Полный текст (4 919 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
وَوَقِيدُ نَارٍ
وَدُخُولُ كَخَيْلٍ لِنَقْلٍ
وَفَرْشٌ أَوْ مُتَّكَأٌ
وَلِذِي مَأْجَلٍ، وَبِئْرٍ، وَمِرْسَالِ مَطَرٍ. كَمَاءٍ يَمْلِكُهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ
ــ
[منح الجليل]
وَ) كُرِهَ (وَقِيدُ نَارٍ) بِمَسْجِدٍ وَلَوْ بِالْقَنَادِيلِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهَا قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ. ابْنُ وَهْبٍ لَا تُوقَدُ نَارٌ فِي الْمَسْجِدِ
(وَ) كُرِهَ (دُخُولُ كَخَيْلٍ) وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ مِمَّا فَضْلَتُهُ نَجِسَةٌ (لِنَقْلِ) الشَّيْءِ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ مِنْهُ وَلَمْ يَحْرُمْ لِلضَّرُورَةِ، وَأَمَّا مَا فَضَلْتُهُ طَاهِرَةٌ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَدُخُولُهُ لِنَقْلٍ جَائِزٌ. ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى الشَّيْخُ أَكْرَهُ إدْخَالَ الْمَسْجِدِ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ لِنَقْلِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَصَالِحِهِ وَلْيُنْقَلْ عَلَى إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ. وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَسَّعَ فِي دُخُولِ النَّصَارَى الْمَسْجِدَ لِيَبْنُوا بِهِ. قَالَ وَلْيَدْخُلُوا مِنْ جِهَةِ عَمَلِهِمْ.
(وَ) كُرِهَ (فَرْشٌ) فِي الْمَسْجِدِ لِشَيْءٍ يَتَرَفَّهُ بِهِ كَبُسُطٍ وَسَجَّادَاتٍ يَجْلِسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوعَ الْمَطْلُوبَ فِيهَا وَمُخَالِفٌ لِسُنَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَسْجِدِ أَوْ تَحْصِيبِهِ (وَ) كُرِهَ (مُتَّكَأٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ مُثَقَّلَةً مَهْمُوزًا مَقْصُورًا، أَيْ شَيْءٌ يُتَّكَأُ عَلَيْهِ بِمَسْجِدٍ لِذَلِكَ كَوِسَادَةٍ. رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بَأْسَ أَنْ يُتَوَقَّى بَرْدُ الْأَرْضِ وَالْحَصَا بِالْحَصِيرِ وَالْمُصَلَّيَاتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَكُرِهَ أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ عَلَى فِرَاشٍ أَوْ يُتَّكَأَ فِيهِ عَلَى وِسَادَةٍ. الْبَاجِيَّ أَرَادَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي التَّوَاضُعَ الْمَشْرُوعَ فِي الْمَسَاجِدِ.
(وَلِذِي) أَيْ صَاحِبِ (مَأْجَلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ وَقَلَّ كَسْرُهَا وَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَيْنَهُمَا هَمْزٌ سَاكِنٌ أَيْ مَخْزَنِ مَاءٍ كَصِهْرِيجٍ (وَ) لِذِي (بِئْرٍ فِي مِلْكِهِ وَ) لِذِي (مِرْسَالِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ مَحَلِّ اجْتِمَاعِ (مَطَرٍ) وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَ) بَيْعِ (مَاءٍ يَمْلِكُهُ) فِي إنَاءٍ وَمُبْتَدَأُ لِذِي مَأْجَلٍ إلَخْ (مَنْعُهُ) أَيْ مَاءَ الْمَأْجَلِ وَالْبِئْرِ وَالْمِرْسَالِ وَالْمَمْلُوكِ فِي آنِيَةٍ مِنْ غَيْرِهِ (وَلَهُ بَيْعُهُ) أَيْ مَاءِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَرْبَعٌ لَا تُمْنَعُ: الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالْحَطَبُ وَالْكَلَأُ. وَرُدَّ بِمَنْعِ بَيْعِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. ابْنُ فَرْحُونٍ قَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الْخِلَافَ
стр. 3712
إلَّا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ وَالْأَرْجَحُ بِالثَّمَنِ
ــ
[منح الجليل]
بِمَا إذَا كَانَتْ فِي أَرْضِهِ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي دُخُولِهَا لِلِاسْتِقَاءِ. وَأَمَّا الْبِئْرُ الَّتِي فِي حَائِطِ الرَّجُلِ أَوْ دَارِهِ قَدْ حَظَرَ عَلَيْهَا، فَلَهُ الْمَنْعُ مِنْ الدُّخُولِ إلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِالْحَطَبِ وَالْكَلَأِ الَّذِي فِي غَيْرِ مَنْزِلِهِ، بَلْ فِي الْفَحْصِ. وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ حَمَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَوْلَهُ ﷺ «لَا يُمْنَعُ نَقْعٌ وَلَا رَهْوُ مَاءٍ» عَلَى عُمُومِهِ، وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَتَأَوَّلَهُ مَالِكٌ " ﵁ " عَلَى مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ اهـ وَرَهْوُ الْمَاءِ مُجْتَمَعُهُ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ رَبَّ الْمَاءِ الْمُسْتَخْرَجِ يَحْفِرُ فِي أَرْضِهِ أَحَقُّ بِهِ كَالْمَاءِ الَّذِي فِي آنِيَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عِيَاضٍ فِي الْإِكْمَالِ، وَنَقَلَ الْبَاجِيَّ وَاللَّخْمِيُّ وَإِيَّاهُمْ تَبِعَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَأَخَذَ ابْنُ رُشْدٍ خِلَافَهُ مِنْ قَوْلِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْمُتَقَدِّمِ وَأَتْبَاعِهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ يُرَدُّ بِاحْتِمَالِ حَمْلِهِ عَلَى الْمِيَاهِ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ بِنُزُولِ مَطَرٍ أَوْ تَفَجُّرٍ فِيهَا دُونَ تَسَبُّبٍ فِيهِ بِحَفْرٍ وَنَحْوِهِ وَلِذَا قَارَنَهُ بِالنَّارِ وَالْحَطَبِ وَالْكَلَأِ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ مُتَعَلِّقِ قَوْلِهِ لَهُ مَنْعُهُ فَقَالَ (إلَّا مَنْ) أَيْ إنْسَانًا (خِيفَ عَلَيْهِ) الْهَلَاكُ أَوْ الْمَرَضُ الْخَطِرُ (وَ) الْحَالُ (لَا ثَمَنَ) لِلْمَاءِ الْمُحْتَاجِ لَهُ (مَعَهُ) أَيْ مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ فَيَحْرُمُ عَلَى ذِي الْمَاءِ مَنْعُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْفَاضِلَ مِنْ الْمَاءِ مَجَّانًا لِوُجُوبِ مُوَاسَاتِهِ. ابْنُ رُشْدٍ مَا كَانَ مِنْ الْمَاءِ فِي أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِثْلَ بِئْرٍ يَحْضُرُهَا أَوْ عَيْنٍ يَسْتَخْرِجُهَا أَوْ غَيْرَ مُسْتَنْبَطٍ غَدِيرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَحِلُّ لَهُ بَيْعُهُ، وَمَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ إلَّا بِثَمَنٍ إلَّا أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ، وَيُخَافَ عَلَيْهِمْ الْهَلَاكُ إنْ مَنَعَهُمْ فَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْنَعَهُمْ، فَإِنْ مَنَعَهُمْ فَعَلَيْهِمْ مُجَاهَدَتُهُ، هَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ نَهْيَهُ ﵊ عَنْ مَنْعِ نَقْعِ الْبِئْرِ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَمْنَعَ الشُّرْبَ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ الْغَدِيرِ يَكُونُ فِي أَرْضِهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ عَلَيْهِ بِهِ، وَلَهُ فِي وَاجِبِ الْحُكْمِ أَنْ يَمْنَعَ مَاءَهُ إذَا شَاءَ وَيُبِيحَهُ إذَا شَاءَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَاءُ فِي إنَاءٍ لِرَبِّهِ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْمُوَاسَاةِ.
(وَالْأَرْجَحُ) عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ مِنْ الْخِلَافِ أَخْذُهُ (بِالثَّمَنِ) " غ " يُرِيدُ إنْ كَانَ مَعَهُ ثَمَنٌ كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذِكْرَ الثَّمَنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ مَعَ وُجُودِهِ. طفي؛ لِأَنَّ تَرْجِيحَ ابْنِ يُونُسَ
стр. 3713
كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعٍ خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ، وَأَخَذَ يُصْلِحُ، وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ:
ــ
[منح الجليل]
أَخْذُهُ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ مَعَهُ، وَلَا يَتْبَعُ بِهِ دَيْنًا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الصَّيْدِ وَلَهُ الثَّمَنُ إنْ وُجِدَ. وَنَصُّ ابْنِ يُونُسَ: وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَافَ عَلَى مُسْلِمٍ الْمَوْتَ أَنْ يُحْيِيَهُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ عَلَى أَصْحَابِ الْمِيَاهِ بَيْعُهَا مِنْ الْمُسَافِرِينَ بِمَا تُسَاوِي، وَلَا يُشَطِّطُوا عَلَيْهِمْ فِي ثَمَنِهَا. وَلَمْ يَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَأْخُذُوهَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَقَالَهُ فِي الَّذِي انْهَارَتْ بِئْرُهُ أَنَّهُ يَسْقِي بِمَاءِ جَارِهِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ. ابْنُ يُونُسَ وَإِحْيَاءُ نَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ إحْيَاءِ زَرْعِهِ، وَالْأَوْلَى فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ كَمَا لَوْ مَاتَ جَمَلُهُ فِي الصَّحْرَاءِ لَكَانَ عَلَى بَقِيَّةِ الرُّفَقَاءِ أَنْ يُكْرُوا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُونَ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ وَجَبَتْ مُوَاسَاتُهُمْ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَتْبَعُوا بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَمْوَالٌ بِبَلَدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ الْيَوْمَ أَبْنَاءُ سَبِيلٍ يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ الزَّكَاةِ لِوُجُوبِ مُوَاسَاتِهِمْ اهـ.
" غ " زَادَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ فَضْلَ مَاءِ جَارِهِ لَا ثَمَنَ لَهُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهِ، فَيَصِحُّ الْجَوَابُ، وَيَكُونُ هَذَا الْمَاءُ الَّذِي بَاعَهُ لِلْمُسَافِرِينَ لَهُ ثَمَنٌ، فَاخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ مُخْتَارُونَ بِسَبَبِ السَّفَرِ، وَاَلَّذِي انْهَارَتْ بِئْرُهُ لَيْسَ بِمُخْتَارٍ.
وَشَبَّهَ فِي حُرْمَةِ الْمَنْعِ وَوُجُوبِ الْبَذْلِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْأَرْجَحِ فَقَالَ (كَفَضْلِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ زَائِدُ مَاءِ (بِئْرِ زَرْعٍ) عَنْ سَقْيِ زَرْعِ حَافِرِهِ وَ (خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ) أَيْ حَافِرِ الْبِئْرِ أَوْ نَخْلِهِ الْهَلَاكُ بِالْعَطَشِ (بِ) سَبَبِ (هَدْمِ) أَيْ انْهِدَامِ (بِئْرِهِ) أَيْ الْجَارِ أَوْ غَوْرِ مَائِهِ (وَأَخَذَ) أَيْ شَرَعَ الْجَارُ (يُصْلِحُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بِئْرَهُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ أَنَّهُ زَرَعَ عَلَى مَاءٍ فَيَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ تَمْكِينُ جَارِهِ مِنْ سَقْيِ زَرْعِهِ أَوْ شَجَرِهِ بِمَا فَضَلَ عَنْ سَقْيِ زَرْعِهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ الثَّمَنَ يَلْزَمُ الْجَارَ إنْ وُجِدَ مَعَهُ.
(وَ) إنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الْبِئْرِ مِنْ تَمْكِينِ جَارِهِ مِنْ ذَلِكَ (أُجْبِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ
стр. 3714
كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ بِصَحْرَاءَ هَدَرًا إنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمِلْكِيَّةَ
ــ
[منح الجليل]
الْمُوَحَّدَةِ صَاحِبُ الْبِئْرِ (عَلَيْهِ) أَيْ تَمْكِينِ جَارِهِ مِنْ سَقْيِ زَرْعِهِ أَوْ نَخْلِهِ لِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى زَرْعِ الْجَارِ أَوْ نَخْلِهِ أَوْ كَانَ زَرَعَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ أَوْ لَمْ تَنْهَدِمْ بِئْرُهُ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ فِي إصْلَاحِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ. فِيهَا إذَا حَرَثَ جَارُكَ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ مَاءٍ فَلَكَ مَنْعُهُ أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِك الَّتِي فِي أَرْضِك إلَّا بِثَمَنٍ إنْ شِئْت. أَبُو الْحَسَنِ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ لَهُ ثَمَنٌ. ابْنُ يُونُسَ: أَمَّا إذَا كَانَ لَا ثَمَنَ لَهُ وَلَا يَنْتَفِعُ صَاحِبُهُ بِفَضْلِهِ فَمَا الَّذِي يَمْنَعُ الْجَارَ أَنْ يَبْتَدِئَ الزَّرْعَ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ.
ابْنُ رُشْدٍ مِنْ حَقِّ مَنْ قَرُبَ مِنْ الْمَاءِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَا فَضَلَ مِنْهُ دُونَ ثَمَنٍ إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ صَاحِبُهُ ثَمَنًا بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ وَجَدَ فَعَلَى اخْتِلَافٍ. وَأَمَّا إنْ حَرَثَ وَلِأَرْضِهِ بِئْرٌ فَانْهَارَتْ فَخَافَ عَلَى زَرْعِهِ، فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ عَلَيْك بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِك بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَائِكَ فَضْلٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ " ﵁ " أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إنْ تَرَكَ التَّشَاغُلَ بِإِصْلَاحِ بِئْرِهِ اتِّكَالًا عَلَى بِئْرِ جَارِهِ فَلَا يَلْزَمُ جَارَهُ بَذْلُ الْمَاءِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ زَرَعَ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ مَاءٍ.
وَشَبَّهَ فِي الْجَبْرِ فَقَالَ (كَفَضْلِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ زَائِدُ مَاءِ (بِئْرِ) سَقْيِ (مَاشِيَةٍ) حُفِرَتْ (بِصَحْرَاءَ) لَا اخْتِصَاصَ لِأَحَدٍ بِهَا فَيَجِبُ عَلَى حَافِرِهَا دَفْعُهُ لِوَارِدِهَا (هَدَرًا) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ بِلَا عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالِكًا لَهُ فَلَا يَبِيعُهُ وَلَا يَهَبُهُ وَلَا يُورَثُ إذَا مَاتَ (إنْ لَمْ يُبَيِّنْ) حِينَ حَفْرِهِ أَنَّهُ قَصَدَ (الْمِلْكِيَّةَ) لِلْبِئْرِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ بَيَّنَهَا فَلَهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَتُورَثُ عَنْهُ إنْ مَاتَ، وَمِنْ الْبَيَانِ أَنْ يُشْهِدَ حِينَ حَفْرِهَا أَنَّهَا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً. فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَنْ حَفَرَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بِئْرَ الْمَاشِيَةِ أَوْ شَفَةً فَلَا يَمْنَعُ فَضْلَهَا مِنْ أَحَدٍ وَإِنْ مَنَعَهَا حَلَّ قِتَالُهُ وَيَغْرَمُ. دِيَةَ مَنْ مَنَعَهُ وَمَاتَ عَطَشًا. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَرِينَانِ لِاتِّبَاعِ مِيَاهِ الْمَوَاشِي وَلَا تُمْنَعُ مِنْ أَحَدٍ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا عَطَاءٌ. ابْنُ رُشْدٍ مِيَاهُ الْمَوَاشِي هِيَ الْآبَارُ وَالْمَوَاجِلُ وَالْجِبَابُ يَصْنَعُهَا الرَّجُلُ فِي الْبَرَارِي لِلْمَاشِيَةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَحْتَاجُ لِمَاشِيَتِهِ وَيَدَعُ الْفَضْلَ لِلنَّاسِ وَالْبِئْرُ وَالْمَأْجَلُ وَالْجُبُّ عِنْدَ الْإِمَامِ
стр. 3715
وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ وَلَهُ عَارِيَّةُ آلَةٍ، ثُمَّ حَاضِرٍ، ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا بِجَمِيعِ الرَّيِّ،
ــ
[منح الجليل]
مَالِكٍ " ﵁ " سَوَاءٌ، فَلَوْ أَشْهَدَ عِنْدَ حَفْرِهَا أَنَّهُ يَحْفِرُهَا لِنَفْسِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ مَائِهَا وَاسْتَحَقَّهَا مَالِكُهَا بِالْإِحْيَاءِ.
(وَ) إذَا اجْتَمَعَ عَلَى فَضْلِ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ بِصَحْرَاءَ عَنْ سَقْيِ أَهْلِهِ وَرَيٍّ جَمِيعُهُمْ مُسْتَحِقُّونَ، وَهُوَ يَكْفِيهِمْ (بُدِئَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِ) سَقْيِ ذَاتِ (مُسَافِرٍ) عَلَى سَقْيِ حَاضِرٍ، أَيْ مُقِيمٍ بِبَلَدِ الْمَاءِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُسَافِرِ عَلَى الْحَاضِرِ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ الْمَاءِ أَوْ غَيْرَهُ (عَارِيَّةٌ) أَيْ إعَارَةُ (آلَةٍ) لِلْمَاءِ كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ وَحَوْضٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى إخْرَاجِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ لِابْنِ السَّبِيلِ عَارِيَّةُ الدَّلْوِ وَالرِّشَاءِ وَالْحَوْضِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ أَدَاةٌ يُعِينُهُ بِهَا وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّكِيَّةِ فَيَسْقِي. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ عَارِيَّةِ الْآلَةِ لِلْمَلِيءِ وَالْفَقِيرِ، وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا لَمْ يَتَّخِذْهَا لِلْكِرَاءِ. ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَاهُ لَوْ اتَّخَذَهَا مَالِكُهَا لِلْكِرَاءِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ عَارِيَّتُهَا لِلْمُسَافِرِ، وَمُقْتَضَى الرِّوَايَةِ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ وُجُوبِ عَارِيَّتِهَا بِاضْطِرَارِ الْمُسَافِرِ بِمَحَلٍّ هُوَ مَظِنَّةُ عَدَمِ اتِّخَاذِ الْآلَةِ لِلْكِرَاءِ، فَلَا يُنْتَقَضُ ذَلِكَ بِنُدُورِ اتِّخَاذِهَا لَهُ فِيهِ حَسَبَ مَا تَقَرَّرَ فِي التَّعْلِيلِ بِالْمَظِنَّةِ.
