Полный текст (4 257 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وَفِي الْجَوْهَرَةِ: وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ التَّنَفُّلُ فِي مَكَانِهِ لَا لِلْمُؤْتَمِّ، وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ كَسْرُ الصُّفُوفِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ التَّحَوُّلُ لِيَمِينِ الْقِبْلَةِ يَعْنِي يَسَارَ الْمُصَلِّي لِتَنَفُّلٍ أَوْ وِرْدٍ. وَخَيَّرَهُ فِي الْمُنْيَةِ بَيْنَ تَحْوِيلِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَأَمَامًا وَخَلْفًا وَذَهَابِهِ لِبَيْتِهِ، وَاسْتِقْبَالِهِ النَّاسَ بِوَجْهِهِ وَلَوْ دُونَ عَشَرَةٍ،
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ زَادَ عَلَى الْعَدَدِ الْوَارِدِ فِي التَّسْبِيحِ عَقِبَ الصَّلَاةِ [تَنْبِيهٌ]
لَوْ زَادَ عَلَى الْعَدَدِ، قِيلَ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ، وَأُيِّدَ بِأَنَّهُ كَدَوَاءِ زَيْدٍ عَلَى قَانُونِهِ أَوْ مِفْتَاحُ زَيْدِ عَلَى أَسْنَانِهِ، وَقِيلَ لَا بَلْ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ الْمَخْصُوصُ مَعَ الزِّيَادَةِ، بَلْ قِيلَ لَا يَحِلُّ اعْتِقَادُ الْكَرَاهَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]- وَالْأَوْجَهُ إنْ زَادَ لِنَحْوِ شَكِّ عُذْرٍ أَوْ لِتَعَبُّدٍ فَلَا لِاسْتِدْرَاكِهِ عَلَى الشَّارِعِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ. اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ تُحْفَةِ ابْنِ حَجَرٍ
(قَوْلُهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ التَّنَفُّلُ فِي مَكَانِهِ) بَلْ يَتَحَوَّلُ مُخَيَّرًا كَمَا يَأْتِي عَنْ الْمُنْيَةِ، وَكَذَا يُكْرَهُ مُكْثُهُ قَاعِدًا فِي مَكَانِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فِي صَلَاةٍ لَا تَطَوُّعَ بَعْدَهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ الْخُلَاصَةِ، وَالْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ لَا لِلْمُؤْتَمِّ) وَمِثْلُهُ الْمُنْفَرِدُ، لِمَا فِي الْمُنْيَةِ وَشَرْحِهَا: أَمَّا الْمُقْتَدِي وَالْمُنْفَرِدُ فَإِنَّهُمَا إنْ لَبِثَا أَوْ قَامَا إلَى التَّطَوُّعِ فِي مَكَانِهِمَا الَّذِي صَلَّيَا فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ جَازَ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَتَطَوَّعَا فِي مَكَان آخَرَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ كَسْرُ الصُّفُوفِ) لِيَزُولَ الِاشْتِبَاهُ عَنْ الدَّاخِلِ الْمُعَايِنِ لِلْكُلِّ فِي الصَّلَاةِ الْبَعِيدِ عَنْ الْإِمَامِ، وَذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَنَصَّ فِي الْمُحِيطِ عَلَى أَنَّهُ السُّنَّةُ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُنْيَةِ: وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَتَطَوَّعَا فِي مَكَان آخَرَ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ. وَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي مَنْزِلِهِ إنْ لَمْ يَخَفْ مَانِعًا (قَوْلُهُ لِتَنَفُّلٍ أَوْ وِرْدٍ) أَقُولُ: عِبَارَتُهُ فِي الْخَزَائِنِ قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِأَجْلِ التَّنَفُّلِ أَوْ الْوَرْدِ. اهـ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ. وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْخَانِيَّةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لِلتَّنَفُّلِ (قَوْلُهُ وَخَيَّرَهُ إلَخْ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلْإِمَامِ، لَكِنَّ التَّخْيِيرَ الَّذِي فِي الْمُنْيَةِ هُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ لَا تَطَوُّعَ بَعْدَهَا، فَإِنْ شَاءَ انْحَرَفَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْ ذَهَبَ إلَى حَوَائِجِهِ وَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا تَطَوُّعٌ وَقَامَ يُصَلِّيهِ يَتَقَدَّمُ أَوْ يَتَأَخَّرُ أَوْ يَنْحَرِفُ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا أَوْ يَذْهَبُ إلَى بَيْتِهِ فَيَتَطَوَّعُ ثَمَّةَ. اهـ.
وَهَذَا التَّخْيِيرُ لَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْ الْخَانِيَّةِ لِأَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَذَاكَ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ، وَلِذَا عَلَّلَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ لِلْيَمِينِ فَضْلًا عَلَى الْيَسَارِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَخُصُّ يَمِينَ الْقِبْلَةِ، بَلْ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي يَمِينِ الْمُصَلِّي، بَلْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ انْحِرَافَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْلَى، وَأَيَّدَهُ بِحَدِيثٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَصُحِّحَ فِي الْبَدَائِعِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِانْحِرَافِ وَهُوَ زَوَالُ الِاشْتِبَاهِ أَيْ اشْتِبَاهِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ يَحْصُلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْحِلْيَةِ أَنَّ الْأَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ تَطَوُّعُهُ فِي مَنْزِلِهِ، لِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» قُلْت: وَإِلَّا التَّرَاوِيحَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ مَعَ زِيَادَاتٍ أُخَرَ، ثُمَّ إذَا شَاءَ الذَّهَابَ انْصَرَفَ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، فَقَدْ صَحَّ الْأَمْرَانِ عَنْهُ ﷺ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْجِهَتَيْنِ فِي الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا، فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِفَضْلِ الْيَمِينِ فِي بَابِ الْمَكَارِمِ وَنَحْوِهَا كَمَا فِي الْحِلْيَةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ دُونَ عَشْرَةٍ) أَيْ أَنَّ الِاسْتِقْبَالَ مُطْلَقٌ لَا تَفْصِيلَ فِيهِ بَيْنَ عَدَدٍ وَعَدَدٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا. وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُقَدِّمَةِ، مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إنْ كَانُوا عَشْرَةً يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ لِتَرَجُّحِ حُرْمَتِهِمْ عَلَى حُرْمَةِ الْقِبْلَةِ، وَإِلَّا فَلَا لِتَرَجُّحِ حُرْمَةِ الْقِبْلَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْفِقْهِ، وَهُوَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لَا تُشْبِهُ أَلْفَاظُهُ أَلْفَاظَ أَهْلِ الْفِقْهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَلَّدَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ. وَاَلَّذِي رَوَاهُ مَوْضِعُ كَذِبٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ حُرْمَةُ الْمُسْلِمِ الْوَاحِدِ أَرْجَحُ مِنْ حُرْمَةِ الْقِبْلَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، بَلْ هُوَ عَنْ يَمِينِهِ.
стр. 527
مَا لَمْ يَكُنْ بِحِذَائِهِ مُصَلٍّ وَلَوْ بَعِيدًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
فَصْلٌ (وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ) وُجُوبًا بِحَسَبِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ أَسَاءَ، وَلَوْ ائْتَمَّ بِهِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْضِهَا سِرًّا أَعَادَهَا جَهْرًا بَحْرٌ، لَكِنْ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ ائْتَمَّ بِهِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ إنْ قَصَدَ الْإِمَامَةَ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ الْجَهْرُ
ــ
[رد المحتار]
فَلَوْ كَانَا اثْنَيْنِ كَانَا خَلْفَهُ فَلْيَلْتَفِتْ إلَيْهِمَا لِلْإِطْلَاقِ الْمَذْكُورِ. اهـ. وَنَازَعَهُ فِي الْإِمْدَادِ بِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَاتِ شَرْحِ الْقُدُورِيِّ عَنْ حَاشِيَةِ الْبَدْرِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَوْ بَعِيدًا عَلَى الْمَذْهَبِ) صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِحِذَائِهِ رَجُلٌ يُصَلِّي؛ ثُمَّ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ وَجْهُهُ مُقَابِلُ وَجْهِ الْإِمَامِ فِي حَالَةِ قِيَامِهِ يُكْرَهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا صُفُوفٌ. وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي الْحِلْيَةِ خِلَافَ هَذَا فَقَالَ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُصَلِّي بِحِذَائِهِ رَجُلٌ جَالِسٌ ظَهْرُهُ إلَى الْمُصَلِّي لَا يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ اسْتِقْبَالُ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ سُتْرَةً لِلْمُصَلِّي لَا يُكْرَهُ الْمُرُورُ وَرَاءَهُ فَكَذَا هُنَا؛ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى إلَى وَجْهِ إنْسَانٍ وَبَيْنَهُمَا ثَالِثٌ ظَهْرُهُ إلَى وَجْهِ الْمُصَلِّي لَمْ يُكْرَهْ، وَلَعَلَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُقَيِّدْ بِذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ اهـ مُلَخَّصًا فَافْهَمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي الْقِرَاءَة]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَفَرَائِضِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْقِرَاءَةِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِزِيَادَةِ أَحْكَامٍ تَعَلَّقَتْ بِهَا دُونَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ (قَوْلُهُ وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ وُجُوبًا) أَيْ جَهْرًا وَاجِبًا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، وَقَوْلُهُ بِحَسَبِ الْجَمَاعَةِ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلْجَهْرِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اتِّصَافِ الْجَهْرِ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ أَنْ يَتَّصِفَ كَوْنُهُ بِحَسَبِ الْجَمَاعَةِ بِالْوُجُوبِ أَيْضًا، نَعَمْ لَوْ جُعِلَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ وُجُوبًا الْمُؤَوَّلِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ يَلْزَمُ ذَلِكَ، وَلَا دَاعِيَ إلَى حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى مَا يُفْسِدُ الْمَعْنَى مَعَ تَبَادُرِ غَيْرِهِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ أَسَاءَ) وَفِي الزَّاهِدِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: لَوْ زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ، إلَّا إذَا أَجْهَدَ نَفْسَهُ أَوْ آذَى غَيْرَهُ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ أَعَادَهَا جَهْرًا) لِأَنَّ الْجَهْرَ فِيمَا بَقِيَ صَارَ وَاجِبًا بِالِاقْتِدَاءِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَنِيعٌ بَحْرٌ. وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ ائْتَمَّ بَعْدَ قِرَاءَةِ بَعْضِ السُّورَةِ أَنَّهُ يُعِيدُ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ، فَلْيُرَاجَعْ ح (قَوْلُهُ لَكِنْ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ ائْتَمَّ بِهِ، وَهَذَا قَوْلٌ آخَرُ. وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ الْقُهُسْتَانِيُّ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْإِمَامَ لَوْ خَافَتَ بِبَعْضِ الْفَاتِحَةِ أَوْ كُلِّهَا أَوْ الْمُنْفَرِدُ ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ أَعَادَهَا جَهْرًا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَقِيلَ لَمْ يُعِدْ وَجَهَرَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ أَوْ السُّورَةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا كَمَا فِي الْمُنْيَةِ اهـ وَعَزَا فِي الْقُنْيَةِ الْقَوْلَ الثَّانِيَ إلَى الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَفَتَاوَى السَّعْدِيِّ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِيهِ التَّحَرُّزَ عَنْ تَكْرَارِ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَةٍ وَتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ عَنْ مَحَلِّهِ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِسُجُودِ السَّهْوِ فَكَانَ مَكْرُوهًا، وَهُوَ أَسْهَلُ مِنْ لُزُومِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ فِي رَكْعَةٍ. عَلَى أَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الْجَمْعِ شَنِيعًا غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِمَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ سَهَا فَخَافَتَ فِي الْجَهْرِيَّةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ وَلَا يُعِيدُ، وَلَوْ خَافَتَ بِآيَةٍ أَوْ أَكْثَرَ يُتِمُّهَا جَهْرًا وَلَا يُعِيدُ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا جَهَرَ بِأَكْثَرِ الْفَاتِحَةِ يُتِمُّهَا مُخَافَتَةً كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ اهـ أَيْ فِي الصَّلَاةِ السَّرِيَّةِ، وَكَوْنُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ نَقَلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْأَصْلِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَالْأَصْلُ مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الثَّانِي لَمْ يُذْكَرْ فِي كِتَابٍ آخَرَ مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَدَعْوَى أَنَّهُ ضَعِيفٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ إنْ قَصَدَ الْإِمَامَةَ إلَخْ) عَزَاهُ فِي الْقُنْيَةِ إلَى فَتَاوَى الْكَرْمَانِيِّ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِمَامَ مُنْفَرِدٌ
стр. 528
(فِي الْفَجْرِ وَأُولَى الْعِشَاءَيْنِ أَدَاءً وَقَضَاءً وَجُمُعَةٍ وَعِيدَيْنِ وَتَرَاوِيحَ وَوِتْرٍ بَعْدَهَا) أَيْ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ لِلتَّوَارُثِ: قُلْت: فِي تَقْيِيدِهِ بِبَعْدِهَا نَظَرٌ لِجَهْرِهِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ التَّرَاوِيحَ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ، نَعَمْ فِي الْقُهُسْتَانِيُّ تَبَعًا لِلْقَاعِدِيِّ لَا سَهْوَ بِالْمُخَافَتَةِ فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ كَعِيدٍ وَوِتْرٍ، نَعَمْ الْجَهْرُ أَفْضَلُ (وَيُسِرُّ فِي غَيْرِهَا) «وَكَانَ ﵊ يَجْهَرُ فِي الْكُلِّ ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِدَفْعِ أَذَى الْكُفَّارِ» كَافِي (كَمُتَنَفِّلٍ بِالنَّهَارِ) فَإِنَّهُ يُسِرُّ (وَيُخَيَّرُ الْمُنْفَرِدُ فِي الْجَهْرِ) وَهُوَ أَفْضَلُ وَيُكْتَفَى بِأَدْنَاهُ (إنْ أَدَّى) وَفِي السَّرِيَّةِ يُخَافِتُ حَتْمًا عَلَى الْمَذْهَبِ كَمُتَنَفِّلٍ بِاللَّيْلِ مُنْفَرِدًا؛ فَلَوْ أَمَّ جَهَرَ لِتَبَعِيَّةِ النَّفْلِ لِلْفَرْضِ زَيْلَعِيٌّ
(وَيُخَافِتُ) الْمُنْفَرِدُ (حَتْمًا) أَيْ وُجُوبًا (إنْ قَضَى) الْجَهْرِيَّةَ فِي وَقْتِ الْمُخَافَتَةِ، كَأَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ عَدِّ الْوَاجِبَاتِ.
ــ
[رد المحتار]
فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلِذَا لَا يَحْنَثُ فِي لَا يَؤُمُّ أَحَدًا مَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، وَلَا يَحْصُلُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِمُحَاذَاةِ الْمَرْأَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ كَمَا مَرَّ فِي بَحْثِ النِّيَّةِ، وَسَيَذْكُرُ فِي بَابِ الْوِتْرِ عِنْدَ ذِكْرِ كَرَاهَةِ الْجَمَاعَةِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ عَلَى الْإِمَامِ لَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ تَلْزَمُهُ أَحْكَامُ الْإِمَامَةِ بِدُونِ الْتِزَامٍ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَأُولَى الْعِشَاءَيْنِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ قُهُسْتَانِيٌّ. وَالْعِشَاءَانِ: الْمَغْرِبُ وَالْعَتَمَةُ (قَوْلُهُ أَيْ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ) مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْمِنَحِ، حَيْثُ قَالَ: وَقَيَّدْنَا الْوِتْرَ بِكَوْنِهِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجْهَرُ فِي الْوِتْرِ إذَا كَانَ فِي رَمَضَانَ لَا فِي غَيْرِهِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي بَحْرِهِ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى إطْلَاقِ الزَّيْلَعِيِّ الْجَهْرَ فِي الْوِتْرِ إذَا كَانَ إمَامًا اهـ فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ فِي مَتْنِهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَهَا كَوْنُهُ فِي رَمَضَانَ هُوَ الْمَسْنُونُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ أَوْ لَا، وَبِهِ سَقَطَ مَا يَأْتِي عَنْ مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْوِتْرَ جَمَاعَةً فِي غَيْرِ رَمَضَانَ لَا يَجْهَرُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي، وَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ، وَإِطْلَاقُ الزَّيْلَعِيِّ يُخَالِفُهُ، وَكَذَا مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ بِاللَّيْلِ لَوْ أَمَّ جَهَرَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ) عَلِمْت أَنَّهُ غَيْرُ وَارِدٍ (قَوْلُهُ نَعَمْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ) فِيهِ أَنَّ الْقُهُسْتَانِيَّ صَرَّحَ بَعْدَهُ بِتَصْحِيحِ خِلَافِهِ (قَوْلُهُ وَيُسِرُّ فِي غَيْرِهَا) وَهُوَ الثَّالِثَةُ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْأُخْرَيَانِ مِنْ الْعِشَاءِ، وَكَذَا جَمِيعُ رَكَعَاتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَإِنْ كَانَ بِعَرَفَةَ خِلَافًا لِمَالِكٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَفْضَلُ) لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلِهَذَا كَانَ أَدَاؤُهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ أَفْضَلُ. وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ «أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ صَلَّتْ بِصَلَاتِهِ صُفُوفٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ» مِنَحٌ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) كَذَا فِي الْبَحْرِ رَادًّا عَلَى مَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ.
أَقُولُ: مَا فِي الْعِنَايَةِ صَرَّحَ بِهِ أَيْضًا فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ. وَنَقَلَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا، وَعَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ بِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ الشُّرَّاحُ: إنَّهُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَأَمَّا جَوَابُ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ السَّهْوُ. وَفِي الذَّخِيرَةِ: إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ عَلَيْهِ السَّهْوُ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ، نَعَمْ صَحَّحَ فِي الدُّرَرِ تَبَعًا لِلْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ وُجُوبَ الْمُخَافَتَةِ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ. وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: فَحَيْثُ كَانَتْ الْمُخَافَتَةُ وَاجِبَةً عَلَى الْمُنْفَرِدِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ بِتَرْكِهَا السُّجُودُ اهـ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَلَوْ أَمَّ) أَيْ فَلَوْ صَلَّى الْمُتَنَفِّلُ بِاللَّيْلِ إمَامًا جَهَرَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْوِتْرَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تُكْرَهُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي، وَبِدُونِهِ لَا. وَإِذَا وَجَبَ الْجَهْرُ فِي النَّفْلِ يَجِبُ فِي الْوِتْرِ كَمَا أَفْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ.
مَطْلَبٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ (قَوْلُهُ وَيُخَافِتُ الْمُنْفَرِدُ إلَخْ) أَمَّا الْإِمَامُ فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يَجْهَرُ أَدَاءً وَقَضَاءً (قَوْلُهُ فِي وَقْتِ الْمُخَافَتَةِ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ إنْ قَضَى فِي وَقْتِ الْجَهْرِ خُيِّرَ كَمَا لَا يَخْفَى ح (قَوْلُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا وَقْتُ جَهْرٍ فَيُخَيَّرُ فِيهِ، لَكِنْ
стр. 529
قُلْت: وَهَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلِكِ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ مِنْ بَحْثِ الْقَضَاءِ (عَلَى الْأَصَحِّ) كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَرَجَّحُوا تَخْيِيرَهُ كَمَنْ سُبِقَ بِرَكْعَةٍ مِنْ الْجُمُعَةِ فَقَامَ يَقْضِيهَا يُخَيَّرُ
(وَ) أَدْنَى (الْجَهْرِ إسْمَاعُ غَيْرِهِ وَ) أَدْنَى
ــ
[رد المحتار]
فِي بَعْضِ نُسَخِ الْهِدَايَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ) قَالَ فِيهَا لِأَنَّ الْجَهْرَ مُخْتَصٌّ، إمَّا بِالْجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا (قَوْلُهُ لَكِنْ تَعَقَّبَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ) قَالَ فِي الْخَزَائِنِ: هَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ، بَلْ تَعَقَّبَهُ فِي الْغَايَةِ وَنَظَرَ فِيهِ فِي الْفَتْحِ، وَبَحَثَ فِيهِ فِي النِّهَايَةِ، وَحَرَّرَ خُسْرو أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ رِوَايَةً وَلَا دِرَايَةً. وَقَدْ اخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْقَضَاءَ كَالْأَدَاءِ. قَالَ قَاضِي خَانْ: هُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْكَافِي وَالنَّهْرِ: هُوَ الْأَصَحُّ. وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: إنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ وَجْهَهُ. اهـ. وَأُجِيبَ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْهِدَايَةِ بِمَنْعِ الْحَصْرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْجَهْرِ الْمُخَيَّرِ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ مُوَافَقَةُ الْأَدَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ كَمَنْ سُبِقَ بِرَكْعَةٍ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ إذَا قَامَ لِيَقْضِيَهَا لَا يَلْزَمُهُ الْمُخَافَتَةُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَجْهَرَ فِيهَا لِيُوَافِقَ الْقَضَاءُ الْأَدَاءَ مَعَ أَنَّهُ قَضَاهَا فِي وَقْتِ الْمُخَافَتَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْجَهْرَ لَمْ يَخْتَصَّ سَبَبُهُ بِالْجَمَاعَةِ أَوْ بِالْوَقْتِ، بَلْ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ لِمَا رَجَّحَهُ الْجَمَاعَةُ؛ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ وَجْهُ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ لَوْ سُبِقَ بِرَكْعَةٍ مِنْ الْعِشَاءِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ الْجَهْرِ فِي الْقَضَاءِ فِي وَقْتِ الْمُخَافَتَةِ لَا مُطْلَقًا فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَأَدْنَى الْجَهْرِ إسْمَاعُ غَيْرِهِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ وُجُودِ الْقِرَاءَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
فَشَرَطَ الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْفَضْلِيُّ لِوُجُودِهَا خُرُوجَ صَوْتٍ يَصِلُ إلَى أُذُنِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَشَرَطَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ وَأَحْمَدُ خُرُوجَ الصَّوْتِ مِنْ الْفَمِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى أُذُنِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَسْمُوعًا فِي الْجُمْلَةِ، حَتَّى لَوْ أَدْنَى أَحَدٌ صِمَاخَهُ إلَى فِيهِ يَسْمَعُ.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيّ السَّمَاعَ، وَاكْتَفَيَا بِتَصْحِيحِ الْحُرُوفِ. وَاخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْحَلْوَانِيُّ قَوْلَ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَكَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. وَنَقَلَ فِي الْمُجْتَبَى عَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ مَا لَمْ تَسْمَعْ أُذُنَاهُ وَمَنْ بِقُرْبِهِ، وَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ لِأَنَّ مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُ يَكُونُ مَسْمُوعًا لِمَنْ فِي قُرْبِهِ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ. ثُمَّ إنَّهُ اخْتَارَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ قَوْلَ الْهِنْدُوَانِيُّ وَبِشْرٍ مُتَّحِدَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ سَمَاعُهُ بَعْدَ وُجُودِ الصَّوْتِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ. وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ تَبَعًا لِلْحِلْيَةِ أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، بَلْ الْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ. وَأَيَّدَ الْعَلَّامَةُ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ فِي فَتَاوَاهُ كَلَامَ الْفَتْحِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَارْجِعْ إلَيْهِ. وَذَكَرَ أَنَّ كُلًّا مِنْ قَوْلَيْ الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْكَرْخِيِّ مُصَحَّحَانِ، وَأَنَّ مَا قَالَهُ الْهِنْدُوَانِيُّ أَصَحُّ وَأَرْجَحُ لِاعْتِمَادِ أَكْثَرِ عُلَمَائِنَا عَلَيْهِ.
وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا فِي تَعْرِيفِ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ، وَمِثْلُهُ فِي سَهْوِ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ لِأَنَّ أَدْنَى الْحَدِّ الَّذِي تُوجَدُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ خُرُوجُ صَوْتٍ يَصِلُ إلَى أُذُنِهِ أَيْ وَلَوْ حُكْمًا. كَمَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنْ صَمَمٍ أَوْ جَلَبَةِ أَصْوَاتٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ أَدْنَى الْمُخَافَتَةِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ وَمَنْ بِقُرْبِهِ تَصْرِيحٌ بِاللَّازِمِ عَادَةً كَمَا مَرَّ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَغَيْرِهِ أَوْ مَنْ بِقُرْبِهِ بِأَوْ، وَهُوَ أَوْضَحُ، وَيُبْتَنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَدْنَى الْجَهْرِ إسْمَاعُ غَيْرِهِ: أَيْ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ بِقُرْبِهِ بِقَرِينَةِ الْمُقَابَلَةِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إنَّ الْإِمَامَ إذَا قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ بِحَيْثُ سَمِعَ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ لَا يَكُونُ جَهْرًا، وَالْجَهْرُ أَنْ يَسْمَعَ الْكُلُّ اهـ أَيْ كُلُّ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَا كُلُّ الْمُصَلِّينَ: بِدَلِيلِ مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمَسْعُودِيَّةِ إنَّ جَهْرَ الْإِمَامِ إسْمَاعُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ. اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي كَلَامِ الْخُلَاصَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي كَلَامَ الْهِنْدُوَانِيُّ، بَلْ هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ فِي الْمِعْرَاجِ
стр. 530
(الْمُخَافَتَةِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ) وَمَنْ بِقُرْبِهِ؛ فَلَوْ سَمِعَ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ فَلَيْسَ بِجَهْرٍ، وَالْجَهْرُ أَنْ يَسْمَعَ الْكُلُّ خُلَاصَةٌ (وَيَجْرِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ (فِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِنُطْقٍ، كَتَسْمِيَةٍ عَلَى ذَبِيحَةٍ وَوُجُوبِ سَجْدَةِ تِلَاوَةِ وَعَتَاقٍ وَطَلَاقٍ وَاسْتِثْنَاءٍ) وَغَيْرِهَا؛ فَلَوْ طَلَّقَ أَوْ اسْتَثْنَى وَلَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ؛ وَقِيلَ فِي نَحْوِ الْبَيْعِ يُشْتَرَطُ سَمَاعُ الْمُشْتَرِي.
(وَلَوْ تَرَكَ سُورَةَ أُولَيَيْ الْعِشَاءِ) مَثَلًا وَلَوْ عَمْدًا (قَرَأَهَا وُجُوبًا) وَقِيلَ نَدْبًا
ــ
[رد المحتار]
نَقَلَهُ عَنْ الْفَضْلِيِّ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْفَضْلِيَّ قَائِلٌ بِقَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ. فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ أَدْنَى الْمُخَافَتَةِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ أَوْ مَنْ بِقُرْبِهِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ مَثَلًا، وَأَعْلَاهَا تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْكَرْخِيِّ، وَلَا تُعْتَبَرُ هُنَا فِي الْأَصَحِّ.
وَأَدْنَى الْجَهْرِ إسْمَاعُ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِقُرْبِهِ كَأَهْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَأَعْلَاهُ لَا حَدَّ لَهُ فَافْهَمْ، وَاغْنَمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَقَامِ فَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَفْهَامِ (قَوْلُهُ وَيَجْرِي ذَلِكَ الْمَذْكُورُ) يَعْنِي كَوْنَ أَدْنَى مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْكَلَامُ إسْمَاعُ نَفْسِهِ أَوْ مَنْ بِقُرْبِهِ (قَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْهِنْدُوَانِيُّ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ فَيَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ لِاكْتِفَائِهِ بِتَصْحِيحِ الْحُرُوفِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَقِيلَ إلَخْ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ فِي شَرْحِ مُخْتَلِفَاتِهِ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ بَعْضَ التَّصَرُّفَاتِ يُكْتَفَى بِسَمَاعِهِ، وَفِي بَعْضِهَا يُشْتَرَطُ سَمَاعُ غَيْرِهِ مَثَلًا فِي الْبَيْعِ لَوْ أَدْنَى الْمُشْتَرِي صِمَاخَهُ إلَى فَمِ الْبَائِعِ وَسَمِعَ يَكْفِي، وَلَوْ سَمَّعَ الْبَائِعُ نَفْسَهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْمُشْتَرِي لَا يَكْفِي؛ وَفِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَنَادَاهُ مِنْ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ وُجُودُ الْكَلَامِ مَعَهُ وَلَمْ يُوجَدْ اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ تَمَامُهُ عَلَى الْقَبُولِ وَلَوْ غَيْرَ مُبَادَلَةٍ كَالنِّكَاحِ اهـ وَلَمْ يُعَوِّلْ الشَّارِحُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلِ تَبَعًا لِلْفَتْحِ، حَيْثُ قَالَ: قِيلَ الصَّحِيحُ فِي الْبَيْعِ إلَخْ وَكَذَا عَبَّرَ عَنْهُ فِي الْكَافِي إشَارَةً إلَى ضَعْفِهِ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، لَكِنْ الْأَوَّلُ ارْتَضَاهُ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ، وَهُوَ أَوْجَهُ بِدَلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَنْصُوصَةِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ لِأَنَّ (الْكَلَامَ) مِنْ الْكَلْمِ وَهُوَ الْجُرْحُ؛ سُمَيٌّ بِهِ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ فَتَكْلِيمُهُ فُلَانًا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِسَمَاعِهِ وَكَذَا اشْتِرَاطُ سَمَاعِ الشُّهُودِ كَلَامَ الْعَاقِدِينَ فِي النِّكَاحِ وَسَمَاعِ التِّلَاوَةِ فِي وُجُوبِ السَّجْدَةِ عَلَى السَّامِعِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا اُشْتُرِطَ فِيهِ سَمَاعُ الْغَيْرِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ مَثَلًا) زَادَهُ لِيَعُمَّ مَا لَوْ تَرَكَهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَلْ يَأْتِي بِهَا فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ؟ يُحَرَّرُ، وَلِيَعُمَّ غَيْرَ الْعِشَاءِ كَالْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا فِي إحْدَى أُولَيَيْهَا يَأْتِي بِهَا فِي الثَّالِثَةِ، وَلَوْ فِيهِمَا مَعًا أَتَى فِي الثَّالِثَةِ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ وَفَاتَتْ الْأُخْرَى، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لَوْ سَاهِيًا؛ وَلِيَعُمَّ الرَّبَاعِيَةَ السِّرِّيَّةَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ أَيْضًا أَفَادَهُ ط، وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُصَنِّفُ الْعِشَاءَ بِالذِّكْرِ لِمَكَانِ قَوْلِهِ جَهْرًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ، فَلِذَا أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى التَّعْمِيمِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ عَمْدًا) هَذَا ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُتُونِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي النَّهْرِ، وَلَمْ يَعُزْهُ إلَى أَحَدٍ، كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْإِطْلَاقِ، وَإِلَّا فَصَنِيعُ الْفَتَاوَى وَالشُّرُوحِ يَقْتَضِي أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِي النِّسْيَانِ تَأَمُّلٌ، أَفَادَهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ (قَوْلُهُ وُجُوبًا وَقِيلَ نَدْبًا) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَصَحَّ الْوُجُوبُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، حَيْثُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ قَرَأَهَا بِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَهُوَ آكَدُ مِنْ الْأَمْرِ فِي الْوُجُوبِ، وَصَرَّحَ فِي الْأَصْلِ بِالِاسْتِحْبَابِ. قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَالْأَصَحُّ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ آخِرُ التَّصْنِيفَيْنِ. وَرَدَّهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ أَصْرَحُ فَيَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ، وَكَوْنُ الْإِخْبَارِ آكَدَ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ فِي إخْبَارِ الشَّارِعِ لَا فِي غَيْرِهِ، فَكَانَ الْمَذْهَبُ الِاسْتِحْبَابَ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَمْرَ الْمُجْتَهِدِ نَاشِئٌ عَنْ أَمْرِ الشَّارِعِ فَكَذَا إخْبَارُهُ، نَعَمْ قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا إذَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْأَمْرِ الْإِيجَابِيِّ وَهُوَ مَمْنُوعٌ. وَأَقُولُ: لَمْ
стр. 531
(مَعَ الْفَاتِحَةِ جَهْرًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ) لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ جَهْرٍ وَمُخَافَتَةٍ فِي رَكْعَةٍ شَنِيعٌ، وَلَوْ تَذَكَّرَهَا فِي رُكُوعِهِ قَرَأَهَا وَأَعَادَ الرُّكُوعَ (وَلَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ) فِي الْأَوَّلِيَّيْنِ (لَا) يَقْضِيهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِلُزُومِ تَكْرَارِهَا،
ــ
[رد المحتار]
لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاسْتِحْبَابَ وَتَكُونَ الْقَرِينَةُ عَلَيْهِ مَا فِي الْأَصْلِ كَمَا أُرِيدَ بِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ افْتَرَشَ رَجُلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ اخْتِيَارَ صَاحِبِ الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ النَّدْبَ لِأَنَّهُ صَرِيحُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ مَعَ الْفَاتِحَةِ) أَشَارَ بِهِ إلَى شَيْئَيْنِ:
الْأَوَّلُ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْفَاتِحَةَ لِأَنَّ مَعَ تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْبُوعِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ: وَالثَّانِي أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ أَيْضًا، وَفِيهِ قَوْلَانِ أَيْضًا، وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْجَمْعَ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ جَهْرًا رَاجِعٌ إلَى الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ مَعًا، وَجَعَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَصَحَّحَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ فَقَطْ، وَجَعَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَ مِنْ الْجَوَابِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ الصَّوَابَ، وَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ الشَّنِيعُ لِأَنَّ السُّورَةَ تَلْتَحِقُ بِمَوْضِعِهَا تَقْدِيرًا بَحْرٌ، وَمُفَادُهُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا إذَا كَانَتْ الْقِرَاءَةُ فِي مَحَلِّهَا غَيْرَ مُلْتَحِقَةٍ بِمَا قَبْلَهَا. وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْفُرُوعِ أَوَّلَ الْفَصْلِ فَتَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ تَحْقِيقٌ مُهِمٌّ فِيمَا لَوْ تَذَكَّرَ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ فَعَادَ تَقَعُ الْقِرَاءَةُ فَرْضًا وَفِي مَعْنَى كَوْنِ الْقِرَاءَةِ فَرْضًا وَوَاجِبًا وَسَنَةً
(قَوْلُهُ وَلَوْ تَذَكَّرَهَا) أَيْ السُّورَةَ (قَوْلُهُ قَرَأَهَا) أَيْ بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى الْقِيَامِ (قَوْلُهُ وَأَعَادَ الرُّكُوعَ) لِأَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ يَكُونُ فَرْضًا فَيُرْتَفَضُ الرُّكُوعُ وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ فَرْضٌ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْوَاجِبَاتِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُعِدْهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، بَلْ لَوْ قَامَ لِأَجْلِ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَسَجَدَ وَلَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يُعِدْ الرُّكُوعَ، قِيلَ تَفْسُدُ، وَقِيلَ لَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَبَيْنَ الْقُنُوتِ حَيْثُ لَا يَعُودُ لِأَجْلِهِ لَوْ تَذَكَّرَهُ فِي رُكُوعِهِ، وَلَوْ عَادَ لَا يُرْتَفَضُ هُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ تَقَعُ فَرْضًا، أَمَّا الْقُنُوتُ إذَا أُعِيدَ يَقَعُ وَاجِبًا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَإِنْ انْقَسَمَتْ إلَى فَرْضٍ وَوَاجِبٍ وَسُنَّةٍ إلَّا أَنَّهُ مَهْمَا أَطَالَ يَقَعُ فَرْضًا، وَكَذَا إذَا أَطَالَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ عَلَى مَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَالْأَصَحُّ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠] لِوُجُوبِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْآيَةَ، فَمَا فَوْقَهَا مُطْلَقًا، لِصِدْقِ مَا تَيَسَّرَ عَلَى كُلِّ فَرْضٍ، فَمَهْمَا قَرَأَ يَكُونُ الْفَرْضُ، وَمَعْنَى الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ جَعْلَ الْفَرْضِ مِقْدَارَ كَذَا وَاجِبٌ، وَجَعْلَهُ دُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَجَعْلَهُ فَوْقَ ذَلِكَ إلَى حَدِّ كَذَا سُنَّةٌ، لَا أَنَّهُ يَقَعُ أَوَّلَ آيَةٍ يَقْرَؤُهَا فَرْضًا وَمَا بَعْدَهَا إلَى حَدِّ كَذَا وَاجِبًا وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حَدِّ كَذَا سُنَّةٌ. لِأَنَّا إنْ اعْتَبَرْنَا الْوَاجِبَ مَا بَعْدَ الْآيَةِ الْأَوْلَى مُنْضَمًّا إلَيْهَا انْقَلَبَ الْفَرْضُ وَاجِبًا، وَإِنْ اعْتَبَرْنَاهُ مُنْفَرِدًا كَانَ الْوَاجِبُ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ. وَقَالُوا: الْفَاتِحَةُ وَاجِبٌ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِيمَا بَعْدَ الْوَاجِبِ إلَى حَدِّ السُّنَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ، وَنَحْوُهُ فِي الْفَتْحِ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ دَقِيقٌ فَاغْتَنِمْهُ (قَوْلُهُ لِلُزُومِ تَكْرَارِهَا) أَيْ وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَهَذَا لَوْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ، فَلَوْ مَرَّةً لَا تَكُونُ قَضَاءً كَمَا فِي النِّهَايَةِ لِأَنَّهَا فِي مَحَلِّهَا، لَكِنْ كَتَبَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمُفْتِي أَبُو السُّعُودِ.
