Полный текст (4 257 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أَوْ إشَارَةٍ كَهَذَا الْإِمَامِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ، إلَّا إذَا أَشَارَ بِصِفَةٍ مُخْتَصَّةٍ كَهَذَا الشَّابِّ فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ فَلَا يَصِحُّ وَبِعَكْسِهِ يَصِحُّ لِأَنَّ الشَّابَّ يُدْعَى شَيْخًا لِعِلْمِهِ. وَفِي الْمُجْتَبِي نَوَى أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا خَلَفَ مَنْ هُوَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَإِذَا هُوَ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ. [فَائِدَةٌ] لَمَّا كَانَ الِاعْتِبَارُ لِلتَّسْمِيَةِ عِنْدَنَا لَمْ يُخْتَصَّ ثَوَابُ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ ﵊ بِمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ
ــ
[رد المحتار]
هُوَ زَيْدٌ فَإِذَا هُوَ غَيْرُهُ جَازَ أَشْبَاهٌ لِأَنَّ (أَلْ) يُشَارُ بِهَا إلَى الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ أَوْ الذِّهْنِ، وَعَلَى كُلٍّ فَقَدْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ الْمَوْجُودِ فَلَغَتْ التَّسْمِيَةُ (قَوْلُهُ أَوْ إشَارَةٍ) أَيْ بِاسْمِهَا الْمَوْضُوعِ لَهَا حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جَازَ لِأَنَّهُ عَرَّفَهُ بِالْإِشَارَةِ فَلَغَتْ التَّسْمِيَةُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ إلَّا إذَا أَشَارَ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ إشَارَةٍ (قَوْلُهُ فَلَا يَصِحُّ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اجْتَمَعَتْ الْإِشَارَةُ مَعَ التَّسْمِيَةِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَلْغُوَ التَّسْمِيَةُ كَمَا لَغَتْ فِي هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ وَفِي هَذَا الشَّيْخِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ إلْغَاءَ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ بَابِ الْمَهْرِ: الْأَصْلُ أَنَّ الْمُسَمَّى إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَوْجُودٌ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ ذَاتًا وَالْوَصْفُ يَتْبَعُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى لِأَنَّ الْمُسَمَّى مِثْلُ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِتَابِعٍ لَهُ، وَالتَّسْمِيَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُعَرِّفُ الْمَاهِيَّةَ وَالْإِشَارَةُ تُعَرِّفُ الذَّاتَ. اهـ. قَالَ الشَّارِحُونَ هَذَا الْأَصْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ. اهـ. إذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ زَيْدًا وَعَمْرًا جِنْسٌ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَإِنْ اخْتَلَفَا مِنْ حَيْثُ الْأَوْصَافُ وَالْمُشَخَّصَاتُ لِأَنَّ الْمَلْحُوظَ إلَيْهِ فِي الْعِلْمِ هُوَ الذَّاتُ، فَفِي قَوْلِهِ هَذَا الْإِمَامُ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ عَمْرٌو يَكُونُ قَدْ اخْتَلَفَ الْمُسَمَّى وَالْمُشَارُ إلَيْهِ، فَلَغَتْ التَّسْمِيَةُ وَبَقِيَتْ الْإِشَارَةُ مُعْتَبَرَةً لِكَوْنِهِمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَصَحَّ الِاقْتِدَاءُ. وَأَمَّا الشَّيْخُ وَالشَّابُّ فَهُمَا مِنْ الْأَوْصَافِ الْمَلْحُوظِ فِيهَا الصِّفَاتُ دُونَ الذَّاتِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ صِفَةَ الشَّيْخُوخَةِ تُبَايِنُ صِفَةَ الشَّبَابِ فَكَانَا جِنْسَيْنِ، فَإِذَا قَالَ هَذَا الشَّابُّ فَظَهَرَ أَنَّهُ شَيْخٌ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ لَا يُوصَفُ بِهَا مَنْ بَلَغَ سِنَّ الشَّيْخُوخَةِ، فَقَدْ خَالَفَتْ الْإِشَارَةُ التَّسْمِيَةَ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، فَلَغَتْ الْإِشَارَةُ وَاعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ بِالشَّابِّ، فَيَكُونُ قَدْ اقْتَدَى، بِغَيْرِ مَوْجُودٍ كَمَنْ اقْتَدَى بِزَيْدٍ فَبَانَ غَيْرُهُ. وَأَمَّا إذَا قَالَ هَذَا الشَّيْخُ فَظَهَرَ أَنَّهُ شَابٌّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّ الشَّيْخَ صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ الْكَبِيرِ وَفِي السِّنِّ الْكَبِيرُ فِي الْقَدْرِ كَالْعَالِمِ وَبِالنَّظَرِ إلَى الْمَعْنَى الثَّانِي يَصِحُّ أَنْ يُسَمِّيَ الشَّابَّ شَيْخًا، فَقَدْ اجْتَمَعَتْ الصِّفَتَانِ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ لِعَدَمِ تَخَالُفِهِمَا فَلَمْ يَلْغُ أَحَدُهُمَا فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ. وَنَظِيرُهُ لَوْ قَالَ هَذِهِ الْكَلْبَةُ طَالِقٌ أَوْ هَذَا الْحِمَارُ حُرٌّ تَطْلُقُ الْمَرْأَةُ وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ مَعَ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ وَهُوَ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسَمَّى وَهُوَ الْكَلْبَةُ وَالْحِمَارُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي مَقَامِ الشَّتْمِ يُطْلَقُ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَجَازًا لَمْ يَحْصُلْ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ فَلَمْ تُلْغَ الْإِشَارَةُ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي السَّقِيمِ مِنْ فَيْضِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ (قَوْلُهُ وَفِي الْمُجْتَبَى إلَخْ) وَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِإِمَامِ مَذْهَبِهِ فَإِذَا هُوَ غَيْرُهُ فَقَدْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِمَعْدُومٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُنْيَةِ فِيمَا إذَا نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِزَيْدٍ فَإِذَا هُوَ غَيْرُهُ. مَطْلَبُ مَا زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ هَلْ يَأْخُذُ حُكْمَهُ؟ (قَوْلُهُ فَائِدَةٌ لَمَّا كَانَ إلَخْ) اسْتَنْبَطَ هَذِهِ الْفَائِدَةَ مِنْ مَسْأَلَةِ الِاقْتِدَاءِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ كَمَا فِي أَحْكَامِ الْإِشَارَةِ مِنْ الْأَشْبَاهِ. وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي
стр. 422
فَلْيُحْفَظْ
(وَ) السَّادِسُ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَعَاجِزٍ، وَالشَّرْطُ حُصُولُهُ لَا طَلَبُهُ، وَهُوَ شَرْطٌ زَائِدٌ لِلِابْتِلَاءِ يَسْقُطُ لِلْعَجْزِ، حَتَّى لَوْ سَجَدَ لِلْكَعْبَةِ نَفْسِهَا كَفَرَ (فَلِلْمَكِّيِّ) وَكَذَا الْمَدَنِيُّ
ــ
[رد المحتار]
هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» " وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ؛ فَقَدْ زَادَ فِيهِ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ الْوَلِيدُ ثُمَّ الْمَهْدِيُّ، وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إلَى الْمَسْجِدِ الْمُضَافِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ ﷺ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ جَمِيعَ الْمَسْجِدِ الْمَوْجُودِ الْآنَ يُسَمَّى مَسْجِدَهُ ﷺ فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْإِشَارَةُ وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ تُلْغَ التَّسْمِيَةُ، فَتَحْصُلُ الْمُضَاعَفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ فِيمَا زِيدَ فِيهِ. وَخَصَّهَا الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ بِمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ عَمَلًا بِالْإِشَارَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ «لَوْ مُدَّ مَسْجِدِي هَذَا إلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي» فَقَدْ اشْتَدَّ ضَعْفُ طُرُقِهِ، فَلَا يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ، وَكَانَ وَجْهُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْإِشَارَةَ لِخُصُوصِ الْبُقْعَةِ الْمَوْجُودَةِ يَوْمئِذٍ فَلَمْ تَدْخُلْ فِيهَا الزِّيَادَةُ، وَلَا بُدَّ فِي دُخُولِهَا مِنْ دَلِيلٍ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ بِالدُّخُولِ عَنْ الْبَدَائِعِ: لَوْ قَالَ لَا أَدْخُلُ هَذَا الْمَسْجِدَ فَزِيدَ فِيهِ حِصَّةٌ فَدَخَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ مَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى الْإِضَافَةِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الزِّيَادَةِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِدُونِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَعَلَى ذِكْرِهَا فَهِيَ لَا لِتَخْصِيصِ الْبُقْعَةِ بَلْ لِدَفْعِ أَنْ يُتَوَهَّمَ دُخُولُ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْمَدَنِيِّ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُنْسَبُ إلَيْهِ ﷺ الَّتِي ذَكَرَهَا أَصْحَابُ السِّيَرِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
مَبْحَثٌ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) أَيْ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَلَيْسَ مِنْهَا الْحِجْرُ بِالْكَسْرِ وَالشَّاذَرْوَانُ، لِأَنَّ ثُبُوتَهُمَا مِنْهَا ظَنِّيٌّ وَهُوَ لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْقِبْلَةِ احْتِيَاطًا وَإِنْ صَحَّ الطَّوَافُ فِيهِ مَعَ الْحُرْمَةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَجِّ (قَوْلُهُ كَعَاجِزٍ) أَيْ كَاسْتِقْبَالِ عَاجِزٍ عَنْهَا لِمَرَضٍ أَوْ خَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ اشْتِبَاهٍ، فَجِهَةُ قُدْرَتِهِ أَوْ تَحَرِّيهِ قِبْلَةٌ لَهُ حُكْمًا (قَوْلُهُ وَالشَّرْطُ حُصُولُهُ لَا تَحْصِيلُهُ) أَشَارَ إلَى أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ فِيهِ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ، لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْمُقَابَلَةُ لَا طَلَبُهَا إلَّا إذَا تَوَقَّفَ حُصُولُهَا عَلَيْهِ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ شَرْطٌ زَائِدٌ) أَيْ لَيْسَ مَقْصُودًا لِأَنَّ الْمَسْجُودَ لَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ط أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ بِلَا ضَرُورَةٍ كَمَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ خَارِجَ الْمِصْرِ، وَنَظِيرُهُ مَا مَرَّ فِي تَفْسِيرِ الرُّكْنِ الزَّائِدِ كَالْقِرَاءَةِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ قَدْ يَسْقُطُ بِلَا عَجْزٍ بَدَلَ قَوْلِهِ يَسْقُطُ لِلْعَجْزِ، وَإِلَّا فَكُلُّ الشُّرُوطِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ لِلِابْتِلَاءِ) عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ شَرَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِاخْتِبَارِ الْمُكَلَّفِينَ لِأَنَّ فِطْرَةَ الْمُكَلَّفِ الْمُعْتَقِدِ اسْتِحَالَةَ الْجِهَةِ عَلَيْهِ تَعَالَى تَقْتَضِي عَدَمَ التَّوَجُّهِ فِي الصَّلَاةِ إلَى جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَأَمَرَهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ فِطْرَتُهُمْ اخْتِبَارًا لَهُمْ هَلْ يُطِيعُونَ أَوْ لَا كَمَا فِي الْبَحْرِ ح. قُلْت: وَهَذَا كَمَا ابْتَلَى اللَّهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ حَيْثُ جَعَلَهُ قِبْلَةً لِسُجُودِهِمْ (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ سَجَدَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِ الِاسْتِقْبَالِ شَرْطًا زَائِدًا، يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْمَسْجُودُ لَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْكَعْبَةِ مَأْمُورًا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَ السُّجُودُ لِنَفْسِ الْكَعْبَةِ كُفْرًا ح (قَوْلُهُ فَلِلْمَكِّيِّ) أَيْ فَالشَّرْطُ لَهُ أَيْ لِصَلَاتِهِ،
стр. 423
لِثُبُوتِ قِبْلَتِهَا بِالْوَحْيِ (إصَابَةُ عَيْنِهَا) يَعُمُّ الْمُعَايِنَ وَغَيْرَهُ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ كَالْغَائِبِ، وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ قَائِلًا: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِي فَلِلْمَكِّيِّ مَكِّيٌّ يُعَايِنُ الْكَعْبَةَ (وَلِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مُعَايِنِهَا (إصَابَةُ جِهَتِهَا) بِأَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ أَوْ لِهَوَائِهَا، بِأَنْ يُفْرَضَ
ــ
[رد المحتار]
وَكَذَا قَوْلُهُ وَلِغَيْرِهِ أَوْ اللَّامُ فِيهِمَا بِمَعْنَى " عَلَى أَنَّ " فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لِثُبُوتِ قِبْلَتِهَا) أَيْ قِبْلَةِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَكَذَا الْمَدَنِيُّ. وَأَوْرَدَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهَا بِالْوَحْيِ أَنْ تَكُونَ عَلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا عَلَى الْجِهَةِ (قَوْلُهُ يَعُمُّ الْمُعَايِنَ وَغَيْرَهُ) أَيْ الْمَكِّيَّ الْمَشَاهِدَ لِلْكَعْبَةِ وَاَلَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ كَجِدَارٍ وَنَحْوِهِ، فَيُشْتَرَطُ إصَابَةُ الْعَيْنِ، بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ الْحَائِلُ وَقَعَ اسْتِقْبَالُهُ عَلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ (قَوْلُهُ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ) أَيْ فِي الْمِنَحِ، لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِهِ عَلَى زَادِ الْفَقِيرِ إطْلَاقُ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَالْفَتَاوَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الرَّاجِحَ عَدَمُ الْفَرْقِ بِينَ مَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ أَوْ لَا. اهـ. وَفِي الْفَتْحِ: وَعِنْدِي فِي جَوَازِ التَّحَرِّي مَعَ إمْكَانِ صُعُودِهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ وَتَرْكُ الْقَاطِعِ مَعَ إمْكَانِهِ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَالِاسْتِخْبَارُ فَوْقَ التَّحَرِّي فَإِذَا امْتَنَعَ الْمَصِيرُ إلَى ظَنِّيٍّ لِإِمْكَانِ ظَنِّيٍّ أَقْوَى مِنْهُ فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْيَقِينُ مَعَ الظَّنِّ اهـ (قَوْلُهُ بِأَنْ يَبْقَى إلَخْ) فِي كَلَامِهِ إيجَازٌ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمُرَادُ، فَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ السَّطْحَ فِي اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الْهَنْدَسَةِ مَا لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ لَا عُمْقٌ، وَالزَّاوِيَةُ الْقَائِمَةُ هِيَ إحْدَى الزَّاوِيَتَيْنِ الْمُتَسَاوِيَتَيْنِ الْحَادِثَتَيْنِ عَنْ جَنْبَيْ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ قَامَ عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ هَكَذَا قَائِمَةٌ قَائِمَةٌ، وَكِلْتَاهُمَا قَائِمَتَانِ، وَيُسَمَّى الْخَطُّ الْقَائِمُ عَلَى الْآخَرِ عَمُودًا، فَإِنْ لَمْ تَتَسَاوَيَا فَمَا كَانَتْ أَصْغَرَ مِنْ الْقَائِمَةِ تُسَمَّى زَاوِيَةً حَادَّةً، وَمَا كَانَتْ أَكْبَرَ تُسَمَّى زَاوِيَةً مُنْفَرِجَةً هَكَذَا حَادَّةٌ مُنْفَرِجَةٌ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ شَيْخِهِ أَنَّ جِهَةَ الْكَعْبَةِ هِيَ الْجَانِبُ الَّذِي إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ الْإِنْسَانُ يَكُونُ مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْرِيبًا، وَمَعْنَى التَّحْقِيقِ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ خَطٌّ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ عَلَى زَاوِيَةٍ قَائِمَةٍ إلَى الْأُفُقِ يَكُونُ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا؛ وَمَعْنَى التَّقْرِيبِ أَنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا عَنْهَا أَوْ عَنْ هَوَائِهَا بِمَا لَا تَزُولُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ، بِأَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ مُسَامِتًا لَهَا أَوْ لِهَوَائِهَا. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ تَزُولُ بِانْتِقَالٍ قَلِيلٍ مِنْ الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ مُنَاسِبٍ لَهَا، وَفِي الْبَعِيدَةِ لَا تَزُولُ إلَّا بِانْتِقَالٍ كَثِيرٍ مُنَاسِبٍ لَهَا فَإِنَّهُ لَوْ قَابَلَ إنْسَانٌ آخَرُ فِي مَسَافَةِ ذِرَاعٍ مَثَلًا تَزُولُ تِلْكَ الْمُقَابَلَةُ بِانْتِقَالِ أَحَدِهِمَا يَمِينًا بِذِرَاعٍ وَإِذَا وَقَعَتْ بِقَدْرِ مِيلٍ أَوْ فَرْسَخٍ لَا تَزُولُ إلَّا بِمِائَةِ ذِرَاعٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَلَمَّا بَعُدَتْ مَكَّةُ عَنْ دِيَارِنَا بُعْدًا مُفْرِطًا تَتَحَقَّقُ الْمُقَابَلَةُ إلَيْهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فِي مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، فَلَوْ فَرَضْنَا خَطًّا مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِ مُسْتَقْبِلِ الْكَعْبَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ ثُمَّ فَرَضْنَا خَطًّا آخَرَ يَقْطَعُهُ عَلَى زَاوِيَتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ مِنْ جَانِبِ يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ وَشِمَالِهِ لَا تَزُولُ تِلْكَ الْمُقَابَلَةُ وَالتَّوَجُّهُ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ عَلَى ذَلِكَ الْخَطِّ بِفَرَاسِخَ كَثِيرَةٍ، فَلِذَا وَضَعَ الْعُلَمَاءُ الْقِبْلَةَ فِي بِلَادٍ قَرِيبَةٍ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ اهـ وَنَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا وَشُرُوحِ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهَا، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي زَادِ الْفَقِيرِ. وَعِبَارَةُ الدُّرَرِ هَكَذَا: وَجِهَتُهَا أَنْ يَصِلَ الْخَطُّ الْخَارِجُ مِنْ جَبِينِ الْمُصَلِّي إلَى الْخَطِّ الْمَارِّ بِالْكَعْبَةِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ قَائِمَتَانِ. أَوْ نَقُولُ: هُوَ أَنْ تَقَعَ الْكَعْبَةُ فِيمَا بَيْنَ خَطَّيْنِ يَلْتَقِيَانِ فِي الدِّمَاغِ فَيَخْرُجَانِ إلَى الْعَيْنَيْنِ كَسَاقَيْ مُثَلَّثٍ، كَذَا قَالَ النِّحْرِيرُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْكَشَّافِ، فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْعَيْنِ انْحِرَافًا لَا تَزُولُ مِنْهُ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ جَازَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: إذَا تَيَامَنَ أَوَتَيَاسَرَ تَجُوزُ لِأَنَّ وَجْهَ الْإِنْسَانِ مُقَوَّسٌ لِأَنَّ عِنْدَ التَّيَامُنِ أَوْ التَّيَاسُرِ يَكُونُ أَحَدُ جَوَانِبِهِ إلَى الْقِبْلَةِ اهـ كَلَامُ الدُّرَرِ، وَقَوْلُهُ فِي الدُّرَرِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَصِلُ لِأَنَّهُ لَوْ وُصِّلَ إلَيْهِ مُعْوَجًّا لَمْ تَحْصُلْ قَائِمَتَانِ بَلْ تَكُونُ إحْدَاهُمَا حَادَّةً وَالْأُخْرَى مُنْفَرِجَةً كَمَا بَيَّنَّا. ثُمَّ إنَّ الطَّرِيقَةَ
стр. 424
مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِ مُسْتَقْبِلِهَا حَقِيقَةً فِي بَعْضِ الْبِلَادِ خَطٌّ عَلَى زَوَايَا قَائِمَةٍ إلَى الْأُفُقِ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ، وَخَطٌّ آخَرُ يَقْطَعُهُ عَلَى زَاوِيَتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً مِنَحٌ. قُلْت: فَهَذَا مَعْنَى التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ
ــ
[رد المحتار]
الَّتِي فِي الْمِعْرَاجِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى الَّتِي فِي الدُّرَرِ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْمِعْرَاجِ جَعَلَ الْخَطَّ الثَّانِيَ مَارًّا عَلَى الْمُصَلِّي عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ عِبَارَتِهِ، وَفِي الدُّرَرِ جَعَلَهُ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ، وَتَصْوِيرُ الْكَيْفِيَّاتِ الثَّلَاثِ عَلَى التَّرْتِيبِ هَكَذَا: (قَوْلُهُ مِنَحٌ) فِيهِ أَنَّ عِبَارَةَ الْمِنَحِ هِيَ حَاصِلُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ، وَلَيْسَ فِيهَا قَوْلُهُ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ، بَلْ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي صُورَةِ الدُّرَرِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ مَارٌّ عَلَيْهَا طُولًا لَا عَرْضًا فَيَكُونُ هُوَ الْخَطُّ الْخَارِجُ مِنْ جَبِينِ الْمُصَلِّي وَالْخَطُّ الْآخَرُ الَّذِي يَقْطَعُهُ هُوَ الْمَارُّ عَرْضًا عَلَى الْمُصَلِّي أَوْ عَلَى الْكَعْبَةِ فَيَصْدُقُ بِمَا صَوَّرْنَاهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا ثُمَّ إنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى بَعْضِ عِبَارَةِ الْمِنَحِ أَدَّى إلَى قَصْرِ بَيَانِهِ عَلَى الْمُسَامَتَةِ تَحْقِيقًا وَهِيَ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ دُونَ الْمُسَامَتَةِ تَقْدِيرًا، وَهِيَ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّانِيَةُ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذِفَ قَوْلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِ مُسْتَقْبِلِهَا حَقِيقَةً فِي بَعْضِ الْبِلَادِ (قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ شَخْصٌ مُسْتَقْبِلًا مِنْ بَلَدِهِ لِعَيْنِ الْكَعْبَةِ حَقِيقَةً، بِأَنْ يُفْرَضَ الْخَطُّ الْخَارِجُ مِنْ جَبِينِهِ وَاقِعًا عَلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَهَذَا مُسَامِتٌ لَهَا تَحْقِيقًا، وَلَوْ أَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ بِفَرَاسِخَ كَثِيرَةٍ وَفَرَضْنَا خَطًّا مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ وَكَانَ الْخَطُّ الْخَارِجُ مِنْ جَبِينِ الْمُصَلِّي يَصِلُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ إلَى هَذَا الْخَطِّ الْمَارِّ عَلَى الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ بِهَذَا الِانْتِقَالِ لَا تَزُولُ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ وَجْهَ الْإِنْسَانِ مُقَوَّسٌ، فَمَهْمَا تَأَخَّرَ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا عَنْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ جَوَانِبِ وَجْهِهِ مُقَابِلًا لَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا عِنْدَ زِيَادَةِ الْبُعْدِ؛ أَمَّا عِنْدَ الْقُرْبِ فَلَا يُعْتَبَرُ كَمَا مَرَّ؛ فَقَوْلُ الشَّارِحِ هَذَا مَعْنَى التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ: أَيْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ بِأَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ إلَخْ مَعَ فَرْضِ الْخَطِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ هُوَ الْمُرَادُ بِمَا فِي الدُّرَرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ: أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُجْعَلَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، إذْ لَا شَكَّ حِينَئِذٍ فِي خُرُوجِهِ عَنْ الْجِهَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ الْمَفْهُومُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ وَالدُّرَرِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِحُصُولِ زَاوِيَتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْمُسْتَقْبِلِ لِعَيْنِ الْكَعْبَةِ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا حَادَّةً وَالْأُخْرَى مُنْفَرِجَةً بِهَذِهِ الصُّورَةِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ الِانْتِقَالُ عَنْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَوْ الْيَسَارِ لَا الِانْحِرَافُ، لَكِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِانْحِرَافَ لَا يَضُرُّ؛ فَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَلَا بَأْسَ بِالِانْحِرَافِ انْحِرَافًا لَا تَزُولُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ، بِأَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ. اهـ.
