Полный текст (4 257 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
لِحَدِيثِ الْبَزَّارِ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» (فِي ذَلِكَ) الْمُرُورِ لَوْ بِلَا حَائِلٍ وَلَوْ سِتَارَةً تَرْتَفِعُ إذَا سَجَدَ وَتَعُودُ إذَا قَامَ وَلَوْ كَانَ فُرْجَةً فَلِلدَّاخِلِ أَنْ يَمُرَّ عَلَى رَقَبَةِ مَنْ لَمْ يَسُدَّهَا لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حُرْمَةَ نَفْسِهِ فَتَنَبَّهْ
(وَيَغْرِزُ) نَدْبًا بَدَائِعُ
ــ
[رد المحتار]
وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّائِفِينَ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ، فَصَارَ كَمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفٌ مِنْ الْمُصَلِّينَ انْتَهَى، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ الْعَمِيقِ، وَحَكَاهُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ عَنْ مُشْكِلَاتِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ، وَنَقَلَهُ الْمُنْلَا ﵀ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ، وَنَقَلَهُ سِنَانُ أَفَنَدَى أَيْضًا. فِي مَنْسَكِهِ اهـ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَأْيِيدُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ الْبَزَّارِ إلَخْ) ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» . قَالَ أَبُو النَّضْرِ أَحَدُ رُوَاتِهِ لَا أَدْرَى قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً قَالَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ «أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ «مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ» اهـ
وَالْخَرِيفُ: السَّنَةُ؛ سُمِّيَتْ بِهِ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْفُصُولِ (قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ) لَفْظُ فِي هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ سِتَارَةً تَرْتَفِعُ) أَيْ تَزُولُ بِحَرَكَةِ رَأْسِهِ إذَا سَجَدَ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ ذَكَرَهَا سَعْدِيٌّ جَلَبِي جَوَابًا عَنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ اخْتَارَ أَنَّ الْحَدَّ مَوْضِعُ السُّجُودِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، فَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَعَ الْحَائِلِ كَجِدَارٍ أَوْ أُسْطُوَانَةٍ لَا يُكْرَهُ وَالْحَائِلُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ. فَأَجَابَ سَعْدِيٌّ جَلَبِي بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سِتَارَةً مُعَلَّقَةً إذَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ يُحَرِّكُهَا رَأْسُ الْمُصَلِّي وَيُزِيلُهَا مِنْ مَوْضِعِ سُجُودِهِ ثُمَّ تَعُودُ إذَا قَامَ أَوْ قَعَدَ. اهـ. وَصُورَتُهُ أَنْ تَكُونَ السِّتَارَةُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ نَحْوِهِ مُعَلَّقَةً فِي سَقْفٍ مَثَلًا ثُمَّ يُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهَا فَإِذَا سَجَدَ تَقَعُ عَلَى ظَهْرِهِ وَيَكُونُ سُجُودُهُ خَارِجًا عَنْهَا وَإِذَا قَامَ أَوْ قَعَدَ سَبَلَتْ عَلَى الْأَرْضِ وَسُتْرَتُهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ فُرْجَةٌ إلَخْ) كَانَ تَامَّةٌ وَفُرْجَةٌ فَاعِلُهَا. قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: قَامَ فِي آخِرِ الصَّفِّ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّفُوفِ مَوَاضِعُ خَالِيَةٌ فَلِلدَّاخِلِ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَصِلَ الصُّفُوفَ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حُرْمَةَ نَفْسِهِ فَلَا يَأْثَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي الْفِرْدَوْسِ بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ نَظَرَ إلَى فُرْجَةٍ فِي صَفٍّ فَلْيَسُدَّهَا بِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَمَرَّ مَارٌّ فَلْيَتَخَطَّ. عَلَى رَقَبَتِهِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ» أَيْ فَلْيَتَخَطَّ الْمَارُّ عَلَى رَقَبَةِ مَنْ لَمْ يَسُدَّ الْفُرْجَةَ. اهـ.
قُلْت: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّخَطِّي الْوَطْءُ عَلَى رَقَبَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى قَتْلِهِ وَلَا يَجُوزُ، بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يَخْطُوَ مِنْ فَوْقِ رَقَبَتِهِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَمُرَّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ بِالْأَوْلَى فَافْهَمْ. ثُمَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ أَثِمَ الْمَارُّ، وَقَدْ عَلِمْت التَّفْصِيلَ الْمَارَّ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ وَخَلْفَ الْمَقَامِ وَحَاشِيَةِ الْمَطَافِ. [تَتِمَّةٌ]
فِي غَرِيبِ الرِّوَايَةِ: النَّهْرُ الْكَبِيرُ لَيْسَ بِسُتْرَةٍ وَكَذَا الْحَوْضُ الْكَبِيرُ وَالْبِئْرُ سُتْرَةٌ أَرَادَ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ يَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَمُرُّ وَيَأْخُذُهُ، وَلَوْ مَرَّ اثْنَانِ يَقُومُ أَحَدُهُمَا أَمَامَهُ وَيَمُرُّ الْآخَرُ وَيَفْعَلُ الْآخَرُ هَكَذَا يَمُرَّانِ، وَإِنْ مَعَهُ دَابَّةٌ فَمَرَّ رَاكِبًا أَثِمَ، وَإِنْ نَزَلَ وَتَسَتَّرَ بِالدَّابَّةِ وَمَرَّ لَمْ يَأْثَمْ، وَلَوْ مَرَّ رَجُلَانِ مُتَحَاذِيَيْنِ فَاَلَّذِي يَلِي الْمُصَلِّي هُوَ الْآثِمُ قُنْيَةٌ.
أَقُولُ: وَإِذَا كَانَ مَعَهُ عَصَا لَا تَقِفُ عَلَى الْأَرْضِ بِنَفْسِهَا فَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ وَمَرَّ مِنْ خَلْفِهَا هَلْ يَكْفِي ذَلِكَ؟ لَمْ أَرَهُ
(قَوْلُهُ نَدْبًا) لِحَدِيثِ " «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ، وَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَصَرَّحَ فِي الْمُنْيَةِ بِكَرَاهَةِ تَرْكِهَا، وَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ. وَالصَّارِفُ لِلْأَمْرِ عَنْ حَقِيقَتِهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ الْفَضْلِ وَالْعَبَّاسِ
стр. 632
(الْإِمَامُ) وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ (فِي الصَّحْرَاءِ) وَنَحْوِهَا (سُتْرَةً بِقَدْرِ ذِرَاعٍ) طُولًا (وَغِلَظِ أُصْبُعٍ) لِتَبْدُوَ لِلنَّاظِرِ (بِقُرْبِهِ) دُونَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ (عَلَى) حِذَاءٍ (أَحَدِ حَاجِبَيْهِ) مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَالْأَيْمَنُ أَفْضَلُ (وَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ وَلَا الْخَطُّ) وَقِيلَ يَكْفِي فَيَخُطُّ طُولًا، وَقِيلَ كَالْمِحْرَابِ (وَيَدْفَعُهُ) هُوَ رُخْصَةٌ، فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ بَدَائِعُ.
قَالَ الْبَاقَانِيُّ: فَلَوْ ضَرَبَهُ فَمَاتَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁، خِلَافًا لَنَا عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كُتُبِنَا (بِتَسْبِيحٍ)
ــ
[رد المحتار]
«رَأَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِي بَادِيَةٍ لَنَا يُصَلِّي فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ» "
وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ) أَمَّا الْمُقْتَدِي فَسُتْرَةُ الْإِمَامِ تَكْفِيه كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَنَحْوِهَا) أَيْ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ يَخَافُ فِيهِ الْمُرُورَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحِلْيَةِ: إنَّمَا قَيَّدَ بِالصَّحْرَاءِ لِأَنَّهَا الْمَحَلُّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْمُرُورُ غَالِبًا، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ تَرْكِ السُّتْرَةِ فِيمَا يُخَافُ فِيهِ الْمُرُورُ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ. اهـ. (قَوْلُهُ بِقَدْرِ ذِرَاعٍ) بَيَانٌ لِأَقَلِّهَا ط. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذِرَاعُ الْيَدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ شِبْرَانِ (قَوْلُهُ وَغِلَظِ أُصْبُعٍ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، لَكِنْ جَعَلَ فِي الْبَدَائِعِ بَيَانَ الْغِلَظِ قَوْلًا ضَعِيفًا، وَأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْعَرْضِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ بَحْرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «يَجْزِي مِنْ السُّتْرَةِ قَدْرُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ وَلَوْ بِدِقَّةِ شَعْرَةٍ» " وَمُؤَخِّرَةِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ: الْعُودُ الَّذِي فِي آخِرِ رَحْلِ الْبَعِيرِ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ.
(قَوْلُ بِقُرْبِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَغْرِزُ أَوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِسُتْرَةٍ أَوْ حَالٍ مِنْهَا (قَوْلُهُ دُونَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ) الْأَوْلَى أَنْ يُبَدِّلَ دُونَ بِقَدْرٍ، لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحِلْيَةِ: السُّنَّةُ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ح. بَقِيَ هَلْ هَذَا شَرْطٌ لِتَحْصِيلِ سُنَّةِ الصَّلَاةِ إلَى السُّتْرَةِ، حَتَّى لَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ تَكُونُ صَلَاتُهُ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَمْ هُوَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لَمْ أَرَهُ (قَوْلُهُ وَالْأَيْمَنُ أَفْضَلُ) صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ (قَوْلُهُ وَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ) أَيْ وَضْعُ السُّتْرَةِ عَلَى الْأَرْضِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ غَرْزُهَا، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَنَسَبُهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ قَاضِي خَانَ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمَقْصُودَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَا الْخَطُّ) أَيْ الْخَطِّ فِي الْأَرْضِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَتَّخِذُهُ سُتْرَةٌ، وَهَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ، وَمَشَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ إذْ لَا يَظْهَرُ مِنْ بَعِيدٍ (قَوْلُهُ وَقِيلَ يَكْفِي) أَيْ كُلٌّ مِنْ الْوَضْعِ وَالْخَطِّ: أَيْ يَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ، فَيُسَنُّ الْوَضْعُ كَمَا نَقَلَهُ الْقُدُورِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ قِيلَ يَضَعُهُ طُولًا لَا عَرْضًا لِيَكُونَ عَلَى مِثَالِ الْغَرْزِ. وَيُسَنُّ الْخَطُّ كَمَا هُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا» وَهُوَ ضَعِيفٌ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِل. وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالسُّنَّةُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مَعَ أَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْجُمْلَةِ إذْ الْمَقْصُودُ جَمْعُ الْخَاطِرِ بِرَبْطِ الْخَيَالِ بِهِ كَيْ لَا يَنْتَشِرَ، كَذَا فِي الْبَحْرِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَقَدْ يُعَارَضُ تَضْعِيفُهُ بِتَصْحِيحِ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمَا لَهُ (قَوْلُهُ فَيَخُطُّ طُولًا إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَقَالَ أَبُو دَاوُد قَالُوا: الْخَطُّ بِالطُّولِ، وَقَالُوا بِالْعَرْضِ مِثْلُ الْهِلَالِ اهـ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْأَوَّلَ الْمُخْتَارُ لِيَصِيرَ شِبْهَ ظِلِّ السُّتْرَةِ بَحْرٌ. [تَنْبِيهٌ]
لَمْ يَذْكُرُوا مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سُتْرَةٌ وَمَعَهُ ثَوْبٌ أَوْ كِتَابٌ مَثَلًا هَلْ يَكْفِي وَضْعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ؟ وَالظَّاهِرُ نَعَمْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِ ابْنِ الْهُمَامِ الْمَارِّ آنِفًا؛ وَكَذَا لَوْ بَسَطَ ثَوْبَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ؛ ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ عِنْدَ إمْكَانِ الْغَرْزِ لَا يَكْفِي الْوَضْعُ، وَعِنْدَ إمْكَانِ الْوَضْعِ لَا يَكْفِي الْخَطُّ (قَوْلُهُ وَيَدْفَعُهُ) أَيْ إذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ سُتْرَةٌ، أَوْ كَانَتْ وَمَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ، وَمُفَادُهُ إثْمُ الْمَارِّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُتْرَةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَإِذَا دَفَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ لَا بَأْسَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا (قَوْلُهُ فَلَوْ ضَرَبَهُ إلَخْ) أَيْ إذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ إلَّا بِذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَلْزَمُ الدَّافِعَ تَحَرِّي الْأَسْهَلِ كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لَنَا إلَخْ) أَيْ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ
стр. 633
أَوْ جَهْرٍ بِقِرَاءَةٍ (أَوْ إشَارَةٍ) وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا عِنْدَنَا قُهُسْتَانِيٌّ (لَا بِهِمَا) فَإِنَّهُ يُكْرَهُ، وَالْمَرْأَةُ تُصَفِّقُ لَا بِبَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ، وَلَوْ صَفَّقَ أَوْ سَبَّحَتْ لَمْ تَفْسُدْ وَقَدْ تَرَكَا السُّنَّةَ تَتَارْخَانِيَّةٌ
(وَكَفَتْ سُتْرَةُ الْإِمَامِ) لِلْكُلِّ (وَلَوْ عُدِمَ الْمُرُورُ وَالطَّرِيقُ جَازَ تَرْكُهَا) وَفِعْلُهَا أَوْلَى
(وَكُرِهَ) هَذِهِ
ــ
[رد المحتار]
كَتَبَ مَذْهَبَنَا أَنَّ مَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ خِلَافُ قَوْلِنَا، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي كُتُبِنَا بِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَالْعَزِيمَةُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُ، فَحَيْثُ كَانَ رُخْصَةً يَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ، أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ بَلْ قَوْلُهُمْ: وَلَا يُزَادُ عَلَى الْإِشَارَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرُّخْصَةَ هِيَ الْإِشَارَةُ، وَأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ غَيْرُ مَأْذُونٍ بِهَا أَصْلًا. وَأَمَّا الْأَمْرُ بِهَا فِي حَدِيثِ «فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» فَهُوَ مَنْسُوخٌ، لِمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ عَنْ السَّرَخْسِيِّ أَنَّ الْأَمْرَ بِهَا مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ حِينَ كَانَ الْعَمَلُ فِي الصَّلَاةِ مُبَاحًا اهـ فَإِذَا كَانَتْ الْمُقَاتَلَةُ غَيْرَ مَأْذُونٍ بِهَا عِنْدَنَا كَانَ قَتْلُهُ جِنَايَةً يَلْزَمُهُ مُوجَبُهَا مِنْ دِيَةٍ أَوْ قَوَدٍ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ أَوْ جَهَرَ بِقِرَاءَةٍ) خَصَّهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا بِالصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَبِمَا يَجْهَرُ فِيهِ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ زِيَادَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ عَنْ أَصْلِ جَهْرِهِ، وَالظَّاهِرُ شُمُولُ السَّرِيَّةِ لِأَنَّ هَذَا الْجَهْرَ مَأْذُونٌ فِيهِ فَلَا يُكْرَهُ. عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ الْيَسِيرَ عَفْوٌ، وَالْمَكْرُوهُ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي سَهْوِ الْبَحْرِ، فَإِذَا جَهَرَ فِي السَّرِيَّةِ بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَحْذُورُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ أَوْ إشَارَةٍ) أَيْ بِالْيَدِ أَوْ الرَّأْسِ أَوْ الْعَيْنِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْإِشَارَةِ بِمَا ذُكِرَ، فَلَا يَدْرَأُ بِأَخْذِ الثَّوْبِ وَلَا بِالضَّرْبِ الْوَجِيعِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَسَادُ الصَّلَاةِ لَوْ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ، بِخِلَافِ قَتْلِ الْحَيَّةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ لَا بِهِمَا) أَيْ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ التَّسْبِيحِ وَالْإِشَارَةِ لِأَنَّ بِأَحَدِهِمَا كِفَايَةٌ فَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ جَازِمًا بِهِ خِلَافًا لِمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ فَإِنَّهُ تَحْرِيفٌ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ فِي هَامِشِ الْخَزَائِنِ (قَوْلُهُ لَا بِبَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ) أَيْ بَلْ بِظَهْرِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى عَلَى صَفْحَةِ كَفِّ الْيُسْرَى كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ، لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ إذْ بِبَطْنِ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ الْيُسْرَى أَقَلُّ عَمَلًا، فَكَأَنَّ هَذَا حَمَلَ الشَّارِحَ عَلَى تَغْيِيرِ الْعِبَارَةِ وَالتَّنْصِيصِ عَلَى مَحَلِّ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ الضَّرْبُ بِبَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ رَحْمَتِيٌّ
(قَوْلُهُ لِلْكُلِّ) أَيْ لِلْمُقْتَدِينَ بِهِ كُلِّهِمْ؛ وَعَلَيْهِ فَلَوْ مَرَّ مَارٌّ فِي قِبْلَةِ الصَّفِّ فِي الْمَسْجِدِ الصَّغِيرِ لَمْ يُكْرَهْ إذَا كَانَ لِلْإِمَامِ سُتْرَةٌ وَظَاهِرُ التَّعْمِيمِ شُمُولُ الْمَسْبُوقِ وَبِهِ صَرَّحَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِ إمَامِهِ، وَإِلَّا فَمَا فَائِدَتُهُ؟ وَقَدْ يُقَالُ: فَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ كَالْمُدْرِكِ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ نَصْبُ سُتْرَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَصِيرَ مُنْفَرِدًا بِلَا سُتْرَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِوَقْتِ الشُّرُوعِ وَهُوَ وَقْتُهُ كَانَ مُسْتَتِرًا بِسُتْرَةِ إمَامِهِ تَأَمَّلْ مَطْلَبٌ مَكْرُوهَاتُ الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ عُدِمَ الْمُرُورُ إلَخْ) أَيْ لَوْ صَلَّى فِي مَكَان لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ وَلَمْ تُوَاجِهْ الطَّرِيقَ لَا يُكْرَهُ تَرْكُهَا لِأَنَّ اتِّخَاذَهَا لِلْحِجَابِ عَنْ الْمَارِّ. قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحِلْيَةِ: وَيَظْهَرُ أَنَّ الْأَوْلَى اتِّخَاذُهَا فِي هَذَا الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يُكْرَهْ التَّرْكُ لِمَقْصُودٍ آخَرَ وَهُوَ كَفُّ بَصَرِهِ عَمَّا وَرَاءَهَا وَجَمْعُ خَاطِرِهِ بِرَبْطِ الْخَيَالِ. اهـ. . وَقِيدُوا بِقَوْلِهِمْ وَلَمْ يُوَاجِهْ الطَّرِيقَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي نَفْسِ الطَّرِيقِ أَيْ طَرِيقِ الْعَامَّةِ مَكْرُوهَةٌ بِسُتْرَةٍ وَبِدُونِهَا لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِلْمُرُورِ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ شَغْلُهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ حَقُّ الشَّغْلِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّحْرِيمِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ
стр. 634
تَعُمُّ التَّنْزِيهِيَّةَ الَّتِي مَرْجِعُهَا خِلَافُ الْأَوْلَى فَالْفَارِقُ الدَّلِيلُ، فَإِنْ نَهْيًا ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ وَلَا صَارِفَ فَتَحْرِيمِيَّةٌ وَإِلَّا فَتَنْزِيهِيَّةٌ (سَدْلُ) تَحْرِيمًا لِلنَّهْيِ (ثَوْبِهِ) أَيْ إرْسَالُهُ بِلَا لُبْسٍ مُعْتَادٍ، وَكَذَا لِقَبَاءٍ بِكُمٍّ إلَى وَرَاءَ. ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ؛ كَشَدٍّ وَمِنْدِيلٍ يُرْسِلُهُ مِنْ كَتِفَيْهِ، فَلَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يُكْرَهْ كَحَالَةِ عُذْرٍ وَخَارِجِ صَلَاتِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: إذَا لَمْ يُدْخِلْ
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ وَالتَّنْزِيهِيَّة
(قَوْلُهُ هَذِهِ تَعُمُّ التَّنْزِيهِيَّةَ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْمَكْرُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ نَوْعَانِ. أَحَدُهُمَا: مَا يُكْرَهُ تَحْرِيمًا وَهُوَ الْمَحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ كَمَا فِي زَكَاةِ الْفَتْحِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْوَاجِبُ؛ يَعْنِي بِالنَّهْيِ الظَّنِّيِّ الثُّبُوتِ أَوْ الدَّلَالَةِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ يَثْبُتُ بِالْأَمْرِ الظَّنِّيِّ الثُّبُوتِ أَوْ الدَّلَالَةِ.
ثَانِيهمَا: الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا، وَمَرْجِعُهُ إلَى مَا تَرْكُهُ أَوْلَى، وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحِلْيَةِ، فَحِينَئِذٍ إذَا ذَكَرُوا مَكْرُوهًا فَلَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِي دَلِيلِهِ، فَإِنْ كَانَ نَهْيًا ظَنِّيَّا يُحْكَمُ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ إلَّا لِصَارِفٍ لِلنَّهْيِ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَى النَّدْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّلِيلُ نَهْيًا بَلْ كَانَ مُفِيدًا لِلتَّرْكِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ فَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ اهـ.
قُلْت: وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِلَا دَلِيلِ نَهْيٍ خَاصٍّ، بِأَنْ تَضَمَّنَ تَرْكَ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكَ سُنَّةٍ. فَالْأَوَّلُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَالثَّانِي تَنْزِيهًا؛ وَلَكِنْ تَتَفَاوَتُ التَّنْزِيهِيَّةُ فِي الشِّدَّةِ وَالْقُرْبِ مِنْ التَّحْرِيمِيَّةِ بِحَسَبِ تَأَكُّدِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ مَرَاتِبَ الِاسْتِحْبَابِ مُتَفَاوِتَةٌ كَمَرَاتِبِ السُّنَّةِ وَالْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ، فَكَذَا أَضْدَادُهَا كَمَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْمَكْرُوهَاتِ تَمَامُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَتَنْزِيهِيَّةٌ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ فَإِنْ نَهْيًا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَهْيًا بَلْ كَانَ مُفِيدًا لِلتَّرْكِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ، وَإِلَى قَوْلِهِ وَلَا صَارِفَ: أَيْ وَإِنْ كَانَ نَهْيًا وَلَكِنْ وُجِدَ الصَّارِفُ لَهُ عَنْ التَّحْرِيمِ فَهِيَ فِيهِمَا تَنْزِيهِيَّةٌ كَمَا عَلِمْته مِنْ عِبَارَةِ الْبَحْرِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ تَحْرِيمًا لِلنَّهْيِ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ ط (قَوْلُهُ أَيْ إرْسَالُهُ بِلَا لُبْسٍ مُعْتَادٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: السَّدْلُ هُوَ الْإِرْسَالُ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ، ضَرُورَةَ أَنَّ إرْسَالَ ذَيْلِ الْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ لَا يُسَمَّى سَدْلًا اهـ وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ وَنَحْوِهِ عَذَبَةُ الْعِمَامَةِ. وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفَسَّرَهُ الْكَرْخِيِّ بِأَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَلَى كَتِفَيْهِ وَيُرْسِلُ أَطْرَافَهُ مِنْ جَانِبِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُ اهـ فَكَرَاهَتُهُ لِاحْتِمَالِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ السَّرَاوِيلِ فَكَرَاهَتُهُ لِلتَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا.
وَسَوَاءٌ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ أَوْ غَيْرِهِ. اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ مَحْفُوظًا مِنْ الْوُقُوعِ أَوْ لَا، فَعَلَى هَذَا تُكْرَهُ فِي الطَّيْلَسَانِ الَّذِي يُجْعَلُ عَلَى الرَّأْسِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ اهـ أَيْ إذَا لَمْ يُدِرْهُ عَلَى عُنُقِهِ وَإِلَّا فَلَا سَدْلَ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْقَبَاءُ بِكُمٍّ إلَى وَرَاءَ) أَيْ كَالْأَقْبِيَةِ الرُّومِيَّةِ الَّتِي يُجْعَلُ لِأَكْمَامِهَا خُرُوقٌ عِنْدَ أَعْلَى الْعَضُدِ إذَا أَخْرَجَ الْمُصَلِّي يَدَهُ مِنْ الْخِرَقِ وَأَرْسَلَ الْكُمَّ إلَى وَرَائِهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَيْضًا لِصِدْقِ السَّدْلِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إرْخَاءٌ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ لِأَنَّ لُبْسَ الْكُمِّ يَكُونُ بِإِدْخَالِ الْيَدِ فِيهِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ كَشَدٍّ) هُوَ شَيْءٌ يُعْتَادُ وَضْعُهُ عَلَى الْكَتِفَيْنِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَذَلِكَ نَحْوُ الشَّالِ (قَوْلُهُ فَلَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يُكْرَهْ) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْبَحْرِ حَيْثُ ذَكَرَ فِي الشَّدِّ أَنَّهُ إذَا أَرْسَلَ طَرَفًا مِنْهُ عَلَى صَدْرِهِ وَطَرَفًا عَلَى ظَهْرِهِ يُكْرَهُ (قَوْلُهُ وَخَارِجَ صَلَاتِهِ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّكَبُّرِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ. قَالَ فِي النَّهْرِ: أَيْ تَحْرِيمًا وَإِلَّا فَمُقْتَضَى مَا مَرَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا اهـ وَمَا مَرَّ هُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ صَنِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ تَخْصِيصَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِفِعْلِهِ مُعْتَبَرٌ فِيهِ كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَظْهَرُ التَّشَبُّهُ وَكَرَاهَتُهُ خَارِجَهَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَكَذَا الْقَبَاءِ إلَخْ ح لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ: الْمُصَلِّي إذَا كَانَ لَابِسًا شُقَّةً أَوْ فُرْجَى وَلَمْ يَدْخُلْ يَدَيْهِ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْكَرَاهَةِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ،
стр. 635
يَدَهُ فِي كُمِّ الْفَرَجِيِّ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ. وَهَلْ يُرْسِلُ الْكُمَّ أَوْ يُمْسِكُ؟ خِلَافٌ وَالْأَحْوَطُ الثَّانِي قُهُسْتَانِيٌّ
(وَ) كُرِهَ (كَفُّهُ) أَيْ رَفْعُهُ وَلَوْ لِتُرَابٍ كَمُشَمِّرِ كُمٍّ أَوْ ذَيْلٍ (وَعَبَثُهُ بِهِ) أَيْ بِثَوْبِهِ (وَبِجَسَدِهِ) لِلنَّهْيِ إلَّا لِحَاجَةٍ وَلَا بَأْسَ بِهِ خَارِجَ صَلَاةٍ (وَصَلَاتُهُ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ) يَلْبَسُهَا فِي بَيْتِهِ (وَمِهْنَةٍ) أَيْ خِدْمَةٍ، إنْ لَهُ غَيْرَهَا وَإِلَّا لَا
(وَأَخْذُ دِرْهَمٍ)
ــ
[رد المحتار]
وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَى الْبَزَّازِيِّ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ قَاضِي خَانَ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ السَّدْلِ لِأَنَّهُ إرْسَالٌ لِلثَّوْبِ بِدُونِ أَنْ يَلْبَسَهُ. اهـ. قَالَ فِي الْخَزَائِنِ: بَلْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ وَلَمْ يَشُدَّ وَسْطَهُ أَوْ لَمْ يَزُرَّ أَزْرَارَهُ فَهُوَ مُسِيءٌ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ السَّدْلَ. اهـ.
قُلْت: لَكِنْ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ تَحْتَهُ قَمِيصٌ: أَوْ نَحْوُهُ مِمَّا يَسْتُرُ الْبَدَنَ؛ بَلْ اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهَةِ شَدِّ وَسْطِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَنَحْوُهُ؛ فَفِي الْعَتَّابِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ صَنِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا يُكْرَهُ. اهـ. وَجَزَمَ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ وَالْأَحْوَطُ الثَّانِي) لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ بَلْ فِيهِ كَفُّ الثَّوْبِ وَشَغْلُ الْيَدَيْنِ عَنْ السُّنَّةِ تَأَمَّلْ رَحْمَتِيٌّ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ اهـ بَلْ الْأَحْوَطُ لُبْسُهُ لِمَا مَرَّ عَنْ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ عَدَمَ إدْخَالِ يَدَيْهِ فِيهِ مَكْرُوهٌ
(قَوْلُهُ أَيْ رَفْعُهُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَوْ مِنْ خَلْفِهِ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ لِلسُّجُودِ بَحْرٌ. وَحَرَّرَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ تَحْرِيمِيَّةُ (قَوْلُهُ وَلَوْ لِتُرَابٍ) وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِصَوْنِهِ عَنْ التُّرَابِ بَحْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى.
