← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21613

حاشية ابن عابدين = رد المحتار - ط الحلبي

ابن عابدين

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ثُمَّ خَلِيفَتُهُ ثُمَّ خَلِيفَةُ الْقَاضِي (ثُمَّ إمَامُ الْحَيِّ) فِيهِ إيهَامٌ، وَذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوُلَاةِ وَاجِبٌ، وَتَقْدِيمُ إمَامِ الْحَيِّ مَنْدُوبٌ فَقَطْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَلِيِّ، وَإِلَّا فَالْوَلِيُّ أَوْلَى كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ. وَفِي الدِّرَايَةِ: إمَامُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْلَى مِنْ إمَامِ الْحَيِّ: أَيْ مَسْجِدِ مَحَلَّتِهِ نَهْرٌ (ثُمَّ الْوَلِيُّ) بِتَرْتِيبِ عُصُوبَةِ الْإِنْكَاحِ إلَّا الْأَبَ ــ [رد المحتار] قَوْلُهُ ثُمَّ خَلِيفَتُهُ) كَذَا فِي الْبَحْرِ: أَيْ خَلِيفَةُ صَاحِبِ الشَّرَطِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ، وَفِيهِ أَنَّهُ حَيْثُ قَدَّمَ الْقَاضِيَ عَلَى صَاحِبِ الشَّرَطِ كَانَ الْمُنَاسِبُ تَقْدِيمَ خَلِيفَتِهِ عَلَى خَلِيفَةِ صَاحِبِ الشَّرَطِ؛ فَالْمُنَاسِبُ قَوْلُ الْفَتْحِ، ثُمَّ خَلِيفَةُ الْوَالِي، ثُمَّ خَلِيفَةُ الْقَاضِي اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْدَادِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ (قَوْلُهُ ثُمَّ إمَامُ الْحَيِّ) أَيْ الطَّائِفَةِ وَهُوَ إمَامُ الْمَسْجِدِ الْخَاصِّ بِالْمَحَلَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْمَيِّتَ رَضِيَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: فَعَلَى هَذَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ رَاضٍ بِهِ حَالَ حَيَاتِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْتَحَبَّ تَقْدِيمُهُ. اهـ. قُلْت: هَذَا مُسَلَّمٌ إنْ كَانَ عَدَمُ رِضَاهُ بِهِ لِوَجْهٍ صَحِيحٍ، وَإِلَّا فَلَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فِيهِ إيهَامٌ) أَيْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إيهَامُ التَّسْوِيَةِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ تَقْدِيمِ الْمَذْكُورِينَ، لَكِنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُصُولِيَّةَ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي الذِّكْرِ لَا يُوجِبُ الِاتِّحَادَ فِي الْحُكْمِ تَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ تَعْظِيمُ أُولِي الْأَمْرِ وَاجِبٌ (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوُلَاةِ وَاجِبٌ) لِأَنَّ فِي التَّقْدِيمِ عَلَيْهِمْ ازْدِرَاءً بِهِمْ، وَتَعْظِيمُ أُولِي الْأَمْرِ وَاجِبٌ، كَذَا فِي الْفَتْحِ. وَصَرَّحَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِمَا بِوُجُوبِ تَقْدِيمِ السُّلْطَانِ، وَعَلَّلَهُ فِي الْمَنْبَعِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ نَائِبُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَيَكُونُ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ بِشَرْطِ إلَخْ) نَقَلَ هَذَا الشَّرْطَ فِي الْحِلْيَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ حَسَنٌ، وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ إمَامُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ) عَبَّرَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِإِمَامِ الْجُمُعَةِ. [تَنْبِيهٌ] وَأَمَّا إمَامُ مُصَلِّي الْجِنَازَةِ الَّذِي شَرَطَهُ الْوَاقِفُ وَجَعَلَ لَهُ مَعْلُومًا مِنْ وَقْفِهِ فَهَلْ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ كَإِمَامِ الْحَيِّ أَمْ لَا لِلْقَطْعِ بِأَنَّ عِلَّةَ الرِّضَا بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ فِي حَيَاتِهِ خَاصَّةً بِإِمَامِ الْمَحَلَّةِ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مُقَرَّرًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي فَهُوَ كَنَائِبِهِ، وَإِنْ مِنْ جِهَةِ النَّاظِرِ فَكَالْأَجْنَبِيِّ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ. وَخَالَفَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا مَرَّ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ تَقْدِيمِ الرَّاتِبِ عَلَى إمَامِ الْحَيِّ يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُ هُنَا عَلَيْهِ. وَاسْتَظْهَرَ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجْعَلُ لِلْغُرَبَاءِ، وَمَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ. أَقُولُ: وَهَذَا أَوْلَى لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْحَقَّ لِلْوَلِيِّ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ عَلَيْهِ الْوُلَاةَ وَإِمَامَ الْحَيِّ لِمَا مَرَّ مِنْ التَّعْلِيلِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا، وَتَقْرِيرُ الْقَاضِي لَهُ لِاسْتِحْقَاقِ الْوَظِيفَةِ لَا لِجَعْلِهِ نَائِبًا عَنْهُ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَرَّرَهُ الْقَاضِي فِي وَظِيفَةِ إمَامَةٍ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَى إمَامِ الْحَيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَهُ لِلصَّلَاةِ خَلْفَهُ فِي حَيَاتِهِ بِخِلَافِ الرَّاتِبِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْوَالِي) أَيْ وَلِيُّ الْمَيِّتِ الذَّكَرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فَلَا وِلَايَةَ لِامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَمَعْتُوهٍ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: الْأَصْلُ أَنَّ الْحَقَّ فِي الصَّلَاةِ لِلْوَلِيِّ؛ وَلِذَا قُدِّمَ عَلَى الْجَمِيعِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَايَةِ كَالْإِنْكَاحِ إلَّا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ تَقَدُّمُ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحُسَيْنَ قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ وَقَالَ: لَوْلَا السُّنَّةُ لَمَا قَدَّمْتُكَ وَكَانَ سَعِيدٌ وَالِيًا بِالْمَدِينَةِ؛ وَلِمَا مَرَّ مِنْ الْوَجْهِ فِي تَقْدِيمِ الْوُلَاةِ وَإِمَامِ الْحَيِّ (قَوْلُهُ بِتَرْتِيبِ عُصُوبَةِ الْإِنْكَاحِ) فَلَا وِلَايَةَ لِلنِّسَاءِ وَلَا لِلزَّوْجِ إلَّا أَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ. وَفِي الْكَلَامِ رَمْزٌ إلَى أَنَّ الْأَبْعَدَ

стр. 877

فَيُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا وَالْأَبُ جَاهِلًا فَالِابْنُ أَوْلَى. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ فَالزَّوْجُ ثُمَّ الْجِيرَانُ، وَمَوْلَى الْعَبْدِ أَوْلَى مِنْ ابْنِهِ الْحُرِّ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ، وَالْفَتْوَى عَلَى بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِغُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَلَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ. ــ [رد المحتار] أَحَقُّ مِنْ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ. وَحَدُّ الْغَيْبَةِ هُنَا أَنْ يَكُونَ بِمَكَانٍ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ إذَا حَضَرَ ط عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ. زَادَ فِي الْبَحْرِ وَأَنْ لَا يَنْتَظِرَ النَّاسُ قُدُومَهُ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ دَاخِلُونَ فِي الْوِلَايَةِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْعُصُوبَةِ لِإِخْرَاجِ النِّسَاءِ فَقَطْ. فَهُمْ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ تَعْبِيرُ الْهِدَايَةِ بِوِلَايَةِ النِّكَاحِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَيُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ اتِّفَاقًا) هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ لِلْأَبِ فَضِيلَةً عَلَيْهِ وَزِيَادَةَ سِنٍّ، وَالْفَضِيلَةُ وَالزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ تَرْجِيحًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْإِمَامَةِ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ بَحْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ، وَقِيلَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ. وَعِنْدَهُمَا الِابْنُ أَوْلَى. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا الْأَسَنَّ بِالسُّنَّةِ. قَالَ ﵊ فِي حَدِيثِ الْقَسَامَةِ «لِيَتَكَلَّمْ أَكْبَرُهُمَا» وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْحَقَّ لِلِابْنِ عِنْدَهُمَا إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُقَدِّمَ هُوَ أَبَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: سَائِرُ الْقَرَابَاتِ أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا ابْنٌ، فَإِنْ كَانَ فَالزَّوْجُ أَوْلَى مِنْهُمْ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلِابْنِ، وَهُوَ يُقَدِّمُ أَبَاهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ. اهـ. وَفِي الْبَدَائِعِ وَلِلِابْنِ فِي حُكْمِ الْوِلَايَةِ أَنْ يُقَدِّمَ غَيْرَهُ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا مُنِعَ عَنْ التَّقَدُّمِ لِئَلَّا يَسْتَخِفَّ بِأَبِيهِ فَلَمْ تَسْقُطْ وِلَايَتُهُ بِالتَّقْدِيمِ (قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ كَانَ الْأَبُ جَاهِلًا وَالِابْنُ عَالِمًا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الِابْنَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ صِفَةَ الْعِلْمِ لَا تُوجِبُ التَّقْدِيمَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهَا لَهُ. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ إمَامَ الْحَيِّ إنَّمَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا كَانَ أَفْضَلَ، قَالَ: نَعَمْ، عَلَّلَ الْقُدُورِيُّ كَرَاهَةَ تَقَدُّمِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ بِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ، وَهَذَا يَقْضِي وُجُوبَ تَقْدِيمِهِ مُطْلَقًا. اهـ. قُلْت: وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا مَرَّ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ فَالِابْنُ أَوْلَى) فِي نُسْخَةٍ: وَالْأَسَنُّ أَوْلَى وَعَلَيْهَا كَتَبَ الْمُحَشِّي فَقَالَ: أَيْ إذَا حَصَلَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الدَّرَجَةِ وَالْقُرْبِ وَالْقُوَّةِ كَابْنَيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ أَوْ عَمَّيْنِ فَالْأَسَنُّ أَوْلَى. أَقُولُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْأَسَنِّ أَفْضَلَ اهـ أَيْ قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيمِ الِابْنِ الْأَفْضَلِ عَلَى أَبِيهِ بَلْ هَذَا أَوْلَى، فَلَوْ كَانَ الْأَصْغَرُ شَقِيقًا وَالْأَكْبَرُ لِأَبٍ فَالْأَصْغَرُ أَوْلَى كَمَا فِي الْمِيرَاثِ؛ حَتَّى لَوْ قُدِّمَ أَحَدٌ فَلَيْسَ لِلْأَكْبَرِ مَنْعُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَالزَّوْجُ ثُمَّ الْجِيرَانُ) كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَقْدِيمِ الزَّوْجِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ جَارًا، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ أَحَقُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ. فَمَا هُنَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ النَّهْرِ وَالزَّوْجُ، وَالْجِيرَانُ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ اهـ وَشَمِلَ الْوَلِيُّ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَابْنَهُ وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ فَإِنَّهُمْ أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ لِانْقِطَاعِ الزَّوْجِيَّةِ بِالْمَوْتِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: وَمَوْلَى الْعَبْدِ أَوْلَى مِنْ ابْنِهِ الْحُرِّ) وَكَذَا مِنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَالسَّيِّدُ أَوْلَى مِنْ قَرِيبِ عَبْدِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْقَرِيبُ أَوْلَى مِنْ السَّيِّدِ الْمُعْتِقِ اهـ فَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّ ابْنَ الْعَبْدِ وَأَبَاهُ أَحَقُّ مِنْ الْمَوْلَى عَلَى خِلَافِ الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ) اُعْتُرِضَ بِمَا فِي شَرْحِ الْهَامِلِيَّةِ مِنْ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُغَسِّلُ أَمَتَهُ، وَلَا أُمَّ وَلَدِهِ وَلَا مُدَبَّرَتَهُ لِانْقِطَاعِ مِلْكِهِ عَنْهُنَّ بِالْمَوْتِ. اهـ. أَقُولُ: لِأَنَّ الْجُثَّةَ الْمَيِّتَةَ لَا تَقْبَلُ الْمِلْكَ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بَقَاءُ الْمِلْكِ حُكْمًا كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْبَحْرِ، وَلِذَا يَلْزَمُهُ تَكْفِينُ عَبْدِهِ كَالزَّوْجَةِ مَعَ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ انْقَطَعَتْ بِالْمَوْتِ كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَالتَّغْسِيلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ الْمَحْذُورَيْنِ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْمِلْكُ الْحُكْمِيُّ لِضَعْفِهِ فَفَارَقَ التَّكْفِينَ وَوِلَايَةَ الصَّلَاةِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي (قَوْلُهُ: وَالْفَتْوَى عَلَى بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ) عَزَاهُ فِي الْهِنْدِيَّةِ إلَى الْمُضْمَرَاتِ: أَيْ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ مَنْ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ، أَوْ بِأَنْ يُغَسِّلَهُ فُلَانٌ لَا يَلْزَمُ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِ، وَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الْوَلِيِّ بِذَلِكَ. وَكَذَا تَبْطُلُ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبِ كَذَا أَوْ يُدْفَنَ فِي مَوْضِعِ كَذَا كَمَا عَزَاهُ إلَى الْمُحِيطِ. وَذَكَرَ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ أَنَّ تَعْلِيلَ تَقْدِيمِ إمَامِ الْحَيِّ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ رَضِيَهُ فِي حَيَاتِهِ يُعْلِمُ أَنَّ الْمُوصَى

стр. 878

وَمِثْلُهُ كُلُّ مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (الْإِذْنُ لِغَيْرِهِ فِيهَا) لِأَنَّهُ حَقُّهُ فَيَمْلِكُ إبْطَالَهُ (إلَّا) أَنَّهُ (إنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُسَاوِيهِ فَلَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْمُسَاوِي وَلَوْ أَصْغَرَ سِنًّا (الْمَنْعُ) لِمُشَارَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، أَمَّا الْبَعِيدُ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ (فَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقْدِيمِ) عَلَى الْوَلِيِّ (وَلَمْ يُتَابِعْهُ) الْوَلِيُّ (أَعَادَ الْوَلِيُّ) وَلَوْ عَلَى قَبْرِهِ ــ [رد المحتار] لَهُ يُقَدَّمُ عَلَى إمَامِ الْحَيِّ لِاخْتِيَارِهِ لَهُ صَرِيحًا إلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ اهـ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ كُلُّ مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى) ظَاهِرُهُ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ بِالصَّلَاةِ لِأَجْنَبِيٍّ بِلَا إذْنِ الْوَلِيِّ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْحِلْيَةِ بَحْثًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لِلسُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ ابْتِدَاءً، وَاسْتَثْنَى إمَامَ الْحَيِّ فَلَيْسَ لَهُ الْإِذْنُ لِأَنَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْوَلِيِّ مُسْتَحَبٌّ فَهُوَ كَأَكْبَرِ الْأَخَوَيْنِ إذَا قَدَّمَ أَجْنَبِيًّا فَلِلْأَصْغَرِ مَنْعُهُ فَكَذَا لِلْوَلِيِّ. اهـ. أَقُولُ: وَفِي كَوْنِ الْحَقِّ ثَابِتًا لِلسُّلْطَانِ ابْتِدَاءً بَحْثٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْأَصْلِ لِلْوَلِيِّ وَإِنَّمَا قَدَّمَ السُّلْطَانَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِئَلَّا يَزْدَرِيَ بِهِ، وَتَعْظِيمُهُ وَاجِبٌ، وَقَدَّمَ إمَامَ الْحَيِّ لِأَنَّ الْمَيِّتَ رَضِيَهُ فِي حَيَاتِهِ وَمِثْلُهُ مَا فِي الْكَافِي حَيْثُ عَلَّلَ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ السُّلْطَانَ أَوْ الْإِمَامَ إنَّمَا يُقَدَّمُ بِعَارِضِ السَّلْطَنَةِ وَالْإِمَامَةِ اهـ وَبِهَذَا تَنْدَفِعُ الْأَوْلَوِيَّةُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَفَسَّرَ الْإِذْنَ بِتَفْسِيرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الِانْصِرَافِ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الدَّفْنِ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا إلَّا بِإِذْنِهِ. وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِمَوْتِهِ لِيُصَلُّوا عَلَيْهِ بَحْرٌ، لَكِنْ يَتَعَيَّنُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ، بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: فَيَمْلِكُ إبْطَالَهُ) أَيْ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ هِدَايَةٌ. فَالْمُرَادُ بِالْإِبْطَالِ نَقْلُهُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَصْغَرَ سِنًّا) فَلَوْ كَانَا شَقِيقَيْنِ، فَالْأَسَنُّ أَوْلَى لَكِنَّهُ لَوْ قَدَّمَ أَحَدًا فَلِلْأَصْغَرِ مَنْعُهُ، وَلَوْ قَدَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَاحِدًا فَمَنْ قَدَّمَهُ الْأَسَنُّ أَوْلَى بَحْرٌ (قَوْلُهُ أَمَّا الْبَعِيدُ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ) فَلَوْ كَانَ الْأَصْغَرُ شَقِيقًا، وَالْأَكْبَرُ لِأَبٍ فَقَدَّمَ الْأَصْغَرُ أَحَدًا فَلَيْسَ لِلْأَكْبَرِ الْمَنْعُ بَحْرٌ، وَفِيهِ: فَإِنْ كَانَ الشَّقِيقُ غَائِبًا، وَكَتَبَ إلَى إنْسَانٍ لِيَتَقَدَّمَ فَلِلْأَخِ لِأَبٍ مَنْعُهُ، وَالْمَرِيضُ فِي الْمِصْرِ كَالصَّحِيحِ يُقَدِّمُ مَنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لِلْأَبْعَدِ مَنْعُهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ) الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ صَلَّى مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ اهـ ح (قَوْلُهُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ إلَخْ) بَيَانٌ لِغَيْرِ الْمُضَافِ إلَى ضَمِيرِ الْوَلِيِّ أَخْرَجَ بِهِ السُّلْطَانَ وَنَحْوَهُ وَإِمَامَ الْحَيِّ، فَإِنْ صَلَّى أَحَدُهُمْ لَمْ يُعِدْ الْوَلِيُّ كَمَا يَأْتِي لِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ أَعَادَ الْوَلِيُّ) مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْوَلِيِّ كَالسُّلْطَانِ لَا يُعِيدُ إذَا صَلَّى غَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ مَعَهُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْوَلِيِّ مَنْ لَهُ حَقُّ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَعَادَ مَنْ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيمَا إذَا صَلَّى الْوَلِيُّ فَهَلْ لِمَنْ قَبْلَهُ كَالسُّلْطَانِ حَقُّ الْإِعَادَةِ؟ فَفِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ نَعَمْ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إذَا كَانَ لَهُ الْإِعَادَةُ إذَا صَلَّى غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ أَدْنَى فَالسُّلْطَانُ وَالْقَاضِي بِالْأَوْلَى. وَفِي السِّرَاجِ وَالْمُسْتَصْفَى لَا. وَوَفَّقَ فِي الْبَحْرِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا تَقَدَّمَ الْوَلِيُّ مَعَ وُجُودِ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا لَمْ يُوجَدْ. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ السُّلْطَانَ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِهِ، فَالْخِلَافُ عِنْدَ حُضُورِهِ اهـ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي مَا فِي السِّرَاجِ وَالْمُسْتَصْفَى لِمَا قَدَّمْنَاهُ

стр. 879

إنْ شَاءَ لِأَجْلِ حَقِّهِ لَا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ؛ وَلِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَنْ يُعِيدَ مَعَ الْوَلِيِّ لِأَنَّ تَكْرَارَهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ صَلَّى مَنْ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ كَقَاضٍ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ إمَامِ الْحَيِّ أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ وَتَابَعَهُ الْوَلِيُّ (لَا) يُعِيدُ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ مِنْهُ. (وَإِنْ صَلَّى هُوَ) أَيْ الْوَلِيُّ (بِحَقٍّ) بِأَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ (لَا يُصَلِّي غَيْرُهُ بَعْدَهُ) وَإِنْ حَضَرَ مَنْ لَهُ التَّقَدُّمُ لِكَوْنِهَا بِحَقٍّ. أَمَّا لَوْ صَلَّى الْوَلِيُّ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ مَثَلًا أَعَادَ السُّلْطَانُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِ وَفِيهِ حُكْمُ صَلَاةِ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ كَعَدَمِ الصَّلَاةِ أَصْلًا فَيُصَلِّي عَلَى قَبْرِهِ مَا لَمْ يَتَمَزَّقْ ــ [رد المحتار] عَنْ الْكَافِي مِنْ أَنَّ الْحَقَّ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَتَقْدِيمُ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ لِعَارِضٍ، وَأَنَّ دَعْوَى الْأَوْلَوِيَّةِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، وَنَظِيرُهُ الِابْنُ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ ابْتِدَاءً، وَلَكِنَّهُ يُقَدِّمُ أَبَاهُ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ. وَأَمَّا تَأْيِيدُ صَاحِبِ الْبَحْرِ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ بِمَا فِي الْفَتَاوَى كَالْخُلَاصَةِ وَالْوَلْوَالِجِيَّة وَغَيْرِهِمَا، مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي أَوْ إمَامُ الْحَيِّ وَلَمْ يُتَابِعْهُ الْوَلِيُّ لَيْسَ لَهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى مِنْهُ اهـ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَوْلَى مِنْهُ أَنْ تَثْبُتَ لَهُمْ الْإِعَادَةُ إذَا صَلَّى بِحَضْرَتِهِمْ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَإِنْ تَرَكَ وَاجِبَ احْتِرَامِ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْهِدَايَةِ فَإِنْ صَلَّى غَيْرُ الْوَلِيِّ أَوْ السُّلْطَانِ أَعَادَ الْوَلِيُّ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَإِنْ صَلَّى الْوَلِيُّ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ يَشْمَلُ السُّلْطَانَ. ثُمَّ رَأَيْت فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ مَا نَصُّهُ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ حَتَّى لَا تَجُوزَ الْإِعَادَةُ لَا لِلسُّلْطَانِ وَلَا لِغَيْرِهِ. اهـ. وَمَا قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلِيِّ مَنْ لَهُ حَقُّ الْوِلَايَةِ يُبْعِدُهُ عَطْفُ السُّلْطَانِ قَبْلَهُ عَلَى الْوَلِيِّ. وَنَقَلَ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّ لِلسُّلْطَانِ الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى الْوَلِيُّ بِحَضْرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ فِي الْمَنَافِعِ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ الْإِعَادَةُ، ثُمَّ أَيَّدَ رِوَايَةَ الْمَنَافِعِ فَرَاجِعْهُ، وَهَذَا عَيْنُ مَا قُلْنَاهُ، فَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَقَامِ وَالسَّلَامُ (قَوْلُهُ إنْ شَاءَ إلَخْ) وَأَمَّا مَا فِي التَّقْوِيمِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى غَيْرُ الْوَلِيِّ كَانَتْ الصَّلَاةُ بَاقِيَةً عَلَى الْوَلِيِّ فَضَعِيفٌ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ وَلِذَا إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ أَيْ فَإِنَّ الْفَرْضَ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ بِالْأُولَى كَانَ لِمَنْ صَلَّى أَوَّلًا أَنْ يُعِيدَ مَعَ الْوَلِيِّ. وَبِهَذَا رَدَّ فِي الْبَحْرِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ الْأُولَى مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ أَعَادَ الْوَلِيُّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْفَرْضَ مَا صُلِّيَ وَإِلَّا سَقَطَ بِالْأُولَى، لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ: إنَّ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بِهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ عِنْدَنَا، وَلِذَلِكَ نَظِيرٌ وَهُوَ الْجُمُعَةُ مَعَ الظُّهْرِ لِمَنْ أَدَّاهُ قَبْلَهَا اهـ نَعَمْ يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ صَعْبٌ فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّ إعَادَةَ الْوَلِيِّ لَيْسَتْ نَفْلًا لِأَنَّ صَلَاةَ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَأَدَّى بِهَا الْفَرْضُ، وَهُوَ حَقُّ الْمَيِّتِ لَكِنَّهَا نَاقِصَةٌ لِبَقَاءِ حَقِّ الْوَلِيِّ فِيهَا، فَإِذَا أَعَادَهَا وَقَعَتْ فَرْضًا مُكَمِّلًا لِلْفَرْضِ الْأَوَّلِ نَظِيرَ إعَادَةِ الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ بِكَرَاهَةٍ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فَرْضٌ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي مَحَلِّهِ؛ وَحَيْثُ كَانَتْ الْأُولَى فَرْضًا فَلَيْسَ لِمَنْ صَلَّى أَوَّلًا أَنْ يُعِيدَ مَعَ الْوَلِيِّ لِأَنَّ إعَادَتَهُ تَكُونُ نَفْلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بِخِلَافِ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مَشْرُوعٍ) أَيْ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ مَالِكٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، وَالْأَدِلَّةُ فِي الْمُطَوَّلَاتِ (قَوْلُهُ: أَوْ إمَامِ الْحَيِّ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَكَذَا صَرَّحَ فِي الْمَجْمَعِ وَشَرْحِهِ بِأَنَّهُ كَالسُّلْطَانِ فِي عَدَمِ إعَادَةِ الْوَلِيِّ، وَبِهِ ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْإِعَادَةَ لَوْ صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ لَا لَوْ صَلَّى السُّلْطَانُ لِئَلَّا يَزْدَرِيَ بِهِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ أَوْلَى إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَيْضًا وَلِأَنَّ مُتَابَعَتَهُ إذْنٌ بِالصَّلَاةِ لِيَكُونَ عِلَّةً لِقَوْلِهِ أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ وَتَابَعَهُ الْوَلِيُّ ط (قَوْلُهُ بِأَنْ لَمْ يَحْضُرْ إلَخْ) لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْوَلِيِّ عِنْدَ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ حَضَرَ) يَعْنِي بَعْدَ صَلَاةِ الْوَلِيِّ وَإِنْ وَصْلِيَّةٌ (قَوْلُهُ أَمَّا لَوْ صَلَّى إلَخْ) تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ بِأَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَا وَفَّقَ بِهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَيْنَ عِبَارَاتِهِمْ، قَدْ عَلِمْت تَحْرِيرَ الْمَقَامِ آنِفًا (قَوْلُهُ وَفِيهِ) أَيْ فِي الْمُجْتَبَى، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ عَزَاهَا إلَيْهِ فِي الْبَحْرِ. لَكِنِّي لَمْ أَجِدْهَا فِيهِ

стр. 880

(وَإِنْ دُفِنَ) وَأُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ (بِغَيْرِ صَلَاةٍ) أَوْ بِهَا بِلَا غُسْلٍ أَوْ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ (صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ) اسْتِحْسَانًا (مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ تَفَسُّخُهُ) مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ هُوَ الْأَصَحُّ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ شُكَّ فِي تَفَسُّخِهِ صُلِّيَ عَلَيْهِ، لَكِنْ فِي النَّهْرِ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا كَأَنَّهُ تَقْدِيمًا لِلْمَانِعِ (وَلَمْ تَجُزْ) الصَّلَاةُ (عَلَيْهَا رَاكِبًا) وَلَا قَاعِدًا (بِغَيْرِ عُذْرٍ) اسْتِحْسَانًا. (وَكُرِهَتْ تَحْرِيمًا) وَقِيلَ (تَنْزِيهًا ــ [رد المحتار] وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْمُجْتَبَى هَكَذَا: ثُمَّ إذَا دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَمَزَّقْ. اهـ. وَالْمُرَادُ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْوَلِيُّ إنْ شَاءَ لِأَجْلِ حَقِّهِ لَا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ، وَكَذَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ كَعَدَمِ الصَّلَاةِ كَمَا أَفَادَهُ ح بِأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالْعَدَمِ حَتَّى كَانَ لَهُ الْإِعَادَةُ. (قَوْلُهُ وَأُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ) فَإِنْ لَمْ يُهَلْ أُخْرِجَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: أَوْ بِهَا بِلَا غُسْلٍ) هَذَا رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّهَا بِلَا غُسْلٍ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، لَكِنْ فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ قِيلَ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يُصَلَّى وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِتَرْكِ الشَّرْطِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْآنَ زَالَ الْإِمْكَانُ فَسَقَطَتْ فَرْضِيَّةُ الْغُسْلِ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ الْأَوْلَى نَهْرٌ. [تَنْبِيهٌ] يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ مَنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ مَنْ تَرَدَّى فِي نَحْوِ بِئْرٍ أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ بُنْيَانٌ وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ غَرِقَ فِي بَحْرٍ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ وُجُودِهِ أَمَامَ الْمُصَلِّي تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ بِهَا الْعَائِدِ إلَى الصَّلَاةِ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُجْتَبَى (قَوْلُهُ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ) أَيْ افْتِرَاضًا فِي الْأُولَيَيْنِ وَجَوَازًا فِي الثَّالِثَةِ لِأَنَّهَا لِحَقِّ الْوَلِيِّ أَفَادَهُ ح. أَقُولُ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ كَمَا وَهَمَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْوَصْفِ وَهُوَ الْحُكْمُ، فَهُوَ كَإِطْلَاقِ الْإِنْسَانِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ هُوَ الْأَصَحُّ) لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ حَرًّا وَبَرْدًا وَالْمَيِّتِ سِمَنًا وَهُزَالًا وَالْأَمْكِنَةِ بَحْرٌ، وَقِيلَ يُقَدَّرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ عَشَرَةٍ، وَقِيلَ شَهْرٍ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ إلَخْ) أَيْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ إلَخْ فَإِنَّهُ فِي الشَّكِّ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ تَفَسُّخُهُ ط (قَوْلُهُ: كَأَنَّهُ تَقْدِيمًا لِلْمَانِعِ) الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ: أَيْ كَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَقْدِيمًا: أَيْ أَنَّهُ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ التَّفَسُّخِ الْمُقْتَضِي عَدَمَ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ عَدَمِهِ الْمُوجِبِ لَهَا، فَاعْتَبَرْنَا الْمَانِعَ، وَهُوَ التَّفَسُّخُ ط أَقُولُ: وَفِي الْحِلْيَةِ، نَصَّ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مَعَ الشَّكِّ فِي ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ وَجَوَامِعِ الْفِقْهِ وَعَامَّةِ الْكُتُبِ، وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ بِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي الْجَوَازِ اهـ وَتَمَامُهُ فِيهَا (قَوْلُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ) رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَوْ صَلَّى رَاكِبًا لِتَعَذُّرِ النُّزُولِ لِطِينٍ أَوْ مَطَرٍ جَازَ. وَكَذَا لَوْ صَلَّى الْوَلِيُّ قَاعِدًا لِمَرَضٍ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تُجْزِيهِ دُونَ الْقَوْمِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ بَحْرٌ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْوَلِيِّ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَلَوْ صَلَّى غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا حَقَّ لَهُ إمَامًا قَاعِدًا لِعُذْرٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ بِصَلَاتِهِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ أَفَادَهُ ط. مَطْلَبٌ فِي كَرَاهَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ تَنْزِيهًا) رَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ وَأَطَالَ؛ وَوَافَقَهُ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ، وَخَالَفَهُ تِلْمِيذُهُ الثَّانِي الْحَافِظُ الزَّيْنِيُّ قَاسِمٌ فِي فَتْوَاهُ بِرِسَالَةٍ خَاصَّةٍ، فَرَجَّحَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِإِطْلَاقِ الْمَنْعِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي مُوَطَّئِهِ: لَا يُصَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي مَسْجِدٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ: النَّهْيُ عَنْهَا وَكَرَاهِيَتُهَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ

