Полный текст (3 567 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
إِجَارَتُهَا، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَهَا، وَأَجَازَ شِرَاءَهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيَكُونُ الشِّرَاءُ بِمَعْنَى نَقْلِ الْعَيْنِ مِنْ يَدٍ إِلَى أُخْرَى بِعِوَضٍ إِلَّا مَا كَانَ قَبْلَ سَنَةِ مِائَةٍ، أَوْ مِنْ إِقْطَاعِ عُمَرَ ﵁.
أَصْلٌ: إِذَا أَعْطَى الْإِمَامُ هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ وَقَفَهَا فَقِيلَ: يَصِحُّ، وَفِي " النَّوَادِرِ " لَا، وَاحْتَجَّ بِنَقْلِ حَنْبَلٍ مثل السواد. كَمَنْ وَقَفَ أَرْضًا عَلَى رَجُلٍ، أَوْ عَلَى وَلَدِهِ لَا يَحِلُّ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا عَلَى مَا وَقَفَ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ حَاكِمٌ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِيهِ كَبَقِيَّةِ الْمُخْتَلِفَاتِ مَعَ أَنَّهُمَا ذَكَرَا أَنَّ لِلْإِمَامِ الْبَيْعَ لِمَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رِبْعٍ، وَهُوَ الْمَنْزِلُ وَدَارُ الْإِقَامَةِ لِقَوْلِهِ ﵇: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الصَّحِيحِ «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (وَلَا إِجَارَتُهَا) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مَرْفُوعًا «مَكَّةُ حَرَامٌ بَيْعُهَا حَرَامٌ إِجَارَتُهَا» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ: «مَكَّةُ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا، وَلَا تُكْرَى بُيُوتُهَا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ بِقَتْلِ أَرْبَعَةٍ فَقَتَلَ مِنْهُمُ ابْنَ خَطَلٍ وَمَقِيسَ بْنَ صَبَابَةَ، وَلَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُ أَهْلِهَا، وَلَمْ تُقَسَّمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَصَارَتْ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِ فَيُحْرِمَانِ كَبِقَاعِ الْمَنَاسِكِ.
стр. 1297
إِجَارَتُهَا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَاءِ عِدٍّ كَمِيَاهِ الْعُيُونِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ، وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَعَنْهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ» وَإِذَا فُتِحَتْ صُلْحًا كَانَتْ مِلْكًا لِأَهْلِهَا فَجَازَ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْبَيْعِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " فِيهِ، لِأَنَّ عُمَرَ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارًا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاشْتَرَى مُعَاوِيَةُ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ دَارَيْنِ بِمَكَّةَ إِحْدَاهُمَا: بِسِتِّينَ أَلْفًا، وَالْأُخْرَى بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِنْقَاذِ مَعَ أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَى ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ وَجَعَلَهُ سِجْنًا.
يُؤَيِّدُهُ فِعْلُهُ ذَلِكَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ، وَعَلَى الْمَنْعِ إِنْ سَكَنَ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا يَأْثَمُ بِدَفْعِهَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَعَنْهُ: بَلَى قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ سَاقِطَةٌ يَحْرُمُ بَذْلُهَا، وروى أَنَّ سُفْيَانَ سَكَنَ بَعْضَ رِبَاعِ مَكَّةَ وَهَرَبَ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ أُجْرَةً فَأَدْرَكُوهُ فَأَخَذُوهَا مِنْهُ، وَذُكِرَ ذَلِكَ لِأَحْمَدَ فَتَبَسَّمَ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَعْجَبَهُ.
مَسْأَلَةٌ: الْحُرُمُ كَمَكَّةَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَزَارِعِهَا؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةُ الْأَرْضِ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَاءِ عِدٍّ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِّ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ مَادَّةٌ لَا تَنْقَطِعُ (كَمِيَاهِ الْعُيُونِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ «نَهَى أَنْ يُبَاعَ الْمَاءُ» ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ ﵇: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا
стр. 1298
مَا فِي الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ كَالْمِلْحِ وَالْقَارِ وَالنِّفْطِ، وَلَا مَا نَبَتَ فِي أَرْضِهِ مِنَ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا مَلَكَهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ وَلَا الشَّارِدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ يَجُزْ لِلْمُسْتَأْجِرِ إِتْلَافُهُ إِذِ الْإِجَارَةُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا إِتْلَافُ الْأَعْيَانِ، بَلْ مُشْتَرٍ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ فِي مِلْكِهِ، وَعَنْهُ: يَمْلِكُهُ وَيَجُوزُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ أَرْضِهِ كَالنِّتَاجِ، قَوْلُهُ: وَنَقْعِ الْبِئْرِ؛ أَيِ: الْمَاءِ الْمُنْتَقِعِ فِيهَا (وَلَا مَا فِي الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ كَالْمِلْحِ وَالْقَارِ وَالنِّفْطِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُمُّ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْمَاءِ (وَلَا مَا نَبَتَ فِي أَرْضِهِ مِنَ الْكَلَإِ وَالشَّوْكِ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا مَلِكَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُبَاحِ فَيَمْلِكُهُ آخِذُهُ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ عَدَمَهُ وَخَرَّجَهُ رِوَايَةً مِنْ أَنَّ النَّهْيَ يَمْنَعُ التَّمْلِيكَ، وَجَوَابُهُ أَنَّ تَعَدِّيَهُ لَا يَمْنَعُ تَمَلُّكَهُ، كَمَا لَوْ عَشَّشَ فِي أَرْضِهِ طَائِرٌ، أَوْ دَخَلَ فِيهَا صَيْدٌ، أَوْ نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ سَمَكٍ فَدَخَلَ إِلَيْهِ وَأَخَذَهُ.
(إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَهُ الدُّخُولُ لِرَعْيِ كَلَأٍ وَأَخْذِهِ وَنَحْوِهِ مَا لَمْ يَحُطَّ عَلَيْهَا بِلَا ضَرَرٍ. قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَكَرِهَهُ فِي " التَّعْلِيقِ " وَ " الْوَسِيلَةِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " (وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مِلْكِهِ، فَجَازَ بَيْعُهُ كَسَائِرِ الْخَارِجِ مِنْهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: الْمَنْعُ مِنْهُ قَبْلَ حِيَازَتِهِ فَأَمَّا بَعْدُهَا فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ إِلَّا مَا حَمَلَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ، وَعَلَى ذَلِكَ مَضَتِ الْعَادَةُ فِي الْأَمْصَارِ بِبَيْعِ الْمَاءِ فِي الرَّوَايَا وَالْحَطَبِ وَالْكَلَإِ الْمُحَازَّيْنِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ.
[الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ]
فَصْلٌ (الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ) لِأَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ شَبِيهٌ
стр. 1299
وَلَا الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلَا السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ إِلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْمَعْدُومِ، وَالْمَعْدُومُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ (فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ، وَلَا الشَّارِدِ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» ، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَظْهَرَ، وَالْآبِقُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحُصُولِ وَعَدَمِهِ مَعَ أَنَّ فِيهِ نَهْيًا خَاصًّا، رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ» وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ خَبَرَهُ أَمْ لَا (وَلَا الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ) لِأَنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ يُأْلَفُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْفُنُونِ "، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ، وَأَنْكَرَهُ مَنْ لَمْ يُحَقِّقْ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُ وَبَابُهُ مُغْلَقٌ جَازَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِنَاطَةٌ بِالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَشَرَطَ الْقَاضِي مَعَ ذَلِكَ أَخْذَهُ بِسُهُولَةٍ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِتَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ لَمْ يَجُزْ لِعَجْزِهِ فِي الْحَالِ، وَالْجَهْلِ بِوَقْتِ تَسْلِيمِهِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْغَائِبُ الْبَعِيدُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْبَعِيدَ تُعْلَمُ الْكُلْفَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي إِحْضَارِهِ بِالْعَادَةِ، وَتَأْخِيرُ تَسْلِيمِهِ مُدَّتُهُ مَعْلُومَةٌ (وَلَا السَّمَكِ فِي الْمَاءِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ انْقِطَاعٌ.
стр. 1300
فَصْلٌ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ.
فَإِنِ اشْتَرَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْمُرَادُ بِهِ إِذَا كَانَ فِي الْآجَامِ فَلَوْ كَانَ فِي بِرْكَةٍ مُعِدًّا لِلصَّيْدِ وَعُرِفَ بِرُؤْيَةٍ لِصَفَاءِ الْمَاءِ فِيهَا وَأَمْكَنَ اصْطِيَادُهُ، صَحَّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مُمْكِنٌ تَسْلِيمُهُ، أَشْبَهَ الْمَوْضُوعَ فِي طَسْتٍ، نَعَمْ؛ إِنْ كَانَ فِي أَخْذِهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ خَرَجَ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ الْبِرْكَةَ إِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً وَتَطَاوَلَتِ الْمُدَّةُ فِي أَخْذِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِلْجَهْلِ بِوَقْتِ إِمْكَانِ التَّسْلِيمِ (وَلَا الْمَغْصُوبِ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ (إِلَّا مِنْ غاصِبِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهُ مَعْدُومٌ هُنَا، وَعَلَى الْأَصَحِّ (أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ) لِعَدَمِ الْغَرَرِ وَلِإِمْكَانِ قَبْضِهِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ بَيْعُ آبِقٍ لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ، وَالْأَشْهَرُ الْمَنْعُ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِنْقَاذِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَحَّ لِظَنِّ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّحْصِيلِ.
[السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ]
[جَهَالَةُ الْمَبِيعِ غَرَرٌ]
فَصْلٌ (السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا) عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمَبِيعِ غَرَرٌ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَلَا يَصِحُّ لِذَلِكَ، وَمَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ تَحْصُلُ (بِرُؤْيَةٍ) مُقَارِنَةٍ لَهُ، أَوْ لِبَعْضِهِ إِنْ دَلَّتْ عَلَى بَقِيَّتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَرُؤْيَةُ أَحَدِ وَجْهَيْ ثَوْبٍ خَامٍ يَكْفِي لَا مَنْقُوشٍ، وَلِأَنَّ الرُّؤْيَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تُحَصِّلُ الْعِلْمَ بِحَقِيقَةِ الْمَبِيعِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا عُرِفَ بِلَمْسِهِ أَوْ شَمِّهِ أَوْ ذَوْقِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: وَيَعْرِفُ صِفَةَ الْمَبِيعِ تَقْرِيبًا، فَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ غَيْرِ جَوْهَرِيٍّ جَوْهَرَةً (أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ) عَلَى الْأَصَحِّ كَالصِّفَةِ الَّتِي تَكْفِي فِي السَّلَمِ، لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ، وَالْبَيْعُ يَتَمَيَّزُ بِمَا يَصِفُهُ الْعَاقِدُ، وَالشَّرْعُ قَاضٍ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ، بِدَلِيلِ قَبُولِ قَوْلِهِ: إِنَّهُ مِلْكُهُ، وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَعْلُومٌ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَصَحَّ كَالْحَاضِرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَيْعَ بِالصِّفَةِ مَخْصُوصٌ بِمَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ لَا غَيْرُهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "،
стр. 1301
مَا لَمْ يَرَهْ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، أَوْ رَآهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ، أَوْ ذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا لَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْوَجِيزِ " فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ بَيْعُ أَعْمًى وَشِرَاؤُهُ كَتَوْكِيلِهِ.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْأُنْمُوذَجِ بِأَنْ يُرِيَهُ صَاعًا، وَيَبِيعَهُ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِنْسِهِ، وَقِيلَ: ضَبْطُ الْأُنْمُوذَجِ كَذِكْرِ الصِّفَاتِ، نَقَلَ جَعْفَرٌ فِيمَنْ يَفْتَحُ جِرَابًا، وَيَقُولُ: الْبَاقِي بِصِفَتِهِ إِذَا جَاءَهُ عَلَى صِفَتِهِ لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ.