قُلْت: لَا يَخْفَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، بَلْ ذَاكَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، فَعَلَى هَذَا إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ مَرَّةً لَمْ يَتَعَيَّنْ انْصِرَافُهَا إلَى تِلْكَ الرَّكْعَةِ؛
стр. 532
وَلَوْ تَذَكَّرَهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ قَرَأَهَا وَأَعَادَ السُّورَةَ
(وَفَرْضُ الْقِرَاءَةِ آيَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ) هِيَ لُغَةً: الْعَلَامَةُ. وَعُرْفًا: طَائِفَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ مُتَرْجِمَةٌ، أَقَلُّهَا سِتَّةُ أَحْرُفٍ وَلَوْ تَقْدِيرًا، ك (لَمْ يَلِدْ) ، إلَّا إذَا كَانَ كَلِمَةً فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَإِنْ كَرَّرَهَا مِرَارًا إلَّا إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ فَيَجُوزُ ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ. وَلَوْ قَرَأَ آيَةً طَوِيلَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ قَالَهُ الْحَلَبِيُّ.
ــ
[رد المحتار]
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ بِنَاءَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: أَيْ الَّذِي هُوَ عَدَمُ إعَادَةِ الْفَاتِحَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ غَيْرُ حَسَنٍ اهـ أَيْ بِخِلَافِ السُّورَةِ فَإِنَّ الشَّفْعَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِأَدَاءِ السُّورَةِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْقَضَاءِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَذَكَّرَهَا) أَيْ الْفَاتِحَةَ (قَوْلُهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، حَتَّى لَوْ تَذَكَّرَهَا فِي الرُّكُوعِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ السُّورَةَ فِي الرُّكُوعِ أَعَادَهَا وَأَعَادَ الرُّكُوعَ فَالْفَاتِحَةُ أَوْلَى لِأَنَّهَا آكَدُ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُ وَأَعَادَ السُّورَةَ) لِأَنَّهَا شُرِعَتْ تَابِعَةً لِلْفَاتِحَةِ رَحْمَتِيٌّ
(قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) أَيْ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُشْبِهْ قَصْدَ خِطَابِ أَحَدٍ. وَجَزَمَ الْقُدُورِيُّ بِأَنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ وَرَجَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَدْنَى. وَفِي الْبَحْرِ: فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ.
قُلْت: وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْكَامِلِ وَإِلَّا لَزِمَ فَرْضِيَّةُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يُجْزِئُ عِنْدَهُ نَحْوُ - ثُمَّ نَظَرَ - أَيْ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ قَصْدَ الْخِطَابِ وَالْإِخْبَارِ تَأَمَّلْ وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ عَنْهُ وَهِيَ قَوْلُهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ (قَوْلُهُ وَعُرْفًا طَائِفَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ مُتَرْجِمَةٌ إلَخْ) أَيْ اُعْتُبِرَ لَهَا مَبْدَأٌ وَمَقْطَعٌ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ نَقَلَهُ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ لِعَلَاءِ الدِّينِ الْبَهْلَوَانِيِّ. وَنَقَلَ فِي النَّهْرِ عَنْ شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ لِلْجَعْبَرِيِّ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهَا قُرْآنٌ مُرَكَّبٌ مِنْ جُمَلٍ وَلَوْ تَقْدِيرًا ذُو مَبْدَإٍ وَمَقْطَعٍ مُنْدَرِجٍ فِي سُورَةٍ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَقْدِيرًا إلَخْ) أَشَارَ إلَى الرَّدِّ عَلَى الْبَحْرِ، حَيْثُ اعْتَرَضَ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّ - ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣]- آيَةٌ، وَلِذَا جَوَّزَ الْإِمَامُ بِهَا الصَّلَاةَ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ. وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ - ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣]- أَصْلُهُ لَمْ يَوْلِدْ فَهُوَ سِتَّةٌ تَقْدِيرًا، لَكِنْ الَّذِي رَأَيْته فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ عَنْ الْحَوَاشِي الْمَذْكُورَةِ أَقَلُّهَا سِتَّةُ أَحْرُفٍ صُورَةً، فَالرَّدُّ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، نَعَمْ فِي النَّهْرِ: قُلْ إنَّ الْآيَةَ هِيَ وَمَا بَعْدَهَا وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: الْإِخْلَاصُ أَرْبَعٌ، وَقِيلَ خَمْسٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْحَوَاشِي بِنَاءً عَلَى الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَتْ كَلِمَةً) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمَتْنِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنًى تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِآيَةٍ (قَوْلُهُ فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الصِّحَّةِ) كَذَا فِي الْمُنْيَةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمِثْلِ - ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]- وَمِثْلُ - ص - وَ - ق - وَن - لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ أَنَّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَصَاحِبِ الْبَدَائِعِ الْجَوَازُ فِي - ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]- عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ) صُورَتُهُ: عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِصَلَاتِهِ صَلَاةً صَحِيحَةً فَصَلَّى بِمُدْهَامَّتَانِ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ أَوْ مُكَرَّرَةً فَتَرَافَعَا إلَى حَاكِمٍ يَرَى صِحَّةَ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ، فَقَضَى بِعِتْقِهِ، فَيَكُونُ قَضَاءً بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ضِمْنًا، فَتَصِحُّ اتِّفَاقًا لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ) تَعْلِيلٌ لِلْمَذْهَبَيْنِ لِأَنَّ نِصْفَ الْآيَةِ الطَّوِيلَةِ إذَا كَانَ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ يَصِحُّ عَلَى قَوْلِهِمَا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُكْتَفِي بِالْآيَةِ أَوْلَى ح. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعُلِمَ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ أَنَّ كَوْنَ الْمَقْرُوءِ. فِي كُلِّ رَكْعَةٍ النِّصْفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ يَبْلُغُ مَا يُعَدُّ بِقِرَاءَتِهِ قَارِئًا عُرْفًا. اهـ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاكْتِفَاءُ بِمَا دُونَ الْآيَةِ مُفَرَّعًا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْإِمَامِ، لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى الَّتِي تَقَدَّمَ أَنَّهَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَا بُدَّ مِنْ آيَةٍ تَامَّةٍ تَأَمَّلْ. [تَنْبِيهٌ]
لَمْ أَرَ مَنْ قَدَّرَ أَدْنَى مَا يَكْفِي بِحَدٍّ مُقَدَّرٍ مِنْ الْآيَةِ الطَّوِيلَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَحْرِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إلَى
стр. 533
(وَحِفْظُهَا فَرْضُ عَيْنٍ) مُتَعَيِّنٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ
(وَحِفْظُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) وَسُنَّةُ عَيْنٍ أَفْضَلُ مِنْ التَّنَفُّلِ وَتَعَلُّمُ الْفِقْهِ أَفْضَلُ مِنْهُمَا (وَحِفْظُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) وَيُكْرَهُ نَقْصُ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ
(وَيُسَنُّ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا) أَيْ حَالَةَ قَرَارٍ أَوْ فِرَارٍ، كَذَا أَطْلَقَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَرَجَّحَهُ فِي الْبَحْرِ:
ــ
[رد المحتار]
الْعُرْفِ لَا إلَى عَدَدِ حُرُوفِ أَقْصَرِ آيَةٍ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ قِرَاءَةَ قَدْرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ لَا بُدَّ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْآيَةِ الطَّوِيلَةِ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَمْثَالِ مِمَّا يُسَمَّى بِقِرَاءَتِهِ قَارِئًا عُرْفًا، وَلِذَا فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ بِآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الْمُدَايَنَةِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَالْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِمَا: لَوْ قَرَأَ آيَةً طَوِيلَةً كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ. أَوْ الْمُدَايَنَةِ الْبَعْضَ فِي رَكْعَةٍ وَالْبَعْضَ فِي رَكْعَةٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، قِيلَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَا قَرَأَ آيَةً تَامَّةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْآيَاتِ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثٍ قِصَارٍ أَوْ يَعْدِلُهَا فَلَا تَكُونُ قِرَاءَتُهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ. اهـ. لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْأَخِيرَ رُبَّمَا يُفِيدُ اعْتِبَارَ الْعَدَدِ فِي الْكَلِمَاتِ أَوْ الْحُرُوفِ، وَيُفِيدُ قَوْلَهُمْ: لَوْ قَرَأَ آيَةً تَعْدِلُ أَقْصَرَ سُورَةٍ جَازَ، وَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ تَعْدِلُ ثَلَاثًا قِصَارًا أَيْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣]- وَقَدْرُهَا مِنْ حَيْثُ الْكَلِمَاتُ عَشْرٌ، وَمِنْ حَيْثُ الْحُرُوفُ ثَلَاثُونَ، فَلَوْ قَرَأَ - ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]- يَبْلُغُ مِقْدَارَ هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ، فَعَلَى مَا قُلْنَاهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَفَى عَنْ الْوَاجِبِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ
(قَوْلُهُ وَحِفْظُهَا) أَيْ الْآيَةِ فَرْضُ عَيْنٍ: أَيْ فَرْضٌ ثَابِتٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ بِعَيْنِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، بِأَنَّ الثَّانِيَ مُتَحَتِّمٌ مَقْصُودُ حُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَنْظُورٌ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ حَيْثُ قَصَدَ حُصُولَهُ مِنْ عَيْنٍ مَخْصُوصَةٍ، كَالْمَفْرُوضِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ، أَوْ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ عَيْنٍ: أَيْ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِمَا مِنْ إضَافَةِ الِاسْمِ إلَى صِفَتِهِ: كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَحَبَّةِ الْحَمْقَاءِ: أَيْ فَرْضٌ مُتَعَيِّنٌ: أَيْ ثَابِتٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ: مَعْنَاهُ فَرْضٌ ذُو كِفَايَةٍ: أَيْ يُكْتَفَى بِحُصُولِهِ مِنْ أَيِّ فَاعِلٍ كَانَ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَحِفْظُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ إلَخْ) أَقُولُ: لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ يُسَمَّى فَرْضَ كِفَايَةٍ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فَرْضَ عَيْنٍ وَبَعْضُهُ وَاجِبًا؛ كَمَا أَنَّ حِفْظَ الْفَاتِحَةِ يُسَمَّى وَاجِبًا وَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ مِنْهَا فَرْضًا أَيْ يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ فَافْهَمْ. مَطْلَبٌ السُّنَّةُ تَكُونُ سُنَّةَ عَيْنٍ وَسُنَّةَ كِفَايَةٍ
(قَوْلُهُ وَسُنَّةَ عَيْنٍ) أَيْ يُسَنُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ بِعَيْنِهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ تَكُونُ سُنَّةَ عَيْنٍ وَسُنَّةَ كِفَايَةٍ؛ وَمِثَالُهُ مَا قَالُوا فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ إنَّهَا سُنَّةُ عَيْنٍ وَصَلَاتُهَا بِجَمَاعَةٍ فِي كُلِّ مَحَلَّةٍ سُنَّةُ كِفَايَةٍ (قَوْلُهُ وَتَعَلُّمُ الْفِقْهِ أَفْضَلُ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ حِفْظِ بَاقِي الْقُرْآنِ بَعْدَ قِيَامِ الْبَعْضِ بِهِ وَمِنْ التَّنَفُّلِ؛ وَمُرَادُهُ بِالْفِقْهِ مَا زَادَ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي دِينِهِ وَإِلَّا فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ ح (قَوْلُهُ وَسُورَةٍ) أَيْ أَقْصَرِ سُورَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ إلَخْ) أَيْ تَحْرِيمًا، كَمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ نَقْصُ شَيْءٍ مِنْ السُّنَّةِ تَنْزِيهًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى ط
(قَوْلُهُ أَيْ حَالَةَ قَرَارٍ أَوْ فِرَارٍ) أَيْ حَالَةَ أَمَنَةٍ أَوْ عَجَلَةٍ، وَعَبَّرَ عَنْ الْعَجَلَةِ بِالْفِرَارِ بِالْفَاءِ لِأَنَّهَا فِي السَّفَرِ تَكُونُ غَالِبًا مِنْ الْخَوْفِ كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ (قَوْلُهُ كَذَا أَطْلَقَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ عِبَارَةَ الْجَامِعِ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِقَوْلِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا السَّفَرَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ فَيُفْهَمُ مِنْهَا الْإِطْلَاقُ كَسَائِرِ عِبَارَاتِ الْمُتُونِ وَإِلَّا لَمْ يَتَأَتَّ ادِّعَاءُ تَقْيِيدِهَا بِمَا سَيَأْتِي مِنْ التَّفْصِيلِ وَإِنَّمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِالْإِطْلَاقِ اخْتِيَارًا لِمَا رَجَّحَهُ شَيْخُهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ فِي الْبَحْرِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ
стр. 534
وَرَدَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّفْصِيلِ، وَرَدَّهُ فِي النَّهْرِ، وَحَرَّرَ أَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ هُوَ الْمُحَرَّرُ (الْفَاتِحَةَ) وُجُوبًا (وَأَيَّ سُورَةٍ شَاءَ) وَفِي الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ الْحَالِ
(وَ) يُسَنُّ (فِي الْحَضَرِ)
ــ
[رد المحتار]
فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ.
وَرَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ إطْلَاقَ الْمُتُونِ تَبَعًا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَعُمُّ حَالَةَ الْأَمْنِ أَيْضًا، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى أَمْنٍ صَارَ كَالْمُقِيمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى السُّنَّةُ وَالسَّفَرُ وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي التَّخْفِيفِ لَكِنَّ التَّحْدِيدَ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبُرُوجِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ وَلَمْ يُنْقَلْ اِ هـ وَهُوَ مُلَخَّصٌ مِنْ الْحِلْيَةِ. وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُقِيمِ فِي قِرَاءَةِ الْفَجْرِ أَنْ تَكُونَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَأَنْ لَا يَنْقُصَ مِقْدَارَ الْآيَةِ الْمَقْرُوءَةِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ عَنْ أَرْبَعِينَ آيَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ، بَلْ تَكُونُ مِنْ أَرْبَعِينَ إلَى مِائَةٍ كَمَا سَيَأْتِي مَعَ مَا لَنَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ، وَالْمُسَافِرُ إذَا كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْمُقِيمِ لَكِنْ لِلسَّفَرِ تَأْثِيرٌ فِي التَّخْفِيفِ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَلِذَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَقْرَأَ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَالِانْشِقَاقِ مِمَّا هُوَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمِقْدَارَ الْخَاصَّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْهِدَايَةِ لِإِمْكَانِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ: أَيْ التَّخْفِيفِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ الْخَاصِّ بَعْدَ حُصُولِ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، فَلَيْسَ مُرَادُهُ التَّحْدِيدَ بِعَدَدِ آيَاتِ السُّورَتَيْنِ، بَلْ كَوْنُهُمَا مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ أَيْ وَسُنِّيَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ مُسَلَّمَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ. ثُمَّ إنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ قَدْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ شُرَّاحُهَا وَالزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَقْيِيدِ إطْلَاقِ مَا فِي الْمُتُونِ وَالْجَامِعِ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ قَوْلُ الْهِدَايَةِ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَاحِدَةً مِنْهُمَا لَا كُلًّا مِنْهُمَا، وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ تَخْفِيفٌ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ لِأَنَّ الِانْشِقَاقَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ آيَةً وَالْبُرُوجَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُنْيَةِ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَوْ مِثْلَهَا فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْبُرُوجِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، لَكِنْ كَوْنُ سُورَةِ الْبُرُوجِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ كَلَامٌ سَتَعْرِفُهُ، فَلِذَا حُمِلَ التَّخْفِيفُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَلَى جَعْلِ الْأَوْسَطِ فِي الْحَضَرِ طَوِيلًا فِي السَّفَرِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ فَيَقْرَأُ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ رِعَايَةً لِلسُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، لَكِنْ هَذَا الْحَمْلُ لَا يُنَاسَبُ مَا فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الِانْشِقَاقَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ التَّخْفِيفَ مِنْ جِهَةِ الِاكْتِفَاءِ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُنْيَةِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْحَضَرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةٌ تَامَّةٌ كَمَا يَأْتِي تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وُجُوبًا) أَشَارَ بِهِ إلَى دَفْعِ مَا أَوْرَدَهُ فِي النَّهْرِ، بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَيَّ سُورَةٍ شَاءَ لَكَانَ أَوْلَى، لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ سُنَّةٌ فَصَرَّحَ بِقَوْلِهِ وُجُوبًا لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ سُنَّةَ الْقِرَاءَةِ فِي السَّفَرِ أَيُّ سُورَةٍ شَاءَ مَضْمُومَةٌ إلَى الْفَاتِحَةِ الْوَاجِبَةِ، فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ التَّخْيِيرِ فِي السُّوَرِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَإِلَّا وَرَدَ أَنَّ السُّورَةَ وَاجِبَةٌ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَفِي الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ الْحَالِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ وَإِطْلَاقُهُ يَشْمَلُ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا، لَكِنْ فِي الْكَافِي: فَإِنْ كَانَ فِي السَّفَرِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ أَوْ خَائِفًا مِنْ عَدُوٍّ أَوْ لِصٍّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ؛ وَفِي الْحَضَرِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ يَقْرَأُ مَا لَا يُفَوِّتُهُ الْوَقْتُ اهـ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يَخْتَصُّ التَّخْفِيفُ لِلضَّرُورَةِ بِالسُّورَةِ فَقَطْ بَلْ كَذَلِكَ الْفَاتِحَةُ، كَمَا إذَا اشْتَدَّ خَوْفُهُ مِنْ عَدُوٍّ فَقَرَأَ آيَةً مَثَلًا وَلَا يَكُونُ مُسِيئًا، كَذَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ.
стр. 535
لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ، ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ، وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ (طِوَالُ الْمُفَصَّلِ) مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى آخَرِ الْبُرُوجِ (فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ، وَ) مِنْهَا إلَى آخِرِ - لَمْ يَكُنْ - (أَوْسَاطُهُ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ، وَ) بَاقِيَةُ (قِصَارِهِ فِي الْمَغْرِبِ) أَيْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةٌ مِمَّا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ،
ــ
[رد المحتار]
أَقُولُ: وَقَوْلُ الْكَافِي بِقَدْرِ مَا لَا يَفُوتُهُ الْوَقْتُ يَشْمَلُ الْفَاتِحَةَ، فَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِآيَةٍ إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ بِالزِّيَادَةِ، وَهَلْ هُوَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ فِي الْقُنْيَةِ. وَقَالَ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَقِيلَ يُرَاعِي سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَاعِيَ قَدْرَ الْوَاجِبِ فِي غَيْرِهَا لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِهِ مُفْسِدٌ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِ خُرُوجِ الْوَقْتِ اهـ أَيْ فَإِنَّهُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ مُفْسِدٌ اتِّفَاقًا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ لَهُ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَرْكَ الثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ أَوْ الظُّهْرِ لَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَرْكُ السُّنَّةِ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ فَتَرْكُ سُنَّةِ السُّنَّةِ أَوْلَى. اهـ.
(قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ) وَنَقَلَهُ الزَّاهِدِيُّ فِي الْقُنْيَةِ عَنْ الْمُجَرَّدِ بِقَوْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَاَلَّذِي يُصَلِّي وَحْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْقِرَاءَةِ سِوَى الْجَهْرِ. قَالَ الزَّاهِدِيُّ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمَسْنُونَةَ يَسْتَوِي فِيهَا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ (قَوْلُهُ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ جَمْعُ طَوِيلٍ كَكَرِيمٍ وَكِرَامٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الصِّحَاحِ. وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَالرَّجُلُ الطَّوِيلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مَالِكٍ فِي مُثَلَّثِهِ وَالْمُفَصَّلُ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ السُّبْعُ السَّابِعُ مِنْ الْقُرْآنِ؛ سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ فَصْلِهِ بِالْبَسْمَلَةِ أَوْ لِقِلَّةِ الْمَنْسُوخِ مِنْهُ، وَلِهَذَا يُسَمَّى بِالْمُحْكَمِ أَيْضًا.
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ مِنْ الْحُجُرَاتِ. اهـ. قَالَ الرَّمْلِيُّ: نَظَمَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ الْأَقْوَالَ فِيهِ بِقَوْلِهِ:
مُفَصَّلٌ قُرْآنٌ بِأَوَّلِهِ أَتَى ... خِلَافٌ فَصَافَّاتٌ وَقَافٌ وَسَبِّحْ
وَجَاثِيَةٌ مُلْكٌ وَصَفٌّ قِتَالُهَا ... وَفَتْحٌ ضُحًى حُجُرَاتُهَا ذَا الْمُصَحَّحُ
وَزَادَ السُّيُوطِيّ فِي الْإِتْقَانِ قَوْلَيْنِ فَأَوْصَلَهَا إلَى اثْنَيْ عَشَرَ قَوْلًا: الرَّحْمَنُ، وَالْإِنْسَانُ (قَوْلُهُ إلَى آخِرِ الْبُرُوجِ) عَزَاهُ فِي الْخَزَائِنِ إلَى شَرْحِ الْكَنْزِ لِلشَّيْخِ بَاكِيرٍ، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَفِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى دُخُولُ الْغَايَةِ فِي الْمُغَيَّا هُنَا اهـ فَالْبُرُوجُ مِنْ الطِّوَالِ، وَهُوَ مُفَادُ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، لَكِنْ مُفَادُ مَا نَقَلْنَاهُ بَعْدَهَا عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ أَنَّهَا مِنْ الْأَوْسَاطِ، وَنَقَلَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْكَافِي بَلْ نَقَلَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الْكَافِي خُرُوجَ الْغَايَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَعَلَيْهِ فَسُورَةُ - لَمْ يَكُنْ - مِنْ الْقِصَارِ، وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ وَقَالَ: الْعِبَارَةُ لَا تُفِيدُ ذَلِكَ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى ثَبْتٍ فِي ذَلِكَ مِنْ خَارِجٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيْ لِأَنَّ الْغَايَةَ تَحْتَمِلُ الدُّخُولَ وَالْخُرُوجَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي نِيَّةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّ الظُّهْرَ كَالْعَصْرِ، لَكِنْ الْأَكْثَرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَبَاقِيهِ) أَيْ بَاقِي الْمُفَصَّلِ (قَوْلُهُ أَيْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةٌ مِمَّا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الطِّوَالِ وَالْأَوْسَاطِ وَالْقِصَارِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا نَظَرَ إلَى مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مِنْ حَيْثُ عَدَدُ الْآيَاتِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْمُفَصَّلِ سُنَّةٌ وَالْمِقْدَارُ الْمُعَيَّنُ سُنَّةٌ أُخْرَى. ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ وَقَدْرَ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ وَاقْتَصَرَ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَفِي الْمُجَرَّدِ: مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ، وَالْكُلُّ ثَابِتٌ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ وَيَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ. وَفِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ يَقْرَأُ عِشْرِينَ وَفِي الْمَغْرِبِ آيَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. اهـ.
أَقُولُ: كَوْنُ الْمَقْرُوءِ مِنْ سُوَرِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُتُونِ كَالْقُدُورِيِّ
стр. 536
وَاخْتَارَ فِي الْبَدَائِعِ عَدَمَ التَّقْدِيرِ، وَأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالْوَقْتِ وَالْقَوْمِ وَالْإِمَامِ.
وَفِي الْحُجَّةِ: يَقْرَأُ فِي الْفَرْضِ بِالتَّرَسُّلِ حَرْفًا حَرْفًا، وَفِي التَّرَاوِيحِ بَيْنَ بَيْنَ، وَفِي النَّفْلِ لَيْلًا لَهُ أَنْ يُسْرِعَ بَعْدَ أَنْ يَقْرَأَ كَمَا يَفْهَمُ، وَيَجُوزُ بِالرِّوَايَاتِ السَّبْعِ، لَكِنْ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَقْرَأَ بِالْغَرِيبَةِ عِنْدَ الْعَوَامّ صِيَانَةً لِدِينِهِمْ
(وَتُطَالُ أُولَى الْفَجْرِ عَلَى ثَانِيَتِهَا)
ــ
[رد المحتار]
وَالْكَنْزِ وَالْمَجْمَعِ وَالْوِقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَحَصْرُ الْمَقْرُوءِ بِعَدَدٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ وَالْبَحْرِ مِمَّا عَلِمْته مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُتُونِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْحِلْيَةِ فَإِنَّهُ لَوْ قَرَأَ فِي الْفَجْرِ أَوْ الظُّهْرِ سُورَتَيْنِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ يَزِيدَانِ عَلَى مِائَةِ آيَةٍ كَالرَّحْمَنِ وَالْوَاقِعَةِ، أَوْ قَرَأَ فِي الْعَصْرِ أَوْ الْعِشَاءِ سُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ تَزِيدَانِ عَلَى عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ آيَةً كَالْغَاشِيَةِ وَالْفَجْرِ يَكُونُ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ عَلَى مَا فِي الْمُتُونِ لَا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُوَافَقَةُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ إلَّا إذَا كَانَتْ السُّورَتَانِ مُوَافِقًا لِلْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَيَلْزَمُ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ مِنْ أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُعَيَّنَ سُنَّةٌ أُخْرَى أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ السُّورَتَيْنِ الزَّائِدَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ خَارِجَةً عَنْ السُّنَّةِ إلَّا أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ مِنْهُمَا عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي رَكْعَةٍ الْفَاتِحَةُ وَسُورَةٌ تَامَّةٌ، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْمَصِيرُ إلَيْهِ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ مُتَخَالِفَتَانِ اخْتَارَ أَصْحَابُ الْمُتُونِ إحْدَاهُمَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ فِي مَتْنِ الْمُلْتَقَى ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْفَجْرِ حَضَرًا أَرْبَعُونَ آيَةً أَوْ سِتُّونَ، ثُمَّ قَالَ: وَاسْتَحْسَنُوا طِوَالَ الْمُفَصَّلِ فِيهَا وَفِي الظُّهْرِ إلَخْ.