стр. 425
فِي عِبَارَةِ الدُّرَرِ، فَتَبَصَّرْ وَتَعَرَّفَ بِالدَّلِيلِ؛ وَهُوَ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ مَحَارِيبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَفِي الْمَفَاوِزِ وَالْبِحَارِ النُّجُومُ كَالْقُطْبِ
ــ
[رد المحتار]
وَقَالَ فِي شَرْحِ زَادِ الْفَقِيرِ: وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إلَى الْجِهَةِ أَقَاوِيلُ كَثِيرَةٌ وَأَقْرَبُهَا إلَى الصَّوَابِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ أَنْ يُنْظَرَ فِي مَغْرِبِ الصَّيْفِ فِي أَطْوَلِ أَيَّامِهِ وَمَغْرِبِ الشِّتَاءِ فِي أَقْصَرِ أَيَّامِهِ فَلْيَدَعْ الثُّلُثَيْنِ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالثُّلُثَ فِي الْأَيْسَرِ وَالْقِبْلَةَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ هَكَذَا وَصَلَّى فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبَيْنِ يَجُوزُ، وَإِذَا وَقَعَ خَارِجًا مِنْهَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ اهـ مُلَخَّصًا. وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَنْ أَمَالِي الْفَتَاوَى: حَدُّ الْقِبْلَةِ فِي بِلَادِنَا يَعْنِي سَمَرْقَنْدَ: مَا بَيْنَ الْمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبِ الشِّتَاءِ وَمَغْرِبِ الصَّيْفِ، فَإِنْ صَلَّى إلَى جِهَةٍ خَرَجَتْ مِنْ الْمَغْرِبَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ اهـ وَسَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ فِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ أَنَّهَا تَفْسُدُ بِتَحْوِيلِ صَدْرِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعُلِمَ أَنَّ الِانْحِرَافَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ، وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى مَعَهُ الْوَجْهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ جَوَانِبِهِ مُسَامِتًا لِعَيْنِ الْكَعْبَةِ أَوْ لِهَوَائِهَا، بِأَنْ يَخْرُجَ الْخَطُّ مِنْ الْوَجْهِ أَوْ مِنْ بَعْضِ جَوَانِبِهِ وَيَمُرَّ عَلَى الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا مُسْتَقِيمًا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْخَطُّ الْخَارِجُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ خَارِجًا مِنْ جَبْهَةِ الْمُصَلِّي بَلْ مِنْهَا أَوْ مِنْ جَوَانِبِهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الدُّرَرِ مِنْ جَبِينِ الْمُصَلِّي، فَإِنَّ الْجَبِينَ طَرَفُ الْجَبْهَةِ وَهُمَا جَبِينَانِ، وَعَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ يُحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ عَنْ الْفَتَاوَى مِنْ أَنَّ الِانْحِرَافَ الْمُفْسِدَ أَنْ يُجَاوِزَ الْمَشَارِقَ إلَى الْمَغَارِبَ اهـ فَهَذَا غَايَةُ مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَحِلِّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ فَتَبَصَّرْ) أَشَارَ إلَى دِقَّةِ مَلْحَظِهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ وَإِلَى عَدَمِ الِاسْتِعْجَالِ بِالِاعْتِرَاضِ وَمَعَ هَذَا نَسَبُوهُ إلَى عَدَمِ الْفَهْمِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ مَحَارِيبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ) فَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي مَعَهَا زَيْلَعِيٌّ، بَلْ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُمْ خَانِيَةٌ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِ الْفَلَكِيِّ الْعَالِمِ الْبَصِيرِ الثِّقَةِ إنَّ فِيهَا انْحِرَافًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَنْظُرَ إلَى مَا يُقَالُ إنَّ قِبْلَةَ أُمَوِيِّ دِمَشْقَ وَأَكْثَرِ مَسَاجِدِهَا الْمَبْنِيَّةِ عَلَى سَمْتِ قِبْلَتِهِ فِيهَا بَعْضُ انْحِرَافٍ وَإِنَّ أَصَحَّ قِبْلَةً فِيهَا قِبْلَةُ جَامِعِ الْحَنَابِلَةِ الَّذِي فِي سَفْحِ الْجَبَلِ. إذْ لَا شَكَّ أَنَّ قِبْلَةَ الْأُمَوِيِّ مِنْ حِينِ فَتْحِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ صَلَّى مِنْهُمْ إلَيْهَا وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُمْ أَعْلَمُ وَأَوْثَقُ وَأَدْرَى مِنْ فَلَكِيٍّ لَا نَدْرِي هَلْ أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ، بَلْ ذَلِكَ يُرَجِّحُ خَطَأَهُ وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ (قَوْلُهُ كَالْقُطْبِ) هُوَ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ نَجْمٌ صَغِيرٌ فِي بَنَاتِ نَعْشٍ الصُّغْرَى بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ، إذَا جَعَلَهُ الْوَاقِفُ خَلَفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ إنْ كَانَ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَهَمْدَانَ، وَيَجْعَلُهُ مَنْ بِمِصْرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَمَنْ بِالْعِرَاقِ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ؛ وَمَنْ بِالْيَمَنِ قُبَالَتَهُ مِمَّا يَلِي جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ، وَمَنْ بِالشَّامِ وَرَاءَهُ بَحْرٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقِيلَ يَنْحَرِفُ بِدِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا إلَى الشَّرْقِ قَلِيلًا. اهـ. وَذَكَرَ الشُّرَّاحُ لِلْقِبْلَةِ عَلَامَاتٍ أُخَرَ غَالِبُهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى سَمْتِ بِلَادِهِمْ، مِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ زَادِ الْفَقِيرِ وَالْمُنْيَةِ فَإِنَّهَا عَلَامَةٌ لِقِبْلَةِ سَمَرْقَنْدَ وَمَا كَانَ عَلَى سَمْتِهَا. وَفِي حَاشِيَةِ الْفَتَّالِ قَالَ الْبُرْجَنْدِيُّ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقِبْلَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِقَاعِ؛ وَمَا ذَكَرُوهُ يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَأَمْرُ الْقِبْلَةِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِقَوَاعِدِ الْهَنْدَسَةِ وَالْحِسَابِ، بِأَنْ يُعْرَفَ بُعْدُ مَكَّةَ عَنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ وَعَنْ طَرَفِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ بُعْدُ الْبَلَدِ الْمَفْرُوضِ كَذَلِكَ ثُمَّ يُقَاسُ بِتِلْكَ الْقَوَاعِدِ لِيَتَحَقَّقَ سَمْتُ الْقِبْلَةِ اهـ لَكِنْ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْعُلُومِ الْحُكْمِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْعَلَّامَةَ الْبُخَارِيَّ قَالَ فِي الْكَشْفِ إنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يَعْتَبِرُوهُ. اهـ. وَأَفَادَ فِي النَّهْرِ أَنَّ دَلَائِلَ النُّجُومِ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ وَعِنْدَ آخَرِينَ لَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ قَالَ: وَعَلَيْهِ إطْلَاقُ عَامَّةِ الْمُتُونِ. اهـ. أَقُول: لَمْ أَرَ فِي الْمُتُونِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَلَنَا تَعَلُّمُ مَا نَهْتَدِي بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ مِنْ النُّجُومِ. وَقَالَ تَعَالَى
стр. 426
وَإِلَّا فَمِنْ الْأَهْلِ الْعَالِمِ بِهَا مِمَّنْ لَوْ صَاحَ بِهِ سَمِعَهُ
ــ
[رد المحتار]
﴿لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٩٧]- عَلَى أَنَّ مَحَارِيبَ الدُّنْيَا كُلّهَا نُصِبَتْ بِالتَّحَرِّي حَتَّى مِنًى كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ النُّجُومُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِهَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ وُجُودِ الْمَحَارِيبِ الْقَدِيمَةِ، إذْ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي مَعَهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، لِئَلَّا يَلْزَمَ تَخْطِئَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَجَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْمَفَازَةِ فَيَنْبَغِي وُجُوبُ اعْتِبَارِ النُّجُومِ وَنَحْوِهَا فِي الْمَفَازَةِ لِتَصْرِيحِ عُلَمَائِنَا وَغَيْرِهِمْ بِكَوْنِهَا عَلَامَةً مُعْتَبَرَةً، فَيَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَفِي الْقِبْلَةِ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ الثِّقَاتُ فِي كُتُبِ الْمَوَاقِيتِ، وَعَلَى مَا وَضَعُوهُ لَهَا مِنْ الْآلَاتِ كَالرَّبَعِ والأسطرلاب فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تَفْدِ الْيَقِينَ تَفْدِ غَلَبَةَ الظَّنِّ لِلْعَالِمِ بِهَا، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ. وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ عَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ النُّجُومِ فِي دُخُولِ رَمَضَانَ لِأَنَّ ذَاكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ مُعَلَّقٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، لِحَدِيثِ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَتَوْلِيدُ الْهِلَالِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الرُّؤْيَةِ بَلْ عَلَى قَوَاعِدَ فَلَكِيَّةٍ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي نَفْسِهَا، لَكِنْ إذَا كَانَتْ وِلَادَتُهُ فِي لَيْلَةِ كَذَا فَقَدْ يُرَى فِيهَا الْهِلَالُ وَقَدْ لَا يُرَى؛ وَالشَّارِعُ عَلَّقَ الْوُجُوبَ عَلَى الرُّؤْيَةِ بِالْقِبْلَةِ لَا عَلَى الْوِلَادَةِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَمِنْ الْأَهْلِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَحَارِيبُ قَدِيمَةٌ فَيَسْأَلُ مَنْ يَعْلَمُ بِالْقِبْلَةِ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِمَّنْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ صَاحَ بِهِ سَمِعَهُ، أَمَّا غَيْرُ الْعَالِمِ بِهَا فَلَا فَائِدَةَ فِي سُؤَالِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ كَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ فَلِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِإِخْبَارِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، وَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ؛ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلَا يَتْرُكُ اجْتِهَادَهُ بِاجْتِهَادٍ وَغَيْرِهِ؛ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَرْعُ الْأَبْوَابِ كَمَا سَيَأْتِي؛ وَظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِالْأَهْلِ أَنَّ وُجُوبَ السُّؤَالِ خَاصٌّ بِالْحَضَرِ، فَلَوْ فِي مَفَازَةٍ لَا يَجِبُ: وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا بِالِاشْتِبَاهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَفَازَةِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقِبْلَةِ، فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَ لِمَا قُلْنَا أَيْ مِنْ أَنَّ السُّؤَالَ أَقْوَى مِنْ التَّحَرِّي اهـ وَشَرَطَ فِي الذَّخِيرَةِ كَوْنَ الْمُخْبِرِ فِي الْمَفَازَةِ عَالِمًا حَيْثُ نَقَلَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ فِي الْمَفَازَةِ فَأَخْبَرَهُ رَجُلَانِ أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي جَانِبٍ وَوَقَعَ تَحَرِّيه إلَى جَانِبٍ آخَرَ، فَقَالَ: إنْ كَانَ فِي رَأْيِهِ أَنَّهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِمَا لَا مَحَالَةَ وَإِلَّا فَلَا اهـ وَشَرَطَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالتَّجْنِيسِ كَوْنَهُمَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَهُمَا مُسَافِرَانِ مِثْلُهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَا يَتْرُكُ اجْتِهَادَهُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِمَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَوْنُهُمَا عَالِمَيْنِ بِالْقِبْلَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَفَازَةِ وَلَا أَهْلَ لَهَا، إلَّا أَنْ يُرَادَ كَوْنُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ فَهُمَا مِنْ أَهْلِهِ وَالْأَهْلُ لَهُ عِلْمٌ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ الذَّخِيرَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِهِ وَلَا عِلْمَ لَهُمَا لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِهِمَا، فَالْمَنَاطُ إنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ، فَقَدْ يَكُونَانِ مُسَافِرَيْنِ مِثْلَهُ وَلَكِنْ لَهُمَا مَعْرِفَةٌ بِالْقِبْلَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِكَثْرَةِ التَّكْرَارِ أَوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ مِنْ طُرُقِ الْعِلْمِ مِمَّا يَفُوقُ عَلَى تَحَرِّي الْمُتَحَرِّي. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ قَوْلِهِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالنُّجُومِ فِي الْمَفَازَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّؤَالِ الْمُقَدَّمِ عَلَى التَّحَرِّي، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى الْقِبْلَةِ فِي الْحَضَرِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمَحَارِيبِ الْقَدِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَبِالسُّؤَالِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَفِي الْمَفَازَةِ بِالنُّجُومِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوُجُودِ غَيْمٍ أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِهَا فَبِالسُّؤَالِ مِنْ الْعَالِمِ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيَتَحَرَّى، وَكَذَا يَتَحَرَّى لَوْ سَأَلَهُ عَنْهَا فَلَمْ يُخْبِرْهُ، حَتَّى لَوْ أَخْبَرَهُ بَعْدَمَا صَلَّى
стр. 427
(وَالْمُعْتَبَرُ) فِي الْقِبْلَةِ (الْعَرْصَةُ لَا الْبِنَاءُ) فَهِيَ مِنْ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إلَى الْعَرْشِ
(وَقِبْلَةُ الْعَاجِزِ عَنْهَا) لِمَرَضٍ وَإِنْ وَجَدَ مُوَجِّهًا عِنْدَ الْإِمَامِ أَوْ خَوْفِ مَالٍ: وَكَذَا كُلُّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْأَرْكَانُ
ــ
[رد المحتار]
لَا يُعِيدُ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ. وَفِيهَا: لَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَتَحَرَّى، إنْ أَصَابَ جَازَ وَإِلَّا لَا، وَكَذَا الْأَعْمَى. اهـ. وَمَسَائِلُ التَّحَرِّي سَتَأْتِي وَرَجَّحَ فِي الْبَحْرِ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِي الْمَفَازَةِ بِالتَّحَرِّي وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ النُّجُومَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي الْجَهْلِ بِالْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهِمَا. أَمَّا دَقَائِقُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَصُوَرُ النُّجُومِ الثَّوَابِتِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي الْجَهْلِ بِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِبْلَةِ إلَخْ) أَيْ أَنَّ الَّذِي يَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ أَوْ اسْتِقْبَالُ جِهَتِهِ هُوَ الْعَرْصَةُ، وَهِيَ لُغَةً: كُلُّ بُقْعَةٍ بَيْنَ الدُّورِ وَاسِعَةٌ لَا بِنَاءَ فِيهَا كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا تِلْكَ الْبُقْعَةُ الشَّرِيفَةُ (قَوْلُهُ لَا الْبِنَاءُ) أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ الْكَعْبَةُ الَّتِي هِيَ الْبِنَاءُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى الْأَرْضِ، وَلِذَا لَوْ نُقِلَ الْبِنَاءُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَصَلَّى إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، بَلْ تَجِبُ الصَّلَاةُ إلَى أَرْضِهَا كَمَا فِي الْفَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. مَطْلَبُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ثَابِتَةٌ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ عِدَّةِ الْفَتَاوَى: الْكَعْبَةُ إذَا رُفِعَتْ عَنْ مَكَانِهَا لِزِيَارَةِ أَصْحَابِ الْكَرَامَةِ فَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ جَازَتْ الصَّلَاةُ إلَى أَرْضِهَا. اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى: وَقَدْ رُفِعَ الْبِنَاءُ فِي عَهْدِ ابْن الزُّبَيْرِ عَلَى قَوَاعِدِ الْخَلِيلِ وَفِي عَهْدِ الْحَجَّاجِ لِيُعِيدَهَا عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ. اهـ. فَتَّالٌ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ نَقَلَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: وَهَذَا صَرِيحٌ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، فَيُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ نَسَبَ إمَامَنَا إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِهَا وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ (قَوْلُهُ فَهِيَ مِنْ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إلَى الْعَرْشِ) صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْفَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ مَعْزِيًّا لِلْحُجُنَّةِ، ثُمَّ قَالَ: فَلَوْ صَلَّى فِي الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ وَالْآبَارِ الْعَمِيقَةِ السَّافِلَةِ جَازَ كَمَا جَازَ عَلَى سَطْحِهَا وَفِي جَوْفِهَا فَتَّالٌ، فَلَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ الْبِنَاءَ لَا الْعَرْصَةَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَالتَّفْرِيعُ صَحِيحٌ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ) لِأَنَّ الْقَادِرَ بِقُدْرَةِ الْغَيْرِ عَاجِزٌ عِنْدَهُ لِأَنَّ الْعَبْدَ يُكَلَّفُ بِقُدْرَةِ نَفْسِهِ لَا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ خِلَافًا لَهُمَا، فَيَلْزَمُهُ عِنْدَهُمَا التَّوَجُّهُ إنْ وَجَدَ مُوَجِّهًا، وَبِقَوْلِهِمَا جَزَمَ فِي الْمُنْيَةِ وَالْمِنَحِ وَالدُّرَرِ وَالْفَتْحِ بِلَا حِكَايَةِ خِلَافٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْوُضُوءِ وَوَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ حَيْثُ يَلْزَمُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ اتِّفَاقًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، وَقَدَّمْنَا الْفَرْقَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ فَرَاجِعْهُ. وَإِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَوَجَدَ أَجِيرًا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عِنْدَهُمَا كَمَا قَالُوهُ فِي التَّيَمُّمِ أَمْ لَا: لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ وَيَنْبَغِي اللُّزُومُ، ثُمَّ رَأَيْته فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الرَّوْضَةِ، لَكِنْ بِتَقْيِيدِ كَوْنِ الْأُجْرَةِ دُونَ نِصْفِ دِرْهَمٍ، فَلَوْ طَلَبَ نِصْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ لَا يَلْزَمُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَجْرُ الْمِثْلِ كَمَا فَسَّرُوهُ بِذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ أَوْ خَوْفِ مَالٍ) أَيْ خَوْفِ ذَهَابِهِ بِسَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إنْ اسْتَقْبَلَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ مِلْكًا لَهُ أَوْ أَمَانَةً قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ط وَلَمْ يَعْزُهُ إلَى أَحَدٍ فَلْيُرَاجَعْ، نَعَمْ سَيَأْتِي فِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُ الصَّلَاةِ لِضَيَاعِ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَكَذَا عَلَى مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْأَرْكَانُ) أَيْ تَكُونُ قِبْلَتُهُ جِهَةَ قُدْرَتِهِ أَيْضًا: فَقَالَ فِي الْبَحْرِ: وَيَشْمَلُ أَيْ الْعُذْرُ مَا إذَا كَانَ عَلَى لَوْحٍ فِي السَّفِينَةِ يُخَالِفُ الْغَرَقَ إذَا انْحَرَفَ إلَيْهَا، وَمَا إذَا كَانَ فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ لَا يَجِدُ عَلَى الْأَرْضِ مَكَانًا يَابِسًا أَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ جُمُوحًا لَوْ نَزَلَ لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ إلَّا بِمُعِينٍ أَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْكَبَ إلَّا بِمُعِينٍ وَلَا يَجِدُهُ فَكَمَا تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْأَرْكَانُ كَذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا قَدَرَ اهـ فَيُشْتَرَطُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عَدَمُ إمْكَانِ الِاسْتِقْبَالِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ إيقَافُهَا إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا بِأَنْ خَافَ الضَّرَرَ كَأَنْ تَذْهَبَ الْقَافِلَةُ وَيَنْقَطِعَ فَلَا يَلْزَمُهُ إيقَافُهَا
стр. 428
(جِهَةُ قُدْرَتِهِ) وَلَوْ مُضْطَجِعًا بِإِيمَاءٍ لِخَوْفِ رُؤْيَةِ عَدُوٍّ وَلَمْ يُعِدْ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ (وَيَتَحَرَّى) هُوَ بَذْلَ الْمَجْهُودِ لِنَيْلِ الْمَقْصُودِ (عَاجِزٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ) بِمَا مَرَّ (فَإِنْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ لَمْ يُعِدْ) لِمَا مَرَّ (وَإِنْ عَلِمَ بِهِ فِي صَلَاتِهِ أَوْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ) وَلَوْ فِي سُجُودِ سَهْوٍ (اسْتَدَارَ وَبَنَى) حَتَّى لَوْ صَلَّى كُلَّ رَكْعَةٍ لِجِهَةٍ جَازَ وَلَوْ بِمَكَّةَ أَوْ مَسْجِدٍ مُظْلِمٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَرْعُ أَبْوَابٍ
ــ
[رد المحتار]
وَلَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَأَوْضَحَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ وَالْحِلْيَةِ، وَقَيَّدَ فِي الْحِلْيَةِ مَسْأَلَةَ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ لِلطِّينِ بِمَا إذَا عَجَزَ عَنْ النُّزُولِ، فَإِنْ قَدَرَ نَزَلَ وَصَلَّى وَاقِفًا بِالْإِيمَاءِ زَادَ الزَّيْلَعِيُّ: وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ دُونَ السُّجُودِ أَوْمَأَ قَاعِدًا، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ نَدِيَّةً مُبْتَلَّةً بِحَيْثُ لَا يَغِيبُ وَجْهُهُ فِي الطِّينِ صَلَّى عَلَى الْأَرْضِ وَسَجَدَ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ وَلَوْ مُضْطَجِعًا إلَخْ) تَعْمِيمٌ لِقُدْرَةٍ: أَيْ يَتَوَجَّهُ الْعَاجِزُ إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ وَلَوْ كَانَ مُضْطَجِعًا. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَيَسْتَوِي فِيهِ: أَيْ فِي الْعَجْرِ الْخَوْفُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ، حَتَّى إذَا خَافَ أَنْ يَرَاهُ إنْ تَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ، وَلَوْ خَافَ أَنْ يَرَاهُ الْعَدُوُّ إنْ قَعَدَ صَلَّى مُضْطَجِعًا بِالْإِيمَاءِ، وَكَذَا الْهَارِبُ مِنْ الْعَدُوِّ رَاكِبًا يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَمْ يُعِدْ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْذَارَ سَمَاوِيَّةٌ حَتَّى الْخَوْفُ مِنْ عَدُوٍّ لِأَنَّ الْخَوْفَ لَمْ يَحْصُلْ بِمُبَاشَرَةِ أَحَدٍ، بِخِلَافِ الْمُقَيَّدِ إذَا صَلَّى قَاعِدًا فَإِنَّهُ يُعِيدُ عِنْدَهُمَا أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الشَّرْحِ الْمُنْيَةِ وَمَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَ هُنَا أَيْضًا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّ الْقَيْدَ عُذْرٌ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ بِمُبَاشَرَةِ الْمَخْلُوقِ تَأَمَّلْ. مَطْلَبُ مَسَائِلِ التَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ هُوَ) أَيْ التَّحَرِّي الْمَفْهُومُ مِنْ فِعْلِهِ (قَوْلُهُ بِمَا مَرَّ) مُتَعَلِّقٌ بِمَعْرِفَةٍ، وَاَلَّذِي مَرَّ هُوَ الِاسْتِدْلَال بِالْمَحَارِيبِ وَالنُّجُومِ وَالسُّؤَالِ مِنْ الْعَالِمِ بِهَا، فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَتَحَرَّى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ فَتَحَرَّى وَلَمْ يَسْأَلْهُ إنْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ قِبْلَةَ التَّحَرِّي مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُجَرَّدِ شَهَادَةِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ وَأَهْلُ الْبَلَدِ لَهُمْ عِلْمٌ بِجِهَةِ الْقِبْلَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا مِنْ النُّجُومِ وَغَيْرِهَا فَكَانَ فَوْقَ الثَّابِتِ بِالتَّحَرِّي، وَكَذَا إذَا وَجَدَ الْمَحَارِيبَ الْمَنْصُوبَةَ فِي الْبَلْدَةِ أَوْ كَانَ فِي الْمَفَازَةِ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ وَلَهُ عِلْمٌ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالنُّجُومِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي لِأَنَّ ذَلِكَ فَوْقَهُ، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرِهَا. وَاسْتُفِيدَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الْمَارَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى وَلَا يُقَلِّدَ مِثْلَهُ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ؟ لَمْ أَرَهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ) أَيْ بَعْدَمَا صَلَّى (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) وَهُوَ كَوْنُ الطَّاعَةِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ (قَوْلُهُ وَإِنْ عَلِمَ بِهِ) أَيْ بِخَطَئِهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ أَوْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ) أَيْ بِأَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي جِهَةٍ أُخْرَى فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ الثَّانِي أَرْجَحَ، إذْ الْأَضْعَفُ كَالْعَدَمِ، وَكَذَا الْمُسَاوِي فِيمَا يَظْهَرُ تَرْجِيحًا لِلْأَوَّلِ بِالْعَمَلِ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ اسْتَدَارَ وَبَنَى) أَيْ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَأُخْبِرُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فَاسْتَدَارُوا إلَى الْقِبْلَةِ، وَأَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ» وَأَمَّا إذَا تَحَوَّلَ رَأْيُهُ فَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمُتَجَدِّدَ لَا يَنْسَخُ حُكْمَ مَا قَبْلَهُ فِي حَقِّ مَا مَضَى شَرْحُ الْمُنْيَةِ، وَيَنْبَغِي لُزُومُ الِاسْتِدَارَةِ عَلَى الْفَوْرِ، حَتَّى لَوْ مَكَثَ قَدْرَ رُكْنٍ فَسَدَتْ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِمَكَّةَ) بِأَنْ كَانَ مَحْبُوسًا وَلَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُ فَصَلَّى بِالتَّحَرِّي ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ بَحْرٌ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْخَانِيَّةِ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ قَرْعُ أَبْوَابٍ) فِي الْخُلَاصَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ
стр. 429
وَمَسُّ جُدْرَانٍ وَلَوْ أَعْمَى، فَسِوَاهُ رَجُلٌ بَنَى وَلَمْ يَقْتَدِ الرَّجُلُ بِهِ وَلَا بِمُتَحَرٍّ تَحَرَّى؛ وَلَوْ ائْتَمَّ بِمُتَحَرٍّ بِلَا تَحَرٍّ لَمْ يَجُزْ إنْ أَخْطَأَ الْإِمَامُ، وَلَوْ سَلَّمَ فَتَحَوَّلَ رَأْيُ مَسْبُوقٍ وَلَاحِقٍ اسْتَدَارَ الْمَسْبُوقُ وَاسْتَأْنَفَ اللَّاحِقُ، وَمَنْ لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى
ــ
[رد المحتار]
قَوْمٌ وَالْمَسْجِدُ فِي مِصْرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، قَالَ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي فَتَاوَاهُ جَازَ. اهـ. وَفِي الْكَافِي: وَلَا يَسْتَخْرِجُهُمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ لِلْمَسْجِدِ قَوْمًا مِنْ أَهْلِهِ مُقِيمِينَ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا حَاضِرِينَ فِيهِ وَقْتَ دُخُولِهِ وَهُمْ حَوْلَهُ فِي الْقَرْيَةِ وَجَبَ طَلَبُهُمْ لِيَسْأَلهُمْ قَبْلَ التَّحَرِّي لِأَنَّ التَّحَرِّيَ مُعَلَّقٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَعَرُّفِ الْقِبْلَةِ بِغَيْرِهِ. اهـ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا مَرَّ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي، لِأَنَّ الْمُرَادَ إذَا لَمْ يَكُونُوا دَاخِلَ الْمَنَازِلِ وَلَمْ يَلْزَمْ الْحَرَجُ مِنْ طَلَبِهِمْ بِتَعَسُّفِ الظُّلْمَةِ وَالْمَطَرِ وَنَحْوِهِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَمَسُّ جُدْرَانٍ) لِأَنَّ الْحَائِطَ لَوْ كَانَتْ مَنْقُوشَةً لَا يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ الْمِحْرَابِ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ ثَمَّ هَامَةٌ مُؤْذِيَةٌ فَجَازَ لَهُ التَّحَرِّي بَحْرٌ عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ، فَأَمَّا فِي الْأَكْثَرِ فَيُمْكِنُ تَمْيِيزُ الْمِحْرَابِ مِنْ غَيْرِهِ فِي الظُّلْمَةِ بِلَا إيذَاءٍ، فَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي إسْمَاعِيلُ عَنْ الْمِفْتَاحِ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَعْمَى إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَلَوْ صَلَّى الْأَعْمَى رَكْعَةً إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَسَوَّاهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَاقْتَدَى بِهِ، إنْ وَجَدَ الْأَعْمَى وَقْتَ الشُّرُوعِ مَنْ يَسْأَلُهُ فَلَمْ يَسْأَلْهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُمَا وَإِلَّا جَازَتْ صَلَاةُ الْأَعْمَى دُونَ الْمُقْتَدِي لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ إمَامَهُ بَنَى صَلَاتَهُ عَلَى الْفَاسِدِ وَهُوَ الرَّكْعَةُ الْأُولَى اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْفَيْضِ وَالسِّرَاجِ، وَمُفَادُهُ أَنَّ الْأَعْمَى لَا يَلْزَمُهُ إمْسَاسُ الْمِحْرَابِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْأَلُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ السُّؤَالَ مَعَ إمْكَانِهِ وَأَصَابَ الْقِبْلَةَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَلَا بِمُتَحَرٍّ تَحَوَّلَ) أَيْ إلَى الْقِبْلَةِ مَعَ الْمُقْتَدَى بِحَالَتِهِ الْأُولَى: وَعِبَارَتُهُ فِي الْخَزَائِنِ. كَمَنْ تَحَرَّى فَأَخْطَأَ ثُمَّ عَلِمَ فَتَحَوَّلَ لَمْ يَقْتَدِ بِهِ مَنْ عَلِمَ بِحَالِهِ اهـ أَيْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْإِمَامَ كَانَ عَلَى الْخَطَأِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ بَحْرٌ. وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ تَحَوَّلَ بِالتَّحَرِّي أَيْضًا إلَى جِهَةٍ ظَنَّهَا الْقِبْلَةَ جَازَ لِلْآخَرِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ إنْ تَحَرَّى مِثْلَهُ وَإِلَّا فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِمُتَحَرٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِائْتَمَّ، وَقَوْلُهُ بِلَا تَحَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ حَالٍ مِنْ فَاعِلِ ائْتَمَّ (قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ) أَيْ اقْتِدَاؤُهُ إنْ ظَهَرَ أَنَّ الْإِمَامَ مُخْطِئٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ إنَّمَا تَجُوزُ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِصَابَةِ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي، وَأَمَّا صَلَاةُ الْإِمَامِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ لِتَحَرِّيهِ، وَإِنْ أَصَابَ الْإِمَامُ جَازَتْ صَلَاتُهُمَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ اسْتَدَارَ الْمَسْبُوقُ إلَخْ) لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَقْضِيهِ، بِخِلَافِ اللَّاحِقِ لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ فِيمَا يَقْضِيهِ وَالْمُقْتَدِي إذَا ظَهَرَ لَهُ وَهُوَ وَرَاءَ الْإِمَامِ أَنَّ الْقِبْلَةَ غَيْرُ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا الْإِمَامُ لَا يُمْكِنُهُ إصْلَاحُ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ إنْ اسْتَدَارَ خَالَفَ إمَامَهُ فِي الْجِهَةِ قَصْدًا وَهُوَ مُفْسِدٌ وَإِلَّا كَانَ مُتِمًّا صَلَاتَهُ إلَى مَا هُوَ غَيْرُ الْقِبْلَةِ عِنْدَهُ وَهُوَ مُفْسِدٌ أَيْضًا فَكَذَلِكَ اللَّاحِقُ شَرْحُ الْمُنْيَةِ: بَقِيَ مَا إذَا كَانَ لَاحِقًا وَمَسْبُوقًا: وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ قَضَى مَا لَحِقَ بِهِ أَوَّلًا ثُمَّ مَا سَبَقَ بِهِ، فَإِنْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ فِي قَضَاءِ مَا لَحِقَ بِهِ اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ تَحَوَّلَ فِي قَضَاءِ مَا سَبَقَ بِهِ اسْتَدَارَ، وَأَمَّا إنْ قَضَى مَا سَبَقَ بِهِ أَوَّلًا ثُمَّ مَا لَحِقَ بِهِ، فَإِنْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ فِيمَا لَحِقَ بِهِ اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ تَحَوَّلَ فِيمَا سَبَقَ بِهِ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى رَأْيِهِ إلَى شُرُوعِهِ فِيمَا لَحِقَ بِهِ اسْتَأْنَفَ وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ إلَى شُرُوعِهِ فِيمَا لَحِقَ بِهِ بِأَنْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ قَبْلَ قَضَاءِ مَا لَحِقَ بِهِ إلَى جِهَةِ إمَامِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْتَدِيرُ تَأَمَّلْ ح وَأَقَرَّهُ ط وَالرَّحْمَتِيُّ (قَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ تَحَرَّى فَلَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ، قِيلَ يُؤَخِّرُ، وَقِيلَ يُصَلِّي إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ. اهـ. وَرَجَّحَ فِي زَادِ الْفَقِيرِ الْأَوَّلَ حَيْثُ جَزَمَ بِهِ، وَعَبَّرَ عَنْ الْأَخِيرَيْنِ بِقِيلَ وَاخْتَارَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْوَسَطَ وَقَالَ إنَّهُ الْأَحْوَطُ، وَنَقَلَ ح عَنْ الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ أَنَّهُ الْأَصْوَبُ، فَلِهَذَا اخْتَارَهُ الشَّارِحُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقُهُسْتَانِيِّ تَرْجِيحُ الْأَخِيرِ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِي فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ تَحَرَّى وَلَمْ يَتَيَقَّنْ بِشَيْءٍ فَصَلَّى إلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ كَانَتْ جَائِزَةً وَلَوْ أَخْطَأَ فِيهِ، وَقِيلَ إنْ لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ أَخَّرَ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ يُصَلِّي إلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ اهـ وَمُفَادُهُ أَنَّ مَعْنَى التَّخْيِيرِ أَنَّهُ يُصَلِّي
стр. 430
شَيْءٍ صَلَّى لِكُلِّ جِهَةٍ مَرَّةً احْتِيَاطًا، وَمَنْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ لِجِهَتِهِ الْأُولَى اسْتَدَارَ، وَمَنْ تَذَكَّرَ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنْ الْأُولَى اسْتَأْنَفَ
(وَإِنْ شَرَعَ بِلَا تَحَرٍّ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ أَصَابَ) لِتَرْكِهِ فَرْضَ التَّحَرِّي إلَّا إذَا عَلِمَ إصَابَتَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَلَا يُعِيدُ اتِّفَاقًا، بِخِلَافِ
ــ
[رد المحتار]
مَرَّةً وَاحِدَةً إلَى أَيِّ جِهَةٍ أَرَادَ مِنْ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِقَوْلِهِ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ إنْ شَاءَ أَخَّرَ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى الصَّلَاةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ لِأَنَّ عِبَارَةَ فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ السَّابِقَةِ لَيْسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى إلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَقِينًا، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَتَرْكُ الْمَنْهِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَلِذَا يُصَلِّي بِالنَّجَاسَةِ إذَا لَزِمَ مِنْ غَسْلِهَا كَشْفُ الْعَوْرَةِ عِنْدَ الْأَجَانِبِ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُنَا سَاقِطٌ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْقِبْلَةِ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَقِبْلَةُ الْمُتَحَرِّي هِيَ جِهَةُ تَحَرِّيهِ. وَلَمَّا لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ اسْتَوَتْ فِي حَقِّهِ الْجِهَاتُ الْأَرْبَعُ فَيَخْتَارُ وَاحِدَةً مِنْهَا وَيُصَلِّي إلَيْهَا وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِنْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ فِيهَا لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ يُقَوِّي الْقَوْلَ الْأَخِيرَ وَهُوَ التَّخْيِيرُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ. وَيُضَعِّفُ مَا اخْتَارَهُ الشَّارِحُ وَادَّعَى أَنَّهُ الِاحْتِيَاطُ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ بِإِنْصَافٍ، وَلِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي اخْتَارَهُ الْكَمَالُ فِي زَادِ الْفَقِيرِ وَجْهٌ ظَاهِرٌ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْقِبْلَةُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا هِيَ جِهَةُ التَّحَرِّي وَلَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ صَارَ فَاقِدًا لِشَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَيُؤَخِّرُهَا كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ. لَكِنَّ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ وَهُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ مَعَ التَّخْيِيرِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ أَحْوَطُ كَمَا لَوْ وَجَدَ ثَوْبًا أَقَلَّ مِنْ رُبْعِهِ طَاهِرٌ، وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]- فَإِنَّهُ قِيلَ نَزَلَ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ اخْتِيَارُهُ وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ الْبَحْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ كَمَا مَرَّ. مَطْلَبُ إذَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَالْأَرْجَحُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّالِثُ لَا الْوَسَطُ وَقَدَّمْنَا أَوَّلَ الْكِتَابِ عَنْ الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَالْأَرْجَحُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّالِثُ لَا الْوَسَطُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ اسْتَدَارَ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيمَا إذَا تَحَوَّلَ رَأْيُهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى، قِيلَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ يَسْتَقْبِلُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ اهـ وَلِذَا قَدَّمَهُ فِي الْخَانِيَّةِ لِأَنَّهُ يُقَدِّمُ الْأَشْهَرَ، وَجَزَمَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ اسْتَأْنَفَ) لِأَنَّهُ إنْ سَجَدَهَا إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ سَجَدَهَا إلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ لِأَنَّهَا جَزْءٌ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ قِبْلَةً لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَإِنْ سَجَدَهَا إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى فَقَدْ انْحَرَفَ عَمَّا هُوَ قِبْلَتُهُ الْآنَ. اهـ. ح
(قَوْلُهُ وَإِنْ شَرَعَ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْعَاجِزِ: أَيْ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَتِهَا بِالْأَدِلَّةِ الْمَارَّةِ فَقِبْلَتُهُ جِهَةُ تَحَرِّيهِ، فَلَوْ شَرَعَ بِلَا تَحَرٍّ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاسْتِقْبَالِ اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ يَقِينًا أَنَّهُ أَصَابَ ثَبَتَ الْجَوَازُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَبَطَلَ الِاسْتِصْحَابُ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ أَصَابَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ تَيَقَّنَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ لَا يَجُوزُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ بَعْدَ الْعِلْمِ أَقْوَى وَبِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ لَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ إلَخْ) أَيْ لَوْ وَقَعَ تَحَرِّيه عَلَى جِهَةٍ وَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ. وَعَنْ
стр. 431
مُخَالِفِ جِهَةِ تَحَرِّيه فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ مُطْلَقًا كَمُصَلٍّ عَلَى أَنَّهُ مُحْدِثٌ أَوْ ثَوْبُهُ نَجِسٌ أَوْ الْوَقْتُ لَمْ يَدْخُلْ فَبَانَ بِخِلَافِهِ لَمْ يَجُزْ.
(صَلَّى جَمَاعَةٌ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ) فَلَوْ لَمْ تَشْتَبِهْ إنْ أَصَابَ جَازَ (بِالتَّحَرِّي) مَعَ إمَامٍ (وَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ صَلَّوْا إلَى جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَمَنْ تَيَقَّنَ) مِنْهُمْ (مُخَالَفَةَ إمَامِهِ فِي الْجِهَةِ) أَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ (حَالَةَ الْأَدَاءِ) أَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَضُرُّ (لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ) لِاعْتِقَادِهِ خَطَأَ إمَامِهِ وَلِتَرْكِهِ فَرْضَ الْمَقَامِ (وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ) كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْإِمَامُ، بِأَنْ رَأَى رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ فَائْتَمَّ بِوَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ.