[حُكْمُ شِرَاءِ مَا لَمْ يَرَهْ]
(فَإِنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، أَوْ رَآهُ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ، أَوْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا لَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَبِيعِ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ) اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَلِأَنَّ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ تَبَايَعَا دَارَيْهِمَا بِالْكُوفَةِ وَالْمَدِينَةِ فَتَحَاكَمَا إِلَى جُبَيْرٍ فَجَعَلَ الْخِيَارَ لِطَلْحَةَ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَصِحُّ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ كَالنِّكَاحِ، وَهَذَا إِذَا ذُكِرَ جِنْسُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهَا (لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ» وَالْخِيَارُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي بَيْعٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ لِلْخَبَرِ، وَقِيلَ: يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ كَخِيَارِهِ وَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْعَقْدِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا، كَمَا لَوِ اخْتَارَ إِمْضَاءَ الْعَقْدِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيِّ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَتَرْكِهِ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا اشْتَرَاهُ بِالصِّفَةِ، ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِ النَّوَى فِي التَّمْرِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَرْعٌ: لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ.
(وَإِنْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ) صَحَّ الْبَيْعُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا قُلْنَا.
стр. 1302
ذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ أَوْ رَآهُ، ثُمَّ عَقَدَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ ظَاهِرًا، صَحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، ثُمَّ إِنْ وَجَدَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَلَا خِيَارَ لَهُ وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تُحَصِّلُ الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِهَا كَالدَّيْنِ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (أَوْ رَآهُ، ثُمَّ عَقَدَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ ظَاهِرًا، صَحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمَا أَشْبَهَ مَا لَوْ شَاهَدَاهُ حَالَ الْعَقْدِ، إِذِ الرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ كَالْمُقَارَنَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَرَاهَا حَالَةَ الْعَقْدِ، إِذِ الرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ كَالْمُقَارَنَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَرَاهَا حَالَةَ الْعَقْدِ، رُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا اعْتُبِرَ وُجُودُهُ حَالَةَ الْعَقْدِ كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهَا تُرَادُ لِتَحَمُّلِ الْعَقْدِ، وَالِاسْتِيثَاقِ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَقَفَا فِي بَيْتٍ مِنَ الدَّارِ، أَوْ طَرَفِ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ، صَحَّ بِلَا خِلَافٍ مَعَ عَدَمِ مُشَاهَدَةِ الْكُلِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الزَّمَنُ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْمَبِيعُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُهُمَا وَلَيْسَ الظَّاهِرُ تَغَيُّرَهُ صَحَّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامُ (ثُمَّ إِنْ وَجَدَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَلَا خِيَارَ لَهُ) وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَقَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِسْحَاقُ، لِأَنَّهُ تَسَلَّمَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ كَالسَّلَمِ (وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، فَلَهُ الْفَسْخُ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي إِلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى مِنْ سَوْمٍ وَنَحْوِهِ لَا بِرُكُوبِهِ الدَّابَّةَ فِي طَرِيقِ الرَّدِّ، وَعَنْهُ: عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الرَّدِّ، فَلَا أَرْشَ فِي الْأَصَحِّ (وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي التَّغَيُّرِ، وَالصِّفَةِ (قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنَ الثَّمَنِ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ الْمَجْدُ: قَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ بِعُمُومِ كَلَامِهِ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْمَبِيعِ هَلْ يَتَحَالَفَانِ، أَوْ قَوْلُ الْبَائِعِ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
١ -
تَنْبِيهٌ: الْبَيْعُ بِالصِّفَةِ نَوْعَانِ: بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، كَبِعْتُكَ عَبْدِي التُّرْكِيَّ، وَيَذْكُرُ صِفَاتِهِ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ عَلَى الْبَائِعِ وَتَلَفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا، وَبَيْعُ مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَبِعْتُكَ عَبْدًا تُرْكِيًّا وَيَسْتَقْصِي صِفَاتَ السَّلَمِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي وَجْهٍ اعْتِبَارًا بِلَفْظِهِ، وَفِي
стр. 1303
وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا فَلَهُ الْفَسْخُ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمُشْتَرِينَ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَمَلِ فِي الْبَطْنِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالْمِسْكِ فِي الْفَأْرِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
آخَرَ: لَا، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ أَحْمَدَ كَالسَّلَمِ الْحَالِ، وَفِي ثَالِثٍ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ مِلْكَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ حُكْمُهُ حُكْمُ السَّلَمِ يُعْتَبَرُ قَبْضُهُ، أَوْ ثَمَنُهُ فِي الْمَجْلِسِ فِي وَجْهٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ حَالٍ أَشْبَهَ بَيْعَ الْمُعَيَّنِ، فَظَاهِرُهُ لَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ ثَمَنِهِ وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ يُعْتَبَرُ، وَهُوَ أَوْلَى لِيَخْرُجَ عَنْ بَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَجَوَّزَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بَيْعَ الصِّفَةِ وَالسَّلَمِ حَالًا إِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَمَلِ فِي الْبَطْنِ) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ» . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمَضَامِينُ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ، وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي الْبُطُونِ وَهِيَ الْأَجِنَّةُ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا تُعْلَمُ صِفَتُهُ وَلَا حَيَاتُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْمَعْدُومِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ بِخِلَافِ الْغَائِبِ، فَإِنْ بِيعَ مَعَ أُمِّهِ دَخَلَ تَبِعًا كَأَسِّ الْحَائِطِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ بَيْعَ حَبَلِ الْحَبَلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى (وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُبَاعَ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ أَشْبَهَ الْحَمَلَ، وَلِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ لَمْ تُخْلَقْ، فَلَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِ مَا تَحْمِلُ هَذِهِ النَّاقَةُ، وَالْعَادَةُ فِيهِ تَخْتَلِفُ، وَأَمَّا لَبَنُ الظِّئْرِ فَإِنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ بَاعَهُ لَبَنًا مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ وَاشْتَرَطَ كَوْنَهُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ أَوِ الْبَقَرَةِ جَازَ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ فِي عشرة أوسق منْ تمر هَذَا الْحَائِطَ (وَالْمِسْكِ فِي الْفَأْرِ) وَهُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ مَسْتُورًا كَالدُّرِّ فِي الصُّدَفِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ وِعَاءٌ لَهُ يَصُونُهُ وَيَحْفَظُهُ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْهَدْيِ "، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ فَتَحَ وَشَاهَدَ مَا فِيهِ جَازَ
стр. 1304
وَلَا الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِشَرْطِ جَزِّهِ فِي الْحَالِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِي هَذَا عَلَى أَنَّكَ مَتَى لَمَسْتَهُ فَهُوَ عَلَيْكَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بَيْعُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ (وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ) لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، وَمِثْلُهُ الْبَيْضُ فِي الدَّجَاجِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ " لَا نَعْلَمُ فِيهِمَا اخْتِلَافًا لِلْجَهَالَةِ وَكَالْفِجْلِ قَبْلَ الْقَلْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ «نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ سَمْنٍ فِي لَبَنٍ» وَلِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ، فَلَمْ يَجُزْ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ كَأَعْضَائِهِ (وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِشَرْطِ جُزْءٍ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ أَشْبَهَ الرَّطْبَةَ فِي الْأَرْضِ، وَفَارَقَ الْأَعْضَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا مَعَ سَلَامَةِ الْحَيَوَانِ فَعَلَيْهَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْجَزِّ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى طَالَ فَحُكْمُ الرَّطْبَةِ عَلَى مَا يَأْتِي.
مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ عَسْبِ الْفَحْلِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ ضِرَابُهُ وَكَذَا إِجَارَتُهُ وَلِابْنِ عَقِيلٍ احْتِمَالٌ بِجَوَازِهَا، لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَالْغَالِبُ حُصُولُ النَّزْوِ فَيَكُونُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، وَمَنَعَ أَحْمَدُ أَنْ يُعْطَى شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ وَحَمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَلَى الْوَرَعِ، وَجَوَّزَ دَفْعَ الْأُجْرَةِ دُونَ أَخْذِهَا، وَكَذَا الدَّفْعُ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ.
[الْبُيُوعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا]
(وَلَا يَجُوزُ) أَيْ: لَا يَصِحُّ (بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِي هَذَا عَلَى أَنَّكَ مَتَى لَمَسْتَهُ فَهُوَ عَلَيْكَ بِكَذَا، أَوْ يَقُولُ: أَيُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا) كَذَا فَسَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ، وَلَا بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ لِلْخَبَرِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ أَيْ: طَرَحْتَهُ إِلَيَّ فَهُوَ عَلَيَّ بِكَذَا لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ» وَالْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ، وَلَا يُقَلِّبُهُ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الْآخَرِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَقْلِيبٍ، فَتَفْسِيرُ أَبِي سَعِيدٍ لِلْمُنَابَذَةِ نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ،
стр. 1305
بِكَذَا، أَوْ يَقُولُ: أَيُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، وَلَا بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ إِلَيَّ فَهُوَ عَلَيَّ بِكَذَا، وَلَا بَيْعُ الْحَصَاةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، أَوْ يَقُولُ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْرَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدٍ، وَلَا شَاةً مِنْ قَطِيعٍ، وَلَا شَجَرَةً مِنْ بُسْتَانٍ، وَلَا هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إِلَّا وَاحِدًا غَيْرَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِذَلِكَ جَعَلَ النَّبْذَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى الْمُنَابَذَةُ: طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَالْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ، وَفِي بَعْضِهَا يَجْتَمِعُ مُفْسِدَانِ: الْجَهَالَةُ، وَالتَّعْلِيقُ عَلَى شَرْطٍ فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ مَا قُلْتَهُ، أَوْ مَا أَنْبِذُهُ إِلَيْكَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مَوْصُوفٍ (وَلَا بَيْعُ الْحَصَاةِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ» وَهَلْ هُوَ فِي الْأَرْضِ، أَوِ الثِّيَابِ؟ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُؤَلِّفُ (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، أَوْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْرَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا) وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ.
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَعْدِنِ وَحِجَارَتِهِ، وَالسَّلَفُ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّهُ غَرَرٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ وَلِلْجَهَالَةِ، وَلَا عَبْدًا (مِنْ عَبِيدٍ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ فَيُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ وَسَوَاءٌ قَلُّوا، أَوْ كَثُرُوا وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّرِيفِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ يَصِحُّ إِنْ تَسَاوَتِ الْقِيمَةُ، وَفِي مُفْرَدَاتِ أَبِي الْوَفَاءِ يَصِحُّ عَبْدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (وَلَا شَاةً مِنْ قَطِيعٍ، وَلَا شَجَرَةً مِنْ بُسْتَانٍ) لِلْجَهَالَةِ (وَلَا هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إِلَّا وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا هَذَا الْقَطِيعَ إِلَّا شَاةً) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ وَيُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ وَكَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ شَاةً مِنَ الْقَطِيعِ تَخْتَارُهَا وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُفْرَدًا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ بَيْعُ السَّوَاقِطِ لِلْأَثَرِ (وَإِنِ اسْتَثْنَى مُعَيَّنًا مِنْ ذَلِكَ) كَقَوْلِهِ: إِلَّا هَذَا الْعَبْدَ، أَوْ إِلَّا فُلَانًا وَهُمَا
стр. 1306
مُعَيَّنٍ، وَلَا هَذَا الْقَطِيعَ إِلَّا شَاةً، إِنِ اسْتَثْنَى مُعَيَّنًا مِنْ ذَلِكَ جَازَ، إِنْ بَاعَهُ قَفِيزًا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَعْرِفَانِهِ (جَازَ) لِأَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ لِكَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومًا فَيَنْتَفِي الْمُفْسِدُ (وَإِنْ بَاعَهُ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ، صَحَّ) وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ " وَزَادَ إِنْ عَلِمَا زِيَادَتَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُرَادٌ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ مِنْ جُمْلَةٍ، فَصَحَّ بَيْعُهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ مِنْهَا جُزْءًا مُشَاعًا، وَشَرَطَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " إِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْأَجْزَاءِ يَحْتَرِزُ بِهِ مِنْ صُبْرَةِ بَقَّالِ الْقَرْيَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهَا مُخْتَلِفَةً، وَقِيلَ: بَلَى فَلَوْ تَلِفَتِ الصُّبْرَةُ إِلَّا قَفِيزًا فَهُوَ الْمَبِيعُ، وَلَوْ فَرَّقَ الْقَفْزَانِ فَبَاعَهُ أَحَدُهُمَا مُبْهَمًا؛ فَاحْتِمَالَانِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الصُّبْرَةُ الْكَوْمَةُ الْمَجْمُوعَةُ مِنَ الطَّعَامِ سُمِّيَتْ صُبْرَةً لِإِفْرَاغِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّحَابِ فَوْقَ السَّحَابِ: صَبِيرٌ وَيُقَالُ: صَبَّرْتُ الْمَتَاعَ إِذَا جَمَعْتَهُ وَضَمَمْتَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
(وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ إِلَّا قَفِيزًا، أَوْ ثَمَرَةَ الشَّجَرَةِ إِلَّا صَاعًا) أَوْ ثَمَرَةَ الْبُسْتَانِ إِلَّا صَاعًا (لَمْ يَصِحَّ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَدَلِيلُهُ الْخَبَرُ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ) لِأَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ» وَهَذِهِ مَعْلُومَةٌ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْوَفَاءِ الْمَذْهَبَ فِي رَطْلٍ مِنَ اللَّحْمِ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فِي آصُعٍ مِنْ بُسْتَانٍ كَاسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ مُشَاعٍ، وَلَوْ فَوْقَ ثُلُثِهَا وَكَمَبِيعِ صُبْرَةٍ بِأَلْفٍ إِلَّا بِقَدْرِ رُبْعِهِ لَا مَا يُسَاوِيهِ لِجَهَالَتِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا اسْتَثْنَى مِنَ الْحَائِطِ شَجَرَةً مُعَيَّنَةً، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ (وَإِنْ
стр. 1307
مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ، صَحَّ. وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ إِلَّا قَفِيزًا، أَوْ ثَمَرَةَ الشَّجَرَةِ إِلَّا صَاعًا لَمْ يَصِحَّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَإِنْ بَاعَهُ أَرْضًا إِلَّا جَرِيبًا، أَوْ جَرِيبًا مِنْ أَرْضٍ يَعْلَمَانِ جُرْبَانها، صَحَّ وَكَانَ مُشَاعًا فِيهَا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ بَاعَهُ حَيَوَانًا مَأْكُولًا إِلَّا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بَاعَهُ أَرْضًا إِلَّا جَرِيبًا، أَوْ) بَاعَهُ (جَرِيبًا مِنْ أَرْضٍ يَعْلَمَانِ جُرْبَانَهَا، صَحَّ) فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ إِذَا كَانَتْ عَشَرَةَ أَجْرِبَةٍ فَفِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُكَ تِسْعَةَ أَعْشَارِ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُكَ عُشْرَهَا (وَكَانَ مُشَاعًا فِيهَا) لِإِشَاعَةِ الْجُزْءِ الْمُبَاعِ (وَإِلَّا) إِذَا لَمْ يَعْلَمَا جُرْبَانَ الْأَرْضِ (لَمْ يَصِحَّ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْأَرْضِ تَخْتَلِفُ، فَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ لَمْ يَصِحَّ لِجَهَالَتِهِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمُ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَيَّنًا، وَلَا مُشَاعًا، وَفِي بَيْعِ خَشَبَةٍ مِنْ سَقْفٍ وَفَصٍّ مِنْ خَاتَمٍ، الْخِلَافُ.