(قَوْلُهُ كَمُشَمِّرِ كُمٍّ أَوْ ذَيْلٍ) أَيْ كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُشَمِّرٌ كُمَّهُ أَوْ ذَيْلَهُ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْكَفِّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ صَلَّى وَقَدْ شَمَّرَ كُمَّيْهِ لِعَمَلٍ كَانَ يَعْمَلُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ هَيْئَتُهُ ذَلِكَ اهـ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ شَمَّرَ لِلْوُضُوءِ ثُمَّ عَجَّلَ لِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ مَعَ الْإِمَامِ. وَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ وَقُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فَهَلْ الْأَفْضَلُ إرْخَاءُ كُمَّيْهِ فِيهَا بِعَمَلٍ قَلِيلٍ أَوْ تَرْكِهِمَا؟ لَمْ أَرَهُ: وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَلَوْ سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ فَإِعَادَتُهَا أَفْضَلُ تَأَمَّلْ. هَذَا، وَقَيَّدَ الْكَرَاهَةَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُنْيَةِ بِأَنْ يَكُونَ رَافِعًا كُمَّيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إلَى مَا دُونَهُمَا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ لِصِدْقِ كَفِّ الثَّوْبِ عَلَى الْكُلِّ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْحِلْيَةِ، وَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمِرْفَقَيْنِ اتِّفَاقِيٌّ. قَالَ: وَهَذَا لَوْ شَمَّرَهُمَا خَارِجَ الصَّلَاةِ ثُمَّ شَرَعَ فِيهَا كَذَلِكَ، أَمَّا لَوْ شَمَّرَ وَهُوَ فِيهَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ (قَوْلُهُ وَعَبَثُهُ) هُوَ فِعْلٌ لِغَرَضٍ غَيْرِ صَحِيحٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ هُوَ مُفِيدٌ لِلْمُصَلِّي فَلَا بَأْسَ بِهِ. أَصْلُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرِقَ فِي صَلَاتِهِ فَسَلَتَ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ» أَيْ مَسَحَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيه فَكَانَ مُفِيدًا. وَفِي زَمَنِ الصَّيْفِ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ السُّجُودِ نَفَضَ ثَوْبَهُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً لِأَنَّهُ كَانَ مُفِيدًا كَيْ لَا تَبْقَى صُورَةٌ. فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُفِيدٍ فَهُوَ الْعَبَثُ اهـ وَقَوْلُهُ كَيْ لَا تَبْقَى صُورَةٌ يَعْنِي حِكَايَةُ صُورَةِ الْأَلْيَةِ كَمَا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ، فَلَيْسَ نَفْضُهُ لِلتُّرَابِ. فَلَا يَرُدُّ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحِلْيَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ يُكْرَهُ رَفْعَ الثَّوْبِ كَيْ لَا يَتَتَرَّبَ، لَا يَكُونُ نَفْضُهُ مِنْ التُّرَابِ عَمَلًا مُفِيدًا (قَوْلُهُ لِلنَّهْيِ) وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْقُضَاعِيُّ عَنْهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ. وَالرَّفَثَ فِي الصِّيَامِ، وَالضَّحِكَ فِي الْمَقَابِرِ» " وَهِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ) كَحَكِّ بَدَنِهِ لِشَيْءٍ أَكَلَهُ وَأَضَرَّهُ وَسَلْتِ عَرَقٍ يُؤْلِمُهُ وَيَشْغَلُ قَلْبَهُ. وَهَذَا لَوْ بِدُونِ عَمَلٍ كَثِيرٍ. قَالَ فِي الْفَيْضِ: الْحَكُّ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فِي رُكْنٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ إنْ رَفَعَ يَدَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اهـ
وَفِي الْجَوْهَرَةِ عَنْ الْفَتَاوَى: اخْتَلَفُوا فِي الْحَكِّ. هَلْ الذَّهَابُ وَالرُّجُوعُ مَرَّةً أَوْ الذَّهَابُ مَرَّةً وَالرُّجُوعُ أُخْرَى (قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِهِ خَارِجَ صَلَاةٍ) وَأَمَّا مَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّهُ حَرَامٌ فَقَالَ السُّرُوجِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْعَبَثَ خَارِجَهَا بِثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يَحْرُمُ، وَالْحَدِيثُ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ. اهـ. بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَصَلَاتُهُ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ)
стр. 636
وَنَحْوُهُ (فِي فِيهِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ) فَلَوْ مَنَعَهُ تَفْسُدُ
(وَصَلَاتُهُ حَاسِرًا) أَيْ كَاشِفًا (رَأْسَهُ لِلتَّكَاسُلِ) وَلَا بَأْسَ بِهِ لِلتَّذَلُّلِ، وَأَمَّا لِلْإِهَانَةِ بِهَا فَكُفْرٌ وَلَوْ سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ فَإِعَادَتُهَا أَفْضَلُ إلَّا إذَا احْتَاجَتْ لِتَكْوِيرٍ أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ
(وَصَلَاتُهُ مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ) أَوْ أَحَدِهِمَا (أَوْ لِرِيحٍ) لِلنَّهْيِ
(وَعَقْصُ شَعْرِهِ) لِلنَّهْيِ عَنْ كَفِّهِ وَلَوْ بِجَمْعِهِ أَوْ إدْخَالِ أَطْرَافِهِ فِي أُصُولِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ أَمَّا فِيهَا فَيَفْسُدُ
(وَقَلْبُ الْحَصَا) لِلنَّهْيِ (إلَّا لِسُجُودِهِ) التَّامِّ فَيُرَخَّصُ (مَرَّةً) وَتَرْكُهَا أَوْلَى
(وَفَرْقَعَةُ الْأَصَابِعِ) وَتَشْبِيكُهَا وَلَوْ مُنْتَظِرًا الصَّلَاةَ أَوْ مَاشِيًا إلَيْهَا لِلنَّهْيِ وَلَا يُكْرَهُ خَارِجَهَا لِحَاجَةٍ.
ــ
[رد المحتار]
بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: الْخِدْمَةُ وَالِابْتِذَالُ، وَعَطْفُ الْمِهْنَةِ عَلَيْهَا عَطْفَ تَفْسِيرٍ؛ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الْهَاءِ، وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الْكَسْرَ حِلْيَةٌ. قَالَ فِي الْبَحْرِ، وَفَسَّرَهَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ بِمَا يَلْبَسُهُ فِي بَيْتِهِ وَلَا يَذْهَبُ بِهِ إلَى الْأَكَابِرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ مِنْ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ لَا يُخِلُّ بِهَا لَا يُكْرَهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، ثُمَّ قَوْلُ قَاضِي خَانَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ وَفِي فِيهِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ لَا تَمْنَعُهُ عَنْ الْقِرَاءَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ. اهـ. (قَوْلُهُ فَلَوْ مَنَعَهُ) بِأَنْ سَكَتَ أَوْ تَلَفَّظَ بِأَلْفَاظٍ لَا تَكُونُ قُرْآنًا شَرْحُ الْمُنْيَةِ
(قَوْلُهُ لِلتَّكَاسُلِ) أَيْ لِأَجْلِ الْكَسَلِ، بِأَنْ اسْتَثْقَلَ تَغْطِيَتَهُ وَلَمْ يَرَهَا أَمْرًا مُهِمًّا فِي الصَّلَاةِ فَتَرَكَهَا لِذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ تَهَاوُنًا بِالصَّلَاةِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الِاسْتِخْفَافُ بِهَا وَالِاحْتِقَارُ لِأَنَّهُ كُفْرٌ شَرْحُ الْمُنْيَةِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَأَصْلُ الْكَسَلِ تَرْكُ الْعَمَلِ لِعَدَمِ الْإِرَادَةِ، فَلَوْ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ فَهُوَ الْعَجْزُ. مَطْلَبٌ فِي الْخُشُوعِ
(قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِهِ لِلتَّذَلُّلِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ وَأَنْ يَتَذَلَّلَ وَيَخْشَعَ بِقَلْبِهِ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ. اهـ. وَتَعَقَّبَهُ فِي الْإِمْدَادِ بِمَا فِي التَّجْنِيسِ مِنْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى الْخُشُوعِ. اهـ.
قُلْت: وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْخُشُوعَ مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ كَالْخَوْفِ أَوْ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ كَالسُّكُونِ أَوْ مَجْمُوعِهِمَا قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ حُكِيَ إجْمَاعُ الْعَارِفِينَ عَلَيْهِ وَأَنَّ مِنْ لَوَازِمِهِ: ظُهُورَ الذُّلِّ، وَغَضَّ الطَّرْفِ، وَخَفْضَ الصَّوْتِ، وَسُكُونَ الْأَطْرَافِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِحُسْنِ كَشْفِهِ إذَا كَانَ نَاشِئًا عَنْ تَحْقِيقِ الْخُشُوعِ بِالْقَلْبِ، وَنَصَّ فِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لِعُذْرٍ لَا يُكْرَهُ وَإِلَّا فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ حَسَنٌ. وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لِأَجَلِ الْحَرَارَةِ وَالتَّخْفِيفُ مَكْرُوهٌ، فَلَمْ يَجْعَلْ الْحَرَارَةَ عُذْرًا وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَلَوْ سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ إلَخْ) هِيَ مَا يُلْبَسُ فِي الرَّأْسِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَلَفْظُ قَلَنْسُوَتِهِ سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ، الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فِيمَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَنْ الْحُجَّةِ، وَفِي الدُّرَرِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة: وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ إعَادَتِهَا حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِتَرْكِهَا التَّذَلُّلَ عَلَى مَا مَرَّ
(قَوْلُهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ إلَخْ) أَيْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ. قَالَ فِي الْخَزَائِنِ: سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ شُرُوعِهِ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ شَغَلَهُ قَطَعَهَا إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ، وَإِنْ أَتَمَّهَا أَثِمَ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ» ، أَيْ مُدَافِعُ الْبَوْلِ، وَمِثْلُهُ الْحَاقِبُ: أَيْ مُدَافِعُ الْغَائِطِ وَالْحَازِقُ: أَيْ مُدَافِعُهُمَا وَقِيلَ مُدَافِعُ الرِّيحِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِثْمِ صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَقَالَ لِأَدَائِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ. بَقِيَ مَا إذَا خَشِيَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَجِدُ جَمَاعَةً غَيْرَهَا، فَهَلْ يَقْطَعُهَا كَمَا يَقْطَعُهَا إذَا رَأَى عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةً قَدْرَ الدِّرْهَمِ لِيَغْسِلَهَا أَوْ لَا، كَمَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَقَلَّ مِنْ الدِّرْهَمِ. وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ تَرْكَ سُنَّةِ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى مِنْ الْإِتْيَانِ بِالْكَرَاهَةِ: كَالْقَطْعِ لِغَسْلِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ، فَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ السُّنَّةِ، بِخِلَافِ غَسْلِ مَا دُونَهُ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يَتْرُكُ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ لِأَجْلِهِ، كَذَا حَقَّقَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
стр. 637
(وَالتَّخَصُّرُ) وَضْعُ
ــ
[رد المحتار]
تَنْبِيهٌ]
ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ بَحْثًا أَنَّ خَوْفَ فَوْتِ الْجِنَازَةِ كَخَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَذَكَرَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ جَارِيَةٌ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ تَطَوُّعًا
(قَوْلُهُ وَعَقْصُ شَعْرِهِ إلَخْ) أَيْ ضَفْرُهُ وَفَتْلُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى هَامَتِهِ وَيَشُدُّهُ بِصَمْغٍ، أَوْ أَنْ يَلُفَّ ذَوَائِبَهُ حَوْلَ رَأْسِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ يَجْمَعُ الشَّعْرَ كُلَّهُ مِنْ قِبَلِ الْقَفَا وَيَشُدُّهُ بِخَيْطٍ أَوْ خِرْقَةٍ كَيْ لَا يُصِيبُ الْأَرْضَ إذَا سَجَدَ؛ وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَلِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى أَنَّ يُصَلِّي الرَّجُلُ وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ» " وَأَخْرَجَ السِّتَّةَ عَنْهُ ﷺ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَأَنْ لَا أَكُفَّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» شَرْحُ الْمُنْيَةِ، وَنَقَلَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا تَحْرِيمٌ إلَّا إنْ ثَبَتَ عَلَى التَّنْزِيهِ إجْمَاعٌ فَيَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهِ (قَوْلُهُ أَمَّا فِيهَا فَيَفْسُدُ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ بِالْإِجْمَاعِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ
(قَوْلُهُ لِلنَّهْيِ) هُوَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ «عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى سَأَلْتُهُ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى، فَقَالَ وَاحِدَةً أَوْ دَعْ» وَرَوَى السِّتَّةُ عَنْ مُعَيْقِيبٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «لَا تَمْسَحْ الْحَصَى وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ كُنْت وَلَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةٌ» " شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ إلَّا لِسُجُودِهِ التَّامِّ إلَخْ) بِأَنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ تَمْكِينُ جَبْهَتِهِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ إلَّا بِذَلِكَ، وَقَيَّدَ بِالتَّامِّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ وَضْعُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْجَبْهَةِ إلَّا بِهِ تَعَيَّنَ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. مَطْلَبٌ إذَا تَرَدَّدَ الْحُكْمُ بَيْنَ سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ كَانَ تَرْكُ السُّنَّةِ أَوْلَى
(قَوْلُهُ وَتَرْكُهَا أَوْلَى) لِأَنَّهُ إذَا تَرَدَّدَ الْحُكْمُ بَيْنَ سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ كَانَ تَرْكُ السُّنَّةِ رَاجِحًا عَلَى فِعْلِ الْبِدْعَةِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ التَّسْوِيَةُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ وَفَرْقَعَةُ الْأَصَابِعِ) هُوَ غَمْزُهَا أَوْ مَدُّهَا حَتَّى تُصَوِّتَ وَتَشْبِيكُهَا هُوَ أَنْ يُدْخِلَ أَصَابِعَ إحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ أَصَابِعِ الْأُخْرَى بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِلنَّهْيِ) هُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا «لَا تُفَرْقِعْ أَصَابِعَك وَأَنْتَ تُصَلِّي» " وَرَوَى فِي الْمُجْتَبَى حَدِيثًا «أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُفَرْقِعَ الرَّجُلُ أَصَابِعَهُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَهُوَ يَمْشِي إلَيْهَا» وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا مَرْفُوعًا «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» " وَنَقَلَ فِي الْمِعْرَاجِ الْإِجْمَاعَ عَلَى كَرَاهَةِ الْفَرْقَعَةِ وَالتَّشْبِيكِ فِي الصَّلَاةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ تَحْرِيمِيَّةً لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ حِلْيَةٌ وَبَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُكْرَهُ خَارِجَهَا لِحَاجَةٍ) الْمُرَادُ بِخَارِجِهَا مَا لَيْسَ مِنْ تَوَابِعِهَا لِأَنَّ السَّعْيَ إلَيْهَا وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِهَا فِي حُكْمِهَا كَمَا مَرَّ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةَ تَحْبِسُهُ» " وَأَرَادَ بِالْحَاجَةِ نَحْوَ إرَاحَةِ الْأَصَابِعِ، فَلَوْ لِدُونِ حَاجَةٍ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْعَبَثِ كُرِهَ تَنْزِيهًا وَالْكَرَاهَةُ فِي الْفَرْقَعَةِ خَارِجَهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَأَمَّا التَّشْبِيكُ فَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ: لَمْ أَقِفْ لِمَشَايِخِنَا فِيهِ عَلَى شَيْءٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ لِغَيْرِ عَبَثٍ بَلْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَلَوْ لِإِرَاحَةِ الْأَصَابِعِ لَا يُكْرَهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْمُؤْمِنُ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» فَإِنَّهُ لِإِفَادَةِ تَمْثِيلِ الْمَعْنَى، وَهُوَ التَّعَاضُدُ وَالتَّنَاصُرُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الْحِسِّيَّةِ
(قَوْلُهُ وَالتَّخَصُّرِ إلَخْ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ» وَفِي رِوَايَةٍ " عَنْ «الِاخْتِصَارِ» وَفِي أُخْرَى «عَنْ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» وَفِيهِ تَأْوِيلَاتٌ أَشْهَرُهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْبَحْرِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ
стр. 638
الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ لِلنَّهْيِ (وَيُكْرَهُ خَارِجَهَا) تَنْزِيهًا
(وَالِالْتِفَاتُ بِوَجْهِهِ) كُلِّهِ (أَوْ بَعْضِهِ) لِلنَّهْيِ وَبِبَصَرِهِ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا، وَبِصَدْرِهِ تَفْسُدُ كَمَا مَرَّ (وَقِيلَ) قَائِلُهُ قَاضِي خَانَ (تَفْسُدُ بِتَحْوِيلِهِ وَالْمُعْتَمَدُ لَا)
(وَإِقْعَاؤُهُ) كَالْكَلْبِ لِلنَّهْيِ
ــ
[رد المحتار]
تَحْرِيمِيَّةُ فِي الصَّلَاةِ لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ. اهـ. وَلِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ سُنَّةِ الْوَضْعِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، لَكِنَّ الْعِلَّةَ الثَّانِيَةَ لَا تَقْتَضِي كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، نَعَمْ تَقْتَضِي كَرَاهَةَ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى عُضْوٍ آخَرَ غَيْرِ الْخَاصِرَةِ
(قَوْلُهُ لِلنَّهْيِ) هُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الْفَرِيضَةِ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» وَقَيَّدَهُ فِي الْغَايَةِ بِأَنْ: يَكُونَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ تَحْرِيمِيَّةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَبِبَصَرِهِ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَحْوِيلِ الْوَجْهِ أَصْلًا. وَفِي الزَّيْلَعِيِّ وَشَرْحِ الْمُلْتَقَى لِلْبَاقَانِيِّ أَنَّهُ مُبَاحٌ «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُلَاحِظُ أَصْحَابَهُ فِي صَلَاتِهِ بِمُوقِ عَيْنَيْهِ» اهـ وَلَا يُنَافِي مَا هُنَا بِحَمْلِهِ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ أَوْ أَرَادَ بِالْمُبَاحِ مَا لَيْسَ بِمَحْظُورٍ شَرْعًا، وَخِلَافُ الْأَوْلَى غَيْرُ مَحْظُورٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَبِصَدْرِهِ تَفْسُدُ) أَيْ إذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ إلَخْ) قَالَهُ فِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا. وَالْأَشْبَهُ مَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ مِنْ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لَا مُفْسِدٌ وَقَيَّدَ عَدَمَ الْفَسَادِ بِهِ فِي الْمُنْيَةِ وَالذَّخِيرَةِ بِمَا إذَا اسْتَقْبَلَ مِنْ سَاعَتِهِ، قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ مَا فِي الْفَتَاوَى وَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْ مِنْ سَاعَتِهِ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا اسْتَقْبَلَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَكَأَنَّهُ نَاظِرٌ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَ عَمَلٌ كَثِيرٌ، وَالثَّانِي قَلِيلٌ، وَهُوَ بَعِيدٌ فَإِنَّ الِاسْتِدَامَةَ عَلَى هَذَا الْقَلِيلِ لَا تَجْعَلُهُ كَثِيرًا، وَإِنَّمَا كَثِيرُهُ تَحْوِيلُ صَدْرِهِ. اهـ.
أَقُولُ: يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ إذَا أَطَالَ الْتِفَاتَهُ بِجَمِيعِ وَجْهِهِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً وَرَأَى رَاءٍ مِنْ بَعِيدٍ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَإِقْعَاؤُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ إقْعَاءِ الْكَلْبِ وَفَسَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ: بِأَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيَنْصِبَ فَخِذَيْهِ وَيَضُمَّ رُكْبَتَيْهِ إلَى صَدْرِهِ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَالْكَرْخِيُّ: بِأَنْ يَنْصِبَ قَدَمَيْهِ وَيَقْعُدَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ. وَالْأَصَحُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَامَّةُ هُوَ الْأَوَّلُ: أَيْ كَوْنُ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ لَا أَنَّ مَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ وَكَذَا فِي الْفَتْحِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً عَلَى الْأَوَّلِ تَنْزِيهِيَّةٌ عَلَى الثَّانِي.
أَقُولُ: إنَّمَا كَانَتْ تَنْزِيهِيَّةً عَلَى الثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَيْسَ بِإِقْعَاءٍ، وَإِنَّمَا الْكَرَاهَةُ بِتَرْكِ الْجِلْسَةِ الْمَسْنُونَةِ كَمَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ فَسَّرَ الْإِقْعَاءَ بِقَوْلِ الْكَرْخِيِّ تَعَاكَسَتْ الْأَحْكَامُ اهـ كَلَامُ النَّهْرِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِقْعَاءَ مَكْرُوهٌ لِشَيْئَيْنِ: لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْجِلْسَةِ الْمَسْنُونَةِ، فَإِنْ فُسِّرَ بِمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَانَ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا لِوُجُودِ النَّهْيِ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ؛ وَكَانَ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَالَهُ الْكَرْخِيِّ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا لِتَرْكِ الْجِلْسَةِ الْمَسْنُونَةِ لَا تَحْرِيمًا لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ، وَإِنْ فُسِّرَ بِمَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ انْعَكَسَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ.
قُلْت: وَفِي الْمُغْرِبِ بَعْدَ مَا فَسَّرَهُ بِمَا مَرَّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ قَالَ: وَتَفْسِيرُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهُوَ عَقِبُ الشَّيْطَانِ اهـ وَعَزَاهُ فِي الْبَدَائِعِ إلَى الْكَرْخِيِّ وَقَالَ: وَهُوَ عَقِبُ الشَّيْطَانِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ اهـ أَيْ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ، وَأَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ» وَفِي رِوَايَةٍ «عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ» ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمُ فِي فَتَاوَاهُ: وَأَمَّا نَصْبُ الْقَدَمَيْنِ وَالْجُلُوسِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ فَمَكْرُوهٌ فِي جَمِيعِ الْجِلْسَاتِ بِلَا خِلَافٍ نَعْرِفُهُ إلَّا مَا ذَكَرَهُ
стр. 639
(وَافْتِرَاشُ) الرَّجُلِ (ذِرَاعَيْهِ) لِلنَّهْيِ
(وَصَلَاتُهُ إلَى وَجْهِ إنْسَانٍ) كَكَرَاهَةِ اسْتِقْبَالِهِ، فَالِاسْتِقْبَالُ لَوْ مِنْ الْمُصَلِّي فَالْكَرَاهَةُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْتَقْبِلِ وَلَوْ بَعِيدًا وَلَا حَائِلَ (وَرَدُّ السَّلَامِ بِيَدِهِ) أَوْ بِرَأْسِهِ كَمَا مَرَّ.
[فَرْعٌ]
لَا بَأْسَ بِتَكْلِيمِ الْمُصَلِّي وَإِجَابَتِهِ بِرَأْسِهِ كَمَا لَوْ طُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ أُرِيَ دِرْهَمًا وَقِيلَ أَجَيِّدٌ فَأَوْمَأَ بِنَعَمْ أَوْ لَا أَوْ قِيلَ كَمْ صَلَّيْتُمْ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ، أَمَّا لَوْ قِيلَ لَهُ تَقَدَّمْ فَتَقَدَّمَ أَوْ دَخَلَ أَحَدٌ الصَّفَّ فَوَسَّعَ لَهُ فَوْرًا فَسَدَتْ ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ وَغَيْرُهُ، خِلَافًا لِمَا مَرَّ عَنْ الْبَحْرِ.
(وَ) كُرِهَ (التَّرَبُّعُ) تَنْزِيهًا لِتَرْكِ الْجِلْسَةِ الْمَسْنُونَةِ (بِغَيْرِ عُذْرٍ) وَلَا يُكْرَهُ خَارِجَهَا «لِأَنَّهُ ﵊
ــ
[رد المحتار]
النَّوَوِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ لَهُ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ
(قَوْلُهُ وَافْتِرَاشُ الرَّجُلِ ذِرَاعَيْهِ إلَخْ) أَيْ بَسْطُهُمَا فِي حَالَةِ السُّجُودِ، وَقَيَّدَ بِالرَّجُلِ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ آنِفًا وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَفْتَرِشُ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: قِيلَ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا صِفَةُ الْكَسْلَانِ وَالتَّهَاوُنُ بِحَالِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالسِّبَاعِ وَالْكِلَابِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ صَارِفٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَصَلَاتُهُ إلَى وَجْهِ إنْسَانٍ) فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: وَكَرِهَ عُثْمَانُ ﵁ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضُ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَهُوَ مَحْمَلُ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي إلَى رَجُلٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالْإِعَادَةِ لِإِزَالَةِ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَلَيْسَ لِلْفَسَادِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، لِمَا ذُكِرَ، وَلِمَا فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: إنْ كَانَ جَاهِلًا عَلَّمْته، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَدَّبْته اهـ وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ عِبَادَةَ الصُّورَةِ (قَوْلُهُ كَكَرَاهَةِ اسْتِقْبَالِهِ) الضَّمِيرُ لِلْمُصَلِّي، وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ ط (قَوْلُهُ وَلَوْ بَعِيدًا وَلَا حَائِلَ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثَالِثٌ ظَهْرُهُ إلَى وَجْهِ الْمُصَلِّي لَا يُكْرَهُ لِانْتِفَاءِ سَبَبِ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ التَّشَبُّهُ بِعِبَادَةِ الصُّورَةِ اهـ. وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَلَوْ كَانَتْ تَقَعُ الْمُوَاجَهَةُ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ كَمَا فِي النَّهْرِ وَالْحِلْيَةِ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْحِلْيَةِ بِأَنَّ الْقَاعِدَ يَكُونُ سُتْرَةً لِلْمُصَلِّي بِحَيْثُ لَا يُكْرَهُ الْمُرُورُ وَرَاءَهُ فَكَذَا هُنَا يَكُونُ حَائِلًا.
قُلْت: لَكِنَّ فِي الذَّخِيرَةِ نُقِلَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ: وَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِحِذَائِهِ رَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَفْصِلْ أَيْ مُحَمَّدٌ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ الْأَخِيرِ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ وَجْهُهُ مُقَابِلٌ وَجْهَ الْإِمَامِ فِي حَالَةِ قِيَامِهِ يُكْرَهُ وَلَوْ بَيْنَهُمَا صُفُوفٌ اهـ ثُمَّ رَأَيْت الْخَيْرَ الرَّمْلِيَّ أَجَابَ بِمَا لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ تَنْزِيهِيَّةٌ
[فَرْعٌ لَا بَأْسَ بِتَكْلِيمِ الْمُصَلِّي وَإِجَابَتِهِ بِرَأْسِهِ]
(قَوْلُهُ وَإِجَابَتُهُ بِرَأْسِهِ) قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَبِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَكَذَا فِي تَكْلِيمِ الرَّجُلِ الْمُصَلِّيَ، قَالَ تَعَالَى - ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]- وَهَلْ يُجِيبُ السَّلَامَ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ؟ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ» كَذَا فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَمَّا لَوْ قِيلَ إلَخْ) هُوَ مَا وَعَدَ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَفَتْحِهِ عَلَى إمَامِهِ، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ ضَعْفَهُ عَنْ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ح (قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا مَرَّ عَنْ الْبَحْرِ) أَيْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ هُنَاكَ، فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ لِتَرْكِ الْجِلْسَةِ الْمَسْنُونَةِ) عِلَّةٌ لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا إذْ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ لِيَكُونَ تَحْرِيمًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ) أَمَّا بِهِ فَلَا، لِأَنَّ الْوَاجِبَ يُتْرَكُ مَعَ الْعُذْرِ فَالسُّنَّةُ أَوْلَى. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «مِنْ صَلَاتِهِ ﵊ مُتَرَبِّعًا» أَوْ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ ﵊ إلَخْ) نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ صَاحِبِ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ وَرَدَّ بِهِ عَلَى مَا قِيلَ فِي وَجْهِ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ فِعْلُ الْجَبَابِرَةِ، نَعَمْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ تَأَمَّلْ
стр. 640
كَانَ جُلُّ جُلُوسِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ التَّرَبُّعُ» وَكَذَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
(وَالتَّثَاؤُبُ) وَلَوْ خَارِجَهَا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالْأَنْبِيَاءُ مَحْفُوظُونَ مِنْهُ
(وَتَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) لِلنَّهْيِ إلَّا لِكَمَالِ الْخُشُوعِ
(وَقِيَامُ الْإِمَامِ فِي الْمِحْرَابِ لَا سُجُودُهُ فِيهِ) وَقَدَّمَاهُ خَارِجَةً لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْقَدَمِ (مُطْلَقًا) وَإِنْ لَمْ يَتَشَبَّهْ حَالُ الْإِمَامِ إنْ عُلِّلَ بِالتَّشَبُّهِ وَإِنْ بِالِاشْتِبَاهِ وَلَا اشْتِبَاهَ
ــ
[رد المحتار]
قَوْله وَالتَّثَاؤُبُ) فِي الْمِصْبَاحِ: التَّثَاؤُبُ بِالْمَدِّ وَبِالْوَاوِ عَامِّيٌّ. وَفِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ: تَثَاءَبْت بِالْمَدِّ وَلَا تَقُلْ تَثَاوَبْت، وَهُوَ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ: التَّنَفُّسُ الَّذِي يَنْفَتِحُ مِنْهُ الْفَمُ لِدَفْعِ الْبُخَارَاتِ الْمُنَفَّخَةِ فِي عَضَلَاتِ الْفَكِّ، وَهُوَ يَنْشَأُ مِنْ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ وَثِقَلِ الْبَدَنِ. اهـ.
قُلْت: وَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ مِنْ الشَّيْطَانِ كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ «فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُهُ» وَأُلْحِقَ بِالْيَدِ الْكُمُّ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ كَظْمُهُ: أَيْ رَدُّهُ وَحَبْسُهُ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ أَنْ يَأْخُذَ شَفَتَهُ بِسِنِّهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَغَطَّى فَاهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ يُكْرَهُ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَوَجْهُهُ أَنَّ تَغْطِيَةَ الْفَمِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ إذَا أَمْكَنَهُ الدَّفْعُ، ثُمَّ فِي الْمُجْتَبَى: يُغَطِّي فَاهُ بِيَمِينِهِ، وَقِيلَ بِيَمِينِهِ فِي الْقِيَامِ وَفِي غَيْرِهِ بِيَسَارِهِ اهـ.
قُلْت: وَوَجْهُ الْقِيلِ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ لِدَفْعِ الشَّيْطَانِ كَمَا مَرَّ، فَهُوَ كَإِزَالَةِ الْخَبَثِ وَهِيَ بِالْيَسَارِ أَوْلَى، لَكِنْ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ لَمَّا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ دَفْعِهِ بِالْيَسَارِ كَثْرَةُ الْعَمَلِ بِتَحْرِيكِ الْيَدَيْنِ كَانَتْ الْيُمْنَى أَوْلَى وَقَدَّمْنَا فِي آدَابِ الصَّلَاةِ عَنْ الضِّيَاءِ أَنَّهُ بِظَهْرِ الْيُسْرَى. وَفِي الْحِلْيَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا وَأَنَّهُ إنْ سَدَّ بِالْيُمْنَى يُخَيَّر فِيهِ بِظَاهِرِهَا أَوْ بَاطِنِهَا، وَإِنْ بِالْيُسْرَى فَبِظَاهِرِهَا. اهـ. وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِلْكَرَاهَةِ هُنَا هَلْ هِيَ تَحْرِيمِيَّةٌ أَوْ تَنْزِيهِيَّةٌ إلَّا أَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي آدَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يُنْدَبُ كَظْمُ فَمِهِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ، وَحِينَئِذٍ فَتَرْكُ الْكَظْمِ مَنْدُوبٌ.
وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ نَفْسُهُ فَإِنْ نَشَأَ مِنْ طَبِيعَتِهِ بِلَا صُنْعِهِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ تَعَمَّدْهُ يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ تَحْرِيمًا لِأَنَّهُ عَبَثٌ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْعَبَثَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا فِي الصَّلَاةِ تَنْزِيهًا خَارِجَهَا (قَوْلُهُ وَلَوْ خَارِجَهَا) أَيْ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ الْمَارِّ، وَتَقْيِيدُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالصَّلَاةِ لِكَوْنِ الْكَرَاهَةِ فِيهَا أَشَدَّ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَالْأَنْبِيَاءُ مَحْفُوظُونَ مِنْهُ) قَدَّمْنَا فِي آدَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ إخْطَارَ ذَلِكَ بِبَالِهِ مُجَرَّبٌ فِي دَفْعِ التَّثَاؤُبِ
(قَوْلُهُ لِلنَّهْيِ) أَيْ فِي حَدِيثِ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ» رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ إلَّا أَنَّ فِي سَنَدِهِ مَنْ ضُعِّفَ وَعَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَرْمِيَ بِبَصَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَفِي التَّغْمِيضِ تَرْكُهَا. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ، كَذَا فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ، وَكَأَنَّهُ لِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ مَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ، وَهِيَ الصَّارِفُ لَهُ عَنْ التَّحْرِيمِ (قَوْلُهُ إلَّا لِكَمَالِ الْخُشُوعِ) بِأَنْ خَافَ فَوْتَ الْخُشُوعِ بِسَبَبِ رُؤْيَةِ مَا يُفَرِّقُ الْخَاطِرَ فَلَا يُكْرَهُ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّهُ الْأَوْلَى، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ حِلْيَةٌ وَبَحْرٌ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْقَدَمِ) وَلِهَذَا تُشْتَرَطُ طَهَارَةُ مَكَانِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، بِخِلَافِ مَكَانِ السُّجُودِ، إذْ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ يَحْنَثُ بِوَضْعِ الْقَدَمَيْنِ وَإِنْ كَانَ بَاقِي بَدَنِهِ خَارِجَهَا وَالصَّيْدُ إذَا كَانَ رِجْلَاهُ فِي الْحَرَمِ وَرَأْسُهُ خَارِجَهُ فَهُوَ صَيْدُ الْحَرَمِ فَفِيهِ الْجَزَاءُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَقِيَامُ الْإِمَامِ فِي الْمِحْرَابِ، وَفُسِّرَ الْإِطْلَاقُ بِمَا بَعْدَهُ وَكَذَا سَوَاءٌ كَانَ الْمِحْرَابُ مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ أَوْ لَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ إنْ عُلِّلَ بِالتَّشَبُّهِ إلَخْ) قَيْدٌ لِلْكَرَاهَةِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ صَرَّحَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالْكَرَاهَةِ وَلَمْ يُفَصِّلْ؛ فَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي سَبَبِهَا، فَقِيلَ كَوْنُهُ يَصِيرُ مُمْتَازًا عَنْهُمْ فِي الْمَكَانِ لِأَنَّ الْمِحْرَابَ فِي مَعْنَى بَيْتٍ آخَرَ وَذَلِكَ صَنِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ
стр. 641
فَلَا اشْتِبَاهَ فِي نَفْيِ الْكَرَاهَةِ.
