Полный текст (4 919 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ لِيَشْتَدَّ فَكَالتَّطَوُّعِ.
وَلَا يَشْرَبُ مِنْ اللَّبَنِ وَإِنْ فَضَلَ
ــ
[منح الجليل]
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ) لِكَوْنِهِ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ بِهَا ثِقَةٌ عِنْدَ ثِقَةٍ (لِيَشْتَدَّ) ثُمَّ يُرْسَلَ إلَى مَحَلِّهِ (فَكَ) هَدْيِ (التَّطَوُّعِ) الَّذِي عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مُسْتَعْتَبٍ أَيْ: أَمِنَ نَحْرَهُ بِمَحَلِّهِ وَخَلَّاهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَأْكُلُ شَيْئًا مِنْهُ كَانَتْ أُمُّهُ مُتَطَوَّعًا بِهَا أَوْ عَنْ وَاجِبٍ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَكَذَا إنْ أَمَرَ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مُسْتَعْتَبٍ كَطَرِيقٍ فَيُبَدِّلُهُ بِهَدْيٍ كَبِيرٍ وَلَا يُجْزِيهِ بَقَرَةٌ فِي نِتَاجِ بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بَدَلُهُ ذَكَّاهُ وَتَرَكَهُ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ وَلَا مَعْنَى لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّطَوُّعِ الَّذِي عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ أَنَّهُ يُنْحَرُ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ وَلَمْ يُفَصِّلُوا فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلَ.
(وَلَا يُشْرِبُ) الْمُهْدِي بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ لِهَدْيٍ يُمْنَعُ الْأَكْلَ مِنْهُ (مِنْ اللَّبَنِ) إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا بَلْ (وَإِنْ فَضَلَ) اللَّبَنُ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا أَيْ يُكْرَهُ إنْ فَضَلَ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا وَلَمْ يَضُرَّ شُرْبُهُ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلْيَتَصَدَّقْ بِالْفَاضِلِ
стр. 912
وَغَرِمَ إنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ مُوجِبَ فِعْلِهِ وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلَا عُذْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ وَنَحْرِهَا قَائِمَةً أَوْ مَعْقُولَةً.
ــ
[منح الجليل]
عَنْ فَصِيلِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ أَوْ أَضَرَّ أَحَدَهُمَا مُنِعَ. وَأَمَّا الْجَائِزُ أَكْلُهُ فَيَجُوزُ شُرْبُ لَبَنِهِ أَفَادَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ أَيْضًا أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ هَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةُ وَغَيْرُهَا، وَتَعْلِيلُهُمْ النَّهْيَ بِخُرُوجِ الْهَدْيِ عَنْ مِلْكِهِ بِتَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ وَبِخُرُوجِهِ خَرَجَتْ مَنَافِعُهُ فَشُرْبُهُ نَوْعٌ مِنْ الْعَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُهَا وَيُضْعِفُ وَلَدَهَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ قَالَهُ طفي.
(وَ) لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الشُّرْبِ الْمَمْنُوعِ أَوْ الْمَكْرُوهِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ ضَرَرٌ، فَإِنْ حَصَلَ (غَرِمَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (إنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ) أَوْ حَلْبِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْهُ أَوْ بَقَائِهِ بِضَرْعِهَا (الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ) وَمَفْعُولُ غَرِمَ قَوْلُهُ (مُوجَبَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: مُسَبَّبِ بِفَتْحِ الْبَاءِ (فِعْلِهِ) أَيْ شُرْبِهِ أَوْ حَلْبِهِ أَوْ إبْقَائِهِ مِنْ نَقْصٍ فَيَغْرَمُ الْأَرْشَ أَوْ تَلِفَ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ (وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا) أَيْ: الْبَدَنَةِ وَعَدَمُ الْحَمْلِ عَلَيْهَا (بِلَا عُذْرٍ) فَيُكْرَهُ كَمَا فِي النَّقْلِ وَإِنْ احْتَمَلَ كَلَامُهُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا يُكْرَهُ وَإِنْ رَكِبَهَا لِعُذْرٍ (فَلَا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ) وَيُنْدَبُ وَإِنْ نَزَلَ فَلَا يَرْكَبُهَا ثَانِيًا إلَّا لِعُذْرٍ كَالْأَوَّلِ وَإِنْ رَكِبَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا. وَإِنْ رَكِبَهَا لِعُذْرٍ وَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا إلَّا إنْ تَعَدَّى فِي هَيْئَةِ رُكُوبِهَا قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِ سَنَدٍ هَذَا مُقَيَّدٌ بِسَلَامَتِهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَهَا.
(وَ) نُدِبَ (نَحْرُهَا) أَيْ الْبَدَنَةِ حَالَ كَوْنِهَا (قَائِمَةً) عَلَى قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ مُقَيَّدَةً أَيْ مَقْرُونَةَ الْيَدَيْنِ بِقَيْدٍ بِلَا عَقْلٍ (أَوْ) قَائِمَةً (مَعْقُولَةً) أَيْ: مَثْنِيَّةً ذِرَاعُهَا الْيُسْرَى إلَى عَضُدِهَا فَتَبْقَى قَائِمَةً عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ، وَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ. وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ النَّصَّ نَحْرُهَا قَائِمَةً مُقَيَّدَةً إلَّا أَنْ يَخَافَ ضَعْفَهُ عَنْهَا وَعَدَمَ صَبْرِهَا فَيَعْقِلُهَا، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَيُفِيدُ الثَّانِي بِالْعُذْرِ.
وَالْأَصْلُ فِي الصِّفَتَيْنِ الْقِرَاءَتَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]
стр. 913
وَأَجْزَأَ إنْ ذَبَحَ غَيْرُهُ مُقَلَّدًا، وَلَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ إنْ غَلِطَ، وَلَا يَشْتَرِكُ فِي هَدْيٍ، وَإِنْ وُجِدَ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ، إنْ قُلِّدَ وَقَبْلَ نَحْرِهِ نُحِرَ مَعًا، وَإِنْ قُلِّدَ وَإِلَّا بِيعَ وَاحِدٌ.
ــ
[منح الجليل]
الْحَجَّ، وَقُرِئَ صَوَافِنْ. ابْنُ حَبِيبٍ مَعْنَى صَوَافَّ صَفُّ يَدَيْهَا بِقَيْدٍ حِينَ نَحْرِهَا. ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - صَوَافِنْ مَعْقُولَةٌ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ يَدٌ وَاحِدَةٌ فَتَقِفُ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ. سَنَدٌ تُنْحَرُ الْبَقَرُ قَائِمَةً أَيْضًا.
(وَأَجْزَأَ) الْهَدْيُ الْمُقَلَّدُ أَوْ الْمُشْعَرُ (إنْ ذَبَحَ) شَخْصٌ مُسْلِمٌ (غَيْرُهُ) أَيْ: الْمُهْدَى (عَنْهُ) أَيْ الْمُهْدِي صِلَةً أَجْزَأَ لَا كَافِرٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ وَعَلَى صَاحِبِهِ بَدَلُهُ، وَقَوْلُهُ أَجْزَأَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَمَفْعُولُ ذَبَحَ قَوْلُهُ (مُقَلَّدًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلًا أَنَابَهُ أَمْ لَا إنْ نَوَى الذَّابِحُ عَنْ رَبِّهِ بَلْ (وَلَوْ نَوَى) الذَّابِحُ الْهَدْيَ (عَنْ نَفْسِهِ إنْ غَلِطَ) الذَّابِحُ فِي هَدْيِ غَيْرِهِ وَظَنَّهُ هَدْيَهُ، فَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يُجْزِ عَنْ الْمَالِكِ أَنَابَهُ أَمْ لَا وَلَا عَنْ الذَّابِحِ أَيْضًا وَلِرَبِّهِ أَخْذُ قِيمَتِهِ مِنْهُ قَالَهُ سَنَدٌ بِخِلَافِ الضَّحِيَّةِ فَتُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا وَلَوْ ذَبَحَهَا النَّائِبُ عَنْ نَفْسِهِ عَمْدًا بِشَرْطِ إنَابَةِ رَبِّهَا لَهُ فَتُخَالِفُ الْهَدْيَ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.
(وَلَا يُشْتَرَكُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ (فِي هَدْيِ) تَطَوُّعٍ أَوْ وَاجِبٍ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَالْأَجَانِبُ سَوَاءٌ كَمَا فِيهَا. وَلَوْ قَالَ دَمٌ لَشَمِلَ الْفِدْيَةَ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي أَجْرِهِ كَظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَوَاهِرِ فَهُوَ مُخَالِفٌ فِي هَذَا أَيْضًا لِلضَّحِيَّةِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي هَدْيٍ لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ) ضَلَّ أَوْ سُرِقَ هَدْيٌ وَأُبْدِلَ ثُمَّ (وُجِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيُ الضَّالُّ أَوْ الْمَسْرُوقُ (بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْهَدْيُ الَّذِي وُجِدَ بَعْدَ ضَلَالِهِ أَوْ سَرِقَتِهِ (إنْ) كَانَ (قُلِّدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لِتَعَيُّنِهِ هَدْيًا بِتَقْلِيدِهِ (وَ) إنْ وُجِدَ (قَبْلَ نَحْرِهِ) أَيْ: الْبَدَلِ (نُحِرَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيَانِ الْأَصْلُ وَالْبَدَلُ مَعًا (إنْ) كَانَا (قُلِّدَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لِتَعَيُّنِهِمَا لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقَلَّدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِيعَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (وَاحِدٌ مِنْهُمَا) أَيْ: الْهَدْيَيْنِ غَيْرِ الْمُقَلَّدَيْنِ الَّذِي وُجِدَ أَوْ بَدَلُهُ إنْ شَاءَ الْمُهْدِي، وَإِنْ
стр. 914
(فَصْلٌ)
وَإِنْ مَنَعَهُ: عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ: لَا بِحَقٍّ: بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛
ــ
[منح الجليل]
شَاءَ نَحَرَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ أَحَدَهُمَا وَأَبْقَى الْآخَرَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ غَيْرَهُمَا وَأَبْقَاهُمَا وَإِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ نَحْرُهُ لِتَعَيُّنِهِ لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِ.
[فَصْلٌ فِي مَوَانِع الْحَجّ وَالْعُمْرَة]
(فَصْلٌ) فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الطَّارِئَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ
وَيُقَال لِلْمَمْنُوعِ مُحْصَرٌ وَالْحَصْرُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: حَصْرٌ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا، وَحَصْرٌ عَنْ الْبَيْتِ فَقَطْ، وَحَصْرٌ عَنْ عَرَفَةَ فَقَطْ وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ (وَإِنْ مَنَعَهُ) أَيْ الْمُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (عَدُوٌّ) أَيْ: كَافِرٌ (أَوْ فِتْنَةٌ) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ حَبْسٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مَصْدَرٌ عُطِفَ عَلَى عَدُوٍّ أَوْ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَاضٍ مَجْهُولٍ عُطِفَ عَلَى مَنَعَهُ نَائِبُهُ ضَمِيرُ الْمُحْرِمِ (لَا بِحَقٍّ) بَلْ ظُلْمًا كَحَبْسِ مَدِينٍ ثَابِتِ الْعُسْرِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ حُبِسَ بِحَقٍّ لَا يَتَحَلَّلُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ بِدَفْعِ الْحَقِّ وَالْخُرُوجِ لِتَكْمِيلِ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي كَوْنِ الْحَبْسِ بِحَقٍّ ظَاهِرُ الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَتَّى إنَّهُ إنْ حُبِسَ بِتُهْمَةٍ ظَاهِرَةٍ فَلَا يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ عَلِمَ بَرَاءَةَ نَفْسِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحَالَ الْمَرْءُ عَلَى مَا عَلِمَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ وَالْإِحْرَامَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَظَاهِرُ الطِّرَازِ يُوَافِقُهُ وَتَنَازَعَ مَنَعَ وَحَبَسَ (بِحَجٍّ) أَيْ: فِيهِ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا (أَوْ عُمْرَةٍ) أَيْ: فِيهَا عَنْ الْبَيْتِ. وَجَوَابُ إنْ مَنَعَهُ عَدُوٌّ أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ لَا بِحَقٍّ (فَلَهُ) أَيْ: الْمَمْنُوعُ بِمَا تَقَدَّمَ (التَّحَلُّلُ) بَلْ هُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ مِنْ بَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ وَلَوْ دَخَلَ مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ
стр. 915
إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ، وَلَا دَم
ــ
[منح الجليل]
وَأَفَادَ شَرْطَ التَّحَلُّلِ فَقَالَ (إنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمُحْرِمُ حِينَ أَنْشَأَ إحْرَامَهُ (بِهِ) أَيْ الْمَانِعِ مِنْ عَدُوٍّ وَفِتْنَةٍ أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلِمَهُ حِينَهُ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ إلَّا أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فَمَنَعَهُ فَلَهُ التَّحَلُّلُ كَمَا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «أَحْرَمَ عَالِمًا بِالْعَدُوِّ بِمَكَّةَ ظَانًّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فَمَنَعَهُ فَلَمَّا مَنَعَهُ تَحَلَّلَ» فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ.
وَعَطَفَ عَلَى لَمْ يَعْلَمْ فَقَالَ (وَأَيِسَ) الْمَمْنُوعُ حِينَ الْمَنْعِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا قَوِيًّا (مِنْ زَوَالِهِ) أَيْ: الْمَنْعِ (قَبْلَ فَوْتِهِ) أَيْ: الْحَجِّ. وَأَشْعَرَ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِوَقْتٍ يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ لَوْلَا الْمَانِعُ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِوَقْتٍ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ فَلَا يَتَحَلَّلُ لِدُخُولِهِ عَلَى بَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ لِلْعَامِ الْقَابِلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ قَبْلَ فَوْتِهِ بِالتَّحَلُّلِ رَدًّا لِقَوْلِ أَشْهَبَ إنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بَعْدَ فَوْتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَحْتَمِلُ تَعَلُّقَهُ بِزَوَالِهِ وَعَلَيْهِمَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا أَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ أَدْرَكَ الْحَجَّ.
وَهُوَ ظَاهِرُ أَوَّلِ كَلَامِهَا وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ وَسَنَدٌ مَا فِي آخِرِ كَلَامِهَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَبْقَى زَمَنٌ يَخْشَى فِيهِ فَوَاتَ الْحَجِّ، وَقَالَا إنَّ كَلَامَهَا الثَّانِيَ يُفَسِّرُ الْأَوَّلَ. الْحَطَّابُ إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ فَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، فَمَعْنَى وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ إلَخْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَيْلَةِ النَّحْرِ زَمَانُ يُمَكِّنُهُ السَّيْرُ فِيهِ إلَى عَرَفَةَ لَوْ زَالَ الْمَانِعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ إلَخْ خَاصٌّ بِالْحَجِّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ لِلْعُمْرَةِ حَدٌّ وَإِنْ لَمْ يُخْشَ الْفَوْتُ لِقَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُقِيمُ مَا رَجَا إدْرَاكَهَا مَا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ.
(وَ) إنْ تَحَلَّلَ فَ (لَا دَمَ) عَلَيْهِ لِفَوَاتِ الْحَجِّ بِحَصْرِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِ أَشْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ وَرَدَّهُ اللَّخْمِيُّ بِنُزُولِ الْآيَةِ فِي قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ حَصْرُهَا بِعَدُوٍّ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ عَدُوٍّ
стр. 916
بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ،
ــ
[منح الجليل]
وَأَجَابَ التُّونُسِيُّ وَابْنُ يُونُسَ بِأَنَّ الْهَدْيَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ وَإِنَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ سَاقَهُ تَطَوُّعًا فَأُمِرُوا بِتَذْكِيَتِهِ وَاسْتُضْعِفَ قَوْلُ أَشْهَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَالْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ يَحْلِقُ أَيْنَ كَانَ كَذَا قَالُوا، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الرَّدِّ بِالْآيَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى أَشْهَبَ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ أَشْهَبَ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ بِآيَةِ (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) . وَأُجِيبَ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلتُّونُسِيِّ وَابْنِ يُونُسَ أَنَّ الْهَدْيَ فِي الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ إنَّمَا سَاقَهُ بَعْضُهُمْ تَطَوُّعًا فَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ.
الثَّانِي أَنَّ الْإِحْصَارَ فِي الْآيَةِ بِالْمَرَضِ لَا بِالْعَدُوِّ وَهَذَا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَزَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لِعَلْقَمَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ أُحْصِرَ بِالْمَرَضِ وَحُصِرَ بِالْعَدُوِّ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ عَلْقَمَةُ وَغَيْرُهُ الْمَعْنَى فَإِذَا بَرِئْتُمْ مِنْ مَرَضِكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا إذَا أَمِنْتُمْ مِنْ خَوْفِكُمْ مِنْ الْعَدُوِّ. اهـ. وَكَوْنُ الْآيَةِ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَا يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ، بَلْ يَقْوَى تَأْوِيلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] . وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الرَّدِّ بِالْآيَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى أَشْهَبَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الرَّدُّ بِهَا عَلَيْهِ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ.
وَالتَّحَلُّلُ يَكُونُ (بِنَحْرِ هَدْيِهِ) إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ سَاقَهُ عَنْ سَبَبٍ مَضَى أَوْ تَطَوُّعًا حَيْثُ كَانَ إنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ إرْسَالُهُ لِمَكَّةَ غَيْرَ مَضْمُونٍ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا جَرَى عَلَى حُكْمِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا يَسْقُطُ الْهَدْيُ أَيْضًا (وَحَلْقِهِ) رَأْسَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ بَلْ هِيَ كَافِيَةٌ، فَفِي الشَّامِلِ وَكَفَتْ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ نَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَنْوِ التَّحَلُّلَ فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ يَنْحَرُ إلَخْ بِمَعْنَى مَعَ، فَيُفِيدُ كَلَامُهُ أَنَّ التَّحَلُّلَ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الأكملية لَا الشَّرْطِيَّةِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ فِي الطِّرَازِ أَيْضًا وَمِثْلُ مَنْ حُصِرَ عَنْهُمَا مَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ وَهُوَ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ فِي التَّحَلُّلِ بِالنِّيَّةِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ فَقَطْ وَبَعُدَ عَنْ مَكَّةَ فَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ حَلَّ مَكَانَهُ صَوَابٌ
стр. 917
وَلَا دَمَ إنْ أَخَّرَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَرِيقٌ مَخُوفٌ وَكُرِهَ إبْقَاءُ، إحْرَامِهِ، وَإِنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا.