فَرْعٌ: حُكْمُ الثَّوْبِ كَالْأَرْضِ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ نَقَصَهُ الْقَطْعُ فَلَا، لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلَّا بِضَرَرٍ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ نِصْفًا مُعَيَّنًا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ مَعَ الرِّضَى بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْهَا، وَعَيَّنَ الِابْتِدَاءَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الِانْتِهَاءَ لَمْ يَصِحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ بِعْتُكَ نِصْفَ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي تَلِينِي قَالَهُ الْمَجْدُ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ نَصِيبِي أَوْ سَهْمِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَهُمَا يَعْلَمَانِهِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَإِنْ بَاعَهُ حَيَوَانًا مَأْكُولًا إِلَّا رَأْسَهُ وَجِلْدَهُ وَأَطْرَافَهُ، صَحَّ) فِي الْمَنْصُوصِ «لِأَنَّهُ ﵇ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ فَمَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ فَاشْتَرَيَا مِنْهُ شَاةً، وَشَرَطَا لَهُ سَلَبَهَا» رَوَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعْلُومَانِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا وَاسْتَثْنَى مِنْهُ نَخْلَةً مُعَيَّنَةً، وَكَوْنُهُ لَا يَجُوزُ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ اسْتِثْنَائِهِ كَالثَّمَرَةِ قَبْلَ تَأْبِيرِهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ ذَبْحِهَا لَمْ
стр. 1308
رَأْسَهُ وَجِلْدَهُ وَأَطْرَافَهُ، صَحَّ.
وَإِنِ اسْتَثْنَى حَمْلَهُ أَوْ شَحْمَهُ لَمْ يَصِحَّ، وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يُجْبَرْ وَيَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ عَلَى التَّقْرِيبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ الذَّبْحَ، فَإِنِ اشْتَرَطَهُ لَزِمَهُ وَدَفَعَ الْمُسْتَثْنَى؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّسْلِيمُ عَلَيْهِ مُسْتَحَقٌّ وَلِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ بِعَيْبٍ يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمُسْتَثْنَى، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَيَتَوَجَّهُ لَا فسخ له، وَأنَّهُ إِنْ لَمْ يَذْبَحْهُ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ.
[اسْتِثْنَاءُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الصَّفْقَةِ]
(وَإِنِ اسْتَثْنَى حَمْلَهُ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أُمِّهِ، أَوْ حَيَوَانٍ (أَوْ شَحْمَهُ لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولٌ وَقَدْ نُهِيَ عَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ كَيَدِهَا، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ صِحَّتَهُ فِي الْحَمْلِ لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ بَاعَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْعِتْقِ، فَكَذَا هُنَا، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى حَمْلَهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الصِّحَّةِ فِي الْعِتْقِ الصِّحَّةَ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَمْنَعُهُ الْجَهَالَةُ وَلَا الْعَجْزُ عَنِ التَّسْلِيمِ.
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَ أَمَةً حَامِلَةً بِحُرٍّ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مُسْتَثْنًى، وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ، وَجَهَالَةُ الْحَمْلِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَثْنَى بِالشَّرْعِ مَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِاللَّفْظِ، كَمَا لَوْ بَاعَ أَمَةً مُزَوَّجَةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَمَنْفَعَةُ الْبُضْعِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالشَّرْعِ.
مَسْأَلَةٌ: يَصِحُّ بَيْعُ حَيَوَانٍ مَذْبُوحٍ أَوْ لَحْمِهِ أَوْ جِلْدِهِ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " لَا يَصِحُّ بَيْعُ لَحْمٍ فِي جِلْدٍ، أَوْ مَعَهُ اكْتِفَاءً بِرُؤْيَةِ الْجِلْدِ بَلْ مَعَ رُءُوسٍ وَسُمُوطٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي حَيَوَانٍ مَذْبُوحٍ: يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ جِلْدِهِ، كَمَا قَبْلَ الذَّبْحِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَجَوَّزَ بَيْعَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا.
مَسْأَلَةٌ: بَاعَ سِمْسِمًا وَاسْتَثْنَى الْكَسْبَ، أَوِ الشَّيْرَجَ لَمْ يَصِحَّ (وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ) كَالرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ وَلِكَوْنِهِ مِنْ
стр. 1309
مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ وَبَيْعُ الْبَاقِلَاءِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرَتِهِ، وَالْحَبُّ الْمُشْتَدُّ فِي سُنْبُلِهِ.
فَصْلٌ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا ، فَإِنْ بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا، أَوْ بِأَلْفٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً، أَوْ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ، أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ، أَوْ بِدِينَارٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَصْلَحَتِهِ وَيَفْسُدُ بِإِزَالَتِهِ (وَبَيْعُ الْبَاقِلَاءِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ) وَالْفُسْتُقِ (فِي قِشْرَتِهِ) «لِأَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» .
فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَسْتُورَةً بِغَيْرِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُبَاعُ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِحَائِلٍ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ أَشْبَهَ الرُّمَّانَ (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (الْحَبِّ الْمُشْتَدِّ فِي سُنْبُلِهِ) «لِأَنَّهُ ﵇ جَعَلَ الِاشْتِدَادَ غَايَةً لِلْبَيْعِ» وَمَا بَعْدَه الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، فَوَجَبَ زَوَالُ الْمَنْعِ.
[السَّابِعُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا]
فَصْلٌ (السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا) لِأَنَّهُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَاشْتَرَطَ الْعِلْمَ بِهِ كَالْمَبِيعِ وَكَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ يُحْتَمَلُ رَدُّهُ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ مَعْلُومًا لَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ بِهِ (فَإِنْ بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا) هُوَ بِمَعْنَى الْمَرْقُومِ؛ أَيِ: الْمَكْتُوبِ عَلَيْهَا وَهُمَا يَجْهَلَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ (أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً) لِأَنَّ مِقْدَارَ كَلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَلْفِ مَجْهُولٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: بِمِائَةٍ بَعْضُهَا ذَهَبٌ، وَبَنَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى إِسْلَامِ ثَمَنٍ فِي جِنْسَيْنِ، وَصَحَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ إِقْرَارَهُ بِذَلِكَ مُنَاصَفَةً، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ هُنَا مِثْلُهُ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِمِائَةٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا (أَوْ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ) أَيْ: بِمَا يَقِفُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ) هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِ الْمُحَدِّثِ عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِيهِنَّ، وَقِيلَ: يَصِحُّ،
стр. 1310
مُطْلَقٍ، وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ، لَمْ يَصِحَّ. . . فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْدٌ وَاحِدٌ انْصَرَفَ إِلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ صِحَاحًا، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ مُكَسَّرَةً، أَوْ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ كَنِكَاحٍ (أَوْ بِدِينَارٍ مُطْلَقٍ، وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ مَعْلُومٍ حَالَ الْعَقْدِ، وَالْعِلْمُ بِهِ شَرْطٌ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَقْدٌ غَالِبٌ، فَإِنْ كَانَ انْصَرَفَ إِلَيْهِ، وَصَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مُطْلَقًا وَلَهُ الْوَسَطُ، وَعَنْهُ: الْأَدْنَى (فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْدٌ وَاحِدٌ انْصَرَفَ إِلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ بِانْفِرَادِهِ وَعَدَمِ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ كَالْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ بِوَزْنِ صَنْجَةٍ لَا يَعْلَمَانِ وَزْنَهَا وَبِصُبْرَةٍ ثَمَنًا فِي الْأَصَحِّ، وَمِثْلُهُ مَا يَسَعُ هَذَا الْكَيْلَ وَنَصُّهُ: يَصِحُّ بِمَوْضِعٍ فِيهِ كَيْلٌ مَعْرُوفٌ وَبِنَفَقَةِ عَبْدِهِ شَهْرًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فَلَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ عِنْدَ تَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ الثَّمَنِ (وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ صِحَاحًا، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ مُكَسَّرَةً، أَوْ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ عِشْرِينَ نَسِيئَةً لَمْ يَصِحَّ) فِي الْمَنْصُوصِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَمَا فَسَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا عَلَى أَحَدِهِمَا، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ) هَذَا تَخْرِيجٌ لِأَبِي الْخَطَّابِ مِنْ رِوَايَةِ: إِنْ خِطْتَ هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَيَلْحَقُ بِهِ الْبَيْعُ فَيَكُونُ وَجْهًا فِي الصِّحَّةِ وَتَرَدَّدَ الْمُؤَلِّفُ فِيهِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْعَقْدَ، ثُمَّ يُمْكِنُ صِحَّتُهُ لِكَوْنِهِ جَعَالَةً يُحْتَمَلُ فِيهَا الْجَهَالَةُ، وَأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْأُجْرَةَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَقَعَ عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ فَتَعَيَّنَ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ عِوَضًا لَهُ فلا يفضي إِلَى التَّنَازُعِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِيهِمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعِوَضِ فِي
стр. 1311
عِشْرِينَ نَسِيئَةً، لَمْ يَصِحَّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، إِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ، كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَالْقَطِيعَ كُلُّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ، وَالثَّوْبَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ؛ صَحَّ، وإِنْ بَاعَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجَعَالَةِ شَرْطٌ، كَمَا فِي الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ، وَالْقَبُولَ أَيْضًا فِي الْبَيْعِ إِلَّا عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ فَيُعَيَّنُ مَا سُمِّيَ لَهَا، وَفِيهِ شَيْءٌ، إِذِ الْعِلْمُ بِهِ فِي الْجَعَالَةِ لَيْسَ شَرْطًا مُطْلَقًا بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنِي عَلَى قَلْعَةِ كَذَا فَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ (وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَالْقَطِيعَ كُلُّ شَاةٍ بِدِرْهَمِ، وَالثَّوْبَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، صَحَّ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَالثَّمَنَ مَعْلُومٌ لِإِشَارَتِهِ إِلَى مَا يُعْرَفُ مَبْلَغُهُ بِجِهَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْعَدَدُ وَالذرعُ، وَظَاهِرُهُ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا قَدْرَ الصُّبْرَةِ وَالْقَطِيعِ وَالثَّوْبِ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَا رَأْسُ مَالِهِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مُرَابَحَةً لِكُلِّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمٌ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْحِسَابِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ فِي الْحَالِ (وَإِنْ بَاعَهُ مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ) وَكَذَا مَعْطُوفَيْهِ (لَمْ يَصِحَّ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ " وَكَلَّ " لِلْعَدَدِ فَيَكُونُ مَجْهُولًا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ الْكُلُّ لَا الْبَعْضُ فَانْتَفَتِ الْجَهَالَةُ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ الْأَشْبَهُ، كَمَا إِذَا أَجَّرَهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ: " إِذَا بَاعَهُ مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، صَحَّ لِتَسَاوِي أَجْزَائِهَا، بِخِلَافِ مِنَ الدَّارِ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ لِاخْتِلَافِ أَجْزَائِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ كُلَّهَا، وَلَا قَدْرًا مَعْلُومًا بِخِلَافِ: أَجَّرْتُكَ دَارِي كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فَقَطْ لِلْعِلْمِ بِهِ وَبِقِسْطِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ أَزِيدَكَ قَفِيزًا أَوْ أَنْقُصَكَهُ لَمْ يَصِحَّ فَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنْ أَزِيدَكَ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ وَوَصَفَهُ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ بِهَا، صَحَّ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ وَقَفِيزًا مِنَ الْأُخْرَى بِعَشَرَةٍ، فَإِنْ عَلِمَا جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ؛