ــ
[رد المحتار]
أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ. وَعَنْ الثَّانِي يَجْزِيهِ إنْ أَصَابَ، وَبِالْأَوَّلِ يُفْتَى فَيْضٌ. وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ مَا فُرِضَ لِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ حُصُولُهُ لَا تَحْصِيلُهُ لَكِنْ مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِ الْفَسَادِ وَعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَمُخَالَفَةُ جِهَةِ تَحَرِّيهِ اقْتَضَتْ اعْتِقَادَ فَسَادِ صَلَاتِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ صَلَّى وَعِنْدَهُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ أَوْ أَنَّ ثَوْبَهُ نَجِسٌ أَوْ أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ فَبَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَا يَجْزِيهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ غَيْرُ جَائِزٍ بِخِلَافِ صُورَةِ عَدَمِ التَّحَرِّي فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ الْفَسَادَ بَلْ هُوَ شَاكٌّ فِيهِ وَفِي عَدَمِهِ فَإِذَا ظَهَرَتْ قَبْلَ التَّمَامِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ أَوْ ثَوْبَهُ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ أَنَّ وَمِثْلُهُ الْوَقْتَ ح
(قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ تَشْتَبِهْ إلَخْ) ذَكَرَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا، كَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ شَرَعَ بِلَا تَحَرٍّ، لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ تَشْتَبِهْ بَيَانًا لِمَفْهُومِهِ. ثُمَّ إنَّ مَسَائِلَ التَّحَرِّي تَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ إلَى عِشْرِينَ قِسْمًا، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ لَا يَشُكَّ وَلَا يَتَحَرَّى أَوْ شَكَّ وَتَحَرَّى أَوْ لَمْ يَتَحَرَّ أَوْ تَحَرَّى بِلَا شَكٍّ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى خَمْسَةٍ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ صَوَابُهُ أَوْ خَطَؤُهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا أَوْ لَا يَظْهَرُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ فَسَدَتْ مُطْلَقًا أَوْ صَوَابُهُ قَبْلَ الْفَرَاغِ قِيلَ هُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَوَّى وَالْأَصَحُّ لَا، وَلَوْ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ أَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ الْإِصَابَةَ فَكَذَلِكَ لَا تَفْسُدُ، وَحُكْمُ الثَّانِي الصِّحَّةُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَحُكْمُ الثَّالِثِ الْفَسَادُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، أَوْ لَوْ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ أَصَابَ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا إذَا عَلِمَ يَقِينًا بِالْإِصَابَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ. وَالرَّابِعُ لَا وُجُودَ لَهُ خَارِجًا كَذَا فِي النَّهْرِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ: وَيَتَحَرَّى عَاجِزٌ، وَالثَّالِثُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ شَرَعَ بِلَا تَحَرٍّ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ: فَلَوْ لَمْ تَشْتَبِهْ إلَخْ لَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ إنْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ فَسَدَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ حَذَفَ الرَّابِعَ لِعَدَمِ وُجُودِهِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَحِلِّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ مَعَ إمَامٍ) أَمَّا لَوْ صَلَّوْا مُنْفَرِدِينَ صَحَّتْ صَلَاةُ الْكُلِّ، وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّفْصِيلُ (قَوْلُهُ فَمَنْ تَيَقَّنَ مِنْهُمْ) التَّيَقُّنُ غَيْرُ قَيْدٍ، بَلْ غَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَيْضِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ تَجْزِيهِمْ إلَّا صَلَاةَ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى إمَامِهِ أَوْ عَلِمَ بِمُخَالَفَةِ إمَامِهِ فِي صَلَاتِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ صَلَّى إلَى جَانِبٍ آخَرَ غَيْرِ مَا صَلَّى إلَيْهِ إمَامُهُ اهـ (قَوْلُهُ حَالَةَ الْأَدَاءِ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَيَقَّنَ مُخَالَفَةَ إمَامِهِ فِي الْجِهَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَوْلِهِ أَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى إمَامِهِ لَمْ يَجُزْ سَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ حَالَةَ الْأَدَاءِ أَوْ بَعْدَهُ بِخِلَافِ مُخَالَفَتِهِ لِإِمَامِهِ فِي الْجِهَةِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا إذَا عَلِمَ بِهَا حَالَةَ الْأَدَاءِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْفَيْضِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا، وَمِثْلُهَا قَوْلُهُ فِي الْمُلْتَقَى جَازَتْ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ، بِخِلَافِ مَنْ تَقَدَّمَهُ أَوْ عَلِمَ وَخَالَفَهُ اهـ. وَفِي مَتْنِ الْغُرُرِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ مُخَالَفَةَ إمَامِهِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ لِاعْتِقَادِهِ إلَخْ) نَشْرٌ رُتِّبَ ح (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْإِمَامُ إلَخْ) تَبِعَ فِي ذَلِكَ النَّهْرُ عَنْ الْمِعْرَاجِ. وَنَصُّ عِبَارَةِ الْمِعْرَاجِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَيْ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ فِي اعْتِقَادِهِمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ، وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْإِمَامُ بِأَنْ رَأَى رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ فَنَوَى الِاقْتِدَاءَ بِوَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ لَا يَجُوزُ فَكَذَا إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ فِعْلُ الْإِمَامِ اهـ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ حَذْفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ إذْ لَا مَدْخَلَ لَهَا هُنَا إلَّا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ جَهِلَ حَالَ إمَامِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ جَهِلَ عَيْنَهُ فَافْهَمْ.
стр. 432
[فُرُوعٌ] النِّيَّةُ عِنْدَنَا شَرْطٌ مُطْلَقًا وَلَوْ عَقَّبَهَا بِمَشِيئَةٍ، فَلَوْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَقْوَالٍ كَطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ بَطَلَ وَإِلَّا لَا. لَيْسَ لَنَا مَنْ يَنْوِي خِلَافَ مَا يُؤَدِّي إلَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْجُمُعَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
ــ
[رد المحتار]
[فُرُوعٌ فِي النِّيَّةِ]
ِ (قَوْلُهُ فُرُوعٌ) كَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرُ هَذِهِ الْفُرُوعِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ قُبَيْلَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْخَزَائِنِ (قَوْلُهُ النِّيَّةُ عِنْدَنَا شَرْطٌ مُطْلَقًا) أَيْ فِي كُلِّ الْعِبَادَاتِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا رُكْنٌ وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا شَرْطٌ كَالنِّيَّةِ، وَقِيلَ بِرُكْنِيَّتِهَا أَشْبَاهٌ وَإِنَّمَا قَالَ مُطْلَقًا لِيَشْمَلَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ بِخِلَافِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهَا رُكْنٌ فِيهَا اتِّفَاقًا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ ح وَاسْتَثْنَى فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْإِيمَانَ وَالتِّلَاوَةَ وَالْأَذْكَارَ وَالْأَذَانَ فَإِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَيْنِيِّ وَكُلُّ مَا لَا يَكُونُ إلَّا عِبَادَةً لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ كَمَا فِي شَرْحِ ابْنِ وَهْبَانَ قَالَ وَكَذَا النِّيَّةُ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ اهـ وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا مَا كَانَ شَرْطًا لِلْعِبَادَةِ إلَّا التَّيَمُّمَ وَلَا اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ الْمُشْتَرِطِ نِيَّتَهُ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ وَكَذَا مَا كَانَ جَزْءَ عِبَادَةٍ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالرَّأْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ فَلَوْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ) أَيْ فَلَوْ كَانَ هُوَ أَيْ الْمَنْوِيُّ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَقْوَالِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ بَطَلَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ أَوْ الْعِتْقَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّيَّةِ بَلْ بِالْقَوْلِ، حَتَّى لَوْ نَوَى طَلَاقَهَا أَوْ عِتْقَهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِ لَفْظٍ. قَالَ ح. فَإِنْ قُلْت: وُقُوعُ الطَّلَاقِ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَا عِبْرَةَ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ. قُلْت هَذَا مُسَلَّمٌ فِي الْقَضَاءِ. وَأَمَّا فِي الدِّيَانَةِ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ، حَتَّى إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ وَثَاقٍ لَا يَقَعُ دِيَانَةً. اهـ. أَقُولُ: وَكَذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْبَحْرِ وَالْأَشْبَاهِ، وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ فِي الْقَضَاءِ فَقَطْ وَيَحْتَاجُ إلَيْهَا دِيَانَةً، وَالثَّانِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِيهِمَا، لَكِنْ احْتِيَاجُ الْأَوَّلِ إلَى النِّيَّةِ دِيَانَةً مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَنْوِيَ بِهِ غَيْرَ مَعْنَاهُ الْعُرْفِيِّ، فَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ مِنْ الْوِثَاقِ: أَيْ الْقَيْدِ لَا يَقَعُ لِصَرْفِهِ اللَّفْظَ عَنْ مَعْنَاهُ. أَمَّا إذَا قَصَدَ التَّلَفُّظَ بِأَنْتِ طَالِقٌ مُخَاطِبًا بِهِ زَوْجَتَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الطَّلَاقَ وَلَا غَيْرَهُ فَالظَّاهِرُ الْوُقُوعُ قَضَاءً وَدِيَانَةً لِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْعَدَدِ لَا يَدِينُ كَمَا لَوْ نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ فَيَقَعُ قَضَاءً وَدِيَانَةً (قَوْلُهُ وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ الْمَنْوِيُّ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَقْوَالِ كَالصَّوْمِ لَا يَبْطُلُ بِالْمَشِيئَةِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ الْقَلْبِيَّةِ بِدُونِ قَوْلٍ، فَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَبْطُلُ. قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَلَوْ عَلَّقَهَا أَيْ نِيَّةَ الصَّوْمِ بِالْمَشِيئَةِ صَحَّتْ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُبْطِلُ الْأَقْوَالَ وَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ مِنْهَا. اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْجُمُعَةِ) فَعِنْدَهُ لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ إلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ؛ فَلَوْ اقْتَدَى بَعْدَمَا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ يَنْوِي جُمُعَةً وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا عِنْدَهُ، فَقَدْ نَوَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يُؤَدِّهَا، وَأَدَّى الظُّهْرَ وَلَمْ يَنْوِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَعِنْدَنَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً مَتَى صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْإِمَامِ وَلَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ عَلَى الْقَوْلِ بِفِعْلِهِ فِيهَا. وَنَقَضَ الْحَمَوِيُّ الْحَصْرَ بِمَسَائِلَ يَنْوِي فِيهَا خِلَافَ مَا يُؤَدِّي مِنْهَا مَا لَوْ طَافَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ، وَمَا لَوْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ تَطَوُّعًا فَظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ كَانَ مِنْهُ، وَمَا لَوْ تَهَجَّدَ بِرَكْعَتَيْنِ فَظَهَرَ أَنَّ الْفَجْرَ طَالِعٌ يَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ. وَمَا لَوْ صَامَ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ إفْطَارٍ فَقَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ يَمْضِي فِي صَوْمِ النَّفْلِ. وَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَصَامَهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ يَقَعُ عَنْ النَّذْرِ كَمَا فِي جَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ. اهـ. أَقُولُ: قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ النِّيَّةُ الَّتِي هِيَ شَرْطُ الصِّحَّةِ، فَالْمَعْنَى لَيْسَ لَنَا مَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ خِلَافَ مَا يُؤَدِّي إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَيْسَ فِيهَا الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْمَنْوِيِّ وَالْمُؤَدَّى إلَّا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ
стр. 433
الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعِبَادَةَ ذَاتَ الْأَفْعَالِ تَنْسَحِبُ نِيَّتُهَا عَلَى كُلِّهَا.
افْتَتَحَ خَالِصًا ثُمَّ خَالَطَهُ الرِّيَاءُ اُعْتُبِرَ السَّابِقُ، وَالرِّيَاءُ أَنَّهُ لَوْ خَلَا عَنْ النَّاسِ لَا يُصَلِّي فَلَوْ مَعَهُمْ يُحْسِنُهَا وَوَحْدَهُ لَا فَلَهُ ثَوَابُ أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَتْرُكُ لِخَوْفِ دُخُولِ الرِّيَاءِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَوْهُومٌ، لَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ.
قِيلَ لِشَخْصٍ صَلِّ الظُّهْرَ وَلَك دِينَارٌ فَصَلَّى بِهَذِهِ النِّيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ تُجْزِئَهُ وَلَا يَسْتَحِقُّ الدِّينَارَ.
الصَّلَاةُ لِإِرْضَاءِ الْخُصُومِ لَا تُفِيدُ، بَلْ يُصَلِّي لِلَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْفُ خَصْمُهُ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ جَاءَ «أَنَّهُ يُؤْخَذُ لِدَانَقٍ ثَوَابُ سَبْعِمِائَةِ صَلَاةٍ بِالْجَمَاعَةِ»
ــ
[رد المحتار]
فَإِنَّهَا مُخَالَفَةٌ لِلظُّهْرِ ذَاتًا وَصِفَةً فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعِبَادَةَ إلَخْ) مُقَابِلُهُ مَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْمُجْتَبَى، مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْعِبَادَةِ فِي كُلِّ رُكْنٍ فَافْهَمْ. وَاحْتُرِزَ بِذَاتِ الْأَفْعَالِ عَمَّا هِيَ فِعْلٌ وَاحِدٌ كَالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ فِي أَوَّلِهِ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَإِنَّهُ ذُو أَفْعَالٍ مِنْهَا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَصْلِ نِيَّةِ الطَّوَافِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ عَنْ الْفَرْضِ، حَتَّى لَوْ طَافَ نَفْلًا فِي أَيَّامِهِ وَقَعَ عَنْهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي ذَاتِهِ كَمَا هُوَ رُكْنٌ لِلْحَجِّ، فَبِاعْتِبَارِ رُكْنِيَّتِهِ يَنْدَرِجُ فِي نِيَّةِ الْحَجِّ فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ، وَبِاعْتِبَارِ اسْتِقْلَالِهِ اُشْتُرِطَ فِيهِ أَصْلُ نِيَّةِ الطَّوَافِ، حَتَّى لَوْ طَافَ هَارِبًا أَوْ طَالِبًا لِغَرِيمٍ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ إلَّا فِي ضِمْنِ الْحَجِّ فَيَدْخُلُ فِي نِيَّتِهِ، وَعَلَى هَذَا الرَّمْيُ وَالْحَلْقُ وَالسَّعْيُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ يَقَعُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ حَتَّى إنَّهُ يَحِلُّ لَهُ سِوَى النِّسَاءِ، وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ الْحَجِّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الشَّبَهَانِ
(قَوْلُهُ اُعْتُبِرَ السَّابِقُ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ فَالنَّظَرُ فِيهَا إلَى ابْتِدَائِهَا فَإِذَا شَرَعَ فِيهَا خَالِصًا ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ الرِّيَاءُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا لَهُ وَبَعْضُهَا لِغَيْرِهِ مَعَ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، نَعَمْ لَوْ حَسُنَ بَعْضُهَا رِيَاءً فَالتَّحْسِينُ وَصْفٌ زَائِدٌ لَا يُثَابُ بِهِ وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ افْتَتَحَهَا مُرَائِيًا ثُمَّ أَخْلَصَ اُعْتُبِرَ السَّابِقُ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عِبَادَةً يُمْكِنُ تَجْزِئَتُهَا كَقِرَاءَةٍ وَاعْتِكَافٍ، فَإِنَّ الْجُزْءَ الَّذِي دَخَلَهُ الرِّيَاءُ لَهُ حُكْمُهُ وَالْخَالِصُ لَهُ حُكْمُهُ (قَوْلُهُ وَالرِّيَاءُ أَنَّهُ إلَخْ) أَيْ الرِّيَاءُ الْكَامِلُ الْمُحْبِطُ لِلثَّوَابِ عَنْ أَصْلِ الْعِبَادَةِ أَوْ لِتَضْعِيفِهِ وَإِلَّا فَالتَّحْسِينُ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ أَيْضًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى أَصْلِ الْعِبَادَةِ وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ إذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَوْ أَطَالَ الرُّكُوعَ لِإِدْرَاكِ الْجَائِي، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَخَاف عَلَيْهِ أَمْرًا عَظِيمًا يَعْنِي الشِّرْكَ الْخَفِيَّ وَهُوَ الرِّيَاءُ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ، وَقَوْلُهُ وَلَا يَتْرُكُ إلَخْ: أَيْ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَقْرَأَ فَخَافَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الرِّيَاءُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَوْهُومٌ أَشْبَاهٌ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ. وَقَدْ سُئِلَ الْعَارِفُ الْمُحَقِّقُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ السُّهْرَوَرْدِيِّ عَمَّا نَصُّهُ: يَا سَيِّدِي إنْ تَرَكْت الْعَمَلَ أَخْلَدْت إلَى الْبَطَالَةِ وَإِنْ عَمِلْت دَاخَلَنِي الْعَجَبُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى؟ فَكَتَبَ جَوَابُهُ: اعْمَلْ وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ مِنْ الْعُجْبِ اهـ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ) أَيْ أَنَّ الرِّيَاءَ لَا يُبْطِلُ الْفَرْضَ وَإِنْ كَانَ الْإِخْلَاصُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَرَائِضِ. قَالَ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ: وَإِذَا صَلَّى رِيَاءً وَسُمْعَةً تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِي الْحُكْمِ لِوُجُودِ شَرَائِطِهِ وَأَرْكَانِهِ وَلَكِنْ لَا يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ وَاَلَّذِي فِي الذَّخِيرَةِ خِلَافُهُ، قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي النَّوَازِلِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الرِّيَاءُ لَا يَدْخُلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِضِ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُسْتَقِيمُ أَنَّ الرِّيَاءَ لَا يُفَوِّتُ أَصْلَ الثَّوَابِ، وَإِنَّمَا يُفَوِّتُ تَضَاعُفَ الثَّوَابِ. اهـ. بِيرِيّ عَلَى الْأَشْبَاهِ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ
(قَوْلُهُ قِيلَ لِشَخْصٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً فِي مَذْهَبِنَا، وَصَرَّحَ بِهَا النَّوَوِيُّ وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهَا، أَمَّا الْإِجْزَاءُ فَلِأَنَّهُ لَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ، وَأَمَّا عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الدِّينَارِ فَلِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى وَاجِبٍ، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْأُجْرَةَ كَالْأَبِ
стр. 434
وَلَوْ أَدْرَكَ الْقَوْمَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَدْرِ أَفَرْضٌ أَمْ تَرَاوِيحُ يَنْوِي الْفَرْضَ، فَإِنْ هُمْ فِيهِ صَحَّ وَإِلَّا تَقَعْ نَفْلًا، وَلَوْ نَوَى فَرْضَيْنِ كَمَكْتُوبَةٍ وَجِنَازَةٍ فَلِلْمَكْتُوبَةِ، وَلَوْ مَكْتُوبَتَيْنِ فَلِلْوَقْتِيَّةِ وَلَوْ فَائِتَتَيْنِ فَلِلْأُولَى لَوْ مِنْ أَهْلِ التَّرْتِيبِ وَإِلَّا لَغَا فَلْيُحْفَظْ، وَلَوْ فَائِتَةً وَوَقْتِيَّةً فَلِلْفَائِتَةِ لَوْ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا، وَلَوْ فَرْضًا وَنَفْلًا
ــ
[رد المحتار]
إذَا اسْتَأْجَرَ ابْنَهُ لِلْخِدْمَةِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ لِأَنَّ خِدْمَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ. اهـ. ح
(قَوْلُهُ الصَّلَاةُ لِإِرْضَاءِ الْخُصُومِ لَا تُفِيدُ إلَخْ) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِ ذَلِكَ جَائِزًا، وَظَاهِرُ مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَيْثُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ إلْقَاءِ الْمُبْطِلِينَ اهـ. وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: إذَا صَلَّى لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ لَهُ خَصْمٌ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَفْوٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَدُفِعَ إلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَصْمٌ أَوْ كَانَ وَجَرَى بَيْنَهُمَا عَفْوٌ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ، نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ. اهـ. بِيرِيّ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَجْلِ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ أَخْصَامُهُ وَعَدَمُ جَوَازِهِ لِكَوْنِهِ بِدْعَةً بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ. وَأَمَّا لَوْ صَلَّى وَوَهَبَ ثَوَابَهَا لِلْخُصُومِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ عِنْدَنَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ جَاءَ) أَيْ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَشْبَاهٌ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا الْكُتُبُ السَّمَاوِيَّةِ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ حَدِيثًا نَقَلَهُ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ: وَالدَّانَقُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا: سُدُسُ الدِّرْهَمِ، وَهُوَ قِيرَاطَانِ، وَالْقِيرَاطُ خَمْسُ شَعِيرَاتٍ، وَيُجْمَعُ عَلَى دَوَانِقَ وَدَوَانِيقَ؛ كَذَا فِي الْأَخْسَتْرِيِّ حَمَوِيٌّ (قَوْلُهُ ثَوَابُ سَبْعِمِائَةِ صَلَاةٍ بِالْجَمَاعَةِ) أَيْ مِنْ الْفَرَائِضِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهَا: وَاَلَّذِي فِي الْمَوَاهِبِ عَنْ الْقُشَيْرِيِّ سَبْعُمِائَةِ صَلَاةٍ مَقْبُولَةٍ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْجَمَاعَةِ. قَالَ شَارِحُ الْمَوَاهِبِ: مَا حَاصِلُهُ هَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْفُو عَنْ الظَّالِمِ وَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ ط مُلَخَّصًا
(قَوْلُهُ وَإِلَّا تَقَعْ نَفْلًا) أَيْ غَيْرَ نَائِبٍ فِي حَقِّهِ عَنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ لِوُقُوعِهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَوَقْتُ التَّرَاوِيحِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ط (قَوْلُهُ فَلِلْمَكْتُوبَةِ) أَيْ لِقُوَّتِهَا لِفَرْضِيَّتِهَا عَيْنًا وَلِكَوْنِهَا صَلَاةً حَقِيقَةً وَالْجِنَازَةُ كِفَايَةٌ وَلَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةً (قَوْلُهُ وَلَوْ مَكْتُوبَتَيْنِ) أَيْ إحْدَاهُمَا وَقْتِيَّةٌ وَالْأُخْرَى لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا كَمَا لَوْ نَوَى فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ظُهْرَ هَذَا الْيَوْمِ وَعَصْرَهُ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَشَرْحِ الْأَشْبَاهِ لِلْبِيرِيِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي وَلَوْ فَائِتَةً وَوَقْتِيَّةً إلَخْ (قَوْلُهُ فَلِلْوَقْتِيَّةِ) عَلَّلَ لَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْوَقْتِيَّةَ وَاجِبَةٌ لِلْحَالِ وَغَيْرَهَا لَا اهـ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَاحِبِ تَرْتِيبٍ وَإِلَّا فَالْفَائِتَةُ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى بَحْرٌ. أَقُولُ: هَذِهِ الْإِفَادَةُ إنَّمَا تَتِمُّ لَوْ أُرِيدَ بِالْمَكْتُوبَتَيْنِ مَا يَشْمَلُ الْوَقْتِيَّةَ مَعَ الْفَائِتَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِمَا الْوَقْتِيَّةُ مَعَ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ وَلَوْ فَائِتَتَيْنِ فَلِلْأُولَى) وَكَذَا لَوْ وَقْتِيَّتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي عَرَفَةَ كَمَا بَحَثَهُ الْبِيرِيُّ. وَقَالَ ح: لِأَنَّ الْعَصْرَ وَإِنْ صَحَّتْ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَّا أَنَّ الظُّهْرَ وَاجِبَةُ التَّقْدِيمِ عَلَيْهَا لِلتَّرْتِيبِ فَكَانَتَا بِمَنْزِلَةِ فَائِتَتَيْنِ لَمْ يَسْقُطْ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ لَوْ مِنْ أَهْلِ التَّرْتِيبِ إلَخْ) تَبِعَ فِيهِ الْبَحْرَ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِ الْمُحِيطِ لِلْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الْأُولَى. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ إنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا إذَا كَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَاجِبًا. اهـ. أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحِلْيَةِ، لَكِنَّهُ فِي الْحِلْيَةِ قَالَ بَعْدَهُ: بَقِيَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَاجِبًا وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا لِلْأُولَى لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا أَوْلَى اهـ. وَجَزَمَ بِذَلِكَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ حَيْثُ قَالَ فَلِلْأُولَى مِنْهُمَا لِتَرَجُّحِهَا بِالسَّبْقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَلِلْفَائِتَةِ لَوْ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا) وَأَمَّا إذَا خَافَ ذَهَابَ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ فَإِنَّهُ يَجْزِيهِ عَنْهَا حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ كَمَا فِي الْأَجْنَاسِ بِيرِيّ. هَذَا، وَقَالَ ح بَعْدَ قَوْلِهِ لَوْ الْوَقْتُ
стр. 435
فَلِلْفَرْضِ، وَلَوْ نَافِلَتَيْنِ كَسُنَّةِ فَجْرٍ وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ فَعَنْهُمَا،
ــ
[رد المحتار]
مُتَّسِعًا أَيْ وَكَانَ بَيْنَهُمَا تَرْتِيبٌ إذْ لَوْ كَانَ مُتَّسِعًا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَرْتِيبٌ لَغَتْ نِيَّتُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ اهـ وَأَقُولُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ فِي الْبَحْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَعَمْ صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بَحْثًا وَبَحَثَ فِي الْحِلْيَةِ خِلَافَهُ فَافْهَمْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ قَوْلِهِ فَلِلْفَائِتَةِ إلَخْ عَزَاهُ فِي الْفَتْحِ إلَى الْمُنْتَقَى، وَمِثْلُهُ فِي السِّرَاجِ، وَعَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْمُنْيَةِ وَذَكَرَ قَبْلَهُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ: وَأَفَادَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ. اهـ. أَقُولُ: وَكَذَا ذَكَرَ أَوَّلًا فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ وَفِي الْمُنْتَقَى يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْأُولَى اهـ فَتَكُونُ رِوَايَةً. وَقَالَ الْإِمَامُ الْفَارِسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْخَلَّاطِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: نَاوِي الْفَرْضَيْنِ مَعًا لَاغٍ فِي الصَّلَاةِ إلْحَاقًا لِلدَّفْعِ بِالرَّفْعِ فِي التَّنَافِي مُتَنَفِّلٌ فِي غَيْرِهَا إلَخْ: أَيْ نِيَّةُ الْفَرْضَيْنِ مَعًا إنْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ لَغْوًا عِنْدَهُمَا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ. وَصُورَتُهُ لَوْ كَبَّرَ يَنْوِي ظُهْرًا وَعَصْرًا عَلَيْهِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ عَالِمًا بِأَوَّلِهِمَا أَوَّلًا فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّنَافِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ رَفَعَهُ وَأَبْطَلَهُ أَصْلًا، حَتَّى لَوْ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ يَنْوِي عَصْرًا عَلَيْهِ بَطَلَتْ الظُّهْرُ وَصَحَّ شُرُوعُهُ فِي الْعَصْرِ، فَإِذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُوَّةٌ رَفْعُ الْأُخْرَى بَعْدَ ثُبُوتِهَا يَكُونُ لَهَا قُوَّةُ دَفْعِهَا عَنْ الْمَحِلِّ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا بِالْأُولَى لِأَنَّ الدَّفْعَ أَسْهَلُ مِنْ الدَّفْعِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ، وَكَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ عِنْدَهُ إمَّا بِالْحَاجَةِ إلَى التَّعْيِينِ وَإِمَّا بِالْقُوَّةِ وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْأَمْرَيْنِ، ثُمَّ إطْلَاقُ الْفَرْضَيْنِ يَتَنَاوَلُ مَا وَجَبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمَكْتُوبَةِ، أَوْ بِإِيجَابِ الْعَبْدِ كَالْمَنْذُورِ أَدَاءً وَقَضَاءً، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ كَفَاسِدِ النَّفْلِ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالظُّهْرَيْنِ وَالْجِنَازَتَيْنِ وَالْمَنْذُورَتَيْنِ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ أَوْ مَعَ النَّذْرِ أَوْ مَعَ الْجِنَازَةِ، وَقِيلَ إنَّ نَاوِيَ الْفَرْضَيْنِ فِي الصَّلَاةِ مُتَنَفِّلٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْفَرْضَيْنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً وَيَكُونُ مُتَنَفِّلًا إلَّا فِي كَفَّارَتَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ مُفْتَرِضًا اهـ مُلَخَّصًا وَتَمَامُهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْبَحْرِ، فَعُلِمَ أَنَّ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الْمُنْتَقَى فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا إذَا جَمَعَ فِي النِّيَّةِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا قَضَاءٌ أَوْ أَحَدُهُمَا أَدَاءٌ وَالْآخَرُ قَضَاءٌ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ أَوْ جِنَازَةٌ أَوْ مَنْذُورٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، وَقِيلَ يَصِيرُ مُتَنَفِّلًا فَلَمْ تُعْتَبَرْ الْقُوَّةُ عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ إلَّا فِيمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ فَرْضٍ وَتَطَوُّعٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُفْتَرِضًا عِنْدَهُمَا لِقُوَّتِهِ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ تَلْغُو فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي صَوْمٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ حَجٍّ نَذْرٌ مَعَ تَطَوُّعٍ يَكُونُ مُتَنَفِّلًا، بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالتَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ مُفْتَرَضٌ اتِّفَاقًا كَمَا أَوْضَحَهُ الْفَارِسِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ فَلِلْفَرْضِ) أَيْ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا عَلِمْته آنِفًا (قَوْلُهُ وَلَوْ نَافِلَتَيْنِ) قَدْ تُطْلَقُ النَّافِلَةُ عَلَى مَا يَشْمَلُ السُّنَّةَ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا (قَوْلُهُ فَعَنْهُمَا) ذَكَرَهُ فِي الْأَشْبَاهِ ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا نَوَى سُنَّتَيْنِ كَمَا إذَا نَوَى فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ صَوْمَهُ عَنْهُ وَعَنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إذَا وَافَقَهُ فَإِنَّ مَسْأَلَةَ التَّحِيَّةِ إنَّمَا كَانَتْ ضِمْنًا لِلسُّنَّةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ اهـ أَيْ فَكَذَا الصَّوْمُ عَنْ الْيَوْمَيْنِ وَأَيَّدَهُ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ بِأَنَّهُ يَجْزِيهِ الصَّوْمُ فِي الْوَاجِبَيْنِ، فَفِي غَيْرِهِمَا أَوْلَى لِمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبًا ثُمَّ صَامَ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَحَدُهُمَا رَجَبٌ أَجْزَأَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَمَضَانَ، وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ جَمِيعِ عُمْرِهِ ثُمَّ وَجَبَ صَوْمُ شَهْرَيْنِ عَنْ ظِهَارٍ أَوْ أَوْجَبَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ قَضَى فِيهِ صَوْمَ رَمَضَانَ جَازَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْحَقَهُ شَيْءٌ اهـ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ نِيَّتَيْنِ بَلْ هُوَ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ أَجْزَأَتْ عَنْ صَوْمَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَتَأَتَّى فِيهَا. وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ فِيمَا لَوْ نَوَى سُنَّةَ الْعِشَاءِ وَالتَّهَجُّدِ بِنَاءً عَلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْهُمَامِ مِنْ أَنَّ التَّهَجُّدَ فِي حَقِّنَا سُنَّةٌ
стр. 436
وَلَوْ نَافِلَةً وَجِنَازَةً فَنَافِلَةٌ، وَلَا تَبْطُلُ بِنِيَّةِ التَّطَلُّعِ مَا لَمْ يُكَبِّرْ بِنِيَّةٍ مُغَايِرَةٍ، وَلَوْ نَوَى فِي صَلَاتِهِ الصَّوْمَ صَحَّ.
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ شُرُوعٌ فِي الْمَشْرُوطِ بَعْدَ بَيَانِ الشَّرْطِ: هِيَ لُغَةً: مَصْدَرٌ. وَعُرْفًا: كَيْفِيَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى فَرْضٍ وَوَاجِبٍ وَسُنَّةٍ وَمَنْدُوبٍ
ــ
[رد المحتار]
لَا مُسْتَحَبٌّ (قَوْلُهُ فَنَافِلَةٌ) لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُطْلَقَةٌ وَتِلْكَ دُعَاءٌ (قَوْلُهُ وَلَا تَبْطُلُ بِنِيَّةِ الْقَطْعِ) وَكَذَا بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهَا ط (قَوْلُهُ مَا لَمْ يُكَبِّرْ بِنِيَّةٍ مُغَايِرَةٍ) بِأَنْ يُكَبِّرَ نَاوِيًا النَّفَلَ بَعْدَ شُرُوعِ الْفَرْضِ وَعَكْسَهُ، أَوْ الْفَائِتَةَ بَعْدَ الْوَقْتِيَّةِ وَعَكْسَهُ، أَوْ الِاقْتِدَاءَ بَعْدَ الِانْفِرَادِ وَعَكْسَهُ. وَأَمَّا إذَا كَبَّرَ بِنِيَّةِ مُوَافَقَةٍ كَأَنْ نَوَى الظُّهْرَ بَعْدَ رَكْعَةِ الظُّهْرِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّ النِّيَّةَ الْأُولَى لَا تَبْطُلُ وَيَبْنِي عَلَيْهَا. وَلَوْ بَنَى عَلَى الثَّانِيَةِ فَسَدَتْ الصَّلَاةُ ط (قَوْلُهُ الصَّوْمَ) وَنَحْوُهُ الِاعْتِكَافُ وَلَكِنْ الْأَوْلَى عَدَمُ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ ط، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]
(قَوْلُهُ شُرُوعٌ فِي الْمَشْرُوطِ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّفَةِ الْأَوْصَافُ النَّفْسِيَّةُ لِلصَّلَاةِ وَهِيَ الْأَجْزَاءُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْهُوِيَّةِ مِنْ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَشْرُوطُ؛ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْأَوْلَى خِلَافُهُ ط (قَوْلُهُ هِيَ لُغَةً مَصْدَرٌ) يُقَالُ: وَصَفَ الشَّيْءَ وَصْفًا وَصِفَةً نَعَتَهُ، وَالصِّفَةُ كَالْعَلَمِ وَالسَّوَادِ قَامُوسٌ.
