Полный текст (4 257 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وَلَا وَحْدَهُ فِي الْأَصَحِّ (فَإِنْ قَضَاهَا كَانَتْ نَفْلًا مُسْتَحَبًّا وَلَيْسَ بِتَرَاوُحٍ) كَسُنَّةِ مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ
(وَالْجَمَاعَةُ فِيهَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ مَسْجِدٍ أَثِمُوا إلَّا لَوْ تَرَكَ بَعْضُهُمْ، وَكُلُّ مَا شُرِعَ بِجَمَاعَةٍ فَالْمَسْجِدُ فِيهِ أَفْضَلُ قَالَهُ الْحَلَبِيُّ
(وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً) حِكْمَتُهُ مُسَاوَاةُ الْمُكَمِّلِ لِلْمُكَمَّلِ (بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ) فَلَوْ فَعَلَهَا بِتَسْلِيمَةٍ؛ فَإِنْ قَعَدَ لِكُلِّ شَفْعٍ صَحَّتْ بِكَرَاهَةٍ وَإِلَّا نَابَتْ عَنْ شَفْعٍ وَاحِدٍ بِهِ يُفْتَى
ــ
[رد المحتار]
الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ وَغَيْرِهَا: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ وَالْأَفْضَلُ لِأَنَّهَا قِيَامُ اللَّيْلِ اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَا وَحْدَهُ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ أَصْلًا: أَيْ لَا بِجَمَاعَةٍ وَلَا وَحْدَهُ ط (قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) وَقِيلَ يَقْضِيهَا وَحْدَهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ تَرَاوِيحَ أُخْرَى، وَقِيلَ مَا لَمْ يَمْضِ الشَّهْرُ قَاسِمٌ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ قَضَاهَا) أَيْ مُنْفَرِدًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ كَسُنَّةِ مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ) أَيْ حُكْمُ التَّرَاوِيحِ فِي أَنَّهَا لَا تُقْضَى إذَا فَاتَتْ إلَخْ كَحُكْمِ بَقِيَّةِ رَوَاتِبِ اللَّيْلِ لِأَنَّهَا مِنْهَا لِأَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ خَوَاصِّ الْفَرْضِ وَسُنَّةُ الْفَجْرِ بِشَرْطِهَا
(قَوْلُهُ وَالْجَمَاعَةُ فِيهَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ أَصْلَ التَّرَاوِيحِ سُنَّةُ عَيْنٍ، فَلَوْ تَرَكَهَا وَاحِدٌ كُرِهَ، بِخِلَافِ صَلَاتِهَا بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّهَا سُنَّةُ كِفَايَةٍ، فَلَوْ تَرَكَهَا الْكُلُّ أَسَاءُوا؛ أَمَّا لَوْ تَخَلَّفَ عَنْهَا رَجُلٌ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ فَقَدْ تَرَكَ الْفَضِيلَةَ، وَإِنْ صَلَّى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ بِالْجَمَاعَةِ لَمْ يَنَالُوا فَضْلَ جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ وَهَكَذَا فِي الْمَكْتُوبَاتِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ وَهَلْ الْمُرَادُ أَنَّهَا سُنَّةُ كِفَايَةٍ لِأَهْلِ كُلِّ مَسْجِدٍ مِنْ الْبَلْدَةِ أَوْ مَسْجِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ الْمَحَلَّةِ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ الْأَوَّلُ. وَاسْتَظْهَرَ ط الثَّانِيَ. وَيَظْهَرُ لِي الثَّالِثُ، لِقَوْلِ الْمُنْيَةِ: حَتَّى لَوْ تَرَكَ أَهْلُ مَحَلَّةٍ كُلُّهُمْ الْجَمَاعَةَ فَقَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ وَأَسَاءُوا. اهـ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ الْمَسْنُونَ كِفَايَةً إقَامَتُهَا بِالْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى لَوْ أَقَامُوهَا جَمَاعَةً فِي بُيُوتِهِمْ وَلَمْ تَقُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَثِمَ الْكُلُّ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُنْيَةِ فَهُوَ فِي حَقِّ الْبَعْضِ الْمُخْتَلِفِ عَنْهَا. وَقِيلَ إنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهَا سُنَّةُ عَيْنٍ فَمَنْ صَلَّاهَا وَحْدَهُ أَسَاءَ وَإِنْ صُلِّيَتْ فِي الْمَسَاجِدِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي ظَهِيرُ الدِّينِ. وَقِيلَ تُسْتَحَبُّ فِي الْبَيْتِ إلَّا لِفَقِيهٍ عَظِيمٍ يُقْتَدَى بِهِ، فَيَكُونُ فِي حُضُورِهِ تَرْغِيبُ غَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إنَّهَا سُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً) هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ شَرْقًا وَغَرْبًا. وَعَنْ مَالِكٍ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ. وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ كَوْنُ الْمَسْنُونِ مِنْهَا ثَمَانِيَةً وَالْبَاقِي مُسْتَحَبًّا، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ، وَذَكَرْت جَوَابَهُ فِيمَا عَلَّقْته عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ الْمُكَمِّلِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ التَّرَاوِيحُ لِلْمُكَمَّلِ بِفَتْحِهَا وَهِيَ الْفَرَائِضُ مَعَ الْوِتْرِ، وَلَا مَانِعَ أَنْ تُكْمَلَ الْوِتْرُ وَإِنْ صُلِّيَتْ قَبْلَهُ. وَفِي النَّهْرِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الرَّوَاتِبَ وَإِنْ كَمُلَتْ أَيْضًا إلَّا أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ لِمَزِيدِ كَمَالِهِ زِيدَ فِيهِ هَذَا الْمُكَمِّلُ فَتَكْمُلُ. اهـ. ط.
(قَوْلُهُ وَصَحَّتْ بِكَرَاهَةٍ) أَيْ صَحَّتْ عَنْ الْكُلِّ. وَتُكْرَهُ إنْ تَعَمَّدَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ عَنْ النِّصَابِ وَخِزَانَةِ الْفَتَاوَى، خِلَافًا لِمَا فِي الْمُنْيَةِ مِنْ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْمُتَوَارَثَ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِكَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَمَانٍ فِي مُطْلَقِ التَّطَوُّعِ لَيْلًا فَهُنَا أَوْلَى بَحْرٌ (قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَذَا اللَّفْظِ هُنَا، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّهْرِ عَنْ الزَّاهِدِيِّ فِيمَا لَوْ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَقَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا إذَا صَلَّى الْعِشْرِينَ جُمْلَةً كَذَلِكَ فَقَدْ قَاسَهُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ، نَعَمْ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّهُ الصَّحِيحُ مَعَ أَنَّا قَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ وَالْخُلَاصَةِ والتتارخانية أَنَّهُ لَوْ صَلَّى التَّطَوُّعَ ثَلَاثًا أَوْ سِتًّا أَوْ ثَمَانِيًا بِقَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَفْسُدُ اسْتِحْسَانًا وَقِيَاسًا وَقَدَّمْنَا وَجْهَهُ؛ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ بِتَسْلِيمَةٍ وَقَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ هَلْ يَصِحُّ عَنْ شَفْعٍ وَاحِدٍ أَوْ يَفْسُدُ؟ فَلْيُتَنَبَّهْ.
[فُرُوعٌ] شَكُّوا هَلْ صَلَّوْا تِسْعَ تَسْلِيمَاتٍ أَوْ عَشْرًا يُصَلُّونَ تَسْلِيمَةً أُخْرَى فُرَادَى فِي الْأَصَحِّ لِلِاحْتِيَاطِ فِي إكْمَالِ التَّرَاوِيحِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ التَّنَفُّلِ بِالْجَمَاعَةِ، وَكَذَا لَوْ تَذَكَّرُوا تَسْلِيمَةً بَعْدَ الْوِتْرِ عِنْدَ ابْنِ الْفَضْلِ. وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ تُصَلَّى جَمَاعَةً وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ فِي وَقْتِهَا، وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ عَلَى رَأْسِ رَكْعَةٍ سَاهِيًا
стр. 702
(يَجْلِسُ) نَدْبًا (بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعَةٍ بِقَدْرِهَا وَكَذَا بَيْنَ الْخَامِسَةِ وَالْوِتْرِ) وَيُخَيَّرُونَ بَيْنَ تَسْبِيحٍ وَقِرَاءَةٍ وَسُكُوتٍ وَصَلَاةٍ فُرَادَى، نَعَمْ تُكْرَهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ
(وَالْخَتْمُ) مَرَّةً سُنَّةٌ وَمَرَّتَيْنِ فَضِيلَةٌ وَثَلَاثًا أَفْضَلُ. (وَلَا يُتْرَكُ) الْخَتْمُ (لِكَسَلِ الْقَوْمِ)
ــ
[رد المحتار]
فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ قِيلَ يَقْضِي الشَّفْعَ الْأَوَّلَ فَقَطْ لِصِحَّةِ شُرُوعِهِ فِيمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ يَقْضِي الْكُلَّ لِأَنَّ سَلَامَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهِ سَهْوًا، وَكَذَا كُلُّ سَلَامٍ بَعْدَهُ يَكُونُ سَهْوًا مَبْنِيًّا عَلَى السَّهْوِ الْأَوَّلِ فَقَدْ تَرَكَ الْقَعْدَةَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْأَشْفَاعِ كُلِّهَا فَتَفْسُدُ بِأَسْرِهَا إلَّا إذَا تَعَمَّدَ السَّلَامَ أَوْ فَعَلَ بَعْدَهُ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ سَهَا، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَيَظْهَرُ لِي أَرْجَحِيَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ سَلَامَهُ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ لَكِنَّ تَكْبِيرَهُ عَلَى قَصْدِ الِانْتِقَالِ إلَى الشَّفْعِ الْآخَرِ يُخْرِجُهُ عَنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْحِلْيَةِ قَالَ إنَّهُ الْأَشْبَهُ (قَوْلُهُ يَجْلِسُ) لَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْجُلُوسِ، بَلْ الْمُرَادُ الِانْتِظَارُ لِأَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْجُلُوسِ ذَاكِرًا أَوْ سَاكِتًا وَبَيْنَ صَلَاتِهِ نَافِلَةً مُنْفَرِدًا كَمَا يَذْكُرُهُ، أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ نَدْبًا) وَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْكَنْزِ مِنْ أَنَّهُ سُنَّةٌ تَعَقَّبَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَا سُنَّةٌ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعَةٍ) الْأَوْضَحُ قَوْلُ الْكَنْزِ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعَةٍ أَوْ قَوْلُ الْمُنْيَةِ وَالدُّرِّ: بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ الْجِلْسَةَ بَعْدَ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعَةٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعَةٍ فَحَذَفَ أَحَدَ الْمُتَعَدِّدَيْنِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] أَيْ بَيْنَ أَحَدٍ وَأَحَدٍ، وَلَا فَسَادَ فِي ذَلِكَ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا بَيْنَ الْخَامِسَةِ وَالْوِتْرِ) صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ بِمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.
أَقُولُ: هَذَا سَبْقُ نَظَرٍ، فَإِنَّ عِبَارَةَ الْخُلَاصَةِ هَكَذَا: وَالِاسْتِرَاحَةُ عَلَى خَمْسِ تَسْلِيمَاتٍ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ فَإِنَّ مُرَادَهُ بِخَمْسِ تَسْلِيمَاتٍ خَمْسُ أَشْفَاعٍ: أَيْ عَلَى الرَّكْعَةِ الْعَاشِرَةِ كَمَا فُسِّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لَا خَمْسُ تَرْوِيحَاتٍ كُلُّ تَرْوِيحَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، فَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى صَاحِبِ النَّهْرِ التَّسْلِيمَةُ بِالتَّرْوِيحَةِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ بَيْنَ تَسْبِيحٍ) قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: فَيُقَالُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْجَبَرُوتِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، نَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَنَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ» كَمَا فِي مَنْهَجِ الْعِبَادِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَصَلَاةُ فُرَادَى) أَيْ صَلَاةُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَيُزَادُ سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً. قَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ: إنْ زَادُوهَا مُنْفَرِدِينَ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَإِنْ صَلَّوْهَا بِجَمَاعَةٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ كُرِهَ إلَخْ. وَفِي النَّهْرِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقِيلَ مَكْرُوهَةٌ، وَقِيلَ سُنَّةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي السِّرَاجِ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُصَلُّونَ أَرْبَعًا. اهـ.
(قَوْلُهُ نَعَمْ تُكْرَهُ إلَخْ) لِأَنَّ الِاسْتِرَاحَةَ مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ لَا بَيْنَ كُلِّ شَفْعَيْنِ
(قَوْلُهُ وَالْخَتْمُ مَرَّةً سُنَّةٌ) أَيْ قِرَاءَةُ الْخَتْمِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ وَصَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَعَزَاهُ فِي الْهِدَايَةِ إلَى أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ. وَفِي الْكَافِي إلَى الْجُمْهُورِ، وَفِي الْبُرْهَانِ: وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَنْقُولُ فِي الْآثَارِ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّ الْخَتْمَ فِي لَيْلَةِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ رَجَاءَ أَنْ يَنَالُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ وَنَحْوَهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْخَتْمُ فِيهَا مَرَّةً وَهُوَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ مَعَ التَّخْفِيفِ لِأَنَّ عَدَدَ رَكَعَاتِ التَّرَاوِيحِ فِي الشَّهْرِ سِتُّمِائَةِ رَكْعَةٍ وَعَدَدَ آيِ الْقُرْآنِ سِتَّةُ آلَافِ آيَةٍ وَشَيْءٌ. اهـ. وَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ حَتَّى يَحْصُلَ الْخَتْمُ فِي لَيْلَةِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَنَحْوُهُ فِي الْفَيْضِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ تَوْزِيعَةَ عَشْرًا فَعَشْرًا يَقْتَضِي الْخَتْمَ فِي الثَّلَاثِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ ضَمِّ الْوِتْرِ، لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا مَا يُفِيدُ تَخْصِيصَ التَّرَاوِيحِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ.
стр. 703
لَكِنْ فِي الِاخْتِيَارِ: الْأَفْضَلُ فِي زَمَانِنَا قَدْرُ مَا لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ، وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. وَفِي الْمُجْتَبَى عَنْ الْإِمَامِ: لَوْ قَرَأَ ثَلَاثًا قِصَارًا أَوْ آيَةً طَوِيلَةً فِي الْفَرْضِ فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَمْ يُسِئْ، فَمَا ظَنُّك بِالتَّرَاوِيحِ؟ وَفِي فَضَائِلِ رَمَضَانَ لِلزَّاهِدِيِّ: أَفْتَى أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ وَالْوَبَرِيُّ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي التَّرَاوِيحِ الْفَاتِحَةَ وَآيَةً أَوْ آيَتَيْنِ لَا يُكْرَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَهْلِ زَمَانِهِ فَهُوَ جَاهِلٌ.
(وَيَأْتِي الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ بِالثَّنَاءِ فِي كُلِّ شَفْعٍ، وَيَزِيدُ) الْإِمَامُ (عَلَى التَّشَهُّدِ، إلَّا أَنْ يَمَلَّ الْقَوْمُ فَيَأْتِي بِالصَّلَوَاتِ) وَيَكْتَفِي بِاللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ الْفَرْضُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ
(وَيَتْرُكُ الدَّعَوَاتِ) وَيَجْتَنِبُ الْمُنْكَرَاتِ هَذْرَمَةَ الْقِرَاءَةِ، وَتَرْكَ تَعَوُّذٍ وَتَسْمِيَةٍ، وَطُمَأْنِينَةٍ، وَتَسْبِيحٍ، وَاسْتِرَاحَةٍ
(وَتُكْرَهُ قَاعِدًا) لِزِيَادَةِ تَأَكُّدِهَا، حَتَّى قِيلَ لَا تَصِحُّ (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ) كَمَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْقِيَامِ إلَى رُكُوعِ الْإِمَامِ لِلتَّشَبُّهِ بِالْمُنَافِقِينَ.
(وَلَوْ تَرَكُوا الْجَمَاعَةَ فِي الْفَرْضِ لَمْ يُصَلُّوا التَّرَاوِيحَ جَمَاعَةً) لِأَنَّهَا تَبَعٌ فَمُصَلِّيهِ وَحْدَهُ يُصَلِّيهَا مَعَهُ.
(وَلَوْ لَمْ يُصَلِّهَا) أَيْ التَّرَاوِيحَ (بِالْإِمَامِ) أَوْ صَلَّاهَا مَعَ غَيْرِهِ (لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ مَعَهُ) بَقِيَ لَوْ تَرَكَهَا الْكُلُّ هَلْ يُصَلُّونَ الْوِتْرَ بِجَمَاعَةٍ؟ فَلْيُرَاجَعْ.
ــ
[رد المحتار]
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: ثُمَّ إذَا خَتَمَ قَبْلَ آخِرِ الشَّهْرِ قِيلَ لَا يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُ التَّرَاوِيحِ فِيمَا بَقِيَ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِأَجْلِ خَتْمِ الْقُرْآنِ مَرَّةً قَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ، وَقِيلَ يُصَلِّيهَا وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا شَاءَ ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ الْأَفْضَلُ فِي زَمَانِنَا إلَخْ) لِأَنَّ تَكْثِيرَ الْجَمْعِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ حِلْيَةٌ عَنْ الْمُحِيطِ. وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الزَّمَانِ، فَقَدْ تَتَغَيَّرُ الْأَحْكَامُ لِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ عَلَى حَسَبِ الْمَصَالِحِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَحَّحَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْخَتْمَ سُنَّةٌ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ تَرْكِهِ إذَا لَزِمَ مِنْهُ تَنْفِيرُ الْقَوْمِ وَتَعْطِيلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا فَالظَّاهِرُ اخْتِيَارُ الْأَخَفِّ عَلَى الْقَوْمِ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْمُجْتَبَى إلَخْ) عِبَارَتُهُ عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ: وَالْمُتَأَخِّرُونَ كَانُوا يُفْتُونَ فِي زَمَانِنَا بِثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ حَتَّى لَا يَمَلَّ الْقَوْمُ وَلَا يَلْزَمُ تَعْطِيلُهَا، فَإِنَّ الْحَسَنَ رَوَى عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ إنْ قَرَأَ فِي الْمَكْتُوبَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ثَلَاثَ آيَاتٍ فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَمْ يُسِئْ، هَذَا فِي الْمَكْتُوبَةِ فَمَا ظَنُّك فِي غَيْرِهَا؟ اهـ.
(قَوْلُهُ وَآيَةً أَوْ آيَتَيْنِ) أَيْ بِقَدْرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ بِدَلِيلِ عِبَارَةِ الْمُجْتَبَى، وَإِلَّا فَلَوْ دُونَ ذَلِكَ كُرِهَ تَحْرِيمًا لِمَا فِي الْمُنْيَةِ وَشَرْحِهَا فِي بَحْثِ صِفَةِ الصَّلَاةِ: لَوْ قَرَأَ مَعَ الْفَاتِحَةِ آيَةً قَصِيرَةً أَوْ آيَتَيْنِ قَصِيرَتَيْنِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَإِنْ قَرَأَ ثَلَاثًا قِصَارًا أَوْ كَانَتْ الْآيَةُ أَوْ الْآيَتَانِ تَعْدِلُ ثَلَاثَ آيَاتٍ قِصَارًا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْكَرَاهَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي حَدِّ الِاسْتِحْبَابِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ إلَخْ أَيْ لِأَنَّ السُّنَّةَ قِرَاءَةُ الْمُفَصَّلِ، فَقَوْلُهُ هُنَا لَا يُكْرَهُ أَيْ لَا تَحْرِيمًا وَلَا تَنْزِيهًا، وَإِنْ كُرِهَ فِي الْفَرَائِضِ تَنْزِيهًا فَافْهَمْ.
هَذَا، وَفِي التَّجْنِيسِ: وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَبَعْضُهُمْ سُورَةَ الْفِيلِ: أَيْ الْبُدَاءَةَ مِنْهَا ثُمَّ يُعِيدُهَا، وَهَذَا أَحْسَنُ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ بِعَدَدِ الرَّكَعَاتِ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ عَمَلُ أَئِمَّةِ أَكْثَرِ الْمَسَاجِدِ فِي دِيَارِنَا إلَّا أَنَّهُمْ يَبْدَءُونَ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ التَّكَاثُرِ فِي الْأُولَى وَالْإِخْلَاصِ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُمْ فِي التَّاسِعَةَ عَشَرَ بِسُورَةِ تَبَّتْ وَفِي الْعِشْرِينَ بِالْإِخْلَاصِ اهـ زَادَ فِي الْبَحْرِ: وَلَيْسَ فِيهِ كَرَاهَةٌ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّرْوِيحَةِ الْأَخِيرَةِ بِسَبَبِ الْفَصْلِ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالْفَرَائِضِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا. اهـ.
قُلْت: لَكِنَّ الْأَحْوَطَ قِرَاءَةُ النَّصْرِ وَتَبَّتْ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّرْوِيحَةِ الْأَخِيرَةِ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي مِنْهَا، وَبَعْضُ أَئِمَّةِ زَمَانِنَا يَقْرَأُ بِالْعَصْرِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ تَرْوِيحَةٍ، وَبِالْكَوْثَرِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ وَيَزِيدُ الْإِمَامُ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالدَّعَوَاتِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ وَيَكْتَفِي بِاَللَّهُمِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) زَادَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ لَا تُفْرَضُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، بَلْ تُسَنُّ عِنْدَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَقِيلَ تَجِبُ عِنْدَهُ.
(قَوْلُهُ هَذْرَمَةَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ: سُرْعَةُ الْكَلَامِ وَالْقِرَاءَةِ قَامُوسٌ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ، وَيَجُوزُ الْقَطْعُ ح.
(قَوْلُهُ وَاسْتِرَاحَةٍ) هِيَ الْقَعْدَةُ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْكَرَاتِ مَجْمُوعُ
стр. 704
(وَلَا يُصَلِّي الْوِتْرَ وَ) لَا (التَّطَوُّعَ بِجَمَاعَةٍ خَارِجَ رَمَضَانَ) أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ
ــ
[رد المحتار]
مَا ذَكَرَ، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا مَا يُخَالِفُ الْمَشْرُوعَ.
(قَوْلُهُ وَتُكْرَهُ قَاعِدًا) أَيْ تَنْزِيهًا، لِمَا فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ بِلَا عُذْرٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَوَارَثِ عَنْ السَّلَفِ.
(قَوْلُهُ حَتَّى قِيلَ إلَخْ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. وَالصَّحِيحُ الْفَرْقُ بِأَنَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ مُؤَكَّدَةٌ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ التَّرَاوِيحِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقَدَّمْنَا عِبَارَتَهَا فِي بَحْثِ سُنَّةِ الْفَجْرِ.
(قَوْلُهُ كَمَا يُكْرَهُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: يُكْرَهُ لِلْمُقْتَدِي أَنْ يَقْعُدَ فِي التَّرَاوِيحِ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَرْكَعَ يَقُومُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ التَّكَاسُلِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّشَبُّهَ بِالْمُنَافِقِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] ط. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِكَسَلٍ بَلْ لِكِبَرٍ وَنَحْوِهِ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ. اهـ.
[تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَكَذَا إذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بَلْ يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ.
تَرَكُوا الْجَمَاعَةَ فِي الْفَرْضِ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهَا تَبَعٌ) أَيْ لِأَنَّ جَمَاعَتَهَا تَبَعٌ لِجَمَاعَةِ الْفَرْضِ فَإِنَّهَا لَمْ تَقُمْ إلَّا بِجَمَاعَةِ الْفَرْضِ، فَلَوْ أُقِيمَتْ بِجَمَاعَةٍ وَحْدَهَا كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلْوَارِدِ فِيهَا فَلَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً؛ أَمَّا لَوْ صَلَّيْت بِجَمَاعَةِ الْفَرْضِ وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ صَلَّى الْفَرْضَ وَحْدَهُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ ذَلِكَ الْإِمَامِ لِأَنَّ جَمَاعَتَهُمْ مَشْرُوعَةٌ فَلَهُ الدُّخُولُ فِيهَا مَعَهُمْ لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي وَجْهِهِ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ لَا يَشْمَلُ الْمُصَلِّيَ وَحْدَهُ، فَظَهَرَ صِحَّةُ التَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ فَمُصَلِّيهِ وَحْدَهُ إلَخْ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّهَا إلَخْ) ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقَنِيَّةِ، وَكَذَا فِي مَتْنِ الدُّرَرِ، لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ عَمَّنْ صَلَّى الْفَرْضَ وَالتَّرَاوِيحَ وَحْدَهُ أَوْ التَّرَاوِيحَ فَقَطْ هَلْ يُصَلِّي الْوِتْرَ مَعَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ لَا اهـ. ثُمَّ رَأَيْت الْقُهُسْتَانِيَّ ذَكَرَ تَصْحِيحَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّهُ إذَا لَمْ يُصَلِّ الْفَرْضَ مَعَهُ لَا يَتْبَعُهُ فِي الْوِتْرِ اهـ فَقَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّهَا أَيْ وَقَدْ صَلَّى الْفَرْضَ مَعَهُ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْقُهُسْتَانِيِّ مَعَهُ احْتِرَازًا عَنْ صَلَاتِهَا مُنْفَرِدًا؛ أَمَّا لَوْ صَلَّاهَا جَمَاعَةً مَعَ غَيْرِهِ ثُمَّ صَلَّى الْوِتْرَ مَعَهُ لَا كَرَاهَةَ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ بَقِيَ إلَخْ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ جَمَاعَةَ الْوِتْرِ تَبَعٌ لِجَمَاعَةِ التَّرَاوِيحِ وَإِنْ كَانَ الْوِتْرُ نَفْسُهُ أَصْلًا فِي ذَاتِهِ لِأَنَّ سُنَّةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْوِتْرِ إنَّمَا عُرِفَتْ بِالْأَثَرِ تَابِعَةً لِلتَّرَاوِيحِ، عَلَى أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِيَّةِ صَلَاتِهَا بِالْجَمَاعَةِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ كَمَا يَأْتِي.
مَطْلَبٌ فِي كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ فِي النَّفْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي وَفِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ
(قَوْلُهُ أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ) أَشَارَ إلَى مَا قَالُوا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ لَا يَجُوزُ الْكَرَاهَةُ لَا عَدَمُ أَصْلِ الْجَوَازِ، لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْقُدُورِيِّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَأَيَّدَهُ فِي الْحِلْيَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: دَفَنَّا أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْلًا فَقَالَ عُمَرُ ﵁: إنِّي لَمْ أُوتِرْ، فَقَامَ وَصَفّنَا وَرَاءَهُ فَصَلَّى بِنَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ. ثُمَّ قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهِ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ أَحْيَانًا كَمَا فَعَلَ عُمَرُ كَانَ مُبَاحًا غَيْرَ مَكْرُوهٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاظَبَةِ كَانَ بِدْعَةً مَكْرُوهَةً لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَوَارَثِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ مُخْتَصَرِهِ يُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ الْجَمَاعَةَ فِي التَّطَوُّعِ لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ إلَّا فِي قِيَامِ رَمَضَانَ اهـ فَإِنَّ نَفْيَ
стр. 705
عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي، بِأَنْ يَقْتَدِيَ أَرْبَعَةٌ بِوَاحِدٍ كَمَا فِي الدُّرَرِ، وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ إذْ لَا مَانِعَ نَهْرٌ.
وَفِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ فِي صَلَاةِ رَغَائِبَ وَبَرَاءَةٍ وَقَدْرٍ، إلَّا إذَا قَالَ نَذَرْت كَذَا رَكْعَةً بِهَذَا الْإِمَامِ جَمَاعَةً. اهـ. قُلْت: وَتَتِمَّةُ عِبَارَةِ الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْإِمَامَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّفَ كُلَّ هَذَا التَّكْلِيفِ لِأَمْرٍ مَكْرُوهٍ
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: لَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ لَا كَرَاهَةَ عَلَى الْإِمَامِ فَلْيُحْفَظْ.
(وَفِيهِ) أَيْ رَمَضَانَ (يُصَلِّي الْوِتْرَ وَقِيَامَهُ بِهَا) وَهَلْ الْأَفْضَلُ فِي الْوِتْرِ الْجَمَاعَةُ أَمْ الْمَنْزِلُ؟ تَصْحِيحَانِ، لَكِنْ نَقَلَ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَذْهَبَ الثَّانِيَ، وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ.
ــ
[رد المحتار]
السُّنِّيَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْكَرَاهَةَ، نَعَمْ إنْ كَانَ مَعَ الْمُوَاظَبَةِ كَانَ بِدْعَةً فَيُكْرَهُ. وَفِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ لِلْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ: عَلَّلَ الْكَرَاهَةَ فِي الضِّيَاءِ وَالنِّهَايَةِ بِأَنَّ الْوِتْرَ نَفْلٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى وَجَبَتْ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِهَا، وَتُؤَدَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالنَّفَلُ بِالْجَمَاعَةِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لِأَنَّهُ لَمْ تَفْعَلْهُ الصَّحَابَةُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ اهـ وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ تَأَمَّلْ. اهـ.
(قَوْلُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي) هُوَ أَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَمَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفَسَّرَهُ الْوَانِيُّ بِالْكَثْرَةِ وَهُوَ لَازِمُ مَعْنَاهُ.
(قَوْلُهُ أَرْبَعَةٌ بِوَاحِدٍ) أَمَّا اقْتِدَاءُ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ فَلَا يُكْرَهُ، وَثَلَاثَةٍ بِوَاحِدٍ فِيهِ خِلَافٌ بَحْرٌ عَنْ الْكَافِي وَهَلْ يَحْصُلُ بِهَذَا الِاقْتِدَاءِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ؟ ظَاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي التَّطَوُّعِ لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ يُفِيدُ عَدَمَهُ تَأَمَّلْ. بَقِيَ لَوْ اقْتَدَى بِهِ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ ثُمَّ جَاءَتْ جَمَاعَةٌ اقْتَدَوْا بِهِ. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ. اهـ.
قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ كَانَ الْكُلُّ مُتَنَفِّلِينَ، أَمَّا لَوْ اقْتَدَى مُتَنَفِّلُونَ بِمُفْتَرِضٍ فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا نَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي.
(قَوْلُهُ فِي صَلَاةِ رَغَائِبَ) فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ لِلْحَمَوِيِّ: هِيَ الَّتِي فِي رَجَبٍ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ: وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ كُتُبًا فِي إنْكَارِهَا وَذَمِّهَا وَتَسَفِّيهِ فَاعِلِهَا، وَلَا يُغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْفَاعِلِينَ لَهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ. اهـ. وَقَدَّمْنَا بَعْضَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِحْيَاءُ لَيْلَةِ الْعِيدَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَبَرَاءَةٍ) هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
(قَوْلُهُ وَقَدْرٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا لَيْلَةُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَخْبَارَ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ إلَّا إذَا قَالَ إلَخْ) لِأَنَّهُ لَا خُرُوجَ عَنْهَا حِينَئِذٍ إلَّا بِالْجَمَاعَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ النَّذْرَ مِنْ الْمُقْتَدِينَ دُونَ الْإِمَامِ وَإِلَّا كَانَ اقْتِدَاءُ النَّاذِرِ بِالنَّاذِرِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ ثُمَّ إنَّ بِنَاءَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ إنَّمَا يُمْنَعُ إذَا كَانَتْ الْقُوَّةُ ذَاتِيَّةً، فَلَوْ عَرَضَتْ بِالنَّذْرِ كَمَا هُنَا فَلَا، وَمِنْ هُنَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: النَّذْرُ كَالنَّفْلِ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ.
(قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ) لَمْ يَنْقُلْ عِبَارَةَ الْبَزَّازِيَّةِ بِتَمَامِهَا وَنَصُّهَا: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّفَ لِالْتِزَامِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كُلَّ هَذَا التَّكَلُّفِ لِإِقَامَةِ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ وَهُوَ أَدَاءُ النَّفْلِ بِالْجَمَاعَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي، فَلَوْ تَرَكَ أَمْثَالَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ تَارِكٌ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشِّعَارِ فَحَسَنٌ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِالنَّذْرِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ أَدَاءَ النَّفْلِ بِالْجَمَاعَةِ. (قَوْلُهُ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إلَخْ) عِبَارَتُهَا نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ: وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ فِيمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالتَّرَاوِيحَ وَالْوِتْرَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا آخَرِينَ فِي التَّرَاوِيحِ وَنَوَى الْإِمَامَةَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُكْرَهُ لِلْمَأْمُومَيْنِ. وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَاقْتَدَى النَّاسُ بِهِ لَمْ يُكْرَهْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. اهـ. قَالَ ط: وَهَلْ إذَا اقْتَدَى حَنَفِيٌّ نَوَى سُنَّةَ الْجُمُعَةِ الْبَعْدِيَّةِ بِشَافِعِيٍّ يُصَلِّي الظُّهْرَ بَعْدَهَا يُكْرَهُ نَظَرًا لِاعْتِقَادِ الْحَنَفِيِّ لِأَنَّهَا نَفْلٌ عِنْدَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَوْ لَا يُكْرَهُ نَظَرًا لِاعْتِقَادِ الْإِمَامِ؟ حَرِّرْهُ. اهـ. وَيَظْهَرُ لِي الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْأَرْجَحَ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِاعْتِقَادِ الْمُقْتَدِي، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ فِي اعْتِقَادِهِ مَكْرُوهَةٌ.