стр. 1312
مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ؛ لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا؛ لَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
صَحَّ فَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنْ أَنْقُصَكَ مِنْهَا قَفِيزًا صَحَّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَصِحُّ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الصُّبْرَةِ جُزَافًا مَعَ جَهْلِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِقَدْرِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ رُؤْيَةِ بَاطِنِهَا بِخِلَافِ الثَّوْبِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَصِحُّ بَيْعُهَا إِذَا تَسَاوَى مَوْضِعُهَا، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ، وَالْأَكْثَرُونَ لَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ بَلْ إِنْ ظَهَرَ تَحْتَهَا رَبْوَةٌ، أَوْ فِيهَا حَجَرٌ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فِي مِثْلِهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي فَلَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَاطِنَهَا رَدِيئًا؛ نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِابْنِ عَقِيلٍ: احْتِمَالٌ يَرْجِعُ بِمِثْلِ مَا فَاتَ إِذَا أَمْكَنَ، فَإِنْ بَانَ بَاطِنُهَا خَيْرًا مِنْ ظَاهِرِهَا، فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الْبَائِعِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ، وَإِذَا عَلِمَ الْبَائِعُ قَدْرَهَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا جُزَافًا عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ بَيْعُ دُهْنٍ وَنَحْوِهِ فِي ظَرْفٍ مَعَهُ مُوَازَنَةُ كُلِّ رِطْلٍ بِكَذَا مَعَ عِلْمِهَا بِمَبْلَغِهِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ إِنْ عَلِمَا زِنَةَ الظَّرْفِ، وَإِنْ بَاعَهُ كُلَّ رِطْلٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يَزِنَ الظَّرْفَ فَيَحْسِبُ بِوَزْنِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ مَبِيعًا، فَيَصِحُّ إِنْ عَلِمَا مَبْلَغَهُ، وَإِلَّا فَلَا لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ، وَإِنْ بَاعَهُ جُزَافًا بِظَرْفِهِ، أَوْ دُونَهُ صَحَّ، أَوْ بَاعَهُ فِي ظَرْفِهِ كُلَّ رِطْلٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يَطْرَحَ مِنْهُ وَزْنَ الظَّرْفِ، صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
فَرْعٌ: اشْتَرَى سَمْنًا أَوْ زَيْتًا فِي ظَرْفٍ فَوَجَدَ فِيهِ رُبًّا، صَحَّ فِي الْبَاقِي بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَلَهُ الْخِيَارُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُ الرُّبِّ، وَأَلْزَمَهُ شُرَيْحٌ بِقَدْرِهِ سَمْنًا، وَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي) وَمِثْلَهُ بِدِينَارٍ إِلَّا دِرْهَمًا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، لِأَنَّ قِيمَةَ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولَةٌ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْجَهْلِ بِهَا الْجَهْلُ بِالثَّمَنِ، وَالْعِلْمُ بِهِ شَرْطٌ (وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ) مِنَ الْإِقْرَارِ إِذَا اسْتَثْنَى عَيْنًا مِنْ وَرَقٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ (أَنَّهُ يَصِحُّ) فِي الْبَيْعِ
стр. 1313
يَصِحَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ.
فَصْلٌ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَهُوَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ وَلَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ:
أَحَدُهَا: بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا؛ فَلَا يَصِحُّ.
الثَّانِيَةُ: بَاعَ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَسَائِرِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ الصَّحِيحَةِ، فَعَلَى هَذَا تُحْذَفُ قِيمَةُ الْمُسْتَثْنَى، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كُلَّهُ فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ لَمْ يَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاء من غير الجنس الْجِنْسِ، وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْمُنَجَّا تَخْرِيجَ صِحَّةِ الْبَيْعِ مِنَ الْإِقْرَارِ قَالَ: لِأَنَّ الْأَصْحَابَ اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ فَقِيلَ: بِاتِّحَادِ النَّقْدَيْنِ وَكَوْنِهِمَا قِيَمَ الْأَشْيَاءِ وَأُرُوشَ الْجِنَايَاتِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ قِيمَةَ الذَّهَبِ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا اسْتُثْنِيَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ لَمْ يُؤَدِّ الْجَهَالَةَ غَالِبًا، وَعَلَى كِلَيْهِمَا لَا يَجِيءُ صِحَّةُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ لَهُ الْجَهْلُ فِي حَالِ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ حَالَ الْعَقْدِ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَهُ بِالثَّمَنِ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ وَفِيهِ شَيْءٌ.
فَرْعٌ: إِذَا أَسَرَّا ثَمَنًا بِلَا عَقْدٍ، ثُمَّ عَقَدَاهُ بِآخَرَ فَالْأَوَّلُ هُوَ الثَّمَنُ، وَلَوْ عَقَدَاهُ سِرًّا بِثَمَنٍ وَعَلَانِيَةً بِأَكْثَرَ فَكَنِكَاحٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
[فَصْلٌ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ]
ِ الصَّفْقَةُ: الْمَرَّةُ مِنْ صَفَقَ لَهُ بِالْبَيْعَةِ، وَالْبَيْعُ: ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِهِ وَهِيَ عَقْدُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ، وَمَعْنَى تَفْرِيقِهَا أَيْ: تَفْرِيقُ مَا اشْتَرَاهُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَلَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ؛ أَحَدُهَا: بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا) يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ (فَلَا يَصِحُّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْضُهُ مَجْهُولًا يَكُونُ كُلُّهُ كَذَلِكَ، إِذِ الثَّمَنُ يَنْقَسِمُ عَلَى الْمَبِيعِ بِالْقِيمَةِ، وَالْمَجْهُولُ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ، فَلَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ ثَمَنِ الْمَعْلُومِ، فَلَوْ قَالَ: كُلٌّ مِنْهُمَا بِكَذَا فَوَجْهَانِ. بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ اتِّحَادُ
стр. 1314
أَوْ مَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ كَقَفِيزَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَهُمَا، فَيَصِحُّ فِي نَصِيبِهِ بِقِسْطِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إذا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا.
الثَّالِثَةُ: بَاعَ عَبْدَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الصَّفْقَةِ، أَوْ جَهَالَةُ الثَّمَنِ فِي الْحَالِ قُلْتُ: وَكَذَا إِذَا بَاعَهُ بِمِائَةٍ وَرِطْلِ خَمْرٍ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي حَقِّنَا اتِّفَاقًا، وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ بَلْ يَبْقَى الْعَقْدُ بِالْمِائَةِ وَيَبْقَى الرِّطْلُ شَرْطًا فَاسِدًا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " يَتَخَرَّجُ صِحَّةُ الْعَقْدِ فَقَطْ عَلَى رِوَايَةِ (الثَّانِيَةِ: بَاعَ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَعَبْدٍ مُشْتَرِكٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ كَقَفِيزَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَهُمَا، فَيَصِحُّ فِي نَصِيبِهِ بِقِسْطِهِ) مِنَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَهَالَةً فِي الثَّمَنِ لِانْقِسَامِهِ هُنَا عَلَى الْأَجْزَاءِ (فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ لِكَوْنِ الثَّمَنِ مَعْلُومًا وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصُّورَةِ الْأُولَى.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ حَرَامًا وَحَلَالًا فَغَلَبَ الْحَرَامُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُهُمَا فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ بَطَلَتْ فِي الْكُلِّ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ حُكْمٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَفِي " الشَّرْحِ: " هُمَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَأَمَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ هَلْ يَفْسُدُ فِيهِمَا، أَوْ يَصِحُّ فِي الْحُرَّةِ؛؟ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ هُنَا، كَمَا نَقَلَهُ الْمُعَظِّمُ (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ) بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْسَاكِ (إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ وَلِهَذَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي الْمَبِيعِ خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَهُ الْأَرْشُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا وَأَمْسَكَ فِيمَا يَنْقُصُ بِالتَّفْرِيقِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَالِمًا لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ إِقْدَامَهُ عَلَيْهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَى، وَلَا لِلْبَائِعِ أَيْضًا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِقِسْطِهِ (الثَّالِثَةُ: بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ خَلًّا وَخَمْرًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) وَكَذَا فِي " الْكَافِي " (أُولَاهُمَا لَا تَصِحُّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ
стр. 1315
وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ خَلًّا وَخَمْرًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
أُولَاهُمَا: لَا يَصِحُّ.
وَالْأُخْرَى: يَصِحُّ فِي عَبْدِهِ وَفِي الْخَلِّ بِقِسْطِهِ، وَإِنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، إِنْ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَوْ بَيْعٍ وَصَرْفٍ؛
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا فَغَلَبَ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ لِكَوْنِهِ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِالتَّقْسِيطِ عَلَى الْقِيمَةِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ فِي الْحَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالرَّقْمِ الْمَجْهُولِ (وَالْأُخْرَى: يَصِحُّ فِي عَبْدِهِ، وَفِي الْخَلِّ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ حُكْمٌ مُفْرَدٌ، فَإِذَا اجْتَمَعَا بَقِيَا عَلَى حُكْمِهِمَا، كَمَا لَوْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا (بِقِسْطِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُقَابِلُهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ بِالثَّمَنِ، وَالْأَشْهَرُ الْأَوَّلُ، وَالْخَمْرُ قِيلَ: تُقَدَّرُ خَلًّا كَالْحُرِّ عَبْدًا، وَقِيلَ: تعتبر قِيمَتُهَا عِنْدَ مَنْ لَهَا قِيمَةٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ صَاحِبِ " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: إِنْ عَلِمَا بِالْخَمْرِ لَمْ يَصِحَّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لِمُشْتَرِ الْخِيَارِ (وَإِنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ جُمْلَةَ الْمَبِيعِ تُقَابِلُ جُمْلَةَ الثَّمَنِ من غير تَقْسِيط، وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرِكُ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ فَلَا جَهَالَةَ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ كَانَا لِوَاحِدٍ فَعَلَيْهِ يُقَسِّطُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَةِ، وَمِثْلُهُ بَيْعُ عَبْدَيْهِ لِاثْنَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَبْدًا وَاشْتَرَاهُمَا مِنْهُمَا، وَفِيهَا فِي " الْمُنْتَخَبِ " وَجْهٌ عَلَى عَدَدِهِمَا فَيَتَوَجَّهُ فِي غَيْرِهَا، وَمِثْلُهَا فِي الْإِجَارَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَإِنْ جَمَعَ)
стр. 1316
صَحَّ فِيهِمَا وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَيْهِمَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ كِتَابَةٍ وَبَيْعٍ فَكَاتَبَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً وَاحِدَةً؛ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَفِي الْكِتَابَةِ وَجْهَانِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِعِوَضٍ وَاحِدٍ (بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَوْ بَيْعٍ وَصَرْفٍ، صَحَّ فِيهِمَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُمَا عَيْنَانِ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ، فَجَازَ أَخْذُهُ عَنْهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ كَالْعَبْدَيْنِ، وَاخْتِلَافُ حُكْمِهِمَا لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَا فِيهِ شُفْعَةٌ، وَمَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ (وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَيْهِمَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا مُخْتَلِفٌ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَيَبْطُلُ فِيهِمَا، فَإِنَّ الْمَبِيعَ فِيهِ خِيَارٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِ الْبَيْعِ، وَالصَّرْفُ بِخِلَافِهِ، فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَخُلْعٍ؛ صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ نِكَاحٍ وَبَيْعٍ، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ.