وَلَا يَتَحَلَّلُ، إنْ دَخَلَ وَقْتُهُ،
ــ
[منح الجليل]
وَلَا دَمَ) عَلَى الْمُحْصَرِ عَنْهُمَا (إنْ أَخَّرَهُ) أَيْ التَّحَلُّلَ أَوْ الْحَلْقَ لِبَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا بَلْ تَحَلُّلٌ فَقَطْ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُحْصَرَ مُطْلَقًا (طَرِيقٌ مَخُوفٌ) عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ كَثِيرٍ أَوْ يَسِيرٍ يَمْكُثُ آخِذُهُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْحَجَّ لَوْلَا الْمَخُوفُ فَلَيْسَ خَاصًّا بِالْمُحْصَرِ عَنْهُمَا مَعًا الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَمَفْهُومُ مَخُوفٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ سُلُوكُ طَرِيقٍ مَأْمُونٍ وَإِنْ بَعُدَ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِإِدْرَاكِ الْحَجِّ وَلَمْ تَعْظُمْ مَشَقَّتُهَا، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا. قَوْلُهُ لَا يَلْزَمُهُ أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ، وَيَنْبَغِي الْحُرْمَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وَقَوْلُهُ مَخُوفٌ كَذَا فِي نُسَخٍ أَيْ: طَرِيقٌ يَحْصُلُ فِيهِ الْخَوْفُ، وَأَمَّا الَّذِي يُخِيفُ مِنْ نَظَرِهِ فَيُقَالُ لَهُ مُخِيفٌ فِيمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ مُخِيفٍ يَصِحُّ بِارْتِكَابِ مَجَازٍ فِي الْإِسْنَادِ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلْحَالِّ لِلْمَحَلِّ.
(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ لِمَنْ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَدُوِّ وَالْفِتْنَةِ وَحَبَسَهُ ظُلْمًا وَنَائِبُ فَاعِلِ كُرِهَ (إبْقَاءُ إحْرَامِهِ) بِالْحَجِّ لِعَامٍ قَابِلٍ بِلَا تَحَلُّلٍ بِعُمْرَةٍ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ فِيهِ (إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مُقَارَبَةِ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ فَتَحَلُّلُهُ أَسْلَمُ فَالْمُنَاسِبُ تَأْخِيرُ هَذَا عَنْ قَوْلِهِ أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ. وَأَمَّا مَنْ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَهُوَ الْمُحْصَرُ عَنْهُمَا الَّذِي كَلَامُهُ الْآنَ فِيهِ فَتَحَلُّلُهُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا وَلَوْ بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ. ابْنُ غَازِيٍّ زَادَ أَوْ دَخَلَهَا وَإِنْ كَانَ أَحْرَى لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ تَحْرِيمُ إبْقَائِهِ إنْ دَخَلَهَا.
(وَلَا يَتَحَلَّلُ) مَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ بِعُمْرَةٍ (إنْ) بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى (دَخَلَ وَقْتُهُ) أَيْ الْحَجِّ مِنْ الْعَامِ الثَّانِي لِيَسَارِهِ الْبَاقِي مِنْ الزَّمَانِ أَيْ: يُكْرَهُ تَحَلُّلُهُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْقَوْلِ الَّذِي اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ مِنْ مُضِيِّ تَحَلُّلِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مُتَمَتِّعًا، وَلِلْقَوْلِ بِمُضِيِّهِ وَلَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا وَالْمُنَاسِبُ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ مُضِيِّ تَحَلُّلِهِ مَنْعُهُ فَهَذَا أَيْضًا فِيمَنْ يَتَحَلَّلُ
стр. 918
وَإِلَّا فَثَالِثُهَا يَمْضِي وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ.
وَلَمْ يَفْسُدْ بِوَطْءٍ، إنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ.
ــ
[منح الجليل]
بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَدُوِّ وَالْفِتْنَةِ وَحَبْسِهِ ظُلْمًا. وَأَمَّا مَنْ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِحَبْسِهِ ظُلْمًا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ خَالَفَ وَتَحَلَّلَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ بِعُمْرَةٍ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ (فَ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَحَدُهَا: يَمْضِي تَحَلُّلُهُ وَلَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَهَذَا تَمَتَّعَ مِنْ حَجٍّ إلَى حَجٍّ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ كَلَا عُمْرَةٍ لِعَدَمِ إنْشَائِهِ إحْرَامَهَا، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ، ثَانِيهَا: لَا يُمْضِي تَحَلُّلَهُ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ.
(ثَالِثُهَا) أَيْ: الْأَقْوَالِ (يَمْضِي) تَحَلُّلُهُ (وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ) فَعَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّمَتُّعِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِيهَا ثَلَاثًا فِي مَسْأَلَةٍ إلَّا فِي هَذِهِ (وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ) أَيْ: الْمَمْنُوعِ مِنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ وَالْهَدْيِ وَالْحَلْقِ، وَكَذَا الْمَمْنُوعُ مِنْ عَرَفَةَ فَقَطْ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ (الْفَرْضُ) الْمُتَعَلِّقُ بِذِمَّتِهِ مِنْ حِجَّةِ إسْلَامٍ أَوْ نَذْرٍ مَضْمُونٍ وَلَا عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَأَمَّا التَّطَوُّعُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ وَمِثْلُهُ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِفَوَاتِ وَقْتِهِ، وَسُمِّيَتْ عُمْرَتُهُ ﷺ الَّتِي بَعْدَ عُمْرَةِ الصَّدِّ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَاضَى قُرَيْشًا فِيهَا لَا أَنَّهَا قَضَاءٌ عَنْ عُمْرَةِ الْحَصْرِ الْمَاضِيَةِ. قَالَ بَعْضٌ وَلَوْ قُلْنَا بِهِ لَا يَلْزَمُنَا مَحْظُورٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ دَلَّ فِعْلُهُ ﷺ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ لَا عَلَى وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ صُدُّوا مَعَهُ ﷺ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَلَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَ الْبَاقِينَ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ وَجَبَ لَبَيَّنَهُ لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِهِ قَالَهُ سَنَدٌ.
(وَ) مَنْ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِالنِّيَّةِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ لِصَدِّهِ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا (لَمْ يَفْسُدْ) حَجُّهُ (بِوَطْءٍ) قَبْلَ تَحَلُّلِهِ (إنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ) عَلَى إحْرَامِهِ لِعَامٍ قَابِلٍ بِأَنْ نَوَى التَّحَلُّلَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا هَذَا ظَاهِرُهُ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَمَنْ نَوَى الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ فَالْمُنَاسِبُ إنْ نَوَى التَّحَلُّلَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ نَوَى الْبَقَاءَ فَسَدَ حَجُّهُ
стр. 919
وَإِنْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ، فَحَجُّهُ تَمَّ وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْإِفَاضَةِ.
وَعَلَيْهِ لِلرَّمْيِ وَمَبِيتُ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ: هَدْيٌ: كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ
ــ
[منح الجليل]
وَإِنْ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ (وَحُصِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَنْ الْبَيْتِ) بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ (فَحَجُّهُ تَمَّ) أَيْ: أَمِنَ مِنْ فَوَاتِهِ لِإِدْرَاكِهِ الرُّكْنَ الَّذِي يُدْرَكُ بِهِ فَلَيْسَ مُرَادُهُ حَقِيقَةَ التَّمَامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ وَقَوْلُهُ (وَلَا يَحِلُّ) مِنْ إحْرَامِهِ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ الَّذِي تَحِلُّ بِهِ النِّسَاءُ وَالصَّيْدُ وَالطِّيبُ (إلَّا بِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) فَيَبْقَى مُحْرِمًا وَلَوْ أَخَّرَهُ سِنِينَ. قَالَ أَحْمَدُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ، وَيُؤَيِّدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَيُجْزِئُهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْصَرِ عَنْ الْبَيْتِ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ (لِ) تَرْكٍ ا (لِرَمْيٍ) لِلْجَمَرَاتِ الْمُحْصَرُ عَنْهُ (وَ) لِتَرْكِ (مَبِيتِ) لَيَالِيِ (مِنًى وَ) نُزُولِ (مُزْدَلِفَةَ هَدْيٌ) وَاحِدٌ.
وَشَبَّهَ فِي اتِّحَادِ الْهَدْيِ فَقَالَ (كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ) مِمَّا تَقَدَّمَ وَكَذَا لَا يَتَعَدَّدُ إنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الْجَمِيعِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنَّ هَذَا إثْمٌ. وَأَوْرَدَ أَنَّ قَوْلَهُ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُحْصَرْ عَمَّا بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ لِلرَّمْيِ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حُصِرَ عَمَّا بَعْدَهُ أَيْضًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ مُرَادُهُ بِهِ سَوَاءٌ حُصِرَ عَمَّا قَبْلَهُ أَيْضًا مِمَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ كَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ لَا، وَقَوْلُهُ لِلرَّمْيِ إلَخْ مَعْنَاهُ حَيْثُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا.
ابْنُ غَازِيٍّ كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ كَذَا اخْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمُدَوَّنَةَ وَسَلَّمَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَ عَقِبَهُ قَوْلَ ابْنِ رَاشِدٍ، وَلَوْ قِيلَ: إذَا أُنْسِيَ الرَّمْيَ وَالنُّزُولَ بِمُزْدَلِفَةَ بِالتَّعَدُّدِ مَا بَعُدَ لِتَعَدُّدِ الْمُوجِبَاتِ كَمَا فِي الْعَمْدِ وَكَأَنَّهُمْ لَاحَظُوا أَنَّ الْمُوجِبَ وَاحِدٌ لَا سِيَّمَا وَهُوَ مَعْذُورٌ وَاخْتَصَرَهَا أَبُو سَعِيدٍ كَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا نَاسِيًا حَتَّى زَالَتْ أَيَّامُ مِنًى، وَاخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ وَعَلَيْهِ لِجَمِيعِ مَا فَاتَهُ مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ وَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَمِنًى هَدْيٌ كَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ نَاسِيًا حَتَّى زَالَتْ أَيَّامُ مِنًى
стр. 920
وَإِنْ حُصِرَ عَنْ الْإِفَاضَةِ، أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ: كَعَرْضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ، أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ بِلَا إحْرَامٍ وَلَا يَكْفِي قُدُومُهُ.
وَحُبِسَ هَدْيُهُ مَعَهُ، إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجْزِهِ
ــ
[منح الجليل]
وَإِنْ) تَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَ (حُصِرَ) بِمَا سَبَقَ مِنْ أَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ (عَنْ الْإِفَاضَةِ) أَيْ: عَرَفَةَ وَسَمَّاهَا إفَاضَةً قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] قَالَهُ تت أَيْ: فَلَمَّا كَانَتْ مَبْدَأَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا بَعْدَ عَرَفَةَ سُمِّيَتْ عَرَفَةُ إفَاضَةً مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ تَسَبَّبَ عَنْ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ (أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ) بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ (بِغَيْرٍ) أَيْ غَيْرِ عَدُوٍّ وَفِتْنَةٍ وَحَبْسٍ لَا بِحَقٍّ (كَمَرَضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ) وَلَوْ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْسِمِ بِعَاشِرٍ أَوْ خَفَاءِ هِلَالٍ لِغَيْرِ الْجَمِّ بِعَاشِرٍ (أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ) وَمِنْهُ حَبْسُ مَدِينٍ لَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ (لَمْ يَحِلَّ) فِي ذَلِكَ كُلُّهُ إنْ شَاءَ التَّحَلُّلَ (إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ بِلَا إحْرَامٍ) بِالْكَيْفِيَّةِ السَّابِقَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ بِهَا، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَأْتِيَ هُنَا بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَكُرِهَ إبْقَاءُ إحْرَامِهِ إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا فَإِنَّ هَذَا مَحَلُّهُ.
(وَلَا يَكْفِي قُدُومُهُ) وَسَعْيُهُ عَقِبَهُ الَّذِي فَعَلَهُ يَوْمَ دُخُولِهِ مَكَّةَ عَنْ طَوَافِهِ الْعُمْرَةَ وَسَعْيَهَا الْمَطْلُوبَيْنِ لِلتَّحِلَّةِ بَعْدَ الْفَوَاتِ، وَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إحْرَامَهُ لَا يَنْقَلِبُ عُمْرَةً مِنْ أَصْلِهِ بَلْ مِنْ وَقْتِ نِيَّةِ فِعْلِ الْعُمْرَةِ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ.
(وَحُبِسَ) الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ (هَدْيُهُ مَعَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْهَدْيِ الْعَطَبَ، وَأَمَّا الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ فَإِنْ أَمْكَنَهُ إرْسَالَهُ أَرْسَلَهُ وَإِلَّا ذَكَّاهُ بِأَيِّ مَحَلٍّ كَانَ، وَمَفْهُومُ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ خَافَ عَلَيْهِ أَرْسَلَهُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا ذَكَّاهُ بِمَوْضِعِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: حَبْسُ الْوَاجِبِ مَعَهُ وَاجِبٌ وَالتَّطَوُّعُ مَنْدُوبٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ حَبْسُ التَّطَوُّعِ وَاجِبٌ أَيْضًا (وَلَمْ يُجْزِهِ) أَيْ: هَذَا الْهَدْيَ الْمُحْصَرَ الَّذِي قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ قَبْلَ
стр. 921
عَنْ فَوَاتٍ.
وَخَرَجَ لِلْحِلِّ إنْ أَحْرَمَ بِحَرَمٍ، أَوْ أَرْدَفَ، وَأَخَّرَ دَمَ الْفَوَاتِ لِلْقَضَاءِ، وَأَجْزَأَ إنْ قَدِمَ.
وَإِنْ أَفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ أَوْ بِالْعَكْسِ،
ــ
[منح الجليل]
الْفَوَاتِ سَوَاءٌ حَبَسَهُ مَعَهُ أَوْ أَرْسَلَهُ عَنْ هَدْيٍ تَرَتَّبَ (عَنْ فَوَاتٍ) لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّ هَذَا أَوْجَبَ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارُ لِغَيْرِ الْفَوَاتِ فَيَلْزَمُهُ هَدْيُ الْفَوَاتِ مَعَ حِجَّةِ الْقَضَاءِ.
فَإِنْ قُلْت تَقَدَّمَ وَإِنْ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتٍ أَوْ لِحَيْضٍ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ لِقِرَانِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ قَبْلَ أَرْدَافِهِ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا كَأَنْ سَاقَهُ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ قَبْلَ إحْرَامِ الْحَجِّ. أُجِيبَ بِأَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَمَّا كَانَا مُنْدَرِجَيْنِ تَحْتَ مُطْلَقِ الْإِحْرَامِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةٌ كَاَلَّتِي بَيْنَ الْحَجِّ وَفَوَاتِهِ، وَبِأَنَّ مَا سَبَقَ فِي الْحَجِّ الْفَائِتِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُسَقْ فِي نُسُكٍ، بِخِلَافِ الْمَسُوقِ فِي عُمْرَةٍ.
(وَخَرَجَ) وُجُوبًا مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَلَزِمَهُ هَدْيٌ لِلْفَوَاتِ وَأَرَادَ التَّحَلُّلَ بِعُمْرَةٍ (لِلْحِلِّ) لِيَجْمَعَ فِي عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَيُلَبِّي مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إنْشَاءِ إحْرَامٍ بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ (إنْ) كَانَ (أَحْرَمَ) بِالْحَجِّ الَّذِي فَاتَ (يُحْرِمُ) أَيْ: فِيهِ لِإِقَامَتِهِ بِهِ (أَوْ) كَانَ (أَرْدَفَ) الْحَجَّ فِي الْحَرَمِ عَلَى عُمْرَةٍ أَحْرَمَ بِهَا فِي الْحِلِّ وَيَقْضِي الْحَجَّ الَّذِي فَاتَ فِي عَامِ قَابِلٍ وَيُهْدِي لِلْفَوَاتِ.
(وَأَخَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا (دَمَ الْفَوَاتِ) أَيْ: الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَجْلِهِ (لِ) عَامِ ا (لْقَضَاءِ) لِيَقْتَرِنَ الْجَابِرُ النُّسُكِيُّ وَالْجَابِرُ الْمَالِيُّ وَلَا يُقَدِّمُهُ عَامَ الْفَوَاتِ وَلَوْ خَافَ الْمَوْتَ وَفُهِمَ مِنْهُ وُجُوبُ قَضَاءِ الْفَائِتِ فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نَصِّ النَّوَادِرِ وَالْجَلَّابِ وَغَيْرِهِمَا لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَجَاءَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا قَضَاءَ لِلنَّفْلِ فِي حَصْرِ الْعَدُوِّ وَبَقِيَ عَلَى عُمُومِ الْآيَةِ (وَأَجْزَأَ) هَدْيُ الْفَوَاتِ (إنْ قُدِّمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مَعَ عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ عَامَ الْفَوَاتِ مَعَ الْإِثْمِ.
(وَإِنْ أَفْسَدَ) الْحَجَّ وَتَمَادَى عَلَيْهِ لِإِتْمَامِهِ (ثُمَّ فَاتَ) الْحَجُّ الْمُفْسَدُ بِفَوَاتِ وُقُوفِهِ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وُجُوبًا وَقَضَاهُ (أَوْ) اجْتَمَعَ الْفَوَاتُ وَالْإِفْسَادُ (بِالْعَكْسِ) لِلتَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ بِأَنْ فَاتَهُ
стр. 922
وَإِنْ بِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ تَحَلَّلَ وَقَضَاهُ دُونَهَا، وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ، لَا دَمُ قِرَانٍ وَمُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ.
وَلَا يُفِيدُ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ: نِيَّةُ التَّحَلُّلِ بِحُصُولِهِ.
وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ مَالٍ
ــ
[منح الجليل]
الْحَجُّ ثُمَّ أَفْسَدَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ بَلْ (وَإِنْ) أَفْسَدَهُ (بِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ) أَيْ: فِيهَا (تَحَلَّلَ) وُجُوبًا فِي الصُّورَتَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ تَمَادَى عَلَى فَاسِدٍ، وَالْمُرَادُ بَقِيَ عَلَى تَحَلُّلِهِ بِالْعُمْرَةِ الصَّحِيحَةِ وَاَلَّتِي فَسَدَتْ بِوَطْئِهِ فِيهَا فَلَا يَبْتَدِئُهَا وَيُتِمُّ طَوَافَهَا وَسَعْيَهَا وَكَفَتْ فِي التَّحَلُّلِ (وَقَضَاهُ) أَيْ: الْحَجَّ الَّذِي فَسَدَ وَفَاتَ (دُونَهَا) أَيْ عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ فَلَا يَقْضِيهَا؛ لِأَنَّهَا تَحَلُّلٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَا عُمْرَةٌ (وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ) هَدْيٌ لِلْفَسَادِ وَهَدْيٌ لِلْفَوَاتِ إنْ قَضَاهُ مُفْرَدًا سَوَاءٌ كَانَ مَا أَفْسَدَهُ مُفْرَدًا أَوْ تَمَتُّعًا وَأَمَّا إنْ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا وَأَفْسَدَهُ وَفَاتَهُ وَقَضَاهُ مُتَمَتِّعًا أَوْ كَانَ أَحْرَمَ قَارِنًا وَأَفْسَدَهُ وَفَاتَهُ وَقَضَاهُ قَارِنًا أَوْ كَانَ أَحْرَمَ مُفْرِدًا وَأَفْسَدَهُ وَفَاتَهُ وَقَضَى مُتَمَتِّعًا فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ هَدَايَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ هَدْيٌ لِلْفَسَادِ وَهَدْيٌ لِلْفَوَاتِ وَهَدْيٌ لِلْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ الْقَضَاءِ.
(لَا) يَلْزَمُهُ (دَمُ قِرَانٍ وَ) دَمُ (مُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ) أَيْ: لِلْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ الَّذِي فَاتَ؛ لِأَنَّهُ آلَ أَمْرُهُ إلَى عُمْرَةٍ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَفِي هَذَا تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا وَثَلَاثَةٌ إنْ أَفْسَدَ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ وَقَضَى.