(قَوْلُهُ تَصْحِيحَانِ) رَجَّحَ الْكَمَالُ الْجَمَاعَةَ «بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ أَوْتَرَ بِهِمْ ثُمَّ بَيَّنَ الْعُذْرَ فِي تَأَخُّرِهِ مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي التَّرَاوِيحِ» فَالْوِتْرُ كَالتَّرَاوِيحِ؛ فَكَمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهَا سُنَّةٌ فَكَذَلِكَ الْوِتْرُ بَحْرٌ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهَا أَفْضَلُ إلَّا أَنَّ سُنِّيَّتَهَا
стр. 706
بَابُ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ (شَرَعَ فِيهَا أَدَاءً) خَرَجَ النَّافِلَةُ وَالْمَنْذُورَةُ وَالْقَضَاءُ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا (مُنْفَرِدًا ثُمَّ أُقِيمَتْ) أَيْ شُرِعَ فِي الْفَرِيضَةِ فِي مُصَلَّاهُ،
ــ
[رد المحتار]
لَيْسَتْ كَسُنِّيَّةِ جَمَاعَةِ التَّرَاوِيحِ. اهـ. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ النَّاسِ الْيَوْمَ اهـ وَقَوَّاهُ الْمُحَشِّي أَيْضًا بِأَنَّهُ مُقْتَضَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا شُرِعَ بِجَمَاعَةٍ فَالْمَسْجِدُ أَفْضَلُ فِيهِ.
[بَابُ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ]
ِ حَقِيقَةُ هَذَا الْبَابِ مَسَائِلُ شَتَّى تَتَعَلَّقُ بِالْفَرَائِضِ فِي الْأَدَاءِ الْكَامِلِ، وَكُلُّهُ مَسَائِلُ الْجَامِعِ بَحْرٌ وَفَتْحٌ وَمِعْرَاجٌ.
أَقُولُ: وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَتْمِيمٌ لِبَابِ الْإِمَامَةِ، وَلِذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِ مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ عَقِبَهُ، وَتَرْجَمَهُ بِفَصْلِ إدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ وَفَضِيلَتِهَا.
(قَوْلُهُ خَرَجَ النَّافِلَةُ إلَخْ) أَيْ خَرَجَ بِالْفَرِيضَةِ النَّافِلَةُ وَالنَّذْرُ، وَكَذَا بِالْأَدَاءِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي فِعْلُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ، فَالنَّفَلُ وَالنَّذْرُ لَا وَقْتَ لَهُمَا، وَالْقَضَاءُ فِعْلُهُ خَارِجَ وَقْتِهِ. قَالَ ح: فَقَوْلُهُ فِيمَا سَيَأْتِي: وَالشَّارِعُ فِي نَفْلٍ لَا يَقْطَعُ مُطْلَقًا تَصْرِيحٌ بِالْمَفْهُومِ.
(قَوْلُهُ وَالْقَضَاءُ) يَعْنِي إذَا شَرَعَ فِي صَلَاةِ قَضَاءٍ ثُمَّ شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي قَضَاءِ فَرْضٍ فَأُقِيمَتْ الْجَمَاعَةُ فِي ذَلِكَ الْفَرْضِ بِعَيْنِهِ يَقْطَعُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا وَجَزَمَ بِهِ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ. اهـ. ح.
أَقُولُ: وَجَزَمَ بِهِ الْمَقْدِسِيَّ أَيْضًا؛ وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَحْرِ فَلَمْ أَرَهُ فِيهِ. وَاَلَّذِي رَأَيْته فِيهِ مَعْزِيًّا لِلْخُلَاصَةِ: لَوْ شَرَعَ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ ثُمَّ أُقِيمَتْ لَا يَقْطَعُ كَالنَّفْلِ وَالْمَنْذُورَةُ كَالْفَائِتَةِ. اهـ.
[تَنْبِيهٌ] لَوْ خَافَ فَوْتَ جَمَاعَةِ الْحَاضِرَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ قَضَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهَلْ يَقْضِي لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى حَسَبِ مَا وَجَبَ، وَلِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ فَإِنَّ التَّرْتِيبَ لَا يَسْقُطُ عِنْدَهُ بِالْأَعْذَارِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَنَا، أَمْ يَقْتَدِي لِإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ مَعَ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْقَضَاءِ وَإِمْكَانِ تَلَافِيه. قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: لَمْ أَرَهُ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ اخْتِلَافَ التَّرْجِيحِ فِيهِ. وَاسْتَظْهَرَ الثَّانِيَ.
قُلْت: وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا أَوْ فِي حُكْمِ الْوَاجِبِ، وَلِذَا يَتْرُكُ لِأَجْلِهَا سُنَّةَ الْفَجْرِ الَّتِي قِيلَ عِنْدَنَا بِوُجُوبِهَا، وَمُرَاعَاةُ خِلَافِ الْإِمَامِ مَالِكٍ مُسْتَحَبَّةٌ، فَلَا يَنْبَغِي تَفْوِيتُ الْوَاجِبِ لِأَجْلِ الْمُسْتَحَبِّ.
(قَوْلُهُ أَيْ شُرِعَ فِي الْفَرِيضَةِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَفِي الْفَرِيضَةِ نَائِبُ الْفَاعِلِ: أَيْ شَرَعَ فِيهَا الْإِمَامُ وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالْفَاسِقِ وَالْأَعْمَى وَنَحْوِهِمَا أَوْلَى مِنْ الِانْفِرَادِ، وَكَذَا بِالْمُخَالِفِ الَّذِي يُرَاعِي فِي الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ. وَعَلَيْهِ فَيَقْطَعُ وَيَقْتَدِي بِهِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَحْصِيلُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، فَحَيْثُ حَصَلَتْ بِلَا كَرَاهَةٍ، بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ كَانَ الْقَطْعُ وَالِاقْتِدَاءُ أَوْلَى وَقَدَّمْنَا اخْتِلَافَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَا لَوْ تَعَدَّدَتْ الْجَمَاعَاتُ وَسَبَقَتْ جَمَاعَةُ الشَّافِعِيَّةِ فَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ أَوَّلِ جَمَاعَةٍ أَفْضَلُ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ انْتِظَارَ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُوَافِقِ أَفْضَلُ بِنَاءً عَلَى كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالِفِ لِعَدَمِ مُرَاعَاتِهِ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ وَإِنْ رَاعَى فِي الْفُرُوضِ وَاسْتَظْهَرْنَا هُنَاكَ عَدَمَ كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ مُفْسِدًا كَمَا مَال إلَيْهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ، وَأَنَّهُ لَوْ انْتَظَرَ إمَامَ مَذْهَبِهِ بَعِيدًا عَنْ الصُّفُوفِ لَمْ يَكُنْ إعْرَاضًا عَنْ الْجَمَاعَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ يُرِيد جَمَاعَةً أَكْمَلَ مِنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَعَ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ يُتِمُّهَا أَرْبَعًا حَتَّى عَلَى قَوْلِ الْكَمَالِ الْآتِي.
بَقِيَ لَوْ كَانَ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ثُمَّ شَرَعَ مَنْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ هَلْ يَقْطَعُ وَيَقْتَدِي بِهِ؟ اسْتَظْهَرَ ط أَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ فَاسِقًا لَا يَقْطَعُ، وَلَوْ مُخَالِفًا وَشَكَّ فِي مُرَاعَاتِهِ يَقْطَعُ.
стр. 707
لَا إقَامَةُ الْمُؤَذِّنِ وَلَا الشُّرُوعُ فِي مَكَان وَهُوَ فِي غَيْرِهِ (يَقْطَعُهَا) لِعُذْرِ إحْرَازِ الْجَمَاعَةِ كَمَا لَوْ نَدَّتْ دَابَّتُهُ أَوْ فَارَ قِدْرُهَا، أَوْ خَافَ ضَيَاعَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ كَانَ فِي النَّفْلِ فَجِيءَ بِجِنَازَةٍ وَخَافَ فَوْتَهَا قَطَعَهُ لِإِمْكَانِ قَضَائِهِ.
وَيَجِبُ الْقَطْعُ لِنَحْوِ إنْجَاءِ غَرِيقٍ أَوْ حَرِيقٍ. وَلَوْ دَعَاهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فِي الْفَرْضِ لَا يُجِيبُهُ إلَّا أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِ. وَفِي النَّفْلِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ فَدَعَاهُ لَا يُجِيبُهُ وَإِلَّا أَجَابَهُ (قَائِمًا) لِأَنَّ الْقُعُودَ مَشْرُوطٌ لِلتَّحَلُّلِ، وَهَذَا قَطْعٌ لَا تَحَلُّلٌ، وَيَكْتَفِي (بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ)
ــ
[رد المحتار]
أَقُولُ: وَالْأَظْهَرُ الْعَكْسُ، لِأَنَّ الثَّانِيَ كَرَاهَتُهُ تَنْزِيهِيَّةٌ كَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَابِيِّ، بِخِلَافِ الْفَاسِقِ؛ فَإِنَّهُ اسْتَظْهَرَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّ فِي تَقْدِيمِهِ لِلْإِمَامَةِ تَعْظِيمَهُ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْنَا إهَانَتُهُ، بَلْ عِنْدَ مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ.
(قَوْلُهُ لَا إقَامَةُ الْمُؤَذِّنِ إلَخْ) مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ شُرِعَ فِي الْفَرِيضَةِ فِي مُصَلَّاهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ الْمُرَادُ بِالْإِقَامَةِ الشُّرُوعِ فِي الْفَرِيضَةِ فِي مُصَلَّاهُ لَا إقَامَةُ الْمُؤَذِّنِ إلَخْ ح أَيْ فَلَا يَقْطَعُ إذَا أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَةَ بِالسَّجْدَةِ بَلْ يُتِمُّهَا رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ أُقِيمَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ لَا يَقْطَعُ مُطْلَقًا بَحْرٌ: أَيْ سَوَاءٌ قَيَّدَ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ أَوْ لَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إحْرَازُ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مُخَالَفَةُ الْجَمَاعَةِ عِيَانًا مِعْرَاجٌ: أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ فِي عَدَمِ قَطْعِهَا مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ عِيَانًا. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا أَوْرَدَهُ ط مِنْ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِطَلَبِ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ إنْ فَاتَتْهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ وَلَمْ تُقَيَّدْ بِمَسْجِدِهِ وَأَنَّ الْقَطْعَ لِلْإِكْمَالِ إكْمَالٌ، فَلَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ.
وَبَيَانُ الدَّفْعِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَطْلُوبَةً لَا وَاجِبَةً، لَكِنْ عَارَضَ وُجُوبَهَا حُرْمَةُ الْقَطْعِ فَسَقَطَ الْوُجُوبُ، وَتَرَجَّحَ الْقَطْعُ لِلْإِكْمَالِ إذَا كَانَ فِي عَدَمِ الْقَطْعِ مُخَالَفَةُ الْجَمَاعَةِ عِيَانًا لِأَنَّ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ مَنْهِيَّةٌ أَيْضًا فَصَارَ الْقَطْعُ أَوْلَى لِذَلِكَ. أَمَّا إذَا لَمْ تُوجَدْ الْمُخَالَفَةُ الْمَذْكُورَةُ يَبْقَى الْوُجُوبُ سَاقِطًا بِحُرْمَةِ الْقَطْعِ لِتَرَجُّحِ الْحَاظِرِ عَلَى الْمُبِيحِ وَعَدَمِ مَا يُرَجِّحُ جَانِبَ الْمُبِيحِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَدَبَّرْهُ.
(قَوْلُهُ يَقْطَعُهَا) قَالَ فِي الْمِنَحِ: جَازَ نَقْضُ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا لِإِحْرَازِ الْجَمَاعَةِ. اهـ. وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ الِاسْتِحْبَابُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ إحْرَازَ الْجَمَاعَةِ وَاجِبٌ عَلَى أَعْدَلِ الْأَقْوَالِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَطْعِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ عَارَضَهُ الشُّرُوعُ فِي الْعَمَلِ ط.
(قَوْلُهُ كَمَا لَوْ نَدَّتْ إلَخْ) أَيْ هَرَبَتْ، وَأَشَارَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ هُنَا وَإِنْ تَقَدَّمَتْ فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَكُرِهَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ إلَى مَا قَالُوا مِنْ أَنَّهُ إذَا جَازَ الْقَطْعُ فِيهَا لِحُطَامِ الدُّنْيَا ثُمَّ الْإِعَادَةُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ إحْسَانٍ فَجَوَازُهُ لِتَحْصِيلِهِ عَلَى وَجْهٍ أَكْمَلَ أَوْلَى، لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَفِي رِوَايَةٍ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً.
(قَوْلُهُ أَوْ خَافَ ضَيَاعَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: لَمْ يَفْصِلْ فِي الْكِتَابِ بَيْنَ الْمَالِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ قَدَّرُوهُ بِدِرْهَمٍ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ هَذَا حَسَنٌ لَوْلَا مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ أَنَّ لِلطَّالِبِ حَبْسَ غَرِيمِهِ بِالدَّانَقِ فَمَا فَوْقَهُ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمُسْلِمِ بِالدَّانَقِ فَجَوَازُ قَطْعِ الصَّلَاةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ قَضَائِهَا أَوْلَى. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَصْلَ بَيْنَ مَالِهِ وَمَالِ غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ لِإِمْكَانِ قَضَائِهِ) هَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ جَوَازَ قَطْعِ الْفَرْضِ لِلْجِنَازَةِ ح عَنْ الْإِمْدَادِ.
قُلْت: عَارَضَهُ: أَنَّ الْفَرْضَ أَقْوَى مِنْهَا بِخِلَافِ النَّفْلِ ط
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ) أَيْ يُفْتَرَضُ (قَوْلُهُ لَا يُجِيبُهُ) ظَاهِرُهُ الْحُرْمَةُ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا ط.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِ) أَيْ يَطْلُبَ مِنْهُ الْغَوْثَ وَالْإِعَانَةَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي أَمْرٍ غَيْرِ مُهْلِكٍ وَاسْتِغَاثَةُ غَيْرِ الْأَبَوَيْنِ كَذَلِكَ ط.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ مَتَى سَمِعَ أَحَدًا يَسْتَغِيثُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِالنِّدَاءِ، أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا حَلَّ بِهِ أَوْ عَلِمَ وَكَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إغَاثَتِهِ وَتَخْلِيصِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إغَاثَتُهُ وَقَطَعَ الصَّلَاةَ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ لَا يُجِيبُهُ) عِبَارَةُ
стр. 708
هُوَ الْأَصَحُّ غَايَةٌ
(وَيَقْتَدِي بِالْإِمَامِ) وَهَذَا (إنْ لَمْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِسَجْدَةٍ أَوْ قَيَّدَهَا) بِهَا (فِي غَيْرِ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ فِيهَا و) لَكِنْ (ضَمَّ إلَيْهَا) رَكْعَةً (أُخْرَى) وُجُوبًا ثُمَّ يَأْتَمُّ إحْرَازًا لِلنَّفْلِ وَالْجَمَاعَةِ (وَإِنْ صَلَّى ثَلَاثًا مِنْهَا) أَيْ الرُّبَاعِيَّةِ
ــ
[رد المحتار]
التَّجْنِيسِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ: لَا بَأْسَ أَنْ لَا يُجِيبَهُ. قَالَ ح: وَهِيَ تَقْتَضِي أَنَّ الْإِجَابَةَ أَفْضَلُ تَأَمَّلْ اهـ.
قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ إجَابَتَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ أَيْضًا بِالْأَوْلَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا تَأَذَّى مِنْهُ بِتَرْكِ الْإِجَابَةِ لِكَوْنِهِ عُقُوقًا تَأَمَّلْ.
هَذَا، وَذَكَرَ الرَّحْمَتِيُّ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَاجِبًا وَكَانَ مَظِنَّةَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ إذَا نَادَاهُ أَحَدُهُمَا يَكُونُ عَلَيْهِ بَأْسٌ فِي عَدَمِ إجَابَتِهِ دُفِعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لَا بَأْسَ تَرْجِيحًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ قَطْعِ الْعِبَادَةِ لِأَنَّ نِدَاءَهُ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ مَعْصِيَةٌ، وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، فَلَا تَجُوزُ إجَابَتُهُ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُجِيبُهُ، لِمَا عُلِمَ فِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ، وَدُعَاءِ أُمِّهِ عَلَيْهِ، وَمَا نَالَهُ مِنْ الْعَنَاءِ لِعَدَمِ إجَابَتِهِ لَهَا فَلَيْسَ كَلِمَةُ لَا بَأْسَ هُنَا لِخِلَافِ الْأَوْلَى لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فِيهَا، بَلْ قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى يَجِبُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْهُ.
مَطْلَبٌ قَطْعُ الصَّلَاةِ يَكُونُ حَرَامًا وَمُبَاحًا وَمُسْتَحَبًّا وَوَاجِبًا.
[تَتِمَّةٌ] نُقِلَ عَنْ خَطِّ صَاحِبِ الْبَحْرِ عَلَى هَامِشِهِ أَنَّ الْقَطْعَ يَكُونُ حَرَامًا وَمُبَاحًا وَمُسْتَحَبًّا وَوَاجِبًا، فَالْحَرَامُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَالْمُبَاحُ إذَا خَافَ فَوْتَ مَالٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ الْقَطْعُ لِلْإِكْمَالِ، وَالْوَاجِبُ لِإِحْيَاءِ نَفْسٍ.
(قَوْلُهُ هُوَ الْأَصَحُّ) وَقِيلَ يَقْعُدُ وَيُسَلِّمُ، لَكِنْ ذَكَرَ ط أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ هُنَا، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِيمَا إذَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِسَجْدَةٍ اهـ وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى إرْجَاعُ التَّصْحِيحِ إلَى قَوْلِهِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَإِنَّمَا قَالَ: لَكِنْ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، وَبِهِ صَرَّحَ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَإِنْ شَاءَ كَبَّرَ قَائِمًا. قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَهَذَا أَصَحُّ، فَإِذَا كَبَّرَ قَائِمًا يَنْوِي الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ تَنْقَطِعُ الْأُولَى فِي ضِمْنِ شُرُوعِهِ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ حُمَيْدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ فِي شَرْحِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا إنْ لَمْ يُقَيِّدْ إلَخْ) حَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: شَرَعَ فِي فَرْضٍ فَأُقِيمَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لِلْأُولَى قَطَعَ وَاقْتَدَى، فَإِنْ سَجَدَ لَهَا، فَإِنْ فِي رُبَاعِيٍّ أَتَمَّ شَفْعًا وَاقْتَدَى مَا لَمْ يَسْجُدْ لِلثَّالِثَةِ، فَإِنْ سَجَدَ أَتَمَّ وَاقْتَدَى مُتَنَفِّلًا إلَّا فِي الْعَصْرِ، وَإِنْ فِي غَيْرِ رُبَاعِيٍّ قَطَعَ وَاقْتَدَى مَا لَمْ يَسْجُدْ لِلثَّانِيَةِ، فَإِنْ سَجَدَ لَهَا أَتَمَّ وَلَمْ يَقْتَدِ. اهـ. ح (قَوْلُهُ أَوْ قَيَّدَهَا) عُطِفَ عَلَى لَمْ يُقَيِّدْ: أَيْ وَإِنْ قَيَّدَهَا بِسَجْدَةٍ فِي غَيْرِ رُبَاعِيَّةٍ كَالْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيَقْتَدِي أَيْضًا مَا لَمْ يُقَيِّدْ الثَّانِيَةَ بِسَجْدَةٍ، فَإِنْ قَيَّدَهَا أَتَمَّ، وَلَا يَقْتَدِي لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَبِالثَّلَاثِ فِي الْمَغْرِبِ، وَفِي جَعْلِهَا أَرْبَعًا مُخَالَفَةً لِإِمَامِهِ، فَإِنْ اقْتَدَى أَتَمَّهَا أَرْبَعًا لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بِالثَّلَاثِ تَحْرِيمًا، وَمُخَالَفَةُ الْإِمَامِ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ كَالْمَسْبُوقِ فِيمَا يُقْضَى وَالْمُقْتَدِي بِمُسَافِرٍ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ أَوْ فِيهَا إلَخْ) أَيْ أَوْ قَيَّدَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِسَجْدَةٍ فِي الرُّبَاعِيَّةِ فَإِنَّهُ أَيْضًا يَقْتَدِي وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً صِيَانَةً لِلرَّكْعَةِ الْمُؤَدَّاةِ عَنْ الْبُطْلَانِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
مَطْلَبٌ صَلَاةُ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ بَاطِلَةٌ، لَا صَحِيحَةٌ مَكْرُوهَةٌ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ صَلَاةَ رَكْعَةٍ فَقَطْ بَاطِلَةٌ لَا أَنَّهَا صَحِيحَةٌ مَكْرُوهَةٌ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ حَنَفِيَّةِ الْعَصْرِ. اهـ. وَفِي النَّهْرِ أَنَّ بُطْلَانَ هَذَا التَّوَهُّمِ غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ صَلَّى ثَلَاثًا مِنْهَا) أَيْ بِأَنْ قَيَّدَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: قَيَّدَ بِالثَّلَاثِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الثَّالِثَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِسَجْدَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهَا لِأَنَّهُ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ. وَيَتَخَيَّرُ
стр. 709
(أَتَمَّ) مُنْفَرِدًا (ثُمَّ اقْتَدَى) بِالْإِمَامِ (مُتَنَفِّلًا، وَيُدْرِكُ) بِذَلِكَ (فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ) حَاوِي (إلَّا فِي الْعَصْرِ) فَلَا يَقْتَدِي لِكَرَاهَةِ النَّفْلِ بَعْدَهُ (وَالشَّارِعُ فِي نَفْلٍ لَا يَقْطَعُ مُطْلَقًا) وَيُتِمُّهُ رَكْعَتَيْنِ (وَكَذَا سُنَّةُ الظُّهْرِ و) سُنَّةُ (الْجُمُعَةِ إذَا أُقِيمَتْ أَوْ خَطَبَ الْإِمَامُ) يُتِمُّهَا أَرْبَعًا (عَلَى) الْقَوْلِ (الرَّاجِحِ) لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ الْقَطْعُ لِلْإِكْمَالِ بَلْ لِلْإِبْطَالِ خِلَافًا لِمَا رَجَّحَهُ الْكَمَالُ
ــ
[رد المحتار]
إنْ شَاءَ عَادَ وَقَعَدَ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ كَبَّرَ قَائِمًا يَنْوِي الدُّخُولَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي الْمُحِيطِ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْطَعُ قَائِمًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْقُعُودَ مَشْرُوطٌ لِلتَّحَلُّلِ، وَهَذَا قَطْعٌ وَلَيْسَ بِتَحَلُّلٍ، فَإِنَّ التَّحَلُّلَ عَنْ الظُّهْرِ لَا يَكُونُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَيَكْفِيهِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْقَطْعِ انْتَهَى: وَهَكَذَا صَحَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَتَمَّ) أَيْ وُجُوبًا؛ فَلَوْ قَطَعَ وَاقْتَدَى كَانَ آثِمًا رَمْلِيٌّ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ بِحِيلَةٍ، مِثْلَ أَنْ لَا يَقْعُدَ عَلَى الرَّابِعَةِ وَيُصَيِّرَهَا سِتًّا كَمَا فِي الْمُحِيطِ. وَمِثْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّابِعَةَ قَاعِدًا لِتَنْقَلِبَ نَفْلًا لِأَنَّ الْإِتْمَامَ فَرْضٌ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ اقْتَدَى مُتَنَفِّلًا) أَيْ إنْ شَاءَ، وَهُوَ أَفْضَلُ إمْدَادٍ.
وَأُورِدَ أَنَّ التَّنَفُّلَ بِجَمَاعَةٍ مَكْرُوهٌ خَارِجَ رَمَضَانَ. وَأُجِيبَ بِنَعَمْ إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ مُتَطَوِّعِينَ، أَمَّا إذَا أَدَّى الْإِمَامُ الْفَرْضَ وَالْقَوْمُ النَّفَلَ فَلَا «لِقَوْلِهِ ﵊ لِلرَّجُلَيْنِ إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا صَلَاةَ قَوْمٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ وَاجْعَلَا صَلَاتَكُمَا مَعَهُمْ سُبْحَةً» أَيْ نَافِلَةً، كَذَا فِي الْكَافِي بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ وَيُدْرِكُ بِذَلِكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُحَصِّلُ بِذَلِكَ الِاقْتِدَاءِ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي هِيَ الْمُضَاعَفَةُ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً؛ كَمَا لَوْ كَانَ صَلَّى الْفَرِيضَةَ مُقْتَدِيًا لِأَنَّ هَذِهِ جَمَاعَةٌ مَشْرُوعَةٌ أَيْضًا إمَّا لِاسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ أَوْ لِئَلَّا يَصِيرَ مُخَالِفًا لِلْجَمَاعَةِ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ مُضَاعَفَةُ ثَوَابِ النَّفْلِ لَا الْفَرْضِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ حَاوِي) أَيْ حَاوِي الْقُدْسِيِّ كَمَا فِي الْبَحْرِ، لَا حَاوِي الْحَصِيرِيِّ وَلَا حَاوِي الزَّاهِدِيِّ.
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ قَيَّدَ الْأُولَى بِسَجْدَةٍ أَوْ لَا (قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا رَجَّحَهُ الْكَمَالُ) حَيْثُ قَالَ: وَقِيلَ يَقْطَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَضَائِهِ بَعْدَ الْفَرْضِ. وَلَا إبْطَالَ فِي التَّسْلِيمِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَا يَفُوتُ فَرْضُ الِاسْتِمَاعِ وَالْأَدَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ بِلَا سَبَبٍ. اهـ.
أَقُولُ: وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ اخْتِيَارُهُ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْمُلْتَقَى وَنُورِ الْإِيضَاحِ وَالْمَوَاهِبِ وَجُمُعَةِ الدُّرَرِ وَالْفَيْضِ، وَعَزَاهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ إلَى الْبُرْهَانِ. وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ السَّعْدِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ لَمَّا رَآهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَنَّهُ مَالَ إلَيْهِ السَّرَخْسِيُّ وَالْبَقَّالِيُّ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ الْقَاضِي النَّسَفِيُّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَقْدِسِيَّ الْمَيْلُ إلَيْهِ. وَنَقَلَ فِي الْحِلْيَةِ كَلَامَ شَيْخِهِ الْكَمَالِ. ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ كَمَا قَالَ.
هَذَا، وَمَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ الْوَلْوَالِجِيُّ وَصَاحِبُ الْمُبْتَغَى وَالْمُحِيطِ ثُمَّ الشُّمُنِّيُّ. وَفِي جُمُعَةِ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالظَّاهِرُ مَا صَحَّحَهُ الْمَشَايِخُ لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ فِي التَّسْلِيمِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ إبْطَالَ وَصْفِ السُّنِّيَّةِ لَا لِإِكْمَالِهَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَيَشْهَدُ لَهُمْ إثْبَاتُ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ لِلْأَرْبَعِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ اهـ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ.
أَقُولُ: لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ النَّوَافِلِ أَنَّهُ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ لَوْ نَوَى أَرْبَعًا وَأَفْسَدَهُ، وَأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ، وَأَنَّهُ صَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ رُجُوعَ أَبِي يُوسُفَ إلَيْهِ، وَصَرَّحَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يَشْمَلُ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ، حَتَّى لَوْ قَطَعَهَا قَضَى رَكْعَتَيْنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَنَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ اخْتَارَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْفَضْلِ وَصَحَّحَهُ فِي النِّصَابِ، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا تَرْجِيحُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَحَيْثُ
стр. 710
(وَكُرِهَ) تَحْرِيمًا لِلنَّهْيِ (خُرُوجُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مِنْ مَسْجِدٍ أُذِنَّ فِيهِ) جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَالْمُرَادُ دُخُولُ الْوَقْتِ أُذِّنَ فِيهِ أَوْ لَا (إلَّا لِمَنْ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ جَمَاعَةٍ أُخْرَى) أَوْ كَانَ الْخُرُوجُ لِمَسْجِدِ حَيِّهِ وَلَمْ يُصَلُّوا فِيهِ، أَوْ لِأُسْتَاذِهِ لِدَرْسِهِ، أَوْ لِسَمَاعِ الْوَعْظِ
ــ
[رد المحتار]
كَانَتْ الْمُتُونُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالشُّرُوعِ فِي السُّنَنِ إلَّا رَكْعَتَانِ لَمْ تَكُنْ فِي حُكْمِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي التَّسْلِيمِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ إبْطَالًا لَهَا وَإِبْطَالَ وَصْفِ السُّنِّيَّةِ لِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ مَعَ إمْكَانِ تَدَارُكِهَا بِالْقَضَاءِ بَعْدَ الْفَرْضِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ حَيْثُ لَمْ يَقُمْ إلَى الثَّالِثَةِ، أَمَّا إنْ قَامَ إلَيْهَا وَقَيَّدَهَا بِسَجْدَةٍ، فَفِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ يُضِيفُ إلَيْهَا رَابِعَةً وَيُسَلِّمُ، وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْهَا بِسَجْدَةٍ. قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: لَمْ يُذْكَرْ فِي النَّوَادِرِ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قِيلَ يُتِمُّهَا أَرْبَعًا وَيُخَفِّفُ الْقِرَاءَةَ وَقِيلَ يَعُودُ إلَى الْقَعْدَةِ وَيُسَلِّمُ وَهَذَا أَشْبَهُ. اهـ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُتِمَّهَا لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ صَلَاةً وَاحِدَةً فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ النَّوَافِلِ كُلُّ شَفْعٍ صَلَاةٌ فَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ كَالتَّحْرِيمَةِ الْمُبْتَدَأَةِ، وَإِذَا كَانَ أَوَّلُ مَا تَحْرُمُ يُتِمُّ شَفْعًا فَكَذَا هُنَا اهـ.
مَطْلَبٌ فِي كَرَاهَةِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ تَحْرِيمًا لِلنَّهْيِ) وَهُوَ مَا فِي ابْنِ مَاجَهْ «مَنْ أَدْرَكَ الْأَذَانَ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ فَهُوَ مُنَافِقٌ» وَأَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ " كُنَّا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ " وَالْمَوْقُوفُ فِي مِثْلِهِ كَالْمَرْفُوعِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ مِنْ مَسْجِدٍ أُذِّنَ فِيهِ) أَطْلَقَهُ، فَشَمِلَ مَا إذَا أُذِّنَ وَهُوَ فِيهِ أَوْ دَخَلَ بَعْدَ الْأَذَانِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ.
(قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ) بَحْثٌ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ الْأَذَانِ فِيهِ هُوَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَهُوَ دَاخِلَهُ، سَوَاءٌ أُذِّنَ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ عَدَمُ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، سَوَاءٌ خَرَجَ أَوْ مَكَثَ بِلَا صَلَاةٍ كَمَا نُشَاهِدُهُ مِنْ بَعْضِ الْفَسَقَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يُؤَخِّرُونَ لِدُخُولِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ كَالصُّبْحِ مَثَلًا فَخَرَجَ ثُمَّ رَجَعَ وَصَلَّى مَعَهُمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ، وَلَمْ أَرَهُ كُلَّهُ مَنْقُولًا اهـ وَجَزَمَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي النَّهْرِ لِدَلَالَةِ كَلَامِهِمْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ إلَّا لِمَنْ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ جَمَاعَةٍ أُخْرَى) بِأَنْ كَانَ إمَامًا أَوْ مُؤَذِّنًا تَتَفَرَّقُ النَّاسُ بِغَيْبَتِهِ لِأَنَّهُ تَرَكَ صُورَةَ تَكْمِيلِ مَعْنَى، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى بَحْرٌ. وَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ أَنَّ لَهُ الْخُرُوجَ وَلَوْ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي مَتْنِ الدُّرَرِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ وَشَرْحِ الْوِقَايَةِ.