وَفِي تَعْرِيفَاتِ السَّيِّدِ: الْوَصْفُ عِبَارَةٌ عَمَّا دَلَّ عَلَى الذَّاتِ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ جَوْهَرِ حُرُوفِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ بِصِيغَتِهِ كَأَحْمَرَ، فَإِنَّهُ بِجَوْهَرِ حُرُوفِهِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مَقْصُودٍ وَهُوَ الْحُمْرَةُ، فَالْوَصْفُ وَالصِّفَةُ مَصْدَرَانِ كَالْوَعْدِ وَالْعِدَةِ. وَالْمُتَكَلِّمُونَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فَقَالُوا، الْوَصْفُ يَقُومُ بِالْوَاصِفِ، وَالصِّفَةُ تَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ اهـ لَكِنَّ كَلَامَ الْقَامُوسِ يَدُلُّ عَلَى إطْلَاقِ الصُّفَّةِ عَلَى مَا قَامَ بِالْمَوْصُوفِ لُغَةً أَيْضًا، فَالصِّفَةُ تَكُونُ مَصْدَرًا وَاسْمًا وَالْوَصْفُ مَصْدَرٌ فَقَطْ. قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ. وَلَا يُنْكَرُ أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ الْوَصْفُ وَيُرَادُ الصِّفَةُ، وَبِهَذَا لَا يَلْزَمُ الِاتِّحَادُ لُغَةً إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْوَصْفَ مَصْدَرٌ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَصْفَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ اسْمًا بِمَعْنَى الصِّفَةِ مَجَازًا لَا لُغَةً فَلَا يَلْزَمُ اتِّحَادُهُمَا، خِلَافًا لِمَا قِيلَ إنَّهُمَا فِي اللُّغَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
(قَوْلُهُ وَعُرْفًا كَيْفِيَّةٌ إلَخْ) مَبْنِيٌّ عَلَى عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الصِّفَةَ تَكُونُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرًا وَاسْمًا وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِصِفَةِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً لَا لِمُطْلَقِ الصِّفَةِ. قَالَ ح: فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ صِفَةُ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، فَبَعْضُ الْأَجْزَاءِ صِفَتُهُ الْفَرْضِيَّةُ كَالْقِيَامِ، وَبَعْضُهَا الْوُجُوبُ كَالتَّشَهُّدِ، وَبَعْضُهَا السُّنِّيَّةُ كَالثَّنَاءِ، وَبَعْضُهَا النَّدْبُ كَنَظَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ فِي الْقِيَامِ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الْمُضَافَ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ بَيَانِ صِفَةِ الْأَجْزَاءِ لَا صِفَةِ نَفْسِ الصَّلَاةِ اهـ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّفَةِ هُنَا الْأَوْصَافُ النَّفْسِيَّةُ لَهَا وَهِيَ الْأَجْزَاءُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْهُوِيَّةِ الْخَارِجِيَّةِ مِنْ الْقِيَامِ الْجُزْئِيِّ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَذَا فِي النَّهْرِ.
قَالَ ط: وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنَ وَالْمَنْدُوبَاتِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْوَاجِبَاتِ وَغَيْرَهَا مِمَّا يُطْلَبُ مِنْ الْمُصَلِّي فِعْلُهُ أَجْزَاءُ الصَّلَاةِ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَجْزَاءِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّتُهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الصِّفَةَ مَا قَامَ بِالْمَوْصُوفِ وَالْأَجْزَاءُ هِيَ الَّتِي قَامَتْ بِهَا صِفَةُ الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ وَنَحْوِهِمَا فَلَيْسَتْ هِيَ الصِّفَةَ بَلْ الْمَوْصُوفُ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ هِيَ أَوْصَافُ الْمُصَلِّي وَتُنْسَبُ إلَى الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا أَجْزَاءَ الْهُوِيَّةِ الْخَارِجِيَّةِ الَّتِي صَارَتْ بِهَا الصَّلَاةُ فِي الْخَارِجِ هِيَ هِيَ، وَعَلَيْهِ فَالْإِضَافَةُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ بَيَانِيَّةٌ، أَوْ الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ الْجُزْءُ مَجَازًا لِقِيَامِهِ بِالْكُلِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ إنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ إلَى الْكُلِّ لِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِمَّا يَأْتِي جَزْءُ الصَّلَاةِ إلَخْ فَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَيَانُ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ
стр. 437
(مِنْ فَرَائِضُهَا) الَّتِي لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا (التَّحْرِيمَةُ) قَائِمًا (وَهِيَ شَرْطٌ) فِي غَيْرِ جِنَازَةٍ عَلَى الْقَادِرِ بِهِ يُفْتَى، فَيَجُوزُ بِنَاءُ النَّفْلِ عَلَى النَّفْلِ وَعَلَى الْفَرْضِ وَإِنْ كُرِهَ لَا فَرْضٌ عَلَى فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ عَلَى الظَّاهِرِ وَلِاتِّصَالِهَا بِالْأَرْكَانِ رُوعِيَ لَهَا الشُّرُوطُ
ــ
[رد المحتار]
الْمُتَنَوِّعَةِ إلَى فَرْضٍ وَوَاجِبٍ وَسُنَّةٍ لَا بَيَانُ نَفْسِ الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ الَّتِي هِيَ صِفَاتُ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ إذْ بَيَانُهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لَا الْفُرُوعِ تَأَمَّلْ.
[فَرَائِض الصَّلَاة]
[مَطْلَبٌ قَدْ يُطْلَقُ الْفَرْضُ عَلَى مَا يُقَابِلُ الرُّكْنَ وَعَلَى مَا لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ]
(قَوْلُهُ مِنْ فَرَائِضِهَا) جَمْعُ فَرِيضَةٍ أَعَمُّ مِنْ الرُّكْنِ الدَّاخِلِ الْمَاهِيَّةِ وَالشَّرْطِ الْخَارِجِ عَنْهَا، فَيَصْدُقُ عَلَى التَّحْرِيمَةِ وَالْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَالْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَ الْفَرْضَ عَلَى مَا يُقَابِلُ الرُّكْنَ كَالتَّحْرِيمَةِ وَالْقَعْدَةِ، وَقَدَّمْنَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ الْفَرْضُ عَلَى مَا لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ كَتَرْتِيبِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقَعْدَةِ، وَأَشَارَ بِمِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ إلَى أَنَّ لَهَا فَرَائِضَ أُخَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَبَقِيَ مِنْ الْفُرُوضِ إلَخْ أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ الَّتِي لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ إذْ لَا شَيْءَ مِنْ الْفُرُوضِ مَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ بِلَا عُذْرٍ (قَوْلُهُ التَّحْرِيمَةُ) الْمُرَادُ بِهَا جُمْلَةُ ذِكْرٍ خَالِصٍ. مِثْلُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. كَمَا سَيَأْتِي مَعَ بَيَانِ شُرُوطِهَا الْعِشْرِينَ نَظْمًا. وَالتَّحْرِيمُ جَعْلُ الشَّيْءِ مُحَرَّمًا، سُمِّيَتْ بِهَا لِتَحْرِيمِهَا الْأَشْيَاءَ الْمُبَاحَةَ قَبْلَ الشُّرُوعِ بِخِلَافِ سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ وَالتَّاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ قُهُسْتَانِيٌّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ بُرْجُنْدِيٌّ، وَقِيلَ لِلْوَحْدَةِ، وَقِيلَ لِلنَّقْلِ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ (قَوْلُهُ قَائِمًا) هُوَ أَحَدُ شُرُوطِهَا الْعِشْرِينَ الْآتِيَةِ، وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي (قَوْلُهُ وَهُوَ شَرْطٌ) وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا مَعَ الشُّرُوطِ الْمَارَّةِ لِاتِّصَالِهَا بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَابِ لِلدَّارِ أَفَادَهُ فِي السِّرَاجِ (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ جِنَازَةٍ) أَمَّا فِيهَا فَهِيَ رُكْنٌ اتِّفَاقًا كَبَقِيَّةِ تَكْبِيرَاتِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ ح.
(قَوْلُهُ عَلَى الْقَادِرِ) مُتَعَلِّقٌ بِشَرْطٍ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْفَرْضِ: أَيْ وَهِيَ شَرْطٌ مُفْتَرَضٌ عَلَيْهِ ح. أَمَّا الْأُمِّيُّ وَالْأَخْرَسُ لَوْ افْتَتَحَا بِالنِّيَّةِ جَازَ لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بِأَقْصَى مَا فِي وُسْعِهِمَا بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الْآتِي (قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالشَّرْطِيَّةِ، وَهُوَ مَضْمُونُ النِّسْبَةِ الْإِيقَاعِيَّةِ فِي قَوْلِهِ وَهِيَ شَرْطٌ (قَوْلُهُ فَيَجُوزُ بِنَاءُ النَّفْلِ عَلَى النَّفْلِ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِ التَّحْرِيمَةِ شَرْطًا، لَكِنَّ كَوْنَهَا شَرْطًا يَقْتَضِي صِحَّةَ بِنَاءِ أَيِّ صَلَاةٍ عَلَى تَحْرِيمَةِ أَيِّ صَلَاةٍ، كَمَا يَجُوزُ بِنَاءُ أَيِّ صَلَاةٍ عَلَى طَهَارَةِ أَيِّ صَلَاةٍ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الشُّرُوطِ، لَكِنْ مَنَعْنَا بِنَاءَ الْفَرْضِ عَلَى غَيْرِهِ، لَا لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ رُكْنٌ، بَلْ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْفَرْضِ تَعْيِينُهُ وَتَمْيِيزُهُ عَنْ غَيْرِهِ بِأَخَصِّ أَوْصَافِهِ وَجَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَنْ يَكُونَ عِبَادَةً عَلَى حِدَةٍ، وَلَوْ بُنِيَ عَلَى غَيْرِهِ لَكَانَ مَعَ ذَلِكَ الْغَيْرِ عِبَادَةً وَاحِدَةً كَمَا فِي بِنَاءِ النَّفْلِ عَلَى النَّفْلِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَإِنَّهُ يَكُونُ صَلَاةً وَاحِدَةً بِدَلِيلِ أَنَّ الْقُعُودَ لَا يُفْتَرَضُ إلَّا فِي آخِرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَوْلُهُمْ إنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ النَّفْلِ صَلَاةٌ لَا يُعَارِضُهُ لِأَنَّهُ فِي أَحْكَامٍ دُونَ أُخْرَى اهـ ح (قَوْلُهُ وَعَلَى الْفَرْضِ) لِأَنَّ الْفَرْضَ أَقْوَى فَيَسْتَتْبِعُ النَّفَلَ لِضَعْفِهِ ط (قَوْلُهُ وَإِنْ كُرِهَ) يَعْنِي أَنَّهُ مَعَ صِحَّتِهِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ السَّلَامِ وَعَدَمَ كَوْنِ النَّفَل بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ ح وَهَذَا فِي الْعَمْدِ، إذْ لَوْ سَهَا بَعْدَ قَعْدَةِ الْفَرْضِ فَزَادَ خَامِسَةً يَضُمُّ سَادِسَةً بِلَا كَرَاهِيَةٍ (قَوْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ) أَيْ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِصَدْرِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ بِالْجَوَازِ فِيهِمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ بَعْدَ عَزْوِهِ الْجَوَازَ فِي بِنَاءِ الْفَرْضِ عَلَى مِثْلِهِ إلَى صَدْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ بِنَاءَ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ لَمْ نَجِدْ فِيهِ رِوَايَةً، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ حَتَّى عَلَى قَوْلِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ جَوَّزَ بِنَاءَ الْمِثْلِ، فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْأَقْوَى عَلَى الْأَدْنَى وَلِأَنَّ الشَّيْءَ يَسْتَتْبِعُ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ لَا مَا هُوَ أَقْوَى إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ، وَتَبِعَهُ فِي الْمِعْرَاجِ وَالْعِنَايَةِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ النَّهْرِ. وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ بِنَاءِ النَّفْلِ عَلَى النَّفْلِ وَالْفَرْضِ عَلَيْهِ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ وَلِاتِّصَالِهَا إلَخْ) عِلَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَعْلُولِ، وَهُوَ قَوْلُهُ رَوْعِي لَهَا الشُّرُوطُ.
وَهَذَا حَاصِلُ عِبَارَةِ الْبُرْهَانِ الْآتِيَةِ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ
стр. 438
وَقَدْ مَنَعَهُ الزَّيْلَعِيُّ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَئِنْ سَلَّمَ، نَعَمْ فِي التَّلْوِيحِ تَقْدِيمُ الْمَنْعِ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوْلَى، لَكِنْ نَقُولُ الِاحْتِيَاطُ
ــ
[رد المحتار]
سُؤَالٍ مُقَدَّرِ، وَهُوَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ شَرْطًا فَلِمَ رُوعِيَ لَهَا الشُّرُوطُ وَالشُّرُوطُ تُرَاعَى لِلْأَرْكَانِ. وَالْجَوَابُ إنَّمَا رُوعِيَتْ الشُّرُوطُ لَهَا مِنْ الطَّهَارَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَنَحْوِهِمَا لَا لِكَوْنِهَا رُكْنًا لِلصَّلَاةِ بَلْ لِاتِّصَالِهَا بِالْقِيَامِ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ وَقَدْ مَنَعَهُ الزَّيْلَعِيُّ) أَيْ مَنَعَ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ رُوعِيَ لَهَا الشُّرُوطُ حَيْثُ قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الشَّافِعِيِّ الْقَائِلِ بِرُكْنِيَّةِ التَّحْرِيمَةِ، وَقَوْلُهُ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ فَأَلْقَاهَا عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا أَوْ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ فَسَتْرُهَا عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّكْبِيرِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ أَوْ شَرَعَ فِي التَّكْبِيرِ قَبْلَ ظُهُورِ الزَّوَالِ مَثَلًا ثُمَّ ظَهَرَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا أَوْ مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ فَاسْتَقْبَلَهَا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا جَازَ، وَلَئِنْ سُلِّمَ فَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْأَدَاءِ، لَا لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ مِنْ الصَّلَاةِ اهـ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْقَوْلِ بِمُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ لَهَا بِقَوْلِهِ وَلَئِنْ سُلِّمَ إلَخْ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْخَصْمِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ فَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْأَدَاءِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي لُزُومِ مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ وَقْتهَا لَا لَهَا بَلْ لِاتِّصَالِهَا بِالْقِيَامِ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ اتِّفَاقًا وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُك لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَرَكَةَ تَجْتَمِعُ مَعَ السُّكُونِ، وَلَئِنْ سُلِّمَ يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، فَقَوْلُك وَلَئِنْ سُلِّمَ كَلَامٌ فَرَضِيَ بِهِ مَا بَعْدَهُ، فَعُلِمَ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ لُزُومَ مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ وَقْتَ التَّحْرِيمَةِ لِاتِّصَالِهَا بِالْقِيَامِ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَحْرَمَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ فَأَلْقَاهَا عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّحْرِيمَةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِاتِّصَالِ النَّجَاسَةِ بِجُزْءٍ مِنْ الْقِيَامِ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ الْمَارَّةِ فِي عِبَارَةِ الزَّيْلَعِيُّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ تَفْرِيعُهُ عَلَى فَرْضِ التَّسْلِيمِ الْمَذْكُورِ، فَثَبَتَ أَنَّ مَا مَنَعَهُ أَوَّلًا رَجَعَ إلَيْهِ ثَانِيًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ نَعَمْ) تَصْدِيقٌ لِمَا فَعَلَهُ الزَّيْلَعِيَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَنْعِ عَلَى التَّسْلِيمِ جَرَيَا عَلَى قَوَاعِدِ عُلَمَاءِ الْمُنَاظَرَةِ، وَقَوْلُهُ فِي التَّلْوِيحِ إلَخْ تَأْيِيدٌ لَهُ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ الرَّدّ عَلَى مَنْ قَدَّمَ التَّسْلِيمَ عَلَى الْمَنْعِ عَكْسَ مَا فَعَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَحْرِ، فَرَاجِعْهُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لَكِنْ نَقُولُ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْمَنْعِ وَتَأْيِيدٌ لِمَا رَجَعَ إلَيْهِ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ الِاحْتِيَاطُ، وَقَوْلُهُ وَعِبَارَةُ الْبُرْهَانِ إلَخْ تَقْوِيَةٌ لِلِاسْتِدْرَاكِ لِأَنَّ قَوْلَ الْبُرْهَانِ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ لَهَا إلَخْ صَرِيحٌ فِي مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ لَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُكْنًا لِاتِّصَالِهَا بِالْقِيَامِ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ الشَّارِحُ فِي خَزَائِنِ الْأَسْرَارِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَشُرُوحِ الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهَا صَرِيحٌ فِي اشْتِرَاطِ وُجُودِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ حِينَ التَّحْرِيمَةِ لِكَوْنِهَا رُكْنًا بَلْ لِاتِّصَالِهَا بِالْأَرْكَانِ، وَقَدْ مَنَعَ الزَّيْلَعِيُّ الِاشْتِرَاطَ أَوَّلًا إلَخْ.
بَحْثُ الْقِيَامِ
وَحَاصِلُ كَلَامِ الشَّارِحِ اخْتِيَارُ مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ وَقْتَ التَّحْرِيمَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُكْنًا لِقَوْلِهِمْ فِي الْجَوَابِ عَنْ اسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيِّ عَلَى رُكْنِيَّتِهَا بِمُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ لَهَا إنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لَمْ تُرَاعَ لِأَجْلِهَا بَلْ لَمَّا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ الْقِيَامِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُمْ سَلَّمُوا لُزُومَ الْمُرَاعَاةِ وَقْتَهَا، لَكِنْ مَنَعُوا أَنْ تَكُونَ الْمُرَاعَاةُ لِأَجْلِهَا، وَعَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ لَوْ شَرَعَ بِالتَّحْرِيمَةِ حَامِلًا لِنَجَاسَةٍ فَأَلْقَاهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الْفُرُوعِ الْمَارَّةِ.
وَأَقُولُ: هَذَا خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّارِحِينَ مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِصِحَّةِ الشُّرُوع فِي هَذِهِ الْفُرُوعِ، حَتَّى إنَّ الْعَلَّامَةَ الْكَاكِيَّ صَرَّحَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بِأَنَّ ثِمْرَةَ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي التَّحْرِيمَةِ تَظْهَرُ فِي جَوَازِ بِنَاءِ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ. وَتَظْهَرُ أَيْضًا فِيمَا إذَا كَبَّرَ وَفِي يَدِهِ نَجَاسَةٌ فَأَلْقَاهَا عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا إلَى آخِرِ الْفُرُوعِ الْمَارَّةِ وَقَالَ. آخِرَهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ عِنْدَنَا، وَنَحْوُهُ فِي السِّرَاجِ، لَكِنَّهُ جَعَلَ الْخِلَافَ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ وَمُحَمَّدٍ، وَلَعَلَّهُ رِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْقَائِلَ بِرُكْنِيَّةِ
стр. 439
خِلَافُهُ. وَعِبَارَةُ الْبُرْهَانِ: وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ لَهَا مَا اُشْتُرِطَ لِلصَّلَاةِ لَا بِاعْتِبَارِ رُكْنِيَّتِهَا، بَلْ بِاعْتِبَارِ اتِّصَالِهَا بِالْقِيَامِ الَّذِي هُوَ رُكْنُهَا.
(وَمِنْهَا الْقِيَامُ) بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَيْهِ لَا يَنَالُ رُكْبَتَيْهِ وَمَفْرُوضَةٌ وَوَاجِبَةٌ وَمَسْنُونَةٌ وَمَنْدُوبَةٌ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ، فَلَوْ
ــ
[رد المحتار]
التَّحْرِيمَةِ هُوَ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَعِبَارَةُ فَتْحِ الْقَدِيرِ هَكَذَا: قَوْلُهُ وَمُرَاعَاةُ الشَّرَائِطِ إلَخْ يَتَضَمَّنُ مَنْعَ قَوْلِهِ يُشْتَرَطُ لَهَا، فَيُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا بَلْ هُوَ لِمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْأَرْكَانِ لَا لِنَفْسِهَا، وَلِذَا قُلْنَا لَوْ تَحَرَّمَ حَامِلُ نَجَاسَةٍ أَوْ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ أَوْ قَبْلَ ظُهُورِ الزَّوَالِ أَوْ مُنْحَرِفًا فَأَلْقَاهَا وَاسْتَتَرَ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ وَظَهَرَ الزَّوَالُ وَاسْتَقْبَلَ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ التَّحْرِيمَةِ جَازَ. وَذَكَر فِي الْكَافِي أَنَّهَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رُكْنٌ اهـ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ، فَيَجِبُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنْ لَا تَصِحَّ هَذِهِ الْفُرُوعُ اهـ كَلَامُ الْفَتْحِ، فَانْظُرْ كَيْفَ فُهِمَ أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ تَسْلِيمُ صِحَّةِ هَذِهِ الْفُرُوعِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَقْتَ التَّحْرِيمَةِ وَأَنَّ عَدَمَ صِحَّتِهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوْلِ بِرُكْنِيَّتِهَا وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ مِنْ كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَزَائِنِ، وَكَذَا كَلَامُ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الْفُرُوعِ، فَحَيْثُ كَانَ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولَ فَلَيْسَ لَنَا عَنْهُ عُدُولٌ، وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي الْجَوَابِ إنَّ مُرَاعَاةَ الشُّرُوطِ لَيْسَتْ لَهَا بَلْ لِمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ الْقِيَامِ أَنَّ شُرُوطَ الصَّلَاةِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا لَا تَجِبُ لِلتَّحْرِيمَةِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا تَجِبُ لِلْقِيَامِ الْمُتَّصِلِ بِهَا أَيْ الْمُتَّصِلِ بِآخِرِهَا عِنْدَ انْتِهَاءِ التَّلَفُّظِ بِهَا لَا لِلْقِيَامِ الْمُتَّصِلِ بِابْتِدَائِهَا إلَى انْتِهَائِهَا حَتَّى يَلْزَمَ مُرَاعَاةُ الشُّرُوطِ لَهَا فِي ضِمْنِ الْقِيَامِ الْمَذْكُورِ كَمَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ مِنْ قَوْلِ الْبُرْهَانِ: وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ لَهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ لَهَا يُفِيدُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْفُرُوعِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَنَا، أَوْ يُقَالُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الشُّرُوطَ الَّتِي يُرَاعِيهَا الْمُصَلِّي وَقْتَ التَّحْرِيمَةِ لَيْسَتْ لَهَا، بَلْ لِمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ الْأَرْكَانِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِ الْمُصَلِّي مُرَاعَاةُ الشُّرُوطِ وَقْتَهَا صَارَ مَنْشَأً لِتَوَهُّمِ أَنَّ ذَلِكَ لِلتَّحْرِيمَةِ فَبَيَّنُوا أَوَّلًا أَنَّ ذَلِكَ لِلْقِيَامِ الْمُتَّصِلِ بِهَا ثُمَّ حَقَّقُوا ذَلِكَ بِأَنْ ذَكَرُوا صُوَرًا يُمْكِنُ فِيهَا عَدَمُ اقْتِرَانِ التَّحْرِيمَةِ بِالشُّرُوطِ. وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ: وَمُرَاعَاةُ الشَّرَائِطِ لِمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْقِيَامِ. قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَالدَّلِيلُ أَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي الْبَحْرِ وَلَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ فَكَبَّرَ وَغُمِسَ فِي الْمَاءِ وَرُفِعَ وَصَلَّى بِالْإِيمَاءِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ حَالَ التَّكْبِيرِ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ اهـ فَهَذَا أَيْضًا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشُّرُوطَ إنَّمَا تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا مَعَ الْفَرَاغِ مِنْهَا عِنْدَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْقِيَامِ الْمُتَّصِلِ بِآخِرِ التَّحْرِيمَةِ فَالشُّرُوطُ تُرَاعَى لَهُ فِي وَقْتِهِ لَا لَهَا تَبَعًا لَهُ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ الْمَارِّ عَلَى هَذَا أَيْضًا بِأَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: لِمَا يَتَّصِلُ مُتَعَلِّقًا. بِقَوْلِهِ: يُشْتَرَطُ صِلَةٌ لَهُ لَا عِلَّةٌ حَتَّى يَكُونَ الْمَعْنَى يُشْتَرَطُ فِي التَّحْرِيمَةِ لِأَجْلِ مَا يَتَّصِلُ إلَخْ، وَحِينَئِذٍ فَيَتَوَافَقُ كَلَامُهُمْ وَيَتَّضِحُ مَرَامَهُمْ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ. وَالسَّلَامُ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا الْقِيَامُ) يَشْمَلُ التَّامَّ مِنْهُ وَهُوَ الِانْتِصَابُ مَعَ الِاعْتِدَالِ وَغَيْرَ التَّامِّ وَهُوَ الِانْحِنَاءُ الْقَلِيلُ بِحَيْثُ لَا تَنَالُ يَدَاهُ رُكْبَتَيْهِ، وَقَوْلُهُ بِحَيْثُ إلَخْ صَادِقٌ بِالصُّورَتَيْنِ أَفَادَهُ ط. وَيُكْرَهُ الْقِيَامُ عَلَى أَحَدِ الْقَدَمَيْنِ فِي الصَّلَاةِ بِلَا عُذْرٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مِقْدَارُ أَرْبَعِ أَصَابِعِ الْيَدِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي نَصْرٍ الدَّبُوسِيِّ إنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ كَذَا فِي الْكُبْرَى. وَمَا رُوِيَ أَنَّهُمْ أَلْصَقُوا الْكِعَابَ بِالْكِعَابِ أُرِيدَ بِهَا الْجَمَاعَةُ أَيْ قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بِجَانِبِ الْآخَرِ كَذَا فِي فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ، وَلَوْ قَامَ عَلَى أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ أَوْ عَقِبَيْهِ بِلَا عُذْرٍ يَجُوزُ، وَقِيلَ لَا، حُكِيَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْقُنْيَةِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ (قَوْلُهُ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ) ذَكَرَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ بَحْثًا، لَكِنْ عَزَاهُ فِي الْخَزَائِنِ إلَى الْحَاوِي.
وَحِينَئِذٍ فَهُوَ بِقَدْرِ آيَةٍ فَرْضٌ وَبِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ وَاجِبٌ وَبِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَأَوْسَاطِهِ وَقِصَارِهِ فِي مَحَالِّهَا مَسْنُونٌ وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فِي نَحْوِ تَهَجُّدٍ مَنْدُوبٍ، لَكِنْ فِي أَوَاخِرِ الْفَنِّ الثَّالِثِ مِنْ الْأَشْبَاهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَقَعَ فَرْضًا، وَلَوْ أَطَالَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِيهَا وَقَعَ فَرْضًا اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ يَقَعُ فَرْضًا أَيْضًا، فَيُنَافِي هَذَا التَّقْدِيرَ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا
стр. 440
كَبَّرَ قَائِمًا فَرَكَعَ وَلَمْ يَقِفْ صَحَّ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ الْقِيَامُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الرُّكُوعَ يَكْفِيهِ قُنْيَةٌ (فِي فَرْضٍ) وَمُلْحَقٍ بِهِ كَنَذْرٍ وَسُنَّةِ فَجْرٍ فِي الْأَصَحِّ (لِقَادِرٍ عَلَيْهِ) وَعَلَى السُّجُود، فَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ دُونَ السُّجُودِ نُدِبَ إيمَاؤُهُ قَاعِدًا، وَكَذَا مَنْ يَسِيلُ جُرْحُهُ لَوْ سَجَدَ. وَقَدْ يَتَحَتَّمُ الْقُعُودُ كَمَنْ يَسِيلُ جُرْحُهُ إذَا قَامَ أَوْ يَسْلَسُ بَوْلُهُ أَوْ يَبْدُو رُبْعُ عَوْرَتِهِ أَوْ يَضْعُفُ
ــ
[رد المحتار]
قَبْلَ إيقَاعِهِ أَمَّا بَعْدَهُ فَالْكُلُّ فَرْضٌ، كَمَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ قَبْلَ إيقَاعِهَا نُوِّعَتْ إلَى فَرْضٍ وَوَاجِبٍ وَسُنَّةٍ وَبَعْدَهُ يَكُونُ الْكُلُّ فَرْضًا.
وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ ذَلِكَ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَإِذَا قَرَأَ أَكْثَرَ مِنْ آيَةٍ يُثَابُ ثَوَابَ الْفَرْضِ، وَإِذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الزَّائِدِ عَلَى الْآيَةِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ فَرَكَعَ) أَيْ وَقَرَأَ فِي هُوِيِّهِ قَدْرَ الْفَرْضِ أَوْ كَانَ أَخْرَسَ أَوْ مُقْتَدِيًا أَوْ أَخَّرَ الْقِرَاءَةَ (قَوْلُهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الرُّكُوعَ) أَيْ يَبْلُغَ أَقَلَّ الرُّكُوعِ بِحَيْثُ تَنَالُ يَدَاهُ رُكْبَتَيْهِ. وَعِبَارَتُهُ فِي الْخَزَائِنِ عَنْ الْقُنْيَةِ إلَى أَنْ يَصِيرَ أَقْرَبَ إلَى الرُّكُوعِ (قَوْلُهُ كَنَذْرٍ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ فِيهِ الْقِيَامُ وَلَا الْقُعُودُ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَالثَّانِي التَّخْيِيرُ ط وَأَبْدَلَ النَّذْرَ فِي الْخَزَائِنِ بِالْوَاجِبِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ مِنْ النَّوَافِلِ فَهَلْ يُفْتَرَضُ فِيهِ الْقِيَامُ لِوُجُوبِهِ أَمْ لَا إلْحَاقًا لَهُ بِأَصْلِهِ؟ تَوَقَّفَ فِيهِ ط وَالرَّحْمَتِيُّ.
(قَوْلُهُ وَسُنَّةُ فَجْرٍ فِي الْأَصَحِّ) أَمَّا عَنْ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا فَمُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ. وَنُقِلَ فِي مَرَاقِي الْفَلَاحِ أَنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُهَا مِنْ قُعُودٍ ط.
أَقُولُ: لَكِنْ فِي الْحِلْيَةِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ لَوْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ قَاعِدًا بِلَا عُذْرٍ، قِيلَ لَا تَجُوزُ قِيَاسًا عَلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَسُنَّةُ الْفَجْرِ لَا تَجُوزُ قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بِإِجْمَاعِهِمْ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ فَكَذَا التَّرَاوِيحُ، وَقِيلَ يَجُوزُ وَالْقِيَاسُ عَلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ غَيْرٍ تَامّ فَإِنَّ التَّرَاوِيحَ دُونَهَا فِي التَّأْكِيدِ فَلَا تَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ. قَالَ قَاضِي خَانْ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. (قَوْلُهُ الْقَادِرُ عَلَيْهِ) فَلَوْ عَجَزَ عَنْهُ حَقِيقَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ حُكْمًا كَمَا لَوْ حَصَلَ لَهُ بِهِ أَلَمٌ شَدِيدٌ أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ وَكَالْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِهِ وَقَدْ يَتَحَتَّمُ الْقُعُودُ إلَخْ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ، وَقَدْ يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِيمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْبَحْرِ.
وَيُزَادُ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى وَهِيَ الصَّلَاةُ فِي السَّفِينَةِ الْجَارِيَةِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِيهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ عِنْدَ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ فَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقِيَامِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الرُّكُوعِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ نُدِبَ إيمَاؤُهُ قَاعِدًا) أَيْ لِقُرْبِهِ مِنْ السُّجُودِ، وَجَازَ إيمَاؤُهُ قَائِمًا كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَأَوْجَبَ الثَّانِيَ زَفَرُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فَلَا يُتْرَكُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ الْقِيَامَ وَسِيلَةٌ إلَى السُّجُودِ لِلْخَرُورِ، وَالسُّجُودُ أَصْلٌ لِأَنَّهُ شُرِعَ عِبَادَةً بِلَا قِيَامٍ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالْقِيَامُ لَمْ يُشْرَعْ عِبَادَةً وَحْدَهُ، حَتَّى لَوْ سَجَدَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَكْفُرُ بِخِلَافِ الْقِيَامِ. وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْأَصْلِ سَقَطَتْ الْوَسِيلَةُ كَالْوُضُوءِ مَعَ الصَّلَاةِ وَالسَّعْيِ مَعَ الْجُمُعَةِ، وَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْهُمَامِ أَجَابَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قِيلَ إنَّ الْإِيمَاءَ أَفْضَلُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ لَكَانَ مُوَجَّهًا وَلَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا) أَيْ يُنْدَبُ إيمَاؤُهُ قَاعِدًا مَعَ جَوَازِ إيمَائِهِ قَائِمًا لِعَجْزِهِ عَنْ السُّجُودِ حُكْمًا لِأَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لَزِمَ فَوَاتُ الطَّهَارَةِ بِلَا خُلْفٍ، وَلَوْ أَوْمَأَ كَانَ الْإِيمَاءُ خَلَفًا عَنْ السُّجُودِ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ يَتَحَتَّمُ الْقُعُودُ إلَخْ) أَيْ يَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا لِخَلْفِيَّتِهِ عَنْ الْقِيَامِ الَّذِي عَجَزَ عَنْهُ حُكْمًا إذْ لَوْ قَامَ لَزِمَ فَوْتُ الطَّهَارَةِ أَوْ السَّتْرِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ الصَّوْمِ بِلَا خُلْفٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ قَاعِدًا كَمَا كَانَ بِحَالٍ لَوْ صَلَّى قَاعِدًا يَسِيلُ بَوْلُهُ أَوْ جُرْحُهُ، وَلَوْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا لَا يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُنْيَةِ. قَالَ شَارِحُهَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِالِاسْتِلْقَاءِ لَا تَجُوزُ بِلَا عُذْرٍ كَالصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ فَيَتَرَجَّحُ مَا فِيهِ الْإِتْيَانُ بِالْأَرْكَانِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا وَلَا إعَادَةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ إجْمَاعًا. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ بِسَلَسٍ) مِنْ بَابِ
стр. 441
عَنْ الْقِرَاءَةِ أَصْلًا أَوْ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ، وَلَوْ أَضْعَفَهُ عَنْ الْقِيَامِ الْخُرُوجُ لِجَمَاعَةٍ صَلَّى فِي بَيْتِهِ قَائِمًا بِهِ يُفْتَى خِلَافًا لِلْأَشْبَاهِ
(وَمِنْهَا الْقِرَاءَةُ) لِقَادِرٍ عَلَيْهَا كَمَا سَيَجِيءُ وَهُوَ رُكْنٌ زَائِدٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِسُقُوطِهِ بِالِاقْتِدَاءِ بِلَا خُلْفٍ
(وَمِنْهَا
ــ
[رد المحتار]
تَعِبَ ط.