فَذَكَرَ أَنَّ الثَّانِيَ اسْتِحْسَانٌ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى لِتَأَيُّدِهِ بِالْأَثَرِ الْوَارِدِ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنْ اقْرَأْ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَهُوَ كَالْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا. اهـ. (قَوْلُهُ وَاخْتَارَ فِي الْبَدَائِعِ عَدَمَ التَّقْدِيرِ إلَخْ) وَعَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي الْبَدَائِعِ رَمْلِيٌّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ لِكُلِّ أَحَدٍ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ، كَمَا يُفِيدُهُ تَمَامُ الْعِبَارَةِ، بَلْ تَارَةً يَقْتَصِرُ عَلَى أَدْنَى مَا وَرَدَ كَأَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ فِي الْفَجْرِ، أَوْ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْ قِصَارِهِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ، «لِأَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِي الْفَجْرِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ لَمَّا سَمِعَ بُكَاءَ صَبِيٍّ خَشْيَةَ أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» وَتَارَةً يَقْرَأُ أَكْثَرَ مَا وَرَدَ إذَا لَمْ يَمَلَّ الْقَوْمُ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ إلْغَاءَ الْوَارِدِ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ: وَالْجُمْلَةُ فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ مِقْدَارَ مَا يَخِفُّ عَلَى الْقَوْمِ وَلَا يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّمَامِ، وَهَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ اهـ (قَوْلُهُ وَالْإِمَامُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ حُسْنُ صَوْتِهِ وَقُبْحُهُ (قَوْلُهُ وَفِي الْحُجَّةِ) اسْمُ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْفَتَاوَى (قَوْلُهُ بَيْنَ بَيْنَ) أَيْ بِأَنْ تَكُونَ بَيْنَ التَّرَسُّلِ وَالْإِسْرَاعِ (قَوْلُهُ لَيْلًا) لَعَلَّ وَجْهَ التَّقَيُّدُ بِهِ أَنَّ عَادَةَ الْمُتَهَجِّدِينَ كَثْرَةُ الْقِرَاءَةِ فِي تَهَجُّدِهِمْ فَلَهُمْ الْإِسْرَاعُ لِيُحَصِّلُوا وِرْدَهُمْ مِنْ الْقِرَاءَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَمَا يُفْهَمُ) أَيْ بَعْدَ أَنْ يَمُدَّ أَقَلَّ مَدٍّ قَالَ بِهِ الْقُرَّاءُ وَإِلَّا حَرُمَ لِتَرْكِ التَّرْتِيلِ الْمَأْمُورِ بِهِ شَرْعًا ط (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بِالرِّوَايَاتِ السَّبْعِ) بَلْ يَجُوزُ بِالْعَشْرِ أَيْضًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأُصُولِ ط (قَوْلُهُ بِالْغَرِيبَةِ) أَيْ بِالرِّوَايَاتِ الْغَرِيبَةِ وَالْإِمَالَاتِ لِأَنَّ بَعْضَ السُّفَهَاءِ يَقُولُونَ مَا لَا يَعْلَمُونَ فَيَقَعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالشَّقَاءِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْأَئِمَّةِ أَنْ يَحْمِلُوا الْعَوَامَّ عَلَى مَا فِيهِ نُقْصَانُ دِينِهِمْ، وَلَا يَقْرَأْ عِنْدَهُ قِرَاءَةَ أَبِي جَعْفَرٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَعَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ صِيَانَةً لِدِينِهِمْ فَلَعَلَّهُمْ يَسْتَخِفُّونَ أَوْ يَضْحَكُونَ وَإِنْ كَانَ كُلُّ الْقِرَاءَاتِ وَالرِّوَايَاتِ صَحِيحَةً فَصَيْحَةً، وَمَشَايِخُنَا اخْتَارُوا قِرَاءَةَ أَبِي عَمْرٍو وَحَفْصٍ عَنْ عَاصِمٍ اهـ مِنْ التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ فَتَاوَى الْحُجَّةِ
(قَوْلُهُ وَتُطَالُ إلَخْ) أَيْ يُطِيلُهَا الْإِمَامُ وَهِيَ مَسْنُونَةٌ
стр. 537
بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَقِيلَ النِّصْفِ نَدْبًا؛ فَلَوْ فَحُشَ لَا بَأْسَ بِهِ (فَقَطْ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَلِي الْكُلُّ حَتَّى التَّرَاوِيحُ؛ قِيلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (وَإِطَالَةُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى يُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (إجْمَاعًا إنْ بِثَلَاثِ آيَاتٍ) إنْ تَقَارَبَتْ طُولًا وَقِصَرًا، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ الْحُرُوفُ وَالْكَلِمَاتُ.
ــ
[رد المحتار]
إجْمَاعًا إعَانَةً عَلَى إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِأَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْإِمَامِ وَمِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يُسَوِّي بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْجَمِيعِ اتِّفَاقًا شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
أَقُولُ: وَبِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْإِطَالَةَ الْمَذْكُورَةَ مَسْنُونَةٌ إجْمَاعًا، وَمِثْلُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عُلِمَ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى لِلْبَهْنَسِيِّ مِنْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ إجْمَاعًا غَرِيبٌ أَوْ سَبْقُ قَلَمٍ. وَقَالَ تِلْمِيذُهُ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى: لَمْ أَجِدْهُ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ) بِأَنْ تَكُونَ زِيَادَةُ مَا فِي الْأُولَى عَلَى مَا فِي الثَّانِيَةِ بِقَدْرِ ثُلُثِ مَجْمُوعِ مَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ الثُّلُثَانِ فِي الْأُولَى وَالثُّلُثُ فِي الثَّانِيَةِ، وَمِثْلُهُ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ وَالدُّرَرِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ النِّصْفُ) كَذَا فِي الْحِلْيَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَحْبُوبِيِّ؛ وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ، لَكِنَّ عِبَارَةَ الْخُلَاصَةِ لَا تُفِيدُهُ لِأَنَّ عِبَارَتَهَا هَكَذَا وَحَدُّ الْإِطَالَةِ فِي الْفَجْرِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ وَفِي الْأُولَى مِنْ ثَلَاثِينَ إلَى سِتِّينَ. اهـ.
وَأَرْجَعَ الْمُحَشِّي الْقَوْلَ بِالنِّصْفِ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ نِصْفُ الْمَقْرُوءِ فِي الْأُولَى وَهُوَ ثُلُثُ الْمَجْمُوعِ، فَلَا وَجْهَ لِعَدِّهِ مُقَابِلًا لَهُ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ مُرَادَ الْخُلَاصَةِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ جَعْلِ الزِّيَادَةِ بِقَدْرِ نِصْفِ مَا فِي الْأُولَى أَوْ نِصْفِ مَا فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَى ثَلَاثِينَ وَفِي الثَّانِيَةِ عِشْرِينَ فَالزِّيَادَةُ بِقَدْرِ نِصْفِ مَا فِي الثَّانِيَةِ. وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى سِتِّينَ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثِينَ فَالزِّيَادَةُ بِقَدْرِ نِصْفِ مَا فِي الْأُولَى، وَبِهَذَا يُغَايِرُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ نَدْبًا) رَاجِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ يَعْنِي أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ فِي كُلٍّ بَيَانٌ لِلْأَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يُرَاعِهِ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا بَأْسَ بِهِ ح (قَوْلُهُ فَلَوْ فَحُشَ) بِأَنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِأَرْبَعِينَ وَفِي الثَّانِيَةِ بِثَلَاثِ آيَاتٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَبِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ فَقَطْ) لِمَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْفَجْرُ مُجَرَّدَ مِثَالٍ لَا لِلتَّقْيِيدِ أَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ حَتَّى التَّرَاوِيحُ) عَزَاهُ فِي الْخَزَائِنِ إلَى الْخَانِيَّةِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا فِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ، لَكِنْ فِي نَظْمِ الزندويستي الِاتِّفَاقُ عَلَى تَسْوِيَةِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا، وَأَيَّدَهُ فِي الْحِلْيَةِ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِعَدَمِ إطَالَةِ الْأُولَى عَلَى؛ الثَّانِيَةِ فِيهِمَا (قَوْلُهُ قِيلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) قَائِلُهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمُجْتَبَى. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْحُجَّةِ: وَهُوَ الْمَأْخُوذُ لِلْفَتْوَى.
وَفِي الْخُلَاصَةِ إنَّهُ أَحَبُّ، وَجَنَحَ إلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: أَيْ مِنْ الظُّهْرِ مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ» وَنَازَعَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِطَالَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّنَاءُ وَالتَّعَوُّذُ، وَبِمَا دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ، ضَرُورَةَ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ حَيْثُ قَالَ: فَحُزِرَ قِيَامُهُ فِي الظُّهْرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً فَإِنَّهُ أَفَادَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ اهـ. وَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ بَعْدَ أَنْ حَقَّقَ دَلِيلَهُمَا: فَيَظْهَرُ عَلَى هَذَا أَنَّ قَوْلَهُمَا أَحَبُّ لَا قَوْلُهُ، وَأَنَّ الْأَوْلَى كَوْنُ الْفَتْوَى عَامَّةَ قَوْلِهِمَا لَا قَوْلِهِ، وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ والشرنبلالية، وَاعْتَمَدَ قَوْلَهُمَا فِي الْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى وَالْمُخْتَارِ وَالْهِدَايَةِ فَلِذَا اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا (قَوْلُهُ إنْ تَقَارَبَتْ إلَخْ) ذَكَرَ هَذَا فِي الْكَافِي فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وَاعْتَبَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي فِي عِبَارَتِهِ.
стр. 538
وَاعْتَبَرَ الْحَلَبِيُّ فُحْشَ الطُّولِ لَا عَدَدَ الْآيَاتِ، وَاسْتَثْنَى فِي الْبَحْرِ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَاسْتَظْهَرَ فِي النَّفْلِ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا (وَإِنْ بِأَقَلَّ لَا) يُكْرَهُ، «لِأَنَّهُ ﵊
ــ
[رد المحتار]
وَالْحَاصِلُ أَنَّ سُنِّيَّةَ إطَالَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ وَكَرَاهِيَةَ الْعَكْسِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ عَدَدُ الْآيَاتِ إنْ تَقَارَبَتْ الْآيَاتُ طُولًا وَقِصَرًا فَإِنْ تَفَاوَتَتْ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ الْكَلِمَاتُ، فَإِذَا قَرَأَ فِي الْأُولَى مِنْ الْفَجْرِ عِشْرِينَ آيَةً طَوِيلَةً وَفِي الثَّانِيَةِ مِنْهَا عِشْرِينَ أَيَّةً قَصِيرَةً تَبْلُغُ كَلِمَاتُهَا قَدْرَ نِصْفِ كَلِمَاتِ الْأُولَى فَقَدْ حَصَّلَ السُّنَّةَ، وَلَوْ عَكَسَ يُكْرَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحُرُوفَ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مُقَابَلَةُ كُلِّ كَلِمَةٍ بِمِثْلِهَا فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ، فَالْمُعْتَبَرُ عَدَدُ الْحُرُوفِ لَا الْكَلِمَاتُ فَلَوْ اقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الْحُرُوفِ أَوْ عَطَفَهَا عَلَى الْكَلِمَاتِ كَمَا فَعَلَ فِي الْكَافِي لَكَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ وَاعْتَبَرَ الْحَلَبِيُّ فُحْشَ الطُّولِ إلَخْ) كَمَا لَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى وَالْعَصْرِ وَفِي الثَّانِيَةِ الْهُمَزَةَ فَرَمَزَ فِي الْقُنْيَةِ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ثُمَّ رَمَزَ ثَانِيًا أَنَّهُ يُكْرَهُ وَقَالَ لِأَنَّ الْأُولَى ثَلَاثُ آيَاتٍ وَالثَّانِيَةَ تِسْعٌ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ الْكَثِيرَةُ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَرَأَ فِي الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] » فَزَادَ عَلَى الْأُولَى بِسَبْعٍ لَكِنْ السَّبْعُ فِي السُّوَرِ الطِّوَالِ يَسِيرٌ دُونَ الْقِصَارِ لِأَنَّ السِّتَّ هُنَا ضِعْفُ الْأَصْلِ وَالسَّبْعُ ثَمَّةَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ اهـ أَيْ أَنَّ السِّتَّ الزَّائِدَةَ فِي الْهُمَزَةِ ضِعْفُ سُورَةِ الْعَصْرِ بِخِلَافِ السَّبْعِ الزَّائِدَةِ فِي الْغَاشِيَةِ فَإِنَّهَا أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ سُورَةِ الْأَعْلَى فَكَانَتْ يَسِيرَةً. قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْقُنْيَةِ أَنَّ ثَلَاثَ آيَاتٍ إنَّمَا تُكْرَهُ فِي السُّوَرِ الْقِصَارِ لِظُهُورِ الطُّولِ فِيهَا بِذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا وَهُوَ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِمَا دُونَ النِّصْفِ لَا تُكْرَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ الزِّيَادَةَ إذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً ظُهُورًا تَامًّا تُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا لِلُزُومِ الْحَرَجِ فِي التَّحَرُّزِ عَنْ الْخَفِيَّةِ وَلِوُرُودِ مِثْلِ هَذَا فِي الْحَدِيثِ. وَلَا تَغْفُلْ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْآيَاتِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ تَقَارُبِهَا، وَأَمَّا عِنْدَ تَفَاوُتِهَا فَالْمُعْتَبَرُ التَّقْدِيرُ بِالْكَلِمَاتِ أَوْ الْحُرُوفِ عَمَّا إلَّا فَأَلَمْ نَشْرَحْ ثَمَانِي آيَاتٍ - و - لَمْ يَكُنْ - ثَمَانِي آيَاتٍ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْأُولَى فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا قُلْنَا مِنْ ظُهُورِ الزِّيَادَةِ وَالطُّولِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثُ الْآيُ لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْكَلِمُ وَالْحُرُوفُ وَقِسْ عَلَى هَذَا اهـ كَلَامُ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ.
وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِهِ وَكَلَامِ الْقُنْيَةِ أَنَّ إطْلَاقَ كَرَاهَةِ إطَالَةِ الثَّانِيَةِ بِثَلَاثِ آيَاتٍ مُقَيَّدٌ بِالسُّوَرِ الْقَصِيرَةِ الْمُتَقَارِبَةِ الْآيَاتِ لِظُهُورِ الْإِطَالَةِ حِينَئِذٍ فِيهَا أَمَّا السُّوَرُ الطَّوِيلَةُ أَوْ الْقَصِيرَةُ الْمُتَفَاوِتَةُ فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ فِيهِمَا بَلْ يُعْتَبَرُ ظُهُورُ الْإِطَالَةِ مِنْ حَيْثُ الْكَلِمَاتُ وَإِنْ اتَّحَدَتْ آيَاتُ السُّورَتَيْنِ عَدَدًا هَذَا مَا فَهِمْته، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى فِي الْبَحْرِ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ) أَيْ كَقِرَاءَتِهِ ﵊ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى بِالْأَعْلَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ أَنَّ الْأُولَى تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً وَالثَّانِيَةَ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ. وَعَلَى مَا مَرَّ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ طَوِيلَتَانِ، وَلَا تَفَاوُتَ ظَاهِرٌ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْكَلِمَاتُ وَالْحُرُوفُ، بَلْ هُمَا مُتَقَارِبَتَانِ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَوَّلًا بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ، وَلِأَنَّ عِبَارَةَ الْبَحْرِ هَكَذَا: وَقَيَّدَ بِالْفَرْضِ لِأَنَّهُ يُسَوَّى فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ رَكَعَاتُهَا فِي الْقِرَاءَةِ إلَّا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَوْ الْأَثَرُ، كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي. وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِكَرَاهَةِ تَطْوِيلِ رَكْعَةٍ مِنْ التَّطَوُّعِ وَنَقْصِ أُخْرَى، وَأَطْلَقَ فِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ عَدَمَ كَرَاهَةِ إطَالَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ لِأَنَّ أَمْرَهَا سَهْلٌ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْيُسْرِ.
وَمَشَى عَلَيْهِ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى فَكَانَ الظَّاهِرُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ اهـ. فَقَوْلُ الْبَحْرِ: وَأَطْلَقَ فِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ إلَخْ وَاسْتِظْهَارٌ لَهُ قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ خِلَافَ مَا فِي الْمُنْيَةِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ نَعَمْ كَلَامُهُ فِي إطَالَةِ الْأَوْلَى عَلَى الثَّانِيَةِ دُونَ الْعَكْسِ، فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَتُطَالُ أَوْلَى الْفَجْرِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالْأَصَحُّ كَرَاهَةُ إطَالَةِ الثَّانِيَةِ
стр. 539
صَلَّى بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ»
(وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِصَلَاةٍ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِيَّةِ) بَلْ تَعَيُّنُ الْفَاتِحَةُ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ (وَيُكْرَهُ التَّعْيِينُ) كَالسَّجْدَةِ وَ - ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان: ١]- لِفَجْرِ كُلِّ جُمُعَةٍ، بَلْ يُنْدَبُ قِرَاءَتُهُمَا أَحْيَانًا (وَالْمُؤْتَمُّ لَا يَقْرَأُ مُطْلَقًا) وَلَا الْفَاتِحَةَ فِي السَّرِيَّةِ اتِّفَاقًا، وَمَا نُسِبَ لِمُحَمَّدٍ ضَعِيفٌ كَمَا بَسَطَهُ الْكَمَالُ (فَإِنْ قَرَأَ كُرِهَ تَحْرِيمًا) وَتَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي دُرَرِ الْبِحَارِ عَنْ مَبْسُوطِ خُوَاهَرْ زَادَهْ
ــ
[رد المحتار]
عَلَى الْأُولَى فِي النَّفْلِ أَيْضًا إلْحَاقًا لَهُ بِالْفَرْضِ فِيمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ تَخْصِيصٌ مِنْ التَّوَسُّعَةِ كَجَوَازِهِ قَاعِدًا بِلَا عُذْرٍ وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا إطَالَةُ الثَّالِثَةِ عَلَى الثَّانِيَةِ وَالْأُولَى فَلَا تُكْرَهُ، لِمَا أَنَّهُ شَفْعٌ آخَرُ. اهـ. (قَوْلُهُ صَلَّى بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ) يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالسُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَطْوَلُ مِنْ الْأُولَى بِآيَةٍ. وَفِي الِاحْتِرَازِ عَنْ هَذَا التَّفَاوُتِ حَرَجٌ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ شَرْعًا فَتُجْعَلُ زِيَادَةُ مَا دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ أَوْ نُقْصَانُهُ كَالْعَدَمِ فَلَا يُكْرَهُ ح عَنْ الْحِلْيَةِ
(قَوْلُهُ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِيَّةِ) أَيْ بِحَيْثُ لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ بِدُونِهِ كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ فِي الْفَاتِحَةِ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ التَّعَيُّنُ إلَخْ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُفَرَّعَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ عَلَيْهِ شَيْئًا تَيْسِيرًا عَلَيْهِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ، وَعَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ: لِمَا فِيهِ مِنْ هَجْرِ الْبَاقِي وَإِيهَامِ التَّفْضِيلِ (قَوْلُهُ بَلْ يُنْدَبُ قِرَاءَتُهُمَا أَحْيَانًا) قَالَ فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى: وَهَذَا إذَا صَلَّى الْوِتْرَ بِجَمَاعَةٍ، وَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ يَقْرَأُ كَيْفَ شَاءَ اهـ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمُدَاوَمَةِ لَا الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْعَدَمِ كَمَا يَفْعَلُهُ حَنَفِيَّةُ الْعَصْرِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ أَحْيَانًا تَبَرُّكًا بِالْمَأْثُورِ، فَإِنَّ لُزُومَ الْإِيهَامِ يَنْتَفِي بِالتَّرْكِ أَحْيَانًا، وَلِذَا قَالُوا: السُّنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكْعَتِي الْفَجْرِ بِالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ. وَظَاهِرُ هَذَا إفَادَةُ الْمُوَاظَبَةِ، إذْ الْإِيهَامُ الْمَذْكُورُ مُنْتَفٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُصَلِّي نَفْسِهِ اهـ وَمُقْتَضَاهُ اخْتِصَاصُ الْكَرَاهَةِ بِالْإِمَامِ.
وَنَازَعَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إيهَامُ التَّفْصِيلِ وَالتَّعْيِينِ، أَمَّا عَلَى مَا عَلَّلَ بِهِ الْمَشَايِخُ مِنْ هَجْرِ الْبَاقِي فَلَا فَرْقَ فِي كَرَاهَةِ الْمُدَاوَمَةِ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ وَالسُّنَّةِ وَالْفَرْضِ، فَتُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ مُطْلَقًا، لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ كَرَاهَةِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِرَاءَةِ السُّوَرِ الثَّلَاثِ فِي الْوِتْرِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ فِي رَمَضَانَ إمَامًا أَوْ لَا. اهـ. وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ قَدْ عَلَّلَ بِهِمَا الْمَشَايِخُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا عِلَّتَانِ، فَيُتَّجَهُ مَا فِي الْفَتْحِ.
أَقُولُ: عَلَى أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّعْمِيمِ الْمَذْكُورِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ إيهَامَ هَجْرِ الْبَاقِي يَزُولُ بِقِرَاءَتِهِ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى. وَأَيْضًا ذَكَرَ فِي وِتْرِ الْبَحْرِ عَنْ النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً مُتَعَيِّنَةً عَلَى الدَّوَامِ لِئَلَّا يَظُنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ وَاجِبٌ اهـ فَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا فِي الْفَتْحِ أَيْضًا.
هَذَا، وَقَيَّدَ الطَّحَاوِيُّ والإسبيجابي الْكَرَاهَةَ بِمَا إذَا رَأَى ذَلِكَ حَتْمًا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ؛ أَمَّا لَوْ قَرَأَهُ لِلتَّيْسِيرِ عَلَيْهِ أَوْ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَتِهِ ﵊ فَلَا كَرَاهَةَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَهَا أَحْيَانًا لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ غَيْرَهَا لَا يَجُوزُ. وَاعْتَرَضَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ لَا تَحْرِيرَ فِيهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُدَاوَمَةِ. اهـ.
وَأَقُولُ: حَاصِلُ مَعْنَى كَلَامِ هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ بَيَانُ وَجْهِ الْكَرَاهَةِ فِي الْمُدَاوَمَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ رَأَى ذَلِكَ حَتْمًا يُكْرَهُ مِنْ حَيْثُ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ وَإِلَّا يُكْرَهُ مِنْ حَيْثُ إيهَامُ الْجَاهِلِ، وَبِهَذَا الْحَمْلِ يَتَأَيَّدُ أَيْضًا كَلَامُ الْفَتْحِ السَّابِقِ: وَيَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُهُ اللَّاحِقُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَلَا الْفَاتِحَةَ) بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لَا غَيْرَ الْفَاتِحَةِ وَلَا الْفَاتِحَةَ، وَقَوْلُهُ فِي السَّرِيَّةِ يُعْلَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ بِالْأَوْلَى، وَالْمُرَادُ التَّعْرِيضُ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَيَرِدُ مَا نُسِبَ لِمُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ اتِّفَاقًا) أَيْ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ. (قَوْلُهُ وَمَا نُسِبَ لِمُحَمَّدٍ) أَيْ مِنْ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي السَّرِيَّةِ احْتِيَاطًا (قَوْلُهُ كَمَا بَسَطَهُ الْكَمَالُ) حَاصِلُهُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ فِي كِتَابِهِ الْآثَارِ: لَا نَرَى الْقِرَاءَةَ خَلَفَ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ يَجْهَرُ فِيهِ أَوْ يُسِرُّ، وَدَعْوَى الِاحْتِيَاطِ مَمْنُوعَةٌ، بَلْ الِاحْتِيَاطُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ
стр. 540
أَنَّهَا تَفْسُدُ وَيَكُونُ فَاسِقًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَالْمَنْعُ أَحْوَطُ (بَلْ يَسْتَمِعُ) إذَا جَهَرَ (وَيُنْصِتُ) إذَا أَسَرَّ «لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ كُنَّا نَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فَنَزَلَ - ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]-» (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ) وَكَذَا الْإِمَامُ لَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ، وَمَا وَرَدَ حُمِلَ عَلَى النَّفْلِ مُنْفَرِدًا كَمَا مَرَّ (كَذَا الْخُطْبَةُ) فَلَا يَأْتِي بِمَا يُفَوِّتُ الِاسْتِمَاعَ وَلَوْ كِتَابَةً أَوْ رَدَّ سَلَامٍ (وَإِنْ صَلَّى الْخَطِيبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا إذَا قَرَأَ - ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]- فَيُصَلِّي الْمُسْتَمِعُ سِرًّا) بِنَفْسِهِ وَيُنْصِتُ بِلِسَانِهِ عَمَلًا بِأَمْرَيْ - ﴿صَلُّوا﴾ [الأحزاب: ٥٦]- ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]- (وَالْبَعِيدُ) عَنْ الْخَطِيبِ (وَالْقَرِيبُ سِيَّانِ) فِي افْتِرَاضِ الْإِنْصَاتِ.
ــ
[رد المحتار]
الْفَسَادُ بِالْقِرَاءَةِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَأَقْوَاهُمَا الْمَنْعُ (قَوْلُهُ أَنَّهَا تَفْسُدُ) هَذَا مُقَابِلُ الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ الْفَسَادُ الْمَفْهُومُ مِنْ تَفْسُدُ (قَوْلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ) قَالَ فِي الْخَزَائِنِ: وَفِي الْكَافِي: وَمَنْعُ الْمُؤْتَمِّ مِنْ الْقِرَاءَةِ مَأْثُورٌ عَنْ ثَمَانِينَ نَفَرًا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ الْمُرْتَضَى وَالْعَبَادِلَةُ وَقَدْ دَوَّنَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَسَامِيَهُمْ (قَوْلُهُ وَيُنْصِتُ إذَا أَسَرَّ) وَكَذَا إذَا جَهَرَ بِالْأَوْلَى. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَحَاصِلُ الْآيَةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِهَا أَمْرَانِ الِاسْتِمَاعُ وَالسُّكُوتُ، فَيَعْمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْأَوَّلُ يَخُصُّ الْجَهْرِيَّةَ، وَالثَّانِي لَا فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَجِبُ السُّكُوتُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا اهـ (قَوْلُهُ آيَةُ تَرْغِيبٍ) أَيْ فِي ثَوَابِهِ تَعَالَى أَوْ تَرْهِيبٍ: أَيْ تَخْوِيفٍ مِنْ عِقَابِهِ تَعَالَى، فَلَا يَسْأَلُ الْأَوَّلَ وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ الثَّانِي. قَالَ فِي الْفَتْحِ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُ بِالرَّحْمَةِ إذَا اسْتَمَعَ، وَوَعْدُهُ حَتْمٌ، وَإِجَابَةُ دُعَاءِ الْمُتَشَاغِلِ عَنْهُ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهَا (قَوْلُهُ وَمَا وَرَدَ) أَيْ عَنْ «حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَمَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَسَأَلَ، وَلَا بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا وَتَعَوَّذَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ (قَوْلُهُ حُمِلَ عَلَى النَّفْلِ مُنْفَرِدًا) أَفَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي فِي الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ سَوَاءٌ،
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: أَمَّا الْإِمَامُ فِي الْفَرَائِضِ فَلَمَّا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ فِيهَا، وَكَذَا الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا، فَكَانَ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ وَلِأَنَّهُ تَثْقِيلٌ عَلَى الْقَوْمِ فَيُكْرَهُ. وَأَمَّا فِي التَّطَوُّعِ فَإِنْ كَانَ فِي التَّرَاوِيحِ فَكَذَلِكَ؛ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا مِنْ نَوَافِلِ اللَّيْلِ الَّتِي اقْتَدَى بِهِ فِيهَا وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ فَلَا يَتِمُّ تَرْجِيحُ التَّرْكِ عَلَى الْفِعْلِ، لِمَا رَوَيْنَا: أَيْ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ السَّابِقِ، اللَّهُمَّ إلَّا إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ تَثْقِيلٌ عَلَى الْمُقْتَدِي، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ. وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلِأَنَّ وَظِيفَتَهُ الِاسْتِمَاعُ وَالْإِنْصَاتُ فَلَا يَشْتَغِلُ بِمَا يُخِلُّهُ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ فِي الْمُقْتَدِي فِي الْفَرَائِضِ وَالتَّرَاوِيحِ؛ أَمَّا الْمُقْتَدِي فِي النَّافِلَةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا كَانَ إمَامُهُ يَفْعَلُهُ فَلَا لِعَدَمِ الْإِخْلَالِ بِمَا ذُكِرَ، فَلْيُحْمَلْ عَلَى مَا عَدَا هَذِهِ الْحَالَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي فَصْلِ تَرْتِيبِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنْ حَمْلِ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَفِي السَّجْدَتَيْنِ وَالْجَلْسَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُتَنَفِّلُ، وَأَمَّا مَسْأَلَتُنَا هَذِهِ فَلَمْ تَمُرَّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَلَا يَأْتِي بِمَا يُفَوِّتُ الِاسْتِمَاعَ إلَخْ) سَيَأْتِي فِي بَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّ كُلَّ مَا حَرُمَ فِي الصَّلَاةِ حَرُمَ فِي الْخُطْبَةِ؛ فَيَحْرُمُ أَكْلٌ وَشُرْبٌ وَكَلَامٌ وَلَوْ تَسْبِيحًا أَوْ رَدَّ سَلَامٍ أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ إلَّا مِنْ الْخَطِيبِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْهَا بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَرِدُ تَحْذِيرُ مَنْ خِيفَ هَلَاكُهُ لِأَنَّهُ يَجِبُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، وَالْإِنْصَاتُ لِحَقِّهِ تَعَالَى، وَمَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ، بِأَنْ يُشِيرَ بِرَأْسِهِ أَوْ يَدِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مُنْكَرٍ، وَكَذَا الِاسْتِمَاعُ لِسَائِرِ الْخُطَبِ كَخِطْبَةِ نِكَاحٍ وَخَتْمٍ وَعِيدٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَيُنْصِتُ بِلِسَانِهِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَفِي جُمُعَةِ الْفَتْحِ أَنَّهُ (الصَّوَابُ) (قَوْلُهُ فِي افْتِرَاضِ الْإِنْصَاتِ) عَبَّرَ بِالِافْتِرَاضِ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ. وَعَبَّرَ فِي النَّهْرِ بِالْوُجُوبِ قَالَ ط وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّ تَرْكَهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا.
стр. 541
فُرُوعٌ] يَجِبُ الِاسْتِمَاعُ لِلْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً وَيُعِيدَهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَأَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى مِنْ مَحَلٍّ وَفِي الثَّانِيَةِ مِنْ آخَرَ وَلَوْ مِنْ سُورَةٍ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا آيَتَانِ فَأَكْثَرَ. وَيُكْرَهُ الْفَصْلُ بِسُورَةٍ قَصِيرَةٍ وَأَنْ يَقْرَأَ مَنْكُوسًا
ــ
[رد المحتار]
[فُرُوعٌ يَجِبُ الِاسْتِمَاعُ لِلْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا]
فُرُوعٌ فِي الْقِرَاءَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ يَجِبُ الِاسْتِمَاعُ لِلْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا لِأَنَّ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَتْ وَارِدَةً فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا مَرَّ فَالْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، ثُمَّ هَذَا حَيْثُ لَا عُذْرَ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: صَبِيٌّ يَقْرَأُ فِي الْبَيْتِ وَأَهْلُهُ مَشْغُولُونَ بِالْعَمَلِ يُعْذَرُونَ فِي تَرْكِ الِاسْتِمَاعِ إنْ افْتَتَحُوا الْعَمَلَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا قِرَاءَةُ الْفِقْهِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَفِي الْفَتْحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ: رَجُلٌ يَكْتُبُ الْفِقْهَ وَبِجَنْبِهِ رَجُلٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَلَا يُمْكِنُهُ اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ فَالْإِثْمُ عَلَى الْقَارِئِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَرَأَ عَلَى السَّطْحِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ يَأْثَمُ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ اسْتِمَاعِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يُؤْذِيهِمْ بِإِيقَاظِهِمْ تَأَمَّلْ مَطْلَبٌ الِاسْتِمَاعُ لِلْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ لِلْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِأَنَّهُ لِإِقَامَةِ حَقِّهِ بِأَنْ يَكُونَ مُلْتَفَتًا إلَيْهِ غَيْرَ مُضَيَّعٍ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِنْصَاتِ الْبَعْضِ؛ كَمَا فِي رَدِّ السَّلَامِ حِينَ كَانَ لِرِعَايَةِ حَقِّ الْمُسْلِمِ كَفَى فِيهِ الْبَعْضُ عَنْ الْكُلِّ، إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ احْتِرَامُهُ بِأَنْ لَا يَقْرَأَهُ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ الِاشْتِغَالِ، فَإِذَا قَرَأَهُ فِيهَا كَانَ هُوَ الْمُضَيَّعَ لِحُرْمَتِهِ، فَيَكُونُ الْإِثْمُ عَلَيْهِ دُونَ أَهْلِ الِاشْتِغَالِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَتَمَامُهُ فِي ط. وَنَقَلَ الْحَمَوِيُّ عَنْ أُسْتَاذِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ يَحْيَى الشَّهِيرِ بِمِنْقَارِي زَادَهْ أَنَّ لَهُ رِسَالَةً حَقَّقَ فِيهَا أَنَّ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ فَرْضُ عَيْنٍ (قَوْلُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً إلَخْ) أَفَادَ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ جَزْمُ الْقُنْيَةِ بِالْكَرَاهَةِ، وَيُحْمَلُ فِعْلُهُ ﵊ لِذَلِكَ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، هَذَا إذَا لَمْ يُضْطَرَّ، فَإِنْ اُضْطُرَّ بِأَنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]- أَعَادَهَا فِي الثَّانِيَةِ إنْ لَمْ يَخْتِمْ نَهْرٌ لِأَنَّ التَّكْرَارَ أَهْوَنُ مِنْ الْقِرَاءَةِ مَنْكُوسًا بَزَّازِيَّةٌ، وَأَمَّا لَوْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ فَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّهُ يَقْرَأُ مِنْ الْبَقَرَةِ.