(وَلَا يُفِيدُ لِمَرَضٍ) حَاصِلٍ أَوْ مُتَرَقَّبٍ صِلَةُ التَّحَلُّلِ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: الْمَرَضِ مِنْ الْمَوَانِعِ كَحَيْضٍ أَوْ حَصْرِ عَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ وَفَاعِلُ لَا يُفِيدُ (نِيَّةُ التَّحَلُّلِ) مِنْ الْإِحْرَامِ (بِ) مُجَرَّدِ (حُصُولِهِ) أَيْ: الْمَانِعِ يَعْنِي إذَا نَوَى حِينَ إحْرَامِهِ أَنَّهُ إنْ حَصَلَ لَهُ مَانِعٌ مِنْ إتْمَامِهِ يَصِيرُ مُتَحَلِّلًا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ تَحَلُّلٍ بَعْدَ حُصُولِ الْمَانِعِ بِالْوَجْهِ السَّابِقِ لَمْ تَنْفَعْهُ نِيَّتُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَحَلُّلِهِ بَعْدَ الْمَانِعِ بِمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ الْإِحْرَامِ، وَكَذَا شَرْطُهُ بِاللَّفْظِ قَبْلَ وُجُودِهِ بِالْفِعْلِ فَهُوَ عِنْدَ وُجُودِهِ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يُحْدِثَ نِيَّةَ التَّحَلُّلِ وَلَا تَكْفِيهِ النِّيَّةُ السَّابِقَةُ.
(وَلَا يَجُوزُ) أَيْ: يَحْرُمُ عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَيُكْرَهُ عِنْدَ سَنَدٍ (دَفْعُ مَالٍ)
стр. 923
لِحَاصِرٍ إنْ كَفَرَ.
وَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ مُطْلَقًا: تَرَدُّدٌ
ــ
[منح الجليل]
قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ (لَحَاصِرٍ) طَلَبَهُ لِأَجْلِ تَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ (إنْ كَفَرَ) أَيْ: كَانَ الْحَاصِرُ كَافِرًا كِتَابِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا؛ لِأَنَّهُ ذِلَّةٌ وَوَهْنٌ لِلْإِسْلَامِ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ جَوَازَ دَفْعِهِ لَهُ قَائِلًا وَهْنُ الرُّجُوعِ بِصَدِّهِ أَشَدُّ مِنْ وَهْنِ إعْطَائِهِ الْحَطّ لَا يُسَلَّمُ لَهُ بَحْثُهُ. عج بَلْ الظَّاهِرُ مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ ضَرَرٌ إنْ قَدَّمَ أَخَفَّهُمَا وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ إذْ أَخَفُّهُمَا هُنَا الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ فَالرُّجُوعُ لَا يُوهِنُ الدِّينَ وَدَفْعُ الْمَالِ رِضًا بِالذُّلِّ وَتَقْوِيَةٌ لِلْكَافِرِ وَتَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ «رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَدْفَعْ مَالًا» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ عَدَمُ امْتِنَاعِ دَفْعِ مَالٍ لِحَاصِرٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ كَذَلِكَ ثُمَّ إنْ قَلَّ الْمَالُ وَلَا يَنْكُثُ وَجَبَ وَإِلَّا جَازَ.
(وَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ) لِلْحَاصِرِ غَيْرِ الْبَادِي (مُطْلَقًا) كَافِرًا كَانَ أَوْ مُسْلِمًا بِمَكَّةَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ الْحَرَمِ وَلَوْ أَهْلَ مَكَّةَ إذَا بَغَوْا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ وَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُمْ إلَّا بِقِتَالِهِمْ. ابْنُ فَرْحُونٍ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ قِتَالَ الْبُغَاةِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحِفْظُ حَقِّهِ فِي حَرَمِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُضَاعَ وَمَنَعَهُ، وَهُوَ نَقْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ قِتَالُ الْحَاصِرِ الْبَادِيَ بِهِ جِهَادٌ وَلَوْ مُسْلِمًا وَفِي قِتَالِهِ غَيْرَ بَادٍ نَقْلَا سَنَدٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ ابْنِ شَاسٍ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَالْأَوَّلُ الصَّوَابُ إنْ كَانَ الْحَاصِرُ بِغَيْرِ مَكَّةَ. وَإِنْ كَانَ بِهَا فَالْأَظْهَرُ نَقْلُ ابْنِ شَاسٍ لِحَدِيثِ «إنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» وَقَوْلُ ابْنِ هَارُونَ الصَّوَابُ جَوَازُ قِتَالِ الْحَاصِرِ وَأَظُنُّنِي رَأَيْته لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا نَصًّا، وَقَدْ قَاتَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْحَجَّاجَ، وَقَاتَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عُقْبَةَ يُرَدُّ بِأَنَّ الْحَجَّاجَ وَعُقْبَةَ بَدَآ بِهِ وَكَانُوا يَطْلُبُونَ النَّفْسَ، وَنَقْلُهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا أَعْرِفُهُ إلَّا قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ إنْ ثَارَ أَحَدٌ فِيهَا وَاعْتَدَى عَلَى اللَّهِ قُوتِلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] .
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أُلْجِئَ الْمُحْرِمُ لِتَقْلِيدِ السَّيْفِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَحَمَلَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنْ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ عَلَى الْقِتَالِ بِمَا يَعُمُّ كَالْمَنْجَنِيقِ إذَا أَمْكَنَ إصْلَاحُ الْحَالِ بِدُونِهِ، وَإِلَّا جَازَ. وَفِي الْإِكْمَالِ وَخَبَرُ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ السِّلَاحَ بِمَكَّةَ» مَحْمُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى حَمْلِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا حَاجَةٍ وَإِلَّا جَازَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ
стр. 924
وَلِلْوَلِيِّ مَنْعُ سَفِيهٍ: كَزَوْجٍ فِي تَطَوُّعٍ.
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَلَهُ التَّحَلُّلُ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ:
ــ
[منح الجليل]
وَغَيْرِهِمَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَيَجُوزُ دُخُولُهَا بَعْدَهُ ﷺ لِحَرْبٍ فِي قِتَالِ جَائِزٍ وَبِغَيْرِ إحْرَامٍ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ «أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» أَيْ: أُحِلَّ الْقِتَالُ فِيهَا لَا الصَّيْدُ وَالسَّاعَةُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ كَمَا فِي ابْنِ حَجَرٍ.
(وَلِلْوَلِيِّ) أَيْ: الْأَبِ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ مُقَدَّمِ الْقَاضِي أَوْ نَفْسِ الْقَاضِي (مَنْعُ) شَخْصٍ (سَفِيهٍ) أَيْ: بَالِغٍ عَاقِلٍ غَيْرِ مُحْسِنٍ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ مِنْ حَجٍّ وَلَوْ فَرْضًا. وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَزَوْجٍ) لَهُ مَنْعُ زَوْجَتِهِ (فِي تَطَوُّعٍ) مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَا فِي فَرْضٍ وَلَوْ عَلَى أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَأَدَائِهَا الصَّلَاةَ أَوَّلَ وَقْتِهَا وَقَضَاءِ رَمَضَانَ إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً وَإِلَّا فَلَهُ مَنْعُهَا فِي الْفَرْضِ أَيْضًا، فَقَوْلُهُ فِي تَطَوُّعٍ رَاجِعٌ لِلزَّوْجِ فَقَطْ، وَأَمَّا وَلِيُّ السَّفِيهِ فَلَهُ مَنْعُهُ حَتَّى فِي الْفَرْضِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَاتِهِمْ. لِلْبُنَانِيِّ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْفَرْعَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَنَدٍ وَنَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَا يَحُجُّ السَّفِيهُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ إنْ رَأَى وَلِيُّهُ ذَلِكَ نَظَرًا أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا.
ابْنُ عَاشِرٍ هَذَا مُشْكِلٌ إذَا لَمْ يَذْكُرُوا مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهِ. الرُّشْدَ وَكَيْفَ يَصِحُّ مَنْعُ الْوَلِيِّ مِنْهُ إذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهُ وَأَسْبَابُهُ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ. ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ اتَّفَقَتْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ لَا يَدْفَعُ لَهُ الْمَالَ، اُنْظُرْهُ قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً فَلَهُ الْمَنْعُ فِي الْفَرْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَةَ يَمْنَعُهَا وَلِيُّهَا لَا زَوْجُهَا نَعَمْ إنْ كَانَ وَلِيُّهَا زَوَّجَهَا فَلَهُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْوِلَايَةُ لَا مِنْ حَيْثُ الزَّوْجِيَّةُ.
(وَإِنْ) أَحْرَمَ السَّفِيهُ أَوْ الزَّوْجَةُ وَ (لَمْ يَأْذَنْ الْوَلِيُّ) لِلسَّفِيهِ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ (فَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ أَوْ الزَّوْجِ (التَّحَلُّلُ) أَيْ: التَّحْلِيلُ لَهُمَا مِمَّا أَحْرَمَا بِهِ كَتَحْلِيلِ الْمُحْصَرِ بِالنِّيَّةِ وَالْحَلْقِ لِلسَّفِيهِ وَالتَّقْصِيرُ لِلزَّوْجَةِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ وَلَا يَدْفَعُ لَهُ الْمَالَ بَلْ يَصْحَبُهُ لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يَصْحَبَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ (وَ) إنْ حَلَّلَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فَ (عَلَيْهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (الْقَضَاءُ)
стр. 925
كَعَبْدٍ، وَأَثِمَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ، وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا كَفَرِيضَةٍ قَبْلَ الْمِيقَاتِ،
ــ
[منح الجليل]
لِمَا حَلَّلَهَا مِنْهُ إذَا أَذِنَ لَهَا أَوْ تَأَيَّمَتْ بِخِلَافِ السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ إذَا حَلَّلَهَا وَلِيُّهُمَا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا كَمَا قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْبَابِ، وَمِثْلُ التَّطَوُّعِ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ فَتَقْتَضِيهِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْمَضْمُونُ أَوْلَى.
وَشَبَّهَ فِي التَّحْلِيلِ وَالْقَضَاءِ فَقَالَ (كَالْعَبْدِ) وَلَوْ بِشَائِبَةٍ أَوْ مُكَاتَبًا إنْ أَضَرَّ إحْرَامُهُ بِنُجُومِ كِتَابَتِهِ إنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلَهُ تَحْلِيلُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ أَذِنَ لَهُ أَوْ أُعْتِقَ. قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عَلَى التَّهْذِيبِ لَا يَكُونُ التَّحْلِيلُ بِإِلْبَاسِهِ الْمِخْيَطَ لَكِنْ بِالْإِشْهَادِ عَلَى أَنَّهُ حَلَّلَهُ مِنْ هَذَا الْإِحْرَامِ فَيَتَحَلَّلُ بِنِيَّتِهِ وَبِحِلَاقِ رَأْسِهِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّحْلِيلَ إنَّمَا يَكُونُ بِهَذَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشْهَادَ كَافٍ سَوَاءٌ امْتَنَعَ الْعَبْدُ مِنْ التَّحَلُّلِ أَمْ لَا كَمَا أَنَّ تَحْلِيلَهُ بِالنِّيَّةِ وَالْحِلَاقِ كَافٍ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ وَالظَّاهِرُ جَرَيَانُ مَا ذَكَرَ فِي تَحْلِيلِ الْمَرْأَةِ وَالسَّفِيهِ وَيَقُومُ التَّقْصِيرُ فِي حَقِّهَا مَقَامَ الْحَلْقِ فِي حَقِّ الذَّكَرِ (وَأَثِمَ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: عَصَى (مَنْ لَمْ يَقْبَلْ) مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّحَلُّلِ مِنْ سَفِيهٍ وَزَوْجَةٍ وَعَبْدٍ (وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (مُبَاشَرَتُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ إذَا امْتَنَعَتْ مِنْ التَّحَلُّلِ وَإِفْسَادُهُ عَلَيْهَا وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا دُونَهُ لِتَعَدِّيهَا عَلَى حَقِّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ نَوَى بِذَلِكَ تَحْلِيلَهَا كَانَ كَافِيًا وَإِلَّا فَسَدَ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ مِثْلُهُ فِي الْخَرَشِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَا تَكْفِي وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْمُحْرِمِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ كَغَيْرِهِ وَأَثِمَ مَنْ لَمْ تُقْبَلْ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ: إنْ لَمْ تَقْبَلْ مَا أَمَرَهَا بِهِ مِنْ التَّحَلُّلِ أَثِمَتْ لِمَنْعِهَا حَقَّهُ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّحَلُّلَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمُحْرِمِ لَا مِنْ غَيْرِهِ. وَشَبَّهَ فِي، جَوَازِ تَحْلِيلِهَا فَقَالَ (كَ) إحْرَامِهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا بِ (فَرِيضَةٍ قَبْلَ الْمِيقَاتِ) الزَّمَانِيِّ أَوْ الْمَكَانِيِّ بِبُعْدٍ وَاحْتَاجَ إلَيْهَا وَلَمْ يُحْرِمْ وَإِلَّا لَمْ يُحَلِّلْهُمَا ثُمَّ إنْ حَلَّلَهَا بِالشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهَا غَيْرُ حِجَّةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا إنْ أَفْسَدَهُ فَإِنَّهَا تَتَمَادَى عَلَيْهِ وَتَقْضِيهِ أَوْ تَحُجُّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَتَقْضِيهِ وَتَحُجُّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ عَلَيْهَا حِجَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: قَضَاءٌ وَالْأُخْرَى حِجَّةُ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ، عَلَيْهَا أَنْ تَقْتَضِيَ غَيْرَ حِجَّةِ
стр. 926
وَإِلَّا فَلَا: إنْ دَخَلَ.
وَلِلْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَعْلَمْ: رَدُّهُ لَا تَحْلِيلُهُ.
وَإِنْ أَذِنَ فَأَفْسَدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إذْنٌ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَا لَزِمَهُ عَنْ خَطَإٍ أَوْ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْإِخْرَاجِ،
ــ
[منح الجليل]
الْإِسْلَامِ، صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَهُ الْمَوَّاقُ وَنَحْوُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ (وَإِلَّا) بِأَنْ أَذِنَ الْوَلِيُّ لِلسَّفِيهِ وَالسَّيِّدُ لِلْعَبْدِ وَالزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ فِي التَّطَوُّعِ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ (فَلَا) مَنْعَ لَهُ (إنْ دَخَلَ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ فِي النَّذْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
(وَ) مَنْ بَاعَ رَقِيقًا مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لِلْمُشْتَرِي فَ (لِلْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَعْلَمْ) حِينَ شِرَائِهِ بِإِحْرَامِهِ (رَدُّهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ كَتَمَهُ الْبَائِعُ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَقْرُبْ زَمَنُ الْإِحْلَالِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقُرْبَ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمُشْتَرِي (لَا) يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي (تَحْلِيلُهُ) أَيْ: الرَّقِيقِ مِنْ الْإِحْرَامِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى شِرَائِهِ. وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ لِلْمُشْتَرِي أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ لَكِنْ إنْ تَحَلَّلَ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُ الرَّقِيقِ بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَمْ لَا، وَإِنْ رَدَّهُ فَلِلْبَائِعِ تَحْلِيلُهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَبْلَ بَيْعِهِ وَلَوْ قَرُبَ زَمَنُ إحْلَالِهِ لِوُقُوعِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَإِنْ أَذِنَ) السَّيِّدُ لِرَقِيقِهِ فِي الْإِحْرَامِ وَأَحْرَمَ (فَأَفْسَدَ) الْعَبْدُ مَا أَحْرَمَ بِهِ بِنَحْوِ جِمَاعٍ (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: السَّيِّدَ (إذْنٌ) ثَانٍ (لِلْقَضَاءِ) عِنْدَ أَشْهَبَ خِلَافًا لِأَصْبَغَ قَائِلًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ آثَارِ إذْنِهِ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنْ قَوْلَيْهِمَا، قَالَ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الْفَوَاتَ كَالْإِفْسَادِ سَنَدٌ وَإِنْ أَرَادَ لِمَا فَاتَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ لِيَحِلَّ وَأَرَادَ سَيِّدُهُ مَنْعَهُ وَإِحْلَالَهُ مَكَانَهُ، فَقَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَ قَرِيبًا فَلَا يَمْنَعُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلَهُ مَنْعُهُ. فَإِمَّا أَنْ يُبْقِيَهُ عَلَى إحْرَامِهِ وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي فَسْخِهِ فِي عُمْرَةٍ (وَمَا لَزِمَهُ) أَيْ: الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ (عَنْ خَطَأٍ) صَدَرَ مِنْهُ كَأَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِخَطَأِ عَدَدٍ أَوْ هِلَالٍ أَوْ طَرِيقٍ أَوْ فِي قَتْلِ صَيْدٍ (أَوْ) عَنْ (ضَرُورَةٍ) كَلُبْسٍ أَوْ تَطَيُّبٍ لِتَدَاوٍ (فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْإِخْرَاجِ) لِمَا لَزِمَهُ مِنْ
стр. 927
وَإِلَّا صَامَ بِلَا مَنْعٍ، وَإِنْ تَعَمَّدَ: فَلَهُ مَنْعُهُ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ
ــ
[منح الجليل]
هَدْيٍ أَوْ فِدْيَةٍ فَعَلَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ أَوْ مِنْ مَالِهِ فَقَدْ أَفَادَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَحْتَاجُ فِي الْإِخْرَاجِ لِإِذْنِ سَيِّدِهِ خِلَافًا لِظَاهِرِ قَوْلِهَا لَا يَحْتَاجُ فِي مَالِهِ لِإِذْنٍ مِنْ سَيِّدِهِ فِي الْإِخْرَاجِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِخْرَاجِ (صَامَ بِلَا مَنْعٍ) مِنْ السَّيِّدِ أَيْ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الصِّيَامِ وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ (وَإِنْ تَعَمَّدَ) الرَّقِيقُ مُوجِبَ الْهَدْيِ أَوْ الْفِدْيَةِ (فَلَهُ) أَيْ: السَّيِّدِ (مَنْعُهُ) مِنْ الْإِخْرَاجِ وَالصَّوْمِ (إنْ أَضَرَّ) الصَّوْمُ (بِهِ) أَيْ: السَّيِّدِ (فِي عَمَلِهِ) أَيْ: الرَّقِيقِ لِسَيِّدِهِ لِإِدْخَالِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَبَقِيَ مِنْ مَوَانِعِ الْحَجِّ الدَّيْنُ الْحَالُّ أَوْ الَّذِي يَحِلُّ فِي غَيْبَتِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَيُمْنَعُ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْحَجِّ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْضِيهِ عِنْدَ حُلُولِهِ فَإِنْ اتَّهَمَهُ بِعَدَمِ عَوْدِهِ حَلَّفَهُ وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ إنْ أَحْرَمَ وَلَا لَهُ هُوَ التَّحَلُّلُ وَالْأُبُوَّةُ فَلِلْأَبَوَيْنِ الْمَنْعُ مِنْ التَّطَوُّعِ وَمِنْ الْفَرْضِ عَلَى إحْدَى رِوَايَتَيْنِ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَلَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ وَهُوَ يُفِيدُ الْمَنْعَ مِنْ التَّطَوُّعِ لَا مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ
стр. 928
(بَابٌ) الذَّكَاةُ قَطْعٌ مُمَيَّزٌ يُنَاكِحُ تَمَامَ الْحُلْقُومِ
ــ
[منح الجليل]
[بَابٌ الذَّكَاة]
ِ) لُغَةً التَّتْمِيمُ يُقَالُ ذَكَّيْت الذَّبِيحَةَ أَتْمَمْت ذَبْحَهَا وَالنَّارَ أَتْمَمْت إيقَادَهَا وَإِنْسَانٌ ذَكِيٌّ تَامُّ الْفَهْمِ. وَشَرْعًا السَّبَبُ لِإِبَاحَةِ أَكْلِ لَحْمِ حَيَوَانٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ وَأَقْسَامُهَا: أَرْبَعَةٌ ذَبْحٌ وَنَحْرٌ وَعَقْرٌ وَمَا يَمُوتُ بِهِ نَحْرُ الْجَرَادِ فَالذَّبْحُ.