(ثُمَّ) يُبْدَأُ بَدْءًا إضَافِيًّا أَيْضًا بِشَخْصٍ (حَاضِرٍ) أَيْ مُقِيمٍ فِي بَلَدِ الْمَاءِ غَيْرِ صَاحِبِهِ (ثُمَّ) يُبْدَأُ بِسَقْيِ (دَابَّةِ رَبِّهَا) أَيْ الْبِئْرِ الَّتِي هُوَ رَاكِبُهَا ثُمَّ دَابَّةِ الْمُسَافِرِ ثُمَّ دَابَّةِ الْحَاضِرِ ثُمَّ مَاشِيَةِ رَبِّهَا ثُمَّ مَاشِيَةِ الْحَاضِرِ وَكُلِّ مَنْ قَدِمَ (فَ) يُقَدَّمُ (بِجَمِيعِ الرَّيِّ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا مَصْدَرُ رَوِيَ بِكَسْرِ الْوَاوِ لَهُ. ابْنُ رُشْدٍ وَجْهُ التَّبْدِئَةِ فِي الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْبِئْرِ وَالْمَارَّةُ وَسَائِرُ النَّاسِ إذَا كَانَ الْمَاءُ يَقُومُ بِالْجَمِيعِ أَنْ يُبْدَأَ أَوَّلًا بِأَهْلِ الْمَاءِ، فَيَأْخُذُوا لِأَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ الْمَارَّةِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ سَائِرِ النَّاسِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ دَوَابِّ أَهْلِ الْمَاءِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ دَوَابِّ الْمُسَافِرِينَ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ دَوَابِّ سَائِرِ النَّاسِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ مَوَاشِي أَهْلِ الْمَاءِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ مَوَاشِي الْمُسَافِرِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ الْفَضْلُ لِسَائِرِ مَوَاشِي النَّاسِ.
الْخَرَشِيُّ ثُمَّ مَوَاشِي رَبِّهِ، ثُمَّ مَوَاشِي الْمُسَافِرِ، ثُمَّ مَوَاشِي الْحَاضِرِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ الْمُصَنِّفُ
стр. 3716
وَإِلَّا بِنَفْسِ الْمَجْهُودِ
ــ
[منح الجليل]
بِالْمُسَافِرِ وَالْحَاضِرِ اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَ فِي أَرْبَابِهَا وَسُكُوتُهُ فِيهَا عَنْ مَاشِيَةِ الْمُسَافِرِ، اعْتَذَرُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا مَاشِيَةَ لَهُ، وَأُخِّرَتْ مَوَاشِي الْمُسَافِرِ عَنْ دَابَّتِهِ لَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ لَا تُذَكَّى إذَا خِيفَ مَوْتُهَا بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ. الْعَدَوِيُّ فِيهِ أَنَّهُ قُدِّمَتْ دَابَّةُ الْمُسَافِرِ عَلَى دَابَّةِ غَيْرِهِ لِاسْتِعْجَالِهِ فَيُفِيدُ أَنَّ مَاشِيَتَهُ تَكُونُ مَعَ دَابَّتِهِ وَلَا تُؤَخَّرُ عَنْهَا كَمَا هُوَ الْوَجْهُ، فَمَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ تَأْخِيرِ مَوَاشِي الْمُسَافِرِ عَنْ دَابَّتِهِ، وَأَنَّهَا بَعْدَ مَاشِيَةِ أَهْلِ الْمَاءِ فِيهِ نَظَرٌ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ كَافِيًا لِجَمِيعِ الْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ (فَ) يُبْدَأُ (بِنَفْسِ) الشَّخْصِ (الْمَجْهُودِ) أَيْ الَّذِي اشْتَدَّ عَطَشُهُ وَخِيفَ هَلَاكُهُ آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ " غ " رَاجِعٌ لِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَضْلٌ بُدِئَ بِنَفْسِ الْمَجْهُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ فَيَجْمَعُ الرَّيَّ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفَضْلِ رَيُّ الْجَمِيعِ. ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَاءِ فَضْلٌ وَتَبْدِئَةُ أَحَدِهِمْ تُجْهِدُ الْآخَرِينَ فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِأَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ مَنْ كَانَ الْجَهْدُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ بِتَبْدِئَةِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْجَهْدِ تَوَاسَوْا. هَذَا مَذْهَبُ أَشْهَبَ.
وَذَهَبَ ابْنُ لُبَابَةَ أَنَّهُمْ إذَا تَسَاوَوْا فِي الْجَهْدِ فَأَهْلُ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالتَّبْدِئَةِ لِأَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ، وَأَمَّا إنْ قَلَّ الْمَاءُ وَخِيفَ عَلَى بَعْضِهِمْ بِتَبْدِئَةِ بَعْضٍ الْهَلَاكُ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ أَهْلُ الْمَاءِ فَيَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ عَنْهُمْ الْخَوْفَ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ الْمُسَافِرُ لِنَفْسِهِ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهُ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ أَهْلُ الْمَاءِ لِدَوَابِّهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ عَنْهَا الْخَوْفَ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ الْمُسَافِرُ لِدَوَابِّهِ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهَا، وَلَا اخْتِلَافَ عِنْدِي فِي هَذَا الْوَجْهِ.
طفي الِاحْتِمَالَانِ رَاجِعَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ أَمَسُّ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ فَرَضَ الْكَلَامَ فِي الْفَضْلِ عَنْ أَهْلِ الْبِئْرِ، وَلِذَا قَالَ وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ، وَالْأَئِمَّةُ فَرَضُوا الْكَلَامَ فِيمَنْ يَقْدَمُ فِي الْمَاءِ ابْتِدَاءً، ثُمَّ رَتَّبُوا عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ. ابْنُ عَرَفَةَ مَا حُفِرَ فِي الْفَيَافِي وَالطُّرُقِ مِنْ الْمَوَاجِلِ كَمُوَاجَلِ طُرُقِ الْمَغْرِبِ. كَرِهَ مَالِكٌ " ﵁ " بَيْعَ مَائِهَا وَلَمْ يَرَهُ حَرَامًا بَيِّنًا، وَهِيَ مِثْلُ آبَارِ الْمَاشِيَةِ فِي الْمَهَامِهِ، وَكَرِهَ بَيْعَ أَصْلِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ أَوْ مَائِهَا أَوْ فَضْلَهَا
стр. 3717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
حُفِرَتْ فِي جَاهِلِيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ قَرُبَتْ مِنْ الْعُمْرَانِ أَوْ بَعُدَتْ، وَأَهْلُهَا أَحَقُّ بِمَائِهَا حَتَّى يَرْوُوا وَمَا فَضَلَ بَيْنَ النَّاسِ بِالسَّوَاءِ إلَّا مَنْ مَرَّ بِهِمْ لِسَقْيِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ فَلَا يُمْنَعُونَ وَلَمَّا ذَكَرَ الْبَاجِيَّ قَوْلَهَا فِي الْمَوَاجِلِ، قَالَ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ فِي جِبَابِ الْبَادِيَةِ الَّتِي لِلْمَاشِيَةِ نَحْوَهُ، قِيلَ لَهُ فَالْجِبَابُ الَّتِي تُجْعَلُ لِمَاءِ السَّمَاءِ، قَالَ: ذَلِكَ أَبْعَدُ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: لَهُ مَنْعُ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَالْبِئْرِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا تُورَثُ بِئْرُ الْمَاشِيَةِ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُبَاعُ وَإِنْ احْتَاجَ. أَرَادَ لَا تُورَثُ عَلَى مَعْنَى الْمِلْكِ وَلَا حَظَّ فِيهَا لِزَوْجَةٍ وَلَا زَوْجٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا وَرَوَوْا: حَافِرُهَا وَوَرَثَتُهُ أَحَقُّ بِحَاجَتِهِمْ مِنْ مَائِهَا. ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا إرْثَ فِي بِئْرِ الْمَاشِيَةِ بِمَعْنَى الْمِلْكِ، وَمَنْ اسْتَغْنَى مِنْهُمْ عَنْ حَقِّهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَحَدًا، وَسَائِرُ أَهْلِ الْبِئْرِ أَوْلَى مِنْهُ، وَمِمَّنْ غَابَ وَسُئِلَ أَشْهَبُ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ " ﵁ " لَا تُبَاعُ وَلَا تُورَثُ بِمَعْنَى لَا تَنْفُذُ فِيهَا الْوَصِيَّةُ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَفِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ لَا أَرَى بَيْعَهَا حَرَامًا. وَظَاهِرُ الْمَجْمُوعَةِ خِلَافُ ذَلِكَ، لِقَوْلِ مَالِكٍ فِيهَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَعَلَّلَهُ أَشْهَبُ بِأَنَّ مَا يَشْتَرِيهِ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِي مِنْ مَائِهَا مَا يَرْوِيهِ، وَهُوَ مَجْهُودٌ، وَلَوْ كَانَ لِذَلِكَ لَجَازَ أَنْ تُورَثَ أَوْ تُوهَبَ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تَمْنَعُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تُبَاعُ؛ لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِيهَا مَنَافِعَ.
الْبَاجِيَّ وَعِنْدِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ إذَا حَفَرَهُ عَلَى مَعْنَى انْفِرَادِهِ بِهِ، وَإِنْ حَفَرَهُ بِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ لِفَضْلِهِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَحُكْمِ التَّبْدِئَةِ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَتْ لَهُمْ سُنَّةٌ بِتَقَدُّمِ الْمَالِ الْكَثِيرِ أَوْ قَوْمٍ عَلَى قَوْمٍ أَوْ كَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ خُلُّوا عَلَيْهَا وَإِلَّا اسْتَهَمُوا. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ لَا يُمْنَعُ ابْنُ السَّبِيلِ مِنْ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى مَنْ احْتَفَرَ بِئْرًا: إنَّ أَوَّلَ مَنْ يَشْرَبُ مِنْهَا ابْنُ السَّبِيلِ. ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُمْنَعُ مِنْهَا ابْنُ السَّبِيلِ بَعْدَ رَيِّ أَهْلِهَا، فَإِنْ مَنَعُوهُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ دِيَةُ جِرَاحِهِمْ لِحَدِيثِ «لَا يُمْنَعُ نَفْعُ بِئْرٍ» ، وَلَوْ مَنَعُوا الْمُسَافِرِينَ حَتَّى مَاتُوا عَطَشًا فَدِيَاتُهُمْ عَلَى عَوَاقِلِ الْمَانِعِينَ وَعَلَى كُلِّ رَجُلٍ كَفَّارَةٌ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ وَجِيعِ الْأَدَبِ وَلِأَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ السَّبِيل أَنْ يَشْرَبَ وَيَسْقِيَ دَوَابَّهُ مِنْ فَضْلِ الْآبَارِ
стр. 3718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَالْمَوَاجِلِ، إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فَضْلٌ، وَاضْطُرَّتْ دَوَابُّهُمْ إلَيْهِ وَمَسَافَةُ مَاءٍ آخَرَ بَعِيدَةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ أُسْوَةً بَيْنَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْمِيَاهِ غَوْثٌ أَقْرَبُ مِنْ غَوْثِ السَّفَرِ، فَيَكُونُ السَّفَرُ أَوْلَى بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْآبَارِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ابْنُ السَّبِيلِ أَوَّلُ مَنْ يَشْرَبُ بِهَا، وَهُوَ حَسَنٌ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ وَيَتَزَوَّدُ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ مِثْلُ تِلْكَ الضَّرُورَةِ لِقُرْبِ غَوْثِهِمْ وَجِمَامِ بِئْرِهِمْ، وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ، لَا تُبَاعُ مِيَاهُ الْمَوَاشِي إنَّمَا يَشْرَبُ بِهَا أَهْلُهَا وَيَشْرَبُ بِهَا أَبْنَاءُ السَّبِيلِ، وَلَا تُمْنَعُ مِنْ أَحَدٍ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا عَطَاءٌ.
ابْنُ رُشْدٍ مِيَاهُ الْمَوَاشِي هِيَ الْآبَارُ وَالْمَوَاجِلُ وَالْجِبَابُ يَصْنَعُهَا الرَّجُلُ فِي الْبَرَارِي لِلْمَاشِيَةِ هُوَ أَحَقُّ بِمَا يَحْتَاجُ وَيَدَعُ الْفَضْلَ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ فِي السَّمَاعِ تَسَاوِي أَهْلِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِمْ فِيهِ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَشْرَبُ أَهْلُهَا ثُمَّ يَشْرَبُ ابْنُ السَّبِيلِ قَالُوا وَفِيهِ لِلتَّرْتِيبِ لَا لِلتَّشْرِيكِ فَإِنْ تَشَاحَّ أَهْلُ الْبِئْرِ فِي التَّبْدِئَةِ بُدِئَ الْأَقْرَبُ إلَى حَافِرِهَا، فَالْأَقْرَبُ قُلْت مَاشِيَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ إلَيْهِ اسْتَهَمُوا هَذَا عِنْدِي إنْ اسْتَوَى فَعَدَدُهُمْ مِنْ حَافِرِهَا وَالْأَقْدَمُ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ، فَالْأَقْرَبُ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ أَرَى أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ غَنَمُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَغَنَمُ الْآخَرِ مِائَتَيْنِ وَالْمَاءُ إنَّمَا يَكْفِي مِائَةً قُسِّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَكَذَا فِي الزَّرْعِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْبَيَانِ إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْمَاءِ وَالْمَارَّةُ وَالْمَاءُ يَكْفِيهِمْ بُدِئَ بِأَنْفُسِ أَهْلِ الْمَاءِ ثُمَّ أَنْفُسِ الْمَارَّةِ ثُمَّ دَوَابِّهِمَا ثُمَّ مَوَاشِي أَهْلِ الْمَاءِ ثُمَّ مَوَاشِي النَّاسِ، وَبَدَأَ أَشْهَبُ بِدَوَابّ الْمُسَافِرِ مِنْ قَبْلِ دَوَابِّ أَهْلِ الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهُمْ وَتَبْدِئَةُ أَحَدِهِمْ تُجْهِدُ الْآخَرِينَ بُدِئَ مَنْ الْجَهْدِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ بِتَبْدِئَةِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْجَهْدِ فَقِيلَ يَتَسَاوَوْنَ فِيهِ، وَقِيلَ يَبْدَأُ أَهْلُ الْمَاءِ لِأَنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ الْمُسَافِرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ أَهْلُ الْمَاءِ لِدَوَابِّهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ الْمُسَافِرُونَ لِدَوَابِّهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَالْبِئْرُ وَالْمَاجِلُ وَالْجُبُّ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " ﵁ " سَوَاءٌ.
стр. 3719
وَإِنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُبَاحٍ سُقِيَ الْأَعْلَى، إنْ تَقَدَّمَ لِلْكَعْبِ، وَأُمِرَ بِالتَّسْوِيَةِ، وَإِلَّا: فَكَحَائِطَيْنِ،
ــ
[منح الجليل]
وَإِنْ سَالَ) أَيْ اجْتَمَعَ (مَطَرٌ بِ) مَكَان (مُبَاحٍ) الِانْتِفَاعُ بِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَبِقُرْبِهِ بَسَاتِينُ وَمَزَارِعُ (سُقِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْبُسْتَانُ أَوْ الْمُزْرَعُ (الْأَعْلَى) أَيْ الْأَقْرَبُ لِلْمَاءِ قَبْلَ سَقْيِ غَيْرِهِ (إنْ تَقَدَّمَ) إحْيَاءُ الْأَعْلَى عَلَى إحْيَاءِ الْأَسْفَلِ أَوْ اسْتَوَيَا فِي الْإِحْيَاءِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ إحْيَاءُ الْأَسْفَلِ قُدِّمَ سَقْيُ الْأَسْفَلِ إنْ خِيفَ هَلَاكُهُ وَالْأَقْدَمِ إلَّا عَلَى الْمُتَأَخِّرِ إحْيَاؤُهُ، فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ، فَلَوْ قَالَ إنْ تَقَدَّمَ أَوْ سَاوَى كَانَ تَأَخُّرُ مَا لَمْ يُخَفْ هَلَاكُ الْأَسْفَلِ لَكَانَ أَحْسَنَ قَالَهُ عج، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَقْدِيمَ السَّابِقِ فِي الْإِحْيَاءِ مُطْلَقًا تَبَعًا لِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَاحْتُرِزَ بِمُبَاحٍ مِنْ سَيَلَانِهِ بِمَكَانٍ مَمْلُوكٍ فَلِصَاحِبِهِ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَسْتَحِقُّ الْمُقَدَّمُ فِي السَّقْيِ بُلُوغَ الْمَاءِ فِيهِ (لِلْكَعْبِ) مِنْ الرَّجُلِ الْوَاقِفِ فِيهِ، ثُمَّ يُرْسَلُ لِلَّذِي يَلِيهِ جَمِيعُ الْمَاءِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ وَهْبٍ يُحْبَسُ مَا بَلَغَ الْكَعْبَ فِي الْأَعْلَى وَيُرْسَلُ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِلَّذِي يَلِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
(وَأُمِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ صَاحِبُ الْأَعْلَى (بِالتَّسْوِيَةِ) لِأَرْضِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَوِيَةً بِأَنْ كَانَ بَعْضُهَا عَالِيًا وَبَعْضُهَا وَاطِيًا إنْ أَمْكَنَتْهُ التَّسْوِيَةُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْهُ التَّسْوِيَةُ، وَكَانَ الْمَاءُ لَا يَبْلُغُ الْكَعْبَ فِي الْأَعْلَى إلَّا وَقَدْ بَلَغَ أَكْثَرَ مِنْهُ جِدًّا فِي الْأَسْفَلِ (فَ) الْأَعْلَى الَّذِي لَمْ تَسْتَوِ أَرْضُهُ (كَحَائِطَيْنِ) حَائِطٍ أَعْلَى وَحَائِطٍ أَسْفَلَ فَيُسْقَى الْأَعْلَى وَحْدَهُ لِلْكَعْبِ، ثُمَّ يُسْقَى الْأَسْفَلُ كَذَلِكَ رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ " ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ يُمْسِكُ الْأَعْلَى إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ» أَبُو عُمَرَ هُمَا وَادِيَانِ بِالْمَدِينَةِ يَسِيلَانِ بِالْمَطَرِ تَنَافَسَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي سَيْلِهِمَا.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَاءٍ غَيْرِ مُتَمَلَّكٍ يَجْرِي مِنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ دُونَهُمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَاءُ أَرْضَهُ أَوَّلًا فَهُوَ أَحَقُّ بِالسَّقْيِ بِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ فِي أَرْضِهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ يُرْسَلُ جَمِيعُ الْمَاءِ إلَى الْأَسْفَلِ أَوْ لَا يُرْسَلُ عَلَيْهِ إلَّا مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ
стр. 3720
وَقُسِمَ لِلْمُتَقَابَلَيْنِ.
ــ
[منح الجليل]
وَابْنُ وَهْبٍ يُرْسَلُ عَلَى الْأَسْفَلِ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلْ يُرْسَلُ جَمِيعُ الْمَاءِ وَلَا يُحْبَسُ شَيْءٌ مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَكَانَ الْخَطِيبُ الْحَفَّارُ مِنْ أَشْيَاخِ أَشْيَاخِنَا يُفْتِي بِأَنَّ الْمَاءَ الْهَابِطَ كَكَنْزٍ غَيْرِ مُتَمَلَّكٍ. وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ لُبٍّ مَاءُ الْأَوْدِيَةِ غَيْرُ مُتَمَلَّكٍ يُسْقَى بِهِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، وَاتِّفَاقُ مَنْ اتَّفَقَ مِمَّنْ دَرَجَ عَلَى مَا يُخَالِفُ هَذَا الْأَصْلَ لَا يَلْزَمُ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَهُ سَعَةٌ فِي فَتْوَى أُخْرَى، لَكِنْ السَّوَاقِي الْقَدِيمَةُ تَتَعَلَّقُ بِهَا حُقُوقُ الْمُنْتَفِعِينَ بِمَائِهَا وَتَصِيرُ تِلْكَ الْحُقُوقُ مَمْلُوكَةً لَهُمْ بِطُولِ حِيَازَتِهِمْ فَلَا يُسْمَحُ لِقَوْمٍ أَنْ يَرْفَعُوا سَاقِيَةً فِي هَذِهِ.
