← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي: فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ كَسَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ أَوْ غَيْرِهِ، فَهَذَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ وَحْدَهُ. الثَّانِي: شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَحْوَ أَنْ يُشْرَطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ، أَوْ إِنْ أَعْتَقَ فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْرُطَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهَذَا ــ [المبدع في شرح المقنع] مَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ فَسَّرَهُمَا بِشَرْطَيْنِ فَاسِدَيْنِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَضَعَّفَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مُؤَثِّرٌ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّعَدُّدِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِيهِ بِخِلَافِ الشَّرْطَيْنِ. [الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فِي الْبَيْعِ] [الْأَوَّلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ] فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: فَاسِدٌ) يَحْرُمُ اشْتِرَاطُهُ (وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ كَسَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ أَوْ غَيْرِهِ فَهَذَا) الشَّرْطُ (يُبْطِلُ الْبَيْعَ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَكَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْمَبِيعَ، نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ إِذَا اشْتَرَاهُ بِكَذَا إِلَى شَهْرِ كُلِّ جُمُعَةٍ دِرْهَمَانِ قَالَ: هَذَا بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي آخَرَ، فَلَمْ يَصِحَّ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ، وَحِكْمَتُهُ إِذَا فَسَدَ الشَّرْطُ وَجَبَ رَدُّ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ وَحْدَهُ) هَذَا رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «اشْتَرِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَصَحَّحَ الشِّرَاءَ مَعَ إِبْطَالِ الشَّرْطِ وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الرِّوَايَتَيْنِ. [الثَّانِي شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ] (الثَّانِي: شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَحْوَ أَنْ يَشْرُطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ، أَوْ إِنْ

стр. 1332

بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ، وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ، فَفِي صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ، وَعَنْهُ: فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَعْتَقَ فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْرُطَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَهَذَا) شَرْطٌ (بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ إِطْلَاقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ عَلَى اخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَذَلَ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَةِ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ يَقْتَضِي إِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ، فَالْمَنْعُ مِنْهُ يُؤَدِّي إِلَى تَفْوِيتِ الْغَرَضِ فَيَكُونُ الشَّرْطُ بَاطِلًا (وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْبُلْغَةِ " أَنَصُّهُمَا لَا يَبْطُلُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ ثَابِتٌ، وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا يُعَارِضُهُ، وَالْقَوْلُ بِهِ يَجِبُ، لَا يُقَالُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ؛ أَيْ: عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ لَهَا بِالْإِعْتَاقِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى اشْتِرَاطِهِ، وَلِأَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنَ الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لَهُمُ الْوَلَاءُ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهَا بِمَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَهُ مِنْهَا، وَصِيغَةُ الْأَمْرِ هُنَا لِلتَّسْوِيَةِ نَحْوَ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] وَلِعَوْدِ الشَّرْطِ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِدِ نَحْوَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ فُلَانٌ - يَعْنِي غَيْرَ الْمُشْتَرِي - ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَالثَّانِيَةُ: يَبْطُلُ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَقْدًا آخَرَ، وَكَجَهَالَةِ الثَّمَنِ، فَلَوْ أَسْقَطَ الْفَاسِدَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَعَلَى الصِّحَّةِ لِلْفَائِتِ غَرَضُهُ، وَقِيلَ: لِلْجَاهِلِ - فَسَادُ الشَّرْطِ - الْفَسْخُ، أَوْ أَرْشُ نَقْصِ الثَّمَنِ بِإِلْغَائِهِ، وَقِيلَ: لَا أَرْشَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ فَفِي صِحَّتِهِ) أَيْ: صِحَّةِ الشَّرْطِ (رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " (إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ) صَحَّحَهُ فِي

стр. 1333

عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَمَعْنَاهُ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ فَسَادِ الشَّروطِ، وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا وَنَحْوَهُ فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] " الْبُلْغَةِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " وَهِيَ الْمَذْهَبُ لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ (وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ) لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ لِكَوْنِهِ قُرْبَةً الْتَزَمَهُ الْمُشْتَرِي فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ كَالنَّذْرِ، وَقِيلَ: هُوَ حَقٌّ لِلْبَائِعِ فَيُفْسَخُ، فَإِنْ أَمْضَى، فَلَا أَرْشَ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَإِسْقَاطُهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يُوجِبُ فِعْلَ الْمَشْرُوطِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الرَّهْنَ، أَوِ الضَّمِينَ فَعَلَيْهِ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ لَهُ بِشَرْطِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ، وَقِيلَ: شَرْطُ الْوَقْفِ كَالْعِتْقِ (وَعَنْهُ: فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَمَعْنَاهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ فَسَادِ الشُّرُوطِ) . رَوَى الْمَرُّوذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مَعْنَى حَدِيثِ النَّهْيِ ﷺ لَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، يَعْنِي أَنَّهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ إِيَّاهُ، وَشَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَهُمَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، لَكِنْ نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ عَنْهُ جَوَازَ الْبَيْعِ وَالشَّرْطَيْنِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ فِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ وَلُزُومِهِ رِوَايَتَيْنِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَنْهُ نَحْوَ عِشْرِينَ نَصًّا عَلَى صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ الْوَطْءُ لِنَقْصِ الْمِلْكِ، وَسَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَمَّنِ اشْتَرَى أَمَةً بِشَرْطِ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا لَا لِلْخِدْمَةِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَحَمَلَ الْقَاضِي قَوْلَ أَحْمَدَ لَا يَقْرَبُهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَعِنْدِي أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ لِمَكَانِ الْخِلَافِ فِي الْعَقْدِ (وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا) كَالْخَمْرِ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ، عند الِاسْتِيفَاء إِذَا لَمْ يُمْكِنْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ، فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ (وَنَحْوَهُ) كَخِيَارٍ أَوْ أَجَلٍ مَجْهُولَيْنِ (فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا

стр. 1334

وَجْهَيْنِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ إِنْ رَضِيَ فُلَانٌ، أَوْ يَقُولُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكِ فِي مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَلَا الشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ إِلَّا بَيْعَ الْعُرْبُونِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا وَيُعْطِيَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا، وَيَقُولَ: إِنْ أَخَذْتُهُ، وَإِلَّا فَالدِّرْهَمُ لَكَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ــ [المبدع في شرح المقنع] فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَالْمَنْصُوصُ صِحَّتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. [الثَّالِثُ أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ] (الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ إِنْ رَضِيَ فُلَانٌ) فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَقْلُ الْمِلْكِ حَالَ التَّبَايُعِ، وَالشَّرْطُ هُنَا يَمْنَعُهُ، وَعَنْهُ: صِحَّةُ عَقْدِهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ: صِحَّتُهُمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي كُلِّ الْعُقُودِ الَّتِي لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعَ؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْمُنْجَزَ وَالْمُعَلَّقَ وَالصَّرِيحَ وَالْكِنَايَةَ كَالنَّذْرِ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ: بِعْتُ، أَوْ قَبِلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ يَقُولُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ فِي مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا الشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ) لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَفَسَّرَهُ أَحْمَدُ بِذَلِكَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَالْأُولَى، وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ (إِلَّا بَيْعَ الْعُرْبُونِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا) بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ (وَيُعْطِيَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا) أَوْ أَكْثَرَ (وَيَقُولَ: إِنْ أَخَذْتُهُ) احْتَسَبَ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ آخُذْهُ (فَالدِّرْهَمُ لَكَ فَقَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ) لِمَا رَوَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ اشْتَرَى لِعُمَرَ دَارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ، وَإِلَّا لَهُ كَذَا وَكَذَا، فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ دِرْهَمًا قَبِلَ الْبَيْعَ، وَقَالَ: لَا تَبِعْهُ لِغَيْرِي، وَإِنْ لَمْ أَشْتَرِهَا مِنْكَ فَهُوَ لَكَ، ثُمَّ عَقَدَ وَحَسَبَ مِنَ الثَّمَنِ جَازَ، وَحَمَلَ فِي " الشَّرْحِ " فِعْلَ عُمَرَ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ فِعْلِهِ وَالْخَبَرِ وَمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ) لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِهِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ

стр. 1335

فَعَلَهُ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثٍ، وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَاعَهُ وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ ــ [المبدع في شرح المقنع] لِلْبَائِعِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخِيَارِ الْمَجْهُولِ، وَفِي " الْمُغْنِي " هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ. مَسَائِلُ: الْأُولَى: حُكْمُ إِجَارَتِهِ كَالْبَيْعِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ ". الثَّانِيَةُ: تعتبر مُقَارَنَةُ الشَّرْطِ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ. الثَّالِثَةُ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ فَسْخٍ بِشَرْطٍ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ: لَا. قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِيمَا إِذَا آجَرَهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ إِذَا مَضَى شَهْرٌ، فَقَدْ فَسَخْتُهَا أَنَّهُ يَصِحُّ كَتَعْلِيقِ الْخَلْعِ، وَهُوَ فَسْخٌ عَلَى الْأَصَحِّ. الرَّابِعَةُ: إِذَا صَحَّحْنَا الْعَقْدَ دُونَ الشَّرْطِ فَلِمَنْ فَاتَ غَرَضُهُ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: لِلْجَاهِلِ - فَسَادَ الشَّرْطِ - الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ، أَوْ أَرْشُ نَقْصِ الثَّمَنِ بِإِلْغَائِهِ كَالْمَعِيبِ، وَقِيلَ: لَا أَرْشَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. (وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثٍ) زَادَ فِي " الشَّرْحِ " أَوْ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ (وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ وَخَصَّهُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ رَفْعَ الْعَقْدِ بِأَمْرٍ يَحْدُثُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَجَازَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ، فَجَازَ أَنْ يَفْسَخَ بِتَأَخُّرِ الْقَبْضِ كَالصَّرْفِ، فَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ فِي الْمُدَّةِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ بِفَوَاتِهِ. (وَإِنْ بَاعَهُ، وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ) أَوْ مِنْ عَيْبِ كَذَا إِنْ كَانَ بِهِ (لَمْ يَبْرَأْ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ يَثْبُتُ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلَا يَسْقُطُ قَبْلَهُ كَالشُّفْعَةِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمْعٌ، أَوْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَرْتَفِقُ بِهِ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ، فَلَا يَصِحُّ شَرْطُهُ كَالْأَجَلِ الْمَجْهُولِ

стр. 1336

عَيْبٍ لَمْ يَبْرَأْ، وَعَنْهُ: يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْعَيْبَ فَكَتَمَهُ. فَصْلٌ وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَعَنْهُ: ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَعَنْهُ: يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْعَيْبَ فَكَتَمَهُ) وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ مَعَ الْجَهْلِ لَا الْعِلْمَ بِهِ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ عَبْدًا مِنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ، فَأَصَابَ بِهِ زَيْدٌ عَيْبًا فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ فَتَرَافَعَا إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ أَتَحْلِفُ أَنَّكَ لَمْ تَعْلَمْ بِهَذَا الْعَيْبِ؟ فَقَالَ لَا، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَاعَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ، وَلَمْ تُنْكَرْ فَكَانَتْ كَالْإِجْمَاعِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: إِنْ عَيَّنَهُ صَحَّ، وَمَعْنَاهُ نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ: لَا يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْعُيُوبِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ مُرْفَقٌ فِي الْبَيْعِ كَالْخِيَارِ، وَعَنْهُ: يَبْرَأُ مُطْلَقًا قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ ": وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِنَا كَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ، وَحَيْثُ قِيلَ بِفَسَادِ الشَّرْطِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ. فَإِنْ سَمَّى الْعَيْبَ وَأَبْرَأَهُ مِنْهُ؛ صَحَّ. [الحكم لو بَاعَهُ أَرْضًا عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فَبَانَتْ أَنَّهَا أَحَدَ عَشَرَ] فَصْلٌ (وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا) وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَرْضًا، وَهُوَ أَحْسَنُ، أَوْ ثَوْبًا (عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ) جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِجْبَارُ الْبَائِعِ عَلَى تَسْلِيمِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَاعَهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَلَا الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَى الْكُلَّ، وَعَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الشَّرِكَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "،