стр. 881

فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ هُوَ) أَيْ الْمَيِّتُ (فِيهِ) وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْقَوْمِ. (وَاخْتُلِفَ فِي الْخَارِجَةِ) عَنْ الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ بَعْضِ الْقَوْمِ (وَالْمُخْتَارُ الْكَرَاهَةُ) مُطْلَقًا خُلَاصَةٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلْمَكْتُوبَةِ، وَتَوَابِعُهَا كَنَافِلَةٍ وَذِكْرٍ وَتَدْرِيسِ عِلْمٍ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ ــ [رد المحتار] أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا وَأَطَالَ، وَحَقَّقَ أَنَّ الْجَوَازَ كَانَ ثُمَّ نُسِخَ وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ، وَانْتَصَرَ لَهُ أَيْضًا سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي رِسَالَةٍ سَمَّاهَا نُزْهَةَ الْوَاجِدِ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ فِي الْمَسَاجِدِ (قَوْلُهُ: فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ) أَيْ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَمَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ قُهُسْتَانِيٌّ. وَتُكْرَهُ أَيْضًا فِي الشَّارِعِ وَأَرْضُ النَّاسِ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ، وَكَمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ يُكْرَهُ إدْخَالُهَا فِيهِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ (قَوْلُهُ: أَوْ مَعَ الْقَوْمِ) أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَلْ فِي الْقَوْمِ جِنْسِيَّةٌ. اهـ. ح (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ. وَفِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ فِيهِ أَوْ خَارِجَهُ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إلَخْ) أَمَّا إذَا عَلَّلْنَا بِخَوْفِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ فَلَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ بَعْضِ الْقَوْمِ اهـ ح. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَإِلَيْهِ مَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. اهـ. قُلْت: بَلْ ذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنْ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ. وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِحَمْلِ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَمَا مَرَّ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ دَاخِلَهُ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ فِيهِ خَفَاءٌ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ وَهُمَا مِمَّا بُنِيَ لَهُ الْمَسْجِدُ وَإِلَّا لَزِمَ الْمَنْعُ عَنْ الدُّعَاءِ فِيهِ لِنَحْوِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ مَعَ أَنَّ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ «أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ ضَالَّةً فَقَالَ ﷺ : لَا وَجَدْت، إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ إلَخْ) كَذَا فِي الْفَتْحِ، لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِصَلَّى أَوْ لِمَيِّتٍ أَوْ لَهُمَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُكْرَهُ كَوْنُ الْمَيِّتِ فِيهِ وَالصَّلَاةِ خَارِجَهُ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يُكْرَهُ الْعَكْسُ، وَعَلَى الثَّالِثِ لَا يُكْرَهُ إذَا فُقِدَ أَحَدُهُمَا، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمُخْتَارِ مِنْ إطْلَاقِ الْكَرَاهَةِ. وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ بِعَيْنِهِ قَالُوا بِالْكَرَاهَةِ بِوُجُودِ أَحَدِهَا أَيًّا كَانَ. اهـ. أَقُولُ: يَلْزَمُ عَلَيْهِ إثْبَاتُ الْكَرَاهَةِ بِلَا دَلِيلٍ لِأَنَّهُ إذَا طَرَقَهُ الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَال، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ لُغَةً وَعُرْفًا مِنْ نَحْوِ قَوْلِك ضَرَبْت زَيْدًا فِي الدَّارِ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا أَنَّهُ هَلْ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلٍّ مِنْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ فِي الْمَكَانِ فَغَيْرُ لَازِمٍ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ إذَا قَالَ: إنْ شَتَمْت فُلَانًا فِي الْمَسْجِدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الشَّاتِمِ فِيهِ، وَفِي إنْ قَتَلْته بِالْعَكْسِ نَعَمْ ذَكَرَ ضَابِطًا لِذَلِكَ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَشَرْحِهِ فِي بَابِ الْحِنْثِ فِي الشَّتْمِ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ فِي الْمَفْعُولِ كَالْعِلْمِ وَالذِّكْرِ، وَقَدْ يَكُونُ كَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، فَإِذَا قَالَ: إنْ شَتَمْت زَيْدًا فِي الْمَسْجِدِ مَثَلًا فَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِكَوْنِ الشَّاتِمِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْتُومُ فِيهِ أَيْضًا أَوْ لَا لِأَنَّ الشَّتْمَ هُوَ ذِكْرُ الْمَشْتُومِ بِسُوءٍ وَالذَّاكِرُ

стр. 882

حَدِيثِ أَبِي دَاوُد «مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» . ــ [رد المحتار] يَقُومُ بِالذَّاكِرِ وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ شَتْمًا فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ فَيُعْتَبَرُ مَكَانُ الْفَاعِلِ. وَأَمَّا الْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَنَحْوُهُمَا فِي مَكَان فَيَتَحَقَّقُ بِكَوْنِ الْمَفْعُولِ بِهِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَاعِلُ فِيهِ أَيْضًا أَمْ لَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَهَا آثَارٌ تَقُومُ بِالْمَحَلِّ، فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَفْعُولِ بِهِ وَهُوَ الْمَحَلُّ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ دُونَ الْفَاعِلِ لِأَنَّ مَنْ ذَبَحَ شَاةً هِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ خَارِجُهُ يُسَمَّى ذَابِحًا فِي الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّامِيَ إلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ يَكُونُ قَاتِلًا لِلصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ وَإِنْ كَانَ حَالَ الرَّمْيِ فِي الْحِلِّ اهـ مُلَخَّصًا، وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ هُنَاكَ فَرَاجِعْهُ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا يَخْفَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ فِعْلٌ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمَفْعُولِ، وَإِنَّمَا يَقُومُ بِالْمُصَلِّي، فَقَوْلُهُ مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ فِيهِ أَوْ لَا، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ مَنْطُوقِ الْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي رِسَالَتِهِ مِنْ أَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَعَى النَّجَاشِيَّ إلَى أَصْحَابِهِ خَرَجَ فَصَلَّى عَلَيْهِ فِي الْمُصَلَّى» قَالَ: وَلَوْ جَازَتْ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ لِلْخُرُوجِ مَعْنًى اهـ مَعَ أَنَّ الْمَيِّتَ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. وَبَقِيَ مَا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي خَارِجَهُ وَالْمَيِّتُ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَتِهِ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ عِنْدَنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، لِأَنَّهُ إذَا كُرِهَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فِيهِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ يُكْرَهُ إدْخَالُهُ فِيهِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ عَبَثٌ مَحْضٌ وَلَا سِيَّمَا عَلَى كَوْنِ عِلَّةِ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ خَشِيَتْ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُؤَيِّدٌ لِلْقَوْلِ الْمُخْتَارِ مِنْ إطْلَاقِ الْكَرَاهَةِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْفَرِيدَ فَإِنَّهُ مِمَّا فَتَحَ بِهِ الْمَوْلَى عَلَى أَضْعَفِ خَلْقِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ «فَلَا صَلَاةَ لَهُ» ) هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَرِوَايَةُ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد «فَلَا شَيْءَ لَهُ» " وَابْنِ مَاجَهْ «فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ» وَرَوَى «فَلَا أَجْرَ لَهُ» وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هِيَ خَطَأٌ فَاحِشٌ، وَالصَّحِيحُ «فَلَا شَيْءَ لَهُ» وَتَمَامُهُ فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي وَالْمَدَنِيِّ، وَلَيْسَ الْحَدِيثُ نَهْيًا غَيْرَ مَصْرُوفٍ وَلَا مَقْرُونًا بِوَعِيدٍ لِأَنَّ سَلْبَ الْأَجْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ لِجَوَازِ الْإِبَاحَةِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا سَبَبٌ مَوْضُوعٌ لِلثَّوَابِ فَسَلْبُهُ مَعَ فِعْلِهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ إثْمٍ يُقَاوِمُ ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ، كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي رِوَايَةٍ " فَلَا صَلَاةَ لَهُ " لِأَنَّهُ عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فَهِيَ مِثْلُ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» بَلْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَقْرَبُ: أَيْ لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ، فَلَا تُنَافِي ثُبُوتَ أَصْلِ الثَّوَابِ. وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ. [تَتِمَّةٌ] إنَّمَا تُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ فَلَا، وَمِنْ الْأَعْذَارِ الْمَطَرُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالِاعْتِكَافُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ، كَذَا فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرِهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ اعْتِكَافُ الْوَلِيِّ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ، وَلِغَيْرِهِ الصَّلَاةُ مَعَهُ تَبَعًا لَهُ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يُصَلِّيَهَا غَيْرُهُ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ إثْمَ الْإِدْخَالِ وَالصَّلَاةِ ارْتَفَعَ بِالْعُذْرِ تَأَمَّلْ، وَانْظُرْ هَلْ يُقَالُ: إنَّ مِنْ الْعُذْرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي بِلَادِنَا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ أَوْ تَعَسُّرِهِ بِسَبَبِ انْدِرَاسِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا فِيهَا، فَمَنْ حَضَرَهَا فِي الْمَسْجِدِ إنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا مَعَ النَّاسِ لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِهِ، وَلَزِمَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ فِي عُمُرِهِ عَلَى جِنَازَةٍ، نَعَمْ قَدْ تُوضَعُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فِي الشَّارِعِ فَيُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ فَسَادُهَا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَلِّينَ لِعُمُومِ النَّجَاسَةِ وَعَدَمِ خَلْعِهِمْ نِعَالَهُمْ الْمُتَنَجِّسَةَ مَعَ أَنَّا قَدَّمْنَا كَرَاهَتَهَا فِي الشَّارِعِ.

стр. 883

(وَمَنْ وُلِدَ فَمَاتَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) وَيَرِثُ وَيُورَثُ وَيُسَمَّى (إنْ اسْتَهَلَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ: أَيْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهِ بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَطْ وَهُوَ يَصِيحُ فَذَبَحَهُ رَجُلٌ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ، وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَخَرَجَ حَيًّا فَمَاتَ ــ [رد المحتار] وَإِذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ، فَيَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ بِالْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ عُذْرًا فَلَا كَرَاهَةَ أَصْلًا، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ (قَوْلُهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ وَيُكَفَّنُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِعِلْمِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إنْ اسْتَهَلَّ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّسَامُحِ بِهِ لِأَنَّ تَرْتِيبَهُ الْمَوْتَ عَلَى الْوِلَادَةِ أَيْ فِي قَوْلِهِ قَبْلَهُ: فَمَاتَ مُفِيدٌ لِلْحَيَاةِ قَبْلَهُ فَلَا يَحْسُنُ التَّفْصِيلُ بَعْدَهُ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ كَالْكَنْزِ: وَمَنْ اسْتَهَلَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَا شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ) لِأَنَّ أَصْلَ الْإِهْلَالِ وَالِاسْتِهْلَالِ: رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَعَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُ أَهَلَّ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ: أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَاسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ: إذَا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ. وَأَمَّا الْمَبْنِيُّ لِلْمَجْهُولِ فَيُقَالُ اُسْتُهِلَّ الْهِلَالُ: أَيْ أُبْصِرَ، كَذَا يُفَادُ مِنْ الْمُغْرِبِ (قَوْلُهُ أَيْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهِ) أَيْ مِنْ بُكَاءٍ أَوْ تَحْرِيكِ عُضْوٍ أَوْ طَرَفٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ بَدَائِعُ، وَهَذَا مَعْنَاهُ فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَقَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: يَعْنِي الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ، وَلَا عِبْرَةَ لِانْقِبَاضِ وَبَسْطِ الْيَدِ وَقَبْضِهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَرَكَةُ الْمَذْبُوحِ وَلَا عِبْرَةَ بِهَا، حَتَّى لَوْ ذُبِحَ رَجُلٌ فَمَاتَ أَبُوهُ، وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لَمْ يَرِثْهُ الْمَذْبُوحُ لِأَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حُكْمَ الْمَيِّتِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ. اهـ. أَقُولُ: وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ مَشَى عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ تَأَمَّلْ. [تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْبَدَائِعِ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ شَهِدَتْ الْقَابِلَةُ أَوْ الْأُمُّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ مَقْبُولٌ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْأُمِّ لِكَوْنِهَا مُتَّهَمَةً بِجَرِّهَا الْمَغْنَمَ إلَى نَفْسِهَا وَكَذَا شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: تُقْبَلُ إذَا كَانَتْ عَدْلَةٌ. اهـ. وَظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ نِصَابِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى بِلَفْظِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (قَوْلُهُ بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِوُجِدَ، فَلَوْ خَرَجَ رَأْسُهُ وَهُوَ يَصِيحُ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَرِثْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ أَكْثَرُ بَدَنِهِ حَيًّا بَحْرٌ عَنْ الْمُبْتَغَى. وُجِدَ الْأَكْثَرُ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ سُرَّتُهُ، وَمِنْ قِبَلِ الرَّأْسِ صَدْرُهُ نَهْرٌ عَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ خَرَجَ إلَخْ) أَيْ فَلَوْ اعْتَبَرَ حَيَاتَهُ عِنْدَ خُرُوجِ الْأَقَلِّ مِنْ النِّصْفِ لَكَانَ الْوَاجِبُ الدِّيَةَ؛ فَإِيجَابُ الْغُرَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخُرُوجَ كَعَدَمِهِ، فَإِنَّ الْغُرَّةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ الْحَامِلِ حَتَّى أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا فَذَبْحُهُ قَبْلَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ فِي حُكْمِ ضَرْبِهِ، وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، بِخِلَافِ ذَبْحِهِ بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ فَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ صِحَّةُ التَّفْرِيعِ، وَبَطَلَ التَّشْنِيعُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ) هِيَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ لَوْ الْجَنِينُ ذَكَرًا، وَعُشْرُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ لَوْ أُنْثَى، وَكُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ خَمْسُونَ دِينَارًا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ. هَذَا، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ، لَكِنْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ فِي أَوَائِلِ فَصْلِ مَا يُوجِبُ الْقَوَدَ عَنْ الْمُجْتَبَى والتتارخانية أَنَّ عَلَيْهِ الدِّيَةَ، لَكِنْ مَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا يُؤَيِّدُ مَا هُنَا، أَوْ يُرَادُ بِالدِّيَةِ الْغُرَّةُ فَتَأَمَّلْ

стр. 884

فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ (وَإِلَّا) يَسْتَهِلُّ (غُسِّلَ وَسُمِّيَ) عِنْدَ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ فَيُفْتَى بِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إكْرَامًا لِبَنِي آدَمَ كَمَا فِي مُلْتَقَى الْبِحَارِ. وَفِي النَّهْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: وَإِذَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ غُسِّلَ وَحُشِرَ هُوَ الْمُخْتَارُ (وَأُدْرِجَ فِي خِرْقَةٍ وَدُفِنَ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) وَكَذَا لَا يَرِثُ إنْ انْفَصَلَ بِنَفْسِهِ (كَصَبِيٍّ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) ــ [رد المحتار] قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ فَمَاتَ أَنَّ الْمَوْتَ بِسَبَبِ الْقَطْعِ، وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ دِيَةُ النَّفْسِ إنْ كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً، وَإِلَّا وَجَبَ الْقَوَدُ، لَكِنْ عِبَارَةُ الْبَحْرِ عَنْ الْمُبْتَغَى ثُمَّ مَاتَ وَعَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ لَا بِسَبَبِ الْقَطْعِ فَالْوَاجِبُ دِيَةُ الْأُذُنِ، وَإِنْ كَانَ بِهِ فَالْوَاجِبُ دِيَةُ النَّفْسِ أَوْ الْقَوَدِ كَمَا قُلْنَا، لَكِنْ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: إنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ لَا الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ حَيْثُ جَرَحَهُ قَبْلَ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ وَلَدًا اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَفِي الْأَحْكَامِ لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ [التَّهْذِيبِ لِذِهْنِ اللَّبِيبِ] مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ قَطَعَ أُذُنَ إنْسَانٍ وَجَبَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْ قَطَعَ رَأْسَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ دِينَارًا. جَوَابُهَا قَطَعَ أُذُنَ صَبِيٍّ خَرَجَ رَأْسُهُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، فَإِنْ تَمَّتْ وِلَادَتُهُ وَعَاشَ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَهِيَ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْ قَطَعَ رَأْسَهُ وَمَاتَ قَبْلَ خُرُوجِ الْبَاقِي وَجَبَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ وَهِيَ خَمْسُونَ دِينَارًا اهـ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَسْتَهِلُّ غُسِّلَ وَسُمِّيَ) شَمِلَ مَا تَمَّ خَلْقُهُ، وَلَا خِلَافَ فِي غُسْلِهِ وَمَا لَمْ يَتِمَّ، وَفِيهِ خِلَافٌ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَالْفَتْحِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ. وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِمُصَنِّفِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوَّلِ، وَأَنَّ الثَّانِيَ لَا يُغَسَّلُ إجْمَاعًا. اهـ. وَاغْتَرَّ فِي الْبَحْرِ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ فَحَكَمَ عَلَى مَا فِي الْفَتْحِ وَالْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَارَ تَغْسِيلُهُ بِأَنَّهُ سَبَقَ نَظَرُهُمَا إلَى الَّذِي تَمَّ خَلْقُهُ أَوْ سَهْوٌ مِنْ الْكَاتِبِ. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ وَالْخُلَاصَةِ عَزَاهُ فِي الْمِعْرَاجِ إلَى الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ اهـ وَعَلِمْت نَقْلَهُ أَيْضًا عَنْ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ. وَذَكَرَ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي عُمْدَةِ الْمُفْتِي وَالْفَيْضِ وَالْمَجْمُوعِ وَالْمُبْتَغَى اهـ فَحَيْثُ كَانَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ فَالْمُنَاسِبُ الْحُكْمُ بِالسَّهْوِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَكِنْ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ: يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنَّ مَنْ نَفَى غُسْلَهُ أَرَادَ غُسْلَ الْمُرَاعَى فِيهِ وَجْهُ السُّنَّةِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ أَرَادَ الْغُسْلَ فِي الْجُمْلَةِ كَصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَتَرْتِيبٍ لِفِعْلِهِ كَغُسْلِهِ ابْتِدَاءً بِسِدْرٍ وَحُرْضٍ. اهـ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ حَيْثُ لَمْ يُرَاعُوا فِي تَكْفِينِهِ السُّنَّةَ فَكَذَا غُسْلُهُ (قَوْلُهُ عِنْدَ الثَّانِي) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِذَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ غُسِّلَ لِأَنَّك عَلِمْت أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ إكْرَامًا لِبَنِي آدَمَ) عِلَّةٌ لِلْمَتْنِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْبَحْرِ، وَيَصِحُّ جَعْلُهُ عِلَّةً لِقَوْلِهِ فَيُفْتَى بِهِ (قَوْلُهُ وَحُشِرَ) الْمُنَاسِبُ تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ الَّذِي فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ. وَهَلْ يُحْشَرُ؟ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْكَبِيرِ أَنَّهُ إنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ حُشِرَ، وَإِلَّا لَا. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إنْ اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ فَإِنَّهُ يُحْشَرُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ. اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ تَقْتَضِي حَشْرَهُ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهَا إلَّا فِي نِدَائِهِ فِي الْمَحْشَرِ بِاسْمِهِ. وَذَكَرَ الْعَلْقَمِيُّ فِي حَدِيثِ «سَمُّوا أَسْقَاطَكُمْ فَإِنَّهُمْ فَرَطَكُمْ» الْحَدِيثَ فَقَالَ: فَائِدَةٌ سَأَلَ بَعْضُهُمْ هَلْ يَكُونُ السِّقْطُ شَافِعًا، وَمَتَى يَكُونُ شَافِعًا، هَلْ هُوَ مِنْ مَصِيرِهِ عَلَقَةً أَمْ مِنْ ظُهُورِ الْحَمْلِ، أَمْ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَمْ مِنْ نَفْخِ الرُّوحِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعِبْرَةَ إنَّمَا هُوَ بِظُهُورِ خَلْقِهِ وَعَدَمِ ظُهُورِهِ كَمَا حَرَّرَهُ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ تَامَّ الْخَلْقِ أَمْ لَا ط (قَوْلُهُ إنْ انْفَصَلَ بِنَفْسِهِ) أَمَّا إذَا أُفْصِلَ كَمَا إذَا ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَإِنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا أَوْجَبَ الْغُرَّةَ عَلَى الضَّارِبِ فَقَدْ حُكِمَ بِحَيَاتِهِ نَهْرٌ: أَيْ يَرِثُ إذَا مَاتَ أَبُوهُ مَثَلًا قَبْلَ انْفِصَالِهِ (قَوْلُهُ كَصَبِيٍّ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) وَبِالْأَوْلَى إذَا سُبِيَ

стр. 885

لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ أَيْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لَا الْعُقْبَى، لِمَا مَرَّ أَنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. (وَلَوْ سُبِيَ بِدُونِهِ) فَهُوَ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِلدَّارِ أَوْ لِلسَّبْيِ ــ [رد المحتار] مَعَهُمَا، وَالْمَجْنُونُ الْبَالِغُ كَالصَّبِيِّ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الصَّبِيِّ مُمَيِّزًا أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ مَوْتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ السَّابِي مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ مَعَ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ لَا عِبْرَةَ لِلدَّارِ وَلَا لِلسَّابِي، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ إلَى الْبُلُوغِ مَا لَمْ يُحْدِثْ إسْلَامًا وَهُوَ مُمَيِّزٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ. اهـ. ح. وَقَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّحْرِيرِ فِي فَصْلِ الْحَاكِمِ بَعْدَ ذِكْرِهِ التَّبَعِيَّةَ مَا نَصُّهُ: الَّذِي فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ: وَيَسْتَوِي فِيمَا قُلْنَا أَنْ يَعْقِلَ أَوْ لَا يَعْقِلَ إلَى هَذَا أَشَارَ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، فَلَا جَرْمَ أَنْ قَالَ فِي شَرْحِهِ أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ يُجْعَلُ مُسْلِمًا تَبَعًا سَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ عَاقِلًا أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا اهـ. وَذَكَرَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَنَّهُ لَوْ سُبِيَ مَعَ الْجَدِّ أَبِي الْأَبِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) تَصْرِيحٌ بِالْمَقْصُودِ مِنْ التَّشْبِيهِ (قَوْلُهُ: لَا الْعُقْبَى) وَإِلَّا كَانُوا فِي النَّارِ مِثْلَهُمْ، وَهُوَ أَحَدُ مَا قِيلَ فِيهِمْ. وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ ط وَقَدَّمْنَا تَمَامَهُ فِيمَا مَرَّ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سُبِيَ بِدُونِهِ) أَيْ بِدُونِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ح. قُلْت: الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ مَا يَشْمَلُ الْحُكْمِيَّةَ، لِمَا فِي سِيَرِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ: وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الْإِسْلَامِ ذِمِّيًّا ثُمَّ سُبِيَ ابْنُهُ لَا يَصِيرُ الِابْنُ مُسْلِمًا بِالدَّارِ. اهـ. وَفِيهِ: وَإِذَا سَبَى الْمُسْلِمُونَ صِبْيَانَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَهُمْ بَعْدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَدَخَلَ آبَاؤُهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ وَأَسْلَمُوا فَأَبْنَاؤُهُمْ صَارُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ آبَائِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ اهـ وَهَذَا يُفِيدُ تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا لَمْ يُسْلِمْ أَبُوهُ (قَوْلُهُ: تَبَعًا لِلدَّارِ) أَيْ إنْ كَانَ السَّابِي ذِمِّيًّا، أَوْ لِلسَّابِي إنْ كَانَ مُسْلِمًا، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَاقْتَصَرَ فِي الْبَحْرِ عَلَى تَبَعِيَّةِ الدَّارِ، قَالَ: لِأَنَّ فَائِدَةَ تَبَعِيَّةِ السَّابِي إنَّمَا تَظْهَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِأَنْ وَقَعَ صَبِيٌّ فِي سَهْمِ رَجُلٍ وَمَاتَ الصَّبِيُّ يُصَلَّى عَلَيْهِ تَبَعًا لِلسَّابِي، وَالْكَلَامُ فِي السَّبْيِ، وَهُوَ لُغَةً الْأَسْرَى الْمَحْمُولُونَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ حَتَّى يُسَمَّى سَبْيًا وَلَمْ يُوجَدْ. اهـ. أَقُولُ: لَكِنْ الَّذِي فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ أَنَّهُ يُقَالُ: سَبَيْت الْعَدُوَّ سَبْيًا إذَا أَسَرْته فَهُوَ سَبْيٌ وَهِيَ سَبْيٌ، وَيُقَالُ سَبَيْت الْخَمْرَ سَبْيًا إذَا حَمَلْتهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَهِيَ سَبِيَّةٌ اهـ فَجَعَلَا الْحَمْلَ قَيْدًا فِي الْخَمْرَةِ دُونَ الْأَسِيرِ تَأَمَّلْ، نَعَمْ ذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي أَوَاخِرِ شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ شَرْطًا خَارِجًا عَنْ مَفْهُومِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ سُبِيَ وَحْدَهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلدَّارِ أَوْ يَقْسِمُ الْإِمَامُ الْغَنَائِمَ، أَوْ يَبِيعُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلْمَالِكِ لِأَنَّ تَأْثِيرَ التَّبَعِيَّةِ لِلْمَالِكِ فَوْقَ تَأْثِيرِ التَّبَعِيَّةِ لِلدَّارِ، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ ذِمِّيًّا بِأَنْ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ رَضَخَ فَكَذَلِكَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَحَتَّى لَوْ مَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُجْبَرُ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعِهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرَزًا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ مَلَكَهُ بِإِحْرَازِهِمْ إيَّاهُ فَصَارَ تَمَامُ الْإِحْرَازِ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ كَتَمَامِهِ بِلَا خَرَاجٍ إلَى دَارِنَا؛ وَلَوْ دَخَلَ الذِّمِّيُّ دَارَ الْحَرْبِ مُتَلَصِّصًا وَأَخْرَجَ صَغِيرًا إلَى دَارِنَا فَهُوَ مُسْلِمٌ يُجْبَرُ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَهُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِنَا فَصَارَ كَالْمُنَفَّلِ بِأَنْ قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ أَصَابَ رَأْسًا فَهُوَ لَهُ فَأَصَابَ الذِّمِّيُّ صَغِيرًا لَيْسَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَهُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ الذِّمِّيُّ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى صَغِيرًا مِنْ مَمَالِيكِهِمْ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ لَا بِمَنْعَتِنَا، فَإِذَا أَخْرَجَهُ إلَيْنَا لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، أَمَّا لَوْ كَانَ الشَّارِي مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا وَحْدَهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَتَبَعِيَّةُ الْمَالِكِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي هَذَا، فَإِذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا فَالْمَمْلُوكُ مِثْلُهُ تَبَعًا لَهُ أَوْ ذِمِّيًّا فَهُوَ مِثْلُهُ اهـ مُلَخَّصًا.