السَّاقِيَةِ الْبَاجِيَّ إنْ كَانَ بَعْضُ الْحَائِطِ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ فَقَالَ سَحْنُونٌ يُؤْمَرُ أَنْ يَعْدِلَ أَرْضَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ عَلَى أَرْضِهِ كُلِّهَا الْمَاءَ إلَى الْكَعْبَيْنِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ تَسْوِيَتُهُ سُقِيَ كُلُّ مَكَان وَحْدَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ أَحْيَا رَجُلٌ بِمَاءِ سَيْلٍ ثُمَّ أَحْيَا فَوْقَهُ غَيْرُهُ وَأَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْمَاءِ وَيَسْقِيَ قَبْلَ الْأَسْفَلِ الَّذِي أَحْيَا قَبْلَهُ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ عَمَلَ الْأَسْفَلِ وَيُتْلِفُ زَرْعَهُ، فَقَالَ سَحْنُونٌ الْقَدِيمُ أَوْلَى بِالْمَاءِ، وَقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ إنْ أُحْدِثَ إحْيَاءُ الْأَعْلَى فَالْأَقْدَمُ أَحَقُّ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ. وَتُورِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي تَرْكِ قَيْدِ الْخَوْفِ لَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، وَقَالَ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَرَى سَحْنُونٌ الْأَقْدَمَ أَوْلَى إذَا فَقَدَ هَذَا الشَّرْطَ، فَجَزْمُ عج بِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ. وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يَقْتَضِي إبْقَاءَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَأَنَّهُ تَبِعَ ظَاهِرَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ، ثُمَّ قَالَ فَفِي شَرْطِ تَقَدُّمِ الْأَسْفَلِ عَلَى الْأَعْلَى بِمُجَرَّدِ تَقَدُّمِ إحْيَائِهِ عَلَى الْأَعْلَى مَعَ خَوْفِ هَلَاكِ زَرْعِهِ ثَالِثُهَا مَعَ انْفِرَادِهِ بِالِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ، لِنَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ ظَاهِرِ سَمَاعِ أَصْبَغَ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ وَتَفْسِيرُ أَصْبَغَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. اهـ. فَجُعِلَ قَوْلُ سَحْنُونٍ خِلَافًا لَا تَقْيِيدًا قَالَهُ طفي.
(وَقُسِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَاءُ الْجَارِي مِنْ نَحْوِ الْمَطَرِ (لِ) حَائِطَيْنِ مَثَلًا (الْمُتَقَابِلَيْنِ) عَلَيْهِ بِأَنْ أَحَاطَا بِهِ مِنْ جَانِبَيْهِ. سَحْنُونٌ فَإِنْ كَانَ الْجَانِبَانِ مُتَقَابِلَيْنِ فِيمَا حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَعْلَى فَالْأَعْلَى قُسِمَ الْمَاءُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَسْفَلُ مُقَابِلًا لِبَعْضِ الْأَعْلَى حُكِمَ لِمَا كَانَ أَعْلَى بِحُكْمِ الْأَعْلَى، وَلِمَا كَانَ مُقَابِلًا بِحُكْمِ الْمُقَابِلِ، وَهَذَا اسْتَوَيَا فِي زَمَنِ الْإِحْيَاءِ وَالْأَقْدَمُ الْأَسْبَقُ فِيهِ
стр. 3721
كَالنِّيلِ، وَإِنْ مُلِكَ أَوَّلًا قُسِمَ بِقِلْدٍ،
ــ
[منح الجليل]
بِالْأَوْلَى مِنْ تَقْدِيمِ الْأَسْفَلِ الْمُتَقَدِّمِ فِيهِ أَفَادَ الْبُنَانِيُّ أَرَادَ بِهِ قَوْلَ الْخَرَشِيِّ وعب، ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَسْتَوِيَا فِي زَمَنِ الْإِحْيَاءِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النَّقْلِ، وَهَلْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ مُطْلَقًا أَوْ بِحَسَبِ مِسَاحَتِهِمَا كَفَدَّانٍ وَالْآخَرُ نِصْفُ فَدَّانٍ، فَلِلْأَوَّلِ الثُّلُثَانِ، وَلِلثَّانِي الثُّلُثُ، ثُمَّ تَوَقَّفَ فِيهِ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الشُّرَّاحِ.
وَشَبَّهَ الْمُصَنِّفُ بِمَا سَالَ مِنْ الْمَطَرِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَقَالَ (كَالنِّيلِ) بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ نَهْرِ مِصْرَ الْبَاجِيَّ مَا لَا يُمْلَكُ كَالسُّيُولِ وَالْأَمْطَارِ إنْ كَانَ طَرِيقُهُ فِي أَرْضٍ لَا تُمْلَكُ كَشِعَابِ الْجِبَالِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مِثْلَ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ يَأْتِي حَتَّى يُحَاذِيَ مَجْرَى الْمَاءِ فِي جَانِبَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَزَارِعُ وَحَدَائِقُ يُسْقَوْنَ بِهَا فَحُكْمُهُ أَنْ نَسْقِيَ بِهِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى إذَا كَانَ إحْيَاؤُهُمْ مَعًا أَوْ إحْيَاءُ الْأَعْلَى قَبْلُ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - ابْنُ نَافِعٍ وَهَذَا حُكْمُ النِّيلِ.
(وَإِنْ مُلِكَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَاءُ (أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ مُنَوَّنًا، أَيْ ابْتِدَاءً لِأَصْحَابِ الْحَوَائِطِ وَالْمَزَارِعِ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى إجْرَائِهِ لِأَرْضِهِمْ (قُسِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَاءُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ حِصَصِهِمْ فِيهِ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ، وَصِلَةُ قُسِمَ (بِقِلْدٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ. ابْنُ عَرَفَةَ ضَبَطَهُ عِيَاضٌ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ. غَيْرَ وَاحِدٍ هِيَ الْقَدْرُ الَّتِي يُقْسَمُ بِهَا الْمَاءُ، وَهُوَ أَكْثَرُ الْمُرَادِ هُنَا، وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي، بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ هُوَ الْحَظُّ مِنْ الْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَهُوَ سَقْيُ الزَّرْعِ وَقْتَ حَاجَتِهِ.
قُلْت هُوَ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ الْآلَةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا لِإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَظٍّ مِنْ الْمَاءِ حَظَّهُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ، وَلِلْمُتَقَدِّمَيْنِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي حَقِيقَتِهِ أَقْوَالٌ وَتَعَقُّبَاتٌ بِاخْتِلَافِ جَرْيِ الْمَاءِ الَّذِي يُقْسَمُ بِمُدَّتِهِ لِقِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ وَسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ بِاللَّيْلِ وَبُطْئِهَا بِالنَّهَارِ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَاءُ غَيْرَ مُتَنَافَسٍ فِيهِ جِدًّا، فَالتَّقَارُبُ فِيهِ كَافٍ بِأَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، وَإِنْ عَزَّ ثَمَنُهُ انْبَغَى تَحْقِيقُ مَا يُحَقَّقُ بِهِ بِأَنْ يُقْسَمَ مَاءُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ وَمَاءُ النَّهَارِ وَحْدَهُ بِالسَّاعَاتِ الرَّمْلِيَّةِ الْمُحَقِّقَةِ.
стр. 3722
أَوْ غَيْرِهِ، وَأُقْرِعَ لِلتَّشَاحِّ فِي السَّبْقِ
وَلَا يُمْنَعُ صَيْدُ سَمَكٍ، وَإِنْ مِنْ مِلْكِهِ وَهَلْ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَقَطْ؟ أَوْ إلَّا أَنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ؟ تَأْوِيلَانِ
ــ
[منح الجليل]
عِيَاضٌ إذَا جُعِلَ قَسْمُ اللَّيْلِ عَلَى حِدَةٍ وَالنَّهَارِ عَلَى حِدَةٍ سَلِمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الضَّرُورَةُ دَعَتْ إلَى هَذَا، وَهُوَ غَايَةُ الْمَقْدُورِ كَقَسْمِ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ وَبَعْضُهَا جَيِّدُ الْبِنَاءِ وَبَعْضُهَا وَاهٍ وَالْأَرْضِ الْوَاحِدَةِ، وَبَعْضُهَا كَرِيمٌ وَبَعْضُهَا دَنِيءٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِي ذَلِكَ وَابْتِدَاءُ زَمَنِ الْحَظِّ مِنْ الْمَاءِ مِنْ حِينِ ابْتِدَاءِ جَرْيِهِ لِأَرْضِ ذِي الْحَظِّ وَلَوْ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَصْلُ أَرَاضِيِهِمْ شَرِكَةً ثُمَّ قُسِمَتْ بَعْدَ شَرِكَتِهِمْ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّ عَلَى ذَلِكَ قُسِمَتْ الْأَرْضُ حِينَ قَسْمِهَا وَإِلَّا فَمِنْ وُصُولِهِ لِأَرْضِهِ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ الْقِلْدِ مِنْ الْآلَاتِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا لِإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنْ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ، ثُمَّ إنْ رَضِيَ الشُّرَكَاءُ بِتَقْدِيمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. (وَ) إلَّا (أُقْرِعَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَيْنَهُمْ (لِ) إزَالَةِ (التَّشَاحِّ) أَيْ التَّنَازُعِ الْحَاصِلِ بَيْنَهُمْ (فِي السَّبْقِ) السَّقْيِ الْبَاجِيَّ يَأْخُذُ كُلُّ أَحَدٍ مَاءَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا يَشَاءُ، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فِي التَّبْدِئَةِ اسْتَهَمُوا عَلَيْهَا
(وَلَا يُمْنَعُ) بِضَمِّ الْيَاءِ أَحَدٌ (صَيْدُ سَمَكٍ) مِنْ مَاءِ الْأَوْدِيَةِ وَالْأَنْهَارِ وَالْأَرَاضِي الَّتِي لَمْ تُمْلَكْ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ وَالصَّيْدَ مُبَاحَانِ لِلسَّابِقِ إلَيْهِمَا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْمَاءُ الَّذِي فِيهِ السَّمَكُ فِي أَرْضٍ (مِنْ مِلْكِهِ) أَيْ الْمَانِعِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لَا أَرَى لَهُ مَنْعَ أَحَدٍ يَصِيدُهُ فِيهَا إذَا كَانَ غَدِيرٌ أَوْ بِرْكَةٌ أَوْ بُحَيْرَةٌ فِي أَرْضِكَ، وَفِيهَا سَمَكٌ فَلَا تَمْنَعُ مَنْ يَصِيدُ فِيهَا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ.
(وَهَلْ) عَدَمُ الْمَنْعِ مِنْهُ (فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ) أَيْ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْقَهْرِ وَالْقِتَالِ (فَقَطْ) أَيْ أَرْضِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ وَقْفٌ فَلَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ. وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلِمَالِكِهَا مَنْعُهُ (أَوْ) عَدَمُ الْمَنْعِ مُطْلَقًا عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ، فَلَا يَمْنَعُهُ فِي غَيْرِهَا أَيْضًا فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ) فِيهَا فَلَهُ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي
стр. 3723
وَكَلَإٍ بِفَحْصٍ، وَعَفَا
ــ
[منح الجليل]
الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ فَهْمَانِ لِشَارِحَيْهَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ تَوَالَدَ السَّمَكُ فِي الْمَاءِ أَوْ انْجَرَّ إلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ تَوَالَدَ فَلَهُ مَنْعُهُ، وَإِنْ جَرَّهُ الْمَاءُ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ. فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَأَلْت الْإِمَامَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ بُحَيْرَاتٍ تَكُونُ عِنْدَنَا بِمِصْرَ لِأَهْلِ قُرًى أَرَادَ أَهْلُهَا بَيْعَ سَمَكِهَا لِمَنْ يَصِيدُهُ مِنْهَا، فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ تُبَاعَ؛ لِأَنَّهَا تَقِلُّ وَتَكْثُرُ، وَلَا يُدْرَى كَيْفَ تَكُونُ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ تِلْكَ الْبُحَيْرَةِ يَصِيدُ فِيهَا. وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَقَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ مُنِعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ لَهُمْ، إذْ أَرْضُ مِصْرَ وَقْفٌ وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مِلْكًا لَهُمْ لَكَانَ لَهُمْ مَنْعُ النَّاسِ مِنْهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ إنَّمَا لَا يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْهُ إذَا كَانَ هُوَ لَا يَصِيدُهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ وَبَيْعُهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ فَلَا يَمْنَعُ النَّاسَ هَذَا مُحَصَّلُ مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَنَصُّهُ إثْرَ قَوْلِهَا وَلَا يُمْنَعُ مَنْ يَصِيدُ فِيهَا وَلَا الشُّرْبُ مِنْهَا. ابْنُ الْكَاتِبِ إنَّمَا قَالَ لَا يَمْنَعُ أَرْبَابُهَا النَّاسَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ لَهُمْ، وَإِنَّمَا هُمْ مُتَوَلُّونَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْضُ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضُ خَرَاجِ السُّلْطَانِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ أَرْضَ إنْسَانٍ وَمِلْكَهُ لَكَانَ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَوَابِهِ عَمَّا حَفَرَ فِي أَرْضِهِ أَنَّ لَهُ مَنْعَ مَائِهِ مِنْ النَّاسِ وَلَهُ بَيْعُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ شُيُوخِنَا الْقَرَوِيِّينَ إنَّمَا لَا يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْهَا إذَا كَانَ لَا يَصِيدُهُ، إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ فَلَا يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ فِي الْكَلَأِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ بِرَعْيٍ أَوْ بَيْعٍ فَلَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ وَلَا وَجَدَ لَهُ ثَمَنًا فَلْيُخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ فَكَذَلِكَ بِرَكُ الْحِيتَانِ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.
(وَلَا) يُمْنَعُ (كَلَأٌ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ فَهَمْزٌ مَقْصُورٌ، أَيْ الْخَلَاءُ النَّابِتُ بِنَفْسِهِ (بِفَحْصٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، أَيْ أَرْضٍ لَمْ تُزْرَعْ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا (وَعَفَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ مَقْصُورًا، أَيْ الدَّارِسِ الَّذِي لَا يَزْرَعُ جَمْعُ عَافٍ قَالَهُ
стр. 3724
لَمْ يَكْتَنِفْهُ زَرْعَهُ بِخِلَافِ مَرْجِهِ وَحِمَاهُ.
ــ
[منح الجليل]
ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ (لَمْ يَكْتَنِفْهُ) أَيْ الْكَلَأَ (زَرْعُهُ) أَيْ صَاحِبُ الْأَرْضِ، فَإِنْ اكْتَنَفَهُ زَرْعُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي وُصُولِ النَّاسِ بِدَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ إلَيْهِ فَلَهُ مَنْعُهُ (بِخِلَافِ) الْكَلَإِ النَّابِتِ فِي (مَرْجِهِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ مَوْضِعِ رَعْيِ دَوَابِّهِ (وَ) فِي (حِمَاهُ) أَيْ الْمَوْضِعِ الَّذِي بَوَّرَهُ لِنَبَاتِ الْكَلَأِ فِيهِ لِرَعْيِ دَوَابِّهِ فَلَهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ بِالْأَوْلَى أَنَّ لَهُ مَنْعَ كَلَأِ أَرْضِهِ الَّتِي حَظَرَهَا بِحَائِطٍ أَوْ زَرْبٍ فِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ خِصْبًا فِي أَرْضِك مِمَّنْ يَرْعَاهُ عَامَهُ بَعْدَ نَبَاتِهِ وَحُصُولِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ الْخِصْبُ الَّذِي يَبِيعُهُ وَيَمْنَعُ النَّاسُ النَّاسَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ مَا فِي مَرْجِهِ وَحِمَاهُ ابْنُ رُشْدٍ مَا بِالْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ أَقْسَامٌ: الْمُحَظَّرَةُ بِالْحِيطَانِ، كَالْحَوَائِطِ وَالْجَنَّاتِ رَبُّهَا أَحَقُّ بِمَا بِهَا مِنْ الْكَلَأِ، وَلَهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الرَّعْيَ وَالِاحْتِشَاشَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ.
وَأَمَّا الْعَفَاءُ وَالْمَسْرَحُ مِنْ أَرْضٍ قَرِيبَةٍ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ مَا بِهَا مِنْ كَلَأٍ وَلَا مَنْعُ أَحَدٍ مِنْ فَضْلِ حَاجَتِهِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَضُرَّهُ بِدَابَّةٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فِي زَرْعٍ يَكُونُ لَهُ حَوَالَيْهِ. وَأَمَّا الْأَرْضُ الَّتِي بَوَّرَهَا لِلرَّعْيِ وَتَرَكَ زِرَاعَتَهَا لِذَلِكَ فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا جَوَازُ مَنْعِهِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ وَجَدَ مَنْ يَشْتَرِيهِ وَإِلَّا جُبِرَ عَلَى تَرْكِهِ لِلنَّاسِ. وَأَمَّا فُحُوصُ أَرْضِهِ وَفَدَادِينُهُ الَّتِي لَمْ يُبَوِّرْهَا لِلرَّعْيِ فَفِيهَا أَقْوَالٌ.