(قَوْلُهُ أَوْ كَانَ الْخُرُوجُ لِمَسْجِدِ حَيِّهِ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامًا وَلَا مُؤَذِّنًا كَمَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ خُرُوجُهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ مَنْدُوبَةٌ، فَلَا يَرْتَكِبُ الْمَكْرُوهَ لِأَجْلِ الْمَنْدُوبِ وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. اهـ.
قُلْت: لَكِنَّ تَتِمَّةَ عِبَارَةِ النِّهَايَةِ هَكَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ، وَلَوْ صَلَّى فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ أَيْضًا لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِهِ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَخْرُجَ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْمِعْرَاجِ فَتَأَمَّلْ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُصَلُّوا فِيهِ تَبَعًا لِمَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّهُ لَوْ صَلَّوْا فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ لَا يَخْرُجُ نِهَايَةٌ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْمَسْجِدِ بِالدُّخُولِ.
(قَوْلُهُ أَوْ لِأُسْتَاذِهِ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى حَيِّهِ أَيْ أَوْ لِمَسْجِدِ أُسْتَاذِهِ. قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ ثُمَّ لِلْمُتَفَقِّهِ جَمَاعَةُ مَسْجِدِ أُسْتَاذِهِ لِأَجْلِ دَرْسِهِ أَوْ لِسَمَاعِ الْأَخْبَارِ أَوْ لِسَمَاعِ مَجْلِسِ، الْعَامَّةِ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابَيْنِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَخْرُجُ إذَا خَشِيَ فَوَاتَ الدَّرْسِ أَوْ بَعْضِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الدَّرْسُ مِمَّا يَجِبُ
стр. 711
أَوْ لِحَاجَةٍ وَمِنْ عَزْمِهِ أَنْ يَعُودَ نَهْرٌ (وَ) إلَّا (لِمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعِشَاءَ) وَحْدَهُ (مَرَّةً) فَلَا يُكْرَهُ خُرُوجُهُ بَلْ تَرْكُهُ لِلْجَمَاعَةِ (إلَّا عِنْدَ) الشُّرُوعِ فِي (الْإِقَامَةِ) فَيُكْرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ الْجَمَاعَةَ بِلَا عُذْرٍ. بَلْ يَقْتَدِي مُتَنَفِّلًا لِمَا مَرَّ (وَ) إلَّا (لِمَنْ صَلَّى الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ مَرَّةً) فَيَخْرُجُ مُطْلَقًا (وَإِنْ أُقِيمَتْ) لِكَرَاهَةِ النَّفْلِ بَعْدَ الْأُولَيَيْنِ، وَفِي الْمَغْرِبِ أَحَدُ الْمَحْظُورَيْنِ الْبُتَيْرَاءُ أَوْ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ بِالْإِتْمَامِ.
وَفِي النَّهْرِ: يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ خُرُوجُهُ لِأَنَّ كَرَاهَةَ مُكْثِهِ بِلَا صَلَاةٍ أَشَدُّ.
قُلْت: أَفَادَ الْقُهُسْتَانِيُّ أَنَّ كَرَاهَةَ التَّنَفُّلِ بِالثَّلَاثِ تَنْزِيهِيَّةٌ.
ــ
[رد المحتار]
تَعَلُّمُهُ عَلَيْهِ. وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْبَحْرِ فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ وَارِدٌ هُنَا.
(قَوْلُهُ أَوْ لِحَاجَةٍ إلَخْ) بَحْثٌ لِصَاحِبِ النَّهْرِ أَخَذَهُ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَارِّ (قَوْلُهُ بَلْ تَرْكُهُ لِلْجَمَاعَةِ) يَعْنِي أَنَّ نَفْيَ الْكَرَاهَةِ الْمَفْهُومَ مِنْ الِاسْتِئْنَاءِ لَيْسَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ الْمُرَادُ نَفْيُ كَرَاهَةِ الْخُرُوجِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ؛ وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ سَبَبُهُ، وَهُوَ كَوْنُهُ قَدْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى وَحْدَهُ لِيَخْرُجَ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْهُ.
[تَنْبِيهٌ] يُعْلَمُ مِنْ هُنَا وَمِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ صَلَّى ثَلَاثًا مِنْهَا أَتَمَّ ثُمَّ اقْتَدَى مُتَنَفِّلًا أَنَّ مَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا لَا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ جَمَاعَةً مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ تَجِبُ إعَادَتُهَا. وَزَادَ ابْنُ الْهُمَامِ وَغَيْرُهُ: وَمَعَ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ، وَلَا شَكَّ فِي كَرَاهَةِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا أَوْ وُجُوبِهَا لِوُجُودِ الْإِثْمِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا تَرَكَهَا بِعُذْرٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَقَدَّمْنَا تَمَامَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي جَوَابٌ شَافٍ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ إلَّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ وَلَوْ كَانَ مُقِيمَ جَمَاعَةٍ أُخْرَى لِأَنَّ فِي خُرُوجِهِ تُهْمَةً. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْفَتَاوَى، وَالتُّهْمَةُ هُنَا نَشَأَتْ مِنْ صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا، فَإِذَا خَرَجَ يُؤَيِّدُهَا، بِخِلَافِ مَا مَرَّ عَنْ الدُّرَرِ وَشَرْحِ الْوِقَايَةِ فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ، فَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا كَانَ مُقِيمَ جَمَاعَةٍ أُخْرَى وَخَرَجَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى، وَهُنَا فِيمَا إذَا كَانَ صَلَّى وَقَدْ اشْتَبَهَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَالْمُرَادُ بِمُقِيمِ الْجَمَاعَةِ مَنْ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُهَا نَحْوُ الْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ كَمَا مَرَّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمُؤَذِّنُ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقِيمَ جَمَاعَةً أُخْرَى فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ إحْرَازٌ لِلنَّفْلِ وَالْجَمَاعَةِ ح (قَوْلُهُ وَإِنْ أُقِيمَتْ) بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ ط.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْخُرُوجُ بَعْدَ الْأَذَانِ لِمَنْ كَانَ صَلَّى وَحْدَهُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ فَقَطْ لَا قَبْلَهُ.
[تَنْبِيهٌ] الْمُرَادُ بِالْإِقَامَةِ هُنَا شُرُوعُ الْمُؤَذِّنِ فِي الْإِقَامَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ لَا بِمَعْنَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ الْبُتَيْرَاءُ) تَصْغِيرُ الْبَتْرَاءِ: وَهِيَ الرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ الَّتِي لَا ثَانِيَةَ لَهَا، وَالثَّلَاثُ تَسْتَلْزِمُهَا، لَكِنْ إنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَقَطْ فَهِيَ بَاطِلَةٌ كَمَا مَرَّ عَنْ الْبَحْرِ وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثًا بِأَنْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ؛ فَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ فَسَدَتْ، فَيَقْضِي أَرْبَعًا كَمَا لَوْ نَذَرَ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَقَدَّمْنَا عَنْهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى فِيهَا فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ أَشَدُّ) أَيْ مِنْ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَمِنْ الْبُتَيْرَاءِ، لِقَوْلِ الْمُحِيطِ: لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ وِزْرٌ عَظِيمٌ.
قُلْت: لَكِنْ صَرَّحَ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ بِأَنَّ الْخُرُوجَ أَوْلَى لِأَنَّ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ أَقَلُّ كَرَاهَةً تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ وَفِي الْمَغْرِبِ أَحَدُ الْمَحْظُورَيْنِ وَعَلَى قَوْلِهِ أَشَدُّ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي بِمَفْهُومِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهَا كَرَاهَةٌ شَدِيدَةٌ وَهِيَ التَّحْرِيمِيَّةُ، لَكِنْ قَالَ ح: مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ وَصَاحِبُ
стр. 712
وَفِي الْمُضْمَرَاتِ: لَوْ اقْتَدَى فِيهِ لَأَسَاءَ (وَإِذَا خَافَ فَوْتَ) رَكْعَتَيْ (الْفَجْرِ لِاشْتِغَالِهِ بِسُنَّتِهَا تَرَكَهَا) لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ أَكْمَلَ (وَإِلَّا) بِأَنْ رَجَا إدْرَاكَ رَكْعَةٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ التَّشَهُّدُ وَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشُّرُنْبُلالي تَبَعًا لِلْبَحْرِ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ فِي النَّهْرِ (لَا) يَتْرُكُهَا بَلْ يُصَلِّيهَا عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ إنْ وَجَدَ مَكَانًا وَإِلَّا تَرَكَهَا لِأَنَّ تَرْكَ الْمَكْرُوهِ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِ السُّنَّةِ.
ــ
[رد المحتار]
غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهَا بِدْعَةٌ وَقَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِأَنَّهَا حَرَامٌ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالظَّاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْمَشَايِخَ يَسْتَدِلُّونَ «بِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ الْبُتَيْرَاءِ» ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ ظَنِّيِّ الثُّبُوتِ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ فَيُفِيدُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ عَلَى أُصُولِنَا
(قَوْلُهُ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ إلَخْ) مِنْ كَلَامِ الْقُهُسْتَانِيِّ قَصَدَ بِهِ تَأْيِيدَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ كَوْنِ الْكَرَاهَةِ تَنْزِيهِيَّةً الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْإِسَاءَةِ اهـ ح.
مَطْلَبٌ هَلْ الْإِسَاءَةُ دُونَ كَرَاهَةٍ أَوْ أَفْحَشُ
قُلْت: لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْإِسَاءَةَ دُونَ الْكَرَاهَةِ أَوْ أَفْحَشُ، وَوَفَّقْنَا بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا دُونَ التَّحْرِيمِيَّةِ وَأَفْحَشُ مِنْ التَّنْزِيهِيَّةِ (قَوْلُهُ وَإِذَا خَافَ إلَخْ) عُلِمَ مِنْهُ مَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِالْأَوْلَى نَهْرٌ. وَإِذَا تُرِكَتْ لِخَوْفِ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ فَالْأَوْلَى أَنْ تُتْرَكَ لِخَوْفِ خُرُوجِ الْوَقْتِ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ.
(قَوْلُهُ تَرَكَهَا) أَيْ لَا يَشْرَعُ فِيهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَطْعِهَا لِمَا مَرَّ أَنَّ الشَّارِعَ فِي النَّفْلِ لَا يَقْطَعُهُ مُطْلَقًا، فَمَا فِي النَّهْرِ هُنَا مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ قَيَّدَ الثَّانِيَةَ مِنْهَا بِالسَّجْدَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ أَكْمَلَ) لِأَنَّهَا تَفْضُلُ الْفَرْدَ مُنْفَرِدًا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا لَا تَبْلُغُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ ضِعْفًا وَاحِدًا مِنْهَا لِأَنَّهَا أَضْعَافُ الْفَرْضِ، وَالْوَعِيدُ عَلَى التَّرْكِ لِلْجَمَاعَةِ أَلْزَمُ مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ بِأَنْ رَجَا إدْرَاكَ رَكْعَةٍ) تَحْوِيلٌ لِعِبَارَةِ الْمَتْنِ، وَإِلَّا فَالْمُتَبَادِرُ مِنْهَا الْقَوْلُ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ التَّشَهُّدُ) أَيْ إذَا رَجَا إدْرَاكَ الْإِمَامِ فِي التَّشَهُّدِ لَا يَتْرُكُهَا بَلْ يُصَلِّيهَا، وَإِنْ عَلِمَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ مَعَهُ.
(قَوْلُهُ تَبَعًا لِلْبَحْرِ) فِيهِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ ذَكَرَ أَنَّ كَلَامَ الْكَنْزِ يَشْمَلُ التَّشَهُّدَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَوْ رَجَا إدْرَاكَ التَّشَهُّدِ فَقَطْ يَتْرُكُ السُّنَّةَ. وَنَقَلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَأَنَّهُ رَجَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ. وَنُقِلَ عَنْ الْكَافِي وَالْمُحِيطِ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، فَلَيْسَ فِيهِ سِوَى حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ، بَلْ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ خَشِيَ فَوْتَ الرَّكْعَتَيْنِ أَحْرَزَ أَحَقَّهُمَا وَهُوَ الْجَمَاعَةُ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ ضَعَّفَهُ فِي النَّهْرِ) حَيْثُ قَالَ إنَّهُ تَخْرِيجٌ عَلَى رَأْيٍ ضَعِيفٍ. اهـ.
قُلْت: لَكِنْ قَوَّاهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِمَا سَيَأْتِي، مِنْ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ مَثَلًا فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ وَأَحْرَزَ ثَوَابَهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وِفَاقًا لِصَاحِبَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِفَضِيلَتِهَا عَلَى قَوْلِهِمْ. قَالَ: وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا قِيلَ إنَّهُ لَوْ رَجَا إدْرَاكَ التَّشَهُّدِ لَا يَأْتِي بِسُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَالْحَقُّ خِلَافُهُ لِنَصِّ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا يُنَاقِضُهُ اهـ أَيْ لِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى إدْرَاكِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى إدْرَاكِهِ بِإِدْرَاكِ التَّشَهُّدِ، فَيَأْتِي بِالسُّنَّةِ اتِّفَاقًا كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ أَيْضًا، وَأَقَرَّهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَشَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ وَحَاشِيَةِ الدُّرَرِ لِنُوحٍ أَفَنْدِي وَشَرَحَهَا لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ وَنَحْوِهِ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ) أَيْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ. وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ لِأَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ كَانَ مُتَنَفِّلًا فِيهِ عِنْدَ اشْتِغَالِ الْإِمَامِ بِالْفَرِيضَةِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مَوْضِعٌ لِلصَّلَاةِ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ خَلْفَ سَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ، وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً أَنْ يُصَلِّيَهَا مُخَالِطًا لِلصَّفِّ مُخَالِفًا لِلْجَمَاعَةِ وَاَلَّذِي يَلِي ذَلِكَ خَلْفَ الصَّفِّ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ اهـ وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا تَرَكَهَا) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى كَرَاهَةِ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُصَلِّيَ فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ
стр. 713
ثُمَّ مَا قِيلَ يَشْرَعُ فِيهَا ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلْفَرِيضَةِ أَوْ ثُمَّ يَقْطَعُهَا وَيَقْضِيهَا مَرْدُودٌ بِأَنَّ دَرْءَ الْمَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ (وَلَا يَقْضِيهَا إلَّا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ ل) قَضَاءِ (فَرْضِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ
ــ
[رد المحتار]
عِنْدَ بَابِهِ مَكَانٌ لِأَنَّ تَرْكَ الْمَكْرُوهِ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِ السُّنَّةِ. غَيْرَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَتَفَاوَتُ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الصَّيْفِيِّ فَصَلَاتُهُ إيَّاهَا فِي الشِّتْوِيِّ أَخَفُّ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الصَّيْفِيِّ وَعَكْسُهُ، وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ كَرَاهَةً أَنْ يُصَلِّيَهَا مُخَالِطًا لِلصَّفِّ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْجَهَلَةِ. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي بَيْتِهِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ مَكَانٌ صَلَّاهَا فِيهِ، وَإِلَّا صَلَّاهَا فِي الشِّتْوِيِّ أَوْ الصَّيْفِيِّ إنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ مَوْضِعَانِ، وَإِلَّا فَخَلْفَ الصُّفُوفِ عِنْدَ سَارِيَةٍ، لَكِنْ فِيمَا إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ مَوْضِعَانِ وَالْإِمَامُ فِي أَحَدِهِمَا، ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ قِيلَ لَا يُكْرَهُ لِعَدَمِ مُخَالَفَةِ الْقَوْمِ، وَقِيلَ يُكْرَهُ لِأَنَّهُمَا كَمَكَانٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَفْعَلَ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِيهِ إفَادَةُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ اهـ. لَكِنْ فِي الْحِلْيَةِ قُلْت: وَعَدَمُ الْكَرَاهَةِ أَوْجَهُ لِلْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا اهـ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا قَبْلَ الشُّرُوعِ فَيَأْتِي بِهَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَأَمَّا بَقِيَّةُ السُّنَنِ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ أَتَى بِهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ اقْتَدَى، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ رَكْعَةٍ اقْتَدَى.
(قَوْلُهُ ثُمَّ مَا قِيلَ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَمَا عَنْ الْفَقِيهِ إسْمَاعِيلَ الزَّاهِدِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَشْرَعَ فِيهَا ثُمَّ يَقْطَعَهَا فَيَجِبُ الْقَضَاءُ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، دَفَعَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالشُّرُوعِ لَيْسَ أَقْوَى مِمَّا وَجَبَ بِالنَّذْرِ. وَنَصَّ مُحَمَّدٌ أَنَّ الْمَنْذُورَ لَا يُؤَدَّى بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الطُّلُوعِ. وَأَيْضًا شُرُوعٌ فِي الْعِبَادَةِ بِقَصْدِ الْإِفْسَادِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِيُؤَدِّيَهَا مَرَّةً أُخْرَى. قُلْنَا إبْطَالُ الْعَمَلِ مَنْهِيٌّ وَدَرْءُ الْمَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ اهـ وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلْفَرِيضَةِ أَيْ يَنْوِي السُّنَّةَ أَوَّلًا وَيُكَبِّرُ، ثُمَّ يَنْوِي الْفَرِيضَةَ بِقَلْبِهِ وَيُكَبِّرُ بِلِسَانِهِ، فَيَصِيرُ مُنْتَقِلًا عَنْهَا إلَى الْفَرْضِ وَفِي هَذَا إبْطَالٌ لَهَا ضِمْنًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ أَيْضًا فَلَا يَظْهَرُ قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ كَذَلِكَ ثُمَّ قَضَاهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ لَا يَرِدُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ اهـ فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ قَائِلًا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْكَنْزِ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ: وَافْتِتَاحُ الْعَصْرِ أَوْ التَّطَوُّعِ بَعْدَ رَكْعَةِ الظُّهْرِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ بِأَنَّ الظُّهْرَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ. اهـ.
[تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: لَوْ خَافَ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ بِوَجْهِهَا تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ، وَلَوْ اقْتَصَرَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ وَتَسْبِيحَةٍ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُدْرِكُهَا فَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهَا لِأَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ جَائِزٌ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ، فَسُنَّةِ السُّنَّةِ أَوْلَى. وَعَنْ الْقَاضِي الزَّرَنْجَرِيِّ: لَوْ خَافَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ يُصَلِّي السُّنَّةَ وَيَتْرُكُ الثَّنَاءَ وَالتَّعَوُّذَ وَسُنَّةَ الْقِرَاءَةِ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى آيَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَهُمَا وَكَذَا فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ. اهـ. وَفِيهَا أَيْضًا: صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ وَفَاتَهُ الْفَجْرُ لَا يُعِيدُ السُّنَّةَ إذَا قَضَى الْفَجْرَ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَقْضِيهَا إلَّا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ إلَخْ) أَيْ لَا يَقْضِي سُنَّةَ الْفَجْرِ إلَّا إذَا فَاتَتْ مَعَ الْفَجْرِ فَيَقْضِيهَا تَبَعًا لِقَضَائِهِ لَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ وَمَا إذَا فَاتَتْ وَحْدَهَا فَلَا تُقْضَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِالْإِجْمَاعِ، لِكَرَاهَةِ النَّفْلِ بَعْدَ الصُّبْحِ. وَأَمَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَهَا إلَى الزَّوَالِ كَمَا فِي الدُّرَرِ. قِيلَ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ الِاتِّفَاقِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَحَبُّ إلَيَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ. وَقَالَا: لَا يَقْضِي، وَإِنْ قَضَى فَلَا بَأْسَ بِهِ، كَذَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّقَ الْخِلَافَ وَقَالَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ لَوْ قَضَى كَانَ نَفْلًا مُبْتَدَأً أَوْ سُنَّةً، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ يَعْنِي نَفْلًا عِنْدَهُمَا سُنَّةً عِنْدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ لِقَضَاءِ فَرْضِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ وَأَشَارَ بِتَقْدِيرِ
стр. 714
لَا بَعْدَهُ فِي الْأَصَحِّ) لِوُرُودِ الْخَبَرِ بِقَضَائِهَا فِي الْوَقْتِ الْمُهْمَلِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَغَيْرُهُ عَلَيْهِ لَا يُقَاسُ (بِخِلَافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ) وَكَذَا الْجُمُعَةُ (فَإِنَّهُ) إنْ خَافَ فَوْتَ رَكْعَةٍ (يَتْرُكُهَا) وَيَقْتَدِي (ثُمَّ يَأْتِي بِهَا) عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ (فِي وَقْتِهِ) أَيْ الظُّهْرِ (قَبْلَ شَفْعِهِ) عِنْدَ مُحَمَّدٍ،
ــ
[رد المحتار]
الْمُضَافِ إلَى أَنَّ التَّبَعِيَّةَ فِي الْقَضَاءِ فَقَطْ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تُقْضَى بَعْدَهُ تَبَعًا لَهُ بَلْ تُقْضَى قَبْلَهُ تَبَعًا لِقَضَائِهِ.
(قَوْلُهُ لَا بَعْدَهُ فِي الْأَصَحِّ) وَقِيلَ تُقْضَى بَعْدَ الزَّوَالِ تَبَعًا وَلَا تُقْضَى مَقْصُودَةً إجْمَاعًا كَمَا فِي الْكَافِي إسْمَاعِيلَ.
(قَوْلُهُ لِوُرُودِ الْخَبَرِ) وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَضَاهَا مَعَ الْفَرْضِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ» كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وَالتَّعْرِيسُ: نُزُولُ الْمُسَافِرِ آخِرَ اللَّيْلِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ فِي الْوَقْتِ الْمُهْمَلِ) هُوَ مَا لَيْسَ وَقْتَ فَرِيضَةٍ: وَهُوَ مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا وَقْتٌ مُهْمَلٌ سِوَاهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ مِثْلُهُ مَا بَيْنَ بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَهُ إلَى الْمِثْلَيْنِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ) مُتَعَلِّقٌ بِوُرُودٍ أَوْ بِقَضَائِهَا فَافْهَمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مُخْتَصٌّ بِالْوَاجِبِ لِأَنَّهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي فِعْلُ الْوَاجِبِ بَعْدَ وَقْتِهِ فَلَا يَقْضِي غَيْرَهُ إلَّا بِسَمْعِيٍّ، وَهُوَ قَدْ دَلَّ عَلَى قَضَاءِ سُنَّةِ الْفَجْرِ فَقُلْنَا بِهِ، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي سُنَّةِ الظُّهْر كَمَا يَأْتِي، وَلِذَا نَقُولُ: لَا تُقْضَى سُنَّةُ الظُّهْرِ بَعْدَ الْوَقْتِ فَيَبْقَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَلَى الْعَدَمِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْجُمُعَةُ) أَيْ حُكْمُ الْأَرْبَعِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ كَالْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ كَمَا لَا يَخْفَى بَحْرٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي الْبَحْرِ مَنْقُولًا صَرِيحًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، لَكِنْ لَمْ يَعْزُهُ إلَى أَحَدٍ. وَذَكَرَ السِّرَاجُ الْحَانُوتِيُّ أَنَّ هَذَا مُقْتَضَى مَا فِي الْمُتُونِ وَغَيْرِهَا، لَكِنْ قَالَ فِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ إنَّهَا تَسْقُطُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ " إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ " اهـ رَمْلِيٌّ.
أَقُولُ: وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُصَلَّى بَعْدَ خُرُوجِهِ لَا عَلَى أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا تُقْضَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا تُقْضَى سُنَّةُ الظُّهْرِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» نَعَمْ قَدْ يُسْتَدَلُّ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي السُّنَنِ عَدَمُ الْقَضَاءِ كَمَا مَرَّ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ قَاضِي خَانْ لِقَضَاءِ سُنَّةِ الظُّهْرِ بِمَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا فَاتَتْهُ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ قَضَاهُنَّ بَعْدَهُ» فَيَكُونُ قَضَاؤُهَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَمَا فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ، فَالْمَقُولُ بِقَضَاءِ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ، وَعَلَيْهِ فَتَنْصِيصُ الْمُتُونِ عَلَى سُنَّةِ الظُّهْرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ إنْ خَافَ فَوْتَ رَكْعَةٍ إلَخْ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَسُنَّةِ الْفَجْرِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِطًا لِلصَّفِّ بِلَا حَائِلٍ كَمَا مَرَّ.
وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ كَرَاهَةِ التَّطَوُّعِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ لِلْمَكْتُوبَةِ، لَكِنْ نَقَلْنَا هُنَاكَ عَنْ عِدَّةِ كُتُبٍ تَخْصِيصَ الْكَرَاهَةِ الْمَذْكُورَةِ بِإِقَامَةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّنَفُّلَ عِنْدَهَا لَا يَخْلُو غَالِبًا عَنْ مُخَالَطَةِ الصُّفُوفِ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ (قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ) أَيْ اتِّفَاقًا. وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهَا نَفْلٌ عِنْدَهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا فَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِينَ، لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاخْتِلَافُ فِي تَقْدِيمِهَا أَوْ تَأْخِيرِهَا، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى قَضَائِهَا؛ وَهُوَ اتِّفَاقٌ عَلَى وُقُوعِهَا سُنَّةً كَمَا حَقَّقَهُ فِي الْفَتْحِ وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ فِي وَقْتِهِ) فَلَا تُقْضَى بَعْدَهُ لَا تَبَعًا وَلَا مَقْصُودًا بِخِلَافِ سُنَّةِ الْفَجْرِ. وَظَاهِرُ الْبَحْرِ الِاتِّفَاقُ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ فِي قَضَائِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ تَبَعًا لِلْفَرْضِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ، وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ: إنَّ مَا فِي الْبَحْرِ سَهْوٌ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ بِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
(قَوْلُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بَعْدَهُ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْحُسَامِيِّ
стр. 715
وَبِهِ يُفْتَى جَوْهَرَةٌ. وَأَمَّا مَا قَبْلَ الْعِشَاءِ فَمَنْدُوبٌ لَا يُقْضَى أَصْلًا
(وَلَا يَكُونُ مُصَلِّيًا جَمَاعَةً) اتِّفَاقًا (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ) لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِبَعْضِهَا (لَكِنَّهُ أَدْرَكَ فَضْلَهَا) وَلَوْ بِإِدْرَاكِ التَّشَهُّدِ اتِّفَاقًا، لَكِنَّ ثَوَابَهُ دُونَ الْمُدْرِكِ لِفَوَاتِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَاللَّاحِقُ كَالْمُدْرِكِ لِكَوْنِهِ مُؤْتَمًّا حُكْمًا (وَكَذَا مُدْرِكُ الثَّلَاثِ) لَا يَكُونُ مُصَلِّيًا بِجَمَاعَةٍ (عَلَى الْأَظْهَرِ) . وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ، وَضَعَّفَهُ فِي الْبَحْرِ.
(وَإِذَا أَمِنَ فَوْتَ الْوَقْتِ تَطَوَّعَ) مَا شَاءَ (قَبْلَ الْفَرْضِ وَإِلَّا لَا) بَلْ يَحْرُمُ التَّطَوُّعُ لِتَفْوِيتِهِ الْفَرْضَ (وَيَأْتِي بِالسُّنَّةِ) مُطْلَقًا (وَلَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا عَلَى الْأَصَحِّ) لِكَوْنِهَا مُكَمِّلَاتٍ؛ وَأَمَّا فِي حَقِّهِ ﵊ فَلِزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ، ثُمَّ قَوْلُ الدُّرَرِ: وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ مُشْكِلٌ بِمَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ.
ــ
[رد المحتار]
وَفِي الْمَنْظُومَةِ وَشَرْحِهَا: الْخِلَافُ عَلَى الْعَكْسِ. وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْإِمَامَيْنِ رِوَايَتَانِ ح عَنْ الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَبِهِ يُفْتَى) أَقُولُ: وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ، لَكِنْ رَجَّحَ فِي الْفَتْحِ تَقْدِيمَ الرَّكْعَتَيْنِ. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَفِي فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا فَاتَتْهُ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ يُصَلِّيهِنَّ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ» وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا فِي جَامِعِ قَاضِي خَانْ اهـ وَالْحَدِيثُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَأَمَّا مَا قَبْلَ الْعِشَاءِ فَمَنْدُوبٌ) يَعْنِي قَدْ عُلِمَ حُكْمُ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ النَّوَافِلِ الْقَبْلِيَّةَ إلَّا سُنَّةُ الْعَصْرِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا لَا تُقْضَى لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَكَذَا سُنَّةُ الْعِشَاءِ، لَكِنْ لَا تُقْضَى لِأَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ.
أَقُولُ: وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قَضَاءَ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ لِسُنِّيَّتِهِمَا، وَلَوْ كَانَتَا مَنْدُوبَتَيْنِ لَمْ تُقْضَيَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ قَضَاءَهُمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ فَيَبْقَى مَا وَرَاءَ النَّصِّ عَلَى الْعَدَمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ حَتَّى لَوْ وَرَدَ نَصٌّ فِي قَضَاءِ الْمَنْدُوبِ نَقُولُ بِهِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ لَك مَا فِي قَوْلِ الْإِمْدَادِ: إنَّ الَّتِي قَبْلَ الْعِشَاءِ مَنْدُوبَةٌ فَلَا مَانِعَ مِنْ قَضَائِهَا بَعْدَ الَّتِي تَلِي الْعِشَاءَ. اهـ. نَعَمْ لَوْ قَضَاهَا لَا تَكُونُ مَكْرُوهَةً بَلْ تَقَعُ نَفْلًا مُسْتَحَبًّا، لَا عَلَى أَنَّهَا هِيَ الَّتِي فَاتَتْ عَنْ مَحَلِّهَا كَمَا قَالُوهُ فِي سُنَّةِ التَّرَاوِيحِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَكُونُ مُصَلِّيًا جَمَاعَةً إلَخْ) فَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ جَمَاعَةً لَا يَحْنَثُ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ اتِّفَاقًا؛ وَفِي الثَّلَاثِ الْخِلَافُ الْآتِي، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَوْضِعُهَا كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَذَكَرَهَا هُنَا كَالتَّوْطِئَةِ لِقَوْلِهِ بَلْ أَدْرَكَ فَضْلَهَا، إذْ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ بَيْنَ إدْرَاكِ الْفَضْلِ وَالْجَمَاعَةِ تَلَازُمًا، فَاحْتَاجَ إلَى دَفْعِهِ أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ) لَيْسَ قَيْدًا، إذْ الثُّنَائِيُّ وَالثُّلَاثِيُّ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ وَكَذَا مُدْرِكُ الثَّلَاثِ ح.
(قَوْلُهُ لَكِنَّهُ أَدْرَكَ فَضْلَهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ اتِّفَاقًا أَيْضًا لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ آخِرَ الشَّيْءِ فَقَدْ أَدْرَكَهُ، وَلِذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ حَنِثَ بِإِدْرَاكِ الْإِمَامِ وَلَوْ فِي التَّشَهُّدِ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ اتِّفَاقًا) أَيْ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَشَيْخَيْهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ فِي الْهِدَايَةِ مُحَمَّدًا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَوْ أَدْرَكَهُ فِي تَشَهُّدِ الْجُمُعَةِ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، فَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يُدْرِكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ هُنَا لِأَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْأَقَلِّ، فَدَفَعَ ذَلِكَ الْوَهْمَ بِذِكْرِ مُحَمَّدٍ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ دُونَ الْمُدْرِكِ) أَيْ الَّذِي أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَحَصَّلَ فَضْلَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ مَعَهُ؛ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِمَّنْ فَاتَتْهُ التَّكْبِيرَةُ، فَضْلًا عَمَّنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ. وَقَدْ صَرَّحَ الْأُصُولِيُّونَ بِأَنَّ فِعْلَ الْمَسْبُوقِ أَدَاءٌ قَاصِرٌ بِخِلَافِ الْمُدْرِكِ فَإِنَّهُ أَدَاءٌ كَامِلٌ.