(وَانْفِرَادُ الْإِمَامِ عَلَى الدُّكَّانِ) لِلنَّهْيِ، وَقُدِّرَ الِارْتِفَاعُ بِذِرَاعٍ، وَلَا بَأْسَ بِمَا دُونَهُ، وَقِيلَ مَا يَقَعُ بِهِ الِامْتِيَازُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ ذَكَرَهُ الْكَمَالُ وَغَيْرُهُ (وَكُرِهَ عَكْسُهُ) فِي الْأَصَحِّ وَهَذَا كُلُّهُ (عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ) كَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ، فَلَوْ قَامُوا عَلَى الرُّفُوفِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْأَرْضِ
ــ
[رد المحتار]
وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَقَالَ إنَّهُ الْأَوْجَهُ، وَقِيلَ اشْتِبَاهُ حَالِهِ عَلَى مَنْ فِي يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَعَلَى الثَّانِي لَا يُكْرَهُ عِنْدَ عَدَمِ الِاشْتِبَاهِ، وَأَيَّدَ الثَّانِي فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ امْتِيَازَ الْإِمَامِ فِي الْمَكَانِ مَطْلُوبٌ، وَتَقَدُّمُهُ وَاجِبٌ وَغَايَتُهُ اتِّفَاقُ الْمِلَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَارْتَضَاهُ فِي الْحِلْيَةِ وَأَيَّدَهُ، لَكِنْ نَازَعَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا، وَبِأَنَّ امْتِيَازَ الْإِمَامِ الْمَطْلُوبِ حَاصِلٌ بِتَقَدُّمِهِ بِلَا وُقُوفٍ فِي مَكَان آخَرَ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَغَيْرِهَا إذَا لَمْ يَضِقْ الْمَسْجِدُ بِمَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ تَبَايُنَ الْمَكَانَيْنِ انْتَهَى. يَعْنِي: وَحَقِيقَةُ اخْتِلَافِ الْمَكَانِ تَمْنَعُ الْجَوَازَ فَشُبْهَةُ الِاخْتِلَافِ تُوجِبُ الْكَرَاهَةَ وَالْمِحْرَابُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَصُورَتُهُ وَهَيْئَتُهُ اقْتَضَتْ شُبْهَةَ الِاخْتِلَافِ اهـ مُلَخَّصًا.
قُلْت: أَيْ لِأَنَّ الْمِحْرَابَ إنَّمَا بُنِيَ عَلَامَةً لِمَحَلِّ قِيَامِ الْإِمَامِ لِيَكُونَ قِيَامُهُ وَسْطَ الصَّفِّ كَمَا هُوَ السُّنَّةُ، لَا لَأَنْ يَقُومَ فِي دَاخِلِهِ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ بِقَاعِ الْمَسْجِدِ لَكِنْ أَشْبَهَ مَكَانًا آخَرَ فَأَوْرَثَ الْكَرَاهَةَ، وَلَا يَخْفَى حُسْنُ هَذَا الْكَلَامِ فَافْهَمْ، لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّشَبُّهَ إنَّمَا يُكْرَهُ فِي الْمَذْمُومِ وَفِيمَا قُصِدَ بِهِ التَّشَبُّهُ لَا مُطْلَقًا، وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ الْمَذْمُومِ تَأَمَّلَ. هَذَا وَفِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ لِلرَّمْلِيِّ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ تَأَمَّلْ اهـ[تَنْبِيهٌ]
فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ بَابِ الْإِمَامَةِ: الْأَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُومَ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنٍ أَوْ زَاوِيَةٍ أَوْ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى سَارِيَةٍ لِأَنَّهُ بِخِلَافِ عَمَلِ الْأُمَّةِ. اهـ. وَفِيهِ أَيْضًا: السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ إزَاءَ وَسْطِ الصَّفِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحَارِيبَ مَا نُصِبَتْ إلَّا وَسْطَ الْمَسَاجِدِ وَهِيَ قَدْ عُيِّنَتْ لِمَقَامِ الْإِمَامِ. اهـ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ فِي غَيْرِ الْمِحْرَابِ إلَّا لِضَرُورَةٍ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ تَرَكَ الْمِحْرَابَ وَقَامَ فِي غَيْرِهِ يُكْرَهُ وَلَوْ كَانَ قِيَامُهُ وَسْطَ الصَّفِّ لِأَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِمَامِ الرَّاتِبِ دُونَ غَيْرِهِ وَالْمُنْفَرِدِ، فَاغْتَنِمْ هَذِهِ الْفَائِدَةَ فَإِنَّهُ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَلَمْ يُوجَدْ نَصٌّ فِيهَا
(قَوْلُهُ لِلنَّهْيِ) وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فَوْقُ وَيَبْقَى النَّاسُ خَلْفَهُ» ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ لِإِمَامِهِمْ دُكَّانًا بَحْرٌ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ، وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ صَارِفٌ تَأَمَّلْ رَمْلِيٌّ.
قُلْت: لَعَلَّ الصَّارِفَ تَعْلِيلُ النَّهْيِ بِمَا ذُكِرَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقِيلَ إلَخْ) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّصْحِيحَ قَدْ اخْتَلَفَ وَالْأَوْلَى الْعَمَلُ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ اهـ وَكَذَا رَجَّحَهُ فِي الْحِلْيَةِ (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ لَكِنْ فِيهِ ازْدِرَاءٌ بِالْإِمَامِ حَيْثُ ارْتَفَعَ كُلُّ الْجَمَاعَةِ فَوْقَهُ، أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ أَخَذَ التَّصْحِيحَ تَبَعًا لِلدُّرَرِ مِنْ قَوْلِ الْبَدَائِعِ: جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِعَدَمِ التَّشَبُّهِ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْخَانِيَّةِ قَائِلًا: وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ قَالَ ط: وَلَعَلَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي الْأَوَّلِ فَقَطْ (قَوْلُهُ وَهَذَا كُلُّهُ) أَيْ الْكَرَاهَةُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ لَا كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ قَوْلِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ قَيْدٌ لِقَوْلِهِ وَكُرِهَ عَكْسُهُ فَقَطْ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ كَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ) مِثَالٌ لِلْعُذْرِ، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ: أَيْ كَزَحْمَةِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ (قَوْلُهُ فَلَوْ قَامُوا إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْعُذْرِ فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ. قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ: وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عُذْرٍ، أَمَّا إذَا كَانَ فَلَا يُكْرَهُ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ إذَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَى الرَّفِّ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْأَرْضِ لِضِيقِ الْمَكَانِ. وَحَكَى
стр. 642
أَوْ فِي الْمِحْرَابِ لِضِيقِ الْمَكَانِ لَمْ يُكْرَهْ لَوْ كَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ فِي الْأَصَحِّ، وَبِهِ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي جَوَامِعِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ الْعُذْرِ إرَادَةُ التَّعْلِيمِ أَوْ التَّبْلِيغِ كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ وَقَدَّمْنَا كَرَاهَةَ الْقِيَامِ فِي صَفٍّ خَلْفَ صَفٍّ فِيهِ فُرْجَةٌ لِلنَّهْيِ، وَكَذَا الْقِيَامُ مُنْفَرِدًا وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً بَلْ يَجْذِبُ أَحَدًا مِنْ الصَّفِّ ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَمَالِ، لَكِنْ قَالُوا فِي زَمَانِنَا تَرْكُهُ أَوْلَى، فَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: يُكْرَهُ وَحْدَهُ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً
(وَلُبْسُ ثَوْبٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ) ذِي رُوحٍ،
ــ
[رد المحتار]
الْحَلْوَانِيُّ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ: لَا يُكْرَهُ وَقِيَامُ الْإِمَامِ فِي الطَّاقِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِأَنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ عَلَى الْقَوْمِ. اهـ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْأَرْضِ أَيْ وَمَعَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ كَانَ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ وَانْفِرَادُ الْإِمَامِ عَلَى الدُّكَّانِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: قَيَّدَ بِالِانْفِرَادِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ مَعَ الْإِمَامِ، قِيلَ يُكْرَهُ وَالْأَصَحُّ لَا وَبِهِ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي جَوَامِعِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَغْلَبِ الْأَمْصَارِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ وَإِلَّا كَانَ دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَمِنْ الْعُذْرِ إلَخْ) أَيْ فِي الِانْفِرَادِ فِي مَكَان مُرْتَفِعٍ، وَهَذَا حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ تَبَعًا لِلْحِلْيَةِ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَنَّهُ قِيلَ إنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
قُلْت: لَكِنَّ فِي الْمِعْرَاجِ مَا نَصُّهُ: وَبِقَوْلِنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ تَعْلِيمَ الْقَوْمِ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ أَوْ أَرَادَ الْمَأْمُومُ تَبْلِيغَ الْقَوْمِ فَحِينَئِذٍ لَا يُكْرَهُ عِنْدَنَا اهـ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ كَمَا يُكْرَهُ انْفِرَادُ الْإِمَامِ فِي مَكَان عَالٍ بِلَا عُذْرٍ يُكْرَهُ انْفِرَادُ الْمَأْمُومِ وَإِنْ وُجِدَتْ طَائِفَةٌ مَعَ الْإِمَامِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَقَدَّمْنَا إلَخْ) أَيْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيَصُفُّ الرِّجَالُ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى رُفُوفِ الْمَسْجِدِ إنْ وَجَدَ فِي صَحْنِهِ مَكَانًا كُرِهَ كَقِيَامِهِ فِي صَفٍّ خَلْفَ صَفٍّ فِيهِ فُرْجَةٌ اهـ وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَوْلَا الْعُذْرُ الْمَذْكُورُ كَانَ انْفِرَادُ الْمَأْمُومِ مَكْرُوهًا (قَوْلُهُ لَكِنْ قَالُوا إلَخْ) الْقَائِلُ صَاحِبُ الْقُنْيَةِ فَإِنَّهُ عَزَا إلَى بَعْضِ الْكُتُبِ أَتَى جَمَاعَةً وَلَمْ يَجِدْ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً قِيلَ يَقُومُ وَحْدَهُ وَيُعْذَرُ، وَقِيلَ يَجْذِبُ وَاحِدًا مِنْ الصَّفِّ إلَى نَفْسِهِ فَيَقِفُ بِجَنْبِهِ. وَالْأَصَحُّ مَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ إلَى الرُّكُوعِ، فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ وَإِلَّا جَذَبَ إلَيْهِ رَجُلًا أَوْ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، ثُمَّ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: وَالْقِيَامُ وَحْدَهُ أَوْلَى فِي زَمَانِنَا لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَى الْعَوَامّ فَإِذَا جَرَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ قَالَ فِي الْخَزَائِنِ قُلْت: وَيَنْبَغِي التَّفْوِيضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى، فَإِنْ رَأَى مَنْ لَا يَتَأَذَّى لِدِينٍ أَوْ صَدَاقَةٍ زَاحَمَهُ أَوْ عَالِمًا جَذَبَهُ وَإِلَّا انْفَرَدَ. اهـ. قُلْت: وَهُوَ تَوْفِيقٌ حَسَنٌ اخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبَانَ فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ (قَوْلُهُ فَلِذَا قَالَ إلَخْ) أَيْ فَلَمْ يَذْكُرْ الْجَذْبَ لِمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ وَلُبْسُ ثَوْبٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ غَيْرِهِ تَصَاوِيرُ لِمَا فِي الْمُغْرِبِ: الصُّورَةُ عَامٌّ فِي ذِي الرُّوحِ وَغَيْرِهِ، وَالتِّمْثَالُ خَاصٌّ بِمِثَالِ ذِي الرُّوحِ وَيَأْتِي أَنَّ غَيْرَ ذِي الرُّوحِ لَا يُكْرَهُ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ صُورَةُ الرَّأْسِ، وَفِيهِ خِلَافٌ كَمَا فِي اتِّخَاذِهَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ، قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي الْخُلَاصَةِ وَتُكْرَهُ التَّصَاوِيرُ عَلَى الثَّوْبِ صَلَّى فِيهِ أَوْ لَا انْتَهَى، وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ. وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ تَصْوِيرِ الْحَيَوَانِ، وَقَالَ: وَسَوَاءٌ صَنَعَهُ لِمَا يُمْتَهَنُ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةَ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ دِرْهَمٍ وَإِنَاءٍ وَحَائِطٍ وَغَيْرِهَا اهـ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرَامًا لَا مَكْرُوهًا إنْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ أَوْ قَطْعِيَّةُ الدَّلِيلِ بِتَوَاتُرِهِ اهـ كَلَامُ الْبَحْرِ مُلَخَّصًا. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فَيَنْبَغِي الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْخُلَاصَةِ فِي تَسْمِيَتِهِ مَكْرُوهًا.
قُلْت: لَكِنَّ مُرَادَ الْخُلَاصَةِ اللُّبْسُ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْمُتُونِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ مَا مَرَّ: أَمَّا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ وَهُوَ يُصَلِّي لَا يُكْرَهُ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي فِعْلِ التَّصْوِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَتِهِ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ فِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّ التَّصْوِيرَ يَحْرُمُ؛ وَلَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ صَغِيرَةً كَالَّتِي عَلَى الدِّرْهَمِ أَوْ كَانَتْ فِي الْيَدِ أَوْ مُسْتَتِرَةً أَوْ مُهَانَةً مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ بِذَلِكَ لَا تَحْرُمُ، بَلْ وَلَا تُكْرَهُ لِأَنَّ عِلَّةَ حُرْمَةِ التَّصْوِيرِ الْمُضَاهَاةُ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ. وَعِلَّةُ كَرَاهَةِ
стр. 643
وَأَنْ يَكُونَ فَوْقَ رَأْسِهِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ (بِحِذَائِهِ) يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً أَوْ مَحَلَّ سُجُودِهِ (تِمْثَالٌ) وَلَوْ فِي وِسَادَةٍ مَنْصُوبَةٍ لَا مَفْرُوشَةٍ (وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا كَانَ) التِّمْثَالُ (خَلْفَهُ وَالْأَظْهَرُ الْكَرَاهَةُ و) لَا يُكْرَهُ (لَوْ كَانَتْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) أَوْ مَحَلَّ جُلُوسِهِ لِأَنَّهَا مُهَانَةٌ (أَوْ فِي يَدِهِ) عِبَارَةُ الشُّمُنِّيِّ بَدَنِهِ لِأَنَّهَا مَسْتُورَةٌ بِثِيَابِهِ (أَوْ عَلَى خَاتَمِهِ) بِنَقْشٍ غَيْرِ مُسْتَبِينٍ. قَالَ فِي الْبَحْرِ وَمُفَادُهُ كَرَاهَةُ الْمُسْتَبِينِ لَا الْمُسْتَتِرِ بِكِيسٍ أَوْ صُرَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ آخَرَ، وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ (أَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً) لَا تَتَبَيَّنُ تَفَاصِيلُ أَعْضَائِهَا لِلنَّاظِرِ قَائِمًا وَهِيَ عَلَى الْأَرْضِ، ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ (أَوْ مَقْطُوعَةَ الرَّأْسِ أَوْ الْوَجْهِ)
ــ
[رد المحتار]
الصَّلَاةِ بِهَا التَّشَبُّهُ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فِيمَا ذُكِرَ كَمَا يَأْتِي، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ (قَوْلُهُ فَوْقَ رَأْسِهِ) أَيْ فِي السَّقْفِ مِعْرَاجٌ (قَوْلُهُ تِمْثَالٌ) أَيْ مَرْسُومٌ فِي جِدَارٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مَوْضُوعٌ أَوْ مُعَلَّقٌ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ وَشَرْحِهَا،
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ الصَّلِيبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تِمْثَالَ ذِي رَوْحٍ لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالنَّصَارَى. وَيُكْرَهُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ فِي الْمَذْمُومِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ مَنْصُوبَةٍ) أَيْ بِحَيْثُ لَا تُوطَأُ وَلَا يُتَّكَأُ عَلَيْهَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَلَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ عَلَى وِسَادَةٍ مُلْقَاةٍ أَوْ عَلَى بِسَاطٍ مَفْرُوشٍ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهَا تُدَاسُ وَتُوطَأُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْوِسَادَةُ مَنْصُوبَةً أَوْ كَانَتْ عَلَى السِّتْرِ لِأَنَّهَا تَعْظِيمٌ لَهَا (قَوْلُهُ وَالْأَظْهَرُ الْكَرَاهَةُ) لَكِنَّهَا فِيهِ أَيْسَرُ لِأَنَّهُ لَا تَعْظِيمَ فِيهِ وَلَا تَشَبُّهَ مِعْرَاجٌ، وَفِي الْبَحْرِ قَالُوا: وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً مَا يَكُونُ عَلَى الْقِبْلَةِ أَمَامَ الْمُصَلِّي، ثُمَّ مَا يَكُونُ فَوْقَ رَأْسِهِ ثُمَّ مَا يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ عَلَى الْحَائِطِ، ثُمَّ مَا يَكُونُ خَلْفَهُ عَلَى الْحَائِطِ أَوْ السِّتْرِ. اهـ.
قُلْت: وَكَأَنَّ عَدَمَ التَّعْظِيمِ فِي الَّتِي خَلْفَهُ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى حَائِطٍ أَوْ سِتْرٍ أَنَّ فِي اسْتِدْبَارِهَا اسْتِهَانَةً لَهَا، فَيُعَارِضُ مَا فِي تَعْلِيقِهَا مِنْ التَّعْظِيمِ، بِخِلَافِ مَا عَلَى بِسَاطٍ مَفْرُوشٍ وَلَمْ يَسْجُدْ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مُسْتَهَانَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا إمَّا التَّعْظِيمُ أَوْ التَّشَبُّهُ عَلَى خِلَافِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَلَا يُكْرَهُ) قَدَّرَ لَا يُكْرَهُ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي لَا لِطُولِ الْفَصْلِ فَيَكُونُ الْآتِي تَأْكِيدًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) وَكَذَا لَوْ كَانَتْ عَلَى بِسَاطٍ يُوطَأُ أَوْ مُرْفَقَةٍ يُتَّكَأُ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْمُرْفَقَةُ وِسَادَةٌ الِاتِّكَاءِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ (قَوْلُهُ عِبَارَةُ الشُّمُنِّيِّ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا فِي الْعِبَارَةِ الْأُولَى مِنْ الْإِشْكَالِ، وَهُوَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِهِ تَمْنَعُهُ عَنْ سُنَّةِ الْوَضْعِ هُوَ مَكْرُوهٌ بِغَيْرِ الصُّورَةِ فَكَيْفَ بِهَا؟ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنْ لَا يُمْسِكَهَا بَلْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِيَدِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَأَرَادَ بِنَحْوِ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ مَرْسُومَةً فِي يَدِهِ وَفِي الْمِعْرَاجِ لَا تُكْرَهُ إمَامَةُ مَنْ فِي يَدِهِ تَصَاوِيرُ لِأَنَّهَا مَسْتُورَةُ بِالثِّيَابِ لَا تَسْتَبِينُ فَصَارَتْ كَصُورَةِ نَقْشِ خَاتَمٍ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَلَوْ كَانَتْ بِالْوَشْمِ وَيُفِيدُ عَدَمُ نَجَاسَتِهِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي آخِرِ بَابِ الْأَنْجَاسِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ غَيْرِ مُسْتَبِينٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الصَّغِيرِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَمُفَادُهُ) أَيْ مُفَادُ التَّعْلِيلِ بِأَنَّهَا مَسْتُورَةٌ (قَوْلُهُ لَا الْمُسْتَتِرُ بِكِيسٍ أَوْ صُرَّةٍ) بِأَنْ صَلَّى وَمَعَهُ صُرَّةٌ أَوْ كِيسٌ فِيهِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ فِيهَا صُوَرٌ صِغَارٌ فَلَا تُكْرَهُ لِاسْتِتَارِهَا بَحْرٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْشُوفَةً تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَ أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَهَا كَمَا يَأْتِي، لَكِنْ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ جَعْلُ الصُّورَةِ فِي الْبَيْتِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ أَوْ ثَوْبٍ آخَرَ) بِأَنْ كَانَ فَوْقَ الثَّوْبِ الَّذِي فِيهِ صُورَةٌ ثَوْبٌ سَاتِرٌ لَهُ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ لِاسْتِتَارِهَا بِالثَّوْبِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لَا تَتَبَيَّنُ إلَخْ) هَذَا أَضْبَطُ مِمَّا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ حَيْثُ قَالَ بِحَيْثُ لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِ إلَّا بِتَبَصُّرٍ بَلِيغٍ كَمَا فِي الْكَرْمَانِيِّ، أَوْ لَا تَبْدُو لَهُ مِنْ بَعِيدٍ كَمَا فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ فِي الْخِزَانَةِ: إنْ كَانَتْ الصُّورَةُ مِقْدَارَ طَيْرٍ يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَصْغَرَ فَلَا. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ مَقْطُوعَةَ الرَّأْسِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ كَانَ لَهَا رَأْسٌ وَمُحِيَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ بِخَيْطِ خِيطَ عَلَى جَمِيعِ الرَّأْسِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ، أَوْ بَطَلَيْهِ بِمَغْرَةٍ أَوْ بِنَحْتِهِ، أَوْ بِغَسْلِهِ لِأَنَّهَا لَا تُعْبَدُ بِدُونِ الرَّأْسِ عَادَةً وَأَمَّا قَطْعُ الرَّأْسِ عَنْ الْجَسَدِ بِخَيْطٍ مَعَ بَقَاءِ الرَّأْسِ عَلَى حَالِهِ فَلَا يَنْفِي الْكَرَاهَةَ لِأَنَّ مِنْ الطُّيُورِ مَا هُوَ مُطَوَّقٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَطْعُ بِذَلِكَ، وَقَيَّدَ بِالرَّأْسِ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِإِزَالَةِ الْحَاجِبِينَ أَوْ الْعَيْنَيْنِ لِأَنَّهَا تُعْبَدُ بِدُونِهَا وَكَذَا لَا اعْتِبَارَ بِقَطْعِ الْيَدَيْنِ
стр. 644
أَوْ مَمْحُوَّةَ عُضْوٍ لَا تَعِيشُ بِدُونِهِ (أَوْ لِغَيْرِ ذِي رُوحٍ لَا) يُكْرَهُ لِأَنَّهَا لَا تُعْبَدُ وَخَبَرُ جِبْرِيلَ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الْمُهَانَةِ كَمَا بَسَطَهُ ابْنُ الْكَمَالِ: وَاخْتَلَفَ الْمُحَدِّثُونَ فِي امْتِنَاعِ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ بِمَا عَلَى النَّقْدَيْنِ، فَنَفَاهُ عِيَاضٌ، وَأَثْبَتَهُ النَّوَوِيُّ.
(وَ) كُرِهَ تَنْزِيهًا (عَدُّ الْآيِ وَالسُّوَرِ وَالتَّسْبِيحِ بِالْيَدِ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا) وَلَوْ نَفْلًا، أَمَّا خَارِجَهَا فَلَا يُكْرَهُ كَعَدِّهِ بِقَلْبِهِ أَوْ بِغَمْزِهِ أَنَامِلَهُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا جَاءَ مِنْ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ.
ــ
[رد المحتار]
أَوْ الرِّجْلَيْنِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ أَوْ مَمْحُوَّةَ عُضْوٍ إلَخْ) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَهَلْ مِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ مَثْقُوبَةَ الْبَطْنِ مَثَلًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الثَّقْبُ كَبِيرًا يَظْهَرُ بِهِ نَقْصُهَا فَنَعَمْ وَإِلَّا فَلَا؛ كَمَا لَوْ كَانَ الثَّقْبُ لِوَضْعِ عَصَا تُمْسَكُ بِهَا كَمِثْلِ صُوَرِ الْخَيَّالِ الَّتِي يُلْعَبُ بِهَا لِأَنَّهَا تَبْقَى مَعَهُ صُورَةً تَامَّةً تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ لِغَيْرِ ذِي رُوحٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلسَّائِلِ " فَإِنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعْ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلَا فَرْقَ فِي الشَّجَرِ بَيْنَ الْمُثْمِرِ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تُعْبَدُ) أَيْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْصُلُ التَّشَبُّهُ.
فَإِنْ قِيلَ عُبِدَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ وَالشَّجَرَةُ الْخَضْرَاءُ. قُلْنَا عُبِدَ عَيْنُهُ لَا تِمْثَالُهُ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ اسْتِقْبَالُ عَيْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِعْرَاجٌ: أَيْ لِأَنَّهَا عَيْنُ مَا عُبِدَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ صَوَّرَهَا وَاسْتَقْبَلَ صُورَتَهَا (قَوْلُهُ وَخَبَرُ جِبْرِيلَ إلَخْ) هُوَ قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ «إنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا يُقَالُ: إنْ كَانَتْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ فِيمَا مَرَّ كَوْنَ الْمَحَلِّ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ الصَّلَاةُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ لِأَنَّ شَرَّ الْبِقَاعِ بُقْعَةٌ لَا تَدْخُلُهَا الْمَلَائِكَةُ يَنْبَغِي أَنْ تُكْرَهَ وَلَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ مُهَانَةً لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلَا صُورَةٌ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، وَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ التَّشَبُّهَ بِعِبَادَتِهَا فَلَا تُكْرَهُ إلَّا إذَا كَانَتْ أَمَامَهُ أَوْ فَوْقَ رَأْسِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ؛ وَأَمَّا الثَّانِي فَيُفِيدُ أَشَدِّيَّةَ الْكَرَاهَةِ غَيْرَ أَنَّ عُمُومَ النَّصِّ الْمَذْكُورِ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الْمُهَانَةِ، لِمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَالنَّسَائِيُّ «اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اُدْخُلْ فَقَالَ: كَيْفَ أَدْخُلُ وَفِي بَيْتِك سِتْرٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ؟ فَإِنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاقْطَعْ رُءُوسَهَا أَوْ اقْطَعْهَا وَسَائِدَ أَوْ اجْعَلْهَا بُسُطًا» نَعَمْ يَرِدُ عَلَى هَذَا مَا إذَا كَانَتْ عَلَى بِسَاطٍ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ مَعَ أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ وَلَيْسَ فِيهَا تَشَبُّهٌ لِأَنَّ عَبَدَةَ الْأَصْنَامِ لَا يَسْجُدُونَ عَلَيْهَا، بَلْ يَنْصِبُونَهَا وَيَتَوَجَّهُونَ إلَيْهَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ فِيهَا صُورَةُ التَّشَبُّهِ بِعِبَادَتِهَا حَالَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَتَعْظِيمٌ لَهَا إنْ سَجَدَ عَلَيْهَا اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ،
أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْعِلَّةَ إمَّا التَّعْظِيمُ أَوْ التَّشَبُّهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَالتَّعْظِيمُ أَعَمُّ؛ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْ مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَإِنَّهُ لَا تَشَبُّهَ فِيهَا بَلْ فِيهَا تَعْظِيمٌ، وَمَا كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ وَتَشَبُّهٌ فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَلِهَذَا تَفَاوَتَتْ رُتْبَتُهَا كَمَا مَرَّ وَخَبَرُ جِبْرِيلَ ﵇ مَعْلُولٌ بِالتَّعْظِيمِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَغَيْرِهِ، فَعَدَمُ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ كَانَتْ الصُّورَةُ مُعَظَّمَةٌ، وَتَعْلِيلُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ بِالتَّعْظِيمِ أَوْلَى مِنْ التَّعْلِيلِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ لِأَنَّ التَّعْظِيمَ قَدْ يَكُونُ عَارِضًا لِأَنَّ الصُّورَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى بِسَاطٍ مَفْرُوشٍ تَكُونُ مُهَانَةً لَا تَمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ، وَمَعَ هَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى ذَلِكَ الْبِسَاطِ وَسَجَدَ عَلَيْهَا تُكْرَهُ لِأَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ الدُّخُولِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ الْعَارِضِ؛ وَأَمَّا مَا فِي الْفَتْحِ عَنْ شَرْحِ عَتَّابٍ مِنْ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ خَلْفَهُ أَوْ تَحْتَ رِجْلَيْهِ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ، وَلَكِنْ تُكْرَهُ كَرَاهَةَ جَعْلِ الصُّورَةِ فِي الْبَيْتِ لِلْحَدِيثِ، فَظَاهِرُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الدُّخُولِ وَلَوْ مُهَانَةً، وَكَرَاهَةُ جَعْلِهَا فِي بِسَاطٍ مَفْرُوشٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ الْمُخَصِّصِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ فِي امْتِنَاعِ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ) قَيَّدَ بِهِمْ إذْ الْحَفَظَةُ لَا يُفَارِقُونَ الْإِنْسَانَ إلَّا عِنْدَ الْجِمَاعِ وَالْخَلَاءِ كَذَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْحَفَظَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ وَاَلَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ مِنْ الْجِنِّ نَهْرٌ، وَانْظُرْ مَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ فَصْلِ الْقِرَاءَةِ (قَوْلُهُ فَنَفَاهُ عِيَاضٌ) أَيْ وَقَالَ: إنَّ الْأَحَادِيثَ مُخَصَّصَةٌ بَحْرٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ عُلَمَائِنَا، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ مَا لَا يُؤْثَرُ كَرَاهَةً فِي الصَّلَاةِ لَا يُكْرَهُ إبْقَاؤُهُ، وَقَدْ
стр. 645
فَرْعٌ]
لَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ الْمِسْبَحَةِ لِغَيْرِ رِيَاءٍ كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ.
(لَا) يُكْرَهُ (قَتْلُ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبٍ) إنْ خَافَ الْأَذَى، إذْ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ لَنَا، فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْحَيَّةِ الْبَيْضَاءِ لِخَوْفِ الْأَذَى (مُطْلَقًا) وَلَوْ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ عَلَى الْأَظْهَرِ، لَكِنْ صَحَّحَ الْحَلَبِيُّ الْفَسَادَ.