(قَطْعُ) جِنْسٍ خَرَجَ عَنْهُ الْخَنْقُ وَالنَّهْشُ وَإِضَافَتُهُ لِشَخْصٍ (مُمَيِّزٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ: مُدْرِكٍ بِحَيْثُ يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ، فَصْلٌ مُخْرِجٌ قَطْعَ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِصِغَرٍ أَوْ عَتَهٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ نَحْوِهَا (يُنَاكِحُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْكَافِ أَيْ: يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ وَطْءُ الْأُنْثَى الْمُتَدَيِّنَةِ بِدِينِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ، فَصْلٌ ثَانٍ مُخْرِجٌ قَطْعَ مُمَيِّزٍ مَجُوسِيٍّ أَوْ مُرْتَدٍّ فَالْمُفَاعَلَةُ عَلَى غَيْرِ بَابِهَا، وَالنِّكَاحُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ فَشَمِلَ قَطْعَ مُمَيِّزٍ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ حُرًّا كَانَ أَوْ رِقًّا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. وَمَفْعُولُ قَطْعُ قَوْلُهُ (تَمَامَ) أَيْ: جَمِيعَ (الْحُلْقُومِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، أَيْ: الْقَصَبَةِ الْبَارِزَةِ أَمَامَ الرَّقَبَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا النَّفَسُ، فَصْلٌ ثَالِثٌ مُخْرِجٌ قَطْعَ مُمَيِّزٍ يَجُوزُ وَطْءُ أُنْثَاهُ مَا فَوْقَ الْحُلْقُومِ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي وَصَلَ الْحُلْقُومَ بِالرَّأْسِ وَقَطْعُهُ بَعْضَ الْحُلْقُومِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْحَازَ إلَى الرَّأْسِ دَائِرَةً مِنْ الْحُلْقُومِ وَلَوْ رَقِيقَةً. فَإِنْ انْحَازَ كُلُّهُ إلَى الْبَدَنِ فَلَا يُؤْكَلُ وَهُوَ مُغَلْصَمٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُؤْكَلُ. ابْنُ نَاجِي وَبِهِ الْفَتْوَى عِنْدَنَا بِتُونُسَ مُنْذُ مِائَةِ عَامٍ مَعَ الْبَيَانِ عِنْدَ الْبَيْعِ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ يَأْكُلُهَا الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ، وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ
стр. 929
وَالْوَدَجَيْنِ مِنْ الْمُقَدَّمِ بِلَا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمَامِ،
ــ
[منح الجليل]
وَ) قَطْعُ مُمَيِّزٍ تُوطَأُ أُنْثَاهُ جَمِيعَ (الْوَدَجَيْنِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ أَيْ: الْعِرْقَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي جَانِبَيْ الْعُنُقِ يَتَّصِلُ بِهِمَا أَكْثَرُ عُرُوقِ الْبَدَنِ وَيَتَّصِلَانِ بِالدِّمَاغِ، فَصْلٌ رَابِعٌ مُخْرِجٌ قَطْعَ أَحَدِهِمَا أَوْ بَعْضَهُمَا. وَفُهِمَ مِنْ اقْتِصَارِهِ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ قَطْعُ غَيْرِهَا كَالْمَرِيءِ بِهَمْزِ آخِرِهِ كَأَمِيرٍ أَوْ بِشَدِّ الْيَاءِ وَهُوَ عِرْقٌ أَحْمَرُ بَيْنَ الْحُلْقُومِ وَالرَّقَبَةِ مُتَّصِلٌ بِالْفَمِ وَرَأْسِ الْمَعِدَةِ يَجْرِي مِنْهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، وَيُسَمَّى الْبُلْعُومَ أَيْضًا. هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَصِلَةُ قَطْعُ (مِنْ الْمُقَدَّمِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مُشَدَّدَةً فَصْلٌ خَامِسٌ مُخْرِجٌ قَطْعَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقَفَا أَوْ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْ الْعُنُقِ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِلنُّخَاعِ وَهُوَ مَقْتَلٌ قَبْلَ الذَّبْحِ سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ غَلَبَةً فِي ضَوْءٍ أَوْ ظَلَامٍ، وَمُخْرِجٌ أَيْضًا قَطْعَهُمَا مِنْ جِهَةِ الرَّقَبَةِ إلَى خَارِجٍ. سَحْنُونٌ لَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَلَمْ تُسَاعِدْهُ السِّكِّينُ فِي مَرِّهَا عَلَى الْوَدَجَيْنِ لِكَوْنِهَا غَيْرَ حَادَّةٍ فَأَدْخَلَهَا بَيْنَ الرَّقَبَةِ وَالْوَدَجَيْنِ وَجَعَلَ حَدَّهَا إلَيْهِمَا وَقَطَعَ الْوَدَجَيْنِ بِهَا مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ، فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ زَادَ الشَّاذِلِيُّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ بَيْنَ الرَّقَبَةِ وَالْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ وَقَطَعَهَا بِهَا مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ فَلَا تُؤْكَلُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِمُخَالَفَةِ كَيْفِيَّةِ الذَّبْحِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ الشَّارِعِ، قَالَ نَاظِمُ مُقَدَّمَةِ ابْنِ رُشْدٍ:
وَالْقَطْعُ مِنْ فَوْقِ الْعُرُوقِ بَتُّهُ ... وَإِنْ يَكُنْ مِنْ تَحْتِهَا فَمَيْتُهُ
قَالَ شَارِحُهَا أَيْ: صِفَةُ الْقَطْعِ أَنْ يَكُونَ مِنْ فَوْقِ الْعُرُوقِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ تَحْتِهَا بِأَنْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ مِنْ تَحْتِ الْعُرُوقِ وَقَطَعَهَا فَهِيَ مَيْتَةٌ فَلَا تُؤْكَلُ. اهـ. وَبِهِ بَطَلَ قَوْلُ عج قَوْلُهُ مِنْ الْمُقَدَّمِ وَلَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ قَطْعُهَا وَفَوْقَ الرَّقَبَةِ بِإِدْخَالِ السِّكِّينِ بَيْنَهُمَا وَالْقَطْعُ بِهَا إلَى خَارِجٍ فَتُؤْكَلُ لِعَدَمِ قَطْعِ النُّخَاعِ قَبْلَ الذَّبْحِ أَفَادَهُ عب.
وَصِلَةُ قَطْعُ أَيْضًا (بِلَا رَفْعٍ) لِلسِّكِّينِ عَنْ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ (قَبْلَ التَّمَامِ) لِقَطْعِهَا، فَصْلٌ سَادِسٌ مُخْرِجٌ قَطْعَ مُمَيِّزٍ تُوطَأُ أُنْثَاهُ جَمِيعَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ مِنْ الْمُقَدَّمِ مَعَ الرَّفْعِ قَبْلَ التَّمَامِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ رَفَعَ قَبْلَ إنْفَاذِ الْمَقْتَلِ بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَتْ لَعَاشَتْ ثُمَّ ذَبَحَ فَإِنَّهَا
стр. 930
وَفِي النَّحْرِ طَعْنٌ بِلَبَّةٍ،
ــ
[منح الجليل]
تُؤْكَلُ سَوَاءٌ عَادَ عَنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ رَفَعَ اضْطِرَارًا أَوْ اخْتِيَارًا عَادَ الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ ذَكَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وَإِنْ كَانَتْ لَوْ تُرِكَتْ لَا تَعِيشُ لِإِنْفَاذِ مَقْتَلِهَا فَإِنْ عَادَ عَنْ قُرْبٍ أُكِلَتْ سَوَاءٌ رَفَعَ اضْطِرَارًا أَوْ اخْتِيَارًا، وَمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْفُوذَ الْمَقْتَلِ لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهِ فَهُوَ فِي مَنْفُوذِهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ أَوْ بِهَا مَعَ الْبُعْدِ، وَإِنْ عَادَ عَنْ بُعْدٍ فَلَا تُؤْكَلُ رَفَعَ اضْطِرَارًا أَوْ اخْتِيَارًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقُرْبَ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ، كَالْقُرْبِ فِيمَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إكْمَالِ الصَّلَاةِ سَاهِيًا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ سِرَاجٍ وَنَصُّهُ: وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ إنْ رَجَعَ فِي فَوْرِ الذَّبْحِ وَأَجْهَزَ صَحَّتْ الذَّكَاةُ كَمَنْ سَلَّمَ سَاهِيًا وَرَجَعَ بِالْقُرْبِ وَأَصْلَحَ، فَالْأَقْسَامُ ثَمَانِيَةٌ تُؤْكَلُ فِي سِتَّةٍ مِنْهَا دُونَ اثْنَيْنِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الرَّاجِحِ هُوَ الْأَوَّلَ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ إنْ عَادَ عَنْ بُعْدٍ أَوْ قُرْبٍ، وَكَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ.
وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الذَّابِحِ الِاتِّحَادُ فَيَجُوزُ وَضْعُ شَخْصَيْنِ آلَتَيْنِ عَلَى الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ وَذَبْحُهُمَا مَعًا بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَكَذَا وَضْعُ شَخْصٍ آلَةً عَلَى وَدَجٍ وَآخَرَ آلَةً عَلَى الْوَدَجِ الْآخَرِ وَقَطْعُهُمَا مَعًا الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُومَ، وَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّفْعِ اخْتِيَارًا مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ تَكْرَارِهِ وَإِلَّا فَلَا تُؤْكَلُ لِتَلَاعُبِهِ، وَمِثْلُ الرَّفْعِ إبْقَاءُ السِّكِّينِ فِي الْمَحَلِّ بِلَا قَطْعٍ بِهَا وَيَجْرِي تَفْصِيلُ الرَّفْعِ فِي النَّحْرِ وَالْعَقْرِ أَيْضًا، وَقَدْ يُشِيرُ لَهُ فِي الْعَقْرِ بِقَوْلِهِ بِلَا ظُهُورِ تَرْكٍ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ سِرَاجٍ، فَلِذَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا تُؤْكَلُ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَطّ، وَقِيلَ تُكْرَهُ، وَقِيلَ إنْ رَفَعَ مُعْتَقِدَ التَّمَامِ فَلَا تُؤْكَلُ وَإِنْ رَفَعَ مُخْتَبِرًا فَتُؤْكَلُ خَامِسُهَا عَكْسُهُ. (وَ) الذَّكَاةُ (فِي النَّحْرِ طَعْنٌ) مِنْ مُمَيِّزٍ تُوطَأُ أُنْثَاهُ (بِلَبَّةٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: تَرْقُوَةٍ ابْنِ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ تَصِلُ الْآلَةُ لِلْقَلْبِ مِنْهُ فَيَمُوتُ بِسُرْعَةٍ وَلَوْ لَمْ يَقْطَعْ شَيْئًا مِنْ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ. ابْنُ غَازِيٍّ اُخْتُلِفَ هَلْ يَقْتَصِرُ فِي النَّحْرِ عَلَى اللَّبَّةِ دُونَ مَا عَدَاهَا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَمْ لَا، وَيَصِحُّ النَّحْرُ فِيمَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالْمَذْبَحِ وَالْأَوَّلُ هُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ الْبَاجِيَّ وَابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُمَا وَالثَّانِي مَذْهَبُ ابْنُ لُبَابَةَ وَاللَّخْمِيِّ
стр. 931
وَشَهَرَ أَيْضًا الِاكْتِفَاءَ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ، وَالْوَدَجَيْنِ
ــ
[منح الجليل]
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالْمَذْبَحِ مَذْبَحٌ وَمَنْحَرٌ فَإِنْ ذَبَحَ فِيهِ جَائِزٌ، وَإِنْ نَحَرَ فِيهِ فَجَائِزٌ فَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ النَّحْرَ لَا يَخْتَصُّ بِاللَّبَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالْوَاقِعِ فِي مُهْوَاةٍ إذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْحَرَهُ إلَّا فِي مَحَلِّ ذَبْحِهِ نَحَرَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَذْبَحَهُ إلَّا فِي مَوْضِعِ النَّحْرِ ذَبَحَهُ فِيهِ، وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاللَّبَّةُ مَحَلُّ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. اللَّخْمِيُّ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي النَّحْرِ قَطْعَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ. ثُمَّ أَشَارَ بَعْدُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْوَدَجَيْنِ جَمِيعًا، وَظَاهِرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّمَا أَرَادَ اللَّخْمِيُّ التَّفْصِيلَ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالْمَذْبَحِ كَفَى قَطْعُ وَدَجٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ فِي اللَّبَّةِ قَطَعَهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُهُمَا. (وَشُهِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا تَشْهِيرًا لَا يُسَاوِي تَشْهِيرَ اشْتِرَاطِ قَطْعِ جَمِيعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ (أَيْضًا) أَيْ: كَمَا شُهِرَ قَوْلُنَا تَمَامُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ (الِاكْتِفَاءُ) فِي الذَّبْحِ (بِ) قَطْعِ (نِصْفِ الْحُلْقُومِ وَ) جَمِيعِ (الْوَدَجَيْنِ) فَالْوَدَجَيْنِ عَطْفٌ عَلَى نِصْفٍ لَا عَلَى الْحُلْقُومِ، وَالْمُرَادُ الِاكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ مَعَ قَطْعِ جَمِيعِ الْوَدَجَيْنِ. ابْنُ حَبِيبٍ إنْ قَطَعَ الْوَدَجَيْنِ وَنِصْفَ الْحُلْقُومِ أُكِلَتْ، وَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ أَقَلَّ فَلَا تُؤْكَلُ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدَّجَاجَةِ أَوْ الْعُصْفُورِ إذَا أَجْهَزَ عَلَى وَدَجَيْهِ وَنِصْفِ حَلْقِهِ أَوْ ثُلُثَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَحِلُّ حَتَّى يُجْهِزَ عَلَى جَمِيعِ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ حَبِيبٍ مُتَّفِقَانِ عَلَى اغْتِفَارِ بَقَاءِ النِّصْفِ وَسَحْنُونٌ لَمْ يُغْتَفَرْ بَقَاءُ شَيْءٍ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ وَإِلَّا كَانَ الْمَعْنَى وَنِصْفِ الْوَدَجَيْنِ، وَهَذَا إنْ كَانَ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُشْهَرْ كَتَشْهِيرِ قَطْعِ نِصْفِ الْحُلْقُومِ وَجَمِيعِ الْوَدَجَيْنِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا أَيْضًا وَالْمُعْتَمَدُ مَا صَدَّرَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَمَامَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ فَلَوْ قَطَعَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْحُلْقُومِ مَعَ قَطْعِ جَمِيعِ الْوَدَجَيْنِ لَمْ يَكْفِ عَلَى هَذَا أَيْضًا، وَقَوْلُهُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ أَيْ: أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يَبْلُغْ التَّمَامَ فَمَا زَادَ عَلَى
стр. 932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
النِّصْفِ وَلَمْ يَبْلُغْ التَّمَامَ لَا يَكْفِي عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْمَشْهُورُ، وَلِانْحِطَاطِ تَشْهِيرِ الثَّانِي عَنْ تَشْهِيرِ الْأَوَّلِ بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ أَرَ مَنْ شَهَرَ هَذَا أَيْ: غَيْرَ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ اغْتِفَارُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْهُ» لَمْ يَقُلْ خِلَافٌ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ لَا يَلْزَمُ ابْنَ الْقَاسِمِ الَّذِي يَغْتَفِرُ بَقَاءُ نِصْفِ الْحُلْقُومِ مِنْ الطَّيْرِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ فِي غَيْرِ الطَّيْرِ لِمَا عُلِمَ عَادَةً مِنْ صُعُوبَةِ اسْتِئْصَالِ قَطْعِ الْحُلْقُومِ مِنْ الطَّيْرِ وَسُهُولَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ أَفَادَ عب.
الْبُنَانِيُّ تَبِعَ ابْنَ غَازِيٍّ فِي جَعْلِ الْكَلَامِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً وَنَقَلَهُ عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَتَبِعَهُ فِي هَذَا أَيْضًا طفي وَغَيْرُهُ مَعَ أَنَّ الْحَطَّابَ اعْتَرَضَ عَزْوَهُ لِلْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَذَا فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ فِيمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرِّسَالَةِ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ اهـ.
وَنَصُّ التَّوْضِيحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ صُورَةَ نِصْفِ الْحُلْقُومِ وَصُورَةَ أَحَدِ الْوَدَجَيْنِ وَصُورَةَ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا، قَالَ وَمُقْتَضَى الرِّسَالَةِ عَدَمُ الْأَكْلِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ وَالذَّكَاةُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، قِيلَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ اهـ فَكَلَامُهُ لَا يُفِيدُ التَّشْهِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَمَنْ تَبِعَهُ نَعَمْ التَّشْهِيرُ الْمَذْكُورُ ذَكَرَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ، وَنَصُّهُ إذَا قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ فَقَطْ فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثِ صُوَرٍ، إمَّا أَنْ يَقْطَعَهَا الذَّابِحُ كُلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَوْ لَا يَقْطَعُ مِنْهَا شَيْئًا. فَإِنْ قَطَعَ جَمِيعَهَا فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ شَيْئًا مِنْهَا أَوْ قَطَعَ أَقَلَّهَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ
وَإِنْ قَطَعَ نِصْفَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا فَهَلْ تُؤْكَلُ أَمْ لَا قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ قَطْعَ الْكُلِّ لَا يُشْتَرَطُ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ قَطْعُ النِّصْفِ فَأَكْثَرَ، وَمِثْلُهُ لِصَاحِبِ الْمُعِينِ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ، وَنَصُّهُ وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الْحُلْقُومِ وَبَعْضَ الْوَدَجَيْنِ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ فَلَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَ النِّصْفَ فَمَا فَوْقَ فَقَوْلَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا تُؤْكَلُ. اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ التَّشْهِيرَ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ فِي نِصْفِ الْحُلْقُومِ فَقَطْ، وَفِي نِصْفِ كُلِّ وَدَجٍ وَفِي نِصْفِ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ. وَأَمَّا قَطْعُ أَحَدِ الْوَدَجَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَلَا يَشْمَلُهَا كَلَامُهُ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ تَقْرِيرَ الشَّارِحِ
стр. 933
وَإِنْ سَامِرِيًّا، أَوْ مَجُوسِيًّا تَنَصَّرَ.
وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ مُسْتَحِلَّهُ
ــ
[منح الجليل]
هُوَ الصَّوَابُ فِي جَعْلِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَسْأَلَتَيْنِ كَمَا فِي الْحَطّ، فَقَوْلُهُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ مَسْأَلَةٌ يَعْنِي مَعَ تَمَامِ الْوَدَجَيْنِ. وَقَوْلُهُ وَالْوَدَجَيْنِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى أَيْ نِصْفُ الْوَدَجَيْنِ يَعْنِي مَعَ تَمَامِ الْحُلْقُومِ، وَجَعَلَ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ هَذِهِ مُحْتَمِلَةٌ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقْطَعَ نِصْفَ كُلِّ وَدَجٍ وَفِيهَا قَوْلَانِ الْإِجْزَاءُ لِابْنِ مُحْرِزٍ وَعَدَمُهُ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ. وَالثَّانِي أَنْ يَقْطَعَ وَاحِدًا مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَفِيهَا رِوَايَتَانِ، قَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلتَّوْضِيحِ وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْأَكْلِ لِعَدَمِ إنْهَارِ الدَّمِ إلَّا أَنَّ الصُّورَةَ الْأَخِيرَةَ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّشْهِيرَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا فَلَا يَنْبَغِي إدْخَالُهَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَتَعَيَّنَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَيَصِحُّ ذَبْحُ وَنَحْرُ مُمَيِّزٍ تُوطَأُ أُنْثَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ سَامِرِيًّا وَلَا مَجُوسِيًّا تَنَصَّرَ. بَلْ (وَإِنْ) كَانَ يَهُودِيًّا (سَامِرِيًّا) وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ بَنِي يَعْقُوبَ ﵇ أَنْكَرُوا نُبُوَّةَ مَا عَدَا مُوسَى وَهَارُونَ وَيُوشَعَ بْنَ نُونٍ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ بِيَدِهِمْ تَوْرَاةً فِيهَا أُمُورٌ بَدَّلَهَا أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَلَا يَرَوْنَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، حُرْمَةً كَالْيَهُودِ، وَيُحَرِّمُونَ الْخُرُوجَ مِنْ جِبَالِ نَابُلُسَ، وَيُنْكِرُونَ الْمِيعَادَ الْجُسْمَانِيَّ قَالَهُ تت، وَمُبَالَغَتُهُ عَلَى السَّامِرِيِّ فَقَطْ تُفِيدُ أَنَّ الصَّابِئِيَّ لَا تَصِحُّ تَذْكِيَتُهُ حَتَّى يَتَنَصَّرَ.
فَإِنْ قُلْت السَّامِرِيُّ أَخَذَ بَعْضَ الْيَهُودِيَّةِ وَالصَّابِئِيُّ بِبَعْضِ النَّصْرَانِيَّةِ فَمَا وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. قُلْت هُوَ أَنَّ مُخَالَفَةَ الصَّابِئِي لِلنَّصْرَانِيَّةِ أَشَدُّ مِنْ مُخَالَفَةِ السَّامِرِيِّ لِلْيَهُودِيَّةِ، وَذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ فَلِذَا اشْتَرَطَ فِي الصَّابِئِي تَنَصُّرَهُ.
(أَوْ) كَانَ (مَجُوسِيًّا) وَهُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النِّيرَانَ، وَقَالُوا إنَّ لِلْعَالَمِ إلَهَيْنِ نُورًا وَظُلْمَةً فَالنُّورُ إلَهُ الْخَيْرِ، وَالظُّلْمَةُ إلَهُ الشَّرِّ وَاعْتَقَدُوا تَأْثِيرَ النُّجُومِ وَأَنَّهَا فَعَّالَةٌ (تَنَصَّرَ) بِفَتَحَاتِ. مُثَقَّلًا أَيْ: انْتَقَلَ الْمَجُوسِيُّ إلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ يَعْنِي أَوْ تَهَوَّدَ فَيَصِحُّ ذَبْحُهُ وَنَحْرُهُ لِصَيْرُورَتِهِ. كِتَابِيًّا تُوطَأُ أُنْثَاهُ.
وَعَطَفَ عَلَى يُنَاكِحُ فَقَالَ (وَذَبْحُ) الْكِتَابِيُّ أَصَالَةً أَوْ انْتِقَالًا وَلَوْ رَقِيقًا (لِنَفْسِهِ) شَرْطٌ أَوَّلُ، اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ ذَبْحِهِ لِمُسْلِمٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ سَيَأْتِيَانِ فِي قَوْلِهِ وَفِي ذَبْحِ كِتَابِيٍّ لِمُسْلِمٍ قَوْلَانِ وَمَفْعُولُ ذَبَحَ قَوْلُهُ (مُسْتَحَلَّةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ:
стр. 934
وَإِنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ، وَإِنْ لَمْ يَغِبْ لَا صَبِيٌّ ارْتَدَّ.
وَذِبْحٍ لِصَنَمٍ.
ــ
[منح الجليل]
الَّذِي يَعْتَقِدُ حِلَّهُ لَهُ شَرْطٌ ثَانٍ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ ذَبْحِهِ مَا يَعْتَقِدُ حُرْمَتَهُ عَلَيْهِ كَذِي الظُّفُرِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَذْبَحَهُ لِمَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَذِبْحٍ لِصَنَمٍ فَيَصِحُّ ذَبْحُهُ وَنَحْوُهُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ إنْ كَانَ يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ.
بَلْ (وَإِنْ أَكَلَ) أَيْ اسْتَحَلَّ الْكِتَابِيُّ فِي اعْتِقَادِهِ أَنْ يَأْكُلَ (الْمَيْتَةَ) بِلَا ذَبْحٍ وَلَا نَحْرٍ فَيَصِحُّ ذَبْحُهُ وَنَحْرُهُ (إنْ لَمْ يَغِبْ) عَلَى مَذْبُوحِهِ أَوْ مَنْحُورِهِ بِأَنْ ذَبَحَهُ أَوْ نَحَرَهُ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ كَيْفِيَّةَ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ ثِقَةٍ لَا يُتَّهَمُ بِمُوَافَقَتِهِ عَلَى خِلَافِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ الْبَاجِيَّ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَاجِيَّ فِي تَعْلِيلِ حُرْمَةِ مَا حَرُمَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ. وَإِذَا اسْتَحَلَّ الْمَيْتَةَ فَكَيْفَ يَنْوِي الذَّكَاةَ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ نَوَاهَا فَكَيْفَ يَصْدُقُ اهـ. وَمِثْلُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ إنْ عُرِفَ أَكْلُ الْكِتَابِيِّ الْمَيْتَةَ فَلَا يُؤْكَلُ مَا غَابَ عَلَيْهِ.
قُلْت كَذَا نَقَلُوهُ وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ أَكْلِهِ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ نِيَّةِ الذَّكَاةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ وَجْهَ الْمَشْهُورِ الْوُقُوفُ مَعَ النَّصِّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا ذَبَائِحَهُمْ وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ مِنْ قَصْدِ الذَّكَاةِ وَعَدَمِهِ وَمَفْهُومُ إنْ لَمْ يَغِبْ أَنَّ مَا غَابَ عَلَيْهِ لَا يُؤْكَلُ لِاحْتِمَالِ قَتْلِهِ بِغَيْرِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ الشَّرْعِيَّيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ. وَذَكَرَ بَعْضَ مَفْهُومِ يُنَاكِحُ فَقَالَ (لَا) يَصِحُّ ذَبْحُ وَلَا نَحْرُ شَخْصٍ (صَبِيٍّ) مُمَيِّزٍ (ارْتَدَّ) عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ لَهُ بِوِلَادَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بِنُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ طَائِعًا لِاعْتِبَارِ رِدَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ وَأَوْلَى الْبَالِغُ الْمُرْتَدُّ.
(وَ) لَا يَجُوزُ أَكْلُ لَحْمِ (ذِبْحٍ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: مَذْبُوحٍ (لِ) مَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ ﵎ كَ (صَنَمٍ) أَيْ: حَجَرٍ مُصَوَّرٍ بِصُورَةِ آدَمِيٍّ أَوْ مَلَكٍ أَوْ صَلِيبٍ أَوْ الْمَسِيحُ، وَاللَّامُ لِلِاسْتِحْقَاقِ أَيْ لَا يُؤْكَلُ مَا ذَبَحَهُ كِتَابِيٌّ لِصَنَمٍ يَسْتَحِقُّهُ دُونَ غَيْرِهِ فِي زَعْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ قَالَ بِاسْمِ الصَّنَمِ مَثَلًا بَدَلَ بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ أَيْضًا فَيُؤْكَلُ تَغْلِيبًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ يَبْعُدُ قَصْدُهُ اخْتِصَاصُهُ بِالصَّنَمِ مَعَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، إذْ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ عِنْدَ
стр. 935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ ذَبَحَ لِصَنَمٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ دُونَ غَيْرِهِ فِي زَعْمِهِ، وَلَامُ التَّعْلِيلِ لَا تُفِيدُ الِاسْتِحْقَاقَ وَلِذَا كَانَتْ لَامُ لِصَلِيبٍ الْآتِيَةُ تَعْلِيلَةً قَالَهُ عب الرَّمَاصِيِّ ذَكَرَهُ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَذْكُرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ " ﵁ " فِي الْمُدَوَّنَةِ أَكْلُ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسِيحِ مَعَ الْكَرَاهَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيمَا ذَكَرُوا عَلَيْهِ اسْمَ الْمَسِيحِ الْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ لِابْنِ حَارِثٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ رِوَايَةِ أَشْهَبَ، وَقَوْلُهُ قَائِلًا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا ذَبَائِحَهُمْ وَعَلِمَ مَا يَفْعَلُونَ اهـ. وَسَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يُكْرَهُ وَذُبِحَ لِصَلِيبٍ أَوْ عِيسَى وَلَيْسَ تَحْرِيمُ الْمَذْبُوحِ لِلصَّنَمِ لِكَوْنِهِ ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُهُ بَلْ لِكَوْنِهِ لَمْ تُقْصَدْ ذَكَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلِيبِ قَالَهُ التُّونُسِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَهُمْ دِينٌ شَرَعَ. وَقَالَ قَوْمٌ نُسِخَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ حِلُّ ذِبْحِ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - الْمُرَادُ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَأُهِلَّ مَعْنَاهُ صِيحَ وَمِنْهُ اسْتِهْلَالُ الْمَوْلُودِ، وَجَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ بِالصِّيَاحِ بِاسْمِ الْمَقْصُودِ بِالذَّبِيحَةِ وَغَلَبَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ حَتَّى عُبِّرَ بِهِ عَنْ النِّيَّةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةُ التَّحْلِيلِ، ثُمَّ قَالَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ ذِكْرَ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ عِنْدَ مَالِكٍ " ﵁ " فِيهَا الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ وَذِبْحٍ لِصَلِيبٍ أَوْ عِيسَى وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُوهٌ فَقَطْ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ مُحَرَّمٌ اهـ.
الْبُنَانِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّنَمِ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى بِحَيْثُ يَشْمَلُ الصَّلِيبَ وَالْمَسِيحَ وَغَيْرَهُمَا، وَأَنَّ هَذَا شَرْطٌ ثَالِثٌ فِي أَكْلِ ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ كَمَا فِي تت وز وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَنَصُّهُ كَرِهَ مَالِكٌ " ﵁ " مَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ مُضَاهِيًا لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَلَمْ يُحَرِّمْهُ إذَا لَمْ يَرَ الْآيَةَ مُتَنَاوَلَةً لَهُ
стр. 936
أَوْ غَيْرُ حِلٍّ لَهُ إنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا،
ــ
[منح الجليل]
وَإِنَّمَا رَآهَا مُضَاهِيَةً لَهُ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا فِيمَا ذَبَحُوهُ لِآلِهَتِهِمْ مِمَّا لَا يَأْكُلُونَهُ. قَالَ وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ كِتَابِ الضَّحَايَا، وَقَالَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَشْهَبَ وَسَأَلَتْهُ عَمَّا ذُبِحَ لِلْكَنَائِسِ قَالَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ كَرِهَ مَالِكٌ " ﵁ " فِي الْمُدَوَّنَةِ أَكْلَ مَا ذَبَحُوهُ لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ مَا ذَبَحُوهُ لِكَنَائِسِهِمْ لَمَّا كَانُوا يَأْكُلُونَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا لَنَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فِيمَا ذَبَحُوهُ لِآلِهَتِهِمْ مِمَّا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُونَهُ فَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْنَا بِدَلِيلِ الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا اهـ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذِبْحَ أَهْلِ الْكِتَابِ إنْ قَصَدُوا بِهِ التَّقَرُّبَ لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَهُ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَمْ يَقْصِدُوا بِذَكَاتِهِ إبَاحَتَهُ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا. وَأَمَّا مَا يَأْتِي مِنْ الْمَكْرُوهِ فِي ذِبْحٍ لِصَلِيبٍ إلَخْ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا ذَبَحُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَسَمَّوْا عَلَيْهِ اسْمَ آلِهَتِهِمْ فَهَذَا يُؤْكَلُ بِكُرْهٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامِهِمْ. وَفِي ابْنِ نَاجِي عَلَى الرِّسَالَةِ مَا نَصُّهُ. وَأَمَّا مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. ابْنُ هَارُونَ وَكَذَا عِنْدِي مَا ذُبِحَ لِلْمَسِيحِ بِخِلَافِ مَا سَمَّوْا عَلَيْهِ الْمَسِيحَ يَعْنِي فَلَا يَحْرُمُ اهـ. وَقَدْ غَابَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ طفي فَاعْتَرَضَ عَلَى تت وَمَنْ تَبِعَهُ وَالْكَمَالُ لِلَّهِ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ مَا هُنَا عَلَى ذِبْحِ الْمَجُوسِيِّ وَمَا يَأْتِي عَلَى ذِبْحِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الصَّنَمَ لِلْمَجُوسِ وَالصَّلِيبَ لِلنَّصَارَى، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ لَكِنَّ الْحَمْلَ الْأَوَّلَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَبْحَ الْمَجُوسِيِّ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ يُنَاكِحُ وَلِأَنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمُفِيدِ لِلشَّرْطِ الثَّالِثِ فِي أَكْلِ ذَبِيحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ بِأَنْ قَالَ بِاسْمِ الصَّنَمِ إلَخْ غَيْرُ صَوَابٍ وَكَانَ حَقُّهُ لَوْ قَالَ بِأَنْ قَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ ذِكْرِ الِاسْمِ عَلَيْهِ فَلَا يُحَرِّمُهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا يَأْتِي ذَكَرَ مَعَهُ اسْمَ اللَّهِ أَمْ لَا.
وَلَمَّا كَانَ فِي مَفْهُومِ مُسْتَحِلِّهِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ) مَا ذَبَحَهُ أَوْ نَحَرَهُ الْكِتَابِيُّ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ (غَيْرِ حِلٍّ لَهُ) أَيْ الْيَهُودِيِّ فِي زَعْمِهِ (إنْ ثَبَتَ) تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِ الْمَنْسُوخُ (بِشَرْعِنَا)
стр. 937
وَإِلَّا كُرِهَ كَجِزَارَتِهِ، وَبَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ لِعَبْدِهِ، وَشِرَاءِ ذِبْحِهِ،
ــ
[منح الجليل]
وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الْأَنْعَامُ، فَيَحْرُمُ عَلَيْنَا أَنْ نَأْكُلَ مَا ذَبَحَهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ شَرْعُنَا أَخْبَرَ عَنْ شَرْعِهِمْ بِأَنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَهِيَ الْإِبِلُ، وَحُمُرُ الْوَحْشِ وَالنَّعَامُ وَالْإِوَزُّ لَا الدَّجَاجُ وَكُلُّ مَا لَيْسَ مَشْقُوقَ الظِّلْفِ وَلَا مُنْفَرِجَ الْقَوَائِمِ، بِخِلَافِ مَشْقُوقِهَا كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] أَيْ: حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ فِي شَرِيعَةِ نَبِيِّهِمْ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ بِشَرْعِنَا أَيْ: وَلَمْ يُخْبِرْ شَرْعُنَا بِأَنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا هُمْ الَّذِينَ أَخْبَرُوا أَنَّ شَرْعَهُمْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ كَالطَّرِيقَةِ وَهِيَ فَاسِدَةُ الرِّئَةِ أَيْ: مُلْتَصِقَتُهَا بِظَهْرِ الْحَيَوَانِ (كُرِهَ) لَنَا أَكْلُهُ وَشِرَاؤُهُ فَإِخْبَارُ شَرْعِنَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي حَقِّنَا فِي حُرْمَةِ مُذَكَّاةٍ عَلَيْنَا. وَلَيْسَ الدَّجَاجُ مِنْ ذِي الظُّفُرِ؛ لِأَنَّهُ مَشْقُوقُ الْأَصَابِعِ فَيُبَاحُ لَنَا أَكْلُهُ بِذَبْحِ الْيَهُودِيِّ.
وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَجِزَارَتِهِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ الْكَافِرَ جَزَّارًا أَيْ: ذَبَّاحًا لِلْمُسْلِمِينَ مَا يَسْتَحِلُّهُ يَبِيعُهُ لِعَدَمِ نُصْحِهِ لَهُمْ، وَالْجَزَّارُ الذَّابِحُ وَاللَّحَّامُ بَائِعُ اللَّحْمِ وَالْقَصَّابُ كَاسِرُ الْعَظْمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ هُنَا مَا يَعُمُّ الْجَمِيعَ، وَإِمَّا مَا بِضَمِّ الْجِيمِ فَأَطْرَافُ الْحَيَوَانِ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَرَأْسُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ جِزَارَتُهُ فِي الْأَسْوَاقِ أَوْ الْبُيُوتِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ اسْتِنَابَتِهِ فِي الذِّبْحِ، وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالشِّرَاءُ مِنْهُ وَكَوْنُهُ صَيْرَفِيًّا لِذَلِكَ.
(وَ) كُرِهَ لِمُسْلِمٍ (بَيْعٌ) لِلْكَافِرِ شَيْئًا (وَإِجَارَةٌ) لِلْكَافِرِ شَيْئًا (لِعَبْدِهِ) أَيْ الْكَافِرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ دِينُهُ (وَ) كُرِهَ لِمُسْلِمٍ (شِرَاءُ ذِبْحِهِ) أَيْ الْكَافِرِ لِنَفْسِهِ مُسْتَحِلُّهُ لَا أَكْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] الْمَائِدَةُ وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى تَفْسِيرِ الطَّعَامِ بِالذَّبِيحَةِ سَوَاءٌ كَانَ يُبَاحُ بِشَرْعِهِ، أَمْ يَحْرُمُ إنْ كَانَ بِمُجَرَّدِ إخْبَارِهِ كَالطَّرِيقَةِ وَأَمَّا مَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِشَرْعِنَا كَذِي الظُّفُرِ لِلْيَهُودِيِّ فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ وَشِرَاؤُهُ وَيُفْسَخُ
стр. 938
وَتَسَلُّفِ ثَمَنِ خَمْرٍ، وَبَيْعٍ بِهِ، لِأَخْذِهِ قَضَاءً، وَشَحْمِ يَهُودِيٍّ،
ــ
[منح الجليل]
(وَ) كُرِهَ لِمُسْلِمٍ (تَسَلُّفُ ثَمَنِ خَمْرٍ) مِنْ كَافِرٍ ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ بَاعَهَا الذِّمِّيُّ أَوْ حَرْبِيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ لَكِنْ ثَمَنُهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَشَدُّ كَرَاهَةً لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِ الْخَمْرِ إنْ لَمْ يَقْبِضْهُ، فَإِنْ قَبَضَهُ أَيْ قَبْلَ إسْلَامِهِ كَانَ لَهُ وَلِسَحْنُونٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ مُطْلَقًا وَمَفْهُومُ مِنْ كَافِرٍ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ فَبَاعَهَا فَيَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا لِيَمْلِكَهَا إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ ثَمَنِهَا وَإِرَاقَتُهَا.
(وَ) كُرِهَ لِمُسْلِمٍ (بَيْعٌ) لِكَافِرٍ شَيْئًا (بِهِ) أَيْ: ثَمَنِ الْخَمْرِ (لَا) يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ (أَخْذُهُ) أَيْ: ثَمَنُ الْخَمْرِ مِنْ كَافِرٍ (قَضَاءً) عَنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ لِلْمُسْلِمِ أَوْ عَنْ جِزْيَةٍ لِتَقَدُّمِ سَبَبِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ أَشَارَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَيُكْرَهُ قَبُولُ هِبَةٍ وَالصَّدَقَةُ بِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمَالِ الْمُكْتَسَبِ مِنْ حَرَامٍ كَرِبًا وَمُعَامَلَةٍ فَاسِدَةٍ إذَا مَاتَ مُكْتَسِبُهُ عَنْهُ فَهَلْ يَحِلُّ لِلْوَارِثِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَمْ لَا، وَأَمَّا عَيْنُ الْحَرَامِ الْمَعْلُومِ مُسْتَحَقَّةٌ كَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ وَسَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ، وَوَارِثُهُ إنْ عَلِمَ كَهُوَ وَقَوْلُهُمْ الْحَرَامُ لَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتَيْنِ لَيْسَ مَذْهَبَنَا.
(وَ) كُرِهَ لِمُسْلِمٍ أَكْلُ (شَحْمِ يَهُودِيٍّ) مِنْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] . فَإِنْ عَزَلَهُ كُرِهَ لَنَا أَكْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ تَتَبَعَّضُ وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا مَعَ ثُبُوتِ تَحْرِيمِهِ بِكِتَابِنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مُذَكًّى وَالْمُذَكَّى حَلَالٌ لَهُمْ فَقَدْ ذَبَحَ مُسْتَحِلَّهُ، لَكِنْ لِحُرْمَةِ شَحْمِهِ عَلَيْهِ كُرِهَ لَنَا أَكْلُهُ وَهُوَ الشَّحْمُ الْخَالِصُ كَالثَّرَبِ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثِ وَالرَّاءِ شَحْمٌ رَقِيقٌ يَغْشَى الْكَرِشَ، وَالْأَمْعَاءَ وَالْقِطْنَةَ بِكَسْرِ الطَّاءِ كَمَعِدَةٍ الَّتِي مَعَ الْكَرِشِ وَهِيَ ذَاتُ الْأَطْبَاقِ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ رُمَّانَةً لَا مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ أَوْ لَحْمٍ وَلَا الْحَوَايَا وَهِيَ الْأَمْعَاءُ وَالْمَبَاعِرُ بَنَاتُ اللِّينِ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ تَتَبَعَّضُ هَكَذَا بِالْإِثْبَاتِ فِيمَا رَأَيْته مِنْ النُّسَخِ وَالصَّوَابُ لَا تَتَبَعَّضُ بِالنَّفْيِ، وَلِمَا ذَكَرَ فِي الْبَيَانِ فِي شُحُومِ الْيَهُودِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْإِجَازَةَ وَالْكَرَاهَةَ وَالْمَنْعَ وَأَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى قَوْلَيْنِ: الْمَنْعُ وَالْإِجَازَةُ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ مِنْ قَبِيلِ الْإِجَازَةِ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، هَلْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ ذَبَائِحُهُمْ أَوْ مَا يَأْكُلُونَ فَمَنْ ذَهَبَ
стр. 939
وَذَبْحٍ لِصَلِيبٍ، أَوْ عِيسَى وَقَبُولِ مُتَصَدِّقٍ بِهِ لِذَلِكَ،
ــ
[منح الجليل]
إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَبَائِحُهُمْ أَجَازَ أَكْلَ شُحُومِهِمْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَمُحَالٌ أَنْ تَقَعَ الذَّكَاةُ عَلَى بَعْضِ الشَّاةِ مَثَلًا دُونَ بَعْضٍ. وَمَنْ قَالَ الْمُرَادُ مَا يَأْكُلُونَ لَمْ يُجِزْ أَكْلَ، شُحُومِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ فَلَيْسَتْ مِمَّا يَأْكُلُونَ.
قَوْلُهُ وَالْقَطِنَةُ بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ: وَبِالنُّونِ بَعْدَهَا كَمَا، فِي الْقَامُوسِ. قَوْلُهُ وَالْمَبَاعِرُ بَنَاتُ اللَّبْنِ. هَكَذَا فِي نُسَخِ تت وز مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ فَاللَّبْنُ بِسُكُونِ الْبَاءِ بِمَعْنَى الْأَكْلِ وَبَنَاتِ اللَّبْنِ الْإِمْعَاءُ الَّتِي يَسْتَقِرُّ فِيهَا الْأَكْلُ، وَهِيَ الْمَبَاعِرُ جَمْعُ مَبْعَرٍ مَوْضِعِ الْبَعْرِ، وَهُوَ رَجِيعُ ذَاتِ الْخُفِّ وَالظِّلْفِ، فَإِنْ ضَبَطْنَا بَنَاتِ اللَّبَنِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهِيَ الْأَمْعَاءُ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا اللَّبَنُ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ الْعَاطِفِ.
(وَ) كُرِهَ (ذِبْحٌ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: مَذْبُوحٌ (لِصَلِيبٍ) أَيْ لِلتَّقَرُّبِ لَهُ (أَوْ) لِأَجْلِ التَّقَرُّبِ إلَى (عِيسَى) ﵊ فَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ فِيهِمَا فَلَا يُنَافِي ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِذَا كُرِهَ أَكْلُهَا بِخِلَافِ لَامِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي الصَّنَمِ الْمُفِيدَةِ لِلِاخْتِصَاصِ، فَإِنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِذَا مُنِعَ أَكْلُهَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ قَصَدَ بِهَا الِاسْتِحْقَاقَ فَكَالذَّبْحِ لِصَنَمٍ فِي مَنْعِ الْأَكْلِ كَعَكْسِهِ، وَمِثْلُ مَا ذُبِحَ لِصَلِيبٍ أَوْ عِيسَى مَا ذَبَحُوهُ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ وَمَنْ مَضَى مِنْ أَحْبَارِهِمْ وَلِجِبْرِيلَ ﵇، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ فِي الْجَمِيعِ قَصْدُهُمْ بِهِ تَعْظِيمَ شِرْكِهِمْ مَعَ قَصْدِ الذَّكَاةِ. ابْنُ سِرَاجٍ وَيَلْحَقُ بِهَذَا مَا يَفْعَلُهُ الْمَحْمُومُ مِنْ طَعَامٍ وَيَضَعُهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَيُسَمِّيهِ ضِيَافَةَ الْجَانِّ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لِأَجْلِ التَّقَرُّبِ لَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ الْمُرَادُ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلِيبِ أَوْ عِيسَى كَمَا تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ.
(وَ) كُرِهَ لَنَا (قَبُولُ مُتَصَدَّقٍ بِهِ) مِنْ الْكَافِرِ (لِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الصَّلِيبِ أَوْ عِيسَى وَكَذَا لِأَمْوَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ تَعْظِيمٌ لِشِرْكِهِمْ. تت وَكَذَا قَبُولُ مَا يُهْدُونَهُ فِي أَعْيَادِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ رُقَاقٍ وَبَيْضٍ وَكَرِهَ مَالِكٌ " ﵁ " عَنْهُ جُبْنَ الْمَجُوسِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَافِحِ الْمَيْتَةِ اهـ. أَيْ: فَإِنْ تَحَقَّقَ وَضْعَهُمْ أَنَافِحَهَا فِيهِ حَرُمَ قَطْعًا وَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ وَضْعِهَا فِيهِ أُبِيحَ قَطْعًا، وَإِنْ شَكَّ كُرِهَ لِمُجَرَّدِ الْإِشَاعَةِ وَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ وَلِأَنَّ
стр. 940
وَذَكَاةِ خُنْثَى، وَخَصِيٍّ، وَفَاسِقٍ.
ــ
[منح الجليل]
صَنَائِعَ الْكُفَّارِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ كَنَسْجِهِمْ كَمَا اخْتَارَهُ الْبِسَاطُ وَجَمَاعَةٌ وَاخْتَارَ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافَهُ. وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ أَنَّ جُبْنَ الْمَجُوسِ حَرَامٌ لِعَدَمِ تَوَقِّيهِمْ النَّجَاسَةَ قَطْعًا وَجُبْنُ أَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ وَمِثْلُهُ عَنْ مَالِكٍ " ﵁ " عَنْهُ الْبُنَانِيُّ أَنَافِحُ جَمْعُ إنْفَحَةٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَشَدِّ الْحَاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ الْفَاءُ شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ الْجَدْيِ الرَّاضِعِ أَصْفَرُ فَيُعْصَرُ فِي صُوفِهِ فَيُغَلِّظُ اللَّبَنَ لِلْجُبْنِ،
(وَ) كُرِهَ (ذَكَاةُ) أَيْ: ذَبْحُ أَوْ نَحْرُ شَخْصٍ (خُنْثَى) مُشْكِلٍ (وَخَصِيٍّ) وَأَوْلَى مَجْبُوبٍ (وَفَاسِقٍ) لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِضَعْفِ الْأَوَّلَيْنِ وَنَقْصِ دِينِ الثَّالِثِ. وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ لِنُفُورِ النَّفْسِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، وَأَمَّا تَعْلِيلُ الْأَوَّلَيْنِ بِالضَّعَفَةِ فَنُقِضَ بِالْمَرْأَةِ وَالثَّالِثُ بِالْكَافِرِ قَالَهُ تت، قَدْ يُقَالُ الْمَرْأَةُ أَقْوَى مِنْ الْخَصِيِّ لِبَقَائِهَا عَلَى خِلْقَتِهَا، وَمِثْلُ الْمَرْأَةِ فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ مُذَكَّاهَا الْأَغْلَفُ وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْأَخْرَسُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ بِأَنَّ لِلْكَافِرِ دِينًا يُقَرُّ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ، بِخِلَافِ الْفَاسِقِ كَمَا عَلَّلُوا بِهِ جَوَازَ الْخِطْبَةِ عَلَى الْفَاسِقِ دُونَ الْكَافِرِ سَالِمٌ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ مُذَكَّى الْكَافِرِ لِنَفْسِهِ لَا يُكْرَهُ لَنَا أَكْلُهُ، وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ الْمَكْرُوهَ كَوْنُهُ جَزَّارًا فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ لَا تَذْكِيَتُهُ لِنَفْسِهِ مُسْتَحِلَّةً. وَشَمِلَ الْفَاسِقُ تَارِكَ الصَّلَاةِ وَأَهْلَ الْبِدَعِ عَلَى الْقَوْلِ بِإِسْلَامِهِمْ، وَلَا تُكْرَهُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ عَرَبِيٍّ أَوْ عَجَمِيٍّ أَجَابَ لِلْإِسْلَامِ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَلَا مِنْ امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَلَوْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ. وَاَلَّذِي حَصَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ سِتَّةٌ لَا تَجُوزُ ذَكَاتُهُمْ وَسِتَّةٌ تُكْرَهُ وَسِتَّةٌ اُخْتُلِفَ فِيهِمْ، فَالسِّتَّةُ الَّذِينَ لَا تَجُوزُ ذَكَاتُهُمْ الصَّبِيُّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَالْمَجْنُونُ حَالَ جُنُونِهِ، وَالسَّكْرَانُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمُرْتَدُّ وَالزِّنْدِيقُ. وَالسِّتَّةُ الَّذِينَ تُكْرَهُ ذَكَاتُهُمْ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى وَالْخَصِيُّ وَالْأَغْلَفُ وَالْفَاسِقُ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِمْ تَارِكُ الصَّلَاةِ وَالسَّكْرَانُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَالْبِدْعِيُّ الْمُخْتَلَفُ فِي كُفْرِهِ، وَالْعَرَبِيُّ النَّصْرَانِيُّ، وَالنَّصْرَانِيُّ يَذْبَحُ لِلْمُسْلِمِ بِإِذْنِهِ وَالْأَعْجَمِيُّ يُجِيبُ لِلْإِسْلَامِ قَبْلَ بُلُوغِهِ اهـ. وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
стр. 941
وَفِي ذَبْحِ كِتَابِيٍّ لِمُسْلِمٍ قَوْلَانِ. .
وَجَرْحُ مُسْلِمٍ
ــ
[منح الجليل]
ذَكَاةُ مَجُوسِيٍّ وَمُغْمًى وَطَافِحٍ ... وَطِفْلٍ وَمُرْتَدٍّ وَمَنْ قَدْ تَزَنْدَقَا
حَرَامٌ وَزَادَ أُنْثَى وَخُنْثَى وَأَغْلَفَا ... خَصِيًّا وَطِفْلًا عَاقِلًا وَفُوَيْسِقًا
وَلَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وَتَنَازَعُوا بِنَشْوَانَ ... أَوْ مَنْ كُفْرُهُ مَا تَحَقَّقَا
وَفِي كَافِرٍ ذَكَّى بِإِذْنٍ لِمُسْلِمٍ ... وَفِي عَرَبِيٍّ بِالنَّصَارَى تَعَلَّقَا
(وَفِي) صِحَّةِ كَرَاهَةِ أَوْ إبَاحَةِ (ذَبْحِ) وَنَحَرَ شَخْصٍ (كِتَابِيٍّ) يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ (لِ) شَخْصٍ (مُسْلِمٍ) مَا مَلَكَهُ الْمُسْلِمُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ وَالْبَاقِي لِلْكِتَابِيِّ، وَوَكَّلَهُ عَلَى ذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ وَعَدَمِهَا مَعَ الْحُرْمَةِ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا، وَمَفْهُومُ لِمُسْلِمٍ أَنَّ ذَبْحَهُ لِكَافِرٍ لَيْسَ فِيهِ الْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَانِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ ذَبَحَ مَا لَا يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَاتَّفَقَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ ذَبْحِهِ وَحُرْمَتِهِ، إنْ ذَبَحَ مَا يَحِلُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَاتُّفِقَ عَلَى صِحَّةِ ذَبْحِهِ وَإِبَاحَتِهِ، وَإِنْ ذَبَحَ مَا يَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ اُعْتُبِرَ الذَّابِحُ. وَعِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ فِي اسْتِبَاحَةِ مَا ذَبَحَهُ لِمُسْلِمٍ وَمَنْعِهِ قَوْلَانِ وَالتَّوْضِيحُ، فَفِي جَوَازِ أَكْلِهَا وَمَنْعِهِ قَوْلَانِ. وَابْنُ عَرَفَةَ وَفِي حِلِّ ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ لِمُسْلِمٍ مَلَكَهُ بِإِذْنِهِ وَحُرْمَتِهَا ثَالِثُهَا تُكْرَهُ اهـ.
(وَ) الذَّكَاةُ فِي الْعَقْرِ (جَرْحِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ إدْمَاءِ جِنْسٍ وَإِضَافَتُهُ لِشَخْصٍ (مُسْلِمٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَالِغٍ أَوْ صَبِيٍّ حُرٍّ أَوْ رِقٍّ، فَصْلٌ مُخْرِجٌ جَرْحَ الْكَافِرِ وَلَوْ فِي إذْنٍ سَوَاءٌ شَقَّ الْجِلْدَ أَمْ لَا وَخَرَجَ عَنْهُ شَقُّ الْجِلْدِ بِالْآلَةِ بِدُونِ إدْمَاءٍ فِي وَحْشِيٍّ صَحِيحٍ فَلَا يَكْفِي، وَيَكْفِي فِي مَرِيضٍ فَفِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ، وَالْمُرَادُ مُسْلِمٌ حَالَ الْإِرْسَالِ فَلَا يُؤْكَلُ بِجَرْحِ كَافِرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وَافْتَرَقَ صَيْدُ الْكِتَابِيِّ مِنْ ذَبْحِهِ وَنَحْرِهِ؛ لِأَنَّ فِي الصَّيْدِ نَوْعُ تَعَبُّدٍ وَوُقُوفًا مَعَ الْإِسْنَادِ إلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآيَةِ وَلَا يُعَارِضُهُ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَجَمَاعَةٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ لِتَخْصِيصِهَا بِالْآيَةِ الْأُخْرَى جَمْعًا بَيْنَ
стр. 942
مُمَيِّزٍ وَحْشِيًّا، وَإِنْ تَأَنَّسَ عَجَزَ عَنْهُ إلَّا بِعُسْرٍ، لَا نَعَمٍ شَرَدَ، أَوْ تَرَدَّى بِكُوَّةٍ
ــ
[منح الجليل]
الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِجُرْحِ الْكَافِرِ مَا مَاتَ بِجُرْحِهِ أَوْ نَفَذَ مَقْتَلُهُ بِهِ فَإِنْ خَرَجَ صَيْدًا وَلَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلُهُ فَيُؤْكَلُ بِذَبْحِهِ كَمَا فِي تت، وَبِذَبْحِ مُسْلِمٍ أَوْلَى. الْبَدْرُ وَتَوَهَّمَ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ عَدَمَ أَكْلِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَاسِدٌ.
قَالَ بَعْضٌ: وَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ صَيْدِ مَنْ تُكْرَهُ ذَكَاتُهُ (مُمَيِّزٍ) لَا صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَكْرَانَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَادَّعَى الصَّيْدَ حَالَ الْإِفَاقَةِ وَمَفْعُولُ جَرْحِ الْمُضَافِ لِفَاعِلِهِ قَوْلُهُ حَيَوَانًا (وَحْشِيًّا) إنْ لَمْ يَتَأَنَّسْ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (تَأَنَّسَ) ثُمَّ تَوَحَّشَ وَ (عَجَزَ عَنْهُ) وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فِي حَالٍ (إلَّا بِعُسْرٍ) أَيْ: مَعَهُ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ لَا يُؤْكَلُ بِعَقْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَفِيهَا لِمَالِكٍ " ﵁ " مَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْخَنَهُ حَتَّى صَارَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ فَلَا يُؤْكَلُ. ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ أَسِيرًا كَالشَّاةِ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ إلَّا بِذَبْحٍ، وَيَضْمَنُ الرَّامِي الثَّانِي الَّذِي قَتَلَهُ لِلْأَوَّلِ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا (لَا) جُرْحَ (نَعَمٍ) أَيْ: حَيَوَانٍ إنْسِيٍّ وَلَوْ غَيْرَ نَعَمٍ كَإِوَزٍّ وَدَجَاجٍ وَحَمَامِ بَيْتٍ (شَرَدَ) وَتَوَحَّشَ فَلَا يُؤْكَلُ بِعَقْرِهِ مُنْظَرًا لِأَصْلِهِ كَمَا نُظِرَ لِأَصْلِ الْوَحْشِيِّ الَّذِي تَأَنَّسَ ثُمَّ تَوَحَّشَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إلَّا بِعُسْرٍ. وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ الْأَصْلِيَّيْنِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ فَالْوَحْشِيُّ دَائِمًا وَالْمُتَأَنِّسُ مِنْهُ تَوَحَّشَ يُؤْكَلَانِ بِالْجَرْحِ، وَالْمُتَأَنَّسُ مِنْهُ الْمُسْتَمِرُّ عَلَى تَأَنُّسِهِ كَالنَّعَامَةِ فِي الْقَرْيَةِ لَا يُؤْكَلُ بِالْجَرْحِ. النَّوْعُ الثَّانِي الْإِنْسِيُّ دَائِمًا وَالْمُتَوَحِّشُ مِنْهُ ثُمَّ تَأَنَّسَ وَالْمُتَوَحِّشُ مِنْهُ الْمُسْتَمِرُّ عَلَى وَحْشِيَّتِهِ لَا يُؤْكَلُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِالْجَرْحِ.