ابْنُ يُونُسَ اُخْتُلِفَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي لَمْ يُوقِفْهَا لِلْكَلَأِ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ. وَأَمَّا إذَا أَوْقَفَ الْأَرْضَ لِلْكَلَأِ فَلَهُ مَنْعُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٍ أَفَادَهُ " ق ". " غ " هَذَا التَّقْسِيمُ فِي الْأَرْضِ الْمُتَمَلَّكَةِ، وَتُعْرَفُ بِالْوُقُوفِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَصَرَهُ هُنَا، وَنَصُّهُ وَإِنْ كَانَ الْكَلَأُ فِي أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ مُحَظَّرَةً قَدْ حَظَرَ عَلَيْهَا بِالْحِيطَانِ كَالْجَنَّاتِ وَالْحَوَائِطِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُحَظَّرَةٍ إلَّا أَنَّهَا حِمَاهُ وَمُرُوجُهُ الَّتِي قَدْ بَوَّرَهَا لِلرَّعْيِ وَتَرَكَ زِرَاعَتَهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: فَدَادِينُهُ وَفُحُوصُ أَرْضِهِ الَّتِي لَمْ يُبَوِّرْهَا لِلْمَرْعَى، وَإِنَّمَا تَرَكَ زِرَاعَتَهَا
стр. 3725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا أَوْ لِيَحْمِيَهَا لِلْحَرْثِ. الرَّابِعُ الْعَفَاءُ وَالْمَرْجُ مِنْ أَرْضٍ قَرِيبَةٍ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ وَلَا يَمْنَعُ النَّاسَ عَمَّا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ إلَيْهِ بِدَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ ضَرَرٌ عَلَيْهِ مِنْ زَرْعٍ يَكُونُ حَوَالَيْهِ فَيَفْسُدُ عَلَيْهِ بِالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ. وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَاخْتُلِفَ فِيهِمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَرْعَى أَرْضِهِ كَأَنْ بَوَّرَهَا لِلْكِرَاءِ أَوْ لَمْ يُبَوِّرْهَا لَهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَحَقَّ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِ وَيَتْرُكُ الْفَضْلَ لِلنَّاسِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ أَنْ يَبِيعَ إنْ أَوْقَفَهَا لِلرَّعْيِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا فِي فَدَادِينِهِ وَفُحُوصِهِ. اهـ. وَلَمْ يُصَرِّحْ الْمُصَنِّفُ بِاَلَّتِي حَظَرَ عَلَيْهَا إمَّا لِانْدِرَاجِهَا فِي حِمَاهُ، أَوْ؛ لِأَنَّهَا أَحْرَى مِنْهُ، وَاَلَّذِي عِنْدَ الْجَوْهَرِيِّ الْعَفَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ الدُّرُوسُ وَالْهَلَاكُ وَالْعَفْوُ الْأَرْضُ الْغُفْلِ لَمْ تُوطَأْ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. طفي لَا تُدْرَكَ عَلَى الْمُصَنِّفِ، إذْ قَدْ يُطْلَقُ الْعَفَاءُ عَلَى نَفْسِ الْأَرْضِ فَفِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي حَدِيثِ أَقْطَعَ أَرْضَ الْمَدِينَةِ مَا كَانَ عَفَاءً، أَيْ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ أَثَرٌ، وَهُوَ مِنْ عَفَا الشَّيْءُ إذَا دَرَسَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ يُقَالُ عَفَتْ الدَّارُ عَفَاءً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 3726
بَاب) صَحَّ وَقْفُ
ــ
[منح الجليل]
[بَاب فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْوَقْفِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
ِ (صَحَّ وَقْفٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْقَافِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْوَقْفُ مَصْدَرًا إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ فِي مِلْكِ مُعْطِيهَا وَلَوْ تَقْدِيرًا فَتَخْرُجُ عَطِيَّةُ الذَّاتِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْعُمْرَى وَالْعَبْدِ الْمُخَدَّمِ حَيَاتَهُ يَمُوتُ قَبْلَ مَوْتِ رَبِّهِ لِعَدَمِ لُزُومِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ، لِجَوَازِ بَيْعِهِ بِرِضَاهُ مَعَ مُعْطَاهُ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إعْطَاءُ مَنَافِعَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِالْمُخَدَّمِ حَيَاتَهُ وَلَا يُرَدُّ بِأَنَّ جَوَازَ بَيْعِهِ يَمْنَعُ انْدِرَاجَهُ تَحْتَ التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِعْطَاءِ، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى الْمُخَدَّمِ الْمَذْكُورِ لَا فِي لُزُومِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ، وَاسْمًا: مَا أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ مُدَّةً إلَخْ، وَصَرَّحَ الْبَاجِيَّ بِبَقَاءِ مِلْكِ الْمُحَبِّسِ عَلَى مُحَبَّسِهِ، وَهُوَ لَازِمُ تَزْكِيَةِ حَوَائِطِ الْأَحْبَاسِ عَلَى مِلْكِ مُحَبِّسِهَا. وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ التَّحْبِيسُ يُسْقِطُ مِلْكَ الْمُحَبِّسِ غَلَطٌ
الْحَطّ يَخْرُجُ مِنْ حَدِّهِ الْحَبْسُ غَيْرُ الْمُؤَبَّدِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ مُدَّةَ وُجُودِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَبْسَ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَبَّدًا، وَإِطْلَاقُ الْحَبْسِ عَلَى غَيْرِ الْمُؤَبَّدِ مَجَازٌ عِنْدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ، وَنَصَّهُ: الرِّوَايَاتُ وَارِدَةٌ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْحَبْسِ عَلَى مَا حُبِسَ مُدَّةً يَصِيرُ بَعْدَهَا مِلْكًا، وَهُوَ مَجَازٌ. اهـ. وَعَلَى مَا ذَهَبَ هُوَ إلَيْهِ يَنْبَنِي قَوْلُهُ أَيْضًا لَازِمًا بَقَاؤُهُ إلَخْ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ: الْعَبْدَ الْمُخَدَّمَ حَيَاتَهُ يَمُوتُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ يَظْهَرُ قَوْلُهُ مُدَّةَ وُجُودِهِ.
وَأَمَّا إنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ أَخْذُ أُمِّهِ وَيَرْجِعُ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَهُوَ خَارِجٌ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ مُدَّةَ وُجُودِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بَقِيَ أَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكُ انْتِفَاعٍ لَا مَنْفَعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ مَنْدُوبٌ
стр. 3727
مَمْلُوكٍ،
ــ
[منح الجليل]
إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهِ، بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ وَفِيهِ تَنَافٍ ظَاهِرٌ، وَأَنَّهُ مِنْ الْمُوَاسَاةِ الَّتِي لِلْحِفْظِ مِنْ الْهَلَاكِ وَشَدِيدِ الْأَذَى، وَيَجِبُ بِالنَّذْرِ وَبِالْحِنْثِ وَبِأَمْرِ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ أَمْرًا جَازِمًا. وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ التَّحْبِيسُ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ عَمِلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِهِ. وَفِي اللُّبَابِ حُكْمُهُ الْجَوَازُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَحَقِيقَتُهُ لُغَةً: الْحَبْسُ، وَشَرْعًا: حَبْسُ عَيْنٍ لِمَنْ يَسْتَوْفِي مَنَافِعَهَا أَبَدًا.
النَّوَوِيُّ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ تَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمْت دَارًا وَلَا أَرْضًا تَبَرُّرًا بِتَحْبِيسِهَا، وَإِنَّمَا حَبَّسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ بِنَاءُ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ وَحَفْرَ بِئْرِ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَبَرُّرًا، بَلْ فَخْرًا.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ أَصَابَ أَبِي أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَصَبْت أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا أَنْفَسَ مِنْهَا، فَكَيْفَ تَأْمُرنِي بِهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنْ شِئْت حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ» عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْغُرَبَاءِ وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.
تت عَبَّرَ بِالْوَقْفِ كَابْنِ الْحَاجِبِ دُونَ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِقَرِينَةٍ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَهُمَا سَوَاءٌ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ شُرَيْحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى. ابْنُ يُونُسَ أَرَادَ أَنَّهُ يُورَثُ مَالِكٌ، تَكَلَّمَ شُرَيْحٌ بِبَلَدِهِ وَلَمْ يُرِدْ الْمَدِينَةَ فَيَرَى إحْبَاسَ الصَّحَابَةِ، وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَإِضَافَةُ وَقْفُ شَيْءٍ (مَمْلُوكٍ) لِوَاقِفِهِ أَوْ مُوَكِّلِهِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ حَانُوتٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَاحْتُرِزَ
стр. 3728
إنْ بِأُجْرَةٍ،
ــ
[منح الجليل]
بِهِ عَنْ وَقْفِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْغَزَالِيِّ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُحَبَّسُ الْحَقِّيُّ الْأَرْضُ وَمَا تَعَلَّقَ بِهَا كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْحَوَائِطِ وَالْآبَارِ وَالْمَقَابِرِ وَالطُّرُقِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَأَرَادَ بِالْمَقَابِرِ الْمُتَّخَذَةِ حَيْثُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا. سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أُحْدِثَتْ قُبُورٌ بِفِنَاءِ قَوْمٍ كَانُوا يَرْمُونَ بِهِ فِي غَيْبَتهمْ ثُمَّ قَدِمُوا فَلَهُمْ تَسْوِيَةُ قَدِيمِهَا لِلرَّمْيِ عَلَيْهَا، وَلَا أُحِبُّ تَسْوِيَةَ جَدِيدِهَا. ابْنُ رُشْدٍ كَرِهَهُ فِي الْجَدِيدَةِ فِي الْأَفْنِيَةِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي الْأَمْلَاكِ الْمَحْجُورَةِ لَمْ يَكْرَهْهُ، وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " ﵁ " وَارُوا فِي بَطْنِهَا وَانْتَفِعُوا بِظَهْرِهَا. ابْنُ رُشْدٍ لَوْ دَفَنَ فِي الْأَمْلَاكِ الْمَحْجُورَةِ بِلَا إذْنِ رَبِّهَا لَكَانَ عَلَيْهِ تَحْوِيلُهُمْ إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَفُعِلَ ذَلِكَ بِقَتْلَى أُحُدٍ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ " ﵁ " إجْرَاءَ الْعَيْنِ الَّتِي بِجَانِبِ أُحُدٍ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيُخْرِجْهُ وَلْيُحَوِّلْهُ، قَالَ جَابِرٌ " ﵁ " فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ رِطَابًا يَنْتَقِعُونَ يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ.
قُلْت فِي اسْتِدْلَالِهِ بِفِعْلِ مُعَاوِيَةَ " ﵁ " نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ مَا أُقْبِرُوا إلَّا حَيْثُ جَازَ إقْبَارُهُمْ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِإِخْرَاجِهِمْ يُوهِمُ كَوْنَ الْقَبْرِ غَيْرَ حَبْسٍ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِتَحِلَّ مَنْفَعَةٌ عَامَّةٌ حَاجِبَةٌ حَسْبَمَا يَأْتِي فِي بَيْعِ الْحَبْسِ لِتَوْسِعَةِ جَامِعِ الْخُطْبَةِ. ابْنُ عَاتٍ سَأَلَ بَعْضُهُمْ أَيَجُوزُ حَرْثُ الْبَقِيعِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً دُونَ دَفْنٍ فِيهِ وَأَخْذِ تُرَابِهِ لِلْبِنَاءِ، فَقَالَ: الْحَبْسُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَمَلَّكَ ابْنُ سَهْلٍ أَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْمَشْيِ عَلَى أَسْنِمَةِ الْقُبُورِ «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَشُقُّ الْمَقَابِرَ عَلَى أَسْنِمَتِهَا لَا يَثِبُهَا» ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَشْيُ عَلَى الْمَقَابِرِ إنْ كَانَ لَهُ قَبْرٌ ضَرُورَةٌ وَيُؤْمَرُ بِالتَّحَفُّظِ مِنْ الْمَشْيِ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَهْدِمَهَا وَلِلضَّرُورَةِ أَحْكَامٌ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ سَهْلٍ، وَأَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِنَا بَعْضَ أَهْلِ الْخَيْرِ فِي بِنَاءِ دَارٍ لَهُ وَجَدَ فِي بُقْعَةٍ مِنْهَا عِظَامَ آدَمِيٍّ يَكُونُ مَحَلُّهُ حَبْسًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَا بِهَوَائِهِ فَتَرَكَهُ وَهَوَاءَهُ بَرَاحًا.
الْبَاجِيَّ تَحْبِيسُ الرِّبَاعِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا فَإِنْ مُلِّكَ بِشِرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ، بَلْ (وَإِنْ) مُلِّكَتْ مَنْفَعَتُهُ (بِأُجْرَةٍ) فِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا
стр. 3729
وَلَوْ حَيَوَانًا، وَرَقِيقًا: كَعَبْدٍ عَلَى مَرْضَى لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَهُ،
وَفِي وَقْفٍ: كَطَعَامٍ: تَرَدُّدٌ.
ــ
[منح الجليل]
انْقَضَتْ كَانَ النِّقْضُ لِلَّذِي بَنَاهُ. ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَصِحُّ فِي الْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ لَا الْمُسْتَأْجَرِ اخْتِصَارٌ لِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ لَا يَجُوزُ وَقْفُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَفِي كَوْنِ مُرَادِ ابْنِ شَاسٍ فَفِي وَقْفِ مَالِكٍ مَنْفَعَتَهَا أَوْ بَائِعَهَا نَظَرٌ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِخُرُوجِهِ بِالْمَمْلُوكِ وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي، وَفِي نَقْلِهِ الْحُكْمَ بِإِبْطَالِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ إعْطَاءُ مَنْفَعَتِهِ دَائِمًا، وَأَمَدُ الْإِجَارَةِ خَاصٌّ، فَالزَّائِدُ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْبِيسُ لِسَلَامَتِهِ عَنْ الْمُعَارِضِ.
ثُمَّ فِي لَغْوِ حَوْزِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْحَبْسِ فَيَفْتَقِرُ لِحَوْزِهِ بَعْدَ أَمَدِ الْإِجَارَةِ وَصِحَّتِهِ لَهُ فَيَتِمُّ مِنْ حِينِ عَقْدِهِ قَوْلَانِ مُخَرَّجَانِ عَلَى قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي لَغْوِ حَوْزِ مَا فِي إجَارَتِهِ لِمَنْ وَهَبَ لَهُ بَعْدَ إجَارَتِهِ وَصِحَّتِهِ لَهُ إنْ كَانَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي أُرِيدَ وَقْفُهُ عَقَارًا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (حَيَوَانًا وَرَقِيقًا) فِيهَا مَنْ حَبَّسَ رَقِيقًا أَوْ دَوَابَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى اُسْتُعْمِلُوا فِي ذَلِكَ وَلَا يُبَاعُوا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُجَبِّسَ الرَّجُلُ الثِّيَابَ وَالسُّرُوجَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " ﵁ " مَا ضَعُفَ مِنْ الدَّوَابِّ الْمُحَبَّسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا قُوَّةُ عَمَلِ الْغَزْوِ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ مِثْلُهَا مِمَّا يُنْتَفَعُ فِيهِ مِنْ الْخَيْلِ فَتُجْعَلَ فِي السَّبِيلِ. ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ فَرَسٍ أَوْ هَجِينٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ فَلْيُعِنْ بِذَلِكَ فِي ثَمَنِ فَرَسٍ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ يَكْلُبُ وَيَخْبُثُ. ابْنُ الْقَاسِمِ مَا بَلِيَ مِنْ الثِّيَابِ الْمُحَبَّسَةِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا ثِيَابٌ يُنْتَفَعُ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ فِي السَّبِيلِ.
وَشَبَّهَ فِي الصِّحَّةِ (كَ) وَقْفِ (عَبْدٍ عَلَى) أَشْخَاصٍ (مَرْضَى) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ جَمْعُ مَرِيضٍ لِيَخْدُمَهُمْ فَيَصِحُّ مَا (لَمْ يَقْصِدْ) سَيِّدُهُ بِوَقْفِهِ عَلَيْهِمْ (ضَرَرَهُ) أَيْ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ قَصْدَهُ فَلَا يَصِحُّ. ابْنُ رُشْدٍ يُكْرَهُ تَحْبِيسُ الرَّقِيقِ لِرَجَاءِ عِتْقِهِ، فَإِنْ نَزَلَ وَفَاتَ مَضَى، وَمَا لَمْ يَفُتْ اُسْتُحِبَّ لِمُحَبِّسِهِ صَرْفُهُ لِمَا هُوَ أَفْضَلُ. ابْنُ عَرَفَةَ أَرَادَ فَوْتَهُ بِالْحَوْزِ لَا بِالْمَوْتِ.
(وَفِي) صِحَّةِ (وَقْفِ) مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ (كَطَعَامٍ) وَدَنَانِيرَ
стр. 3730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَدَرَاهِمَ لِيُسَلِّفَ لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَيَرُدَّ مِثْلَهُ وَقْفًا فِي مَحَلِّهِ، وَهَكَذَا أَبَدًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَعَدَمُهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ (تَرَدُّدٌ) تت فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْهِ فِيهَا الشَّارِحُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّك إنْ فَرَضَتْ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا قَصَدَ بِوَقْفِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ بَقَاءَ عَيْنِهِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ بِلَا مَنْفَعَةٍ تَعُودُ عَلَى أَحَدٍ وَيُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الطَّعَامِ الْمُؤَدِّي إلَى إضَاعَةِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَقْفٌ لِلسَّلَفِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مُحْتَاجٌ ثُمَّ يَرُدُّ مِثْلَهُ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا جَوَازُهُ، وَالْقَوْلُ بِكَرَاهَتِهِ ضَعِيفٌ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ بِمَنْعِهِ إنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(تَنْبِيهٌ) ابْنُ عَرَفَةَ اسْتَدَلَّ اللَّخْمِيُّ وَتَبِعَهُ الْمُتَيْطِيُّ لِجَوَازِ وَقْفِ الْحَيَوَانِ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَبَّسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا الِاسْتِدْلَال وَهْمٌ شَنِيعٌ فِي فَهْمِهِ إنْ ضَبَطَا بَاءَ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي رِوَايَتِهِ إنْ ضَبَطَاهَا بِالتَّشْدِيدِ. وَفِي مِثْلِ هَذَا كَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ قَالَ بَعْضُ اسْتِدْلَالَاتِ بَعْضِ شُيُوخِ مَذْهَبِنَا لَا يَنْبَغِي ذِكْرُهَا خَوْفَ اعْتِقَادِ سَامِعِهَا وَلَا سِيَّمَا مَنْ هُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ حَالَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كُلِّهِمْ أَوْ جُلِّهِمْ مِثْلُ حَالِ هَذَا الْمُسْتَدِلِّ، وَلَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ مُتَقَدِّمِي الْمُتَكَلِّمِينَ رَدًّا عَلَى الْمُنَجِّمِينَ وَدِدْت أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ لِسَخَافَتِهِ وَرَأَيْتُ لِلْآمِدِيِّ رَدًّا عَلَيْهِمْ لَيْسَ مُنْصِفًا اهـ.
الْحَطّ كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَ الرِّوَايَةِ فِي الْبُخَارِيِّ حَبَسَ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ عَلَى وَزْنِ نَصَرَ وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ " قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . اهـ. فَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ احْتَبَسَ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ عَنْ الْبُخَارِيِّ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ لَيْسَ مَعْنَاهُ وَقَفَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ وَنَصُّهُ فِي بَابِ الْجَامِعِ الْبَاقُونَ وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّهُ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ
стр. 3731
عَلَى أَهْلٍ لِلتَّمَلُّكِ: كَمَنْ سَيُولَدُ،
ــ
[منح الجليل]
أَيْ وَقَفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ حَبَّسَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُقَالُ حَبَسَ مُخَفَّفًا وَحَبَّسَ مُشَدَّدًا. اهـ. فَدَلَّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى حَبَّسَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ الْوَقْفُ، فَصَحَّ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ هَذَا إنْ كَانَا نَقَلَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ حَبَسَ، وَإِنْ كَانَا نَقَلَاهُ بِلَفْظِ احْتَبَسَ كَمَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَحَرَّفَهُ النُّسَّاخُ، فَمَعْنَى احْتَبَسَ أَوْقَفَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ فَصَحَّ مَا قَالَاهُ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَصْلٌ فِي تَحْبِيسِ مَا سِوَى الْأَرْضِ، وَكَذَا حَدِيثُ خَالِدٍ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الرِّوَايَةَ حَبَسَ، فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ (عَلَى أَهْلٍ) أَيْ قَابِلٍ وَصَالِحٍ (لِلتَّمَلُّكِ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمِيمِ وَضَمِّ اللَّامِ مُثَقَّلَةً، أَيْ لَأَنْ يَمْلِكَ مَنْفَعَةَ الْمَوْقُوفِ، فَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مُصْحَفٍ أَوْ رَقِيقٍ مُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ الْحَطّ هَذَا الضَّابِطُ لَيْسَ بِشَامِلٍ لِخُرُوجِ نَحْوِ الْمَسْجِدِ وَالْقَنْطَرَةِ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ مَا جَازَ صَرْفُهُ مَنْفَعَةَ الْمُحَبَّسِ لَهُ أَوْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا رَدَّهُ اعْتَبَرَ قَبُولَهُ ابْنُ شَاسٍ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ، قَبُولُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَهْلًا لِلرَّدِّ وَالْقَبُولِ، وَفِي كَوْنِ قَبُولِهِ شَرْطًا فِي اخْتِصَاصِهِ بِهِ أَوْ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ خِلَافٌ.