(قَوْلُهُ وَاللَّاحِقُ كَالْمُدْرِكِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَمَّا اللَّاحِقُ فَصَرَّحُوا بِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ أَدَاءٌ شَبِيهٌ بِالْقَضَاءِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّهُ كَالْمُدْرِكِ لِكَوْنِهِ خَلَفَ الْإِمَامَ حُكْمًا وَلِهَذَا لَا يَقْرَأُ فَيَقْتَضِي أَنْ يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي بِجَمَاعَةٍ وَلَوْ فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ الْأَكْثَرُ. اهـ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ فِي بَابِ الِاسْتِخْلَافِ، مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ عَمْدًا بَعْدَ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ لَا الْمُدْرِكِ، وَفِي اللَّاحِقِ تَصْحِيحَانِ. وَظَاهِرُ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ هُنَاكَ تَأْيِيدُ الْفَسَادِ، وَقَدَّمْنَا مَا يُقَوِّيهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَكَذَا مُدْرِكُ الثَّلَاثِ) وَمُدْرِكُ الثِّنْتَيْنِ مِنْ الثُّلَاثِيِّ كَذَلِكَ؛ وَأَمَّا مُدْرِكُ رَكْعَةً مِنْ الثُّنَائِيِّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا فِي مُدْرِكِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيِّ.
(قَوْلُهُ وَضَعَّفَهُ فِي الْبَحْرِ) أَيْ بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي الْأَيْمَانِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ
стр. 716
(وَلَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ رَاكِعٍ فَوَقَفَ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ لَمْ يُدْرِكْ) الْمُؤْتَمُّ (الرَّكْعَةَ) لِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ فِي جُزْءٍ مِنْ الرُّكْنِ شَرْطٌ وَلَمْ تُوجَدْ فَيَكُونُ مَسْبُوقًا فَيَأْتِي بِهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الْقِيَامِ وَلَمْ يَرْكَعْ مَعَهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُدْرِكًا لَهَا فَيَكُونُ لَاحِقًا
ــ
[رد المحتار]
هَذَا الرَّغِيفَ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ كُلِّهِ، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ لَا يُقَامُ مَقَامَ الْكُلِّ
(قَوْلُهُ وَإِذَا أَمِنَ فَوْتَ الْوَقْتِ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ مُسَاوِيَةٌ لِعِبَارَةِ الْكَنْزِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَهُوَ كَلَامٌ مُجْمَلٌ يَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ فَنَقُولُ: إنَّ التَّطَوُّعَ عَلَى وَجْهَيْنِ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَهِيَ الرَّوَاتِبُ. وَغَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ وَهِيَ مَا زَادَ عَلَيْهَا؛ وَالْمُصَلِّي لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْفَرْضَ جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا؛ فَإِنْ كَانَ بِجَمَاعَةٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ قَطْعًا، فَلَا يُخَيَّرُ فِيهَا مَعَ الْإِمْكَانِ لِكَوْنِهَا مُؤَكَّدَةً، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّيهِ مُنْفَرِدًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي رِوَايَةٍ. وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ قَبْلَ الْفَرْضِ لِقَطْعِ طَمَعِ الشَّيْطَانِ عَنْ الْمُصَلِّي وَبَعْدَهُ لِجَبْرِ نُقْصَانٍ تَمَكَّنَ فِي الْفَرْضِ، وَالْمُنْفَرِدُ أَحْوَجُ إلَى ذَلِكَ، وَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِيهَا لَمْ يُفَرِّقْ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، إلَّا إذَا خَافَ الْفَوْتَ لِأَنَّ أَدَاءَ الْفَرْضِ فِي وَقْتِهِ وَاجِبٌ؛ وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فَيَتَخَيَّرُ الْمُصَلِّي فِيهِ مُطْلَقًا اهـ أَيْ سَوَاءٌ صَلَّى الْفَرْضَ مُنْفَرِدًا أَوْ بِجَمَاعَةٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا رَأَى هَذَا الْإِجْمَالَ فِي عِبَارَةِ الْكَنْزِ زَادَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ وَيَأْتِي بِالسُّنَّةِ وَلَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا تَصْرِيحًا بِمَا أَجْمَلَهُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ مُشْكِلٌ بِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ إذَا خَافَ فَوْتَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مَعَ الْإِمَامِ يَتْرُكُ سُنَّتَهُ وَإِذَا خَافَ فَوْتَ رَكْعَةٍ مِنْ الظُّهْرِ يَتْرُكُ سُنَّتَهُ، فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ يَأْتِي بِالسُّنَّةِ وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ. وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ، وَكَذَا صَاحِبُ النَّهْرِ وَالشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْعَجَبِ، فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ أَيْ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَأَى الْإِمَامَ صَلَّى وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ وَحْدَهُ لِفَوْتِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي السُّنَّةَ الرَّاتِبَةَ لِكَوْنِهَا مُكَمِّلَةً وَالْمُنْفَرِدُ أَحْوَجُ إلَى ذَلِكَ. وَعِبَارَةُ الدُّرَرِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ وَنَصُّهَا: مَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ مُنْفَرِدًا فَهَلْ يَأْتِي بِالسُّنَنِ؟ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا يَأْتِي بِهَا لِأَنَّهَا إنَّمَا يُؤْتَى بِهَا إذَا أَدَّى الْفَرْضَ بِالْجَمَاعَةِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ فَحِينَئِذٍ يَتْرُكُ اهـ فَتَوَهُّمُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَأْتِي بِالسُّنَّةِ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا تَفْوِيتُ الْجَمَاعَةِ فِي غَايَةِ الْعَجَبِ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ التَّعَجُّبُ مِنْ أَنَّ الشُّرُنْبُلَالِيُّ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الدُّرَرِ لِبَيَانِ هَذَا الْإِشْكَالِ.
هَذَا، وَقَدْ قَرَّرَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ كَلَامَ الدُّرَرِ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ قَالَ فَافْهَمْ ذَلِكَ وَكُنْ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ، فَإِنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ وَالْمِنَحِ قَدْ خَلَطَا وَخَبَطَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَلْطًا فَاحِشًا
(قَوْلُهُ فَوَقَفَ) وَكَذَا لَوْ لَمْ يَقِفْ بَلْ انْحَطَّ فَرَفَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ رُكُوعِهِ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِهَذِهِ الرَّكْعَةِ مَعَ الْإِمَامِ فَتْحٌ. وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَوَقَفَ بِلَا عُذْرٍ أَيْ بِأَنْ أَمْكَنَهُ الرُّكُوعُ فَوَقَفَ وَلَمْ يَرْكَعْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا خِلَافُ زُفَرَ؛ فَعِنْدَهُ إذَا أَمْكَنَهُ الرُّكُوعُ فَلَمْ يَرْكَعْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا لَهُ حُكْمُ الْقِيَامِ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ) أَيْ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ مُتَابَعَةٌ عَلَى وَجْهِ الْمُشَارَكَةِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ هَذَا مُشَارَكَةٌ لَا فِي حَقِيقَةِ الْقِيَامِ وَلَا فِي الرُّكُوعِ فَلَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ إذْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ مُسَمَّى الِاقْتِدَاءِ بَعْدُ، بِخِلَافِ مَنْ شَارَكَهُ فِي الْقِيَامِ ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْ الرُّكُوعِ لِتَحَقُّقِ مُسَمَّى الِاقْتِدَاءِ مِنْهُ بِتَحَقُّقِ جَزْءِ مَفْهُومِهِ، فَلَا يَنْتَقِضُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّخَلُّفِ لِتَحَقُّقِ مُسَمَّى اللَّاحِقِ فِي الشَّرْعِ اتِّفَاقًا وَهُوَ بِذَلِكَ وَإِلَّا انْتَفَى هَذَا، وَكَذَلِكَ فِي الْفَتْحِ.
стр. 717
فَيَأْتِي بِهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَمَتَى لَمْ يُدْرِكْ الرُّكُوعَ مَعَهُ تَجِبُ الْمُتَابَعَةُ فِي السَّجْدَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ تُحْسَبَا لَهُ وَلَا تَفْسُدُ بِتَرْكِهِمَا، فَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ لَكِنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَقَامَ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَقَدْ تَرَكَ وَاجِبًا نَهْرٌ عَنْ التَّجْنِيسِ.
(وَلَوْ رَكَعَ) قَبْلَ الْإِمَامِ (فَلَحِقَهُ إمَامُهُ فِيهِ صَحَّ) رُكُوعُهُ، وَكُرِهَ تَحْرِيمًا إنْ قَرَأَ الْإِمَامُ قَدْرَ الْفَرْضِ (وَإِلَّا لَا) يُجْزِيهِ؛ وَلَوْ سَجَدَ الْمُؤْتَمُّ مَرَّتَيْنِ وَالْإِمَامُ فِي الْأُولَى لَمْ تُجْزِهِ سَجْدَتُهُ عَنْ الثَّانِيَةِ، وَتَمَامُهُ فِي الْخُلَاصَةِ.
ــ
[رد المحتار]
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ لَا يَثْبُتُ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى وَجْهٍ يُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ مَعَ الْإِمَامِ إلَّا بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ الْقِيَامِ أَوْ مِمَّا فِي حُكْمِهِ وَهُوَ الرُّكُوعُ لِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ فِي أَكْثَرِهَا فَإِذَا تَحَقَّقَ مِنْهُ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ التَّخَلُّفُ بَعْدَهُ، حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ فِي الْقِيَامِ فَوَقَفَ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ وَرَفَعَ فَرَكَعَ هُوَ صَحَّ لِتَحَقُّقِ مُسَمَّى الِاقْتِدَاءِ فِي الِابْتِدَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ اللَّاحِقِ وَإِلَّا لَزِمَ انْتِفَاءُ اللَّاحِقِ مَعَ أَنَّهُ مُحَقَّقٌ شَرْعًا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ فَيَأْتِي بِهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ) الْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا قَبْلَ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فِيمَا بَعْدَهَا، حَتَّى لَوْ تَابَعَ الْإِمَامَ ثُمَّ أَتَى بَعْدَ فَرَاغِ إمَامِهِ بِمَا فَاتَهُ صَحَّ وَأَثِمَ لِتَرْكِ وَاجِبِ التَّرْتِيبِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْفَرَاغِ لِمُقَابَلَتِهِ لِلْمَسْبُوقِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَأْتِي بِمَا سَبَقَ بِهِ بَعْدَ فَرَاغِ إمَامِهِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَمَتَى لَمْ يُدْرِكْ الرُّكُوعَ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ لِعَدَمِ مُتَابَعَتِهِ لَهُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ لِرَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْهُ قَبْلَ رُكُوعِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَطْعُ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ لِصِحَّةِ شُرُوعِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ فِي السَّجْدَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ تُحْسَبَا لَهُ كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ وَهُوَ سَاجِدٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ تُحْسَبَا لَهُ) أَيْ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي فَاتَتْهُ، بَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهَا تَامَّةً بَعْدَ الْفَرَاغِ.
(قَوْلُهُ وَلَا تَفْسُدُ بِتَرْكِهِمَا) أَيْ السَّجْدَتَيْنِ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِتْيَانِ بِهِمَا إنَّمَا هُوَ لِوُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ لِئَلَّا يَكُونَ مُخَالِفًا لَهُ كَمَا تَجِبُ مُتَابَعَةُ الْمَسْبُوقِ فِي الْقَعْدَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاتِهِ وَإِلَّا فَهَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لَيْسَتَا بَعْضَ الرَّكْعَةِ الَّتِي فَاتَتْهُ لِأَنَّ السُّجُودَ لَا يَصِحُّ إلَّا مُرَتَّبًا عَلَى رُكُوعٍ صَحِيحٍ، وَلِذَا لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِرَكْعَةٍ تَامَّةٍ.
(قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ إلَخْ) الْأَخْصَرُ إسْقَاطُ هَذَا وَالِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ لَكِنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَقَامَ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ تَرَكَ وَاجِبًا) وَهُوَ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِي السُّجُودِ عِنْدَ شُرُوعِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِرَكْعَةٍ تَامَّةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقْضِ السَّجْدَتَيْنِ أَيْضًا يَكُونُ تَارِكًا وَاجِبًا كَمَا يُوهِمُهُ مَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَقْضِيهِمَا، لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا عِبَارَةُ التَّجْنِيسِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا لَمْ يُتَابِعْهُ فِي السَّجْدَةِ ثُمَّ تَابَعَهُ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ فَلَمَّا فَرَغَ الْإِمَامُ قَامَ وَقَضَى مَا سُبِقَ بِهِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَّا أَنَّهُ يُصَلِّي تِلْكَ الرَّكْعَةَ الْفَائِتَةَ بِسَجْدَتَيْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَتْ الْمُتَابَعَةُ حِينَ شَرَعَ وَاجِبَةً فِي تِلْكَ السَّجْدَةِ اهـ وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ هُنَاكَ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ صَحَّ رُكُوعُهُ) أَيْ لِتَحَقُّقِ الِاقْتِدَاءِ بِمُشَارَكَتِهِ فِي الِابْتِدَاءِ بِجُزْءٍ مِنْ الْقِيَامِ، فَلَا يَضُرُّ التَّخَلُّفُ بَعْدَهُ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ تَحْرِيمًا) أَيْ لِلنَّهْيِ عَنْ مُسَابَقَةِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ قَدْرَ الْفَرْضِ) الَّذِي فِي الذَّخِيرَةِ ثَلَاثُ آيَاتٍ: أَيْ قَدْرُ الْوَاجِبِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ قَيْدٍ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِقَدْرِ الْفَرْضِ كَمَا بَحَثَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ وَالْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ، وَتَبِعَهُمَا الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ إمَامُهُ فِيهِ بِأَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ أَوْ لَحِقَهُ وَلَكِنْ كَانَ رُكُوعُ الْمُقْتَدِي قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ الْإِمَامُ مِقْدَارَ الْفَرْضِ لَا يَجْزِيهِ. اهـ. ح أَيْ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْكَعَ ثَانِيًا وَإِلَّا بَطَلَتْ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ سَجَدَ الْمُؤْتَمُّ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ الرُّكُوعَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ قَيْدٍ، بَلْ الْمُرَادُ كُلُّ رُكْنٍ سَبَقَهُ الْمَأْمُومُ بِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ عَنْ الثَّانِيَةِ) الْأَوْلَى حَذْفُ عَنْ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الْخُلَاصَةِ) لَمْ أَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا، نَعَمْ مَا فِيهَا مَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ لَوْ أَتَى بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَبْلَ إمَامِهِ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: حَاصِلُهَا أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ بِالرُّكُوعِ مَعَهُ وَالسُّجُودِ قَبْلَهُ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ يَأْتِي بِهِمَا قَبْلَهُ وَيُدْرِكُ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ
стр. 718
بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ لَمْ يَقُلْ الْمَتْرُوكَاتِ ظَنًّا بِالْمُسْلِمِ خَيْرًا، إذْ التَّأْخِيرُ بِلَا عُذْرٍ كَبِيرَةٌ لَا تَزُولُ بِالْقَضَاءِ بَلْ بِالتَّوْبَةِ أَوْ الْحَجِّ، وَمِنْ الْعُذْرِ الْعَدُوُّ، وَخَوْفُ الْقَابِلَةِ مَوْتَ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ ﵊ أَخَّرَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ الْأَدَاءُ فِعْلُ الْوَاجِبِ
ــ
[رد المحتار]
فَفِي الْأَوَّلِ يَقْضِي رَكْعَةً، وَفِي الثَّالِثِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الرَّابِعِ أَرْبَعًا بِلَا قِرَاءَةٍ فِي الْكُلِّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي وَالْخَامِسِ، وَفِيهَا أَيْضًا الْمُقْتَدِي إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ قَبْلَ إمَامِهِ فَلَمَّا أَطَالَ الْإِمَامُ ظَنَّ أَنَّهُ سَجَدَ ثَانِيَةً فَسَجَدَ مَعَهُ، إنْ نَوَى بِهَا الْأُولَى أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَانَتْ عَنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى؛ وَكَذَا إنْ نَوَى الثَّانِيَةَ وَالْمُتَابَعَةَ تَرْجِيحًا لِلْمُتَابَعَةِ، وَتَلْغُو نِيَّةُ غَيْرِهَا لِلْمُخَالَفَةِ؛ وَإِنْ نَوَى الثَّانِيَةَ لَا غَيْرُ كَانَتْ عَنْ الثَّانِيَةِ اهـ. وَذَكَرَ الْمُحَشِّي تَوْجِيهَ الْأُولَى، وَقَدَّمْنَاهُ مُوَضَّحًا فِي أَوَاخِرِ الْإِمَامَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ]
ِ أَيْ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ، وَالْأَحْكَامُ تَعُمُّ كَيْفِيَّةَ الْقَضَاءِ وَغَيْرَهَا ط.
(قَوْلُهُ لَمْ يَقُلْ الْمَتْرُوكَاتِ إلَخْ) لِأَنَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالْفَوَائِتِ إسْنَادَ الْفَوْتِ إلَيْهَا، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا صُنْعَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ بَلْ هُوَ مُلْجَأٌ لِعُذْرٍ مُبِيحٍ بِخِلَافِ الْمَتْرُوكَاتِ لِأَنَّ فِيهِ إسْنَادَ التَّرْكِ لِلْمُكَلَّفِ وَلَا يَلِيقُ بِهِ رَحْمَتِيٌّ، وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْكَلَامُ فِي حُكْمِ جَاحِدِهَا وَتَارِكِهَا وَإِسْلَامِ فَاعِلِهَا.
(قَوْلُهُ إذْ التَّأْخِيرُ) عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ ط.
(قَوْلُهُ لَا تَزُولُ بِالْقَضَاءِ) وَإِنَّمَا يَزُولُ إثْمُ التَّرْكِ، فَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا إذَا قَضَاهَا وَإِثْمُ التَّأْخِيرِ بَاقٍ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ بَلْ بِالتَّوْبَةِ) أَيْ بَعْدَ الْقَضَاءِ أَمَّا بِدُونِهِ فَالتَّأْخِيرُ بَاقٍ، فَلَمْ تَصِحَّ التَّوْبَةُ مِنْهُ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا الْإِقْلَاعُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ أَوْ الْحَجُّ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَبْرُورَ مِنْهُ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ط.
(قَوْلُهُ وَمِنْ الْعُذْرِ) أَيْ لِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْوَقْتِيَّةِ عَنْ وَقْتِهَا، وَأَمَّا قَضَاءُ فَوَائِتَ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ لِلسَّعْيِ عَلَى الْعِيَالِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ الْعَدُوُّ) كَمَا إذَا خَافَ الْمُسَافِرُ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ جَازَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْوَقْتِيَّةَ لِأَنَّهُ بِعُذْرٍ بَحْرٌ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ.
قُلْت: هَذَا حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُهَا أَصْلًا، أَمَّا لَوْ كَانَ رَاكِبًا فَيُصَلِّي عَلَى الدَّابَّةِ وَلَوْ هَارِبًا، وَكَذَا لَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ صَلَاتُهَا قَاعِدًا أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَامَ أَوْ اسْتَقْبَلَ يَرَاهُ الْعَدُوُّ يُصَلِّي بِمَا قَدَرَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
(قَوْلُهُ وَخَوْفُ الْقَابِلَةِ إلَخْ) وَكَذَا خَوْفُ أُمِّهِ إذَا خَرَجَ رَأْسُهُ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهَا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ وَتَضَعُ تَحْتَهَا طَسْتًا وَتُصَلِّي فَذَاكَ عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ) وَذَلِكَ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ» ح عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ. مَطْلَبٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ يَكُونُ بِمَعْنَى اللَّفْظِ، وَبِمَعْنَى الصِّيغَةِ وَفِي تَعْرِيفِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَدَاءُ فِعْلُ الْوَاجِبِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْأَمْرُ قَدْ يُرَادُ بِهِ لَفْظُهُ: أَعْنِي مَا تَرَكَّبَ مِنْ مَادَّةِ أم ر، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الصِّيغَةُ كَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. وَهِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ. وَأَمَّا لَفْظُ الْأَمْرِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا. وَالتَّحْقِيقُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ أَوْ الرَّاجِحِ. فَإِطْلَاقُ لَفْظِ أم ر عَلَى الصِّيغَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ حَقِيقَةٌ، فَالْمَنْدُوبُ
стр. 719
فِي وَقْتِهِ وَبِالتَّحْرِيمَةِ فَقَطْ بِالْوَقْتِ يَكُونُ أَدَاءً عِنْدَنَا، وَبِرَكْعَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ
وَالْإِعَادَةُ فِعْلُ مِثْلِهِ فِي وَقْتِهِ لِخَلَلٍ غَيْرِ الْفَسَادِ
ــ
[رد المحتار]
مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُ الصِّيغَةِ فِيهِ مَجَازًا، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَكُونُ الْمَنْدُوبُ أَدَاءً وَقَضَاءً، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقَضَاءُ خَاصًّا بِمَا كَانَ مَضْمُونًا وَالنَّفَلُ لَا يُضْمَنُ بِالتَّرْكِ اخْتَصَّ الْقَضَاءُ بِالْوَاجِبِ، وَمِنْهُ مَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ النَّفْلِ فَأَفْسَدَهُ فَإِنَّهُ صَارَ بِالشُّرُوعِ وَاجِبًا فَيُقْضَى، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْأَدَاءَ يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ، وَالْقَضَاءُ يَخْتَصُّ بِالْوَاجِبِ، وَلِهَذَا عَرَّفَهُمَا صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِأَنَّ الْأَدَاءَ تَسْلِيمُ عَيْنِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ وَالْقَضَاءُ تَسْلِيمُ مِثْلِ الْوَاجِبِ بِهِ؛ وَالْمُرَادُ بِالثَّابِتِ بِالْأَمْرِ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِالْأَمْرِ فَيَشْمَلُ النَّفَلَ، لَا مَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْوَقْتِ لِيَعُمَّ أَدَاءَ غَيْرِ الْمُوَقِّتِ كَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَالْأَمَانَاتِ وَالْمَنْذُورَاتِ؛ وَتَمَامُ تَحْقِيقِ ذَلِكَ فِي التَّلْوِيحِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ أَنَّ تَعْرِيفَ الشَّارِحِ لِلْأَدَاءِ تَبَعًا لِلْبَحْرِ خِلَافُ التَّحْقِيقِ.
(قَوْلُهُ فِي وَقْتِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ الْعُمْرَ أَوْ غَيْرَهُ بَحْرٌ.
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِعْلُ الْوَاجِبِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ أَدَاءً إلَّا إذَا وَقَعَ كُلُّ الْوَاجِبِ فِي الْوَقْتِ مَعَ أَنَّ وُقُوعَ التَّحْرِيمَةِ فِيهِ كَافٍ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ وَبِالتَّحْرِيمَةِ فَقَطْ بِالْوَقْتِ يَكُونُ أَدَاءً؛ فَقَوْلُهُ بِالتَّحْرِيمَةِ مُتَعَلِّقٌ بِيَكُونُ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالْوَقْتِ بِمَعْنَى فِي؛ وَلَوْ قَالَ ثُمَّ الْأَدَاءُ ابْتِدَاءَ فِعْلِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ لَاسْتَغْنَى عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ. اهـ. ح وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ بِالتَّحْرِيمَةِ يَكُونُ أَدَاءً عِنْدَنَا هُوَ مَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّحْرِيرِ وَذَكَرَ شَارِحُهُ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ مَا فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ وَالْبَاقِي قَضَاءٌ، وَذَكَرَ ط عَنْ الشَّارِحِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَرَاجِعْهُ
مَطْلَبٌ فِي تَعْرِيفِ الْإِعَادَةِ.
(قَوْلُهُ وَالْإِعَادَةُ فِعْلُ مِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ الْوَاجِبِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ النَّفَلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ بِهِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ فِي وَقْتِهِ) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ خَارِجَ الْوَقْتِ يَكُونُ إعَادَةً أَيْضًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَنَدْبًا: أَيْ فَتُعَادُ نَدْبًا، وَقَوْلُهُ غَيْرِ الْفَسَادِ زَادَ فِي الْبَحْرِ وَعَدَمَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ يَعْنِي وَغَيْرِ عَدَمِ صِحَّةِ الشُّرُوعِ، وَتَرَكَهُ الشَّارِحُ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْفَسَادِ مَا هُوَ الْأَعَمَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُنْعَقِدَةً ثُمَّ تَفْسُدُ أَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ أَصْلًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْكَنْزِ وَفَسَدَ اقْتِدَاءُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ ح.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا فِي تَعْرِيفِ الْإِعَادَةِ هُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيرِ، وَذَكَرَ شَارِحُهُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْوَقْتِ قَوْلُ الْبَعْضِ، وَإِلَّا فَفِي الْمِيزَانِ الْإِعَادَةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إتْيَانٌ بِمِثْلِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ عَلَى صِفَةِ الْكَمَالِ بِأَنْ وَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِعْلُ مَوْصُوفٍ بِصِفَةِ الْكَمَالِ فَأَدَّاهُ عَلَى وَجْهِ النُّقْصَانِ، وَهُوَ نُقْصَانٌ فَاحِشٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَهُوَ إتْيَانُ مِثْلِ الْأَوَّلِ ذَاتًا مَعَ صِفَةِ الْكَمَالِ اهـ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مَا يُفْعَلُ خَارِجَ الْوَقْتِ يَكُونُ إعَادَةً أَيْضًا كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ، وَأَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ قِسْمَيْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ. اهـ.
أَقُولُ: لَكِنَّ صَرِيحَ كَلَامِ الشَّيْخِ أَكْمَلِ الدِّينِ فِي شَرْحِهِ عَلَى أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ عَدَمُ تَقْيِيدِهَا بِالْوَقْتِ، وَبِكَوْنِ الْخَلَلِ غَيْرَ الْفَسَادِ، وَبِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ خَارِجَةً عَنْ الْقِسْمَيْنِ لِأَنَّهُ عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا فِعْلُ مَا فُعِلَ أَوَّلًا مَعَ ضَرْبٍ مِنْ الْخَلَلِ ثَانِيًا، ثُمَّ قَالَ: إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً بِأَنْ وَقَعَ الْأَوَّلُ فَاسِدًا فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْأَدَاءِ أَوْ الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً بِأَنْ وَقَعَ الْأَوَّلُ نَاقِصًا لَا فَاسِدًا فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ لِأَنَّهُ تَقْسِيمُ الْوَاجِبِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ،
стр. 720
لِقَوْلِهِمْ: كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ تُعَادُ أَيْ وُجُوبًا فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَنَدْبًا،
ــ
[رد المحتار]
وَبِالْأَوَّلِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ فَالْفِعْلُ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الْجَبْرِ كَالْجَبْرِ بِسُجُودِ السَّهْوِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِمْ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ عَلِيلٌ، إذْ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ أَنَّ مَا كَانَ فَاسِدًا لَا يُعَادُ وَلَا أَنَّ الْإِعَادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْوَقْتِ بَلْ صَرَّحَ بَعْدَهُ بِأَنَّهَا بَعْدَ الْوَقْتِ إعَادَةٌ أَيْضًا. عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِمْ تُعَادُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ، فَالْمُنَاسِبُ مَا فَعَلَهُ فِي الْبَحْرِ حَيْثُ جَعَلَ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّعْرِيفِ حَيْثُ قَيَّدَ فِي التَّعْرِيفِ بِالْوَقْتِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ مُطْلَقٌ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ وَعَنْ شَرْحِ أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِوُقُوعِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ.
(قَوْلُهُ أَيْ وُجُوبًا فِي الْوَقْتِ إلَخْ) لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ سِوَى صَاحِبِ الْبَحْرِ، حَيْثُ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ كَلَامِ الْقُنْيَةِ، حَيْثُ ذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ عَنْ الْوَبَرِيِّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ التَّرْجُمَانِيِّ أَنَّ الْإِعَادَةَ أَوْلَى فِي الْحَالَيْنِ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا وُجُوبَ بَعْدَ الْوَقْتِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِهَا أَوْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا تَحْرِيمِيًّا لَزِمَهُ وُجُوبًا أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ خَرَجَ أَثِمَ وَلَا يَجِبُ جَبْرُ النُّقْصَانِ بَعْدَهُ. فَلَوْ فَعَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ. اهـ.
أَقُولُ: مَا فِي الْقُنْيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّ الْإِعَادَةَ وَاجِبَةٌ أَوْ لَا، وَقَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ لِخَلَلٍ غَيْرِ الْفَسَادِ لَا تَكُونُ وَاجِبَةً. وَعَنْ الْمِيزَانِ التَّصْرِيحُ بِوُجُوبِهَا. وَقَالَ فِي الْمِعْرَاجِ: وَفِي جَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ فِيهِ صُورَةٌ يُكْرَهُ وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: هَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْقَوْمَةَ غَيْرُ رُكْنٍ عِنْدَهُمَا فَتَرْكُهَا لَا يُفْسِدُ، وَالْأَوْلَى الْإِعَادَةُ. اهـ. وَقَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهَلْ تَكُونُ الْإِعَادَةُ وَاجِبَةً، فَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُرَّاحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ. وَأَنَّهُ بِالْأَوَّلِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَنَّ الثَّانِيَ بِمَنْزِلَةِ الْجَبْرِ. وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ؛ وَصَرَّحَ بِهِ النَّسَفِيُّ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَأَبِي الْيُسْرِ: مَنْ تَرَكَ الِاعْتِدَالَ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ. زَادَ أَبُو الْيُسْرِ: وَيَكُونُ الْفَرْضُ هُوَ الثَّانِيَ. وَقَالَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ: يَعْنِي ابْنَ الْهُمَامِ: لَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ إذْ هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَيَكُونُ جَابِرًا لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَكَرَّرُ، وَجَعْلَهُ الثَّانِي يَقْتَضِي عَدَمَ سُقُوطِهِ بِالْأَوَّلِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَازِمُ تَرْكِ الرُّكْنِ لَا الْوَاجِبِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ امْتِنَانٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، إذْ يَحْتَسِبُ الْكَامِلَ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْفَرْضِ لِمَا عَلِمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ سَيُوقِعُهُ انْتَهَى. وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّا إذَا قُلْنَا الْفَرْضُ هُوَ الْأَوَّلُ فَالْإِعَادَةُ قِسْمٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا الثَّانِي فَهِيَ أَحَدُهُمَا. اهـ.
أَقُولُ: فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْأَرْجَحَ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا عِنْدَ الْبَعْضِ خَاصَّةً بِالْوَقْتِ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيرِ، وَعَلَيْهِ فَوُجُوبُهَا فِي الْوَقْتِ وَلَا تُسَمَّى بَعْدَهُ إعَادَةً، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ الْقُنْيَةِ عَنْ الْوَبَرِيِّ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تَكُونُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ وَشَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ، فَإِنَّهَا تَكُونُ وَاجِبَةً فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهَا الَّذِي هُوَ الْمَرْجُوحُ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً فِيهِمَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ الْقُنْيَةِ عَنْ التَّرْجُمَانِيِّ. وَأَمَّا كَوْنُهَا وَاجِبَةً فِي الْوَقْتِ مَنْدُوبَةً بَعْدَهُ كَمَا فَهِمَهُ فِي الْبَحْرِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ عَنْ خَطِّ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ يَجِبُ أَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِمْ: كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ سَبِيلُهَا الْإِعَادَةُ. اهـ.
قُلْت: أَيْ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ وُجُوبَهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْوَقْتِ. وَظَاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ
стр. 721
وَالْقَضَاءُ فِعْلُ الْوَاجِبِ بَعْدَ وَقْتِهِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ كَاَلَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ مَجَازٌ (التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفُرُوضِ الْخَمْسَةِ وَالْوِتْرِ أَدَاءٌ وَقَضَاءً لَازِمٌ) يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ،
ــ
[رد المحتار]
عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ تَرْجِيحُهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَيْضًا تَرْجِيحَ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، فَيَكُونُ الْمُرَجَّحُ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ، وَيُشِيرُ إلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمِيزَانِ مِنْ قَوْلِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَهُوَ إتْيَانُ مِثْلِ الْأَوَّلِ ذَاتًا مَعَ صِفَةِ الْكَمَالِ: أَيْ كَمَالِ مَا نَقَصَهُ مِنْهَا، وَذَلِكَ يَعُمُّ وُجُوبَ الْإِتْيَانِ بِهَا كَامِلَةً فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ كَمَا مَرَّ. ثُمَّ هَذَا حَيْثُ كَانَ النُّقْصَانُ بِكَرَاهَةِ تَحْرِيمٍ لِمَا فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْحَقَّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ كَوْنِ تِلْكَ الْكَرَاهَةِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ تَنْزِيهٍ فَتُسْتَحَبُّ اهـ أَيْ تُسْتَحَبُّ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ أَيْضًا.