(قَوْلُهُ وَأَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى مِنْ مَحَلِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكَّتَيْنِ آخِرَ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ لَا آخِرَ سُورَتَيْنِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ اهـ لَكِنْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ الْمَنْفِيَّةِ التَّحْرِيمِيَّةُ، فَلَا يُنَافِي كَلَامَ الْأَكْثَرِ وَلَا قَوْلَ الشَّارِحِ لَا بَأْسَ تَأَمَّلْ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَقِبَ مَا مَرَّ، وَكَذَا لَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى مِنْ وَسَطِ سُورَةٍ أَوْ مِنْ سُورَةٍ أَوَّلَهَا ثُمَّ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ وَسَطِ سُورَةِ أُخْرَى أَوْ مِنْ أَوَّلِهَا أَوْ سُورَةً قَصِيرَةً الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، لَكِنْ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ سُورَةٍ إلَخْ) وَاصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ أَيْ لَوْ قَرَأَ مِنْ مَحَلَّيْنِ، بِأَنْ انْتَقَلَ مِنْ آيَةٍ إلَى أُخْرَى مِنْ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا آيَتَانِ فَأَكْثَرُ، لَكِنْ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ بِلَا ضَرُورَةٍ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْإِعْرَاضَ وَالتَّرْجِيحَ بِلَا مُرَجِّحٍ شَرْحُ الْمُنْيَةِ؛ وَإِنَّمَا فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ آيَةٍ إلَى آيَةٍ يُكْرَهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا آيَاتٌ بِلَا ضَرُورَةٍ؛ فَإِنْ سَهَا ثُمَّ تَذَكَّرَ يَعُودُ مُرَاعَاةً لِتَرْتِيبِ الْآيَاتِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ الْفَصْلُ بِسُورَةٍ قَصِيرَةٍ) أَمَّا بِسُورَةٍ طَوِيلَةٍ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْهُ إطَالَةُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إطَالَةً كَثِيرَةً فَلَا يُكْرَهُ شَرْحُ الْمُنْيَةِ: كَمَا إذَا كَانَتْ سُورَتَانِ قَصِيرَتَانِ، وَهَذَا لَوْ فِي رَكْعَتَيْنِ أَمَّا فِي رَكْعَةٍ فَيُكْرَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ سُورَتَيْنِ بَيْنَهُمَا سُوَرٌ أَوْ سُورَةٌ فَتْحٌ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: إذَا جَمَعَ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ رَأَيْت فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ فِي الْفَرْضِ وَلَوْ فَعَلَ لَا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ بَيْنَهُمَا سُورَةً أَوْ أَكْثَرَ (قَوْلُهُ وَأَنْ يَقْرَأَ مَنْكُوسًا) بِأَنْ يَقْرَأَ الثَّانِيَةَ
стр. 542
إلَّا إذَا خَتَمَ فَيَقْرَأُ مِنْ الْبَقَرَةِ. وَفِي الْقُنْيَةِ قَرَأَ فِي الْأُولَى الْكَافِرُونَ وَفِي الثَّانِيَةِ - أَلَمْ تَرَ - أَوْ - تَبَّتْ - ثُمَّ ذَكَرَ يُتِمُّ وَقِيلَ يَقْطَعُ وَيَبْدَأُ، وَلَا يُكْرَهُ فِي النَّفْلِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَثَلَاثٌ تَبْلُغُ قَدْرَ أَقْصَرِ سُورَةٍ أَفْضَلُ مِنْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ، وَفِي سُورَةٍ وَبَعْضِ سُورَةٍ الْعِبْرَةُ لِلْأَكْثَرِ، وَبَسَطْنَاهُ فِي الْخَزَائِنِ:
بَابُ الْإِمَامَةِ
ــ
[رد المحتار]
سُورَةً أَعْلَى مِمَّا قَرَأَ فِي الْأُولَى لِأَنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ وَاجِبَاتِ التِّلَاوَةِ؛ وَإِنَّمَا جُوِّزَ لِلصِّغَارِ تَسْهِيلًا لِضَرُورَةِ التَّعْلِيمِ ط (قَوْلُهُ إلَّا إذَا خَتَمَ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: مَنْ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ إذَا فَرَغَ مِنْ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَرْكَعُ ثُمَّ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «خَيْرُ النَّاسِ الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ» أَيْ الْخَاتِمُ الْمُفْتَتِحُ اهـ (قَوْلُهُ وَفِي الثَّانِيَةِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَبَدَأَ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْمَعْنَى عَلَيْهَا (قَوْلُهُ أَلَمْ تَرَ أَوْ تَبَّتْ) أَيْ نَكَّسَ أَوْ فَصَلَ بِسُورَةٍ قَصِيرَةٍ ط (قَوْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ يُتِمُّ) أَفَادَ أَنَّ التَّنْكِيسَ أَوْ الْفَصْلَ بِالْقَصِيرَةِ إنَّمَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ عَنْ قَصْدٍ، فَلَوْ سَهْوًا فَلَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَإِذَا انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ فَإِعْرَاضُهُ عَنْ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا لَا يَنْبَغِي. وَفِي الْخُلَاصَةِ افْتَتَحَ سُورَةً وَقَصْدُهُ سُورَةً أُخْرَى فَلَمَّا قَرَأَ آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ تِلْكَ السُّورَةَ وَيَفْتَتِحَ الَّتِي أَرَادَهَا يُكْرَهُ اهـ. وَفِي الْفَتْحِ: وَلَوْ كَانَ أَيْ الْمَقْرُوءُ حَرْفًا وَاحِدًا (قَوْلُهُ وَلَا يُكْرَهُ فِي النَّفْلِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) عَزَاهُ فِي الْفَتْحِ إلَى الْخُلَاصَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدِي فِي هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ نَظَرٌ؛ «فَإِنَّهُ ﷺ نَهَى بِلَالًا ﵁ عَنْ الِانْتِقَالِ مِنْ سُورَةٍ إلَى سُورَةٍ وَقَالَ لَهُ: إذَا ابْتَدَأْتَ سُورَةً فَأَتِمَّهَا عَلَى نَحْوِهَا حِينَ سَمِعَهُ يَتَنَقَّلُ مِنْ سُورَةٍ إلَى سُورَةٍ فِي التَّهَجُّدِ» . اهـ.
وَاعْتَرَضَ ح أَيْضًا بِأَنَّهُمْ نَصُّوا بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ مِنْ وَاجِبَاتِ الْقِرَاءَةِ؛ فَلَوْ عَكَسَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ يُكْرَهُ فَكَيْفَ لَا يُكْرَهُ فِي النَّفْلِ؟ تَأَمَّلْ وَأَجَابَ ط بِأَنَّ النَّفَلَ لِاتِّسَاعِ بَابِهِ نَزَلَتْ كُلُّ رَكْعَةٍ مِنْهُ فِعْلًا مُسْتَقِلًّا فَيَكُونُ كَمَا لَوْ قَرَأَ إنْسَانٌ سُورَةً ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَرَأَ مَا فَوْقَهَا، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ وَثَلَاثٌ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرٌ: أَيْ وَقِرَاءَةُ ثَلَاثِ آيَاتٍ إلَخْ، وَفِي بَعْضِهَا وَبِثَلَاثٍ بِزِيَادَةِ الْبَاءِ قَالَ ح: أَيْ وَالصَّلَاةُ بِثَلَاثِ آيَاتٍ إلَخْ (قَوْلُهُ أَفْضَلُ إلَخْ) لَعَلَّهُ لِأَنَّ التَّحَدِّيَ وَالْإِعْجَازَ وَقَعَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ لَا بِالْآيَةِ، وَالْأَفْضَلِيَّةُ تَرْجِعُ إلَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ (قَوْلُهُ وَفِي سُورَةٍ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَقَوْلُهُ الْعِبْرَةُ لِلْأَكْثَرِ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ: أَيْ الْأَكْثَرُ آيَاتٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَبَسَطْنَاهُ فِي الْخَزَائِنِ) أَيْ بَسَطَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ مَعَ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا ذَكَرْنَاهَا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ، وَتَمَامُ مَسَائِلِ أَحْكَامِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا مَبْسُوطٌ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَبَعْضُهَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْإِمَامَةِ]
ِ هِيَ مَصْدَرُ قَوْلِك فُلَانٌ أَمَّ النَّاسَ، صَارَ لَهُمْ إمَامًا يَتَّبِعُونَ فِي صَلَاتِهِ فَقَطْ أَوْ فِيهَا وَفِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَالْأَوَّلُ ذُو الْإِمَامَةِ الصُّغْرَى، وَالثَّانِي ذُو الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى
، وَالْبَابُ هُنَا مَعْقُودٌ لِلْأُولَى.
وَلَمَّا كَانَتْ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَبَاحِثِ الْفِقْهِيَّةِ حَقِيقَةً لِأَنَّ الْقِيَامَ بِهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَكَانَتْ الْأُولَى تَابِعَةً لَهَا وَمَبْنِيَّةً عَلَيْهَا تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ مَبَاحِثِهَا هُنَا، وَبُسِطَتْ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ بَلْ مِنْ مُتَمِّمَاتِهِ لِظُهُورِ اعْتِقَادَاتٍ فَاسِدَةٍ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالطَّعْنِ فِي الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
стр. 543
هِيَ صُغْرَى وَكُبْرَى؛ فَالْكُبْرَى اسْتِحْقَاقُ تَصَرُّفٍ عَامٍّ عَلَى الْأَنَامِ، وَتَحْقِيقُهُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَنَصْبُهُ أَهَمُّ الْوَاجِبَاتِ، فَلِذَا قَدَّمُوهُ عَلَى دَفْنِ صَاحِبِ الْمُعْجِزَاتِ: وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا حُرًّا ذَكَرًا عَاقِلًا بَالِغًا قَادِرًا، قُرَشِيًّا لَا هَاشِمِيًّا عَلَوِيًّا، مَعْصُومًا. وَيُكْرَهُ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى
(قَوْلُهُ فَالْكُبْرَى اسْتِحْقَاقُ تَصَرُّفٍ عَامٍّ عَلَى الْأَنَامِ) أَيْ عَلَى الْخَلْقِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَصَرُّفٍ لَا بِاسْتِحْقَاقٍ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ طَاعَةُ الْإِمَامِ لَا تَصَرُّفُهُ، وَلَا بِعَامٍّ إذْ الْمُتَعَارَفُ أَنْ يُقَالَ عَامٌّ بِكَذَا لَا عَلَيْهِ. وَعَرَّفَهَا فِي الْمَقَاصِدِ بِأَنَّهَا رِيَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا خِلَافَةً عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لِتَخْرُجَ النُّبُوَّةُ، لَكِنَّ النُّبُوَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُ دَاخِلَةٍ لِأَنَّهَا بَعْثَةٌ بِشَرْعٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَعْرِيفِ النَّبِيِّ، وَاسْتِحْقَاقُ النَّبِيِّ التَّصَرُّفَ الْعَامَّ إمَامَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى النُّبُوَّةِ، فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي التَّعْرِيفِ دُونَ مَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ أَعْنِي النُّبُوَّةَ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْعُمُومِ مِثْلُ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ.
وَلَمَّا كَانَتْ الرِّيَاسَةُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَتْ إلَّا اسْتِحْقَاقَ التَّصَرُّفِ، إذْ مَعْنَى نَصْبِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِلْإِمَامِ لَيْسَ إلَّا إثْبَاتَ هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ عَبَّرَ بِالِاسْتِحْقَاقِ، كَذَا أَفَادَهُ الْعَلَّامَةُ الْكَمَالُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ الْمُسَايَرَةِ لِشَيْخِهِ الْمُحَقِّقِ الْكَمَالِ ابْنِ الْهُمَامِ (قَوْلُهُ وَنَصْبُهُ) أَيْ الْإِمَامِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَقَامِ (قَوْلُهُ أَهَمُّ الْوَاجِبَاتِ) أَيْ مِنْ أَهَمِّهَا لِتَوَقُّفِ كَثِيرٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ: وَالْمُسْلِمُونَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إمَامٍ، يَقُومُ بِتَنْفِيذِ أَحْكَامِهِمْ؛ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِمْ، وَسَدِّ ثُغُورِهِمْ، وَتَجْهِيزِ جُيُوشِهِمْ؛ وَأَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ، وَقَهْرِ الْمُتَغَلِّبَةِ وَالْمُتَلَصِّصَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَإِقَامَةِ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، وَقَبُولِ الشَّهَادَاتِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْحُقُوقِ؛ وَتَزْوِيجِ الصِّغَارِ وَالصَّغَائِرِ الَّذِينَ لَا أَوْلِيَاءَ لَهُمْ، وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ اهـ (قَوْلُهُ فَلِذَا قَدَّمُوهُ إلَخْ) فَإِنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ أَوْ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ح عَنْ الْمَوَاهِبِ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ بَاقِيَةٌ إلَى الْآنَ لَمْ يُدْفَنْ خَلِيفَةٌ حَتَّى يُوَلَّى غَيْرُهُ ط (قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَلِي عَلَى الْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ؟ وَالْوِلَايَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ فَرْعٌ لِلْوِلَايَةِ الْقَائِمَةِ وَمِثْلُهُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَلِأَنَّ النِّسَاءَ أُمِرْنَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ فَكَانَ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قَالَ «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ تَمْلِكُهُمْ امْرَأَةٌ» وَقَوْلُهُ قَادِرًا: أَيْ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ وَإِنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ، وَسَدِّ الثُّغُورِ؛ وَحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَحِفْظِ حُدُودِ الْإِسْلَامِ؛ وَجَرِّ الْعَسَاكِرِ؛ وَقَوْلُهُ قُرَشِيًّا لِقَوْلِهِ ﷺ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَقَدْ سَلَّمَتْ الْأَنْصَارُ الْخِلَافَةَ لِقُرَيْشٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ الضِّرَارِيَّةِ إنَّ الْإِمَامَةَ تَصْلُحُ فِي غَيْرِ قُرَيْشٍ وَالْكَعْبِيَّةِ إنَّ الْقُرَشِيَّ أَوْلَى بِهَا اهـ الْكُلُّ مِنْ ح عَنْ شَرْحِ عُمْدَةِ النَّسَفِيِّ (قَوْلُهُ لَا هَاشِمِيًّا إلَخْ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ هَاشِمِيًّا: أَيْ مِنْ أَوْلَادِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ كَمَا قَالَتْ الشِّيعَةُ نَفْيًا لِإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -؛ وَلَا عَلَوِيًّا: أَيْ مِنْ أَوْلَادِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الشِّيعَةِ نَفْيًا لِخِلَافَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ؛ وَلَا مَعْصُومًا كَمَا قَالَتْ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَالِاثْنَا عَشَرِيَّةَ: أَيْ الْإِمَامِيَّةُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُكَرِّرَ لَا لِيَظْهَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ قَوْلٌ عَلَى حِدَةٍ؛ فَإِنَّ عِبَارَتَهُ تُوهِمُ أَنَّهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ ح (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ، وَعَدَّهَا فِي الْمُسَايَرَةِ مِنْ الشُّرُوطِ، وَعَبَّرَ عَنْهَا تَبَعًا لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ بِالْوَرَعِ. وَزَادَ فِي الشُّرُوطِ الْعِلْمَ وَالْكِفَايَةَ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا أَيْ الْكَفَاءَةَ أَعَمُّ مِنْ الشُّجَاعَةِ تَنْتَظِمُ كَوْنَهُ ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ كَيْ لَا يَجْبُنَ عَنْ الِاقْتِصَاصِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْحُرُوبِ الْوَاجِبَةِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ؛ وَهَذَا الشَّرْطُ يَعْنِي الشَّجَاعَةَ مِمَّا شَرَطَهُ الْجُمْهُورُ.
стр. 544
وَيُعْزَلُ بِهِ إلَّا لِفِتْنَةٍ. وَيَجِبُ أَنْ يُدْعَى لَهُ بِالصَّلَاحِ وَتَصِحُّ سَلْطَنَةُ مُتَغَلِّبٍ لِلضَّرُورَةِ، وَكَذَا صَبِيٌّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَوِّضَ أُمُورَ التَّقْلِيدِ عَلَى وَالٍ تَابِعٍ لَهُ وَالسُّلْطَانُ فِي الرَّسْمِ هُوَ الْوَلَدُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْوَالِي لِعَدَمِ صِحَّةِ إذْنِهِ بِقَضَاءٍ وَجُمُعَةٍ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ. وَفِيهَا لَوْ بَلَغَ السُّلْطَانُ أَوْ الْوَالِي يَحْتَاجُ إلَى تَقْلِيدٍ جَدِيدٍ:
وَالصُّغْرَى رَبْطُ صَلَاةِ الْمُؤْتَمِّ بِالْإِمَامِ
ــ
[رد المحتار]
ثُمَّ قَالَ: وَزَادَ كَثِيرٌ الِاجْتِهَادَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ؛ وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ وَلَا الشَّجَاعَةُ لِنُدْرَةِ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي وَاحِدٍ وَيُمْكِنُ تَفْوِيضُ مُقْتَضَيَاتِ الشَّجَاعَةِ وَالْحُكْمِ إلَى غَيْرِهِ أَوْ بِالِاسْتِفْتَاءِ لِلْعُلَمَاءِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَيْسَتْ الْعَدَالَةُ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ فَيَصِحُّ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ الْإِمَامَةَ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ وَإِذَا قُلِّدَ عَدْلًا ثُمَّ جَارَ وَفَسَقَ لَا يَنْعَزِلُ؛ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْعَزْلُ إنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ فِتْنَةً؛ وَيَجِبُ أَنْ يُدْعَى لَهُ؛ وَلَا يَجِبُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ؛ كَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَلِمَتُهُمْ قَاطِبَةً فِي تَوْجِيهِهِ هُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ صَلَّوْا خَلْفَ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَبِلُوا الْوِلَايَةَ عَنْهُمْ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا مُلُوكًا تَغَلَّبُوا وَالْمُتَغَلِّبُ تَصِحُّ مِنْهُ هَذِهِ الْأُمُورُ لِلضَّرُورَةِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ إمَامِ عَدَالَتُهُ؛ وَصَارَ الْحَالُ عِنْدَ التَّغَلُّبِ كَمَا لَمْ يُوجَدْ أَوْ وُجِدَ وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى تَوْلِيَتِهِ لِغَلَبَةِ الْجَوَرَةِ اهـ كَلَامُ الْمُسَايَرَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ (قَوْلُهُ وَيُعْزَلُ بِهِ) أَيْ بِالْفِسْقِ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ؛ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ كَمَا عَمِلْت آنِفًا. وَلِذَا لَمْ يَقُلْ يَنْعَزِلُ (قَوْلُهُ وَتَصِحُّ سَلْطَنَةُ مُتَغَلِّبٍ) أَيْ مَنْ تَوَلَّى بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بِلَا مُبَايَعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَإِنْ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ الْمَارَّةَ. وَأَفَادَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ بِالتَّقْلِيدِ. قَالَ فِي الْمُسَايَرَةِ: وَيَثْبُتُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ إمَّا بِاسْتِخْلَافِ الْخَلِيفَةِ إيَّاهَا كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِمَّا بِبَيْعَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ. وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ: يَكْفِي الْوَاحِدُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ أُولِي الرَّأْيِ، بِشَرْطِ كَوْنِهِ بِمَشْهَدِ شُهُودٍ لِدَفْعِ الْإِنْكَارِ إنْ وَقَعَ. وَشَرَطَ الْمُعْتَزِلَةُ خَمْسَةً.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ اشْتِرَاطَ جَمَاعَةٍ دُونَ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ. اهـ. (قَوْلُهُ لِلضَّرُورَةِ) هِيَ دَفْعُ الْفِتْنَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ أَجْدَعُ» ح (قَوْلُهُ وَكَذَا صَبِيٌّ) أَيْ تَصِحُّ سَلْطَنَتُهُ لِلضَّرُورَةِ، لَكِنْ فِي الظَّاهِرِ لَا حَقِيقَةً. قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: تَصِحُّ سَلْطَنَتُهُ ظَاهِرًا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: مَاتَ السُّلْطَانُ وَاتَّفَقَتْ الرَّعِيَّةُ عَلَى سَلْطَنَةِ ابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ تُفَوَّضَ أُمُورُ التَّقْلِيدِ عَلَى وَالٍ، وَيُعِدُّ هَذَا الْوَالِي نَفْسَهُ تَبَعًا لِابْنِ السُّلْطَانِ لِشَرَفِهِ وَالسُّلْطَانُ فِي الرَّسْمِ هُوَ الِابْنُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْوَالِي لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِذْنِ بِالْقَضَاءِ وَالْجُمُعَةِ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ اهـ أَيْ لِأَنَّ هَذَا الْوَالِيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ السُّلْطَانَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَصِحَّ إذْنُهُ بِالْقَضَاءِ وَالْجُمُعَةِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّهُ سُلْطَانٌ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ بُلُوغُ الِابْنِ، لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى عَزْلِهِ عِنْدَ تَوْلِيَةِ ابْنِ السُّلْطَانِ إذَا بَلَغَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَنْ يُفَوَّضَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَالْفَاعِلُ: هُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ، لَا الصَّبِيُّ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ وَضُمِّنَ يُفَوَّضُ مَعْنَى يُلْقَى فَعُدِّيَ بِعَلَى وَإِلَّا فَهُوَ يَتَعَدَّى بِإِلَى (قَوْلُهُ فِي الرَّسْمِ) أَيْ فِي الظَّاهِرِ وَالصُّورَةِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ) أَيْ فِي أَحْكَامِ الصِّبْيَانِ، وَعَلِمْت عِبَارَتَهُ (قَوْلُهُ وَفِيهَا) أَيْ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا، وَذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا مَرَّ بِنَحْوِ وَرَقَةٍ فَافْهَمْ.
وَذَكَرَ الْحَمَوِيُّ أَنَّ تَجْدِيدَ تَقْلِيدِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَا يَكُونُ إلَّا إذَا عَزَلَ ذَلِكَ الْوَالِي نَفْسَهُ لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَنْعَزِلُ إلَّا بِعَزْلِ نَفْسِهِ وَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ. اهـ.
قُلْت قَدْ يُقَالُ: إنَّ سَلْطَنَةَ ذَلِكَ الْوَلِيِّ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً بَلْ هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِمُدَّةِ صِغَرِ ابْنِ السُّلْطَانِ، فَإِذَا بَلَغَ انْتَهَتْ سَلْطَنَةُ ذَلِكَ الْوَلِيِّ كَمَا قُلْنَاهُ آنِفًا
(قَوْلُهُ رَبْطُ إلَخْ) هَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ عَنْ أَخِيهِ صَاحِبِ الْبَحْرِ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا تَعْرِيفًا لِلِاقْتِدَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ مَصْدَرُ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْمُتَّبَعُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَعْرِيفُ
стр. 545
بِشُرُوطٍ عَشَرَةٍ: نِيَّةُ الْمُؤْتَمِّ الِاقْتِدَاءَ، وَاتِّحَادُ مَكَانِهِمَا وَصَلَاتِهِمَا،
ــ
[رد المحتار]
ابْنِ عَرَفَةَ لَهَا بِأَنَّهَا اتِّبَاعُ الْإِمَامِ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ: أَيْ أَنْ يُتْبَعَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ. وَأَمَّا الرَّبْطُ الْمَذْكُورُ، إنْ كَانَ مَصْدَرَ رَبَطَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَعْلُومِ فَهُوَ صِفَةُ الْمُؤْتَمِّ فَيَكُونُ بِمَعْنَى الِائْتِمَامِ أَيْ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَصْدَرَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ فَهُوَ صِفَةُ صَلَاةِ الْمُؤْتَمِّ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَرْبُوطَةُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يَصْلُحُ تَعْرِيفًا لِلْإِمَامَةِ بَلْ لِلِاقْتِدَاءِ. اهـ. ط عَنْ ح.
وَأَقُولُ: بَقِيَ لِلرَّبْطِ مَعْنًى ثَالِثٌ هُوَ الْمُرَادُ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِيرَادُ، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ الِارْتِبَاطُ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَصِيرُ إمَامًا إلَّا إذَا رَبَطَ الْمُقْتَدِي صَلَاتَهُ بِصَلَاتِهِ، فَنَفْسُ هَذَا الِارْتِبَاطِ هُوَ حَقِيقَةُ الْإِمَامَةِ، وَهُوَ غَايَةُ الِاقْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ الرَّبْطُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ إذَا رَبَطَ صَلَاتَهُ بِصَلَاةِ إمَامِهِ حَصَلَ لَهُ صِفَةُ الِاقْتِدَاءِ وَالِائْتِمَامِ وَحَصَلَ لِإِمَامِهِ صِفَةُ الْإِمَامَةِ الَّتِي هِيَ الِارْتِبَاطُ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي الْقَاصِرِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ بِشُرُوطٍ عَشَرَةٍ) هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْحَقِيقَةِ شُرُوطُ الِاقْتِدَاءِ، وَأَمَّا شُرُوطُ الْإِمَامَةِ فَقَدْ عَدَّهَا فِي نُورِ الْإِيضَاحِ عَلَى حِدَةٍ فَقَالَ: وَشُرُوطُ الْإِمَامَةِ لِلرِّجَالِ الْأَصِحَّاءِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالذُّكُورَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْأَعْذَارِ كَالرُّعَافِ وَالْفَأْفَأَةِ وَالتَّمْتَمَةِ وَاللَّثَغِ وَفَقْدِ شَرْطٍ كَطَهَارَةٍ وَسِتْرِ عَوْرَةٍ. اهـ. احْتَرَزَ بِالرِّجَالِ الْأَصِحَّاءِ عَنْ النِّسَاءِ الْأَصِحَّاءِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامِهِنَّ الذُّكُورَةُ؛ وَعَنْ الصِّبْيَانِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامِهِمْ الْبُلُوغُ، وَعَنْ غَيْرِ الْأَصِحَّاءِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامِهِمْ الصِّحَّةُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْإِمَامِ أَقْوَى مِنْ حَالَ الْمُؤْتَمِّ أَوْ مُسَاوِيًا ح.
أَقُولُ: قَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْإِمَامَةَ غَايَةُ الِاقْتِدَاءِ، فَمَا لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ لَمْ تَثْبُتْ الْإِمَامَةُ، فَتَكُونُ الشُّرُوطُ الْعَشَرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ شُرُوطًا لِلْإِمَامَةِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُ الْإِمَامَةِ عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّ السُّنَّةَ الْمَذْكُورَةَ تَصْلُحُ شُرُوطًا لِلِاقْتِدَاءِ أَيْضًا، إذْ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِدُونِهَا، فَالسِّتَّةَ عَشَرَ كُلُّهَا شُرُوطٌ لِكُلٍّ مِنْ الْإِمَامَةِ وَالِاقْتِدَاءِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْعَشَرَةُ قَائِمَةً بِالْمُقْتَدِي وَالسِّتَّةُ قَائِمَةً بِالْإِمَامِ حَسُنَ جَعْلُ الْعَشَرَةِ شُرُوطًا لِلِاقْتِدَاءِ وَالسِّتَّةِ شُرُوطًا لِلْإِمَامَةِ فَافْهَمْ وَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَقَامِ، وَقَدْ نَظَمْت هَذِهِ الشُّرُوطَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقُلْت:
شُرُوطُ اقْتِدَاءٍ عَشَرَةٌ قَدْ نَظَمْتهَا ... بِشَعْرٍ كَعِقْدِ الدُّرِّ جَاءَ مُنَضَّدَا
تَأَخُّرُ مُؤْتَمٍّ وَعِلْمُ انْتِقَالِ مَنْ ... بِهِ ائْتَمَّ مَعَ كَوْنِ الْمَكَانَيْنِ وَاحِدَا
وَكَوْنُ إمَامٍ لَيْسَ دُونَ تَبْعُهُ ... بِشَرْطٍ وَأَرْكَانٍ وَنِيَّةِ الِاقْتِدَا
مُشَارَكَةٌ فِي كُلِّ رُكْنٍ وَعِلْمُهُ ... بِحَالِ إمَامٍ حَلَّ أَمْ سَارَ مُبْعَدًا
وَأَنْ لَا تُحَاذِيَهُ الَّتِي مَعَهُ اقْتَدَتْ ... وَصِحَّةُ مَا صَلَّى الْإِمَامُ مِنْ ابْتِدَا
كَذَاكَ اتِّحَادُ الْفَرْضِ هَذَا تَمَامُهَا ... وَسِتُّ شُرُوطٍ لِلْإِمَامَةِ فِي الْمَدَا
بُلُوغٌ وَإِسْلَامٌ وَعَقْلٌ ذُكُورَةٌ ... قِرَاءَةُ مُجْزٍ فَقَدْ حَذَّرَ بِهِ بَدَا
(قَوْلُهُ نِيَّةُ الْمُؤْتَمِّ) أَيْ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ، أَوْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي صَلَاتِهِ أَوْ الشُّرُوعِ فِيهَا أَوْ الدُّخُولِ فِيهَا بِخِلَافِ نِيَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَشَرْطُ النِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِلتَّحْرِيمَةِ أَوْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ فَاصِلٌ أَجْنَبِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّيَّةِ ح (قَوْلُهُ وَاتِّحَادُ مَكَانِهِمَا) فَلَوْ اقْتَدَى رَاجِلٌ بِرَاكِبٍ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ رَاكِبٌ بِرَاكِبٍ دَابَّةً أُخْرَى لَمْ يَصِحَّ لِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ؛ فَلَوْ كَانَا عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ صَحَّ لِاتِّحَادِهِ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ، وَسَيَأْتِي.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهَا حَائِطٌ فَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ اعْتِبَارُ الِاشْتِبَاهِ لَا اتِّحَادُ الْمَكَانِ، فَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ وَعِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِهِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَصَلَاتِهِمَا) أَيْ وَاتِّحَادُ صَلَاتِهِمَا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالِاتِّحَادُ أَنْ يُمْكِنَهُ الدُّخُولُ فِي صَلَاتِهِ
стр. 546
وَصِحَّةُ صَلَاةِ إمَامِهِ، وَعَدَمُ مُحَاذَاةِ امْرَأَةٍ، وَعَدَمُ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ بِعَقِبِهِ، وَعِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِهِ وَبِحَالِهِ مِنْ إقَامَةٍ وَسَفَرٍ، وَمُشَارَكَتُهُ فِي الْأَرْكَانِ، وَكَوْنُهُ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ فِيهَا، وَفِي الشَّرَائِطِ كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ، قِيلَ وَثُبُوتُهَا بِ - ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]- وَمِنْ حِكَمِهَا نِظَامُ الْأُلْفَةِ وَتَعَلُّمُ الْجَاهِلِ مِنْ الْعَالِمِ (هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ،
ــ
[رد المحتار]
بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْإِمَامِ مُتَضَمَّنَةً لِصَلَاةِ الْمُقْتَدِي. اهـ. فَدَخَلَ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ لِأَنَّ مَنْ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ لَوْ نَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ الْمُفْتَرِضِ صَحَّتْ نَفْلًا وَلِأَنَّ النَّفَلَ مُطْلَقٌ وَالْفَرْضَ مُقَيَّدٌ، وَالْمُطْلَقُ جَزْءُ الْمُقَيَّدِ فَلَا يُغَايِرُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَعَبَّرَ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ: وَأَنْ لَا يَكُونَ مُصَلِّيًا فَرْضًا غَيْرَ فَرْضِهِ اهـ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَصِحَّةُ صَلَاةِ إمَامِهِ) فَلَوْ تَبَيَّنَ فَسَادُهَا فِسْقًا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نِسْيَانًا لِمُضِيِّ مُدَّةِ الْمَسْحِ أَوْ لِوُجُودِ الْحَدَثِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي لِعَدَمِ صِحَّةِ الْبِنَاءِ؛ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي زَعْمِ الْإِمَامِ فَاسِدَةً فِي زَعْمِ الْمُقْتَدَى لِبِنَائِهِ الْفَاسِدَ فِي زَعْمِهِ فَلَا يَصِحُّ، وَفِيهِ خِلَافٌ وَصُحِّحَ كُلٌّ. أَمَّا لَوْ فَسَدَتْ فِي زَعْمِ الْإِمَامِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ وَعَلِمَهُ الْمُقْتَدِي صَحَّتْ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَرَى جَوَازَ صَلَاةِ إمَامِهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ رَأْيُ نَفْسِهِ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ وَعَدَمُ مُحَاذَاةِ امْرَأَةٍ) أَيْ بِشُرُوطِهَا الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ وَعَدَمُ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ بِعَقِبِهِ) فَلَوْ سَاوَاهُ جَازَ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ أَصَابِعُ الْمُقْتَدِي لِكِبَرِ قَدَمِهِ عَلَى قَدَمِ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ أَكْثَرُ الْقَدَمِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَفِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ: وَتَقَدُّمُ الْإِمَامِ بِعَقِبِهِ عَنْ عَقِبِ الْمُقْتَدِي شَرْطٌ لِصِحَّةِ اقْتِدَائِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ عَقِبَ الْمُقْتَدِي غَيْرَ مُتَقَدِّمٍ عَلَى عَقِبِ الْإِمَامِ لَكِنْ قَدَمُهُ أَطْوَلُ فَتَكُونُ أَصَابِعُهُ قُدَّامَ أَصَابِعِ إمَامِهِ تَجُوزُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُقْتَدِي أَطْوَلَ مِنْ إمَامِهِ فَيَسْجُدُ أَمَامَهُ اهـ وَقَوْلُهُ حَتَّى إلَخْ يَشْمَلُ الْمُسَاوَاةَ، فَلَفْظُ التَّقَدُّمِ الْوَاقِعُ فِي الْمَتْنِ غَيْرُ مَقْصُودٍ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ وَعِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِهِ) أَيْ بِسَمَاعٍ أَوْ رُؤْيَةٍ لِلْإِمَامِ أَوْ لِبَعْضِ الْمُقْتَدِينَ رَحْمَتِيٌّ وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ الْمَكَانُ (قَوْلُهُ وَبِحَالِهِ إلَخْ) أَيْ عِلْمُهُ بِحَالِ إمَامِهِ مِنْ إقَامَةٍ أَوْ سَفَرٍ قَبْلَ الْفَرَاغِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا فِيمَا لَوْ صَلَّى الرَّبَاعِيَةَ رَكْعَتَيْنِ فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ، فَلَوْ خَارِجَهَا لَا تَفْسُدُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى السَّهْوِ، وَكَذَا لَوْ أَتَمَّ مُطْلَقًا، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ (قَوْلُهُ وَمُشَارَكَتِهِ فِي الْأَرْكَانِ) أَيْ فِي أَصْلِ فِعْلِهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَا قَبْلَهُ، إلَّا إذَا أَدْرَكَهُ إمَامُهُ فِيهَا، فَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ، وَالثَّانِي كَمَا لَوْ رَكَعَ إمَامُهُ وَرَفَعَ ثُمَّ رَكَعَ هُوَ فَيَصِحُّ، وَالثَّالِثُ عَكْسُهُ فَلَا يَصِحُّ إلَّا إذَا رَكَعَ وَبَقِيَ رَاكِعًا حَتَّى أَدْرَكَهُ إمَامُهُ، فَيَصِحُّ لِوُجُودِ الْمُتَابَعَةِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ الِاقْتِدَاءِ وَقَدْ حَقَّقْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْمُتَابَعَةِ فِي أَوَاخِرِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَكَوْنُهُ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ فِيهَا) أَيْ فِي الْأَرْكَانِ؛ مِثَالُ الْأَوَّلِ اقْتِدَاءُ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ بِمِثْلِهِ وَالْمُومِئِ بِهِمَا بِمِثْلِهِ؛ وَمِثَالُ الثَّانِي اقْتِدَاءُ الْمُومِئِ بِالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ أَقْوَى حَالًا مِنْهُ فِيهَا كَاقْتِدَاءِ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ بِالْمُومِئِ بِهِمَا ح.