وَمَثَّلَ لِأَهْلِ التَّمَلُّكِ فَقَالَ (كَمَنْ سَيُولَدُ) بِفَتْحِ اللَّامِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْمُتَيْطِيُّ الْمَشْهُورُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ صِحَّتُهُ عَلَى الْحَمْلِ. ابْنُ الْهِنْدِيِّ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْحَمْلِ، وَالرِّوَايَاتُ وَاضِحَةٌ بِصِحَّتِهِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ، وَبِهَا احْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى صِحَّتِهِ عَلَى الْحَمْلِ وَفِي لُزُومِهِ بِعَقْدِهِ عَلَى مَنْ يُولَدُ قَبْلَ وِلَادَتِهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لِنَقْلِ الشَّيْخِ. رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ لِمَنْ حَبَّسَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ بَيْعُ مَا حَبَّسَهُ مَا لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَائِلًا: لَوْ جَازَ لَجَازَ بَعْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَمَوْتِهِ، قُلْت يُرَدُّ بِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ بِوُجُودِهِ اسْتَمَرَّ ثُبُوتُهُ لِوُجُودِ مُتَعَلَّقِهِ وَقَبْلَهُ لَا وُجُودَ لِمُتَعَلَّقِهِ حُكْمًا، وَالْأَوْلَى احْتِجَاجُ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ حَبْسٌ قَدْ صَارَ عَلَى مَجْهُولِ مَنْ يَأْتِي، فَصَارَ مَوْقُوفًا أَبَدًا، وَمَرْجِعُهُ لِأَوْلَى النَّاسِ بِالْمُحَبِّسِ، وَلَهُمْ فِيهِ مُتَكَلَّمٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
стр. 3732
وَذِمِّيٍّ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ قُرْبَةٌ أَوْ يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ غَلَّتِهِ مِنْ نَاظِرِهِ لِيَصْرِفَهَا، أَوْ كَكِتَابٍ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ صَرْفِهِ فِي مَصْرِفِهِ.
ــ
[منح الجليل]
ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي وَلَا وَلَدَ لَهُ، فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ إيَاسِهِ قَوْلَانِ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُحْكَمُ بِحَبْسِهِ وَيُخْرَجُ إلَى ثِقَةٍ لِيَصِحَّ الْحَوْزُ، وَتُوقَفُ ثَمَرَتُهُ، فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَلَهُمْ وَإِلَّا فَلِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ، فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ثَالِثُ رَأْيٍ أَنَّ الْحَبْسَ قَدْ تَمَّ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ يَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ لِلْمُحَبِّسِ، وَقَوْلُهُ إنْ وُلِدَ لَهُ فَلَهُمْ، أَيْ الْحَبْسُ، وَثَمَرَتُهُ وَإِذَا بَقِيَ وَقْفًا عَلَيْهِمْ رُدَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ حَوْزُهُ قَالَهُ الْبَاجِيَّ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ صَارَ مِيرَاثًا.
(وَ) كَ (ذِمِّيٍّ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ مُشَدَّدَةً، أَيْ كَافِرٍ مُلْتَزِمِ الْجِزْيَةِ وَأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فَيَجُوزُ وَقْفُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ إنْ ظَهَرَتْ فِيهِ قُرْبَةٌ بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا أَوْ قَرِيبًا لِلْوَاقِفِ، بَلْ (وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ قُرْبَةٌ) فِي الْوَقْفِ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا غَنِيًّا. ابْنُ عَرَفَةَ تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنُ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَقَبِلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَمْ أَعْرِفْهُ نَصًّا وَإِلَّا ظَهَرَ جَرْيُهُ عَلَى حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لَهُ. وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَنْ حَبَّسَ عَلَى مَسَاكِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَازَ لِقَوْلِهِ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ [الإنسان: ٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] ، وَلَا يَكُونُ الْأَسِيرُ إلَّا كَافِرًا، وَإِنْ حَبَّسَ عَلَى كَنَائِسِهِمْ رُدَّ وَفُسِخَ. وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ إنْ أَوْصَى أُتِيَ بِمَالِهِ لِلْكَنِيسَةِ وَلَا وَارِثَ لَهُ دُفِعَ ثُلُثُهُ إلَى الْأُسْقُفِ يَجْعَلُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ وَالثُّلُثَانِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَعَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ تَظْهَرْ قُرْبَةٌ فَقَالَ (أَوْ) أَنْ (يَشْتَرِطَ) وَاقِفُهُ (تَسْلِيمَ غَلَّتِهِ) أَيْ الْوَقْفِ (مِنْ نَاظِرِهِ) أَيْ الْوَقْفِ الَّذِي أَقَامَهُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ لِلْوَاقِفِ (لِيَصْرِفَهَا) أَيْ الْوَاقِفُ الْغَلَّةَ فِي مَصْرِفِهَا، فَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ أَيْضًا. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْإِمَامُ مَالِكٌ (﵁) إنْ جَعَلَ الْحَبْسَ بِيَدِ غَيْرِهِ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ يَحُوزُهُ وَيَجْمَعُ غَلَّتَهُ وَيَدْفَعُهَا لِلَّذِي حَبَّسَ يَلِي تَفْرِيقَهَا، وَعَلَى ذَلِكَ حَبَّسَ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَأَبَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ (أَوْ) كَانَ الْمَوْقُوفُ (كَكِتَابٍ) مُشْتَمِلٍ عَلَى قُرْآنٍ أَوْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ وَسِلَاحٍ حِيزَ عَنْهُ (ثُمَّ عَادَ) أَيْ لِلْكِتَابِ وَنَحْوِهِ (إلَيْهِ) أَيْ وَاقِفِهِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ كَغَيْرِهِ أَوْ لِيَحْفَظَهُ حَتَّى يَسْتَعِيرَهُ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ وَهَكَذَا (بَعْدَ
стр. 3733
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
صَرْفِهِ) أَيْ الْكِتَابِ الْمَوْقُوفِ وَنَحْوِهِ (فِي مَصْرِفِهِ) ؛ لِأَنَّ صَرْفَهُ فِي مَصْرِفِهِ حَوْزٌ لَهُ وَعَوْدُهُ لَهُ بَعْدَ صِحَّةِ الْحَوْزِ لَا يُبْطِلُ حَوْزَهُ.
فِيهَا مَنْ حَبَّسَ فِي صِحَّتِهِ مَا لَا غَلَّةَ لَهُ كَالسِّلَاحِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَشِبْهِهَا، فَلَمْ يُنَفِّذْهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ فَهِيَ مِيرَاثٌ، وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهُ فِي وُجُوهِهِ وَرَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ نَافِذٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي وَجْهِهِ وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ فَمَا أَخْرَجَهُ فَهُوَ نَافِذٌ، وَمَا لَمْ يُخْرِجْهُ فَهُوَ مِيرَاثٌ.
أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَبَعٌ لِلْآخَرِ. طفي لَيْسَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ حِيزَ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، بَلْ تَصْوِيرُهَا أَنَّهُ حَبَّسَهُ وَأَبْقَاهُ تَحْتَ يَدِهِ، وَهُوَ الْمُتَوَلِّي لِأَمْرِهِ فَيُخْرِجُهُ فِي مَصْرِفِهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ لِحَوْزِهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ نَصِّهَا السَّابِقِ، وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ وَشَرْطُهُ خُرُوجُهُ عَنْ يَدِ وَاقِفِهِ وَتَرْكُهُ الِانْتِفَاعَ بِهِ فَإِنْ حَبَّسَ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ أَبْقَاهُ فِي يَدِهِ حَيَاتَهُ بَطَلَ إذَا لَمْ تَكُنْ غَلَّتُهُ تُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهَا، فَإِنْ كَانَ يَصْرِفُهَا فِيهِ فِي صِحَّتِهِ فَفِي بُطْلَانِهِ وَصِحَّتِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فَرَّقَ فِي الثَّالِثَةِ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا يُخْرِجُ غَلَّتَهُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَائِطًا أَوْ أَرْضًا أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا فَيَصْرِفُ غَلَّتَهُ فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا يُخْرِجُ أَصْلَ الْحَبْسِ كَفَرَسٍ أَوْ سِلَاحٍ وَمَا أَشْبَهَهُ فَيَكُونُ صَحِيحًا اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا أَعَادَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، قَيَّدَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ إذَا عَادَ إلَيْهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ قَالَ وَقِرَاءَةُ الْكِتَابِ إذَا عَادَ إلَيْهِ خَفِيفٌ. اهـ. وَالْمَسْأَلَةُ أَيْضًا مَفْرُوضَةٌ فِيمَا حُبِسَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ كَمَا قَرَّرَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ.
ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ كَالْخَيْلِ يُغْزَى عَلَيْهَا وَالسِّلَاحِ يُقَاتَلُ بِهِ وَالْكُتُبِ يُقْرَأُ فِيهَا، فَيَصِحُّ أَنْ تَعُودَ لِيَدِ مُحَبِّسِهَا بَعْدَ قَبْضِهَا. وَاخْتُلِفَ إنْ لَمْ يَأْتِ وَقْتُ إنْفَاذِهَا لِلْجِهَادِ أَوْ لَمْ تُطْلَبْ لِلْقِرَاءَةِ حَتَّى مَاتَ الْمُحَبِّسُ، فَهَلْ يَبْطُلُ تَحْبِيسُهَا، وَلَوْ كَانَ يَرْكَبُ الدَّابَّةَ فِي عَوْدِهَا إلَيْهِ لِرِيَاضَتِهَا لَمْ يَبْطُلْ، وَإِنْ كَانَ يَرْكَبُهَا حَسْبَمَا يَفْعَلُ الْمَالِكُ بَطَلَ وَقِرَاءَةُ الْكِتَابِ إنْ عَادَتْ إلَيْهِ خَفِيفٌ. قُلْت وَتَكُونُ فِيهَا لِحِفْظِهَا مِنْ السَّوْسِ فَتَكُونُ كَرِيَاضَةِ الدَّابَّةِ.
стр. 3734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَالصَّقَلِّيُّ لِأَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ مَا كَانَ يُرَدُّ إلَيْهِ بَعْدَ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَيَعْلِفُ الْخَيْلَ مِنْ عِنْدِهِ وَيَرْمِ السِّلَاحَ وَيَنْتَفِعُ بِهِ فِي حَوَائِجِهِ، وَيُعِيرُ ذَلِكَ لِإِخْوَانِهِ فَيَمُوتُ فَهُوَ مِيرَاثٌ اهـ.
كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ فَافْهَمْ هَذَا الْمَحَلُّ، فَإِنَّهُ مَزِلَّةُ أَقْدَامِ جَمْعٍ مِنْ الشَّارِحِينَ الْمُحَقِّقِينَ لِفَرْضِهِمْ الْمَسْأَلَةَ فِي عَوْدِهِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقَدْ عَلِمْت بُطْلَانَهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. الْبُنَانِيُّ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَقِبَ قَوْلِهَا وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُهُ فِي وُجُوهِهِ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ فَهُوَ نَافِذٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَنَصَّهُ ابْنُ يُونُسَ. ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ احْتَاجَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَعَ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَأَفَادَ أَنَّ عَوْدَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ كَعَوْدِهِ لِحِفْظِهِ. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ حَبَّسَ شَيْئًا فِي السَّبِيلِ وَأَنْفَذَهُ فِيهِ زَمَانًا فَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ النَّاسِ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا.
ابْنُ رُشْدٍ يَنْتَفِعُ بِهِ فِيمَا حَبَّسَهُ فِيهِ لَا فِيمَا سِوَاهُ مِنْ مَنَافِعِهِ، نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَبَانَ أَنَّ الصَّوَابَ مَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ، فَإِنَّ الَّذِي مَنَعَهُ اللَّخْمِيُّ هُوَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي حَبَّسَهُ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهِيَ مَفْرُوضَةٌ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمْ فِي الْحَبْسِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ اللَّخْمِيُّ الْحَبْسُ أَصْنَافٌ: صِنْفٌ لَا يَصِحُّ بَقَاءُ يَدِ الْمُحَبِّسِ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حَائِزٍ مَخْصُوصٍ كَالْمَسَاجِدِ وَصِنْفٌ لَا يَصِحُّ بَقَاءُ يَدِ الْمُحَبِّسِ عَلَيْهِ، وَيَتَعَيَّنُ حَائِزُهُ، وَهُوَ الْحَبْسُ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَصِنْفٌ يَصِحُّ بَقَاءُ يَدِهِ عَلَيْهِ إذَا أَنْفَذَهُ فِيمَا حَبَّسَهُ عَلَيْهِ كَالْخَيْلِ يُغْزَى عَلَيْهَا وَالْكُتُبِ يُقْرَأُ فِيهَا. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى مُعَيَّنٍ صَحَّ أَنْ يَعُودَ إلَى يَدِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ. وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ يَأْتِ وَقْتُ إنْفَاذِهِ لِلْجِهَادِ أَوْ لَمْ تُطْلَبْ الْكُتُبُ لِلْقِرَاءَةِ حَتَّى مَاتَ مُحَبِّسُهُ فَقِيلَ يَبْطُلُ حَبْسُهُ، وَلَوْ كَانَ يَرْكَبُهَا حَسْبَمَا كَانَ يَفْعَلُ الْمَالِكُ بَطَلَ حَبْسُهُ وَقِرَاءَةُ الْكُتُبِ إذَا عَادَتْ إلَيْهِ خَفِيفٌ نَقَلَهُ.
أَبُو الْحَسَنِ فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ أَصْلًا حَتَّى مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ إنْفَاذِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهُ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ مَرَّةً كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ صَحَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَقُولُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ: كَلَامُ اللَّخْمِيِّ نَصٌّ صَرِيحٌ فِيمَا قَالَهُ طفي، فَإِنَّهُ جَعَلَ رُكُوبَهَا لِرِيَاضَتِهَا مُغْتَفِرًا وَرُكُوبَهَا لِلِانْتِفَاعِ مُبْطِلًا، وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ أَنَّ
стр. 3735
وَبَطَلَ عَلَى مَعْصِيَةٍ
وَحَرْبِيٍّ. وَكَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ،
ــ
[منح الجليل]
رَدَّهَا لِلِانْتِفَاعِ كَرَدِّهَا لِحِفْظِهَا إنَّمَا يُفِيدُ أَنَّهَا إنْ عَادَتْ إلَيْهِ لِحِفْظِهَا فَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا إنْ احْتَاجَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا يُخَالِفُ فِيهِ طفي.
(وَبَطَلَ) الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ (عَلَى مَعْصِيَةٍ) كَجَعْلِ رِيعِهِ فِي ثَمَنِ خَمْرٍ. الْبِسَاطِيُّ لَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِكُفْرِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. الْبَاجِيَّ لَوْ حَبَّسَ مُسْلِمٌ عَلَى كَنِيسَةٍ فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ كَمَا لَوْ صَرَفَهَا إلَى أَهْلِ الْفِسْقِ. ابْنُ عَرَفَةَ عِبَارَةُ الشُّيُوخِ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ إلَّا فِيمَا فِيهِ نَظَرٌ مَا لَا فِي الْأَمْرِ الضَّرُورِيِّ، وَرَدُّ هَذَا الْحَبْسِ ضَرُورِيٌّ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُقَامَ لَهُ مَنْهِيٌّ فِي عُرْسٍ أَوْ مَنَاحَةِ مَيِّتٍ لَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ وَقَوْلُهُ بَاطِلٌ. ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ فِي رَدِّهَا بِنِيَاحَةِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ الْحَطّ وَانْظُرْ الْوَقْفَ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَإِنْ يَمْضِي، وَإِنْ اتَّفَقَ عَلَى كَرَاهَتِهِ فَلَا يُصْرَفُ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ، وَيَتَوَقَّفُ فِي بُطْلَانِهِ أَوْ صَرْفِهِ إلَى جِهَةِ قُرْبِهِ. وَفِي الْمَدْخَلِ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أَنَّ الْأَذَانَ جَمَاعَةً عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ قَالَ: فِعْلُهُمْ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الثَّوَابِ فَالثَّوَابُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِاتِّبَاعِ أَوْ لِأَجْلِ الْجَامِكِيَّةِ وَالْجَامَكِيَّةُ لَا تُصْرَفُ فِي بِدْعَةٍ، كَمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً.
أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَقْفُ كَافِرٍ عَلَى عُبَّادِ كَنِيسَةٍ إمَّا عَلَى مَوْتَاهَا أَوْ الْجَرْحَى أَوْ الْمَرْضَى فَصَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ، وَإِنْ أَرَادَ الْأُسْقُفُ بَيْعَهُ وَصَرْفَ ثَمَنِهِ فِي ذَلِكَ، وَنُوزِعَ فِيهِ وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا رَاضِينَ بِحُكْمِنَا، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ مِنْ إمْضَاءِ الْحَبْسِ وَعَدَمِ بَيْعِهِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.
(وَ) بَطَلَ وَقْفُ مُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ (حَرْبِيٍّ) لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا إعَانَةٌ لَهُ عَلَيْهِمْ (وَ) بَطَلَ وَقْفُ شَخْصٍ (كَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ) وَرِبَاطٍ وَجِهَادٍ وَحَجٍّ وَأَذَانٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ. الْبَاجِيَّ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ حَبَّسَ ذِمِّيٌّ دَارًا عَلَى مَسْجِدٍ رُدَّ وَرَوَاهُ مَعْنٌ فِي نَصْرَانِيَّةٍ بَعَثَتْ بِدِينَارٍ لِلْكَعْبَةِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهَا مَالِكٌ " ﵁ " ابْنُ عَرَفَةَ لَا يَصِحُّ وَقْفُ كَافِرٍ فِي قُرْبَةٍ دِينِيَّةٍ وَلَوْ كَانَ فِي مَنْفَعَةٍ عَامَّةٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ، فَفِي رَدِّهِ نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ رَدُّهُ إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ.