وَفِي الْبَيْعِ وَجْهَانِ (وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ كِتَابَةٍ وَبَيْعٍ، فَكَاتَبَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً وَاحِدَةً بَطَلَ الْبَيْعُ) فِي الْأَصَحِّ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَهُ لِعَبْدِهِ الْقِنِّ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ من غير كتابة (وَفِي الْكِتَابَةِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ بَطَلَ فِي بَعْضِهِ فَبَطَلَ فِي كُلِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ وُجِدَ فِي الْبَيْعِ فَاخْتُصَّ بِهِ، وَقِيلَ: نَصُّهُ صِحَّةُ الْبَيْعِ، وَالْكِتَابَةُ وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَى قِيمَتِهِمَا.
стр. 1317
فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ بَعْدَ نِدَائِهَا، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ بَعْدَ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ]
فَصْلٌ (وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ) وَالشِّرَاءُ (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ) وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ وُجِدَ الْقَبُولُ (بَعْدَ نِدَائِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فَنَهَى عَنِ الْبَيْعِ بَعْدَ النِّدَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى فَوَاتِهَا، أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهَا وَكِلَاهُمَا مُحَرَّمٌ، وَحِينَئِذٍ لَمْ يَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ نُهِيَ عَنْهُ لِأَجْلِ عِبَادَةٍ، فَكَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ كَالنِّكَاحِ الْمُحَرَّمِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ ﵇ فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ، وَعَنْهُ: بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي زَادَهُ عُثْمَانُ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَعَنْهُ: أَوِ الْوَقْتِ قَدَّمَهُ فِي " الْمُنْتَخَبِ " وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَ " التَّرْغِيبِ " بِالْوَقْتِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِكُلِّ أَنْوَاعِهِ حَتَّى الْإِقَالَةِ إِنْ قِيلَ: هِيَ بَيْعٌ، وَكَذَا الْإِجَارَةُ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنَّهُ يَعُمُّ الْقَلِيلَ حَتَّى شُرْبَ الْمَاءِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ كَمُضْطَرٍّ إِلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ وَعُرْيَانٍ يَجِدُ سُتْرَةً، وَكَفَنِ مَيِّتٍ وَتَجْهِيزِهِ إِذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ، وَشِرَاءِ أَبِيهِ لِيُعْتِقَ عَلَيْهِ بِشَرْطِهِ، وَمَرْكُوبٍ لِعَاجِزٍ أَوْ ضَرِيرٍ لَا يَجِدُ قَائِدًا عَلَى احْتِمَالٍ لِابْنِ عَقِيلٍ فِيهِ وَقَوْلُهُ: مِمَّنْ تَلْزَمُهُ يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ فِي قَرْيَةٍ لَا جُمْعَةَ عَلَيْهِمُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُخَاطَبِ بِالسَّعْيِ لَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً: (بَلَى) لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ بَعْدَ نِدَاءِ غَيْرِهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: لَا كَهِيَ، وَإِنْ تَضَيَّقَ وَقْتُهَا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ لَا فِيهِ، وَيَحْرُمُ ارْتِكَابُهُ كَمُسَاوَمَةٍ وَمُفَادَاةٍ بَعْدَ نِدَائِهَا.
(وَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ) كَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَاخْتِيَارِ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ (فِي أَصَحِّ
стр. 1318
أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا ، وَلَا بَيْعُ سلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ، وَلَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ مَعَ التَّحْرِيمِ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَقِلُّ وُقُوعُهُ، فَلَا تَكُونُ إِبَاحَتُهُ ذَرِيعَةً إِلَى مَا ذَكَرَ فِي الْبَيْعِ. وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ لَا يُسَاوِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ.
[بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا]
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا) قَطْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَهَذَا مَعُونَةٌ عَلَى الْإِثْمِ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا؛ وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ يُقْصَدُ بِهَا الْمَعْصِيَةُ أَشَبَهَ إِجَارَةَ الْأَمَةِ لِلزِّنَى أَوْ لِلْغِنَاءِ، وَالْمَذْهَبُ إِذَا عُلِمَ؛ أَيْ: تَحَقَّقَ، وَقِيلَ: أَوْ ظَنَّ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ وَشِرَاءَهُ بَاطِلٌ إِجْمَاعًا، وَلَوْ مِنْ وَكِيلٍ لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَلَا بَيْعَ سِلَاحٍ فِي الْفِتْنَةِ) أَيْ: بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْهُ قَالَهُ أَحْمَدُ قَالَ: وَقَدْ يَقْتُلُ بِهِ وَلَا يَقْتُلُ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ ذَرِيعَةٌ لَهُ (وَلَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ) أَوْ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ) فِي الْجَمِيعِ (مَعَ التَّحْرِيمِ) كَمَا لَوْ دَلَّسَ الْعَيْبَ وَقَاسَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا عَلَى الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ إِذْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ مَأْكُولٍ وَمَشْمُومٍ لِمَنْ يَشْرَبُ عَلَيْهِمَا الْمُسْكِرَ، وَأَقْدَاحٍ لِمَنْ يَشْرَبُ بِهَا، وَجَوْزٍ وَبَيْضٍ لِقِمَارٍ وَأَمَةٍ وَأَمْرَدَ لِوَطْءِ دُبُرٍ أَوْ غِنَاءٍ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ جَارِيَةً مُغَنِّيَةً وَصَغِيرًا وَقَدِ احْتَاجَ إِلَى بَيْعِهَا فَقَالَ: يَبِيعُهَا عَلَى أَنَّهَا سَاذِجَةٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِنَقْصِ قِيمَتِهَا.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنِ اسْتِدَامَةِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ صَغَارًا، فَمَنَعَ ابْتِدَاؤُهُ كَالنِّكَاحِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَعَنْهُ: يُؤْمَرُ بِبَيْعِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ، فَإِنْ وَكِلَهُ مُسْلِمٌ فَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ، وَهُوَ وَجْهٌ، وَالْآخَرُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ وَاسِطَةٌ، وَفِي
стр. 1319
لِكَافِرٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، فَيَصِحُّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّيِّ أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ كِتَابَتُهُ. . . وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ.
وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ثَالِثٍ: إِنْ سمى الْمُوَكِّل فِي الْعَقْدِ صَحَّ، وَفِي الْوَاضِحِ إِنْ كَفَرَ بِعِتْقٍ وُكِلَ مَنْ يَشْتَرِيهِ لَهُ وَيُعْتِقُهُ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ) بِالشِّرَاءِ (فَيَصِحُّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى تَحْصِيلِ حُرِّيَّةِ الْمُسْلِمِ، وَالْأُخْرَى لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ ثُبُوتُ مِلْكٍ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يُعْتِقْ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَعِبَارَتُهُ شَامِلَةٌ لِمَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِشِرَائِهِ، وَفِي شُمُولِهَا لِمَنِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ نَظَرٌ (وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّيِّ) سَوَاءٌ كَانَ بِيَدِهِ، أَوْ بِيَدِ مُشْتَرِيهِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ (أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ) بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عِتْقٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَلِأَنَّ فِي إِبْقَائِهِ فِي مِلْكِهِ صَغَارًا لِلْمُسْلِمِ (وَلَيْسَ لَهُ كِتَابَتُهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تُزِيلُ مِلْكَ السَّيِّدِ عَنْهُ بَلْ يَبْقَى إِلَى الْأَدَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (وَقَالَ الْقَاضِي) : وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِعِتْقِهِ، وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ يَدَهُ عَنْهُ أَشْبَهَ إِعْتَاقَهُ لَهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ لِآخَرَ اشْتَرِنِي مِنْ فُلَانٍ فَإِنِّي عَبْدُهُ فَاشْتَرَاهُ فَبَانَ حُرًّا، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعُهْدَةُ حَضَرَ الْبَائِعُ أَوْ غَابَ، كَقَوْلِهِ: اشْتَرِ مِنْهُ عَبْدَهُ هَذَا وَيُؤَدَّبُ هُوَ وَبَائِعُهُ، لَكِنْ مَا أَخَذَهُ الْمُقِرُّ غَرِمَهُ؛ نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَسَأَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ عَنْ رَجُلٍ يُقِرُّ بِالْعُبُودِيَّةِ حَتَّى يُبَاعَ قَالَ: يُؤْخَذُ الْبَائِعُ وَالْمُقِرُّ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ غَابَ أَخَذَ الْآخَرُ بِالثَّمَنِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَإِنْ كَانَ الْغَارُ أُنْثَى حُدَّتْ وَلَا مَهْرَ؛ نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَرَهِنَهُ فَيَتَوَجَّهُ كَبَيْعٍ.
стр. 1320
يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سلعة بِعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ، وَلَا شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ بَاعَ سلعة بِتِسْعَةٍ: عِنْدِي فِيهَا عَشَرَةٌ؛ لِيَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ؟ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ]
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ وَإِفْسَادِ بَيْعِهِ، فَحَرُمَ كَشَتْمِهِ (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لِمَنِ اشْتَرَى سلعة بِعَشَرَةٍ أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ (وَلَا) يَجُوزُ (شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ أَيْضًا فِي مَعْنَى الْخَاطِبِ، وَالْبَيْعُ يَقَعُ عَلَى الشِّرَاءِ وَيُسَمَّى الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي بَيِّعَيْنِ (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ بَاعَ سلعة بِتِسْعَةٍ عِنْدِي فِيهَا عَشَرَةٌ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلشِّرَاءِ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ (لِيَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ) وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ؛ أَيْ: فِي مُدَّةِ الْخِيَارَيْنِ، فَإِذَا انْبَرَمَ، فَلَا (فَإِنْ فَعَلَ) مَا نُهِيَ عَنْهُ (فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ) الثَّانِي؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَفِي " الْبُلْغَةِ " رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى سَمُرَةُ مَرْفُوعًا قَالَ: «أَيَّمَا رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَهُوَ عَامٌ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَبَعْدَهُ، وَالْآخَرُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ أَشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ، وَإِنْ رَدَّهُ أَوْ بَذَلَ لِمُشْتَرٍ بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا فَوَجْهَانِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِلْمُشْتَرِي
стр. 1321
وَجْهَيْنِ.
وَفِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَوَّلِ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِالسِّلْعَةِ وَأَخْذِ الزِّيَادَةِ أَوْ عِوَضِهَا.