ــ
[رد المحتار]
صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الصُّورَةَ الصَّغِيرَةَ لَا تُكْرَهُ فِي الْبَيْتِ. قَالَ: وَنُقِلَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى خَاتَمِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذُبَابَتَانِ اهـ وَلَوْ كَانَتْ تَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ كُرِهَ إبْقَاؤُهَا فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ يَكُونُ شَرَّ الْبِقَاعِ، وَكَذَا الْمُهَانَةُ كَمَا مَرَّ، وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَارِّ " أَوْ اقْطَعْهَا وَسَائِدَ، أَوْ اجْعَلْهَا بُسُطًا " وَأَمَّا مَا مَرَّ عَنْ شَرَحَ عَتَّابٍ، فَقَدْ عَلِمَتْ مَا فِيهِ. [تَنْبِيهٌ]
هَذَا كُلُّهُ فِي اقْتِنَاءِ الصُّورَةِ، وَأَمَّا فِعْلُ التَّصْوِيرِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مُضَاهَاةٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا مَرَّ، [خَاتِمَةٌ]
قَالَ فِي النَّهْرِ: جَوَّزَ فِي الْخُلَاصَةِ لِمَنْ رَأَى صُورَةً فِي بَيْتِ غَيْرِهِ أَنْ يُزِيلَهَا؛ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ؛ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مُصَوِّرًا فَلَا أَجْرَ لَهُ لِأَنَّ عَمَلَهُ مَعْصِيَةٌ كَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ، وَلَوْ هَدَمَ بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ خَالِيًا عَنْهَا. اهـ. وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مُتَفَرِّقَاتِ الْبُيُوعِ مَتْنًا وَشَرْحًا مَا نَصُّهُ (اشْتَرَى ثَوْرًا أَوْ فَرَسًا مِنْ خَزَفٍ لِأَجْلِ اسْتِئْنَاسِ الصَّبِيِّ لَا يَصِحُّ) وَلَا قِيمَةَ لَهُ (فَلَا يَضْمَنُ مُتْلِفُهُ، وَقِيلَ بِخِلَافِهِ) يَصِحُّ وَيَضْمَنُ قُنْيَةٌ، وَفِي آخِرِ حَظْرِ الْمُجْتَبَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ: يَجُوزُ بَيْعُ اللُّعْبَةِ وَأَنْ يَلْعَبَ بِهَا الصِّبْيَانُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ تَنْزِيهًا) كَذَا عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْحِلْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ النِّهَايَةِ لَا يُبَاحُ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ. وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْمَكْرُوهَ تَنْزِيهًا غَيْرُ مُبَاحٍ: أَيْ غَيْرُ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَاعْتَرَضَهُ الرَّمْلِيُّ بِأَنَّ الْغَالِبَ إطْلَاقُهُمْ غَيْرَ الْمُبَاحِ عَلَى الْمُحَرَّمِ أَوْ الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى مَا ذُكِرَ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الدُّرَرِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، لَكِنْ قَالَ مُحَشِّيَة نُوحٌ أَفَنْدِي: لَمْ أَجِدْ النَّهْيَ عَنْهُ صَرِيحًا فِيمَا عِنْدِي مِنْ الْكُتُبِ اهـ وَلِذَا اقْتَصَرَ غَيْرُهُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ لَذَكَرُوهُ، نَعَمْ ذُكِرَ فِي الْحِلْيَةِ فِيمَا رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَدِّ الْآيِ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَرَخَّصَ فِي السُّبْحَةِ» أَيْ النَّافِلَةِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: إنْ ثَبَتَ هَذَا تَرَجَّحَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي النَّافِلَةِ، وَإِلَّا تَرَجَّحَ الْقَوْلُ بِعَدَمِهَا مُطْلَقًا مُرَادًا بِهَا التَّنْزِيهِيَّةُ اهـ وَحَيْثُ لَا نَهْيَ ثَابِتٌ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ مَا فِي النِّهَايَةِ بِمَا فِي النَّهْرِ، وَلِذَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ بِالْيَدِ) أَيْ بِأَصَابِعِهِ أَوْ بِسُبْحَةٍ يُمْسِكُهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَلَوْ نَفْلًا) بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ الصَّاحِبَيْنِ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْفَرَائِضِ وَلَا كَرَاهَةَ فِي النَّوَافِلِ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ فِي النَّوَافِلِ وَلَا خِلَافَ فِي الْكَرَاهَةِ فِي الْفَرَائِضِ نَهْرٌ. (قَوْلُهُ فَلَا يُكْرَهُ) هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ نَهْرٌ. وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَ النَّوَوِيُّ إسْنَادَهُ عَنْ يُسَيْرَةَ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ» " وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ (قَوْلُهُ كَعَدِّهِ إلَخْ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بِالْيَدِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: أَمَّا الْغَمْزُ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ أَوْ الْحِفْظُ بِالْقَلْبِ فَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ اتِّفَاقًا، وَالْعَدُّ بِاللِّسَانِ مُفْسِد اتِّفَاقًا اهـ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ بِالْقَلْبِ لِإِخْلَالِهِ بِالْخُشُوعِ فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ
[فَرْعٌ لَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ الْمِسْبَحَةِ لِغَيْرِ رِيَاءٍ]
مَطْلَبٌ الْكَلَامُ عَلَى اتِّخَاذِ الْمِسْبَحَةِ
(قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ الْمِسْبَحَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ: آلَةُ التَّسْبِيحِ، وَاَلَّذِي فِي الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ وَالْخَزَائِنِ بِدُونِ مِيمٍ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: السُّبْحَةُ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَةٌ، وَهُوَ يُقْتَضَى كَوْنَهَا عَرَبِيَّةً. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ، وَجَمْعُهَا مِثْلُ
стр. 646
(وَ) لَا يُكْرَهُ (صَلَاةٌ إلَى ظَهْرِ قَاعِدٍ) أَوْ قَائِمٍ وَلَوْ (يَتَحَدَّثُ) إلَّا إذَا خِيفَ الْغَلَطُ بِحَدِيثِهِ
(و) لَا إلَى (مُصْحَفٍ
ــ
[رد المحتار]
غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ. اهـ. وَالْمَشْهُورُ شَرْعًا إطْلَاقُ السُّبْحَةِ بِالضَّمِّ عَلَى النَّافِلَةِ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: لِأَنَّهُ يُسَبَّحُ فِيهَا. وَدَلِيلُ الْجَوَازِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحَ الْإِسْنَادِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: أُخْبِرُك بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْك مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مِثْل ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ» : فَلَمْ يَنْهَهَا عَنْ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا أَرْشَدَهَا إلَى مَا هُوَ أَيْسَرُ وَأَفْضَلُ وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَبَيَّنَ لَهَا ذَلِكَ، وَلَا يَزِيدُ السُّبْحَةُ عَلَى مَضْمُونِ هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا بِضَمِّ النَّوَى فِي خَيْطٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ فِي الْمَنْعِ، فَلَا جَرَمَ أَنْ نُقِلَ اتِّخَاذُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ الْأَخْيَارِ وَغَيْرِهِمْ؛ اللَّهُمَّ إلَّا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ فَلَا كَلَامَ لَنَا فِيهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا يَشْهَدُ لِأَفْضَلِيَّةِ هَذَا الذِّكْرِ الْمَخْصُوصِ عَلَى ذِكْرٍ مُجَرَّدٍ عَنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ وَلَوْ تَكَرَّرَ يَسِيرًا كَذَا فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ
(قَوْلُهُ لَا يُكْرَهُ قَتْلُ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ) لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ» " نَهْرٌ وَأَمَّا قَتْلُ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ فَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ إنْ خَافَ الْأَذَى) أَيْ بِأَنْ مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَافَ الْأَذَى وَإِلَّا فَيُكْرَهُ نِهَايَةٌ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْحِلْيَةِ: وَيُسْتَحَبُّ قَتْلُ الْعَقْرَبِ بِالنَّعْلِ الْيُسْرَى إنْ أَمْكَنَ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد كَذَلِكَ وَيُقَاسَ عَلَيْهِ الْحَيَّةُ (قَوْلُهُ إذْ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لِمَ لَمْ يَكُنْ قَتْلُهُمَا مُسْتَحَبًّا لِلْأَمْرِ بِالْقَتْلِ. ط (قَوْلُهُ فَالْأَوْلَى إلَخْ) أَيْ حَيْثُ كَانَ الْأَمْرُ بِالْقَتْلِ لِمَنْفَعَتِنَا، فَمَا يُخْشَى مِنْهُ الْأَذَى الْأَوْلَى تَرْكُهُ وَهُوَ قَتْلُ الْحَيَّةِ الْبَيْضَاءِ الَّتِي تَمْشِي مُسْتَوِيَةً لِأَنَّهَا جَانٌّ لِقَوْلِهِ ﵊، «اُقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْحَيَّةَ الْبَيْضَاءَ فَإِنَّهَا مِنْ الْجِنِّ» ، كَمَا فِي الْمُحِيطِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْكُلِّ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَهِدَ مَعَ الْجِنِّ أَنْ لَا يَدْخُلُوا بُيُوتَ أُمَّتِهِ، فَإِذَا دَخَلُوا فَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ» وَالْأَوْلَى هُوَ الْإِعْذَارُ وَالْإِنْذَارُ، فَيُقَالُ: ارْجِعْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَإِنْ أَبِي قَتَلَهُ اهـ يَعْنِي الْإِنْذَارَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بَحْرٌ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَوَافَقَ الطَّحَاوِيَّ غَيْرُ وَاحِدٍ آخِرُهُمْ شَيْخُنَا، يَعْنِي ابْنُ الْهُمَامِ فَقَالَ:
وَالْحَقُّ أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى الْإِمْسَاكُ عَمَّا فِيهِ عَلَامَةُ الْجِنِّ لَا لِلْحُرْمَةِ بَلْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُتَوَهَّمِ مِنْ جِهَتِهِمْ. اهـ. وَالطُّفْيَتَانِ: بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ الْخَطَّانِ الْأَسْوَدَانِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ وَالْأَبْتَرِ: الْأَفْعَى، قِيلَ هُوَ جِنْسُ كَأَنَّهُ مَقْطُوعُ الذَّنْبِ، وَقِيلَ صِنْفٌ أَزْرَقُ مَقْطُوعُ الذَّنْبِ إذَا نَظَرَتْ إلَيْهِ الْحَامِلُ أَلْقَتْ. اهـ. (قَوْلُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ) كَذَا قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ، وَقَالَ لِأَنَّهُ عَمَلٌ رُخِّصَ فِيهِ لِلْمُصَلِّي، فَهُوَ كَالْمَشْيِ بَعْدَ الْحَدَثِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لَكِنْ صَحَّحَ الْحَلَبِيُّ الْفَسَادَ) حَيْثُ قَالَ تَبَعًا لِابْنِ الْهُمَامِ: فَالْحَقُّ فِيمَا يَظْهَرُ هُوَ الْفَسَادُ، وَالْأَمْرُ بِالْقَتْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِهِ كَمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، بَلْ الْأَمْرُ فِي مِثْلِهِ لِإِبَاحَةِ مُبَاشَرَتِهِ وَإِنْ كَانَ مُفْسِدًا لِلصَّلَاةِ. اهـ. وَنُقِلَ كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: إنَّ مَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ رَدَّهُ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ رُوَاةِ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَمَبْسُوطُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّ الْكَثِيرَ لَا يُبَاحُ. اهـ.
(قَوْلُهُ إلَى ظَهْرِ قَاعِدٍ إلَخْ) قَيَّدَ بِالظَّهْرِ احْتِرَازًا عَنْ الْوَجْهِ فَإِنَّهَا تُكْرَهُ إلَيْهِ كَمَا مَرَّ، وَفِي قَوْلِهِ يَتَحَدَّثُ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ لَوْ لَمْ يَتَحَدَّثْ بِالْأَوْلَى، وَلِذَا زَادَ الشَّارِحُ " وَلَوْ " وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: أَفَادَ بِهِ نَفْيَ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ بِحَضْرَةِ الْمُتَحَدِّثِينَ، وَكَذَا بِحَضْرَةِ النَّائِمِينَ
стр. 647
أَوْ سَيْفٍ مُطْلَقًا أَوْ شَمَعٍ أَوْ سِرَاجٍ أَوْ نَارٍ تُوقَدُ) ، لِأَنَّ الْمَجُوسَ إنَّمَا تَعْبُدُ الْجَمْرَ لَا النَّارَ الْمُوقَدَةَ قُنْيَةٌ (أَوْ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ إنْ لَمْ يَسْجُدْ عَلَيْهَا) لِمَا مَرَّ
[فُرُوعٌ]
يُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَالِاعْتِجَارُ وَالتَّلَثُّمُ وَالتَّنَخُّمُ وَكُلُّ عَمَلٍ قَلِيلٍ بِلَا عُذْرٍ؛ كَتَعَرُّضٍ لِقَمْلَةٍ قَبْلَ الْأَذَى،
ــ
[رد المحتار]
وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ «لَا تُصَلُّوا خَلَفَ نَائِمٍ وَلَا مُتَحَدِّثٍ» فَضَعِيفٌ. وَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ كُلِّهَا وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ» ، رَوَيَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ نَائِمَةً، وَمَا فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «نُهِيتُ أَنْ أُصَلِّيَ إلَى النِّيَامِ وَالْمُتَحَدَّثِينَ» " فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ لَهُمْ أَصْوَاتٌ يُخَافُ مِنْهَا التَّغْلِيطُ أَوْ الشَّغْلُ، وَفِي النَّائِمِينَ إذَا خَافَ ظُهُورَ شَيْءٍ يُضْحِكُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ مُعَلَّقًا أَوْ غَيْرَ مُعَلَّقٍ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ مُعَلَّقٌ غَيْرُ قَيْدٍ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَجْهُ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ أَنَّ كَرَاهَةَ اسْتِقْبَالِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ بِاعْتِبَارِ التَّشَبُّهِ بِعُبَّادِهَا وَالْمُصْحَفُ وَالسَّيْفُ لَمْ يَعْبُدْهُمَا أَحَدٌ، وَاسْتِقْبَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ لِلْمُصْحَفِ لِلْقِرَاءَةِ مِنْهُ لَا لِلْعِبَادَةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُ لِلْقِرَاءَةِ، وَلِذَا قَيَّدَ بِكَوْنِهِ مُعَلَّقًا وَكَوْنُ السَّيْفِ آلَةُ الْحَرْبِ مُنَاسِبٌ لِحَالِ الِابْتِهَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا حَالُ الْمُحَارَبَةِ مَعَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ، وَعَنْ هَذَا سُمِّيَ الْمِحْرَابُ. اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ شَمَعٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْأَوْجَهِ وَالسُّكُونُ ضَعِيفٌ مَعَ أَنَّهُ الْمُسْتَعْمَلُ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَعَدَمُ الْكَرَاهَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَيَنْبَغِي الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ فِيمَا لَوْ كَانَ عَلَى جَانِبَيْهِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ بَحْرٌ: أَيْ فِي حَقِّ الْإِمَامِ؛ أَمَّا الْمُقَابِلُ لَهَا مِنْ الْقَوْمِ فَتَلْحَقُهُ الْكَرَاهَةُ عَلَى مُقَابِلِ الْمُخْتَارِ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَجُوسَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ ط (قَوْلُهُ قُنْيَةٌ) ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْقُنْيَةِ فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ.
وَنَصُّهُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَمَعٌ أَوْ سِرَاجٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُمَا أَحَدٌ وَالْمَجُوسُ يَعْبُدُونَ الْجَمْرَ لَا النَّارَ الْمُوقَدَةَ، حَتَّى قِيلَ لَا يُكْرَهُ إلَى النَّارِ الْمُوقَدَةِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُوقَدَةِ الَّتِي لَهَا لَهَبٌ، لَكِنْ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: تُكْرَهُ إلَى شَمَعٍ أَوْ سِرَاجٍ كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَانُونٌ فِيهِ جَمْرٌ أَوْ نَارٌ مُوقَدَةٌ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْمُوقَدَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْجَمْرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ كَوْنُهَا مُهَانَةً ح
[فُرُوعٌ اشْتِمَالُ الصَّلَاة عَلَى الصَّمَّاءِ وَالِاعْتِجَارُ وَالتَّلَثُّمُ وَالتَّنَخُّمُ وَكُلُّ عَمَلٍ قَلِيلٍ بِلَا عُذْرٍ]
(قَوْلُهُ يُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ) لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْهَا، وَهِيَ أَنْ يَأْخُذَ بِثَوْبِهِ فَيُخَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ كُلَّهُ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدَمِهِ وَلَا يَرْفَعَ جَانِبًا يُخْرِجُ يَدَهُ مِنْهُ؛ سُمِّيَ بِهِ لِعَدَمِ مَنْفَذٍ يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ وَقِيلَ أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ إزَارٌ، وَهُوَ اشْتِمَالُ الْيَهُودِ زَيْلَعِيٌّ. وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ بِالنَّهْيِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ كَمَا مَرَّ فِي نَظَائِرِهِ (قَوْلُهُ وَالِاعْتِجَارُ) لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ، وَهُوَ شَدُّ الرَّأْسِ، أَوْ تَكْوِيرُ عِمَامَتِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَتَرْكُ وَسَطِهِ مَكْشُوفًا وَقِيلَ أَنْ يَتَنَقَّبَ بِعِمَامَتِهِ فَيُغَطِّيَ أَنْفَهُ إمَّا لِلْحَرِّ أَوْ لِلْبَرْدِ أَوْ لِلتَّكَبُّرِ إمْدَادٌ، وَكَرَاهَتُهُ تَحْرِيمِيَّةٌ أَيْضًا لِمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَالتَّلَثُّمُ) وَهُوَ تَغْطِيَةُ الْأَنْفِ وَالْفَمِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَجُوسِ حَالَ عِبَادَتِهِمْ النِّيرَانَ زَيْلَعِيٌّ. وَنَقَلَ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَالتَّنَخُّمُ) هُوَ إخْرَاجُ النُّخَامَةِ بِالنَّفَسِ الشَّدِيدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَحُكْمُهُ كَالتَّنَحْنُحِ فِي تَفْصِيلِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَيْ فَإِنْ كَانَ بِلَا عُذْرٍ وَخَرَجَ بِهِ حَرْفَانِ أَوْ أَكْثَرُ أَفْسَدَ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالتَّخَتُّمُ، وَالْمُرَادُ بِهِ لَيْسَ الْخَاتَمُ فِي الصَّلَاةِ بِعَمَلٍ قَلِيلٍ (قَوْلُهُ وَكُلُّ عَمَلٍ قَلِيلٍ إلَخْ) تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَثِيرِ (قَوْلُهُ كَتَعَرُّضٍ. لِقَمْلَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْقَمْلِ عِنْدَ الْإِمَامِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْقَتْلُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَعَلَّ الْإِمَامَ إنَّمَا اخْتَارَ الدَّفْنَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَزُّهِ عَنْ إصَابَةِ الدَّمِ يَدَ الْقَاتِلِ أَوْ ثَوْبَهُ وَإِنْ كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ، هَذَا إذَا تَعَرَّضَتْ الْقَمْلَةُ وَنَحْوُهَا بِالْأَذَى وَإِلَّا كُرِهَ الْأَخْذُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ؛ أَمَّا فِيهِ فَلَا بَأْسَ.
стр. 648
وَتَرْكُ كُلِّ سُنَّةٍ وَمُسْتَحَبٍّ، وَحَمْلُ الطِّفْلِ، وَمَا وَرَدَ نُسِخَ بِحَدِيثِ «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» .
ــ
[رد المحتار]
بِالْقَتْلِ بِشَرْطِ تَعَرُّضِهَا لَهُ بِالْأَذَى، وَلَا يَطْرَحُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِطَرِيقِ الدَّفْنِ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَظْفَرُ بِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلُ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا سَبَقَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَدْفِنُهَا فِي الصَّلَاةِ أَيْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَبَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَوْ دَفَنَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَسَاءَ. اهـ. وَفِي الْإِمْدَادِ عَنْ الْيَنْبُوعِ لِلسُّيُوطِيِّ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ طَرْحُ الْقَمْلِ فِي الْمَسْجِدِ، إنْ كَانَ مَيِّتًا حَرُمَ لِنَجَاسَتِهِ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَفِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لَهُ بِالْجُوعِ، بِخِلَافِ الْبُرْغُوثِ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ التُّرَابَ، وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ طَرْحُ الْقَمْلِ حَيًّا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَيْضًا. اهـ. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْقَاءُ قِشْرِ الْقَمْلَةِ فِي الْمَسْجِدِ. اهـ.
قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ الْعِلَّةَ تَقْذِيرُ الْمَسْجِدِ وَإِلَّا فَالْمُصَرَّحُ بِهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ. مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ السُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى
(قَوْلُهُ وَتَرْكُ كُلِّ سُنَّةٍ وَمُسْتَحَبٍّ) السُّنَّةُ قِسْمَانِ: سُنَّةُ هَدْيٍ وَهِيَ الْمُؤَكَّدَةُ وَسُنَّةُ زَوَائِدَ. وَالْمُسْتَحَبُّ غَيْرُهُ وَهُوَ الْمَنْدُوبُ، أَوْ هُمَا قِسْمَانِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُنَّةً وَقَدَّمْنَا تَحْقِيقَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَعَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ: الْحَاصِلُ أَنَّ السُّنَّةَ إنْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً قَوِيَّةً لَا يَبْعُدُ كَوْنُ تَرْكِهَا مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ فَتَرْكُهَا مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا. وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ أَوْ الْمَنْدُوبُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ تَرْكُهُ أَصْلًا، لِقَوْلِهِمْ، يُسْتَحَبُّ يَوْمَ الْأَضْحَى أَنْ لَا يَأْكُلَ أَوَّلًا إلَّا مِنْ أُضْحِيَّتِهِ؛ وَلَوْ أَكَلَ مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يُكْرَهْ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا مَرْجِعُهُ إلَى خِلَافِ الْأَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبِّ خِلَافُ الْأَوْلَى. اهـ.
أَقُولُ: لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ عِنْدَ مَسْأَلَةِ الْأَكْلِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ إذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ اهـ وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ، بِأَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى مَا لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ نَهْيٍ كَتَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى أَعَمُّ، فَكُلُّ مَكْرُوهٍ تَنْزِيهًا خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا عَكْسَ لِأَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى قَدْ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا حَيْثُ لَا دَلِيلَ خَاصَّ كَتَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى. وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ كَوْنَ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ رَاجِعًا إلَى خِلَافِ الْأَوْلَى لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا إلَّا بِنَهْيٍ خَاصٍّ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَحَمْلُ الطِّفْلِ) أَيْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (قَوْلُهُ وَمَا وَرَدَ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ هُوَ أَنَّهُ: كَيْفَ يَكُونُ مَكْرُوهًا وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَاذَا قَامَ حَمَلَهَا» " وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ: مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ حَدِيثَ «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقِصَّةُ أُمَامَةَ بَعْدَهَا وَمِنْهَا مَا فِي الْبَدَائِعِ: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُكْرَهْ مِنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِعَدَمِ مَنْ يَحْفَظُهَا، أَوْ لِلتَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُفْسِدٍ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا فِي زَمَانِنَا لَا يُكْرَهُ لِوَاحِدٍ مِنَّا فِعْلُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَمَّا بِدُونِهَا فَمَكْرُوهٌ. اهـ. وَقَدْ أَطَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي الْحِلْيَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ كَوْنَهُ لِلتَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ، فَفِعْلُهُ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَإِنَّ الْآدَمِيَّ طَاهِرٌ، وَمَا فِي جَوْفِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِكَوْنِهِ
стр. 649
وَيُبَاحُ قَطْعُهَا لِنَحْوِ قَتْلِ حَيَّةٍ، وَنَدِّ دَابَّةٍ، وَفَوْرِ قِدْرٍ، وَضَيَاعِ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ وَقْتٍ أَوْ جَمَاعَةٍ
وَيَجِبُ لِإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ وَغَرِيقٍ وَحَرِيقٍ، لَا لِنِدَاءِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ بِلَا اسْتِغَاثَةٍ
ــ
[رد المحتار]
فِي مَعْدِنِهِ؛ وَأَنَّ ثِيَابَ الْأَطْفَالِ - وَأَجْسَادِهِمْ طَاهِرَةٌ حَتَّى تَتَحَقَّقَ نَجَاسَتُهَا، وَأَنَّ الْأَفْعَالَ إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَوَالِيَةً لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَضْلًا عَنْ الْفِعْلِ الْقَلِيلِ - إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَتَمَامُهُ فِيهِ. [تَتِمَّةٌ]
بَقِيَ فِي الْمَكْرُوهَاتِ أَشْيَاءُ أُخَرُ ذَكَرَهَا فِي الْمُنْيَةِ وَنُورِ الْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِمَا: مِنْهَا الصَّلَاةُ بِحَضْرَةِ مَا يَشْغَلُ الْبَالَ وَيُخِلُّ بِالْخُشُوعِ كَزِينَةٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ، وَلِذَلِكَ كُرِهَتْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ قُبَيْلَ بَابِ الْقُرْآنِ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي جَعْلُ نَحْوِ نَعْلِهِ خَلْفَهُ لِشَغْلِ قَلْبِهِ. وَمِنْهَا مَا فِي الْخَزَائِنِ تَغْطِيَةُ الْأَنْفِ وَالْفَمِ، وَالْهَرْوَلَةُ لِلصَّلَاةِ، وَالِاتِّكَاءُ عَلَى حَائِطٍ أَوْ عَصًا فِي الْفَرْضِ بِلَا عُذْرٍ لَا فِي النَّفْلِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَرَفْعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ، وَمَا رُوِيَ مِنْ الْفَسَادِ شَاذٌّ وَإِتْمَامُ الْقِرَاءَةِ رَاكِعًا وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ؛ وَرَفْعِ الرَّأْسِ وَوَضْعِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَالصَّلَاةُ فِي مَظَانِّ النَّجَاسَةِ كَمَقْبَرَةٍ وَحَمَّامٍ؛ إلَّا إذَا غَسَلَ مَوْضِعًا مِنْهُ وَلَا تِمْثَالَ؛ أَوْ صَلَّى فِي مَوْضِعِ نَزْعِ الثِّيَابِ، أَوْ كَانَ فِي الْمَقْبَرَةِ مَوْضِعٌ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ وَلَا قَبْرَ وَلَا نَجَاسَةَ فَلَا بَأْسَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. اهـ. وَتَقَدَّمَ تَمَامُ هَذَا فِي بَحْثِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي جِهَةِ قَبْرٍ إلَّا إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَاشِعِينَ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ كَمَا فِي جَنَائِزِ الْمُضْمَرَاتِ.
(قَوْلُهُ وَيُبَاحُ قَطْعُهَا) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا كَمَا فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ لِنَحْوِ قَتْلِ حَيَّةٍ) أَيْ بِأَنْ يَقْتُلَهَا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ، بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ تَصْحِيحِ الْفَسَادِ بِهِ (قَوْلُهُ وَنَدِّ دَابَّةٍ) أَيْ هَرَبِهَا، وَكَذَا لِخَوْفِ ذِئْبٍ عَلَى غَنْمٍ نُورُ الْإِيضَاحِ (قَوْلُهُ وَفَوْرِ قِدْرٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ فَوَاتِ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ؛ سَوَاءٌ كَانَ مَا فِي الْقِدْرِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ وَضَيَاعِ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ) قَالَ فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَاتِ: لِأَنَّ مَا دُونَهُ حَقِيرٌ فَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ لِأَجْلِهِ؛ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ فِي الْكَفَالَةِ أَنَّ الْحَبْسَ بِالدَّانَقِ يَجُوزُ، فَقَطْعُ الصَّلَاةِ أَوْلَى، وَهَذَا فِي مَالِ الْغَيْرِ، أَمَّا فِي مَالِهِ لَا يَقْطَعُ. وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ فِيهِمَا اهـ وَتَمَامُهُ فِي الْإِمْدَادِ وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ التَّقْيِيدُ بِالدِّرْهَمِ
(قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ لِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ) كَذَا فِي مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ وَنُورِ الْإِيضَاحِ، لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَزَائِنِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ، مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ أَيْ يَشْغَلُ قَلْبَهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَخُشُوعِهَا فَأَتَمَّهَا يَأْثَمُ لِأَدَائِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ لَا مُسْتَحَبٌّ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَارُّ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ» اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ. لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُسَوِّغًا فَلْيُتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت الشُّرُنْبُلَالِيُّ بَعْدَ مَا صَرَّحَ بِنَدْبِ الْقَطْعِ كَمَا هُنَا قَالَ: وَقَضِيَّةُ الْحَدِيثِ تُوجِبُهُ (قَوْلُهُ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ) عِبَارَتُهُ فِي الْخَزَائِنِ وَلِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَانِعَةٍ لِاسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَمَا هُنَا أَعَمُّ لِشُمُولِهِ لِنَحْوِ مَا إذَا مَسَّتْهُ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَخَفْ إلَخْ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لِلْخُرُوجِ إلَخْ. وَأَمَّا قَطْعُهَا لِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ فَقَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ كَمَا يَقْطَعُهَا لِغَسْلِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ) الظَّاهِرُ مِنْهُ الِافْتِرَاضُ ط (قَوْلُهُ لِإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ) سَوَاءٌ اسْتَغَاثَ بِالْمُصَلِّي أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا فِي اسْتِغَاثَتِهِ إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ خَوْفُ تَرَدِّي أَعْمَى فِي بِئْرٍ مَثَلًا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ سُقُوطُهُ إمْدَادٌ (قَوْلُهُ لَا لِنِدَاءِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِمَا الْأُصُولُ وَإِنْ عَلَوَا، وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ نَفْيٌ لِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ فَيَصْدُقُ مَعَ بَقَاءِ النَّدْبِ وَالْجَوَازِ ط.
قُلْت: لَكِنَّ ظَاهِرَ الْفَتْحِ أَنَّهُ نَفْيٌ لِلْجَوَازِ. وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْإِمْدَادِ بِقَوْلِهِ أَيْ لَا قَطْعِهَا بِنِدَاءِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ مِنْ غَيْرِ
стр. 650
إلَّا فِي النَّفْلِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُصَلِّي لَا بَأْسَ أَنْ لَا يُجِيبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَجَابَهُ
(وَيُكْرَهُ) تَحْرِيمًا (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْفَرْجِ) وَلَوْ (فِي الْخَلَاءِ) بِالْمَدِّ: بَيْتُ التَّغَوُّطِ، وَكَذَا اسْتِدْبَارُهَا (فِي الْأَصَحِّ كَمَا كُرِهَ) لِبَالِغٍ (إمْسَاكُ صَبِيٍّ) لِيَبُولَ (نَحْوَهَا، و) كَمَا كُرِهَ (مَدُّ رِجْلَيْهِ فِي نَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَيْهَا) أَيْ عَمْدًا لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ قَالَهُ مُنْلَا نَاكِيرٌ (أَوْ إلَى مُصْحَفٍ أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ عَنْ
ــ
[رد المحتار]
اسْتِغَاثَةٍ وَطَلَبِ إعَانَةً لِأَنَّ قَطْعَهَا لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: هَذَا فِي الْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَافِلَةٍ إنْ عَلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَنَادَاهُ لَا بَأْسَ أَنْ لَا يُجِيبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ يُجِيبُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا فِي النَّفْلِ) أَيْ فَيُجِيبُهُ وُجُوبًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَغِثْ لِأَنَّهُ لِيمَ عَابِدُ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى تَرْكِهِ الْإِجَابَةَ. وَقَالَ ﷺ مَا مَعْنَاهُ. لَوْ كَانَ فَقِيهًا لَأَجَابَ أُمَّهُ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُصَلِّي. فَإِنْ عَلِمَ لَا تَجِبَ الْإِجَابَةُ. لَكِنَّهَا أَوْلَى كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَا بَأْسَ إلَخْ. فَقَوْلُهُ فَإِنْ عَلِمَ تَفْصِيلُ الْحُكْمِ الْمُسْتَثْنَى ط، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ (لَا بَأْس) هُنَا لِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ عَلَيْهِ بَأْسًا فِي عَدَمِ الْإِجَابَةِ وَكَوْنُهُ عُقُوقًا فَلَا يُفِيدُ أَنَّ الْإِجَابَةَ أَوْلَى. وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي بَابِ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ
مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ إلَخْ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْكَرَاهَةِ فِي الصَّلَاةِ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا خَارِجَهَا مِمَّا هُوَ مِنْ تَوَابِعِهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ تَحْرِيمًا) لِمَا أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ عَنْهُ ﷺ «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» " وَلِهَذَا كَانَ الْأَصَحُّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ كَرَاهَةَ الِاسْتِدْبَارِ كَالِاسْتِقْبَالِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْفَرْجِ) يَعُمُّ قُبُلَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِبْلَةِ جِهَتُهَا كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَارِّ وَأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْفَرْجِ يُفِيدُ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْبَلَهَا بِصَدْرِهِ وَحَوَّلَ ذَكَرَهُ عَنْهَا لَمْ يُكْرَهْ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ الْمَكْرُوهَ الِاسْتِقْبَالُ أَوْ الِاسْتِدْبَارُ لِأَجْلِ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، فَلَوْ لِلِاسْتِنْجَاءِ لَمْ يُكْرَهْ: أَيْ تَحْرِيمًا.