(أَوْ) حَيَوَانٍ نَعَمٍ أَوْ وَحْشٍ (تَرَدَّى) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ: سَقَطَ (بِكُوَّةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا مُثَقَّلًا أَيْ طَاقَةٍ فِي نَحْوِ حَائِطٍ وَلَا مَعْنَى لَهَا هُنَا؛ لِأَنَّ التَّرَدِّي السُّقُوطُ مِنْ عَالٍ إلَى سَافِلٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ أَوْ تَرَدَّى بِكَهُوَّةٍ أَيْ: فِي هُوَّةٍ فَالْكَافُ لِلتَّمْثِيلِ وَالْهُوَّةُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْهُوَّةُ الْوَهْدَةُ الْعَمِيقَةُ وَجَمْعُهَا هُوًى بِالضَّمِّ
стр. 943
بِسِلَاحٍ مُحَدَّدٍ،
ــ
[منح الجليل]
قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا أَبُو زَيْدٍ الْمَكُودِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ:
وَأَنْتِ يَا نَفْسُ شُغِلْت بِالْهَوَى ... حَتَّى وَقَعْت فِي قُعُورٍ لِلْهُوَى
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَحُفْرَةٍ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَصْبَغُ مَا اضْطَرَّهُ الْجَارِحُ لِحُفْرَةٍ لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا أَوْ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ فَكَنَعَمٍ. ابْنُ عَرَفَةَ وَمَا عَجَزَ عَنْهُ فِي مُهْوَاةٍ جَازَ فِيهِ مَا أَمْكَنَ مِنْ ذَبْحٍ أَوْ نَحْرٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِطَعْنِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِمَا.
وَفِي التَّوْضِيحِ إذَا شَرَدَ الْإِنْسِيُّ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَقَرَةٍ فَلَا يُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ اتِّفَاقًا وَكَذَا الْبَقَرَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ، قَالَ؛ لِأَنَّ الْبَقَرَ لَهَا أَصْلٌ فِي الْوَحْشِ تَرْجِعُ إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَأُلْزِمَ اللَّخْمِيُّ وَالتُّونُسِيُّ ابْنَ حَبِيبٍ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ إذَا شَرَدَتْ أَنْ تُؤْكَلَ بِالْعَقْرِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الشَّاةِ وَغَيْرِهَا إذَا وَقَعَتْ فِي مُهْوَاةٍ أَنَّهَا تُطْعَنُ حَيْثُ أَمْكَنَ وَيَكُونُ ذَلِكَ ذَكَاةً لَهَا، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْعَجْزُ عَنْ الْوُصُولِ إلَى الذَّكَاةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ، وَفَرَّقَ صَاحِبُ الْمُعَلِّمِ وَابْنُ بَشِيرٍ بِأَنَّ الْوَاقِعَ فِي مُهْوَاةٍ يَتَحَقَّقُ تَلَفُهُ لَوْ تُرِكَ فَلَعَلَّ ابْنَ حَبِيبٍ أَبَاحَ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلْمَالِ اهـ فَابْنُ حَبِيبٍ فَصَّلَ فِي النَّعَمِ الشَّارِدِ وَأَطْلَقَ فِي الْمُتَرَدِّي.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْجَرْحِ (بِسِلَاحٍ مُحَدَّدٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالدَّالِ الْأُولَى مُشَدَّدَةً أَيْ: شَيْءٌ لَهُ حَدٌّ وَلَوْ كَحَجَرٍ حَادٍّ أَوْ لَهُ حَدٌّ وَعَرْضٌ وَعُلِمَ إصَابَتُهُ الصَّيْدَ بِحَدِّهِ لَا بِعَرْضِهِ فَلَيْسَ مُرَادُهُ بِهِ هُنَا خُصُوصَ الْحَدِيدِ لِنَدْبِهِ كَمَا يَأْتِي، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ غَيْرِ الْمُحَدَّدِ كَالْعِصِيِّ وَالْبُنْدُقِ وَالشَّرَكِ وَالشَّبَّةِ إذَا قَتَلَ الْحَيَوَانَ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، فَإِنْ عَطَّلَهُ وَلَمْ يُنْفِذْ مَقْتَلَهُ ذُبِحَ أَوْ نُحِرَ بِتَسْمِيَةٍ وَنِيَّةٍ الْقَرَافِيِّ وَالْحَطّ ظَاهِرُ مَذْهَبِنَا حُرْمَةُ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقِ وَكُلِّ مَا شَأْنُهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ كَاصْطِيَادِ مَأْكُولٍ لَا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ وَيُمْكِنُ رُجُوعُ قَوْلِهِ بِسِلَاحٍ مُحَدَّدٍ لِأَنْوَاعِ الذَّكَاةِ الثَّلَاثَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ كَالْعِصِيِّ وَالْبُنْدُقِ إلَخْ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْرَحُ وَإِنَّمَا يَرُضُّ وَيَكْسِرُ وَالْمُرَادُ الْبُنْدُقُ الْمُسْتَعْمَلُ مِنْ الطِّينِ الْمُحَرَّقِ كَمَا فِي الْمَشَارِقِ زَادَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَبِغَيْرِ طَبْخٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَأَمَّا الصَّيْدُ بِالْبُنْدُقِ وَمِنْ الرَّصَاصِ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ نَصٌّ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ
стр. 944
وَحَيَوَانٍ عُلِّمَ بِإِرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ
ــ
[منح الجليل]
مِنْ الْفَاسِيِّينَ لِحُدُوثِ الرَّمْيِ بِهِ بِحُدُوثِ الْبَارُودِ وَاسْتَخْرَجَهُ حَكِيمٌ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الْكِيمْيَاءَ فَفَرْقَعَ لَهُ فَأَعَادَهُ فَأَعْجَبَهُ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ هَذَا الْبَارُودَ فِي وَسَطِ الْمِائَةِ الثَّامِنَةِ وَأَفْتَى فِيهِ بِجَوَازِ الْأَكْلِ. أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُورِيُّ وَابْنُ غَازِيٍّ وَعَلِيُّ بْنُ هَارُونَ وَالْمَنْجُورُ وَالْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَاسِيُّ وَاخْتَارَهُ شَيْخُ الشُّيُوخِ عَبْدُ الْقَادِرِ الْفَاسِيُّ لِإِنْهَارِهِ وَإِجْهَازِهِ بِسُرْعَةٍ اللَّذَيْنِ شُرِعَتْ الذَّكَاةُ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ بَلْ الْإِنْهَارُ بِهِ أَبْلَغُ وَأَسْهَلُ مِنْ كُلِّ آلَةٍ يَقَعُ الْجُرْحُ بِهَا.
وَكَوْنُ الْجُرْحِ الْمُرَادُ بِهِ الشَّقُّ كَمَا قِيلَ وَصَفَهُ طَرْدِيٌّ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِإِنَاطَةِ الْحُكْمِ بِهِ إذْ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْجَرْحِ سَوَاءٌ كَانَ شَقًّا أَوْ خَرْقًا كَمَا فِي مُحَدَّدِ الْمِعْرَاضِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْبُنْدُقَةِ الطِّينِيَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُودِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ وُجُودُ الْخَرْقِ وَالنُّفُوذِ فِي الرَّصَاصِ تَحْقِيقًا وَعَدَمُ ذَلِكَ فِي الْبُنْدُقَةِ الطِّينِيَّةِ، وَإِنَّمَا شَأْنُهَا الرَّضُّ وَالدَّمْغُ وَالْكَسْرُ وَمَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُ لَا يُسْتَعْمَلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَقْذِ الْمُحَرَّمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ اهـ، مُخْتَصَرًا مِنْ خَطِّ عَبْدِ الْقَادِرِ الْفَاسِيِّ فِي جَوَابٍ لَهُ طَوِيلٍ.
(أَوْ) بِ (حَيَوَانٍ عُلِّمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا وَلَوْ مِنْ نَوْعِ مَا لَا يَقْبَلُ التَّعَلُّمَ كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَنَسْرٍ وَأَوْلَى مَا يَقْبَلُهُ مِنْ كَلْبٍ وَبَازٍ وَسِنَّوْرٍ وَابْن عِرْسٍ وَذِئْبٍ، وَلَوْ كَانَ طَبْعُ الْمُعَلَّمِ بِالْفِعْلِ الْغَدْرُ كَدُبٍّ فَإِنَّهُ لَا يَمْسِكُ إلَّا لِنَفْسِهِ، قَالَ فِيهَا وَالْمُعَلَّمُ هُوَ الَّذِي إذَا أُرْسِلَ أَطَاعَ وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ، أَيْ: إلَّا الْبَازَ فَإِنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ، وَعِصْيَانُ الْمُعَلَّمِ مَرَّةً لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا كَمَا لَا يَكُونُ غَيْرُ الْمُعَلَّمِ مُعَلَّمًا بِطَاعَتِهِ مَرَّةً بَلْ الْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ (بِإِرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ) مَعَ نِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ تَعَبُّدًا فَلَوْ وَجَدَ مَعَ جَارِحِهِ صَيْدًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ انْبَعَثَ قَبْلَ رُؤْيَةِ رَبِّهِ الصَّيْدَ وَلَوْ أَشْلَاهُ عَلَيْهِ أَثْنَاءَهُ وَهُوَ بِقُرْبِهِ، أَوْ رَآهُ وَلَمْ يُرْسِلْهُ، أَوْ أَرْسَلَهُ وَلَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ لَا يُؤْكَلُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ هَذَا إلَّا بِزَكَاةٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَنْفُوذِ مَقْتَلٍ، وَلَوْ كَانَ لَا يَذْهَبُ إلَّا بِأَمْرِهِ فَالْمُرَادُ بِالْيَدِ حَقِيقَتُهَا، وَمِثْلُهَا إرْسَالُهُ مِنْ حِزَامِهِ أَوْ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ إلَّا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ وَالْمِلْكَ وَيَدُ خَادِمِهِ كَيَدِهِ هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الَّذِي رَجَعَ لَهُ، وَقَالَ قَبْلَهُ يُؤْكَلُ إذَا أَرْسَلَهُ مِنْ غَيْرِ يَدِهِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُمَا فِيهَا وَاخْتَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَاللَّخْمِيِّ مَا أَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فَالْأَوْلَى ذِكْرُهُ لِقُوَّتِهِ.
стр. 945
بِلَا ظُهُورِ تَرْكٍ.
. وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ، أَوْ أَكَلَ، أَوْ لَمْ يُرَ بِغَارٍ، أَوْ غَيْضَةٍ، أَوْ لَمْ يَظُنُّ نَوْعَهُ مِنْ الْمُبَاحِ، أَوْ ظَهَرَ خِلَافُهُ لَا إنْ ظَنَّهُ حَرَامًا،
ــ
[منح الجليل]
بِ) شَرْطِ (لَا) أَيْ: عَدَمِ (ظُهُورِ تَرْكٍ) مِنْ الْحَيَوَانِ الْمُعَلَّمِ لِلصَّيْدِ قَبْلَ قَتْلِهِ أَيْ: يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ أَكْلِ مَصِيدِهِ إذَا قَتَلَهُ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ انْبِعَاثُهُ إلَيْهِ مِنْ حِينِ إرْسَالِهِ إلَيْهِ إلَى حِينِ أَخْذِهِ، وَأَمَّا السَّهْمُ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي رَمْيِ حَصَى الْجِمَارِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إصَابَتُهَا غَيْرَهَا إنْ ذَهَبَتْ إلَيْهَا بِقُوَّةِ الرَّمْيِ وَلَيْسَ اشْتِغَالُهُ بِإِفْرَادِ. مَا أَرْسَلَ عَلَيْهِ تَرْكًا فَيُؤْكَلُ مَا صَادَهُ مِمَّا أَرْسَلَ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ) وَنَوَى الصَّائِدُ الْجَمِيعَ فَلَوْ صَادَ شَيْئًا لَمْ يَنْوِهِ الصَّائِدُ فَلَا يُؤْكَلُ وَلَوْ فِي مَسْأَلَةِ الْغَارِ وَالْغَيْضَةِ لِعَدَمِ النِّيَّةِ. وَأَشَارَ بِوَ لَوْ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ، قَالَ عج: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَا يَأْكُلْ شَيْئًا. وَقَالَ جَدُّ عج: يَأْكُلُ الْجَمِيعَ فِي هَذَا أَيْضًا وَأَدْخَلَهَا فِي تَصْوِيرِ الْمُصَنِّفِ، فَلَوْ نَوَى وَاحِدًا مُعَيَّنًا فَلَا يَأْكُلْ غَيْرَهُ، وَلَوْ نَوَى وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَيَأْكُلُ الْأَوَّلَ فَقَطْ لِصُوَرٍ أَرْبَعٍ، فَإِنْ شَكَّ فِي الْأَوَّلِ فَلَا يَأْكُلْ شَيْئًا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ (أَوْ أَكَلَ) الْجَارِحُ بَعْضَ الصَّيْدِ وَلَوْ أَكْثَرَهُ (أَوْ لَمْ يُرَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ: لَمْ يُعْلَمْ الْمَصِيدُ حَالَ كَوْنِهِ (بِغَارٍ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ: بَيْتٍ فِي الْجَبَلِ (أَوْ غَيْضَةٍ) بِإِعْجَامِ الْغَيْنِ وَالضَّادِ أَيْ: شَجَرٍ مُلْتَفٌّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَيُسَمَّى أَجَمَةً أَيْضًا وَأَوْلَى إنْ عَلِمَ وَلَمْ يُبْصِرْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا مَنْفَذٌ آخَرُ، وَإِلَّا فَلَا يُؤْكَلُ لِاحْتِمَالِ أَخْذِهِ غَيْرَ مَا نَوَاهُ. (أَوْ لَمْ يَظُنَّ) الْمُرْسِلُ (نَوْعَهُ) أَيْ: الْمَصِيدِ أَظَبْيٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ (مِنْ الْمُبَاحِ) فَهُوَ صِلَةُ مَحْذُوفٍ حَالٍ مِنْ فَاعِلِ يَظُنُّ وَيَحْتَمِلُ مِنْ مَفْعُولِهِ (أَوْ) أَرْسَلَهُ عَلَى مُعَيَّنٍ ظَنَّهُ ظَبْيًا ثُمَّ (ظَهَرَ خِلَافُهُ) وَأَنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مُبَاحٌ فَيُؤْكَلُ (لَا) يُؤْكَلُ (إنْ ظَنَّهُ) أَيْ: الْمُرْسِلُ الْوَحْشِيَّ حَالَ إرْسَالِهِ أَوْ رَمْيِهِ عَلَيْهِ (حَرَامًا) كَخِنْزِيرٍ، فَإِذَا هُوَ حَلَالٌ مَيِّتٌ أَوْ مَنْفُوذُ الْمَقْتَلِ وَأَوْلَى إنْ تَيَقَّنَ ذَلِكَ وَكَذَا إنْ شَكَّ فِيهِ أَوْ تَوَهَّمَ لِعَدَمِ النِّيَّةِ أَوْ جَزْمِهَا أَحْمَدُ لَوْ قَالَ لَا إنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ إبَاحَتَهُ لَشَمِلَ مُتَيَقِّنَ الْحُرْمَةِ وَظَانَّهَا وَشَاكَّهَا
стр. 946
أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مُرْسَلٍ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي شَرِكَةِ غَيْرٍ كَمَاءٍ،
ــ
[منح الجليل]
وَمُتَوَهِّمَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الظَّنَّ عَلَى مُطْلَقِ التَّرَدُّدِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ أَنَاطُوا الْإِبَاحَةَ بِتَحَقُّقِهَا وَالْحُرْمَةَ بِعَدَمِهِ فَإِنْ أَدْرَكَ مَا ظَنَّهُ حَرَامًا حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ مَقْتَلٍ وَذَكَّاهُ بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُبَاحٌ فَيُؤْكَلُ، فَإِنْ اعْتَقَدَ حُرْمَتَهُ وَأَنَّهَا تَعْمَلُ فِيهِ ثُمَّ ظَهَرَتْ إبَاحَتُهُ فَلَا يُؤْكَلُ وَالْمَكْرُوهُ إنْ رَمَاهُ بِنِيَّةِ قَتْلِهِ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ فَلَا يُؤْكَلُ، وَإِنْ نَوَى تَذْكِيَتَهُ فَيُؤْكَلُ، وَإِنْ نَوَى تَذْكِيَتَهُ لِجِلْدِهِ فَقَطْ فَيُؤْكَلُ لَحْمُهُ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَتَبَعَّضُ وَلَا يُؤْكَلُ عَلَى أَنَّهَا تَتَبَعَّضُ، وَإِنْ نَوَاهَا لِلَحْمِهِ طَهُرَ جِلْدُهُ عَلَيْهِمَا لِتَبَعِيَّتِهِ لِلَّحْمِ.
(أَوْ أَخَذَ) الْجَارِحُ أَوْ أَصَابَ السَّهْمُ حَيَوَانًا وَحْشِيًّا (غَيْرَ مُرْسَلٍ) بِفَتْحِ السِّينِ أَوْ مَرْمِيٍّ (عَلَيْهِ) تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا إلَّا أَنْ يُرْسِلَهُ عَلَى مُعَيَّنٍ وَيَنْوِيَ وَيُسَمِّيَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا يَأْتِي بِهِ مَعَهُ مِمَّا لَمْ يَرَهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَيُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُعَيَّنِ الَّذِي نَوَاهُ فَلَا يُعَارِضُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْآتِيَ أَوْ قَصَدَ مَا وَجَدَ، فَالْمَسَائِلُ ثَلَاثَةٌ الْأُولَى أَنْ يَأْخُذَ الْجَارِحُ مَا لَمْ يُرْسَلْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْصِدْ فَلَا يُؤْكَلُ. الثَّانِيَةُ أَنْ يَقْصِدَ مَا يَجِدُهُ وَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَلَا يُؤْكَلُ. الثَّالِثَةُ أَنْ يُرْسِلَهُ عَلَى مُعَيَّنٍ وَمَا مَعَهُ إنْ كَانَ فَيُؤْكَلُ، وَظَاهِرُهَا وَلَوْ أَتَى بِمَا مَعَهُ دُونَ مَا عَيَّنَهُ وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُهُمْ وَهَذِهِ غَيْرُ قَوْلِهِ وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ؛ لِأَنَّهُ نِيَّةُ الْجَمِيعِ مَعَ رُؤْيَتِهِ.
(أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ) الْمُذَكَّى صَائِدًا أَوْ ذَابِحًا أَوْ نَاحِرًا السَّبَبُ (الْمُبِيحُ) لِأَكْلِ مُذَكَّاهُ (فِي) أَيْ: بِسَبَبِ (شَرِكَةِ) سَبَبٍ (غَيْرِ) أَيْ: لِلْمُبِيحِ فِي قَتْلِ الْحَيَوَانِ، وَإِنْفَاذُ مَقْتَلِهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تُذْكَرُ أَوْ غَيْرُهَا فَلَا يُؤْكَلُ مُذَكَّاهُ لَدَوْرَانِ أَمْرِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْقَاعِدَةُ تَغْلِيبُ جَانِبِ الْحُرْمَةِ (كَ) إجْمَاعِ ذَكَاةٍ مَعَ غَمْرِ مَاءٍ فِي صَيْدٍ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَتْ بَهِيمَةٌ فِي مَاءٍ وَرَفَعَتْ رَأْسَهَا مِنْهُ وَذُبِحَتْ أَوْ نُحِرَتْ ثُمَّ مَاتَتْ فِي الْمَاءِ أُكِلَتْ قَالَهُ تت وَالشَّارِحُ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا إنْ ذُبِحَتْ أَوْ نُحِرَتْ وَرَأْسُهَا فِي الْمَاءِ أُكِلَتْ لِحُصُولِ ذَبْحِهَا أَوْ نَحْرِهَا مَعَ تَحَقُّقِ حَيَاتِهَا لَكِنْ يُكْرَهُ هَذِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ سَوَاءٌ كَانَتْ تَعِيشُ، فِي الْمَاءِ أَمْ لَا
стр. 947
أَوْ ضُرِبَ بِمَسْمُومٍ، أَوْ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ، أَوْ بِنَهْشِهِ مَا قَدَرَ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْهُ،
ــ
[منح الجليل]
أَوْ) شَرِكَةٍ ثُمَّ أَسْهَمَ بِسَبَبِ (ضَرْبٍ بِ) سَهْمٍ (مَسْمُومٍ) وَلَمْ يُنْفِذْ السَّهْمُ مَقْتَلَهُ وَلَمْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهُ بَعْدَ إصَابَتِهِ حَتَّى مَاتَ فَلَا يُؤْكَلُ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ مِنْ السَّهْمِ فَإِنْ أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقْتَلَهُ أُكِلَ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ مَخَافَةَ أَذَى السُّمِّ، وَإِنْ أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ وَلَمْ يُنْفِذْ السَّهْمُ مَقْتَلَهُ أُكِلَ؛ لِأَنَّهُ ذُكِّيَ وَحَيَاتُهُ مُحَقَّقَةٌ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ. الْحَطّ وَانْظُرْ ذَبْحَ الدِّيَكَةِ عِنْدَ خَنْقِهَا بِالْعَجِينِ أَيْ: بَلْعِهَا الْعَجِينَ هَلْ هُوَ مِنْ هَذَا اهـ عب حَيْثُ تَحَقَّقَ أَنَّ الْعَجِينَ لَمْ يُنْفِذْ مَقْتَلَهَا فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ لِقَوْلِهِ وَأُكِلَ الْمُذَكَّى وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ.
(أَوْ) شَرِكَةِ (كَلْبِ مَجُوسِيٍّ) أَيْ: أَرْسَلَهُ مَجُوسِيٌّ سَوَاءٌ كَانَ مِلْكَهُ أَوْ مِلْكَ مُسْلِمٍ كَلْبًا أَرْسَلَهُ مُسْلِمٌ سَوَاءٌ كَانَ مِلْكَهُ أَوْ مِلْكَ مَجُوسِيٍّ فِي قَتْلٍ أَوْ إنْفَاذِ مَقْتَلِ صَيْدٍ فَلَا يُؤْكَلُ وَمِثْلُ الْمَجُوسِيِّ الْكِتَابِيُّ فَالْمُعْتَبَرُ فِي عَدَمِ الْأَكْلِ مُشَارَكَةُ مَا أَرْسَلَهُ كَافِرٌ سَوَاءٌ كَانَ كَلْبًا أَوْ سَهْمًا مِلْكًا لَهُ أَوْ لِمُسْلِمٍ مَجُوسِيًّا كَانَ أَوْ كِتَابِيًّا، وَشَمِلَ قَوْلُهُ كَلْبَ مَجُوسِيٍّ اشْتِرَاكَهُ مَعَ كَلْبِ مُسْلِمٍ فِي قَتْلٍ أَوْ إنْفَاذِ مَقْتَلِ الصَّيْدِ وَإِمْسَاكَهُ أَحَدَهُمَا وَقَتْلَهُ الْآخَرَ وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ كَلْبَ الْمُسْلِمِ، وَمِثْلُ كَلْبِ الْمَجُوسِيِّ كَلْبُ مُسْلِمٍ غَيْرُ مُعَلَّمٍ أَوْ غَيْرُ مُرْسَلٍ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ وَإِنْ أُرْسِلَ أَوْ رَمَى مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ كَلْبًا أَوْ سَهْمًا وَاحِدًا كَانَ مَمْسُوكًا لَهُمَا وَنَوَى الْمُسْلِمُ وَسَمَّى وَقَتَلَ الصَّيْدَ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ فَلَا يُؤْكَلُ لِشَرِكَةِ الْمَجُوسِيِّ فِي الِاصْطِيَادِ. ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَا سَهْمَاهُمَا إلَّا أَنْ يُوقِنَ أَنَّ سَهْمَ الْمُسْلِمِ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ دُونَ سَهْمِ الْكَافِرِ بِأَنْ يُوجَدَ سَهْمُ الْمُسْلِمِ فِي مَقْتَلِهِ وَسَهْمُ الْمَجُوسِيِّ فِي بَعْضِ أَطْرَافِهِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ أَخَذَاهُ حَيًّا قُضِيَ لِلْمُسْلِمِ بِذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ وَأَخْذِ نِصْفِهِ، فَإِنْ قَالَ الْمَجُوسِيُّ: هُوَ لَا يَأْكُلُ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ أَوْ مَنْحُورَهُ بِيعَ وَقُسِمَ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا ثَمَنَ لَهُ فِيهِ مُكِّنَ الْمُسْلِمُ مِنْ. ذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ إنْ شَاءَ لِخَبَرِ «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» .
(أَوْ) لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ وَهُوَ الذَّكَاةُ (بِ) سَبَبِ (نَهْشِهِ) أَيْ: الْجَارِحِ (مَا) أَيْ: صَيْدًا حَالَ ذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ (قَدْرَ) الصَّائِدِ (عَلَى خَلَاصِهِ) أَيْ الصَّيْدِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْجَارِحِ
стр. 948
أَوْ أَغْرَى فِي الْوَسَطِ أَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ، إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ، أَوْ حَمَلَ الْآلَةَ مَعَ غَيْرٍ أَوْ بِخُرْجٍ، أَوْ بَاتَ
ــ
[منح الجليل]
وَتَرَكَ الْجَارِحَ يَنْهَشُهُ وَهُوَ يَذْبَحُهُ أَوْ يَنْحَرُهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ ذَبَحَهُ أَوْ نَحَرَهُ وَهُوَ مُحَقَّقُ الْحَيَاةِ غَيْرُ مَنْفُوذِ الْمَقْتَلِ فَلَا يُؤْكَلُ فِيهَا وَلَوْ قَدَرَ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْهَا فَذَكَّاهُ وَهُوَ فِي أَفْوَاهِهَا تَنْهَشُهُ فَلَا يُؤْكَلُ، إذْ لَعَلَّهُ مِنْ نَهْشِهَا مَاتَ إلَّا أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ ذَكَّاهُ وَهُوَ مُجْتَمِعُ الْحَيَاةِ قَبْلَ أَنْ تُنْفِذَ هِيَ مَقَاتِلَهُ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ، وَبِئْسَ مَا صَنَعَ.
(أَوْ أَغْرَى) أَيْ: حَضَّ وَقَوَّى الصَّائِدُ الْجَارِحَ بَعْدَ انْبِعَاثِهِ لِلصَّيْدِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ (فِي الْوَسَطِ) أَيْ: أَثْنَاءِ ذَهَابِهِ لِلصَّيْدِ وَلَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ فَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ عُطِفَ عَلَى ظَنَّهُ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ أَمْثِلَةِ الشَّرِكَةِ (أَوْ تَرَاخِي) الصَّائِدِ (فِي اتِّبَاعِهِ) أَيْ الْجَارِحِ أَوْ السَّهْمِ بَعْدَ إرْسَالِهِ أَوْ رَمْيِهِ ثُمَّ وُجِدَ الصَّيْدُ مَيِّتًا فَلَا يُؤْكَلُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَوْ جَدَّ لَأَدْرَكَهُ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ مَقْتَلٍ وَذَبَحَهُ أَوْ نَحَرَهُ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ بِسُرْعَةٍ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ) الصَّائِدُ حِينَ الْإِرْسَالِ أَوْ الرَّمْيِ (أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ) أَيْ الصَّائِدُ الصَّيْدَ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ مَقْتَلٍ وَلَوْ جَدَّ فِي اتِّبَاعِهِ فَيُؤْكَلُ، وَكَذَا لَوْ تَحَقَّقَ لُحُوقُهُ وَتَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَوْ تَبِعَهُ لَا يَلْحَقُهُ فَالْعِبْرَةُ فِي الْأَكْلِ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ لَحَاقِهِ.
(أَوْ حَمَلَ) الصَّائِدُ (الْآلَةَ) لِلذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ (مَعَ) شَخْصٍ (غَيْرِ) وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْبِقُ ذَلِكَ الْغَيْرَ إلَى الصَّيْدِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى حَمْلِهِ بِنَفْسِهِ وَسَبَقَ الصَّائِدَ إلَى الصَّيْدِ، وَوَجَدَهُ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ مَقْتَلٍ، وَلَوْ كَانَتْ الْآلَةُ مَعَهُ لَذَبَحَهُ أَوْ نَحَرَهُ بِهَا وَمَاتَ الصَّيْدُ حَتْفَ أَنْفِهِ قَبْلَ إتْيَانِ مَنْ مَعَهُ الْآلَةُ فَلَا يُؤْكَلُ.
(أَوْ) وَضَعَهَا (بِخُرْجٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يَسْتَدْعِي طُولًا فِي إخْرَاجِهَا مِنْهُ وَمَاتَ الصَّيْدُ وَلَوْ كَانَتْ الْآلَةُ فِي يَدِهِ أَوْ حِزَامِهِ لَأَدْرَكَ ذَكَاتَهُ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ ذَكَاتَهُ وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِهِ لِسُرْعَةِ مَوْتِهِ فَيُؤْكَلُ فِيهِمَا (أَوْ بَاتَ) الصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ مِنْ الْغَدِ مَيِّتًا هَذَا ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَيْسَ بِقَيْدٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ لَيْلَةً أَوْ بَعْضَهَا وَلَوْ وَجَدَ السَّهْمَ فِي مَقْتَلِهِ وَقَدْ أَنْفَذَهُ وَلَوْ جَدَّ فِي اتِّبَاعِهِ إلَّا أَنْ يُعَايِنَ إنْفَاذَ السَّهْمِ مَقْتَلَهُ قَبْلَ خَفَائِهِ عَلَيْهِ فَيُؤْكَلُ اهـ
стр. 949
أَوْ صَدَمَ، أَوْ عَضَّ بِلَا جَرْحٍ أَوْ قَصَدَ مَا وَجَدَ، أَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا بَعْدَ مَسْكِ أَوَّلَ، وَقَتَلَ،
ــ
[منح الجليل]
الْبُنَانِيُّ عَلَّلُوا عَدَمَ أَكْلِهِ بِاحْتِمَالِ كَوْنِ مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ السَّهْمِ أَوْ الْجَارِحِ فَالْأَحْسَنُ تَقْدِيمُهُ وَجَعْلُهُ مِنْ أَفْرَادٍ أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ، وَقَوْلُهُ وَلَوْ وَجَدَ السَّهْمَ فِي مَقْتَلِهِ إلَخْ كَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَفْظُهَا عَنْ مَالِكٍ " ﵁ " فَإِنْ بَاتَ فَلَا يَأْكُلُهُ وَإِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ جَارِحُهُ أَوْ سَهْمُهُ وَهُوَ فِيهِ اهـ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَمَّا السَّهْمُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ وَإِنْ بَاتَ قَالَ أَصْبَغُ. قَالَ وَقَدْ أَمِنَ عَلَيْهِ مِمَّا يَخَافُ الْفُقَهَاءُ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ مِنْ غَيْرِ السَّهْمِ وَلَمْ نَجِدْ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، هَذَا عَنْ مَالِكٍ " ﵁ " ذِكْرًا وَلَا رَوَاهَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ تَشُكَّ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَهَّمَ فِيهَا ابْنُ الْمَوَّازِ وَبِهِ أَقُولُ. ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ الصَّوَابُ. ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَقَالَهُ سَحْنُونٌ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا فَالْأَوْلَى الْإِشَارَةُ لِهَذَا الْقَوْلِ لِقُوَّتِهِ.
(أَوْ صَدَمَ) أَيْ: لَطَمَ الْجَارِحُ الصَّيْدَ بِلَا جُرْحٍ فَلَا يُؤْكَلُ (أَوْ عَضَّ) الْجَارِحُ الصَّيْدَ (بِلَا جُرْحٍ) أَيْ: إدْمَاءٍ فَلَا يُؤْكَلُ وَلَوْ كَدَمَهُ أَوْ نَيَّبَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ مَرِيضًا وَشَقَّ جِلْدَهُ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ دَمٌ فَيَكْفِي وَيُعْلَمُ كَوْنُهُ مَرِيضًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْأَوْلَى بِلَا جُرْحِهِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ جُرْحُ الْمَصِيدِ بِهِ وَلَا جُرْحُ الصَّيْدِ مِنْ جَرْيِهِ مَثَلًا. وَالْكَدْمُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْعَضُّ بِسُهُولَةٍ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ.
(أَوْ) أَرْسَلَ الصَّائِدُ الْجَارِحَ عَلَى غَيْرِ مَرْأًى وَلَا بِمَكَانٍ مَحْصُورٍ وَ (قَصَدَ) الصَّائِدُ (مَا) أَيْ: الصَّيْدَ الَّذِي (وَجَدَهُ) الْجَارِحُ فَلَا يُؤْكَلُ لِلشَّكِّ فِي الْمُبِيحِ (أَوْ) أَرْسَلَ جَارِحًا أَوَّلَ فَمَسَكَ الصَّيْدَ ثُمَّ (أَرْسَلَ) جَارِحًا (ثَانِيًا بَعْدَ مَسْكِ أَوَّلَ، وَقَتَلَ) الثَّانِي الصَّيْدَ وَحْدَهُ أَوْ قَتَلَاهُ جَمِيعًا فَلَا يُؤْكَلُ لِصَيْرُورَةِ الصَّيْدِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِلَا عُسْرٍ بِمَسْكِهِ الْأَوَّلِ، وَمَفْهُومُ بَعْدَ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا قَبْلَ مَسْكِ أَوَّلَ وَقَتَلَهُ الثَّانِي، أَوْ الْأَوَّلُ أَوْ قَتَلَاهُ جَمِيعًا يُؤْكَلُ فِي الثَّلَاثِ صُوَرٍ. وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا مَا لَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا قَبْلَ مَسْكِ أَوَّلَ فَمَسْكُهُ الْأَوَّلُ قَبْلَ وُصُولِ الثَّانِي ثُمَّ قَتَلَهُ الثَّانِي فَيُؤْكَلُ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ عَنْ الْجَوَاهِرِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ الْإِرْسَالِ وَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ قَالَهُ عج، وَمَفْهُومُ مَسْكٍ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا بَعْدَ قَتْلِ أَوَّلَ يُؤْكَلُ
стр. 950
أَوْ اضْطَرَبَ فَأَرْسَلَ وَلَمْ يُرَ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُضْطَرِبَ، وَغَيْرَهُ: فَتَأْوِيلَانِ.
ــ
[منح الجليل]
أَوْ اضْطَرَبَ) الْجَارِحُ عَلَى صَيْدٍ رَآهُ (فَأَرْسَلَ) الصَّائِدُ الْجَارِحَ عَلَى مَا اضْطَرَبَ هُوَ عَلَيْهِ (وَلَمْ يَرَ) الصَّائِدُ الصَّيْدَ الَّذِي اضْطَرَبَ الْجَارِحُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمَكَانُ مَحْصُورًا كَغَارٍ أَوْ غَيْضَةٍ فَلَا يُؤْكَلُ مَا قَتَلَهُ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ الْجَارِحُ، قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " ﵁ " فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا أُحِبُّ أَكْلَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ صَيْدًا أَوْ يَضْطَرِبُ عَلَى صَيْدٍ، وَيَأْخُذُ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ أَخَذَ مَا اضْطَرَبَ عَلَيْهِ بِرُؤْيَةِ غَيْرِهِ لَهُ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) الصَّائِدُ (الْمُضْطَرَبَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: عَلَيْهِ فَحَذَفَ الْجَارَ، وَأَوْصَلَ الْمَفْعُولَ فَاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ عَلَى مَا فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ حَذْفُ نَائِبِ الْفَاعِلِ الْعُمْدَةِ (وَغَيْرَهُ) أَيْ: الْمُضْطَرَبَ عَلَيْهِ (فَ) فِي الْأَكْلِ وَعَدَمِهِ (تَأْوِيلَانِ) أَحَدُهُمَا يُؤْكَلُ فَتُزَادُ هَذِهِ عَلَى قَوْلِهِمْ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ إلَّا فِي غَارٍ وَغَيْضَةٍ بِأَنْ يُقَالَ وَإِلَّا فِيمَا اضْطَرَبَ عَلَيْهِ الْحَيَوَانُ الْمُعَلَّمُ وَنَوَى الصَّائِدُ الْمُضْطَرَبَ عَلَيْهِ وَغَيْرَهُ فَيُؤْكَلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ كَالْمُحَقِّقِ.
وَالثَّانِي لَا يُؤْكَلُ عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ لَيْسَ كَالْمُحَقَّقِ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لَا أُحِبُّ يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَالتَّحْرِيمَ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَكَلَامُ الْعُتْبِيَّةِ هَذَا الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُوَ مَحَلُّ التَّأْوِيلَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ حَمَلَهُ عَلَى نِيَّةِ الْمُضْطَرَبِ عَلَيْهِ فَقَطْ، قَالَ: فَإِنْ نَوَاهُ وَغَيْرَهُ أَكَلَ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إنْ نَوَى جَمَاعَةً وَمَا وَرَاءَهَا مِمَّا لَمْ يَرَهُ أَكَلَ الْجَمِيعَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى خِلَافِهَا وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ التَّأْوِيلَيْنِ لَيْسَا عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَإِنَّمَا هُمَا عَلَى قَوْلِ الْعُتْبِيَّةِ لَا أُحِبُّ أَكْلَهُ هَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَكُونُ خِلَافًا لَهَا أَوْ مُقَيَّدٌ، فَيَكُونُ وِفَاقًا وَقَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ إلَخْ غَيْرُ صَوَابٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْبِنَاءَ لَيْسَ لِلتَّأْوِيلَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْخِلَافِ الَّذِي فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ أَوَّلًا إذَا اضْطَرَبَ فَأَرْسَلَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: جَوَازُ الْأَكْلِ وَعَدَمُهُ وَهُمَا لِمَالِكٍ " ﵁ ". وَالثَّانِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ مَحَلُّ التَّأْوِيلَيْنِ. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَلَوْ رَأَى الْجَارِحَ يَضْطَرِبُ وَلَمْ يَرَ الصَّائِدُ شَيْئًا فَأَرْسَلَهُ عَلَيْهِ فَأَجَازَهُ
следующие страницы →