(قَوْلُهُ أَصْلًا) أَمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِرَاءَةِ إذَا قَامَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْرَأَ مِقْدَارَ قُدْرَتِهِ وَالْبَاقِي قَاعِدًا شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ الْخُرُوجُ لِجَمَاعَةٍ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُ الْجَمَاعَةُ فِي بَيْتِهِ، أَفَادَهُ أَبُو السُّعُودِ ط (قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) وَجْهُهُ أَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، خِلَافًا لِأَحْمَدَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضٌ عِنْدَهُ، وَقِيلَ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ قَاعِدًا عِنْدَنَا لِأَنَّهُ عَاجِزٌ إذْ ذَاكَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَصَحَّحَهُ الزَّاهِدِيُّ شَرْحُ الْمُنْيَةِ، وَثُمَّ قَالَ ثَالِثٌ مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُنْيَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَشْرَعُ مَعَ الْإِمَامِ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الرُّكُوعِ يَقُومُ وَيَرْكَعُ أَيْ إنْ قَدَرَ، وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلنَّهْرِ جَعَلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ أَصَحَّ وَبِهِ يُفْتَى.
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَلَعَلَّهُ أَشْبَهُ لِأَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي هِيَ سُنَّةٌ بَلْ يُعَدُّ هَذَا عُذْرًا فِي تَرْكِهَا اهـ وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ.
مَبْحَثُ الْقِرَاءَةِ (قَوْلُهُ وَمِنْهَا الْقِرَاءَةُ) أَيْ قِرَاءَةُ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَهِيَ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَالْوِتْرِ وَفِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْفَرْضِ كَمَا سَيَأْتِي مَتْنًا فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ. وَأَمَّا تَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْفَرْضِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَقِيلَ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ أَوْ ثَلَاثِ آيَاتٍ فَهِيَ وَاجِبَةٌ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي. [فَرْعٌ]
قَدْ تُفْرَضُ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ الْفَرْضِ الرُّبَاعِيِّ كَمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ مَسْبُوقًا بِرَكْعَتَيْنِ وَأَشَارَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الِاسْتِخْلَافِ (قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ) أَيْ فِي الْفَصْلِ الْآتِي مَعَ بَيَانِ حُكْمِ الْقِرَاءَةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْ بِالشَّوَاذِّ أَوْ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. مَبْحَثٌ الرُّكْنِ الْأَصْلِيِّ وَالرُّكْنِ الزَّائِدِ
(قَوْلُهُ لِسُقُوطِهِ بِالِاقْتِدَاءِ بِلَا خُلْفٍ) فِي هَذَا التَّعْلِيلِ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الرُّكْنَ الزَّائِدَ هُوَ مَا يَسْقُطُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ ضَرُورَةٍ، وَالرُّكْنُ الْأَصْلِيُّ مَا لَا يَسْقُطُ إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَأُورِدَ عَلَى تَسْمِيَةِ الرُّكْنِ زَائِدًا أَنَّ الرُّكْنَ مَا كَانَ دَاخِلَ الْمَاهِيَّةِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالزِّيَادَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ حَيْثُ قِيَامُ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِهِ فِي حَالَةٍ وَانْتِفَاؤُهُ بِانْتِفَائِهِ، وَزَائِدٌ مِنْ حَيْثُ قِيَامُهُ بِدُونِهِ فِي حَالَةٍ أُخْرَى، فَالصَّلَاةُ مَاهِيَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَهَا الشَّارِعُ تَارَةً بِأَرْكَانٍ وَأُخْرَى بِأَقَلَّ مِنْهَا. وَأُورِدَ عَلَى تَفْسِيرِ الرُّكْنِ الزَّائِدِ بِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَسْمِيَةُ غَسْلِ الرِّجْلِ رُكْنًا زَائِدًا فِي الْوُضُوءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الزَّائِدَ مَا إذَا سَقَطَ لَا يَخْلُفُهُ بَدَلٌ وَالْمَسْحُ بَدَلُ الْغَسْلِ وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ إلَى خَلَفٍ فَلَيْسَتْ بِزَوَائِدَ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ. وَأُورِدَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ خَلَفٌ عَنْ قِرَاءَةِ الْمُقْتَدِي، لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» وَأَجَابَ ح بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلَفِ: خَلَفٌ يَأْتِي بِهِ مَنْ فَاتَهُ الْأَصْلُ. وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ اهـ وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا فِي ط مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ الْخَلْفِيَّةَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الشَّارِعَ مَنَعَهُ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَاكْتَفَى بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ عَنْهُ. اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ سُقُوطَ الْقِرَاءَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ لِيَلْزَمَ كَوْنُهَا زَائِدًا إذْ سُقُوطُهَا لِضَرُورَةِ الِاقْتِدَاءِ وَمِنْ هُنَا ادَّعَى ابْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ. اهـ. أَقُولُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ ضَرُورَةٌ إذْ الضَّرُورَةُ الْعَجْزُ الْمُبِيحُ لِتَرْكِ أَدَاءِ الرُّكْنِ وَالْمُقْتَدِي قَادِرٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ غَيْرَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهَا شَرْعًا وَالْمَنْعُ لَا يُسَمَّى عَجْزًا إلَّا بِتَأْوِيلٍ. وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ مَالِكٍ الْجَمَّ الْغَفِيرَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ فَلَا تُعْتَبَرُ مُخَالَفَتُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 442
الرُّكُوعُ) بِحَيْثُ لَوْ مَدّ يَدَيْهِ نَالَ رُكْبَتَيْهِ
(وَمِنْهَا السُّجُودُ) بِجَبْهَتِهِ وَقَدَمَيْهِ، وَوَضْعُ إصْبَعٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شَرْطٌ، وَتَكْرَارُهُ تَعَبُّدٌ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ
ــ
[رد المحتار]
بَحْثُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
(قَوْلُهُ بِحَيْثُ لَوْ مَدّ يَدَيْهِ إلَخْ) كَذَا فِي السِّرَاجِ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: هُوَ طَأْطَأَةُ الرَّأْسِ أَيْ خَفْضُهُ، لَكِنْ مَعَ انْحِنَاءِ الظَّهْرِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ مَوْضُوعِ اللُّغَةِ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَأَمَّا كَمَالُهُ فَبِانْحِنَاءِ الصُّلْبِ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرَّأْسُ بِالْعَجْزِ وَهُوَ حَدُّ الِاعْتِدَالِ فِيهِ اهـ لَكِنْ ضَعَّفَهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ حَيْثُ قَالَ: الرُّكُوعُ يَتَحَقَّقُ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الِانْحِنَاءِ، وَقِيلَ إنْ كَانَ إلَى حَالِ الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ إلَى حَالِ الرُّكُوعِ أَقْرَبَ جَازَ. اهـ. وَتَمَامُهُ فِي الْإِمْدَادِ وَمَا اخْتَارَهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَرَّرَهُ عُلَمَاؤُنَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ. وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْمُحِيطِ وَإِنْ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فِي الرُّكُوعِ قَلِيلًا وَلَمْ يَعْتَدِلْ فَظَاهِرُ الْجَوَابِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ. وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ إنْ كَانَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ الْفَتَّالِ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ: وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا يَنْبَغِي أَنْ يُحَاذِيَ جَبْهَتَهُ قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ لِيَحْصُلَ الرُّكُوعُ. اهـ. قُلْت: وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى تَمَامِ الرُّكُوعِ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمْت حُصُولَهُ بِأَصْلِ طَأْطَأَةِ الرَّأْسِ أَيْ مَعَ انْحِنَاءِ الظَّهْرِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا السُّجُودُ) هُوَ لُغَةً: الْخُضُوعُ قَامُوسٌ، وَفَسَّرَهُ فِي الْمُغْرِبِ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ فِي الْأَرْضِ. وَفِي الْبَحْرِ: حَقِيقَةُ السُّجُودِ وَضْعُ بَعْضِ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ مِمَّا لَا سُخْرِيَةَ فِيهِ، فَدَخَلَ الْأَنْفُ وَخَرَجَ الْخَدُّ وَالذَّقَنُ، وَأَمَّا إذَا رَفَعَ قَدَمَيْهِ فِي السُّجُودِ فَإِنَّهُ مَعَ رَفْعِ الْقَدَمَيْنِ بِالتَّلَاعُبِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ اهـ وَتَمَامُهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ بِجَبْهَتِهِ) أَيْ حَيْثُ لَا عُذْرَ بِهَا. وَأَمَّا جَوَازُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَنْفِ فَشَرْطُهُ الْعُذْرُ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ ح: ثُمَّ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَبْهَةِ فَوَضَعَ جُزْءًا مِنْهَا وَإِنْ قَلَّ فَرْضٌ وَوَضَعَ أَكْثَرَهَا وَاجِبٌ (قَوْلُهُ وَقَدَمَيْهِ) يَجِبُ إسْقَاطُهُ لِأَنَّ وَضْعَ إصْبَعٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَكْفِي كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ ح. وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَضَعْ شَيْئًا مِنْ الْقَدَمَيْنِ لَمْ يَصِحَّ السُّجُودُ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْبَحْرِ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي (قَوْلُهُ وَتَكْرَارُهُ تَعَبُّدٌ) أَيْ تَكْرَارُ السُّجُودِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ: أَيْ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ تَحْقِيقًا لِلِابْتِلَاءِ، وَقِيلَ ثَنَى تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ حَيْثُ لَمْ يَسْجُدْ مَرَّةً فَنَحْنُ نَسْجُدُ مَرَّتَيْنِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ. مَطْلَبٌ هَلْ الْأَمْرُ التَّعَبُّدِيُّ أَفْضَلُ أَوْ الْمَعْقُولُ الْمَعْنَى؟ [فَائِدَةٌ]
سُئِلَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ فَتَاوَاهُ التُّمُرْتَاشِيَّةِ: هَلْ التَّعَبُّدِيُّ أَفْضَلُ أَوْ مَعْقُولُ الْمَعْنَى؟ أَجَابَ لَمْ أَقِف عَلَيْهِ لِعُلَمَائِنَا سِوَى قَوْلِهِمْ فِي الْأُصُولِ: الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ، فَإِنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَفْضَلِيَّةِ الْمَعْقُولِ، وَوَقَفْت عَلَى ذَلِكَ فِي فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ. قَالَ: قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ التَّعَبُّدِيَّ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ بِمَحْضِ الِانْقِيَادِ، بِخِلَافِ مَا ظَهَرَتْ عِلَّتُهُ فَإِنَّ مُلَابِسَهُ قَدْ يَفْعَلُهُ لِتَحْصِيلِ فَائِدَتِهِ، وَخَالَفَهُ الْبُلْقِينِيُّ فَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ مَعْقُولَ الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَفْضَلُ لِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّرِيعَةِ كَذَلِكَ، وَبِالنَّظَرِ لِلْجُزْئِيَّاتِ قَدْ يَكُونُ التَّعَبُّدِيُّ أَفْضَلَ كَالْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَإِنَّ الْوُضُوءَ أَفْضَلُ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْقُولُ أَفْضَلَ كَالطَّوَافِ وَالرَّمْيِ فَإِنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ. اهـ. وَفِي الْحِلْيَةِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى فَرَائِضِ الْوُضُوءِ: وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْأُمُورَ التَّعَبُّدِيَّةَ هَلْ شُرِعَتْ لِحِكْمَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَفَتْ عَلَيْنَا أَوْ لَا؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُتَّجَهُ لِدَلَالَةِ اسْتِقْرَاءِ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ جَالِبًا لِلْمَصَالِحِ دَارِئًا لِلْمَفَاسِدِ، فَمَا شَرَعَهُ إنْ ظَهَرَتْ حِكْمَتُهُ لَنَا قُلْنَا إنَّهُ مَعْقُولٌ وَإِلَّا قُلْنَا إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (قَوْلُهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ) أَيْ وَبِالْإِجْمَاعِ بَحْرٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ فِي الْآيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَكْرَارِهِ.
стр. 443
(وَمِنْهَا الْقُعُودُ الْأَخِيرُ) وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْخُرُوجِ كَالتَّحْرِيمَةِ لِلشُّرُوعِ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ رُكْنٌ زَائِدٌ لِحِنْثِ مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي بِالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ. وَفِي السِّرَاجِيَّةِ لَا يَكْفُرُ مُنْكَرُهُ (قَدْرَ) أَدْنَى قِرَاءَةِ (التَّشَهُّدِ) إلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ بِلَا شَرْطِ مُوَالَاةٍ وَعَدَمِ فَاصِلٍ؛ لِمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: صَلَّى أَرْبَعًا وَجَلَسَ لَحْظَةً فَظَنَّهَا ثَلَاثًا فَقَامَ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَجَلَسَ ثُمَّ تَكَلَّمَ، فَإِنَّ كِلَا الْجِلْسَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ صَحَّتْ وَإِلَّا لَا
(وَمِنْهَا الْخُرُوجُ بِصُنْعِهِ)
ــ
[رد المحتار]
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا الْقُعُودُ الْأَخِيرُ) عَبَّرَ بِالْأَخِيرِ دُونَ الثَّانِيَ لِيَشْمَلَ قَعْدَةَ الْفَجْرِ وَقَعْدَةَ الْمُسَافِرِ لِأَنَّهَا أَخِيرَةٌ وَلَيْسَتْ ثَانِيَةً كَذَا فِي الدِّرَايَةِ، وَالْمُرَادُ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ وَاقِعٌ آخِرَ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَالْأَخِيرُ يَقْتَضِي سَبْقَ غَيْرِهِ. وَعَلَيْهِ لَوْ قَالَ آخِرُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ عَبْدًا لَمْ يَعْتِقْ فَلْيُتَأَمَّلْ إمْدَادٌ. بَحْثُ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ
(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ) اخْتَلَفَ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ. وَفِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَا فَرْضٌ، لَكِنَّ الْوَاجِبَ هُنَا فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ كَالْوِتْرِ. وَفِي الْخِزَانَةِ أَنَّهَا فَرْضٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ بَلْ هِيَ شَرْطٌ لِلتَّحْلِيلِ وَجَزَمَ بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ. وَفِي الْيَنَابِيعِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ، وَأَشَارَ إلَى الْفَرْضِيَّةِ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ فِي مَنَاسِكِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلِذَلِكَ مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي يَحْنَثُ بِالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَعْدَةِ، فَهِيَ فَرْضٌ لَا رُكْنٌ، إذْ الرُّكْنُ هُوَ الدَّاخِلُ فِي الْمَاهِيَّةِ. وَمَاهِيَّةُ الصَّلَاةِ تَتِمُّ بِدُونِ الْقَعْدَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَعُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَتْ لِأَجْلِ الِاسْتِرَاحَةِ وَالْفَرْضُ أَدْنَى حَالًا مِنْ الرُّكْنِ لِأَنَّ الرُّكْنَ يَتَكَرَّرُ، فَعَدَمُ التَّكْرَارِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الرُّكْنِيَّةِ، وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْعَالٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّعْظِيمِ، وَأَصْلُ التَّعْظِيمِ بِالْقِيَامِ، وَيُزَادُ بِالرُّكُوعِ وَيَتَنَاهَى بِالسُّجُودِ، فَكَانَتْ الْقَعْدَةُ مُرَادَةً لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَكَانَتْ لِغَيْرِهَا لَا لِعَيْنِهَا فَلَمْ تَكُنْ مِنْ الرُّكْنِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِثَمَرَةِ الْخِلَافِ: أَيْ فِي أَنَّهَا رُكْنٌ أَوْ لَا، وَبَيَّنَ فِي الْإِمْدَادِ الثَّمَرَةَ بِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالْقَعْدَةِ نَائِمًا تُعْتَبَرُ عَلَى الْقَوْلِ بِشَرْطِيَّتِهَا لَا رُكْنِيَّتِهَا. وَعَزَاهُ إلَى التَّحْقِيقِ. وَالْأَصَحُّ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
قُلْت: وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا رُكْنٌ زَائِدٌ لَا شَرْطٌ. خِلَافًا لِمَا مَشْي عَلَيْهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلنَّهْرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْخُرُوجِ) فِيهِ أَنَّ مَا شُرِعَ لِغَيْرِهِ قَدْ يَكُونُ رُكْنًا كَالْقِيَامِ فَإِنَّهُ شُرِعَ وَسِيلَةً لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، حَتَّى لَوْ عَجَزَ عَنْهُمَا يُومِئُ قَاعِدًا وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ (قَوْلُهُ لَحَنِثَ مَنْ حَلَفَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ زَائِدٌ مَعَ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَصَلَّى رَكْعَةً بِلَا قِرَاءَةٍ لَا يَحْنَثُ. فَلَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَعْدَةَ رُكْنٌ زَائِدٌ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ، فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَعْكِسَ بِأَنْ يَذْكُرَ هَذَا دَلِيلًا لِلشَّرْطِيَّةِ، وَيَذْكُرَ مَا قَبْلَهُ هُنَا دَلِيلًا لِلرُّكْنِيَّةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَا يَكْفُرُ مُنْكَرُهُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُنْكَرُ فَرْضِيَّتِهِ. لِأَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. وَأَمَّا مُنْكِرُ أَصْلِ مَشْرُوعِيَّتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْفُرَ لِثُبُوتِهِ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَفَادَهُ ح وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالُوا فِي السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَنْ لَمْ يَرَهَا حَقًّا كَفَرَ (قَوْلُهُ قَدْرَ أَدْنَى قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ) أَيْ أَدْنَى زَمَنٍ يَقْرَأُ فِيهِ، بِأَنْ يَكُونَ قَدْرَ أَسْرَعَ مَا يَكُونُ مِنْ التَّلَفُّظِ بِهِ مَعَ تَصْحِيحِ الْأَلْفَاظِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَهُ فِي نَفْسِهِ أَدْنَى وَأَعْلَى ط (قَوْلُهُ إلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّشَهُّدُ الْوَاجِبُ بِتَمَامِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالْمُرَادُ مِنْ التَّشَهُّدِ التَّحِيَّاتُ إلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ هُوَ الصَّحِيحُ، لَا مَا زَعَمَ الْبَعْضُ أَنَّهُ لَفْظُ الشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ اهـ (قَوْلُهُ وَعَدَمُ فَاصِلٍ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
بَحْثُ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا الْخُرُوجُ بِصُنْعِهِ إلَخْ) أَيْ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي أَيْ فِعْلِهِ الِاخْتِيَارَ، بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُنَافِي الصَّلَاةَ بَعْدَ تَمَامِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ صَلَاةً مَا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، أَوْ يَضْحَكُ قَهْقَهَةً، أَوْ يُحْدِثُ
стр. 444
كَفِعْلِهِ الْمُنَافِي لَهَا بَعْدَ تَمَامِهَا وَإِنْ كُرِهَ تَحْرِيمًا: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ اتِّفَاقًا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ:
وَبَقِيَ مِنْ الْفُرُوضِ تَمْيِيزُ الْمَفْرُوضِ، وَتَرْتِيبُ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ،
ــ
[رد المحتار]
عَمْدًا، أَوْ يَتَكَلَّمُ، أَوْ يَذْهَبُ، أَوْ يُسَلِّمُ تَتَارْخَانِيَّةٌ، وَمِنْهُ مَا لَوْ حَاذَتْهُ امْرَأَةٌ لِأَنَّ الْمُحَاذَاةَ مُفَاعَلَةٌ فَكَانَ الْفِعْلُ مَوْجُودًا مِنْ الرَّجُلِ بِصُنْعِهِ كَوُجُودِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ فِيهِ اخْتِيَارٌ، وَتَمَامُهُ فِي النِّهَايَةِ، وَاحْتُرِزَ بِصُنْعِهِ عَمَّا لَوْ كَانَ سَمَاوِيًّا كَأَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ (قَوْلُهُ كَفِعْلِهِ الْمُنَافِي لَهَا) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْبَاءِ بَدَلَ الْكَافِ لِيَكُونَ تَفْسِيرًا نَقُولُهُ بِصُنْعِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ الْخُرُوجَ بِلَفْظِ السَّلَامِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْكَمَالِ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ، وَبِقَوْلِهِ كَفِعْلِهِ إلَخْ مَا عَدَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَإِنْ كُرِهَ تَحْرِيمًا فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ إلَّا فِيمَا عَدَا السَّلَامَ فَافْهَمْ؛ وَاحْتُرِزَ بِالْمُنَافِي عَنْ نَحْوِ قِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ (قَوْلُهُ بَعْدَ تَمَامِهَا) أَيْ بَعْدَ قُعُودِهِ الْأَخِيرِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، وَقُيِّدَ بِهِ لِأَنَّ إتْيَانَهُ بِالْمُنَافِي قَبْلَهُ يُبْطِلُهَا اتِّفَاقًا ح (قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ فَرْضًا غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَنْ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا اسْتَنْبَطَهُ الْبَرْدَعِيُّ عَنْ الْمَسَائِلِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ الْآتِيَةِ قُبَيْلَ بَابِ مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَمَّا قَالَ فِيهَا بِالْبُطْلَانِ مَعَ أَنَّ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ تَمَّتْ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْخُرُوجُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَرْضٌ، وَصَاحِبَاهُ لَمَّا قَالَا فِيهَا بِالصِّحَّةِ كَانَ الْخُرُوجُ بِالصُّنْعِ لَيْسَ فَرْضًا عِنْدَهُمَا. وَرَدَّهُ الْكَرْخِيُّ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَأَنْ هَذَا الِاسْتِنْبَاطَ غَلَطٌ مِنْ الْبَرْدَعِيِّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا كَمَا زَعَمَهُ لَاخْتَصَّ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ وَهُوَ السَّلَامُ؛ وَإِنَّمَا حَكَمَ الْإِمَامُ بِالْبُطْلَانِ فِي الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ لِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْعَوَارِضَ فِيهَا مُغَيِّرَةٌ لِلْفَرْضِ، فَاسْتَوَى فِي حُدُوثِهَا أَوَّلُ الصَّلَاةِ وَآخِرُهَا، فَإِنَّ رُؤْيَةَ الْمُتَيَمِّمِ بَعْدَ الْقَعْدَةِ الْمَاءَ مُغَيِّرَةٌ لِلْفَرْضِ لِأَنَّهُ كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ فَتَغَيَّرَ فَرْضُهُ إلَى الْوُضُوءِ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ، بِخِلَافِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ قَاطِعٌ لَا مُغَيِّرٌ، وَالْحَدَثُ الْعَمْدُ وَالْقَهْقَهَةُ وَنَحْوُهُمَا مُبْطِلَةٌ لَا مُغَيِّرَةٌ، وَتَمَامُهُ فِي ح. هَذَا، وَقَدْ انْتَصَرَ الْعَلَّامَةُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ لِلْبَرْدَعِيِّ فِي رِسَالَةِ الْمَسَائِلِ الْبَهِيَّةِ الزَّكِيَّةِ عَلَى الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ بِأَنَّهُ قَدْ مَشَى عَلَى افْتِرَاضِ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ وَأَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ وَالْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي الْوَافِي وَالْكَافِي وَالْكَنْزِ وَشُرُوحِهِ وَإِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ الْمُقَابِلُ لِقَوْلِ الْبَرْدَعِيِّ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا فِيمَا إذَا سَبَقَهُ حَدَثٌ بَعْدَ قُعُودِهِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ إذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَيَبْنِ وَيَخْرُجْ بِصُنْعِهِ، بَطَلَتْ عَلَى تَخْرِيجِ الْبَرْدَعِيِّ، وَصَحَّتْ عَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ ط
(قَوْلُهُ تَمْيِيزُ الْمَفْرُوضِ) فَسَّرَهُ ط بِأَنْ يُمَيِّزَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ عَنْ الْأُولَى بِأَنْ يَرْفَعَ وَلَوْ قَلِيلًا، أَوْ يَكُونَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ قَوْلَانِ مُصَحِّحَانِ. وَنَقَلَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ أَصِحِّيَّةَ الثَّانِي، وَفَسَّرَهُ ح بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّمْيِيزِ تَمْيِيزُ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ عَمَّا لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَرْضِيَّةَ الْخَمْسِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا لَا يُجْزِيهِ؛ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْبَعْضَ فَرْضٌ وَالْبَعْضُ سُنَّةٌ وَنَوَى الْفَرْضَ فِي الْكُلِّ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَنَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ عِنْدَ اقْتِدَائِهِ فِي الْفَرْضِ جَازَ؛ وَلَوْ عَلِمَ الْفَرْضَ دُونَ مَا فِيهِ مِنْ فَرَائِضَ وَسُنَنٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا كَذَا فِي الْبَحْرِ؛ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَفْرُوضَ مِنْ أَجْزَاءِ كُلِّ صَلَاةٍ أَيْ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا فَرْضٌ وَأَنَّ التَّسْبِيحَ سُنَّةٌ وَهَكَذَا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ مَا فِي مَتْنِ نُورِ الْإِيضَاحِ وَإِنْ كَانَ فِي شَرْحِهِ فَسَّرَهُ بِمَا يَرْفَعُ الْإِيهَامَ.
أَقُولُ: كَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ عَدَمُ ذِكْرِهِ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ فِي الْخَزَائِنِ لِأَنَّهُ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ بِمَعْنَى افْتِرَاضِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ رَفْعٍ، وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُ السُّجُودِ. وَعَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي يَرْجِعُ إلَى اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فِي النِّيَّةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي بَحْثِ النِّيَّةِ (قَوْلُهُ وَتَرْتِيبُ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ إلَخْ) أَيْ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ رَكَعَ ثُمَّ قَامَ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ الرُّكُوعُ، فَإِنْ رَكَعَ ثَانِيًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ التَّرْتِيبِ الْمَفْرُوضِ وَلَزِمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ لِتَقْدِيمِهِ الرُّكُوعَ
стр. 445
وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَالْقُعُودِ الْأَخِيرِ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَإِتْمَامِ الصَّلَاةِ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ رُكْنٍ إلَى آخَرَ وَمُتَابَعَتُهُ لِإِمَامِهِ فِي الْفُرُوضِ وَصِحَّةُ صَلَاةِ إمَامِهِ فِي رَأْيِهِ، وَعَدَمُ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ، وَعَدَمُ مُخَالَفَتِهِ فِي الْجِهَةِ، وَعَدَمُ تَذَكُّرِ فَائِتَةٍ وَعَدَمُ مُحَاذَاةِ امْرَأَةٍ بِشَرْطِهِمَا، وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ عِنْدَ الثَّانِي وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ
قَالَ الْعَيْنِيُّ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ
ــ
[رد المحتار]
الْمَفْرُوضَ، وَكَذَا تَقْدِيمُ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ؛ حَتَّى لَوْ سَجَدَ ثُمَّ رَكَعَ، فَإِنْ سَجَدَ ثَانِيًا صَحَّتْ لِمَا قُلْنَا، وَقَوْلُهُ وَالْقُعُودُ الْأَخِيرُ إلَخْ أَيْ يُفْتَرَضُ إيقَاعُهُ بَعْدَ جَمِيعِ الْأَرْكَانِ؛ حَتَّى لَوْ تَذَكَّرَ بَعْدَهُ سَجْدَةً صُلْبِيَّةً سَجَدَهَا وَأَعَادَ الْقُعُودَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ رُكُوعًا قَضَاهُ مَعَ مَا بَعْدَهُ مِنْ السُّجُودِ، أَوْ قِيَامًا أَوْ قِرَاءَةً صَلَّى رَكْعَةً كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَتَرْتِيبُ الْقُعُودِ إلَخْ كَمَا فَعَلَ فِي الْخَزَائِنِ، لِيُعْلَمَ أَنَّهُ فَرْضٌ آخَرُ.
وَلِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ عَكْسَ مَا قَبْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ تَقْدِيمَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُهُ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَسَيَأْتِي هُنَاكَ تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ (قَوْلُهُ وَإِتْمَامُ الصَّلَاةِ وَالِانْتِقَالِ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ عَدَّ مِنْ الْفَرَائِضِ إتْمَامَهَا وَالِانْتِقَالَ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ، قِيلَ لِأَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلصَّلَاةِ يُوجِبُ ذَلِكَ إذْ لَا وُجُودَ لِلصَّلَاةِ بِدُونِ إتْمَامِهَا وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي الْأَمْرَيْنِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِتْمَامِ عَدَمُ الْقَطْعِ، وَبِالِانْتِقَالِ الْمَذْكُورِ الِانْتِقَالُ عَنْ الرُّكْنِ لِلْإِتْيَانِ بِرُكْنٍ بَعْدَهُ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ مَا بَعْدَهُ إلَّا بِذَلِكَ. وَأَمَّا الِانْتِقَالُ مِنْ رُكْنٍ إلَى آخَرَ بِلَا فَاصِلٍ بَيْنَهُمَا فَوَاجِبٌ، حَتَّى لَوْ رَكَعَ ثُمَّ رَكَعَ يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ الْفَرْضِ وَهُوَ الرُّكُوعُ إلَى السُّجُودِ بَلْ أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا أَجْنَبِيًّا وَهُوَ الرُّكُوعُ الثَّانِي كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَيَنْبَغِي إبْدَالُ الرُّكْنِ بِالْفَرْضِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْمُنْيَةِ لِيَشْمَلَ الِانْتِقَالَ مِنْ السُّجُودِ إلَى الْقَعْدَةِ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ مِنْ أَنَّهَا شَرْطٌ لَا رُكْنٌ زَائِدٌ، لَكِنْ قَدَّمْنَا تَرْجِيحَ خِلَافِهِ فَافْهَمْ، ثُمَّ إنَّ عَدَّ الْإِتْمَامِ وَالِانْتِقَالِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنْ الْفُرُوضِ يُغْنِي عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْفُرُوضِ.
(قَوْلُهُ وَمُتَابَعَتُهُ لِإِمَامِهِ فِي الْفُرُوضِ) أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ، حَتَّى لَوْ رَكَعَ إمَامُهُ وَرَفَعَ فَرَكَعَ هُوَ بَعْدَهُ صَحَّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَكَعَ قَبْلَ إمَامِهِ وَرَفَعَ ثُمَّ رَكَعَ إمَامُهُ وَلَمْ يَرْكَعْ ثَانِيًا مَعَ إمَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَالْمُرَادُ بِالْمُتَابَعَةِ عَدَمُ الْمُسَابَقَةِ، نَعَمْ مُتَابَعَتُهُ لِإِمَامِهِ بِمَعْنَى مُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي الْفَرَائِضِ مَعَهُ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَاجِبَةٌ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ مِمَّا يُبْتَنَى عَلَى لُزُومِ الْمُتَابَعَةِ إلَخْ، وَاحْتُرِزَ بِالْفُرُوضِ عَنْ الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ، فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ فِيهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا (قَوْلُهُ وَصِحَّةُ صَلَاةِ إمَامِهِ فِي رَأْيِهِ) لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِرَأْيِ الْمَأْمُومِ صِحَّةً وَفَسَادًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ فَلَوْ اقْتَدَى بِشَافِعِيٍّ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ امْرَأَةٍ صَحَّتْ لَا لَوْ خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ ط وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ الْوِتْرِ.