стр. 1337

أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ، وإن اتفقا عَلَى إِمْضَائِهِ جَازَ، وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَالنَّقْصُ عَلَى الْبَائِعِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ جَازَ. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْبَيْعِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " (وَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهَا (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ) دَفْعًا لِضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ مَا لَمْ يُعْطِهِ الزَّائِدَ مَجَّانًا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، وَإِنْ أَبَى ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْأَخْذِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَقِسْطِ الزَّائِدِ، فَإِنْ رَضِيَ بِالْأَخْذِ، وَالْبَائِعُ شَرِيكٌ لَهُ بِالزَّائِدِ، فَهَلْ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الْمُشَارَكَةِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِبَيْعِ الْجَمِيعِ بِهَذَا الثَّمَنِ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ جُزْءٍ لَهُ فِيهِ كَانَ زِيَادَةً (وإن اتفقا عَلَى إِمْضَائِهِ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ (وَالنَّقْصُ عَلَى الْبَائِعِ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالْبَيْعِ وَلَا خِيَارَ لَهُ؛ إِذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ) لِنَقْصِهِ (وَأَخَذَ الْمَبِيعَ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ يُقَسِّطُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ، فَإِذَا فَاتَ جُزْءٌ اسْتَحَقَّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الثَّمَنِ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِقِسْطِهِ فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ الرِّضَا وَالْفَسْخِ، فَإِنْ بَذَلَ الْمُشْتَرِي كُلَّ الثَّمَنِ لَمْ يَمْلُكِ الْفَسْخَ أَشْبَهَ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ مَعِيبًا فَرَضِيَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ (وإن اتفقا عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ جَازَ) لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْمُعَاوَضَةِ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّرَاضِيَ مِنْهَا.

стр. 1338

بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا: خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ، وَالصُّلْحُ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَرْعٌ: إِذَا بَاعَهُ صُبْرَةً عَلَى أَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْفِزَةٍ فَبَانَتْ سِتَّةً رَدَّ الزَّائِدَ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ إِذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي رَدِّ الزَّائِدِ، وَإِنْ بَانَتْ أَقَلَّ أَخَذَهَا بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْقَدْرِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الْبَاقِي مِنَ الْمَكِيلِ، وَقِيلَ: بَلَى لِنُقْصَانِهَا وَكَغَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ] [أَقْسَامُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ] [الْأَوَّلُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ] بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ الْخِيَارُ: اسْمُ مَصْدَرٍ مِنِ اخْتَارَ يَخْتَارُ اخْتِيَارًا، وَهُوَ طَلَبُ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ إِمْضَائِهِ أَوِ الْفَسْخِ. (وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ) وَسَيَأْتِي (أَحَدُهَا: خِيَارُ الْمَجْلِسِ) وَهُوَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - مَوْضِعُ الْجُلُوسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَكَانُ التَّبَايُعِ (وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ لِلْحَدِيثِ مَعَ رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَدْرِي هَلْ مَالِكٌ اتَّهَمَ نَفْسَهُ، أَوْ نَافِعًا وَأُعْظِمُ أَنْ أَقُولَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ انْتَهَى. وَاعْتِرَاضُ الْمَالِكِيِّ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَدْفُوعٌ بِمُخَالَفَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، فَإِنْ قِيلَ: هُوَ خَبَرُ آحَادٍ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ فَإِنَّهُ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَجَابِرٍ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِهِ كَالنِّكَاحِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّفَرُّقِ فِي الْخَبَرِ التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤]

стр. 1339

بِمَعْنَاهُ، وَالْإِجَارَةِ وَيَثْبُتُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، وَعَنْهُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِمَا، وَلَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ إِلَّا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَالسَّبَقِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَلِكُلِّ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَلِقَوْلِهِ ﵇: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي» الْخَبَرَ، فَالْجَوَابُ بِأَنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقَسِمُ إِلَى بَيْعِ شَرْطٍ فِيهِ الْخِيَارُ، وَبَيْعٍ لَمْ يَشْرُطْ فِيهِ وَسَمَّاهُ صَفْقَةً لِقِصَرِ مُدَّةِ الْخِيَارِ مَعَ أَنَّ الْجُوزَجَانِيَّ رَوَى عَنْهُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ سَلِمَ فَقَدْ خَالَفَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَالْقِيَاسُ مَدْفُوعٌ، فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ تَرَوٍّ وَنَظَرٍ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِذْهَابِ حُرْمَةِ الْمَرْأَةِ وَرَدِّهَا وَإِلْحَاقِهَا بِالسِّلَعِ الْمَبِيعَةِ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بِقَوْلٍ وَلَا اعْتِقَادٍ، وَلِأَنَّهُ تَبْطُلُ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُمَا الْخِيَارَ بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا، وَفَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأَنَّهُ كَانَ يَمْشِي خُطُوَاتٍ لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، وَالْهِبَةُ بِعِوَضٍ؛ إِذِ الْمُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الْبَيْعِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَالْقِسْمَةُ إِنْ قِيلَ هِيَ بَيْعٌ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْكِتَابَةُ، وَمَا تَوَلَّاهُ وَاحِدٌ كَالْأَبِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا فِي شِرَاءِ مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ عِتْقَهُ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رِوَايَةٌ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ مَجْلِسٍ فِي بَيْعٍ وَعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ (وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ) أَيْ: بِمَعْنَى الْبَيْعِ، كَمَا إِذَا أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَنْهُ بِعِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ (وَالْإِجَارَةِ) لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَثْبُتُ فِيهَا كَالْبَيْعِ، وَقِيلَ: لَا تَلِي مُدَّتُهَا الْعَقْدَ (وَيَثْبُتُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ الْقَبْضُ، وَهُوَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ (وَعَنْهُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِمَا) كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبْضِ فِي الْحَالِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْعَلَقَةِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ يُنَافِيهِ (وَلَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ) أَيْ: بَاقِي (الْعُقُودِ) سَوَاءٌ كَانَ لَازِمًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَالنِّكَاحِ وَالْخَلْعِ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ مِنْهُ الْفِرْقَةَ كَالطَّلَاقِ، وَكَذَا الْقَرْضُ وَالْوَقْفُ وَالضَّمَانُ وَالْهِبَةُ الْخَالِيَةُ عَنْ عِوَضٍ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ دَخَلَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْحَظَّ لِغَيْرِهِ، أَوْ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ فِيهِ لَبَقِيَ الْحَقُّ بِلَا رَهْنٍ فَيَضُرُّ بِالْمُرْتَهِنِ، أَوْ جَائِزًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَالْوِكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْجَعَالَةِ، وَأَمَّا الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ الْجَوَازِ وَاللُّزُومِ فَقَالَ (إِلَّا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَالسَّبَقِ فِي أَحَدِ