فَائِدَةٌ: يَحْرُمُ سَوْمُهُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ الرِّضَى صَرِيحًا، وَقِيلَ: أَوْ ظَاهِرًا، وَقِيلَ: أَوْ تَسَاوَى الْأَمْرَانِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " السَّوْمُ كَالْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَكَذَا سَوْمُ إِجَارَةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا اسْتِئْجَارُهُ عَلَى إِجَارَةِ أَخِيهِ فَكَذَلِكَ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي]
(وَفِي بَيْعِ الْحَاضِرِ) وَهُوَ الْمُقِيمُ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى (لِلْبَادِي) وَهُوَ الْمُقِيمُ فِي الْبَادِيَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَنْ يَدْخُلُ الْبَلَدَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، سَوَاءٌ كَانَ بَدَوِيًّا أَوْ قَرَوِيًّا قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْبُلْغَةِ " لَا رَيْبَ أَنَّهُ بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْقَادِمَ يَبِيعُ سِلْعَتَهُ اشْتَرَاهَا النَّاسُ مِنْهُ بِرُخْصٍ، فَإِذَا تَوَلَّى الْحَاضِرُ بَيْعَهَا فَلَا يَبِيعُهَا إِلَّا بِغَلَاءٍ. فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ عَلَى أَهْلِ الْمُدُنِ (إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ) لِأَنَّ النَّهْيَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَوَجَبَ زَوَالُهُ، أَوْ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنَى في غير الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ (وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَعَلَيْهِ
стр. 1322
بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: أَنْ يَحْضُرَ الْبَادِي لِبَيْعِ سِلْعَتِهِ بِسِعْرِ يَوْمِهَا جَاهِلًا بِسِعْرِهَا، وَيَقْصِدُهُ الْحَاضِرُ، وَيَكُونُ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَيْهَا، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَأَمَّا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَصْحَابُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ ثَبَتَ فِي حَقِّنَا مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِمْ بِهِ وَحِينَئِذٍ فَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى زَوَالِ النَّهْيِ، أَوْ بَقَائِهِ، وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُمَا مُسْتَمِرَّانِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبَقَاءِ (أَنْ يَحْضُرَ الْبَادِي) لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَقْدُمْ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ بَادِيًا (لِبَيْعِ سِلْعَتِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا حَضَرَ لِخَزْنِهَا فَقَصَدَهُ الْحَاضِرُ وَحَضَّهُ عَلَى بَيْعِهَا كَانَ ذَلِكَ تَوْسِعَةً لَا تَضْيِيقًا (بِسِعْرِ يَوْمِهَا) لِأَنَّهُ إِذَا قَصَدَ بَيْعَهَا بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ جِهَتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحَاضِرِ زَادَ بَعْضُهُمْ؛ أَيْ: يَقْصِدُ بَيْعَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا حَالًا لَا نَسِيئَةً (جَاهِلًا بِسِعْرِهَا) لِأَنَّهُ إِذَا عَرَفَهُ لَمْ يَزِدْهُ الْحَاضِرُ عَلَى مَا عِنْدَهُ (وَيَقْصِدُهُ الْحَاضِرُ) لِأَنَّهُ إِذَا قَصَدَهُ الْبَادِي لَمْ يَكُنْ لِلْحَاضِرِ أَثَرٌ فِي عَدَمِ التَّوْسِعَةِ (وَيَكُونُ بِالنَّاسِ) وَفِي ابْنِ الْمُنَجَّا بِالْمُسْلِمِينَ (حَاجَةٌ إِلَيْهَا) لَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ هَذَا الشَّرْطَ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ لَمْ يُوجَدِ الْمَعْنَى الَّذِي نَهَى الشَّرْعُ لِأَجْلِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ رَضُوا بِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَأَبْطَلَهُ الْخِرَقِيُّ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ الْحَاضِرُ قَصَدَ الْبَادِي وَقَدْ جَلَبَ السِّلْعَةَ لِلْبَيْعِ فَيُعَرِّفُهُ السِّعْرَ، وَزَادَ الْقَاضِي الشَّرْطَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَتَبِعَهُ جُلُّ الْأَصْحَابِ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً بِالْبُطْلَانِ، وَإِنْ عَرَفَ الْبَادِي السِّعْرَ وَعَنْهُ أَوْ جَهِلَهُ الْحَاضِرُ، وَعَنْهُ: إِنْ قَصَدَهُ الْحَاضِرُ، أَوْ وَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ لِيَبِيعَهُ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِنَّةً، جَزَمَ بِهَا الْخَلَّالُ.
(فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنَ الْخَمْسَةِ (صَحَّ الْبَيْعُ) وَزَالَ النَّهْيُ؛ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى شُرُوطٍ يَزُولُ بِزَوَالِ أَحَدِهَا.
فَرْعٌ: إِذَا أَشَارَ حَاضِرٌ عَلَى بَادٍ، وَلَمْ يَتَوَلَّ لَهُ بَيْعًا لَمْ يُكْرَهْ، وَيُتَوَجَّهْ إِنِ اسْتَشَارَهُ، وَهُوَ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ لَزِمَهُ بَيَانُهُ لِوُجُوبِ النُّصْحِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْهُ فَفِي وُجُوبِ إِعْلَامِهِ إِنِ اعْتَقَدَ جَهْلَهُ بِهِ نَظَرٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ النُّصْحِ عَلَى اسْتِنْصَاحِهِ وَيَتَوَجَّهُ وُجُوبُهُ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ لَا يُخَالِفُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَأَمَّا شِرَاؤُهُ لَهُ، فَيَصِحُّ؛ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنِ الْبَيْعِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ، وَهُوَ الرِّفْقُ بِأَهْلِ الْحَضَرِ وهذا
стр. 1323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
غير مَوْجُودٌ فِي الشِّرَاءِ لِلْبَادِي، إِذِ الْخَلْقُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ سَوَاءٌ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ لَا يَشْتَرِي لَهُ كَالْبَيْعِ، وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ اللَّيْثُ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَحْرُمُ التَّسْعِيرُ عَلَى النَّاسِ بَلْ يَبِيعُونَ أَمْوَالَهُمْ عَلَى مَا يَخْتَارُونَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَيُكْرَهُ الشِّرَاءُ بِهِ، وَإِنْ هَدَّدَ مَنْ خَالَفَهُ حَرُمَ وَبَطَلَ فِي الْأَصَحِّ وَيَحْرُمُ: بِعْ كَالنَّاسِ فِي الْأَشْهَرِ، وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِلْزَامَهُمُ الْمُعَاوَضَةَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِيهِ.
الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ، وَهُوَ شِرَاءُ الطَّعَامِ مُحْتَكِرًا لَهُ لِلتِّجَارَةِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَيَضِيقُ عَلَيْهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي قُوتٍ آدَمِيٍّ وَعَنْهُ: وَمَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ وَعَنْهُ: أَوْ يَضُرُّهُمُ ادِّخَارُهُ بِشِرَائِهِ فِي ضِيقٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " مِنْ بَلَدِهِ لَا جَالِبًا، وَالْأَوَّلُ نَقَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَيَصِحُّ شِرَاءُ مُحْتَكِرٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " احْتِمَالٌ، وَيُجْبَرُ الْمُحْتَكِرُ عَلَى بَيْعِهِ كَمَا يَبِيعُ النَّاسُ، فَإِنْ أَبَى وَخِيفَ التَّلَفُ فَرَّقَهُ الْإِمَامُ وَيَرُدُّونَ مِثْلَهُ، وَقِيلَ قِيمَتَهُ، وَكَذَا سِلَاحٌ لِحَاجَةٍ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: وَمَنْ ضَمِنَ مَكَانًا لِيَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَحْدَهُ كَرِهَ الشِّرَاءُ مِنْهُ بِلَا حَاجَةٍ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ زِيَادَةٍ بِلَا حَقٍّ قَالَ أَحْمَدُ: اسْتَغْنِ عَنِ النَّاسِ، لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، الْغِنَى مِنَ الْعَافِيَةِ.
стр. 1324
شِرَاؤُهُ لَهُ فَيَصِحُّ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَ مَنْ بَاعَ سلعة بِنَسِيئَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا نَقْدًا ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا، وَإِنِ اشْتَرَاهَا أَبُوهُ، أَوِ ابْنُهُ جَازَ وَإِنْ بَاعَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّالِثَةُ: لَا يُكْرَهُ ادِّخَارُ قُوتِ أَهْلِهِ وَدَوَابِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ جَعْفَرٌ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، وَلَا يَنْوِي التِّجَارَةَ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَضِيقَ.
[مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا نَقْدًا]
(وَمَنْ بَاعَ سلعة بِنَسِيئَةٍ) أَوْ بِثَمَنٍ لَمْ يَقْبِضْهُ، ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا نَقْدًا) وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لِمَا رَوَى غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنِ امْرَأَتِهِ الْعَالِيَةِ قَالَتْ: دَخَلْتُ أَنَا وَأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: إِنِّي بِعْتُ غُلَامًا مِنْ زَيْدٍ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَى الْعَطَاءِ، ثُمَّ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ نَقْدًا فَقَالَتْ لَهَا: بِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ وَبِئْسَمَا شَرَيْتِ، أَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَطَلَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ، وَلَا تَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ إِلَّا تَوْقِيفًا، وَلِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا لِيَسْتَبِيحَ بَيْعَ أَلْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ إِلَى أَجَلٍ، وَالذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الشَّرْعِ بِدَلِيلِ مَنْعِ الْقَاتِلِ مِنَ الْإِرْثِ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى عَتَبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّحَيُّلَ فِي ارْتِكَابِ مَا نُهُوا عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ حَلِّ أَجَلِهِ. نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ، وَقَيَّدَ الشِّرَاءَ بِالنَّقْدِ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ، أَوْ كَانَ بَيْعُهَا الْأَوَّلِ بِعَرْضٍ فَاشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ جَازَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا رِبًا بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِذَا اخْتَلَفَ النَّقْدُ، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّهُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ، وَقَالَ الْأَصْحَابُ يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَاهَا مِنْ غَيْرِ مُشْتَرِيهِ، وَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ كَتَوْكِيلِهِ وَسُمِّيَتْ عِينَةً؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَ السِّلْعَةِ إِلَى أَجَلٍ يَأْخُذُ بَدَلَهَا عِينًا؛ أَيْ: نَقْدًا حَاضِرًا مِنْ فَوْرِهِ، وَرُوِيَ أَنَّ التَّبَايُعَ بِهَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا) كَعَبْدٍ مَرِضَ، أَوْ ثَوْبٍ انْقَطَعَ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الثَّمَنِ لِنَقْصِ الْمَبِيعِ لَا لِلتَّوَسُّلِ إِلَى الرِّبَا وَتَوَقَّفَ فِي رِوَايَةِ مُثَنَّى فِيمَا إِذَا نَقَصَ مِنْ نَفْسِهِ وَحَمْلِهِ فِي الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ نَقْصَهُ أَقَلُّ مِنَ النَّقْصِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ فَتَكُونُ عِلَّةُ الْمَنْعِ بَاقِيَةً، وَكَذَا يَجُوزُ بَعْدَ قَبْضِ ثَمَنِهِ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " (وَإِنِ اشْتَرَاهَا أَبُوهُ أَوِ
стр. 1325
مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا نَسِيئَةً، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِثَمَنِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ نَسِيئَةً؛ لَمْ يَجُزْ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ابْنُهُ) أَوْ غُلَامُهُ وَنَحْوُهُ (جَازَ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْأَجْنَبِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشِّرَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً.
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَ سلعة بِنَقْدٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ نَسِيئَةً فَهِيَ عَكْسُ الْعِينَةِ، وَهِيَ مِثْلُهَا نَقَلَهُ حَرْبٌ إِلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ صِفَتُهَا، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ يَجُوزُ بِلَا حِيلَةٍ، فَلَوِ احْتَاجَ إِلَى نَقْدٍ فَاشْتَرَى مَا يُسَاوِي مِائَةً بِثَمَانِينَ فَلَا بَأْسَ، نَصَّ عَلَيْهِ وَهِيَ مِثْلُ التَّوَرُّقِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ إِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ بَيْعَ الْمَتَاعِ الَّذِي يَشْتَرِي مِنْكَ هُوَ أَهْوَنُ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ بَيْعَهُ فَهِيَ الْعِينَةُ، وَإِنْ بَاعَهُ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ، وَهِيَ الْعِينَةُ نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ بَاعَ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا نَسِيئَةً) كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَطْعُومِ (ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِثَمَنِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ جِنْسِهِ) كَمَا لَوْ بَاعَهُ غَرَارَةَ قَمْحٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا حَلَّ اشْتَرَى بِهَا غَرَارَةَ قَمْحٍ (أَوْ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ نَسِيئَةً) كَمَا لَوِ اشْتَرَى بِثَمَنِ الْقَمْحِ غَرَارَةَ شَعِيرٍ (لَمْ يَجُزِ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَطَاوُسٍ، لِأَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِالرِّبَوِيِّ نَسِيئَةً، وَيَكُونُ الثَّمَنُ الْمُعَوَّضُ عَنْهُ بَيْنَهُمَا كَالْمَعْدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ، وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَجَوَّزَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِحَاجَّةٍ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالَّذِي يَقْوَى عِنْدِي جَوَازُهُ إِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ حِيلَةً، وَلَا قَصَدَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ بن الْحُسَيْنِ وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ الْأَوَّلُ حَيَوَانًا أَوْ ثِيَابًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى مِنَ الْمُشْتَرِي طَعَامًا بِدَرَاهِمَ وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ وَفَاءً، أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ إِلَيْهِ، لَكِنْ قَاصَّهُ جَازَ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
стр. 1326
بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ وَهِيَ ضَرْبَانِ: صَحِيحٌ؛ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: شَرْطُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ كَالتَّقَابُضِ، وَحُلُولِ الثَّمَنِ وَنَحْوِهِ.
