةٌ) عِلَّةٌ لِلتَّوَهُّمِ: أَيْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِتَوَهُّمِ مَا ذُكِرَ لِأَنَّ إلَخْ. مَطْلَبٌ فِي دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ وَالْمَفَاهِيمُ: جَمْعُ مَفْهُومٍ، وَهُوَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى شَيْءٍ مَسْكُوتٍ عَنْهُ. وَهُوَ قِسْمَانِ: مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ: أَيْ غَيْرُ الْمَذْكُورِ مُوَافِقًا لِلْمَنْطُوقِ: أَيْ الْمَذْكُورِ فِي الْحُكْمِ؛ كَدَلَالَةِ النَّهْيِ عَنْ التَّأْفِيفِ عَلَى حُرْمَةِ الضَّرْبِ، وَهَذَا يُسَمَّى عِنْدَنَا دَلَالَةَ النَّصِّ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ اتِّفَاقًا. وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ أَقْسَامٌ: مَفْهُومُ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالْعَدَدِ وَاللَّقَبِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَّا مَفْهُومَ اللَّقَبِ. قَالَ فِي التَّحْرِيرِ: وَالْحَنَفِيَّةُ يَنْفُونَ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ بِأَقْسَامِهِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَقَطْ. اهـ. فَأَفَادَ أَنَّهُ فِي الرِّوَايَاتِ وَنَحْوِهَا مُعْتَبَرٌ بِأَقْسَامِهِ حَتَّى مَفْهُومِ اللَّقَبِ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِجَامِدٍ، كَقَوْلِك: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ وُجُوبِهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ. وَفِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيِّ أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ فِي خِطَابَاتِ الشَّارِعِ، فَأَمَّا مَا فِي مُتَفَاهَمِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ وَفِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ فَيَدُلُّ. اهـ. وَتَوْضِيحُ هَذَا الْمَحَلِّ

стр. 106

بِخِلَافِ أَكْثَرِ مَفَاهِيمِ النُّصُوصِ، كَذَا فِي النَّهْرِ وَفِيهِ مِنْ الْحَدِّ الْمَفْهُومِ مُعْتَبَرٌ فِي الرِّوَايَاتِ اتِّفَاقًا، وَمِنْهُ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ. قَالَ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ لَا مَا لَا يُدْرَكُ بِهِ. اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ حُدُودِ النِّهَايَةِ: الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ فِي نَصِّ الْعُقُوبَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]- وَأَمَّا اعْتِبَارُهُ فِي الرِّوَايَةِ فَأَكْثَرِيٌّ لَا كُلِّيٌّ (إلَى الرُّسْغَيْنِ) بِالضَّمِّ، مِفْصَلُ الْكَفِّ بَيْن الْكُوعَ وَالْكُرْسُوعِ، وَأَمَّا الْبُوعُ فَفِي الرِّجْلِ. قَالَ: وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي ... لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ فِي الْوَسَطِ وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٍ ... بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ ثُمَّ إنْ لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُ الْإِنَاءِ أَدْخَلَ أَصَابِعَ يُسْرَاهُ ــ [رد المحتار] يُطْلَبُ مِنْ حَوَاشِينَا عَلَى شَرْحِ الْمَنَارِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ أَكْثَرِ مَفَاهِيمِ النُّصُوصِ) كَالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ لِكَوْنِهَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَتَحْتَمِلُ فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَنْطُوقِ بِالذِّكْرِ؛ وَلِذَا تَرَى الْخَلَفَ يَسْتَفِيدُونَ مِنْهَا مَا لَمْ يُدْرِكْهُ السَّلَفُ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ؛ فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَقَعُ فِيهَا تَفَاوُتُ الْأَنْظَارِ، وَالْمُرَادُ مَفَاهِيمُ الْمُخَالَفَةِ. أَمَّا مَفَاهِيمُ الْمُوَافَقَةِ فَمُعْتَبَرَةٌ مُطْلَقًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَيَّدَهُ بِالْأَكْثَرِ لِأَنَّ مِنْ النُّصُوصِ مَا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهُ كَنَصِّ الْعُقُوبَةِ، كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ مِنْ الْحَدِّ) أَيْ فِي النَّهْرِ مِنْ كِتَابِ الْحَدِّ عِنْدَ ذِكْرِ الْجِنَايَاتِ (قَوْلُهُ: فِي الرِّوَايَاتِ) أَيْ عَنْ الْأَئِمَّةِ، وَالْمُرَادُ فِي أَكْثَرِهَا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الَّذِي يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهُ اتِّفَاقًا ط (قَوْلُهُ: تَقْيِيدُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ فِي أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ط (قَوْلُهُ: بِمَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ) أَيْ مَا لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجَالٌ وَتَصَرُّفٌ ط (قَوْلُهُ: لَا مَا لَمْ يُدْرَكْ بِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ وَالْمَرْفُوعُ نَصٌّ، وَالنَّصُّ لَا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهُ ط قَوْلُ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ كَمَا فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ، قَالُوا: إنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَخْذًا بِقَوْلِ عُمَرَ ﵁، لِتَعَيُّنِ جِهَةِ السَّمَاعِ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى إلَخْ) لِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ ذَكَرُوا مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ هَذِهِ الْآيَةَ؛ حَيْثُ جَعَلَ الْحَجْبَ عَنْ الرُّؤْيَةِ عُقُوبَةً لِلْفُجَّارِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُحْجَبُونَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِلْفُجَّارِ (قَوْلُهُ: فَأَكْثَرِيٌّ لَا كُلِّيٌّ) يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ، وَمِنْ غَيْرِ الْأَكْثَرِ مَا مَرَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْهِدَايَةِ بِالْمُسْتَيْقِظِ (قَوْلُهُ: إلَى الرُّسْغَيْنِ) تَثْنِيَةُ رُسْغٍ بِالسِّينِ وَالصَّادِ، وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَوْ بِضَمَّتَيْنِ، أَفَادَهُ فِي الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ:: مِفْصَلُ الْكَفِّ) عَلَى وَزْنِ مِنْبَرٍ: مُلْتَقَى الْعَظْمَاتِ مِنْ الْجَسَدِ قَامُوسٌ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلَى مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ؛ فَلِذَا سَاغَ تَفْسِيرُ الْمُثَنَّى بِهِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ الشَّاعِرُ، وَتَسَاهَلُوا فِي حَذْفِ فَاعِلِهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ النَّظْمَ إلَّا شَاعِرٌ ط (قَوْلُهُ: لِخِنْصَرِهِ) أَيْ الشَّخْصِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ ط (قَوْلُهُ: فِي الْوَسَطِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا وَسَطَ: أَيْ مَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: فَخُذْ بِالْعِلْمِ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَوْ أَصْلِيَّةٌ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ: أَيْ خُذْ هَذِهِ الْمَسَائِلَ بِعِلْمٍ لَا بِظَنٍّ لِأَنَّهُ قَدْ يُوقِعُ فِي الْغَلَطِ، أَوْ ضَمَّنَ خُذْ مَعْنَى الظَّفْرِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَخْ) ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّرَاخِي فِي الْأَخْبَارِ لِأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ أَوَّلِ الْكَلَامِ. وَفِي كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ تَفْصِيلٌ ذَكَرَ الشَّارِحُ الْخَفِيَّ مِنْهُ وَتَرَكَ الظَّاهِرَ. قَالَ فِي النَّهْرِ: ثُمَّ كَيْفِيَّةُ هَذَا الْغَسْلِ أَنَّ الْإِنَاءَ إنْ أَمْكَنَ رَفْعُهُ غَسَلَ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لَكِنْ مَعَهُ إنَاءٌ صَغِيرٌ فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا أَدْخَلَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى مَضْمُومَةً دُونَ الْكَفِّ وَصَبَّ عَلَى الْيُمْنَى ثُمَّ يُدْخِلُهَا وَيَغْسِلُ الْيُسْرَى اهـ. وَفِي الْبَحْرِ قَالُوا: يُكْرَهُ إدْخَالُ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ الْغَسْلِ لِلْحَدِيثِ، وَهِيَ كَرَاهَةٌ تَنْزِيهٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ مَصْرُوفٌ عَنْ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» فَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ إذَا كَانَ مَعَهُ إنَاءٌ صَغِيرٌ، فَلَا يُدْخِلُ الْيَدَ أَصْلًا، وَفِي

стр. 107

مَضْمُومَةً وَصَبَّ عَلَيْهَا الْيُمْنَى لِأَجْلِ التَّيَامُنِ. وَلَوْ أَدْخَلَ الْكَفَّ إنْ أَرَادَ الْغُسْلَ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَإِنْ أَرَادَ الِاغْتِرَافَ لَا، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاغْتِرَافُ بِشَيْءٍ وَيَدَاهُ نَجِسَتَانِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَمْ يُعِدْ. (وَهُوَ) سُنَّةٌ كَمَا أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ (يَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ) ــ [رد المحتار] الْكَبِيرِ عَلَى إدْخَالِ الْكَفِّ، كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ، وَفِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ: يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الْمُسْتَيْقِظُ يَدَهُ فِيهِ؛ لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ كَالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ. اهـ. أَقُولُ: وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَامَ مُسْتَنْجِيًا وَلَا نَجَاسَةَ عَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ إدْخَالُ يَدِهِ وَلَا الْوُضُوءُ مِمَّا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ لِعَدَمِ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَصَبَّ عَلَى الْيُمْنَى) أَيْ ثُمَّ يُدْخِلُهَا وَيَغْسِلُ الْيُسْرَى كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: لِأَجْلِ التَّيَامُنِ) فِيهِ جَوَابٌ عَمَّا قِيلَ: لَا حَاجَةَ إلَى الصَّبِّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ كَفَّيْهِ عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ بِمَا صَبَّهُ عَلَى الْكَفِّ الْيُمْنَى كَمَا هُوَ الْعَادَةُ. وَرَدَّهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنَّ فِيهِ تَرْجِيحًا لِعَادَةِ الْعَوَّامِ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ: أَيْ لِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ الْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ، وَبِأَنَّ نَقْلَ الْبِلَّةِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ إحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْأُخْرَى لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْغُسْلِ. اهـ. أَقُولُ: لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُ نَصَّ غَيْرُ عُلَمَائِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ هُنَا كَمَا فِي غَسْلِ الْخَدَّيْنِ وَالْمَنْخَرَيْنِ وَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يُقَدِّمُ الْيَمِينَ مِنْهُمَا، وَالْقَوَاعِدُ لَا تَنْبُو عَنْهُ اهـ مُلَخَّصًا، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ نَقْلِ الْبِلَّةِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ نَقْلَ الْبِلَّةِ يَجُوزُ هُنَا بِدَلِيلِ ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ عَادَةُ الْعَوَّامِ مُوَافَقَةً لِعُرْفِ الشَّرْعِ؛ وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي التُّحْفَةِ: وَيُسَنُّ غَسْلُهُمَا مَعًا لِلِاتِّبَاعِ انْتَهَى فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَدْخَلَ الْكَفَّ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: أَدْخَلَ أَصَابِعَ يُسْرَاهُ (قَوْلُهُ: إنْ أَرَادَ الْغَسْلَ) أَيْ غَسْلَ الْكَفِّ (قَوْلُهُ: صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا) أَيْ الْمَاءُ الْمُلَاقِي لِلْكَفِّ إذَا انْفَصَلَ لَا جَمِيعُ الْمَاءِ بَحْرٌ، وَفِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ سَيَأْتِي فِي بَحْثِ الْمُسْتَعْمَلِ (قَوْلُهُ: لَا) أَيْ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمِلًا؛ وَمِثْلُهُ إذَا وَقَعَ الْكُوزُ فِي الْجُبِّ فَأَدْخَلَ يَدَهُ إلَى الْمَرَافِقِ بَحْرٌ، وَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ، وَإِنْ وُجِدَتْ عِلَّةٌ الِاسْتِعْمَالِ وَهِيَ رَفْعُ الْحَدَثِ كَمَا أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاغْتِرَافُ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ: لَوْ يَدَاهُ نَجِسَتَانِ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالِاغْتِرَافِ وَالصَّبِّ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَدْخَلَ مِنْدِيلًا فَيَغْسِلُ بِمَا تَقَاطَرَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَفَعَ الْمَاءَ بِفِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ اهـ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي مَسْأَلَةِ رَفْعِ الْمَاءِ بِفِيهِ اخْتِلَافٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمِلًا وَهُوَ يُزِيلُ الْخَبَثَ اهـ: أَيْ فَيُزِيلُ مَا عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْخَبَثِ ثُمَّ يَغْسِلُهُمَا لِلْوُضُوءِ أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ: وَهُوَ سُنَّةٌ) أَرَادَ بِهَا مُطْلَقَهَا الشَّامِلَ لِلْمُؤَكَّدَةِ وَغَيْرِهَا ح: أَيْ لِأَنَّهُ عِنْدَ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَعِنْدَ عَدَمِهِ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ الْفَاتِحَةَ) أَيْ قِرَاءَتَهَا وَاجِبَةٌ وَتَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ هُوَ مَا اخْتَارَهُ فِي الْكَافِي وَتَبِعَهُ فِي الدُّرَرِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ صَدْرُ كَلَامِهِ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْبُدَاءَةِ بِغَسْلِ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي اخْتِيَارِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضٌ، وَتَقْدِيمُهُ سُنَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ كَمَالٍ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْخَبَّازِيَّةِ وَالسِّرَاجِ؛ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ يَدَيْهِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا ثَانِيًا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ فَيُعِيدُ غَسْلَهُمَا. وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّطْهِيرُ وَقَدْ حَصَلَ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ النِّيَابَةِ مِنْ حَيْثُ ثَوَابُ الْفَرْضِ لَوْ أَتَى بِهِ مُسْتَقِلًّا قَصْدًا إذْ السُّنَّةُ لَا تُؤَدِّيه وَيُؤَدِّيه اتِّفَاقُهُمْ عَلَى سُقُوطِ الْحَدَثِ بِلَا نِيَّةٍ. اهـ.