стр. 1340

وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فِي أَبْدَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْوَجْهَيْنِ) إِذِ الْمُسَاقَاةُ وَالسَّبَقُ إِجَارَةٌ فِي وَجْهٍ، وَالْحَوَالَةُ بَيْعٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، وَالْحَوَالَةُ إِمَّا إِسْقَاطٌ، أَوْ عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ، وَالسَّبَقُ جَعَالَةٌ. وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا) عُرْفًا، وَلَوْ طَالَ الْمَجْلِسُ بِنَوْمٍ، أَوْ تَسَاوَقَا بِالْمَشْيِ، أَوْ فِي سَفِينَةٍ، وَلِهَذَا لَوْ أَقْبَضَهُ فِي الصَّرْفِ، وَقَالَ أَمْشِي مَعَكَ حَتَّى أُعْطِيَكَ، وَلَمْ يَفْتَرِقَا جَازَ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَهُوَ شَامِلٌ إِذَا حَصَلَتِ الْفُرْقَةُ بِهَرَبٍ كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ تَحْرُمُ الْفُرْقَةُ خَشْيَةَ الاستقالة لظاهر خَبَرِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَهُ أَحْمَدُ، أَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَوْ جَهْلٍ، وَكَذَا بِإِكْرَاهٍ فِي وَجْهٍ، إِذِ الرِّضَى فِي مُعْتَبَرٍ، كَمَا لَا يُعْتَبَرُ الرِّضَى فِي الْفَسْخِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَوْرَدَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": مَذْهَبًا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ خِيَارُ الْمُكْرَهِ، فَيَكُونُ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي زَالَ عَنْهُ الْإِكْرَاهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى كَلَامٍ يَقْطَعُ بِهِ خِيَارَهُ انْقَطَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَخَصَّ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْخِلَافَ بِمَا إِذَا أُكْرِهَ أَحَدُهُمَا، فَلَوْ أُكْرِهَا زَالَ خِيَارُهُمَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَبْقَى خِيَارُهُمَا وَجَعَلَ مِنْهُمَا مَا إِذَا رَأَيَا سَبْعًا، أَوْ ظَالِمًا يُؤْذِيهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهُمَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا: لِأَنَّهَا أَعْظَمُ الْفِرْقَتَيْنِ لَا الْجُنُونُ، وَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ إِذَا أَفَاقَ، وَفِي " الشَّرْحِ " إِنْ خُرِسَ وَلَمْ تُفْهَمْ إِشَارَتُهُ، أَوْ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ. بَيَانٌ: الْمَرْجِعُ فِي التَّفَرُّقِ إِلَى الْعُرْفِ لِعَدَمِ بَيَانِهِ فِي الشَّرْعِ، فَإِنْ كَانَا فِي فَضَاءٍ مَشَى أَحَدُهُمَا مُسْتَدْبِرًا لِصَاحِبِهِ خُطُوَاتٍ قَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَقِيلَ: يَبْعُدُ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ كَلَامُهُ الْمُعْتَادُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي

стр. 1341

بَيْنَهُمَا، أَوْ يُسْقِطَا الْخِيَارَ بَعْدَهُ فَيَسْقُطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَسْقَطَهُ أَحَدُهُمَا بَقِيَ خِيَارُ صَاحِبِهِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] " الْكَافِي "، وَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ وَاسِعَةٍ فَمِنْ بَيْتٍ إِلَى آخَرَ، أَوْ مَجْلِسٍ، أَوْ صِفَةٍ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُفَارِقًا، وَفِي صَغِيرَةٍ يَصْعَدُ أَحَدُهُمَا السَّطْحَ، أَوْ يَخْرُجُ مِنْهَا كَسَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ، وأما الكبيرة فَيَصْعَدُ أَحَدُهُمَا أَعْلَاهَا وَيَنْزِلُ الْآخَرُ أَسْفَلَهَا. فَائِدَةٌ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُئِلَ ثَعْلَبٌ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّفَرُّقِ وَالِافْتِرَاقِ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: يُقَالُ فَرَقْتَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ - مُخَفَّفًا - فَافْتَرَقَا، وَفَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنِ - مُشَدَّدًا - فَتَفَرَّقَا، فَجَعَلَ الِافْتِرَاقَ فِي الْأَقْوَالِ، وَالتَّفَرُّقَ فِي الْأَبْدَانِ (إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُسْقِطَا الْخِيَارَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْبَيْعِ (فَيَسْقُطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» أَيْ: لَزِمَ وَلِقَوْلِهِ ﵇: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» وَالثَّانِيَةُ: لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ الصَّغِيرِ، وَابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» من غير زِيَادَةٌ، وَقَوْلَ الْأَكْثَرِ ذَوِي الضَّبْطِ مُقَدَّمٌ عَلَى رِوَايَةِ الْمُنْفَرِدِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَخْذَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ الزِّيَادَةُ أَوْلَى (وَإِنْ أَسْقَطَهُ أَحَدُهُمَا بَقِيَ خِيَارُ صَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ خِيَارٌ فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّ مَنْ لَمْ يُسْقِطْهُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُ الْقَائِلِ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ.