стр. 886

(أَوْ بِهِ فَأَسْلَمَ هُوَ أَوْ) أَسْلَمَ (الصَّبِيُّ وَهُوَ عَاقِلٌ) أَيْ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ (صُلِّيَ عَلَيْهِ) لِصَيْرُورَتِهِ مُسْلِمًا. قَالُوا: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ الْعَامِّيَّ عَنْ الْإِسْلَامِ بَلْ يَذْكُرُ عِنْدَهُ حَقِيقَتَهُ، وَمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُصَدِّقٌ بِهَذَا؟ فَإِذَا قَالَ نَعَمْ اُكْتُفِيَ بِهِ. وَلَا يَضُرُّ تَوَقُّفُهُ فِي جَوَابِ مَا الْإِيمَانُ مَا الْإِسْلَامُ فَتْحٌ. (وَيُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ وَيُكَفِّنُ وَيَدْفِنُ قَرِيبَهُ) كَخَالِهِ (الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ) أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيُلْقَى فِي حُفْرَةٍ كَالْكَلْبِ (عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ) فَلَوْ لَهُ قَرِيبٌ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ لَهُمْ (مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ) فَيُغَسِّلُهُ غَسْلَ الثَّوْبِ النَّجَسِ وَيَلُفُّهُ فِي خِرْقَةٍ ــ [رد المحتار] وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ السَّلَامِ تَبَعًا لِلدَّارِ أَوْ بِالْمِلْكِ بِقِسْمَةٍ أَوْ بَيْعٍ مِنْ الْإِمَامِ تَبَعًا لِلْمَالِكِ لَوْ مُسْلِمًا أَوْ لِلْغَانِمِينَ لَوْ ذِمِّيًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْت: وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ تَمَامَ الْإِحْرَازِ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ كَتَمَامِهِ بِلَا خَرَاجٍ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا مَلَكَهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ، فَإِذَا مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُصَلَّى عَلَيْهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: أَوْ بِهِ) أَيْ سُبِيَ بِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَيْ مَعَهُ ح (قَوْلُهُ: فَأَسْلَمَ هُوَ) أَيْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ ح أَيْ فَإِنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَلَدِ مُمَيِّزًا أَوْ لَا كَمَا مَرَّ. وَنَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي بَابِ نِكَاحِ الْكَافِرِ قَوْلَيْنِ، وَأَنَّ الشَّلَبِيَّ أَفْتَى بِاشْتِرَاطِ عَدَمِ التَّمْيِيزِ، لَكِنْ صَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَقُولُ: وَبَقِيَ مَا لَوْ سُبِيَ مَعَهُ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَمَاتَا ثُمَّ أُخْرِجَ إلَى دَارِنَا وَحْدَهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ بِمَوْتِهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ تَبَعًا لَهُمَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ أَوْ الْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ، كَذَا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ عَاقِلٌ) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ أَوْ أَسْلَمَ الصَّبِيُّ لِأَنَّ كَلَامَ غَيْرِ الْعَاقِلِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِعَدَمِ صُدُورِهِ عَنْ قَصْدٍ (قَوْلُهُ أَيْ ابْنِ سَبْعِ سِنِينَ) تَفْسِيرٌ لِلْعَاقِلِ الَّذِي يَصِحُّ إسْلَامُهُ بِنَفْسِهِ، وَعَزَاهُ فِي النَّهْرِ إلَى فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ، وَفَسَّرَهُ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنْ يَعْقِلَ الْمَنَافِعَ وَالْمَضَارَّ. وَأَنَّ الْإِسْلَامَ هُدًى وَاتِّبَاعُهُ خَيْرٌ لَهُ، وَفَسَّرَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنْ يَعْقِلَ صِفَةَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَا فِي الْحَدِيثِ «أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» قَالَ: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " لَا يُوجِبُ الْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ مَا لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا ذَكَرْنَا، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِذَلِكَ إذَا فُصِّلَ لَهُ وَطُلِبَ مِنْهُ الْإِيمَانُ بِهِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي، فَلَوْ أَنْكَرَهُ أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِقْرَارِ بِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ لَا يَكْفِيهِ قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْتَفِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " وَبِالْإِقْرَارِ بِرِسَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ إلْزَامٍ بِتَفْصِيلِ الْمُؤْمَنِ بِهِ، نَعَمْ قَدْ يُشْتَرَطُ الْإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعًا أَوْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ يُشْتَرَطُ التَّبَرُّؤُ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَدْيَانِ الْمُخَالِفَةِ أَيْضًا عَلَى مَا سَيَجِيءُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - تَفْصِيلُهُ فِي بَابِ الرِّدَّةِ عِنْدَ ذِكْرِ الشَّارِحِ هُنَاكَ أَنَّ الْكُفَّارَ خَمْسَةُ أَصْنَافٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَضُرُّ تَوَقُّفُهُ إلَخْ) فَإِنَّ الْعَوَّامَ قَدْ يَقُولُونَ: لَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالْإِقْرَارِ وَالْخَوْفِ مِنْ النَّارِ وَطَلَبِ الْجَنَّةِ بِمَكَانٍ، وَكَأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بِكَلَامٍ خَاصٍّ مَنْظُومٍ فَيُحْجِمُونَ عَنْ الْجَوَابِ بَحْرٌ عَنْ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَيُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ) أَيْ جَوَازًا لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْغُسْلِ كَوْنَ الْمَيِّتِ مُسْلِمًا. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: حَتَّى لَا يَجِبَ غُسْلُ الْكَافِرِ لِأَنَّ الْغُسْلَ وَجَبَ كَرَامَةً وَتَعْظِيمًا لِلْمَيِّتِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ قَرِيبَهُ) مَفْعُولٌ تَنَازَعَ فِيهِ الْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ كَخَالِهِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَرِيبِ مَا يَشْمَلُ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ) قَيَّدَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الْجَلَّابِيِّ فِي بَابِ الشَّهِيدِ بِغَيْرِ الْحَرْبِيِّ ط (قَوْلُهُ فَيُلْقَى فِي حُفْرَةٍ) أَيْ وَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُكَفَّنُ؛ وَلَا يُدْفَعُ إلَى مَنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِهِمْ بَحْرٌ عَنْ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ فَلَوْ لَهُ قَرِيبٌ) أَيْ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ) قَيْدٌ لِلْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ

стр. 887

وَيُلْقِيهِ فِي حُفْرَةٍ وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ غُسْلُ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ: (وَإِذَا حَمَلَ الْجِنَازَةَ وَضَعَ) نَدْبًا (مُقَدِّمَهَا) بِكَسْرِ الدَّالِ وَتُفْتَحُ وَكَذَا الْمُؤَخَّرُ (عَلَى يَمِينِهِ) عَشْرَ خُطُوَاتٍ لِحَدِيثِ «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً أَرْبَعِينَ خُطْوَةً كَفَّرَتْ عَنْهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً» (ثُمَّ) وَضَعَ (مُؤَخِّرَهَا) عَلَى يَمِينِهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ مُقَدِّمَهَا عَلَى يَسَارِهِ ثُمَّ مُؤَخِّرَهَا كَذَلِكَ، فَيَقَعُ الْفَرَاغُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ فَيَمْشِي خَلْفَهَا؛ وَصَحَّ «أَنَّهُ ﵊ حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» وَيُكْرَهُ عِنْدَنَا حَمْلُهُ بَيْنَ عَمُودِيِّ السَّرِيرِ بَلْ يَرْفَعُ كُلُّ رَجُلٍ قَائِمَةً بِالْيَدِ لَا عَلَى الْعُنُقِ كَالْأَمْتِعَةِ، وَلِذَا كُرِهَ حَمْلُهُ عَلَى ظَهْرٍ وَدَابَّةٍ (وَالصَّبِيُّ الرَّضِيعُ أَوْ الْفَطِيمُ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا يَحْمِلُهُ وَاحِدٌ عَلَى يَدَيْهِ) وَلَوْ رَاكِبًا (وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا حُمِلَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَيُسْرَعُ بِهَا بِلَا خَبَبٍ) أَيْ عَدْوٍ سَرِيعٍ ــ [رد المحتار] كَمَا أَفَادَهُ بِالتَّفْرِيعِ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ إلَخْ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ فَيَتَوَلَّى تَجْهِيزَهُ الْمُسْلِمُونَ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَافِرُ فِي قَبْرِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ لِيَدْفِنَهُ بَحْرٌ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ بَيْنَ نِسَاءٍ مَعَهُنَّ كَافِرٌ يُعَلِّمْنَهُ الْغُسْلَ ثُمَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَتَغْسِيلُ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ تَجْهِيزِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ عَدَمِهَا خِلَافًا لِلزَّيْلَعِيِّ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ. مَطْلَبٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ وَإِذَا حَمَلَ الْجِنَازَةَ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ حَمْلِهَا، وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى الصَّلَاةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْبَدَائِعِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهَا غَالِبًا (قَوْلُهُ نَدْبًا) لِأَنَّ فِيهِ إيثَارًا لِلْيَمِينِ وَالْمُقَدَّمِ عَلَى الْيَسَارِ وَالْمُؤَخَّرِ (قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الدَّالِ وَتُفْتَحُ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْكَسْرَ أَفْصَحُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْغَايَةِ، لَكِنَّ الْكَسْرَ مَعَ التَّخْفِيفِ وَالْفَتْحَ مَعَ التَّشْدِيدِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، حَيْثُ قَالَ مُقَدَّمُ الرِّجْلِ كَمُحَسَّنٍ وَمُعَظَّمٍ (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ مَنْ حَمَلَ إلَخْ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ ثُمَّ مُقَدَّمُهَا ثُمَّ مُؤَخَّرُهَا ط وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَنَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَرْبَعِينَ خُطْوَةً لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّارُ (قَوْلُهُ كَفَّرَتْ عَنْهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً) بِبِنَاءِ كَفَّرَتْ لِلْفَاعِلِ، وَضَمِيرُهُ لِلْجِنَازَةِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ: أَيْ حَمْلُهَا، وَالْكَبِيرَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى الصَّغِيرَةِ لِأَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ صَغِيرٌ بِالنَّظَرِ لِمَا فَوْقَهُ، كَبِيرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَحْتَهُ، أَوْ الْمُرَادُ بِالْكَبِيرَةِ حَقِيقَتُهَا، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْكَبَائِرَ لَا تُكَفَّرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ أَوْ بِمَحْضِ الْفَضْلِ أَوْ بِالْحَجِّ الْمَبْرُورِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَرِدْ النَّصُّ فِيهِ ط وَسَيَأْتِي تَمَامُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى (قَوْلُهُ كَذَلِكَ) أَيْ عَشْرَ خُطُوَاتٍ، وَهِيَ مَعْنَى كَذَلِكَ الثَّانِيَةِ، وَيَمِينُ الْحَامِلِ يَمِينُ الْمَيِّتِ، وَيَسَارُ الْجِنَازَةِ، وَيَسَارُهُ يَسَارُهُ وَيَمِينُ الْجِنَازَةِ قُهُسْتَانِيٌّ ط (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ عِنْدَنَا إلَخْ) لِأَنَّ السُّنَّةَ التَّرْبِيعُ بَحْرٌ، وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ إنْ ثَبَتَ فَلِعَارِضٍ كَضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ كَثْرَةِ النَّاسِ أَوْ قِلَّةِ الْحَامِلِينَ كَمَا بَسَطَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ قَائِمَةً) أَيْ مِنْ قَوَائِمِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ (قَوْلُهُ بِالْيَدِ) أَيْ ثُمَّ يَضَعُ عَلَى الْعُنُقِ، وَقَوْلُهُ: لَا عَلَى الْعُنُقِ: أَيْ ابْتِدَاءً كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا. اهـ. ح. وَفِي الْحِلْيَةِ أَوْ يَرْفَعُونَهُ أَخْذًا بِالْيَدِ لَا وَضْعًا عَلَى الْعُنُقِ كَمَا تُحْمَلُ الْأَثْقَالُ، ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اهـ وَالْمُرَادُ بِالْعُنُقِ الْكَتِفُ كَمَا قَالَ ط (قَالَ وَلِذَا إلَخْ) عِلَّةٌ لِمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ أَنَّ حَمْلَهُ كَالْأَمْتِعَةِ مَكْرُوهٌ ط (قَوْلُهُ: يَحْمِلُهُ وَاحِدٌ عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ وَيَتَدَاوَلُهُ النَّاسُ بِالْحَمْلِ عَلَى أَيْدِيهِمْ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَيُسْرِعُ بِهَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَضَعَ مُقَدَّمَهَا (قَوْلُهُ بِلَا خَبَبٍ) بِمُعْجَمَةِ مَفْتُوحَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ.

стр. 888

وَلَوْ بِهِ كُرِهَ (وَكُرِهَ تَأْخِيرُ صَلَاتِهِ وَدَفْنِهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) إلَّا إذَا خِيفَ فَوْتُهَا بِسَبَبِ دَفْنِهِ قُنْيَةٌ (كَمَا كُرِهَ) لِمُتَّبِعِهَا (جُلُوسٌ قَبْلَ وَضْعِهَا) وَقِيَامٌ بَعْدَهُ (وَلَا يَقُومُ مَنْ فِي الْمُصَلَّى لَهَا إذَا رَآهَا) قَبْلَ وَضْعِهَا وَلَا مَنْ مَرَّتْ عَلَيْهِ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ مَنْسُوخٌ زَيْلَعِيٌّ (وَنُدِبَ الْمَشْيُ خَلْفَهَا) لِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا نِسَاءٌ فَالْمَشْيُ أَمَامَهَا أَحْسَنُ اخْتِيَارٌ. وَيُكْرَهُ خُرُوجُهُنَّ تَحْرِيمًا، وَتُزْجَرُ النَّائِحَةُ، وَلَا يُتْرَكُ اتِّبَاعُهَا لِأَجْلِهَا، ــ [رد المحتار] وَحَدُّ التَّعْجِيلِ الْمَسْنُونِ أَنْ يُسْرِعَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَضْطَرِبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ لِلْحَدِيثِ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَدَّمْتُمُوهَا إلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعَجِّلَ بِتَجْهِيزِهِ كُلِّهِ مِنْ حِينِ يَمُوتُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِهِ كُرِهَ) لِأَنَّهُ ازْدِرَاءٌ بِالْمَيِّتِ وَإِضْرَارٌ بِالْمُتَّبِعِينَ بَحْرٌ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا خِيفَ إلَخْ) فَيُؤَخَّرُ الدَّفْنُ وَتُقَدَّمُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَالْجِنَازَةِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَالْقِيَاسُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْعِيدِ، لَكِنَّهُ قُدِّمَ مَخَافَةَ التَّشْوِيشِ، وَكَيْ لَا يَظُنَّهَا مَنْ فِي أُخْرَيَاتِ الصُّفُوفِ أَنَّهَا صَلَاةُ الْعِيدِ بَحْرٌ عَنْ الْقُنْيَةِ. وَمُفَادُهُ تَقْدِيمُ الْجُمُعَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَلِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، بَلْ الْفَتْوَى عَلَى تَقْدِيمِ سُنَّتِهَا عَلَيْهَا، وَمَرَّ تَمَامُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ صَلَاةِ الْعِيدِ (قَوْلُهُ: جُلُوسٌ قَبْلَ وَضْعِهَا) لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ كَمَا فِي السِّرَاجِ نَهْرٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ وَقِيَامٌ بَعْدَهُ) أَيْ يُكْرَهُ الْقِيَامُ بَعْدَ وَضْعِهَا عَنْ الْأَعْنَاقِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْعِنَايَةِ. وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَجْلِسُوا حَتَّى يُسَوُّوا عَلَيْهِ التُّرَابَ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِمَا فِي الْبَدَائِعِ: لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بَعْدَ الْوَضْعِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَجْلِسُ حَتَّى يُوضَعَ الْمَيِّتُ فِي اللَّحْدِ، فَكَانَ قَائِمًا مَعَ أَصْحَابِهِ عَلَى رَأْسِ قَبْرٍ فَقَالَ يَهُودِيٌّ: هَكَذَا نَصْنَعُ بِمَوْتَانَا، فَجَلَسَ ﷺ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: خَالِفُوهُمْ» أَيْ فِي الْقِيَامِ، فَلِذَا كُرِهَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ وَمَا وَرَدَ فِيهِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ» . اهـ. ح قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ: أَيْ تَصِيرُونَ وَرَاءَهَا غَائِبِينَ عَنْهَا. اهـ. مَدَنِيٌّ (قَوْلُهُ مَنْسُوخٌ) أَيْ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَعَدَ» وَلِمُسْلِمٍ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ " قَدْ كَانَ ثُمَّ نُسِخَ " شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ) يُشِيرُ إلَى مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ» قَالَ عَلِيٌّ: الْإِتْبَاعُ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى التَّالِي، وَلَا يُسَمَّى الْمُقَدَّمُ تَابِعًا بَلْ هُوَ مَتْبُوعٌ، وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ لَا لِلْوُجُوبِ لِلْإِجْمَاعِ. وَعَنْ عَلِيٍّ: قَدِّمْهَا بَيْنَ يَدَيْك وَاجْعَلْهَا نُصْبَ عَيْنَيْك، فَإِنَّمَا هِيَ مَوْعِظَةٌ وَتَذْكِرَةٌ وَعِبْرَةٌ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا نِسَاءٌ) الظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا خَشِيَ الِاخْتِلَاطَ مَعَهُنَّ أَوْ كَانَ فِيهِنَّ نَائِحَةٌ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ خُرُوجُهُنَّ تَحْرِيمًا) لِقَوْلِهِ ﵊ «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، لَكِنْ يُعَضِّدُهُ الْمَعْنَى الْحَادِثُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ الَّذِي أَشَارَتْ إلَيْهِ عَائِشَةُ بِقَوْلِهَا: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَهَذَا فِي نِسَاءِ زَمَانِهَا، فَمَا ظَنُّك بِنِسَاءِ زَمَانِنَا. وَأَمَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا» أَيْ أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ الزَّمَنِ حَيْثُ كَانَ يُبَاحُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ لِلْمَسَاجِدِ وَالْأَعْيَادِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَتُزْجَرُ النَّائِحَةُ) وَكَذَا الصَّائِحَةُ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَلَا يُتْرَكُ اتِّبَاعُهَا لِأَجْلِهَا) أَيْ لِأَجْلِ النَّائِحَةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تُتْرَكُ بِمَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنْ الْبِدْعَةِ.

стр. 889

وَلَا يَمْشِي عَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا (وَلَوْ مَشَى أَمَامَهَا جَازَ) وَفِيهِ فَضِيلَةٌ أَيْضًا (وَ) لَكِنْ (إنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا أَوْ تَقَدَّمَ الْكُلُّ) أَوْ رَكِبَ أَمَامَهَا (كُرِهَ) كَمَا كُرِهَ فِيهَا رَفْعُ صَوْتٍ بِذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ فَتْحٌ (وَحَفْرُ قَبْرِهِ) ــ [رد المحتار] وَلَا يَرِدُ الْوَلِيمَةَ - حَيْثُ يَتْرُكُ حُضُورَهَا لِبِدْعَةٍ فِيهَا - لِلْفَارِقِ، بِأَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوا الْمَشْيَ مَعَ الْجِنَازَةِ لَزِمَ عَدَمُ انْتِظَامِهَا، وَلَا كَذَلِكَ الْوَلِيمَةُ لِوُجُودِ مَنْ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاتِّبَاعِهَا الْمَشْيُ مَعَهَا مُطْلَقًا لَا خُصُوصُ الْمَشْيِ خَلْفَهَا، بَلْ يُتْرَكُ الْمَشْيُ خَلْفَهَا إذَا كَانَتْ نَائِحَةً، لِمَا مَرَّ عَنْ الِاخْتِيَارِ، وَيَحْصُلُ التَّوْفِيقُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَمْشِي عَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا) كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: لَا بَأْسَ بِهِ، فَأَفَادَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ وَهُوَ اتِّبَاعُهَا (قَوْلُهُ جَازَ) أَيْ بِلَا كَرَاهَةٍ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ وَفِيهِ فَضِيلَةٌ أَيْضًا) أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ: إنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا) أَيْ بِحَيْثُ يُعَدُّ مَاشِيًا وَحْدَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ تَقَدَّمَ الْكُلُّ) أَيْ وَتَرَكُوهَا خَلْفَهُمْ لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ (قَوْلُهُ أَوْ رَكِبَ أَمَامَهَا) لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِمَنْ خَلْفَهُ بِإِثَارَةِ الْغُبَارِ، أَمَّا الرُّكُوبُ خَلْفَهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَالْمَشْيُ أَفْضَلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ كُرِهَ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ رَمْلِيٌّ. أَقُولُ: لَكِنْ إنْ تَحَقَّقَ الضَّرَرُ بِالرُّكُوبِ أَمَامَهَا فَهِيَ تَحْرِيمِيَّةٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: كَمَا كُرِهَ إلَخْ) قِيلَ تَحْرِيمًا، وَقِيلَ تَنْزِيهًا كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْغَايَةِ. وَفِيهِ عَنْهَا: وَيَنْبَغِي لِمَنْ تَبِعَ الْجِنَازَةَ أَنْ يُطِيلَ الصَّمْتَ. وَفِيهِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ - تَعَالَى - يَذْكُرُهُ فِي نَفْسِهِ ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] أَيْ الْجَاهِرِينَ بِالدُّعَاءِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَمْشِي مَعَهَا اسْتَغْفِرُوا لَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. اهـ. قُلْت: وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فَمَا ظَنُّك بِالْغِنَاءِ الْحَادِثِ فِي هَذَا الزَّمَانِ. [مطلب فِي دفن الْمَيِّت] (قَوْلُهُ وَحَفْرُ قَبْرِهِ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي مَسَائِلِ الدَّفْنِ. وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ أَمْكَنَ إجْمَاعًا حِلْيَةٌ. وَاحْتَرَزَ بِالْإِمْكَانِ عَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ كَمَا لَوْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ كَمَا يَأْتِي. وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ دَفْنُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِبِنَاءٍ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا صَرِيحًا، وَأَشَارَ بِإِفْرَادِ الضَّمِيرِ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَهَذَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَكَذَا بَعْدَهُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَلَا يُحْفَرُ قَبْرٌ لِدَفْنِ آخَرَ إلَّا إنْ بَلِيَ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَظْمٌ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ فَتُضَمُّ عِظَامُ الْأَوَّلِ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ. وَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الْفَسَاقِيِ اهـ وَهِيَ كَبَيْتٍ مَعْقُودٍ بِالْبِنَاءِ يَسَعُ جَمَاعَةً قِيَامًا لِمُخَالَفَتِهَا السُّنَّةَ إمْدَادٌ. وَالْكَرَاهَةُ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ: عَدَمِ اللَّحْدِ، وَدَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَاخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ بِلَا حَاجِزٍ، وَتَجْصِيصِهَا، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا بَحْرٌ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَخُصُوصًا إنْ كَانَ فِيهَا مَيِّتٌ لَمْ يَبْلُ؛ وَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْحَفَّارِينَ مِنْ نَبْشِ الْقُبُورِ الَّتِي لَمْ تَبْلُ أَرْبَابُهَا، وَإِدْخَالِ أَجَانِبَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ مِنْ الْمُنْكَرِ الظَّاهِرِ، وَلَيْسَ مِنْ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ لِجَمْعِ مَيِّتَيْنِ فَأَكْثَرَ ابْتِدَاءً فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ قَصْدَ دَفْنِ الرَّجُلِ مَعَ قَرِيبِهِ أَوْ ضِيقِ الْمَحَلِّ فِي تِلْكَ الْمَقْبَرَةِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُتَبَرَّكُ بِالدَّفْنِ فِيهَا فَضْلًا عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ مُبِيحًا لِلنَّبْشِ، وَإِدْخَالِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ قَبْلَ الْبِلَى مَعَ مَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ، وَتَفْرِيقِ أَجْزَائِهِ، فَالْحَذَرُ مِنْ ذَلِكَ اهـ: وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَوْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَصَارَ تُرَابًا جَازَ دَفْنُ غَيْرِهِ فِي قَبْرِهِ وَزَرْعُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ اهـ. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَيُخَالِفُهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا صَارَ الْمَيِّتُ تُرَابًا فِي الْقَبْرِ يُكْرَهُ دَفْنُ غَيْرِهِ فِي قَبْرِهِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ، وَإِنْ جَمَعُوا عِظَامَهُ فِي نَاحِيَةٍ ثُمَّ دُفِنَ غَيْرُهُ فِيهِ تَبَرُّكًا بِالْجِيرَانِ الصَّالِحِينَ، وَيُوجَدُ مَوْضِعٌ فَارِغٌ يُكْرَهُ ذَلِكَ. اهـ.

стр. 890

فِي غَيْرِ دَارٍ (مِقْدَارَ نِصْفِ قَامَةٍ) فَإِنْ زَادَ فَحَسَنٌ (وَيُلْحَدُ وَلَا يُشَقُّ) إلَّا فِي أَرْضٍ رَخْوَةٍ (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُوضَعَ فِيهِ مُضْرِبَةٌ) وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فَغَيْرُ مَشْهُورٍ لَا يُؤْخَذُ بِهِ ظَهِيرِيَّةٌ (وَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ تَابُوتٍ) ــ [رد المحتار] قُلْت: لَكِنْ فِي هَذَا مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْأَوْلَى إنَاطَةُ الْجَوَازِ بِالْبِلَى إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ لِكُلِّ مَيِّتٍ قَبْرٌ لَا يُدْفَنُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ صَارَ الْأَوَّلُ تُرَابًا لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْصَارِ الْكَبِيرَةِ الْجَامِعَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَعُمَّ الْقُبُورُ السَّهْلَ وَالْوَعْرَ، عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْحَفْرِ إلَى أَنْ يَبْقَى عَظْمٌ عَسِرٌ جِدًّا وَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي جَعْلِهِ حُكْمًا عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ فَتَأَمَّلْ. [تَتِمَّةٌ] قَالَ فِي الْأَحْكَامِ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُقْبَرَ الْمُسْلِمُ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلَامَاتِهِمْ شَيْءٌ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ عِظَامِهِمْ شَيْءٌ تُنْبَشُ وَتُرْفَعُ الْآثَارُ وَتُتَّخَذُ مَسْجِدًا، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ قَبْلُ مَقْبَرَةَ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ» كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ دَارٍ) يُغْنِي عَنْهُ مَا يَأْتِي مَتْنًا (قَوْلُهُ مِقْدَارُ نِصْفِ قَامَةٍ إلَخْ) أَوْ إلَى حَدِّ الصَّدْرِ، وَإِنْ زَادَ إلَى مِقْدَارِ قَامَةٍ فَهُوَ أَحْسَنُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْأَدْنَى نِصْفُ الْقَامَةِ وَالْأَعْلَى الْقَامَةُ، وَمَا بَيْنَهُمَا شَرْحُ الْمُنْيَةِ، وَهَذَا حَدُّ الْعُمْقِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي مَنْعِ الرَّائِحَةِ وَنَبْشِ السِّبَاعِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَطُولُهُ عَلَى قَدْرِ طُولِ الْمَيِّتِ، وَعَرْضُهُ عَلَى قَدْرِ نِصْفِ طُولِهِ (قَوْلُهُ: وَيُلْحَدُ) لِأَنَّهُ السُّنَّةُ وَصِفَتُهُ أَنْ يُحْفَرَ الْقَبْرُ ثُمَّ يُحْفَرَ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ مِنْهُ حَفِيرَةٌ فَيُوضَعُ فِيهَا الْمَيِّتُ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ كَالْبَيْتِ الْمُسْقَفِ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُشَقُّ) وَصِفَتُهُ أَنْ يُحْفَرَ فِي وَسَطِ الْقَبْرِ حَفِيرَةٌ فَيُوضَعُ فِيهَا الْمَيِّتُ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ إلَّا فِي أَرْضٍ رَخْوَةٍ) فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الشِّقِّ وَاِتِّخَاذِ تَابُوتٍ ط عَنْ الدُّرِّ الْمُنْتَقَى، وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ. وَمُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ أَنَّهُ يُلْحَدُ وَيُوضَعُ التَّابُوتُ فِي اللَّحْدِ لِأَنَّ الْعُدُولَ إلَى الشِّقِّ لِخَوْفِ انْهِيَارِ اللَّحْدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ، فَإِذَا وُضِعَ التَّابُوتُ فِي اللَّحْدِ أُمِنَ انْهِيَارُهُ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَفْرُ اللَّحْدِ تَعَيَّنَ الشَّقُّ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّابُوتِ، إلَّا إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ نَدِيَّةً يُسْرِعُ فِيهَا بِلَى الْمَيِّتِ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ الْغَايَةِ: وَيَكُونُ التَّابُوتُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً أَوْ نَدِيَّةً مَعَ كَوْنِ التَّابُوتِ فِي غَيْرِهَا مَكْرُوهًا فِي قَوْلِ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: يُوضَعُ التَّابُوتُ فِي الشِّقِّ إذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ بِنَاءٌ لِئَلَّا يُرْمَسَ الْمَيِّتُ فِي التُّرَابِ، أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ سَقْفٌ أَوْ بِنَاءٌ مَعْقُودٌ فَوْقَهُ كَقُبُورِ بِلَادِنَا وَلَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ نَدِيَّةً وَلَمْ يُلْحَدْ فَيُكْرَهُ التَّابُوتُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ إلَخْ) أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُوضَعَ تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ مِضْرَبَةٌ أَوْ مِخَدَّةٌ أَوْ حَصِيرٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ اهـ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ إتْلَافُ مَالٍ بِلَا ضَرُورَةٍ، فَالْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَلِذَا عَبَّرَ بِلَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ) يَعْنِي مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ نَهْرٌ. ثُمَّ إنَّ الشَّارِحَ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْمُصَنِّفَ فِي مِنَحِهِ. وَاَلَّذِي وَجَدْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَا عَزَاهُ إلَى الظَّهِيرِيَّةِ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ جُعِلَ فِي قَبْرِهِ ﵊ قَطِيفَةٌ» ، قِيلَ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ سَبِخَةٌ، وَقِيلَ إنَّ الْعَبَّاسَ وَعَلِيًّا تَنَازَعَاهَا فَبَسَطَهَا شُقْرَانُ تَحْتَهُ لِقَطْعِ التَّنَازُعِ، وَقِيلَ «كَانَ ﵊ يَلْبَسُهَا وَيَفْتَرِشُهَا، فَقَالَ شُقْرَانُ: وَاَللَّهِ لَا يَلْبَسُك أَحَدٌ بَعْدَهُ أَبَدًا فَأَلْقَاهَا فِي الْقَبْرِ» (قَوْلُهُ فَغَيْرُ مَشْهُورٍ) أَيْ غَيْرُ ثَابِتٍ عَنْهُ، أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ فِعْلُهُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ لِيَكُونَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ، بَلْ ثَبَتَ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ. فَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ شَيْءٌ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى «لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئًا» . اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ تَابُوتٍ إلَخْ) أَيْ يُرَخَّصُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَإِلَّا كُرِهَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا. قَالَ فِي الْحِلْيَةِ:

стр. 891

وَلَوْ مِنْ حَجَرٍ أَوْ حَدِيدٍ (لَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ) كَرَخَاوَةِ الْأَرْضِ (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُفْرَشَ فِيهِ التُّرَابُ. مَاتَ فِي سَفِينَةٍ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنْ الْبَرِّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْفَنَ) الْمَيِّتُ (فِي الدَّارِ وَلَوْ) كَانَ (صَغِيرًا) لِاخْتِصَاصِ هَذِهِ السُّنَّةِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَاقِعَاتٌ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُدْخَلَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ) بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ جِهَتِهَا ثُمَّ يُحْمَلَ فَيُلْحَدَ (وَ) أَنْ (يَقُولَ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاَللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُوَجَّهَ إلَيْهَا) ــ [رد المحتار] نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْإِمَامِ ابْنِ الْفَضْلِ أَنَّهُ جَوَّزَهُ فِي أَرَاضِيِهِمْ لِرَخَاوَتِهَا: وَقَالَ: لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفْرَشَ فِيهِ التُّرَابُ، وَتُطَيَّنَ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِمَّا يَلِي الْمَيِّتَ، وَيُجْعَلُ اللَّبِنُ الْخَفِيفُ عَلَى يَمِينِ الْمَيِّتِ وَيَسَارِهِ لِيَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْدِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يَنْبَغِي يُسَنُّ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ، بَلْ فِي الْيَنَابِيعِ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يُفْرَشَ فِي الْقَبْرِ التُّرَابُ، ثُمَّ لَمْ يَتَعَقَّبُوا الرُّخْصَةَ فِي اتِّخَاذِهِ مِنْ حَدِيدٍ بِشَيْءٍ، وَلَا شَكَّ فِي كَرَاهَتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْوَجْهِ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُعْمَلُ إلَّا بِالنَّارِ فَيَكُونُ كَالْآجُرِّ الْمَطْبُوخِ بِهَا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَوْ لِلرَّجُلِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ مُطْلَقًا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَقَالَ: وَفِي الْمُحِيطِ: وَاسْتَحْسَنَ مَشَايِخُنَا اتِّخَاذَ التَّابُوتِ لِلنِّسَاءِ، يَعْنِي وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ رَخْوَةً فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إلَى السَّتْرِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَسِّهَا عِنْدَ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ كَرَخَاوَةِ الْأَرْضِ) أَيْ وَكَوْنُهَا نَدِيَّةً، فَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ أَوْ فِي الشِّقِّ إنْ كَانَتْ نَدِيَّةً أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلشِّقِّ سَقْفٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ أَنْ يُفْرَشَ فِيهِ) أَيْ فِي الْقَبْرِ أَوْ فِي اللَّحْدِ كَمَا بَيَّنَّاهُ (قَوْلُهُ وَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَعَنْ أَحْمَدَ يُثْقَلُ لِيَرْسُبَ. وَعَنْ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَإِلَّا شُدَّ بَيْنَ لَوْحَيْنِ لِيَقْذِفَهُ الْبَحْرُ فَيُدْفَنَ. اهـ. (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنْ الْبَرِّ) الظَّاهِرُ تَقْدِيرُهُ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَرِّ مُدَّةٌ يَتَغَيَّرُ الْمَيِّتُ فِيهَا. ثُمَّ رَأَيْت فِي نُورِ الْإِيضَاحِ التَّعْبِيرَ بِخَوْفِ الضَّرَرِ بِهِ (قَوْلُهُ فِي الدَّارِ) كَذَا فِي الْحِلْيَةِ عَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَغَيْرِهَا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الْفَتْحِ وَلَا يُدْفَنُ صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ فِي الْبَيْتِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْأَنْبِيَاءِ، بَلْ يُنْقَلُ إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُدْفَنُ فِي مَدْفِنٍ خَاصٍّ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَبْنِي مَدْرَسَةً وَنَحْوَهَا، وَيَبْنِي لَهُ بِقُرْبِهَا مَدْفِنًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ جِهَتِهَا ثُمَّ يُحْمَلَ) أَيْ فَيَكُونَ الْآخِذُ لَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَالَ الْأَخْذِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ السَّلُّ، بِأَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ عِنْدَ آخِرِ الْقَبْرِ ثُمَّ يُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ مُنْحَدِرًا، وَبَيَانُ الْأَدِلَّةِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْفَتْحِ. وَلَا يَضُرُّ عِنْدَنَا كَوْنُ الدَّاخِلِ فِي الْقَبْرِ وِتْرًا أَوْ شَفْعًا وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ الْوِتْرَ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ فَيُلْحَدُ) وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَبْرُ شِقًّا غَيْرَ مُسْقَفٍ، أَمَّا الْمُسْقَفُ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ السَّلُّ (قَوْلُهُ وَبِاَللَّهِ) زَادَهُ عَلَى مَا فِي الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ، وَالْأَوَّلُ فِي لَفْظٍ لِابْنِ مَاجَهْ وَفِي لَفْظٍ لَهُ بِزِيَادَةٍ «وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ» بَعْدَ قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالُوا: وَالْمَعْنَى بِسْمِ اللَّهِ وَضَعْنَاك، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ سَلَّمْنَاك، ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ: لَيْسَ هَذَا دُعَاءً لِلْمَيِّتِ لِأَنَّهُ إنْ مَاتَ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَدَّلَ حَالُهُ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُبَدَّلْ أَيْضًا، وَلَكِنْ الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَيَشْهَدُونَ بِوَفَاتِهِ عَلَى الْمِلَّةِ، وَعَلَى هَذَا جَرَتْ السُّنَّةُ اهـ حِلْيَةٌ. [تَنْبِيهٌ] فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْوَارِدِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْأَذَانُ عِنْدَ إدْخَالِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ الْآنَ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. وَقَالَ: وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ سُنَّةٌ قِيَاسًا عَلَى نَدْبِهِمَا لِلْمَوْلُودِ إلْحَاقًا لِخَاتِمَةِ الْأَمْرِ بِابْتِدَائِهِ فَلَمْ يُصِبْ. اهـ. وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا وَغَيْرُهُمْ بِكَرَاهَةِ الْمُصَافَحَةِ الْمُعْتَادَةِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ مَعَ أَنَّ الْمُصَافَحَةَ سُنَّةٌ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِكَوْنِهَا لَمْ تُؤْثَرْ فِي خُصُوصِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا فِيهِ تُوهِمُ الْعَوَّامَ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِيهِ، وَلِذَا مَنَعُوا عَنْ الِاجْتِمَاعِ لِصَلَاةِ الرَّغَائِبِ الَّتِي أَحْدَثَهَا بَعْضُ الْمُتَعَبِّدِينَ لِأَنَّهَا لَمْ تُؤْثَرْ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فِي تِلْكَ

стр. 892

وُجُوبًا، وَيَنْبَغِي كَوْنُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَلَا يُنْبَشُ لِيُوَجَّهَ إلَيْهَا (وَتُحَلُّ الْعُقْدَةُ) لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا (وَيُسَوَّى اللَّبِنُ وَالْقَصَبُ لَا الْآجُرُّ) الْمَطْبُوخُ وَالْخَشَبُ لَوْ حَوْلَهُ، أَمَّا فَوْقَهُ فَلَا يُكْرَهُ ابْنُ مَالِكٍ. [فَائِدَةٌ] عَدَدُ لَبِنَاتِ لَحْدِ النَّبِيِّ ﵊ تِسْعٌ بَهْنَسِيٌّ (وَجَازَ) ذَلِكَ حَوْلَهُ (بِأَرْضٍ رَخْوَةٍ) كَالتَّابُوتِ (وَيُسَجَّى) أَيْ يُغَطَّى (قَبْرُهَا) وَلَوْ خُنْثَى (لَا قَبْرُهُ) إلَّا لِعُذْرٍ كَمَطَرٍ (وَيُهَالُ التُّرَابُ عَلَيْهِ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ) مِنْ التُّرَابِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ وَيُسْتَحَبُّ حَثْيُهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا، ــ [رد المحتار] اللَّيَالِي الْمَخْصُوصَةِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ خَيْرَ مَوْضُوعٍ (قَوْلُهُ: وُجُوبًا) أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْهِدَايَةِ: بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَكِنْ لَمْ يَجِدْهُ الْمُخْرِجُونَ. وَفِي الْفَتْحِ أَنَّهُ غَرِيبٌ، وَاسْتُؤْنِسَ لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ تِسْعٌ، فَذَكَرَ مِنْهَا اسْتِحْلَالَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتَكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» . اهـ. قُلْت: وَوَجْهُهُ أَنَّ ظَاهِرَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ فِي وُجُوبِ اسْتِقْبَالِهِ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي التُّحْفَةِ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا يَأْتِي عَقِبَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنْبَشُ لِيُوَجَّهَ إلَيْهَا) أَيْ لَوْ دُفِنَ مُسْتَدْبِرًا لَهَا وَأَهَالُوا التُّرَابَ لَا يُنْبَشُ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْقِبْلَةِ سُنَّةٌ وَالنَّبْشَ حَرَامٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَعْدَ إقَامَةِ اللَّبِنِ قَبْلَ إهَالَةِ التُّرَابِ فَإِنَّهُ يُزَالُ وَيُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ عَنْ يَمِينِهِ حِلْيَةٌ عَنْ التُّحْفَةِ، وَلَوْ بَقِيَ فِيهِ مَتَاعٌ لِإِنْسَانٍ فَلَا بَأْسَ بِالنَّبْشِ ظَهِيرِيَّةٌ (قَوْلُهُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا) لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِخَوْفِ الِانْتِشَارِ عِنْدَ الْحَمْلِ (قَوْلُهُ: وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى اللَّحْدِ بِأَنْ يُسَدَّ مِنْ جِهَةِ الْقَبْرِ وَيُقَامَ اللَّبِنُ فِيهِ حِلْيَةٌ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ: وَالْقَصَبُ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَتُسَدُّ الْفُرَجُ الَّتِي بَيْنَ اللَّبِنِ بِالْمَدَرِ وَالْقَصَبِ كَيْ لَا يَنْزِلَ التُّرَابُ مِنْهَا عَلَى الْمَيِّتِ، وَنَصُّوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْقَصَبِ فِيهَا كَاللَّبِنِ. اهـ. (قَوْلُهُ لَا الْآجُرُّ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَالتَّشْدِيدِ أَشْهَرُ مِنْ التَّخْفِيفِ مِصْبَاحٌ. وَقَوْلُهُ الْمَطْبُوخُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لِلزِّينَةِ وَلَا حَاجَةَ لِلْمَيِّتِ إلَيْهَا وَلِأَنَّهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، فَيُكْرَهُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْمَيِّتِ تَفَاؤُلًا كَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُتْبَعَ قَبْرُهُ بِنَارٍ تَفَاؤُلًا (قَوْلُهُ: لَوْ حَوْلَهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَكَرِهُوا الْآجُرَّ وَأَلْوَاحَ الْخَشَبِ. وَقَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: هَذَا إذَا كَانَ حَوْلَ الْمَيِّتِ، فَلَوْ فَوْقَهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ عِصْمَةً مِنْ السَّبُعِ. وَقَالَ مَشَايِخُ بُخَارَى: لَا يُكْرَهُ الْآجُرُّ فِي بَلْدَتِنَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ لِضَعْفِ الْأَرَاضِي (قَوْلُهُ: عَدَدُ لَبِنَاتِ إلَخْ) نَقَلَهُ أَيْضًا فِي الْأَحْكَامِ عَنْ الشُّمُنِّيِّ عَنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ يُقَالُ عَدَدُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَجَازَ ذَلِكَ) أَيْ الْآجُرُّ وَالْخَشَبُ (قَوْلُهُ: وَيُسَجَّى قَبْرُهَا) أَيْ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ اسْتِحْبَابًا حَالَ إدْخَالِهَا الْقَبْرَ حَتَّى يُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْإِمْدَادِ. وَنَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ صَرَّحَ فِي كِتَابِ الْخُنْثَى أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ. قُلْت: وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ظُهُورُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَمَطَرٍ) أَيْ وَبَرْدٍ وَحَرٍّ وَثَلْجٍ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ: عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ عَلَى الْمَيِّتِ، وَهُوَ أَقْرَبُ لَفْظًا، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ مَعْنًى (قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ) لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» زَادَ أَبُو دَاوُد «أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ» حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ) كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى النَّهْيِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ نَظَرَ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ وَقَالَ: وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ» وَهُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ، فَتُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى الزِّيَادَةِ الْفَاحِشَةِ، وَعَدَمُهَا عَلَى الْقَلِيلَةِ الْمُبَلِّغَةِ لَهُ مِقْدَارَ شِبْرٍ أَوْ مَا فَوْقَهُ قَلِيلًا (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ حَثْيُهُ) أَيْ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا جَوْهَرَةٌ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: حَثَيْت التُّرَابَ حَثْيًا وَحَثَوْته حَثْوًا: إذَا قَبَضْته وَرَمَيْته. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْقَامُوسِ، فَهُوَ وَاوِيٌّ وَيَائِيٌّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا) لِمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى

стр. 893

وَجُلُوسُ سَاعَةٍ بَعْدَ دَفْنِهِ لِدُعَاءٍ وَقِرَاءَةٍ بِقَدْرِ مَا يُنْحَرُ الْجَزُورُ وَيُفَرَّقُ لَحْمُهُ. (وَلَا بَأْسَ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ) حِفْظًا لِتُرَابِهِ عَنْ الِانْدِرَاسِ (وَلَا يُرَبَّعُ) لِلنَّهْيِ (وَيُسَنَّمُ) نَدْبًا. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وُجُوبًا قَدْرَ شِبْرٍ (وَلَا يُجَصَّصُ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَلَا يُطَيَّنُ، وَلَا يُرْفَعُ عَلَيْهِ بِنَاءٌ. وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ) كَمَا فِي كَرَاهَةِ السِّرَاجِيَّةِ. وَفِي جَنَائِزِهَا: لَا بَأْسَ بِالْكِتَابَةِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا حَتَّى لَا يَذْهَبَ الْأَثَرُ وَلَا يُمْتَهَنَ (وَلَا يُخْرَجُ ــ [رد المحتار] عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» شَرْحُ الْمُنْيَةِ. قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَيَقُولُ فِي الْحَثْيَةِ الْأُولَى - ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥]- وَفِي الثَّانِيَةِ - ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]- وَفِي الثَّالِثَةِ - ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]- وَقِيلَ يَقُولُ فِي الْأُولَى: اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لِرُوحِهِ، وَفِي الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ زَوِّجْهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ. وَلِلْمَرْأَةِ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهَا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِك اهـ (قَوْلُهُ: وَجُلُوسٌ إلَخْ) لِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتَهَا. وَرُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ: إذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ رُسُلَ رَبِّي جَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ) بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْدَبَ «لِأَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ بِقَبْرِ سَعْدٍ» كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «وَبِقَبْرِ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ» كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ «وَأَمَرَ بِهِ فِي قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ» كَمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ، فَانْتَفَى مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّطْيِينَ حِلْيَةٌ (قَوْلُهُ: لِلنَّهْيِ) هُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا يَرْفَعُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَرْبِيعِ الْقُبُورِ وَتَجْصِيصِهَا» إمْدَادٌ (قَوْلُهُ وَيُسَنَّمُ) أَيْ يُجْعَلُ تُرَابُهُ مُرْتَفِعًا عَلَيْهِ كَسَنَامِ الْجَمَلِ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ النِّمَارِ " أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا " وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، التَّسْطِيحُ: أَيْ التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وُجُوبًا) هُوَ مُقْتَضَى النَّهْيِ الْمَذْكُورِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ فِيمَا مِنْهُ بُدٌّ مَكْرُوهٌ اهـ لَكِنْ فِي النَّهْرِ أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى. قُلْت: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ شُبْهَةُ الِاخْتِلَافِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى التَّرْبِيعِ فَيَكُونُ النَّهْيُ مَصْرُوفًا عَنْ ظَاهِرِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: قَدْرَ شِبْرٍ) أَوْ أَكْثَرَ شَيْئًا قَلِيلًا بَدَائِعُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُجَصَّصُ) أَيْ لَا يُطْلَى بِالْجَصِّ بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ وَلَا يُرْفَعُ عَلَيْهِ بِنَاءٌ) أَيْ يَحْرُمُ لَوْ لِلزِّينَةِ، وَيُكْرَهُ لَوْ لِلْإِحْكَامِ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَيْسَ بِقَبْرٍ إمْدَادٌ. وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى: وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ الْبِنَاءُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْعُلَمَاءِ وَالسَّادَاتِ اهـ قُلْت: لَكِنْ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَقَابِرِ الْمُسَبَّلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِهِ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ عَقِبَ قَوْلِهِ: وَلَا يُطَيَّنُ لِأَنَّ عِبَارَةَ السِّرَاجِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ الرَّحْمَتِيُّ ذَكَرَ فِي تَجْرِيدِ أَبِي الْفَضْلِ أَنَّ تَطْيِينَ الْقُبُورِ مَكْرُوهٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اهـ وَعَزَاهُ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمِنَحِ أَيْضًا. وَأَمَّا الْبِنَاءُ عَلَيْهِ فَلَمْ أَرَ مَنْ اخْتَارَ جَوَازَهُ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ التَّطْيِينُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ بِنَاءً مِنْ بَيْتٍ أَوْ قُبَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ اهـ نَعَمْ فِي الْإِمْدَادِ عَنْ الْكُبْرَى: وَالْيَوْمَ اعْتَادُوا التَّسْنِيمَ بِاللَّبِنِ صِيَانَةً لِلْقَبْرِ عَنْ النَّبْشِ، وَرَأَوْا ذَلِكَ حَسَنًا. وَقَالَ ﷺ «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» . اهـ. (قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِالْكِتَابَةِ إلَخْ) لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا وَإِنْ صَحَّ فَقَدْ وُجِدَ الْإِجْمَاعُ الْعَمَلِيُّ بِهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ النَّهْيَ عَنْهَا مِنْ طُرُقٍ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْأَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ

стр. 894

مِنْهُ) بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ (إلَّا) لِحَقِّ آدَمِيٍّ كَ (أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً أَوْ أُخِذَتْ بِشُفْعَةٍ) وَيُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ إخْرَاجِهِ وَمُسَاوَاتِهِ بِالْأَرْضِ كَمَا جَازَ زَرْعُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ إذَا بَلِيَ وَصَارَ تُرَابًا زَيْلَعِيٌّ. (حَامِلٌ مَاتَتْ وَوَلَدُهَا حَيٌّ) يَضْطَرِبُ (شُقَّ بَطْنُهَا) مِنْ الْأَيْسَرِ (وَيُخْرَجُ وَلَدُهَا) وَلَوْ بِالْعَكْسِ وَخِيفَ عَلَى الْأُمِّ قُطِعَ وَأُخْرِجَ وَلَوْ مَيِّتًا وَإِلَّا لَا كَمَا فِي كَرَاهَةِ الِاخْتِيَارِ. وَلَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ وَمَاتَ هَلْ يُشَقُّ قَوْلَانِ، وَالْأَوْلَى نَعَمْ فَتْحٌ. ــ [رد المحتار] وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ مَكْتُوبٌ عَلَى قُبُورِهِمْ، وَهُوَ عَمَلٌ أَخَذَ بِهِ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ اهـ وَيَتَقَوَّى بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَمَلَ حَجَرًا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ: أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ تَابَ مِنْ أَهْلِي» فَإِنَّ الْكِتَابَةَ طَرِيقٌ إلَى تَعَرُّفِ الْقَبْرِ بِهَا، نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ هَذَا الْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ عَلَى الرُّخْصَةِ فِيهَا مَا إذَا كَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى الْكِتَابَةِ، حَتَّى لَا يَذْهَبَ الْأَثَرُ وَلَا يُمْتَهَنَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. فَأَمَّا الْكِتَابَةُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا اهـ حَتَّى إنَّهُ يُكْرَهُ كِتَابَةُ شَيْءٍ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الشِّعْرِ أَوْ إطْرَاءِ مَدْحٍ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ حِلْيَةٌ مُلَخَّصًا. قُلْت: لَكِنْ نَازَعَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّة فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ بِأَنَّهُ أَكْثَرِيٌّ، وَإِنْ سَلِمَ فَمَحَلُّ حُجِّيَّتِهِ عِنْدَ صَلَاحِ الْأَزْمِنَةِ بِحَيْثُ يَنْفُذُ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ تَعَطَّلَ ذَلِكَ مُنْذُ أَزْمِنَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى قُبُورِهِمْ فِي الْمَقَابِرِ الْمُسَبَّلَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْكِتَابَةِ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَقَدْ عَلِمُوا بِالنَّهْيِ عَنْهُ فَكَذَا الْكِتَابَةُ اهـ فَالْأَحْسَنُ التَّمَسُّكُ بِمَا يُفِيدُ حَمْلَ النَّهْيِ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ كَمَا مَرَّ. [تَتِمَّةٌ] فِي الْأَحْكَامِ عَنْ الْحُجَّةِ: تُكْرَهُ السُّتُورُ عَلَى الْقُبُورِ. اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا لِحَقِّ آدَمِيٍّ) احْتِرَازٌ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا إذَا دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ وُضِعَ عَلَى غَيْرِ يَمِينِهِ أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُنْبَشُ عَلَيْهِ بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ كَأَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً) وَكَمَا إذَا سَقَطَ فِي الْقَبْرِ مَتَاعٌ أَوْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ دُفِنَ مَعَهُ مَالٌ قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الْمَالُ دِرْهَمًا بَحْرٌ. قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ جَوَابُ حَادِثَةِ الْفَتْوَى: امْرَأَةٌ دَفَنَتْ مَعَ بِنْتِهَا مِنْ الْمَصَاغِ وَالْأَمْتِعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إرْثًا عَنْهَا بِغَيْبَةِ الزَّوْجِ أَنَّهُ يُنْبَشُ لِحَقِّهِ، وَإِذَا تَلِفَتْ بِهِ تَضْمَنُ الْمَرْأَةُ حِصَّتَهُ اهـ وَاحْتُرِزَ بِالْمَغْصُوبَةِ عَمَّا إذَا كَانَتْ وَقْفًا. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: أَنْفَقَ مَالًا فِي إصْلَاحِ قَبْرٍ فَجَاءَ رَجُلٌ وَدَفَنَ فِيهِ مَيِّتَهُ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ مَوْقُوفَةً يَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ فِيهِ، وَلَا يُحَوَّلُ مَيِّتُهُ مِنْ مَكَانِهِ لِأَنَّهُ دُفِنَ فِي وَقْفٍ اهـ. وَعَبَّرَ فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْحَفْرِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ أُخِذَتْ بِشُفْعَةٍ) أَيْ بِأَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَدَفَنَ فِيهَا مَيِّتَهُ ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالشِّرَاءِ فَتَمَلَّكَهَا بِالشُّفْعَةِ (قَوْلُهُ وَمُسَاوَاتُهُ بِالْأَرْضِ) أَيْ لِيُزْرَعَ فَوْقَهُ مَثَلًا لِأَنَّ حَقَّهُ فِي بَاطِنِهَا وَظَاهِرِهَا، فَإِنْ شَاءَ تَرَكَ حَقَّهُ فِي بَاطِنِهَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ فَتْحٌ (قَوْلُهُ: كَمَا جَازَ زَرْعُهُ) أَيْ الْقَبْرِ وَلَوْ غَيْرَ مَغْصُوبٍ وَكَذَا يَجُوزُ دَفْنُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ أَيْضًا، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ مِنْ الْأَيْسَرِ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي الدُّرَرِ، وَلْيُنْظَرْ وَجْهُهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ مَاتَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا وَهِيَ حَيَّةٌ (قَوْلُهُ قُطِعَ) أَيْ بِأَنْ تُدْخِلَ الْقَابِلَةُ يَدَهَا فِي الْفَرْجِ وَتَقْطَعَهُ بِآلَةٍ فِي يَدِهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ مَوْتِهِ (قَوْلُهُ: لَوْ مَيِّتًا) لَا وَجْهَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ بِالْعَكْسِ ط (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَا يَجُوزُ تَقْطِيعُهُ لِأَنَّ مَوْتَ الْأُمِّ بِهِ مَوْهُومٌ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُ آدَمِيٍّ حَيٍّ لِأَمْرٍ مَوْهُومٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ) أَيْ وَلَا مَالَ لَهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ مَالًا يَضْمَنُ مَا بَلَعَهُ لَا يُشَقُّ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى نَعَمْ) لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حُرْمَةُ الْآدَمِيِّ أَعْلَى مِنْ صِيَانَةِ الْمَالِ لَكِنَّهُ أَزَالَ احْتِرَامَهُ بِتَعَدِّيهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ فِي جَوْفِهِ بِلَا تَعَدٍّ لَا يُشَقُّ اتِّفَاقًا

стр. 895

فُرُوعٌ] الِاتِّبَاعُ أَفْضَلُ مِنْ النَّوَافِلِ لَوْ لِقَرَابَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ فِيهِ صَلَاحٌ مَعْرُوفٌ. يُنْدَبُ دَفْنُهُ فِي جِهَةِ مَوْتِهِ وَتَعْجِيلُهُ وَسَتْرُ مَوْضِعِ غُسْلِهِ فَلَا يَرَاهُ إلَّا غَاسِلُهُ وَمَنْ يَعْنِيهِ، وَإِنْ رَأَى بِهِ مَا يُكْرَهُ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ، لِحَدِيثِ «اُذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ» . وَلَا بَأْسَ بِنَقْلِهِ قَبْلَ دَفْنِهِ وَبِالْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ وَبِإِرْثَائِهِ بِشَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي مَدْحِهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ جِنَازَتِهِ، لِحَدِيثِ «مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ» وَبِتَعْزِيَةِ أَهْلِهِ وَتَرْغِيبِهِمْ فِي الصَّبْرِ ــ [رد المحتار] كَمَا لَا يُشَقُّ الْحَيُّ مُطْلَقًا لِإِفْضَائِهِ إلَى الْهَلَاكِ لَا لِمُجَرَّدِ الِاحْتِرَامِ [فُرُوعٌ فِي الْجَنَائِز] (قَوْلُهُ: الِاتِّبَاعُ أَفْضَلُ) أَيْ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهُ بِرُّ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، فَالثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ ط (قَوْلُهُ أَوْ جِوَارٍ) سَيَأْتِي فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْجَارَ مَنْ لَصِقَ بِهِ. وَقَالَا: مَنْ يَسْكُنُ فِي مَحَلَّتِهِ وَيَجْمَعُهُمْ مَسْجِدُ الْمَحَلَّةِ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْجَارُ إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. اهـ. قُلْت: وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْإِمَامِ كَمَا سَيَأْتِي هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَهُوَ يُقَيَّدُ هُنَا بِالْمُلَاصِقِ أَيْضًا؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ مَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ الْإِطْلَاقِ. وَقَدْ يُقَالُ: كَلَامُ الْمُوصِي يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ. وَالْجَارُ عُرْفًا الْمُلَاصِقُ أَوْ مَنْ يَسْكُنُ فِي الْمَحَلَّةِ فَتُصْرَفُ إلَيْهِ الْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ هُنَا فَيَكُونُ حَدُّهُ إلَى الْأَرْبَعِينَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: يُنْدَبُ دَفْنُهُ فِي جِهَةِ مَوْتِهِ) أَيْ فِي مَقَابِرِ أَهْلِ الْمَكَانِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَوْ قُتِلَ، وَإِنْ نُقِلَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ فَلَا بَأْسَ شَرْحُ الْمُنْيَةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى نَقْلِهِ. قُلْت: وَلِذَا صَحَّ «أَمْرُهُ ﷺ بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ فِي مَضَاجِعِهِمْ» مَعَ أَنَّ مَقْبَرَةَ الْمَدِينَةِ قَرِيبَةٌ، وَلِذَا دُفِنَتْ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ فَتَحُوا دِمَشْقَ عِنْدَ أَبْوَابِهَا وَلَمْ يُدْفَنُوا كُلُّهُمْ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَتَعْجِيلُهُ) أَيْ تَعْجِيلُ جِهَازِهِ عَقِبَ تَحَقُّقِ مَوْتِهِ، وَلِذَا كُرِهَ تَأْخِيرُ صَلَاتِهِ وَدَفْنِهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ لِيَرْتَدِعَ غَيْرُهُ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِنَقْلِهِ قَبْلَ دَفْنِهِ) قِيلَ مُطْلَقًا، وَقِيلَ إلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ، وَقَيَّدَهُ مُحَمَّدٌ بِقَدْرِ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ لِأَنَّ مَقَابِرَ الْبَلَدِ رُبَّمَا بَلَغَتْ هَذِهِ الْمَسَافَةَ فَيُكْرَهُ فِيمَا زَادَ. قَالَ فِي النَّهْرِ عَنْ عِقْدِ الْفَرَائِدِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ وَأَمَّا نَقْلُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ فَلَا مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْفَتْحِ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْمَشَايِخِ فِي امْرَأَةٍ دُفِنَ ابْنُهَا، وَهِيَ غَائِبَةٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهَا فَلَمْ تَصْبِرْ، وَأَرَادَتْ نَقْلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسَعُهَا ذَلِكَ، فَتَجْوِيزُ شَوَاذِّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وَأَمَّا نَقْلُ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ ﵉ مِنْ مِصْرَ إلَى الشَّامِ لِيَكُونَا مَعَ آبَائِهِمَا الْكِرَامِ فَهُوَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا وَلَمْ يَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُ كَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا اهـ مُلَخَّصًا وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ وَبِالْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ) أَيْ إعْلَامِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِيَقْضُوا حَقَّهُ هِدَايَةٌ. وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي الْأَزِقَّةِ وَالْأَسْوَاقِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ نَعْيَ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَنْوِيهٌ بِذِكْرِهِ وَتَفْخِيمٌ، بَلْ يَقُولُ: الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، فَإِنَّ نَعْيَ الْجَاهِلِيَّةِ مَا كَانَ فِيهِ قَصْدُ الدَّوَرَانِ مَعَ الضَّجِيجِ وَالنِّيَاحَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَبِإِرْثَائِهِ) تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ النَّهْرِ. وَاعْتَرَضَهُ ح بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ رُبَاعِيٌّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَفِي الْقَامُوسِ: رَثَيْت الْمَيِّتَ وَرَثَوْته: بَكَيْته وَعَدَّدْت مَحَاسِنَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ مَنْ تَعَزَّى إلَخْ) تَمَامُهُ «فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا» قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: تَعَزَّى وَاعْتَزَى انْتَسَبَ، وَالْعَزَاءُ اسْمٌ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ قَوْلُهُمْ فِي الِاسْتِغَاثَةِ يَا لِفُلَانٍ أَعِضُّوهُ: أَيْ قُولُوا لَهُ: اعْضَضْ بِأَيْرِ أَبِيك، وَلَا تَكْنُوا عَلَى الْأَيْرِ بِالْهَنِ، وَهَذَا أَمْرُ تَأْدِيبٍ وَمُبَالَغَةٍ فِي الزَّجْرِ عَنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ اهـ لَكِنْ كَوْنُ الْمُرَادِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ هُنَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَوْلَى (قَوْلُهُ: وَبِتَعْزِيَةِ أَهْلِهِ) أَيْ تَصْبِيرِهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ بِهِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَزَاءُ الصَّبْرُ أَوْ حُسْنُهُ. وَتَعَزَّى: انْتَسَبَ. اهـ. فَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ، وَفِيمَا قَبْلَهُ الثَّانِي فَافْهَمْ. قَالَ