стр. 3736
أَوْ عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ
ــ
[منح الجليل]
أَوْ) وَقْفُهُ (عَلَى بَنِيهِ) أَيْ الْوَاقِفِ الذُّكُورِ (دُونَ بَنَاتِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ الْإِنَاثِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا حَبَّسَ عَلَى وَلَدِهِ وَأَخْرَجَ الْبَنَاتَ مِنْهُ إنْ تَزَوَّجْنَ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ وَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا فَاتَ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى مَا حَبَّسَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ حَيًّا وَلَمْ يُحَزْ عَنْهُ الْحَبْسُ فَلْيَرُدَّهُ وَيُدْخِلْ فِيهِ الْبَنَاتِ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ أَوْ مَاتَ مَضَى عَلَى شَرْطِهِ وَلَا يَفْسَخُهُ الْقَاضِي. الْحَطّ حَصَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَلْنَذْكُرْ كَلَامَ الْعُتْبِيَّةِ وَكَلَامَهُ بِرُمَّتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِدِ، قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَنْ حَبَّسَ حَبْسًا عَلَى ذُكُورِ وَلَدِهِ وَأَخْرَجَ الْبَنَاتِ مِنْهُ إذَا تَزَوَّجْنَ فَإِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ قُلْت لِمَالِكٍ أَتَرَى أَنْ يُبْطِلَ وَيُسَجِّلَ الْحَبْسَ؟ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ وَجْهُ الشَّأْنِ فِيهِ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَكِنْ إذَا فَاتَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا حَبَّسَ، فَإِنْ كَانَ الْمُحَبِّسُ حَيًّا وَلَمْ يُجَزْ الْحَبْسُ فَأَرَى أَنْ يَفْسَخَهُ وَيُدْخِلُ فِيهِ الْإِنَاثُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حِيزَ أَوْ مَاتَ فَهُوَ كَفَوْتٍ وَيَكُونُ عَلَى مَا جُعِلَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّ الْحَبْسَ لَا يَجُوزُ، وَيَبْطُلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ خِلَافُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّهُ يَمْضِي إذَا فَاتَ وَلَا يَنْقَضِ، وَفَوْتُ الْحَبْسِ عِنْدَهُ أَنْ يُحَازَ عَنْ الْمُحَبِّسِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَوْ يَمُوتُ، أَرَادَ بَعْدَ حَوْزِهِ عَنْهُ، وَرَأَى أَنَّ الْحَبْسَ إذَا لَمْ يُحَزْ عَنْ مُحَبِّسِهِ يَبْطُلُ وَتَدْخُلُ الْإِنَاثُ، فِيهِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَإِنْ كَرِهَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ وَالْحَبْسَ لَا تَلْزَمُ وَلَا يُحْكَمُ بِهَا حَتَّى تُقْبَضَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، فَعَلَى هَذَا لَا يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِمْ الرُّشَدَاءَ.
وَذَهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ اخْتِلَافَ قَوْلٍ، قَالَ إنَّمَا يُفْسَخُ وَيُسَجَّلُ إذَا لَمْ يَأْبَهُ مَنْ حُبِّسَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَوْهُ فَلَا يَجُوزُ فَسْخُهُ، وَيُقَرُّ عَلَى مَا حُبِّسَ، وَإِنْ كَانَ الْمُحَبِّسُ حَيًّا إلَّا أَنْ يَرْضَوْا لَهُ بِرَدِّهِ، وَهُمْ رُشَدَاءُ. مَالِكٌ إنْ لَمْ يُخَاصِمْ فَلْيُرَدَّ الْحَبْسُ حَتَّى يَجْعَلَهُ عَلَى صَوَابٍ إنْ كَانَ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ وَإِنْ خُوصِمَ فَلْيُقِرَّهُ عَلَى حَالِهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا كَانَ قَدْ
стр. 3737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
حِيزَ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبْت إلَيْهِ مِنْ التَّأْوِيلِ فِيهَا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ فَرَّقَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي فَسْخِهِ بَيْنَ حَوْزِهِ عَنْهُ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ تُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ وَإِنْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ إلَّا بِرِضَا الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ تُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِأَنَّ لَهُ فَسْخَهُ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ وَأَبَى الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِمْ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ رَأَى عَدَمَ إعْمَالِ الْحَبْسِ جُمْلَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ شَكَّ وَفِي رَسْمِ نَذْرَ، وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ مَاتَ الْمُحَبِّسُ بَعْدَ حِيَازَةِ الْحَبْسِ عَنْهُ فَتَحَصَّلَ عَلَى هَذَا فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " ﵁ " يُفْسَخُ الْحَبْسُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ مَاتَ مُحَبِّسُهُ بَعْدَ حَوْزِهِ عَنْهُ وَيَرْجِعُ لِمِلْكِهِ.
ثَانِيهَا: أَنَّ الْمُحَبِّسَ يَفْسَخُهُ وَيُدْخِلُ فِيهِ الْبَنَاتِ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ.
ثَالِثُهَا: يَفْسَخُهُ وَيُدْخِلُ فِيهِ الْبَنَاتِ مَا لَمْ يُحَزْ عَنْهُ، فَإِنْ حِيزَ عَنْهُ فَلَا يَفْسَخْهُ إلَّا بِرِضَا الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ.
رَابِعُهَا: أَنَّهُ لَا يَفْسَخُهُ وَيُدْخِلُ الْإِنَاثَ وَإِنْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ إلَّا بِرِضَا الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ اهـ.
اللَّخْمِيُّ إخْرَاجُ الْبَنَاتِ مِنْ الْحَبْسِ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. مَالِكٌ " ﵁ " فِي الْمَجْمُوعَةِ أَكْرَهُ ذَلِكَ. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ أَخْرَجَ الْبَنَاتِ إنْ تَزَوَّجْنَ فَالْحَبْسُ بَاطِلٌ. ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْمُحَبِّسُ حَيًّا فَأَرَى أَنْ يَفْسَخَهُ وَيُدْخِلَ فِيهِ الْبَنَاتِ وَإِنْ حِيزَ أَوْ مَاتَ فَاتَ وَكَانَ عَلَى مَا حَبَّسَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَيْضًا إنْ كَانَ الْمُحَبِّسُ حَيًّا فَلْيَفْسَخْهُ وَيَجْعَلْهُ مُسَجَّلًا، وَإِنْ مَاتَ فَلَا يُفْسَخُ فَجَعَلَ لَهُ رَدَّهُ بَعْدَ حَوْزِهِ وَيَجْعَلُهُ مُسَجَّلًا مَا لَمْ يَمُتْ. وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ مَنْ أَخْرَجَ الْبَنَاتِ أَبْطَلَ وَقْفَهُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْعُتْبِيَّةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُكْرَهُ، فَإِنْ نَزَلَ مَضَى، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَبْطُلُ إنْ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِيهِ، وَعَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ مَا لَمْ يُحَزْ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُفْسَخُ، وَإِنْ حِيزَ مَا لَمْ يَمُتْ.
١ -
ابْنُ عَرَفَةَ فَفِي الْحَبْسِ عَلَى الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ مُطْلَقًا أَوْ إنْ تَزَوَّجْنَ سَبْعَةُ أَرْبَعَةٍ.
стр. 3738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
ابْنُ رُشْدٍ وَخَامِسُهَا جَوَازُهُ، وَسَادِسُهَا كَرَاهَتُهُ، وَسَابِعُهَا فَوْتُهُ بِحَوْزِهِ وَإِلَّا فَسَخَهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ الْبَنَاتِ اهـ. الْحَطّ فَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ امْتِنَاعِ إخْرَاجِهِنَّ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ بَعْدَ تَزَوُّجِهِنَّ، أَوْ وَلَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْنَ يَتَحَصَّلُ فِيهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ: فَسْخُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ وَمَاتَ بَعْدَ حَوْزِهِ وَيَرْجِعُ لِمِلْكِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْعُتْبِيَّةِ.
الثَّانِي: فَسْخُهُ وَرُجُوعُهُ لِمِلْكِهِ مَا لَمْ يُحَزْ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى نَقْلِ اللَّخْمِيِّ الثَّالِثُ: فَسْخُهُ وَدُخُولُ الْبَنَاتِ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ، وَهُوَ مُتَأَوَّلٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْعُتْبِيَّةِ.
الرَّابِعُ: فَسْخُهُ وَدُخُولُ الْبَنَاتِ فِيهِ مَا لَمْ يُحَزْ عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا السَّمَاعِ وَالْخَامِسُ: لَا يَفْسَخُ وَلَا يُدْخِلُ فِيهِ الْبَنَاتِ وَإِنْ لَمْ يُحَزْ إلَّا بِرِضَا الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبُنَانِيُّ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ يُكْرَهُ لِمَنْ حَبَّسَ إخْرَاجُ الْبَنَاتِ مِنْ تَحْبِيسِهِ. اهـ. وَشَهَرَهَا عِيَاضٌ.
أَبُو الْحَسَنِ قَالَ هُنَا يُكْرَهُ فَإِنْ نَزَلَ مَضَى. ابْنُ رُشْدٍ وَعَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لَا يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِمْ بِفَسْخِهِ وَهُمْ رُشَدَاءُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ إذَا وَقَعَ يَمْضِي وَلَا يُفْسَخُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّتِي مَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَيْهَا فَلَيْسَتْ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي تَرْكِهِ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي شَهَرَهُ عِيَاضٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
الْحَطّ اُنْظُرْ لَوْ حَبَّسَ عَلَى الْبَنَاتِ دُونَ الْبَنِينَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ صِفَةَ مَا يُكْتَبُ فِي اشْتِرَاطِ الْمُحَبِّسِ كَوْنُهُ لِبَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ عَقِبَهُ بِذِكْرِ الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ مَا يُكْتَبُ فِي اشْتِرَاطِ الْمُحَبِّسِ كَوْنُهُ لِبَنَاتِهِ دُونَ بَنِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ مَالِكٍ " ﵁ " فِي الْعُتْبِيَّةِ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهَا، وَنَصُّ كَلَامِ الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ " ﵁ " عَنْ رَجُلٍ
стр. 3739
أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ قَبْلَ عَامٍ.
ــ
[منح الجليل]
تَصَدَّقَ عَلَى بَنَاتِهِ بِصَدَقَةٍ حَبْسًا، فَإِذَا انْقَرَضَ بَنَاتُهُ فَهِيَ لِذُكُورِ وَلَدِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، فَبَتَلَ ذَلِكَ لَهُنَّ فَيَكُونُ لِلْإِنَاثِ حَتَّى يَهْلِكَ جَمِيعُهُنَّ وَلِلرَّجُلِ يَوْمَ هَلَكْنَ كُلُّهُنَّ ابْنٌ وَلَهُ وَلَدٌ ذُكُورٌ، فَقَالَ وَلَدُ الْوَلَدِ نَحْنُ مِنْ أَوْلَادِهِ نَدْخُلُ فِي صَدَقَةِ جَدِّنَا، وَقَالَ وَلَدُهُ لِصُلْبِهِ نَحْنُ آثَرُ وَأَوْلَى فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " ﵁ " أَرَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ وَلَدُ الْوَلَدِ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ وَلَدُ الْوَلَدِ بِقَوْلِهِ فَهِيَ لِذُكُورِ وَلَدِهِ صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ الذَّكَرَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ فِي الْمِيرَاثِ، فَلَمَّا كَانَ لَهُ حُكْمُ الْوَلَدِ فِي الْمِيرَاثِ وَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْحَبْسِ، وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ مَعَ بَنَاتِهِ لِصُلْبِهِ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى بَنَاتِهِ بِصَدَقَةٍ حَبَّسَ بَنَاتِ بَنِيهِ؛ لِأَنَّ بِنْتَ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الْبِنْتِ فِي الْمِيرَاثِ إذَا لَمْ يَكُنْ ابْنٌ فَلَا شَيْءَ لِذُكُورِ وَلَدِ الْمُحَبِّسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى تَنْقَرِضَ بَنَاتُهُ وَبَنَاتُ بَنِيهِ. اهـ. فَقَوْلُهُ فَلَا شَيْءَ لِذُكُورِ وَلَدِ الْمُحَبِّسِ إلَخْ، مَعَ جَوَابِ الْإِمَامِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ) أَيْ وَبَطَلَ إنْ وَقَفَ دَارَ سُكْنَاهُ عَلَى مَحْجُورِهِ وَخَرَجَ مِنْهَا وَحَوَّزَهَا لِغَيْرِهِ ثُمَّ (عَادَ) الْوَاقِفُ (لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ) الَّذِي أَوْقَفَهُ عَلَى مَحْجُورِهِ، وَصِلَةُ عَادَ (قَبْلَ) تَمَامِ (عَامٍ) مِنْ يَوْمِ خُرُوجِهِ مِنْهُ وَتَحْوِيزِهِ لِغَيْرِهِ، وَمَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ فَلَّسَ، وَهُوَ سَاكِنٌ فِيهِ فَقَدْ بَطَلَ تَحْبِيسُهُ لِضَعْفِ حَوْزِهِ عَنْهُ بِاكْتِنَافِهِ سُكْنَاهُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ عَادَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْكُنْهَا أَوَّلًا وَحِيزَتْ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ لِسُكْنَاهَا قَبْلَ عَامٍ فَلَا يَبْطُلُ تَحْبِيسُهُ، وَكَذَا عَوْدُهُ لِسُكْنَاهُ بَعْدَ تَمَامِ عَامٍ قَالَهُ تت. طفي فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَبْطُلُ فَلَا مَفْهُومَ لِعَادَ وَلَا لِسُكْنَى وَلَا لِمَسْكَنِهِ، إذْ الِانْتِفَاعُ بِغَيْرِ السُّكْنَى كَالِانْتِفَاعِ بِهَا وَغَيْرُ الْمَسْكَنِ كَالْمَسْكَنِ كَذَا النَّقْلُ وَبِهِ شَرَحَ الشُّرَّاحُ الْمُعْتَمَدُونَ. ابْنُ يُونُسَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ حَبَّسَ حَبْسًا وَسَكَنَهُ زَمَانًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ أَفْسَدَ حَبْسَهُ، وَهُوَ مِيرَاثٌ. ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ حِيزَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ نَافِذٌ، فَإِنْ رَجَعَ فَسَكَنَ فِيهِ بِكِرَاءٍ بَعْدَ مَا حِيزَ عَنْهُ، فَإِنْ جَاءَ فِي ذَلِكَ
стр. 3740
أَوْ جُهِلَ سَبْقُهُ لِدَيْنٍ:
ــ
[منح الجليل]
أَمْرٌ بَيِّنٌ مِنْ الْحِيَازَةِ فَذَلِكَ نَافِذٌ قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. مُحَمَّدٌ هَذَا إذَا حَازَ ذَلِكَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَغِيرٌ وَلَا مَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ بِيَدِ مَنْ يُحَوِّزُهُ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْدَمَ أَوْ يَكْبَرَ أَوْ يُولَدَ أَوْ كَانَ بِيَدِهِ هُوَ يَحُوزُهُ لِمَنْ يَجُوزُ حَوْزُهُ عَلَيْهِ ثُمَّ سَكَنَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الصَّغِيرُ نَفْسَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يَحُوزَ مَنْ ذَكَرْنَا مِمَّنْ حَبَّسَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ يُبْطِلُهُ. قُلْت، وَكَمْ حَدَّ تِلْكَ الْحِيَازَةِ؟ قَالَ السَّنَةُ أَقَلُّهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِحِيَازَةِ الْعَامِ فِي الْمَالِكِينَ أُمُورَهُمْ، فَقَوْلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ بِعُمْرَى أَوْ كِرَاءٍ أَوْ إرْفَاقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ سَنَةً أَنَّ الْوَقْفَ نَافِذٌ. ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا الصِّغَارُ فَمَتَى سَكَنَ أَوْ عَمَّرَ، وَلَوْ بَعْدَ عَامٍ بَطَلَ. اهـ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَاتٍ وَابْنُ سَلْمُونٍ. وَأَفْتَى ابْنُ لُبٍّ بِأَنَّهُ إنْ أَخْلَى مَا حَبَّسَهُ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ عَامًا كَامِلًا ثُمَّ رَجَعَ لَهُ فَلَا يُبْطِلُ رُجُوعُهُ تَحْبِيسَهُ.
الْمُتَيْطِيُّ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فِي نُفُوذِ السُّكْنَى إذَا أَخْلَاهُ عَلَى مَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُكْرِيَهُ فِي هَذَا الْعَامِ بِاسْمِ مَحْجُورِهِ، وَيَرْجِعُ إلَيْهِ بِالْكِرَاءِ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَنَحْوِهِ لِابْنِ الْعَطَّارِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَحْجُورَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ أَفَادَهُ " ق " الْحَطّ وَأَمَّا إنْ عَادَ لِلسُّكْنَى بَعْدَ عَامٍ فَلَا يَبْطُلُ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ يَحُوزُ لِنَفْسِهِ. وَأَمَّا مَنْ يَجُوزُ لَهُ الْوَاقِفُ فَإِنْ عَادَ لِسُكْنَاهُ بَطَلَ الْحَبْسُ وَالْهِبَةُ، اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَابْنِ عَرَفَةَ. الْبُنَانِيُّ هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ وَطَرِيقَةُ الْمُتَيْطِيِّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَحْجُورِ وَغَيْرِهِ فِي عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِعَوْدِهِ لِلسُّكْنَى بَعْدَ عَامٍ وَعَلَيْهَا الْعَمَلُ، وَقَدْ نَظَّمَ هَذَا سَيِّدِي حَمْدُونُ الْمِزْوَارُ فَقَالَ:
رُجُوعُ وَاقِفٍ لِمَا قَدْ وَقَفَا ... بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ قَدْ خُفِّفَا
عَلَى صَبِيٍّ كَانَ أَوْ ذِي رُشْدِ ... وَاعْتَرَضَتْ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدِ
(أَوْ) أَيْ وَبَطَلَ الْوَقْفُ إنْ وَقَفَ شَيْئًا ثُمَّ ظَهَرَ دَيْنٌ عَلَيْهِ مُسْتَغْرِقٌ مَا بِيَدِهِ وَ (جُهِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (سَبْقُهُ) أَيْ الْوَقْفِ (لِدَيْنٍ) ظَهَرَ عَلَى الْوَاقِفِ مُسْتَغْرِقُ مَا وَقَفَهُ وَعَدَمُ
стр. 3741
إنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورِهِ.
ــ
[منح الجليل]
سَبْقِهِ إيَّاهُ فَيَبْطُلُ الْوَقْفُ (إنْ كَانَ) الْوَقْفُ (عَلَى مَحْجُورِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ احْتِيَاطًا لِلْوَاجِبِ، وَهُوَ قَضَاءُ الدَّيْنِ. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَحْجُورِهِ فَلَا يَبْطُلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
فِيهَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَنْ حَبَّسَ حَبْسًا عَلَى وَلَدٍ لَهُ صِغَارٌ فَمَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُدْرَى الدَّيْنُ كَانَ قَبْلُ أَمْ الْحَبْسُ، وَقَامَ الْغُرَمَاءُ فَعَلَى الْوَلَدِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْحَبْسَ كَانَ قَبْلَ الدَّيْنِ وَإِلَّا بَطَلَ الْحَبْسُ، وَنَحْوُهُ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى ابْنٍ مَالِكٍ لِأَمْرِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ فَحَازَ وَقَبَضَ كَانَتْ الصَّدَقَةُ أَوْلَى.
الْمُتَيْطِيُّ إنْ تَحَقَّقَ سَبْقُ الدَّيْنِ بَطَلَ الْحَبْسُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ مُطْلَقًا، وَإِنْ تَحَقَّقَ سَبْقُ الْعَطَايَا نَفَذَتْ وَبَقِيَتْ الدُّيُونُ عَلَى الْغَرِيمِ، وَإِنْ جُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَمَا كَانَ مِنْ تَحْبِيسٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ عَلَى كَبِيرٍ حَازَ لِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى صَغِيرٍ حَازَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ بِأَمْرِ أَبِيهِ فَهُوَ مَاضٍ عَلَى حَسَبِ مَا عُقِدَ وَتَبْقَى الدُّيُونُ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى صَغِيرٍ حَازَ لَهُ أَبُوهُ فَالدُّيُونُ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ " غ " الشَّرْطُ قَاصِرٌ عَلَى هَذِهِ دُونَ مَا قَبْلَهَا، فَفِي كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً مِنْ غَيْرِ ثَوَابٍ ثُمَّ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْ وَاهِبِهَا وَجَاءَ بِبَيِّنَةٍ فَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ يُرِيدُ قَبْضَهَا فَالْمُبْتَاعُ أَحَقُّ بِهَا، وَذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الَّذِي حَبَّسَ عَلَى وَلَدٍ لَهُ صِغَارٍ حَبْسًا وَمَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُدْرَى قَبْلَ الْحَبْسِ أَوْ بَعْدَهُ، فَقَالَ الْبَنُونَ قَدْ حُزْنَاهُ بِحَوْزِ الْأَبِ عَلَيْنَا، فَإِنْ أَقَامُوا بَيِّنَةً أَنَّ الْحَبْسَ كَانَ قَبْلَ الدَّيْنِ فَالْحَبْسُ لَهُمْ وَإِلَّا بِيعَ لِلْغُرَمَاءِ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ، وَقَدْ اسْتَوْعَبَهَا الْمُتَيْطِيُّ.