стр. 1342

فَصْلٌ الثَّانِي: خِيَارُ الشَّرْطِ ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا فِي الْعَقْدِ خِيَارُ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَيَثْبُتُ فِيهَا، وَإِنْ طَالَتْ، وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ وَهُمَا عَلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] [الثَّانِي خِيَارُ الشَّرْطِ] فَصْلٌ (الثَّانِي: خِيَارُ الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا فِي الْعَقْدِ) وَظَاهِرُهُ لَوِ اتَّفَقَا قَبْلَهُ لَمْ يَلْزَمِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَبَعْدَهُ فِي زَمَنِ الْخِيَارَيْنِ (خِيَارُ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَيَثْبُتُ فِيهَا، وَإِنْ طَالَتْ) وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَلِقَوْلِهِ ﵇: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مُقَدَّرٌ يَعْتَمِدُ الشَّرْطَ فَيَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِهِ إِلَى مُشْتَرِطِهِ كَالْأَجَلِ، أَوْ مُدَّةٍ مُلْحَقَةٍ بِالْعَقْدِ فَجَازَ ما اتفقا عَلَيْهِ كَالْأَجَلِ، وَمَا رُوِيَ «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ - بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - أَنَّ جَدَّهُ كَانَ يَغْبِنُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ، ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: «لَا خِلَابَةَ» وَمُسْلِمٌ: " لَا خِيَانَةَ " قِيلَ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَهُوَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمِلْكَ وَاللُّزُومَ، وَإِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ، فَجَازَ فِي الثَّلَاثَةِ لِلْحَاجَةِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِحَبَّانَ، لِأَنَّهُ كَانَ أَصَابَهُ آمَةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ، وَكَانَ يَغْبِنُ وَيَرُدُّ السِّلَعَ عَلَى التُّجَّارِ، وَيَقُولُ: الرَّسُولُ جَعَلَ لِي الْخِيَارَ ثَلَاثًا، وَعَاشَ إِلَى زَمَنِ عُثْمَانَ وَتَقْدِيرُهَا بِالْحَاجَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا لِخَفَائِهَا، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ لَا يَبْقَى إِلَى مُضِيِّهَا، كَطَعَامٍ رَطْبٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُحْفَظُ ثَمَنُهُ إِلَى الْمُدَّةِ. صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرَ فِي الرَّهْنِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً، فَإِنْ فَعَلَهُ حِيلَةً لِيَرْبَحَ فِيمَا أَقْرَضَهُ لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا) كَقُدُومِ زَيْدٍ، أَوْ مَجِيءِ الْمَطَرِ أَوِ الْأَبَدِ (فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَلَمْ تَجُزْ مَعَ الْجَهَالَةِ مَعَ أَنَّ شَرْطَ الْأَبَدِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ،

стр. 1343

خِيَارِهِمَا إِلَى أَنْ يَقْطَعَاهُ، أَوْ تَنْتَهِيَ مُدَّتُهُ، وَلَا يَثْبُتَ إِلَّا فِي الْبَيْعِ، وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ، وَالْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِي الْعَقْدَ، وَإِنْ شَرَطَاهُ إِلَى الْغَدِ لَمْ يَدْخُلْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَهُوَ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ (وَعَنْهُ: يَجُوزُ) وَقَالَهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ لِلْخَبَرِ، فَعَلَى هَذِهِ (هُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا إِلَى أَنْ يَقْطَعَاهُ، أَوْ تَنْتَهِيَ مُدَّتُهُ) إِنْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِمَا تَنْتَهِي بِهِ. (وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا فِي الْبَيْعِ) لِمَا مَرَّ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ لِصِحَّتِهِ كَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ (وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ) لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِلَفْظِ الصُّلْحِ، وَقِسْمَةٌ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ كَانَ رَدَّ، وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ دُخُولَهُ فِي سِلْمٍ - رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ - لِعَدَمِ اعْتِبَارِ قَبْضِهِمَا (وَالْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ) كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ، فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ لِلْغَبْنِ، فَوَجَبَ ثُبُوتُهُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ (أَوْ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِي الْعَقْدَ) كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ تَلِي الْعَقْدَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لأنه يفضي إِلَى فَوَاتِ ببَعْضِ الْمَنَافِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، أَوْ إِلَى اسْتِيفَائِهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ؟ وكلاهما غير جَائِزٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَتَصَرَّفُ الْمُسْتَأْجِرُ، فَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ في غير مَا ذُكِرَ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَثْبُتُ فِي ضَمَانٍ وَكَفَالَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ صَاحِبُ " الرَّوْضَةِ " يَثْبُتُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ فِي كُلِّ الْعُقُودِ (وَإِنْ شَرَطَاهُ إِلَى الْغَدِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْمُدَّةِ) لِأَنَّ " إِلَى " لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، وَمَا بَعْدَهَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَكَنَظَائِرِهِ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ (وَعَنْهُ: تَدْخُلُ) لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى " مَعَ " فَعَلَيْهَا لَا يَسْقُطُ الْخِيَارُ إِلَّا بِآخِرِ الْغَدِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى الْمَعِيَّةِ إِمَّا لِدَلِيلٍ أَوْ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ، وَإِلَى الظُّهْرِ إِلَى الزَّوَالِ كَالْغَدِ