وَفِي النِّهَايَةِ: وَلَوْ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ وَجَلَسَ يَقْضِي حَاجَتَهُ ثُمَّ وَجَدَ نَفْسَهُ كَذَلِكَ فَلَا بَأْسَ، لَكِنْ إنْ أَمْكَنَهُ الِانْحِرَافُ يَنْحَرِفُ فَإِنَّهُ عَدَّ ذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ الرَّحْمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بَأْسَ. اهـ وَكَأَنَّهُ سَقَطَ الْوُجُوبُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ لِسُقُوطِهِ ابْتِدَاءً بِالنِّسْيَانِ وَلِخَشْيَةِ التَّلَوُّثِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا كَرَاهَةُ اسْتِقْبَالِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أَيْ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، وَلِمَا مَعَهُمَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ تَنْزِيهِيَّةٌ مَا لَمْ يَرِدْ نَهْيٌ خَاصٌّ وَأَنَّ الْمُرَادَ اسْتِقْبَالُ عَيْنِهِمَا لَا جِهَتِهِمَا وَلَا ضَوْئِهِمَا وَتَقَدَّمَ تَمَامُ ذَلِكَ كُلِّهِ هُنَاكَ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ كَمَا كُرِهَ لِبَالِغٍ) الظَّاهِرُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ ط (قَوْلُهُ إمْسَاكُ صَبِيٍّ لِيَبُولَ نَحْوَهَا) أَيْ جِهَتَهَا لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْبَالِغِ أَنْ يَفْعَلَ بِالصَّغِيرِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الصَّغِيرِ فِعْلُهُ إذَا بَلَغَ، وَلِذَا يَحْرُمُ عَلَى أَبِيهِ أَنْ يُلْبِسَهُ حَرِيرًا أَوْ حُلِيًّا لَوْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ يَسْقِيَهُ خَمْرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ مَدُّ رِجْلَيْهِ) أَوْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ وَمِثْلُ الْبَالِغِ الصَّبِيُّ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ ط (قَوْلُهُ أَيْ عَمْدًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَمَّا بِالْعُذْرِ أَوْ السَّهْوِ فَلَا ط.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ) أَفَادَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ ط، لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْ الرَّحْمَتِيُّ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ أَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ بِمَدِّ الرِّجْلِ إلَيْهَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ. قَالَ: وَهَذَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ) مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُصْحَفِ وَالْكُتُبِ؛ أَمَّا الْقِبْلَةُ فَهِيَ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ (قَوْلُهُ مُرْتَفِعٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الِارْتِفَاعُ قَلِيلًا ط قُلْت: أَيْ بِمَا تَنْتَفِي بِهِ الْمُحَاذَاةُ عُرْفًا، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، فَإِنَّهُ فِي الْبُعْدِ لَا تَنْتَفِي بِالِارْتِفَاعِ الْقَلِيلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعَ الْبُعْدِ الْكَثِيرِ لَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ غَلْقُ بَابِ الْمَسْجِدِ) الْأَفْصَحُ إغْلَاقُ، لِمَا فِي الْقَامُوسِ:
стр. 651
الْمُحَاذَاةِ) فَلَا يُكْرَهُ قَالَهُ الْكَمَالُ (وَ) كَمَا كُرِهَ (غَلْقُ بَابِ الْمَسْجِدِ) إلَّا لِخَوْفٍ عَلَى مَتَاعِهِ بِهِ يُفْتَى.
(وَ) كُرِهَ تَحْرِيمًا (الْوَطْءُ فَوْقَهُ، وَالْبَوْلُ وَالتَّغَوُّطُ) لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ (وَاِتِّخَاذُهُ طَرِيقًا بِغَيْرِ عُذْرٍ) وَصَرَّحَ فِي الْقُنْيَةِ بِفِسْقِهِ بِاعْتِيَادِهِ (وَإِدْخَالُ نَجَاسَةٍ فِيهِ) وَعَلَيْهِ (فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِدُهْنٍ نَجِسٍ فِيهِ) وَلَا تَطْيِينُهُ بِنَجِسٍ (وَلَا الْبَوْلُ) وَالْفَصْدُ (فِيهِ وَلَوْ فِي إنَاءٍ) وَيَحْرُمُ إدْخَالُ صِبْيَانٍ وَمَجَانِينَ حَيْثُ غَلَبَ تَنْجِيسُهُمْ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ
ــ
[رد المحتار]
غَلَقَ الْبَابَ يَغْلِقُهُ لُغَيَّةٌ رَدِيئَةٌ فِي أَغْلَقَهُ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِنَّمَا كُرِهَ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَنْعَ مَعَ الصَّلَاةِ، قَالَ تَعَالَى - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]- وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ جَهْلُ بَعْضِ مُدَرِّسِي زَمَانِنَا مِنْ مَنْعِهِمْ مَنْ يُدَرِّسُ فِي مَسْجِدٍ تَقَرَّرَ فِي تَدْرِيسِهِ، وَتَمَامُهُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ إلَّا لِخَوْفٍ عَلَى مَتَاعِهِ) هَذَا أَوْلَى مِنْ التَّقْيِيدِ بِزَمَانِنَا لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى خَوْفِ الضَّرَرِ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي زَمَانِنَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ ثَبَتَ كَذَلِكَ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، أَوْ لَا فَلَا، أَوْ فِي بَعْضِهَا فَفِي بَعْضِهَا، كَذَا فِي الْفَتْحِ. وَفِي الْعِنَايَةِ: وَالتَّدَبُّرُ فِي الْغَلْقِ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ، فَإِنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَجَعَلُوهُ مُتَوَلِّيًا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي يَكُونُ مُتَوَلِّيًا انْتَهَى بَحْرٌ وَنَهْرٌ
(قَوْلُهُ الْوَطْءُ فَوْقَهُ) أَيْ الْجِمَاعُ خَزَائِنُ؛ أَمَّا الْوَطْءُ فَوْقَهُ بِالْقَدَمِ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ إلَّا فِي الْكَعْبَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لِقَوْلِهِمْ بِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فَوْقَهَا. ثُمَّ رَأَيْت الْقُهُسْتَانِيُّ نَقَلَ عَنْ الْمُفِيدِ كَرَاهَةَ الصُّعُودِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ اهـ وَيَلْزَمُهُ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ أَيْضًا فَوْقَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ) عِلَّةٌ لِكَرَاهَةِ مَا ذُكِرَ فَوْقَهُ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلِهَذَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ بِمَنْ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَى الْإِمَامِ.
وَلَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِالصُّعُودِ إلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ؛ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَوَقَفَ عَلَى سَطْحِهَا يَحْنَثُ اهـ (قَوْلُهُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَكَذَا إلَى تَحْتِ الثَّرَى كَمَا فِي الْبِيرِيِّ عَنْ الْإِسْبِيجَابِيِّ. بَقِيَ لَوْ جَعَلَ الْوَاقِفُ تَحْتَهُ بَيْتًا لِلْخَلَاءِ هَلْ يَجُوزُ كَمَا فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةِ الشَّحْمِ فِي دِمَشْقَ؟ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا، نَعَمْ سَيَأْتِي مَتْنًا فِي كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ تَحْتَهُ سِرْدَابًا بِالْمُصَالَحَةِ جَازَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَاِتِّخَاذُهُ طَرِيقًا) فِي التَّعْبِيرِ بِالِاتِّخَاذِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَفْسُقُ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَلِذَا عَبَّرَ فِي الْقُنْيَةِ بِالِاعْتِيَادِ نَهْرٌ. وَفِي الْقُنْيَةِ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمَّا تَوَسَّطَهُ نَدِمَ، قِيلَ يَخْرُجُ مِنْ بَابٍ غَيْرِ الَّذِي قَصَدَهُ، وَقِيلَ يُصَلِّي ثُمَّ يَتَخَيَّرُ فِي الْخُرُوجِ، وَقِيلَ إنْ كَانَ مُحْدِثًا يَخْرُجُ مِنْ حَيْثُ دَخَلَ إعْدَامًا لِمَا جَنَى اهـ.
(قَوْلُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ) فَلَوْ بِعُذْرٍ جَازَ، وَيُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مَرَّةً بَحْرٌ عَلَى الْخُلَاصَةِ: أَيْ إذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهُ تَكْفِيه التَّحِيَّةُ مَرَّةً (قَوْله بِفِسْقِهِ) يَخْرُجُ عَنْهُ بِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ ط عَنْ الشُّرُنْبُلَالِيُّ (قَوْلُهُ وَإِدْخَالُ نَجَاسَةٍ فِيهِ) عِبَارَةُ الْأَشْبَاهِ: وَإِدْخَالُ نَجَاسَةٍ فِيهِ يُخَافُ مِنْهَا التَّلْوِيثُ. اهـ. وَمُفَادُهُ الْجَوَازُ لَوْ جَافَّةً، لَكِنْ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ إلَخْ) زَادَ لَفْظُ عَلَيْهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ فَلَا يَجُوزُ لَيْسَ بِمُصَرَّحٍ بِهِ فِي كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ؛ وَإِنَّمَا بَنَاهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ إدْخَالِ النَّجَاسَةِ الْمَسْجِدَ، وَجَعَلَهُ مُقَيِّدًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الدُّهْنَ النَّجِسَ يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَلَا تُطَيِّبْنَهُ بِنَجِسٍ) فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: يُكْرَهُ أَنَّ يُطَيَّنَ الْمَسْجِدُ بِطِينٍ قَدْ بُلَّ بِمَاءٍ نَجِسٍ؛ بِخِلَافِ السِّرْقِينِ إذَا جُعِلَ فِيهِ الطِّينُ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً، وَهُوَ تَحْصِيلُ غَرَضٍ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْفَصْدُ) ذَكَرَهُ فِي الْأَشْبَاهِ بَحْثًا، فَقَالَ: وَأَمَّا الْفَصْدُ فِيهِ فِي إنَاءٍ فَلَمْ أَرَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا فَرْقَ اهـ: أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَوْلِ، وَكَذَا لَا يُخْرِجُ فِيهِ الرِّيحَ مِنْ الدُّبُرِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ.
وَاخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ؛ فَقِيلَ لَا بَأْسَ، وَقِيلَ يُخْرِجُ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ حَمَوِيٌّ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ (قَوْلُهُ وَيَحْرُمُ إلَخْ) لِمَا أَخْرَجَهُ الْمُنْذِرِيُّ " مَرْفُوعًا «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ، وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ، وَاجْعَلُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ» " بَحْرٌ.
стр. 652
وَيَنْبَغِي لِدَاخِلِهِ تَعَاهُدُ نَعْلِهِ وَخُفِّهِ، وَصَلَاتُهُ فِيهِمَا أَفْضَلُ (لَا) يُكْرَهُ مَا ذُكِرَ (فَوْقَ بَيْتٍ) جُعِلَ (فِيهِ مَسْجِدٌ) بَلْ وَلَا فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ شَرْعًا. (وَ) أَمَّا (الْمُتَّخَذُ لِصَلَاةِ جِنَازَةٍ أَوْ عِيدٍ) فَهُوَ (مَسْجِدٌ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ) وَإِنْ انْفَصَلَ الصُّفُوفُ رِفْقًا بِالنَّاسِ (لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ) بِهِ يُفْتَى نِهَايَةٌ (فَحَلَّ دُخُولُهُ لِجُنُبٍ وَحَائِضٍ) كَفِنَاءِ مَسْجِدٍ وَرِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ وَمَسَاجِدَ حِيَاضٍ وَأَسْوَاقٍ لَا قَوَارِعَ.
ــ
[رد المحتار]
وَالْمَطَاهِرُ جَمْعُ مِطْهَرَةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ: وَهُوَ كُلُّ إنَاءٍ يُتَطَهَّرُ بِهِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَالْمُرَادُ بِالْحُرْمَةِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ لِظَنِّيَّةِ الدَّلِيلِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]- الْآيَةُ فَيَحْتَمِلُ الطَّهَارَةَ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ تَأَمَّلْ؛ وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ أَيْ تَنْزِيهًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَصَلَاتُهُ فِيهِمَا) أَيْ فِي النَّعْلِ وَالْخُفِّ الطَّاهِرَيْنِ أَفْضَلُ مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ تَتَارْخَانِيَّةٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ " «صَلُّوا فِي نِعَالِكُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَامِزًا لِصِحَّتِهِ. وَأَخَذَ مِنْهُ جَمْعٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَلَوْ كَانَ يَمْشِي بِهَا فِي الشَّوَارِعِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَحْبَهُ كَانُوا يَمْشُونَ بِهَا فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ يُصَلُّونَ بِهَا
قُلْت: لَكِنْ إذَا خَشِيَ تَلْوِيثَ فُرُشِ الْمَسْجِدِ بِهَا يَنْبَغِي عَدَمُهُ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً. وَأَمَّا الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ فَقَدْ كَانَ مَفْرُوشًا بِالْحَصَى فِي زَمَنِهِ ﷺ بِخِلَافِهِ فِي زَمَانِنَا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَحْمَلُ مَا فِي عُمْدَةِ الْمُفْتِي مِنْ أَنَّ دُخُولَ الْمَسْجِدِ مُتَنَعِّلًا مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَا يُكْرَهُ مَا ذَكَرَ) أَيْ مِنْ الْوَطْءِ وَالْبَوْلِ وَالتَّغَوُّطِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ فَوْقَ بَيْتٍ إلَخْ) أَيْ فَوْقَ مَسْجِدِ الْبَيْتِ: أَيْ مَوْضِعِ أُعِدَّ لِلسُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ، بِأَنْ يُتَّخَذَ لَهُ مِحْرَابٌ وَيُنَظَّفُ وَيُطَيَّبُ كَمَا أَمَرَ بِهِ ﷺ فَهَذَا مَنْدُوبٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، كَمَا فِي الْكَرْمَانِيِّ وَغَيْرِهِ قُهُسْتَانِيٌّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَال عَلَى سَطْحِ بَيْتٍ فِيهِ مُصْحَفٌ وَذَلِكَ لَا يُكْرَهُ كَمَا فِي جَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ مِعْرَاجٌ.
(قَوْلُهُ: بِهِ يُفْتَى. نِهَايَةٌ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ: وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنَّهُ مَسْجِدٌ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ إلَخْ، لَكِنْ قَالَ فِي الْبَحْرِ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوَطْءُ وَالْبَوْلُ وَالتَّخَلِّي فِيهِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَإِنَّ الْبَانِيَ لَمْ يَعُدَّهُ لِذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ وَإِنْ حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَسْجِدٍ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي حَقِّ بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ، وَحَلَّ دُخُولُهُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. اهـ. وَمُقَابِلُ هَذَا الْمُخْتَارِ مَا صَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ فِي مُصَلَّى الْجِنَازَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ أَصْلًا، وَمَا صَحَّحَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مُصَلَّى الْعِيدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسَاجِدِ، وَتَمَامُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ (قَوْلُهُ كَفِنَاءِ مَسْجِدٍ) هُوَ الْمَكَانُ الْمُتَّصِلُ بِهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ طَرِيقٌ، فَهُوَ كَالْمُتَّخَذِ لِصَلَاةِ جِنَازَةٍ أَوْ عِيدٍ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ وَحِلِّ دُخُولٍ لِجُنُبٍ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَرِبَاطٍ) هُوَ مَا يُبْنَى لِسُكْنَى فُقَرَاءِ الصُّوفِيَّةِ، وَيُسَمَّى الْخَانْقَاهْ وَالتَّكِيَّةَ رَحْمَتِيٌّ (قَوْلُهُ وَمَدْرَسَةٍ) مَا يُبْنَى لِسُكْنَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَيُجْعَلُ لَهَا مُدَرِّسُ وَمَكَانٌ لِلدَّرْسِ، لَكِنْ إذَا كَانَ فِيهَا مَسْجِدٌ فَحُكْمُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ. فَفِي وَقْفِ الْقُنْيَةِ: الْمَسَاجِدُ الَّتِي فِي الْمَدَارِسِ مَسَاجِدُ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَإِذَا أُغْلِقَتْ يَكُونُ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهَا. اهـ وَفِي الْخَانِيَّةِ: دَارٌ فِيهَا مَسْجِدٌ لَا يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، إنْ كَانَتْ الدَّارُ لَوْ أُغْلِقَتْ كَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ فِيهَا فَهُوَ مَسْجِدُ جَمَاعَةٍ تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْمَسْجِدِ مِنْ حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَالدُّخُولِ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كَانُوا لَا يَمْعَنُونَ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ اهـ (قَوْلُهُ وَمَسَاجِدِ حِيَاضٍ) مَسْجِدُ الْحَوْضِ مِصْطَبَةٌ يَجْعَلُونَهَا بِجَنْبِ الْحَوْضِ، حَتَّى إذَا تَوَضَّأَ أَحَدٌ مِنْ الْحَوْضِ صَلَّى فِيهَا. اهـ. ح (قَوْلُهُ وَأَسْوَاقٍ) أَيْ غَيْرِ نَافِذَةٍ يَجْعَلُونَ مِصْطَبَةً لِلصَّلَاةِ فِيهَا ح وذَلِكَ كَالَّتِي تُجْعَلُ فِي خَانِ التُّجَّارِ (قَوْلُهُ قَوَارِعَ) أَيْ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ كَالْمَذْكُورَاتِ، قَالَ فِي أَوَاخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالْمَسَاجِدُ الَّتِي عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ لَيْسَ لَهَا جَمَاعَةٌ رَاتِبَةٌ فِي حُكْمِ الْمَسْجِدِ، لَكِنْ لَا يَعْتَكِفُ فِيهَا. اهـ.
стр. 653
(وَلَا بَأْسَ بِنَقْشِهِ خَلَا مِحْرَابَهُ) فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ يُلْهِي الْمُصَلِّي. وَيُكْرَه التَّكَلُّفُ بِدَقَائِقِ النُّقُوشِ وَنَحْوِهَا خُصُوصًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ قَالَهُ الْحَلَبِيُّ. وَفِي حَظْرِ الْمُجْتَبَى: وَقِيلَ يُكْرَهُ فِي الْمِحْرَابِ دُونَ السَّقْفِ وَالْمُؤَخَّرِ انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِحْرَابِ جِدَارُ الْقِبْلَةِ فَلْيُحْفَظْ (بِجِصٍّ وَمَاءِ ذَهَبٍ) لَوْ (بِمَالِهِ) الْحَلَالِ (لَا مِنْ مَالِ الْوَقْفِ) فَإِنَّهُ حَرَامٌ (وَضَمِنَ مُتَوَلِّيه لَوْ فَعَلَ) النَّقْشَ أَوْ الْبَيَاضَ إلَّا إذَا خِيفَ طَمَعُ الظُّلْمَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَافِي، وَإِلَّا إذَا كَانَ لِإِحْكَامِ الْبِنَاءِ أَوْ الْوَاقِفُ فَعَلَ مِثْلَهُ لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ يَعْمُرُ الْوَقْفَ كَمَا كَانَ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ.
[فُرُوعٌ]
أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ مَكَّةُ، ثُمَّ الْمَدِينَةُ، -
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ: كَلِمَةُ (لَا بَأْسَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ غَيْرُهُ لِأَنَّ الْبَأْسَ الشِّدَّةُ
(قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ إلَخْ) فِي هَذَا التَّعْبِيرِ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ، وَيَكْفِيه أَنْ يَنْجُوَ رَأْسًا بِرَأْسٍ. اهـ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ لِأَنَّ لَفْظَ لَا بَأْسَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْبَأْسَ الشِّدَّةُ اهـ وَلِهَذَا قَالَ فِي حَظْرِ الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ: وَالصَّرْفُ إلَى الْفُقَرَاءِ أَفْضَلُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ. وَقِيلَ يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُزَيَّنَ الْمَسَاجِدُ» ، الْحَدِيثُ. وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُلْهِي الْمُصَلِّي) أَيْ فَيُخِلُّ بِخُشُوعِهِ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ فِي مُسْتَحَبَّاتِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْخُشُوعُ فِيهَا، وَيَكُونُ مُنْتَهَى بَصَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ إلَخْ وَكَذَا صَرَّحَ فِي الْأَشْبَاهِ أَنَّ الْخُشُوعَ فِي الصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ. وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا تَنْزِيهِيَّةٌ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ التَّكَلُّفُ إلَخْ) تَخْصِيصٌ لِمَا فِي الْمَتْنِ مِنْ نَفْيِ الْبَأْسِ بِالنَّقْشِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَعِنْدَنَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَحْمَلُ الْكَرَاهَةِ التَّكَلُّفُ بِدَقَائِقِ النُّقُوشِ وَنَحْوِهِ خُصُوصًا فِي الْمِحْرَابِ اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَنَحْوِهَا) كَأَخْشَابٍ ثَمِينَةٍ وَبَيَاضٍ بِنَحْوِ سِبِيدَاجَ اهـ ط (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ إلَخْ) أَيْ ظَاهِرُ التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ يُلْهِي، وَكَذَا إخْرَاجُ السَّقْفِ وَالْمُؤَخَّرِ، فَإِنَّ سَبَبَهُ عَدَمُ الْإِلْهَاءِ، فَيُفِيدُ أَنَّ الْمَكْرُوهَ جِدَارُ الْقِبْلَةِ بِتَمَامِهِ لِأَنَّ عِلَّةَ الْإِلْهَاءِ لَا تَخُصُّ الْإِمَامَ، بَلْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَكَرِهَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا النَّقْشَ عَلَى الْمِحْرَابِ وَحَائِطِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ قَلْبَ الْمُصَلِّي اهـ وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي حَائِطِ الْمَيْمَنَةِ أَوْ الْمَيْسَرَةِ لِأَنَّهُ يُلْهِي الْقَرِيبَ مِنْهُ (قَوْلُهُ لَوْ بِمَالِهِ الْحَلَالِ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: أَمَّا لَوْ أَنْفَقَ فِي ذَلِكَ مَالًا خَبِيثًا وَمَالًا سَبَبُهُ الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ فَيُكْرَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ إلَّا الطَّيِّبَ، فَيُكْرَهُ تَلْوِيثُ بَيْتِهِ بِمَا لَا يَقْبَلُهُ. اهـ. شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا خِيفَ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ أَمْوَالُ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْعِبَارَةِ، وَإِلَّا فَيَضْمَنُهَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ) حَيْثُ قَالَ: وَقَيَّدُوا بِالْمَسْجِدِ إذْ نَقْشُ غَيْرِهِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ إلَّا إذَا كَانَ مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ تَزِيدُ الْأُجْرَةُ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَرَادُوا مِنْ الْمَسْجِدِ دَاخِلَهُ فَيُفِيدُ أَنَّ تَزْيِينَ خَارِجِهِ مَكْرُوهٌ؛ وَأَمَّا مِنْ مَالِ الْوَقْفِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُتَوَلِّي فِعْلَهُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ، خُصُوصًا إذَا قَصَدَ بِهِ حِرْمَانَ أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ كَمَا شَاهَدْنَا فِي زَمَانِنَا
[فُرُوعٌ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ]
مَطْلَبٌ فِي أَفْضَلِ الْمَسَاجِدِ
(قَوْلُهُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ مَكَّةُ) أَيْ مَسْجِدُ مَكَّةَ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ إلَى قَوْلِهِ الْأَقْدَمُ ح. وَفِي تَسْهِيلِ الْمَقَاصِدِ لِلْعَلَّامَةِ أَحْمَدْ بْنِ الْعِمَادِ أَنَّ أَفْضَلَ مَسَاجِدِ الْأَرْضِ الْكَعْبَةُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْمُحِيطُ بِهَا لِأَنَّهُ أَقْدَمُ مَسْجِدٍ بِمَكَّةَ ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» حَمَوِيٌّ مُلَخَّصًا.
стр. 654
ثُمَّ الْقُدْسُ، ثُمَّ قُبَا، ثُمَّ الْأَقْدَمُ، ثُمَّ الْأَعْظَمُ؛ ثُمَّ الْأَقْرَبُ، وَمَسْجِدُ أُسْتَاذِهِ لِدَرْسِهِ أَوْ لِسَمَاعِ الْأَخْبَارِ أَفْضَلُ اتِّفَاقًا؛ وَمَسْجِدُ حَيِّهِ أَفْضَلُ مِنْ الْجَامِعِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَا أُلْحِقَ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ مُلْحَقٌ بِهِ فِي الْفَضِيلَةِ، نَعَمْ تَحَرِّي الْأَوَّلِ أَوْلَى، وَهُوَ مِائَةٌ فِي مِائَةِ ذِرَاعٍ، ذَكَرَهُ مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ لُبَابِ الْمَنَاسِكِ.
وَيَحْرُمُ فِيهِ السُّؤَالُ، وَيُكْرَهُ الْإِعْطَاءُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ إنْ تَخَطَّى
ــ
[رد المحتار]
وَفِي الْبِيرِيِّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي فِيهِ الْمُضَاعَفَةُ الْمَذْكُورَةُ؛ فَقِيلَ بِقَاعُ الْحَرَامِ، وَقِيلَ الْكَعْبَةُ وَمَا فِي الْحِجْرِ مِنْ الْبَيْتِ، وَقِيلَ الْكَعْبَةُ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ؛ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَقَالَ إنَّهُ الظَّاهِرُ. وَقَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ: وَلَا يَخْتَصُّ التَّضْعِيفُ بِالْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ ، بَلْ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا زِيدَ فِيهِ، بَلْ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ مَكَّةَ بَلْ جَمِيعَ حَرَمِهَا الَّذِي يَحْرُمُ صَيْدُهُ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ انْتَهَى مَا أَفَادَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا مُحَمَّدُ بْنُ ظَهِيرَةَ الْقُرَشِيُّ الْحَنَفِيُّ الْمَكِّيُّ اهـ مُلَخَّصًا: [تَنْبِيهٌ]
هَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ خَاصَّةٌ بِالْفَرْضِ لِقَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَإِلَّا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنه وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ عَنْ غَايَةِ السُّرُوجِيِّ، وَتَمَامُهُ فِيهَا (قَوْلُهُ ثُمَّ الْقُدْسُ) لِأَنَّهُ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي لَا تُشَدُّ الرِّحَالِ إلَّا إلَيْهَا وَالْمَنْصُوصُ عَلَى الْمُضَاعَفَةِ فِيهَا (قَوْلُهُ ثُمَّ قُبَا) بِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ مُنْصَرِفٌ وَغَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَالْقَافُ مَضْمُومَةٌ ط لِأَنَّهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَقْدَمُ ثُمَّ الْأَعْظَمُ) كَذَا فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْأَجْنَاسِ. وَاَلَّذِي فِي الْبَحْرِ بَعْدَ الْقُدْسِ: ثُمَّ الْجَوَامِعُ، ثُمَّ مَسَاجِدُ الْمَحَالِّ، ثُمَّ مَسَاجِدُ الشَّوَارِعِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ رُتْبَةً لِأَنَّهُ لَا يُعْتَكَفُ فِيهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إمَامٌ مَعْلُومٌ وَمُؤَذِّنٌ، ثُمَّ مَسَاجِدُ الْبُيُوتِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهَا إلَّا لِلنِّسَاءِ. اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: مَسَاجِدُ الشَّوَارِعِ هِيَ الَّتِي بُنِيَتْ فِي الصَّحَارِي مِمَّا لَيْسَ لَهَا مُؤَذِّنٌ وَإِمَامٌ رَاتِبَانِ كَمَا فِي الْجَلَّابِي. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ بُعْدَ الْقُدْسِ الْجَوَامِعُ: أَيْ الْمَسَاجِدُ الْكَبِيرَةُ الْجَامِعَةُ لِلْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ، لَكِنَّ الْأَقْدَمَ مِنْهَا أَفْضَلُ كَمَسْجِدِ قُبَا، ثُمَّ الْأَعْظَمُ: أَيْ الْأَكْثَرُ جَمَاعَةً فَالْأَعْظَمُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ. وَفِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا مَرَّ عَنْ الْأَجْنَاسِ: ثُمَّ الْأَقْدَمُ أَفْضَلُ لِسَبْقِهِ حُكْمًا، إلَّا إذَا كَانَ الْحَادِثُ أَقْرَبَ إلَى بَيْتِهِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ حِينَئِذٍ لِسَبْقِهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ. وَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ وَمُنْيَةِ الْمُفْتِي وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْأَقْدَمَ أَفْضَلُ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْقِدَمِ فَالْأَقْرَبُ؛ وَلَوْ اسْتَوَيَا فِيهِمَا وَقَوْمُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ، فَإِنْ كَانَ فَقِيهًا يُقْتَدَى بِهِ يَذْهَبُ لِلْأَقَلِّ جَمَاعَةً تَكْثِيرًا لَهَا بِسَبَبِهِ وَإِلَّا تَخَيَّرَ. وَالْأَفْضَلُ اخْتِيَارُ الَّذِي إمَامُهُ أَفْقَهُ وَأَصْلَحُ، وَمَسْجِدُ حَيِّهِ وَإِنْ قَلَّ جَمْعُهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجَامِعِ وَإِنْ كَثُرَ جَمْعُهُ اهـ مُلَخَّصًا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْأَقْدَمِ عَلَى الْأَقْرَبِ خِلَافًا، لَكِنَّ عِبَارَةَ الْخَانِيَّةِ هَكَذَا: وَإِذَا كَانَ فِي مَنْزِلِهِ مَسْجِدَانِ يَذْهَبُ إلَى مَا كَانَ أَقْدَمَ إلَخْ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَفْضَلُ اتِّفَاقًا) أَيْ مِنْ الْأَقْدَمِ وَمَا بَعْدَهُ لِإِحْرَازِهِ فَضِيلَتَيْ الصَّلَاةِ وَالسَّمَاعِ ط (قَوْلُهُ وَمَسْجِدُ حَيِّهِ أَفْضَلُ مِنْ الْجَامِعِ) أَيْ الَّذِي جَمَاعَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَسْجِدِ الْحَيِّ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا فِي الْقُنْيَةِ، وَالثَّانِي الْعَكْسُ؛ وَمَا هُنَا جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ كَمَا مَرَّ، وَكَذَا فِي الْمُصَفَّى وَالْخَانِيَّةِ، بَلْ فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِمَسْجِدِ مَنْزِلِهِ مُؤَذِّنٌ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ فِيهِ وَيُصَلِّي وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا عَلَيْهِ فَيُؤَدِّيه (قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ إلَخْ) قَدَّمْنَا الْكَلَامَ مُسْتَوْفًى عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ بَحْثِ الْقِبْلَةِ فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ إنْ تَخَطَّى) هُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِي الْحَظْرِ حَيْثُ قَالَ: فَرْعٌ يُكْرَهُ إعْطَاءُ سَائِلٍ الْمَسْجِدِ إلَّا إذَا لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ فِي الْمُخْتَارِ لِأَنَّ عَلِيًّا تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ فِي الصَّلَاةِ فَمَدَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ
стр. 655
وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ أَوْ شِعْرٍ إلَّا مَا فِيهِ ذِكْرٌ
وَرَفْعُ صَوْتٍ بِذِكْرٍ إلَّا لِلْمُتَفَقِّهَةِ وَالْوُضُوءُ فِيمَا أُعِدَّ لِذَلِكَ
وَغَرْسُ الْأَشْجَارِ إلَّا لِنَفْعٍ
ــ
[رد المحتار]
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]- ط
(قَوْلُهُ وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ) هِيَ الشَّيْءُ الضَّائِعُ وَإِنْشَادُهَا السُّؤَالُ عَنْهَا. وَفِي الْحَدِيثِ «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ» . مَطْلَبٌ فِي إنْشَادِ الشِّعْرِ
(قَوْلُهُ أَوْ شِعْرٍ إلَخْ) قَالَ فِي الضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ: الْعِشْرُونَ أَيْ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ الشِّعْرُ سُئِلَ عَنْهُ ﷺ فَقَالَ: «كَلَامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ» وَمَعْنَاهُ أَنَّ الشِّعْرَ كَالنَّثْرِ يُحْمَدُ حِينَ يُحْمَدُ وَيُذَمُّ حِينَ يُذَمُّ. وَلَا بَأْسَ بِاسْتِمَاعِ نَشِيدِ الْأَعْرَابِ، وَهُوَ إنْشَادُ الشِّعْرِ مِنْ غَيْرِ لَحْنٍ. وَيَحْرُمُ هَجْوُ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِمَا فِيهِ، قَالَ ﷺ «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْوَعْظِ وَالْحِكَمِ وَذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَةِ الْمُتَّقِينَ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْأَطْلَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأُمَمِ فَمُبَاحٌ، وَمَا كَانَ مِنْ هَجْوٍ وَسُخْفٍ فَحَرَامٌ، وَمَا كَانَ مِنْ وَصْفِ الْخُدُودِ وَالْقُدُودِ وَالشُّعُورِ فَمَكْرُوهٌ كَذَا فَصَّلَهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَمَنْ كَثُرَ إنْشَادُهُ وَإِنْشَاؤُهُ حِينَ تَنْزِلُ بِهِ مُهِمَّاتُهُ وَيَجْعَلُهُ مَكْسَبَةً لَهُ تَنْقُصُ مُرُوءَتُهُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ. اهـ. وَقَدَّمْنَا بَقِيَّةَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ قَبْلَ رَسْمِ الْمُفْتِي،
هَذَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مَجْمَعِ الْآثَارِ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ تُنْشَدَ الْأَشْعَارُ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُبَاعَ فِيهِ السِّلَعُ، وَأَنْ يُتَحَلَّقَ فِيهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ» ، ثُمَّ وَفَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ «أَنَّهُ ﷺ وَضَعَ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا يَنْشُدُ عَلَيْهِ الشِّعْرَ» ، بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهْجُوهُ بِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ، أَوْ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ مَنْ فِيهِ مُتَشَاغِلًا بِهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ الْبَيْعِ فِيهِ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ كَالسُّوقِ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَلِيًّا عَنْ خَصْفِ النَّعْلِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِخَصْفِ النِّعَالِ فِيهِ كَرِهَ فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ، وَالتَّحَلُّقُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ كُرِهَ وَمَا لَا فَلَا. اهـ.