стр. 896

وَبِاِتِّخَاذِ طَعَامٍ لَهُمْ ــ [رد المحتار] فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَتُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَفْتِنَّ، لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ عَزَّى أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَالتَّعْزِيَةُ أَنْ يَقُولَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك. اهـ. [مطلب فِي الثَّوَاب عَلَى المصيبة] ١ ِ [تَنْبِيهٌ] هَذَا الدُّعَاءُ بِإِعْظَامِ الْأَجْرِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ ﷺ لَمَّا عَزَّى مُعَاذًا بِابْنٍ لَهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الثَّوَابِ عَلَى الْمُصِيبَةِ. وَقَدْ قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي الْمُسَايَرَةِ. قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: مَا وَرَدَ بِهِ السَّمْعُ مِنْ وَعْدِ الرِّزْقِ، وَوَعْدِ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَلَى أَلَمِ الْمُؤْمِنِ وَأَلَمِ طِفْلِهِ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا مَحْضُ فَضْلٍ وَتَطَوُّلٍ مِنْهُ - تَعَالَى - لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ لِوَعْدِهِ الصَّادِقِ. اهـ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِلثَّوَابِ الصَّبْرُ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَعَ لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْمَصَائِبَ نَفْسَهَا لَا ثَوَابَ فِيهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْكَسْبِ بَلْ فِي الصَّبْرِ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ كَفَّرَتْ الذَّنْبَ؛ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُكَفِّرِ أَنْ يَكُونَ كَسْبًا كَالْبَلَاءِ، فَالْجَزَعُ لَا يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بَلْ هُوَ مُصِيبَةٌ أُخْرَى. وَرُدَّ بِتَصْرِيحِ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَجْنُونِ وَالْمَرِيضِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ مَأْجُورٌ مُثَابٌ مُكَفَّرٌ عَنْهُ بِالْمَرَضِ، فَحَكَمَ بِالْأَجْرِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعَقْلِ الْمُسْتَلْزِمِ لِانْتِفَاءِ الصَّبْرِ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ، وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكَهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» مَعَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ صَحِيحًا مُقِيمًا» فَفِيهِ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابٌ مُمَاثِلٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ قَبْلُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ أُصِيبَ وَصَبَرَ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابَانِ: لِنَفْسِ الْمُصِيبَةِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا وَمَنْ انْتَفَى صَبْرُهُ فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَجُنُونٍ فَكَذَلِكَ أَوْ لِنَحْوِ جَزَعٍ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ ذَيْنِك الثَّوَابَيْنِ شَيْءٌ اهـ مُلَخَّصًا. وَحَاصِلُهُ اشْتِرَاطُ الصَّبْرِ لِلثَّوَابِ عَلَى الْمُصِيبَةِ إلَّا إذَا انْتَفَى لِعُذْرٍ كَجُنُونٍ. وَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِهَا فَهُوَ حَاصِلٌ بِلَا شَرْطٍ (قَوْلُهُ وَبِاِتِّخَاذِ طَعَامٍ لَهُمْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَيُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالْأَقْرِبَاءِ الْأَبَاعِدِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لَهُمْ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلِأَنَّهُ بِرٌّ وَمَعْرُوفٌ، وَيُلِحُّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ لِأَنَّ الْحُزْنَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَيَضْعُفُونَ. اهـ. مَطْلَبٌ فِي كَرَاهَةِ الضِّيَافَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَقَالَ أَيْضًا: وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي السُّرُورِ لَا فِي الشُّرُورِ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ: وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ " كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصُنْعَهُمْ الطَّعَامَ مِنْ النِّيَاحَةِ ". اهـ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الطَّعَامِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَبَعْدَ الْأُسْبُوعِ وَنَقْلُ الطَّعَامِ إلَى الْقَبْرِ فِي الْمَوَاسِمِ، وَاِتِّخَاذُ الدَّعْوَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَجَمْعُ الصُّلَحَاءِ وَالْقُرَّاءِ لِلْخَتْمِ أَوْ لِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ أَوْ الْإِخْلَاصِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ اتِّخَاذَ الطَّعَامِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِأَجْلِ الْأَكْلِ يُكْرَهُ. وَفِيهَا مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ: وَإِنْ اتَّخَذَ

стр. 897

وَبِالْجُلُوسِ لَهَا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَوَّلُهَا أَفْضَلُ. وَتُكْرَهُ بَعْدَهَا إلَّا لِغَائِبٍ. وَتُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ ثَانِيًا، وَعِنْدَ الْقَبْرِ، وَعِنْدَ بَابِ الدَّارِ؛ وَيَقُولُ عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، ــ [رد المحتار] طَعَامًا لِلْفُقَرَاءِ كَانَ حَسَنًا اهـ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فِي الْمِعْرَاجِ. وَقَالَ: وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ فَيُحْتَرَزُ عَنْهَا لِأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. وَبَحَثَ هُنَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ جَرِيرٍ الْمَارِّ بِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ «أَنَّهُ ﵊ دَعَتْهُ امْرَأَةُ رَجُلٍ مَيِّتٍ لَمَّا رَجَعَ مِنْ دَفْنِهِ فَجَاءَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ» . أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا مَعَ احْتِمَالِ سَبَبٍ خَاصٍّ، بِخِلَافِ مَا فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ. عَلَى أَنَّهُ بَحَثَ فِي الْمَنْقُولِ فِي مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ غَيْرِنَا كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ جَرِيرٍ الْمَذْكُورِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ أَوْ غَائِبٌ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ غَالِبًا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْكَثِيرَةِ كَإِيقَادِ الشُّمُوعِ وَالْقَنَادِيلِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْأَفْرَاحِ، وَكَدَقِّ الطُّبُولِ، وَالْغِنَاءِ بِالْأَصْوَاتِ الْحِسَانِ، وَاجْتِمَاعِ النِّسَاءِ وَالْمُرْدَانِ، وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهِ وَبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ (قَوْلُهُ: وَبِالْجُلُوسِ لَهَا) أَيْ لِلتَّعْزِيَةِ، وَاسْتِعْمَالُ لَا بَأْسَ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى: الْجُلُوسُ فِي الْمُصِيبَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلرِّجَالِ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ فِيهِ، وَلَا تَجْلِسُ النِّسَاءُ قَطْعًا اهـ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ) أَمَّا فِيهِ فَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْفَتْحِ، لَكِنْ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: لَا بَأْسَ بِهِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي الْبَيْتِ أَوْ الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَأْتُونَهُمْ وَيُعَزُّونَهُمْ. اهـ. قُلْت: وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ جَلَسَ لَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَالنَّاسُ يَأْتُونَ وَيُعَزُّونَهُ» اهـ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ جُلُوسَهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لِلتَّعْزِيَةِ. وَفِي الْإِمْدَادِ: وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَئِمَّتِنَا يُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ عِنْدَ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَيُكْرَهُ لَهُ الْجُلُوسُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ إلَيْهِ مَنْ يُعَزِّي، بَلْ إذَا فَرَغَ وَرَجَعَ النَّاسُ مِنْ الدَّفْنِ فَلْيَتَفَرَّقُوا وَيَشْتَغِلُ النَّاسُ بِأُمُورِهِمْ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ بِأَمْرِهِ اهـ. قُلْت: وَهَلْ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِالْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ حَتَّى إذَا فَرَغُوا قَامَ وَلِيُّ الْمَيِّتِ وَعَزَّاهُ النَّاسُ كَمَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا الظَّاهِرُ؟ لَا لِكَوْنِ الْجُلُوسِ مَقْصُودًا لِلتَّعْزِيَةِ لَا الْقِرَاءَةِ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ هَذَا الِاجْتِمَاعُ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَقْبَرَةِ فَوْقَ الْقُبُورِ الْمَدْثُورَةِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ (قَوْلُهُ وَأَوَّلُهَا أَفْضَلُ) وَهِيَ بَعْدَ الدَّفْنِ أَفْضَلُ مِنْهَا قَبْلَهُ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَيِّتِ مَشْغُولُونَ قَبْلَ الدَّفْنِ بِتَجْهِيزِهِ وَلِأَنَّ وَحْشَتَهُمْ بَعْدَ الدَّفْنِ لِفِرَاقِهِ أَكْثَرُ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُرَ مِنْهُمْ جَزَعٌ شَدِيدٌ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ لِتَسْكِينِهِمْ جَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ وَتُكْرَهُ بَعْدَهَا) لِأَنَّهَا تُجَدِّدُ الْحُزْنَ مِنَحٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ ط (قَوْلُهُ إلَّا لِغَائِبٍ) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِهَا جَوْهَرَةٌ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَاضِرَ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ (قَوْلُهُ وَتُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ ثَانِيًا) فِي التَّتَارْخَانِيَّة: لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَزَّى مَرَّةً أَنْ يُعَزِّيَ مَرَّةً أُخْرَى رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. إمْدَادٌ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ الْقَبْرِ) عَزَاهُ فِي الْحِلْيَةِ إلَى الْمُبْتَغَى بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَالَ: وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ عَنْ إبْرَاهِيمَ: التَّعْزِيَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ. اهـ. قُلْت: لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَاكَ الْقِرَاءَةُ وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِالتَّثْبِيتِ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ بَابِ الدَّارِ) فِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى بَابِ الدَّارِ لِلتَّعْزِيَةِ لِأَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ، وَمَا يُصْنَعُ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ مِنْ فَرْشِ الْبُسُطِ، وَالْقِيَامِ عَلَى قَوَارِعِ الطَّرِيقِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ. اهـ. بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَيَقُولُ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك) أَيْ جَعَلَهُ عَظِيمًا بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك بِالْمَدِّ: أَيْ جَعَلَ سَلْوَك وَصَبْرَك حَسَنًا ابْنُ حَجَرٍ، وَقَوْلُهُ وَغُفِرَ لِمَيِّتِك بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ

стр. 898

وَغَفَرَ لِمَيِّتِك وَبِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَوْ لِلنِّسَاءِ لِحَدِيثِ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَيَقْرَأُ يس، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ الْإِخْلَاصَ أَحَدَ عَشَرَ ــ [رد المحتار] الْمَيِّتُ مُكَلَّفًا، وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: وَيُعَزِّي الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَصَبَّرَك وَالْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ: غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك. [مطلب فِي زِيَارَة الْقُبُور] (قَوْلُهُ وَبِزِيَارَةِ الْقُبُورِ) أَيْ لَا بَأْسَ بِهَا، بَلْ تُنْدَبُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى، فَكَانَ يَنْبَغِي التَّصْرِيحُ بِهِ لِلْأَمْرِ بِهَا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ، وَتُزَارُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ كَمَا فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ. قَالَ فِي شَرْحِ لُبَابِ الْمَنَاسِكِ إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ. اهـ. وَفِيهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزُورَ شُهَدَاءَ جَبَلِ أُحُدٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَدَاءِ بِأُحُدٍ عَلَى رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُتَطَهِّرًا مُبَكِّرًا لِئَلَّا تَفُوتَهُ الظُّهْرُ بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. اهـ. قُلْت: اُسْتُفِيدَ مِنْهُ نَدْبُ الزِّيَارَةِ وَإِنْ بَعُدَ مَحَلُّهَا. وَهَلْ تُنْدَبُ الرِّحْلَةُ لَهَا كَمَا اُعْتِيدَ مِنْ الرِّحْلَةِ إلَى زِيَارَةِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَزِيَارَةِ السَّيِّدِ الْبَدَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَكَابِرِ الْكِرَامِ؟ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ إلَّا لِزِيَارَتِهِ ﷺ قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ الرِّحْلَةِ لِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ. وَرَدَّهُ الْغَزَالِيُّ بِوُضُوحِ الْفَرْقِ، فَإِنَّ مَا عَدَا تِلْكَ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ مُسْتَوِيَةٌ فِي الْفَضْلِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الرِّحْلَةِ إلَيْهَا. وَأَمَّا الْأَوْلِيَاءُ فَإِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْقُرْبِ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى، وَنَفْعُ الزَّائِرِينَ بِحَسَبِ مَعَارِفِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتَاوِيهِ: وَلَا تُتْرَكُ لِمَا يَحْصُلُ عِنْدَهَا مِنْ مُنْكَرَاتٍ وَمَفَاسِدَ كَاخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقُرُبَاتِ لَا تُتْرَكُ لِمِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ عَلَى الْإِنْسَانِ فِعْلُهَا وَإِنْكَارُ الْبِدَعِ، بَلْ وَإِزَالَتُهَا إنْ أَمْكَنَ. اهـ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُ مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ تَرْكِ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا نِسَاءٌ وَنَائِحَاتٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِلنِّسَاءِ) وَقِيلَ: تَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرُّخْصَةَ ثَابِتَةٌ لَهُنَّ بَحْرٌ، وَجَزَمَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِالْكَرَاهَةِ لِمَا مَرَّ فِي اتِّبَاعِهِنَّ الْجِنَازَةَ. وَقَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: إنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَجْدِيدِ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُنَّ فَلَا تَجُوزُ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ حَدِيثُ «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» وَإِنْ كَانَ لِلِاعْتِبَارِ وَالتَّرَحُّمِ مِنْ غَيْرِ بُكَاءٍ وَالتَّبَرُّكِ بِزِيَارَةِ قُبُورِ الصَّالِحِينَ فَلَا بَأْسَ إذَا كُنَّ عَجَائِزَ. وَيُكْرَهُ إذَا كُنَّ شَوَابَّ كَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ اهـ وَهُوَ تَوْفِيقٌ حَسَنٌ (قَوْلُهُ وَيَقُولُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالسُّنَّةُ زِيَارَتُهَا قَائِمًا، وَالدُّعَاءُ عِنْدَهَا قَائِمًا، كَمَا «كَانَ يَفْعَلُهُ ﷺ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْبَقِيعِ وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» إلَخْ. وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ لِلْمُنْلَا عَلَى الْقَارِئِ: ثُمَّ مِنْ آدَابِ الزِّيَارَةِ مَا قَالُوا، مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي الزَّائِرُ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ الْمُتَوَفَّى لَا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ لِأَنَّهُ أَتْعَبُ لِبَصَرِ الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُقَابِلَ بَصَرِهِ، لَكِنْ هَذَا إذَا أَمْكَنَهُ وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﵊ قَرَأَ أَوَّلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عِنْدَ رَأْسِ مَيِّتٍ وَآخِرَهَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ» وَمِنْ آدَابِهَا أَنْ يُسَلِّمَ بِلَفْظِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَلَى الصَّحِيحِ، لَا عَلَيْكُمْ السَّلَامُ فَإِنَّهُ وَرَدَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا - إنْ شَاءَ اللَّهُ - بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ» ثُمَّ يَدْعُو قَائِمًا طَوِيلًا، وَإِنْ جَلَسَ يَجْلِسُ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. اهـ. قَالَ ط: وَلَفْظُ الدَّارِ مُقْحَمٌ، أَوْ هُوَ مِنْ ذِكْرِ اللَّازِمِ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ عَلَى الدَّارِ فَأَوْلَى سَاكِنُهَا، وَذِكْرُ الْمَشِيئَةِ لِلتَّبَرُّكِ لِأَنَّ اللُّحُوقَ مُحَقَّقٌ، أَوْ الْمُرَادُ اللُّحُوقُ عَلَى أَتَمِّ الْحَالَاتِ فَتَصِحُّ الْمَشِيئَةُ (قَوْلُهُ وَيَقْرَأُ يس) لِمَا وَرَدَ

стр. 899

مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهَا لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» ، ــ [رد المحتار] «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ» بَحْرٌ. وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَيَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَأَوَّلِ الْبَقَرَةِ إلَى الْمُفْلِحُونَ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ - وَآمَنَ الرَّسُولُ - وَسُورَةِ يس وَتَبَارَكَ الْمُلْكُ وَسُورَةِ التَّكَاثُرِ وَالْإِخْلَاصِ اثْنَيْ عَشَرَ مَرَّةً أَوْ إحْدَى عَشَرَ أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْنَاهُ إلَى فُلَانٍ أَوْ إلَيْهِمْ. اهـ. مَطْلَبٌ فِي الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ وَإِهْدَاءُ ثَوَابِهَا لَهُ [تَنْبِيهٌ] صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ بِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةً أَوْ غَيْرَهَا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، بَلْ فِي زَكَاةِ التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ: الْأَفْضَلُ لِمَنْ يَتَصَدَّقُ نَفْلًا أَنْ يَنْوِيَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ لِأَنَّهَا تَصِلُ إلَيْهِمْ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ اهـ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لَكِنْ اسْتَثْنَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ الْمَحْضَةَ كَالصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ فَلَا يَصِلُ ثَوَابُهَا إلَى الْمَيِّتِ عِنْدَهُمَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ. وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الْكُلِّ، وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. أَقُولُ: مَا مَرَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ. وَاَلَّذِي حَرَّرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وُصُولُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ إذَا كَانَتْ بِحَضْرَتِهِ أَوْ دَعَا لَهُ عَقِبَهَا وَلَوْ غَائِبًا لِأَنَّ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ تَنَزُّلُ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ، وَالدُّعَاءُ عَقِبَهَا أَرْجَى لِلْقَبُولِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ انْتِفَاعُ الْمَيِّتِ بِالْقِرَاءَةِ لَا حُصُولُ ثَوَابِهَا لَهُ، وَلِهَذَا اخْتَارُوا فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ مِثْلَ ثَوَابِ مَا قَرَأْته إلَى فُلَانٍ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْوَاصِلُ إلَيْهِ نَفْسُ الثَّوَابِ. وَفِي الْبَحْرِ: مَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى أَوْ تَصَدَّقَ وَجَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ جَازَ، وَيَصِلُ ثَوَابُهَا إلَيْهِمْ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، ثُمَّ قَالَ: وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَجْعُولُ لَهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ عِنْدَ الْفِعْلِ لِلْغَيْرِ أَوْ يَفْعَلَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْعَلُ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ، لِإِطْلَاقِ كَلَامِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ. اهـ. وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى: وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ فِي الْفَرَائِضِ اهـ. وَفِي كِتَابِ الرُّوحِ لِلْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيِّ الْحَنْبَلِيِّ الشَّهِيرِ بِابْنِ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي إهْدَاءِ الثَّوَابِ إلَى الْحَيِّ؛ فَقِيلَ يَصِحُّ لِإِطْلَاقِ قَوْلِ أَحْمَدَ: يَفْعَلُ الْخَيْرَ وَيَجْعَلُ نِصْفَهُ لِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ، وَقِيلَ لَا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ بِنَفْسِهِ؛ وَكَذَا اُخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْفِعْلِ، فَقِيلَ: لَا لَكِنَّ الثَّوَابَ لَهُ فَلَهُ التَّبَرُّعُ بِهِ وَإِهْدَاؤُهُ لِمَنْ أَرَادَ كَإِهْدَاءِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، وَقِيلَ نَعَمْ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ لَهُ لَا يُقْبَلُ انْتِقَالُهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْأَوْلَى. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ إهْدَاءُ الْوَاجِبَاتِ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَنْوِي الْقُرْبَةَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ. وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ، وَتُجْزِئُ عَنْ الْفَاعِلِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ جَعَلُوا ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: نَلْقَى اللَّهَ - تَعَالَى - بِالْفَقْرِ وَالْإِفْلَاسِ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوُصُولِ أَنْ يُهْدِيَهُ بِلَفْظِهِ كَمَا لَوْ أَعْطَى فَقِيرًا بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ وَنَحْوِهِ، نَعَمْ إذَا فَعَلَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ نَوَى جَعْلَ ثَوَابِهِ لِغَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ كَمَا لَوْ نَوَى أَنْ يَهَبَ أَوْ يُعْتِقَ أَوْ يَتَصَدَّقَ وَيَصِحُّ إهْدَاءُ نِصْفِ الثَّوَابِ أَوْ رُبُعِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ. وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ أَهْدَى الْكُلَّ إلَى أَرْبَعَةٍ يَحْصُلُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ رُبُعُهُ فَكَذَا لَوْ أَهْدَى الرُّبُعَ لِوَاحِدٍ وَأَبْقَى الْبَاقِيَ لِنَفْسِهِ اهـ مُلَخَّصًا.

стр. 900

وَيَحْفِرُ قَبْرًا لِنَفْسِهِ، وَقِيلَ يُكْرَهُ؛ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ تَهْيِئَةُ نَحْوِ الْكَفَنِ بِخِلَافِ الْقَبْرِ. ــ [رد المحتار] قُلْت: لَكِنْ سُئِلَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ عَمَّا لَوْ قَرَأَ لِأَهْلِ الْمَقْبَرَةِ الْفَاتِحَةَ هَلْ يُقْسَمُ الثَّوَابُ بَيْنَهُمْ أَوْ يَصِلُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِثْلُ ثَوَابِ ذَلِكَ كَامِلًا. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ أَفْتَى جَمْعٌ بِالثَّانِي، وَهُوَ اللَّائِقُ بِسَعَةِ الْفَضْلِ. مَطْلَبٌ فِي إهْدَاءِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ [تَتِمَّةٌ] ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ الْحَافِظَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ زَعَمَ مَنْعَ إهْدَاءِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ جَنَابَهُ الرَّفِيعَ لَا يُتَجَرَّأُ عَلَيْهِ إلَّا بِمَا أَذِنَ فِيهِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَسُؤَالُ الْوَسِيلَةِ لَهُ قَالَ: وَبَالَغَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ لِإِذْنٍ خَاصٍّ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَعْتَمِرُ عَنْهُ ﷺ عُمُرًا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ. وَحَجَّ ابْنُ الْمُوَفَّقِ وَهُوَ فِي طَبَقَةِ الْجُنَيْدِ عَنْهُ سَبْعِينَ حَجَّةً، وَخَتَمَ ابْنُ السِّرَاجِ عَنْهُ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ خَتْمَةٍ؛ وَضَحَّى عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ. اهـ. قُلْت: رَأَيْت نَحْوَ ذَلِكَ بِخَطِّ مُفْتِي الْحَنَفِيَّةِ الشِّهَابِ أَحْمَدَ بْنِ الشَّلَبِيِّ شَيْخِ صَاحِبِ الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الطَّيِّبَةِ لِلنُّوَيْرِيِّ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا نَقَلَهُ أَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ قَالَ: يُسْتَحَبُّ إهْدَاؤُهَا لَهُ ﷺ اهـ. قُلْت: وَقَوْلُ عُلَمَائِنَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ يَدْخُلُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ حَيْثُ أَنْقَذَنَا مِنْ الضَّلَالَةِ، فَفِي ذَلِكَ نَوْعُ شُكْرٍ وَإِسْدَاءُ جَمِيلٍ لَهُ، وَالْكَامِلُ قَابِلٌ لِزِيَادَةِ الْكَمَالِ. وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَانِعِينَ مِنْ أَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ لِأَنَّ جَمِيعَ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ فِي مِيزَانِهِ. يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَخْبَرَنَا بِأَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، بِأَنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا اُخْتُلِفَ فِي إطْلَاقِ قَوْلِ اجْعَلْ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ ﷺ فَمَنَعَ مِنْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ لَهُ دَلِيلٌ. وَأَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَحَدِيثَ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَقَامَهُ ﷺ وَكَمَالَهُ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ فِي الْعِلْمِ وَالثَّوَابِ وَسَائِرِ الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ وَكَذَا وَرَدَ فِي دُعَاءِ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ: وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَعَظِّمْهُ وَاعْتَمِرْهُ تَشْرِيفًا إلَخْ فَيَشْمَلُ كُلَّ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لَهُمْ بِزِيَادَةِ الشَّرَفِ مَنْدُوبٌ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي خُطْبَتَيْ كِتَابَيْهِ الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْحَلِيمِيُّ وَصَاحِبُهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَدْ رَدَّ عَلَى الْبُلْقِينِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْقَايَاتِيُّ، وَوَافَقَهُ صَاحِبُهُ الشَّرَفُ الْمُنَاوِيُّ، وَوَافَقَهُمَا أَيْضًا صَاحِبُهُمَا إمَامُ الْحَنَفِيَّةِ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ، بَلْ زَادَ عَلَيْهِمَا بِالْمُبَالَغَةِ حَيْثُ جَعَلَ كُلَّ مَا صَحَّ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْوَارِدَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ مَوْجُودًا فِي كَيْفِيَّةِ الدُّعَاءِ بِزِيَادَةِ الشَّرَفِ، وَهِيَ: اللَّهُمَّ صَلِّ أَبَدًا أَفْضَلَ صَلَوَاتِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَنَبِيِّك وَرَسُولِك مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَزِدْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِلَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ اهـ. فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ طَلَبَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِفَضْلِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْوَارِدِ كَصَلَاةِ التَّشَهُّدِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ بِفَضْلِ طَلَبِ الزِّيَادَةِ لَهُ ﷺ فَكَيْفَ مَعَ هَذَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ فِي ذَلِكَ مَحْذُورًا، وَوَافَقَهُمْ أَيْضًا صَاحِبُهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ: وَيَحْفِرُ قَبْرًا لِنَفْسِهِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَبِحَفْرِ قَبْرٍ لِنَفْسِهِ، عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ حَفْرَ مَصْدَرٌ مَجْرُورٌ بِالْبَاءِ مُضَافٌ إلَى قَبْرٍ: أَيْ وَلَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: لَا بَأْسَ بِهِ، وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ، هَكَذَا عَمِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ وَغَيْرُهُمَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي إلَخْ) كَذَا قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَقَالَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ مُتَحَقِّقَةٌ غَالِبًا، بِخِلَافِ الْقَبْرِ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]

стр. 901

يُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي طَرِيقٍ ظَنَّ أَنَّهُ مُحْدِثٌ حَتَّى إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى قَبْرِهِ إلَّا بِوَطْءِ قَبْرٍ تَرَكَهُ. لَا يُكْرَهُ الدَّفْنُ لَيْلًا وَلَا إجْلَاسُ الْقَارِئِينَ عِنْدَ الْقَبْرِ ــ [رد المحتار] (قَوْلُهُ يُكْرَهُ الْمَشْيُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَوَطْؤُهُ، وَحِينَئِذٍ فَمَا يَصْنَعُهُ مَنْ دُفِنَتْ حَوْلَ أَقَارِبِهِ خَلْقٌ مِنْ وَطْءِ تِلْكَ الْقُبُورِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى قَبْرِ قَرِيبِهِ مَكْرُوهٌ. وَيُكْرَهُ النَّوْمُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ بَلْ أَوْلَى، وَكُلُّ مَا لَمْ يُعْهَدْ مِنْ السُّنَّةِ، وَالْمَعْهُودُ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا زِيَارَتُهَا وَالدُّعَاءُ عِنْدَهَا قَائِمًا اهـ. قُلْت: وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ وَجَدَ طَرِيقًا إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ مُحْدِثٌ لَا يَمْشِي عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُوطَأُ الْقَبْرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُزَارُ مِنْ بَعِيدٍ وَلَا يَقْعُدُ، وَإِنْ فَعَلَ يُكْرَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَ الْقُبُورَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يَدْعُو لَهُمْ. اهـ. وَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْإِمَامِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ حَمَلَ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِغَيْرِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْآثَارِ، وَأَنَّهُ قَالَ إنَّ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، ثُمَّ نَازَعَهُ بِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ وَالتُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، مِنْ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَرِهَ وَطْءَ الْقَبْرِ وَالْقُعُودَ أَوْ النَّوْمَ أَوْ قَضَاءَ الْحَاجَةِ عَلَيْهِ، وَبِأَنَّهُ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ وَطْئِهِ وَالْمَشْيِ عَلَيْهِ، وَتَمَامُهُ فِيهَا. وَقَيَّدَ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ كَرَاهَةَ الْقُعُودِ عَلَى الْقَبْرِ بِمَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ قِرَاءَةٍ. قُلْت: وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا بَلِيَ الْمَيِّتُ، وَصَارَ تُرَابًا يَجُوزُ زَرْعُهُ، وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ، وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ الْمَشْيِ فَوْقَهُ. ثُمَّ رَأَيْت الْعَيْنِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ذَكَرَ كَلَامَ الطَّحَاوِيِّ الْمَارَّ، ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَنَّ وَطْءَ الْقُبُورِ حَرَامٌ وَكَذَا النَّوْمُ عَلَيْهَا لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي، فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَلَا سِيَّمَا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى. قُلْت: لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِهِمْ التَّعْبِيرُ بِالْكَرَاهَةِ لَا بِلَفْظِ الْحُرْمَةِ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُوَفَّقُ بِأَنَّ مَا عَزَاهُ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ إلَى أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ مِنْ حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ يُرَادُ بِهِ نَهْيُ التَّحْرِيمِ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْوَطْءِ وَالْقُعُودِ إلَخْ يُرَادُ بِهِ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ فِي غَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَغَايَةُ مَا فِيهِ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَكْرُوهَاتُ الصَّلَاةِ، وَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا إذَا كَانَ الْجُلُوسُ لِلْقِرَاءَةِ كَمَا يَأْتِي، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [مطلب فِي وَضَعَ الجريد ونحو الآس عَلَى الْقُبُور] [تَتِمَّةٌ قَطْعُ النَّبَاتِ الرَّطْبِ وَالْحَشِيشِ مِنْ الْمَقْبَرَةِ دُونَ الْيَابِسِ] ١ مَطْلَبٌ فِي وَضْعِ الْجَرِيدِ وَنَحْوِ الْآسِ عَلَى الْقُبُورِ [تَتِمَّةٌ] يُكْرَهُ أَيْضًا قَطْعُ النَّبَاتِ الرَّطْبِ وَالْحَشِيشِ مِنْ الْمَقْبَرَةِ دُونَ الْيَابِسِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالدُّرَرِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ وَعَلَّلَهُ فِي الْإِمْدَادِ بِأَنَّهُ مَا دَامَ رَطْبًا يُسَبِّحُ اللَّهَ - تَعَالَى - فَيُؤْنِسُ الْمَيِّتَ وَتَنْزِلُ بِذِكْرِهِ الرَّحْمَةُ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْخَانِيَّةِ. أَقُولُ: وَدَلِيلُهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مِنْ وَضْعِهِ ﵊ الْجَرِيدَةَ الْخَضْرَاءَ بَعْدَ شَقِّهَا نِصْفَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يُعَذَّبَانِ» . وَتَعْلِيلُهُ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا: أَيْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا بِبَرَكَةِ تَسْبِيحِهِمَا؛ إذْ هُوَ أَكْمَلُ مِنْ تَسْبِيحِ الْيَابِسِ لِمَا فِي الْأَخْضَرِ مِنْ نَوْعِ حَيَاةٍ؛ وَعَلَيْهِ فَكَرَاهَةُ قَطْعِ ذَلِكَ، وَإِنْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَمْلِكْ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ حَقِّ الْمَيِّتِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الْحَدِيثِ نَدْبُ وَضْعِ ذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا اُعْتِيدَ فِي زَمَانِنَا مِنْ وَضْعِ أَغْصَانِ الْآسِ وَنَحْوِهِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ أَنَّ التَّخْفِيفَ عَنْ الْقَبْرَيْنِ إنَّمَا حَصَلَ بِبَرَكَةِ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ أَوْ دُعَائِهِ لَهُمَا فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ ﵁ أَوْصَى بِأَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَتَانِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ الدَّفْنُ لَيْلًا) وَالْمُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ نَهَارًا شَرْحُ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا إجْلَاسُ الْقَارِئِينَ عِنْدَ الْقَبْرِ) عِبَارَةُ نُورِ الْإِيضَاحِ وَشَرْحِهِ