стр. 108

وَيُسَنُّ غَسْلُهَا أَيْضًا مَعَ الذِّرَاعَيْنِ. (وَالسِّوَاكُ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ، وَقِيلَ: قَبْلَهَا، وَهُوَ لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا إلَّا إذَا نَسِيَهُ ــ [رد المحتار] وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ لَكِنْ فِي ضِمْنِ الْغَسْلِ الْمَسْنُونِ لَا قَصْدًا، وَالْفَرْضُ إنَّمَا يُثَابُ عَلَيْهِ إذَا أَتَى بِهِ عَلَى قَصْدِ الْفَرْضِيَّةِ؛ كَمَنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ قَدْ نَسِيَهَا وَاغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ ضِمْنًا وَلَا يُثَابُ ثَوَابَ الْفَرْضِ وَهُوَ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مَا لَمْ يَنْوِهِ لِأَنَّهُ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَيُسَنُّ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ لِيَكُونَ آتِيًا بِالْفَرْضِ قَصْدًا، وَلَا يَنُوبُ الْغَسْلُ الْأَوَّلُ مَنَابَهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِنْ نَابَ مَنَابَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَوْ لَمْ يُعِدْهُ سَقَطَ الْفَرْضُ كَمَا يَسْقُطُ لَوْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا. وَيَظْهَرُ لِي عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْفَرْضِيَّةِ أَرَادَ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ هَذَا الْغَسْلِ الْمُجْزِئِ عَنْ الْفَرْضِ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَعْنَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُسَنُّ إعَادَةُ الْغَسْلِ لِمَا مَرَّ فَتَتَّحِدُ الْأَقْوَالُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ إلَخْ) نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ. وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِأَحَدِ الْأَقْوَالِ، إذْ يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِأَنَّ إعَادَةَ غَسْلِهِمَا عَبَثٌ وَإِسْرَافٌ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ:: وَالسِّوَاكُ) بِالْكَسْرِ: بِمَعْنَى الْعُودِ الَّذِي يُسْتَاكُ بِهِ وَبِمَعْنَى الْمَصْدَرِ. قَالَ فِي الدُّرَرِ: وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ اسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ. اهـ. فَالْمُرَادُ الِاسْتِيَاكُ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَبِهِ عَبَّرَ فِي الْفَتْحِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْغَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي مِقْيَاسِ اللُّغَةِ وَهُوَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ أَيْضًا، فَلَا يَرِدُ مَا قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ اهـ وَنَقَلَهُ نُوحٌ أَفَنْدِي أَيْضًا عَنْ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ وَالْعِرَاقِيِّ وَالْكَرْمَانِيِّ، قَالَ: وَكَفَى بِهِمْ حُجَّةٌ (قَوْلُهُ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ إنْ قُدِّرَ قَوْلُهُ: وَالسِّوَاكُ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ لَا مُبْتَدَأٌ وَعَلَى الْعَطْفِ فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مَجْرُورٌ؟ اسْتَظْهَرَ فِي الْبَحْرِ تَبَعًا لِلزَّيْلَعِيِّ الثَّانِي لِيُفِيدَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهِ سُنَّةٌ أَيْضًا. وَاسْتَظْهَرَ فِي النَّهْرِ الْأَوَّلَ لِتَرْجِيحِ كَوْنِهِ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ. ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الْوُضُوءِ وَصَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ فِي الْفَتْحِ إنَّهُ الْحَقُّ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ: وَقَدْ عَدَّهُ الْقُدُورِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ السُّنَنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ. قُلْت: وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي الْإِنْقَاءِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا) أَيْ سُنَّةٌ لِلْوُضُوءِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلصَّلَاةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَقَالُوا: فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ صَلَّى بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ صَلَوَاتٍ يَكْفِيه عِنْدَنَا لَا عِنْدَهُ. وَعَلَّلَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ إذَا اسْتَاكَ لِلصَّلَاةِ رُبَّمَا يَخْرُجُ دَمٌ، وَهُوَ نَجَسٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَاقِضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا نَسِيَهُ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ لَا يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عِنْدَ الصَّلَاةِ، لَكِنْ فِي الْفَتْحِ عِنْدَ الْغَزْنَوِيَّةِ: وَيُسْتَحَبُّ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: اصْفِرَارُ السِّنِّ، وَتَغَيُّرُ الرَّائِحَةِ، وَالْقِيَامُ مِنْ النَّوْمِ، وَالْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ الْوُضُوءِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْبَحْرِ: يُنَافِيه مَا نَقَلُوهُ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَنَا لِلْوُضُوءِ لَا لِلصَّلَاةِ، وَوَفَّقَ فِي النَّهْرِ بِحَمْلِ مَا فِي الْغَزْنَوِيَّةِ عَلَى مَا فِي الْجَوْهَرَةِ أَيْ أَنَّهُ لِلْوُضُوءِ. وَإِذَا نَسِيَهُ يَكُونُ مَنْدُوبًا لِلصَّلَاةِ لَا لِلْوُضُوءِ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: فِيهِ نَظَرٌ بِالنَّظَرِ إلَى تَعْلِيلِ السِّرَاجِ الْهِنْدِيِّ الْمُتَقَدِّمِ. اهـ. أَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ عَلِيلٌ؛ فَقَدْ رُدَّ بِأَنَّ ذَاكَ أَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ مَعَ أَنَّهُ لِمَنْ يُثَابِرُ عَلَيْهِ لَا يُدْمِي. وَيَظْهَرُ لِي التَّوْفِيقُ، بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: هُوَ لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا بَيَانُ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْفَضِيلَةُ الْوَارِدَةُ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةٍ بِغَيْرِ سِوَاكٍ» أَيْ أَنَّهَا تَحْصُلُ بِالْإِتْيَانِ بِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِهِ عِنْدَ الصَّلَاةِ. فَعِنْدنَا كُلُّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِذَلِكَ الْوُضُوءِ لَهَا هَذِهِ الْفَضِيلَةُ خِلَافًا لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ

стр. 109

فَيُنْدَبُ لِلصَّلَاةِ؛ كَمَا يُنْدَبُ لِاصْفِرَارِ سِنٍّ وَتَغَيُّرِ رَائِحَةٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ؛ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ فِي الْأَعَالِي وَثَلَاثٌ فِي الْأَسَافِلِ (بِمِيَاهٍ) ثَلَاثَةٌ. (وَ) نُدِبَ إمْسَاكُهُ (بِيُمْنَاهُ) وَكَوْنُهُ لَيِّنًا، مُسْتَوِيًا بِلَا عُقَدٍ، فِي غِلَظِ الْخِنْصَرِ وَطُولِ شِبْرٍ. وَيَسْتَاكُ عَرْضًا لَا طُولًا، وَلَا مُضْطَجِعًا؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ كِبَرَ الطِّحَالِ، وَلَا يَقْبِضُهُ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَاسُورَ، وَلَا يَمُصُّهُ؛ ــ [رد المحتار] مِنْ هَذَا نَفْيُ اسْتِحْبَابِهِ عِنْدَنَا لِكُلِّ صَلَاةٍ أَيْضًا حَتَّى يَحْصُلَ التَّنَافِي. وَكَيْفَ لَا يُسْتَحَبُّ لِلصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مُنَاجَاةُ الرَّبِّ تَعَالَى مَعَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ. قَالَ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ: وَلَيْسَ السِّوَاكُ مِنْ خَصَائِصِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي حَالَاتٍ مِنْهَا: تَغَيُّرُ الْفَمِ، وَالْقِيَامُ مِنْ النَّوْمِ وَإِلَى الصَّلَاةِ، وَدُخُولُ الْبَيْتِ، وَالِاجْتِمَاعُ بِالنَّاسِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ؛ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ السِّوَاكَ مِنْ سُنَنِ الدِّينِ فَتَسْتَوِي فِيهِ الْأَحْوَالُ كُلُّهَا. اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَلَا يَخْتَصُّ بِالْوُضُوءِ كَمَا قِيلَ، بَلْ سُنَّةٌ عَلَى حِدَةٍ عَلَى مَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي حَاشِيَةِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَيُؤَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ عِنْدَ قَصْدِ التَّوَضُّؤِ فَيُسَنُّ أَوْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ اهـ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ عِنْدَ صَلَاةٍ أَيْضًا الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ، وَفِي هَدِيَّةِ ابْنِ عِمَادٍ أَيْضًا، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ التَّتِمَّةِ: وَيُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ عِنْدَنَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَوُضُوءٍ وَكُلِّ مَا يُغَيِّرُ الْفَمَ وَعِنْدَ الْيَقَظَةِ. اهـ. فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْفَرِيدَ (قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهُ إلَخْ) أَقُولُ: قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ: وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ، بَلْ يَسْتَاكُ إلَى أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِزَوَالِ النَّكْهَةِ وَاصْفِرَارِ السِّنِّ، وَالْمُسْتَحَبُّ فِيهِ ثَلَاثٌ بِثَلَاثِ مِيَاهٍ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِاطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ، فَلَوْ حَصَلَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ فَالْمُسْتَحَبُّ إكْمَالُهَا كَمَا قَالُوا فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ (قَوْلُهُ: فِي الْأَعَالِي) وَيَبْدَأُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ وَفِي الْأَسَافِلِ كَذَلِكَ بَحْرٌ. (قَوْلُهُ: بِمِيَاهٍ ثَلَاثَةٍ) بِأَنْ يَبِلَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (قَوْلُهُ:: وَنُدِبَ إمْسَاكُهُ بِيُمْنَاهُ) كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، قَالَ فِي الدُّرَرِ: لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ الْمُتَوَارَثُ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ قَالَ مُحَشِّيهِ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي: أَقُولُ: دَعْوَى النَّقْلِ تَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ، وَلَمْ يُوجَدْ. غَايَةُ مَا يُقَالُ أَنَّ السِّوَاكَ إنْ كَانَ مِنْ بَابِ التَّطْهِيرِ اُسْتُحِبَّ بِالْيَمِينِ كَالْمَضْمَضَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْأَذَى فَبِالْيُسْرَى وَالظَّاهِرُ الثَّانِي كَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ. وَاسْتُدِلَّ لِلْأَوَّلِ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي تَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَسِوَاكِهِ» وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْبُدَاءَةُ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ الْفَمِ اهـ مُلَخَّصًا. وَفِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالسُّنَّةُ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْخِنْصَرَ أَسْفَلَهُ وَالْإِبْهَامَ أَسْفَلَ رَأْسِهِ وَبَاقِي الْأَصَابِعِ فَوْقَهُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ (قَوْلُهُ: وَكَوْنُهُ لَيِّنًا) كَذَا فِي الْفَتْحِ. وَفِي السِّرَاجِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ لَا رَطْبًا يَلْتَوِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْقَلَحَ وَهُوَ وَسَخُ الْأَسْنَانِ، وَلَا يَابِسًا يَجْرَحُ اللِّثَةَ وَهِيَ مَنْبَتُ الْأَسْنَانِ. اهـ. فَالْمُرَادُ أَنَّ رَأْسَهُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ اسْتِعْمَالِهِ يَكُونُ لَيِّنًا: أَيْ لَا فِي غَايَةِ الْخُشُونَةِ وَلَا غَايَةِ النُّعُومَةِ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بِلَا