مَطْلَبٌ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ
(قَوْلُهُ وَرَفْعُ صَوْتٍ بِذِكْرٍ إلَخْ) أَقُولُ: اضْطَرَبَ كَلَامُ صَاحِبِ الْبَزَّازِيَّةِ فِي ذَلِكَ؛ فَتَارَةً قَالَ: إنَّهُ حَرَامٌ، وَتَارَةً قَالَ إنَّهُ جَائِزٌ. وَفِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ مِنْ الْكَرَاهِيَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ: جَاءَ فِي الْحَدِيثِ بِهِ اقْتَضَى طَلَبَ الْجَهْرِ بِهِ نَحْوُ " «وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ اقْتَضَتْ طَلَبَ الْإِسْرَارِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ كَمَا جُمِعَ بِذَلِكَ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ حَدِيثُ «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» لِأَنَّهُ حَيْثُ خِيفَ الرِّيَاءُ أَوْ تَأَذِّي الْمُصَلِّينَ أَوْ النِّيَامِ، فَإِنْ خَلَا مِمَّا ذُكِرَ؛ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ الْجَهْرَ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَلِتَعَدِّي فَائِدَتِهِ إلَى السَّامِعِينَ، وَيُوقِظُ قَلْبَ الذَّاكِرِ فَيَجْمَعُ هَمَّهُ إلَى الْفِكْرِ، وَيَصْرِفُ سَمْعَهُ إلَيْهِ، وَيَطْرُدُ النَّوْمَ، وَيَزِيدُ النَّشَاطَ. اهـ. مُلَخَّصًا، وَتَمَامُ الْكَلَامِ هُنَاكَ فَرَاجِعْهُ. وَفِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ عَنْ الْإِمَامِ الشَّعْرَانِيِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى اسْتِحْبَابِ ذِكْرِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا إلَّا أَنْ يُشَوِّشَ جَهْرُهُمْ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ قَارِئٍ إلَخْ (قَوْلُهُ وَالْوُضُوءُ) لِأَنَّ مَاءَهُ مُسْتَقْذَرٌ طَبْعًا فَيَجِبُ تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْهُ، كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ الْمُخَاطِ وَالْبَلْغَمِ بَدَائِعُ (قَوْلُهُ إلَّا فِيمَا أُعِدَّ. لِذَلِكَ) اُنْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ إعْدَادُ ذَلِكَ مِنْ الْوَاقِفِ أَمْ لَا: وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ الْفَتَاوَى الْعَفِيفِيَّةِ: وَلَا يُظَنُّ أَنَّ مَا حَوْلَ بِئْرِ زَمْزَمَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ أَوْ الْغُسْلُ مِنْ
стр. 656
كَتَقْلِيلِ نَزٍّ، وَتَكُونُ لِلْمَسْجِدِ
وَأَكْلٌ، وَنَوْمٌ إلَّا لِمُعْتَكِفٍ وَغَرِيبٍ، وَأَكْلُ نَحْوِ ثُومٍ، وَيُمْنَعُ مِنْهُ؛ وَكَذَا كُلُّ
ــ
[رد المحتار]
الْجَنَابَةِ فِيهِ لِأَنَّ حَرِيمَ زَمْزَمَ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمَسَاجِدِ، فَيُعَامَلُ بِمُعَامَلَتِهَا: مِنْ تَحْرِيمِ الْبُصَاقِ، وَالْمُكْثِ مَعَ الْجَنَابَةِ فِيهِ، وَمِنْ حُصُولِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الْيُمْنَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّاخِلَ مِنْ مَسْجِدٍ لِمَسْجِدٍ يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ. اهـ.
(قَوْلُهُ كَتَقْلِيلِ نَزٍّ) النَّزُّ: بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا وَبِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ، مَا يَتَحَلَّبُ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ الْمَاءِ، يُقَالُ: نَزَّتْ الْأَرْضُ صَارَتْ ذَاتَ نَزٍّ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ. مَطْلَبُ فِي الْغَرْسِ فِي الْمَسْجِدِ
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: غَرْسُ الْأَشْجَارِ فِي الْمَسْجِدِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمَسْجِدِ، بِأَنْ كَانَ الْمَسْجِدُ ذَا نَزٍّ وَالْأُسْطُوَانَاتُ لَا تَسْتَقِرُّ بِدُونِهَا وَبِدُونِ هَذَا لَا يَجُوزُ. اهـ. وَفِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْغَرَائِبِ: إنْ كَانَ لِنَفْعِ النَّاسِ بِظِلِّهِ، وَلَا يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ، وَلَا يُفَرِّقُ الصُّفُوفَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ بِوَرَقِهِ أَوْ ثَمَرِهِ أَوْ يُفَرِّقُ الصُّفُوفَ، أَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ تَقَعُ بِهِ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْبِيعَةِ وَالْمَسْجِدِ يُكْرَهُ. اهـ.
هَذَا، وَقَدْ رَأَيْت رِسَالَةً لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ بِخَطِّهِ مُتَعَلِّقَةً بِغِرَاسِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى رَدَّ فِيهَا عَلَى مَنْ أَفْتَى بِجَوَازِهِ فِيهِ، أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ غَرَسَ شَجَرَةً لِلْمَسْجِدِ فَثَمَرَتُهَا لِلْمَسْجِدِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حِلُّ الْغَرْسِ إلَّا لِلْعُذْرِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ فِيهِ شَغْلَ مَا أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا أَوْ كَانَ فِي الْغَرْسِ نَفْعٌ بِثَمَرَتِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ إيجَارُ قِطْعَةٍ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهُ أَيْضًا، لِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» لِأَنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَهَذَا كَذَلِكَ إلَخْ مَا أَطَالَ بِهِ. وَرَأَيْت فِي آخِرِ الرِّسَالَةِ بِخَطِّ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ الشَّافِعِيُّ
(قَوْلُهُ وَأَكْلٌ وَنَوْمٌ إلَخْ) وَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ، فَيَدْخُلَ وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَدْرِ مَا نَوَى، أَوْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَفْعَلَ مَا شَاءَ فَتَاوَى هِنْدِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَأَكْلُ نَحْوِ ثُومٍ) أَيْ كَبَصَلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِ آكِلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ الْمَسْجِدَ. قَالَ الْإِمَامُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قُلْت: عِلَّةُ النَّهْيِ أَذَى الْمَلَائِكَةِ وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَخْتَصُّ بِمَسْجِدِهِ ﵊، بَلْ الْكُلُّ سَوَاءٌ لِرِوَايَةِ مَسَاجِدِنَا بِالْجَمْعِ، خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ وَيَلْحَقُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ كُلُّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا خَصَّ الثُّومَ هُنَا بِالذِّكْرِ وَفِي غَيْرِهِ أَيْضًا بِالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِمْ لَهَا، وَكَذَلِكَ أَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ مَنْ بِفِيهِ بَخَرٌ أَوْ بِهِ جُرْحٌ لَهُ رَائِحَةٌ، وَكَذَلِكَ الْقَصَّابُ، وَالسَّمَّاكُ، وَالْمَجْذُومُ وَالْأَبْرَصُ أَوْلَى بِالْإِلْحَاقِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا أَرَى الْجُمُعَةَ عَلَيْهِمَا. وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ وَأَلْحَقَ بِالْحَدِيثِ كُلُّ مَنْ آذَى النَّاسَ بِلِسَانِهِ، وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ أَصْلٌ فِي نَفْيِ كُلِّ مَنْ يُتَأَذَّى بِهِ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُعْذَرَ الْمَعْذُورُ بِأَكْلِ مَا لَهُ رِيحٌ كَرِيهَةٌ، لِمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ انْتَهَيْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ مِنِّي رِيحَ الثُّومِ فَقَالَ: مَنْ أَكَلَ الثُّومَ، فَأَخَذْتُ يَدَهُ فَأَدْخَلْتهَا فَوَجَدَ صَدْرِي مَعْصُوبًا، فَقَالَ: إنَّ لَك عُذْرًا» وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ «اشْتَكَيْت صَدْرِي فَأَكَلْته» وَفِيهِ: فَلَمْ يُعَنِّفْهُ ﷺ ، وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَكْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ. وَأَيْضًا هُنَا عِلَّتَانِ: أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَأَذَى الْمَلَائِكَةِ؛ فَبِالنَّظَرِ إلَى الْأُولَى يُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَحُضُورِ الْمَسْجِدِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى الثَّانِيَةِ يُعْذَرُ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ اهـ مُلَخَّصًا.
أَقُولُ: كَوْنُهُ يُعْذَرُ بِذَلِكَ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا أَكَلَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا قُرْبَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ
стр. 657
مُؤْذٍ وَلَوْ بِلِسَانِهِ.
وَكُلُّ عَقْدٍ إلَّا لِمُعْتَكِفٍ بِشَرْطِهِ، وَالْكَلَامُ الْمُبَاحُ؛ وَقَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنْ يَجْلِسَ لِأَجْلِهِ لَكِنْ فِي النَّهْرِ الْإِطْلَاقُ أَوْجُهُ
وَتَخْصِيصُ مَكَان لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إزْعَاجُ غَيْرِهِ مِنْهُ وَلَوْ مُدَرِّسًا، وَإِذَا ضَاقَ فَلِلْمُصَلِّي إزْعَاجُ الْقَاعِدِ وَلَوْ مُشْتَغِلًا بِقِرَاءَةٍ أَوْ دَرْسٍ
بَلْ وَلِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ مَنْعُ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَلَهُمْ نَصْبُ مُتَوَلٍّ.
ــ
[رد المحتار]
لِئَلَّا يَكُونَ مُبَاشِرًا لِمَا يَقْطَعُهُ عَنْ الْجَمَاعَةِ بِصُنْعِهِ
(قَوْلُهُ وَكُلُّ عَقْدٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَقْدُ مُبَادَلَةٍ لِيَخْرُجَ نَحْوُ الْهِبَةِ تَأَمَّلْ، وَصَرَّحَ فِي الْأَشْبَاهِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ (قَوْلُهُ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لِلتِّجَارَةِ، بَلْ يَكُونُ مَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ بِدُونِ إحْضَارِ السِّلْعَةِ (قَوْلُهُ بِأَنْ يَجْلِسَ لِأَجْلِهِ) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُبَاحُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَا بُنِيَ لِأُمُورِ الدُّنْيَا. وَفِي صَلَاةِ الْجَلَّابِي: الْكَلَامُ الْمُبَاحُ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا يَجُوزُ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَشْتَغِلَ بِذَكَرِ اللَّهِ تَعَالَى، كَذَا فِي التُّمُرْتَاشِيِّ هِنْدِيَّةٌ وَقَالَ الْبِيرِيُّ مَا نَصُّهُ: وَفِي الْمَدَارِكِ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الْحَدِيثُ الْمُنْكَرُ كَمَا جَاءَ «الْحَدِيثُ فِي الْمَسْجِدِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ الْبَهِيمَةُ الْحَشِيشَ» ، انْتَهَى. فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْمَنْعَ خَاصٌّ بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ، أَمَّا الْمُبَاحُ فَلَا. قَالَ فِي الْمُصَفَّى: الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَدِيثِ مَأْذُونٌ شَرْعًا لِأَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ كَانُوا يُلَازِمُونَ الْمَسْجِدَ وَكَانُوا يَنَامُونَ، وَيَتَحَدَّثُونَ، وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مَنْعَهُ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ.
أَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَمْرَ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ إذَا وُجِدَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِقَصْدِ الْعِبَادَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ اهـ (قَوْلُهُ الْإِطْلَاقُ أَوْجَهُ) بَحْثٌ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرَجِ ط
(قَوْلُهُ وَتَخْصِيصُ مَكَان لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْخُشُوعِ، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ: أَيْ لِأَنَّهُ إذَا اعْتَادَهُ ثُمَّ صَلَّى فِي غَيْرِهِ يَبْقَى بَالُهُ مَشْغُولًا بِالْأَوَّلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْلَفْ مَكَانًا مُعَيَّنًا (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: لَهُ فِي الْمَسْجِدِ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَقَدْ شَغَلَهُ غَيْرُهُ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَهُ أَنْ يُزْعِجَهُ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا اهـ أَيْ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ بَحْرٌ عَنْ النِّهَايَةِ
قُلْت: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَقُمْ عَنْهُ عَلَى نِيَّةِ الْعَوْدِ بِلَا مُهْلَةٍ، كَمَا لَوْ قَامَ لِلْوُضُوءِ مَثَلًا وَلَا سِيَّمَا إذَا وَضَعَ فِيهِ ثَوْبَهُ لِتَحَقُّقِ سَبْقِ يَدِهِ تَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ فِيمَنْ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَى مُبَاحٍ وَفِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِلسَّرَخْسِيِّ: وَكَذَا كُلُّ مَا يَكُونُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ سَوَاءٌ كَالنُّزُولِ فِي الرِّبَاطَاتِ، وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ، وَالنُّزُولِ بِمِنًى أَوْ عَرَفَاتٍ لِلْحَجِّ، حَتَّى لَوْ ضَرَبَ فُسْطَاطَه فِي مَكَان كَانَ يَنْزِلُ فِيهِ غَيْرُهُ فَهُوَ أَحَقُّ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يُحَوِّلَهُ، فَإِنْ أَخَذَ مَوْضِعًا فَوْقَ مَا يَحْتَاجُهُ فَلِلْغَيْرِ أَخْذُ الزَّائِدِ مِنْهُ، فَلَوْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ رَجُلَانِ فَأَرَادَ إعْطَاءَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَلَهُ ذَلِكَ؛ وَلَوْ نَزَلَ فِيهِ أَحَدُهُمَا فَأَرَادَ الَّذِي أَخَذَهُ أَوَّلًا وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ أَنْ يُنْزِلَ فِيهِ آخَرَ فَلَا لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى يَدِهِ يَدٌ أُخْرَى مُحِقَّةٌ لِاحْتِيَاجِهَا، إلَّا إذَا قَالَ إنَّمَا كُنْت أَخَذْتُهُ لِهَذَا الْآخَرِ بِأَمْرِهِ لَا لِنَفْسِي.
فَإِذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ لَهُ إخْرَاجُهُ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ يَدَهُ فِيهِ كَانَتْ يَدًا آمِرَةً وَحَاجَةُ الْآمِرِ تَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ اهـ مُلَخَّصًا. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: وَمِثْلُ الْمَسْجِدِ مَقَاعِدُ الْأَسْوَاقِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا الْمُحْتَرِفُونَ مَنْ سَبَقَ لَهَا فَهُوَ الْأَحَقُّ بِهَا، وَلَيْسَ لِمُتَّخِذِهَا أَنْ يُزْعِجَهُ إذْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا مَا دَامَ فِيهَا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا اسْتَوَى هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهَا. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ بِخِلَافِهِ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي كُتُبِهِمْ اهـ وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَا تَضُرُّ الْعَامَّةَ وَإِلَّا أُزْعِجَ الْقَاعِدُ فِيهَا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ وَإِذَا ضَاقَ إلَخْ) أَقُولُ: وَكَذَا إذَا لَمْ يَضِقْ، لَكِنَّ فِي قُعُودِهِ قَطْعٌ لِلصَّفِّ
(قَوْلُهُ بَلْ وَلِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: وَكَذَا لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنْ يَمْنَعُوا مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ إذَا ضَاقَ بِهِمْ الْمَسْجِدُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَهُمْ نَصْبُ مُتَوَلٍّ)
стр. 658
وَجَعْلُ الْمَسْجِدَيْنِ وَاحِدًا وَعَكْسُهُ لِصَلَاةٍ لَا لِدَرْسٍ، أَوْ ذُكِرَ فِي الْمَسْجِدِ عِظَةٌ وَقُرْآنٌ، فَاسْتِمَاعُ الْعِظَةِ أَوْلَى؛
وَلَا يَنْبَغِي الْكِتَابَةُ عَلَى جُدْرَانِهِ وَلَا بَأْسَ بِرَمْيِ عُشِّ خُفَّاشٍ وَحَمَامٍ لِتَنْقِيَتِهِ
ــ
[رد المحتار]
أَيْ وَلَوْ بِلَا نَصْبِ قَاضٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ لَا لِدَرْسٍ أَوْ ذِكْرٍ) لِأَنَّهُ مَا بُنَيَّ لِذَلِكَ وَإِنْ جَازَ فِيهِ، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ (قَوْلُهُ فَاسْتِمَاعُ الْعِظَةِ أَوْلَى) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِمَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى فَهْمِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالتَّدَبُّرِ فِي مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ وَالِاتِّعَاظِ بِمَوَاعِظِهَا الْحُكْمِيَّةِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ لَهُ قُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ اسْتِمَاعُهُ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ فَإِنَّهُ يَفْهَمُ مِنْ الْمُعَلِّمِ وَالْوَاعِظِ مَا لَا يَفْهَمُهُ مِنْ الْقَارِئِ فَكَانَ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ
(قَوْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي الْكِتَابَةُ عَلَى جُدْرَانِهِ) أَيْ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَسْقُطَ وَتُوطَأَ بَحْرٌ عَنْ النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ خُفَّاشٍ) كَرُمَّانٍ: الْوَطْوَاطُ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ لِتَنْقِيَتِهِ) جَوَابُ سُؤَالٍ؛ حَاصِلُهُ أَنَّهُ قَالَ ﷺ «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكَانَتِهَا» فَإِزَالَةُ الْعُشِّ مُخَالَفَةٌ لِلْأَمْرِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لِلتَّنْقِيَةِ وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ، فَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ ط.
стр. 659
بَابُ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ كُلُّ سُنَّةٍ نَافِلَةٌ وَلَا عَكْسَ (هُوَ فَرْضٌ عَمَلًا
ــ
[رد المحتار]
[بَابُ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ]
الْوَتْرُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا: ضِدُّ الشَّفْعِ. وَالنَّوَافِلُ جَمْعُ نَافِلَةٍ. وَالنَّفَلُ فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ. وَفِي الشَّرِيعَةِ زِيَادَةُ عِبَادَةٍ شُرِعَتْ لَنَا لَا عَلَيْنَا ط (قَوْلُهُ كُلُّ سُنَّةٍ نَافِلَةٌ) قَدَّمْنَا قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي آخِرِ الْمَكْرُوهَاتِ تَقْسِيمَ السُّنَّةِ إلَى مُؤَكَّدَةٍ وَغَيْرِهَا، وَبَسَطْنَا ذَلِكَ أَيْضًا فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَالْكُلُّ يُسَمَّى نَافِلَةً لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْفَرْضِ لِتَكْمِيلِهِ، وَمُرَادُهُ الِاعْتِذَارُ عَنْ تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِالسُّنَنِ فِي التَّرْجَمَةِ مَعَ أَنَّ الْبَابَ مَعْقُودٌ لِبَيَانِهَا أَيْضًا.
(قَوْلُهُ وَلَا عَكْسَ) أَيْ لُغَوِيًّا لِأَنَّ الْفَقِيهَ بِمَعْزِلٍ عَنْ النَّظَرِ إلَى الْقَوَاعِدِ الْمَنْطِقِيَّةِ، فَالْمُرَادُ: وَلَيْسَ كُلُّ نَافِلَةٍ سُنَّةً، فَإِنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَمْ تُطْلَبْ بِعَيْنِهَا نَافِلَةٌ وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ، بِخِلَافِ مَا طُلِبَتْ بِعَيْنِهَا كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَالضُّحَى مَثَلًا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ هُوَ فَرْضٌ عَمَلًا) أَيْ يُفْتَرَضُ عَمَلُهُ أَيْ فِعْلُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْفَرَائِضِ فِي الْعَمَلِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَيَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ، وَيَجِبُ تَرْتِيبُهُ وَقَضَاؤُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ عَمَلًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْفَاعِلِ.
مَطْلَبٌ فِي الْفَرْضِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ وَالْوَاجِبِ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَرْضَ نَوْعَانِ: فَرْضٌ عَمَلًا وَعِلْمًا، وَفَرْضٌ عَمَلًا فَقَطْ. فَالْأَوَّلُ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَإِنَّهَا فَرْضٌ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا وَيَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهَا؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهَا لَا يَصِحُّ فِعْلُ مَا بَعْدَهَا قَبْلَ قَضَاءِ الْمَتْرُوكَةِ، وَفَرْضٌ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُهَا حَتَّى يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهَا وَالثَّانِي كَالْوِتْرِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ عِلْمًا: أَيْ لَا يُفْتَرَضُ اعْتِقَادُهُ، حَتَّى إنَّهُ لَا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ لِظَنِّيَّةِ دَلِيلِهِ وَشُبْهَةِ
стр. 660
وَوَاجِبٌ اعْتِقَادًا وَسُنَّةٌ ثُبُوتًا) بِهَذَا وَفَّقُوا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَعَلَيْهِ (فَلَا يُكْفَرُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ: أَيْ لَا يُنْسَبُ إلَى الْكُفْرِ (جَاحِدُهُ
ــ
[رد المحتار]
الِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَلِذَا يُسَمَّى وَاجِبًا؛ وَنَظِيرُهُ مَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ أَفَادَ أَصْلَ الْمَسْحِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ قَدْرَ الرُّبُعِ فَإِنَّهُ ظَنِّيٌّ، لَكِنَّهُ قَامَ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ مَا رَجَّحَ دَلِيلَهُ الظَّنِّيَّ حَتَّى صَارَ قَرِيبًا مِنْ الْقَطْعِيِّ فَسَمَّاهُ فَرْضًا أَيْ عَمَلِيًّا، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَمَلُهُ، حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ وَمَسَحَ شَعْرَةً مَثَلًا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِهِ وَلَيْسَ فَرْضًا عِلْمًا، حَتَّى لَوْ أَنْكَرَهُ لَا يَكْفُرُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْمَسْحِ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْوَاجِبَ نَوْعَانِ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى هَذَا الْفَرْضِ الْغَيْرِ الْقَطْعِيِّ يُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ دُونَهُ فِي الْعَمَلِ وَفَوْقَ السُّنَّةِ وَهُوَ مَا لَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَقُنُوتِ الْوِتْرِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ، وَأَكْثَرُ الْوَاجِبَاتِ مِنْ كُلِّ مَا يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ. وَقَدْ يُطْلَقُ الْوَاجِبُ أَيْضًا عَلَى الْفَرْضِ الْقَطْعِيِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّلْوِيحِ فِي بَحْثِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ وَوَاجِبٌ اعْتِقَادًا) أَيْ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ وُجُوبِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ وُجُوبِهِ لَمَا أَمْكَنَ إيجَابُ فِعْلِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِعْلُ مَا لَا يَعْتَقِدُهُ وَاجِبًا، وَلِذَا أَشْكَلَ قَوْلُهُمَا بِسُنِّيَّتِهِ وَوُجُوبِ قَضَائِهِ كَمَا يَأْتِي. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ فِي الْوَاجِبِ إنَّ حُكْمَهُ اللُّزُومُ عَمَلًا لَا عِلْمًا عَلَى الْيَقِينِ؛ فَقَوْلُهُمْ عَلَى الْيَقِينِ يُفِيدُ أَنَّ حُكْمَهُ اللُّزُومُ عَمَلًا وَعِلْمًا عَلَى الظَّنِّ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعْلَمَ ظَنِّيَّتَهُ: أَيْ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَإِلَّا لَغَا قَوْلُهُمْ عَلَى الْيَقِينِ، وَحِينَئِذٍ فَيُشْكِلُ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ: إنَّ اعْتِقَادَ الْوُجُوبِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْحَنَفِيِّ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ بِفَرْضٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَهُ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْفَرْضِ أَيْضًا كَمَا مَرَّ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَسُنَّةٌ ثُبُوتًا) أَيْ ثُبُوتُهُ عُلِمَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ لَا الْقُرْآنِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﷺ «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي، قَالَهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَقَوْلُهُ ﷺ «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ) أَيْ الثَّلَاثِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرْضٌ وَأَنَّهُ وَاجِبٌ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالتَّوْفِيقُ أَوْلَى مِنْ التَّفْرِيقِ، فَرَجَعَ الْكُلُّ إلَى الْوُجُوبِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ آخِرُ أَقْوَالِ الْإِمَامِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مُحِيطٌ وَالْأَصَحُّ خَانِيَّةٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ مَبْسُوطٌ. اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَسُنَّةٌ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا وَدَلِيلًا، لَكِنَّهَا آكَدُ سَائِرِ السُّنَنِ الْمُؤَقَّتَةِ.
(قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّوْفِيقِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَتْ رِوَايَةُ الْفَرْضِ عَلَى ظَاهِرِهَا لَزِمَ إكْفَارُ جَاحِدِهِ؛ وَلَوْ حُمِلَتْ رِوَايَةُ الْوَاجِبِ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَهُوَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِالْوَاجِبِ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ، وَهُوَ مَا لَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ وَلَا يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْفَرْضِ لَزِمَ أَنْ لَا يَفْسُدَ الْفَجْرُ بِتَذَكُّرِهِ وَلَا عَكْسُهُ. وَلَوْ حُمِلَتْ رِوَايَةُ السُّنَّةِ عَلَى ظَاهِرِهَا لَزِمَ أَنْ لَا يَقْضِيَ وَأَنْ يَصِحَّ قَاعِدًا وَرَاكِبًا؛ فَفِي تَفْرِيعِ الْمُصَنِّفِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ فَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ) أَيْ جَاحِدُ أَصْلَ الْوِتْرِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ عَدَمَ الْإِكْفَارِ لَازِمُ السُّنِّيَّةِ وَالْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ح.
قُلْت: وَالْمُرَادُ الْجُحُودُ مَعَ رُسُوخِ الْأَدَبِ، كَأَنْ يَكُونَ لِشُبْهَةِ دَلِيلٍ أَوْ نَوْعِ تَأْوِيلٍ، فَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ السُّنَنَ فَإِنْ رَآهَا حَقًّا أَثِمَ وَإِلَّا كَفَرَ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ تَرَكَ اسْتِخْفَافًا كَمَا عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى التَّجْنِيسِ وَالنَّوَازِلِ وَالْمُحِيطِ، وَلِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ إلَّا إنْ اسْتَخَفَّ وَلَمْ يَرَهُ حَقًّا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مَرَّ فِي السُّنَنِ اهـ وَأَرَادَ بِمَا مَرَّ، هُوَ أَنْ: يَقُولَ هَذَا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا لَا أَفْعَلُهُ.
مَطْلَبٌ فِي مُنْكِرِ الْوِتْرِ وَالسُّنَنِ أَوْ الْإِجْمَاعِ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَيَكْفُرُ بِإِنْكَارِ أَصْلِ الْوِتْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْقُنْيَةِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا جُحُودُ وُجُوبِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَعْلِيلُ الزَّيْلَعِيِّ بِثُبُوتِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّ الثَّابِتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وُجُوبُهُ لَا أَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ،
стр. 661
وَتَذَكُّرُهُ فِي الْفَجْرِ مُفْسِدٌ لَهُ كَعَكْسِهِ) بِشَرْطٍ خِلَافًا لَهُمَا (وَ) لَكِنَّهُ (يُقْضَى) وَلَا يَصِحُّ قَاعِدًا وَلَا رَاكِبًا اتِّفَاقًا.
(وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ) كَالْمَغْرِبِ؛ حَتَّى لَوْ نَسِيَ الْقُعُودَ لَا يَعُودُ وَلَوْ عَادَ يَنْبَغِي الْفَسَادُ كَمَا سَيَجِيءُ (وَ) لَكِنَّهُ (يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) احْتِيَاطًا،
ــ
[رد المحتار]
بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَمَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً.
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ مَشْرُوعِيَّةَ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ أَوْ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ يَكْفُرُ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَسَيَأْتِي فِي سُنَنِ الْفَجْرِ أَنَّهُ يُخْشَى الْكُفْرُ عَلَى مُنْكِرِهَا.