الثَّانِي: شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِ صِفَةٍ فِي الثَّمَنِ كَتَأْجِيلِهِ أَوِ الرَّهْنِ أَوِ الضَّمِينِ بِهِ أَوْ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ نَحْوَ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ صَانِعًا أَوْ مُسْلِمًا، وَالْأَمَةِ بِكْرًا، وَالدَّابَّةِ هَمْلَاجَةً، وَالْفَهْدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ الْإِشْهَادُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، إِذِ الْأَمْرُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ قَوْمٌ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ وَاجِبٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَكَالنِّكَاحِ، وَجَوَابُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: صَارَ إِلَى الْأَمَانَةِ، وَفِعْلُهُ ﵇ يُفَسِّرُهُ.
[بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ]
[الشُّرُوطُ الصَّحِيحَةُ فِي الْبَيْعِ]
[الْأَوَّلُ شَرْطُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ]
بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ
وَهِيَ جَمْعُ شَرْطٍ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا هُنَا بِمَا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، وَالْأَوْلَى: هُوَ إِلْزَامُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْآخَرَ بِسَبَبِ الْعَقْدِ مَا لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ.
(وَهِيَ ضَرْبَانِ: صَحِيحٌ) وَهُوَ مَا يُوَافِقُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَفَاسِدٌ وَهُوَ مَا يُنَافِيهِ، وَقُدِّمَ الْكَلَامُ عَلَى الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ لِسَلَامَةِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدَمِ.
(وَهُوَ) أَيِ: الصَّحِيحُ (ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: شَرْطُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ) أَيْ: مَطْلُوبِهِ (كَالتَّقَابُضِ وَحُلُولِ الثَّمَنِ) فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ وَتَأْكِيدٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَنَحْوِهِ) مِثْلَ أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ يَتَصَرَّفَ، أَوْ يَسْقِيَ الثَّمَرَةَ إِلَى الْجِدَادِ. قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ ".
[الثَّانِي شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ]
(الثَّانِي: شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِ صِفَةٍ فِي الثَّمَنِ كَتَأْجِيلِهِ) أَوْ بَعْضِهِ قَالَهُ أَحْمَدُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَالْخِيَارِ (أَوِ الرَّهْنِ أَوِ الضَّمِينِ بِهِ) وَالْمُرَادُ إِذَا كَانَا مُعَيَّنَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ طَلَبُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ لِمَصْلَحَةٍ، وَيَلْزَمُ بِتَسْلِيمِ رَهْنِ الْمُعَيَّنِ إِنْ قِيلَ بِلُزُومٍ بِالْعَقْدِ (أَوْ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ) مَقْصُودَةٍ (نَحْوَ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ صَانِعًا) أَوْ فَحْلًا قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " (أَوْ مُسْلِمًا، وَالْأَمَةِ بِكْرًا) أَوْ حَائِضًا نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَلَيْسَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ يُرْجَى زَوَالُهُ بِخِلَافِ الْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا إِنْ لَمْ تَحِضْ طَبْعًا فَفَقْدُهُ يَمْنَعُ النَّسْلَ، وَإِنْ كَانَ لِكِبَرٍ فَعَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ الثَّمَنَ (وَالدَّابَّةِ هَمْلَاجَةً)
стр. 1327
صَيُودًا؛ فَيَصِحُّ، فَإِنْ وَفَى بِهِ وَإِلَّا فَلِصَاحِبِهِ الْفَسْخُ، وَإِنْ شَرَطَهَا ثَيِّبًا كَافِرَةً فَبَانَتْ بِكْرًا مُسْلِمَةً، فَلَا فَسْخَ لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ قَصْدًا، وَإِنْ شَرَطَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَيْ: مَاشِيَةً، إِذِ الْهَمْلَجَةُ مِشْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَالْفَهْدِ صَيُودًا) وَالْأَرْضُ خَرَاجُهَا كَذَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (فَيَصِحُّ) اشْتِرَاطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ لَفَاتَتِ الْحِكْمَةُ الَّتِي شُرِّعَ لِأَجْلِهَا الْبَيْعُ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵇: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ لِقَوْلِهِ: (فَإِنْ وَفَى بِهِ، وَإِلَّا فَلِصَاحِبِهِ) وَهُوَ الْمُشْتَرِي (الْفَسْخُ) لِأَنَّهُ شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فِيهِ، فَصَارَ مُسْتَحِقًّا، كَمَا لَوْ ظَهَرَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا، فَإِذَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ مَعَ الْإِمْسَاكِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي، وَالْأَكْثَرُ إِلْحَاقًا لَهُ بِالتَّدْلِيسِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي مُحَرِّرِهِ وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ فَلَهُ أَرْشُ فَقْدِ الصِّفَةِ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْعَيْبِ، وَقِيلَ: مَعَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ " هَلْ يَبْطُلُ بَيْعٌ بِبُطْلَانِ رَهْنٍ فِيهِ كَجَهَالَةِ الثَّمَنِ أَمْ لَا كَمَهْرٍ فِي نِكَاحٍ فِيهِ احْتِمَالَانِ (وَإِنْ شَرَطَهَا ثَيِّبًا كَافِرَةً فَبَانَتْ بِكْرًا مُسْلِمَةً فَلَا فَسْخَ لَهُ) لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْغُلَامُ كَاتِبًا، فَإِذَا هُوَ أَيْضًا عَالِمٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اجْتِمَاعَ الْوَصْفَيْنِ، بَلْ مَتَى شَرَطَ أَحَدُهُمَا: فَبَانَ بِخِلَافِهِ كَفَى (وَيُحْتَمَلُ) هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ (أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ قَصْدًا) صَحِيحًا، إِذِ الْمُشْتَرِي قَدْ لَا يُطِيقُ وَطْءَ الْبِكْرِ، وَطَالَبَ الْكَافِرَةَ أَكْثَرَ لِصَلَاحِيَّتِهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَلِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَكْلِيفِهَا بِالْعِبَادَاتِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا شَرَطَهُ كَافِرًا، فَلَمْ يَكُنْ، فَلَا فَسْخَ كَاشْتِرَاطِ الْحُمْقِ وَنَحْوِهِ، فَلَوْ كَانَتْ الصفة غير مَقْصُودَةً، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْأَمَةِ سَبْطَةً فَبَانَتْ جَعْدَةً، أَوْ جَاهِلَةً فَبَانَتْ عَالِمَةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَطَهَا جَعْدَةً فَبَانَتْ سَبْطَةً أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ، وَقَالَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لِأَنَّهُ عَيْبٌ.
تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ شَرْطُ كَوْنِ الشَّاةِ لَبَوْنًا، أَوْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ لَا أَنَّهَا تَحْلِبُ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا
стр. 1328
الطَّائِرَ مُصَوِّتًا، أَوْ أَنَّهُ يَجِيءُ من مسافة مَعْلُومَةً صَحَّ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا فِي الْمَبِيعِ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ حِمْلَانِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، وَكَذَا يَصِحُّ شَرْطُهَا حَامِلًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ كَالصِّنَاعَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَصِحُّ، فَلَوْ شَرَطَهَا حَائِلًا فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ فَسَخَ فِي الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ لَا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ، وَقِيلَ: وَيُفْسَخُ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُهَا لِسَفَرٍ، أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَعَ الْحَمْلِ، فَلَوْ شَرَطَ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ فَهُوَ فَاسِدٌ.
(وَإِنْ شَرَطَ الطَّائِرَ مُصَوِّتًا) أَوْ يَبِيضَ أَوِ الدِّيكَ يُوقِظُهُ لِلصَّلَاةِ (أَوْ أَنَّهُ يَجِيءُ من مسافة مَعْلُومَةً) كَمِصْرَ، وَالشَّامِ (صَحَّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ فِي تَصْوِيتِهِ قَصْدًا صَحِيحًا، وَهُوَ عَادَةٌ فِيهِ كَالْهَمَلَاجَةِ، وَكَذَا مَجِيئُهُ لِنَقْلِ الْأَخْبَارِ وَحَمْلِ الْكُتُبِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَصَارَ كَالْأَجَلِ الْمَجْهُولِ، وَلِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ الْكَبْشُ مُنَاطِحًا، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الطَّائِرِ إِذَا شَرَطَهُ مُصَوِّتًا، وَفِي " الشَّرْحِ " لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الدِّيكِ يُوقِظُهُ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ،
فَرْعٌ: لَوْ أَخْبَرَهُ الْبَائِعُ بِالصِّفَةِ وَصَدَّقَهُ بِلَا شَرْطٍ، فَلَا خِيَارَ لَهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمُصَرَّاةِ، وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
[الثَّالِثُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا فِي الْمَبِيعِ]
(الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا فِي الْمَبِيعِ) عَلَى الْأَصَحِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْوَطْءُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ بِلَا خِلَافٍ وَيَأْتِي وَطْءُ الْمُكَاتَبَةِ (كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ حِمْلَانِ الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ) لِمَا «رَوَى جَابِرٌ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ قَدْ أَعْيَا فَضَرَبَهُ
стр. 1329
الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، أَوْ يَشْتَرِطُ الْمُشْتَرِي نَفْعَ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ كَحَمْلِ الْحَطَبِ وَتَكْسِيرِهِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَتَفْصِيلِهِ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ فِي جَزِّ الرَّطْبَةِ إِنْ شَرَطَهُ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
النَّبِيُّ ﷺ فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسْرِ مِثْلَهُ، فَقَالَ: بِعْنِيهِ فَبِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حِمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ» ، وَهَذِهِ مَعْلُومَةٌ وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ بِتَأَخُّرِ التَّسْلِيمِ فِيهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَصَحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَمَةً مُزَوَّجَةً، أَوْ دَارًا مُؤَجَّرَةً وَنَحْوَهُمَا، وَقِيلَ: يَلْزَمُ تَسْلِيمُهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ لِبَائِعِهِ لِيَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَاحْتَجَّ فِي " التَّعْلِيقِ " وَ " الِانْتِصَارِ "، وَغَيْرِهِمَا بِشِرَاءِ عُثْمَانَ مِنْ صُهَيْبٍ أَرْضًا، وَشَرَطَ وَقْفَهَا عَلَيْهِ وَعَلَى عَقِبِهِ، وَكَحَبْسِهِ عَلَى ثَمَنِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَهُوَ التَّسْلِيمُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ أَحْمَدَ أَنْكَرَ الْخَبَرَ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْوِيًّا فِي مُسْنَدٍ، فَعَلَى الْأُولَى لَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَشْهَرِ، وَلِلْبَائِعِ إِجَارَةُ مَا اسْتَثْنَاهُ وَإِعَارَتُهُ كَعَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ، ثُمَّ إِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي، أَوْ تَفْرِيطِهِ، كَمَا اخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " ضَمَّنَهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ ضمانه مُطْلَقًا وَأَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ إِذَا تَلِفَتِ الْعَيْنُ رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَوْ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي، صَحَّ كَالْمُؤَجَّرَةِ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا (أَوْ يَشْتَرِطُ الْمُشْتَرِي نَفْعَ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ كَحَمْلِ الْحَطَبِ وَتَكْسِيرِهِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَتَفْصِيلِهِ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ اشْتَرَى مِنْ نَبَطِيٍّ جِرْزَةَ حَطَبٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ حَمْلَهَا وَغَايَتُهُ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْعًا وَإِجَارَةً، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا لَا هُمَا. صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَتَكُونُ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ.
فَرْعٌ: إِذَا تَرَاضَيَا بِعِوَضِ النَّفْعِ جَازَ فِي الْأَشْهَرِ، وَهُوَ كَأَجِيرٍ مُشْتَرِكٍ فَإِنْ مَاتَ أَوْ تَلِفَ أَوِ اسْتَحَقَّ، فَلِلْمُشْتَرِي عِوَضُ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ.