(قَوْلُهُ وَعَدَمُ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ) أَيْ بِالْعَقِبِ، فَيَصْدُقُ بِمَا لَوْ حَاذَاهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ وَإِلَّا فَسَدَتْ (قَوْلُهُ وَعَدَمُ مُخَالَفَتِهِ فِي الْجِهَةِ) عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ عَدَمُ عِلْمِهِ مُخَالَفَةِ إمَامِهِ فِي الْجِهَةِ حَالَةِ التَّحَرِّي وَالشَّرْطُ عَدَمُ الْعِلْمِ فِي وَقْتِ الِاقْتِدَاءِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ صَحَّتْ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ، وَقَيَّدْنَا بِحَالَةِ التَّحَرِّي لِأَنَّهُ يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ لِجِهَةِ إمَامِهِ قَصْدًا فِي دَاخِلِ الْكَعْبَةِ أَوْ خَارِجَهَا، كَمَا لَوْ حَلَّقُوا حَوْلَهَا. مَطْلَبٌ قَصْدُهُمْ بِإِطْلَاقِ الْعِبَارَاتِ أَنْ لَا يَدَّعِيَ عِلْمَهُمْ إلَّا مَنْ زَاحَمَهُمْ عَلَيْهِ
قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَأَطْلَقَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي كَمَا هُوَ عَادَتُهُمْ فِي الْإِطْلَاقِ اعْتِمَادًا عَلَى التَّقْيِيدِ فِي مَحَلِّهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَصْدُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَدَّعِيَ عِلْمَهُمْ إلَّا مَنْ زَاحَمَهُمْ عَلَيْهِ بِالرُّكَبِ، وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِكَثْرَةِ الْمُرَاجَعَةِ وَتَتَبُّعِ عِبَارَاتِهِمْ وَالْأَخْذِ عَنْ الْأَشْيَاخِ اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ بِشَرْطِهِمَا) أَمَّا الْأَوْلَى، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ.
وَأَمَّا الثَّانِي، فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمُحَاذَاةُ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ مُشْتَرَكَةٍ تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً وَنَوَى الْإِمَامُ إمَامَتَهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي ح: وَالشَّرْطُ وَإِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مُفْرَدًا إلَّا أَنَّهُ مُضَافٌ فَيَعُمُّ أَبُو السُّعُودِ (قَوْلُهُ وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ) سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ عِنْدَ
стр. 446
وَبَسَطْنَاهُ فِي الْخَزَائِنِ.
(وَشُرِطَ فِي أَدَائِهَا) أَيْ هَذِهِ الْفَرَائِضِ قُلْت: وَبِهِ بَلَغَتْ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ: وَقَدْ نَظَمَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْوَهْبَانِيَّةِ لِلتَّحْرِيمَةِ عِشْرِينَ شَرْطًا وَلِغَيْرِهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَقَالَ:
ــ
[رد المحتار]
ذِكْرِهِ لَهُ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ وَبَسَطْنَاهُ فِي الْخَزَائِنِ) حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. قُلْت: لَكِنَّهُ غَرِيبٌ لَمْ أَرَ مَنْ عَرَّجَ عَلَيْهِ. وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ الْجَمُّ الْوُجُوبُ وَحُمِلَ فِي الْفَتْحِ وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ قَوْلُ الثَّانِي عَلَى الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ قُلْت: أَنَّى يَرْتَفِعُ وَقَدْ صَرَّحَ فِي السَّهْوِ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا فَتَنَبَّهْ اهـ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّهْرِ.
أَقُولُ: وَاَلَّذِي دَعَا صَاحِبَ الْبَحْرِ إلَى هَذَا الْحَمْلِ هُوَ التَّقَصِّي عَنْ إشْكَالٍ قَوِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَثْبَتَ الْفَرْضِيَّةَ بِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَهُوَ خَبَرٌ آحَادٌ، وَالدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ أَمْرٌ بِمُطْلَقِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَيَلْزَمُ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ الْخَاصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَبُو يُوسُفَ لَا يَقُولُ بِهِ، وَإِذَا حُمِلَ قَوْلُهُ بِفَرْضِيَّةِ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ عَلَى الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ الَّذِي هُوَ أَعْلَى قِسْمَيْ الْوَاجِبِ انْدَفَعَ الْإِشْكَالُ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ. وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا عَلِمْتَهُ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْفَرْضَ الْعَمَلِيَّ هُوَ الَّذِي يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ كَتَقْدِيرِ مَسْحِ الرَّأْسِ بِالرُّبْعِ فَيَلْزَمُ فَسَادُ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ التَّعْدِيلِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُمَا لَا يَقُولَانِ بِهِ، فَالْخِلَافُ بَاقٍ، وَيَلْزَمُ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ أَيْضًا لِأَنَّ مُقْتَضَى النَّصِّ الِاكْتِفَاءُ بِمُسَمَّى رُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ أَيْضًا، لَكِنْ أَجَابَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ عَنْ الْإِشْكَالِ بِجَوَابٍ حَسَنٍ ذَكَرْتُهُ فِيمَا عَلَّقْتُهُ عَلَى الْبَحْرِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الْآيَةِ عِنْدَهُمَا مَعْنَاهُمَا اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ مَعْلُومٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ. فَلَوْ قُلْنَا بِافْتِرَاضِ التَّعْدِيلِ لَزِمَ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَعْنَاهُمَا الشَّرْعِيُّ وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ.
مَطْلَبٌ مُجْمَلُ الْكِتَابِ إذَا بُيِّنَ بِالظَّنِّيِّ فَالْحُكْمُ بَعْدَهُ مُضَافٌ إلَى الْكِتَابِ
وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْمُجْمَلَ مِنْ الْكِتَابِ إذَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ بِالظَّنِّيِّ كَانَ الْحُكْمُ بَعْدَهُ مُضَافًا إلَى الْكِتَابِ لَا إلَى الْبَيَانِ فِي الصَّحِيحِ، وَلِذَا قُلْنَا بِفَرْضِيَّةِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ الْمُبَيَّنَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَمْ نَقُلْ بِفَرْضِيَّةِ الْفَاتِحَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَيْضًا، لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠] خَاصٌّ لَا مُجْمَلٌ اهـ مُلَخَّصًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ خَاصَّانِ عِنْدَهُمَا مُجْمَلَانِ عِنْدَهُ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ مِنْ أَصْلِهِ، لَكِنْ يَبْقَى الْخِلَافُ عَلَى حَالِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ أَيْ هَذِهِ الْفَرَائِضُ) أَيْ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَاجِعٌ إلَيْهَا، وَيَشْمَلُ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ عَلَى الْقَوْلِ بِرُكْنِيَّتِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ قُلْت وَبِهِ) أَيْ وَبِذِكْرِ هَذَا الْفَرْضِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ الْآتِي فِي الْمَتْنِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَلَهَا وَاجِبَاتٌ فَيَسْلَمُ مِنْ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ الْمُوجِبِ لِرَكَاكَةِ التَّرْكِيبِ ح (قَوْلُهُ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ) النَّيِّفُ بِالتَّشْدِيدِ كَهَيِّنٍ وَيُخَفَّفُ: مَا زَادَ عَلَى الْعَقْدِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْعَقْدَ الثَّانِيَ، وَأَرَادَ هُنَا أَحَدًا وَعِشْرِينَ ثَمَانِيَةً تَقَدَّمَتْ فِي الْمَتْنِ وَهَذَا تَاسِعُهَا وَاثْنَيْ عَشَرَ فِي الشَّرْحِ يُجْعَلُ تَرْتِيبُ الْقُعُودِ فَرْضًا مُسْتَقِلًّا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فِي شَرْحِهِ لِلْوَهْبَانِيَّةِ) وَكَذَا فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ دُرِّ الْكُنُوزِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا هَذَا النَّظْمَ وَزَادَ عَلَيْهِ نَظْمَ الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَمَسَائِلَ أُخَرَ وَشَرَحَ الْجَمِيعَ. بَحْثُ شُرُوطِ التَّحْرِيمَةِ
(قَوْلُهُ لِلتَّحْرِيمَةِ عِشْرِينَ شَرْطًا) بَعْضُهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِهَا، وَبَاقِيهَا شُرُوطٌ لِلصَّلَاةِ اُشْتُرِطَتْ لَهَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّارِحُ لِاتِّصَالِهَا بِالْأَرْكَانِ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلِغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ التَّحْرِيمَةِ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالْكُلُّ فِي الْحَقِيقَةِ.
стр. 447
شُرُوطٌ لِتَحْرِيمٍ حَظِيت بِجَمْعِهَا ... مُهَذَّبَةً حُسْنًا مَدَى الدَّهْرِ تَزْهَرُ
دُخُولٌ لِوَقْتٍ وَاعْتِقَادُ دُخُولِهِ ... وَسَتْرٌ وَطُهْرٌ وَالْقِيَامُ الْمُحَرَّرُ
وَنِيَّةُ إتْبَاعِ الْإِمَامِ وَنُطْقِهِ ... وَتَعْيِينُ فَرْضٍ أَوْ وُجُوبٍ فَيُذْكَرُ
بِجُمْلَةِ ذِكْرٍ خَالِصٍ عَنْ مُرَادِهِ ... وَبَسْمَلَةٍ عَرْبَاءَ إنْ هُوَ يَقْدِرُ
وَعَنْ تَرْكِ هَاوٍ أَوْ لِهَاءِ جَلَالَةٍ ... وَعَنْ مَدِّ هَمْزَاتٍ وَبَاءٍ بِأَكْبَرُ
وَعَنْ فَاصِلٍ فِعْلٍ كَلَامٍ مُبَايِنٍ ... وَعَنْ سَبْقِ تَكْبِيرٍ وَمِثْلُك يُعْذَرُ
فَدُونَك هَذِي مُسْتَقِيمًا لِقِبْلَةٍ ... لَعَلَّك تَحْظَى بِالْقَبُولِ وَتُشْكَرُ
فَجُمْلَتُهَا الْعِشْرُونَ بَلْ زِيدَ غَيْرُهَا ... وَنَاظِمُهَا يَرْجُو الْجُوَادَ فَيَغْفِرُ
وَأَزْكَى صَلَاةٍ مَعْ سَلَامٍ لِمُصْطَفًى ... ذَخِيرَةِ خَلْقِ اللَّهِ لِلدِّينِ يَنْصُرُ
وَأَلْحَقْتهَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ لِغَيْرِهَا ... ثَلَاثَةَ عَشَرَ لِلْمُصَلِّينَ تَظْهَرُ
قِيَامُك فِي الْمَفْرُوضِ مِقْدَارَ آيَةٍ ... وَتَقْرَأُ فِي ثِنْتَيْنِ مِنْهُ تُخَيَّرُ
وَفِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَالْوِتْرِ فَرْضُهَا ... وَمَنْ كَانَ مُؤْتَمًّا فَعَنْ تِلْكَ يُحْظَرُ
وَشَرْطُ سُجُودٍ فَالْقَرَارُ لِجَبْهَةٍ ... وَقُرْبُ قُعُودٍ حَدُّ فَصْلٍ مُحَرَّرُ
وَبَعْدَ قِيَامٍ فَالرُّكُوعُ فَسَجْدَةٌ ... وَثَانِيَةٌ قَدْ صَحَّ عَنْهَا تُؤَخَّرُ
عَلَى ظَهْرِ كَفٍّ أَوْ عَلَى فَضْلِ ثَوْبِهِ ... إذَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ الْجَوَازُ مُقَرَّرُ
سُجُودُك فِي عَالٍ فَظُهْرٌ مُشَارِكٌ ... لِسَجْدَتِهَا عِنْدَ ازْدِحَامِك يَغْفِرُ
أَدَاؤُك أَفْعَالَ الصَّلَاةِ بِيَقْظَةٍ ... وَتَمْيِيزُ مَفْرُوضٍ عَلَيْك مُقَرَّرُ
وَيَخْتِمُ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ قُعُودُهُ ... وَفِي صُنْعِهِ عَنْهَا الْخُرُوجُ مُحَرَّرُ
ــ
[رد المحتار]
شُرُوطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلتَّحْرِيمَةِ فَلِذَا فَصَلَهَا عَمَّا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ شُرُوطُ) مُبْتَدَأٌ سَوَّغَ الِابْتِدَاءَ بِهِ وَصْفُهُ بِقَوْلِهِ (لِتَحْرِيمٍ) وَبِقَوْلِهِ (حُظِيَتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَتَاءُ الْخِطَابِ أَوْ التَّكَلُّمِ أَيْ أُعْطِيت حُظْوَةً بِالضَّمِّ أَوْ الْكَسْرِ: أَيْ مَكَانَةً أَوْ حَظًّا (بِجَمْعِهَا مُهَذَّبَةً) مُنَقَّاةً مُصْلَحَةً مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْهَاءِ (حَسْنَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَمْدُودًا قُصِرَ لِلضَّرُورَةِ حَالٌ أَيْضًا أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى الْوَصْفِيَّةِ أَيْضًا، أَوْ بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ (مَدَى الدَّهْرِ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ (تَزْهَرُ) مِنْ بَابِ مَنَعَ: أَيْ تَتَلَأْلَأُ وَتُضِيءُ (دُخُولٌ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (لِوَقْتٍ) أَيْ وَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ إنْ كَانَتْ التَّحْرِيمَةُ لَهَا (وَاعْتِقَادُ دُخُولِهِ) أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الِاعْتِقَادِ مِنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ.
فَلَوْ شَرَعَ شَاكًّا فِيهِ لَا تُجْزِيه وَإِنْ تَبَيَّنَ دُخُولَهُ (وَسَتْرٌ) الْعَوْرَةِ (وَطُهْرٌ) مِنْ حَدَثٍ وَنَجَاسَةٍ مَانِعَةٍ فِي بَدَنٍ وَثَوْبٍ وَمَكَانٍ وَكَذَا يُشْتَرَطُ اعْتِقَادُ ذَلِكَ؛ فَلَوْ صَلَّى عَلَى أَنَّهُ مُحْدِثٌ أَوْ أَنَّ ثَوْبَهُ مَثَلًا نَجَسٌ فَبَانَ خِلَافُهُ لَمْ يَجُزْ كَمَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ شَرَعَ بِلَا تَحَرٍّ إلَخْ: قَالَ ح: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ السَّتْرُ كَذَلِكَ (وَالْقِيَامُ) لِقَادِرٍ فِي غَيْرِ نَفْلٍ وَفِي سُنَّةِ فَجْرٍ (الْمُحَرَّرُ) بِأَنْ لَا تَنَالَ يَدَاهُ رُكْبَتَيْهِ كَمَا مَرَّ، فَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ مُنْحَنِيًا لَمْ تَصِحَّ تَحْرِيمَتُهُ (وَنِيَّةُ إتْبَاعِ الْإِمَامِ) أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ لَا لِصِحَّةِ التَّحْرِيمَةِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ الْمُتَابَعَةَ صَحَّ شَرْعُهُ مُنْفَرِدًا، لَكِنَّهُ إذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ أَصْلًا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، نَعَمْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّحْرِيمَةِ نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَنِيَّتُهُ أَصْلُ الصَّلَاةِ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ إتْبَاعٌ بِالرَّفْعِ بِإِسْقَاطِ الْعَاطِفِ فَيَكُونُ بَيَانًا لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِتَحْرِيمَتِهِ تَابِعًا لِإِمَامِهِ لَا سَابِقًا عَلَيْهِ (وَنُطْقِهِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ النُّطْقَ رُكْنُ التَّحْرِيمَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطًا؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ نُطْقُهُ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ يُسْمِعَ بِهَا نَفْسَهُ، فَمَنْ هَمَسَ بِهَا أَوْ أَجْرَاهَا عَلَى قَلْبِهِ لَا تُجْزِيه، وَكَذَا جَمِيعُ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ مِنْ ثَنَاءٍ وَتَعَوُّذٍ وَبَسْمَلَةٍ وَقِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَعَتَاقٍ وَطَلَاقٍ وَيَمِينٍ كَمَا أَفَادَهُ النَّاظِمُ ط (وَتَعْيِينُ فَرْضٍ) أَيْ أَنَّهُ ظُهْرٌ أَوْ عَصْرٌ مَثَلًا (أَوْ وُجُوبٌ) كَرَكْعَتِي الطَّوَافِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْوِتْرِ وَالْمَنْذُورِ وَقَضَاءِ نَفْلٍ أَفْسَدَهُ؛ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ النَّفْلِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ حَتَّى التَّرَاوِيحِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا مَرَّ فِي بَحْثِ النِّيَّةِ (فَيُذْكَرُ) أَيْ يَنْطَلِقُ، وَأَعَادَهُ لِيُعَلِّقَ بِهِ قَوْلَهُ (بِجُمْلَةِ ذِكْرٍ) كَ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا بِأَحَدِهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْآتِي (خَالِصٍ عَنْ مُرَادِهِ) أَيْ غَيْرِ مَشُوبٍ بِحَاجَتِهِ، فَلَا يَصِحُّ بِاسْتِغْفَارٍ نَحْوُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ بِخِلَافِ اللَّهُمَّ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ كَيَا اللَّهُ كَمَا سَيَأْتِي (وَبَسْمَلَةٍ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى مُرَادِهِ: أَيْ وَخَالِصٍ عَنْ بَسْمَلَةٍ: فَلَا يَصِحُّ الِافْتِتَاحُ بِهَا فِي الصَّحِيحِ كَمَا نَقَلَهُ النَّاظِمُ عَنْ الْعِنَايَةِ، وَكَذَا بِتَعَوُّذٍ وَحَوْقَلَةٍ كَمَا سَيَأْتِي (عَرْبَاءَ) نَعْتٌ لِجُمْلَةٍ: أَيْ بِجُمْلَةٍ عَرَبِيَّةٍ (إنْ هُوَ يَقْدِرُ) عَلَى الْجُمْلَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَلَا يَصِحُّ شُرُوعُهُ بِغَيْرِهَا إلَّا إذَا عَجَزَ فَيَصِحُّ بِالْفَارِسِيَّةِ كَالْقِرَاءَةِ لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ الشُّرُوعُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا
стр. 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[رد المحتار]
اتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ.
وَأَنَّ هَذَا مِمَّا يَشْتَبِهُ عَلَى كَثِيرِينَ حَتَّى الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي كُلِّ كُتُبِهِ (وَعَنْ تَرْكِ هَاوٍ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ مُرَادِهِ، وَكَذَا الْمَجْرُورَاتُ بِعَنْ الْآتِيَةِ (أَوْ لِهَاءِ جَلَالَةٍ) قَالَ النَّاظِمُ: الْمُرَادُ بِالْهَاوِي الْأَلِفُ النَّاشِئُ بِالْمَدِّ الَّذِي فِي اللَّامِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجَلَالَةِ، فَإِذَا حَذَفَهُ الْحَالِفُ أَوْ الذَّابِحُ أَوْ الْمُكَبِّرُ لِلصَّلَاةِ أَوْ حَذَفَ الْهَاءَ مِنْ الْجَلَالَةِ اُخْتُلِفَ فِي انْعِقَادِ يَمِينِهِ وَحِلِّ ذَبِيحَتِهِ وَصِحَّةِ تَحْرِيمَتِهِ، فَلَا يُتْرَكُ احْتِيَاطًا (وَعَنْ مَدِّ هَمْزَاتٍ) أَيْ هَمْزَةِ اللَّهِ وَهَمْزَةِ أَكْبَرُ إطْلَاقًا لِلْجَمْعِ عَلَى مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ اسْتِفْهَامًا، وَتَعَمُّدُهُ كُفْرٌ، فَلَا يَكُونُ ذِكْرًا، فَلَا يَصِحُّ الشُّرُوعُ بِهِ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ لَوْ حَصَلَ فِي أَثْنَائِهَا فِي تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ (وَبَاءٍ بِ أَكْبَرُ) أَيْ وَخَالِصٍ عَنْ مَدِّ بَاءِ أَكْبَرُ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَمْعَ كَبَرٍ وَهُوَ الطَّبْلُ، فَيَخْرُجُ عَنْ مَعْنَى التَّكْبِيرِ، أَوْ هُوَ اسْمُ لِلْحَيْضِ أَوْ لِلشَّيْطَانِ، فَتَثْبُتُ الشَّرِكَةُ، فَتُعْدَمُ التَّحْرِيمَةُ قَالَهُ النَّاظِمُ.
(وَعَنْ فَاصِلٍ) بَيْنَ النِّيَّةِ وَالتَّحْرِيمَةِ (فِعْلٍ كَلَامٍ) بَدَلَانِ مِنْ فَاصِلٍ عَلَى حَذْفِ الْعَاطِفِ مِنْ الثَّانِي (مُبَايِنٍ) نَعْتٌ لِفَاصِلٍ، فَإِذَا نَوَى ثُمَّ عَبِثَ بِثِيَابِهِ أَوْ بَدَنِهِ كَثِيرًا، أَوْ أَكَلَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ وَهُوَ قَدْرُ الْحِمَّصَةِ، أَوْ تَنَاوَلَ مِنْ خَارِجٍ وَلَوْ قَلِيلًا، أَوْ شَرِبَ، أَوْ تَكَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ، أَوْ تَنَحْنَحَ بِلَا عُذْرٍ ثُمَّ كَبَّرَ وَقَدْ غَابَتْ النِّيَّةُ عَنْ قَلْبِهِ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ. وَاحْتُرِزَ عَنْ غَيْرِ الْمُبَايِنِ، كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ وَمَشَى إلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّيَّةِ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ (وَعَنْ سَبْقِ تَكْبِيرٍ) عَلَى النِّيَّةِ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ كَمَا مَرَّ، أَوْ سَبْقِ الْمُقْتَدِي الْإِمَامَ بِهِ، فَلَوْ فَرَغَ مِنْهُ قَبْلَ فَرَاغِ إمَامِهِ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمَا مَرَّ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِهِ إتْبَاعُ الْإِمَامِ (وَمِثْلُك يَعْذِرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَالِثِهِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، يَعْنِي أَنْتَ تَعْذِرُ إذَا رَأَيْت مَعْنًى بَعِيدَ الْمَأْخَذِ مِنْ اللَّفْظِ فَإِنَّك مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَعْذِرُ، فَالْمُرَادُ الْتِمَاسُ الْعُذْرِ مِنْ الْمُطَّلِعِ عَلَى نَظْمِهِ ط: أَيْ لِأَنَّ ضِيقَ النَّظْمِ يُلْجِئُ إلَى التَّعْبِيرِ بِبَعِيدِ الْمَعْنَى (فَدُونَك) أَيْ خُذْ (هَذِي) الْمَذْكُورَاتِ (مُسْتَقِيمًا لِقِبْلَةٍ) إلَّا لِعُذْرٍ أَوْ لِتَنَفُّلِ رَاكِبٍ خَارِجَ مِصْرَ (لَعَلَّك تَحْظَى بِالْقَبُولِ وَتَشْكُرُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ (فَجُمْلَتُهَا الْعِشْرُونَ بَلْ زِيدَ غَيْرُهَا) كَنِيَّةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ وَتَمْيِيزِ الْمَفْرُوضِ كَمَا مَرَّ وَاعْتِقَادِ طَهَارَتِهِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ.
(وَنَاظِمُهَا يَرْجُو الْجَوَادَ) كَجَرَادٍ: كَثِيرَ الْجُودِ (فَيَغْفِرُ) أَيْ فَهُوَ يَغْفِرُ لِرَاجِيهِ (وَأَلْحَقْتهَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْبَيَانِ (لِغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ التَّحْرِيمَةِ وَهُوَ الصَّلَاةُ (ثَلَاثَةَ عَشَرَ) بِإِسْكَانِ الشِّينِ لُغَةً فِي فَتْحِهَا وَبِالتَّنْوِينِ لِلضَّرُورَةِ ط (لِلْمُصَلِّينَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (تَظْهَرُ) وَهِيَ (قِيَامُك) عِنْدَ عَدَمِ عُذْرٍ (فِي الْمَفْرُوضِ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَكَذَا مَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ الْوَاجِبِ وَسُنَّةِ الْفَجْرِ، وَذُكِرَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الصَّلَاةِ فِعْلًا (مِقْدَارُ آيَةٍ) عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْمُعْتَمَدِ ط (وَتُقْرَأُ فِي ثِنْتَيْنِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَفْرُوضِ: أَيْ رَكَعَاتِهِ (تُخَيَّرُ) أَيْ مُتَخَيِّرًا فِي إيقَاعِ الْقِرَاءَةِ فِي أَيِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهُ، وَالْمَقَامُ لِبَيَانِ الْفَرَائِضِ. فَلَا يَرِدُ أَنَّ تَعْيِينَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ وَاجِبٌ.
стр. 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[رد المحتار]
وَفِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَالْوِتْرِ فَرْضُهَا) أَيْ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ كَائِنٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةٍ عَلَى حِدَةٍ وَالْوِتْرُ لِأَنَّهُ شَابَهُ السُّنَنَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لَهُ وَلَا يُقَامُ. وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْمَنْذُورِ حُكْمُ النَّفْلِ، حَتَّى لَوْ نَذَرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ الْقِرَاءَةُ فِي أَرْبَعِهَا لِأَنَّهُ نَفْلٌ فِي نَفْسِهِ وَوُجُوبُهُ عَارِضٌ ح (وَمَنْ كَانَ مُؤْتَمًّا فَهُنَّ تِلْكَ) الْقِرَاءَةُ الَّتِي قُلْنَا إنَّهَا فَرْضٌ (يُحْظَرُ) أَيْ يُمْنَعُ، فَتُكْرَهُ لَهُ تَحْرِيمًا لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ، فَالْقِرَاءَةُ فَرْضٌ عَلَى غَيْرِ الْمُؤْتَمِّ، فَهَذَا فِي مَوْقِعِ الِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا قَبْلَهُ (وَشَرْطُ سُجُودٍ) مُبْتَدَأٌ وَمُضَافٌ إلَيْهِ (فَالْقَرَارُ) خَبَرٌ بِزِيَادَةِ الْفَاءِ (لِجَبْهَةٍ) أَيْ يُفْتَرَضُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى مَا يَجِدُ حَجْمَهُ بِحَيْثُ إنَّ السَّاجِدَ لَوْ بَالَغَ لَا يَتَسَفَّلُ رَأْسَهُ أَبْلَغَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ حَالُ الْوَضْعِ، فَلَا يَصِحُّ عَلَى نَحْوِ الْأُرْزِ وَالذُّرَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي نَحْوِ جَوَالِقَ، وَلَا عَلَى نَحْوِ الْقُطْنِ وَالثَّلْجِ وَالْفُرُشِ إلَّا إنْ وُجِدَ حَجْمُ الْأَرْضِ بِكَبْسِهِ (وَقُرْبُ قُعُودٍ حَدُّ فَصْلٍ مُحَرَّرُ) يَعْنِي الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ وَهُوَ الرَّابِعُ مِنْ الثَّلَاثَةِ عَشْرَ، هَذَا الْبَيْتُ سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ.
وَذَكَرَهُ النَّاظِمُ فِي دُرِّ الْكُنُوزِ مُؤَخَّرًا عَنْ الَّذِي بَعْدَهُ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ (وَبَعْدَ قِيَامٍ فَالرُّكُوعُ فَسَجْدَةٌ) أَيْ يُفْتَرَضُ بَعْدَ الْقِيَامِ الرُّكُوعُ، وَكَذَا السُّجُودُ، وَكَذَا التَّرْتِيبُ الْمُفَادُ بِالْبَعْدِيَّةِ وَبِالْفَاءِ. أَيْ يُفْتَرَضُ تَرْتِيبُ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالرُّكُوعُ عَلَى السُّجُودِ كَمَا مَرَّ (وَثَانِيَةٌ) مُبْتَدَأٌ (قَدْ صَحَّ) جُمْلَةٌ مُعْتَرَضَةٌ (عَنْهَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (تُؤَخَّرُ) وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ، يَعْنِي وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ يَصِحُّ أَنْ تُؤَخَّرَ الْأُولَى إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا وَاجِبَةٌ كَمَا سَيَأْتِي. وَالْأَوْضَحُ فِي إفَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُقَالَ وَثَانِيَةٌ قَدْ صَحَّ فِيهَا التَّأَخُّرُ. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْمُتَكَرِّرِ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ فَرْضٌ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، بِخِلَافِ الْمُتَكَرِّرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالسَّجْدَتَيْنِ (عَلَى ظَهْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَسَجْدَةٌ، كَذَا قَالَهُ النَّاظِمُ. وَالْأَوْلَى تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ الْآتِي الْجَوَازِ (كَفَّ) أَيْ كَفَّ نَفْسَهُ (أَوْ عَلَى فَضْلِ ثَوْبِهِ أَوْ عَلَى كُورِ عِمَامَتِهِ إذَا تَظْهَرُ الْأَرْضُ) الَّتِي تَحْتَ الْكَفِّ أَوْ فَاضِلِ الثَّوْبِ (الْجَوَازُ مُقَرَّرُ) لَكِنْ يُكْرَهُ إنْ كَانَ بِلَا عُذْرٍ كَمَا سَيَأْتِي.
وَحَاصِلُ الْبَيْتِ أَنَّ الْفَرْضَ الثَّامِنَ طَهَارَةُ مَوْضِعِ السُّجُودِ وَلَوْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ مُتَّصِلٍ بِالْمُصَلِّي كَكَفِّهِ وَثَوْبِهِ لِأَنَّهُ بِاتِّصَالِهِ لَا يُعَدُّ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ (سُجُودُك) مُبْتَدَأٌ (فِي) أَيْ عَلَى مَكَان (عَالٍ) أَيْ مُرْتَفِعٍ عَنْ حَدِّ الْجَوَازِ الْمُقَدَّرِ بِنِصْفِ ذِرَاعٍ الَّذِي لَا يُغْتَفَرُ بِلَا ضَرُورَةِ السُّجُودِ عَلَى أَرْفَعَ مِنْهُ (فَظَهْرٌ) الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ وَسُجُودُك عَلَى ظَهْرِ مُصَلِّي صَلَاتُك (مُشَارِكٍ) لَك (وَلِسَجْدَتِهَا) اللَّامُ بِمَعْنَى فِي: أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ سَاجِدًا مِثْلَك، لَكِنَّ سُجُودَهُ عَلَى الْأَرْضِ (عِنْدَ ازْدِحَامِك) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُجُودُك أَوْ بِقَوْلِهِ أ (يُغْفَرُ) وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ. وَحَاصِلُ الْبَيْتِ بَيَانُ الْفَرْضِ التَّاسِعِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ سُجُودُهُ عَلَى مُرْتَفِعٍ عَنْ نِصْفِ ذِرَاعٍ إلَّا لِضَرُورَةِ زَحْمَةٍ (أَدَاؤُك) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ الْآتِي (أَفْعَالُ الصَّلَاةِ) أَيْ أَرْكَانُهَا (بِيَقْظَةٍ) وَسَيَأْتِي
стр. 450
(الِاخْتِيَارُ) أَيْ الِاسْتِيقَاظُ، أَمَّا لَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ ذَاهِلًا كُلَّ الذُّهُولِ أَجْزَأَهُ (فَإِنْ أَتَى بِهَا) أَوْ بِأَحَدِهَا بِأَنْ قَامَ أَوْ قَرَأَ أَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ أَوْ قَعَدَ الْأَخِيرَ (نَائِمًا لَا يُعْتَدُّ) بِمَا أَتَى (بِهِ) بَلْ يُعِيدُهُ وَلَوْ الْقِرَاءَةَ أَوْ الْقَعْدَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ تَفْسُدْ لِصُدُورِهِ لَا عَنْ اخْتِيَارٍ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَالنَّاسُ مِنْهُ غَافِلُونَ،
ــ
[رد المحتار]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
(وَتَمْيِيزُ مَفْرُوضٍ) مُبْتَدَأٌ أَيْ تَمْيِيزُ الْخَمْسِ الْمَفْرُوضَةِ عَنْ غَيْرِهَا وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ فِي شُرُوطِ التَّحْرِيمَةِ (عَلَيْك) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ أَوْ بِقَوْلِهِ (مُقَرَّرُ) وَهُوَ الْخَبَرُ (وَيَخْتِمُ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ قُعُودُهُ) فَاعِلُ يَخْتِمُ (وَفِي صُنْعِهِ) وَفِي بِمَعْنَى الْبَاءِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْخُرُوجِ، وَكَذَا قَوْلُهُ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ الصَّلَاةِ (الْخُرُوجُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (مُحَرَّرُ) قَالَ النَّاظِمُ: وَالْخُرُوجُ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي فَرْضٌ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَهُوَ الْمُحَرَّرُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي رِسَالَةٍ سَمَّيْتهَا [الْمَسَائِلَ الْبَهِيَّةَ الزَّكِيَّةَ عَلَى الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ] اهـ وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(قَوْلُهُ الِاخْتِيَارُ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ فَاعِلِ شُرِطَ السَّابِقِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ أَيْ الِاسْتِيقَاظِ) تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِيقَاظِ الِاخْتِيَارُ ح، وَإِنَّمَا فُسِّرَ بِهِ لِيُشِيرَ إلَى أَنَّ مَا يَحْصُلُ مَعَ الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ لَا يُنَافِي الِاخْتِيَارَ فَلِذَا قَالَ أَمَّا لَوْ رَكَعَ إلَخْ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ ذَاهِلًا كُلَّ الذُّهُولِ) بِأَنْ كَانَ قَلْبُهُ مَشْغُولًا بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَتَى بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِاخْتِيَارِهِ وَلَكِنَّهُ غَافِلٌ عَنْهُمَا وَنَظِيرُهُ الْمَاشِي، فَإِنَّ رِجْلَيْهِ وَكَثِيرًا مِنْ أَعْضَائِهِ يَتَحَرَّكُ بِمَشْيِهِ الْمُخْتَارِ لَهُ وَلَا شُعُورَ لَهُ بِذَلِكَ قَالَ ح: وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّاعِسَ كَالذَّاهِلِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ أَوْ قَعَدَ الْأَخِيرُ) صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ مَحْذُوفٍ أَيْ أَوْ قَعَدَ الْقُعُودَ الْأَخِيرَ ح (قَوْلُهُ بَلْ يُعِيدُهُ) وَهَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِتَأْخِيرِ الرُّكْنِ: الظَّاهِرُ نَعَمْ، فَرَاجِعْهُ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) أَمَّا فِي الْقِرَاءَةِ فَهُوَ مَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُمَا وَنَصَّ فِي الْمُحِيطِ وَالْمُبْتَغَى عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ شَرْطُ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ وَلَمْ يُوجَدْ حَالَةَ النَّوْمِ.