قُلْت: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْإِنْكَارُ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا. وَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّحْرِيرِ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ بِأَنَّ مُنْكِرَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ يَكْفُرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَطَائِفَةٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا، وَصَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَهُوَ مَا يَعْرِفُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ أَنَّهُ مِنْ الدِّينِ كَوُجُوبِ اعْتِقَادِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَخَوَاتِهَا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، وَمَا لَا فَلَا؛ كَفَسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَإِعْطَاءِ السُّدُسِ الْجَدَّةَ وَنَحْوِهِ أَيْ مِمَّا لَا يَعْرِفُ كَوْنَهُ مِنْ الدِّينِ إلَّا الْخَوَاصُّ.
وَلَا شُبْهَةَ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْوِتْرِ وَنَحْوِهِ يَعْلَمُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ أَنَّهَا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِتَكْفِيرِ مُنْكِرِهَا مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَأْوِيلٍ بِخِلَافِ تَرْكِهَا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عَنْ اسْتِخْفَافٍ كَمَا مَرَّ يَكْفُرُ وَإِلَّا بِأَنْ يَكُونَ كَسَلًا أَوْ فِسْقًا بِلَا اسْتِخْفَافٍ فَلَا. هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ مُفْسِدٌ لَهُ) أَيْ لِلْفَجْرِ وَالْفَجْرُ غَيْرُ قَيْدٍ، بَلْ هُوَ مِثَالٌ.
(قَوْلُهُ كَعَكْسِهِ) وَهُوَ تَذَكُّرُ الْفَرْضِ فِيهِ ح (قَوْلُهُ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ عَدَمُ ضِيقِ الْوَقْتِ وَعَدَمُ صَيْرُورَتِهَا سِتًّا، وَأَمَّا عَدَمُ النِّسْيَانِ فَلَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا تَذَكَّرَهُ فِي الْفَجْرِ، أَوْ تَذَكَّرَ الْفَجْرَ فِيهِ رَحْمَتِيٌّ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا) فَلَا يَحْكُمَانِ بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا ط.
(قَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ يَقْضِي) لَا وَجْهَ لِلِاسْتِدْرَاكِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ نَظَرًا إلَى قَوْلِهِ اتِّفَاقًا بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْخِلَافَ فِيمَا قَبْلَهُ: أَيْ إنَّهُ يَقْضِي وُجُوبًا اتِّفَاقًا، أَمَّا عِنْدَهُ فَظَاهِرٌ؛ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا فَلِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرٍ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إذَا ذَكَرَهُ» كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ.
وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ بِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ فَرْعُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ. وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِمَا ذَكَرَ عَنْ الْمُحِيطِ.
قُلْت: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ مِمَّا يُقَوِّي الْإِشْكَالَ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُمَا لَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُمَا دَلِيلُ السُّنِّيَّةِ قَالَا بِهِ، وَلَمَّا ثَبَتَ دَلِيلُ الْقَضَاءِ قَالَا بِهِ أَيْضًا اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ إلَخْ) لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَا تَصِحُّ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا عُذْرٍ. وَعِنْدَهُمَا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً، لَكِنْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى رَاحِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِي اللَّيْلِ، وَإِذَا بَلَغَ الْوِتْرَ نَزَلَ فَيُوتِرُ عَلَى الْأَرْضِ» بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ، وَالْقُعُودُ كَالرُّكُوبِ (قَوْلُهُ اتِّفَاقًا) رَاجِعٌ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ ح وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي خَمْسٍ: فِي تَذَكُّرِهِ فِي الْفَرْضِ، وَعَكْسِهِ، وَفِي قَضَائِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَإِعَادَتِهِ بِفَسَادِ الْعِشَاءِ خَزَائِنُ؛ أَيْ فَإِنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهِ لَا يَلْزَمُ فَسَادُ الْفَرْضِ وَلَا فَسَادُهُ بِالتَّذَكُّرِ، وَلَا يَقْضِي فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَيُعَادُ لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ الْعِشَاءِ دُونَهُ.
(قَوْلُهُ كَالْمَغْرِبِ) أَفَادَ بِهِ أَنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى فِيهِ وَاجِبَةٌ، وَأَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ط.
(قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ نَسِيَ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالْمَغْرِبِ، وَلَوْ كَانَ كَالنَّفْلِ لَعَادَ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَ مَا قَامَ إلَيْهِ بِالسُّجُودِ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ النَّفْلِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ ط.
(قَوْلُهُ لَا يَعُودُ) أَيْ إذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا لِاشْتِغَالِهِ بِفَرْضِ الْقِيَامِ.
(قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ) أَيْ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ، لَكِنَّهُ رَجَّحَ هُنَاكَ عَدَمَ الْفَسَادِ وَنَقَلَ عَنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ الْحَقُّ.
(قَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ كَالْمَغْرِبِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي ثَالِثَتِهِ.
(قَوْلُهُ احْتِيَاطًا) أَيْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَرَدَّدَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَرْضِ؛ فَبِالنَّظَرِ
стр. 662
وَالسُّنَّةُ السُّوَرُ الثَّلَاثُ، وَزِيَادَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ لَمْ يَخْتَرْهَا الْجُمْهُورُ.
(وَيُكَبِّرُ قَبْلَ رُكُوعِ ثَالِثَتِهِ رَافِعًا يَدَيْهِ) كَمَا مَرَّ ثُمَّ يَعْتَمِدُ، وَقِيلَ كَالدَّاعِي.
(وَقَنَتَ فِيهِ) وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ الْمَشْهُورُ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
ــ
[رد المحتار]
إلَى الْأَوَّلِ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِهِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى الثَّانِي لَا فَتَجِبُ احْتِيَاطًا شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ وَالسُّنَّةُ السُّوَرُ الثَّلَاثُ) أَيْ الْأَعْلَى وَالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ، لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ التَّعْيِينَ عَلَى الدَّوَامِ يُفْضِي إلَى اعْتِقَادِ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ لَا يَجُوزُ، فَلَوْ قَرَأَ بِمَا وَرَدَ بِهِ الْآثَارُ أَحْيَانًا بِلَا مُوَاظَبَةٍ يَكُونُ حَسَنًا بَحْرٌ، وَهَلْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَقَطْ أَوْ إذَا رَأَى ذَلِكَ حَتْمًا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ؟ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِيهِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِمَامَةِ.
(قَوْلُهُ وَزِيَادَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ إلَخْ) أَيْ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحِلْيَةِ: وَمَا وَقَعَ فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ زِيَادَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ أَنْكَرَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَلَمْ يَخْتَرْهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُكَبِّرُ) أَيْ وُجُوبًا وَفِيهِ قَوْلَانِ كَمَا مَرَّ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ عَنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْجِيحُ عَدَمِهِ.
(قَوْلُهُ رَافِعًا يَدَيْهِ) أَيْ سُنَّةً إلَى حِذَاءِ أُذُنَيْهِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا كَمَا فِي الْإِمْدَادِ عَنْ مَجْمَعِ الرِّوَايَاتِ لَوْ فِي الْوَقْتِ، أَمَّا فِي الْقَضَاءِ عِنْدَ النَّاسِ فَلَا يَرْفَعُ حَتَّى لَا يَطَّلِعَ أَحَدٌ عَلَى تَقْصِيرِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي فَصْلِ إذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا يُسَنُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ إلَّا فِي سَبْعٍ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ يَعْتَمِدُ) أَيْ يَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ كَمَا فِي حَالَةِ الْقِرَاءَةِ ح.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ كَالدَّاعِي) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْفَعُهُمَا إلَى صَدْرِهِ وَبُطُونُهُمَا إلَى السَّمَاءِ إمْدَادٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُبْقِيهِمَا كَذَلِكَ إلَى تَمَامِ الدُّعَاءِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَقَنَتَ فِيهِ) أَيْ فِي الْوِتْرِ أَوْ الضَّمِيرُ إلَى مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ.
وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي حَقِيقَةِ الْقُنُوتِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ؛ فَنَقَلَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ طُولُ الْقِيَامِ دُونَ الدُّعَاءِ، وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى الْعَكْسُ، وَيَنْبَغِي تَصْحِيحُهُ بَحْرٌ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَوْلُهُمْ دُعَاءُ الْقُنُوتِ إضَافَةُ بَيَانٍ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْدَادِ. ثُمَّ الْقُنُوتُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا كَالْخِلَافِ فِي الْوِتْرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْبَدَائِعِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ مَا فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ عَدَمُ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ عِنْدَنَا، فَإِنَّهُ قَالَ: الْقُنُوتُ عِنْدَنَا وَاجِبٌ. وَعِنْدَ مَالِكٍ مُسْتَحَبٌّ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْأَبْعَاضِ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ سُنَّةٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ الْمَشْهُورُ) قَدَّمْنَا فِي بَحْثِ الْوَاجِبَاتِ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ عَنْ النَّهْرِ. وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْقُنُوتَ لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَدْعِيَةٌ مُخْتَلِفَةٌ وَلِأَنَّ الْمُؤَقَّتَ مِنْ الدُّعَاءِ يَذْهَبُ بِرِقَّةِ الْقَلْبِ. وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ مَا سِوَى: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَفْضَلُ التَّوْقِيتُ وَرَجَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ تَبَرُّكًا بِالْمَأْثُورِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ مُتَّحِدَانِ، وَحَاصِلُهُمَا تَقْيِيدُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بِغَيْرِ الْمَأْثُورِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ. وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ: يَعْنِي مِنْ غَيْرِ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَخْ وَاَللَّهُمَّ اهْدِنَا إلَخْ اهـ فَلَفْظُ يَعْنِي بَيَانٌ لِمُرَادِ مُحَمَّدٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ خَارِجًا عَنْهَا، وَلِذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَدَمَ التَّوْقِيتِ فِيمَا عَدَا الْمَأْثُورَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ إذَا لَمْ يُؤَقَّتْ ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَخْ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُضَمَّ إلَيْهِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي إلَخْ وَأَنَّ مَا عَدَا هَذَيْنِ فَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ، وَمِنْهُ مَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ عَذَابَكَ الْجِدُّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّك وَعَدُوِّهِمْ. اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَك وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَك. اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ بَأْسَك الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ " وَمِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك، مِنْ عُقُوبَتِك، وَأَعُوذُ
стр. 663
بِهِ يُفْتَى وَصَحَّ الْجِدُّ بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى الْحَقِّ، مُلْحَقَةٌ بِمَعْنَى لَاحِقٍ، وَنَحْفِدُ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ بِمَعْنَى نُسْرِعُ، فَإِنْ قَرَأَ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ فَسَدَتْ خَانِيَّةٌ كَأَنَّهُ كَلِمَةٌ مُهْمَلَةٌ (مُخَافِتًا عَلَى الْأَصَحِّ مُطْلَقًا) وَلَوْ إمَامًا، لِحَدِيثِ «خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ» .
(وَصَحَّ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ) فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ مَا يُفْسِدُهَا فِي الْأَصَحِّ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْبَحْرِ
ــ
[رد المحتار]
بِك مِنْك، لَا أَحْصَى ثَنَاءً عَلَيْك، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ. وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقُنُوتَ يَقُولُ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] الْآيَةَ. وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا، وَقِيلَ يَقُولُ: يَا رَبِّ ثَلَاثًا، ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ. اهـ.
أَقُولُ: هَذَا يُفِيدُ أَنَّ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ قَوْلِهِ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ مِقْدَارَ الْقِيَامِ فِي الْقُنُوتِ مِقْدَارُ سُورَةِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وَكَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ اهـ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ، أَوْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُنُوتَ الْوَاجِبَ هُوَ طُولُ الْقِيَامِ لَا الدُّعَاءُ تَأَمَّلْ.
هَذَا، وَذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك» إلَخْ. جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ النَّسَائِيّ «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَتَبَوَّأَ مَضْجَعَهُ» .
(قَوْلُهُ وَصَحَّ الْجِدُّ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ وَالْجِدُّ فِي «إنَّ عَذَابَك الْجِدُّ» ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ. وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد، وَبِهِ انْدَفَعَ قَوْلُ الشُّمُنِّيِّ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ إنَّهُ لَا يَقُولُهُ.
(قَوْلُهُ وَمُلْحِقٌ بِمَعْنَى لَاحِقٍ) مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرٌ وَهُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَنَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ، وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ. وَنَصَّ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ صَوَابٌ، كَذَا فِي الْحِلْيَةِ. قُلْت: بَلْ فِي الْقَامُوسِ الْفَتْحُ أَحْسَنُ، أَوْ الصَّوَابُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ بِمَعْنَى لَاحِقٍ) أَيْ إنَّهُ مِنْ أَلْحَقَ الْمَزِيدِ بِمَعْنَى لَحِقَ الْمُجَرَّدِ. وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة أَنَّ الْمُطَرِّزِيَّ صَحَّحَ أَنَّ الْمُرَادَ مُلْحِقُ الْفُسَّاقِ بِالْكُفَّارِ الْأَوَّلُ أَوْلَى احْتِرَازًا عَنْ الْإِضْمَارِ، وَتَمَامُهُ فِيهَا.
قُلْت: وَلَعَلَّ مَا صَحَّحَهُ الْمُطَرِّزِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ تِلْمِيذُ الزَّمَخْشَرِيّ وَشَيْخُ صَاحِبِ الْقُنْيَةِ بَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ الْفَاسِدِ مَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ، مِنْ أَنَّ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ كَالْكُفَّارِ (قَوْلُهُ كَأَنَّهُ لِأَنَّهُ كَلِمَةٌ مُهْمَلَةٌ) كَذَا فِي الْبَحْرِ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي «صِفَةِ الْبُرَاقِ لَهُ جَنَاحَانِ يَحْفِذُ بِهِمَا» أَيْ يَسْتَعِينُ عَلَى السَّيْرِ ط (قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَمُقَابِلُهُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ وَاسْتَحْسَنُوا الْجَهْرَ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ لِلْإِمَامِ لِيَتَعَلَّمُوا، وَفَصَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَهُ الْقَوْمُ فَالْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ الْإِخْفَاءُ وَإِلَّا فَالْجَهْرُ. اهـ.
قُلْت: هَذَا التَّفْصِيلُ لَا يَخْرُجُ عَمَّا قَبْلَهُ. وَفِي الْمُنْيَةِ مَنْ اخْتَارَ الْجَهْرَ اخْتَارَهُ دُونَ الْقِرَاءَةِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ إمَامًا) قَالَ فِي الْخَزَائِنِ إمَامًا كَانَ أَوْ مُؤْتَمًّا أَوْ مُنْفَرِدًا، أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ لِحَدِيثِ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ الْمُخَافَتَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً ط
(قَوْلُهُ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى) وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ النِّيَّةَ مُتَّحِدَةٌ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، بِخِلَافِ الْوِتْرِ، فَهِيَ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ ط أَيْ لِأَنَّ إمَامَهُ يَنْوِيهِ سُنَّةً.
(قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَخْ) فَلَوْ رَآهُ احْتَجَمَ ثُمَّ غَابَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ احْتِيَاطًا وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ أَوْلَى بَحْرٌ عَنْ الزَّاهِدِيِّ.
(قَوْلُهُ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْبَحْرِ) حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْحَاصِلَ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ الِاحْتِيَاطَ مِنْهُ فِي مَذْهَبِنَا فَلَا كَرَاهَةَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَهُ فَلَا صِحَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا كُرِهَ.
مَطْلَبٌ الِاقْتِدَاءُ بِالشَّافِعِيِّ
ثُمَّ قَالَ: ظَاهِرُ الْهِدَايَةِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِاعْتِقَادِ الْمُقْتَدِي وَلَا اعْتِبَارَ لِاعْتِقَادِ الْإِمَامِ؛ حَتَّى لَوْ اقْتَدَى بِشَافِعِيٍّ رَآهُ مَسَّ امْرَأَةً وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَالْأَكْثَرُ عَلَى الْجَوَازِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ: لَا يَجُوزُ وَرَجَّحَهُ
стр. 664
(بِشَافِعِيٍّ) مَثَلًا (لَمْ يَفْصِلْهُ بِسَلَامٍ) لَا إنْ فَصَلَهُ (عَلَى الْأَصَحِّ) فِيهِمَا لِلِاتِّحَادِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الِاعْتِقَادُ (وَ) لِذَا (يَنُوبُ الْوِتْرُ لَا الْوِتْرُ الْوَاجِبُ كَمَا فِي الْعِيدَيْنِ) لِلِاخْتِلَافِ (وَيَأْتِي الْمَأْمُومُ بِقُنُوتِ الْوِتْرِ) وَلَوْ بِشَافِعِيٍّ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ
ــ
[رد المحتار]
فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ أَقْيَسُ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ بِمُصَلٍّ فِي زَعْمِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي رَأْيُ نَفْسِهِ لَا غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي حَمْلُ حَالِ الْإِمَامِ عَلَى التَّقْلِيدِ لِئَلَّا تَلْزَمَ الْحُرْمَةُ بِصَلَاتِهِ بِلَا طَهَارَةٍ فِي زَعْمِهِ إنْ قَصَدَ ذَلِكَ. اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَعَلَى قَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَطْ. اهـ. وَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ وَإِنْ تَرَكَ بَعْضَ الشُّرُوطِ عِنْدَنَا، لَكِنْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي أَنَّ اعْتِبَارَ رَأْيِ الْمُقْتَدِي فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الْمَارُّ فِي اعْتِبَارِ رَأْيِ الْإِمَامِ أَيْضًا؛ فَالْحَنَفِيُّ إذَا رَأَى فِي ثَوْبِ إمَامٍ شَافِعِيٍّ مَنِيًّا لَا يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ رَأَى نَجَاسَةً قَلِيلَةً جَازَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا عِنْدَ الْبَعْضِ لِأَنَّهَا مَانِعَةٌ عَلَى رَأْي الْإِمَامِ، وَالْمُعْتَبَرُ رَأْيُهُمَا اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ يَظْهَرُ قَرِيبًا. هَذَا وَقَدْ بَسَطْنَا بَقِيَّةَ أَبْحَاثِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالِفِ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ.
(قَوْلُهُ بِشَافِعِيٍّ مَثَلًا) دَخَلَ فِيهِ مَنْ يَعْتَقِدُ قَوْلَ الصَّاحِبَيْنِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ يَقُولُ بِسُنِّيَّتِهِ.
(قَوْلُ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا) أَيْ فِي جَوَازِ أَصْلِ الِاقْتِدَاءِ فِيهِ بِشَافِعِيٍّ وَفِي اشْتِرَاطِ عَدَمِ فَصْلِهِ، خِلَافًا لِمَا فِي الْإِرْشَادِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَخِلَافًا لِمَا قَالَهُ الرَّازِيّ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ وَإِنْ فَصَلَهُ وَيُصَلِّي مَعَهُ بَقِيَّةَ الْوِتْرِ لِأَنَّ إمَامَهُ لَمْ يَخْرُجُ بِسَلَامِهِ عِنْدَهُ وَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ قَدْ رَعَفَ.
قُلْت: وَمَعْنَى كَوْنِهِ لَمْ يَخْرُجْ بِسَلَامِهِ أَنَّ سَلَامَهُ لَمْ يُفْسِدْ وِتْرَهُ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ يُحْسَبُ مِنْ الْوِتْرِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى قَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ كَمَا لَوْ اقْتَدَى إلَخْ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ رَأْيُ الْإِمَامِ فَقَطْ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ نُوحٍ أَفَنْدِي.
(قَوْلُهُ لِلِاتِّحَادِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ. وَرَدٌّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْإِرْشَادِ بِمَا نَقَلَهُ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى عَنْ ابْنِ الْفَضْلِ أَنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لِأَنَّ كُلًّا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْوِتْرِ، فَأُهْدِرَ اخْتِلَافُ الِاعْتِقَادِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَاعْتُبِرَ مُجَرَّدُ اتِّحَادِ النِّيَّةِ. اهـ.
وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَإِنْ لَمْ يَخْطِرْ بِخَاطِرِهِ عِنْدَ النِّيَّةِ صِفَةُ السُّنِّيَّةِ أَوْ غَيْرُهَا، بَلْ مُجَرَّدُ الْوِتْرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ التَّجْنِيسِ لِتَقَرُّرِ النَّفْلِيَّةِ فِي اعْتِقَادِهِ. وَرَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّجْنِيسِ أَيْضًا مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إنْ نَوَى الْوِتْرَ وَهُوَ يَرَاهُ سُنَّةً جَازَ الِاقْتِدَاءُ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يَرَى أَنَّ الرُّكُوعَ سُنَّةٌ، وَإِنْ نَوَاهُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ اقْتِدَاءَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ اهـ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ تَعْلِيلَ اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْفَصْلِ بِسَلَامٍ اكْتِفَاءً بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَبْلَهُ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ اعْتِبَارُ اعْتِقَادِ الْمُقْتَدِي، وَالسَّلَامُ قَاطِعٌ فِي اعْتِقَادِهِ فَيَفْسُدُ اقْتِدَاؤُهُ وَإِنْ صَحَّ شُرُوعُهُ مَعَهُ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا أَفَادَهُ ح.
(قَوْلُهُ وَلِذَا يَنْوِي) أَيْ لِأَجْلِ الِاخْتِلَافِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الِاعْتِقَادُ ط.
(قَوْلُهُ لَا الْوِتْرُ الْوَاجِبُ) الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَا يَنْوِي أَنَّهُ وَاجِبٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَعْيِينُ الْوُجُوبِ لَا مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَنَفِيًّا يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَهُ لِيُطَابِقَ اعْتِقَادَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَلَا تَضُرُّهُ تِلْكَ النِّيَّةُ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ لِلِاخْتِلَافِ) أَيْ فِي الْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ، وَهُوَ عِلَّةٌ لِلْعِيدَيْنِ فَقَطْ، وَعِلَّةُ الْوِتْرِ قَدَّمَهَا بِقَوْلِهِ وَلِذَا لَوْ حَذَفَ هَذَا مَا ضَرَّ لِفَهْمِهِ مِنْ الْكَافِ ط.
(قَوْلُهُ وَيَأْتِي الْمَأْمُومُ إلَخْ) هَذَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ الْآتِيَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْمُؤْتَمُّ إنْ فَعَلَهَا الْإِمَامُ، وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْكَنْزِ هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ. وَعِبَارَةُ الْمُحِيطِ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ الْمُقْتَدِي أَيْضًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، لِأَنَّهُ دُعَاءٌ كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَقْرَأُ بَلْ يُؤَمِّنُ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْقُرْآنِ احْتِيَاطًا اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ سُنَّةٌ لِلْمُقْتَدِي لَا وَاجِبٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الْقُنُوتَ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا.
(قَوْلُهُ وَلَوْ بِشَافِعِيٍّ إلَخْ) أَيْ وَيَقْنُتُ بِدُعَاءِ الِاسْتِعَانَةِ لَا دُعَاءِ الْهِدَايَةِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ إمَامُهُ
стр. 665
لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ (لَا الْفَجْرِ) لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ (بَلْ يَقِفُ سَاكِتًا عَلَى الْأَظْهَرِ) مُرْسِلًا يَدَيْهِ.
(وَلَوْ نَسِيَهُ) أَيْ الْقُنُوتَ (ثُمَّ تَذَكَّرَهُ فِي الرُّكُوعِ لَا يَقْنُتُ) فِيهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَلَا يَعُودُ إلَى الْقِيَامِ) فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ فِيهِ رَفْضَ الْفَرْضِ لِلْوَاجِبِ (فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ وَقَنَتَ وَلَمْ يُعِدْ الرُّكُوعَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ) لِكَوْنِ رُكُوعِهِ بَعْدَ قِرَاءَةٍ تَامَّةٍ
ــ
[رد المحتار]
لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ فِي مُطْلَقِ الْقُنُوتِ لَا فِي خُصُوصِ الدُّعَاءِ كَمَا حَرَّرَهُ الشَّيْخُ أَبُو السُّعُودِ عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الْحَيِّ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ) قَدَّمْنَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ فِي آخِرِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ وَمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، يَعْنِي فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ لَا فِي الْمَقْطُوعِ بِنَسْخِهِ أَوْ بِعَدَمِ سُنِّيَّتِهِ كَقُنُوتِ فَجْرٍ. اهـ. وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَقُنُوتِ الْوِتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ الْمُتَابَعَةُ فِي الْقِيَامِ فِيهِ لَا فِي الدُّعَاءِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ سُنَّةٌ لِلْمُقْتَدِي لَا وَاجِبٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ) فَصَارَ كَمَا لَوْ كَبَّرَ خَمْسًا فِي الْجِنَازَةِ حَيْثُ لَا يُتَابِعُهُ فِي الْخَامِسَةِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ بَلْ يَقِفُ) وَقِيلَ يَقْعُدُ، وَقِيلَ يُطِيلُ الرُّكُوعَ، وَقِيلَ يَسْجُدُ إلَى أَنْ يُدْرِكَهُ فِيهِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ مُرْسِلًا يَدَيْهِ) لِأَنَّ الْوَضْعَ سُنَّةٌ قِيَامٌ طَوِيلٌ فِيهِ مَسْنُونٌ، وَهَذَا الذِّكْرُ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ عِنْدَنَا. [تَنْبِيهٌ]
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: دَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّافِعِيَّةِ، وَإِذَا عَلِمَ الْمُقْتَدَى مِنْهُ مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ كَالْفَصْدِ وَغَيْرِهِ لَا يُجْزِيهِ انْتَهَى. وَوَجْهُ دَلَالَتِهَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ لَمْ يَصِحَّ اخْتِلَافُ عُلَمَائِنَا فِي أَنَّهُ يَسْكُتُ أَوْ يُتَابِعُهُ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا فِي مَحْضِ الْقِيَامِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى مَا هُوَ قِيَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَهُوَ الرُّكُوعُ. وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ الْعِيدِ فَإِنَّهُ إذَا تَذَكَّرَهَا فِيهِ يَأْتِي بِهَا فِيهِ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْتَصَّ بِمَحْضِ الْقِيَامِ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ يُؤْتَى بِهَا فِي حَالِ الِانْحِطَاطِ، وَهِيَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا جَازَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي غَيْرِ مَحْضِ الْقِيَامِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ أَدَاءُ الْبَاقِي مَعَ قِيَامِ الْعُذْرِ بِالْأَوْلَى بَحْرٌ.
أَقُولُ: وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحِلْيَةِ، وَأَصْلُهُ فِي الْبَدَائِعِ، لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي بِتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ فِي الرُّكُوعِ وَإِنْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ نَفْسُهُ فِي فَصْلِ الْعِيدِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ تَذَكَّرَ فِي رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ فَإِنَّهُ يَعُودُ وَيُكَبِّرُ وَيُنْتَقَضُ رُكُوعُهُ وَلَا يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ، بِخِلَافِ الْمُقْتَدِي لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَخَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ فَإِنَّهُ يَرْكَعُ وَيُكَبِّرُ فِيهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ مَحَلَّ التَّكْبِيرَاتِ فِي الْأَصْلِ الْقِيَامُ الْمَحْضُ، وَلَكِنْ أَلْحَقْنَا الرُّكُوعَ بِالْقِيَامِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي لِضَرُورَةِ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ اهـ فَانْظُرْ إلَى مَا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مِنْ التَّدَافُعِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ ثَانِيًا مَشَى فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ حَيْثُ يَرْفُضُ الرُّكُوعَ لِأَجْلِهِ وَبَيْنَ الْقُنُوتِ بِكَوْنِ تَكْبِيرِ الْعِيدِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ دُونَ الْقُنُوتِ.
وَأَقُولُ: قَدْ صَرَّحَ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ بَابِ صَلَاةِ الْعِيدِ، بِأَنَّ مَا فِي الْبَدَائِعِ ثَانِيًا رِوَايَةُ النَّوَادِرِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ وَيَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا هُنَاكَ؛ وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ أَصْلًا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُنُوتِ فَافْهَمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَعُودُ إلَى الْقِيَامِ) إنْ قُلْت: هُوَ وَإِنْ لَمْ يَقْنُتْ فَقَدْ حَصَلَ الْقِيَامُ بِرَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ. قُلْنَا هَذِهِ قَوْمَةٌ لَا قِيَامٌ فَيَكُونُ عَدَمُ الْعَوْدِ إلَى الْقِيَامِ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَازِمُ الْقُنُوتِ مَلْزُومٌ، فَأَطْلَقَ اللَّازِمَ لِيَنْتَقِلَ مِنْهُ إلَى الْمَلْزُومِ ح (قَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ رَفْضَ الْفَرْضِ لِلْوَاجِبِ) يَعْنِي وَهُوَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ عَلَى قَوْلٍ، وَمُوجِبٌ لِلْإِسَاءَةِ عَلَى قَوْلٍ آخَرَ. وَالْحَقُّ الثَّانِي كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ ح.
(قَوْلُهُ لِكَوْنِ رُكُوعِهِ بَعْدَ قِرَاءَةٍ تَامَّةٍ) أَيْ فَلَمْ يُنْتَقَضْ رُكُوعُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَذَكَّرَ الْفَاتِحَةَ أَوْ السُّورَةَ حَيْثُ يَعُودُ وَيُنْتَقَضُ رُكُوعُهُ لِأَنَّ بِعَوْدِهِ صَارَتْ قِرَاءَةُ الْكُلِّ فَرْضًا وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ فَرْضٌ فَارْتَفَضَ رُكُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ
стр. 666
(وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) قَنَتَ أَوَّلًا لِزَوَالِهِ عَنْ مَحَلِّهِ (رَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُقْتَدِي) مِنْ الْقُنُوتِ قَطَعَهُ وَ (تَابَعَهُ) وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ مِنْهُ شَيْئًا تَرَكَهُ إنْ خَافَ فَوْتَ الرُّكُوعِ مَعَهُ بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيمَا هُوَ مِنْ الْأَرْكَانِ أَوْ الشَّرَائِطِ مُفْسِدَةٌ لَا فِي غَيْرِهَا دُرَرٌ
(قَنَتَ فِي أُولَى الْوِتْرِ أَوْ ثَانِيَتِهِ سَهْوًا لَمْ يَقْنُتْ فِي ثَالِثَتِهِ) أَمَّا لَوْ شَكَّ أَنَّهُ فِي ثَانِيَتِهِ أَوْ ثَالِثَتِهِ كَرَّرَهُ مَعَ الْقُعُودِ فِي الْأَصَحِّ. وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّاهِيَ قَنَتَ عَلَى أَنَّهُ مَوْضِعُ الْقُنُوتِ فَلَا يَتَكَرَّرُ، بِخِلَافِ الشَّاكِّ وَرَجَّحَ الْحَلَبِيُّ تَكْرَارَهُ لَهُمَا؛ وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ
ــ
[رد المحتار]
يَرْكَعْ بَطَلَتْ، وَلَوْ رَكَعَ وَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي كَانَ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ بَحْرٌ مُلَخَّصًا: أَيْ لِأَنَّ الرُّكُوعَ الثَّانِيَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ لِارْتِفَاضِ الْأَوَّلِ بِالْعَوْدِ إلَى الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الْعَوْدِ إلَى الْقُنُوتِ؛ حَتَّى لَوْ عَادَ وَقَنَتَ ثُمَّ رَكَعَ فَاقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ لِأَنَّ هَذَا الرُّكُوعَ لَغْوٌ؛ وَمَا نَقَلَهُ ح عَنْ الْبَحْرِ وَتَبِعَهُ ط فِيهِ اخْتِصَارُ مَحَلٍّ فَافْهَمْ وَقَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ بَيَانَ كَوْنِ الْقِرَاءَةِ تَقَعُ فَرْضًا بِالْعَوْدِ فَرَاجِعْهُ.