طفي لَا مَعْنَى لِرُجُوعِ الْقَيْدِ لِلَّتِي قَبْلَهَا، الْآنَ عَوْدُهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ السَّنَةِ يُبْطِلُ الْحَوْزَ إنْ كَانَ الْحَائِزُ مِمَّنْ يَحُوزُ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَبَّسٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ حَبَّسَ عَلَى صَغِيرِهِ وَحَازَهُ لَهُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَوْ يَبْطُلُ مَتَى رَجَعَ إلَيْهِ، وَلَوْ بَعْدَ عَامٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فِي نُفُوذِ مَسْكَنِ السُّكْنَى إذَا أَخْلَاهُ عَامًا بِشَرْطِ أَنْ يُكْرِيَهُ فِي هَذَا الْعَامِ بِاسْمِ مَحْجُورِهِ وَيَرْجِعَ إلَيْهِ بِالْكِرَاءِ، وَيُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ،
стр. 3742
أَوْ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ بِشَرِيكٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَهُ،
ــ
[منح الجليل]
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَكَيْفَ يَصِحُّ رُجُوعُ الْقَيْدِ إلَيْهَا، إذْ لَوْ رَجَعَ إلَيْهَا لَكَانَ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَحْجُورِهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ وَعَلَيْهِ دَرَج الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ تَكُنْ دَارُ سُكْنَاهُ، وَتَبِعَ تت الشَّارِحَ فِي قَوْلِهِ قَيَّدَ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا وَالْعَجَبُ كَيْفَ سَلَّمَهُ، وَهُوَ وَاضِحُ الْفَسَادِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ " غ " مُعَرِّضًا بِالشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: الشَّرْطُ قَاصِرٌ عَلَى هَذِهِ دُونَ مَا قَبْلَهَا وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِحَ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ الدَّالَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَلَمْ يَهْتَدِ لَهُ، لَكِنَّ الْكَمَالَ لِلَّهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَاطِلَ فِي قَوْلِهِ أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ الْحَوْزُ فَقَطْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ فَإِنَّهُ الْحَبْسُ. اهـ. أَيْ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَانِعٌ، وَهُوَ سَاكِنٌ بِهِ وَإِلَّا بَطَلَ الْحَبْسُ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ) أَيْ وَبَطَلَ الْوَقْفُ إنْ وَقَفَ الْمَالِكُ مِلْكَهُ (عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ فَهُوَ بَاطِلٌ إنْ كَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَحْدَهُ، بَلْ (وَلَوْ) وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ (بِشَرِيكٍ) أَيْ مَعَ غَيْرِهِ كَوَقَفْتُ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى فُلَانٍ فَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ يَصِحُّ عَلَيْهِمَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِ وَلَوْ. ابْنُ عَرَفَةَ الْحَبْسُ عَلَى نَفْسِ الْمُحَبِّسِ وَحْدَهُ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا مَعَ غَيْرِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُ كُلِّ حَبْسِ مَنْ حَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ، فَإِنْ حِيزَ عَنْهُ صَحَّ عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ.
(أَوْ) أَيْ وَبَطَلَ إنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ وَشَرَطَ (أَنَّ النَّظَرَ) عَلَى وَقْفِهِ (لَهُ) أَيْ الْوَاقِفِ فَهُوَ بَاطِلٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَحْجُورًا لَهُ، وَإِلَّا فَلَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحُوزُ لِمَحْجُورِهِ، وَيَتَصَرَّفُ لَهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا. ابْنُ شَاسٍ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْبِسَ، وَيَكُونَ هُوَ وَلِيَّ الْحَبْسِ. مُحَمَّدٌ فِيمَنْ حَبَّسَ غَلَّةَ دَارِهِ فِي صِحَّتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَتَوَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ، وَهِيَ بِيَدِهِ أَنَّهَا مِيرَاثٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ فِي حَبْسِهِ أَنَّهُ يَلِيهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. طفي ذَكَرَهُ فِي مُبْطِلَاتِ الْحَبْسِ جَازَ مَا بِهِ مَعَ قَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَوْ شَرَطَهُ لَمْ يَجُزْ، أَيْ الشَّرْطُ وَيُحْتَمَلُ أَيْ الْوَقْفُ وَيَبْطُلُ
стр. 3743
أَوْ لَمْ يَحُزْهُ كَبِئْرٍ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَفِيهًا، أَوْ وَلِيِّ صَغِيرٍ.
أَوْ لَمْ يُخَلِّ
ــ
[منح الجليل]
وَلَوْ كَانَ حَيًّا اهـ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْأَوَّلِ قَائِلًا وَيَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ إلَى نَاظِرٍ آخَرَ يَنْظُرُ فِيهِ وَلَا يُوَفِّي لَهُ بِشَرْطِهِ وَتَرَدَّدَ أَيْضًا فِي تَوْضِيحِهِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ مَنْ حَبَّسَ غَلَّةَ دَارِهِ فِي صِحَّتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَكَانَ يَلِيهَا حَتَّى مَاتَ وَهِيَ بِيَدِهِ أَنَّهَا مِيرَاثٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ فِي حَبْسِهِ أَنَّهُ يَلِي ذَلِكَ لَمْ يُجِزْهُ لَهُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فَقَالَ اُنْظُرْ قَوْلَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ هَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَبْطُلُ حَبْسُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ أَوْ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يُجِزْهُ لَهُ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ أَيْ لَمْ يُجِيزَا لَهُ الشَّرْطَ فَيَصِحُّ الْحَبْسُ وَيَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ إلَى غَيْرِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الْمُحَبِّسَ مَاتَ وَلَمْ يُحَزْ عَنْهُ وَلَا إشْكَالَ فِي الْبُطْلَانِ مَعَ ذَلِكَ. وَأَمَّا إنْ كَانَ حَيًّا فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَيَخْرُجُ إلَى يَدِ ثِقَةٍ لِيَتِمَّ حَوْزُهُ، وَكَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ. اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ فَجَزَمَ هُنَا بِخِلَافِ مَا اسْتَظْهَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ هُنَا عَلَى بُطْلَانِ الْحَوْزِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ " غ " وَاسْتَبْعَدَ. تت فِي كَبِيرِهِ حَمْلُهُ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ وَلَا بُعْدَ فِيهِ.
(أَوْ) أَيْ وَبَطَلَ إنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ وَلَيْسَ فِي حِجْرِهِ وَ (لَمْ يَحُزْهُ) أَيْ الْوَقْفُ شَخْصٌ (كَبِيرٌ) أَيْ بَالِغٌ (وُقِفَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَلَيْهِ) أَيْ الْكَبِيرِ فَيَبْطُلُ بِحُصُولِ مَانِعٍ لِلْوَاقِفِ قَبْلَ حَوْزِهِ عَنْهُ، فَإِنْ حَازَهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْكَبِيرُ قَبْلَهُ فَلَا يَبْطُلُ بِحُصُولِهِ لَهُ بَعْدَهُ إنْ كَانَ الْكَبِيرُ رَشِيدًا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (سَفِيهًا) لَا يَحْفَظُ الْمَالَ وَلَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِيهِ فَحَوْزُهُ لِنَفْسِهِ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ، وَقِيلَ لَا يَصِحُّ وَلَا يُعْتَبَرُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِ وَلَوْ (أَوْ) وُقِفَ عَلَى صَغِيرٍ مَحْجُورٍ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَحُزْهُ (وَلِيُّ صَغِيرٌ) حَتَّى حَصَلَ لِلْوَاقِفِ مَانِعٌ فَيَبْطُلُ وَقْفُهُ، فَإِنْ حَازَهُ وَلِيُّ الصَّغِيرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَهُ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْحَوْزِ رَفْعُ يَدِ وَاقِفِهِ عَنْهُ وَتَسْلِيمُهُ لِغَيْرِهِ.
(أَوْ) أَيْ وَبَطَلَ إنْ وَقَفَ مَسْجِدًا أَوْ قَنْطَرَةً أَوْ رِبَاطًا أَوْ نَحْوَهَا وَ (لَمْ يُخَلِّ)
стр. 3744
بَيْنَ النَّاسِ، وَبَيْنَ كَمَسْجِدٍ قَبْلَ فَلَسِهِ، وَمَوْتِهِ، وَمَرَضِهِ.
ــ
[منح الجليل]
بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ اللَّامِ الْوَاقِفُ (بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ كَمَسْجِدِ) وَرِبَاطٍ وَقَنْطَرَةٍ وَنَحْوِهَا وَتَنَازَعَ يَحُزْ وَيُخَلِّ (قَبْلَ فَلَسِهِ) أَيْ وَالْوَاقِفُ الْأَعَمُّ أَوْ الْأَخَصُّ (وَ) قَبْلَ (مَرَضِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِهِ وَقَبْلَ جُنُونِهِ كَذَلِكَ (وَقَبْلَ مَوْتِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ بِأَنْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ أَصْلًا أَوْ حِيزَ عَنْهُ بَعْدَ مَرَضِهِ أَوْ جُنُونِهِ أَوْ فَلَسِهِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نَخْلَةٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ لِغَيْرِ ثَوَابٍ فِي الصِّحَّةِ يَمُوتُ الْمُعْطِي أَوْ يُفْلِسُ أَوْ يَمْرَضُ قَبْلَ حَوْزِهَا عَنْهُ فَهِيَ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ فَتُحَازُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَقْضِي لِلْمُعْطِي بِالْقَبْضِ إنْ مَنَعَهُ الْمُعْطِي، وَمَنْ وَهَبَ عَبْدًا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْأَجْنَبِيُّ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ، فَذَلِكَ كُلُّهُ بَاطِلٌ، كَقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ حَبَّسَ عَلَى وَلَدِهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَلَمْ يَقْبِضْ الْكِبَارُ الْحَبْسَ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْكِبَارَ لَمْ يَقْبِضُوا الْحَبْسَ.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُعْرَفُ إنْفَاذُ الْحَبْسِ لِلصِّغَارِ هَاهُنَا إلَّا بِحِيَازَةِ الْكِبَارِ، بِخِلَافِ مَنْ حَبَّسَ عَلَى وَلَدِهِ وَهُمْ صِغَارٌ كُلُّهُمْ، فَإِنْ مَاتَ كَانَ الْحَبْسُ لَهُمْ جَائِزًا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي لَغْوِ قَبْضِ السَّفِيهِ لِنَفْسِهِ مَا حَبَّسَ عَلَيْهِ وَصِحَّتُهُ نَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ الْبُطْلَانَ عَنْ وَثَائِقِ الْبَاجِيَّ وَالصِّحَّةَ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ الْأَخَوَيْنِ، قَالَ وَنَزَلْت أَيَّامَ الْقَاضِي مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ فَشَاوَرَ فِيهَا الْعُلَمَاءَ فَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ بَلَدِهِ عَلَى صِحَّتِهِ إلَّا إِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ التُّجِيبِيَّ فَأَفْتَى بِبُطْلَانِهِ فَحَكَمَ بِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَفِيهَا مَنْ وَهَبَ لِصَغِيرٍ هِبَةً وَجَعَلَ مَنْ يَحُوزُهَا لَهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ وَتُرْضَى حَالُهُ فَتُدْفَعُ إلَيْهِ وَيُشْهِدُ لَهُ بِذَلِكَ فَذَلِكَ حَوْزٌ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ حَاضِرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ لَا تَحُوزُ الْأُمُّ وَلَا غَيْرُهَا صَدَقَةً عَلَى ابْنٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ، وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. اللَّخْمِيُّ الْحَبْسُ أَصْنَافٌ: صِنْفٌ لَا يَصِحُّ بَقَاءُ يَدِ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حَائِزٍ مَخْصُوصٍ وَهِيَ الْمَسَاجِدُ وَالْقَنَاطِرُ وَالْمَوَاجِلُ وَالْآبَارُ.
فَإِذَا خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ صَحَّ حَبْسُهُ (إلَّا) وَقْفُهُ (لِمَحْجُورِهِ) أَيْ عَلَى مَنْ هُوَ فِي
стр. 3745
إلَّا لِمَحْجُورِهِ إذَا أَشْهَدَ، وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ، وَلَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ، أَوْ عَلَى وَارِثٍ بِمَرَضِ مَوْتِهِ
ــ
[منح الجليل]
حِجْرِ الْوَاقِفِ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ مُوصِي أَوْ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، فَلَا يَبْطُلُ بِبَقَاءِ يَدِ وَاقِفِهِ عَلَيْهِ (إذَا أَشْهَدَ) الْوَاقِفُ عَلَى الْوَقْفِ عَلَى مَحْجُورِهِ بِأَنْ قَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي حَبَسْت هَذَا عَلَى مَحْجُورِي (وَ) إذَا (صَرَفَ الْغَلَّةَ) لِلْحَبْسِ (لَهُ) أَيْ فِي مَصَالِحِ مَحْجُورِهِ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَنَحْوِهَا (وَ) إذَا (لَمْ تَكُنْ) الذَّاتُ الْمَوْقُوفَةُ دَارَ (سُكْنَاهُ) أَيْ الْوَاقِفِ الَّتِي اسْتَمَرَّ سَاكِنًا بِهَا إلَى مَوْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى الْوَقْفِ أَوْ لَمْ يَصْرِفْ الْغَلَّةَ لَهُ أَوْ كَانَتْ دَارُ سُكْنَاهُ إلَى مَوْتِهِ لَمْ يَصِحَّ حَوْزُهُ لَهُ.
طفي مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ الَّتِي لَمْ يُخَلِّهَا إلَى أَنْ مَاتَ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِدَارِ السُّكْنَى، بَلْ كَذَلِكَ غَيْرُهَا إذَا سَكَنَهَا بَعْدَ تَحْبِيسِهَا أَوْ ثَوْبًا لَبِسَهُ أَوْ دَابَّةً رَكِبَهَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَا حُبِسَ عَلَى مَحْجُورِهِ مَهْمَا انْتَفَعَ بِهِ بَطَلَ، وَلَوْ بَعْدَ عَامٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْحَاجِبِ الشَّرْطَ الثَّالِثَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تَكُونُ الْأُمُّ حَائِزَةً لِمَا تَصَدَّقَتْ أَوْ وَهَبَتْ لِصِغَارِ وَلَدِهَا وَإِنْ أَشْهَدَتْ، بِخِلَافِ الْأَبِ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً لَهُ أَوْ وَصِيَّةَ وَصِيِّهِ فَيَتِمُّ حَوْزَهَا لَهُمْ، وَيَحُوزُ الْأَبُ لِصِغَارِ بَنِيهِ وَبَالِغَاتِ أَبْكَارِ بَنَاتِهِ مَا وَهَبَهُمْ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَلَا يَزُولُ حَتَّى يُؤْنَسَ رُشْدُهُمْ الْمُتَيْطِيُّ إنْ عَمَّرَ الْمُحَبِّسُ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ الْحَبْسَ لِنَفْسِهِ وَأَدْخَلَ غَلَّتَهُ فِي مَصَالِحِهِ، فَإِنَّ مَوْتَهُ يُبْطِلُ تَحْبِيسَهُ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ وَإِذَا حَبَّسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ وَهَبَهَا لَهُمْ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ حَوَّزَهُ لَهُمْ حَوَّزَ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا فِيهَا كُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا حَتَّى مَاتَ فَيَبْطُلُ جَمِيعُهَا وَأَمَّا الدَّارُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي سَكَنَ أَقَلَّهَا وَأَكْرَى لَهُمْ بَقِيَّتَهَا فَذَلِكَ نَافِذٌ فِيمَا سَكَنَ وَفِيمَا لَمْ يَسْكُنْ.
(أَوْ) أَيْ وَبُطْلَانُ وَقْفٍ (عَلَى) شَخْصٍ (وَارِثٍ) لِلْوَاقِفِ (بِمَرَضِ مَوْتِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ الْمَخُوفِ الْمُوجِبِ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فَيَبْطُلُ وَيَرْجِعُ مِيرَاثًا؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ. ابْنُ عَرَفَةَ الْحَبْسُ عَلَى وَارِثٍ وَحْدَهُ فِي الْمَرَضِ مَرْدُودٌ كَهِبَتِهِ لَهُ فِيهِ.
стр. 3746
إلَّا مُعَقَّبًا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ؛ فَكَمِيرَاثٍ لِلْوَارِثِ: كَثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ، وَأَرْبَعَةِ أَوْلَادِ أَوْلَادٍ وَعَقَبَهُ. وَتَرَكَ أُمًّا وَزَوْجَةً، فَيَدْخُلَانِ فِيمَا لِلْأَوْلَادِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ: وَقْفٌ،
ــ
[منح الجليل]
وَاسْتَثْنَى مَنْ وَقَفَهُ عَلَى وَارِثِهِ بِمَرَضِ مَوْتِهِ مَسْأَلَةً مَعْرُوفَةً بِمَسْأَلَةِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ سَحْنُونٌ وَهِيَ مِنْ حِسَانِ الْمَسَائِلِ قَلَّ مَنْ يَعْرِفُهَا فَقَالَ (إلَّا) وَقْفًا (مُعَقَّبًا) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا أَيْ وَقْفًا عَلَى الْعَقِبِ وَالنَّسْلِ بِأَنْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي وَعَقِبِهِمْ (خَرَجَ) الْحَبْسُ الْمُعَقَّبُ بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ (مِنْ ثُلُثِ) مَالِ (هـ) أَيْ الْوَاقِفِ بِمَرَضِ مَوْتِهِ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ الثُّلُثِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ. فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَيْهِ فَيُعْمَلُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ مِنْهُ مَا يُعْمَلُ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَيُقْسَمُ الْوَقْفُ عَلَى أَوْلَادِ الْوَاقِفِ وَأَوْلَادِهِمْ فَمَا يَنُوبُ أَوْلَادُهُ (فَ) هُوَ (كَمِيرَاثٍ لِلْوَارِثِ) لِلْوَاقِفِ، سَوَاءٌ كَانَ أَوْلَادُهُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِمْ أَوْ غَيْرُهُمْ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ كَبَاقِي التَّرِكَةِ، وَمَثَّلَ لَهَا فَقَالَ (كَ) وَقْفِهِ عَقَارًا بِمَرَضِ مَوْتِهِ عَلَى (ثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ) لِلْوَاقِفِ وَهُمْ أَوْلَادُ الْأَعْيَانِ (وَ) عَلَى (أَرْبَعَةِ أَوْلَادِ أَوْلَادٍ) لَهُ (وَعَقَّبَهُ) بِفَتْحِ الْقَافِ مُشَدَّدَةً، أَيْ جَعَلَ الْوَاقِفُ الْوَقْفَ عَلَى عَقِبِهِ بِأَنْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ وَعَقِبِهِمْ وَمَاتَ الْوَاقِفُ عَنْ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورِينَ (وَتَرَكَ) الْوَاقِفُ (أُمًّا) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَشَدِّ الْمِيمِ لَهُ (وَزَوْجَةً) لَهُ (فَيَدْخُلَانِ) أَيْ أُمِّ الْوَاقِفِ وَزَوْجَتِهِ (فِيهَا) أَيْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَنُوبُ أَوْلَادُ الْوَاقِفِ مِنْ قِسْمَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى سَبْعَةٍ عَدَدِ رُءُوسِ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ، فَلِلْأُمِّ سُدُسُهَا، وَلِلزَّوْجَةِ ثُمُنُهَا، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي عَلَى الْأَوْلَادِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَأَصْلُهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ لِاتِّفَاقِ مُخْرِجِي السُّدُسِ وَالثُّمُنِ بِالنِّصْفِ فَلِلْأُمِّ أَرْبَعَةٌ وَلِلزَّوْجَةِ ثَلَاثَةٌ، وَالْبَاقِي سَبْعَةَ عَشْرَ مُنْكَسِرَةً عَلَى الْأَوْلَادِ مُبَايِنَةً لَهُمْ، فَتُضْرَبُ الثَّلَاثَةُ فِي الْأَرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فَلِلْأُمِّ أَرْبَعَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ، وَلِلزَّوْجَةِ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ بِتِسْعَةٍ، وَلِلْأَوْلَادِ سَبْعَةَ عَشَرَ فِي ثَلَاثَةٍ بِأَحَدٍ وَخَمْسِينَ.
(وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ) أَيْ الْوَقْفِ الْبَاقِيَةُ بَعْدَ أَخْذِ أَوْلَادِ الْأَعْيَانِ حِصَّتَهُمْ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ وَخَبَرُ أَرْبَعَةِ أَسْبَاعِهِ (لِوَلَدِ الْوَلَدِ) الْأَرْبَعَةِ (وَقْفٌ) ابْنُ الْقَاسِمِ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى
стр. 3747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
فِي قَسْمِ الْوَقْفِ عَلَى السَّبْعَةِ سَوَاءٌ. وَقَالَ سَحْنُونٌ وَمُحَمَّدٌ يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ
ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَوْ حَبَّسَ عَلَى وَارِثٍ وَغَيْرِهِ مَعَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَهِيَ كَالْمَشْهُورَةِ بِوَلَدِ الْأَعْيَانِ وَهِيَ ذُو دَارٍ حَبَّسَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَعَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ وَحَمَّلَهَا ثُلُثَهُ وَتَرَكَ مَعَهُمْ أُمًّا وَزَوْجَةً، فَصَوَّرَهَا الشَّيْخُ وَالصَّقَلِّيُّ بِأَنَّ الْوَلَدَ ثَلَاثَةٌ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْوَلَدِ فَتُقْسَمُ غَلَّتُهَا عَلَى عَدَدِ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ، سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ وَالذَّكَرُ كَالْأُنْثَى، وَصَوَّرَهَا ابْنُ شَاسٍ بِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ أَرْبَعَةٌ.
مُحَمَّدٌ اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَّسِعُ فِيهَا الْمَقَالُ، وَيَتَفَرَّغُ فِيهَا السُّؤَالُ، وَيَدِقُّ فِيهَا الْفِقْهُ سَحْنُونٌ هِيَ مِنْ حِسَانِ الْمَسَائِلِ، وَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُهَا، أَوْ هِيَ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ صَوَابٌ، وَفِي بَعْضِهَا خَطَأٌ لِدِقَّةِ مَعَانِيهَا وَغَامِضِ تَفْرِيعِهَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا حَبَّسَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَحَمَّلَهُ الثُّلُثَ كَانَ حَبْسًا عَلَى غَيْرِ وَارِثٍ، وَهُوَ وَلَدُ وَلَدِهِ وَعَلَى وَارِثٍ، وَهُوَ وَلَدُهُ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى إبْطَالِ مَا لِلْوَلَدِ إنْ شَاءَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِغَيْرِ الْوَارِثِ، وَهُوَ وَلَدُ الْوَلَدِ وَمَا يَتَنَاسَلُ مِنْ الْأَعْقَابِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إيقَافِ ذَلِكَ عَلَى مَعَانِي الْإِحْبَاسِ إلَّا أَنَّ مَا صَارَ مِنْهُ بِيَدِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ يُقَاسَمُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ مِنْ أُمٍّ وَزَوْجَةٍ وَغَيْرِهِمْ إنْ لَمْ يُجِيزُوا فَيَدْخُلُونَ فِي تِلْكَ الْمَنَافِعِ، إذْ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» .
ابْنُ شَاسٍ وَمَا صَارَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ نَفَذَ لَهُمْ بِالْحَبْسِ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ يُقْسَمُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بِالسَّوِيَّةِ إذَا كَانَتْ حَالَتُهُمْ وَاحِدَةً، وَإِلَّا فَعَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ. ابْنُ الْقَاسِمِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ. فِي الْبَيَانِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. طفي أَيْ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَمُحَمَّدٍ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى يُقْسَمُ بَيْنَ أَعْيَانِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظَّيْ الْأُنْثَى، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُقْسَمُ الْحَبْسُ بَيْنَهُمْ أَسْبَاعًا إنْ اسْتَوَتْ حَالَتُهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَوْ اسْتَوَتْ أَوْ لَمْ تَسْتَوِ عَلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ. ابْنُ رُشْدٍ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ هُوَ الصَّوَابُ أَنْ يُنْظَرَ كَمْ وَلَدَهُ وَكَمْ وَلَدَ وَلَدِهِ، فَإِنْ كَانَ وَلَدُهُ ثَلَاثَةً وَوَلَدُ وَلَدِهِ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا وَحَالُهُمْ وَاحِدٌ قُسِمَ الْحَبْسُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ فَقِيلَ إنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقِيلَ إنَّهُ
стр. 3748
وَانْتَقَضَ الْقَسْمُ بِحُدُوثِ وَلَدٍ لَهُمَا: كَمَوْتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
ــ
[منح الجليل]
خِلَافٌ لَهُ إذْ قَالَ يُقْسَمُ عَلَى عَدَدِهِمْ وَلَمْ يُشْتَرَطُ تَسَاوِي أَحْوَالِهِمْ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ فَرَّقَ فِي التَّحْبِيسِ فِي الْمَرَضِ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ، فَرَأَى أَنْ لَا يُفَضَّلَ فَقِيرُهُمْ عَلَى غَنِيِّهِمْ، بِخِلَافِ مَنْ حَبَّسَ فِي صِحَّتِهِ.
وَاتَّفَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ عَلَى أَنْ لَا يُفَضَّلَ الْوَلَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَسْمِهِ بِالسَّوِيَّةِ مُطْلَقًا وَإِنْ اسْتَوَتْ حَالَتُهُمْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ظَاهِرِ سَمَاعِ عِيسَى. ابْنُ الْقَاسِمِ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَشْهُورِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. اهـ. هَذَا تَحْرِيرُ النَّقْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(وَانْتَقَضَ الْقَسْمُ) لِلْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ السَّبْعَةِ (بِ) سَبَبِ (حُدُوثِ وَلَدٍ لَهُمَا) أَيْ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ اتِّفَاقًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جَانِبٍ أَوْ مِنْ جَانِبَيْنِ، وَتَصِيرُ الْقِسْمَةُ فِي الْأَوَّلِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ، وَفِي الثَّانِي عَلَى تِسْعَةٍ، وَكَذَا إنْ حَدَثَ أَكْثَرُ. وَشَبَّهَ فِي النَّقْضِ فَقَالَ (كَمَوْتِهِ) أَيْ وَاحِدٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَأَكْثَرَ فَيَنْتَقِضُ الْقَسْمُ وَيُقْسَمُ عَلَى سِتَّةٍ (عَلَى الْأَصَحِّ) مِنْ الْخِلَافِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ قَدَّمَهُمْ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ الْأَعْيَانِ أَخَذَ وَلَدُ الْوَلَدِ ثُلُثَيْ السِّتَّةِ وَالْبَاقِيَانِ مِنْ وَلَدِ الْأَعْيَانِ الثُّلُثَ وَقُسِمَا عَلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ، فَتَأْخُذُ أُمُّهُ سُدُسَهُمَا وَزَوْجَتُهُ ثُمُنَهُمَا، وَيُقْسَمُ بَاقِي السَّهْمَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ لِلْوَلَدَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ سَهْمَانِ وَيَحْيَا الْمَيِّتُ بِالذَّكَرِ، وَمَا نَابَهُ فَلِوَرَثَتِهِ أَيًّا كَانُوا عَلَى الْفَرَائِضِ مَوْقُوفًا بِأَيْدِيهِمْ وَتَدْخُلُ فِيهِ زَوْجَةُ الْوَاقِفِ إنْ كَانَتْ أُمَّهُ. ابْنُ يُونُسَ فَيَصِيرُ بِيَدِ وَلَدِ الْوَلَدِ نَصِيبٌ بِمَعْنَى الْوَقْفِ مِنْ جَدِّهِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَنَصِيبٌ بِمَعْنَى الْمِيرَاثِ مِنْ أَبِيهِ، وَكَذَا يَنْتَقِضُ الْقَسْمُ لَوْ مَاتَ ثَانٍ فَيُقْسَمُ عَلَى خَمْسَةٍ. وَإِنْ مَاتَ الثَّالِثُ صَارَ الْجَمِيعُ لِوَلَدِ الْوَلَدِ حَبْسًا وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ صَارَ لِوَلَدِ الْأَعْيَانِ النِّصْفُ، وَلِوَلَدِ الْوَلَدِ النِّصْفُ.
ابْنُ يُونُسَ اُخْتُلِفَ إنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ وَلَدِ الْأَعْيَانِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٌ يَنْتَقِضُ الْقَسْمُ كَمَا يَنْتَقِضُ لِحُدُوثِ وَلَدٍ لِوَلَدِ الْأَعْيَانِ أَوْ لِوَلَدِ الْوَلَدِ، وَيُقْسَمُ جَمِيعُ
стр. 3749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
الْحَبْسِ عَلَى عَدَدِ بَقِيَّةِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ، فَمَا صَارَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ نَفَذَ لَهُمْ بِالْحَبْسِ، وَمَا صَارَ لِوَلَدِ الْأَعْيَانِ فَيَأْخُذُ الْحَيَّانِ سَهْمَيْهِمَا وَوَرَثَةُ الْمَيِّتِ مِنْهُمْ سَهْمَهُ تَدْخُلُ فِيهِ أُمُّهُ وَزَوْجَتُهُ إنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ وَوَلَدُهُ، وَهُوَ أَحَدُ وَلَدِ الْوَلَدِ، فَيَصِيرُ لِوَلَدِ هَذَا الْمَيِّتِ نَصِيبٌ بِمَعْنَى الْحَبْسِ مِنْ جَدِّهِ فِي الْقَسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَنَصِيبٌ بِمَعْنَى الْمِيرَاثِ، وَعَلَى مَا رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَنْتَقِضُ الْقَسْمُ.
ابْنُ عَرَفَةَ وَدَخَلَتْ الْأُمُّ وَالزَّوْجَةُ عَلَى وَلَدِ الْأَعْيَانِ فِيمَا صَارَ لَهُمْ بِحَظَّيْهِمَا إرْثًا، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُ وَلَدِ الْأَعْيَانِ تَعَلَّقَ بِحَظِّهِ حَقُّ وَلَدِ الْوَلَدِ لِوُجُوبِ صَرْفِ كُلِّ حَبْسٍ عَلَى عَدَدٍ عِنْدَ مَوْتِ بَعْضِهِ عَلَى مَنْ بَقِيَ، وَفِي صَرْفِهِ لَهُمْ بِنَقْضِ الْقَسْمِ الْأَوَّلِ وَقَسْمِهِ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ وَلَدِ الْأَعْيَانِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ لِيُقْسَمَ حَظُّهُمْ بِمُقْتَضَى إرْثِهِمْ، وَالْمَيِّتُ مَعَهُمْ مُقَدَّرَةٌ حَيَاتُهُ يَسْتَحِقُّ وَارِثُهُ حَظَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَدْخُلُ الْأُمُّ وَالزَّوْجَةُ عَلَيْهِمْ بِحَظَّيْهِمَا كَمَا مَرَّ أَوْ بِلِقَائِهِ وَيُقْسَمُ حَظُّ الْمَيِّتِ مَرْدُودًا إلَيْهِ سُدُسُهُ وَثُمُنُهُ كَذَلِكَ نَقَلَ الصِّقِلِّيِّ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ مُحَمَّدٍ وَيَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَظَاهِرُ سَمَاعِ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ وَبِهِ فَسَّرَ الشَّيْخُ الصِّقِلِّيُّ.
وَقَوْل سَحْنُونٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ بِضَمِّ وَلَدِ الْأَعْيَانِ مَا صَارَ لَهُمَا مِنْ قَسْمِ سَهْمِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِمَا مَعَ وَلَدِ الْوَلَدِ لِلسُّدُسَيْنِ اللَّذَيْنِ بِأَيْدِيهِمَا مَرْدُودٌ إلَيْهِمَا مَا أَخَذَهُ الْأُمُّ مِنْهُمَا، وَالزَّوْجَةُ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ لَهُمَا سُدُسُهَا وَثُمُنُهَا، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي عَلَيْهِمَا مَعَ الْمَيِّتِ مُقَدَّرَةٌ حَيَاتُهُ، وَحَظُّهُ لِوَارِثِهِ عَائِدٌ إلَى نَقْضِ الْقَسْمِ.
الشَّيْخُ وَلَا يَخْتَلِفُ مَعْنَى نَقْضِ الْقَسْمِ مِنْ بَقَائِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمِّ وَالزَّوْجَةِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ إنَّمَا يَخْتَلِفَانِ بِالنِّسْبَةِ لِوَلَدِ الْأَعْيَانِ وَوَلَدِ الْمَيِّتِ، وَبَيَانُهُ يُقْسَمُ الْحَبْسُ بِمَوْتِ الْجَدِّ عَلَى أَنَّهُ فَرِيضَةٌ صَحَّتْ مِنْ الْقَسْمَيْنِ وَمِائَةً وَسِتِّينَ لِكُلٍّ مِنْ وَلَدِ الْأَعْيَانِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ سُدُسُهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ لِلزَّوْجَةِ ثُمُنُ مَا بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَلَدِ جَمِيعُهُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ، وَلِلْأُمِّ سُدُسُ مَا بِيَدِ كُلٍّ مِنْ الْوَلَدِ جَمِيعُهُ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْأَوْلَادِ رَدَّتْ إلَيْهِ الزَّوْجَةُ مَا أَخَذَتْ مِنْهُ، وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَتَرُدُّ الْأُمُّ إلَيْهِ سِتِّينَ فَيَعُودُ السُّدُسُ عَلَى مَا كَانَ فَيُقْسَمُ عَلَى خَمْسَةٍ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْأَعْيَانِ، فَتَأْخُذُ الْأُمُّ سُدُسَ مَا بِيَدِ كُلِّ
стр. 3750
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
وَاحِدٍ مِنْ وَلَدَيْ الْأَعْيَانِ، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ وَالزَّوْجَةُ ثُمُنُهُ تِسْعَةٌ يَبْقَى لِكُلِّ وَاحِدٍ أَحَدٌ وَخَمْسُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِائَةٌ وَسَهْمَانِ يَأْخُذُ كُلٌّ ثُلُثَهُ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ، وَلِوَارِثِ الْمَيِّتِ مِثْلُ ذَلِكَ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَتَانِ وَتِسْعَةٌ وَثَمَانُونَ وَلِلزَّوْجَةِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ، وَلِلْأُمِّ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، هَذَا عَلَى بَقَاءِ الْقَسْمِ وَعَلَى نَقْضِهِ يُقْسَمُ ذَلِكَ عَلَى خَمْسَةٍ خُمُسُهُ أَرْبَعُمِائَةٍ وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَكَذَلِكَ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ فِي الْقَسْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ تَأْخُذُ الزَّوْجَةُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَلَدِ الْأَعْيَانِ ثُمُنَ مَا بِيَدِهِ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَجْتَمِعُ لَهَا مِائَةٌ وَثَمَانِيَةُ، وَهُوَ مَا كَانَ لَهَا فِي الْقَسْمِ الْأَوَّلِ، وَلِلْأُمِّ سُدُسُ مَا بِأَيْدِيهِمَا مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَهُوَ مَا كَانَ لَهَا فِي الْقَسْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الْبَاقِي بِيَدِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ سِتُّمِائَةٍ وَاثْنَا عَشَرَ ثُلُثُهَا لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِائَتَانِ وَأَرْبَعَةٌ فَزَادَهُمْ نَقْضُ الْقَسْمِ عَلَى بَقَائِهِ مِائَةً وَسَبْعِينَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ لَهُمْ أَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ، هَذِهِ الزِّيَادَةُ كَانَتْ عِنْدَ عَمَّيْهِمَا وَنَقَصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةً وَثَمَانِينَ عَمَّا كَانَ بِيَدِهِ فِي الْقَسْمِ الْأَوَّلِ، فَاَلَّذِي نَقَصَهُمَا هُوَ مَا زَادَ وَرَثَةُ أَخِيهِمَا، وَهَذَا أَشْبَهُ لِوُجُوبِ مُسَاوَاةِ حَقِّ الْمَيِّتِ لِحَقَّيْهِمَا فِيمَا يَسْتَحِقَّانِهِ بِالْإِرْثِ.
قُلْت هَذَا الْكَلَامُ بِطُولِهِ الْمَطْلُوبُ بِهِ بَيَانُ اخْتِلَافِ قَدْرِ مَا يَجِبُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْ وَلَدِ الْأَعْيَانِ، وَالْبَاقِي مِنْهُمْ عَلَى نَقْضِ الْقَسْمِ وَبَقَائِهِ وَإِدْرَاكِهِ بِأَخْصَرَ مِنْ هَذَا وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْهُمْ عَلَى نَقْضِ الْقَسْمِ ثُلُثُ خُمُسَيْ الْمَالِ، وَعَلَى بَقَائِهِ ثُلُثُ خُمُسَيْ سُدُسِهِ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ سُدُسِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْكُلَّ أَعْظَمُ مِنْ جُزْئِهِ، وَأَنَّ جُزْءَ الْأَصْغَرِ مِنْ قَدْرِ السَّمِيِّ لِجُزْءِ الْأَكْبَرِ أَصْغَرُ مِنْ جُزْءِ الْأَكْبَرِ، وَاخْتِلَافُ حَالِ الْوَارِثِ مَلْزُومٌ لِاخْتِلَافِ حَالِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ لِاتِّحَادِ حَالِ مَنْ سِوَاهُمْ، فِيهِمَا ضَرُورَةُ مُسَاوَاةِ الْجُزْءِ الْمَأْخُوذِ مِنْ كُلٍّ لِمَجْمُوعِ الْأَجْزَاءِ السَّمِيَّةِ لَهُ مِنْ كُلِّ أَجْزَائِهِ كَثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ ثُمُنُهَا وَسُدُسُهَا كَثُمُنَيْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ وَسُدُسَيْهَا.
следующие страницы →