(قَوْلُهُ وَفِي الشَّرَائِطِ) عَطْفٌ عَلَى فِيهَا: أَيْ وَكَوْنُ الْمُؤْتَمِّ مِثْلَ الْإِمَامِ أَوْ دُونَهُ فِي الشَّرَائِطِ؛ مِثَالُ الْأَوَّلِ اقْتِدَاءُ مُسْتَجْمِعِ الشَّرَائِطِ بِمِثْلِهِ وَالْعَارِي بِمِثْلِهِ، وَمِثَالُ الثَّانِي اقْتِدَاءُ الْعَارِي بِالْمُكْتَسِي، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ أَقْوَى حَالًا مِنْهُ فِيهَا كَاقْتِدَاءِ الْمُكْتَسِي بِالْعَارِي ح.
أَقُولُ: وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ تَأْسِيسِ النَّظَرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ اقْتِدَاءُ الْحُرَّةِ بِالْأَمَةِ الْحَاسِرَةِ الرَّأْسِ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَوْرَةٍ فِي حَقِّ الْأَمَةِ فَهُوَ كَرَأْسِ الرَّجُلِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الشُّرُوطِ الْعَشَرَةِ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَوْجُودًا فِي أَصْلِ نُسَخِ الْبَحْرِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ بِهَامِشِ بَعْضِ نُسَخِهِ مَعْزِيًّا إلَى خَطِّ مُؤَلَّفِهِ (قَوْلُهُ قِيلَ وَثُبُوتُهَا إلَخْ) وَقِيلَ مَعْنَاهُ اخْضَعُوا مَعَ الْخَاضِعِينَ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ ح (قَوْلُهُ نِظَامُ الْأُلْفَةِ) بِتَحْصِيلِ التَّعَاهُدِ بِاللِّقَاءِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ بَيْنَ الْجِيرَانِ بَحْرٌ. وَالْأُلْفَةُ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ اسْمُ الِائْتِلَافِ ح عَنْ الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ) أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ بِالْمُسَاوَاةِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) قَدَّمْنَا فِي الْأَذَانِ عَنْ مَذْهَبِهِ
стр. 547
وَقَوْلُ عُمَرَ: لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَأَذَّنْت أَيْ مَعَ الْإِمَامَةِ، إذْ الْجَمْعُ أَفْضَلُ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَخَاف إنْ تَرَكْت الْفَاتِحَةَ أَنْ يُعَاتِبَنِي الشَّافِعِيُّ أَوْ قَرَأْتهَا يُعَاتِبُنِي أَبُو حَنِيفَةَ فَاخْتَرْت الْإِمَامَةَ.
(وَالْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلرِّجَالِ) قَالَ الزَّاهِدِي: أَرَادُوا بِالتَّأْكِيدِ الْوُجُوبَ إلَّا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ فَشَرْطٌ. وَفِي التَّرَاوِيحِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَفِي وِتْرِ رَمَضَانَ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى قَوْلٍ. وَفِي وِتْرِ غَيْرِهِ وَتَطَوُّعٍ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي مَكْرُوهَةٌ، وَسَنُحَقِّقُهُ. وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ لَا فِي مَسْجِدِ طَرِيقٍ أَوْ مَسْجِدٍ لَا إمَامَ لَهُ وَلَا مُؤَذِّنَ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلَيْنِ مُصَحَّحَيْنِ: الْأَوَّلُ كَقَوْلِنَا، وَالثَّانِي عَكْسُهُ (قَوْلُهُ وَقَوْلُ عُمَرَ إلَخْ) أَيْ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْأَذَانِ لِأَنَّ مُرَادَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ اشْتِغَالُ الْخَلِيفَةِ بِأُمُورِ الْعَامَّةِ يَمْنَعُهُ عَنْ مُرَاقَبَةِ الْأَوْقَاتِ فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْإِمَامَةِ (قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) ذَكَرَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ كُنْت أَخْتَارُهَا لِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى هَذَا النَّقْلِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ اهـ قُلْت: وَمُفَادُهُ أَنَّهَا أَفْصِلُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ
(قَوْلُهُ قَالَ الزَّاهِدِيُّ إلَخْ) تَوْفِيقٌ بَيْنَ الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْآتِي، وَبَيَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا وَاحِدٌ أَخْذًا مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ. وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْمُفِيدِ: الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ، وَسُنَّةٌ لِوُجُوبِهَا بِالسُّنَّةِ اهـ وَهَذَا كَجَوَابِهِمْ عَنْ رِوَايَةِ سُنِّيَّةِ الْوِتْرِ بِأَنَّ وُجُوبَهَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ قَالَ فِي النَّهْرِ: إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا مَرَّةً بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ إثْمًا مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ. والْخرَاسانِيُّون نَ عَلَى أَنَّهُ يَأْثَمُ إذَا اعْتَادَ التَّرْكَ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ. اهـ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالْأَحْكَامُ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، مِنْ أَنَّ تَارِكَهَا بِلَا عُذْرٍ يُعَزَّرُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَيَأْثَمُ الْجِيرَانُ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ، وَقَدْ يُوَفَّقُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى التَّرْكِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ» كَمَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ إسْنَادِ الْمُضَارِعِ نَحْوُ بَنُو فُلَانٍ يَأْكُلُونَ الْبُرَّ: أَيْ عَادَتُهُمْ، فَالْوَاجِبُ الْحُضُورُ أَحْيَانًا، وَالسُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي تَقْرُبُ مِنْهُ الْمُوَاظَبَةُ. اهـ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا مَرَّةً مَبْنِيًّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا كَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ، أَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْقُنْيَةِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ وَجَمَاعَةٍ، فَإِذَا تَرَكَهَا الْكُلُّ مَرَّةً بِلَا عُذْرٍ أَثِمُوا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَشُرِطَ) بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْعِيدِ؛ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا فَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ؛ ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطُ الصِّحَّةِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اهـ أَيْ شَرْطٌ لِصِحَّةِ وُقُوعِهَا وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً فَافْهَمْ (قَوْلُهُ سُنَّةُ كِفَايَةٍ) أَيْ عَلَى كُلِّ أَهْلِ مَحَلَّةٍ، لِمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ بَحْثِ التَّرَاوِيحِ، مِنْ أَنَّ إقَامَتَهَا بِالْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ أَهْلُ مَحَلَّةٍ، كُلُّهُمْ الْجَمَاعَةَ فَقَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ وَأَسَاءُوا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ تَخَلَّفَ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ فَقَدْ تَرَكَ الْفَضِيلَةَ اهـ (قَوْلُهُ عَلَى قَوْلٍ) وَغَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ عَلَى قَوْلٍ آخَرَ بَلْ يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ فِي بَيْتِهِ، وَهُمَا قَوْلَانِ مُصَحَّحَانِ وَسَيَأْتِي قَبِيلَ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ تَرْجِيحُ الثَّانِي بِأَنَّهُ الْمَذْهَبُ (قَوْلُهُ وَفِي وِتْرِ غَيْرِهِ إلَخْ) كَرَاهَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَذَكَرَ فِي غَيْرِهِ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ، وَوَفَّقَ فِي الْحِلْيَةِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ وَالثَّانِي عَلَى الْفِعْلِ أَحْيَانًا، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي) بِأَنْ يَقْتَدِيَ أَرْبَعَةٌ فَأَكْثَرُ بِوَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَسَنُحَقِّقُهُ) أَيْ قَبِيلَ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ. [تَتِمَّةٌ]
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَرَاهَتُهَا. وَفِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ: وَقِيلَ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ. اهـ. مَطْلَبٌ فِي تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ) أَيْ تَحْرِيمًا لِقَوْلِ الْكَافِي لَا يَجُوزُ وَالْمَجْمَعُ لَا يُبَاحُ وَشَرْحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إنَّهُ بِدْعَةٌ كَمَا فِي رِسَالَةِ السِّنْدِيِّ (قَوْلُهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي الْخَزَائِنِ: أَجْمَعُ مِمَّا هُنَا وَنَصُّهَا: يُكْرَهُ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ
стр. 548
(وَأَقَلُّهَا اثْنَانِ) وَاحِدٌ مَعَ الْإِمَامِ وَلَوْ مُمَيِّزًا أَوْ مَلَكًا
ــ
[رد المحتار]
بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، إلَّا إذَا صَلَّى بِهِمَا فِيهِ أَوَّلًا غَيْرُ أَهْلِهِ، لَوْ أَهْلَهُ لَكِنْ بِمُخَافَتَةِ الْأَذَانِ، وَلَوْ كَرَّرَ أَهْلُهُ بِدُونِهِمَا أَوْ كَانَ مَسْجِدَ طَرِيقٍ جَازَ إجْمَاعًا؛ كَمَا فِي مَسْجِدٍ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ وَلَا مُؤَذِّنٌ وَيُصَلِّي النَّاسُ فِيهِ فَوْجًا فَوْجًا، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ عَلَى حِدَةٍ كَمَا فِي أَمَالِي قَاضِي خَانْ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الدُّرَرِ، وَالْمُرَادُ بِمَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ مَا لَهُ إمَامٌ وَجَمَاعَةٌ مَعْلُومُونَ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا. قَالَ فِي الْمَنْبَعِ: وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَسْجِدِ الْمُخْتَصِّ بِالْمَحَلَّةِ احْتِرَازٌ مِنْ الشَّارِعِ، وَبِالْأَذَانِ الثَّانِي احْتِرَازًا عَمَّا إذَا صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ جَمَاعَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ حَيْثُ يُبَاحُ إجْمَاعًا. اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ النَّافِي لِلْكَرَاهَةِ مَا نَصُّهُ: وَلَنَا «أَنَّهُ ﵊ كَانَ خَرَجَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ قَوْمٍ فَعَادَ إلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ صَلَّى أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَرَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَصَلَّى» وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمَا اخْتَارَ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَلِأَنَّ فِي الْإِطْلَاقِ هَكَذَا تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ مَعْنًى، فَإِنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ إذَا عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا تَفُوتُهُمْ.
وَأَمَّا مَسْجِدُ الشَّارِعِ فَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِفَرِيقٍ دُونَ فَرِيقٍ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا، وَمُقْتَضَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ كَرَاهَةُ التَّكْرَارِ فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ وَلَوْ بِدُونِ أَذَانٍ؛ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ: لَوْ دَخَلَ جَمَاعَةٌ الْمَسْجِدَ بَعْدَ مَا صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ اهـ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِحِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ الْمَارَّةِ، وَعَنْ هَذَا ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ السِّنْدِيُّ تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي رِسَالَتِهِ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ بِأَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَجَمَاعَاتٍ مُتَرَتِّبَةٍ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا. وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا إنْكَارُهُ صَرِيحًا حِينَ حَضَرَ الْمَوْسِمَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ٥٥١ مِنْهُمْ الشَّرِيفُ الْغَزْنَوِيُّ. وَذَكَرَ أَنَّهُ أَفْتَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ الْأَرْبَعَةِ. وَنُقِلَ إنْكَارُ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حَضَرُوا الْمَوْسِمَ سَنَةَ ٥٥١ اهـ وَأَقَرَّهُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ لَيْسَ لَهُ جَمَاعَةٌ مَعْلُومُونَ، فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَسْجِدُ مَحَلَّةٍ، بَلْ هُوَ كَمَسْجِدِ شَارِعٍ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ إجْمَاعًا فَلْيُتَأَمَّلْ،
هَذَا وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْأَذَانِ عَنْ آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْجَمَاعَةُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْأُولَى لَا تُكْرَهُ وَإِلَّا تُكْرَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِالْعُدُولِ عَنْ الْمِحْرَابِ تَخْتَلِفُ الْهَيْئَةُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ انْتَهَى. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَبِهِ نَأْخُذُ
(قَوْلُهُ وَأَقَلُّهَا اثْنَانِ) لِحَدِيثِ «اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» أَخْرَجَهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَرَمَزَ لِضَعْفِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الِاجْتِمَاعِ، وَهُمَا أَقَلُّ مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ اهـ أَيْ فَإِنَّ أَقَلَّهَا فِيهَا ثَلَاثَةٌ صَالِحُونَ لِلْإِمَامَةِ سِوَى الْإِمَامِ، مِثْلُهَا الْعِيدُ لِقَوْلِهِمْ: يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ صِحَّةً وَأَدَاءً سِوَى الْخُطْبَةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَوْ مُمَيِّزًا) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْوَاحِدُ الْمُقْتَدِي صَبِيًّا مُمَيِّزًا. قَالَ فِي السِّرَاجِ: لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي جَمَاعَةً وَأَمَّ صَبِيًّا يَعْقِلُ حَنِثَ اهـ وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْعَاقِلِ بَحْرٌ.
قَالَ ط: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ بِاقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مُتَنَقِّلٌ، وَلَمْ أَرَ حُكْمَ اقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِمِثْلِهِ هَلْ يَزِيدُ ثَوَابُهُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ.
قُلْت: الظَّاهِرُ نَعَمْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا لِأُصَلِّيَ بِكُمْ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ فَنَضَحْته بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ
стр. 549
أَوْ جِنِّيًّا فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْجِنِّيِّ أَشْبَاهٌ (وَقِيلَ وَاجِبَةٌ وَعَلَيْهِ الْعَامَّةُ) أَيْ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا وَبِهِ جَزَمَ فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ (فَتُسَنُّ أَوْ تَجِبُ) ثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِي الْإِثْمِ بِتَرْكِهَا مَرَّةً (عَلَى الرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ الْبَالِغِينَ الْأَحْرَارِ الْقَادِرِينَ عَلَى الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ)
ــ
[رد المحتار]
وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا. فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ» فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاقْتِدَاءُ أَفْضَلَ لَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إقَامَتِهَا فِي الْبَيْتِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا كَإِقَامَتِهَا فِي الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْجِنِّيِّ) لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ. بِخِلَافِ إمَامَةِ الْمَلَكِ فَإِنَّهُ مُتَنَفِّلٌ وَإِمَامَةُ جِبْرِيلَ لِخُصُوصِ التَّعْلِيمِ مَعَ احْتِمَالِ الْإِعَادَةِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ط (قَوْلُهُ أَشْبَاهٌ) عِبَارَتُهَا فِي بَحْثِ أَحْكَامِ الْجَانِّ: وَمِنْهَا انْعِقَادُ الْجَمَاعَةِ بِالْجِنِّ، ذَكَرَهُ الْأَسْيُوطِيُّ عَنْ صَاحِبِ [آكَامِ الْمَرْجَانِ] مِنْ أَصْحَابِنَا، مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الْجِنِّ، وَفِيهِ «فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي أَدْرَكَهُ شَخْصَانِ مِنْهُمْ، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا نُحِبُّ أَنْ تَؤُمَّنَا فِي صَلَاتِنَا، قَالَ: فَصَفَّهُمَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى بِنَا ثُمَّ انْصَرَفَ» وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَحْصُلُ بِالْمَلَائِكَةِ، وَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ لَوْ صَلَّى فِي فَضَاءٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ مُنْفَرِدًا ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ لَمْ يَحْنَثْ، وَمِنْهَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْجِنِّيِّ، ذَكَرَهُ فِي آكَامِ الْمَرْجَانِ اهـ
أَقُولُ: وَمَا نَقَلَهُ عَنْ السُّبْكِيّ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ «إنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ» رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَمُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الْجَهْرِ عَلَيْهِ؛ لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْأَذَانِ التَّصْرِيحَ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة بِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ فِي الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِحَلِفِهِ أَنَّهُ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ عِنْدَنَا وَلَا سِيَّمَا وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ عِنْدَنَا، وَهُوَ مُنْفَرِدٌ عُرْفًا وَشَرْعًا وَإِلَّا لَأَخَذَ أَحْكَامَ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّهُ مَرَّ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْجَهْرُ إلَّا إذَا نَوَى الْإِمَامَةَ، وَكَذَا مَرَّ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي: لَا يَؤُمُّ أَحَدًا مَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ، فَلَعَلَّ انْعِقَادَ الْجَمَاعَةِ بِاقْتِدَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ أَحْكَامَهَا إذَا كَانُوا عَلَى صُورَةٍ ظَاهِرَةٍ وَلِهَذَا لَوْ جَامَعَ جِنِّيٌّ امْرَأَةً وَوَجَدَتْ لَذَّةً لَا يَلْزَمُهَا الِاغْتِسَالُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ إلَّا إذَا أَنْزَلَتْ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَوْ جَاءَهَا عَلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَكَذَا يُقَالُ فِي إمَامَةِ الْجِنِّيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ إلَخْ) وَقَالَ فِي النَّهْرِ: هُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا وَلِذَا قَالَ فِي الْأَجْنَاسِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَرَكَهَا اسْتِخْفَافًا وَمَجَانَةً، إمَّا سَهْوًا أَوْ بِتَأْوِيلٍ كَكَوْنِ الْإِمَامِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَوْ لَا يُرَاعِي مَذْهَبَ الْمُقْتَدِي فَتُقْبَلُ. اهـ. ط.
(قَوْلُهُ ثَمَرَتُهُ إلَخْ) هَذَا بِنَاءً عَلَى تَحْقِيقِ الْخِلَافِ، أَمَّا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الزَّاهِدِيِّ فَلَا خِلَافَ (قَوْلُهُ بِتَرْكِهَا مَرَّةً) أَيْ بِلَا عُذْرٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَعِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ إنَّمَا يَأْثَمُ إذَا اعْتَادَهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَقَدْ مَرَّ (قَوْلُهُ الْبَالِغِينَ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الذَّكَرِ بَالِغًا أَوْ غَيْرَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا﴾ [النساء: ١٧٦]- وَكَمَا فِي حَدِيثِ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتْ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ، وَلِذَا قَيَّدَ بِذَكَرٍ لِدَفْعِ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَالِغُ بِنَاءً عَلَى مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عَدَمِ تَوْرِيثِهِمْ إلَّا مَنْ اسْتَعَدَّ لِلْحَرْبِ دُونَ الصِّغَارِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ الْأَحْرَارِ) فَلَا تَجِبُ عَلَى الْقِنِّ وَسَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ لَوْ أَذَّنَ لَهُ مَوْلَاهُ وَجَبَتْ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ وَرَجَّحَهُ فِي الْبَحْرِ اهـ: قُلْت: وَيَنْبَغِي جَرَيَان الْخِلَافُ هُنَا أَيْضًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ) قَيْدُ لِكَوْنِهَا سُنَّةً مُؤَكَّدَةً أَوْ وَاجِبَةً، فَبِالْحَرَجِ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ وَيُرَخَّصُ فِي تَرْكِهَا وَلَكِنَّهُ يَفُوتُهُ الْأَفْضَلُ بِدَلِيلِ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي الصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ: مَا أَجِدُ لَك رُخْصَةً» قَالَ فِي الْفَتْحِ: أَيْ تَحْصُلُ لَك فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهَا لَا الْإِيجَابُ عَلَى الْأَعْمَى، «لِأَنَّهُ ﵊ رَخَّصَ لِعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ فِي تَرْكِهَا» اهـ لَكِنْ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ: وَإِذَا انْقَطَعَ عَنْ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ مِنْ أَعْذَارِهَا
стр. 550
وَلَوْ فَاتَتْهُ نُدِبَ طَلَبُهَا فِي مَسْجِدٍ آخَرَ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَنَحْوَهُ (فَلَا تَجِبُ عَلَى مَرِيضٍ وَمُقْعَدٍ وَزَمِنٍ وَمَقْطُوعِ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْ خِلَافٍ) أَوْ رِجْلٍ فَقَطْ، ذَكَرَهُ الْحَدَّادِيُّ (وَمَفْلُوجٍ وَشَيْخٍ كَبِيرٍ عَاجِزٍ وَأَعْمَى) وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا (وَلَا عَلَى مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَطَرٌ وَطِينٌ
ــ
[رد المحتار]
وَكَانَتْ نِيَّتُهُ حُضُورَهَا لَوْلَا الْعُذْرُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهَا اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعُذْرُ الْمَانِعُ كَالْمَرَضِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالْفَلَجِ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْمَطَرِ وَالطِّينِ وَالْبَرْدِ وَالْعَمَى تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَوْ فَاتَتْهُ نُدِبَ طَلَبُهَا) فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ فِي الْمَسَاجِدِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، بَلْ إنْ أَتَى مَسْجِدًا لِلْجَمَاعَةِ آخَرَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ مُنْفَرِدًا فَحَسَنٌ. وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ: يَجْمَعُ بِأَهْلِهِ وَيُصَلِّي بِهِمْ، يَعْنِي وَيَنَالُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
وَاعْتَرَضَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ بِأَنَّ هَذَا يُنَافِي وُجُوبَ الْجَمَاعَةِ. وَأَجَابَ ح بِأَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَ عَدَمِ الْحَرَجِ، وَفِي تَتَبُّعِهَا فِي الْأَمَاكِنِ الْقَاصِيَةِ حَرَجٌ لَا يَخْفَى مَعَ مَا فِي مُجَاوَزَةِ مَسْجِدِ حَيِّهِ مِنْ مُخَالَفَةِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» . اهـ. وَفِيهِ أَنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِهِ النَّدْبُ وَلَوْ إلَى مَكَان قَرِيبٍ، وَقَوْلُهُ مَعَ مَا فِي مُجَاوَزَةِ إلَخْ.
قَدْ يُقَالُ: مَحَلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ فِيهِ جَمَاعَةٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَسْجِدَ الْحَيِّ إذَا لَمْ تُقَمْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ وَتُقَامُ فِي غَيْرِهِ لَا يَرْتَابُ أَحَدٌ أَنَّ مَسْجِدَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ. عَلَى أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ هَلْ جَمَاعَةُ مَسْجِدِ حَيِّهِ أَوْ جَمَاعَةُ الْمَسْجِدِ. الْجَامِعِ؟ كَمَا فِي الْبَحْرِ ط.
قُلْت: لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَسْجِدِ مَنْزِلِهِ مُؤَذِّنٌ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ فِيهِ وَيُصَلِّي وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لِأَنَّ لِمَسْجِدِ مَنْزِلِهِ حَقًّا عَلَيْهِ، فَيُؤَدِّي حَقَّهُ مُؤَذِّنُ مَسْجِدٍ لَا يَحْضُرُ مَسْجِدَهُ أَحَدٌ. قَالُوا: هُوَ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ وَيُصَلِّي وَحْدَهُ، وَذَاكَ أَحَبُّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ. اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ، وَلَعَلَّ مَا مَرَّ فِيمَا إذَا صَلَّى فِيهِ النَّاسُ فَيُخَيَّرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُصَلِّي فِيهِ أَحَدٌ لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ. وَعَلَى كُلٍّ فَقَوْلُ ط قَدْ يُقَالُ إلَخْ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَزَاهُ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ إلَى مُخْتَصَرِ الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى أَيْضًا لِأَنَّهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَفِي مَسْجِدِهِ ﵊ بِأَلْفٍ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِمِائَةٍ اهـ وَيَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ مَسْجِدِ الْحَيِّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ آنِفًا (قَوْلُهُ وَمُقْعَدٍ وَزَمِنٍ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الْمُقْعَدُ الَّذِي لَا حَرَاك بِهِ مِنْ دَاءٍ فِي جَسَدِهِ كَأَنَّ الدَّاءَ أَقْعَدَهُ. وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ: هُوَ الزَّمِنُ، وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ وَقَالَ: الْمُقْعَدُ الْمُتَشَنِّجُ الْأَعْضَاءِ. وَالزَّمِنُ الَّذِي طَالَ مَرَضُهُ. وَقَالَ فِي فَصْلِ الزَّايِ: الزَّمِنُ الَّذِي طَالَ مَرَضُهُ زَمَانًا، وَقِيلَ الزَّمِنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُقْعَدُ وَالْأَعْمَى وَالْمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا. وَالْمَفْلُوجُ وَالْأَعْرَجُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ وَالْأَشَلُّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمَفْلُوجٍ) وَهُوَ مَنْ بِهِ فَالِجٌ، وَهُوَ اسْتِرْخَاءٌ لِأَحَدِ شِقَّيْ الْإِنْسَانِ لِانْصِبَابِ خَلْطٍ بَلْغَمِيٍّ تَنْسَدُّ مِنْهُ مَسَالِكُ الرُّوحِ قَامُوسٌ
(قَوْلُهُ وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا) وَكَذَا الزَّمِنُ لَوْ كَانَ غَنِيًّا لَهُ مَرْكَبٌ وَخَادِمٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا حِلْيَةٌ عَنْ الْمُحِيطِ. وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ اتِّفَاقٌ، وَالْخِلَافُ فِي الْجُمُعَةِ لَا فِي الْجَمَاعَةِ اهـ لَكِنْ الْمَسْطُورُ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ خِلَافُهُ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ وَلَا عَلَى مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَطَرٌ وَطِينٌ) أَشَارَ بِالْحَيْلُولَةِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَطَرُ الْكَثِيرُ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. وَكَذَا الطِّينُ وَفِي الْحِلْيَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ، فَقَالَ: لَا أُحِبُّ تَرْكَهَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْمُوَطَّأِ: الْحَدِيثُ رُخْصَةٌ، يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «إذَا ابْتَلَّتْ النِّعَالُ فَالصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ» وَالنِّعَالُ: هُنَا الْأَرَاضِي الصِّلَابُ وَفِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ عَنْ شَرْحِ التُّمُرْتَاشِيِّ: وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِ الْأَمْطَارِ وَالثُّلُوجِ وَالْأَوْحَالِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ عُذْرًا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ اشْتَدَّ التَّأَذِّي بِعُذْرٍ قَالَ الْحَسَنُ: أَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ،
стр. 551
وَبَرْدٌ شَدِيدٌ وَظُلْمَةٌ كَذَلِكَ) وَرِيحٌ لَيْلًا لَا نَهَارًا، وَخَوْفٌ عَلَى مَالِهِ، أَوْ مِنْ غَرِيمٍ أَوْ ظَالِمٍ، أَوْ مُدَافَعَةُ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَإِرَادَةُ سَفَرٍ، وَقِيَامُهُ بِمَرِيضٍ، وَحُضُورُ طَعَامٍ (تَتَوَقَّهُ) نَفْسُهُ ذَكَرَهُ الْحَدَّادِيُّ، وَكَذَا اشْتِغَالُهُ بِالْفِقْهِ لَا بِغَيْرِهِ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الْبَاقَانِيُّ تَبَعًا لِلْبَهْنَسِيِّ: أَيْ إلَّا إذَا وَاظَبَ تَكَاسُلًا فَلَا يُعْذَرُ، وَيُعَزَّرُ وَلَوْ بِأَخْذِ الْمَالِ يَعْنِي بِحَبْسِهِ عَنْهُ مُدَّةً وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلَّا بِتَأْوِيلِ بِدْعَةِ الْإِمَامِ
ــ
[رد المحتار]
لَيْسَ عَلَى مَا ظَنَّهُ الْبَعْضُ أَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ فِي الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ لَا فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا مِنْ آكَدِ الْفَرَائِضِ اهـ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ الْمُلَقِّنِ الشَّافِعِيِّ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ النِّعَالَ جَمْعُ نَعْلٍ: وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ فِي صَلَابَةٍ، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ أَدْنَى بَلَلٍ يُنَدِّيهَا، بِخِلَافِ الرَّخْوَةِ فَإِنَّهَا تُنَشِّفُ الْمَاءَ. وَقِيلَ النِّعَالُ الْأَحْذِيَةُ (قَوْلُهُ وَبَرْدٌ شَدِيدٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْحَرَّ الشَّدِيدَ أَيْضًا، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْحَرَّ الشَّدِيدَ إنَّمَا يَحْصُلُ غَالِبًا فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَقَدْ كُفِينَا مُؤْنَتَهُ بِسُنِّيَّةِ الْإِبْرَادِ، نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ هَذِهِ السُّنَّةَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كَانَ الْحَرُّ الشَّدِيدُ عُذْرًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَظُلْمَةٌ كَذَلِكَ) أَيْ شَدِيدَةٌ، فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إلَى إيقَادِ نَحْوِ سِرَاجٍ وَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ كَوْنُهُ لَا يُبْصِرُ طَرِيقَهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَكُونُ كَالْأَعْمَى.