[فَرْعٌ] تَرَكَ السُّورَةَ دُونَ الْفَاتِحَةِ وَقَنَتَ ثُمَّ تَذَكَّرَ يَعُودُ وَيَقْرَأُ السُّورَةَ وَيُعِيدُ الْقُنُوتَ وَالرُّكُوعَ مِعْرَاجٌ وَخَانِيَّةٌ وَغَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ لِزَوَالِهِ عَنْ مَحَلِّهِ) تَعْلِيلٌ لِمَا فُهِمَ قَبْلَهُ مِنْ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ؛ وَهِيَ مَا لَوْ قَنَتَ فِي الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ وَأَعَادَ الرُّكُوعَ أَوَّلًا وَمَا إذَا لَمْ يَقْنُتْ أَصْلًا كَمَا حَقَّقَهُ ح (قَوْلُهُ قَطَعَهُ وَتَابَعَهُ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ هُنَا الدُّعَاءُ الصَّادِقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَمَا أَتَى بِهِ مِنْهُ كَافٍ فِي سُقُوطِ الْوَاجِبِ، وَتَكْمِيلُهُ مَنْدُوبٌ وَالْمُتَابَعَةُ وَاجِبَةٌ فَيَتْرُكُ الْمَنْدُوبَ لِلْوَاجِبِ رَحْمَتِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ إلَخْ) أَيْ لَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَقْرَأْ الْمُقْتَدِي شَيْئًا مِنْ الْقُنُوتِ إنْ خَافَ فَوْتَ الرُّكُوعِ يَرْكَعْ وَإِلَّا يَقْنُتْ ثُمَّ يَرْكَعْ خَانِيَّةٌ وَغَيْرُهَا، وَهَلْ الْمُرَادُ مَا يُسَمَّى قُنُوتًا أَوْ خُصُوصَ الدُّعَاءِ؟ الْمَشْهُورُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ) أَيْ فَإِنَّ الْإِمَامَ لَوْ سَلَّمَ أَوْ قَامَ لِلثَّالِثَةِ قَبْلَ إتْمَامِ الْمُؤْتَمِّ التَّشَهُّدَ فَإِنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ بَلْ يُتِمُّهُ لِوُجُوبِهِ كَمَا قَدَّمَهُ فِي فَصْلِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ عَلِيلٌ لِاقْتِضَائِهِ فَرْضِيَّةَ الْمُتَابَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ فِي الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ وَاجِبَةٌ مَا لَمْ يُعَارِضْهَا وَاجِبٌ، فَلَا يُفَوِّتُهُ بَلْ يَأْتِي بِهِ ثُمَّ يُتَابِعُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَارَضَهَا سُنَّةٌ لِأَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا، وَحِينَئِذٍ فَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقُنُوتِ وَالتَّشَهُّدِ هُوَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْمُقْتَدِي الْقُنُوتُ سُنَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَا التَّصْرِيحَ بِهِ عَنْ الْمُحِيطِ، وَالْمُتَابَعَةِ فِي الرُّكُوعِ وَاجِبَةٌ؛ فَإِذَا خَافَ فَوْتَهَا يَتْرُكُ السُّنَّةَ لِلْوَاجِبِ. وَأَمَّا التَّشَهُّدُ فَإِتْمَامُهُ وَاجِبٌ لِأَنَّ بَعْضَ التَّشَهُّدِ لَيْسَ بِتَشَهُّدٍ فَيُتِمُّهُ وَإِنْ فَاتَتْ الْمُتَابَعَةُ فِي الْقِيَامِ أَوْ السَّلَامِ لِأَنَّهُ عَارَضَهَا وَاجِبٌ تَأَكَّدَ بِالتَّلَبُّسِ بِهِ قَبْلَهَا فَلَا يُفَوِّتُهُ لِأَجْلِهَا وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً.
وَقَدْ صَرَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ يُتِمُّ التَّشَهُّدَ إذَا قَامَ الْإِمَامُ إلَى الثَّالِثَةِ وَإِنْ خَافَ أَنْ تَفُوتَهُ مَعَهُ، وَإِذَا قُلْنَا إنَّ قِرَاءَةَ الْقُنُوتِ لِلْمُقْتَدِي وَاجِبَةٌ، فَإِنْ كَانَ قَرَأَ بَعْضَهُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِهِ لِأَنَّ بَعْضَ الْقُنُوتِ قُنُوتٌ، وَإِلَّا فَلَمْ يَتَأَكَّدْ وَتَتَرَجَّحُ الْمُتَابَعَةُ فِي الرُّكُوعِ لِلِاخْتِلَافِ فِي أَنَّ الْمُقْتَدِي هَلْ يَقْرَأُ الْقُنُوتَ أَمْ يَسْكُتُ؟ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ فِي ثَانِيَتِهِ أَوْ ثَالِثَتِهِ) وَكَذَا لَوْ شَكَّ أَنَّهُ فِي الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ كَرَّرَهُ مَعَ الْقُعُودِ) أَيْ فَيَقْنُتُ وَيَقْعُدُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا الشَّكُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا الثَّالِثَةُ، ثُمَّ يَفْعَلُ كَذَلِكَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا هِيَ الثَّالِثَةُ وَتِلْكَ كَانَتْ ثَانِيَةً.
(قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) وَقِيلَ لَا يَقْنُتُ فِي الْكُلِّ لِأَنَّ الْقُنُوتَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ بِدْعَةٌ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقُنُوتَ وَاجِبٌ؛ وَمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْبِدْعَةِ يَأْتِي بِهِ احْتِيَاطًا بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ وَرَجَّحَ الْحَلَبِيُّ تَكْرَارَهُ لَهُمَا) حَيْثُ قَالَ: إلَّا أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ غَيْرُ مُفِيدٍ إذْ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الَّذِي ظَهَرَ خَطَؤُهُ، وَإِذَا كَانَ الشَّاكُّ يُعِيدُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْوَاجِبَ لَمْ يَقَعْ فِي مَوْضِعِهِ فَكَيْفَ لَا يُعِيدُ السَّاهِي بَعْدَمَا تَيَقَّنَ ذَلِكَ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ بِأَنَّ السَّاهِيَ يَقْنُتُ ثَانِيًا، فَإِنْ
стр. 667
فَيَقْنُتُ مَعَ إمَامِهِ فَقَطْ وَيَصِيرُ مُدْرِكًا بِإِدْرَاكِ رُكُوعِ الثَّالِثَةِ
(وَلَا يَقْنُتُ لِغَيْرِهِ) إلَّا النَّازِلَةَ فَيَقْنُتُ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَقِيلَ فِي الْكُلِّ. [فَائِدَةٌ]
خَمْسٌ يُتَّبَعُ فِيهَا الْإِمَامُ: قُنُوتٌ، وَقُعُودٌ أَوَّلُ، وَتَكْبِيرُ عِيدٍ، وَسَجْدَةُ تِلَاوَةٍ، وَسَهْوٌ.
ــ
[رد المحتار]
كَانَ مَا مَرَّ رِوَايَةً فَهِيَ غَيْرُ مُوَافِقَةٍ لِلدِّرَايَةِ. اهـ. قُلْت: وَكَذَا رَجَّحَهُ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ بِنَحْوِ مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ فَيَقْنُتُ مَعَ إمَامِهِ فَقَطْ) لِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهُمَا حُكْمًا فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَهُوَ الْقُنُوتُ؛ وَإِذَا وَقَعَ قُنُوتُهُ فِي مَوْضِعِهِ بِيَقِينٍ لَا يُكَرِّرُ لِأَنَّ تَكْرَارَهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ شَرْحُ الْمُنْيَةِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَقْنُتُ لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْوِتْرِ، وَهَذَا نَفْيٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ إنَّهُ يَقْنُتُ لِلْفَجْرِ.
مَطْلَبٌ فِي الْقُنُوتِ لِلنَّازِلَةِ
(قَوْلُهُ إلَّا لِنَازِلَةٍ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ: النَّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ مِنْ شَدَائِدِ الدَّهْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ أَشَدِّ النَّوَازِلِ أَشْبَاهٌ.
(قَوْلُهُ فَيَقْنُتُ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ) يُوَافِقُهُ مَا فِي الْبَحْرِ والشُّرُنبُلالِيَّة عَنْ شَرْحِ النِّقَابَةِ عَنْ الْغَايَةِ: وَإِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ اهـ وَكَذَا مَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْبَنَانِيَّةِ: إذَا وَقَعَتْ نَازِلَةٌ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ، لَكِنْ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْغَايَةِ: قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: فَتَكُونُ شَرْعِيَّتُهُ: أَيْ شَرْعِيَّةُ الْقُنُوتِ فِي النَّوَازِلِ مُسْتَمِرَّةً، وَهُوَ مَحْمَلُ قُنُوتِ مَنْ قَنَتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵊، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ.
الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ: إنَّمَا لَا يَقْنُتُ عِنْدَنَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ بَلِيَّةٍ، فَإِنْ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ أَوْ بَلِيَّةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا الْقُنُوتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِلنَّوَازِلِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الشَّافِعِيُّ، وَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ «أَنَّهُ قَنَتَ فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ» كَمَا فِي مُسْلِمٍ، وَأَنَّهُ «قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ» أَيْضًا كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَلَى النُّسَخِ لِعَدَمِ وُرُودِ الْمُوَاظَبَةِ وَالتَّكْرَارِ الْوَارِدَيْنِ فِي الْفَجْرِ عَنْهُ ﵊ اهـ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ قُنُوتَ النَّازِلَةِ عِنْدَنَا مُخْتَصٌّ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْجَهْرِيَّةِ أَوْ السَّرِيَّةِ. وَمُفَادُهُ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِأَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ مَنْسُوخٌ مَعْنَاهُ نَسْخُ عُمُومِ الْحُكْمِ لَا نَسْخُ أَصْلِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ نُوحٌ أَفَنْدِي، وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِمْ بِالْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ الْمُنْفَرِدُ، وَهَلْ الْمُقْتَدِي مِثْلُهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ الْقُنُوتُ هُنَا قَبْلَ الرُّكُوعِ أَمْ بَعْدَهُ؟ لَمْ أَرَهُ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يُتَابِعُ إمَامَهُ إلَّا إذَا جَهَرَ فَيُؤَمِّنُ وَأَنَّهُ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَا قَبْلَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى قُنُوتِ الْفَجْرِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ حَمَلَهُ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْقُنُوتِ لِلنَّازِلَةِ، ثُمَّ رَأَيْت الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مَرَاقِي الْفَلَاحِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ بَعْدَهُ؛ وَاسْتَظْهَرَ الْحَمَوِيُّ أَنَّهُ قَبْلَهُ وَالْأَظْهَرُ مَا قُلْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ فِي الْكُلِّ) قَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الشَّافِعِيُّ، وَعَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَكَانَ يَنْبَغِي عَزْوُهُ إلَيْهِمْ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ.
(قَوْلُهُ خَمْسٌ يُتْبَعُ فِيهَا الْإِمَامُ) أَيْ يَفْعَلُهَا الْمُؤْتَمُّ إنْ فَعَلَهَا الْإِمَامُ وَإِلَّا فَلَا ح؛ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا النَّوْعِ وُجُوبُ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فِي الْوَاجِبَاتِ فِعْلًا وَكَذَا تَرْكًا، إنْ كَانَتْ فِعْلِيَّةً أَوْ قَوْلِيَّةً يَلْزَمُ مَنْ فَعَلَهَا الْمُخَالَفَةَ فِي الْفِعْلِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ قُنُوتٌ) يُخَالِفُهُ مَا فِي الْفَتْحِ وَالظَّهِيرِيَّةُ وَالْفَيْضِ وَنُورِ الْإِيضَاحِ، مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الْقُنُوتَ يَأْتِي بِهِ الْمُؤْتَمُّ إنْ أَمْكَنَهُ مُشَارَكَةُ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ وَإِلَّا تَابَعَهُ " وَقَدْ أَعَادَ فِي الْفَتْحِ ذِكْرَ هَذَا الْفَرْعِ قُبَيْلَ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا مَعْزِيًّا إلَى نَظْمِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ التَّفْصِيلُ لِأَنَّ فِيهِ إحْرَازَ الْفَضِيلَتَيْنِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَقُعُودٌ أَوَّلُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ إمَامَهُ إلَى أَنْ يَصِيرَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ قَبْلَهُ ثُمَّ يُتَابِعُهُ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا عَادَ حِينَئِذٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَيَأْثَمُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَلَيْسَ
стр. 668
وَأَرْبَعَةٌ لَا يُتَّبَعُ فِيهَا: زِيَادَةُ تَكْبِيرِ عِيدٍ، أَوْ جِنَازَةٍ، وَرُكْنٌ، وَقِيَامٌ لِخَامِسَةٍ. وَثَمَانِيَةٌ تُفْعَلُ مُطْلَقًا: الرَّفْعُ لِتَحْرِيمَةٍ وَالثَّنَاءُ، وَتَكْبِيرُ انْتِقَالٍ، وَتَسْمِيعٌ، وَتَسْبِيحٌ، وَتَشَهُّدٌ، وَسَلَامٌ، وَتَكْبِيرُ تَشْرِيقٍ.
(وَسُنَّ) مُؤَكَّدًا (أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ وَ) أَرْبَعٌ قَبْلَ (الْجُمُعَةِ وَ) أَرْبَعٌ (بَعْدَهَا بِتَسْلِيمَةٍ) فَلَوْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ
ــ
[رد المحتار]
لِلْمُقْتَدِي أَنْ يَقْعُدَ ثُمَّ يُتَابِعَهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ فَاعِلًا مَا يَحْرُمُ عَلَى الْإِمَامِ فِعْلُهُ وَمُخَالِفًا لَهُ فِي عَمَلٍ فِعْلِيٍّ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَامَ الْإِمَامُ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُقْتَدِي مِنْ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهُ ثُمَّ يُتَابِعُهُ لِأَنَّ فِي إتْمَامِهِ مُتَابَعَةً لِإِمَامِهِ فِيمَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَتَكْبِيرُ عِيدٍ) أَيْ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ الْإِمَامُ فِي الْقِيَامِ أَوْ فِي الرُّكُوعِ لَا يَأْتِي بِهِ الْمُؤْتَمُّ فَافْهَمْ. وَبَحَثَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْمُؤْتَمُّ فِي الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِيهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ فِي وَاجِبٍ فِعْلِيٍّ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ فِي الرُّكُوعِ لِلْمَسْبُوقِ تَحْصِيلًا لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فِيمَا أَتَى بِهِ، أَمَّا هُنَا فَفِيهِ تَحْصِيلٌ لِمُخَالَفَتِهِ. قَالَ: وَهَذَا فِي تَكْبِيرَاتِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا تَكْبِيرَاتُ الْأُولَى فَفِي الْإِتْيَانِ بِهَا تَرْكُ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ.
(قَوْلُهُ وَأَرْبَعَةٌ لَا يُتْبَعُ) أَيْ إذَا فَعَلَهَا الْإِمَامُ لَا يَتْبَعُهُ فِيهَا الْقَوْمُ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتَابِعَهُ فِي الْبِدْعَةِ وَالْمَنْسُوخِ وَمَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصَّلَاةِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ زِيَادَةُ تَكْبِيرِ عِيدٍ) أَيْ إذَا زَادَ عَلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَكَانَ الْمُقْتَدِي يَسْمَعُ التَّكْبِيرَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَسْمَعُهُ مِنْ الْمُؤَذِّنِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْغَلَطَ مِنْهُ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ أَوْ جِنَازَةٍ) أَيْ بِأَنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ.
(قَوْلُهُ وَرُكْنٍ) كَزِيَادَةِ سَجْدَةٍ ثَالِثَةٍ.
(قَوْلُهُ وَقِيَامٌ لِخَامِسَةٍ) دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ وَرُكْنٍ تَأَمَّلْ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: ثُمَّ فِي الْقِيَامِ إلَى الْخَامِسَةِ إنْ كَانَ قَعَدَ عَلَى الرَّابِعَةِ وَيَنْتَظِرُهُ الْمُقْتَدِي قَاعِدًا، فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ التَّشَهُّدِ سَلَّمَ الْمُقْتَدِي مَعَهُ وَإِنْ قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ سَلَّمَ الْمُقْتَدِي وَحْدَهُ؛ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْعُدْ عَلَى الرَّابِعَةِ. فَإِنْ عَادَ تَابَعَهُ الْمُقْتَدِي، وَإِنْ قَيَّدَ الْخَامِسَةَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ جَمِيعًا، وَلَا يَنْفَعُ الْمُقْتَدِيَ تَشَهُّدُهُ وَسَلَامُهُ وَحْدَهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَثَمَانِيَةٌ تُفْعَلُ مُطْلَقًا) أَيْ فَعَلَهَا الْإِمَامُ أَوْ لَا. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا النَّوْعِ عَدَمُ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ فِي السُّنَنِ فِعْلًا فَكَذَا تَرْكًا، وَكَذَا الْوَاجِبُ الْقَوْلِيُّ الَّذِي لَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهِ الْمُخَالَفَةُ فِي وَاجِبٍ فِعْلِيٍّ كَالتَّشَهُّدِ وَتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ، بِخِلَافِ الْقُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ، إذْ يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهِمَا الْمُخَالَفَةُ فِي الْفِعْلِيِّ وَهُوَ الْقِيَامُ مَعَ رُكُوعِ الْإِمَامِ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ الرَّفْعُ) أَيْ رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّحْرِيمَةِ.
(قَوْلُهُ وَالثَّنَاءُ) أَيْ فَيَأْتِي بِهِ مَا دَامَ الْإِمَامُ فِي الْفَاتِحَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السُّورَةِ فَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَهُ فِي جَهْرِ الْقِرَاءَةِ لَا يُثْنِي، كَذَا فِي الْفَتْحِ: أَيْ بِخِلَافِ حَالَةِ السِّرِّ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ تَصْحِيحَهُ وَأَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَتَكْبِيرُ انْتِقَالٍ) أَيْ إلَى رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ رَفْعٍ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ وَتَسْمِيعٌ) أَيْ إذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ لَا يَتْرُكُ الْمُؤْتَمُّ التَّحْمِيدَ.
(قَوْلُهُ وَتَسْبِيحٌ) أَيْ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَيَأْتِي بِهِ الْمُؤْتَمُّ مَا دَامَ الْإِمَامُ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ وَتَشَهُّدٌ) أَيْ إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَقْرَأْ التَّشَهُّدَ يَقْرَؤُهُ الْمُؤْتَمُّ، أَمَّا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الْقَعْدَةَ الْأُولَى فَإِنَّهُ يُتَابِعُهُ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ وَسَلَامٌ) أَيْ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ يُسَلِّمُ الْمُؤْتَمُّ، أَمَّا إذَا أَحْدَثَ عَمْدًا أَوْ قَهْقَهَ فَإِنَّ الْمُؤْتَمَّ لَا يُسَلِّمُ لِفَسَادِ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ صَلَاتِهِمَا ط.
مَطْلَبٌ فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ
(قَوْلُهُ وَسُنَّ مُؤَكَّدًا) أَيْ اسْتِنَانًا مُؤَكَّدًا؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ طُلِبَ طَلَبًا مُؤَكَّدًا زِيَادَةً عَلَى بَقِيَّةِ النَّوَافِلِ، وَلِهَذَا كَانَتْ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ قَرِيبَةً مِنْ الْوَاجِبِ فِي لُحُوقِ الْإِثْمِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَيَسْتَوْجِبُ تَارِكُهَا التَّضْلِيلَ وَاللَّوْمَ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ: أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْإِصْرَارِ بِلَا عُذْرٍ كَمَا فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمْنَا بَقِيَّةَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ.
(قَوْلُهُ بِتَسْلِيمَةٍ) لِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ
стр. 669
لَمْ تَنُبْ عَنْ السُّنَّةِ، وَلِذَا لَوْ نَذَرَهَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَبِعَكْسِهِ يَخْرُجُ (وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) شُرِعَتْ الْبَعْدِيَّةُ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ، وَالْقَبْلِيَّةُ لِقَطْعِ طَمَعِ الشَّيْطَانِ (وَيُسْتَحَبُّ أَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَقَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهَا بِتَسْلِيمَةٍ) وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وَكَذَا بَعْدَ الظُّهْرِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (وَسِتٌّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) لِيُكْتَبَ مِنْ الْأَوَّابِينَ (بِتَسْلِيمَةٍ) أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ
ــ
[رد المحتار]
ثِنْتَيْنِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْفَجْرِ رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ حَنْبَلٍ. وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ «كَانَ يُصَلِّي النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الزَّوَالِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقُلْت: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي تُدَاوِمُ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ سَاعَةٌ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فِيهَا، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ، فَقُلْت: أَفِي كُلِّهِنَّ قِرَاءَةٌ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقُلْت: بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ؟ فَقَالَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ» رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ، فَيَكُونُ سُنَّةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْبَعًا. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْكَعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ زَيْلَعِيٌّ. زَادَ فِي الْإِمْدَادِ: وَلِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَصَلُّوا أَرْبَعًا، فَإِنْ عَجَّلَ بِك شَيْءٌ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ وَرَكْعَتَيْنِ إذَا رَجَعْت» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ.
(قَوْلُهُ لَمْ تَنُبْ عَنْ السُّنَّةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ كَذَلِكَ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِعَدَمِ الْعُذْرِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ آنِفًا، كَذَا بَحَثَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ وَسَنَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ بَعْدَ نَحْوِ وَرَقَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَلِذَا) أَيْ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِتَسْلِيمَتَيْنِ لِمَا يَكُونُ بِتَسْلِيمَةٍ.
(قَوْلُهُ لَوْ نَذَرَهَا) أَيْ الْأَرْبَعَ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهَا سُنَّةً. وَعِبَارَةُ الدُّرَرِ: وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ فَصَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَتَيْنِ لَا يَخْرُجُ عَنْ النَّذْرِ، وَبِالْعَكْسِ يَخْرُجُ، كَذَا فِي الْكَافِي اهـ وَأَسْقَطَ الشَّارِحُ قَوْلَهُ بِتَسْلِيمَةٍ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ غَيْرُ قَيْدٍ كَمَا يَظْهَرُ مِمَّا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَضَى رَكْعَتَيْنِ لَوْ نَوَى أَرْبَعًا إلَخْ.
(قَوْلُهُ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ) أَيْ لِيَقُومَ فِي الْآخِرَةِ مَقَامَ مَا تَرَكَ مِنْهَا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ أَنَّ فَرِيضَةَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا إذَا لَمْ تَتِمَّ تُكْمَلُ بِالتَّطَوُّعِ، وَأَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْمُكْمَلَ بِالتَّطَوُّعِ هُوَ مَا نَقَصَ مِنْ سُنَّتِهَا الْمَطْلُوبَةِ فِيهَا: أَيْ فَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْفَرْضِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ «صَلَاةٌ لَمْ يُتِمَّهَا زِيدَ عَلَيْهَا مِنْ سُبْحَتِهَا حَتَّى تَتِمَّ» فَجَعَلَ التَّتْمِيمَ مِنْ السُّبْحَةِ أَيْ النَّافِلَةِ لِفَرِيضَةٍ صُلِّيَتْ نَاقِصَةً لَا لِمَتْرُوكَةٍ مِنْ أَصْلِهَا. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ الِاحْتِسَابُ مُطْلَقًا، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ لِحَدِيثِ أَحْمَدَ الظَّاهِرِ فِي ذَلِكَ اهـ مِنْ تُحْفَةِ ابْنِ حَجَرٍ مُلَخَّصًا. وَذَكَرَ نَحْوَهُ فِي الضِّيَاءِ عَنْ السِّرَاجِ وَسَيَذْكُرُ فِي الْبَابِ الْآتِي أَنَّهَا فِي حَقِّهِ ﷺ لِزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ.
(قَوْلُهُ لِقَطْعِ طَمَعِ الشَّيْطَانِ) بِأَنْ يَقُولَ إنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ فَكَيْفَ يَتْرُكُ مَا هُوَ فَرْضٌ ط.
(قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ أَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَصْرِ سُنَّةً رَاتِبَةً لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَارِّ بَحْرٌ قَالَ فِي الْإِمْدَادِ وَخَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْقُدُورِيُّ الْمُصَلِّيَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ (قَوْلُهُ وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ) كَذَا عَبَّرَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي. وَفِي الْإِمْدَادِ عَنْ الِاخْتِيَارِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا وَقِيلَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا وَقِيلَ رَكْعَتَيْنِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) فَلَا يَدْخُلُهَا أَصْلًا، وَذُنُوبُهُ تُكَفَّرُ عَنْهُ، وَتَبِعَاتُهُ يُرْضِي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ خُصَمَاءَهُ فِيهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَدَمَ دُخُولِهِ بِسَبَبِ تَوْفِيقِهِ لِمَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عِقَابٌ ط أَوْ هُوَ بِشَارَةٌ بِأَنَّهُ يُخْتَمُ لَهُ بِالسَّعَادَةِ فَلَا يَدْخُلُ النَّارَ.
(قَوْلُهُ مِنْ الْأَوَّابِينَ) جَمْعُ أَوَّابٍ: أَيْ رَجَّاعٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
(قَوْلُهُ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ) جَزَمَ بِالْأَوَّلِ فِي الدُّرَرِ، وَبِالثَّانِي فِي الْغَزْنَوِيَّةِ، وَبِالثَّالِثِ فِي التَّجْنِيسِ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ، لَكِنَّ الَّذِي فِي الْغَزْنَوِيَّةِ مِثْلُ مَا فِي التَّجْنِيسِ، وَكَذَا فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ. وَأَفَادَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي وَجْهِ ذَلِكَ
стр. 670
وَالْأَوَّلُ أَدْوَمُ وَأَشَقُّ وَهَلْ تُحْسَبُ الْمُؤَكَّدَةُ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ وَيُؤَدَّى الْكُلُّ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ؟ اخْتَارَ الْكَمَالُ: نَعَمْ. وَحَرَّرَ إبَاحَةَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ؛ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالْمُصَنِّفُ.
(وَ) السُّنَنُ (آكَدُهَا سُنَّةُ الْفَجْرِ) اتِّفَاقًا، ثُمَّ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ فِي الْأَصَحِّ، لِحَدِيثِ «مَنْ تَرَكَهَا لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» ثُمَّ الْكُلُّ سَوَاءٌ (وَقِيلَ بِوُجُوبِهَا، فَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهَا قَاعِدًا) وَلَا رَاكِبًا اتِّفَاقًا (بِلَا عُذْرٍ) عَلَى الْأَصَحِّ،
ــ
[رد المحتار]
أَنَّهَا لَمَّا زَادَتْ عَنْ الْأَرْبَعِ وَكَانَ جَمْعُهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ خِلَافَ الْأَفْضَلِ، لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ رُبَاعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِ لَزِمَ أَنْ يُسَلِّمَ فِي الشَّفْعِ الثَّالِثِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، فَيَكُونُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، فَكَانَ الْمُسْتَحَبُّ فِيهِ ثَلَاثَ تَسْلِيمَاتٍ لِيَكُونَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ. قَالَ: هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِي.
(قَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَدْوَمُ وَأَشَقُّ) لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ حَبْسِ النَّفْسِ بِالْقَبَاءِ عَلَى تَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَعَطْفُ أَشَقَّ عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ. وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى اخْتِيَارِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ (قَوْلُهُ وَهَلْ تُحْسَبُ الْمُؤَكَّدَةُ) أَيْ فِي الْأَرْبَعِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ وَالسِّتِّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ اخْتَارَ الْكَمَالُ) نَعَمْ ذَكَرَ الْكَمَالُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ وَقَعَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي أَنَّ الْأَرْبَعَ الْمُسْتَحَبَّةَ هَلْ هِيَ أَرْبَعٌ مُسْتَقِلَّةٌ غَيْرُ رَكْعَتَيْ الرَّاتِبَةِ أَوْ أَرْبَعٌ بِهِمَا؟ وَعَلَى الثَّانِي هَلْ تُؤَدَّى مَعَهُمَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ لَا، فَقَالَ جَمَاعَةٌ لَا وَاخْتَارَ هُوَ أَنَّهُ إذَا صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ تَسْلِيمَتَيْنِ وَقَعَ عَنْ السُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ، وَحَقَّقَ ذَلِكَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَأَقَرَّهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ.
(قَوْلُهُ وَحَرَّرَ إبَاحَةَ رَكْعَتَيْنِ إلَخْ) فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى نَدْبِ فِعْلِهِمَا، وَأَنَّهُ أَنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ وَأَصْحَابُنَا وَمَالِكٌ. وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا حَقُّهُ أَنْ يُكْتَبَ بِسَوَادِ الْأَحْدَاقِ؛ ثُمَّ قَالَ: وَالثَّابِتُ بَعْدَ هَذَا هُوَ نَفْيُ الْمَنْدُوبِيَّةِ، أَمَّا ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ فَلَا إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ آخَرُ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ اسْتِلْزَامِ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ فَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْقُنْيَةِ اسْتِثْنَاءَ الْقَلِيلِ، وَالرَّكْعَتَانِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْقَلِيلِ إذَا تُجُوِّزَ فِيهِمَا اهـ وَقَدَّمْنَا فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ بَعْضَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ آكَدُهَا سُنَّةُ الْفَجْرِ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» وَفِي مُسْلِمٍ «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وَفِي أَبِي دَاوُد «لَا تَدَعُوا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) اسْتَحْسَنَهُ فِي الْفَتْحِ فَقَالَ: ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: «رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَدَعْهُمَا سَفَرًا وَلَا حَضَرًا» ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّهَا قِيلَ هِيَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ، ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعِشَاءِ. وَقِيلَ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَقَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهُ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ كُلُّهَا سَوَاءٌ. وَقِيلَ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ آكَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَسَنُ، وَقَدْ أَحْسَنَ، لِأَنَّ نَقْلَ الْمُوَاظَبَةِ الصَّرِيحَةِ عَلَيْهَا أَقْوَى مِنْ نَقْلِ مُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِحَدِيثِ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهَكَذَا صَحَّحَهُ فِي الْعِنَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِأَنَّ فِيهَا وَعِيدًا مَعْرُوفًا: قَالَ ﵊ «مَنْ تَرَكَ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» اهـ قَالَ ط: وَلَعَلَّهُ لِلتَّنْفِيرِ عَنْ التَّرْكِ، أَوْ شَفَاعَتُهُ الْخَاصَّةُ بِزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ. وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فَعَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ بِوُجُوبِهَا) وَهُوَ ظَاهِرُ النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا خَزَائِنُ.
قُلْت: وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ الْبَحْرِ، حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرُوا مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا، ثُمَّ سَاقَ الْمَسَائِلَ الَّتِي فَرَّعَهَا الْمُصَنِّفُ، وَوَفَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ مِنْ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِأَنَّ الْمُؤَكَّدَةَ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ. وَأَجَابَ عَمَّا يُنَافِيهِ وَكَتَبْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ مَا فِيهِ.
(قَوْلُهُ اتِّفَاقًا) أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ فَمُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَلِآكَدِيَّتِهَا ط. هَذَا: وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ الِاتِّفَاقَ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَأَقَرَّهُ، لَكِنْ نَازَعَ فِيهِ فِي الْإِمْدَادِ
следующие страницы →