стр. 1344

فِي الْمُدَّةِ، وَعَنْهُ: يَدْخُلُ وَإِنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً، فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ، وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ جَازَ، وَكَانَ تَوْكِيلًا لَهُ فِيهِ، وَإِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالْعَشِيِّ وَالْعَشِيَّةِ مِنَ الزَّوَالِ، وَذَكَرَهُمَا الْجَوْهَرِيُّ مِنَ الْغُرُوبِ إِلَى الْعَتْمَةِ كَالْعِشَاءِ، وَإِنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّ الْعِشَاءَ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْمَسَاءَ وَالْغَبُوقَ مِنَ الْغُرُوبِ وَالْغَدْوَةِ وَالْغَدَاةِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ كَالصَّبُوحِ، وَالْآصَالِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ. فَائِدَةٌ: يُقَالُ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الزَّوَالِ: أَصْبَحَ عِنْدَكَ فُلَانٌ، وَمِنَ الزَّوَالِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ: أَمْسَى عِنْدَكَ، وَالصَّبَاحُ خِلَافُ الْمَسَاءِ، وَالْإِصْبَاحُ نَقِيضُ الْإِمْسَاءِ (وَإِنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ كَالْأَجَلِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ) وَهُوَ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي الْمَجْلِسِ حُكْمًا، فَلَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِهِ بِالشَّرْطِ، وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ لَهُمَا فيه الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وصحح فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ حُكْمُهُ كَالْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ مَعَ أَنَّهَا لَوْ جُعِلَتْ مِنَ التَّفَرُّقِ لَأَدَّى إِلَى جَهَالَتِهَا، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ بشيئين غير مُمْتَنِعٌ كَالْوَطْءِ يَحْرُمُ بِالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ. فَرْعٌ: إِذَا شَرَطَاهُ سَنَةً فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ اسْتَوْفَى شَهْرٌ بِالْعَدَدِ وَبَاقِيهَا بِالْأَهِلَّةِ، وَعَنْهُ: يسْتَوْفي الْكُلُّ بِالْعَدَدِ، كَمَا يَأْتِي فِيمَا إِذَا عَلَّقَ بِالْأَشْهُرِ مِنْ إِجَارَةٍ وَعِدَّةٍ وَصَوْمِ كَفَّارَةٍ، وَإِنْ شَرَطَاهُ شَهْرًا يَوْمًا يَثْبُتُ، وَيَوْمًا لَا، فَثَالِثُهَا كَابْنِ عَقِيلٍ: يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، لِإِمْكَانِهِ وَيَبْطُلُ فِيمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَزِمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي: لَمْ يَعُدْ إِلَى الْجَوَازِ. ١ - (وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ) وَلَهُ (جَازَ وَكَانَ تَوْكِيلًا لَهُ فِيهِ) لِأَنَّ تَصْحِيحَ الِاشْتِرَاطِ مُمْكِنٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ صِيَانَةً لِكَلَامِ الْمُكَلَّفِ عَنِ الْإِلْغَاءِ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي، وَإِنْ شَرَطَهُ لِزَيْدٍ وَأَطْلَقَ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ

стр. 1345

شَرَطَا الْخِيَارَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ جَازَ، وَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ، وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَفْسَخَا بَطَلَ خِيَارُهُمَا وَيَنْتَقِلِ الْمِلْكُ ــ [المبدع في شرح المقنع] دُونِي لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ شَرَّعَ لِتَحْصِيلِ الْحَظِّ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِنَظَرِهِ، فَلَا يَكُونُ لِمَنْ لَا حَظَّ لَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَيَكُونُ تَوْكِيلًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ فَعَلَيْهِ لِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ، وَقِيلَ: لِلْمُوَكِّلِ إِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ وَجَعَلَهُ وَكِيلًا. (وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَحَدِهِمَا) : أَيْ: أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (دُونَ صَاحِبِهِ جَازَ) لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ اشْتِرَاطُهُ لَهُمَا، فَلِأَنْ يَجُوزَ لِأَحَدِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَول، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِجَهَالَتِهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى أَحَدٌ عَبْدَيْهِ وَكَمَا لَوْ جَعَلَ الْخِيَارَ فِي إِحْدَى السِّلْعَتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا بِخِلَافِ مَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ، وَشَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا: بِعَيْنِهِ دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَبِيعًا بِقِسْطِهِ وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ عِنْدَ الرَّدِّ (وَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ (مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ جُعِلَ إِلَيْهِ، فَجَازَ مَعَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَسَخَطِهِ كَالطَّلَاقِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَرُدُّ الثَّمَنَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَالشَّفِيعِ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَخَرَّجُ مَنْ عَزَلَ الْوَكِيلَ لَا فَسْخَ فِي غَيْبَتِهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فِي الْمُدَّةِ (وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَفْسَخَا بَطَلَ خِيَارُهُمَا) وَلَزِمَ الْعَقْدُ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ فَبَطَلَتْ بِانْقِضَائِهَا كَالْأَجَلِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ لَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ كَمُضِيِّ الْأَجَلِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحُكْمَ ببَقَائها يفضي إلى بقاء الْخِيَارِ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّتِهِ الْمُشْتَرَطَةِ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْطِ، إِذِ الْبَيْعُ سَبَبُ اللُّزُومِ، لَكِنْ تَخَلَّفَ مُوجِبُهُ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا زَالَتْ مُدَّتُهُ لَزِمَ الْعَقْدُ بِمُوجِبِهِ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْمُعَارِضِ، قَوْلُهُ: " وَلَمْ يَفْسَخَا " لَيْسَ قَيْدًا فِيهِ بَلْ لَوْ لَمْ يَفْسَخْ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْخِيَارُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "

стр. 1346

إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ، أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لَهُ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ أَوْ فَسَخَاهُ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَ " الشَّرْحِ "، إِذْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا: لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا فَسَخَا، وَلَمْ يَحْتَرِزْ عَنْهُ لِظُهُورِ الْمُرَادِ. (وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ) مُدَّةَ الْخِيَارَيْنِ (إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ) هِيَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» وَوُجِّهَ أَنَّهُ جُعِلَ الْمَالُ لِلْمُبْتَاعِ بِاشْتِرَاطِهِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ بَيْعٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيْعُ الْخِيَارِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَّا بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ قَاصِرٌ لَا يُفِيدُ التَّصَرُّفَ وَلَا يَلْزَمُ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ فَنُقِلَ الْمِلْكُ عَقِيبَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِقَوْلِهِ: مَلَّكْتُكَ، فَيَثْبُتُ فِيهِ كَالْمُطْلَقِ، وَدَعْوَى الْقُصُورِ فِيهِ مَمْنُوعَةٌ، وَجَوَازُ فَسْخِهِ لَا يُوجِبُ قُصُورَهُ، وَلَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِيهِ كَالْمَعِيبِ وَامْتِنَاعِ التَّصَرُّفِ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ كَالْمَرْهُونِ، فَعَلَى هَذَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَرِيبُهُ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ وَيَخْرُجُ فِطْرَتُهُ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُ: وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا. صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ، أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ لَهُ أَمْضَيَا الْعَقْدَ، أَوْ فَسَخَاهُ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ الدَّاخِلِ فِي ضَمَانِهِ بِقَوْلِهِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاحْتَرِزْ بِالْمُنْفَصِلِ عَنِ النَّمَاءِ الْمُتَّصِلِ، كَالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْعَيْنَ مَعَ الْفَسْخِ لِتَعَذُّرِ انْفِصَالِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَا بُدَّ أَنْ يَلْحَظَ فِي كَوْنِ النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ لِلْمُشْتَرِي، وَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ لِلْبَائِعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنْهُ: إِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا: فَالنَّمَاءُ