(قَوْلُهُ وَرِيحٌ) أَيْ شَدِيدٌ أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ تَأَمَّلْ؛ وَإِنَّمَا كَانَ عُذْرًا لَيْلًا فَقَطْ لِعِظَمِ مَشَقَّتِهِ فِيهِ دُونَ النَّهَارِ (قَوْلُهُ وَخَوْفٌ عَلَى مَالِهِ) أَيْ مِنْ لِصٍّ وَنَحْوِهِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ غَلْقُ الدُّكَّانِ أَوْ الْبَيْتِ مَثَلًا، وَمِنْهُ خَوْفُهُ عَلَى تَلَفِ طَعَامٍ فِي قِدْرٍ أَوْ خُبْزٍ فِي تَنُّورٍ تَأَمَّلْ، وَانْظُرْ هَلْ التَّقْيِيدُ بِمَالِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مَالِ غَيْرِهِ؟ وَالظَّاهِرُ عَدَمُهُ: لِأَنَّ لَهُ قَطْعَ الصَّلَاةِ لَهُ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ أَمَانَةً عِنْدَهُ كَوَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ رَهْنٍ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ مِنْ غَرِيمٍ) أَيْ إذَا كَانَ مُعْسِرًا لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُوَفِّي غَرِيمَهُ وَإِلَّا كَانَ ظَالِمًا (قَوْلُهُ أَوْ ظَالِمٍ) يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ (قَوْلُهُ الْأَخْبَثَيْنِ) وَكَذَا الرِّيحُ (قَوْلُهُ وَإِرَادَةُ سَفَرٍ) أَيْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَيَخْشَى أَنْ تَفُوتَهُ الْقَافِلَةُ بَحْرٌ؛ وَأَمَّا السَّفَرُ نَفْسُهُ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَقِيَامُهُ بِمَرِيضٍ) أَيْ يَحْصُلُ لَهُ بِغَيْبَتِهِ الْمَشَقَّةُ وَالْوَحْشَةُ، كَذَا فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ تَتُوقُهُ نَفْسُهُ) أَيْ تَشْتَاقُهُ وَتُنَازِعُهُ إلَيْهِ مِصْبَاحٌ، سَوَاءٌ كَانَ عَشَاءً أَوْ غَيْرَهُ لِشَغْلِ بَالِهِ إمْدَادٌ، وَمِثْلُهُ الشَّرَابُ، وَقُرْبُ حُضُورِهِ كَحُضُورِهِ فِيمَا يَظْهَرُ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ (قَوْلُهُ وَكَذَا اشْتِغَالُهُ بِالْفِقْهِ إلَخْ) عِبَارَةُ نُورِ الْإِيضَاحِ: وَتَكْرَارُ فِقَةٍ بِجَمَاعَةٍ تَفُوتُهُ، وَلَمْ أَرَ هَذَا الْقَيْدَ لِغَيْرِهِ، وَرَمَزَ فِي الْقُنْيَةِ لِنَجْمِ الْأَئِمَّةِ فِيمَنْ لَا يَحْضُرُهَا لِاسْتِغْرَاقِ أَوْقَاتِهِ فِي تَكْرِيرِ الْفِقْهِ لَا يُعْذَرُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ رَمَزَ لَهُ ثَانِيًا أَنَّهُ يُعْذَرُ، بِخِلَافِ مُكَرَّرِ اللُّغَةِ ثُمَّ وَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُوَاظِبِ عَلَى التَّرْكِ تَهَاوُنًا، وَالثَّانِي عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ أَيْ إلَّا إلَخْ (قَوْلُهُ فَلَا يُعْذَرُ وَيُعَزَّرُ) الْأَوَّلُ بِالذَّالِ وَالثَّانِي بِالزَّايِ (قَوْلُهُ يَعْنِي بِحَبْسِهِ عَنْهُ إلَخْ) صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ قَالُوا: هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ وَيُكْتَمُ لِأَنَّ الظَّلَمَةَ صَيَّادُونَ لِأَخْذِ الْمَالِ مَتَى وَقَعَ فِي شَرَكِهِمْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَرُبَّمَا يُحْدِثُونَ لِلْإِنْسَانِ ذَنْبًا لَمْ يَفْعَلْهُ تَوَصُّلًا إلَى مَالِهِ اهـ. [تَتِمَّةٌ]
مَجْمُوعُ الْأَعْذَارِ الَّتِي مَرَّتْ مَتْنًا وَشَرْحًا عِشْرُونَ، وَقَدْ نَظَمْتهَا بِقَوْلِي:
أَعْذَارُ تَرْكِ جَمَاعَةٍ عِشْرُونَ قَدْ ... أَوْدَعْتهَا فِي عَقْدِ نَظْمٍ كَالدُّرَرِ
مَرَضٌ وَإِقْعَادٌ عَمًى وَزَمَانَةٌ ... مَطَرٌ وَطِينٌ ثُمَّ بَرْدٌ قَدْ أَضَرَّ
قَطْعٌ لِرِجْلٍ مَعَ يَدٍ أَوْ دُونَهَا ... فَلَجٌ وَعَجْزُ الشَّيْخِ قَصْدٌ لِلسَّفَرِ
خَوْفٌ عَلَى مَالٍ كَذَا مِنْ ظَالِمٍ ... أَوْ دَائِنٍ وَشُهِيَ أَكْلٌ قَدْ حَضَرَ
وَالرِّيحُ لَيْلًا ظُلْمَةٌ تَمْرِيضُ ذِي ... أَلَمٍ مُدَافَعَةٌ لِبَوْلٍ أَوْ قَذَرٍ
ثُمَّ اشْتِغَالٌ لَا بِغَيْرِ الْفِقْهِ فِي ... بَعْضٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ عُذْرٌ مُعْتَبَرٌ
стр. 552
أَوْ عَدَمِ مُرَاعَاتِهِ.
(وَالْأَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) تَقْدِيمًا بَلْ نَصْبًا مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ (الْأَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ) فَقَطْ صِحَّةً وَفَسَادًا بِشَرْطِ اجْتِنَابِهِ لِلْفَوَاحِشِ الظَّاهِرَةِ، وَحِفْظِهِ قَدْرَ فَرْضٍ، وَقِيلَ وَاجِبٍ، وَقِيلَ سُنَّةٍ (ثُمَّ الْأَحْسَنُ تِلَاوَةً) وَتَجْوِيدًا (لِلْقِرَاءَةِ، ثُمَّ الْأَوْرَعُ) أَيْ الْأَكْثَرُ اتِّقَاءً لِلشُّبُهَاتِ. وَالتَّقْوَى: اتِّقَاءَ الْمُحَرَّمَاتِ (ثُمَّ الْأَسَنُّ) أَيْ الْأَقْدَمُ إسْلَامًا، فَيُقَدَّمُ شَابٌّ عَلَى شَيْخٍ أَسْلَمَ، وَقَالُوا: يُقَدَّمُ الْأَقْدَمُ وَرَعًا. وَفِي النَّهْرِ عَنْ الزَّادِ: وَعَلَيْهِ يُقَاسُ سَائِرُ الْخِصَالِ، فَيُقَالُ: يُقَدَّمُ أَقْدَمُهُمْ عِلْمًا وَنَحْوَهُ، وَحِينَئِذٍ فَقَلَّمَا يُحْتَاجُ لِلْقُرْعَةِ (ثُمَّ الْأَحْسَنُ خُلُقًا) بِالضَّمِّ أُلْفَةً بِالنَّاسِ (ثُمَّ الْأَحْسَنُ وَجْهًا) أَيْ أَكْثَرُهُمْ تَهَجُّدًا؛ زَادَ فِي الزَّادِ:
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ أَوْ عَدَمُ مُرَاعَاتِهِ) أَيْ لِمَذْهَبِ الْمُقْتَدِي فِيمَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ
(قَوْلُهُ تَقْدِيمًا) أَيْ عَلَى مَنْ حَضَرَ مَعَهُ (قَوْلُهُ بَلْ نَصْبًا) أَيْ لِلْإِمَامِ الرَّاتِبِ (قَوْلُهُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ فَقَطْ) أَيْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ فِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمُتَبَحِّرِ، كَذَا فِي زَادَ الْفَقِيرِ عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ (قَوْلُهُ بِشَرْطِ اجْتِنَابِهِ إلَخْ) كَذَا فِي الدِّرَايَةِ عَنْ الْمُجْتَبَى. وَعِبَارَةُ الْكَافِي وَغَيْرِهِ: الْأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ أَوْلَى، إلَّا أَنْ يُطْعَنَ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَرْغَبُونَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ (قَوْلُهُ قَدْرَ فَرْضٍ) أَخَذَهُ تَبَعًا لِلْبَحْرِ مِنْ قَوْلِ الْكَافِي قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، بِنَاءً عَلَى أَنْ تَجُوزَ بِمَعْنَى تَصِحُّ لَا بِمَعْنَى تَحِلُّ.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ وَاجِبٌ) ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا لَكِنْ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ كَلَامِ الْكَافِي لِأَنَّ الْجَوَازَ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْحِلِّ؛ بَلْ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: يَنْبَغِي حَمْلُ الْجَوَازِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا يَشْمَلُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ، وَحِينَئِذٍ فَيَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ سُنَّةٌ) قَائِلُهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَبْسُوطِ كَمَا فِي النَّهْرِ؛ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ. قَالَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ هَذَا التَّقْدِيمُ عَلَى سَبِيلِ الْأَوْلَوِيَّةِ؛ فَالْأَنْسَبُ لَهُ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَحْسَنُ تِلَاوَةً وَتَجْوِيدًا) أَفَادَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ أَقْرَأُ: أَيْ أَجْوَدُ، لَا أَكْثَرُهُمْ حِفْظًا وَإِنْ جَعَلَهُ فِي الْبَحْرِ مُتَبَادِرًا، وَمَعْنَى الْحَسَنِ فِي التِّلَاوَة أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكَيْفِيَّةِ الْحُرُوفِ وَالْوَقْفِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ أَيْ الْأَكْثَرُ اتِّقَاءً لِلشُّبُهَاتِ) الشُّبْهَةُ: مَا اشْتَبَهَ حِلُّهُ وَحُرْمَتُهُ، وَيَلْزَمُ مِنْ الْوَرَعِ التَّقْوَى بِلَا عَكْسٍ. وَالزُّهْدُ: تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ الْحَلَالِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبْهَةِ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْوَرَعِ، وَلَيْسَ فِي السُّنَّةِ ذِكْرُ الْوَرَعِ، بَلْ الْهِجْرَةُ عَنْ الْوَطَنِ. فَلَمَّا نُسِخَتْ أُرِيدَ بِهَا هِجْرَةُ الْمَعَاصِي بِالْوَرَعِ، فَلَا تَجِبُ هِجْرَةٌ إلَّا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ ط (قَوْلُهُ أَيْ الْأَقْدَمُ إسْلَامًا) اسْتَنْبَطَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ مِنْ تَعْلِيلِ الْبَدَائِعِ، بِأَنَّ مَنْ امْتَدَّ عُمْرُهُ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ أَكْثَرَ طَاعَةً. أَقُولُ: بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسَنِّ الْأَكْبَرُ سِنًّا كَمَا هُوَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ «فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا» وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَيَكُونُ الْكَلَامُ فِي الْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ، نَعَمْ أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ «فَأَقْدَمُهُمْ إسْلَامًا» وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا آخَرَ لِلتَّرْجِيحِ فِيمَنْ عَرَضَ إسْلَامُهُ فَيُقَدَّمُ شَابٌّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى شَيْخٍ أَسْلَمَ، أَمَّا لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ أَسْلَمَا مَعًا يُقَدَّمُ الْأَكْبَرُ سِنًّا، لِمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَكْبَرَ سِنًّا يَكُونُ أَخْشَعَ قَلْبًا عَادَةً وَأَعْظَمَ حُرْمَةً وَرَغْبَةُ النَّاسِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ أَكْثَرُ فَيَكُونُ فِي تَقْدِيمِهِ تَكْثِيرُ الْجَمَاعَةِ. اهـ.
هَذَا: وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَوْرَعِ عَلَى الْأَسَنِّ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُتُونِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَعَكَسَ فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ عَنْ الزَّادِ) أَيْ زَادِ الْفَقِيرِ لِابْنِ الْهُمَامِ (قَوْلُهُ بِالضَّمِّ) أَيْ ضَمِّ الْخَاءِ، أَمَّا بِفَتْحِهَا فَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ أَكْثَرُهُمْ تَهَجُّدًا) تَفْسِيرٌ بِالْمَلْزُومِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ التَّهَجُّدِ حُسْنُ الْوَجْهِ، لِحَدِيثِ «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ» وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ، بَلْ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ صَبَاحَةَ الْوَجْهِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ ح (قَوْلُهُ زَادَ فِي الزَّادِ إلَخْ) أَقُولُ: لَيْسَ فِيهِ
стр. 553
ثُمَّ أَصْبَحُهُمْ: أَيْ أَسْمَحُهُمْ وَجْهًا، ثُمَّ أَكْثَرُهُمْ حَسَبًا (ثُمَّ الْأَشْرَفُ نَسَبًا) زَادَ فِي الْبُرْهَانِ: ثُمَّ الْأَحْسَنُ صَوْتًا. وَفِي الْأَشْبَاهِ قَبِيلَ ثَمَنِ الْمِثْلِ: ثُمَّ الْأَحْسَنُ زَوْجَةً. ثُمَّ الْأَكْثَرُ مَالًا، ثُمَّ الْأَكْثَرُ جَاهًا (ثُمَّ الْأَنْظَفُ ثَوْبًا) ثُمَّ الْأَكْبَرُ رَأْسًا وَالْأَصْغَرُ عُضْوًا، ثُمَّ الْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ، ثُمَّ الْحُرُّ الْأَصْلِيُّ عَلَى الْعَتِيقِ. ثُمَّ الْمُتَيَمِّمُ عَنْ حَدَثٍ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ عَنْ جَنَابَةٍ.
[فَائِدَةٌ] لَا يُقَدَّمُ أَحَدٌ فِي التَّزَاحُمِ إلَّا بِمُرَجِّحٍ، وَمِنْهُ السَّبْقُ إلَى الدَّرْسِ وَالْإِفْتَاءِ وَالدَّعْوَى، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْمَجِيءِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ اهـ كَلَامُ الْأَشْبَاهِ. وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ مِنْ حَظْرِ التَّتَارْخَانِيَّة: وَفِي طَلَبَةِ الْعِلْمِ يُقَدَّمُ السَّابِقُ؛ فَإِنْ اخْتَلَفُوا وَثَمَّةَ بَيِّنَةٌ فِيهَا، وَإِلَّا أُقْرِعَ كَمَجِيئِهِمْ مَعًا كَمَا فِي الْحَرْقَى وَالْغَرْقَى إذَا لَمْ يُعْرَفْ الْأَوَّلُ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُمْ مَاتُوا مَعًا. اهـ. وَفِي مَحَاسِنِ الْقُرَّاءِ لِابْنِ وَهْبَانَ: وَقِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْخِ مَعْلُومٌ جَازَ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى تَقْدِيمِ الْأَسْبَقِ، وَأَوَّلُ مَنْ سَنَّهُ ابْنُ كَثِيرٍ (فَإِنْ اسْتَوَوْا يُقْرَعُ) بَيْنَ الْمُسْتَوِيَيْنِ (أَوْ الْخِيَارُ إلَى الْقَوْمِ) فَإِنْ اخْتَلَفُوا
ــ
[رد المحتار]
زِيَادَةٌ. وَنَصُّ عِبَارَةِ الزَّادِ بَعْدَ الْخَلْقِ هَكَذَا: فَإِنْ تُسَاوَوْا فَأَصْبَحُهُمْ وَجْهًا. وَقَيَّدَهُ فِي الْكَافِي بِمَنْ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِنْ تُسَاوَوْا فَأَشْرَفُهُمْ نَسَبًا إلَخْ (قَوْلُهُ أَيْ أَسْمَحُهُمْ وَجْهًا) عِبَارَةٌ عَنْ بَشَاشَتِهِ فِي وَجْهِ مَنْ يَلْقَاهُ وَابْتِسَامِهِ لَهُ، وَهَذَا يُغَايِرُ الْحُسْنَ الَّذِي هُوَ تَنَاسُبُ الْأَعْضَاءِ أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ ثُمَّ أَكْثَرُهُمْ حَسَبًا) الظَّاهِرُ أَنَّ [الْحَسَبَ] بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ لَا بِالنُّونِ، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدَّمَ فِي الْفَتْحِ الْحَسَبَ عَلَى صَبَاحَةِ الْوَجْهِ. اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْحَسَبُ مَا تَعُدُّهُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِك، أَوْ الْمَالُ، أَوْ الدِّينُ، أَوْ الْكَرَمُ، أَوْ الشَّرَفُ فِي الْفِعْلِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَحْسَنُ زَوْجَةً) لِأَنَّهُ غَالِبًا يَكُونُ أَحَبَّ لَهَا وَأَعَفَّ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهَا. وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بَيْنَ الْأَصْحَابِ أَوْ الْأَرْحَامِ أَوْ الْجِيرَانِ، إذْ لَيْسَ الْمُرَادَ أَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَوْصَافَ زَوْجَتِهِ حَتَّى يَعْلَمَ مَنْ هُوَ أَحْسَنُ زَوْجَةً (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَكْثَرُ مَالًا) إذْ بِكَثْرَتِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَوْصَافِ يَحْصُلُ لَهُ الْقَنَاعَةُ وَالْعِفَّةُ فَيَرْغَبُ النَّاسُ فِيهِ أَكْثَرَ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَكْبَرُ رَأْسًا إلَخْ) لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كِبَرِ الْعَقْلِ يَعْنِي مَعَ مُنَاسَبَةِ الْأَعْضَاءِ لَهُ، وَإِلَّا فَلَوْ فَحُشَ الرَّأْسُ كِبَرًا وَالْأَعْضَاءُ صِغَرًا كَانَ دَلَالَةً عَلَى اخْتِلَالِ تَرْكِيبِ مِزَاجِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ اعْتِدَالِ عَقْلِهِ اهـ ح. وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ؛ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا لَا يَلِيقُ أَنْ يُذْكَرَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُكْتَبَ اهـ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا قِيلَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُضْوِ الذَّكَرُ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ) وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ بَحْرٌ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْجَمَاعَةُ مُسَافِرِينَ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَهَذَا مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ فِي الرَّبَاعِيَةِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ ثُمَّ الْمُتَيَمِّمُ عَنْ حَدَثٍ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ عَنْ جَنَابَةٍ) كَذَا أَجَابَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ كَمَا فِي التَّتِمَّةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَيْضِ وَجَامِعِ الْفَتَاوَى. كَذَا فِي الْأَحْكَامِ لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ، وَمِثْلُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْحَدَثَ أَخَفُّ مِنْ الْجَنَابَةِ، لَكِنْ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي: الْمُتَيَمِّمُ عَنْ الْجَنَابَةِ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنْ الْمُتَيَمِّمِ عَنْ حَدَثٍ.
وَنَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْهَا مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ طَهَارَتَهُ أَقْوَى لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْغُسْلِ لَا يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ (قَوْلُهُ وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُرَجَّحِ (قَوْلُهُ وَالْإِفْتَاءِ) الْأَوْلَى وَالِاسْتِفْتَاءِ (قَوْلُهُ وَالدَّعْوَى) أَيْ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي (قَوْلُهُ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ) أَيْ إذَا تَنَازَعُوا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْأَوْلَوِيَّةِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْحَرْقَى وَالْغَرْقَى) التَّشْبِيهُ فِي أَنَّ التَّرْتِيبَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ كَانَ كَالْمَعِيَّةِ لَا فِي الْقُرْعَةِ أَيْضًا، فَإِنَّهَا لَا تَتَأَتَّى فِي الْحَرْقَى وَالْغَرْقَى ح (قَوْلُهُ مَعْلُومٌ) أَيْ وَظِيفَةٌ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ أَوْ مِنْ الطَّلَبَةِ أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ جَازَ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ) لِأَنَّهُ لَهُ أَنْ لَا يُقْرِئَهُمْ أَصَلَاحٌ (قَوْلُهُ وَأَوَّلُ مَنْ سَنَّهُ ابْنُ كَثِيرٍ) قَالَ السَّمْهُودِيُّ فِي جَوْهَرِ الْعِقْدَيْنِ. رُوِيَ «أَنَّ أَنْصَارِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُهُ. وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَخَا ثَقِيفٍ إنَّ الْأَنْصَارِيَّ قَدْ سَبَقَك بِالْمَسْأَلَةِ فَاجْلِسْ كَيْمَا نَبْدَأُ بِحَاجَةِ الْأَنْصَارِيِّ قَبْلَ حَاجَتِك» اهـ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ -
стр. 554
اُعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمْ؛ وَلَوْ قَدَّمُوا غَيْرَ الْأَوْلَى أَسَاءُوا بِلَا إثْمٍ.
(وَ) اعْلَمْ أَنَّ (صَاحِبَ الْبَيْتِ) وَمِثْلُهُ إمَامِ الْمَسْجِدِ الرَّاتِبُ (أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِهِ) مُطْلَقًا (إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ سُلْطَانٌ أَوْ قَاضٍ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ) لِعُمُومِ وِلَايَتِهِمَا، وَصَرَّحَ الْحَدَّادِيُّ بِتَقْدِيمِ الْوَالِي عَلَى الرَّاتِبِ (وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ مِنْ الْمَالِكِ) لِمَا مَرَّ.
(وَلَوْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، إنْ) الْكَرَاهَةُ (لِفَسَادٍ فِيهِ أَوْ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِنْهُ كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ تَحْرِيمًا لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» (وَإِنْ هُوَ أَحَقَّ لَا) وَالْكَرَاهَةُ عَلَيْهِمْ.
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (إمَامَةُ عَبْدٍ) وَلَوْ مُعْتَقًا قُهُسْتَانِيٌّ. عَنْ الْخُلَاصَةِ، وَلَعَلَّهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَقَدُّمِ الْحَرِّ الْأَصْلِيِّ، إذْ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ فَتَنَبَّهْ (وَأَعْرَابِيٌّ)
ــ
[رد المحتار]
وَابْنُ كَثِيرٍ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ لَهُ مَعْلُومٌ وَغَيْرُهُ، نَعَمْ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ ذِي الْمَعْلُومِ وَغَيْرِهِ فِيمَا إذَا حَضَرَا مَعًا رَحْمَتِيٌّ: أَيْ فَيُقْرَعُ لَوْ لَهُ مَعْلُومٌ وَإِلَّا يُقَدِّمُ مَنْ شَاءَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ اُعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمْ) لَا يَظْهَرُ هَذَا إلَّا فِي الْمَنْصِبِ، وإلَّا فَكُلٌّ يُصَلِّي خَلْفَ مَنْ يَخْتَارُهُ ط لَكِنْ فِيهِ تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ.
(قَوْلُهُ أَسَاءُوا بِلَا إثْمٍ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ فِي الْفِقْهِ وَالصَّلَاحِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقْرَأُ فَقَدَّمَ الْقَوْمُ الْآخَرَ فَقَدْ أَسَاءُوا وَتَرَكُوا السُّنَّةَ وَلَكِنْ لَا يَأْثَمُونَ، لِأَنَّهُمْ قَدَّمُوا رَجُلًا صَالِحًا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْإِمَارَةِ وَالْحُكُومَةِ، أَمَّا الْخِلَافَةُ وَهِيَ الْإِمَامَةُ الْكُبْرَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ اهـ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْحَاضِرِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَقْرَأُ مِنْهُ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: جَمَاعَةٌ أَضْيَافٌ فِي دَارٍ نُرِيدُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمَالِكُ، فَإِنْ قَدَّمَ وَاحِدًا مِنْهُمْ لِعِلْمِهِ وَكِبَرِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِذَا تَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ جَازَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَالِكَ يَأْذَنُ لِضَيْفِهِ إكْرَامًا لَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَصَرَّحَ الْحَدَّادِيُّ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ خَاصٍّ بِالسُّلْطَانِ الْعَامِّ الْوِلَايَةِ، وَلَا بِالْقَاضِي الْخَاصِّ الْوِلَايَةِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، بَلْ مِثْلُهَا الْوَالِي، وَأَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ كَصَاحِبِ الْبَيْتِ فِي ذَلِكَ. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَأَمَّا إذَا اجْتَمَعُوا فَالسُّلْطَانُ مُقَدَّمٌ، ثُمَّ الْأَمِيرُ، ثُمَّ الْقَاضِي، ثُمَّ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ وَلَوْ مُسْتَأْجِرًا، وَكَذَا يُقَدَّمُ الْقَاضِي عَلَى إمَامِ الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ) لِأَنَّ الْإِعَارَةَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ، وَالْمُعِيرُ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ، بِخِلَافِ الْمُؤَجِّرِ، لَكِنَّهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ يَبْقَى الْمُسْتَعِيرُ أَحَقَّ، وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ لَمْ تَبْقَ الْعَارِيَّةُ وَخَرَجَتْ الْمَسْأَلَةُ عَنْ مَوْضُوعِهَا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِمَا وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِعُمُومِ الْوِلَايَةِ عُمُومُهَا لِلنَّاسِ، وَهَذَانِ لَيْسَا كَذَلِكَ: فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُمَا فِي هَذَا الْحَالَةِ دُونَ الْمَالِكِ ح (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ إلَخْ) هَكَذَا رَوَاهُ فِي النَّهْرِ بِالْمَعْنَى، وَعَزَاهُ إلَى الْحَلَبِيِّ صَاحِبِ الْحِلْيَةِ مَعَ أَنَّهُ فِي الْحِلْيَةِ ذَكَرَهُ مُطَوَّلًا، وَنَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْهَا (قَوْلُهُ وَالْكَرَاهَةُ عَلَيْهِمْ) جَزَمَ فِي الْحِلْيَةِ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ الْأَوْلَى تَحْرِيمِيَّةٌ لِلْحَدِيثِ، وَتَرَدَّدَ فِي هَذِهِ
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا إلَخْ) لِقَوْلِهِ فِي الْأَصْلِ: إمَامَةُ غَيْرِهِمْ أَحَبُّ إلَيَّ بَحْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى وَالْمِعْرَاجِ، ثُمَّ قَالَ: فَيُكْرَهُ لَهُمْ التَّقَدُّمُ؛ وَيُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ تَنْزِيهًا؛ فَإِنْ أَمْكَنَ الصَّلَاةُ خَلْفَ غَيْرِهِمْ فَهُوَ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَالِاقْتِدَاءُ أَوْلَى مِنْ الِانْفِرَادِ (قَوْلُهُ وَلَوْ مُعْتَقًا) يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَقَ عَبْدٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ؛ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ عُمُومِ الْمَجَازِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْعَبْدِ مَنْ اتَّصَفَ بِالرِّقِّ وَقْتًا مَا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَالِ أَوْ فِيمَا مَضَى ح (قَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ) أَيْ وَلَعَلَّ سَبَبَ كَرَاهَةِ الْمُعْتَقِ مَا قَدَّمْنَاهُ إلَخْ فَإِنَّ تَقْدِيمَ الْحُرِّ الْأَصْلِيِّ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَتَرْكُهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، فَلِذَا قَالَ: إذْ الْكَرَاهَةُ إلَخْ. وَفِي نُسْخَةٍ: وَالْعِلَّةُ أَيْ وَالْعِلَّةُ فِي كَرَاهَةِ إمَامَةِ الْمُعْتَقِ أَنَّ الْحُرَّ الْأَصْلِيَّ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ نَشَأَ فِي الرِّقِّ مُشْتَغِلًا بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى لَمْ يَتَفَرَّغْ لِلتَّعَلُّمِ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ وَأَعْرَابِيٍّ) نِسْبَةُ إلَى الْأَعْرَابِ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ،
стр. 555
وَمِثْلُهُ تُرْكُمَانٌ وَأَكْرَادٌ وَعَامِّيٌّ (وَفَاسِقٌ وَأَعْمَى) وَنَحْوُهُ الْأَعْشَى نَهْرٌ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) أَيْ غَيْرُ الْفَاسِقِ (أَعْلَمَ الْقَوْمِ) فَهُوَ أَوْلَى (وَمُبْتَدِعٌ) أَيْ صَاحِبُ بِدْعَةٍ وَهِيَ اعْتِقَادُ خِلَافِ الْمَعْرُوفِ عَنْ الرَّسُولِ
ــ
[رد المحتار]
وَلَبِسَ جَمْعًا لِعَرَبٍ كَمَا فِي الصِّحَاحِ، لَكِنْ فِي الرِّضَى الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمْعٌ قُهُسْتَانِيٌّ وَهُوَ مَنْ يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا بَحْرٌ، وَخَصَّهُ فِي الْمِصْبَاحِ بِأَهْلِ الْبَدْوِ مِنْ الْعَرَبِ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ إلَخْ) مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَا يَشْمَلُ الْأَعْجَمِيَّ، وَإِلَّا فَالْمُنَاسِبُ: وَمِنْهُ. وَالْعِلَّةُ فِي الْكُلِّ غَلَبَةُ الْجَهْلِ (قَوْلُهُ وَفَاسِقٌ) مِنْ الْفِسْقِ: وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ يَرْتَكِبُ الْكَبَائِرَ كَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَالزَّانِي وَآكِلِ الرِّبَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ إسْمَاعِيلُ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْفَاسِقِ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِهَا يَجِدُ إمَامًا غَيْرَهُ. اهـ. قَالَ فِي الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ فَيُكْرَهُ فِي الْجُمُعَةِ إذَا تَعَدَّدَتْ إقَامَتُهَا فِي الْمِصْرِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْمُفْتَى بِهِ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ إلَى التَّحَوُّلِ (قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ الْأَعْشَى) هُوَ سَيِّئُ الْبَصَرِ لَيْلًا وَنَهَارًا قَامُوسٌ، وَهَذَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بَحْثًا أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِ الْأَعْمَى بِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ (قَوْلُهُ أَيْ غَيْرُ الْفَاسِقِ) تَبِعَ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ الْبَحْرِ: حَيْثُ قَالَ: قَيَّدَ كَرَاهَةَ إمَامَةِ الْأَعْمَى فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ أَفْضَلَ الْقَوْمِ، فَإِنْ كَانَ أَفْضَلَهُمْ فَهُوَ أَوْلَى اهـ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي جَرَيَانُ هَذَا الْقَيْدِ فِي الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَوَلَدِ الزِّنَا، وَنَازَعَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ فِي الْهِدَايَةِ عَلَّلَ لِلْكَرَاهَةِ بِغَلَبَةِ الْجَهْلِ فِيهِمْ، وَبِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِمْ تَنْفِيرَ الْجَمَاعَةِ، وَمُقْتَضَى الثَّانِيَةِ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ مَعَ انْتِفَاءِ الْجَهْلِ، لَكِنْ وَرَدَ فِي الْأَعْمَى نَصٌّ خَاصٌّ هُوَ «اسْتِخْلَافُهُ ﷺ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعِتْبَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَا أَعْمَيَيْنِ» ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُمَا، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِإِطْلَاقِهِمْ وَاقْتِصَارِهِمْ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَعْمَى. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ الْقَوْمِ خَاصٌّ بِالْأَعْمَى، أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِعِلْمِهِ، لَكِنْ مَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ صَرَّحَ بِهِ فِي الِاخْتِيَارِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ عُدِمَتْ أَيْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ بِأَنْ كَانَ الْأَعْرَابِيُّ أَفْضَلَ مِنْ الْحَضَرِيِّ، وَالْعَبْدُ مِنْ الْحُرِّ، وَوَلَدُ الزِّنَا مِنْ وَلَدِ الرِّشْدَةِ، وَالْأَعْمَى مِنْ الْبَصِيرِ فَالْحُكْمُ بِالضِّدِّ اهـ وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى لِلْبَهْنَسِيِّ وَشَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ تَنْفِيرَ الْجَمَاعَةِ بِتَقْدِيمِهِ يَزُولُ إذَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ التَّنْفِيرُ يَكُونُ فِي تَقَدُّمِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَقَدْ عَلَّلُوا كَرَاهَةَ تَقْدِيمِهِ بِأَنَّهُ لَا يُهْتَمُّ لِأَمْرِ دِينِهِ، وَبِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ لِلْإِمَامَةِ تَعْظِيمَهُ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ إهَانَتُهُ شَرْعًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِ لَا تَزُولُ الْعِلَّةُ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ فَهُوَ كَالْمُبْتَدِعِ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ بِكُلِّ حَالٍ، بَلْ مَشَى فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَلَى أَنَّ كَرَاهَةَ تَقْدِيمِهِ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ لِمَا ذَكَرْنَا قَالَ: وَلِذَا لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ أَصْلًا عِنْدَ مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، فَلِذَا حَاوَلَ الشَّارِحُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَحَمَلَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى غَيْرِ الْفَاسِقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ الْبِدْعَةُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ
(قَوْلُهُ أَيْ صَاحِبُ بِدْعَةٍ) أَيْ مُحَرَّمَةٍ، وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً، كَنَصْبِ الْأَدِلَّةِ لِلرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَتَعَلُّمِ النَّحْوِ الْمُفْهِمِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَنْدُوبَةً كَإِحْدَاثِ نَحْوِ رِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ وَكُلِّ إحْسَانٍ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَمَكْرُوهَةٍ كَزَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ. وَمُبَاحَةٍ كَالتَّوَسُّعِ بِلَذِيذِ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالثِّيَابِ كَمَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُنَاوِيِّ عَنْ تَهْذِيبِ النَّوَوِيِّ، وَبِمِثْلِهِ فِي الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِلْبِرْكِلِيِّ (قَوْلُهُ وَهِيَ اعْتِقَادُ إلَخْ) عَزَاهُ هَذَا التَّعْرِيفِ فِي هَامِشِ الْخَزَائِنِ إلَى الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ يَشْمَلُ مَا كَانَ مَعَهُ عَمَلٌ أَوْ لَا، فَإِنَّ مَنْ تَدَيَّنَ بِعَمَلٍ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَقِدَهُ كَمَسْحِ الشِّيعَةِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ وَإِنْكَارِهِمْ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَيُسَاوِي تَعْرِيفَ الشُّمُنِّيِّ لَهَا بِأَنَّهَا مَا أُحْدِثَ عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ الْمُتَلَقَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ حَالٍ
стр. 556
لَا بِمُعَانَدَةٍ بَلْ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ قِبْلَتِنَا (لَا يَكْفُرُ بِهَا) حَتَّى الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا وَسَبَّ الرَّسُولِ، وَيُنْكِرُونَ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَجَوَازَ رُؤْيَتِهِ لِكَوْنِهِ عَنْ تَأْوِيلٍ وَشُبْهَةٍ بِدَلِيلِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ، إلَّا الْخَطَّابِيَّةِ وَمِنَّا مَنْ كَفَّرَهُمْ (وَإِنْ) أَنْكَرَ بَعْضَ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً (كَفَرَ بِهَا) كَقَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَإِنْكَارُهُ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ
ــ
[رد المحتار]
بِنَوْعِ شُبْهَةٍ وَاسْتِحْسَانٍ، وَجُعِلَ دَيْنًا قَوِيمًا وَصِرَاطًا مُسْتَقِيمًا اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لَا بِمُعَانِدَةٍ) أَمَّا لَوْ كَانَ مُعَانِدًا لِلْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا أَصْلًا كَإِنْكَارِ الْحَشْرِ أَوْ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ كَافِرٌ قَطْعًا (قَوْلُهُ بَلْ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً كَقَوْلِ مُنْكِرِ الرُّؤْيَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرَى لِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ (قَوْلُهُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ قِبْلَتِنَا لَا يَكْفُرُ بِهَا) أَيْ بِالْبِدْعَةِ الْمَذْكُورَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى شُبْهَةٍ إذْ لَا خِلَافَ فِي كُفْرِ الْمُخَالِفِ فِي ضَرُورِيَّاتِ الْإِسْلَامِ مِنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَحَشْرِ الْأَجْسَادِ وَنَفْيِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُوَاظِبِ طُولَ عُمْرِهِ عَلَى الطَّاعَاتِ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ حَتَّى الْخَوَارِجُ) أَرَادَ بِهِمْ مَنْ خَرَجَ عَنْ مُعْتَقَدِ أَهْلِ الْحَقِّ لَا خُصُوصَ الْفِرْقَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَفَّرُوهُ، فَيَشْمَلُ الْمُعْتَزِلَةَ وَالشِّيعَةَ وَغَيْرَهُمْ (قَوْلُهُ وَسَبَّ الرَّسُولِ) هَكَذَا فِي غَالِبِ النُّسَخِ، وَرَأَيْته كَذَلِكَ فِي الْخَزَائِنِ بِخَطِّ الشَّارِحِ، وَفِيهِ أَنَّ سَابَّ الرَّسُولِ ﷺ كَافِرٌ قَطْعًا، فَالصَّوَابُ وَسَبَّ أَصْحَابِ الرَّسُولِ، وَقَيَّدَهُمْ الْمُحَشِّي بِغَيْرِ الشَّيْخَيْنِ لِمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ أَنَّ سَابَّهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا كَافِرٌ.