[تَنْبِيهٌ] يُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ الْإِعَادَةِ وَمِنْ تَعْرِيفِهَا بِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ لِأَنَّ مَا فُعِلَ أَوَّلًا هُوَ الْفَرْضُ فَإِعَادَتُهُ فِعْلُهُ ثَانِيًا؛ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِالثَّانِيَةِ فَظَاهِرٌ؛ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَكْرِيرِهَا ثَانِيًا جَبْرُ نُقْصَانِ الْأُولَى، فَالْأُولَى فَرْضٌ نَاقِصٌ، وَالثَّانِيَةُ فَرْضٌ كَامِلٌ مِثْلُ الْأُولَى ذَاتًا مَعَ زِيَادَةِ وَصْفِ الْكَمَالِ، وَلَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ نَفْلًا لَزِمَ أَنْ تَجِبَ الْقِرَاءَةُ فِي رَكَعَاتِهَا الْأَرْبَعِ، وَأَنْ لَا تُشْرَعَ الْجَمَاعَةُ فِيهَا وَلَمْ يَذْكُرُوهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا فَرْضًا عَدَمُ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِالْأُولَى لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تَكُونُ فَرَضَا بَعْدَ الْوُقُوعِ، أَمَّا قَبْلَهُ فَالْفَرْضُ هُوَ الْأُولَى.
وَحَاصِلُهُ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ بِفَرْضِيَّةِ الْأُولَى عَلَى عَدَمِ الْإِعَادَةِ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَسَلَامِ مَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ يُخْرِجُهُ خُرُوجًا مَوْقُوفًا، وَكَفَسَادِ الْوَقْتِيَّةِ مَعَ تَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَتَوَقُّفِ الْحُكْمِ بِفَرْضِيَّةِ الْمَغْرِبِ فِي طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى عَدَمِ إعَادَتِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ وَأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْقَائِلَ أَيْضًا بِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الثَّانِيَةُ أَرَادَ بِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ؛ وَإِلَّا لَزِمَ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْأُولَى بِتَرْكِ مَا لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ كَمَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ، وَلَزِمَ أَيْضًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ فِي الثَّانِيَةِ لَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً، وَالْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ أَحَدٌ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْفَرْضَ مِنْهَا آيَةٌ وَالثَّلَاثُ وَاجِبَةٌ وَالزَّائِدُ سُنَّةٌ، وَمَا ذَاكَ إلَّا بِالنَّظَرِ إلَى مَا قَبْلَ الْوُقُوعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ يَقَعُ الْكُلُّ فَرْضًا، وَكَذَا لَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ أَوْ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ، هَذَا نِهَايَةُ مَا تَحَرَّرَ لِي مِنْ فَتْحِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ، فَاغْتَنِمْهُ فَإِنَّهُ مِنْ مُفْرَدَاتِ هَذَا الْكِتَابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(قَوْلُهُ وَالْقَضَاءُ فِعْلُ الْوَاجِبِ إلَخْ) وَقِيلَ فِعْلُ مِثْلِهِ بِنَاءً عَلَى الْمَرْجُوحِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ لَا بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَكُتُبِ الْأُصُولِ (قَوْلُهُ وَإِطْلَاقُهُ إلَخْ) أَيْ كَمَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَقَضَاءُ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ إلَخْ؛ وَقَوْلُ الْكَنْزِ: وَقَضَى الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ فِي وَقْتِهِ قَبْلَ شَفْعِهِ، وَكَذَا إطْلَاقُ الْفُقَهَاءِ الْقَضَاءَ عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ فَسَادِهِ مَجَازٌ، إذْ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يَصِيرُ بِخُرُوجِهِ قَضَاءً كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَقَدَّمْنَا وَجْهَ كَوْنِ النَّفْلِ لَا يُسَمَّى قَضَاءً وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأَنَّهُ يُسَمَّى أَدَاءً حَقِيقَةً، كَمَا إذَا أَتَى بِالْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ؛ أَمَّا إذَا أَتَى بِهَا بَعْدَهُ فَهِيَ قَضَاءٌ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ وَقْتَهَا وَإِنْ كَانَ وَقْتَ الظُّهْرِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ أَدَاءً وَقَضَاءً) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ مَانِعَةُ الْخُلُوِّ، فَيَشْمَلُ ثَلَاثَ صُوَرٍ: مَا إذَا كَانَ الْكُلُّ قَضَاءً، أَوْ الْبَعْضُ قَضَاءً وَالْبَعْضُ أَدَاءً، أَوْ الْكُلُّ أَدَاءً كَالْعِشَاءِ مَعَ الْوِتْرِ ط وَدَخَلَ فِيهِ الْجُمُعَةُ، فَإِنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لَازِمٌ، فَلَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْفَجْرَ يُصَلِّيهَا وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ إسْمَاعِيلُ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
(قَوْلُهُ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ) الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الصِّحَّةُ لَا الْحِلُّ؛ وَأَفَادَ أَنَّ
стр. 722
لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ» وَبِهِ يَثْبُتُ الْفَرْضُ الْعَمَلِيُّ (وَقَضَاءُ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَسُنَّةٌ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، وَجَمِيعُ أَوْقَاتِ الْعُمْرِ وَقْتٌ لِلْقَضَاءِ إلَّا الثَّلَاثَةَ الْمَنْهِيَّةَ كَمَا مَرَّ (فَلَمْ يَجُزْ) تَفْرِيعٌ عَلَى اللُّزُومِ (فَجْرُ مَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ) لِوُجُوبِهِ عِنْدَهُ (إلَّا) اسْتِثْنَاءً مِنْ اللُّزُومِ فَلَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ (إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ)
ــ
[رد المحتار]
الْمُرَادَ بِلَازِمِ الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى قِسْمَيْ الْوَاجِبِ وَهُوَ مُرَادُ مَنْ سَمَّاهُ فَرْضًا كَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ، وَشَرْطًا كَالْمُحِيطِ، وَوَاجِبًا كَالْمِعْرَاجِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ» ) تَمَامُ الْحَدِيثِ «أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لْيَقْضِ الَّتِي تَذَكَّرَهَا، ثُمَّ لْيُعِدْ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ» ح عَنْ الدُّرَرِ وَذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ بِاخْتِلَافٍ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ مَعَ بَيَانِ مَنْ خَرَّجَهُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي تَوْثِيقِ بَعْضِ رُوَاتِهِ وَفِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ دَعْوَى كَوْنِهِ مَشْهُورًا مَرْدُودَةٌ لِلْخِلَافِ فِي رَفْعِهِ فَضْلًا عَنْ شُهْرَتِهِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَاَلَّذِي حَطَّ عَلَيْهِ كَلَامَهُ الْمَيْلُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ إلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِاسْتِحْبَابِ التَّرْتِيبِ وَرَدَّ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْبُرْهَانِ بِمَا لَخَصَّهُ نُوحٌ أَفَنْدِي، فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.
(قَوْلُهُ وَقَضَاءُ الْفَرْضِ إلَخْ) لَوْ قُدِّمَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْبَابِ أَوْ آخِرَهُ عَنْ التَّفْرِيعِ الْآتِي لَكَانَ أَنْسَبَ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ وَالسُّنَّةِ يُوهِمُ الْعُمُومَ كَالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَوْ قَالَ وَمَا يُقْضَى مِنْ السُّنَّةِ لِرَفْعِ هَذَا الْوَهْمِ رَمْلِيٌّ.
قُلْت: وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْوِتْرَ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ سُنَّةٌ، وَقَضَاؤُهُ وَاجِبٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لَكِنْ يُجَابُ بِأَنَّ كَلَامَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ.
(قَوْلُهُ وَالْوَاجِبُ) كَالْمَنْذُورَةِ وَالْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا وَقَضَاءِ النَّفْلِ الَّذِي أَفْسَدَهُ ط (قَوْلُهُ وَقْتٌ لِلْقَضَاءِ) أَيْ لِصِحَّتِهِ فِيهَا وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ إلَّا لِعُذْرٍ ط وَسَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ إلَّا الثَّلَاثَةَ الْمَنْهِيَّةَ) وَهِيَ الطُّلُوعُ وَالِاسْتِوَاءُ وَالْغُرُوبُ ح وَهِيَ مَحَلٌّ لِلنَّفْلِ الَّذِي شَرَعَ بِهِ فِيهَا ثُمَّ أَفْسَدَهُ ط.
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ فَلَمْ يَجُزْ) أَيْ بَلْ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ مَنْ تَذَكَّرَ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهَا.
(قَوْلُهُ لِوُجُوبِهِ) أَيْ الْوِتْرِ عِنْدَهُ: أَيْ عِنْدَ الْإِمَامِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ عِنْدَهُ.
(قَوْلُهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ) أَيْ عِنْدَ الْفَوَائِتِ وَالْوَقْتِيَّةِ، أَمَّا الْفَوَائِتُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ فَلَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مَخْصُوصٌ حَتَّى يُقَالَ يَسْقُطُ تَرْتِيبُهَا بِضِيقِهِ ط وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَدَاءُ الْوَقْتِيَّةِ إلَّا مَعَ التَّخْفِيفِ فِي قَصْرِ الْقِرَاءَةِ وَالْأَفْعَالِ يُرَتِّبُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ بَحْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى. وَفِي الْفَتْحِ: وَيُعْتَبَرُ الضِّيقُ عِنْدَ الشُّرُوعِ، حَتَّى لَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِيَّةِ مَعَ تَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ، وَأَطَالَ حَتَّى ضَاقَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَقْطَعَهَا ثُمَّ يَشْرَعَ فِيهَا، وَلَوْ شَرَعَ نَاسِيًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَتَذَكَّرَ عِنْدَ ضِيقِهِ جَازَتْ. اهـ.
(قَوْلُهُ الْمُسْتَحَبُّ) أَيْ الَّذِي لَا كَرَاهَةَ فِيهِ قُهُسْتَانِيِّ. وَقِيلَ أَصْلُ الْوَقْتِ، وَنَسَبَهُ الطَّحَاوِيُّ إلَى الشَّيْخَيْنِ، وَالْأَوَّلُ إلَى مُحَمَّدٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ احْتَرَزَ عَنْ وَقْتِ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ فِي الْعَصْرِ، إذْ يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ إذَا لَزِمَ تَأْخِيرُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ وَالْمَغْرِبِ مَثَلًا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ رَأَيْت الزَّيْلَعِيَّ خَصَّ الْخِلَافَ بِالْعَصْرِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِيمَا لَوْ تَذَكَّرَ الظُّهْرَ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهُ يَقَعُ قَبْلَ التَّغَيُّرِ وَيَقَعُ الْعَصْرُ أَوْ بَعْضَهُ فِيهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ الظُّهْرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَعَلَى الثَّانِي يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ. وَاخْتَارَ الثَّانِي قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ أَكْثَرَ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَصَحَّحَ فِي الْمُحِيطِ الْأَوَّلَ، وَرَجَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِمَا فِي الْمُنْتَقَى مِنْ أَنَّهُ إذَا افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا ثُمَّ
стр. 723
حَقِيقَةً إذْ لَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَفْوِيتُ الْوَقْتِيَّةِ لِتَدَارُكِ الْفَائِتَةِ.
وَلَوْ لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ كُلَّ الْفَوَائِتِ فَالْأَصَحُّ جَوَازُ الْوَقْتِيَّةِ مُجْتَبَى، وَفِيهِ ظَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ ضِيقَ وَقْتِ الْفَجْرِ فَصَلَّاهَا وَفِيهِ سَعَةٌ يُكَرِّرُهَا إلَى الطُّلُوعِ وَفَرْضَهُ الْأَخِيرَ
ــ
[رد المحتار]
احْمَرَّتْ الشَّمْسُ ثُمَّ تَذَكَّرَ الظُّهْرَ مَضَى فِي الْعَصْرِ. قَالَ: فَهَذَا نَصٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَحِينَئِذٍ انْقَطَعَ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ حَيْثُ لَمْ تُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهَا. اهـ.
أَقُولُ: فِي هَذَا التَّرْجِيحِ نَظَرٌ، يُوَضِّحُهُ مَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، حَيْثُ قَالَ: إنَّمَا وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعَصْرِ لِمَعْرِفَةِ آخِرِ الْوَقْتِ، فَعِنْدَنَا آخِرُهُ فِي حُكْمِ التَّرْتِيبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَفِي حُكْمِ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْعَصْرِ تَغَيُّرُ الشَّمْسِ. وَعَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ: آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ؛ فَعِنْدَهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاتَيْنِ قَبْلَ التَّغَيُّرِ لَزِمَهُ التَّرْتِيبُ وَإِلَّا فَلَا. وَعِنْدَنَا إذَا تَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الظُّهْرِ قَبْلَ التَّغَيُّرِ وَيَقَعُ الْعَصْرُ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ التَّغَيُّرِ يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الصَّلَاتَيْنِ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الْفَرَاغُ مِنْ الظُّهْرِ قَبْلَ التَّغَيُّرِ لَا يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ لِأَنَّ مَا بَعْدَ التَّغَيُّرِ لَيْسَ وَقْتًا لِأَدَاءِ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ اهـ مُلَخَّصًا. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْمُنْتَقَى لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمَّا تَذَكَّرَ الظُّهْرَ بَعْدَ التَّغَيُّرِ لَا يُمْكِنُهُ صَلَاتُهُ فِيهِ، فَلِذَا لَمْ تَفْسُدْ الْعَصْرُ وَإِنْ كَانَ افْتَتَحَهَا قَبْلَ التَّغَيُّرِ نَاسِيًا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِوَقْتِ التَّذَكُّرِ، مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ فِيمَا لَوْ أَطَالَ الصَّلَاةَ ثُمَّ تَذَكَّرَ الْفَائِتَةَ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ بَلْ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فَاعْتِبَارُ أَصْلِ الْوَقْتِ هُوَ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْمَبْسُوطِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُتُونِ، وَلِذَا جَزَمَ بِهِ فَقِيهُ النَّفْسِ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ بِلَفْظِ عِنْدَنَا، فَاقْتَضَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَلِذَا نُسِبَ الْقَوْلُ الْآخَرُ إلَى الْحَسَنِ، نَعَمْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ الْفَجْرَ عِنْدَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ يُصَلِّيهَا مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ مَكْرُوهَةٌ، بَلْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ يُصَلِّيهَا عِنْدَهُمَا وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ثُمَّ يَقْضِي الْفَجْرَ، فَلَمْ يَجْعَلَا فَوْتَ الْجُمُعَةِ عُذْرًا فِي تَرْكِ التَّرْتِيبِ وَمُحَمَّدٌ جَعَلَهُ عُذْرًا فَكَذَلِكَ هُنَا. اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عِبَارَةَ الْمُحِيطِ وَلَيْسَ فِيهَا التَّصْحِيحُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَصْلُ الْوَقْتِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ حَقِيقَةً) تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ ضَاقَ: أَيْ ضَاقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا ظَنًّا، وَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ فِي قَوْلِهِ ظَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ إلَخْ (قَوْلُهُ إذْ لَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فَلَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، لَكِنَّهُ إنَّمَا يُنَاسِبُ اعْتِبَارَ أَصْلِ الْوَقْت. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ تَفْوِيتُ الْوَقْتِيَّةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ ح. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى تَفْوِيتًا، بَلْ هُوَ تَعْلِيلٌ ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ لِمَا هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَرَرْنَاهُ
(قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ كُلَّ الْفَوَائِتِ) صُورَتُهُ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ وَالْوِتْرُ مَثَلًا ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ الْفَجْرَ حَتَّى بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْوِتْرَ مَثَلًا وَفَرْضَ الصُّبْحِ فَقَطْ وَلَمْ يَسَعْ الصَّلَوَاتِ الثَّلَاثَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ تَرْجِيحُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُصَلِّ الْوِتْرَ. وَصَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُ الْوَقْتِيَّةِ ح عَنْ الْبَحْرِ، لَكِنْ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: الَّذِي رَأَيْته فِي الْمُجْتَبَى الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ. اهـ.
قُلْت: رَاجَعْت الْمُجْتَبَى فَرَأَيْت فِيهِ مِثْلَ مَا عَزَاهُ إلَيْهِ فِي الْبَحْرِ، وَكَذَا قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ جَازَتْ الْوَقْتِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
(قَوْلُهُ يُكَرِّرُهَا إلَى الطُّلُوعِ) يَعْنِي يُعِيدُهَا ثَانِيًا وَثَالِثًا وَهَكَذَا إذَا كَانَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ظَنَّ أَنَّ الْوَقْتَ لَا يَسَعُهُمَا ثُمَّ ظَهَرَ فِيهِ سَعَةٌ إلَى أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَ إعَادَةٍ مِنْ الْإِعَادَاتِ ضَيِّقَةٌ حَقِيقَةٌ فَيُعِيدُ الْوَقْتِيَّةَ ثُمَّ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ، وَإِنْ ظَهَرَ بَعْدَ إعَادَتِهِ أَنَّهُ يَسَعُهُمَا صَلَّى الْفَائِتَةَ ثُمَّ الْوَقْتِيَّةَ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ أَوْ نُسِيَتْ الْفَائِتَةُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ضَاقَ الْوَقْتُ. وَفِيهِ أَنَّ فَرْضَ
стр. 724
(أَوْ نُسِيَتْ الْفَائِتَةُ) لِأَنَّهُ عُذْرٌ (أَوْ فَاتَتْ سِتٌّ اعْتِقَادِيَّةٌ) لِدُخُولِهَا فِي حَدِّ التَّكْرَارِ الْمُقْتَضِي لِلْحَرَجِ (بِخُرُوجِ وَقْتِ السَّادِسَةِ) عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً
ــ
[رد المحتار]
الْكَلَامِ فِيمَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ حَذْفُ التَّذَكُّرِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ إذَا نَسِيَ الْفَائِتَةَ وَصَلَّى مَا هُوَ مُرَتَّبٌ عَلَيْهَا مِنْ وَقْتِيَّةٍ أَوْ فَائِتَةٍ أُخْرَى وَكَذَا يَسْقُطُ بِنِسْيَانِ إحْدَى الْوَقْتِيَّتَيْنِ؛ كَمَا لَوْ صَلَّى الْوِتْرَ نَاسِيًا أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ ثُمَّ صَلَّاهَا لَا يُعِيدُ الْوِتْرَ، لِقَوْلِهِمْ إنَّهُ لَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ بِلَا وُضُوءٍ وَالْوِتْرَ وَالسُّنَّةَ بِهِ يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالسُّنَّةَ لَا الْوِتْرَ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ نَاسِيًا أَنَّ الْعِشَاءَ فِي ذِمَّتِهِ فَسَقَطَ التَّرْتِيبُ أَفَادَهُ ح.
قُلْت: وَنَظِيرُهُ أَيْضًا مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا وُضُوءٍ يُعِيدُ الظُّهْرَ فَقَطْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِي.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عُذْرٌ) أَيْ لِأَنَّ النِّسْيَانَ عُذْرٌ سَمَاوِيٌّ مُسْقِطٌ لِلتَّكْلِيفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ فَاتَتْ سِتٌّ) يَعْنِي لَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفَائِتَةِ وَالْوَقْتِيَّةِ وَلَا بَيْنَ الْفَوَائِتِ إذَا كَانَتْ الْفَوَائِتُ سِتًّا، كَذَا فِي النَّهْرِ. أَمَّا بَيْنَ الْوَقْتِيَّتَيْنِ كَالْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ فَلَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِهَذَا الْمُسْقِطِ كَمَا لَا يَخْفَى ح. وَأَطْلَقَ السِّتَّ فَشَمِلَ مَا إذَا فَاتَتْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالْإِمْدَادِ.
وَمِثَالُ الْحُكْمِيَّةِ مَا إذَا تَرَكَ فَرْضًا وَصَلَّى بَعْدَهُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ذَاكِرًا لَهُ فَإِنَّ الْخَمْسَ تَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا كَمَا سَيَأْتِي؛ فَالْمَتْرُوكَةُ فَائِتَةٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَالْخَمْسَةُ الْمَوْقُوفَةُ فَائِتَةٌ حُكْمًا فَقَطْ. وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ مَثَلًا الظُّهْرَ مِنْ يَوْمٍ وَالْعَصْرَ مِنْ يَوْمٍ وَالْمَغْرِبَ مِنْ يَوْمٍ وَلَا يَدْرِي أَيَّتُهَا أُولَى. قِيلَ يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْمَتْرُوكَاتِ وَيُصَلِّيهَا سَبْعًا، بِأَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الظُّهْرَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا صَلَّاهُ أَوَّلًا هُوَ الْآخِرَ فَيُعِيدَهُ ثُمَّ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الظُّهْرَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَغْرِبِ أَوَّلًا فَيُعِيدَ مَا صَلَّاهُ أَوَّلًا. وَقِيلَ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا فَيُصَلِّي ثَلَاثًا فَقَطْ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ إيجَابَ التَّرْتِيبِ فِيهَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ كَسَبْعٍ مَعْنًى أَنَّهُ يَسْقُطُ بِسِتٍّ فَبِالسَّبْعِ أَوْلَى اهـ مُلَخَّصًا، وَتَمَامُهُ هُنَاكَ وُلِلشُّرُنْبُلَالِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةٌ.
(قَوْلُهُ اعْتِقَادِيَّةٌ) خَرَجَ الْفَرْضُ الْعَمَلِيُّ وَهُوَ الْوِتْرُ، فَإِنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فَرَضَا لَكِنَّهُ لَا يُحْسَبُ مَعَ الْفَوَائِتِ. اهـ. ح أَيْ لِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ الْكَثْرَةُ الْمُفْضِيَةُ لِلسُّقُوطِ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ وَظِيفَةِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَالْكَثْرَةُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْأَوْقَاتُ أَوْ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْوِتْرِ فِي ذَلِكَ إمْدَادٌ.
(قَوْلُهُ لِدُخُولِهَا فِي حَدِّ التَّكْرَارِ إلَخْ) لِأَنَّهُ يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْ الْفُرُوضِ مُكَرَّرًا، فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ بَيْنَهَا أَنْفُسِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ أَغْيَارِهَا دُرَرٌ إذْ لَوْ وَجَبَ التَّرْتِيبُ حِينَئِذٍ لَأَفْضَى إلَى الْحَرَجِ.
(قَوْلُهُ بِخُرُوجٍ) مُتَعَلِّقٌ بِفَائِتٍ.
(قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا صَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الْمُتَخَلِّلِ بَعْدَ الْفَائِتَةِ سِتَّةَ أَوْقَاتٍ لَا سِتَّ صَلَوَاتٍ؛ فَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَتَذَكَّرَهَا بَعْدَ شَهْرٍ فَصَلَّى بَعْدَهَا وَقْتِيَّةً ذَاكِرًا لِلْفَائِتَةِ أَجْزَأَتْهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ سِتِّ أَوْقَاتٍ، فَسَقَطَ التَّرْتِيبُ: أَيْ مَعَ صِحَّةِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي بَيْنَهُمَا لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ فِيهَا بِالنِّسْيَانِ وَعَلَى اعْتِبَارِ الصَّلَوَاتِ لَا تُجْزِيهِ لِأَنَّ الْفَائِتَةَ وَاحِدَةٌ وَلَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ إلَّا بِفَوْتِ سِتِّ صَلَوَاتٍ. وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمُتُونِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا صَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ، وَاحْتُرِزَ بِهِ أَيْضًا عَمَّا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ اعْتِبَارِ دُخُولِ وَقْتِ السَّادِسَةِ، وَعَمَّا فِي الْمِعْرَاجِ مِنْ اعْتِبَارِ دُخُولِ وَقْتِ السَّابِعَةِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً) أَيْ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِصَيْرُورَةِ الْفَوَائِتِ سِتًّا وَلَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً؛
стр. 725
أَوْ قَدِيمَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ مَتَى اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ رُجِّحَ إطْلَاقُ الْمُتُونِ بَحْرٌ (أَوْ ظَنَّ ظَنًّا مُعْتَبَرًا) أَيْ يَسْقُطُ لُزُومُ التَّرْتِيبِ أَيْضًا بِالظَّنِّ الْمُعْتَبَرِ، كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ ذَاكِرًا لِتَرْكِهِ الْفَجْرَ فَسَدَ ظُهْرُهُ، فَإِذَا قَضَى الْفَجْرَ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ ذَاكِرًا لِلظُّهْرِ جَازَ الْعَصْرُ، إذْ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ حَالَ أَدَاءِ الْعَصْرِ، وَهُوَ ظَنٌّ مُعْتَبَرٌ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ.
ــ
[رد المحتار]
كَمَا لَوْ تَرَكَ صَلَاةَ صُبْحٍ مَثَلًا مِنْ سِتَّةِ أَيَّامٍ وَصَلَّى مَا بَيْنَهَا نَاسِيًا لِلْفَوَائِتِ.
(قَوْلُهُ أَوْ قَدِيمَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ إلَخْ) كَمَا لَوْ تَرَكَ صَلَاةَ شَهْرٍ نَسَقًا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ تَرَكَ فَائِتَةً حَادِثَةً، فَإِنَّ الْوَقْتِيَّةَ جَائِزَةٌ مَعَ تَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ الْحَادِثَةِ لِانْضِمَامِهَا إلَى الْفَوَائِتِ الْقَدِيمَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ فَلَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمُسْقِطَ الْفَوَائِتُ الْحَدِيثَةُ لَا الْقَدِيمَةُ، وَيُجْعَلُ الْمَاضِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ زَجْرًا لَهُ عَنْ التَّهَاوُنِ بِالصَّلَوَاتِ، فَلَا تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ مَعَ تَذَكُّرِهَا وَصَحَّحَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ. وَفِي التَّجْنِيسِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، وَفِي الْكَافِي وَالْمِعْرَاجِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَالْفَتْوَى كَمَا رَأَيْت، وَالْعَمَلُ بِمَا وَافَقَ إطْلَاقَ الْمُتُونِ أَوْلَى بَحْرٌ (قَوْلُهُ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا مُعْتَبَرًا إلَخْ) هَذَا مُسْقِطٌ رَابِعٌ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الدُّرَرِ، وَجَعَلَهُ فِي الْبَحْرِ مُلْحَقًا بِالنِّسْيَانِ وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ مُسْقِطًا رَابِعًا كَمَا يُتَوَهَّمُ، ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ شَارِحُو الْهِدَايَةِ أَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ إنْ كَانَ قَوِيًّا كَعَدَمِ الطَّهَارَةِ اسْتَتْبَعَ الصَّلَاةَ الَّتِي بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا كَعَدَمِ التَّرْتِيبِ فَلَا، وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ فَرَعَيْنَ.
أَحَدُهُمَا: لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا طَهَارَةٍ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ ذَاكِرًا لَهَا أَعَادَ الْعَصْرَ لِأَنَّ فَسَادَ الظُّهْرِ قَوِيٌّ فَأَوْجَبَ فَسَادَ الْعَصْرِ وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ.
ثَانِيهِمَا: لَوْ صَلَّى هَذِهِ الظُّهْرَ بَعْدَ هَذِهِ الْعَصْرِ وَلَمْ يُعِدْ الْعَصْرَ حَتَّى صَلَّى الْمَغْرِبَ ذَاكِرًا لَهَا فَالْمَغْرِبُ صَحِيحَةٌ إذَا ظَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ لِأَنَّ فَسَادَ الْعَصْرِ ضَعِيفٌ لِقَوْلِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ بِعَدَمِهِ فَلَا يَسْتَتْبِعُ فَسَادَ الْمَغْرِبِ. وَذَكَرَ لَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَصْلًا وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ مَا صَلَّاهُ ذَاكِرًا لِلْفَائِتَةِ إنْ كَانَتْ الْفَائِتَةُ تَجِبُ إعَادَتُهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَلَا إنْ كَانَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ. اهـ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ الْمَحَلِّ مُجْتَهَدًا فِيهِ لَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَ الظَّنِّ فِيهِ مِنْ الْجَاهِلِ، بَلْ إنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ ابْتِدَاءً لَا يُعْتَبَرُ الظَّنُّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُبْتَنَى عَلَى الْمُجْتَهَدِ فِيهِ وَيَسْتَتْبِعُهُ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ الظَّنُّ لِزِيَادَةِ الضَّعْفِ، فَفَسَادُ الْعَصْرِ هُوَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ ابْتِدَاءً، وَفَسَادُ الْمَغْرِبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَاعْتُبِرَ اهـ أَيْ اُعْتُبِرَ فِيهِ الظَّنُّ مِنْ الْجَاهِلِ. وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَحَلَّ اعْتِبَارِ هَذَا الظَّنِّ وَعَدَمِهِ فِي الْجَاهِلِ لَا الْعَالِمِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ، وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ.
هَذَا، وَقَدْ اعْتَرَضَ فِي الْبَحْرِ مَا مَرَّ مِنْ الْفَرْعَيْنِ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حَنَفِيًّا فَلَا عِبْرَةَ بِرَأْيِهِ الْمُخَالِفِ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ فَيَلْزَمُهُ الْمَغْرِبُ أَيْضًا أَوْ شَافِعِيًّا فَلَا يَلْزَمُهُ الْعَصْرُ أَيْضًا، أَوْ عَامِّيًّا فَلَا مَذْهَبَ لَهُ بَلْ مَذْهَبُهُ مَذْهَبُ مُفْتِيهِ فَإِنْ اسْتَفْتَى حَنَفِيًّا أَعَادَهُمَا أَوْ شَافِعِيًّا لَا يُعِيدُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَفْتِ أَحَدًا وَصَادَفَ الصِّحَّةَ عَلَى مَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَحْثٌ فِي الْمَنْقُولِ، فَإِنَّ مَا مَرَّ عَنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ مِنْ حُكْمِ الْفَرْعَيْنِ مَذْكُورٌ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ قَاضِي خَانْ. وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَزَاهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة إلَى الْأَصْلِ، وَقَدْ تَبِعَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ صَاحِبَ الْبَحْرِ، لَكِنْ قَالَ: إنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ فِي عَامِّيٍّ لَمْ يُقَلِّدْ مُجْتَهِدًا وَلَمْ يَسْتَفْتِ فَقِيهًا، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ لِمُصَادَفَتِهَا مُجْتَهَدًا فِيهِ؛ أَمَّا لَوْ كَانَ حَنَفِيًّا فَلَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ الْمُخَالِفِ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ إلَخْ. وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ لِمُصَادَفَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا الصِّحَّةَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَامِّيٍّ اسْتَفْتَى حَنَفِيًّا أَوْ الْتَزَمَ التَّعَبُّدَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مُعْتَقِدًا صِحَّتَهُ وَقَدْ جَهِلَ هَذَا الْحُكْمَ ثُمَّ عَلِمَ ذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ مَا مَعْنَاهُ: إنَّ قَوْلَ الْبَحْرِ لَا عِبْرَةَ بِرَأْيِهِ الْمُخَالِفِ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ إمَامَهُ قَدْ اعْتَبَرَ رَأْيَهُ وَأَسْقَطَ عَنْهُ التَّرْتِيبَ بِظَنِّهِ عَدَمَ وُجُوبِهِ، فَإِذَا كَانَ جَاهِلًا ذَلِكَ ثُمَّ عَلِمَ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ؛ وَلَوْ اسْتَفْتَى حَنَفِيًّا فَأَفْتَاهُ بِالْإِعَادَةِ لَمْ تَصِحَّ فَتْوَاهُ اهـ.