عَقْدٍ) فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ: قَلِيلُ الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: فِي غِلَظِ الْخِنْصَرِ) كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَفِي الْفَتْحِ الْأُصْبُعِ (قَوْلُهُ: وَطُولِ شِبْرٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي ابْتِدَاءِ اسْتِعْمَالِهِ، فَلَا يَضُرُّ نَقْصُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْقَطْعِ مِنْهُ لِتَسْوِيَتِهِ، تَأَمَّلْ، وَهَلْ الْمُرَادُ شِبْرُ الْمُسْتَعْمِلِ أَوْ الْمُعْتَادِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي لِأَنَّهُ مَحْمَلُ الْإِطْلَاقِ غَالِبًا (قَوْلُهُ:: وَيَسْتَاكُ عَرْضًا لَا طُولًا) أَيْ لِأَنَّهُ يَجْرَحُ لَحْمَ الْأَسْنَانِ. وَقَالَ الْغَزْنَوِيُّ: طُولًا وَعَرْضًا. وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ بَحْرٌ، لَكِنْ وَفَّقَ فِي الْحِلْيَةِ بِأَنَّهُ يَسْتَاكُ عَرْضًا فِي الْأَسْنَانِ وَطُولًا فِي اللِّسَانِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْغَزْنَوِيِّ أَنَّهُ يَسْتَاكُ بِالْمُدَارَاةِ خَارِجَ الْأَسْنَانِ وَدَاخِلَهَا أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا وَرُءُوسِ الْأَضْرَاسِ وَبَيْنَ كُلِّ سِنَّيْنِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَقْبِضُهُ) أَيْ بِيَدِهِ عَلَى خِلَافِ الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَمُصُّهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ كَيَخُصُّ، وَأَمَّا بَلْعُ الرِّيقِ بِلَا مَصٍّ، فَفِي الْحِلْيَةِ قَالَ

стр. 110

فَإِنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى، ثُمَّ يَغْسِلُهُ، وَإِلَّا فَيَسْتَاكُ الشَّيْطَانُ بِهِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى الشِّبْرِ، وَإِلَّا فَالشَّيْطَانُ يَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَضَعُهُ بَلْ يَنْصِبُهُ، وَإِلَّا فَخَطَرُ الْجُنُونِ قُهُسْتَانِيٌّ. وَيُكْرَهُ بِمُؤْذٍ، وَيَحْرُمُ بِذِي سُمٍّ. وَمِنْ مَنَافِعِهِ أَنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا دُونَ الْمَوْتِ، وَمُذَكِّرٌ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَهُ. وَعِنْدَ فَقْدِهِ أَوْ فَقْدِ أَسْنَانِهِ تَقُومُ الْخِرْقَةُ الْخَشِنَةُ أَوْ الْأُصْبُعُ مَقَامَهُ، كَمَا يَقُومُ الْعِلْكُ مَقَامَهُ لِلْمَرْأَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. (وَغَسْلُ الْفَمِ) أَيْ اسْتِيعَابُهُ، وَلِذَا عَبَّرَ بِالْغَسْلِ - ــ [رد المحتار] الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: وَابْلَعْ رِيقَك أَوَّلَ مَا تَسْتَاكُ؛ فَإِنَّهُ يَنْفَعُ الْجُذَامَ وَالْبَرَصَ وَكُلَّ دَاءٍ سِوَى الْمَوْتِ، وَلَا تَبْلَعْ بَعْدَهُ شَيْئًا؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْوَسْوَسَةَ، يَرْوِيه زِيَادُ بْنُ عَلَاقَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَضَعُهُ إلَخْ) أَيْ لَا يُلْقِيه عَرْضًا بَلْ يَنْصِبُهُ طُولًا. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَمَوْضِعُ سِوَاكِهِ ﷺ مِنْ أُذُنِهِ مَوْضِعُ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، وَأَسْوِكَةُ أَصْحَابِهِ خَلَفَ آذَانِهِمْ، كَمَا قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَضَعُهُ فِي طَيِّ عِمَامَتِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَخَطَرُ الْجُنُونِ) فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَنْ وَضَعَ سِوَاكَهُ بِالْأَرْضِ فَجُنَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ، حِلْيَةٌ عَنْ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ. (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ بِمُؤْذٍ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَتُهُ بِقُضْبَانِ الرُّمَّانِ وَالرَّيْحَانِ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْعَيْنِيِّ: رَوَى الْحَارِثُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ضُمَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ السِّوَاكِ بِعُودِ الرَّيْحَانِ، وَقَالَ: إنَّهُ يُحَرِّكُ عِرْقَ الْجُذَامِ» وَفِي النَّهْرِ: وَيَسْتَاكُ بِكُلِّ عُودٍ إلَّا الرُّمَّانَ وَالْقَصَبَ. وَأَفْضَلُهُ الْأَرَاكُ ثُمَّ الزَّيْتُونُ. رَوَى الطَّبَرَانِيُّ «نِعْمَ السِّوَاكُ الزَّيْتُونُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ، وَهُوَ سِوَاكِي وَسِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» مَطْلَبٌ فِي مَنَافِعِ السِّوَاكِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ مَنَافِعِهِ إلَخْ) فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ حَاشِيَةِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لِلْفَارِضِيِّ: أَنَّ مِنْهَا أَنَّهُ يُبْطِئُ بِالشَّيْبِ، وَيُحِدُّ الْبَصَرَ. وَأَحْسَنُهَا أَنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا دُونَ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ عَلَى الصِّرَاطِ. اهـ. وَمِنْهَا مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَفْرَحَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ، وَمَجْلَاةٌ لِلْبَصَرِ، وَيُذْهِبُ الْبَخَرَ وَالْحَفْرَ، وَيُبَيِّضُ الْأَسْنَانَ، وَيَشُدُّ اللِّثَةَ، وَيَهْضِمُ الطَّعَامَ، وَيَقْطَعُ الْبَلْغَمَ، وَيُضَاعِفُ الصَّلَاةَ، وَيُطَهِّرُ طَرِيقَ الْقُرْآنِ، وَيَزِيدُ فِي الْفَصَاحَةِ، وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَيُسْخِطُ الشَّيْطَانَ، وَيَزِيدُ فِي الْحَسَنَاتِ، وَيَقْطَعُ الْمُرَّةَ، وَيُسَكِّنُ عُرُوقَ الرَّأْسِ، وَوَجَعَ الْأَسْنَانِ، وَيُطَيِّبُ النَّكْهَةَ، وَيُسَهِّلُ خُرُوجَ الرُّوحِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَمَنَافِعُهُ وَصَلَّتْ إلَى نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ مَنْفَعَةً، أَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى، وَأَعْلَاهَا تَذْكِيرُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، رَزَقَنَا اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ (قَوْلُهُ: عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْمَوْتِ (قَوْلُهُ: أَوْ الْأُصْبُعُ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: ثُمَّ بِأَيِّ أُصْبُعٍ اسْتَاكَ لَا بَأْسَ بِهِ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَاكَ بِالسِّبَابَتَيْنِ، يَبْدَأُ بِالسَّبَّابَةِ الْيُسْرَى ثُمَّ بِالْيُمْنَى، وَإِنْ شَاءَ اسْتَاكَ بِإِبْهَامِهِ الْيُمْنَى وَالسَّبَّابَةِ الْيُمْنَى، يَبْدَأُ بِالْإِبْهَامِ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ فَوْقَ وَتَحْتَ، ثُمَّ السَّبَّابَةُ مِنْ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: كَمَا يَقُومُ الْعِلْكُ مَقَامَهُ) أَيْ فِي الثَّوَابِ إذَا وُجِدَتْ النِّيَّةُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ تُضْعِفُ أَسْنَانَهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا فِعْلُهُ بَحْرٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِحَالِ الْمَضْمَضَةِ ط (قَوْلُهُ: وَلِذَا عَبَّرَ بِالْغَسْلِ) أَفَادَ أَنَّ الِاسْتِيعَابَ يُفَادُ بِالْغَسْلِ دُونَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُمَا كَذَلِكَ فَالْمَضْمَضَةُ اصْطِلَاحًا اسْتِيعَابُ الْمَاءِ جَمِيعَ الْفَمِ. وَفِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ. وَالِاسْتِنْشَاقُ اصْطِلَاحًا إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْمَارِنِ. وَلُغَةً مِنْ النَّشْقِ، وَهُوَ جَذْبُ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ بِرِيحِ الْأَنْفِ إلَى دَاخِلِهِ بَحْرٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَهُوَ أَنَّ السُّنَّةَ فِيهِمَا الْمُبَالَغَةُ، وَالْغَسْلُ أَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَأَوْرَدَ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ نَفْسَ الِاسْتِيعَابِ، عَلَى أَنَّ الْمُبَالَغَةَ سُنَّةٌ أُخْرَى، فَالتَّعْبِيرُ عَنْهَا وَعَنْ أَصْلِهَا
следующие страницы →