стр. 1330
الْبَائِعِ، لَمْ يَصِحَّ فَيَخْرُجُ هَا هُنَا مِثْلَهُ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ فِي جَزِّ الرَّطْبَةِ إِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى مَذْهَبًا؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ الْعَمَلَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ مِلْكِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَخِيطَ لَهُ ثَوْبَ زَيْدٍ إِذَا مَلَكَهُ (فَيَخْرُجُ هَا هُنَا مِثْلَهُ) كَذَا خَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَا مِثْلُهُ فَيُعْطَى حُكْمَهُ، وَكَذَا قَالَهُ الْمَجْدُ تَبَعًا لِصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ "، وَذَكَرَاهُ رِوَايَةً، وَقَالَ الْقَاضِي: لَمْ أَجِدْ بِمَا قَالَ الْخِرَقِيُّ رِوَايَةً فِي الْمَذْهَبِ وَتَرَدَّدَ فِي " الْمُغْنِي " فِي التَّخْرِيجِ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مَا أَشْبَهَهُ مِنِ اشْتِرَاطِ نَفْعِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ الْبُطْلَانُ بِمَا ذَكَرَهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّنَازُعِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يُرِيدُ قَطْعَهَا مِنْ أَعْلَاهَا لِيَبْقَى لَهُ مِنْهَا بَقِيَّةٌ، وَالْمُشْتَرِيَ يُرِيدُ اسْتِقْصَاءَهَا لِيَزِيدَ لَهُ مَا يَأْخُذُهُ، وَهُوَ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: وَالْبَيْعُ لَا يُبْطِلُهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ وَلِيُوَافِقَ الْمَذْهَبَ.
(وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ لَمْ يَصِحَّ) عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَظَاهِرُهُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " سَوَاءٌ كَانَا صَحِيحَيْنِ أَوْ فَاسِدَيْنِ زَاعِمًا أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَمُعْتَمِدًا عَلَى إِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَبَعْدُ فِي " الشَّرْحِ " كَلَامُهُ، وَالْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ فَسَّرَهُمَا بِشَرْطَيْنِ صَحِيحَيْنِ لَيْسَا مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ حُزْمَةَ حَطَبٍ وَيِشْترِطَ عَلَى الْبَائِعِ حَمْلَهَا وَتَكْسِيرَهَا لَا مَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ كَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ، وَلَا مَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَاهُ، وَلَا الشَّرْطَيْنِ الْفَاسِدَيْنِ، إِذِ الْوَاحِدُ كَافٍ فِي بُطْلَانِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّيْخَيْنِ وَصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " وَ " الشَّرْحِ " تَبَعًا لِلْقَاضِي فِي شَرْحِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ " إِنَّ
стр. 1331
فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي: فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ كَسَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ أَوْ غَيْرِهِ، فَهَذَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ وَحْدَهُ.
الثَّانِي: شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَحْوَ أَنْ يُشْرَطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ، أَوْ إِنْ أَعْتَقَ فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْرُطَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهَذَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ فَسَّرَهُمَا بِشَرْطَيْنِ فَاسِدَيْنِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَضَعَّفَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مُؤَثِّرٌ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّعَدُّدِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِيهِ بِخِلَافِ الشَّرْطَيْنِ.
[الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فِي الْبَيْعِ]
[الْأَوَّلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ]
فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: فَاسِدٌ) يَحْرُمُ اشْتِرَاطُهُ (وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ كَسَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ أَوْ غَيْرِهِ فَهَذَا) الشَّرْطُ (يُبْطِلُ الْبَيْعَ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَكَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْمَبِيعَ، نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ إِذَا اشْتَرَاهُ بِكَذَا إِلَى شَهْرِ كُلِّ جُمُعَةٍ دِرْهَمَانِ قَالَ: هَذَا بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي آخَرَ، فَلَمْ يَصِحَّ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ، وَحِكْمَتُهُ إِذَا فَسَدَ الشَّرْطُ وَجَبَ رَدُّ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ وَحْدَهُ) هَذَا رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «اشْتَرِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَصَحَّحَ الشِّرَاءَ مَعَ إِبْطَالِ الشَّرْطِ وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الرِّوَايَتَيْنِ.
[الثَّانِي شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ]
(الثَّانِي: شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَحْوَ أَنْ يَشْرُطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ، أَوْ إِنْ
стр. 1332
بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ، وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ، فَفِي صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ، وَعَنْهُ: فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَعْتَقَ فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْرُطَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَهَذَا) شَرْطٌ (بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ إِطْلَاقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ عَلَى اخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَذَلَ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَةِ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ يَقْتَضِي إِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ، فَالْمَنْعُ مِنْهُ يُؤَدِّي إِلَى تَفْوِيتِ الْغَرَضِ فَيَكُونُ الشَّرْطُ بَاطِلًا (وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْبُلْغَةِ " أَنَصُّهُمَا لَا يَبْطُلُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ ثَابِتٌ، وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا يُعَارِضُهُ، وَالْقَوْلُ بِهِ يَجِبُ، لَا يُقَالُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ؛ أَيْ: عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ لَهَا بِالْإِعْتَاقِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى اشْتِرَاطِهِ، وَلِأَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنَ الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لَهُمُ الْوَلَاءُ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهَا بِمَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَهُ مِنْهَا، وَصِيغَةُ الْأَمْرِ هُنَا لِلتَّسْوِيَةِ نَحْوَ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] وَلِعَوْدِ الشَّرْطِ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِدِ نَحْوَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ فُلَانٌ - يَعْنِي غَيْرَ الْمُشْتَرِي - ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَالثَّانِيَةُ: يَبْطُلُ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَقْدًا آخَرَ، وَكَجَهَالَةِ الثَّمَنِ، فَلَوْ أَسْقَطَ الْفَاسِدَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَعَلَى الصِّحَّةِ لِلْفَائِتِ غَرَضُهُ، وَقِيلَ: لِلْجَاهِلِ - فَسَادُ الشَّرْطِ - الْفَسْخُ، أَوْ أَرْشُ نَقْصِ الثَّمَنِ بِإِلْغَائِهِ، وَقِيلَ: لَا أَرْشَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ فَفِي صِحَّتِهِ) أَيْ: صِحَّةِ الشَّرْطِ (رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " (إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ) صَحَّحَهُ فِي
стр. 1333
عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَمَعْنَاهُ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ فَسَادِ الشَّروطِ، وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا وَنَحْوَهُ فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْبُلْغَةِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " وَهِيَ الْمَذْهَبُ لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ (وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ) لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ لِكَوْنِهِ قُرْبَةً الْتَزَمَهُ الْمُشْتَرِي فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ كَالنَّذْرِ، وَقِيلَ: هُوَ حَقٌّ لِلْبَائِعِ فَيُفْسَخُ، فَإِنْ أَمْضَى، فَلَا أَرْشَ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَإِسْقَاطُهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يُوجِبُ فِعْلَ الْمَشْرُوطِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الرَّهْنَ، أَوِ الضَّمِينَ فَعَلَيْهِ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ لَهُ بِشَرْطِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ، وَقِيلَ: شَرْطُ الْوَقْفِ كَالْعِتْقِ (وَعَنْهُ: فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَمَعْنَاهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ فَسَادِ الشُّرُوطِ) . رَوَى الْمَرُّوذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مَعْنَى حَدِيثِ النَّهْيِ ﷺ لَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، يَعْنِي أَنَّهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ إِيَّاهُ، وَشَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَهُمَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، لَكِنْ نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ عَنْهُ جَوَازَ الْبَيْعِ وَالشَّرْطَيْنِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ فِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ وَلُزُومِهِ رِوَايَتَيْنِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَنْهُ نَحْوَ عِشْرِينَ نَصًّا عَلَى صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ الْوَطْءُ لِنَقْصِ الْمِلْكِ، وَسَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَمَّنِ اشْتَرَى أَمَةً بِشَرْطِ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا لَا لِلْخِدْمَةِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَحَمَلَ الْقَاضِي قَوْلَ أَحْمَدَ لَا يَقْرَبُهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَعِنْدِي أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ لِمَكَانِ الْخِلَافِ فِي الْعَقْدِ (وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا) كَالْخَمْرِ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ، عند الِاسْتِيفَاء إِذَا لَمْ يُمْكِنْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ، فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ (وَنَحْوَهُ) كَخِيَارٍ أَوْ أَجَلٍ مَجْهُولَيْنِ (فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا
стр. 1334
وَجْهَيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ إِنْ رَضِيَ فُلَانٌ، أَوْ يَقُولُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكِ فِي مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَلَا الشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ إِلَّا بَيْعَ الْعُرْبُونِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا وَيُعْطِيَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا، وَيَقُولَ: إِنْ أَخَذْتُهُ، وَإِلَّا فَالدِّرْهَمُ لَكَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَالْمَنْصُوصُ صِحَّتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
[الثَّالِثُ أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ]
(الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ إِنْ رَضِيَ فُلَانٌ) فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَقْلُ الْمِلْكِ حَالَ التَّبَايُعِ، وَالشَّرْطُ هُنَا يَمْنَعُهُ، وَعَنْهُ: صِحَّةُ عَقْدِهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ: صِحَّتُهُمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي كُلِّ الْعُقُودِ الَّتِي لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعَ؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْمُنْجَزَ وَالْمُعَلَّقَ وَالصَّرِيحَ وَالْكِنَايَةَ كَالنَّذْرِ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ: بِعْتُ، أَوْ قَبِلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ يَقُولُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ فِي مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا الشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ) لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَفَسَّرَهُ أَحْمَدُ بِذَلِكَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَالْأُولَى، وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ (إِلَّا بَيْعَ الْعُرْبُونِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا) بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ (وَيُعْطِيَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا) أَوْ أَكْثَرَ (وَيَقُولَ: إِنْ أَخَذْتُهُ) احْتَسَبَ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ آخُذْهُ (فَالدِّرْهَمُ لَكَ فَقَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ) لِمَا رَوَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ اشْتَرَى لِعُمَرَ دَارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ، وَإِلَّا لَهُ كَذَا وَكَذَا، فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ دِرْهَمًا قَبِلَ الْبَيْعَ، وَقَالَ: لَا تَبِعْهُ لِغَيْرِي، وَإِنْ لَمْ أَشْتَرِهَا مِنْكَ فَهُوَ لَكَ، ثُمَّ عَقَدَ وَحَسَبَ مِنَ الثَّمَنِ جَازَ، وَحَمَلَ فِي " الشَّرْحِ " فِعْلَ عُمَرَ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ فِعْلِهِ وَالْخَبَرِ وَمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ) لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِهِ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ
стр. 1335
فَعَلَهُ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثٍ، وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَاعَهُ وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِلْبَائِعِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخِيَارِ الْمَجْهُولِ، وَفِي " الْمُغْنِي " هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: حُكْمُ إِجَارَتِهِ كَالْبَيْعِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ ".
الثَّانِيَةُ: تعتبر مُقَارَنَةُ الشَّرْطِ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ.
الثَّالِثَةُ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ فَسْخٍ بِشَرْطٍ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ: لَا. قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِيمَا إِذَا آجَرَهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ إِذَا مَضَى شَهْرٌ، فَقَدْ فَسَخْتُهَا أَنَّهُ يَصِحُّ كَتَعْلِيقِ الْخَلْعِ، وَهُوَ فَسْخٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا صَحَّحْنَا الْعَقْدَ دُونَ الشَّرْطِ فَلِمَنْ فَاتَ غَرَضُهُ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: لِلْجَاهِلِ - فَسَادَ الشَّرْطِ - الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ، أَوْ أَرْشُ نَقْصِ الثَّمَنِ بِإِلْغَائِهِ كَالْمَعِيبِ، وَقِيلَ: لَا أَرْشَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
(وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثٍ) زَادَ فِي " الشَّرْحِ " أَوْ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ (وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ وَخَصَّهُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ رَفْعَ الْعَقْدِ بِأَمْرٍ يَحْدُثُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَجَازَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ، فَجَازَ أَنْ يَفْسَخَ بِتَأَخُّرِ الْقَبْضِ كَالصَّرْفِ، فَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ فِي الْمُدَّةِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ بِفَوَاتِهِ.
(وَإِنْ بَاعَهُ، وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ) أَوْ مِنْ عَيْبِ كَذَا إِنْ كَانَ بِهِ (لَمْ يَبْرَأْ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ يَثْبُتُ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلَا يَسْقُطُ قَبْلَهُ كَالشُّفْعَةِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمْعٌ، أَوْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَرْتَفِقُ بِهِ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ، فَلَا يَصِحُّ شَرْطُهُ كَالْأَجَلِ الْمَجْهُولِ
следующие страницы →