أَقُولُ: مَا سَيَأْتِي مَحْمُولٌ عَلَى سَبِّهِمَا بِلَا شُبْهَةٍ، لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّ سَابَّهُمَا أَوْ مُنْكِرُ خِلَافَتِهِمَا إذَا بَنَاهُ عَلَى شُبْهَةٍ لَهُ لَا يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ كُفْرًا فِي حَدِّ ذَاتِهِ لِأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ بِإِتْهَامِهِمْ الصَّحَابَةَ، فَكَانَ شُبْهَةً فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً، بِخِلَافِ مَنْ ادَّعَى أَنَّ عَلِيًّا إلَهٌ وَأَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعٍ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ مَحْضُ هَوًى، وَتَمَامُهُ فِيهِ فَرَاجِعْهُ: وَقَدْ أَوْضَحْت هَذَا الْمَقَامَ فِي كِتَابِي: [تَنْبِيهُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ عَلَى أَحْكَامِ شَاتِمِ خَيْرِ الْأَنَامِ أَوْ أَحَدِ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] (قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ عَنْ تَأْوِيلٍ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا يَكْفُرُ بِهَا. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي أَوَاخِرِ التَّحْرِيرِ: وَجَهْلُ الْمُبْتَدِعِ كَالْمُعْتَزِلَةِ مَانِعِي ثُبُوتِ الصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَالشَّفَاعَةِ وَخُرُوجِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ وَالرُّؤْيَةِ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا، لِوُضُوحِ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، لَكِنْ لَا يَكْفُرُ، إذْ تَمَسُّكُهُ بِالْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ أَوْ الْعَقْلِ، وَلِلنَّهْيِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَلَا شَهَادَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَعَدَمُهُ فِي الْخَطَابِيَّةِ لَيْسَ لِكُفْرِهِمْ: أَيْ بَلْ لِتَدَيُّنِهِمْ شَهَادَةَ الزُّورِ لِمَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِمْ أَوْ حَلَفَ أَنَّهُ مُحِقٌّ.
وَأَوْرَدَ أَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْمَعْصِيَةِ كُفْرٌ. وَأُجِيبَ إذَا كَانَ عَنْ مُكَابَرَةٍ وَعَدَمِ دَلِيلٍ، بِخِلَافِ مَا عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَالْمُبْتَدِعُ مُخْطِئٌ فِي تَمَسُّكِهِ لَا مُكَابِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِسَرَائِرِ عِبَادِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمِنَّا مَنْ كَفَّرَهُمْ) أَيْ مِنَّا مَعْشَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ: أَيْ أَصْحَابَ الْبِدَعِ؛ أَوْ الْمُرَادُ مِنَّا مَعْشَرَ الْحَنَفِيَّةِ. وَأَفَادَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَنَا خِلَافُهُ، فَقَدْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ فُرُوعًا تَدُلُّ عَلَى كُفْرِ بَعْضِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ تَكْفِيرِ أَحَدٍ مِنْ الْمُخَالِفِينَ فِيمَا لَيْسَ مِنْ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً إلَخْ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ) وَكَذَا لَوْ لَمْ يَقُلْ كَالْأَجْسَامِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَا كَالْأَجْسَامِ فَلَا يَكْفُرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا إطْلَاقُ لَفْظِ الْجِسْمِ الْمُوهِمِ لِلنَّقْصِ فَرَفَعَهُ بِقَوْلِهِ لَا كَالْأَجْسَامِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدَ الْإِطْلَاقِ وَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَإِنْكَارُهُ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠]- ح. وَفِي الْفَتْحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ: وَمَنْ أَنْكَرَ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ أَوْ عُمَرَ فَهُوَ كَافِرٌ اهـ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إنْكَارُ اسْتِحْقَاقِهِمَا الْخِلَافَةَ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لَا إنْكَارُ وُجُودِهَا لَهُمَا بَحْرٌ.
стр. 557
(فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ أَصْلًا) فَلْيُحْفَظْ (وَوَلَدُ الزِّنَا) هَذَا إنْ وُجِدَ غَيْرُهُمْ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ بَحْرٌ بَحْثًا.
وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: صَلَّى خَلَفَ فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدَعٍ نَالَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ، وَكَذَا تُكْرَهُ خَلْفَ أَمْرَدَ وَسَفِيهٍ وَمَفْلُوجٍ، وَأَبْرَصَ شَاعَ بَرَصُهُ، وَشَارِبِ الْخَمْرِ وَآكِلِ الرِّبَا وَنَمَّامٍ، وَمُرَاءٍ وَمُتَصَنِّعٍ
وَمَنْ أَمَّ بِأُجْرَةٍ قُهُسْتَانِيٌّ زَادَ ابْنُ مَلِكٍ: وَمُخَالِفٌ كَشَافِعِيٍّ؟
ــ
[رد المحتار]
وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْكُفْرِ بِإِنْكَارِ الْخِلَافَةِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شُبْهَةٍ كَمَا مَرَّ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ، بِخِلَافِ إنْكَارِ صُحْبَةِ الصِّدِّيقِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَصْلًا) تَأْكِيدٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ فِي حَالَةِ كَذَا وَلَا فِي حَالَةِ كَذَا إذْ لَيْسَ هُنَا أَحْوَالٌ ح (قَوْلُهُ وَوَلَدُ الزِّنَا) إذْ لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُرَبِّيهِ وَيُؤَدِّبُهُ وَيُعَلِّمُهُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ بَحْرٌ، أَوْ لِنُفْرَةِ النَّاسِ عَنْهُ (قَوْلُهُ هَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ كَرَاهَةِ إمَامَةِ الْمَذْكُورِينَ (قَوْلُهُ إنْ وُجِدَ غَيْرُهُمْ) أَيْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ بَحْرٌ بَحْثًا) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَنْقُولِ عَنْ الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ نَالَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ) أَفَادَ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمَا أَوْلَى مِنْ الِانْفِرَادِ، لَكِنْ لَا يَنَالُ كَمَا يَنَالُ خَلْفَ تَقِيٍّ وَرَعٍ لِحَدِيثِ «مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَالِمٍ تَقِيٍّ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ» قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَلَمْ يَجِدْهُ الْمُخَرِّجُونَ نَعَمْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مَرْفُوعًا «إنْ سَرَّكُمْ أَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ صَلَاتَكُمْ فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» . اهـ. مَطْلَبٌ فِي إمَامَةِ الْأَمْرَدِ
(قَوْلُهُ وَكَذَا تُكْرَهُ خَلْفَ أَمْرَدَ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ أَيْضًا. وَالظَّاهِرُ أَيْضًا كَمَا قَالَ الرَّحْمَتِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّبِيحُ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْفِتْنَةِ، وَهَلْ يُقَالُ هُنَا أَيْضًا: إذَا كَانَ أَعْلَمَ الْقَوْمِ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ: فَإِنْ كَانَتْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ خَشْيَةَ الشَّهْوَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَلَا، وَإِنْ كَانَتْ غَلَبَةَ الْجَهْلِ أَوْ نُفْرَةَ النَّاسِ مِنْ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ فَنَعَمْ فَتَأَمَّلْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَا الْعِذَارِ الصَّبِيحَ الْمُشْتَهَى كَالْأَمْرَدِ تَأَمَّلْ
هَذَا، وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ الْفَتَاوَى الْعَفِيفِيَّةِ: سُئِلَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِيسَى الْمُرْشِدِيُّ عَنْ شَخْصٍ بَلَغَ مِنْ السِّنِّ عِشْرِينَ سَنَةً وَتَجَاوَزَ حَدَّ الْإِنْبَاتِ وَلَمْ يَنْبُتْ عِذَارُهُ، فَهَلْ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ الْأَمْرَدِيَّةِ، وَخُصُوصًا وَقَدْ نَبَتَ لَهُ شَعَرَاتٌ فِي ذَقَنِهِ تُؤْذِنُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُسْتَدِيرِي اللِّحَى، فَهَلْ حُكْمُهُ فِي الْإِمَامَةِ كَالرِّجَالِ الْكَامِلِينَ أَمْ لَا أَجَابَ: سُئِلَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الشَّلَبِيِّ مِنْ مُتَأَخِّرِي عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
فَأَجَابَ بِالْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَنَاهِيك بِهِ قُدْوَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ عَنْهَا الْمُفْتِي مُحَمَّدُ تَاجُ الدِّينِ الْقَلَعِيُّ فَأَجَابَ كَذَلِكَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَسَفِيهٍ) هُوَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ عَلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ أَوْ الْعَدْلِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْحَجْرِ ط (قَوْلُهُ وَمَفْلُوجٍ وَأَبْرَصَ شَاعَ بَرَصُهُ) وَكَذَلِكَ أَعْرَجُ يَقُومُ بِبَعْضِ قَدَمِهِ، فَالِاقْتِدَاءُ بِغَيْرِهِ أَوْلَى تَتَارْخَانِيَّةٌ، وَكَذَا أَجْذَمُ بُرْجُنْدِيٌّ، وَمَجْبُوبٌ وَحَاقِنٌ، وَمَنْ لَهُ يَدٌ وَاحِدَةٌ فَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ عَنْ التُّحْفَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِلَّةَ النُّفْرَةُ، وَلِذَا قَيَّدَ الْأَبْرَصَ بِالشُّيُوعِ لِيَكُونَ ظَاهِرًا وَلِعَدَمِ إمْكَانِ إكْمَالِ الطَّهَارَةِ أَيْضًا فِي الْمَفْلُوجِ وَالْأَقْطَعِ وَالْمَجْبُوبِ، وَلِكَرَاهَةِ صَلَاةِ الْحَاقِنِ أَيْ بِبَوْلٍ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ وَشَارِبِ الْخَمْرِ إلَى قَوْلِهِ وَمُتَصَنِّعٍ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِ الْمَتْنِ فَاسِقٌ ح.
وَالنَّمَّامُ: مَنْ يَنْقُلُ الْكَلَامَ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ، وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَيَحْرُمُ عَلَى الْإِنْسَانِ قَبُولُهَا.
وَالْمُرَائِي: مَنْ يَقْصِدُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، سَوَاءٌ تَكَلَّفَ تَحْسِينَ الطَّاعَاتِ أَوْ لَا. وَالْمُتَصَنِّعُ: مَنْ يَتَكَلَّفُ تَحْسِينَهَا فَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ ط
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَمَّ بِأُجْرَةٍ) بِأَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِيُصَلِّيَ إمَامًا سَنَةً أَوْ شَهْرًا بِكَذَا، وَلَيْسَ مِنْهُ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ صَدَقَةٌ وَمَعُونَةٌ لَهُ رَحْمَتِيٌّ: أَيْ يُشْبِهُ الصَّدَقَةَ، وَيُشْبِهُ الْأُجْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَقْفِ.
عَلَى أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ مَذْهَبُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ لِلضَّرُورَةِ؛ بِخِلَافِ
стр. 558
لَكِنْ فِي وِتْرِ الْبَحْرِ إنْ تَيَقَّنَ الْمُرَاعَاةَ لَمْ يُكْرَهْ، أَوْ عَدَمَهَا لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ شَكَّ كُرِهَ
(وَ)
ــ
[رد المحتار]
الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التِّلَاوَةِ الْمُجَرَّدَةِ وَبَقِيَّةِ الطَّاعَاتِ مِمَّا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا كَمَا سَنُحَقِّقُهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي وِتْرِ الْبَحْرِ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، لِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ جَنَحُوا إلَيْهِ، وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ شَاهِدَةٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ: إنْ كَانَ عَادَتُهُ مُرَاعَاةَ مَوَاضِعِ الْخِلَافِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ السِّنْدِيُّ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ ح.
قُلْت: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِرَأْيِ الْمُقْتَدِي وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ لِرَأْيِ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ أَقْيَسُ وَعَلَيْهِ فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ كَانَ لَا يُحْتَاطُ كَمَا يَأْتِي فِي الْوِتْرِ (قَوْلُهُ إنْ تَيَقَّنَ الْمُرَاعَاةَ لَمْ يُكْرَهْ إلَخْ) أَيْ الْمُرَاعَاةُ فِي الْفَرَائِضِ مِنْ شُرُوطٍ وَأَرْكَانٍ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يُرَاعِ الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ كَلَامِ الْبَحْرِ. مَطْلَبٌ فِي الِاقْتِدَاءِ بِشَافِعِيٍّ وَنَحْوِهِ هَلْ يُكْرَهُ أَمْ لَا؟
وَظَاهِرُ كَلَامِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِالْمُخَالِفِ فِي الْفُرُوعِ كَالشَّافِعِيِّ فَيَجُوزُ مَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَلَى اعْتِقَادِ الْمُقْتَدِي عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، إنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْكَرَاهَةِ. اهـ فَقَيَّدَ بِالْمُفْسِدِ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا تَرَى. وَفِي رِسَالَةِ [الِاهْتِدَاءِ فِي الِاقْتِدَاءِ] لِمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِئُ: ذَهَبَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا إلَى الْجَوَازِ إذَا كَانَ يُحْتَاطُ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَإِلَّا فَلَا.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمُرَاعِي بِلَا كَرَاهَةٍ وَفِي غَيْرِهِ مَعَهَا. ثُمَّ الْمَوَاضِعُ الْمُهْمَلَةُ لِلْمُرَاعَاةِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ وَالرُّعَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَا فِيمَا هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا؛ كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الِانْتِقَالَاتِ، وَجَهْرِ الْبَسْمَلَةِ وَإِخْفَائِهَا، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الْخِلَافِ، فَكُلُّهُمْ يَتَّبِعُ مَذْهَبَهُ وَلَا يُمْنَعُ مَشْرَبَهُ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ لِلْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ: الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ خَاطِرِي الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ، إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ مُفْسِدٌ. اهـ.
وَبَحَثَ الْمُحَشِّي أَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ رَاعَى فِي الْفُرُوضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ عَلِمَ تَرْكَهَا فِي الثَّلَاثَةِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ شَيْئًا كُرِهَ لِأَنَّ بَعْضَ مَا يَجِبُ تَرْكُهُ عِنْدَنَا يُسَنُّ فِعْلُهُ عِنْدَهُ فَالظَّاهِرُ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَإِنْ عَلِمَ تَرْكَهَا فِي الْأَخِيرَيْنِ فَقَطْ يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ لِأَنَّهُ إذَا كُرِهَ عِنْدَ احْتِمَالِ تَرْكِ الْوَاجِبِ فَعِنْدَ تَحَقُّقِهِ بِالْأَوْلَى، وَإِنْ عَلِمَ تَرْكَهَا فِي الثَّالِثِ فَقَطْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ فَتُقَدَّمُ عَلَى تَرْكِهِ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ اهـ وَسَبَقَهُ إلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ، حَيْثُ ادَّعَى أَنَّ الِانْفِرَادَ أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ قَالَ: إذْ لَا رَيْبَ أَنَّهُ يَأْتِي فِي صَلَاتِهِ بِمَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ بِهِ عِنْدَنَا أَوْ تُسْتَحَبُّ، لَكِنْ رَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ غَيْرُهُ فِي رِسَالَةٍ أَيْضًا، وَقَدْ أَسْمَعْنَاك مَا يُؤَيِّدُ الرَّدَّ، نَعَمْ نَقَلَ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ عَنْ الرَّمْلِيِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَشَى عَلَى كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالِفِ حَيْثُ أَمْكَنَهُ غَيْرُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ، وَيَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ، وَبِهِ أَفْتَى الرَّمْلِيُّ الْكَبِيرُ، وَاعْتَمَدَهُ السُّبْكِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا، وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُمْ عِلَّةٌ فِي الِاقْتِدَاءِ بِنَا صِحَّةً وَفَسَادًا وَأَفْضَلِيَّةً كَانَ لَنَا مِثْلُهُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ سَمِعْت مَا اعْتَمَدَهُ الرَّمْلِيُّ وَأَفْتَى بِهِ، وَالْفَقِيرُ أَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاقْتِدَاءِ الْحَنَفِيِّ بِالشَّافِعِيِّ وَالْفَقِيهُ الْمُنْصِفُ يُسَلِّمُ ذَلِكَ:
وَأَنَا رَمْلِيُّ فِقْهُ الْحَنَفِيِّ ... لَا مِرَا بَعْدَ اتِّفَاقِ الْعَالِمَيْنِ
اهـ مُلَخَّصًا أَيْ لَا جِدَالَ بَعْدَ اتِّفَاقِ عَالِمَيْ الْمَذْهَبَيْنِ وَهُمَا رَمْلِيُّ الْحَنَفِيَّةِ يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ وَرَمْلِيُّ الشَّافِعِيَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالْمُخَالِفِ الْمُرَاعَى فِي الْفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ إذْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَإِلَّا فَالِاقْتِدَاءُ بِالْمُوَافِقِ أَفْضَلُ.
стр. 559
يُكْرَهُ تَحْرِيمًا (تَطْوِيلُ الصَّلَاةِ) عَلَى الْقَوْمِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ السُّنَّةِ فِي قِرَاءَةٍ وَأَذْكَارٍ رَضِيَ الْقَوْمُ أَوْ لَا لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ بِالتَّخْفِيفِ نَهْرٌ وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ظَاهِرُ حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ مُطْلَقًا.
وَلِذَا قَالَ الْكَمَالُ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ إذَا صَلَّى الشَّافِعِيُّ قَبْلَ الْحَنَفِيِّ هَلْ الْأَفْضَلُ الصَّلَاةُ مَعَ الشَّافِعِيِّ أَمْ لَا؟
بَقِيَ مَا إذَا تَعَدَّدَتْ الْجَمَاعَاتُ فِي الْمَسْجِدِ وَسَبَقَتْ جَمَاعَةُ الشَّافِعِيَّةِ مَعَ حُضُورِ نَقْلٍ ط عَنْ رِسَالَةٍ لِابْنِ نُجَيْمٍ أَنَّ الْأَفْضَلَ الِاقْتِدَاءُ بِالشَّافِعِيِّ، بَلْ يُكْرَهُ التَّأْخِيرُ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، إلَّا إذَا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ الْأَوْلَى غَيْرَ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، أَوْ أُدِّيَتْ الْجَمَاعَةُ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو الْحَنَفِيُّ حَالَةَ صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ، إمَّا أَنْ يَشْتَغِلَ بِالرَّوَاتِبِ لِيَنْتَظِرَ الْحَنَفِيَّ وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» ، وَإِمَّا أَنْ يَجْلِسَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا لِإِعْرَاضِهِ عَنْ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي جَمَاعَتِهِمْ عَلَى الْمُخْتَارِ اهـ وَنَحْوُهُ فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ الشَّيْخِ وَالِدِهِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ أَكْرَمَ وَخَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ السَّيِّدِ مُحَمَّدِ أَمِينٍ مِيزْبَادْ شَاهْ وَالشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ الشِّرْوَانِيِّ، فَإِنَّهُمْ رَجَّحُوا أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ أَوَّلِ جَمَاعَةٍ أَفْضَلُ. قَالَ: وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَفِيفُ فِي فَتَاوَاهُ الْعَفِيفِيَّةِ عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرْشِدِيِّ: وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُفْتِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ الشَّيْخُ عَلِيُّ بْنُ جَارِ اللَّهِ ابْنِ ظَهِيرَةَ الْحَنَفِيُّ لَا يَزَالُ يُصَلِّي مَعَ الشَّافِعِيَّةِ عِنْدَ تَقَدُّمِ جَمَاعَتِهِمْ وَكُنْت أَقْتَدِي بِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ اهـ وَخَالَفَهُمْ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْبِيرِيُّ بِنَاءً عَلَى كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ لِعَدَمِ مُرَاعَاتِهِمْ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ، وَأَنَّ الِانْفِرَادَ أَفْضَلُ لَوْ لَمْ يُدْرِكْ إمَامَ مَذْهَبِهِ، وَخَالَفَهُمْ أَيْضًا الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ السِّنْدِيُّ تِلْمِيذُ ابْنِ الْهُمَامِ فَقَالَ: الِاحْتِيَاطُ فِي عَدَمِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَلَوْ مُرَاعِيًا، وَكَذَا الْعَلَّامَةُ الْمُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِئُ فَقَالَ بَعْدَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ مِنْ عَدَمِ كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ: وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ مَذْهَبٍ إمَامٌ كَمَا فِي زَمَانِنَا فَالْأَفْضَلُ الِاقْتِدَاءُ بِالْمُوَافِقِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، عَلَى مَا اسْتَحْسَنَهُ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَعَمِلَ بِهِ جُمْهُورُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَالْقُدْسِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ شَذَّ مِنْهُمْ. اهـ.
وَاَلَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الْقَلْبُ عَدَمُ كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالِفِ مَا لَمْ يَكُنْ غَيْرَ مُرَاعٍ فِي الْفَرَائِضِ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا أَئِمَّةً مُجْتَهِدِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ إمَامٍ وَاحِدٍ مَعَ تَبَايُنِ مَذَاهِبِهِمْ، وَأَنَّهُ لَوْ انْتَظَرَ إمَامَ مَذْهَبِهِ بَعِيدًا عَنْ الصُّفُوفِ لَمْ يَكُنْ إعْرَاضًا عَنْ الْجَمَاعَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ يُرِيدُ جَمَاعَةً أَكْمَلَ مِنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ. وَأَمَّا كَرَاهَةُ تَعَدُّدِ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا أَوَّلَ الْبَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(قَوْلُهُ تَحْرِيمًا) أَخَذَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ الْأَمْرِ بِالتَّخْفِيفِ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي قَالَ: وَهُوَ لِلْوُجُوبِ إلَّا لِصَارِفٍ وَلِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى الْغَيْرِ اهـ وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ السُّنَّةِ) عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى السِّرَاجِ وَالْمُضْمَرَاتِ. قَالَ: وَذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ بَحْثًا لَا كَمَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فَيَقْرَأُ يَسِيرًا فِي الْفَجْرِ كَغَيْرِهَا اهـ (قَوْلُهُ لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ بِالتَّخْفِيفِ) وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» ، وَقَدْ تَبِعَ الشَّارِحُ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ الْبَحْرِ. وَاعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ بِأَنَّ تَعْلِيلَ الْأَمْرِ بِمَا ذُكِرَ يُفِيدُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ إذَا رَضِيَ الْقَوْمُ: أَيْ إذَا كَانُوا مَحْصُورِينَ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْبَحْرِ عَلَى غَيْرِ الْمَحْصُورِينَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ السُّنَّةِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِقَدْرِ حَالِ الْقَوْمِ مُطْلَقًا: أَيْ وَلَوْ دُونَ الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ عَنْ السِّرَاجِ وَالْمُضْمَرَاتِ كَمَا مَرَّ؛ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْقَدْرَ الْمَسْنُونَ لَا يَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ لِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ ﷺ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَقْتَدِي بِهِ الضَّعِيفُ وَالسَّقِيمُ وَلَا يَتْرُكُهُ إلَّا وَقْتَ الضَّرُورَةِ؛ وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ قِرَاءَةَ
стр. 560
إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَصَحَّ «أَنَّهُ ﵊ قَرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي الْفَجْرِ حِينَ سَمِعَ بُكَاءَ صَبِيٍّ»
(وَ) يُكْرَهُ تَحْرِيمًا (جَمَاعَةُ النِّسَاءِ) وَلَوْ التَّرَاوِيحَ فِي غَيْرِ صَلَاةِ جِنَازَةٍ (لِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ مُكَرَّرَةً) ، فَلَوْ انْفَرَدْنَ تَفُوتُهُنَّ بِفَرَاغِ إحْدَاهُنَّ؛ وَلَوْ أَمَّتْ فِيهَا رِجَالًا لَا تُعَادُ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِصَلَاتِهَا إلَّا إذَا اسْتَخْلَفَهَا الْإِمَامُ وَخَلْفُهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ فَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْكُلِّ (فَإِنْ فَعَلْنَ تَقِفُ الْإِمَامُ
ــ
[رد المحتار]
«مُعَاذٍ لَمَّا شَكَاهُ قَوْمُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ» إنَّمَا كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ. قَالَ الْكَمَالُ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ بَحَثْنَا أَنَّ التَّطْوِيلَ: هُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَسْنُونَةِ، فَإِنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْهُ وَقِرَاءَتُهُ هِيَ الْمَسْنُونَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ مَا نَهَى عَنْهُ غَيْرَ مَا كَانَ دَأْبَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَقِرَاءَةُ مُعَاذٍ لَمَّا قَالَ لَهُ ﷺ مَا قَالَ كَانَتْ بِالْبَقَرَةِ عَلَى مَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّ مُعَاذًا افْتَتَحَ بِالْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ» وَقَوْلُهُ ﷺ «إذَا أَمَمْت بِالنَّاسِ فَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا - وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى - وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك - وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى» - " لِأَنَّهَا كَانَتْ الْعِشَاءَ، وَإِنَّ قَوْمَ مُعَاذٍ كَانَ الْعُذْرُ مُتَحَقِّقًا فِيهِمْ لَا كَسَلًا مِنْهُمْ فَأَمَرَ فِيهِمْ بِذَلِكَ لِذَلِكَ، كَمَا ذُكِرَ «أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي الْفَجْرِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالُوا لَهُ أَوْجَزْت، قَالَ: سَمِعْت بُكَاءَ صَبِيٍّ فَخَشِيت أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ» اهـ مُلَخَّصًا.
فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ الْمَسْنُونِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَقِرَاءَتِهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ لِبُكَاءِ الصَّبِيِّ، وَظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ الْمَسْنُونِ لِضَعْفِ الْجَمَاعَة لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ دُونَ الْمَسْنُونِ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ بَلْ نَهَاهُ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ مَعَ تَحَقُّقِ الْعُذْرِ فِي قَوْمِهِ، فَمَا اسْتَظْهَرَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ مِنْ الْحَدِيثِ وَحَمَلَ عَلَيْهِ كَلَامَ الْكَمَالِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، نَعَمْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى التَّرَاوِيحِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى أَنَّ الْحَسَنَ رَوَى عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي الْمَكْتُوبَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ثَلَاثَ آيَاتٍ فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَمْ يُسِئْ اهـ لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي مَا قُلْنَا لِأَنَّهُ أَحْسَنَ بِقِرَاءَةِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَلَمْ يُسِئْ: أَيْ لَمْ يَصِلْ إلَى كَرَاهَةٍ شَدِيدَةٍ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا) صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَلَوْ فِي التَّرَاوِيحِ) أَفَادَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي كُلِّ مَا تُشْرَعُ فِيهِ جَمَاعَةُ الرِّجَالِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ مُكَرَّرَةً إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَتَهُنَّ لَا تُكْرَهُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَتَرْكُ التَّقَدُّمِ مَكْرُوهٌ فَدَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِ الْمَكْرُوهِ لِفِعْلِ الْفَرْضِ أَوْ تَرْكِ الْفَرْضِ لِتَرْكِهِ فَوَجَبَ الْأَوَّلُ، بِخِلَافِ جَمَاعَتِهِنَّ فِي غَيْرِهَا، وَلَوْ صَلَّيْنَ فُرَادَى فَقَدْ تَسْبِقُ إحْدَاهُنَّ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْبَاقِيَاتِ نَفْلًا وَالتَّنَفُّلُ بِهَا مَكْرُوهٌ، فَيَكُونُ فَرَاغُ تِلْكَ مُوجِبًا لِفَسَادِ الْفَرْضِيَّةِ لِصَلَاةِ الْبَاقِيَاتِ كَتَقْيِيدِ الْخَامِسَةِ بِالسَّجْدَةِ لِمَنْ تَرَكَ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ. وَمُفَادُهُ أَنَّ جَمَاعَتَهُنَّ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَاجِبَةٌ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُنَّ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ فَسَادِ فَرْضِيَّةِ صَلَاةِ الْبَاقِيَاتِ إذَا سَبَقَتْ إحْدَاهُنَّ. وَفِيهِ أَنَّ الرِّجَالَ لَوْ صَلَّوْا مُنْفَرِدِينَ يَلْزَمُ فِيهَا مِثْلُ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ وُجُوبُ جَمَاعَتِهِمْ فِيهَا مَعَ أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَا تُعَادُ) لِأَنَّهَا لَوْ أُعِيدَتْ لَوَقَعَتْ نَفْلًا مَكْرُوهًا ط (قَوْلُهُ بِصَلَاتِهَا) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ الرِّجَالَ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُمْ ح (قَوْلُهُ إلَّا إذَا اسْتَخْلَفَهَا) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَا تُعَادُ، وَهَذَا لَيْسَ خَاصًّا بِالْجِنَازَةِ بَلْ غَيْرُهَا مِثْلُهَا (قَوْلُهُ فَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْكُلِّ) أَمَّا الرِّجَالُ وَالْإِمَامُ فَلِعَدَمِ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الرِّجَالِ بِالْمَرْأَةِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالْمُقَدَّمَةُ فَلِأَنَّهُنَّ دَخَلْنَ فِي تَحْرِيمَةٍ كَامِلَةٍ فَإِذَا انْتَقَلْنَ إلَى تَحْرِيمَةٍ نَاقِصَةٍ لَمْ يَجُزْ، كَأَنَّهُنَّ انْتَقَلْنَ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ آخَرَ كَمَا فِي الْبَحْرِ ح.
وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَلَوْ كُنَّ نِسَاءً خُلَّصًا، أَفَادَهُ أَبُو السُّعُودِ ط. وَالْأَظْهَرُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَصِيرُ مُقْتَدِيًا بِخَلِيفَتِهِ فَتَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ، بَلْ بِاسْتِخْلَافِهِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فَكَذَا مَنْ خَلْفَهُ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ تَقِفُ الْإِمَامُ) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ لِأَنَّ فَاعِلَهُ الْإِمَامُ هُوَ هُنَا مُؤَنَّثٌ حَقِيقِيٌّ. اهـ. وَقَالَ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِئُ: يَجُوزُ التَّذْكِيرُ لِأَنَّهُ
стр. 561
وَسَطَهُنَّ) فَلَوْ قُدِّمَتْ أَثِمَتْ إلَّا الْخُنْثَى فَيَتَقَدَّمُهُنَّ (كَالْعُرَاةِ) فَيَتَوَسَّطُهُمْ إمَامُهُمْ. وَيُكْرَهُ جَمَاعَتُهُمْ تَحْرِيمًا فَتْحٌ.