стр. 902

وَهُوَ الْمُخْتَارُ. عَظْمُ الذِّمِّيِّ مُحْتَرَمٌ. إنَّمَا يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ. كُتِبَ عَلَى جَبْهَةِ الْمَيِّتِ أَوْ عِمَامَتِهِ أَوْ كَفَنِهِ عَهْدُ نَامَهْ يُرْجَى أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِلْمَيِّتِ. أَوْصَى بَعْضُهُمْ أَنْ يُكْتَبَ فِي جَبْهَتِهِ وَصَدْرِهِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم - فَفُعِلَ ثُمَّ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَسُئِلَ فَقَالَ: لَمَّا وُضِعْت فِي الْقَبْرِ جَاءَتْنِي مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَلَمَّا رَأَوْا مَكْتُوبًا عَلَى جَبْهَتِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالُوا: أَمِنْت مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. ــ [رد المحتار] وَلَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْمُخْتَارِ لِتَأْدِيَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ بِالسَّكِينَةِ وَالتَّدَبُّرِ وَالِاتِّعَاظِ. اهـ. (قَوْلُهُ: عَظْمُ الذِّمِّيِّ مُحْتَرَمٌ) فَلَا يُكْسَرُ إذَا وُجِدَ فِي قَبْرِهِ لِأَنَّهُ كَمَا حُرِّمَ إيذَاؤُهُ فِي حَيَاتِهِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَجَبَتْ صِيَانَةُ نَفْسِهِ عَنْ الْكَسْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ خَانِيَّةٌ. وَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى نَبْشِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ تَتَارْخَانِيَّةٌ عَنْ الْحُجَّةِ، فَتُنْبَشُ وَتُرْفَعُ الْعِظَامُ وَالْآثَارُ، وَتُتَّخَذُ مَقْبَرَةً لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ مَسْجِدًا كَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ إنَّمَا يُعَذَّبُ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: يُعَذَّبُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: لَا ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانُوا يُوصُونَ بِالنُّوحِ، فَقَالَ ﵊ ذَلِكَ بَحْرٌ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي شَرْحِ التَّكْمِلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَدِيثِ النَّدْبُ وَالنِّيَاحَةُ. وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا مَرَّ عَلَى قَوْمٍ يَبْكُونَ عَلَى يَهُودِيٍّ فَقَالَ: إنَّهُ لَيُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ» . اهـ. إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ عَهْدَ نَامَهْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ الرِّسَالَةُ، وَالْمَعْنَى رِسَالَةُ الْعَهْدِ. وَالْمَعْنَى أَنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِمَّا يَدُلُّ أَنَّهُ عَلَى الْعَهْدِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ يَوْمَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَالتَّبَرُّكِ بِأَسْمَائِهِ - تَعَالَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ ح (قَوْلُهُ: يُرْجَى إلَخْ) مُفَادُهُ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ: وَذَكَرَ الْإِمَامُ الصَّفَّارُ لَوْ كُتِبَ عَلَى جَبْهَةِ الْمَيِّتِ أَوْ عَلَى عِمَامَتِهِ أَوْ كَفَنِهِ عَهْدُ نَامَهْ يُرْجَى أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ - تَعَالَى - لِلْمَيِّتِ وَيَجْعَلَهُ آمِنًا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. قَالَ نُصَيْرٌ: هَذِهِ رِوَايَةٌ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مَكْتُوبًا عَلَى أَفْخَاذِ أَفْرَاسٍ فِي إصْطَبْلِ الْفَارُوقِ: حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى اهـ. مَطْلَبٌ فِيمَا يُكْتَبُ عَلَى كَفَنِ الْمَيِّتِ وَفِي فَتَاوَى الْمُحَقِّقِ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ الشَّافِعِيِّ: سُئِلَ عَنْ كِتَابَةِ الْعَهْدِ عَلَى الْكَفَنِ وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ " وَقِيلَ: إنَّهُ " اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إنِّي أَعْهَدُ إلَيْك فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك ﷺ فَلَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي، تُقَرِّبُنِي مِنْ الشَّرِّ وَتُبْعِدُنِي مِنْ الْخَيْرِ، وَأَنَا لَا أَثِقُ إلَّا بِرَحْمَتِك، فَاجْعَلْ لِي عَهْدًا عِنْدَك تُوفِينِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ " هَلْ يَجُوزُ؟ وَلِذَلِكَ أَصْلٌ؟ . فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ نَوَادِرِ الْأُصُولِ لِلتِّرْمِذِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ لَهُ أَصْلٌ، وَأَنَّ الْفَقِيهَ ابْنَ عُجَيْلٍ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ أَفْتَى بِجَوَازِ كِتَابَتِهِ قِيَاسًا عَلَى كِتَابَةِ لِلَّهِ فِي إبِلِ الزَّكَاةِ، وَأَقَرَّهُ بَعْضُهُمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى الْكَفَنِ يس وَالْكَهْفُ وَنَحْوُهُمَا خَوْفًا مِنْ صَدِيدِ الْمَيِّتِ وَالْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ التَّمْيِيزُ وَهُنَا التَّبَرُّكُ، فَالْأَسْمَاءُ الْمُعَظَّمَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا فَلَا يَجُوزُ تَعْرِيضُهَا لِلنَّجَاسَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُطْلَبُ فِعْلُهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إلَّا إذَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ طَلَبُ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ وَقَدَّمْنَا قُبَيْلَ بَابِ الْمِيَاهِ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّهُ تُكْرَهُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءِ

стр. 903

بَابُ الشَّهِيدِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ أَوْ فَاعِلٌ لِأَنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ رَبِّهِ فَهُوَ شَاهِدٌ. (هُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ طَاهِرٍ) فَالْحَائِضُ إنْ رَأَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُسِّلَتْ وَإِلَّا لَا لِعَدَمِ كَوْنِهَا حَائِضًا «وَلَمْ يُعِدْ ﵇ ــ [رد المحتار] اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالْمَحَارِيبِ وَالْجُدْرَانِ وَمَا يُفْرَشُ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِاحْتِرَامِهِ، وَخَشْيَةِ وَطْئِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ إهَانَةٌ فَالْمَنْعُ هُنَا بِالْأَوْلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَوْ يُنْقَلْ فِيهِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ فَتَأَمَّلْ، نَعَمْ نَقَلَ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ عَنْ فَوَائِدِ الشَّرْجِيِّ أَنَّ مِمَّا يُكْتَبُ عَلَى جَبْهَةِ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مِدَادٍ بِالْأُصْبُعِ الْمُسَبِّحَةِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم - وَعَلَى الصَّدْرِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْغُسْلِ قَبْلَ التَّكْفِينِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الشَّهِيدِ] أَخْرَجَهُ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مُبَوِّبًا لَهُ مَعَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْفَضِيلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ فَعِيلٌ إلَخْ) وَهُوَ إمَّا مِنْ الشُّهُودِ: أَيْ الْحُضُورِ، أَوْ مِنْ الشَّهَادَةِ أَيْ الْحُضُورِ مَعَ الْمُشَاهَدَةِ بِالْبَصَرِ أَوْ بِالْبَصِيرَةِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ) أَفَادَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ حَذْفُ اللَّامِ فَاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ ح، وَهَذَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ مِنْ الشُّهُودِ فَلِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُهُ إكْرَامًا لَهُ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ حَيٌّ إلَخْ) هَذَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ الشُّهُودِ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ مِنْ الشَّهَادَةِ فَلِأَنَّ عَلَيْهِ شَاهِدًا يَشْهَدُ لَهُ وَهُوَ دَمُهُ وَجُرْحُهُ، أَوْ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ بِالْكُفْرِ (قَوْلُهُ هُوَ إلَخْ) أَيْ الشَّهِيدُ فِي الْعُرْفِ مَا ذَكَرَ، وَهُوَ تَعْرِيفٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ الْآتِي أَعْنِي عَدَمَ تَغْسِيلِهِ وَنَزْعِ ثِيَابِهِ لَا لِمُطْلَقِهِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: كُلُّ مُكَلَّفٍ) هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ، خَرَجَ بِهِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَيُغَسَّلَانِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا لِأَنَّ السَّيْفَ أَغْنَى عَنْ الْغُسْلِ لِكَوْنِهِ طُهْرَةً وَلَا ذَنْبَ لِلصَّبِيِّ، وَلَا لِلْمَجْنُونِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُقَيِّدَ الْمَجْنُونَ بِمَنْ بَلَغَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا خَفَاءَ فِي احْتِيَاجِهِ إلَى مَا يُطَهِّرُ مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إذَا مَاتَ عَلَى جُنُونِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا مَضَى لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّوْبَةِ بَحْرٌ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُسَلَّمٌ فِيمَا إذَا جُنَّ عَقِبَ الْمَعْصِيَةِ، أَمَّا لَوْ مَضَى بَعْدَهَا زَمَنٌ يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى التَّوْبَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ كَانَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ: مُسْلِمٍ) أَمَّا الْكَافِرُ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ، وَإِنْ قُتِلَ ظُلْمًا فَلِقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ تَغْسِيلُهُ كَمَا مَرَّ وَمَا فِي ط عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ غَيْرُ ظَاهِرٍ (قَوْلُهُ طَاهِرٍ) أَيْ لَيْسَ بِهِ جَنَابَةٌ وَلَا حَيْضٌ وَلَا نِفَاسٌ وَلَا انْقِطَاعُ أَحَدِهِمَا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ، فَإِذَا اُسْتُشْهِدَ الْجُنُبُ يُغَسَّلُ، وَهَذَا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، فَإِذَا انْقَطَعَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَاسْتُشْهِدَتْ فَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ، وَإِنْ اُسْتُشْهِدَتْ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ تُغَسَّلُ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ قُهُسْتَانِيٌّ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تُغَسَّلُ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا بَعْدَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَا تُغَسَّلُ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهَا كَمَا لَوْ انْقَطَعَ قَبْلَ الثَّلَاثِ فَإِنَّهَا لَا تُغَسَّلُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي السِّرَاجِ وَالْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ فَالْحَائِضُ) الْمُرَادُ بِهَا مَنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ لَا مَنْ اتَّصَفَتْ بِالْحَيْضِ لِئَلَّا يُنَافِيَ قَوْلَهُ لِعَدَمِ كَوْنِهَا حَائِضًا فَافْهَمْ. وَاقْتَصَرَ فِي التَّفْرِيعِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْمُحْتَرَزَاتِ لِخَفَائِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَلَمْ يُفَصِّلْ فِي النُّفَسَاءِ لِأَنَّ النِّفَاسَ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا تُغَسَّلُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْ السِّرَاجِ وَالْمِعْرَاجِ؛ فَمَا فِي الْإِمْدَادِ مِنْ أَنَّ الْحَائِضَ تُغَسَّلُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، أَوْ قَبْلَ اسْتِمْرَارِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِيهِ سَهْوٌ أَوْ سَقْطٌ، وَصَوَابُهُ، أَوْ قَبْلَهُ بَعْدَ اسْتِمْرَارِهِ إلَخْ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُعِدْ إلَخْ) اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ لِمَنْ قُتِلَ جُنُبًا بِمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قُتِلَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الثَّقَفِيِّ «إنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَسَأَلُوا زَوْجَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ

стр. 904

غُسْلَ حَنْظَلَةَ لِحُصُولِهِ بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ» ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ آدَمَ (قُتِلَ ظُلْمًا) بِغَيْرِ حَقٍّ (بِجَارِحَةٍ) أَيْ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ (وَلَمْ يَجِبْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ مَالٌ) بَلْ قِصَاصٌ، حَتَّى لَوْ وَجَبَ الْمَالُ بِعَارِضٍ كَالصُّلْحِ ــ [رد المحتار] جُنُبٌ فَقَالَ ﵊: لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» . وَأَوْرَدَ الصَّاحِبَانِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَوَجَبَ عَلَى بَنَى آدَمَ وَلَمَا اُكْتُفِيَ بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ. وَالْجَوَابُ بِالْمَنْعِ وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمْ بِدَلِيلِ قِصَّةِ آدَمَ الْمَارَّةِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ نَفْسُ الْغُسْلِ، فَأَمَّا الْغَاسِلُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَيًّا كَانَ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ. وَاعْتَرَضَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ هَذَا الْغُسْلَ عِنْدَهُ لِلْجَنَابَةِ لَا لِلْمَوْتِ اهـ أَيْ وَإِذَا كَانَ لِلْجَنَابَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ لَمْ يَحْسُنْ الِاسْتِدْلَال بِقِصَّةِ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ تَغْسِيلَهُمْ لِآدَمَ كَانَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْجَنَابَةِ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ لِلْجَنَابَةِ كَانَ كَوُجُوبِهِ لِلْمَوْتِ، فَدَلَّتْ الْقِصَّةُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي بَحْثِ الْغُسْلِ أَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ وُجِدَ فِي الْمَاءِ لَا بُدَّ مِنْ تَغْسِيلِهِ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِهِ، فَيُحَرِّكُهُ فِي الْمَاءِ بِنِيَّتِهِ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِينَ لَا لِطَهَارَتِهِ؛ فَلَوْ صَلَّى عَلَيْهِ بِلَا إعَادَةٍ لِغُسْلِهِ صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ الْوُجُوبُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ إذَا لَمْ يُغَسِّلْهُ غَيْرُهُمْ لِقِيَامِ فِعْلِهِ مَقَامَ فِعْلِهِمْ. وَلِذَا صَحَّ تَغْسِيلُ الذِّمِّيِّ أَوْ الصَّبِيِّ لِمُسْلِمٍ مَاتَ بَيْنَ نِسَاءٍ لَيْسَ مَعَهُنَّ سِوَاهُمَا كَمَا مَرَّ. عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْمَلَائِكَةِ بِإِذْنٍ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى، فَهُوَ إذْنٌ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ بِالِاكْتِفَاءِ عَنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِهِمْ، وَبَعْثِهِ نَبِيِّنَا ﷺ إلَيْهِمْ، وَالْقِصَّةُ وَالْحَدِيثُ دَلِيلَانِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِفِعْلِهِمْ. وَأَمَّا وُقُوعُهُ فِي الْمَاءِ فَلَيْسَ فِيهِ تَغْسِيلٌ مِنْ أَحَدٍ فَلَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ عَنْهُمْ، وَإِنْ حَصَلَتْ الطَّهَارَةُ كَمَا لَوْ غَسَّلَهُ مُكَلَّفٌ بِلَا نِيَّةٍ فَإِنَّهُ يُجْزِي لِطَهَارَتِهِ لَا لِإِسْقَاطِهِ الْفَرْضَ عَنْ ذِمَّتِنَا فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ عَنَّا؛ فَلِذَا وَجَبَ إعَادَةُ غُسْلِ الْغَرِيقِ أَوْ تَحْرِيكُهُ عِنْدَ إخْرَاجِهِ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ فَيَكُونُ فِعْلًا مِنَّا فَيَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنَّا؛ إذْ بِدُونِهِ لَمْ يَحْصُلْ فِعْلٌ مِنَّا، وَلَا مِمَّنْ نَابَ عَنَّا، فَاتَّضَحَ الْفَرْقُ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَاغْتَنِمْهُ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ (قَوْلُهُ: قُتِلَ ظُلْمًا) لَمْ يَقُلْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ كَمَا فِي الْكَنْزِ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ كَذَلِكَ. وَقَيَّدَ بِالْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِتَرَدٍّ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ هَدْمٍ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا فِي حُكْمِ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ شَهِيدًا فِي الْآخِرَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَبِقَوْلِهِ ظُلْمًا لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ مَثَلًا لَا يَكُونُ شَهِيدًا فَيُغَسَّلُ، وَدَخَلَ فِيهِ الْمَقْتُولُ مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ قَتْلِهِ بِمُحَدَّدٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ، وَاسْتَشْكَلَهُ فِي النَّهْرِ، وَيَأْتِي جَوَابُهُ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ حَقٍّ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ظُلْمًا (قَوْلُهُ بِجَارِحَةٍ) أَيْ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَهَذَا قَيْدٌ فِي غَيْرِ مَنْ قَتَلَهُ بَاغٍ أَوْ حَرْبِيٌّ أَوْ قَاطِعُ طَرِيقٍ بِقَرِينَةِ الْعَطْفِ الْآتِي، وَاحْتُرِزَ بِهَا عَنْ الْمَقْتُولِ بِمُثْقَلٍ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ) أَيْ فَالْمُرَادُ بِهَا مَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ النَّارُ وَالْقَصَبُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: بَلْ قِصَاصٌ) أَيْ بَلْ وَجَبَ بِهِ قِصَاصٌ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ عُلِمَ قَاتِلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ؛ إذْ لَا قِصَاصَ إلَّا عَلَى قَاتِلٍ مَعْلُومٍ، خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ كَمَا حَقَّقَهُ فِي الدُّرَرِ. أَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُغَسَّلُ، لَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ أَوْ لَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ أَصْلًا كَقَتْلِ الْأَسِيرِ مِثْلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَتْلِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ وَجَبَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ بِنَفْسِ الْقَتْلِ، فَإِنَّ الْمَالَ لَمْ يَجِبْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِهِ الْقِصَاصُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ بِعَارِضٍ وَهُوَ الصُّلْحُ أَوْ شُبْهَةُ الْأُبُوَّةِ، فَلَا يُغَسَّلُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.

стр. 905

أَوْ قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ لَا تَسْقُطُ الشَّهَادَةُ (وَلَمْ يَرْتَثَّ) فَلَوْ ارْتَثَّ غُسِّلَ كَمَا سَيَجِيءُ (وَكَذَا) يَكُونُ شَهِيدًا (لَوْ قَتَلَهُ بَاغٍ أَوْ حَرْبِيٌّ أَوْ قَاطِعُ طَرِيقٍ وَلَوْ) تَسَبُّبًا أَوْ (بِغَيْرِ آلَةٍ جَارِحَةٍ) فَإِنَّ مَقْتُولَهُمْ شَهِيدٌ بِأَيِّ آلَةٍ قَتَلُوهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ شُهَدَاءُ أُحُدٍ وَلَمْ يَكُنْ كُلُّهُمْ قَتِيلَ سِلَاحٍ (أَوْ وُجِدَ جَرِيحًا مَيِّتًا فِي مَعْرَكَتِهِمْ) الْمُرَادُ بِالْجِرَاحَةِ عَلَامَةُ الْقَتْلِ؛ كَخُرُوجِ الدَّمِ مِنْ ــ [رد المحتار] فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ سَقَطَ لِعَارِضٍ أَوْ لَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ أَصْلًا فَهُوَ شَهِيدٌ كَمَا عَلِمْته. أَمَّا إذَا وَجَبَ بِهِ الْمَالُ ابْتِدَاءً فَلَا؛ وَذَلِكَ بِأَنْ كَانَ قَتْلُهُ شِبْهَ الْعَمْدِ كَضَرْبٍ بِعَصًا، أَوْ خَطَإٍ كَرَمْيِ غَرَضٍ فَأَصَابَهُ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ كَسُقُوطِ نَائِمٍ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا وَجَبَ بِهِ الْقَسَامَةُ لِوُجُوبِ الْمَالِ بِنَفْسِ الْقَتْلِ شَرْعًا. وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مَذْبُوحًا وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ سَوَاءٌ وَجَبَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ أَوْ لَا هُوَ الصَّحِيحُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ ظُلْمًا كَمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ الَّذِي حَقَّقَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْقُهُسْتَانِيِّ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ قَتَلَ الْأَبَ ابْنُهُ) أَوْ قَتَلَهُ شَخْصٌ آخَرُ يَرِثُهُ الِابْنُ بَحْرٌ، كَمَا إذَا قَتَلَ زَوْجَتَهُ، وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَإِنَّ الْوَلَدَ اسْتَحَقَّ الْقِصَاصَ عَلَى أَبِيهِ فَيَسْقُطُ لِلْأُبُوَّةِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُرْتَثَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ آخِرَهُ، أَشَارَ إلَى أَنَّ شَرْطَ عَدَمِ الِارْتِثَاثِ لَيْسَ خَاصًّا بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، وَلِذَا لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ غُسِّلَا لِأَنَّهُمَا ارْتَثَّا وَعُثْمَانُ أُجْهِزَ عَلَيْهِ فِي مَصْرَعِهِ وَلَمْ يُرْتَثَّ فَلَمْ يُغَسَّلْ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَسَيَجِيءُ بَيَانُ الِارْتِثَاثُ (قَوْلُهُ: وَكَذَا يَكُونُ شَهِيدًا إلَخْ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُرْتَثَّ أَيْضًا (قَوْلُهُ: أَوْ قَاطِعُ طَرِيقٍ) وَالْمُكَابِرُونَ فِي الْمِصْرِ لَيْلًا بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ، فَمَنْ قَتَلَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ فَهُوَ شَهِيدٌ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ الْقُطَّاعُ؛ وَكَذَا مَنْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ لَيْلًا كَمَا سَيَأْتِي. وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ زَادَ فِي الْمُحِيطِ سَبَبًا رَابِعًا وَهُوَ مَنْ قُتِلَ مُدَافِعًا وَلَوْ عَنْ ذِمِّيٍّ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ بِأَيِّ آلَةٍ قُتِلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَةِ أَيْ مِمَّنْ قَتَلَهُ بَاغٍ أَوْ حَرْبِيٌّ أَوْ قَاطِعُ طَرِيقٍ، وَقَالَ فِي النَّهْرِ: كَوْنُهُ شَهِيدًا، وَإِنْ قُتِلَ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ مُشْكِلٌ جِدًّا لِوُجُوبِ الدِّيَةِ بِقَتْلِهِ، فَتَدَبَّرْهُ مُمْعِنًا النَّظَرَ فِيهِ. اهـ. قُلْت: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ عَيْنًا، كَمَا لَوْ خَرَجَ عَلَيْهِ قُطَّاعُ طَرِيقٍ أَوْ لُصُوصٌ أَوْ نَحْوُهُمْ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى إذَا الْتَقَتْ سَرِيَّتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَرَى أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ فَأَجْلَوْا عَنْ قَتْلَى مِنْ الْفَرِيقَيْنِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا دِيَةَ عَلَى أَحَدٍ وَلَا كَفَّارَةَ لِأَنَّهُمْ دَافَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْغُسْلِ. وَيَجِبُ أَنْ يُغَسَّلُوا لِأَنَّ قَاتِلَهُمْ لَمْ يَظْلِمْهُمْ اهـ. وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ إحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ ظَالِمَةً لِلْأُخْرَى، بِأَنْ عَلِمُوا حَالَهُمْ لَا يُغَسَّلُ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْأُخْرَى، وَإِنْ جُهِلَ قَاتِلُهُ عَيْنًا لِكَوْنِهِ مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ وَجَمَاعَتِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَسَبُّبًا) لِأَنَّ مَوْتَهُ يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِمْ، فَلَوْ أَوْطَئُوا دَابَّتَهُمْ مُسْلِمًا، أَوْ نَفَرُوا دَابَّةَ مُسْلِمٍ فَرَمَتْهُ، أَوْ رَمَوْا نَارًا فِي سَفِينَةٍ فَاحْتَرَقَتْ وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ شَهِيدٌ. أَمَّا لَوْ قُتِلَ بِانْفِلَاتِ دَابَّةِ مُشْرِكٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ أَوْ دَابَّةِ مُسْلِمٍ أَوْ بِرَمْيِنَا إلَيْهِمْ فَأَصَابَهُ أَوْ نَفَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ فَأَلْجَئُوهُمْ إلَى خَنْدَقٍ أَوْ نَارٍ أَوْ نَحْوِهِ فَمَاتَ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ إلَيْهِمْ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِالْجِرَاحَةِ عَلَامَةُ الْقَتْلِ) لِيَشْمَلَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجِرَاحَةِ الْبَاطِنَةِ، وَمَا لَيْسَ بِجِرَاحَةٍ أَصْلًا كَخَنْقٍ وَكَسْرِ عُضْوٍ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى قَوْلُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ. اهـ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ أَصْلًا لَا يَكُونُ شَهِيدًا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لِشِدَّةِ خَوْفِهِ انْخَلَعَ قَلْبُهُ فَتْحٌ: أَيْ فَلَمْ يَكُنْ بِفِعْلٍ مُضَافٍ إلَى الْعَدُوِّ بَدَائِعُ (قَوْلُهُ: كَخُرُوجِ الدَّمِ إلَخْ) أَيْ إنْ كَانَ الدَّمُ يَخْرُجُ مِنْ مَخَارِقِهِ يُنْظَرُ، إنْ كَانَ مَوْضِعًا يَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ فِي الْبَاطِنِ كَالْأَنْفِ وَالذَّكَرِ وَالدُّبُرِ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يُبْتَلَى بِالرُّعَافِ، وَقَدْ يَبُولُ دَمًا لِشِدَّةِ الْفَزَعِ، وَقَدْ يَخْرُجُ الدَّمُ مِنْ الدُّبُرِ مِنْ غَيْرِ جُرْحٍ فِي الْبَاطِنِ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِ الْغُسْلِ فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ أُذُنِهِ أَوْ عَيْنِهِ كَانَ شَهِيدًا لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا عَادَةً إلَّا لِآفَةٍ فِي الْبَاطِنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُمَا

стр. 906

عَيْنِهِ أَوْ مِنْ أُذُنِهِ أَوْ حَلْقِهِ صَافِيًا، لَا مِنْ أَنْفِهِ أَوْ ذَكَرِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ حَلْقِهِ جَامِدًا (فَيُنْزَعُ عَنْهُ مَا لَا يَصْلُحُ لِلْكَفَنِ، وَيُزَادُ) إنْ نَقَصَ مَا عَلَيْهِ عَنْ كَفَنِ السُّنَّةِ (وَيُنْقَصُ) إنْ زَادَ (لِ) أَجْلِ أَنْ (يَتِمَّ كَفَنُهُ) الْمَسْنُونُ (وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا غُسْلٍ وَيُدْفَنُ بِدَمِهِ وَثِيَابِهِ) لِحَدِيثِ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ» (وَيُغَسَّلُ مَنْ وُجِدَ قَتِيلًا فِي مِصْرٍ) أَوْ قَرْيَةٍ (فِيمَا) أَيْ فِي مَوْضِعٍ (يَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ) وَلَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَالْمَقْتُولِ فِي جَامِعٍ أَوْ شَارِعٍ (وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ) أَوْ عُلِمَ وَلَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، فَإِنْ وَجَبَ كَانَ شَهِيدًا كَمَنْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ لَيْلًا فِي الْمِصْرِ فَإِنَّهُ لَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ فِيهِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ قَاتِلَهُ اللُّصُوصُ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ عَيْنَهُ لَمْ تُعْلَمْ فَلْيُحْفَظْ، فَإِنَّ النَّاسَ عَنْهُ غَافِلُونَ (أَوْ قُتِلَ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ) ــ [رد المحتار] الدَّمُ؛ وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ، فَإِنْ نَزَلَ مِنْ رَأْسِهِ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا، وَإِنْ كَانَ يَعْلُو مِنْ جَوْفِهِ كَانَ شَهِيدًا لِأَنَّهُ لَا يَصْعَدُ إلَّا لِجُرْحٍ فِي الْبَاطِنِ وَإِنَّمَا يُمَيَّزُ بَيْنَهُمَا بِلَوْنِ الدَّمِ بَدَائِعُ؛ فَالنَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ صَافٍ، وَالصَّاعِدُ مِنْ الْجَوْفِ عَلَقٌ جَوْهَرَةٌ وَفَتْحٌ وَالْعَلَقُ: الْجَامِدُ. وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ الْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ قَدْ يَكُونُ رَقِيقًا مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ فَلَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ مِنْ جِرَاحَةٍ حَادِثَةٍ بَلْ هُوَ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَاتِ. اهـ. (قَوْلُهُ صَافِيًا) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ أَوْ حَلْقِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي جَامِدًا، وَفِيهِ قَلْبٌ. وَالصَّوَابُ ذِكْرُ جَامِدًا فِي الْأَوَّلِ وَصَافِيًا فِي الثَّانِي كَمَا عُلِمَ مِمَّا نَقَلْنَاهُ آنِفًا (قَوْلُهُ فَيُنْزَعُ عَنْهُ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي أَحْكَامِهِ، وَالْمُرَادُ بِمَا لَا يَصْلُحُ لِلْكَفَنِ مِثْلُ الْفَرْوِ وَالْحَشْوِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْخُفِّ وَالسِّلَاحِ وَالدِّرْعِ لَا السَّرَاوِيلِ فَلَا يُنْزَعُ فِي الْأَشْبَهِ كَمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ وَكَذَا لَا يُنْزَعُ الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ: وَيُزَادُ إنْ نَقَصَ) فِي الْمُحِيطِ: قِيلَ إنَّ قَوْلَهُمْ يُزَادُ وَيَنْقُصُ، مَعْنَاهُ يُزَادُ ثَوْبٌ جَدِيدٌ تَكْرِيمًا، وَيَنْقُصُ مَا شَاءُوا، وَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ يَبْلُغُ السُّنَّةَ. وَقِيلَ يُزَادُ إذَا قَلَّ وَيَنْقُصُ إذَا كَثُرَ حَتَّى يَبْلُغَ السُّنَّةَ، وَهَذَا أَنْسَبُ مِنْ قَوْلِهِ لِيَتِمَّ كَفَنُهُ قُهُسْتَانِيُّ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُ جَمِيعُ ثِيَابِهِ وَيُجَدَّدُ الْكَفَنُ وَذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ. اهـ. (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ إلَخْ) أَيْ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ» وَسَاقَ أَحَادِيثَ وَقَالَ كُلٌّ مِنْهَا إنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَرْتَقِ إلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ فَلَيْسَ بِنَازِلٍ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ، وَمَجْمُوعُهَا مُرْتَقٍ إلَيْهَا قَطْعًا، فَتَعَارَضَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ، وَتَرَجَّحَ عَلَيْهِ بِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ، وَهُوَ نَافٍ، وَتَمَامُهُ فِيهِ. وَالتَّزْمِيلُ، اللَّفُّ. وَالْكُلُومُ: جَمْعُ كَلْمٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ الْجُرْحُ (قَوْلُهُ أَيْ فِي مَوْضِعٍ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ) فَالْمُرَادُ بِالْمِصْرِ وَالْقَرْيَةِ مَا يَشْمَلُ مَا قَرُبَ مِنْهُمَا؛ وَخَرَجَ مَا لَوْ وُجِدَ فِي مَفَازَةٍ لَيْسَ بِقُرْبِهَا عُمْرَانٌ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ قَسَامَةٌ وَلَا دِيَةٌ، فَلَا يُغَسَّلُ لَوْ وُجِدَ بِهِ أَثَرُ الْقَتْلِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ) أَيْ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ قُتِلَ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ لَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ قَتَلَهُ ظُلْمًا، وَلِوُجُوبِ الدِّيَةِ. وَلَمَّا كَانَ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ عُلِمَ لَا يُغَسَّلُ مُطْلَقًا أَيْضًا مَعَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ غَيْرُ مُرَادٍ فَصَّلَ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ إنْ عُلِمَ، وَلَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِأَنْ قُتِلَ بِمُثْقَلٍ أَوْ خَطَأً فَكَذَلِكَ أَيْ يُغَسَّلُ، وَإِلَّا فَلَا، وَكَانَ الْمُصَنِّفُ أَطْلَقَهُ عَنْ التَّقْيِيدِ اسْتِغْنَاءً بِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ: قُتِلَ ظُلْمًا إلَخْ (قَوْلُهُ كَمَنْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ قُتِلَ بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَذَا مَنْ قَتَلَهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ خَارِجَ الْمِصْرِ بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يُخْلِفْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بَدَلًا هُوَ مَالٌ بَحْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ لِأَنَّ مُوجِبَ قَطْعِ الطَّرِيقِ الْقَتْلُ لَا الْمَالُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ فَلْيُحْفَظْ إلَخْ) أَصْلُ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ مَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ قَاتِلٌ مُعَيَّنٌ مِنْهُمْ لِعَدَمِ وُجُودِهِمْ فَإِنَّهُ لَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ إلَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ، وَهُنَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ قَاتِلَهُ اللُّصُوصُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِمْ لِفِرَارِهِمْ، فَلْيُحْفَظْ هَذَا فَإِنَّ النَّاسَ عَنْهُ غَافِلُونَ. اهـ. قُلْت: وَوَجْهُ الْغَفْلَةِ إطْلَاقُ مَا سَيَأْتِي فِي الْقَسَامَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي دَارِ نَفْسِهِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ وَرَثَتِهِ،

стр. 907

أَيْ يُغَسَّلُ وَكَذَا بِتَعْزِيرٍ أَوْ افْتِرَاسِ سَبُعٍ (أَوْ جُرِحَ وَارْتُثَّ) وَذَلِكَ (بِأَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَوْ تَدَاوَى) وَلَوْ قَلِيلًا (أَوْ أَوَى خَيْمَةً أَوْ مَضَى عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ) وَيَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا (أَوْ نُقِلَ مِنْ مَعْرَكَةٍ) وَهُوَ يَعْقِلُ، سَوَاءٌ وَصَلَ حَيًّا أَوْ مَاتَ عَلَى الْأَيْدِي وَكَذَا لَوْ قَامَ مِنْ مَكَانِهِ إلَى مَكَان آخَرَ بَدَائِعُ (لَا لِخَوْفِ وَطْءِ الْخَيْلِ أَوْ أَوْصَى بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَإِنْ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ لَا) يَصِيرُ مُرْتَثًّا (عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ) جَوْهَرَةٌ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْأَمْوَاتِ (أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ) ــ [رد المحتار] وَلَمْ أَرَ مَنْ قَيَّدَهُ هُنَاكَ بِمَا ذُكِرَ هُنَا فَلِذَا أَكَّدَ فِي التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَيْ يُغَسَّلُ) أَفَادَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى صِلَةِ مَنْ فِي قَوْلِهِ: وَيُغَسَّلُ مَنْ وُجِدَ إلَخْ لِأَنَّ هَذَا الْقَتْلَ لَيْسَ بِظُلْمٍ وَهُوَ الْمَنَاطُ إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ أَوْ جُرِحَ) فِعْلُ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قُتِلَ، وَقَوْلُهُ وَارْتُثَّ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ: أَيْ حُمِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ رَثِيثًا: أَيْ جَرِيحًا. وَفِي النِّهَايَةِ: الرَّثُّ الْبَالِي الْخَلَقُ: أَيْ صَارَ خَلَقًا فِي الشَّهَادَةِ، وَمَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ مَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ بِأَنْ أَكَلَ إلَخْ نَهْرٌ: لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ رِفْقٌ مِنْ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ فَلَمْ تَبْقَ شَهَادَتُهُ عَلَى جِدَّتِهَا وَهَيْئَتِهَا الَّتِي كَانَتْ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ الَّذِينَ هُمْ الْأَصْلُ فِي حُكْمِهِ، لِأَنَّ تَرْكَ الْغُسْلِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ الْمَشْرُوعِ فِي حَقِّ سَائِرِ أَمْوَاتِ بَنِي آدَمَ فَيُرَاعَى فِيهِ جَمِيعُ الصِّفَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَلِيلًا) يَرْجِعُ إلَى الْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ ط (قَوْلُهُ: أَوْ أَوَى خَيْمَةً) بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ يَتَعَدَّى بِإِلَى. وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ تَعْدِيَتَهُ بِنَفْسِهِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إنَّهَا لُغَةٌ فَصِيحَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ، أَفَادَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا إذَا ضُرِبَتْ عَلَيْهِ خَيْمَةٌ، وَهُوَ فِي مَكَانِهِ، وَإِلَّا فَهِيَ مَسْأَلَةُ النَّقْلِ مِنْ الْمَعْرَكَةِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَهُوَ يَعْقِلُ) فَلَوْ لَمْ يَعْقِلْ لَا يُغَسَّلُ وَإِنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (قَوْلُهُ وَيَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا) كَذَا قَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَقَالَ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِتَرْكِهَا فَيَكُونَ بِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا كَمَا فِي الدُّرَرِ، قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: أَوْ نُقِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ) أَوْ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي جُرِحَ فِيهِ كَمَا فِي الْيَنَابِيعِ إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إلَخْ) أَيْ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ لَا لِخَوْفِ وَطْءِ الْخَيْلِ) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ أَوْ نُقِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ النَّقْلُ مُنَافِيًا لِلشَّهَادَةِ، وَهَذَا الْقَيْدُ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ وَالْكَافِي وَالْمَنْبَعِ وَابْنِ مَلَكٍ وَغُرَرِ الْأَذْكَارِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَالدُّرَرِ وَغَيْرِهَا إسْمَاعِيلُ وَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْبَدَائِعِ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ مَا نَالَ شَيْئًا مِنْ رَاحَةِ الدُّنْيَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ) ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ؛ فَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إنَّهُ يَكُونُ مُرْتَثًّا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ بِعَدَمِهِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِأُمُورِ الْآخِرَةِ كَمَا فِي وَصِيَّةِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّهْرِ. وَذَكَرَ ط وَصِيَّةَ سَعْدٍ عَنْ سِيرَةِ الشَّامِيِّ حَاصِلُهَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إلَيْهِ مَنْ يَنْظُرُ فَقَالَ: إنِّي فِي الْأَمْوَاتِ، فَأَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: إنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ يَقُولُ: جَزَاك اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، وَقُلْ لَهُ إنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَأَبْلِغْ قَوْمَك عَنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُمْ إنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ يَقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ إنْ خُلِصَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْرُوهٌ وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ، ثُمَّ لَمْ يَبْرَحْ أَنْ مَاتَ» (قَوْلُهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ) يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى كَلَامٍ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا، لَكِنْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّهُ لَوْ أَكْثَرَ كَلَامَهُ فِي الْوَصِيَّةِ غُسِّلَ لِأَنَّهَا إذَا طَالَتْ أَشْبَهَتْ أُمُورَ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ. قُلْت: يُمْكِنُ حَمْلُ مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيّ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا بِدَلِيلِ مَا مَرَّ مِنْ وَصِيَّةِ سَعْدٍ، فَإِنَّ فِيهَا كَلَامًا

стр. 908

وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ (بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَلَوْ فِيهَا) أَيْ فِي الْحَرْبِ (لَا) يَصِيرُ مُرْتَثًّا بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي الشَّهِيدِ الْكَامِلِ، وَإِلَّا فَالْمُرْتَثُّ شَهِيدُ الْآخِرَةِ وَكَذَا الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ، وَمَنْ قَصَدَ الْعَدُوَّ فَأَصَابَ نَفْسَهُ، وَالْغَرِيقُ وَالْحَرِيقُ وَالْغَرِيبُ وَالْمَهْدُومُ عَلَيْهِ وَالْمَبْطُونُ وَالْمَطْعُونُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَيِّتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ، وَقَدْ عَدَّهُمْ السُّيُوطِيّ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ ــ [رد المحتار] طَوِيلًا (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا كَكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ فَلَا يَكُونُ مُرْتَثًّا (قَوْلُهُ وَهَذَا كُلُّهُ) أَيْ كَوْنُ مَا ذُكِرَ فِي بَيَانِ الِارْتِثَاثِ مُوجِبًا لِلْغُسْلِ دُرَرٌ (قَوْلُهُ إذَا كَانَ إلَخْ) هَذَا الشَّرْطُ يَظْهَرُ فِيمَنْ قُتِلَ بِمُحَارَبَةٍ، أَمَّا مَنْ قُتِلَ بِغَيْرِهَا كَمَنْ قُتِلَ ظُلْمًا فَلَا يَظْهَرُ فِيهِ بَلْ إنْ اُرْتُثَّ غُسِّلَ وَإِلَّا لَا، وَلِذَا لَمْ يُقْتَدَ بِهِ هُنَاكَ (قَوْلُهُ وَكُلُّ ذَلِكَ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الشُّرُوطِ وَهِيَ سِتٌّ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْقَتْلُ ظُلْمًا، وَأَنْ لَا يَجِبَ بِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ، وَالطَّهَارَةُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، وَعَدَمُ الِارْتِثَاثِ ط. مَطْلَبٌ فِي تَعْدَادِ الشُّهَدَاءِ (قَوْلُهُ فِي الشَّهِيدِ الْكَامِلِ) وَهُوَ شَهِيدُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَشَهَادَةُ الدُّنْيَا بِعَدَمِ الْغُسْلِ إلَّا لِنَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ غَيْرَ دَمِهِ كَمَا فِي أَبِي السُّعُودِ، وَشَهَادَةُ الْآخِرَةِ بِنَيْلِ الثَّوَابِ الْمَوْعُودِ لِلشَّهِيدِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ ط وَالْمُرَادُ بِشَهِيدِ الْآخِرَةِ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا أَوْ قَاتَلَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - حَتَّى قُتِلَ فَلَوْ قَاتَلَ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ فَهُوَ شَهِيدُ دُنْيَا فَقَطْ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الشَّهِيدِ فِي الدُّنْيَا، وَعَلَيْهِ فَالشُّهَدَاءُ ثَلَاثَةٌ. (قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ) أَيْ كَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَقْتُولِ ظُلْمًا إذَا وَجَبَ بِقَتْلِهِ مَالٌ (قَوْلُهُ: وَالْمَطْعُونُ) وَكَذَا مَنْ مَاتَ فِي زَمَنِ الطَّاعُونِ بِغَيْرِهِ إذَا أَقَامَ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فَإِنَّ لَهُ أَجْرَ الشَّهِيدِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ أُجْهُورِيٌّ (قَوْلُهُ وَالنُّفَسَاءُ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ مَاتَتْ وَقْتَ الْوَضْعِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ النِّفَاسِ ط (قَوْلُهُ وَالْمَيِّتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ) أَخْرَجَ حَمِيدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ عَنْ مِرْسَالِ إيَاسِ بْنِ بُكَيْر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» أُجْهُورِيٌّ (قَوْلُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ) بِأَنْ كَانَ لَهُ اشْتِغَالٌ بِهِ تَأْلِيفًا أَوْ تَدْرِيسًا أَوْ حُضُورًا فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَوْ كُلَّ يَوْمٍ دَرْسٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِانْهِمَاكَ ط (قَوْلُهُ وَقَدْ عَدَّهُمْ السُّيُوطِيّ إلَخْ) أَيْ فِي التَّثْبِيتِ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ فَقَالَ: مَنْ مَاتَ بِالْبَطْنِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ، هَلْ الْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِسْقَاءُ أَوْ الْإِسْهَالُ؟ قَوْلَانِ وَلَا مَانِعَ مِنْ الشُّمُولِ أَوْ الْغَرَقِ أَوْ الْهَدْمِ أَوْ بِالْجَنْبِ: وَهِيَ قُرُوحٌ تَحْدُثُ فِي دَاخِلِ الْجَنْبِ بِوَجَعٍ شَدِيدٍ ثُمَّ تَنْفَتِحُ فِي الْجَنْبِ أَوْ بِالْجُمْعِ بِالضَّمِّ بِمَعْنَى الْمَجْمُوعِ كَالذُّخْرِ بِمَعْنَى الْمَذْخُورِ وَكَسَرَ الْكِسَائِيُّ الْجِيمَ. وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مَاتَتْ مِنْ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ فِيهَا غَيْرِ مُنْفَصِلٍ عَنْهَا مِنْ حَمْلٍ أَوْ بَكَارَةٍ، وَقَدْ تُفْتَحُ الْجِيمُ أَيْضًا عَلَى قِلَّةٍ قَالَ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ بِجَمْعٍ فَهِيَ شَهِيدَةٌ» أَوْ بِالسُّلِّ وَهُوَ دَاءٌ يُصِيبُ الرِّئَةَ، وَيَأْخُذُ الْبَدَنُ مِنْهُ فِي النُّقْصَانِ وَالِاصْفِرَارِ. وَفِي الْغُرْبَةِ أَوْ بِالصَّرْعِ، أَوْ بِالْحُمَّى، أَوْ دُونَ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ دَمِهِ أَوْ مَظْلَمَةٌ، أَوْ بِالْعِشْقِ مَعَ الْعَفَافِ وَالْكَتْمِ، وَإِنْ كَانَ سَيِّئَةً حَرَامًا، أَوْ بِالشَّرْقِ؟ ، أَوْ بِافْتِرَاسِ السَّبُعِ أَوْ بِحَبْسِ سُلْطَانٍ ظُلْمًا، أَوْ بِالضَّرْبِ، أَوْ مُتَوَارِيًا، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ مُؤَذِّنًا مُحْتَسِبًا أَوْ تَاجِرًا صَدُوقًا، وَمَنْ سَعَى عَلَى امْرَأَتِهِ وَوَلَدِهِ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ يُقِيمُ فِيهِمْ أَمْرَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَيُطْعِمُهُمْ مِنْ حَلَالٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ الشُّهَدَاءِ فِي دَرَجَاتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ: أَيْ الَّذِي حَصَلَ لَهُ غَثَيَانٌ وَاَلَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ وَمَنْ مَاتَتْ صَابِرَةً عَلَى الْغَيْرَةِ لَهَا أَجْرُ شَهِيدٍ، وَمَنْ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي الْمَوْتِ وَفِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ شَهِيدٍ، وَمَنْ صَلَّى

стр. 909

بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ فِي الْبَابِ زِيَادَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَهُوَ حَسَنٌ. ــ [رد المحتار] الضُّحَى وَصَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ الْوَتْرَ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ «وَالْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» وَمَنْ قَالَ فِي مَرَضِهِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً " لَا إلَه إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ فَمَاتَ أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيدٍ، وَإِنْ بَرِئَ بَرِئَ مَغْفُورًا لَهُ " وَحَذَفْت أَدِلَّةَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ اهـ مُلَخَّصًا ط. أَقُولُ: وَقَدْ نَظَمَهَا الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ الْمَالِكِيُّ وَشَرَحَهَا شَرْحًا لَطِيفًا، وَذَكَرَ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ أَيْضًا لَكِنَّهُ زَادَ عَلَى مَا هُنَا: مَنْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ كَمَا مَرَّ أَوْ بِالْحَرْقِ أَوْ مُرَابِطًا أَوْ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ يس، وَمَنْ صُرِعَ عَنْ دَابَّةٍ فَمَاتَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ أَوْ بِالصَّرْعِ، وَمَنْ بَاتَ عَلَى طَهَارَةٍ فَمَاتَ «وَمَنْ عَاشَ مُدَارِيًا مَاتَ شَهِيدًا» أَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ «وَمَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِائَةَ مَرَّةٍ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ «وَمَنْ سَأَلَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ شَهِيدٍ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ «وَمَنْ جَلَبَ طَعَامًا إلَى مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ، وَمَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ. وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ رَجُلٍ اغْتَسَلَ بِالثَّلْجِ فَأَصَابَهُ الْبَرْدُ فَمَاتَ فَقَالَ: يَا لَهَا مِنْ شَهَادَةٍ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، فَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ حَتَّى يُصْبِحَ» اهـ وَبِذَلِكَ زَادَتْ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَقَدْ عَدَّهَا بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ وَذَكَرَهَا الرَّحْمَتِيُّ مَنْظُومَةً فَرَاجِعْهُ. مَطْلَبٌ الْمَعْصِيَةُ هَلْ تُنَافِي الشَّهَادَةَ؟ [خَاتِمَةٌ] ذَكَرَ الَأُجْهُورِيُّ قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: مَنْ غَرِقَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَعَلَيْهِ إثْمُ مَعْصِيَتِهِ وَكُلُّ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِ مَعْصِيَةٍ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ، وَإِنْ مَاتَ فِي مَعْصِيَةٍ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الشَّهَادَةِ فَلَهُ أَجْرُ شَهَادَتِهِ وَعَلَيْهِ إثْمُ مَعْصِيَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ، أَوْ كَانَ قَوْمٌ فِي مَعْصِيَةٍ فَوَقَعَ عَلَيْهِمْ الْبَيْتُ فَلَهُمْ الشَّهَادَةُ، وَعَلَيْهِمْ إثْمُ الْمَعْصِيَةِ انْتَهَى. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ شَرِقَ بِالْخَمْرِ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْصِيَةٍ لَا بِسَبَبِهَا ثُمَّ نَظَرَ فِيهِ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبِهَا لِأَنَّ الشَّرْقَةَ بِالْخَمْرِ مَعْصِيَةٌ لِأَنَّهَا شُرْبٌ خَاصٌّ. قَالَ: وَيُتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيمَنْ مَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ مِنْ الزِّنَا فِي أَنَّ سَبَبَ السَّبَبِ هَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ السَّبَبِ فَلَا تَكُونُ شَهِيدَةً أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ. اهـ. وَجَزَمَ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ بِالثَّانِي، وَقَالَ: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ لِمَعْصِيَةٍ أَوْ سَافَرَ آبِقًا أَوْ نَاشِزَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا رَكِبَ الْبَحْرَ فِي وَقْتٍ لَا تَسِيرُ فِيهِ السُّفُنُ أَوْ تَسَبَّبَتْ امْرَأَةٌ فِي إلْقَاءِ حَمْلِهَا لِلْعِصْيَانِ بِالسَّبَبِ اهـ مُلَخَّصًا. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ تَقْيِيدُ رُكُوبِ الْبَحْرِ أَوْ السَّفَرِ بِمَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَإِلَّا كَانَ مَعْصِيَةً لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْمَعْصِيَةِ، فَهُوَ كَمَنْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً. فَجُرِحَ ثُمَّ مَاتَ، فَالْمُنَاسِبُ مَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ تَقْيِيدِ السَّفَرِ بِالْإِبَاحَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ] ِ لَمَّا بَيَّنَ حُكْمَ الصَّلَاةِ خَارِجَهَا شَرَعَ فِي بَيَانِهَا دَاخِلَهَا، وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ (قَوْلُهُ: فِي الْبَابِ زِيَادَةٌ) وَهِيَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَحَوْلَهَا ط (قَوْلُهُ وَهُوَ حَسَنٌ) بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَصَ عَنْهَا، وَمِثْلُهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فِي السُّؤَالِ كَقَوْلِهِ

стр. 910

(يَصِحُّ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فِيهَا وَفَوْقَهَا) وَلَوْ بِلَا سُتْرَةٍ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ عِنْدَنَا هِيَ الْعَرْصَةُ وَالْهَوَاءُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ (وَإِنْ كُرِهَ الثَّانِي) لِلنَّهْيِ، وَتَرْكِ التَّعْظِيمِ (مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً، وَإِنْ) وَصْلِيَّةً (اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُمْ) فِي التَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ (إلَّا إذَا جَعَلَ قَفَاهُ إلَى وَجْهِ إمَامِهِ) فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ (لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ) وَيُكْرَهُ جَعْلُ وَجْهِهِ لِوَجْهِهِ بِلَا حَائِلٍ وَلَوْ لِجَنْبِهِ لَمْ يُكْرَهُ فَهِيَ أَرْبَعٌ (وَيَصِحُّ لَوْ تَحَلَّقُوا حَوْلَهَا، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَقْرَبَ إلَيْهَا مِنْ إمَامِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ جَانِبَهُ) ــ [رد المحتار] ﵊ لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّطَهُّرِ بِمَاءِ الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (قَوْلُهُ: يَصِحُّ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فِيهَا) أَيْ فِي جَوْفِهَا. وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ فِيهَا لِأَنَّهُ إنْ كَانَ اسْتَقْبَلَ جِهَةً كَانَ مُسْتَدْبِرًا جِهَةً أُخْرَى. وَلَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ جُزْءٍ مِنْهَا غَيْرُ عَيْنٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْجُزْءُ قِبْلَةً لَهُ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ، وَمَتَى صَارَ قِبْلَةً فَاسْتِدْبَارُ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ صَلَّى رَكْعَةً إلَى جِهَةٍ أُخْرَى لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَدْبِرًا الْجِهَةَ الَّتِي صَارَتْ قِبْلَةً فِي حَقِّهِ بِيَقِينٍ بِلَا ضَرُورَةٍ، بِخِلَافِ الْمُتَحَرِّي، لِأَنَّ مَا تَحَوَّلَ عَنْهَا لَمْ تَصِرْ قِبْلَةً لَهُ بِيَقِينٍ بَلْ بِاجْتِهَادٍ وَلَمْ يَبْطُلْ مَا أَدَّى بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ مَا مَضَى بِاجْتِهَادٍ لَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ بَدَائِعُ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ هِيَ الْعَرْصَةُ وَالْهَوَاءُ) أَيْ لَا الْبِنَاءُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَقَلَ إلَى عَرْصَةٍ أُخْرَى وَصَلَّى إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ جَازَتْ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَصِل إلَى الْبِنَاءِ بَدَائِعُ وَالْعَرْصَةُ بِالسُّكُونِ: كُلُّ بُقْعَةٍ مِنْ الدُّورِ لَيْسَ فِيهَا بِنَاءٌ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: نَوَاحِيهَا: وَبِكَسْرِهَا: مَا بَدَا لَك مِنْهَا إذَا نَظَرْتهَا قَامُوسٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كُرِهَ الثَّانِي) أَيْ الصَّلَاةُ فَوْقَهَا (قَوْلُهُ لِلنَّهْيِ) «لِأَنَّهَا مِنْ السَّبْعِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَجَمَعَهَا الطَّرَسُوسِيُّ فِي قَوْلِهِ نَهَى الرَّسُولُ أَحْمَدُ خَيْرُ الْبَشَرْ ... عَنْ الصَّلَاةِ فِي بِقَاعٍ تُعْتَبَرْ مَعَاطِنُ الْجِمَالِ ثُمَّ الْمَقْبَرَهْ ... مَزْبَلَةٌ طَرِيقُهُمْ وَمَجْزَرَهْ وَفَوْقَ بَيْتِ اللَّهِ وَالْحَمَّامِ ... وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّمَامِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُمْ) شَامِلٌ لِسِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً حَاصِلَةٌ مِنْ ضُرُوبٍ أَرْبَعٍ: وَجْهُ الْمُؤْتَمِّ وَقَفَاهُ وَيَمِينُهُ وَيَسَارُهُ فِي مِثْلِهَا مِنْ الْإِمَامِ ح. قُلْت: وَيَشْمَلُ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً أَيْضًا حَاصِلَةٌ مِنْ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُقْتَدِينَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْبَدَائِعِ، حَيْثُ قَالَ: وَكَذَا إذَا كَانَ وَجْهُ بَعْضِهِمْ إلَى ظَهْرِ بَعْضٍ وَظَهْرُ بَعْضِهِمْ إلَى ظَهْرِ بَعْضٍ لِوُجُودِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ: فِي التَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ) زَادَهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُمْ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَشْمَلُ صُورَةَ الْمُوَاجَهَةِ ط تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إلَى وَجْهِ إمَامِهِ) أَيْ بِأَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إلَيْهَا إمَامُهُ، وَيَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فِيهَا، سَوَاءٌ كَانَ ظَهْرُهُ مُسَامِتًا لِوَجْهِ إمَامِهِ أَوْ مُنْحَرِفًا عَنْهُ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّقَدُّمُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى: لِأَنَّهُ يُشْبِهُ عِبَادَةَ الصُّورَةِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْجَلَّابِيِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ سُتْرَةً، بِأَنْ يُعَلِّقَ نَطْعًا أَوْ ثَوْبًا ط أَيْ لِيَمْنَعَ عَنْ الْمُوَاجَهَةِ (قَوْلُهُ فَهِيَ أَرْبَعٌ) يَعْنِي الْجَوَانِبَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْمُؤْتَمِّ وَالْإِمَامِ، فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهَا سِتَّةَ عَشَرَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ لَوْ تَحَلَّقُوا حَوْلَهَا) شُرُوعٌ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ خَارِجَهَا، وَالتَّحَلُّقُ جَائِزٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ تُؤَدَّى هَكَذَا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَالْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ ﵇ بَدَائِعُ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبِهِ) أَمَّا إذَا كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهَا مِنْ الْإِمَامِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا الْإِمَامُ، بِأَنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِمَامِ بِحِذَائِهِ فَيَكُونُ ظَهْرُهُ إلَى وَجْهِ الْإِمَامِ، أَوْ كَانَ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ أَوْ يَسَارِهِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَيَكُونُ ظَهْرُهُ إلَى الصَّفِّ