(قَوْلُهُ جَازَ الْعَصْرُ) أَيْ إنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُجْزِيهِ كَمَا مَرَّ، وَأَطْلَقَهُ لِعِلْمِهِ مِنْ التَّعْلِيلِ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ) أَيْ جَوَازُ الْعَصْرِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ
стр. 726
وَفِي الْمُجْتَبِي: مَنْ جَهِلَ فَرْضِيَّةَ التَّرْتِيبِ يُلْحَقُ بِالنَّاسِي وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ بُخَارَى، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ مَا فِي الْقُنْيَةِ: صَبِيٌّ بَلَغَ وَقْتَ الْفَجْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ مَعَ تَذَكُّرِهِ جَازَ، وَلَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ بِهَذَا الْعُذْرِ (وَلَا يَعُودُ) لُزُومُ التَّرْتِيبِ (بَعْدَ سُقُوطِهِ بِكَثْرَتِهَا) أَيْ الْفَوَائِتِ (بِعَوْدِ الْفَوَائِتِ إلَى الْقِلَّةِ ب) سَبَبِ (الْقَضَاءِ) لِبَعْضِهَا عَلَى الْمُعْتَمِدِ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَعُودُ (وَكَذَا لَا يَعُودُ) التَّرْتِيبُ (بَعْدَ سُقُوطِهِ بِبَاقِي الْمُسْقِطَاتِ) السَّابِقَةِ مِنْ النِّسْيَانِ وَالضِّيقِ؛ حَتَّى لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ فِي خِلَالِ الْوَقْتِيَّةِ لَا تُفْسِدُ وَهُوَ مُؤَدٍّ، هُوَ الْأَصَحُّ مُجْتَبِي، لَكِنْ فِي النَّهْرِ وَالسِّرَاجِ عَنْ الدِّرَايَةِ: لَوْ سَقَطَ لِلنِّسْيَانِ وَالضِّيقِ ثُمَّ تَذَكَّرَ وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ يَعُودُ اتِّفَاقًا، وَنَحْوُهُ فِي الْأَشْبَاهِ فِي بَيَانِ السَّاقِطِ لَا يَعُودُ فَلْيُحَرَّرْ
(وَفَسَادُ) أَصْلِ (الصَّلَاةِ بِتَرْكِ التَّرْتِيبِ مَوْقُوفٌ)
ــ
[رد المحتار]
أَيْ يُبْتَنَى عَلَى الْمُجْتَهَدِ فِيهِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ جَوَازُ الظُّهْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ عَنْ الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ وَفِي الْمُجْتَبَى إلَخْ) لَيْسَ هَذَا مُسْقِطًا خَامِسًا، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الظَّنَّ السَّابِقَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْجَاهِلِ، بَلْ إنَّمَا نَقَلَ كَلَامَ الْمُجْتَبَى لِيُشِيرَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الظَّنَّ الْمُعْتَبَرَ لَيْسَ مُسْقِطًا رَابِعًا، لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالنِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا الْمُسْقِطَاتُ هِيَ الثَّلَاثُ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَصْحَابُ الْمُتُونِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ مَا فِي الْقُنْيَةِ) إنَّمَا حُكِمَ عَلَى الصَّبِيِّ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ كَمَا فِي النَّهْرِ ح.
قُلْت: لَكِنْ فِي هَذَا التَّخْرِيجِ خَفَاءٌ فَإِنَّ الْفَجْرَ فَائِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّرْتِيبُ اعْتِبَارًا لِجَهْلِهِ مَعَ أَنَّهَا نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى السَّابِقَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا مُعْتَبَرًا: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ ظَنِّ الْجَاهِلِ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ بِكَثْرَتِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِسُقُوطِهِ، وَقَوْلُهُ بِعَوْدِ الْفَوَائِتِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَلَا يَعُودُ، وَقَوْلُهُ بِالْقَضَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بِعَوْدِ الْفَوَائِتِ إلَى الْقِلَّةِ ط.
(قَوْلُهُ بِسَبَبِ الْقَضَاءِ لِبَعْضِهَا) كَمَا إذَا تَرَكَ رَجُلٌ صَلَاةَ شَهْرٍ مَثَلًا ثُمَّ قَضَاهَا إلَّا صَلَاةً ثُمَّ صَلَّى الْوَقْتِيَّةَ ذَاكِرًا لَهَا فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ اهـ بَحْرٌ وَقُيِّدَ بِقَضَاءِ الْبَعْضِ لِأَنَّهُ لَوْ قَضَى الْكُلَّ عَادَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ (قَوْلُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ) هُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ أَيْضًا فِي الْكَافِي وَالْمُحِيطِ، وَفِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَقِيلَ يَعُودُ التَّرْتِيبُ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ. وَرَدَّهُ فِي الْكَافِي وَالتَّبْيِينِ، وَأَطَالَ فِيهِ الْبَحْرُ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَعُودُ) وَأَمَّا إذَا قَضَى الْكُلَّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَرْتِيبٌ جَدِيدٌ فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ عَادَ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ مُجْتَبَى) عِبَارَتُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ لِضِيقِ الْوَقْتِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ لَا يَعُودُ عَلَى الْأَصَحِّ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ فِي خِلَالِ الْوَقْتِيَّةِ لَا تَفْسُدُ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ مُؤَدٍّ عَلَى الْأَصَحِّ لَا قَاضٍ، وَكَذَا لَوْ سَقَطَ مَعَ النِّسْيَانِ ثُمَّ تَذَكَّرَ لَا يَعُودُ اهـ بِاخْتِصَارٍ.
(قَوْلُهُ عَنْ الدِّرَايَةِ) اقْتِصَارٌ عَلَى بَعْضِ اسْمِ الْكِتَابِ لِلِاخْتِصَارِ، فَإِنَّ اسْمَهُ مِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ، وَهُوَ شَرْحُ الْهِدَايَةِ لِلْكَاكِيِّ؛ وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ لَفْظَ الْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ فَلْيُحَرَّرْ) التَّحْرِيرُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ فِي ضِيقِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ مَا فِي الْمُجْتَبَى مُصَرِّحٌ بِأَنَّ عَدَمَ الْعَوْدِ فِيمَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ. وَمَا فِي الدِّرَايَةِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْعَوْدَ فِيمَا إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ أَيْ ظَهَرَ أَنَّ فِيهِ سَعَةً فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا فِي التَّذَكُّرِ بَعْدَ النِّسْيَانِ، فَإِنَّ مَا فِي الْمُجْتَبَى مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا فِي الْمَسَائِلِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ بَطَلَتْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا. وَمَا فِي الدِّرَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَذَكَّرَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا كَذَا أَفَادَهُ ح.
ثُمَّ قَالَ: وَفِي التَّحْقِيقِ ضِيقُ الْوَقْتِ لَيْسَ بِمُسْقِطٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْوَقْتِيَّةُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِقُوَّتِهَا مَعَ بَقَاءِ التَّرْتِيبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّبْيِينِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي النِّسْيَانِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ فَائِتَةٍ وَوَقْتِيَّةٍ لِضِيقِ وَقْتٍ أَوْ نِسْيَانٍ يَبْقَى فِيمَا بَعْدَ تِلْكَ الْوَقْتِيَّةِ.
(قَوْلُهُ أَصْلُ الصَّلَاةِ) تَبِعَ فِيهِ النَّهْرَ. وَالصَّوَابُ وَصْفُ الصَّلَاةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقُيِّدَ بِفَسَادِ الْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ
стр. 727
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ ظَنَّ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ أَوْ لَا (فَإِنْ كَثُرَتْ وَصَارَتْ الْفَوَائِتُ مَعَ الْفَائِتَةِ سِتًّا ظَهَرَ صِحَّتُهَا) بِخُرُوجِ وَقْتِ الْخَامِسَةِ الَّتِي هِيَ سَادِسَةُ الْفَوَائِتِ لِأَنَّ دُخُولَ وَقْتِ السَّادِسَةِ غَيْرُ شَرْطٍ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ فَجْرَ يَوْمٍ وَأَدَّى بَاقِيَ صَلَوَاتِهِ انْقَلَبَتْ صَحِيحَةً
ــ
[رد المحتار]
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُبْطِلُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ، فَإِذَا بَطَلَتْ الْفَرْضِيَّةُ بَطَلَتْ التَّحْرِيمَةُ أَصْلًا. وَلَهُمَا أَنَّهَا عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِالْقَهْقَهَةِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. اهـ. ح.
(قَوْلُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْفَسَادُ بَاتٌّ.
(قَوْلُهُ سَوَاءٌ ظَنَّ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ أَوْ لَا) خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْمُحِيطِ، مِنْ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ مَا صَلَّاهُ إذَا كَانَ عِنْدَ الْمُصَلِّي أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِلَّا أَعَادَ الْكُلَّ؛ فَقَدْ نَصَّ فِي الْبَحْرِ عَلَى ضَعْفِهِ. وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ تَعْلِيلَ قَوْلِ الْإِمَامِ يَقْطَعُ بِالْإِطْلَاقِ، وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ.
لَا يُقَالُ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِالظَّنِّ الْمُعْتَبَرِ. وَأَمَّا الْجَاهِلُ يُلْحَقُ بِالنَّاسِي. لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ مَا هُنَا مُصَوَّرٌ فِيمَا إذَا تَرَكَ صَلَاةً ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا خَمْسًا ذَاكِرًا لِلْمَتْرُوكَةِ، فَظَنُّهُ عَدَمَ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ هُنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا كَانَ الْفَسَادُ ضَعِيفًا كَمَا مَرَّ عَنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَثُرَتْ) أَيْ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّاهَا تَارِكًا فِيهَا التَّرْتِيبَ، بِأَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ ذَاكِرًا لَهَا، وَهَذَا التَّفْرِيعُ لِبَيَانِ قَوْلِهِ مَوْقُوفٌ.
وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَلَوْ وِتْرًا فَكُلَّمَا صَلَّى بَعْدَهَا وَقْتِيَّةً وَهُوَ ذَاكِرٌ لِتِلْكَ الْفَائِتَةِ فَسَدَتْ تِلْكَ الْوَقْتِيَّةُ فَسَادًا مَوْقُوفًا عَلَى قَضَاءِ تِلْكَ الْفَائِتَةِ، فَإِنْ قَضَاهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ صَارَ الْفَسَادُ بَاتًّا وَانْقَلَبَتْ الصَّلَوَاتُ الَّتِي صَلَّاهَا قَبْلَ قَضَاءِ الْمَقْضِيَّةِ نَفْلًا، وَإِنْ لَمْ يَقْضِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الْخَامِسَةِ وَصَارَتْ الْفَوَاسِدُ مَعَ الْفَائِتَةِ سِتًّا انْقَلَبَتْ صَحِيحَةً لِأَنَّهُ ظَهَرَتْ كَثْرَتُهَا وَدَخَلَتْ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ الْمُسْقِطِ لِلتَّرْتِيبِ، وَبَيَانُ وَجْهِ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ قَالَ ط: وَقَيَّدُوا أَدَاءَ الْخَمْسَةِ بِتَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ، فَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْهَا سَقَطَ لِلنِّسْيَانِ؛ وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي الْبَعْضِ وَنَسِيَ فِي الْبَعْضِ يُعْتَبَرُ الْمَذْكُورُ فِيهِ، فَإِنْ بَلَغَ خَمْسًا صَحَّتْ وَلَا نَظَرَ لِمَا نُسِيَ فِيهِ لِمَا قُلْنَا.
(قَوْلُهُ وَصَارَتْ الْفَوَائِتُ) أَيْ الْحُكْمِيَّةُ. وَفِي نُسْخَةٍ: الْفَوَاسِدُ: أَيْ الْمَوْقُوفَةُ (قَوْلُهُ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْخَامِسَةِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ كَالْمَبْسُوطِ وَالْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالتَّبْيِينِ وَغَيْرِهَا أَنَّ صِحَّةَ الْكُلِّ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَدَاء سِتِّ صَلَوَاتٍ بَعْدَ الْمَتْرُوكَةِ. وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ خَطَأٌ. وَحَقَّقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الصِّحَّةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى دُخُولِ وَقْتِ السَّادِسَةِ لَا عَلَى أَدَائِهَا. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ، بِأَنَّ دُخُولَ وَقْتِ السَّادِسَةِ بَعْدَ الْمَتْرُوكَةِ غَيْرُ شَرْطٍ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ خُرُوجُ وَقْتِ الْخَامِسَةِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ تَصِيرُ الْفَوَائِتُ سِتًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعَ بَيَانِ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ مِنْ أَدَاءِ السَّادِسَةِ إنَّمَا هُوَ لِتَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا بِيَقِينٍ لَا لِكَوْنِهِ شَرْطًا أَلْبَتَّةَ، وَذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي الْإِمْدَادِ عَنْ الْمِعْرَاجِ أَيْضًا وَمَجْمَعِ الرِّوَايَاتِ والتتارخانية وَالسِّغْنَاقِيِّ وَقَاضِي خَانْ وَحَاصِلُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا لَخَّصَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
стр. 728
بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَصِرْ سِتًّا (لَا) تَظْهَرُ صِحَّتُهَا بَلْ تَصِيرُ نَفْلًا، وَفِيهَا يُقَالُ: صَلَاةٌ تُصَحِّحُ خَمْسًا وَأُخْرَى تُفْسِدُ خَمْسًا.
(وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَائِتَةٌ وَأَوْصَى بِالْكَفَّارَةِ يُعْطَى لِكُلِّ صَلَاةٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) كَالْفِطْرَةِ
ــ
[رد المحتار]
هَذَا، وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْمِعْرَاجِ: كَانَ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ أَدَّى الْخَامِسَةَ ثُمَّ قَضَى الْمَتْرُوكَةَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا أَنْ لَا تُفْسِدَ الْمُؤَدَّيَاتِ بَلْ تَصِحُّ لِوُقُوعِهَا غَيْرَ جَائِزَةٍ، وَبِهَا تَصِيرُ الْفَوَائِتُ سِتًّا. وَالْجَوَابُ مَعَ كَوْنِهَا فَائِتَةً مَا بَقِيَ الْوَقْتُ إذْ احْتِمَالُ الْأَدَاءِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ قَائِمٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى دُخُولِ وَقْتِ السَّادِسَةِ وَهِيَ الظُّهْرُ خِلَافًا لِمَا فِي الْفَتْحِ، وَلَا عَلَى أَدَائِهَا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ مَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ.
(قَوْلُهُ بِأَنْ لَمْ تَصِرْ سِتًّا) أَيْ بِأَنْ قَضَى الْفَائِتَةَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْخَامِسَةِ.
(قَوْلُهُ وَفِيهَا يُقَالُ إلَخْ) هَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ كَعَامَّةِ الْكُتُبِ مِنْ اشْتِرَاطِ أَدَاءِ السَّادِسَةِ، فَهَذِهِ السَّادِسَةُ إذَا أَدَّاهَا صَحَّتْ الْخَمْسَةُ الَّتِي قَبْلَهَا، فَهِيَ صَلَاةٌ تُصَحِّحُ خَمْسًا، وَالْفَائِتَةُ إذَا قَضَاهَا قَبْلَ أَدَاءِ السَّادِسَةِ فَسَدَتْ الْخَمْسَةُ الَّتِي قَبْلَهَا، فَهَذِهِ صَلَاةٌ أُخْرَى تُفْسِدُ خَمْسًا أَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ خُرُوجِ وَقْتِ الْخَامِسَةِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ فَالْمُصَحِّحُ وَالْمُفْسِدُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْفَائِتَةُ، فَإِذَا قَضَاهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْخَامِسَةِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا أَفْسَدَتْ الْخَمْسَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَقْضِ صَحَّتْ الْخَمْسُ أَيْ تَحَقَّقَ بِهَا صِحَّةُ الْخَمْسِ، وَإِلَّا فَالْمُصَحِّحُ حَقِيقَةً هُوَ كَثْرَةُ الْفَوَائِتِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْخَامِسَةِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَائِتَةٌ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ، فَيَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِهَا وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ وَإِنْ قَلَّتْ، بِأَنْ كَانَتْ دُونَ سِتِّ صَلَوَاتٍ، لِقَوْلِهِ ﵊ «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» وَكَذَا حُكْمُ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ إنْ أَفْطَرَ فِيهِ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ وَمَاتَا قَبْلَ الْإِقَامَةِ وَالصِّحَّةِ، وَتَمَامُهُ فِي الْإِمْدَادِ. مَطْلَبٌ فِي إسْقَاطِ الصَّلَاةِ عَنْ الْمَيِّتِ.
(قَوْلُهُ يُعْطَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ: أَيْ يُعْطِي عَنْهُ وَلِيُّهُ: أَيْ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِوِصَايَةٍ أَوْ وِرَاثَةٍ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ إنْ أَوْصَى، وَإِلَّا فَلَا يُلْزَمُ الْوَلِيُّ ذَلِكَ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الِاخْتِيَارِ، فَإِذَا لَمْ يُوصِ فَاتَ الشَّرْطُ فَيَسْقُطُ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِلتَّعَذُّرِ، بِخِلَافِ حَقِّ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ وُصُولُهُ إلَى مُسْتَحَقِّهِ لَا غَيْرُ، وَلِهَذَا لَوْ ظَفِرَ بِهِ الْغَرِيمُ يَأْخُذُهُ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضَا، وَيَبْرَأُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِذَلِكَ إمْدَادٌ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِفِدْيَةِ الصَّوْمِ يُحْكَمُ بِالْجَوَازِ قَطْعًا لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُوصِ فَتَطَوَّعَ بِهَا الْوَارِثُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ إنَّهُ يُجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَعَلَّقَ الْإِجْزَاءَ بِالْمَشِيئَةِ لِعَدَمِ النَّصِّ، وَكَذَا عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِفِدْيَةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُمْ أَلْحَقُوهَا بِالصَّوْمِ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ النَّصِّ فِيهِ مَعْلُولًا بِالْعَجْزِ فَتَشْمَلُ الْعِلَّةُ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُولًا تَكُونُ الْفِدْيَةُ بِرًّا مُبْتَدَأً يَصْلُحُ مَاحِيًا لِلسَّيِّئَاتِ فَكَانَ فِيهَا شُبْهَةٌ كَمَا إذَا لَمْ يُوصِ بِفِدْيَةِ الصَّوْمِ فَلِذَا جَزَمَ مُحَمَّدٌ بِالْأَوَّلِ وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْأَخِيرَيْنِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوصِ بِفِدْيَةِ الصَّلَاةِ فَالشُّبْهَةُ أَقْوَى.
وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِيمَا رَأَيْته مِنْ كُتُبِ عُلَمَائِنَا فُرُوعًا وَأُصُولًا إذَا لَمْ يُوصِ بِفِدْيَةِ الصَّوْمِ يَجُوزُ أَنْ يَتَبَرَّعَ عَنْهُ وَلِيُّهُ. وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْوَلِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ. وَنَظِيرُهُ مَا قَالُوهُ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِحَجَّةِ الْفَرْضِ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْحَجِّ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَتَبَرُّعُ الْوَارِثِ إمَّا بِالْحَجِّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْإِحْجَاجِ عَنْهُ رَجُلًا يُجْزِيهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ غَيْرُ الْوَارِثِ لَا يُجْزِيهِ، نَعَمْ وَقَعَ فِي شَرْحِ نُورِ الْإِيضَاحِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ التَّعْبِيرُ بِالْوَصِيِّ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ فَتَأَمَّلْ، وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي آخِرِ رِسَالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ شِفَاءَ الْعَلِيلِ فِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِالْخَتَمَاتِ وَالتَّهَالِيلِ.
(قَوْلُهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) أَيْ أَوْ مِنْ
стр. 729
(وَكَذَا حُكْمُ الْوِتْرِ) وَالصَّوْمِ، وَإِنَّمَا يُعْطِي (مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا يَسْتَقْرِضُ وَارِثُهُ نِصْفَ صَاعٍ مَثَلًا وَيَدْفَعُهُ لِفَقِيرٍ ثُمَّ يَدْفَعُهُ الْفَقِيرُ لِلْوَارِثِ ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى يَتِمَّ.
ــ
[رد المحتار]
دَقِيقِهِ أَوْ سَوِيقِهِ، أَوْ صَاعِ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ قِيمَتِهِ، وَهِيَ أَفْضَلُ عِنْدَنَا لِإِسْرَاعِهَا بِسَدِّ حَاجَةِ الْفَقِيرِ إمْدَادٌ. ثُمَّ إنَّ نِصْفَ الصَّاعِ رُبُعُ مُدٍّ دِمَشْقِيٍّ مِنْ غَيْرِ تَكْوِيمٍ، بَلْ قَدْرُ مَسْحِهِ كَمَا سَنُوضِحُهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ (قَوْلُهُ وَكَذَا حُكْمُ الْوِتْرِ) لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا ط. وَلَا رِوَايَةَ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَنَّهُ يَجِبُ أَوْ لَا يَجِبُ كَمَا فِي الْحِجَّةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ كَمَا فِي الصَّيْرَفِيَّةِ إسْمَاعِيلُ.
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يُعْطِي مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) أَيْ فَلَوْ زَادَتْ الْوَصِيَّةُ عَلَى الثُّلُثِ لَا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ إخْرَاجُ الزَّائِدِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ. وَفِي الْقُنْيَةِ: أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ إلَى صَلَوَاتِ عُمْرِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَجَازَ الْغَرِيمُ وَصِيَّتَهُ لَا تَجُوزُ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الدَّيْنِ وَلَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ بِإِجَازَتِهِ. اهـ. وَفِيهَا أَوْصَى بِصَلَوَاتِ عُمْرِهِ وَعُمْرُهُ لَا يُدْرَى فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، ثُمَّ رَمَزَ إنْ كَانَ الثُّلُثُ لَا يَفِي بِالصَّلَوَاتِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَفِي بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ أَنَّ عُمْرَهُ لَا يُدْرَى وَذَلِكَ كَأَنْ يَفِيَ الثُّلُثُ بِنَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ مَثَلًا وَعُمْرُهُ نَحْوُ الثَّلَاثِينَ. وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي ظَاهِرٌ لِأَنَّ الثُّلُثَ إذَا كَانَ لَا يَفِي بِصَلَوَاتِ عُمْرِهِ تَكُونُ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ يَقِينًا وَيَلْغُو الزَّائِدُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَفِي بِهَا وَيَزِيدُ عَلَيْهَا فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ لِجَهَالَةِ قَدْرِهَا بِسَبَبِ جَهَالَةِ قَدْرِ الصَّلَوَاتِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا إلَخْ) أَيْ أَصْلًا أَوْ كَانَ مَا أَوْصَى بِهِ لَا يَفِي. زَادَ فِي الْإِمْدَادِ: أَوْ لَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ وَأَرَادَ الْوَلِيُّ التَّبَرُّعَ إلَخْ وَأَشَارَ بِالتَّبَرُّعِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَلِيِّ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ فَقَالَ: لَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ فِعْلُ الدَّوْرِ وَإِنْ أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتَ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِالتَّبَرُّعِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ بِمَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَضِقْ الثُّلُثُ عَنْهُ، فَإِنْ أَوْصَى بِأَقَلَّ وَأَمَرَ بِالدَّوْرِ وَتَرَكَ بَقِيَّةَ الثُّلُثِ لِلْوَرَثَةِ أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ لِغَيْرِهِمْ فَقَدْ أَثِمَ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. اهـ.
مَطْلَبٌ فِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِالْخَتَمَاتِ وَالتَّهَالِيلِ
وَبِهِ ظَهَرَ حَالُ وَصَايَا أَهْلِ زَمَانِنَا، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ وَغَيْرُهَا مِنْ زَكَاةٍ وَأَضَاحٍ وَأَيْمَانٍ وَيُوصِي لِذَلِكَ بِدَرَاهِمَ يَسِيرَةٍ، وَيَجْعَلُ مُعْظَمَ وَصِيَّتِهِ لِقِرَاءَةِ الْخَتَمَاتِ وَالتَّهَالِيلِ الَّتِي نَصَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِهَا، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ لِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا لَا تَجُوزُ، وَأَنَّ الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ آثِمَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَنَفْسُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا لَا يَجُوزُ، فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي عِدَّةِ كُتُبٍ مِنْ مَشَاهِيرِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ؛ وَإِنَّمَا أَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لَا عَلَى التِّلَاوَةِ وَعَلَّلُوهُ بِالضَّرُورَةِ وَهِيَ خَوْفُ ضَيَاعِ الْقُرْآنِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التِّلَاوَةِ كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ وَسَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ يَسْتَقْرِضُ وَارِثُهُ نِصْفَ صَاعٍ مَثَلًا إلَخْ) أَيْ أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ. وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَحْسِبَ مَا عَلَى الْمَيِّتِ وَيَسْتَقْرِضَ بِقَدْرِهِ، بِأَنْ يُقَدِّرَ عَنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ أَوْ يَحْتَسِبَ مُدَّةَ عُمْرِهِ بَعْدَ إسْقَاطِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً لِلذَّكَرِ وَتِسْعِ سِنِينَ لِلْأُنْثَى لِأَنَّهَا أَقَلُّ مُدَّةِ بُلُوغِهِمَا، فَيَجِبُ عَنْ كُلِّ شَهْرٍ نِصْفُ غِرَارَةِ قَمْحٍ بِالْمُدِّ الدِّمَشْقِيِّ مُدِّ زَمَانِنَا لِأَنَّ نِصْفَ الصَّاعِ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِ مُدٍّ، فَتَبْلُغُ كَفَّارَةُ سِتِّ صَلَوَاتٍ لِكُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَحْوَ مُدٍّ وَثُلُثٍ، وَلِكُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعُونَ مُدًّا وَذَلِكَ نِصْفُ غِرَارَةٍ، وَلِكُلِّ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ سِتُّ غَرَائِرَ، فَيَسْتَقْرِضُ قِيمَتَهَا وَيَدْفَعُهَا لِلْفَقِيرِ ثُمَّ يَسْتَوْهِبُهَا مِنْهُ وَيَتَسَلَّمُهَا مِنْهُ لِتَتِمَّ الْهِبَةُ ثُمَّ يَدْفَعُهَا لِذَلِكَ الْفَقِيرِ أَوْ لِفَقِيرٍ آخَرَ وَهَكَذَا، فَيُسْقِطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَفَّارَةَ سَنَةٍ، وَإِنْ اسْتَقْرَضَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يُسْقِطُ بِقَدْرِهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعِيدُ الدَّوْرَ لِكَفَّارَةِ الصِّيَامِ ثُمَّ لِلْأُضْحِيَّةِ ثُمَّ لِلْأَيْمَانِ، لَكِنْ لَا بُدَّ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ مِنْ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدْفَعَ لِلْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ فِي يَوْمٍ لِلنَّصِّ عَلَى الْعَدَدِ فِيهَا، بِخِلَافِ فِدْيَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إعْطَاءُ
стр. 730
(وَلَوْ قَضَاهَا وَرَثَتُهُ بِأَمْرِهِ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ (بِخِلَافِ الْحَجِّ) لِأَنَّهُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، وَلَوْ أَدَّى لِلْفَقِيرِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ لَمْ يَجُزْ؛ وَلَوْ أَعْطَاهُ الْكُلَّ جَازَ، وَلَوْ فَدَى عَنْ صَلَاتِهِ فِي مَرَضِهِ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
(وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْفَوَائِتِ) وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَى الْفَوْرِ (لِعُذْرِ السَّعْيِ عَلَى الْعِيَالِ؛ وَفِي الْحَوَائِجِ عَلَى الْأَصَحِّ) وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ
ــ
[رد المحتار]
فِدْيَةِ صَلَوَاتٍ لِوَاحِدٍ كَمَا يَأْتِي. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِدُونِ وَصِيَّةٍ لِتَعْلِيلِهِمْ، لِعَدَمِ وُجُوبِهَا بِدُونِ وَصِيَّةٍ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْفِعْلِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بِأَنْ يُوصِيَ بِإِخْرَاجِهَا فَلَا يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ رَأَيْت فِي صَوْمِ السِّرَاجِ التَّصْرِيحَ بِجَوَازِ تَبَرُّعِ الْوَارِثِ بِإِخْرَاجِهَا، وَعَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِإِدَارَةِ الْوَلِيِّ لِلزَّكَاةِ، ثُمَّ يَنْبَغِي بَعْدَ تَمَامِ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ أَوْ بِمَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ إنْ كَانَ أَوْصَى.
(قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ الْإِجْزَاءِ؛ بِمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ وَكَذَا الصَّوْمُ؛ نَعَمْ لَوْ صَامَ أَوْ صَلَّى وَجَعَلَ ثَوَابَ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ صَحَّ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ ثَوَابُ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ عِنْدَنَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْبَدَنِ وَالْمَالِ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: مَالِيَّةٌ، وَبَدَنِيَّةٌ، وَمُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا؛ فَالْعِبَادَةُ الْمَالِيَّةُ كَالزَّكَاةِ تَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ حَالَةَ الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ. وَالْبَدَنِيَّةُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا تَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ مُطْلَقًا. وَالْمُرَكَّبَةُ مِنْهُمَا كَالْحَجِّ، إنْ كَانَ نَفْلًا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ فَرْضًا لَا تَصِحُّ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ الدَّائِمِ إلَى الْمَوْتِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ) هَذَا ثَانِي قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة بِدُونِ تَرْجِيحٍ. وَظَاهِرُ الْبَحْرِ اعْتِمَادُهُ، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
(قَوْلُهُ جَازَ) أَيْ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْإِفْطَارِ تَتَارْخَانِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ فَدَى عَنْ صَلَاتِهِ فِي مَرَضِهِ لَا يَصِحُّ) فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ التَّتِمَّةِ: سُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ الْفِدْيَةِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ هَلْ تَجُوزُ؟ فَقَالَ لَا. وَسُئِلَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ الشَّيْخِ الْفَانِي هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ عَنْ الصَّلَوَاتِ كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ عَنْ الصَّوْمِ وَهُوَ حَيٌّ؟ فَقَالَ لَا. اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ: وَلَا فِدْيَةَ فِي الصَّلَاةِ حَالَةَ الْحَيَاةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ. اهـ.
أَقُولُ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الشَّيْخِ الْفَانِي أَنَّهُ يُفْطِرُ وَيَفْدِي فِي حَيَاتِهِ، حَتَّى إنَّ الْمَرِيضَ أَوْ الْمُسَافِرَ إذَا أَفْطَرَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إذَا أَدْرَكَ أَيَّامًا أُخَرَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَدْرَكَ وَلَمْ يَصُمْ يَلْزَمُهُ الْوَصِيَّةُ بِالْفِدْيَةِ عَمَّا قَدَرَ، هَذَا مَا قَالُوهُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ غَيْرَ الشَّيْخِ الْفَانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ عَنْ صَوْمِهِ فِي حَيَاتِهِ لِعَدَمِ النَّصِّ وَمِثْلُهُ الصَّلَاةُ؛ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالْقَضَاءِ إذَا قَدَرَ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إلَّا بِتَحْقِيقِ الْعَجْزِ عَنْهُ بِالْمَوْتِ فَيُوصِي بِهَا، بِخِلَافِ الشَّيْخِ الْفَانِي فَإِنَّهُ تَحَقَّقَ عَجْزُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ عَنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ وَقَضَائِهِ فَيَفْدِي فِي حَيَاتِهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ عَنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يُصَلِّي بِمَا قَدَرَ وَلَوْ مُومِيًا بِرَأْسِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ سَقَطَتْ عَنْهُ إذَا كَثُرَتْ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا إذَا قَدَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ، وَبِمَا قَرَّرْنَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ أَيْ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ خَاصٌّ بِالشَّيْخِ الْفَانِي تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْفَوَائِتِ) أَيْ الْكَثِيرَةِ الْمُسْقِطَةِ لِلتَّرْتِيبِ.
(قَوْلُهُ لِعُذْرِ السَّعْيِ) الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ ط أَيْ فَيَسْعَى وَيَقْضِي مَا قَدَرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ تَتِمَّ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْحَوَائِجِ) أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ أَيْ مَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ وَدَفْعِ ضُرِّهِ وَأَمَّا النَّفَلُ فَقَالَ فِي الْمُضْمَرَاتِ: الِاشْتِغَالُ بِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ أَوْلَى وَأَهَمُّ مِنْ النَّوَافِلِ إلَّا سُنَنَ الْمَفْرُوضَةِ وَصَلَاةَ الضُّحَى وَصَلَاةَ التَّسْبِيحِ وَالصَّلَاةَ الَّتِي رُوِيَتْ فِيهَا الْأَخْبَارُ. اهـ. ط أَيْ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعَصْرِ وَالسِّتَّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ.
(قَوْلُهُ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ) أَيْ فِي خَارِجِ الصَّلَاةِ؛ أَمَّا فِيهَا فَعَلَى الْفَوْرِ وَفِي الْحِلْيَةِ مِنْ بَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ عَنْ شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ أَدَاءُ هَذِهِ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَذَا خَارِجَهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى التَّرَاخِي، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ.
стр. 731
وَالنَّذْرُ الْمُطْلَقُ وَقَضَاءُ رَمَضَانَ مُوَسَّعٌ. وَضَيَّقَ الْحَلْوَانِيُّ، كَذَا فِي الْمُجْتَبَى (وَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ حَرْبِيٌّ أَسْلَمَ ثَمَّةَ وَمَكَثَ مُدَّةً فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْخِطَابَ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالْعِلْمِ أَوْ دَلِيلِهِ وَلَمْ يُوجَدَا (كَمَا لَا يَقْضِي مُرْتَدٌّ مَا فَاتَهُ زَمَنَهَا) وَلَا مَا قَبْلَهَا إلَّا الْحَجَّ، لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ يَصِيرُ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ (وَ) لِذَا (يُلْزَمُ بِإِعَادَةِ فَرْضٍ) أَدَّاهُ ثُمَّ (ارْتَدَّ عَقِبَهُ وَتَابَ) أَيْ أَسْلَمَ (فِي الْوَقْتِ) لِأَنَّهُ حَبِطَ بِالرِّدَّةِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ بِدَلِيلِ ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] قُلْنَا: أَفَادَتْ عَمَلَيْنِ وَجَزَاءَيْنِ إحْبَاطَ الْعَمَلِ وَالْخُلُودَ فِي النَّارِ؛ فَالْإِحْبَاطُ بِالرِّدَّةِ، وَالْخُلُودُ بِالْمَوْتِ عَلَيْهَا، فَلْيُحْفَظْ.