(وَيُكْرَهُ حُضُورُهُنَّ الْجَمَاعَةَ) وَلَوْ لِجُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَوَعْظٍ (مُطْلَقًا) وَلَوْ عَجُوزًا لَيْلًا (عَلَى الْمَذْهَبِ) الْمُفْتَى بِهِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَاسْتَثْنَى الْكَمَالُ بَحْثًا الْعَجَائِزَ وَالْمُتَفَانِيَةَ (كَمَا تُكْرَهُ إمَامَةُ الرَّجُلِ لَهُنَّ فِي بَيْتٍ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ غَيْرُهُ وَلَا مَحْرَمٌ مِنْهُ) كَأُخْتِهِ (أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُنَّ وَاحِدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ أَوْ أَمَّهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ لَا) يُكْرَهُ بَحْرٌ (وَيَقِفُ الْوَاحِدُ) وَلَوْ صَبِيًّا، أَمَّا الْوَاحِدَةُ فَتَتَأَخَّرُ (مُحَاذِيًا) أَيْ مُسَاوِيًا (لِيَمِينِ إمَامِهِ)
ــ
[رد المحتار]
مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ: أَيْ الْمُقْتَدَى بِهِ. اهـ. وَفِي النَّهْرِ: هُوَ مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْإِمَامَةُ وَتَرْكُ الْهَاءِ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ اسْمٌ لَا وَصْفٌ. اهـ. (قَوْلُهُ وَسَطَهُنَّ) فِي الْمُغْرِبِ الْوَسَطُ بِالتَّحَرُّكِ اسْمٌ لِعَيْنِ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ الشَّيْءِ كَمَرْكَزِ الدَّائِرَةِ، وَبِالسُّكُونِ اسْمٌ مُبْهَمٌ لِدَاخِلِ الدَّائِرَةِ مَثَلًا، وَلِذَا كَانَ ظَرْفًا وَالْأَوَّلُ يُجْعَلُ مُبْتَدَأً وَفَاعِلًا وَمَفْعُولًا بِهِ إلَخْ. وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ: الْوَسْطُ بِالسُّكُونِ ظَرْفُ مَكَان وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ تَقُولُ وَسْطَ رَأْسِهِ دُهْنٌ بِالسُّكُونِ وَفَتْحِ الطَّاءِ فَهَذَا ظَرْفٌ، وَإِذَا فَتَحْت السِّينَ رَفَعْت الطَّاءَ وَقُلْت وَسَطُ رَأْسِهِ دُهْنٌ فَهَذَا اسْمٌ اهـ.
قُلْت: وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ هُنَا الْفَتْحُ وَالسُّكُونُ لِأَنَّهَا إذَا وَقَفَتْ فِي الصَّفِّ صَدَقَ أَنَّهَا فِي الْوَسْطِ بِالسُّكُونِ وَأَنَّهَا عَيْنُ الْوَسَطِ بِالتَّحْرِيكِ، وَيَكُونُ نَصْبُهُ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَفِي الثَّانِي عَلَى الْحَالِيَّةِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى مُتَوَسِّطَةٍ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَلَوْ تَقَدَّمَتْ) أَثِمَتْ. أَفَادَ أَنَّ وُقُوفَهَا وَسَطَهُنَّ وَاجِبٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ، وَأَنَّهَا إذَا تَوَسَّطَتْ لَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ، وَإِنَّمَا أَرْشَدُوا إلَى التَّوَسُّطِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَرَاهِيَةً مِنْ التَّقَدُّمِ كَمَا فِي السِّرَاجِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَيَتَقَدَّمُهُنَّ) إذْ لَوْ صَلَّى وَسْطَهُنَّ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِمُحَاذَاتِهِنَّ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ ذُكُورَتِهِ ح أَيْ وَتَفْسُدُ صَلَاتُهُنَّ أَيْضًا (قَوْلُهُ فَيَتَوَسَّطُهُمْ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ التَّشْبِيهَ بَيْنَ الْعُرَاةِ وَالنِّسَاءِ لَيْسَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ فِي الِانْفِرَادِ وَقِيَامِ الْإِمَامِ فِي الْوَسَطِ وَإِلَّا فَالْعُرَاةُ يُصَلُّونَ قُعُودًا وَهُوَ أَفْضَلُ وَالنِّسَاءُ قَائِمَاتٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ عَجُوزًا لَيْلًا) بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ: أَيْ شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا نَهَارًا أَوْ لَيْلًا (قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُفْتَى بِهِ) أَيْ مَذْهَبِ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْفَتْوَى الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ مُخَالِفَةٌ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ، فَإِنَّهُمْ نَقَلُوا أَنَّ الشَّابَّةَ تُمْنَعُ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا. وَأَمَّا الْعَجُوزُ فَلَهَا حُضُورُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْجُمُعَةِ أَيْ وَعِنْدَهُمَا مُطْلَقًا، فَالْإِفْتَاءُ بِمَنْعِ الْعَجَائِزِ فِي الْكُلِّ مُخَالِفٌ لِلْكُلِّ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ. اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهَا لِقِيَامِ الْحَامِلِ وَهُوَ فَرْطُ الشَّهْوَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَسَقَةَ لَا يَنْتَشِرُونَ فِي الْمَغْرِبِ لِأَنَّهُمْ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ وَفِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ نَائِمُونَ؛ فَإِذَا فُرِضَ انْتِشَارُهُمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِغَلَبَةِ فِسْقِهِمْ كَمَا فِي زَمَانِنَا بَلْ تَحَرِّيهِمْ إيَّاهَا كَانَ الْمَنْعُ فِيهَا أَظْهَرَ مِنْ الظُّهْرِ. اهـ. قُلْت: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّوْرِيَةِ اللَّطِيفَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ إلَى الْغَايَةِ (قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى الْكَمَالُ إلَخْ) أَيْ مِمَّا أَفْتَى بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ السَّابِقَةِ فَيَبْقَى الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ غَيْرَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ لَا تَنْتَفِي بِوُجُودِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أُخْرَى وَتَنْتَفِي بِوُجُودِ رَجُلٍ آخَرَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَأُخْتِهِ) مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ كَمَا رَأَيْته فِي عِدَّةِ نُسَخٍ، وَكَذَا بِخَطِّهِ فِي الْخَزَائِنِ كَتَبَهُ بِالْأَسْوَدِ وَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْرَمِ مَا كَانَ مِنْ الرَّحِمِ، لِمَا قَالُوا مِنْ كَرَاهَةِ الْخَلْوَةِ بِالْأُخْتِ رَضَاعًا وَالصِّهْرَةِ الشَّابَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى رَجُلٌ أَوْ مَحْرَمٌ لَا بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أُخْتِهِ؛ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَتْنِ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى تَغَلُّبِ الْمَحْرَمِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْخَلْوَةِ فِيهِ، وَلِذَا لَوْ اجْتَمَعَ بِزَوْجَتِهِ فِيهِ لَا يُعَدُّ خَلْوَةً كَمَا يَأْتِي رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ أَمَّا الْوَاحِدَةُ فَتَتَأَخَّرُ) فَلَوْ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ أَيْضًا يُقِيمُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَهُمَا وَلَوْ رَجُلَانِ يُقِيمُهُمَا خَلْفَهُ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا بَحْرٌ، وَتَأَخُّرُ الْوَاحِدَةِ مَحَلُّهُ إذَا اقْتَدَتْ بِرَجُلٍ لَا بِامْرَأَةٍ مِثْلِهَا ط عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ
стр. 562
عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالرَّأْسِ بَلْ بِالْقَدَمِ، فَلَوْ صَغِيرًا فَالْأَصَحُّ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ أَكْثَرُ قَدَمِ الْمُؤْتَمِّ لَا تَفْسُدُ، فَلَوْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ كُرِهَ (اتِّفَاقًا وَكَذَا) يُكْرَهُ (خَلْفُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَالزَّائِدُ) يَقِفُ (خَلْفَهُ) فَلَوْ تَوَسَّطَ اثْنَيْنِ كُرِهَ تَنْزِيهًا وَتَحْرِيمًا لَوْ أَكْثَرَ، وَلَوْ قَامَ وَاحِدٌ بِجَنْبِ الْإِمَامِ وَخَلْفَهُ صَفٌّ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) خِلَافًا لِمَا مَرَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ يَجْعَلُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ بَحْرٌ، وَيَأْمُرُهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ: أَيْ بِالْوُقُوفِ عَنْ يَمِينِهِ وَلَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ لِحَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَامَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ» سِرَاجٌ (قَوْلُهُ بَلْ بِالْقَدَمِ) فَلَوْ حَاذَاهُ بِالْقَدَمِ وَوَقَعَ سُجُودُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْمُقْتَدِي أَطْوَلَ مِنْ إمَامِهِ لَا يَضُرُّ؛ وَمَعْنَى الْمُحَاذَاةِ بِالْقَدَمِ الْمُحَاذَاةُ بِعَقِبِهِ، فَلَا يَضُرُّ تَقَدُّمُ أَصَابِعِ الْمُقْتَدِي عَلَى الْإِمَامِ حَيْثُ حَاذَاهُ بِالْعَقِبِ مَا لَمْ يَفْحُشْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ، حَتَّى لَوْ فَحُشَ بِحَيْثُ تَقَدَّمَ أَكْثَرُ قَدَمِ الْمُقْتَدِي لِعِظَمِ قَدَمِهِ لَا يَصِحُّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَخْ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ إنَّمَا هُوَ لِلْقَدَمِ لَا لِلرَّأْسِ، فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَقْصَرَ مِنْ الْمُقْتَدِي يَقَعُ رَأْسُ الْمُقْتَدِي قُدَّامَ الْإِمَامِ يَجُوزُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُحَاذِيًا بِقَدَمِهِ أَوْ مُتَأَخِّرًا قَلِيلًا، وَكَذَا فِي مُحَاذَاةِ الْمَرْأَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الْأَقْدَامُ صِغَرًا وَكِبَرًا فَالْعِبْرَةُ لِلسَّاقِ وَالْكَعْبِ وَالْأَصَحُّ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ أَكْثَرُ قَدَمِ الْمُقْتَدِي لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى انْتَهَى، فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ كَمَا تَوَهَّمَ رَحْمَتِيٌّ فَافْهَمْ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: هَذَا فِي غَيْرِ الْمُومِئِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْمُومِئِ لِلرَّأْسِ حَتَّى لَوْ كَانَ رَأْسُهُ خَلْفَ إمَامِهِ وَرِجْلَاهُ قُدَّامَ رِجْلَيْهِ صَحَّ، وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَصِحُّ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُهُ رَأْسُهُ خَلْفَ إمَامِهِ قَيْدًا، بَلْ كَذَلِكَ إذَا سَاوَاهُ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ. وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْمُومِئِ الْمُقْتَدِي بِصَحِيحٍ أَوْ بِمُومٍ مِثْلِهِ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَاعِدًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، أَمَّا لَوْ عَلَى جَنْبِهِ فَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُؤْتَمِّ مُضْطَجِعًا خَلْفَ ظَهْرِ إمَامِهِ، وَلَا عِبْرَةَ لِلرَّأْسِ أَصْلًا. [تَنْبِيهٌ]
إفْرَادُ الْقَدَمِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كَغَيْرِهِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ تُعْتَبَرُ بِوَاحِدَةٍ، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْتَمَدًا عَلَى قَدَمٍ وَاحِدٍ فَالْعِبْرَةُ لَهَا؛ وَلَوْ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُحَاذِيَةً وَالْأُخْرَى مُتَأَخِّرَةً فَلَا كَلَامَ فِي الصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى مُتَقَدِّمَةً فَهَلْ يَصِحُّ نَظَرًا لِلْمُحَاذِيَةِ أَوْ لَا نَظَرًا لِلْمُتَقَدِّمَةِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ. وَالظَّاهِرُ الثَّانِي تَرْجِيحًا لِلْحَاظِرِ عَلَى الْمُبِيحِ كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَى قَوَائِمِ الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَالْأُخْرَى فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ رَأَيْت فِيهِ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ اخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ.
[فَرْعٌ] قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي: اقْتَدَى عَلَى سَطْحٍ وَقَامَ بِحِذَاءِ رَأْسِ الْإِمَامِ، ذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَالسَّرَخْسِيُّ يَجُوزُ. مَطْلَبٌ هَلْ الْإِسَاءَةُ دُونَ الْكَرَاهَةِ أَوْ أَفْحَشُ مِنْهَا؟
(قَوْلُهُ كُرِهَ اتِّفَاقًا) الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ لِتَعْلِيلِهَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَلِقَوْلِهِ فِي الْكَافِي جَازَ وَأَسَاءَ، وَكَذَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ، لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ بَحْثِ سُنَنِ الصَّلَاةِ اخْتِلَافَ عِبَارَتِهِمْ فِي أَنَّ الْإِسَاءَةَ دُونَ الْكَرَاهَةِ أَوْ أَفْحَشُ مِنْهَا، وَوَفَّقْنَا بَيْنَهَا بِأَنَّهَا دُونَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَأَفْحَشُ مِنْ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَالزَّائِدُ خَلْفَهُ) عَدَلَ تَبَعًا لِلْوِقَايَةِ عَنْ قَوْلِ الْكَنْزِ وَالِاثْنَانِ خَلْفَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ خَاصٍّ بِالِاثْنَيْنِ، بَلْ الْمُرَادُ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ، نَعَمْ يُفْهَمُ حُكْمُ الْأَكْثَرِ بِالْأَوْلَى. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا بِحِذَائِهِ وَالْآخَرُ بِيَمِينِهِ إذَا كَانَ الزَّائِدُ اثْنَيْنِ، وَلَوْ جَاءَ ثَالِثٌ وَقَفَ عَنْ يَسَارِ الْأَوَّلِ، وَالرَّابِعُ عَنْ يَمِينِ الثَّانِي وَالْخَامِسُ عَنْ يَسَارِ الثَّالِثِ، وَهَكَذَا. اهـ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الزَّائِدَ لَوْ جَاءَ بَعْدَ الشُّرُوعِ يَقُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَيَتَأَخَّرُ الْمُقْتَدِي الْأَوَّلُ وَيَأْتِي تَمَامُهُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ كُرِهَ تَنْزِيهًا) وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُكْرَهُ، وَالْأُولَى أَصَحُّ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ وَتَحْرِيمًا لَوْ أَكْثَرَ) أَفَادَ أَنَّ
стр. 563
كُرِهَ إجْمَالًا (وَيَصُفُّ) أَيْ يَصُفُّهُمْ الْإِمَامُ بِأَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِأَنْ يَتَرَاصُّوا وَيَسُدُّوا الْخَلَلَ وَيُسَوُّوا مَنَاكِبَهُمْ وَيَقِفُ وَسَطًا،
ــ
[رد المحتار]
تَقَدُّمَ الْإِمَامِ أَمَامَ الصَّفِّ وَاجِبٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَتْحِ (قَوْلُهُ كُرِهَ إجْمَاعًا) أَيْ لِلْمُؤْتَمِّ، وَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَيَتَخَلَّصُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِالْقَهْقَرَى إلَى خَلْفٍ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ ضَيِّقًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ وَاحِدٌ عَلَى الدُّكَّانِ وَالْبَاقِي دُونَهُ لَا يُكْرَهُ، وَقَدْ تَزُولُ الْمُخَالَفَةُ بِأَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ مَوْضُوعُهَا إذَا كَانَ الْمُؤْتَمُّ خَلْفَهُ ط.
أَقُولُ: لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِالْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ انْفِرَادِ الْإِمَامِ عَلَى الدُّكَّانِ؛ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ لَا يُكْرَهُ، فَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ الْبَعْضِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَلَا يُنَافِي مَا هُنَا. وَأَيْضًا قَدْ صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ قِيَامِ الْوَاحِدِ وَحْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً تَأَمَّلْ. [تَتِمَّةٌ]
إذَا اقْتَدَى بِإِمَامٍ فَجَاءَ آخَرُ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ كَذَا فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْجَلَّابِيِّ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَتَأَخَّرُ عَنْ الْيَمِينِ إلَى خَلْفٍ إذَا جَاءَ آخَرُ. اهـ. وَفِي الْفَتْحِ: وَلَوْ اقْتَدَى وَاحِدٌ بِآخَرَ فَجَاءَ ثَالِثٌ يَجْذِبُ الْمُقْتَدِيَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَلَوْ جَذَبَهُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لَا يَضُرُّهُ، وَقِيلَ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الثَّالِثَ يَقْتَدِي مُتَأَخِّرًا وَمُقْتَضَى الْقَوْلِ بِتَقَدُّمِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَقُومُ بِجَنْبِ الْمُقْتَدِي الْأَوَّلِ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي التَّأَخُّرُ إذَا جَاءَ ثَالِثٌ فَإِنْ تَأَخَّرَ وَإِلَّا جَذَبَهُ الثَّالِثُ إنْ لَمْ يَخْشَ إفْسَادَ صَلَاتِهِ، فَإِنْ اقْتَدَى عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ يُشِيرُ إلَيْهِمَا بِالتَّأَخُّرِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَقَدُّمِهِ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ وَلِأَنَّ الِاصْطِفَافَ خَلْفَ الْإِمَامِ مِنْ فِعْلِ الْمُقْتَدِينَ لَا الْإِمَامِ، فَالْأَوْلَى ثَبَاتُهُ فِي مَكَانِهِ وَتَأَخُّرُ الْمُقْتَدِي، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْفَتْحِ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ «قَالَ جَابِرٌ سِرْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَقَامَ يُصَلِّي فَجِئْت حَتَّى قُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَ ابْنُ صَخْرٍ حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَدَفَعْنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» اهـ وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْمُمْكِنُ. وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَإِلَّا اقْتَدَى الثَّالِثُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ وَلَا تَقَدَّمَ وَلَا تَأَخَّرَ (قَوْلُهُ الْخَلَلَ) هُوَ انْفِرَاجُ مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَامُوسٌ، وَهُوَ عَلَى وَزْنِ جَبَلٍ ط (قَوْلُهُ وَيَقِفُ وَسَطًا) قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ: وَفِي مَبْسُوطِ بَكْرٍ: السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ فِي الْمِحْرَابِ لِيَعْتَدِلَ الطَّرَفَانِ، وَلَوْ قَامَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الصَّفِّ يُكْرَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ الصَّيْفِيُّ بِجَنْبِ الشِّتْوِيِّ وَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ يَقُومُ الْإِمَامُ فِي جَانِبِ الْحَائِطِ لِيَسْتَوِيَ الْقَوْمُ مِنْ جَانِبَيْهِ وَالْأَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ أَوْ فِي زَاوِيَةٍ أَوْ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى سَارِيَةٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ الْأُمَّةِ. قَالَ ﵊ «تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» وَمَتَى اسْتَوَى جَانِبَاهُ يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِنْ وَجَدَ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً سَدَّهَا وَإِلَّا انْتَظَرَ حَتَّى يَجِيءَ آخَرُ فَيَقِفَانِ خَلْفَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ يَخْتَارُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَجْذِبُهُ وَيَقِفَانِ خَلْفَهُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ عَالِمًا يَقِفُ خَلْفَ الصَّفِّ بِحِذَاءِ الْإِمَامِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ وَقَفَ مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ تَصِحُّ صَلَاتُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَحْمَدَ. اهـ. مَطْلَبٌ فِي الْكَرَاهَةِ قِيَامُ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْمِحْرَابِ [تَنْبِيهٌ]
يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ إلَى سَارِيَةٍ كَرَاهَةُ قِيَامِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْمِحْرَابِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ فِي الْمِحْرَابِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ إزَاءَ وَسَطِ الصَّفِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحَارِيبَ مَا نُصِبَتْ إلَّا وَسَطَ الْمَسَاجِدِ وَهِيَ قَدْ عُيِّنَتْ لِمَقَامِ الْإِمَامِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي الْإِمَامِ الرَّاتِبِ لِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَدَمُ قِيَامِهِ فِي الْوَسَطِ، فَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ تَأَمَّلْ.
стр. 564
وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا
ــ
[رد المحتار]
[فَرْعٌ] ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ فِي بَحْثِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ
(قَوْلُهُ وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا) لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ " إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْزَلَ الرَّحْمَةَ عَلَى الْجَمَاعَةِ يُنَزِّلُهَا أَوَّلًا عَلَى الْإِمَامِ، ثُمَّ تَتَجَاوَزُ عَنْهُ إلَى مَنْ بِحِذَائِهِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ إلَى الْمَيَامِنِ، ثُمَّ إلَى الْمَيَاسِرِ، ثُمَّ إلَى الصَّفِّ الثَّانِي " وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ: [تَنْبِيهٌ]
قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ فِي الصَّفِّ الْآخَرِ إذَا خَافَ إيذَاءَ أَحَدٍ. قَالَ ﵊ «مَنْ تَرَكَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا أُضْعِفَ لَهُ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ» وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، وَفِي كَرَاهَةِ تَرْكِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ مَعَ إمْكَانِهِ خِلَافٌ اهـ أَيْ لَوْ تَرَكَهُ مَعَ عَدَمِ خَوْفِ الْإِيذَاءِ، وَهَذَا لَوْ قَبْلَ الشُّرُوعِ؛ فَلَوْ شَرَعُوا وَفِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فُرْجَةٌ لَهُ خَرْقُ الصُّفُوفِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا. مَطْلَبٌ فِي جَوَازِ الْإِيثَارِ بِالْقُرْبِ
وَفِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ لِلْحَمَوِيِّ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ عَنْ النِّصَابِ: وَإِنْ سَبَقَ أَحَدٌ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَدَخَلَ رَجُلٌ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا أَوْ أَهْلُ عِلْمٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ وَيُقَدِّمَهُ تَعْظِيمًا لَهُ اهـ فَهَذَا يُفِيدُ جَوَازَ الْإِيثَارِ بِالْقُرْبِ بِلَا كَرَاهَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: لَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا. وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ فُرُوعًا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ «أَنَّهُ ﵊ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ ﵊ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي فِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَاَللَّهِ، فَأَعْطَاهُ الْغُلَامَ» إذْ لَا رَيْبَ أَنَّ مُقْتَضَى طَلَبِ الْإِذْنِ مَشْرُوعِيَّةُ ذَلِكَ بِلَا كَرَاهَةٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ أَفْضَلَ. اهـ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا عَارَضَ تِلْكَ الْقُرْبَةَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا؛ كَاحْتِرَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَشْيَاخِ، كَمَا أَفَادَهُ الْفَرْعُ السَّابِقُ وَالْحَدِيثُ فَإِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَمِنْ إعْطَاءِ الْإِنَاءِ لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ، فَيَكُونُ الْإِيثَارُ بِالْقُرْبَةِ انْتِقَالًا مِنْ قُرْبَةٍ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا وَهُوَ الِاحْتِرَامُ الْمَذْكُورُ. أَمَّا لَوْ آثَرَهُ عَلَى مَكَانِهِ فِي الصَّفِّ مَثَلًا مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ يَكُونُ أَعْرَضَ عَنْ الْقُرْبَةِ بِلَا دَاعٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ مَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَكَرُوا أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَلَمَّا أُقِيمَتْ آثَرَ بِهِ وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ. اهـ. مَطْلَبٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ [تَنْبِيهٌ آخَرُ]
قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي آخِرِ بَابِ الْجُمُعَةِ: تَكَلَّمُوا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، قِيلَ هُوَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الْمَقْصُورَةَ، وَقِيلَ مَا يَلِي الْمَقْصُورَةَ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ لِأَنَّهُ يُمْنَعُ الْعَامَّةُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْمَقْصُورَةِ فَلَا تَتَوَصَّلُ الْعَامَّةُ إلَى نَيْلِ فَضِيلَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ. اهـ.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُورَةَ فِي زَمَانِهِمْ اسْمٌ لِبَيْتٍ فِي دَاخِلِ الْجِدَارِ الْقِبْلِيِّ مِنْ الْمَسْجِدِ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا الْأُمَرَاءُ الْجُمُعَةَ وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ دُخُولِهَا خَوْفًا مِنْ الْعَدُوِّ، فَعَلَى هَذَا اُخْتُلِفَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، هَلْ هُوَ مَا يَلِي الْإِمَامَ مِنْ دَاخِلِهَا أَمْ مَا يَلِي الْمَقْصُورَةَ مِنْ خَارِجِهَا؟ فَأَخَذَ الْفَقِيهُ بِالثَّانِي تَوْسِعَةً عَلَى الْعَامَّةِ كَيْ لَا تَفُوتَهُمْ الْفَضِيلَةُ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ بِالْأَوْلَى أَنَّ مِثْلَ مَقْصُورَةِ دِمَشْقَ الَّتِي هِيَ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ خَارِجَ الْحَائِطِ الْقِبْلِيِّ يَكُونُ الصَّفُّ بِبِنَائِهَا، كَمَا لَا يَنْقَطِعُ بِالْمِنْبَرِ الَّذِي هُوَ دَاخِلُهَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَصَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ وَقَفَ فِي الصَّفِّ الثَّانِي دَاخِلَهَا قَبْلَ اسْتِكْمَالِ
стр. 565
فِي غَيْرِ جِنَازَةٍ ثُمَّ وَثُمَّ؛ وَلَوْ صَلَّى عَلَى رُفُوفِ الْمَسْجِدِ إنْ وَجَدَ فِي صَحْنِهِ مَكَانًا كُرِهَ كَقِيَامَةِ فِي صَفٍّ خَلْفَ صَفٍّ فِيهِ فُرْجَةٌ. قُلْت: وَبِالْكَرَاهَةِ أَيْضًا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ. قَالَ السُّيُوطِيّ فِي [بَسْطِ الْكَفِّ فِي إتْمَامِ الصَّفِّ] : وَهَذَا الْفِعْلُ مُفَوِّتٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ الَّذِي هُوَ التَّضْعِيفُ لَا لِأَصْلِ بَرَكَةِ الْجَمَاعَةِ، فَتَضْعِيفُهَا غَيْرُ بَرَكَتِهَا، وَبَرَكَتُهَا هِيَ عَوْدُ بَرَكَةِ الْكَامِلِ مِنْهُمْ عَلَى النَّاقِصِ. اهـ.
وَلَوْ وَجَدَ فُرْجَةً فِي الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي لَهُ خَرْقُ الثَّانِي لِتَقْصِيرِهِمْ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً غُفِرَ لَهُ» وَصَحَّ «خِيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ» وَبِهَذَا يُعْلَمُ جَهْلُ مَنْ يَسْتَمْسِكُ عِنْدَ دُخُولِ دَاخِلٍ بِجَنْبِهِ فِي الصَّفِّ وَيَظُنُّ أَنَّهُ رِيَاءٌ كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ،
ــ
[رد المحتار]
الصَّفِّ الْأَوَّلِ مِنْ خَارِجِهَا يَكُونُ مَكْرُوهًا. وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ بِمَا هُوَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَيْ لَا خَلْفَ مُقْتَدٍ آخَرَ أَنَّ مَنْ قَامَ فِي الصَّفِّ الثَّانِي بِحِذَاءِ بَابِ الْمِنْبَرِ يَكُونُ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ خَلْفَ مُقْتَدٍ آخَرَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ جِنَازَةٍ) أَمَّا فِيهَا فَآخِرُهَا إظْهَارًا لِلتَّوَاضُعِ لِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ فَهُوَ أَحْرَى بِقَبُولِ شَفَاعَتِهِمْ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا تَعَدُّدُ الصُّفُوفِ، فَلَوْ فَضَلَ الْأَوَّلُ امْتَنَعُوا عَنْ التَّأَخُّرِ عِنْدَ قِلَّتِهِمْ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ ثُمَّ وَثُمَّ) أَيْ ثُمَّ الصَّفُّ الثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ الثَّالِثِ، وَفِي الْجِنَازَةِ مَا يَلِي الْأَخِيرَ أَفْضَلُ مِمَّا تَقَدَّمَهُ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ كُرِهَ) لِأَنَّ فِيهِ تَرْكًا لِإِكْمَالِ الصُّفُوفِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِيهِ الْمُبَلِّغُ فِي مِثْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِأَجْلِ أَنْ يَصِلَ صَوْتُهُ إلَى أَطْرَافِ الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ (قَوْلُهُ كَقِيَامِهِ فِي صَفٍّ إلَخْ) هَلْ الْكَرَاهَةُ فِيهِ تَنْزِيهِيَّةٌ أَوْ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَيُرْشِدُ إلَى الثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ " وَمَنْ قَطَعَهُ قَطَعَهُ اللَّهُ " ط.
بَقِيَ مَا إذَا رَأَى الْفُرْجَةَ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ هَلْ يَمْشِي إلَيْهَا؟ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا. وَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ نَعَمْ، وَيُفِيدُهُ مَسْأَلَةُ مَنْ جَذَبَ غَيْرَهُ مِنْ الصَّفِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجِيبَهُ لِتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ عَنْ الْجَاذِبِ، فَمَشْيُهُ لِنَفْيِ الْكَرَاهَةِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت فِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ الْحِلْيَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ إنْ كَانَ فِي صَفِّ الثَّانِي فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْأَوَّلِ فَمَشَى إلَيْهَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْمُرَاصَّةِ. قَالَ ﵊ «تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ» وَلَوْ كَانَ فِي الصَّفِّ الثَّالِثِ تَفْسُدُ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ. وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ بِالْأَمْرِ أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ الْمَشْيُ إلَيْهَا تَأَمَّلْ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَشُرُوعُهُ لِتَحْصِيلِ الرَّكْعَةِ فِي الصَّفِّ الْأَخِيرِ أَفْضَلُ مِنْ وَصْلِ الصَّفِّ. اهـ. أَمَّا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ الصَّفَّ الْأَخِيرَ فَلَا يَقِفُ وَحْدَهُ، بَلْ يَمْشِي إلَيْهِ إنْ كَانَ فِيهِ فُرْجَةٌ، وَإِنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ كَمَا فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ تَرْكَ الْمَكْرُوهِ أَوْلَى مِنْ إدْرَاكِ الْفَضِيلَةِ تَأَمَّلْ، وَيَشْهَدُ لَهُ «أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ ﵁ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ دَبَّ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : زَادَك اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» (قَوْلُهُ وَهَذَا الْفِعْلُ مُفَوِّتٌ إلَخْ) هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّ شَرْطَ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَهُمْ أَنْ تُؤَدَّى بِلَا كَرَاهَةٍ، وَعِنْدَنَا يَنَالُ التَّضْعِيفَ وَيَلْزَمُهُ مُقْتَضَى الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ كَمَا لَوْ صَلَّاهَا فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ رَحْمَتِيٌّ وَنَحْوُهُ فِي ط (قَوْلُهُ لِتَقْصِيرِهِمْ) يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا شَرَعُوا. وَفِي الْقُنْيَةِ قَامَ فِي آخِرِ صَفٍّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّفُوفِ مَوَاضِعُ خَالِيَةٌ فَلِلدَّاخِلِ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَصِلَ الصُّفُوفَ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حُرْمَةَ نَفْسِهِ فَلَا يَأْثَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، دَلَّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفِرْدَوْسِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ ﷺ «مَنْ نَظَرَ إلَى فُرْجَةٍ فِي صَفٍّ فَلْيَسُدَّهَا بِنَفْسِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَمَرَّ مَارٌّ فَلْيَتَخَطَّ عَلَى رَقَبَتِهِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ» أَيْ فَلْيَتَخَطَّ الْمَارُّ عَلَى رَقَبَةِ مَنْ لَمْ يَسُدَّ الْفُرْجَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ) الْمَعْنَى إذَا وَضَعَ مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الصَّفِّ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ الْمُصَلِّي لِأَنَّ لَهُ ط عَنْ الْمُنَاوِيِّ (قَوْلُهُ كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ) أَيْ نَقْلًا عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ حَيْثُ قَالَ: وَيَظُنُّ أَنَّ فَسْحَهُ لَهُ رِيَاءٌ بِسَبَبِ أَنْ يَتَحَرَّكَ لِأَجْلِهِ، بَلْ ذَاكَ إعَانَةٌ عَلَى إدْرَاكِ الْفَضِيلَةِ وَإِقَامَةٌ
следующие страницы →