стр. 911

لِتَأَخُّرِهِ حُكْمًا؛ وَلَوْ وَقَفَ مُسَامِتًا لِرُكْنٍ فِي جَانِبِ الْإِمَامِ وَكَانَ أَقْرَبَ لَمْ أَرَهُ، وَيَنْبَغِي الْفَسَادُ احْتِيَاطًا. لِتَرْجِيحِ جِهَةِ الْإِمَامِ، وَهَذِهِ صُورَتُهُ: (وَكَذَا لَوْ اقْتَدَوْا مِنْ خَارِجِهَا بِإِمَامٍ فِيهَا، وَالْبَابُ مَفْتُوحٌ صَحَّ) لِأَنَّهُ كَقِيَامِهِ فِي الْمِحْرَابِ ــ [رد المحتار] الَّذِي مَعَ الْإِمَامِ وَوَجْهُهُ إلَى الْكَعْبَةِ، فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ لَا يَكُونُ تَابِعًا لَهُ بَدَائِعُ. (قَوْلُهُ لِتَأَخُّرِهِ حُكْمًا) عِلَّةٌ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْأَقْرَبِ إلَيْهَا مِنْ إمَامِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبِ الْإِمَامِ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ فَإِذَا لَمْ تَتَّحِدْ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَقَدُّمُهُ عَلَى إمَامِهِ، وَالْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ هُوَ التَّقَدُّمُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ أَنَّ الْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ أَنْ يَقُولَ لِعَدَمِ تَقَدُّمِهِ لِأَنَّ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّأَخُّرِ بَلْ تَكُونُ مَعَ الْمُسَاوَاةِ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي الْفَسَادُ احْتِيَاطًا إلَخْ) الْبَحْثُ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ، وَكَذَا لِلرَّمْلِيِّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ إذَا اسْتَقْبَلَ رُكْنَ الْحِجْرِ مَثَلًا يَكُونُ كُلٌّ مِنْ جَانِبَيْهِ جِهَةً لَهُ، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مُسْتَقْبِلًا لِبَابِ الْكَعْبَةِ وَكَانَ الْمُقْتَدِي أَقْرَبَ إلَيْهَا مِنْ الْإِمَامِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ وَإِنْ كَانَ جَانِبُ يَسَارِهِ جِهَةً لَهُ لَكِنْ جِهَةُ يَمِينِهِ لَمَّا كَانَتْ جِهَةَ إمَامِهِ تَرَجَّحَتْ احْتِيَاطًا تَقْدِيمًا لِمُقْتَضَى الْفَسَادِ عَلَى مُقْتَضَى الصِّحَّةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ اسْتَقْبَلَ الْإِمَامُ الرُّكْنَ وَكَانَ أَحَدُ الْمُقْتَدِينَ مِنْ جَانِبَيْهِ أَقْرَبَ إلَى الْكَعْبَةِ وَعِبَارَةُ الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ أَقُولُ: رَأَيْت فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ تَوَجَّهَ الْإِمَامُ أَوْ الْمَأْمُومُ إلَى الرُّكْنِ فَكُلٌّ مِنْ جَانِبَيْهِ جِهَتُهُ وَأَقُولُ: وَلَا شَيْءَ مِنْ قَوَاعِدِنَا يَأْبَاهُ، فَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ إلَى الرُّكْنِ فَكُلٌّ مِنْ جَانِبَيْهِ جَانِبُهُ فَيَنْظُرُ إلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ الْمُقْتَدِينَ، فَمَنْ كَانَ الْإِمَامُ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْحَائِطِ أَوْ بِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فَيُحْكَمُ بِصِحَّةِ صَلَاتِهِ. وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ مِنْ الْإِمَامِ إلَى الْحَائِطِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَبِهِ يَتَّضِحُ الْحَالُ فِي التَّحَلُّقِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ مَعَ الْإِمَامِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ اقْتَدُوا مِنْ خَارِجِهَا بِإِمَامٍ فِيهَا إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ أَوْ لَا. قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَلَعَلَّ اشْتِرَاطَ فَتْحِ الْبَابِ لِيَعْلَمَ انْتِقَالَ الْإِمَامِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، فَلَوْ سَمِعَ انْتِقَالَاتِهِ بِالتَّبْلِيغِ، وَالْبَابُ مُغْلَقٌ لَا مَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ. اهـ. وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِارْتِفَاعِ مَكَانِ الْإِمَامِ قَدْرَ الْقَامَةِ كَانْفِرَادِهِ عَلَى الدُّكَّانِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ ط. أَقُولُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ عَكْسَ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مَا لَوْ كَانَ الْمُقْتَدِي فِيهَا وَالْإِمَامُ خَارِجَهَا. وَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ إنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا مَانِعٌ مِنْ التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ. ثُمَّ رَأَيْت رِسَالَةً لِسَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ سَمَّاهَا [نَفْضَ الْجَعْبَةِ فِي الِاقْتِدَاءِ مِنْ جَوْفِ الْكَعْبَةِ] ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي مَكَّةَ وَأَنَّهُ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِالْجَوَازِ وَبَعْضُهُمْ بِالْمَنْعِ وَلَمْ تُوجَدْ مَنْصُوصَةٌ. وَأَجَابَ هُوَ بِالْجَوَازِ وَرَدَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْمَانِعُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ذَكَرَهَا الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي كِتَابِهِ إعْلَامِ السَّاجِدِ بِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ وَذَكَرَ أَنَّ قَوَاعِدَنَا لَا تَأْبَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجَوَازِ اهـ. قُلْت: وَلَمَّا حَجَجْت سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ اجْتَمَعْت فِي مِنًى سَقَى اللَّهُ عَهْدَهَا مَعَ بَعْضِ أَفَاضِلِ الرُّومِ مِنْ قُضَاةِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقُلْت لَهُ مَا تَقَدَّمَ فَقَالَ: لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَكُونُ أَقْوَى حَالًا مِنْ الْإِمَامِ لِكَوْنِهِ دَاخِلَهَا وَالْإِمَامُ خَارِجُهَا، وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ يُصَلِّي فِي الْحِجْرِ إذَا

стр. 912

كِتَابُ الزَّكَاةِ قَرْنُهَا بِالصَّلَاةِ فِي اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مَوْضِعًا فِي التَّنْزِيلِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الِاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا. وَفُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إجْمَاعًا. (هِيَ) لُغَةً الطَّهَارَةُ وَالنَّمَاءُ، وَشَرْعًا (تَمْلِيكٌ) ــ [رد المحتار] كَانَ الْإِمَامُ فِي جِهَةٍ أُخْرَى لِأَنَّ الْحِجْرَ مِنْ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: إذَا وُلِّيت قَضَاءَ مَكَّةَ أَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ ذَلِكَ، فَعَارَضْته بِأَنَّ مَا ذَكَرْته مِنْ الْقُوَّةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ لِلتَّسَاوِي فِي الْوَاجِبِ وَهُوَ اسْتِقْبَالُ جُزْءٍ مِنْ الْكَعْبَةِ، وَبِأَنَّ التَّحَلُّقَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَادَةٌ قَدِيمَةٌ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ خَارِجَ الْحِجْرِ، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُ مَنَعَ مَنْ وَصَلَ الصُّفُوفَ فِي الْحِجْرِ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا عَلَى الصِّحَّةِ وَبِأَنَّ الْحِجْرَ: أَيْ بَعْضَهُ لَيْسَ مِنْ الْكَعْبَةِ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، وَلِذَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مُسْتَقْبَلًا إلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ ظَنِّيٌّ فَإِذَا وَجَدْت شُرُوطَ الصِّحَّةِ الْقَطْعِيَّةِ لَا يُحْكَمُ بِالْفَسَادِ لِأَمْرٍ ظَنِّيٍّ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا عَلِمْت، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [كِتَابُ الزَّكَاةِ] ِ إنَّمَا تَرَكَ فِي الْعِنْوَانِ الْعُشْرَ وَغَيْرَهُ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ تَغْلِيبًا أَوْ تَبَعًا قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ: قَرْنُهَا) بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: دَلِيلٌ إلَخْ خَبَرٌ ط. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ ذِكْرُ الصَّوْمِ عَقِبَ الصَّلَاةِ كَمَا فَعَلَ قَاضِي خَانْ لِأَنَّهُ بَدَنِيٌّ مَحْضٌ مِثْلُهَا، إلَّا أَنَّ أَكْثَرَهُمْ قَدَّمُوا الزَّكَاةَ عَلَيْهِ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى نُوحٌ وَلِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الصَّلَاةِ قُهُسْتَانِيٌّ. قُلْت: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي التَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ أَوَائِلَ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ تَرْتِيبَهَا فِي الْأَشْرَفِيَّةِ بَعْدَ الْإِيمَانِ هَكَذَا: الصَّلَاةُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ، ثُمَّ الصِّيَامُ، ثُمَّ الْحَجُّ، ثُمَّ الْعُمْرَةُ وَالْجِهَادُ، وَالِاعْتِكَافُ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ (قَوْلُهُ فِي اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مَوْضِعًا) كَذَا عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْمَنَاقِبِ الْبَزَّازِيَّةِ، وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ وَالْمِنَحِ. قَالَ ح: وَصَوَابُهُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ كَمَا عَدَّهُ شَيْخُنَا السَّيِّدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ: قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ) هَذَا مِمَّا يَحْسُنُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الصَّوْمِ ط (قَوْلُهُ: وَلَا تَجِبُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ طُهْرَةٌ لِمَنْ عَسَاهُ أَنْ يَتَدَنَّسَ وَالْأَنْبِيَاءُ مُبَرَّءُونَ مِنْهُ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] فَالْمُرَادُ بِهَا زَكَاةُ النَّفْسِ مِنْ الرَّذَائِلِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِمَقَامَاتِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، أَوْ أَوْصَانِي بِتَبْلِيغِ الزَّكَاةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ زَكَاةَ الْفِطْرِ لِأَنَّ مُقْتَضَى جَعْلِ عَدَمِ الزَّكَاةِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ زَكَاةِ الْمَالِ وَالْبَدَنِ، كَذَا أَفَادَهُ الشبراملسي (قَوْلُهُ الطَّهَارَةُ) هَذَا أَنْسَبُ مِمَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ إبْدَالِهِ بِالنَّظَافَةِ (قَوْلُهُ: وَالنَّمَاءُ) أَيْ الزِّيَادَةُ، وَلَهَا مَعَانٍ أُخَرُ: الْبَرَكَةُ، يُقَالُ زَكَتْ الْبُقْعَةُ: إذَا بُورِكَ فِيهَا، وَالْمَدْحُ يُقَالُ: زَكَّى نَفْسَهُ إذَا مَدَحَهَا، وَالثَّنَاءُ الْجَمِيلُ يُقَالُ: زَكَّى الشَّاهِدَ إذَا أَثْنَى عَلَيْهِ بَحْرٌ، وَكُلُّهَا تُوجَدُ فِي الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مُؤَدِّيَهَا مِنْ الذُّنُوبِ وَمِنْ صِفَةِ الْبُخْلِ، وَالْمَالَ بِإِنْفَاقِ بَعْضِهِ. وَلِذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ مُسْتَقْذَرًا فَحَرُمَ عَلَى آلِ الْبَيْتِ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]- وَتُنَمِّيهِ بِالْخُلْفِ - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]- ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]- وَبِهَا تَحْصُلُ الْبَرَكَةُ «لَا يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ» وَيُمْدَحُ بِهَا الدَّافِعُ وَيُثْنَى عَلَيْهِ بِالْجَمِيلِ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]- ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]- (قَوْلُهُ وَشَرْعًا تَمْلِيكٌ إلَخْ) أَيْ إنَّهَا اسْمٌ لِلْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ لِوَصْفِهَا بِالْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَلِأَنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْفِقْهِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَنَقَلَ الْقُهُسْتَانِيُّ أَنَّهَا شَرْعًا الْقَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ إلَى الْفَقِيرِ. ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْكَرْمَانِيِّ أَنَّهَا فِي الْقَدْرِ مَجَازٌ شَرْعًا فَإِنَّهَا

стр. 913

خَرَجَ الْإِبَاحَةُ، فَلَوْ أَطْعَمَ يَتِيمًا نَاوِيًا الزَّكَاةَ لَا يَجْزِيهِ إلَّا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَطْعُومَ كَمَا لَوْ كَسَاهُ بِشَرْطِ أَنْ يَعْقِلَ الْقَبْضَ إلَّا إذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهِمْ (جَزْءُ مَالٍ) خَرَجَ الْمَنْفَعَةُ، فَلَوْ أَسْكَنَ فَقِيرًا دَارِهِ سَنَةً نَاوِيًا لَا يَجْزِيهِ (عَيَّنَهُ الشَّارِعُ) وَهُوَ رُبْعُ عُشْرِ نِصَابٍ حَوْلِيٍّ ــ [رد المحتار] إيتَاءُ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ وَهُوَ الْقَابِلُ لِلْعِنْوَانِ، وَبِالِاشْتِرَاكِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَابْنُ الْأَثِيرِ:. اهـ. وقَوْله تَعَالَى - ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]- ظَاهِرُهُ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ، وَيُحْتَمَلُ تَأْوِيلُ الْإِيتَاءِ بِإِخْرَاجِ الْفِعْلِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ كَمَا فِي - ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]-[تَنْبِيهٌ] هَذَا التَّعْرِيفُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ زَكَاةُ السَّوَائِمِ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْعَامِلَ وَلَوْ جَبْرًا فَلَمْ يُوجَدْ التَّمْلِيكُ مِنْ الْمُزَكَّى، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ السُّلْطَانَ أَوْ عَامِلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ عَنْهُ فِي صَرْفِهَا مَصَارِفَهَا وَتَمْلِيكِهَا أَوْ عَنْ الْفُقَرَاءِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: خَرَجَ الْإِبَاحَةُ) فَلَا تَكْفِي فِيهَا، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَمْ تَخْرُجْ بِقَيْدِ التَّمْلِيكِ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهَا التَّمْكِينُ وَهُوَ صَادِقٌ بِالتَّمْلِيكِ، وَإِنْ صَدَقَ بِالْإِبَاحَةِ أَيْضًا، نَعَمْ تَخْرُجُ بِقَوْلِهِ جَزْءُ مَالٍ إلَخْ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَطْعُومَ) لِأَنَّهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ يَمْلِكُهُ فَيَصِيرُ آكِلًا مِنْ مِلْكِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْعَمَهُ مَعَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَقِيرًا، وَلَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِ فَقْرِ أَبِيهِ أَيْضًا لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْيَتِيمِ وَلَا أَبَا لَهُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ كَسَاهُ) أَيْ كَمَا يُجْزِئُهُ لَوْ كَسَاهُ ح (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ أَنْ يَعْقِلَ الْقَبْضَ) قَيْدٌ فِي الدَّفْعِ وَالْكِسْوَةِ كِلَيْهِمَا ح. وَفَسَّرَهُ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ بِاَلَّذِي لَا يَرْمِي بِهِ، وَلَا يُخْدَعُ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِلًا فَقَبَضَ عَنْهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ مَنْ يَعُولُهُ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا، أَوْ مُلْتَقِطُهُ صَحَّ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَعَبَّرَ بِالْقَبْضِ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ فِي التَّبَرُّعَاتِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ فَهُوَ جَزْءٌ مِنْ مَفْهُومِهِ فَلِذَا لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ أَوَّلًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْبَحْرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهِمْ) أَيْ نَفَقَةِ الْأَيْتَامِ، وَالْأَوْلَى إفْرَادُ الضَّمِيرِ لِأَنَّ مَرْجِعَهُ فِي كَلَامِهِ مُفْرَدٌ أَيْ إلَّا إذَا كَانَ الْيَتِيمُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَقَضَى عَلَيْهِ بِهَا أَيْ فَلَا تُجْزِيهِ عَنْ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمُسْتَثْنَى الَّذِي هُوَ إثْبَاتٌ، وَهَذَا إذَا كَانَ يَحْتَسِبُ الْمُؤَدَّى إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ، أَمَّا إذَا احْتَسَبَهُ مِنْ الزَّكَاةِ فَيُجْزِئُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَمِثْلُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْعُيُونِ، فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: وَاحْتَسَبَهُ مِنْهَا كَمَا أَفَادَهُ ح. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا احْتَسَبَهُ مِنْ الزَّكَاةِ تَسْقُطُ عَنْهُ النَّفَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ لِاكْتِفَاءِ الْيَتِيمِ بِهَا لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ تَجِبُ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ، وَلِذَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَلَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَمَّا مَضَى، وَهُنَا كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلثَّانِي) أَيْ أَبِي يُوسُفَ فَعِنْدَهُ يَصِحُّ. وَعِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ قَضَى عَلَيْهِ بِنَفَقَةِ ذِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ فَكَسَاهُ وَأَطْعَمَهُ يَنْوِي الزَّكَاةَ صَحَّ عِنْدَ الثَّانِي. اهـ. زَادَ فِي الْخَانِيَّةِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ فِي الْكِسْوَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْإِطْعَامِ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْإِطْعَامِ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ اهـ. قُلْت: هَذَا إذَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْإِبَاحَةِ دُونَ التَّمْلِيكِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الْإِطْعَامِ، وَلِذَا قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ إذَا كَانَ يَعُولُ يَتِيمًا وَيَجْعَلُ مَا يَكْسُوهُ وَيُطْعِمُهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، فَفِي الْكِسْوَةِ لَا شَكَّ فِي الْجَوَازِ لِوُجُودِ الرُّكْنِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ، وَأَمَّا الطَّعَامُ فَمَا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ بِيَدِهِ يَجُوزُ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا، مَا يَأْكُلُهُ بِلَا دَفْعٍ إلَيْهِ (قَوْلُهُ فَلَوْ أَسْكَنَ إلَخْ) عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْكَشْفِ الْكَبِيرِ وَقَالَ قَبْلَهُ وَالْمَالُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ الْأُصُولِ مَا يُتَمَوَّلُ وَيُدَّخَرُ لِلْحَاجَةِ، وَهُوَ خَاصٌّ بِالْأَعْيَانِ فَخَرَجَ بِهِ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ. اهـ. (قَوْلُهُ عَيْنُهُ) أَيْ الْجُزْءُ أَوْ الْمَالُ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَهُوَ رُبُعُ عُشْرِ نِصَابٍ صَالِحٌ لَهُمَا فَإِنَّ رُبْعَ الْعُشْرِ مُعَيَّنٌ وَالنِّصَابُ مُعَيَّنٌ أَيْضًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَهُوَ رُبْعُ عُشْرِ نِصَابٍ) أَيْ أَوْ مَا يَقُومُ

стр. 914

خَرَجَ النَّافِلَةُ وَالْفِطْرَةُ (مِنْ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ) وَلَوْ مَعْتُوهًا (غَيْرِ هَاشِمِيٍّ وَلَا مَوْلَاهُ) أَيْ مُعْتَقِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْكَنْزِ تَمْلِيكُ الْمَالِ: أَيْ الْمَعْهُودِ إخْرَاجُهُ شَرْعًا (مَعَ قَطْعِ الْمَنْفَعَةِ عَنْ الْمُمَلِّكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) فَلَا يُدْفَعُ لِأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ (لِلَّهِ تَعَالَى) بَيَانٌ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ (وَشَرْطُ افْتِرَاضِهَا عَقْلٌ وَبُلُوغٌ ــ [رد المحتار] مَقَامَهُ مِنْ صَدَقَاتِ السَّوَائِمِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْبَحْرِ ط (قَوْلُهُ خَرَجَ النَّافِلَةُ إلَخْ) لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُعَيَّنَيْنِ، أَمَّا النَّافِلَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَلِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّرَةً بِالصَّاعِ مِنْ نَحْوِ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ وَبِنِصْفِهِ مِنْ نَحْوِ بُرٍّ أَوْ زَبِيبٍ فَلَيْسَتْ مُعَيَّنَةً مِنْ الْمَالِ لِوُجُوبِهَا فِي الذِّمَّةِ، وَلِذَا لَوْ هَلَكَ الْمَالُ لَا تَسْقُطُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهَا، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ؛ وَلِذَا تَجِبُ مِنْ الْبُرِّ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمَّا رُبْعُ الْعُشْرِ فِي الزَّكَاةِ فَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ عِنْدَهُ تِسْعَةُ أَعْشَارِ غَيْرِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِالتَّعْيِينِ وَالتَّقْدِيرِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: مِنْ مُسْلِمٍ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِتَمْلِيكٍ، وَاحْتَرَزَ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرَ عَنْ الْكَافِرِ وَالْغَنِيِّ وَالْهَاشِمِيِّ وَمَوْلَاهُ وَالْمُرَادُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِحَالِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَصْرِفِ ح قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْحُرِّيَّةَ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَى غَيْرِ الْحُرِّ جَائِزٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَيَانِ الْمَصْرِفِ مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْمَعْتُوهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعْتُوهًا) فِي الْمُغْرِبِ: الْمَعْتُوهُ النَّاقِصُ الْعَقْلِ، وَقِيلَ الْمَدْهُوشُ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ اهـ وَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَارُّ فِي الصَّبِيِّ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَفِي عَامَّةِ كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ حُكْمَهُ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ. وَاسْتَثْنَى الدَّبُوسِيُّ الْعِبَادَاتِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا. وَرَدَّهُ أَبُو الْيُسْرِ بِأَنَّهُ نَوْعُ جُنُونٍ فَيَمْنَعُ الْوُجُوبَ. وَفِي أُصُولِ الْبُسْتِيِّ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِأَدَائِهَا كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إلَّا أَنَّهُ إنْ زَالَ الْعَتَهُ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ بِالْأَدَاءِ حَالًا، وَبِقَضَاءِ مَا مَضَى بِلَا حَرَجٍ، فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَقْضِي الْقَلِيلَ دُونَ الْكَثِيرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا فِيمَا قَبْلُ كَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ دُونَ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُغْنِي لَلْهِنْدِيِّ إسْمَاعِيلُ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ أَيْ مُعْتَقَهُ) بِفَتْحِ التَّاءِ، وَالضَّمِيرُ لِلْهَاشِمِيِّ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ مَا عَرَّفَ بِهِ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ أَيْ الْعُهُودُ) إشَارَةٌ إلَى مَا أَجَابَ بِهِ فِي النَّهْرِ عَنْ اعْتِرَاضِ الدُّرَرِ عَلَى الْكَنْزِ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَمْلِيكُ الْمَالِ يَتَنَاوَلُ الصَّدَقَةَ النَّافِلَةَ، فَزَادَ قَوْلَهُ: عَيَّنَهُ الشَّارِعُ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ لِإِخْرَاجِهَا. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ أَلْ فِي الْمَالِ لِلْعَهْدِ وَهُوَ مَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ (قَوْلُهُ مَعَ قَطْعِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَمْلِيكِ، وَقَوْلُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَطْعٍ ط (قَوْلُهُ فَلَا يَدْفَعُ لِأَصْلِهِ) أَيْ وَإِنْ عَلَا، وَفَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَكَذَا لِزَوْجَتِهِ وَزَوْجِهَا وَعَبْدِهِ وَمُكَاتِبِهِ لِأَنَّهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ لَمْ تَنْقَطِعْ الْمَنْفَعَةُ عَنْ الْمُمَلَّكِ: أَيْ الْمُزَكَّى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (قَوْلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى) مُتَعَلِّقٌ بِتَمْلِيكِ أَيْ لِأَجْلِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ - تَعَالَى (قَوْلُهُ: بَيَانٌ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ) فَإِنَّهَا شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي مَقَاصِدِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ عَقْلٌ وَبُلُوغٌ) فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ وَلَيْسَا مُخَاطَبَيْنِ بِهَا، وَإِيجَابُ النَّفَقَاتِ وَالْغَرَامَاتِ لِكَوْنِهَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَالْعُشْرِ، وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ لِأَنَّ فِيهِمَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ فِي الْمَجْنُونِ الْأَصْلِيِّ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ وَقْتِ إفَاقَتِهِ كَوَقْتِ بُلُوغِهِ. أَمَّا الْعَارِضِي، فَإِنْ اسْتَوْعَبَ كُلَّ الْحَوْلِ فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ لَغَا وَعَنْ الثَّانِي: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إفَاقَةُ أَكْثَرِ الْحَوْلِ نَهْرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَعْتُوهَ هُنَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلَ وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْعَتَهِ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ حُكْمَهُ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فَلَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ كَمَا عَلِمْت إلَّا إذَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْحَوْلَ لِأَنَّ الْجُنُونَ يَلْغُو مَعَهُ فَالْعَتَهُ بِالْأَوْلَى.

стр. 915

وَإِسْلَامٌ وَحُرِّيَّةٌ) وَالْعِلْمُ بِهِ وَلَوْ حُكْمًا كَكَوْنِهِ فِي دَارِنَا (وَسَبَبُهُ) أَيْ سَبَبُ افْتِرَاضِهَا (مِلْكُ نِصَابٍ حَوْلِيٍّ) نِسْبَةً لِلْحَوْلِ لِحَوَلَانِهِ عَلَيْهِ (تَامٌّ) بِالرَّفْعِ صِفَةُ مِلْكٍ، خَرَجَ مَالُ الْمُكَاتَبِ. ــ [رد المحتار] وَأَمَّا مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: فَتَجِبُ عَلَى الْمَعْتُوهِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَلَوْ اسْتَوْعَبَ حَوْلًا كَمَا فِي قَاضِي خَانْ اهـ فَفِيهِ أَنِّي رَاجَعْت نُسْخَتَيْنِ مِنْ قَاضِي خَانْ فَلَمْ أَرَهُ ذَكَرَ حُكْمَ الْمَعْتُوهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ حُكْمَ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمًى عَلَيْهِ، وَلَوْ وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ فَهُوَ مُشْكِلٌ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَإِسْلَامٌ) فَلَا زَكَاةَ عَلَى كَافِرٍ لِعَدَمِ خِطَابِهِ بِالْفُرُوعِ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا فَلَوْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ لَا يُخَاطَبُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَيَّامَ رِدَّتِهِ ثُمَّ كَمَا شُرِطَ لِلْوُجُوبِ شُرِطَ لِبَقَاءِ الزَّكَاةِ عِنْدَنَا، حَتَّى لَوْ ارْتَدَّ بَعْدَ وُجُوبِهَا سَقَطَ كَمَا فِي الْمَوْتِ بَحْرٌ عَنْ الْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ: وَحُرِّيَّةٌ) فَلَا تَجِبُ عَلَى عَبْدٍ، وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُسْتَسْعًى لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا مِلْكَ لَهُ، وَالْمُكَاتَبُ وَنَحْوُهُ وَإِنْ مَلَكَ إلَّا أَنَّ مِلْكَهُ لَيْسَ تَامًّا نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَالْعِلْمُ بِهِ) أَيْ وَبِالِافْتِرَاضِ ح وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ ذَكَرَ الشُّرُوطَ الْعَامَّةَ هُنَا كَالْإِسْلَامِ وَالتَّكْلِيفِ فَيَنْبَغِي ذِكْرُهُ أَيْضًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ حُكْمًا إلَخْ) فَلَوْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ ثُمَّ مَكَثَ سِنِينَ وَلَهُ سَوَائِمُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالشَّرَائِعِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا، فَلَا يُخَاطَبُ بِأَدَائِهَا إذَا خَرَجَ إلَى دَارِنَا خِلَافًا لِزُفَرَ بَدَائِعُ (قَوْلُهُ مِلْكُ نِصَابٍ) فَلَا زَكَاةَ فِي سَوَائِمِ الْوَقْفِ وَالْخَيْلِ الْمُسَبَّلَةِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ، وَلَا فِيمَا أَحْرَزَهُ الْعَدُوُّ بِدَارِهِمْ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِالْإِحْرَازِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ بَدَائِعُ، وَلَا فِيمَا دُونَ النِّصَابِ. مَطْلَبٌ الْفَرْقُ بَيْنَ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَالْعِلَّةِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا جَعَلَهُ فِي الْكَنْزِ شَرْطًا. وَاعْتَرَضَهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنَّهُ سَبَبٌ. وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى السَّبَبِ اسْمَ الشَّرْطِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُضَافُ إلَيْهِ الْوُجُودُ لَا عَلَى وَجْهِ التَّأْثِيرِ فَخَرَجَ الْعِلَّةُ، وَيَتَمَيَّزُ السَّبَبُ عَنْ الشَّرْطِ بِإِضَافَةِ الْوُجُوبِ إلَيْهِ أَيْضًا دُونَ الشَّرْطِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ اهـ. أَقُولُ: وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ مِنْ الشُّرُوطِ الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ. قَالَ: وَهُوَ الْمِلْكُ يَدًا وَرَقَبَةً، وَقَالَ: إنَّ السَّبَبَ هُوَ الْمَالُ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ وَلِذَا تُضَافُ إلَيْهِ، يُقَالُ زَكَاةُ الْمَالِ، وَالْإِضَافَةُ فِي مِثْلِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَوْمِ الشَّهْرِ وَحَجِّ الْبَيْتِ. اهـ. وَعَلَيْهِ فَمِلْكُ النِّصَابِ حَيْثُ جُعِلَ شَرْطًا كَمَا فِي عِبَارَةِ الْكَنْزِ يَكُونُ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ، وَحَيْثُ جُعِلَ سَبَبًا كَمَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ يَكُونُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَّةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ النِّصَابِ الْمَمْلُوكِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ عِبَارَةِ الْكَنْزِ بِهَذَا خِلَافًا لِمَا فَعَلَهُ فِي النَّهْرِ لِئَلَّا يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ بِمَا مَرَّ عَنْ الْبَحْرِ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ بِمَا فَسَّرْنَا بِهِ عِبَارَةَ الْكَنْزِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ نِصَابٍ) هُوَ مَا نَصَبَهُ الشَّارِعُ عَلَامَةً عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَقَادِيرِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْأَبْوَابِ الْآتِيَةِ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي غَيْرِ زَكَاةِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ؛ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا نِصَابٌ، وَلَا حَوَلَانُ حَوْلٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْعُشْرِ (قَوْلُهُ: نِسْبَةً لِلْحَوْلِ) أَيْ الْحَوْلِ الْقَمَرِيِّ لَا الشَّمْسِيِّ كَمَا سَيَأْتِي مَتْنًا قُبَيْلَ زَكَاةِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: لِحَوَلَانِهِ عَلَيْهِ) أَيْ لِأَنَّ حَوَلَانَ الْحَوْلِ عَلَى النِّصَابِ شَرْطٌ لِكَوْنِهِ سَبَبًا، وَهَذَا عِلَّةٌ لِلنِّسْبَةِ وَسُمِّيَ الْحَوْلُ حَوْلًا لِأَنَّ الْأَحْوَالَ تَتَحَوَّلُ فِيهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَتَحَوَّلُ مِنْ فَصْلٍ إلَى فَصْلٍ مِنْ فُصُولِهِ الْأَرْبَعِ (قَوْلُهُ: خَرَجَ مَالُ الْمُكَاتَبِ) أَيْ خَرَجَ بِالتَّقْيِيدِ بِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّامِّ الْمَمْلُوكُ رَقَبَةً وَيَدًا، وَمِلْكُ الْمُكَاتَبِ لَيْسَ بِتَامٍّ لِوُجُودِ الْمُنَافِي وَلِأَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْلَى فَإِنْ أَدَّى مَالَ الْكِتَابَةِ سُلِّمَ لَهُ. وَإِنْ عَجَزَ سُلِّمَ لِلْمَوْلَى؛ فَكَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى فِيهِ شَيْءٌ فَكَذَا الْمُكَاتَبُ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ.
следующие страницы →