ــ
[رد المحتار]
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ قَضَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى التَّرَاخِي اتِّفَاقًا وَالْأَصَحُّ عَكْسُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالنَّذْرُ الْمُطْلَقُ) أَمَّا الْمُعَيَّنُ بِوَقْتٍ فَيَجِبُ أَدَاؤُهُ فِي وَقْتِهِ إنْ كَانَ مُعَلَّقًا، وَفِي غَيْرِ وَقْتِهِ يَكُونُ قَضَاءً ط (قَوْلُهُ وَضَيَّقَ الْحَلْوَانِيُّ) قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ مِنْ الصَّوْمِ: أَنَّ قَضَاءَ الصَّوْمِ عَلَى التَّرَاخِي، وَقَضَاءَ الصَّلَاةِ عَلَى الْفَوْرِ إلَّا لِعُذْرٍ. اهـ. (قَوْلُهُ بِالْجَهْلِ) لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَوُجُوبِ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ.
(قَوْلُهُ أَسْلَمَ ثَمَّةَ) أَيْ هُنَاكَ أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
(قَوْلُهُ بِالْعِلْمِ) فَإِذَا بَلَّغَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ بَعْدَهُ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ مُسْلِمَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ؛ وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهَا شَرْطٌ عِنْدَهُمَا. وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ فِي غَرِيبِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا غَيْرُ شَرْطٍ عِنْدَهُمَا، حَتَّى إذَا أَخْبَرَهُ رَجُلٌ فَاسِقٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ عَبْدٌ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَلْزَمُهُ تَتَارْخَانِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ دَلِيلُهُ) أَيْ دَلِيلُ الْعِلْمِ وَهُوَ الْكَوْنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِاشْتِهَارِ الْفَرَائِضِ فِيهَا، فَمَنْ أَسْلَمَ فِيهَا لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ.
(قَوْلُهُ زَمَنَهَا) مَنْصُوبٌ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ ح وَالضَّمِيرُ لِلرِّدَّةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ مُرْتَدٌّ.
(قَوْلُهُ وَلَا مَا قَبْلَهَا) عَطْفٌ عَلَى مَا فَاتَهُ، وَأَعَادَ لَا النَّافِيَةَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ وَعَلَى هَذَا يَصِيرُ الْمَعْنَى: وَلَا يُعِيدُهُ مَا أَدَّاهُ قَبْلَهَا بِدَلِيلِ الْعَطْفِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلَّا الْحَجَّ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا أَدَّاهُ قَبْلَهَا يَقْضِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ قَبْلَهَا لَكَانَ حَقُّ التَّعْبِيرِ أَنْ يَقُولَ أَوْ قَبْلَهَا عَطْفًا عَلَى زَمَنِهَا الْعَامِلِ فِيهِ قَوْلُهُ فَاتَهُ وَلَخَالَفَ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ، وَنَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ هُنَاكَ عَنْ الْخَانِيَّةِ بِقَوْلِهِ: إذَا كَانَ عَلَى الْمُرْتَدِّ قَضَاءُ صَلَوَاتٍ وَصِيَامَاتٍ تَرَكَهَا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي الْإِسْلَامِ لِأَنَّ تَرْكَ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ مَعْصِيَةٌ، وَالْمَعْصِيَةُ تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ اهـ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ إلَّا الْحَجَّ) لِأَنَّ وَقْتَهُ الْعُمْرُ، فَلَمَّا حَبِطَ بِالرِّدَّةِ ثُمَّ أَدْرَكَ وَقْتَهُ مُسْلِمًا لَزِمَهُ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِلْمَتْنِ، وَلِقَوْلِهِ إلَّا الْحَجَّ: أَيْ فَإِنَّ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ إذَا أَسْلَمَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ زَمَنَ كُفْرِهِ لِعَدَمِ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالشَّرَائِعِ عِنْدَنَا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، بَلْ يَلْزَمُهُ مَا أَدْرَكَ وَقْتَهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَالْحَجُّ وَقْتُهُ بَاقٍ فَتَلْزَمُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ صَلَاةٍ أَسْلَمَ فِي وَقْتِهَا فَكَذَا الْمُرْتَدُّ (قَوْلُهُ وَلِذَا) أَيْ لِكَوْنِهِ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ حَبِطَ) أَيْ بَطَلَ وَالْأَحْسَنُ عَطْفُهُ بِالْوَاوِ عَلَى قَوْلِهِ وَلِذَا، لِيَكُونَ عِلَّةً ثَانِيَةً لِلُزُومِ الْإِعَادَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ) أَيْ حَيْثُ قَالَ لَا يَلْزَمُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّ إحْبَاطَ الْعَمَلِ مُعَلَّقٌ فِي الْآيَةِ بِالْمَوْتِ عَلَى الرِّدَّةِ (قَوْلُهُ قُلْنَا إلَخْ)
стр. 732
[فُرُوعٌ] صَبِيٌّ احْتَلَمَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَاسْتَيْقَظَ بَعْدَ الْفَجْرِ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا.
صَلَّى فِي مَرَضِهِ بِالتَّيَمُّمِ وَالْإِيمَاءِ مَا فَاتَهُ فِي صِحَّتِهِ صَحَّ وَلَا يُعِيدُ لَوْ صَحَّ.
كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ نَوَى أَوَّلَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ أَوْ آخِرَهُ،
ــ
[رد المحتار]
حَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] فِيهِ ذِكْرُ عَمَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا الرِّدَّةُ، وَالْآخَرُ الْمَوْتُ عَلَيْهَا: أَيْ الِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهَا إلَى الْمَوْتِ، وَذَكَرَ جَزَاءَيْنِ، لِكُلِّ عَمَلٍ جَزَاءٌ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ، فَإِحْبَاطُ الْأَعْمَالِ جَزَاءُ الرِّدَّةِ، وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ جَزَاءُ الْمَوْتِ عَلَيْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى عَلَّقَ حَبْطَ الْعَمَلِ عَلَى مُجَرَّدِ الْكُفْرِ بِمَا آمَنَ بِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
مَطْلَبٌ إذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ هَلْ تَعُودُ حَسَنَاتُهُ أَمْ لَا؟
[تَنْبِيهٌ] مُقْتَضَى كَوْنِ حَبْطِ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَزَاءَ الرِّدَّةِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ عَلَيْهَا عِنْدَنَا أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ لَا تَعُودُ حَسَنَاتُهُ وَإِلَّا كَانَ جَزَاءً لَهَا وَلِلْمَوْتِ عَلَيْهَا مَعًا كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَفِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ مِنْ بَابِ الْمُرْتَدِّ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيًّا إلَى التَّتِمَّةِ: لَوْ تَابَ الْمُرْتَدُّ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو هَاشِمٍ مِنْ أَصْحَابِنَا تَعُودُ حَسَنَاتُهُ. وَقَالَ أَبُو قَاسِمٍ الْكَعْبِيُّ لَا تَعُودُ، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّهُ لَا يَعُودُ مَا بَطَلَ مِنْ ثَوَابِهِ، وَلَكِنْ تَعُودُ طَاعَتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ مُؤَثِّرَةً فِي الثَّوَابِ بَعْدُ اهـ وَلَعَلَّ مَعْنَى كَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً فِي الثَّوَابِ بَعْدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُثِيبُهُ عَلَيْهَا ثَوَابًا جَدِيدًا بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ غَيْرَ الثَّوَابِ الَّذِي بَطَلَ، أَوْ أَنَّ الثَّوَابَ بِمَعْنَى الِاعْتِدَادِ بِهَا وَعَدَمِ مُطَالَبَتِهِ بِفِعْلِهَا ثَانِيًا وَإِنْ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَأَمَّلْ.
وَبَقِيَ هَلْ يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْمَعَاصِي قَبْلَ الرِّدَّةِ؟ مُقْتَضَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ. وَعِنْدَ الْعَامَّةِ يَسْقُطُ كَمَا بَسَطَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، لِحَدِيثِ «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ إسْلَامَ الْمُرْتَدِّ، لَكِنْ يَنْبَغِي عَدَمُ الْخِلَافِ فِي لُزُومِ قَضَاءِ مَا تَرَكَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي سُقُوطِ إثْمِ التَّأْخِيرِ وَالْمَطْلِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
[فُرُوعٌ فِي قَضَاء الْفَوَائِت]
(قَوْلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى مَفْعُولِهِ: أَيْ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ (قَوْلُهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا) لِأَنَّهَا وَقَعَتْ نَافِلَةً، وَلَمَّا احْتَلَمَ فِي وَقْتِهَا صَارَتْ فَرْضًا عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يَمْنَعُ الْخِطَابَ فَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا فِي الْمُخْتَارِ، وَلِذَا لَوْ اسْتَيْقَظَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَزِمَهُ إعَادَتُهَا إجْمَاعًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنْ الْخُلَاصَةِ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْإِمَامِ أَوَّلَ احْتِلَامِهِ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي غُلَامٍ احْتَلَمَ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ مَا صَلَّى الْعِشَاءَ هَلْ يُعِيدُهَا؟ قَالَ نَعَمْ، فَقَامَ مُحَمَّدٌ إلَى زَاوِيَةِ الْمَسْجِدِ وَأَعَادَهَا، وَهِيَ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَعَلَّمَهَا مِنْ الْإِمَامِ، فَلَمَّا رَآهُ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ تَفَرَّسَ فَقَالَ: إنَّ هَذَا الصَّبِيَّ يَصْلُحُ، فَكَانَ كَمَا قَالَ اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ صَحَّ) لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِقَضَائِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ؛ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي فَاتَتْ عَلَيْهَا، وَلِذَا يَقْضِي الْمُسَافِرُ فَائِتَةَ الْحَضَرِ الرُّبَاعِيَّةَ أَرْبَعًا، وَيَقْضِي الْمُقِيمُ فَائِتَةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
(قَوْلُهُ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ إلَخْ) مِثَالُهُ: لَوْ فَاتَهُ صَلَاةُ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ فَإِذَا قَضَاهَا لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ لِأَنَّ فَجْرَ الْخَمِيسِ مَثَلًا غَيْرُ فَجْرِ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ أَرَادَ تَسْهِيلَ الْأَمْرِ، يَقُولُ أَوَّلَ فَجْرٍ مَثَلًا، فَإِنَّهُ إذَا صَلَّاهُ يَصِيرُ مَا يَلِيهِ أَوَّلًا أَوْ يَقُولُ آخِرَ فَجْرٍ، فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ يَصِيرُ آخِرًا، وَلَا يَضُرُّهُ عَكْسُ التَّرْتِيبِ لِسُقُوطِهِ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ. وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْيِينُ
стр. 733
وَكَذَا الصَّوْمُ لَوْ مِنْ رَمَضَانَيْنِ هُوَ الْأَصَحُّ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُطْلِعَ غَيْرَهُ عَلَى قَضَائِهِ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ مَعْصِيَةٌ فَلَا يُظْهِرُهَا.
بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ مِنْ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ وَأَوْلَاهُ بِالْفَوَائِتِ لِأَنَّهُ لِإِصْلَاحِ مَا فَاتَ، وَهُوَ وَالنِّسْيَانُ وَالشَّكُّ وَاحِدٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالظَّنُّ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ وَالْوَهْمُ الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ (يَجِبُ
ــ
[رد المحتار]
أَيْضًا كَمَا فِي صَوْمِ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي مَسَائِلَ شَتَّى آخِرَ الْكِتَابِ تَبَعًا لِلْكَنْزِ وَصَحَّحَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الْمُنْيَةِ، لَكِنْ اسْتَشْكَلَهُ فِي الْأَشْبَاهِ وَقَالَ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا كَقَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ وَالْأَصَحُّ الِاشْتِرَاطُ. اهـ.
قُلْت: وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي الْمُلْتَقَى هُنَاكَ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْفَتْحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَحْثِ النِّيَّةِ وَجَزَمَ بِهِ هُنَا صَاحِبُ الدُّرَرِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ لَوْ مِنْ رَمَضَانَيْنِ) لِأَنَّ كُلَّ رَمَضَانَ سَبَبٌ لِصَوْمِهِ فَصَارَا كَظُهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ بِخِلَافِ صَوْمِ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ فَيَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْقَضَاءَ عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي مِنْهُ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي إلَخْ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَذَانِ أَنَّهُ يُكْرَهُ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَعَلَّلَهُ الشَّارِحُ بِمَا هُنَا مِنْ أَنَّ التَّأْخِيرَ مَعْصِيَةٌ فَلَا يُظْهِرُهَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَمْنُوعَ هُوَ الْقَضَاءُ مَعَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمِنَحِ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنْ يَنْبَغِيَ هُنَا لِلْوُجُوبِ وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ لِأَنَّ إظْهَارَ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْجِهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَيَقُولُ عَمِلْت الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]
ِ (قَوْلُهُ مِنْ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَهِيَ الْأَصْلُ فِي الْإِضَافَاتِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَأَقْوَاهُ اخْتِصَاصُ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ اهـ لَكِنَّ فِيهِ أَنَّ السُّجُودَ لَيْسَ حُكْمًا بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقُهُ وَالْحُكْمُ هُنَا الْوُجُوبُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ وُجُوبُ سُجُودِ السَّهْوِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَأَوْلَاهُ بِالْفَوَائِتِ) أَيْ قَرَنَهُ بِهَا عَلَى طَرِيقِ التَّضْمِينِ وَلِذَا عَدَّاهُ بِالْبَاءِ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ الْوَلِيِّ بِمَعْنَى الْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، فَيُعَدَّى إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِمِنْ لَا بِالْبَاءِ. يُقَالُ: أَوْلَيْتُ زَيْدًا مِنْ عَمْرٍو: أَيْ قَرَّبْتُهُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لِإِصْلَاحِ مَا فَاتَ) أَيْ مَا تُرِكَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فِي مَحَلِّهِ، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ الْفَوَائِتِ لِإِصْلَاحِ مَا فَاتَ وَقْتُهُ بِفِعْلِهِ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ السَّهْوُ.
(قَوْلُهُ وَاحِدٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ) خَبَرٌ عَنْ هُوَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ: أَيْ مَعْنَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وَفِي ذِكْرِ الشَّكِّ نَظَرٌ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ التَّحْرِيرِ لَا فَرْقَ فِي اللُّغَةِ بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالسَّهْوِ، وَهُوَ عَدَمُ اسْتِحْضَارِ الشَّيْءِ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ. قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَفِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: السَّهْوُ الْغَفْلَةُ عَنْ الْمَعْلُومِ، فَيَتَنَبَّهُ لَهُ بِأَدْنَى تَنَبُّهٍ. وَالنِّسْيَانُ زَوَالُ الْمَعْلُومِ. وَقَالَ الْحُكَمَاءُ: السَّهْوُ زَوَالُ الصُّورَةِ عَنْ الْمُدْرِكَةِ مَعَ بَقَائِهَا فِي الْحَافِظَةِ. وَالنِّسْيَانُ: زَوَالُهَا عَنْهُمَا مَعًا فَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ فِي تَحْصِيلِهَا إلَى سَبَبٍ جَدِيدٍ.
(قَوْلُهُ وَالظَّنُّ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَلَمْ يَصِلْ إلَى حَدِّ الْيَقِينِ حَتَّى يُسَمَّى عِلْمًا، وَلَا تَسَاوَتْ جِهَتَاهُ حَتَّى يُسَمَّى شَكًّا، بَلْ تَرَجَّحَتْ فِيهِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَالْمَرْجُوحَةُ وَهْمٌ وَالرَّاجِحَةُ ظَنٌّ، فَإِنْ زَادَ الرُّجْحَانُ بِلَا جَزْمٍ فَهُوَ غَلَبَةُ الظَّنِّ.
(قَوْلُهُ يَجِبُ لَهُ) أَيْ لِلسَّهْوِ الْآتِي بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ سَهْوًا ح. وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ عَنْ الْقُدُورِيِّ
стр. 734
بَعْدِ سَلَامٍ وَاحِدٍ عَنْ يَمِينِهِ فَقَطْ) لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ، وَبِهِ يَحْصُلُ التَّحْلِيلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ بَحْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى. وَعَلَيْهِ لَوْ أَتَى بِتَسْلِيمَتَيْنِ سَقَطَ عَنْهُ السُّجُودُ؛ وَلَوْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ جَازَ وَكُرِهَ تَنْزِيهًا. وَعِنْدَ مَالِكٍ قَبْلَهُ فِي النُّقْصَانِ وَبَعْدَهُ فِي الزِّيَادَةِ، فَيُعْتَبَرُ الْقَافُ بِالْقَافِ وَالدَّالُ بِالدَّالِ (سَجْدَتَانِ. و) يَجِبُ أَيْضًا (تَشَهُّدٌ وَسَلَامٌ) لِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَرْفَعُ التَّشَهُّدَ
ــ
[رد المحتار]
أَنَّهُ سُنَّةٌ. وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْوُجُوبُ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ لِجَبْرِ نُقْصَانٍ تَمَكَّنَ فِي الصَّلَاةِ فَيَجِبُ كَالدِّمَاءِ فِي الْحَجِّ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْأَمْرُ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْجُدْ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ، وَلِتَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ بَحْرٌ. وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَأْثَمُ لِتَرْكِ الْجَابِرِ فَقَطْ إذْ لَا إثْمَ عَلَى السَّاهِي، نَعَمْ هُوَ فِي صُورَةِ الْعَمْدِ ظَاهِرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ هَذَا الْإِثْمُ بِإِعَادَتِهَا نَهْرٌ (قَوْلُهُ بَعْدَ سَلَامٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَجِبُ لَا بِيَجِبُ، لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ كُرِهَ تَنْزِيهًا، نَعَمْ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِيَجِبُ بِالنَّظَرِ إلَى تَقْيِيدِ السَّلَامِ بِالْوَاحِدِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ بَعْدَ التَّسْلِيمَتَيْنِ يَسْقُطُ السُّجُودُ.
(قَوْلُهُ وَاحِدٍ) هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ فِي الْكَافِي: إنَّهُ الصَّوَابُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْأَصْلِ اهـ إلَّا أَنَّ مُخْتَارَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ كَوْنُهُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ، وَقِيلَ يَأْتِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ أَخِي فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْمُفِيدِ وَالْيَنَابِيعِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعَزَاهُ أَيْ الثَّانِي فِي الْبَدَائِعِ إلَى عَامَّتِهِمْ، فَقَدْ تَعَارَضَ النَّقْلُ عَنْ الْجُمْهُورِ اهـ.
(قَوْلُهُ عَنْ يَمِينِهِ) احْتِرَازٌ عَمَّا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَصْحَابِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَمَا عَلِمْته. وَفِي الْحِلْيَةِ: اخْتَارَ الْكَرْخِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْإِيضَاحِ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً. وَنَصَّ فِي الْمُحِيطِ عَلَى أَنَّهُ الْأَصْوَبُ. وَفِي الْكَافِي عَلَى أَنَّهُ الصَّوَابُ. قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَنْحَرِفَ فِي هَذَا السَّلَامِ، يَعْنِي فَيَكُونُ سَلَامُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ. وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى أَنَّهُ يُسَلِّمُ مَرَّةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ خَاصَّةً. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالتَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ قَائِلُونَ بِأَنَّهَا عَنْ الْيَمِينِ إلَّا فَخْرَ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَهُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ أَيْضًا كَالْمِعْرَاجِ وَالْعِنَايَةِ وَالْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ) تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَوْلُهُ وَبِهِ يَحْصُلُ التَّحْلِيلُ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ وَاحِدًا، وَيَأْتِي وَجْهُهُ قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ بَحْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى) عِبَارَةُ الْبَحْرِ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ تَصْحِيحُ الْمُجْتَبَى أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَقَطْ. وَقَدْ ظَنَّ فِي الْبَحْرِ وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَوْلٌ ثَالِثٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ الْقَوْلِ الثَّانِي قَائِلُونَ بِأَنَّهُ يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ مَعَ أَنَّ الْقَائِلَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ هُوَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فَقَطْ كَمَا عَلِمْته، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى عَزْوِ هَذَا الْقَوْلِ إلَى الْمُجْتَبَى حَتَّى يَرِدَ مَا قِيلَ إنَّ تَصْحِيحَ الْمُجْتَبَى لَا يُوَازِي مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الَّذِي هُوَ الْأَكْثَرُ تَصْحِيحًا وَالْأَصْوَبُ وَالصَّوَابُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ لَوْ أَتَى إلَخْ) هَذَا جَعَلَهُ فِي الْبَحْرِ قَوْلًا رَابِعًا. وَاسْتَظْهَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوَاحِدَةِ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَجَّهُوا بِهِ الْقَوْلَ بِالْوَاحِدَةِ مِنْ أَنَّ السَّلَامَ الْأَوَّلَ لِشَيْئَيْنِ: لِلتَّحْلِيلِ وَلِلتَّحِيَّةِ؛ وَالسَّلَامُ الثَّانِي لِلتَّحِيَّةِ فَقَطْ أَيْ تَحِيَّةِ بَقِيَّةِ الْقَوْمِ لِأَنَّ التَّحْلِيلَ لَا يَتَكَرَّرُ؛ وَهُنَا سَقَطَ مَعْنَى التَّحِيَّةِ عَنْ السَّلَامِ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْإِحْرَامَ فَكَانَ ضَمُّ الثَّانِي إلَيْهِ عَبَثًا، وَلَوْ فَعَلَهُ فَاعِلٌ لَقَطَعَ الْإِحْرَامَ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ بَعْدَ عَزْوِهِ ذَلِكَ إلَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ حَتَّى إنَّهُ لَا يَأْتِي بَعْدَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ. اهـ. وَفِي الْمِعْرَاجِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَوْ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ لَا يَأْتِي بِسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَالْكَلَامِ. اهـ. قُلْت: وَعَلَيْهِ فَيَجِبُ تَرْكُ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ جَازَ) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ: وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُجْزِيه وَيُعِيدُهُ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ فَيَعْتَبِرُ إلَخْ) أَيْ قَافٌ قَبْلُ لِقَافِ النُّقْصَانِ وَدَالٌ بَعْدُ لِدَالِ الزِّيَادَةِ.
(قَوْلُهُ يَرْفَعُ التَّشَهُّدَ) أَيْ قِرَاءَتَهُ. حَتَّى لَوْ سَلَّمَ بِمُجَرَّدِ رَفْعِهِ مِنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ
стр. 735
دُونَ الْقَعْدَةِ لِقُوَّتِهَا، بِخِلَافِ الصُّلْبِيَّةِ فَإِنَّهَا تَرْفَعُهُمَا وَكَذَا التِّلَاوِيَّةُ عَلَى الْمُخْتَارِ؛ وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاءِ فِي الْقُعُودِ الْأَخِيرِ فِي الْمُخْتَارِ، وَقِيلَ فِيهِمَا احْتِيَاطًا (إذَا كَانَ الْوَقْتُ صَالِحًا) فَلَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الْفَجْرِ، أَوْ احْمَرَّتْ فِي الْقَضَاءِ، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَقْطَعُ الْبِنَاءَ بَعْدَ السَّلَامِ سَقَطَ عَنْهُ فَتْحٌ. وَفِي الْقُنْيَةِ
ــ
[رد المحتار]
وَيَكُونُ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ، وَكَذَا يَرْفَعُ السَّلَامَ إمْدَادٌ.
(قَوْلُهُ لِقُوَّتِهَا) أَيْ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْهُ لِكَوْنِهَا فَرْضًا (قَوْلُهُ فَإِنَّهَا تَرْفَعُهُمَا) أَيْ الْقَعْدَةَ وَالتَّشَهُّدَ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْهُمَا لِكَوْنِهَا رُكْنًا، وَالْقَعْدَةُ لِخَتْمِ الْأَرْكَانِ إمْدَادٌ، أَوْ لِأَنَّ الصُّلْبِيَّةَ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ وَالْقَعْدَةُ رُكْنٌ زَائِدٌ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ أَوْ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ لَا تَكُونُ إلَّا آخِرَ الْأَرْكَانِ، وَبِسُجُودِ الصُّلْبِيَّةِ بَعْدَهَا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا آخِرًا.
(قَوْلُهُ وَكَذَا التِّلَاوِيَّةُ) لِأَنَّهَا أَثَرُ الْقِرَاءَةِ وَهِيَ رُكْنٌ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا بَحْرٌ أَيْ تَأْخُذُ حُكْمَهَا بَعْدَ سُجُودِهَا أَمَّا قَبْلَهُ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ؛ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ وَلَمْ يَسْجُدْهَا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، بِخِلَافِ الصُّلْبِيَّةِ فَإِنَّهَا رُكْنٌ أَصْلِيٌّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَنَظِيرُهَا فِيمَا ذَكَرْنَا مَا لَوْ نَسِيَ السُّورَةَ فَتَذَكَّرَهَا فِي الرُّكُوعِ فَعَادَ وَقَرَأَهَا أَخَذَتْ حُكْمَ الْفَرْضِ وَارْتَفَضَ الرُّكُوعُ فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ.
[تَنْبِيهٌ] ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ الْعَوْدَ إلَى قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ إذَا نَسِيَهُ يَرْفَعُ الْقَعْدَةَ كَالْعَوْدِ إلَى التِّلَاوِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ. وَذَكَرَ ابْنُ الْفَضْلِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُهَا. وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ إذَا كَانَ الْوَقْتُ صَالِحًا) أَيْ لِأَدَاءِ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِيهِ (قَوْلُهُ أَوْ احْمَرَّتْ فِي الْقَضَاءِ) كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُؤَدِّي الْعَصْرَ فَاحْمَرَّتْ الشَّمْسُ لَا يَسْقُطُ سُجُودُ السَّهْوِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ صَالِحٌ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا فَكَذَا لِسُجُودِ سَهْوِهَا، بِخِلَافِ الْفَائِتَةِ الْوَاجِبَةِ فِي كَامِلٍ، لَكِنْ فِي الْإِمْدَادِ عَنْ الدِّرَايَةِ التَّصْرِيحُ بِسُقُوطِهِ إذَا احْمَرَّتْ عَقِبَ السَّلَامِ مِنْ فَائِتَةٍ أَوْ حَاضِرَةٍ تَحَرُّزًا عَنْ الْكَرَاهَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْقَضَاءَ: هُنَا غَيْرُ قَيْدٍ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْقُنْيَةِ: لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ فَاصْفَرَّتْ الشَّمْسُ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ رَأَيْته فِي الْبَدَائِعِ عَلَّلَ هَذَا بِأَنَّ السَّجْدَةَ تَجْبُرُ النُّقْصَانَ الْمُتَمَكِّنَ فَجَرَى مَجْرَى الْقَضَاءِ وَقَدْ وَجَبَتْ كَامِلَةً فَلَا تُقْضَى بِالنَّاقِصِ اهـ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ مَا يَقْطَعُ الْبِنَاءَ) كَحَدَثِ عَمْدٍ وَعَمَلٍ مُنَافٍ إمْدَادٌ.
(قَوْلُهُ بَعْدَ السَّلَامِ) تَنَازَعَ فِيهِ كُلٌّ مِنْ طَلَعَتْ وَاحْمَرَّتْ وَوُجِدَ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْإِمْدَادِ.
(قَوْلُهُ سَقَطَ عَنْهُ) لِأَنَّهُ بِالْعَوْدِ إلَى السُّجُودِ يَعُودُ إلَى حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَقَدْ فَاتَ شَرْطُ صِحَّتِهَا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الْفَجْرِ، وَمِثْلُهُ خُرُوجُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، وَكَذَا إذَا وَجَدَ مَا يَقْطَعُ الْبِنَاءَ. وَأَمَّا فِي احْمِرَارِ الشَّمْسِ فِي الْقَضَاءِ فَكَذَلِكَ. وَأَمَّا فِي الْأَدَاءِ فَلِئَلَّا يَعُودَ إلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ بَعْدَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِلَا كَرَاهَةٍ تَأَمَّلْ. بَقِيَ إذَا سَقَطَ السُّجُودُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِكَوْنِ مَا أَدَّاهُ أَوَّلًا وَقَعَ نَاقِصًا بِلَا جَابِرٍ. وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ سَقَطَ بِصُنْعِهِ كَحَدَثِ عَمْدٍ مَثَلًا يَلْزَمُهُ وَإِلَّا فَلَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ إلَخْ) أَقُولُ: عِبَارَةُ الْقُنْيَةِ بِرَمْزِ نَجْمِ الْأَئِمَّةِ تَطَوَّعَ رَكْعَتَيْنِ وَسَهَا ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ بَنَى عَلَى الْفَرْضِ تَطَوُّعًا وَقَدْ سَهَا فِي الْفَرْضِ لَا يَسْجُدُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرْقَ هُوَ أَنَّ بِنَاءَ النَّفْلِ عَلَى النَّفْلِ يُصَيِّرُهُ صَلَاةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ بِنَاءِ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ، وَلِذَا كَانَ الْبِنَاءُ فِيهِ مَكْرُوهًا لِأَنَّ النَّفَلَ صَلَاةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْفَرْضِ؛ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سُجُودُ السَّهْوِ لِصَلَاةٍ وَاقِعًا فِي صَلَاةٍ أُخْرَى مَقْصُودَةٍ وَإِنْ كَانَتْ تَحْرِيمَةُ الْفَرْضِ بَاقِيَةً فَلِذَا لَا يَسْجُدُ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا بَنَى النَّفَلَ عَمْدًا صَارَ مُؤَخِّرًا لِلسَّلَامِ عَنْ مَحَلِّهِ عَمْدًا، وَالْعَمْدُ لَا يَجْبُرُهُ سُجُودُ السَّهْوِ بَلْ تَلْزَمُ فِيهِ الْإِعَادَةُ؛ وَحَيْثُ كَانَتْ الْإِعَادَةُ وَاجِبَةً لَمْ يَبْقَ السُّجُودُ وَاجِبًا عَنْ سَهْوِهِ فِي الْفَرْضِ لِأَنَّهُ بِالْإِعَادَةِ يَأْتِي بِمَا سَهَا فِيهِ، وَالسُّجُودُ جَابِرٌ عَمَّا فَاتَ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِعَادَةِ، فَإِذَا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ سَقَطَ السُّجُودُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ ثُمَّ قَامَ وَسَجَدَ لِلْخَامِسَةِ ضَمَّ إلَيْهَا سَادِسَةً لِتَصِيرَ لَهُ الرَّكْعَتَانِ نَفْلًا لِأَنَّ هَذَا النَّفَلَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ صَلَاةً أُخْرَى وَلِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ سَلَامَ الْفَرْضِ عَنْ مَحَلِّهِ عَمْدًا فَلَمْ تَكُنْ الْإِعَادَة عَلَيْهِ وَاجِبَةً
стр. 736
لَوْ بَنَى النَّفَلَ عَلَى فَرْضٍ سَهَا فِيهِ لَمْ يَسْجُدْ:
(بِتَرْكِ) مُتَعَلِّقٍ بِيَجِبُ (وَاجِبٍ) مِمَّا مَرَّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (سَهْوًا) فَلَا سُجُودَ فِي الْعَمْدِ، قِيلَ إلَّا فِي أَرْبَعٍ: تَرْكِ الْقَعْدَةِ الْأُولَى، وَصَلَاتُهُ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَفَكُّرُهُ عَمْدًا حَتَّى شَغَلَهُ عَنْ رُكْنٍ، وَتَأْخِيرُ سَجْدَةِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ نَهْرٌ (وَإِنْ تَكَرَّرَ) لِأَنَّ تَكْرَارَهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ (كَرُكُوعٍ) مُتَعَلِّقٌ بِتَرْكِ وَاجِبٍ (قَبْلَ قِرَاءَةٍ) الْوَاجِبِ لِوُجُوبِ تَقْدِيمِهَا، ثُمَّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ التَّرْكُ بِالسُّجُودِ؛ فَلَوْ تَذَكَّرَ وَلَوْ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ عَادَ ثُمَّ أَعَادَ الرُّكُوعَ، إلَّا أَنَّهُ فِي تَذَكُّرِ الْفَاتِحَةِ
ــ
[رد المحتار]
فَلَزِمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ بِتَرْكِ وَاجِبٍ) أَيْ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ الْأَصْلِيَّةِ لَا كُلِّ وَاجِبٍ إذْ لَوْ تَرَكَ تَرْتِيبَ السُّوَرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِبًا بَحْرٌ. وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا لَوْ أَخَّرَ التِّلَاوِيَّةَ عَنْ مَوْضِعِهَا فَإِنَّ عَلَيْهِ سُجُودَ السَّهْوِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ جَازِمًا بِأَنَّهُ لَا اعْتِمَادَ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ وَصَحَّحَهُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَيْضًا. وَقَدْ يُجَابُ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ أَثَرَ الْقِرَاءَةِ أَخَذَتْ حُكْمَهَا تَأَمَّلْ. وَاحْتُرِزَ بِالْوَاجِبِ عَنْ السُّنَّةِ كَالثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ وَنَحْوِهِمَا وَعَنْ الْفَرْضِ.