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يَعْتَدُّ بِهَا لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ النَّائِمَ كَالْمُسْتَيْقِظِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، وَالْقِرَاءَةُ رُكْنٌ زَائِدٌ يَسْقُطُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَجَازَ أَنْ يَعْتَدَّ بِهَا فِي حَالَةِ النَّوْمِ، وَاسْتَوْجَهَهُ فِي الْفَتْحِ: وَأَجَابَ عَنْ تَعْلِيلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ وَالِاخْتِيَارُ الْمَشْرُوطَةُ قَدْ وُجِدَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ كَافٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ ذَاهِلًا عَنْ فِعْلِهِ كُلَّ الذُّهُولِ أَنَّهُ تُجْزِيهِ. اهـ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالْجَوَابُ أَنَّا نَمْنَعُ كَوْنَ الِاخْتِيَارِ فِي الِابْتِدَاءِ كَافِيًا، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الذَّاهِلَ غَيْرُ مُخْتَارٍ. اهـ. عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالِاخْتِيَارِ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ حَالَةَ النَّوْمِ يُجْزِيهِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُبْتَغَى: رَكَعَ وَهُوَ نَائِمٌ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا وَصَرِيحُ كَلَامِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي الْحِلْيَةِ تَرْجِيحُ كَلَامِ الْفَقِيهِ لِلْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُهُ فِي الْفَتْحِ حَتَّى رَدَّ بِهِ مَا فِي الْمُبْتَغَى، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ عُرِفَ مِنْ هَذَا أَيْضًا جَوَازُ الْقِيَامِ فِي حَالَةِ النَّوْمِ أَيْضًا وَإِنْ نَصَّ بَعْضُهُمْ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ. اهـ. وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ، لَكِنْ قَدْ عَلِمْت مَا فِي كَلَامِ الْفَتْحِ بِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَالْأَوْلَى اتِّبَاعُ الْمَنْقُولِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا فِي الْقَعْدَةِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ التَّحْقِيقِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا عَنْ مُحَمَّدٍ، وَأَنَّهُ قِيلَ إنَّهَا يُعْتَدُّ بِهَا، وَقِيلَ لَا. وَرَجَّحَ فِي الْحِلْيَةِ الْأَوَّلَ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ جَوَابِ شَيْخِهِ وَقَالَ إنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى اهـ وَاقْتَصَرَ عَلَى الثَّانِي فِي الْمُنْيَةِ. وَقَالَ شَارِحُهَا الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ: إنَّهُ الْأَصَحُّ. وَفِي الْمِنَحِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ جَزَمَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي نَظْمِهِ الْمَارِّ وَفِي نُورِ الْإِيضَاحِ (قَوْلُهُ تَفْسُدُ) أَيْ الصَّلَاةُ (قَوْلُهُ لِصُدُورِهِ) أَيْ مَا أَتَى بِهِ
стр. 451
فَلَوْ أَتَى النَّائِمُ بِرَكْعَةٍ تَامَّةٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ زَادَ رَكْعَةً وَهِيَ لَا تَقْبَلُ الرَّفْضَ.
وَلَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ فَنَامَ فِيهِ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الرَّفْعِ (مِنْهُ) وَالْوَضْعُ بِالِاخْتِيَارِ
(وَلَهَا وَاجِبَاتٌ) لَا تَفْسُدُ بِتَرْكِهَا وَتُعَادُ وُجُوبًا فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ إنْ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهَا يَكُونُ فَاسِقًا
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ فَلَوْ أَتَى) أَيْ فِي حَالَةِ النَّوْمِ (قَوْلُهُ وَلَوْ رَكَعَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فَإِنْ أَتَى بِهَا نَائِمًا لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ نَامَ بَعْدَمَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ اعْتَدَّ بِهِ (قَوْلُهُ لِحُصُولِ الرَّفْعِ وَالْوَضْعِ) كَذَا فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ وَالْأَظْهَرُ ذِكْرُ الِانْحِنَاءِ بَدَلَ الرَّفْعِ. وَقَالَ ط: هَذَا بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الرَّفْعِ فِي الرُّكُوعِ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ فَلَا يَظْهَرُ.
[وَاجِبَات الصَّلَاة]
مَطْلَبُ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ وَلَهَا وَاجِبَاتٌ) قَدَّمْنَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَتَقْسِيمَ الْوَاجِبِ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَعْلَاهُمَا يُسَمَّى فَرْضًا عَمَلِيًّا، وَهُوَ مَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ كَالْوِتْرِ: وَالْآخَرُ مَا لَا يَفُوتُ بِفَوْتِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَحُكْمُهُ اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ بِتَرْكِهِ، وَعَدَمُ إكْفَارِ جَاحِدِهِ، وَالثَّوَابِ بِفِعْلِهِ. وَحُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ: وَالْوَاجِبُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْضِ كَ صَوْمُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ (قَوْلُهُ لَا تَفْسُدُ بِتَرْكِهَا) أَشَارَ بِهِ إلَى الرَّدِّ عَلَى الْقُهُسْتَانِيِّ حَيْثُ قَالَ: تَفْسُدُ وَلَا تَبْطُلُ اهـ. قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفَاسِدَ مَا فَاتَ عَنْهُ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ، وَالْبَاطِلُ مَا فَاتَ عَنْهُ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ. وَقَدْ يُطْلَقُ الْفَاسِدُ بِمَعْنَى الْبَاطِلِ مَجَازًا. اهـ. وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ أَئِمَّتَنَا لَمْ يُفَرِّقُوا فِي الْعِبَادَاتِ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا فَرَّقُوا فِي الْمُعَامَلَاتِ ح (قَوْلُهُ وَتُعَادُ وُجُوبًا) أَيْ بِتَرْكِ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ أَوْ وَاحِدٍ مِنْهَا: وَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالدُّرَرِ وَالْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ لَا لَوْ تَرَكَ السُّورَةَ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ الْفَاتِحَةَ وَإِنْ كَانَتْ آكَدَ فِي الْوُجُوبِ لِلِاخْتِلَافِ فِي رُكْنِيَّتِهَا دُونَ السُّورَةِ لَكِنَّ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ حُكْمُ تَرْكِ الْوَاجِبِ مُطْلَقًا لَا الْوَاجِبِ الْمُؤَكَّدِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ الْآكَدِيَّةُ فِي الْإِثْمِ لِأَنَّهُ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ. اهـ.
قُلْت: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ التَّرْكُ لِعُذْرٍ كَالْأُمِّيِّ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَصَلَّى قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْفَاتِحَةَ فَلَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ) أَيْ لِلسَّهْوِ، وَهَذَا قَيْدٌ لِقَوْلِهِ وَالسَّهْوُ، إذْ لَا سُجُودَ فِي الْعَمْدِ، قِيلَ إلَّا فِي أَرْبَعَةٍ لَوْ تَرَكَ الْقَعْدَةَ الْأُولَى عَمْدًا أَوْ شَكَّ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ فَتَفَكَّرَ عَمْدًا حَتَّى شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ رُكْنٍ أَوْ أَخَّرَ إحْدَى سَجْدَتَيْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ عَمْدًا أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى عَمْدًا. وَزَادَ بَعْضُهُمْ خَامِسًا وَهُوَ: لَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ عَمْدًا فَيَسْجُدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَيُسَمَّى سُجُودَ عُذْرٍ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ الشَّارِحُ ذَلِكَ لِمَا سَيَأْتِي تَضْعِيفُهُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ. وَرَدَّهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ أَيْضًا بِأَنَّا لَا نَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا فِي الرِّوَايَةِ وَلَا وَجْهًا فِي الدِّرَايَةِ وَهَلْ تَجِبُ الْإِعَادَةُ بِتَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ لِعُذْرٍ، كَمَا لَوْ نَسِيَهُ أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الْفَجْرِ؟ لَمْ أَرَهُ فَلْيُرَاجَعْ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْوُجُوبُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الشَّارِحِ لِأَنَّ النُّقْصَانَ لَمْ يَنْجَبِرْ بِجَابِرٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِتَرْكِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ: مَطْلَبٌ الْمَكْرُوهُ تَحْرِيمًا مِنْ الصَّغَائِرِ، وَلَا تَسْقُطُ بِهِ الْعَدَالَةُ إلَّا بِالْإِدْمَانِ
(قَوْلُهُ يَكُونُ فَاسِقًا) أَقُولُ: صَرَّحَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَجِيمٍ فِي رِسَالَتِهِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي بَيَانِ الْمَعَاصِي: بِأَنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ تَحْرِيمًا مِنْ الصَّغَائِرِ، وَصَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ شَرَطُوا لِإِسْقَاطِ الْعَدَالَةِ بِالصَّغِيرَةِ الْإِدْمَانَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَشْرِطُوهُ فِي فِعْلِ مَا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا: وَقَالَ أَيْضًا إنَّهُمْ أَسْقَطُوهَا بِالْأَكْلِ فَوْقَ الشِّبَعِ مَعَ أَنَّهُ صَغِيرَةٌ، فَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُ الْإِصْرَارِ
стр. 452
آثِمًا وَكَذَا كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ تَجِبُ إعَادَتُهَا. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ جَابِرٌ لِلْأَوَّلِ،
ــ
[رد المحتار]
عَلَيْهِ.
قَالَ: وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُسْقِطَ لَهَا بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ يُسْقِطُهَا وَلَوْ صَغِيرَةً بِلَا إدْمَانٍ، كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ وَلَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ اهـ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَمَدِ. مَطْلَبٌ كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ تَجِبُ إعَادَتُهَا
(قَوْلُهُ وَكَذَا كُلُّ صَلَاةٍ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَشْمَلُ نَحْوَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ مِمَّا لَمْ يُوجِبْ سُجُودًا أَصْلًا، وَأَنَّ النَّقْصَ إذَا دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَمْ يُجْبَرْ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمُقْتَدِي أَيْضًا وَأَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ إذَا أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ إلَّا إذَا أَعَادَهَا الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ جَمِيعًا فَلْيُرَاجَعْ ح.
أَقُولُ: وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْإِمْدَادِ بَحْثًا أَنَّ كَوْنَ الْإِعَادَةِ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَاجِبَةً لَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ الْإِعَادَةُ مَنْدُوبَةً بِتَرْكِ سُنَّةٍ اهـ وَنَحْوِهِ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، بَلْ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ كَوْنِ تِلْكَ الْكَرَاهَةِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ تَنْزِيهٍ فَتُسْتَحَبُّ اهـ.
بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي حُكْمِ الْوَاجِبِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَصَرَّحُوا بِفِسْقِ تَارِكِهَا وَتَعْزِيرِهِ، وَأَنَّهُ يَأْثَمُ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى مُفْرَدًا يُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهَا بِالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الْجَمَاعَةُ يُتِمُّ وَيَقْتَدِي مُتَطَوِّعًا، فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إعَادَةُ الظُّهْرِ بِالْجَمَاعَةِ مَعَ أَنَّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا مَكْرُوهَةٌ تَحْرِيمًا أَوْ قَرِيبَةٌ مِنْ التَّحْرِيمِ، فَيُخَالِفُ تِلْكَ الْقَاعِدَةَ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَخْصِيصَهَا بِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي تُعَادُ بِتَرْكِهِ مَا كَانَ مِنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ وَأَجْزَائِهَا فَلَا يَشْمَلُ الْجَمَاعَةَ لِأَنَّهَا وَصْفٌ لَهَا خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّتِهَا، أَوْ يَدَّعِي تَقْيِيدَ قَوْلِهِمْ يُتِمُّ وَيَقْتَدِي مُتَطَوِّعًا بِمَا إذَا كَانَتْ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا لِعُذْرٍ كَعَدَمِ وُجُودِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ شُرُوعِهِ فَلَا تَكُونُ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا مَكْرُوهَةً وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرُوا الْجَمَاعَةَ مِنْ جُمْلَةِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُمْ قَالُوا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي سُوَرِ الْقُرْآنِ، فَلَوْ قَرَأَ مَنْكُوسًا أَثِمَ لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَاجِبَاتِ الْقِرَاءَةِ لَا مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ السَّهْوِ، لَكِنَّ قَوْلَهُمْ كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ يَشْمَلُ تَرْكَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ بِالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ فِيهِ صُورَةٌ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلُ الصَّنَمِ. [تَنْبِيهٌ]
قَيَّدَ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ بِمَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَتُسْتَحَبُّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَعَدَمِهِ، وَتَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ (قَوْلُهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ) أَيْ الْفِعْلَ الثَّانِيَ جَابِرٌ لِلْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ الْجَبْرِ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَبِالْأَوَّلِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، كَذَا فِي شَرْحِ الْأَكْمَلِ عَلَى أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ، وَمُقَابِلُهُ مَا نَقَلُوهُ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الثَّانِي وَاخْتَارَ ابْنُ الْهُمَامِ الْأَوَّلَ قَالَ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَكَرَّرُ، وَجَعْلُهُ الثَّانِيَ يَقْتَضِي عَدَمَ سُقُوطِهِ بِالْأَوَّلِ إذْ هُوَ لَازِمٌ تَرْكِ الرُّكْنِ لَا الْوَاجِبِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ امْتِنَانٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إذْ يَحْتَسِبُ الْكَامِلَ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْفَرْضِ لَمَّا عَلِمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ سَيُوقِعُهُ اهـ يَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الْفَرْضِ هُوَ الثَّانِيَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَكْرَارُ الْفَرْضِ لِأَنَّ كَوْنَ الْفَرْضِ هُوَ الثَّانِيَ دُونَ الْأَوَّلِ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ سُقُوطِهِ بِالْأَوَّلِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ عَدَمَ سُقُوطِهِ بِالْأَوَّلِ إنَّمَا يَكُونُ بِتَرْكِ فَرْضٍ لَا بِتَرْكِ وَاجِبٍ، وَحَيْثُ اسْتَكْمَلَ الْأَوَّلُ
стр. 453
لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَكَرَّرُ
(وَهِيَ) عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ (قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بِتَرْكِ أَكْثَرِهَا لَا أَقَلِّهَا، لَكِنْ فِي الْمُجْتَبَى يَسْجُدُ بِتَرْكِ آيَةٍ مِنْهَا وَهُوَ أَوْلَى
قُلْت: وَعَلَيْهِ فَكُلُّ آيَةٍ وَاجِبَةٌ كَكُلِّ تَكْبِيرَةِ عِيدٍ وَتَعْدِيلُ رُكْنٍ وَإِتْيَانُ كُلٍّ وَتَرْكُ تَكْرِيرِ كُلٍّ كَمَا يَأْتِي فَلْيُحْفَظْ (وَضَمُّ) أَقْصَرِ (سُورَةٍ) كَالْكَوْثَرِ أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهَا، هُوَ ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ، نَحْوُ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الْآيَةُ أَوْ الْآيَتَانِ تَعْدِلُ ثَلَاثًا قِصَارًا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ
ــ
[رد المحتار]
فَرَائِضَهُ لَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ مُجْزِئًا فِي الْحُكْمِ وَسُقُوطُ الْفَرْضِ بِهِ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ، فَإِذَا كَانَ الثَّانِي فَرْضًا يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْرَارُ الْفَرْضِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إلَخْ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ) وَإِلَّا فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (قَوْلُهُ قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) هَذَا إذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ وَإِلَّا اكْتَفَى بِآيَةٍ وَاحِدَةٍ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَخَصَّ الْبَزْدَوِيُّ الْفَجْرَ بِهِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ بِتَرْكِ أَكْثَرِهَا) يُفِيدُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَكْثَرُ، وَلَا يَعْرَى عَنْ تَأَمُّلٍ بَحْرٌ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّهَا بِتَمَامِهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَهُ؛ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَأَكْثَرُهَا، وَلِذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ بِنِسْيَانِ الْبَاقِي كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ، فَكَلَامُ الشَّارِحِ جَارٍ عَلَى قَوْلِهِمَا ط (قَوْلُهُ وَهُوَ أَوْلَى) لَعَلَّهُ لِلْمُوَاظَبَةِ الْمُفِيدَةِ لِلْوُجُوبِ ط (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ) أَيْ وَبِنَاءً عَلَى مَا فِي الْمُجْتَبَى فَكُلُّ آيَةٍ وَاجِبَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي الْمُجْتَبَى مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ بِأَنَّهَا بِتَمَامِهَا وَاجِبَةٌ وَذِكْرُ الْآيَةِ تَمْثِيلٌ لَا تَقْيِيدٌ إذْ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا آيَةٍ أَوْ أَقَلَّ وَلَوْ حَرْفًا لَا يَكُونُ آتِيًا بِكُلِّهَا الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ، كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ ضَمُّ ثَلَاثِ آيَاتٍ، فَلَوْ قَرَأَ دُونَهَا كَانَ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ.
(قَوْلُهُ كَكُلِّ تَكْبِيرَةِ عِيدٍ) وَهِيَ سِتُّ تَكْبِيرَاتٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ ح (قَوْلُهُ وَتَعْدِيلُ رُكْنٍ) عُطِفَ عَلَى تَكْبِيرَةٍ: أَيْ وَكَكُلِّ تَعْدِيلِ رُكْنٍ وَمِثْلُهُ تَعْدِيلُ الْقَوْمَةِ وَتَعْدِيلُ الْجِلْسَةِ عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا ح (قَوْلُهُ وَإِتْيَانُ كُلٍّ إلَخْ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى كُلٍّ الْأَوَّلِ أَوْ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى كُلٍّ الثَّانِي، وَالْمُرَادُ أَنَّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ إتْيَانَ كُلِّ فَرْضٍ أَوْ وَاجِبٍ فِي مَحَلِّهِ، وَتَرْكُ تَكْرِيرِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَأَفَادَ هَذَا الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ كَمَا يَأْتِي أَيْ فِي آخِرِ الْوَاجِبَاتِ (قَوْلُهُ وَتَرْكُ تَكْرِيرِ كُلٍّ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَعَلِمْت الْمُرَادَ مِنْهُ. وَاَلَّذِي فِي عَامَّةِ النُّسَخِ: وَتَرْكُ كُلٍّ بِإِسْقَاطِ تَكْرِيرٍ. وَتَوْجِيهُهُ بِأَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ كَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ تَنْظِيرَ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ يَسْجُدُ بِتَرْكِ آيَةٍ، وَالْمَعْنَى كَمَا يَسْجُدُ بِتَرْكِ كُلِّ تَكْبِيرَةِ عِيدٍ بِمُفْرَدِهَا، وَتَرْكِ كُلِّ تَعْدِيلِ رُكْنٍ بِمُفْرَدِهِ، وَتَرْكِ إتْيَانِ كُلٍّ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ التَّعْدِيلَاتِ جُمْلَةً، وَكَذَا بِتَرْكِ كُلِّ هَذِهِ الْمَذْكُورَةِ جُمْلَةً، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
(قَوْلُهُ تَعْدِلُ ثَلَاثًا قِصَارًا) أَيْ مِثْلُ - ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١]- إلَخْ وَهِيَ ثَلَاثُونَ حَرْفًا، فَلَوْ قَرَأَ آيَةً طَوِيلَةً قَدْرَ ثَلَاثِينَ حَرْفًا يَكُونُ قَدْ أَتَى بِقَدْرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي فَصْلِ يَجْهَرُ الْإِمَامُ أَنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ آيَةٌ وَأَنَّ الْآيَةَ عُرْفًا طَائِفَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ مُتَرْجَمَةٌ أَقَلُّهَا سِتَّةُ أَحْرُفٍ وَلَوْ تَقْدِيرًا كَلَمْ يَلِدْ إلَّا إذَا كَانَتْ كَلِمَةً فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الصِّحَّةِ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ آيَةً طَوِيلَةً قَدْرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَرْفًا يَكُونُ قَدْ أَتَى بِقَدْرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَشْرُوعَ ثَلَاثُ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٌ عَلَى النَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ مِثْلَ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] إلَخْ وَلَا يُوجَدُ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَةٌ أَقْصَرُ مِنْهَا، فَالْوَاجِبُ إمَّا هِيَ أَوْ مَا يَعْدِلُهَا مِنْ غَيْرِهَا لَا مَا يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ أَقْصَرِ آيَةٍ وُجِدَتْ فِي الْقُرْآنِ، وَلِذَا قَالَ تَعْدِلُ ثَلَاثًا قِصَارًا وَلَمْ يَقُلْ تَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ أَقْصَرِ آيَةٍ. عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ تَعْدِلُ أَقْصَرَ سُورَةٍ فَلْيُتَأَمَّلْ وَسَنَذْكُرُ فِي فَصْلِ الْجَهْرِ زِيَادَةً فِي هَذَا الْبَحْثِ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ) أَيْ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَنْ الْمُنْيَةِ. وَعِبَارَتُهُ: وَإِنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ قِصَارًا أَوْ كَانَتْ الْآيَةُ أَوْ الْآيَتَانِ تَعْدِلُ ثَلَاثَ آيَاتٍ قِصَارٍ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْكَرَاهَةِ الْمَذْكُورَةِ يَعْنِي كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ. قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ عَنْ الْمُلْتَقَى: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مُهِمٌّ فِيهِ يُسْرٌ عَظِيمٌ لِدَفْعِ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ. اهـ.
стр. 454
(فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْفَرْضِ) وَهَلْ يُكْرَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ؟ الْمُخْتَارُ لَا (وَ) فِي (جَمِيعِ) رَكَعَاتِ (النَّفْلِ) لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ (وَ) كُلُّ (الْوِتْرِ) احْتِيَاطًا وَتَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ (فِي الْأُولَيَيْنِ) مِنْ الْفَرْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ
(وَتَقْدِيمُ الْفَاتِحَةِ)
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: قَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الدُّرَرِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: وَثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٌ تَقُومُ مَقَامَ الصُّورَةِ وَكَذَا الْآيَةُ الطَّوِيلَةُ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْفَيْضِ وَغَيْرِهِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: لَوْ قَرَأَ آيَةً طَوِيلَةً كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ أَوْ الْمُدَايَنَةِ الْبَعْضَ فِي رَكْعَةٍ وَالْبَعْضَ فِي رَكْعَةٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، قِيلَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَا قَرَأَ آيَةٌ تَامَّةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْآيَاتِ يَزِيدُ عَنْ ثَلَاثٍ قِصَارٍ أَوْ يَعْدِلُهَا فَلَا تَكُونُ قِرَاءَتُهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ اهـ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ بَعْضَ الْآيَةِ كَالْآيَةِ فِي أَنَّهُ إذَا بَلَغَ قَدْرَ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ يَكْفِي (قَوْلُهُ فِي الْأُولَيَيْنِ) تَنَازَعَ فِيهِ قِرَاءَةٌ وَضَمٌّ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَضَمُّ سُورَةٍ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْأُولَيَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَهَلْ يُكْرَهُ) أَيْ ضَمُّ السُّورَةِ (قَوْلُهُ الْمُخْتَارُ لَا) أَيْ لَا يُكْرَهُ تَحْرِيمًا بَلْ تَنْزِيهًا لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ. قَالَ فِي الْمُنْيَةِ وَشَرْحِهَا: فَإِنْ ضَمَّ السُّورَةَ إلَى الْفَاتِحَةِ سَاهِيًا يَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِتَأْخِيرِ الرُّكُوعِ عَنْ مَحَلِّهِ وَفِي أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا مَشْرُوعَةٌ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَاتِحَةِ مَسْنُونٌ لَا وَاجِبٌ. اهـ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ السُّورَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ نَقْلًا. وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ. وَفِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ نَفْلًا الْجَوَازُ، وَالْمَشْرُوعِيَّةُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْحُرْمَةِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا أَفَادَهُ فِي الْحِلْيَةِ. مَطْلَبٌ كُلُّ شَفْعٍ مِنْ النَّفْلِ صَلَاةٌ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ) كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْخُرُوجِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِذَا قَامَ إلَى شَفْعٍ آخَرَ كَانَ بَانِيًا صَلَاةً عَلَى تَحْرِيمَةِ صَلَاةٍ، وَمِنْ ثَمَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ نَوَى أَرْبَعًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِتَحْرِيمَتِهَا سِوَى الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَأَنَّ الْقِيَامَ إلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، حَتَّى أَنَّ فَسَادَ الشَّفْعِ الثَّانِي لَا يُوجِبُ فَسَادَ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ، وَقَالُوا: يُسْتَحَبُّ الِاسْتِفْتَاحُ فِي الثَّالِثَةِ وَالتَّعَوُّذُ، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ. قَالَ ح: وَلَا يُنَافِيهِ عَدَمُ افْتِرَاضِ الْقَعْدَةِ الْأُولَى فِيهِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْكُلَّ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَعْدَة كَمَا فِي الْبَحْرِ عِنْدَ قَوْلِ الْكَنْزِ فَرْضُهَا التَّحْرِيمَةُ (قَوْلُهُ احْتِيَاطًا) أَيْ لَمَّا ظَهَرَتْ آثَارُ السُّنِّيَّةِ فِيهِ، مِنْ أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لَهُ وَلَا يُقَامُ، أَعْطَيْنَاهُ حُكْمَ السُّنَّةِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ احْتِيَاطًا ح (قَوْلُهُ وَتَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ) لَا يَتَكَرَّرُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَهُ الْأُولَيَيْنِ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْقِرَاءَةُ وَلَوْ آيَةً فَتَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا فِيهِمَا وَاجِبٌ وَضَمُّ السُّورَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبٌ آخَرُ ط.
(قَوْلُهُ مِنْ الْفَرْضِ) أَيْ الرُّبَاعِيِّ أَوْ الثُّلَاثِيِّ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ الْفَرْضِ الثُّنَائِيِّ كَالْفَجْرِ وَالْجُمُعَةِ وَمَقْصُورَةِ السَّفَرِ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) اعْلَمْ أَنَّ فِي مَحَلِّ الْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي الْفَرْضِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ مَحَلَّهَا الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ عَيْنًا وَصَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ. وَالثَّانِي أَنَّ مَحَلَّهَا رَكْعَتَانِ مِنْهَا غَيْرُ عَيْنٍ: أَيْ فَيَكُونُ تَعْيِينُهَا فِي الْأُولَيَيْنِ وَاجِبًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. الثَّالِثُ أَنَّ تَعْيِينَهَا فِيهِمَا أَفْضَلُ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَقَطْ يَصِحُّ، وَيَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ لَوْ سَاهِيًا لَكِنَّ سَبَبَهُ عَلَى الْأَوَّلِ تَغْيِيرُ الْفَرْضِ عَنْ مَحَلِّهِ وَتَكُونُ قِرَاءَتُهُ قَضَاءً عَنْ قِرَاءَتِهِ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَسَبَبُهُ عَلَى الثَّانِي تَرْكُ الْوَاجِبِ وَتَكُونُ قِرَاءَتُهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ أَدَاءً كَذَا فِي نَوَافِلِ الْبَحْرِ وَفِيهِ مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَتِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ: هَلْ هِيَ قَضَاءٌ أَوْ أَدَاءُ، فَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهَا أَدَاءٌ لِأَنَّ الْفَرْضَ الْقِرَاءَةُ فِي رَكْعَتَيْنِ غَيْرُ عَيْنٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَنَّهَا قَضَاءٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ اسْتِدْلَالًا بِعَدَمِ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ الْإِمَامُ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَتْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ أَدَاءً لَجَازَ لِأَنَّهُ يَكُونُ اقْتِدَاءَ الْمُفْتَرِضِ
стр. 455
عَلَى كُلِّ (السُّورَةِ) وَكَذَا تَرْكُ تَكْرِيرِهَا قَبْلَ سُورَةِ الْأَوَّلِيَّيْنِ (وَرِعَايَةُ التَّرْتِيبِ)
ــ
[رد المحتار]
بِالْمُفْتَرِضِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ عُلِمَ أَنَّهَا قَضَاءٌ وَأَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ خَلَتَا عَنْ الْقِرَاءَةِ وَبِوُجُوبِ الْقِرَاءَةِ عَلَى مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. اهـ.
أَقُولُ: لِي هَاهُنَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي تَعْيِينِ مَحَلِّهَا وَحَاصِلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ تَعْيِينَهَا فِي الْأُولَيَيْنِ فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَقَدْ عَلِمْت تَصْحِيحَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ فَرْضٌ قَطْعِيٌّ أَوْ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ وَهُوَ مَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ. وَعَلَى كُلٍّ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَسَادُ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ أَخَّرَ الرُّكُوعَ عَنْ السُّجُودِ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ عِنْدَنَا فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُتُونُ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ فَقَطْ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَاحِدٌ، فَقَوْلُهُمْ مَحَلُّهَا الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ عَيْنًا مَعْنَاهُ أَنَّ التَّعْيِينَ فِيهِمَا وَاجِبٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ الثَّانِي، فَيَكُونُ تَأْخِيرُ الْقِرَاءَةِ إلَى الْأُخْرَيَيْنِ قَضَاءً مِثْلَ تَأْخِيرِ السَّجْدَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، وَيُقَابَلُ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِأَنَّ تَعْيِينَ الْأُولَيَيْنِ أَفْضَلُ، وَعَلَيْهِ فَالْقِرَاءَةُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ أَدَاءٌ لَا قَضَاءٌ، وَهُمَا الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ عَنْ الْبَدَائِعِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُنْيَةِ ذَكَرَ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ تَعْيِينَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَهَذَا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ مَحَلَّهَا الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ عَيْنًا، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي وَأَمَّا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ مَحَلَّهَا رَكْعَتَانِ مِنْهَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا فَظَاهِرُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ أَفْضَلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ ثَمَرَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ إذَا تَرَكَهَا فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ فِي إحْدَاهُمَا سَهْوًا لِتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ سَهْوًا عَنْ مَحَلِّهِ، وَعَلَى السُّنَّةِ لَا يَجِبُ اهـ مُلَخَّصًا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَقْوَالَ اثْنَانِ لَا ثَلَاثَةٌ، وَفِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ الْأُولَيَانِ عَيْنًا هُوَ الْوُجُوبُ لَا الِافْتِرَاضُ، وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ لَمْ يُصِبْ فِي بَيَانِ الْأَقْوَالِ وَلَا فِي التَّفْرِيعِ عَلَيْهَا كَمَا لَمْ يُصِبْ مَنْ نَقَلَ عِبَارَتَهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَاتَّضَحَ الْحَالُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قِيلَ إنَّ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ رَكْعَتَانِ مِنْ الْفَرْضِ غَيْرُ عَيْنٍ، وَكَوْنُهُمَا فِي الْأُولَيَيْنِ أَفْضَلُ، وَقِيلَ إنَّ مَحَلَّهَا الْأُولَيَانِ مِنْهُ عَيْنًا فَيَجِبُ كَوْنُهَا فِيهِمَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُتُونُ وَهُوَ الْمُصَحَّحُ، وَعَلِمْت تَأْيِيدَهُ بِمَا مَرَّ فِي عِبَارَةِ الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُسَافِرِ وَالْمَسْبُوقِ. وَقَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا فَلَا جَرَمَ قَالَ الشَّارِحُ عَلَى الْمَذْهَبِ فَافْهَمْ. الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّوْفِيقِ، وَالْهِدَايَةِ إلَى أَقْوَمِ طَرِيقٍ.
(قَوْلُهُ عَلَى كُلِّ السُّورَةِ) حَتَّى قَالُوا لَوْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ السُّورَةِ سَاهِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ السُّورَةَ، وَيَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ بَحْرٌ، وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْحَرْفِ حَقِيقَتُهُ أَوْ الْكَلِمَةُ، يُرَاجَعُ ثُمَّ رَأَيْت فِي سَهْوِ الْبَحْرِ قَالَ بَعْدَ مَا مَرَّ: وَقَيَّدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ مَا يَتَأَدَّى بِهِ رُكْنٌ. اهـ.
أَيْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ تَأْخِيرُ الِابْتِدَاءِ بِالْفَاتِحَةِ وَالتَّأْخِيرِ الْيَسِيرِ، وَهُوَ مَا دُونَ رُكْنٍ مَعْفُوٍّ عَنْهُ تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الْحِلْيَةِ أَيَّدَ مَا بَحَثَهُ شَيْخُهُ فِي الْفَتْحِ مِنْ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى الْمُوجِبَةِ لِلسَّهْوِ بِسَبَبِ تَأْخِيرِ الْقِيَامِ عَنْ مَحَلِّهِ، وَأَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ قَدَّرَهَا بِمِقْدَارِ أَدَاءِ رُكْنٍ (قَوْلُهُ وَكَذَا تَرْكُ تَكْرِيرِهَا إلَخْ) فَلَوْ قَرَأَهَا فِي رَكْعَةٍ مِنْ الْأُولَيَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَجَبَ سُجُودُ السَّهْوِ لِتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ وَهُوَ السُّورَةُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا لَوْ قَرَأَ أَكْثَرَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، أَمَّا لَوْ قَرَأَهَا قَبْلَ السُّورَةِ مَرَّةً وَبَعْدَهَا مَرَّةً فَلَا يَجِبُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَصَحَّحَهُ الزَّاهِدِيُّ لِعَدَمِ لُزُومِ التَّأْخِيرِ لِأَنَّ الرُّكُوعَ لَيْسَ وَاجِبًا بِإِثْرِ السُّورَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ سُوَرٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
стр. 456
بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ و (فِيمَا يَتَكَرَّرُ) أَمَّا فِيمَا لَا يَتَكَرَّرُ فَفَرْضٌ كَمَا مَرَّ
ــ
[رد المحتار]
هُنَا وَفِي سُجُودِ السَّهْوِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَقُيِّدَ بِالْأُولَيَيْنِ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَرَّةٍ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَكْرَارِ الْفَاتِحَةِ فِيهِمَا سَهْوًا، وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لَا يُكْرَهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى التَّطْوِيلِ عَلَى الْجَمَاعَةِ أَوْ إطَالَةِ الرَّكْعَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا. اهـ (قَوْلُهُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ) يَعْنِي فِي الْفَرْضِ الْغَيْرِ الثُّنَائِيِّ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ وَاجِبًا أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ صَحَّ رُكُوعُ هَذِهِ الرَّكْعَةِ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الرُّكُوعِ أَنْ يَكُونَ مُتَرَتِّبًا عَلَى قِرَاءَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَثَلًا فَإِنَّهُ فَرْضٌ، حَتَّى لَوْ سَجَدَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَمْ يَصِحَّ سُجُودُ هَذِهِ الرَّكْعَةِ، لِأَنَّ أَصْلَ السُّجُودِ يُشْتَرَطُ تَرَتُّبُهُ عَلَى الرُّكُوعِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَتَرَتُّبِ الرُّكُوعِ عَلَى الْقِيَامِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَمْ تُفْرَضْ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ الْفَرْضِ، بَلْ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهُ بِلَا تَعْيِينٍ، أَمْ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَإِنَّهَا مُعَيَّنَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ نَعَمْ الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ وَمَحَلُّهَا الْقِيَامُ مِنْ حَيْثُ هُوَ، فَإِذَا ضَاقَ وَقْتُهَا بِأَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ صَارَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرُّكُوعِ فَرْضًا لِعَدَمِ إمْكَانِ تَدَارُكِهِ، وَلَكِنَّ فَرْضِيَّةَ هَذَا التَّرْتِيبِ عَارِضَةٌ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ، فَلِذَا لَمْ يَنْظُرُوا إلَيْهِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَهَا وَاجِبٌ لِأَنَّ إيقَاعَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ وَاجِبٌ، هَذَا تَوْضِيحُ مَا حَقَّقَهُ فِي الدُّرَرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّرْتِيبَ الْمَذْكُورَ وَاجِبٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَثَمَرَتُهُ فِيمَا لَوْ أَخَّرَ الْقِرَاءَةَ إلَى الْأُخْرَيَيْنِ وَرَكَعَ فِي كُلٍّ مِنْ الْأُولَيَيْنِ بِلَا قِرَاءَةٍ أَصْلًا، أَمَّا لَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ صَارَ التَّرْتِيبُ فَرْضًا حَتَّى لَوْ تَذَكَّرَ السُّورَةَ رَاكِعًا فَعَادَ وَقَرَأَهَا لَزِمَ إعَادَةُ الرُّكُوعِ لِأَنَّ السُّورَةَ الْتَحَقَتْ بِمَا قَبْلَهَا وَصَارَتْ الْقِرَاءَةُ كُلُّهَا فَرْضًا فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُ الرُّكُوعِ عَنْهَا، وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ قَبْلَ وُجُودِ الْقِرَاءَةِ فَرْضٌ بَعْدَهَا نَظِيرُهُ قِرَاءَةُ السُّورَةِ فَإِنَّهَا قَبْلَ قِرَاءَتِهَا تُسَمَّى وَاجِبًا وَبَعْدَهَا تُسَمَّى فَرْضًا، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْأَصْلُ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ الْوُجُوبَ، وَفَرْضِيَّتُهُ عَارِضَةٌ كَعُرُوضِهَا فِيمَا لَوْ أَخَّرَ الْقِرَاءَةَ إلَى الْأُخْرَيَيْنِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ يُغْنِي عَنْهُ وُجُوبُ تَعْيِينِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ هَذَا التَّعْيِينُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَذَا التَّرْتِيبِ جَعَلُوهُ وَاجِبًا آخَرَ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ أَمَّا فِيمَا لَا يَتَكَرَّرُ) أَيْ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ أَوْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَفَرْضٌ، وَذَلِكَ كَتَرْتِيبِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ الْأَخِيرِ كَمَا عَلِمْته آنِفًا، وَمَرَّ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ وَبَقِيَ مِنْ الْفُرُوضِ، وَبَيَّنَّاهُ هُنَاكَ.
وَلَا يَرُدُّ عَلَى إطْلَاقِهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مِمَّا لَا يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَعَ أَنَّ تَرْتِيبَهَا عَلَى الرُّكُوعِ غَيْرُ فَرْضٍ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِمَا لَا يَتَكَرَّرُ مَا عَدَاهَا بِقَرِينَةِ تَصْرِيحِهِ قُبَيْلَهُ بِوُجُوبِ تَرْتِيبِهَا فَلَا مُنَاقَضَةَ فِي كَلَامِهِ فَافْهَمْ.
فَإِنْ قُلْت: ذَكَرَ فِي الْكَافِي النَّسَفِيُّ مِنْ بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ أَنَّهُ يَجِبُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا تَقْدِيمُ رُكْنٍ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، فَإِذَا تَرَكَ التَّرْتِيبَ فَقَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ. اهـ. وَوَقَعَ نَظِيرُهُ فِي الذَّخِيرَةِ مَعَ أَنَّهُ فِي الْكَافِي ذَكَرَ هُنَا أَنَّ تَرْتِيبَ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ فَرْضٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُوجَدُ إلَّا بِذَلِكَ. اهـ.
قُلْت: أَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ هُنَا إنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ، مَعْنَاهُ أَنَّ الرُّكْنَ الَّذِي قَدَّمَهُ يَلْغُو وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ مُرَتَّبًا، حَتَّى إذَا سَجَدَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَا يُعْتَدُّ بِهَذَا السُّجُودِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ فَيُشْتَرَطُ إعَادَتُهُ، وَقَوْلُهُمْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ إنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ، مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ إعَادَةِ مَا قَدَّمَهُ لَا تَفْسُدُ بِتَرْكِ التَّرْتِيبِ صُورَةً الْحَاصِلِ بِزِيَادَةِ مَا قَدَّمَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ افْتِرَاضَ التَّرْتِيبِ بِمَعْنَى افْتِرَاضِ إعَادَةِ مَا قَدَّمَهُ وَوُجُوبِهِ بِمَعْنَى إيجَابِ عَدَمِ الزِّيَادَةِ لِأَنَّ زِيَادَةَ مَا دُونَ رَكْعَةٍ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ فَكَانَ وَاجِبًا لَا فَرْضًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ خَفِيَ هَذَا عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ
стр. 457
(فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالسَّجْدَةِ) أَوْ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ كَعَدَدِ رَكَعَاتِهَا،
ــ
[رد المحتار]
التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ مُطْلَقًا إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَالْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ، وَهُوَ عَجِيبٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ كَلَامِ النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ كَالسَّجْدَةِ) الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ فِي الرَّكْعَةِ سِوَاهَا وَمِثْلُهُ الْكَافُ فِي قَوْلِهِ كَعَدَدٍ ح، وَالْمُرَادُ بِهَا السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ، فَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا بَعْدَهَا وَاجِبٌ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا فِيمَا بَعْدَهَا مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا وَلَا يَقْضِي مَا فَعَلَهُ قَبْلَ قَضَائِهَا مِمَّا هُوَ بَعْدَ رَكْعَتِهَا مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ، بَلْ يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ فَقَطْ، لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي لُزُومِ قَضَاءِ مَا تَذَكَّرَهَا فَقَضَاهَا فِيهِ، كَمَا لَوْ تَذَكَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّهُ يَسْجُدُهَا، وَهَلْ يُعِيدُ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ الْمُتَذَكَّرَ فِيهِ، فَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ إعَادَتُهُ بَلْ تُسْتَحَبُّ مُعَلَّلًا بِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِفَرْضٍ بَيْنَ مَا يَتَكَرَّرُ مِنْ الْأَفْعَالِ وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ يُعِيدُهُ وَإِلَّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ ارْتَفَضَ بِالْعَوْدِ إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ لِأَنَّهُ قَبْلَ الرَّفْعِ مِنْهُ يَقْبَلُ الرَّفْضَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَذَكَّرَ السَّجْدَةَ بَعْدَ مَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا تَمَّ بِالرَّفْعِ لَا يَقْبَلُ الرَّفْضَ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَعُلِمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْإِعَادَةِ لَيْسَ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ وَعَدَمِهِ، بَلْ عَلَى أَنَّ الرُّكْنَ الْمُتَذَكَّرَ فِيهِ هَلْ يَرْتَفِضُ بِالْعَوْدِ إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ أَوْ لَا اهـ تَأَمَّلْ وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْهِدَايَةِ، فَقَدْ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ فِي آخِرِ بَابِ الِاسْتِخْلَافِ وَصَرَّحَ فِي الْبَحْرِ بِضَعْفِ مَا فِي الْخَانِيَّةِ. هَذَا، وَالتَّقْيِيدُ بِالتَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا بَعْدَهَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا قَبْلَهَا مِنْ رَكْعَتِهَا، فَإِنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَرْطٌ كَمَا مَرَّ؛ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ أَوْ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ كَعَدَدِ رَكَعَاتِهَا) أَيْ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ وَاجِبٌ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَإِنَّ مَا يَقْضِيهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ عِنْدَنَا، وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ فَرْضًا لَكَانَ آخِرًا. اهـ.
وَرَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ، إذْ لَا شَيْءَ عَلَى الْمَسْبُوقِ وَلَا نَقْصَ فِي صَلَاتِهِ أَصْلًا، فَلِذَا اقْتَصَرَ فِي الْكَافِي عَلَى الْمُتَكَرِّرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ اهـ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ مُرَادَ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ التَّرْتِيبَ الْمَذْكُورَ وَاجِبٌ عَلَى الْمَسْبُوقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِهِ بِدَلِيلِ مَسْأَلَةِ الْمَسْبُوقِ:
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى فِي ثَالِثَةِ الرَّبَاعِيَةِ مَثَلًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَوَّلَ صَلَاةِ إمَامِهِ الَّذِي فَاتَهُ، وَلَوْ فَعَلَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِانْفِرَادِهِ فِي مَوْضِعِ الِاقْتِدَاءِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ فِيمَا أَدْرَكَهُ، ثُمَّ إذَا سَلَّمَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ وَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ إلَّا مِنْ حَيْثُ الْقَعَدَاتُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْمَسْبُوقِ عَكْسُ التَّرْتِيبِ، وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ فَرْضًا لَكَانَ مَا يَقْضِيهِ آخِرَ صَلَاتِهِ حَقِيقَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَقْرَأُ السُّورَةَ وَلَا يَجْهَرُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ مُرَادَ الزَّيْلَعِيِّ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ عَلَى غَيْرِ الْمَسْبُوقِ مَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ أَوْ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ كَالرَّكَعَاتِ إلَّا لِضَرُورَةِ الِاقْتِدَاءِ حَيْثُ يَسْقُطُ بِهِ التَّرْتِيبُ فَإِنَّ الْمَسْبُوقَ يُصَلِّي آخِرَ الرَّكَعَاتِ قَبْلَ أَوَّلِهَا اهـ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ كَلَامَ الْفَتْحِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ فَقَدْ وَهَمَ، نَعَمْ كَلَامُ الْفَتْحِ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ فَافْهَمْ.
فَإِنْ قُلْت: وُجُوبُ الشَّيْءِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا أَمْكَنَ ضِدُّهُ وَعَدَمُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ كُلُّ رَكْعَةٍ أَتَى بِهَا أَوَّلًا فَهِيَ الْأَوَّلُ وَثَانِيًا فَهِيَ الثَّانِيَةُ وَهَكَذَا.
стр. 458
حَتَّى لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى قَضَاهَا وَلَوْ بَعْدَ السَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ لَكِنَّهُ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْعَوْدِ إلَى الصُّلْبِيَّةِ وَالتِّلَاوِيَّةِ،
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: يُمْكِنُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ الَّتِي تَبْتَنِي عَلَيْهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ إذَا وُجِدَ مَعَهَا مَا يَقْتَضِيهَا، فَإِذَا صَلَّى مِنْ الْفَرْضِ الرُّبَاعِيِّ رَكْعَتَيْنِ وَقَصَدَ أَنْ يَجْعَلَهُمَا الْأَخِيرَتَيْنِ فَهُوَ لَغْوٌ إلَّا إذَا حُقِّقَ قَصْدُهُ، بِأَنْ تَرَكَ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ وَقَرَأَ فِيمَا بَعْدَهُمَا، فَحِينَئِذٍ يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَهِيَ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَالْإِثْمُ لِوُجُودِ مَا يَقْتَضِي تِلْكَ الْأَحْكَامَ وَلِهَذَا اعْتَبَرَ الشَّارِعُ صَلَاةَ الْمَسْبُوقِ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ مِنْ حَيْثُ الْأَقْوَالُ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ عَكْسَ التَّرْتِيبِ مَعَ أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ أَتَى بِهَا أَوَّلًا فَهِيَ الْأُولَى صُورَةً لَكِنَّهَا فِي الْحَكَمِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَكَمَا أَوْجَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ عَكْسَ التَّرْتِيبِ بِأَنْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا يَبْتَنِي عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَةٍ وَجَهْرٍ كَذَلِكَ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالتَّرْتِيبِ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا يَقْتَضِيهِ، بِأَنْ يَقْرَأَ أَوَّلًا وَيُجْهِرُ وَيُسِرُّ، وَإِذَا خَالَفَ يَكُونُ قَدْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ حُكْمًا، وَلِهَذَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ كَالْكَنْزِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ وَرِعَايَةُ التَّرْتِيبِ: أَيْ مُلَاحَظَتُهُ بِاعْتِبَارِ الْإِتْيَانِ بِمَا يَجِبُ أَوَّلًا فِي الْأَوَّلِ أَوْ آخِرًا فِي الْآخِرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إمَّا مُنْفَرِدٌ أَوْ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ، فَالْأَوَّلَانِ يَظْهَرُ فِيهِمَا ثَمَرَةُ التَّرْتِيبِ بِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ سَلَّمْنَا عَدَمَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فِيهِمَا تَظْهَرُ فِي الْمَأْمُومِ، فَإِنَّهُ إمَّا مُدْرِكٌ أَوْ مَسْبُوقٌ فَقَطْ أَوْ لَاحِقٌ فَقَطْ أَوْ مُرَكَّبٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَحَلِّهِ.
أَمَّا الْمُدْرِكُ فَهُوَ تَابِعٌ لِإِمَامِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ. وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ اللَّازِمَ عَلَيْهِ عَكْسُ التَّرْتِيبِ. وَأَمَّا اللَّاحِقُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ بِعَكْسِ الْمَسْبُوقِ: وَعِنْدَ زَفَرَ التَّرْتِيبُ فَرْضٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَدْرَكَ بَعْضَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَنَامَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَوَّلًا مَا نَامَ فِيهِ بِلَا قِرَاءَةٍ ثُمَّ يُتَابِعُ الْإِمَامَ، فَلَوْ تَابَعَهُ أَوَّلًا ثُمَّ صَلَّى مَا نَامَ فِيهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ جَازَ عِنْدَنَا وَأَثِمَ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ. وَعِنْدَ زَفَرَ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ: قَالَ فِي السِّرَاجِ مِنْ الْفَتَاوَى: الْمَسْبُوقُ إذَا بَدَأَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَإِنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاللَّاحِقُ إذَا تَابَعَ الْإِمَامَ قَبْلَ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ لَا تَفْسُدُ خِلَافًا لِزُفَرَ. اهـ.
وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ كَمَا لَوْ اقْتَدَى فِي ثَانِيَةِ الْفَجْرِ فَنَامَ إلَى أَنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ، فَهَذَا لَاحِقٌ وَمَسْبُوقٌ وَلَمْ يُصَلِّ شَيْئًا فَيُصَلِّي أَوَّلًا الرَّكْعَةَ الَّتِي نَامَ فِيهَا بِلَا قِرَاءَةٍ ثُمَّ الَّتِي سُبِقَ بِهَا بِقِرَاءَةٍ، وَإِنْ عَكَسَ صَحَّ وَأَثِمَ لِتَرْكِهِ التَّرْتِيبَ الْوَاجِبَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا لِأَدَائِهَا مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ أَوْ سَاهِيًا لِعَدَمِ إمْكَانِ الْجَبْرِ بِسُجُودِ السَّهْوِ لِأَنَّ خِتَامِ صَلَاتِهِ وَقَعَ بِمَا لَحِقَ فِيهِ، وَاللَّاحِقُ مَمْنُوعٌ عَنْ سُجُودِ السَّهْوِ لِأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ حُكْمًا فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ اللَّاحِقَ بِنَوْعَيْهِ قَدْ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ التَّرْتِيبَ كَمَا أَلْزَمُوا الْمَسْبُوقَ بِعَكْسِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مِنْ حَيْثُ الِاعْتِبَارُ وَالْحُكْمُ لَا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ نَسِيَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالسَّجْدَةِ (قَوْلُهُ مِنْ الْأُولَى) لَيْسَ بِقَيْدٍ، وَخَصَّهَا لِبُعْدِهَا مِنْ الْآخَرِ ط (قَوْلُهُ قَبْلِ الْكَلَامِ) الْمُرَادُ قَبْلَ إتْيَانِهِ بِمُفْسِدٍ ط (قَوْلُهُ لَكِنَّهُ يَتَشَهَّدُ) أَيْ يَقْرَأُ التَّشَهُّدَ إلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ فَقَطْ وَيُتِمُّهُ بِالصَّلَوَاتِ وَالدَّعَوَاتِ فِي تَشَهُّدِ السَّهْوِ عَلَى الْأَصَحِّ ط (قَوْلُهُ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) أَيْ وُجُوبًا، وَسَكَتَ عَنْ الْقَعْدَةِ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ يَسْتَلْزِمُهَا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ إلَّا فِيهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ يَعْنِي مَعَ الْقَعْدَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلُهُ أَمَّا السَّهْوِيَّةُ فَتَرْفَعُ التَّشَهُّدَ لَا الْقَعْدَةَ ح. أَمَّا بُطْلَانُ الْقَعْدَةِ بِالْعَوْدِ إلَى الصُّلْبِيَّةِ: أَيْ السَّجْدَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ أَيْ جَزْءٌ مِنْهَا، فَلِاشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْقَعْدَةِ وَمَا قَبْلَهَا لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ أَخِيرَةً إلَّا بِإِتْمَامِ سَائِرِ الْأَرْكَانِ وَأَمَّا بُطْلَانُهَا بِالْعَوْدِ إلَى التِّلَاوِيَّةِ فَقَالَ ط لِأَنَّ التِّلَاوِيَّةَ لَمَّا وَقَعَتْ فِي الصَّلَاةِ أُعْطِيت حُكْمَ الصُّلْبِيَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَهَا
стр. 459
أَمَّا السَّهْوِيَّةُ فَتَرْفَعُ التَّشَهُّدَ لَا الْقَاعِدَةَ، حَتَّى لَوْ سَلَّمَ بِمُجَرَّدِ رَفْعِهِ مِنْهَا لَمْ تَفْسُدْ، بِخِلَافِ تِلْكَ السَّجْدَتَيْنِ.
(وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ) أَيْ تَسْكِينُ الْجَوَارِحِ قَدْرَ تَسْبِيحَةٍ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَكَذَا فِي الرَّفْعِ مِنْهُمَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْكَمَالُ،
ــ
[رد المحتار]
أَصْلًا. وَقَالَ الرَّحْمَتِيُّ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْقِرَاءَةِ الَّتِي هِيَ رُكْنٌ فَأَخَذَتْ حُكْمَ الْقِرَاءَةِ فَلَزِمَ تَأْخِيرُ الْقَعْدَةِ عَنْهَا (قَوْلُهُ أَمَّا السَّهْوِيَّةُ) أَيْ السَّجْدَةُ السَّهْوِيَّةُ، وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ لِأَنَّهَا سَجْدَتَانِ ط (قَوْلُهُ فَتَرْفَعُ التَّشَهُّدَ) أَيْ تُبْطِلُهُ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مِثْلُهَا فَتَجِبُ إعَادَتُهُ، وَإِنَّمَا لَا تَرْفَعُ الْقَعْدَةَ لِأَنَّهَا رُكْنٌ فَهِيَ أَقْوَى مِنْهَا (قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِ رَفْعِهِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ السَّهْوِيَّةِ بِلَا قُعُودٍ وَلَا تَشَهُّدٍ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ الرُّكْنَ لَمْ تَرْتَفِعْ فَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْوَاجِبِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ تِلْكَ السَّجْدَتَيْنِ) أَيْ الصُّلْبِيَّةِ وَالتِّلَاوِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ سَلَّمَ بِمُجَرَّدِ رَفْعِهِ مِنْهُمَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِرَفْعِهِمَا الْقَعْدَةَ.
مَطْلَبٌ قَدْ يُشَارُ إلَى الْمُثَنَّى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ الْمَوْضُوعِ لِلْمُفْرَدِ [تَنْبِيهٌ] قَدْ يُشَارُ إلَى الْمُثَنَّى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ الْمَوْضُوعِ لِلْمُفْرَدِ كَمَا هُنَا وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى - ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]- أَيْ بَيْنَ الْفَارِضِ وَالْبِكْرِ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
إنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ... وَكِلَا ذَلِكَ وَجْهٌ وَقُبُلْ
فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ) هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا فِي تَخْرِيجِ الْجُرْجَانِيِّ، وَفِي تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ، وَاجِبٌ حَتَّى تَجِبَ سَجْدَتَا السَّهْوِ بِتَرْكِهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَجَزَمَ بِالثَّانِي فِي الْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ وَالْمُلْتَقَى، وَهُوَ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ كَمَا يَأْتِي قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَبِهَذَا يُضَعَّفُ قَوْلُ الْجُرْجَانِيِّ (قَوْلُهُ وَكَذَا فِي الرَّفْعِ مِنْهُمَا) أَيْ يَجِبُ التَّعْدِيلُ أَيْضًا فِي الْقَوْمَةِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَتَضَمَّنَ كَلَامُهُ وُجُوبَ نَفْسِ الْقَوْمَةِ وَالْجَلْسَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ التَّعْدِيلِ فِيهِمَا وُجُوبُهُمَا (قَوْلُهُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْكَمَالُ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ أَيْ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفِي الْقَوْمَةِ وَالْجَلْسَةِ، وَوُجُوبُ نَفْسِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِلْأَمْرِ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَلِمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ مِنْ لُزُومِ سُجُودِ السَّهْوِ بِتَرْكِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ سَاهِيًا وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمَا وَاحِدٌ، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْكُلِّ هُوَ مُخْتَارُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ، حَتَّى قَالَ إنَّهُ الصَّوَابُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. اهـ. مَطْلَبٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ عَنْ الدِّرَايَةِ إذَا وَافَقَتْهَا رِوَايَةٌ
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْدِل عَنْ الدِّرَايَةِ أَيْ الدَّلِيلِ إذَا وَافَقَتْهَا رِوَايَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَمِثْلُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْقُنْيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَدْ شَدَّدَ الْقَاضِي الصَّدْرُ فِي شَرْحِهِ فِي تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ جَمِيعِهَا تَشْدِيدًا بَلِيغًا فَقَالَ: وَإِكْمَالُ كُلِّ رُكْنٍ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ فَرِيضَةٌ، فَيَمْكُثُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفِي الْقَوْمَةِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَطْمَئِنَّ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ، هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا سَاهِيًا يَلْزَمُهُ السَّهْوُ وَلَوْ عَمْدًا يُكْرَهُ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ وَتَكُونَ مُعْتَبَرَةً فِي حَقِّ سُقُوطِ التَّرْتِيبِ وَنَحْوِهِ كَمَنْ طَافَ جُنُبًا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَوَّلُ كَذَا هَذَا. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصَحَّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً وُجُوبُ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ، وَأَمَّا الْقَوْمَةُ وَالْجَلْسَةُ وَتَعْدِيلُهُمَا فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ السُّنِّيَّةُ، وَرُوِيَ وُجُوبُهَا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَدِلَّةِ، وَعَلَيْهِ الْكَمَالُ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَدْ عَلِمْت قَوْلَ تِلْمِيذِهِ إنَّهُ الصَّوَابُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِفَرْضِيَّةِ الْكُلِّ وَاخْتَارَهُ فِي الْمَجْمَعِ وَالْعَيْنِيِّ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ
стр. 460
لَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ مُكَمِّلَ الْفَرْضِ وَاجِبٌ وَمُكَمِّلُ الْوَاجِبِ سُنَّةٌ، وَعِنْدَ الثَّانِي الْأَرْبَعَةُ فَرْضٌ (وَالْقُعُودُ الْأَوَّلُ) وَلَوْ فِي نَفْلٍ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا تَرْكُ الزِّيَادَةِ فِيهِ عَلَى التَّشَهُّدِ، وَأَرَادَ بِالْأَوَّلِ غَيْرَ الْأَخِيرِ.
ــ
[رد المحتار]
أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ فِي الْفَيْضِ إنَّهُ الْأَحْوَطُ اهـ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَلِلْعَلَّامَةِ الْبِرْكِلِيِّ رِسَالَةٌ سَمَّاهَا مَعْدِلَ الصَّلَاةِ أَوْضَحَ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا غَايَةَ الْإِيضَاحِ، وَبَسَطَ فِيهَا أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ، وَذَكَرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ مِنْ الْآفَاتِ وَأَوْصَلَهَا إلَى ثَلَاثِينَ آفَةً وَمِنْ الْمَكْرُوهَاتِ الْحَاصِلَةِ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَوْصَلَهَا إلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ مَكْرُوهًا، فَيَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهَا وَمُطَالَعَتُهَا (قَوْلُهُ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَكَذَا فِي الرَّفْعِ مِنْهُمَا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ وُجُوبَ تَعْدِيلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ظَاهِرٌ مُوَافِقٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ مُكَمِّلٌ لَهُمَا، أَمَّا وُجُوبُ تَعْدِيلِ الْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ الْقَوْمَةَ وَالْجِلْسَةَ إذَا كَانَتَا وَاجِبَتَيْنِ عَلَى مَا أَخْتَارهُ الْكَمَالُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّعْدِيلُ فِيهِمَا سُنَّةً لِأَنَّ مُكَمِّلَ الْوَاجِبِ يَكُونُ سُنَّةً، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَا تُوَافِقُ مُخْتَارَ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ الْوُجُوبُ فِي الْكُلِّ، وَلَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ لِأَنَّهُ الْفَرْضُ فِي الْكُلِّ، وَلَا مَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا السُّنِّيَّةُ فِي الْكُلِّ عَلَى تَخْرِيجِ الْجُرْجَانِيِّ أَوْ الْوُجُوبُ فِي تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ، وَالسُّنِّيَّةُ فِي الْبَاقِي عَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّهُ فَصَلَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهِ بَيْنَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَبَيْنَ الْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ، بِأَنَّ الْأُولَى مُكَمِّلَةٌ لِلرُّكْنِ الْمَقْصُودِ لِذَاتِهِ وَهُوَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالْأَخِيرَتَيْنِ مُكَمِّلَتَانِ لِلرُّكْنِ الْمَقْصُودُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الِانْتِقَالُ فَكَانَا سُنَّتَيْنِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْمُكَمِّلَيْنِ اهـ فَافْهَمْ. وَأَجَابَ ح بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ مُخَالَفَةُ الْقَاعِدَةِ حَيْثُ اقْتَضَاهَا الدَّلِيلُ.
أَقُولُ: عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْقَاعِدَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ الدُّرَرِ. وَاعْتَرَضَهُ فِي الْعَزْمِيَّةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَجْهُ صِحَّةٍ، قَالَ: وَلَعَلَّ مَنْشَأَهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ إكْمَالٌ لِلْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ إكْمَالٌ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْآدَابِ إكْمَالٌ لِلسُّنَنِ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ ذَلِكَ فَلْيُتَدَبَّرْ اهـ أَيْ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَاجِبَ شُرِعَ لِإِكْمَالٍ الْفَرَائِضِ إلَخْ لَا أَنَّ كُلَّ مَا يُكَمِّلُ الْفَرْضَ يَكُونُ وَاجِبًا وَهَكَذَا (قَوْلُهُ وَعِنْدَ الثَّانِي الْأَرْبَعَةُ فَرْضٌ) أَيْ عَمَلِيٌّ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي آخِرِ بَحْثِ الْفَرَائِضِ (قَوْلُهُ وَلَوْ فِي نَفْلٍ) لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةً عَلَى حِدَةٍ حَتَّى افْتَرَضَتْ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِهِ، لَكِنَّ الْقَعْدَةَ إنَّمَا فُرِضَتْ لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا قَبْلَهَا لَمْ يَكُنْ أَوَانَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَمْ تَبْقَ الْقَعْدَةُ فَرِيضَةً؛ وَتَمَامُهُ فِي ح عَنْ وِتْرٍ الْبَحْرُ.
(قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي افْتِرَاضِهِ عَنْ قَعْدَةِ كُلِّ شَفْعٍ نَفْلٍ وَلِلطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ فِي قَوْلِهِمَا إنَّهَا فِي غَيْرِ النَّفْلِ سُنَّةٌ، لَكِنْ فِي النَّهْرِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمَ السُّنَّةِ إمَّا لِأَنَّ وُجُوبَهُ عُرِفَ بِهَا أَوْ لِأَنَّ الْمُؤَكَّدَةَ فِي مَعْنَى الْوَاجِبِ، وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ وَكَذَا تَرْكُ الزِّيَادَةِ فِيهِ عَلَى التَّشَهُّدِ) ضَمِيرُ فِيهِ لَا يَصِحُّ إرْجَاعُهُ لِلتَّشَهُّدِ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ وَإِنْ كَانَ تَرْكُ الزِّيَادَةِ فِيهِ أَيْ فِي أَثْنَاءِ كَلِمَاتِهِ وَاجِبًا أَيْضًا كَتَرْكِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَيْ بَعْدَ تَمَامِهِ كَمَا سَيَأْتِي فَيَتَعَيَّنُ مَا قَالَهُ ح مِنْ إرْجَاعِهِ لِلْقُعُودِ الْأَوَّلِ: أَيْ فِي الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ لِأَنَّهَا فِي النَّفْلِ مَطْلُوبَةٌ، وَأَقَلُّ الزِّيَادَةِ الْمُفَوِّتَةِ لِلْوَاجِبِ مِقْدَارُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ فَقَطْ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الْآتِي.
(قَوْلُهُ وَأَرَادَ بِالْأَوَّلِ غَيْرَ الْأَخِيرِ) لِيَشْمَلَ مَا إذَا صَلَّى أَلْفَ رَكْعَةٍ مِنْ النَّفْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّ مَا عَدَا الْقُعُودَ الْأَخِيرَ وَاجِبٌ، وَمَفْهُومُهُ فَرِيضَةُ كُلِّ قُعُودٍ أَخِيرٍ فِي أَيِّ صَلَاةٍ كَانَتْ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْقُعُودُ الَّذِي بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ، لِمَا سَيَأْتِي
следующие страницы →