(قَوْلُهُ قِيلَ إلَّا فِي أَرْبَعٍ) أَشَارَ إلَى ضَعْفِهِ تَبَعًا لِنُورِ الْإِيضَاحِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْمَشْهُورِ فِي تَسْمِيَتِهِ سُجُودَ سَهْوٍ وَإِنْ سَمَّاهُ الْقَائِلُ بِهِ سُجُودَ عُذْرٍ. وَقَدْ رَدَّهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ بِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لَهُ أَصْلٌ فِي الرِّوَايَةِ وَلَا وَجْهٌ فِي الدِّرَايَةِ اهـ. وَأَجَابَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ وُجُوبِ السُّجُودِ فِي مَسْأَلَةِ التَّفَكُّرِ عَمْدًا بِأَنَّهُ وَجَبَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ هُوَ تَأْخِيرُ الرُّكْنِ أَوْ الْوَاجِبِ عَمَّا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ نَوْعُ سَهْوٍ، فَلَمْ يَكُنْ السُّجُودُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ عَمْدًا (قَوْلُهُ وَتَأْخِيرُ سَجْدَةِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ اتِّفَاقِيٌّ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ، وَإِلَّا فَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَغَيْرِهَا تَحَكُّمٌ، وَكَذَا لَا يَظْهَرُ لِقَوْلِهِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ وَجْهٌ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لَكَانَ كَذَلِكَ عِنْدَهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ ط.
(قَوْلُهُ وَإِنْ تَكَرَّرَ) حَتَّى لَوْ تَرَكَ جَمِيعَ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ سَهْوًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا سَجْدَتَانِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ تَكْرَارَهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ) سَيَأْتِي أَنَّ الْمَسْبُوقَ يُتَابِعُ إمَامَهُ فِيهِ ثُمَّ إذَا قَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَسَهَا فِيهِ يَسْجُدُ أَيْضًا، فَقَدْ تَكَرَّرَ. وَأَجَابَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ الْمَسْبُوقَ فِيمَا يَقْضِي كَالْمُنْفَرِدِ فَهُمَا صَلَاتَانِ حُكْمًا وَإِنْ كَانَتْ التَّحْرِيمَةُ وَاحِدَةً، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَرْكِ وَاجِبٍ) أَيْ مُرْتَبِطٍ بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ لَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّعَلُّقَ النَّحْوِيَّ ط أَيْ بَلْ هُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَذَلِكَ كَرُكُوعٍ.
(قَوْلُهُ لِوُجُوبِ تَقْدِيمِهَا) أَيْ تَقْدِيمِ قِرَاءَةِ الْوَاجِبِ. أَمَّا قِرَاءَةُ الْفَرْضِ فَتَقْدِيمُهَا عَلَى الرُّكُوعِ فَرْضٌ لَا يَنْجَبِرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ تَقْدِيمَ الرُّكُوعِ عَلَى الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا مُوجِبٌ لِسُجُودِ السَّهْوِ، لَكِنْ إذَا رَكَعَ ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ، فَإِنْ أَعَادَ الرُّكُوعَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَسَدَتْ. أَمَّا إذَا رَكَعَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ أَصْلًا فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ مَثَلًا ثُمَّ رَكَعَ فَتَذَكَّرَ السُّورَةَ فَعَادَ فَقَرَأَهَا وَلَمْ يُعِدْ الرُّكُوعَ فَلِأَنَّ مَا قَرَأَهُ ثَانِيًا الْتَحَقَ بِالْقِرَاءَةِ الْأُولَى فَصَارَ الْكُلُّ فَرْضًا فَارْتَفَضَ الرُّكُوعَ فَإِذَا لَمْ يُعِدْهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، نَعَمْ إذَا كَانَ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ ثُمَّ عَادَ لِقِرَاءَةِ سُورَةٍ أُخْرَى لَا يَرْتَفِضُ رُكُوعُهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الزَّاهِدِيِّ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ إيقَاعَ الرُّكُوعِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ أَصْلًا أَوْ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْوَاجِبِ يَلْزَمُ بِهِ سُجُودُ السَّهْوِ، لَكِنْ إذَا لَمْ يُعِدْ الرُّكُوعَ يَسْقُطُ سُجُودِ السَّهْوِ لِفَسَادِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ أَعَادَهُ صَحَّتْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ حَيْثُ عَدَّ مِنْهَا التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ نَاظِرٌ إلَى مُجَرَّدِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ لُزُومِ إعَادَةِ مَا قَدَّمَهُ، وَمَا صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الرُّكُوعَ عَلَى الْقِرَاءَةِ تَفْسُدُ الصَّلَاةُ نَاظِرٌ إلَى الِاكْتِفَاءِ بِمَا قَدَّمَهُ وَعَدَمِ إعَادَتِهِ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَلَامِهِمْ (قَوْلُهُ ثُمَّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ التَّرْكُ) أَيْ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى فَوَاتِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّدَارُكُ.
(قَوْلُهُ عَادَ) أَيْ إلَى الْقِيَامِ لِيَقْرَأَ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ أَعَادَ الرُّكُوعَ) لِأَنَّهُ لَمَّا عَادَ وَقَرَأَ وَقَعَتْ الْقِرَاءَةُ فَرْضًا؛ وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُ الْفَرْضِ فِيهَا آيَةً وَاحِدَةً وَالزَّائِدُ وَاجِبٌ وَسُنَّةٌ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ أَقَلَّ الْفَرْضِ آيَةٌ وَيَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ الْفَرْضُ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ. وَيُسَنُّ أَنْ تَكُونَ
стр. 737
يُعِيدُ السُّورَةَ أَيْضًا (وَتَأْخِيرِ قِيَامٍ إلَى الثَّالِثَةِ بِزِيَادَةٍ عَلَى التَّشَهُّدِ بِقَدْرِ رُكْنٍ) وَقِيلَ بِحَرْفٍ. وَفِي الزَّيْلَعِيِّ: الْأَصَحُّ وُجُوبُهُ بِاللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ (وَالْجَهْرِ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ) لِلْإِمَامِ (وَعَكْسُهُ) لِكُلِّ مُصَلٍّ فِي الْأَصَحِّ وَالْأَصَحُّ تَقْدِيرُهُ (بِقَدْرِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ. وَقِيلَ) قَائِلُهُ قَاضِي خَانْ يَجِبُ السَّهْوُ (بِهِمَا) أَيْ بِالْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ (مُطْلَقًا) أَيْ قَلَّ أَوْ كَثُرَ
ــ
[رد المحتار]
السُّورَةُ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ أَوْ أَوْسَاطِهِ أَوْ قِصَارِهِ، حَتَّى لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَقَعَ فَرْضًا، كَمَا أَنَّ الرُّكُوعَ بِقَدْرِ تَسْبِيحَةٍ فَرْضٌ، وَتَطْوِيلُهُ بِقَدْرِ ثَلَاثٍ سُنَّةٌ كَمَا حَقَّقَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَقَدَّمْنَاهُ فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يَقْرَؤُهُ يَلْتَحِقُ بِمَا قَبْلَ الرُّكُوعِ وَيَلْغُو هَذَا الرُّكُوعُ فَتَلْزَمُ إعَادَتُهُ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُعِدْهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بَلْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَوْ قَامَ لِأَجْلِ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَسَجَدَ وَلَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يُعِدْ الرُّكُوعَ قَالَ بَعْضُهُمْ: تَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَصَبَ قَائِمًا لِلْقِرَاءَةِ ارْتَفَضَ رُكُوعُهُ وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ يَقُولُ لَا تَفْسُدُ اهـ وَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَذَكَّرَ الْقُنُوتَ فِي الرُّكُوعِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ، وَلَوْ عَادَ وَقَنَتَ لَا يَرْتَفِضُ رُكُوعُهُ وَعَلَيْهِ السَّهْوُ لِأَنَّ الْقُنُوتَ إذَا أُعِيدَ يَقَعُ وَاجِبًا لَا فَرْضًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَأَمَّا إذَا عَادَ لِقِرَاءَةِ سُورَةٍ أُخْرَى فَلَا يَرْتَفِضُ رُكُوعُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لِأَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ قِرَاءَةٍ تَامَّةٍ فَكَانَ فِي مَوْقِعِهِ وَكَانَ عَوْدُهُ إلَى الْقِرَاءَةِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ كَمَا إذَا عَادَ إلَى الْقُنُوتِ بَلْ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ يُعِيدُ السُّورَةَ أَيْضًا) أَيْ لِتَقَعَ الْقِرَاءَةُ مُرَتَّبَةً.
(قَوْلُهُ وَتَأْخِيرُ قِيَامٍ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ وُجُوبَ السُّجُودِ لَيْسَ لِخُصُوصِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَهُوَ تَعْقِيبُ التَّشَهُّدِ لِلْقِيَامِ بِلَا فَاصِلٍ؛ حَتَّى لَوْ سَكَتَ يَلْزَمُهُ السَّهْوُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي فَصْلِ إذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ. قَالَ الْمَقْدِسِيَّ: وَكَمَا لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ هُنَا أَوْ فِي الرُّكُوعِ يَلْزَمُهُ السَّهْوُ مَعَ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَمَا لَوْ ذَكَرَ التَّشَهُّدَ فِي الْقِيَامِ مَعَ أَنَّهُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي الْمَنَاقِبِ أَنَّ الْإِمَامَ ﵀ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: كَيْفَ أَوْجَبْت السَّهْوَ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فَقَالَ: لِأَنَّهُ صَلَّى عَلَيْك سَهْوًا، فَاسْتَحْسَنَهُ.
(قَوْلُهُ وَفِي الزَّيْلَعِيِّ إلَخْ) جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي مَتْنِهِ فِي فَصْلِ إذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ وَقَالَ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَاخْتَارَهُ فِي الْبَحْرِ تَبَعًا لِلْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُنَافِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هُنَا بِقَدْرِ رُكْنٍ تَأَمَّلْ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَقُلْ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا تَرَى، وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ. اهـ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْحَاوِي: وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ مَا لَمْ يَبْلُغْ إلَى قَوْلِهِ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
(قَوْلُهُ وَالْجَهْرُ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ لِلْإِمَامِ إلَخْ) فِي الْعِبَارَةِ قَلْبٌ، وَصَوَابُهَا وَالْجَهْرُ فِيمَا يُخَافِتُ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَعَكْسُهُ لِلْإِمَامِ ح وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَالدُّرَرِ، وَمَالَ إلَيْهِ فِي الْفَتْحِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْحِلْيَةِ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، مِنْ أَنَّ وُجُوبَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ مِنْ خَصَائِصِ الْإِمَامِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَهْرَ فِي الْجَهْرِيَّةِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ اتِّفَاقًا؛ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الْإِخْفَاءِ عَلَيْهِ فِي السِّرِّيَّةِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ، وَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَشُرُوحِ الْهِدَايَةِ كَالنِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. وَصَرَّحُوا بِأَنَّ وُجُوبَ السَّهْوِ عَلَيْهِ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ اهـ فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا سَهْوَ عَلَى الْمُنْفَرِدِ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْإِمَامِ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ إلَخْ) وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ وَالْمُنْيَةِ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَعَنْ الْكَثِيرِ يُمْكِنُ، وَمَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ هِدَايَةٌ.
(قَوْلُهُ فِي الْفَصْلَيْنِ) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مَسْأَلَةِ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ.
(قَوْلُهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ) أَيْ وَلَوْ كَلِمَةً. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَالْمُتَبَادَرُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي صُورَةِ
стр. 738
(وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ) وَاعْتَمَدَهُ الْحَلْوَانِيُّ (عَلَى مُنْفَرِدٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَجِبُ (وَمُقْتَدٍ بِسَهْوِ إمَامِهِ إنْ سَجَدَ إمَامُهُ) لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ (لَا بِسَهْوِهِ) أَصْلًا
(وَالْمَسْبُوقُ يَسْجُدُ مَعَ إمَامِهِ مُطْلَقًا)
ــ
[رد المحتار]
أَنْ يَنْسَى أَنَّ عَلَيْهِ الْمُخَافَتَةَ فَيَجْهَرُ قَصْدًا، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ الْمُخَافَتَةَ فَيَجْهَرُ لِتَبْيِينِ الْكَلِمَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي عَدَمُ الْعُدُولِ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الَّذِي نَقَلَهُ الثِّقَاتُ مِنْ أَصْحَابِ الْفَتَاوَى. اهـ. زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي مِنَحِهِ: وَإِنَّمَا عَوَّلْنَا عَلَى الْأَوَّلِ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ، وَأَنَا أَعْجَبُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ كُمَّلِ الرِّجَالِ كَيْفَ يَعْدِلُ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ نَصِّ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ إلَى مَا هُوَ كَالرِّوَايَةِ الشَّاذَّةِ. اهـ.
أَقُولُ: لَا عَجَبَ مِنْ كُمَّلِ الرِّجَالِ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَابْنِ الْهُمَامِ حَيْثُ عَدَلُوا عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ، وَصَحَّحُوا الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى لِلتَّسْهِيلِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَكَمْ لَهُ مِنْ نَظِيرٍ وَلِذَا قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَيَجِبُ السَّهْوُ بِمُخَافَتَةِ كَلِمَةٍ لَكِنَّ فِيهِ شِدَّةً. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ التَّقْدِيرُ بِمَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْجَهْرِ فِي مَوْضِعِ الْمُخَافَتَةِ عَفْوٌ أَيْضًا؛ فَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا» . اهـ. فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَا صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَيْضًا، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا كَلَامَ، وَإِلَّا فَوَجْهُ تَصْحِيحِهِ مَا قُلْنَا وَتَأَيُّدُهُ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ عَنْ الدِّرَايَةِ أَيْ الدَّلِيلِ إذَا وَافَقَتْهَا رِوَايَةٌ.
[تَتِمَّةٌ] قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا جَهَرَ سَهْوًا بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدْعِيَةِ وَالْأَثْنِيَةِ وَلَوْ تَشَهُّدًا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَلَا يَعْرَى الْقَوْلُ بِذَلِكَ فِي التَّشَهُّدِ عَنْ تَأَمُّلٍ اهـ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ. هَذَا وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ الْكَلَامَ عَلَى حَدِّ الْجَهْرِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ مُتَعَلِّقٌ بِيَجِبُ) أَيْ الْمَذْكُورِ أَوَّلَ الْبَابِ (قَوْلُهُ إنْ سَجَدَ إمَامُهُ) أَمَّا لَوْ سَقَطَ عَنْ الْإِمَامِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ بِأَنْ تَكَلَّمَ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الْمُقْتَدِي بَحْرٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ كَالْإِمَامِ إنْ كَانَ السُّقُوطُ بِفِعْلِهِ الْعَمْدِ لِتَقَرُّرِ النُّقْصَانِ بِلَا جَابِرٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ) عِلَّةٌ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْمُقْتَدِي بِسَهْوِ إمَامِهِ وَلِأَنَّ النُّقْصَانَ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ أَيْضًا لِارْتِبَاطِهَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ لَا بِسَهْوِهِ أَصْلًا) قِيلَ لَا فَائِدَةَ لِقَوْلِهِ أَصْلًا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا قَبْلَ السَّلَامِ لِلُزُومِ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ وَلَا بَعْدَهُ لِخُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِسَلَامِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ سَلَامُ عَمْدٍ مِمَّنْ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، لَكِنْ قَالَ فِي النَّهْرِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِسَلَامِهِ، وَقَدْ سَبَقَ خِلَافٌ فِيمَنْ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِمَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ؟ وَحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذَا الْجَابِرِ. اهـ.
قُلْت: وَقَدَّمَ الشَّارِحُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ أَنَّهُ لَوْ قَهْقَهَ بَعْدَ كَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ سَلَامِهِ عَمْدًا فَسَدَتْ طَهَارَتُهُ فِي الْأَصَحِّ وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ تَصْحِيحَهُ عَنْ الْفَتْحِ وَالْخَانِيَّةِ عَلَى خِلَافِ مَا صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ عَدَمِ الْفَسَادِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فَسَادَ طَهَارَتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِسَلَامِ إمَامِهِ أَوْ كَلَامِهِ فَمَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ بَعْدَ تَعْلِيلِهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ، كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، بَلْ الْأَوْلَى التَّمَسُّكُ بِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْهُ ﷺ «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ» اهـ.
[تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي النَّهْرِ: ثُمَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُعِيدُهَا لِثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ مَعَ تَعَذُّرِ الْجَابِرِ
(قَوْلُهُ وَالْمَسْبُوقُ يَسْجُدُ مَعَ إمَامِهِ) قَيَّدَ بِالسُّجُودِ لِأَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ فِي السَّلَامِ، بَلْ يَسْجُدُ مَعَهُ وَيَتَشَهَّدُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ إلَى الْقَضَاءِ، فَإِنْ سَلَّمَ فَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَسَدَتْ وَإِلَّا لَا، وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ إنْ سَلَّمَ سَهْوًا قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ مَعَهُ؛ وَإِنْ سَلَّمَ بَعْدَهُ لَزِمَهُ لِكَوْنِهِ
стр. 739
سَوَاءٌ كَانَ السَّهْوُ قَبْلَ الِاقْتِدَاءِ أَوْ بَعْدَهُ (ثُمَّ يَقْضِي مَا فَاتَهُ) وَلَوْ سَهَا فِيهِ سَجَدَ ثَانِيًا (وَكَذَا اللَّاحِقُ) لَكِنَّهُ يَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، وَلَوْ سَجَدَ مَعَ إمَامِهِ أَعَادَهُ، وَالْمُقِيمُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ كَالْمَسْبُوقِ، وَقِيلَ كَاللَّاحِقِ.
(سَهَا عَنْ الْقُعُودِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفَرْضِ) وَلَوْ عَمَلِيًّا، أَمَّا النَّفَلُ فَيَعُودُ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِالسَّجْدَةِ (ثُمَّ تَذَكَّرَهُ عَادَ إلَيْهِ) وَتَشَهَّدَ، وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ
ــ
[رد المحتار]
مُنْفَرِدًا حِينَئِذٍ بَحْرٌ، وَأَرَادَ بِالْمَعِيَّةِ الْمُقَارَنَةَ وَهُوَ نَادِرُ الْوُقُوعِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَفِيهِ: وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ فَهُوَ سَلَامُ عَمْدٍ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ.
(قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ السَّهْوُ قَبْلَ الِاقْتِدَاءِ أَوْ بَعْدَهُ) بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ، وَشَمِلَ أَيْضًا مَا إذَا سَجَدَ الْإِمَامُ وَاحِدَةً ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَإِنَّهُ يُتَابِعُهُ فِي الْأُخْرَى وَلَا يَقْضِي قَضَاءَ الْأُولَى كَمَا لَا يَقْضِيهِمَا وَلَوْ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَمَا سَجَدَهُمَا (قَوْلُهُ ثُمَّ يَقْضِي مَا فَاتَهُ) فَلَوْ لَمْ يُتَابِعْهُ فِي السُّجُودِ وَقَامَ إلَى مَا سَبَقَ بِهِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ مُتَّحِدَةٌ فَجَعَلَ كَأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بَحْرٌ وَغَيْرُهُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ سَهَا فِيهِ) أَيْ فِيمَا يَقْضِيهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ يَسْجُدُ ثَانِيًا لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِيهِ وَالْمُنْفَرِدُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ الْإِمَامِ لِسَهْوِهِ ثُمَّ سَهَا هُوَ أَيْضًا كَفَتْهُ سَجْدَتَانِ عَنْ السَّهْوَيْنِ لِأَنَّ السُّجُودَ لَا يَتَكَرَّرُ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا اللَّاحِقُ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ بِسَهْوِ إمَامِهِ لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ، فَلَا سُجُودَ فِيمَا يَقْضِيهِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ لَكِنَّهُ يَسْجُدُ إلَخْ) أَيْ يَبْدَأُ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ ثُمَّ يَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ فِيمَا اقْتَدَى بِهِ عَلَى نَحْوِ مَا يُصَلِّي الْإِمَامُ، وَأَنَّهُ اقْتَدَى بِهِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَيُتَابِعُهُ فِي جَمِيعِهَا عَلَى نَحْوِ مَا أَدَّى الْإِمَامُ وَالْإِمَامُ أَدَّى الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ فَكَذَا اللَّاحِقُ. وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ فَقَدْ الْتَزَمَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ مُتَابَعَتُهُ بِقَدْرِ مَا هُوَ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَقَدْ أَدْرَكَ هَذَا الْقَدْرَ فَيُتَابِعُهُ ثُمَّ يَنْفَرِدُ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ سَجَدَ مَعَ إمَامِهِ أَعَادَهُ) لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مَا زَادَ إلَّا سَجْدَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ مَسْبُوقًا بِثَلَاثٍ وَلَاحِقًا بِرَكْعَةٍ فَسَجَدَ إمَامُهُ لِلسَّهْوِ فَإِنَّهُ يَقْضِي رَكْعَةً بِلَا قِرَاءَةٍ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ وَيَتَشَهَّدُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ سُجُودِ الْإِمَامِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً بِقِرَاءَةٍ وَيَقْعُدُ لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ صَلَاتِهِ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ وَالْمُقِيمُ إلَخْ) ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمُقِيمَ الْمُقْتَدِيَ بِالْمُسَافِرِ كَالْمَسْبُوقِ فِي أَنَّهُ يُتَابِعُ الْإِمَامَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِالْإِتْمَامِ. وَأَمَّا إذَا قَامَ إلَى إتْمَامِ صَلَاتِهِ وَسَهَا فَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ كَاللَّاحِقِ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ. وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ لِأَنَّهُ إنَّمَا اقْتَدَى بِالْإِمَامِ بِقَدْرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِذَا انْقَضَتْ صَارَ مُنْفَرِدًا وَإِنَّمَا لَا يَقْرَأُ فِيمَا يَتِمُّ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي الْأُولَيَيْنِ وَقَدْ قَرَأَ الْإِمَامُ فِيهِمَا. اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَاللَّاحِقِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ فَقَطْ. اهـ. أَقُولُ: وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَسَائِلِ الْمَسْبُوقِ وَاللَّاحِقِ قُبَيْلَ بَابِ الِاسْتِخْلَافِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ عَمَلِيًّا) كَالْوِتْرِ فَلَا يَعُودُ فِيهِ إذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا. وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَعُودُ لِأَنَّهُ مِنْ النَّفْلِ ط.
(قَوْلُهُ أَمَّا النَّفَلُ فَيَعُودُ إلَخْ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمِعْرَاجِ وَالسِّرَاجِ وَعَلَّلَهُ ابْنُ وَهْبَانَ بِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى مِنْهُ فَرْضٌ فَكَانَتْ كَالْأَخِيرَةِ، وَفِيهَا يَقْعُدُ وَإِنْ قَامَ. وَحَكَى فِي الْمُحِيطِ فِيهِ خِلَافًا، وَكَذَا فِي شَرْحِ التُّمُرْتَاشِيِّ، قِيلَ يَعُودُ وَقِيلَ لَا. وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ كَالتَّطَوُّعِ، وَكَذَا الْوِتْرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ، لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ قِيلَ فِي التَّطَوُّعِ يَعُودُ مَا لَمْ يُقَيِّدْ بِالسَّجْدَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ اهـ وَأَقَرَّهُ فِي الْإِمْدَادِ لَكِنْ خَالَفَهُ فِي مَتْنِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ مَا لَمْ يُقَيِّدْ بِالسَّجْدَةِ) أَيْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَةَ الَّتِي قَامَ إلَيْهَا (قَوْلُهُ عَادَ إلَيْهِ) أَيْ وُجُوبًا نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ) يَعْنِي إذَا عَادَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا وَكَانَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ فَإِنَّهُ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. وَاخْتَارَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وُجُوبَ السُّجُودِ، وَأَمَّا إذَا عَادَ وَهُوَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ كَمَا فِي نُورِ الْإِيضَاحِ وَشَرْحِهِ بِلَا حِكَايَةِ خِلَافٍ فِيهِ
стр. 740
(مَا لَمْ يَسْتَقِمْ قَائِمًا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَتْحٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ اسْتَقَامَ قَائِمًا (لَا) يَعُودُ لِاشْتِغَالِهِ بِفَرْضِ الْقِيَامِ (وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) لِتَرْكِ الْوَاجِبِ (فَلَوْ عَادَ إلَى الْقُعُودِ) بَعْدَ ذَلِكَ (تَفْسُدُ صَلَاتُهُ) لِرَفْضِ الْفَرْضِ لِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ وَصَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَقِيلَ لَا) تَفْسُدُ لَكِنَّهُ يَكُونُ مُسِيئًا وَيَسْجُدُ لِتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ (وَهُوَ الْأَشْبَهُ) كَمَا حَقَّقَهُ الْكَمَالُ وَهُوَ الْحَقُّ بَحْرٌ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُؤْتَمِّ؛ أَمَّا الْمُؤْتَمُّ فَيَعُودُ
ــ
[رد المحتار]
وَصَحَّحَ اعْتِبَارَ ذَلِكَ فِي الْفَتْحِ بِمَا فِي الْكَافِي إنْ اسْتَوَى النِّصْفُ الْأَسْفَلُ وَظَهْرٌ بَعْدُ مُنْحَنٍ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْقِيَامِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْقُعُودِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَالَةَ الْقِرَاءَةِ تَنُوبُ عَنْ الْقِيَامِ فِي مَرِيضٍ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ، حَتَّى لَوْ ظَنَّ فِي حَالَةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا حَالَةَ الْقِيَامِ فَقَرَأَ ثُمَّ تَذَكَّرَ لَا يَعُودُ إلَى التَّشَهُّدِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ.
(قَوْلُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ إلَخْ) مُقَابِلُهُ مَا فِي الْهِدَايَةِ: إنْ كَانَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ عَادَ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ فَلَا وَعَلَيْهِ السَّهْوُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَاخْتَارَهُ مَشَايِخُ بُخَارَى وَأَصْحَابُ الْمُتُونِ كَالْكَنْزِ وَغَيْرِهِ وَمَشَى فِي نُورِ الْإِيضَاحِ عَلَى الْأَوَّلِ كَالْمُصَنَّفِ تَبَعًا لِمَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ وَشَرْحِهِ الْبُرْهَانُ. قَالَ: وَلِصَرِيحِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْهُ ﷺ «إذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِنْ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» . اهـ.
قُلْت: لَكِنْ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: إنَّهُ نَصٌّ فِيهِ يُفِيدُ تَعَيُّنَ الْعَمَلِ بِهِ لَوْلَا مَا فِي ثُبُوتِهِ مِنْ النَّظَرِ، فَإِنَّ فِي سَنَدِهِ جَابِرًا الْجُعْفِيَّ مِنْ عُلَمَاءِ الشِّيعَةِ جَارِحُوهُ أَكْثَرُ مِنْ مُوَثَّقِيهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ: مَا رَأَيْت أَكْذَبَ مِنْهُ، فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ شَيْخُنَا فِي التَّقْرِيبِ رَافِضِيٌّ ضَعِيفٌ انْتَهَى فَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِحَدِيثِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ أَيْ وَإِنْ اسْتَقَامَ قَائِمًا) أَفَادَ أَنْ لَا فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا نَافِيَةٌ دَاخِلَةٌ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ، وَهُوَ نَفْيٌ أَيْضًا فَكَانَ إثْبَاتًا أَفَادَهُ ط.
(قَوْلُهُ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ) وَهُوَ الْقُعُودُ (قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَمَا اسْتَقَامَ قَائِمًا، وَمِثْلُهُ مَا إذَا عَادَ بَعْدَ مَا صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: ثُمَّ لَوْ عَادَ فِي مَوْضِعِ وُجُوبِ عَدَمِهِ اخْتَلَفُوا فِي فَسَادِ صَلَاتِهِ، فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تَصْدُقُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ لَكِنَّهُ يَكُونُ مُسِيئًا) أَيْ وَيَأْثَمُ كَمَا فِي الْفَتْحِ، فَلَوْ كَانَ إمَامًا لَا يَعُودُ مَعَهُ الْقَوْمُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ، وَيَلْزَمُهُ الْقِيَامُ لِلْحَالِ، شَرْحُ الْمُنْيَةِ عَنْ الْقُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ لِتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِتَأْخِيرِ الْفَرْضِ وَهُوَ الْقِيَامُ أَوْ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْقُعُودُ ط.
(قَوْلُهُ كَمَا حَقَّقَهُ الْكَمَالُ) أَيْ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ لَكِنَّهُ بِالصِّحَّةِ لَا يُخِلُّ لِمَا عُرِفَ أَنَّ زِيَادَةَ مَا دُونَ رَكْعَةٍ لَا يُفْسِدُ، وَقَوَّاهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْقُنْيَةِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ عَدَمَ الْفَسَادِ بِالْعَوْدِ، وَأَيَّدَهُ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا بِمَا فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْمُجْتَبَى لَوْ عَادَ بَعْدَ الِانْتِصَابِ مُخْطِئًا، قِيلَ يَتَشَهَّدُ لِنَقْضِهِ الْقِيَامَ وَالصَّحِيحُ لَا، بَلْ يَقُومُ، وَلَا يَنْتَقِضُ قِيَامُهُ بِقُعُودٍ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ كَمَنْ نَقَضَ الرُّكُوعَ لِسُورَةٍ أُخْرَى لَا يَنْتَقِضُ رُكُوعُهُ اهـ. وَبَحَثَ فِيهِ فِي النَّهْرِ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْحَقُّ بَحْرٌ) كَأَنَّ وَجْهَهُ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ، أَوْ مَا فِي الْمُبْتَغَى مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْفَسَادِ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَرْكٍ بَلْ هُوَ تَأْخِيرٌ كَمَا لَوْ سَهَا عَنْ السُّورَةِ فَرَكَعَ فَإِنَّهُ يَرْفُضُ الرُّكُوعَ وَيَعُودُ إلَى الْقِيَامِ وَيَقْرَأُ، وَكَمَا لَوْ سَهَا عَنْ الْقُنُوتِ فَرَكَعَ فَإِنَّهُ لَوْ عَادَ وَقَنَتَ لَا تَفْسُدُ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ لَكِنْ بَحَثَ فِيهِ فِي الْبَحْرِ بِإِبْدَاءِ الْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا عَادَ وَقَرَأَ السُّورَةَ صَارَتْ فَرْضًا فَقَدْ عَادَ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ وَكَذَا فِي الْقُنُوتِ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْقُرْآنِيَّةِ أَوْ عَادَ إلَى فَرْضٍ وَهُوَ الْقِيَامُ لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ طُولُهُ يَقَعُ فَرْضًا. اهـ. وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ وَشَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ.
أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْقُنُوتَ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ كَانَ قُرْآنًا فَنُسِخَ هُوَ الدُّعَاءُ الْمَخْصُوصُ وَهُوَ سُنَّةٌ، فَلَا يَلْزَمُ قِرَاءَتُهُ بَلْ قَدْ يُقْرَأُ غَيْرُهُ، وَكَوْنُهُ عَادَ إلَى فَرْضٍ وَهُوَ الْقِيَامُ مَمْنُوعٌ بَلْ عَادَ إلَى الْقِيَامِ الَّذِي هُوَ الرَّفْعُ مِنْ الرُّكُوعِ بِدَلِيلِ أَنَّ الرُّكُوعَ لَمْ يَرْتَفِضْ بِعَوْدِهِ لِأَجْلِ الْقُنُوتِ، فَكَانَ فِيهِ تَأْخِيرُ الْفَرْضِ لَا تَرْكُهُ، فَهُوَ مِثْلُ عَوْدِهِ إلَى الْقُعُودِ فِي مَسْأَلَتِنَا، نَعَمْ بَحْثُهُ فِي عَوْدِهِ إلَى الْقِرَاءَةِ مُسَلَّمٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُؤْتَمِّ إلَخْ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ مَنْعِهِ عَنْ الْعَوْدِ
следующие страницы →