стр. 1347

فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إِلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ، وَإِنْ تَصَرَّفَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا ولَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا، وَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ، وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي إِسْقَاطًا لِخِيَارِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ الْبَيْعُ وَالْخِيَارُ بِحَالِهِمَا، وَإِنِ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْمُنْفَصِلُ، وَعَنْهُ: وَكَسْبُهُ لِلْبَائِعِ كَرِوَايَةِ الْمَلِكِ لَهُ. فَرْعٌ: الْحَمْلُ وَقْتُ الْعَقْدِ مَبِيعٌ، وَعَنْهُ: نَمَاءٌ، فَتُرَدُّ الْأُمُّ بِعَيْبٍ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ "، فَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ هُوَ كَأَحَدِ عَيْنَيْنِ، أَوْ تَبَعٌ لِلْأُمِّ لَا حُكْمَ لَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. (وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِلْبَائِعِ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَلَا انْقَطَعَتْ عَنْهُ عَلَقَةٌ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْمُشْتَرِي، وَكَذَا يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعِوَضِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَالزَّرْكَشِيُّ حِذَارًا مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْآخَرِ (إِلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ) كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا، وَحَلْبِ الشَّاةِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَقْصُودَ مِنَ الْخِيَارِ، وَهُوَ اخْتِبَارُ الْمَبِيعِ (فَإِنْ تَصَرَّفَا) أَوْ أَحَدُهُمَا: (بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا) مِمَّا يَنْقِلُ الْمِلْكَ، أَوْ يُثْبِتُ النَّقْلَ فِي الْعُقُودِ كَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فَهُوَ حَرَامٌ (وَلَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا) كَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَمْلِكُهُ، وَالْمُشْتَرِي يَقْتَضِي تَصَرُّفُهُ إِلَى إِسْقَاطِ حَقِّ الْبَائِعِ مِنَ الْخِيَارِ، وَاسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ، وَقِيلَ: يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ إِذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ وَالْخِيَارُ لَهُ، وَفِي " الْمُغْنِي " أَوَّلُهُمَا، وَعَنْهُ: يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي، كَمَا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: مَوْقُوفٌ. (وَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي إِسْقَاطًا لِخِيَارِهِ) أَيْ: رَضِيَ بِهِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّصْرِيحِ فَحَصَلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ كَالْمُعْتَقَةِ، فَإِنَّ خِيَارَهَا يَسْقُطُ بِتَمْكِينِهَا الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي وَسَوْمَهُ وَوَطْأَهُ وَلَمْسَهُ بِشَهْوَةٍ إِمْضَاءٌ، قَالَ أَحْمَدُ: وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ عَرَضَهُ (وَفِي الْآخَرِ الْبَيْعُ وَالْخِيَارُ بِحَالِهِمَا) أَيْ: لَيْسَ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ

стр. 1348

اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَبِلَتْهُ الْجَارِيَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي نَفَذَ عِتْقُهُ وَبَطَلَ خِيَارُهُمَا، ــ [المبدع في شرح المقنع] وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يَكُنْ تَصَرُّفُهُ فَسْخًا وَاسْتِرْجَاعًا، كَمَا لَوْ وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ، وَكَمَا لَوْ أَنْكَرَ شَرْطَ الْخِيَارِ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلَّا بِالْعِتْقِ وَسَيَأْتِي، وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ، فَالتَّصَرُّفُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَهُ التَّصَرُّفُ، وَيَكُونُ رَضِيَ بِلُزُومِهِ وَإِنْ سَلِمَ، فَلِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْمِلْكِ لَهُ قُلْنَا بِانْتِقَالِ الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ، وَقَالَهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ تَصَرَّفَ مَعَ الْبَائِعِ، فَرِوَايَتَانِ: بِنَاءً عَلَى دَلَالَةِ التَّصَرُّفِ عَلَى الرِّضَى. فَرْعٌ: إِذَا تَصَرَّفَ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ، أَوْ تَصَرَّفَ وَكِيلُهُمَا فَهُوَ نَافِذٌ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَانْقَطَعَ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَرَاضِيهِمَا بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ، كَمَا لَوْ تَخَايَرَا (وَإِنِ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) لِأَنَّ الْخِدْمَةَ لَا تَخْتَصُّ الْمِلْكَ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِهِ كَالنَّظَرِ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلِاسْتِعْلَامِ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَالثَّانِيَةُ: تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ إِحْدَى الْمَنْفَعَتَيْنِ فَأَبْطَلَتِ الْخِيَارَ كَالْوَطْءِ، أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ". (وَكَذَلِكَ إِنْ قَبِلَتْهُ الْجَارِيَةُ) وَلَمْ يَمْنَعْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالٍ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ لَهُ لَا لَهَا، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِفِعْلِهَا لَأَلْزَمْنَاهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَبِلَهَا، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا) لِأَنَّ سُكُوتَهُ اسْتِمْتَاعٌ بِهَا وَدَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ، أَشْبَهَ الْمُعْتَقَةَ تَحْتَ عَبْدٍ إِذَا وَطِئَهَا، هِيَ سَاكِتَةٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ الْخِلَافُ بِالشَّهْوَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِغَيْرِ

стр. 1349

وَكَذَلِكَ إِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ، وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ وَلَهُ الْفَسْخُ، وَالرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ وَحُكْمُ الْوَقْفِ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعِتْقِ، وَإِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] شَهْوَةٍ لَا يَبْطُلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ التَّقْبِيلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَيْسَ بِاسْتِمْتَاعٍ بِوَجْهٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا ذَكَرَهُ هُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ (وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي نَفَذَ عِتْقُهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ تَامِّ الْمِلْكِ فَنَفَذَ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعْدَ مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَقَوْلُهُ ﵇: «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» دَالٌّ عَلَى نُفُوذِهِ فِي الْمِلْكِ، وَمِلْكُ الْبَائِعِ الْفَسْخُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، كَمَا لَوْ وَهَبَ ابْنَهُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مَعَ مِلْكِ الْأَبِ اسْتِرْجَاعَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عِتْقَ الْبَائِعِ لَا يَنْفُذُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (وَبَطَلَ خِيَارُهُمَا) لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَصَرَّفَ بِمَا يَقْتَضِي اللُّزُومُ، وَهُوَ الْعِتْقُ (وَكَذَلِكَ إِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ) أَيْ: بَعْدَ قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ لَا يَتَأَتَّى عَلَيْهِ الْفَسْخُ، وَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ فَبَطَلَ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ (وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ) أَمَّا فِي الْعِتْقِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى، وَتَعْذُّرُ الرُّجُوعِ لَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِكَوْنِهِ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، فَإِذَا فَسَخَ مَلَكَ الرُّجُوعَ فِي قِيمَتِهِ، وَأَمَّا فِي التَّلَفِ فَقِيلَ: هِيَ أَنَصُّهُمَا، وَاخْتَارَهَا الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَحَكَاهُ فِي مَوْضِعٍ عَنِ الْأَصْحَابِ لِعُمُومِ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» ، وَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِآخَرَ فَتَلَفَ أَحَدُهُمَا وَوَجَدَ بِالْآخَرِ عَيْبًا، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ، فَكَذَا هُنَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَانَ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ هَلِ النَّظَرُ إِلَى حَالِ الْعَقْدِ، أَوْ إِلَى الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ (وَ) عَلَيْهَا (لَهُ الْفَسْخُ) لِأَنَّ خِيَارَهُ لَمْ يَبْطُلْ (وَالرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ) لِأَنَّهَا بَدَلُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ، أَوْ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا. (وَحُكْمُ الْوَقْفِ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ الْأَصَحُّ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا

стр. 1350

وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ فَأَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ، وَإِنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ، فَكَذَلِكَ إِنْ قُلْنَا: الْبَيْعُ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ إِلَّا إِذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ، وَلَا حَدَّ عليهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ ــ [المبدع في شرح المقنع] يَنْفُذُ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ حَقِّ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ وَقْفَ الْمَرْهُونِ (وَفِي الْآخَرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعِتْقِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ فَنَفَذَ كَالْعِتْقِ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسَّرَايَةِ، وَيَصِحُّ فِي الرَّهْنِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَقْفَ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ. ١ - (وَإِنْ وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ) زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لِلْبَائِعِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْبَائِعِ بِهَا كَالْمَرْهُونَةِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْرَأُ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فَحَقِيقَتُهُ أَوْلَى، وَلَا مَهْرَ لَهَا، لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، فَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (فَأَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ) لِأَنَّهُ صَادَفَ مَحِلَّهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْبَلَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ) لِأَنَّهُ مِنْ مَمْلُوكَتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِيهَا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَإِنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ فَكَذَلِكَ إِنْ قُلْنَا: الْبَيْعُ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ) أَيْ: فَهُوَ كَالْمُشْتَرِي (وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ (إِلَّا إِذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ) عَلَى رِوَايَةٍ، فَلَا يَتَرَتَّبُ مَا ذَكَرَهُ، وَحِينَئِذٍ وَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ وَلَا مَهْرٌ وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ، لَكِنْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَحِقَهُ نَسَبُهُ وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ إِمَّا أَنْ يُصَادِفَ

стр. 1351

أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ الْحَدُّ إِذَا عَلِمَ زَوَالَ مِلْكِهِ، وَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يُوَرَّثْ، وَيَتَخَرَّجُ وَيُوَرَّثُ كَالْأَجَلِ. فَصْلٌ الثَّالِثُ: خِيَارُ الْغَبْنِ وَيَثْبُتُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ إِحْدَاهَا: إِذَا تَلَّقَى ــ [المبدع في شرح المقنع] مِلْكًا، أَوْ شُبْهَةً، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ مِلْكِهِ، وَإِبَاحَةِ وَطْئِهِ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا) وَعَزَاهُ فِي " الشَّرْحِ " إِلَى بَعْضِهِمْ (عَلَيْهِ الْحَدُّ إِذَا عَلِمَ زَوَالَ مِلْكِهِ، وَأنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ) عَنْ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ (وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يُوَرَّثْ) عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، لِأَنَّهُ حَقٌّ فُسِخَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، فَلَمْ يُوَرَّثْ كَخِيَارِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْطُلُ إِلَّا أَنْ يُطَالِبَ بِهِ الْمَيِّتُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْخِيَارِ تَخَيُّرُهُ بَيْنَ فَسْخٍ وَإِمْضَاءٍ، وَهُوَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ كَالِاخْتِيَارِ، فَلَمْ يُوَرَّثْ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ (وَيَتَخَرَّجُ) أَنْ لَا يَبْطُلَ (وَيُوَرَّثُ كَالْأَجَلِ) حَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ: " رِوَايَةً؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ فُسِخَ، فَيَنْتَقِلُ إِلَى الْوَرَثَةِ كَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ وَكَخِيَارِ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ لَهُ. تَنْبِيهٌ: إِذَا عَلِقَ عِتْقُ عَبْدِهِ بِبَيْعٍ فَبَاعَهُ، وَلَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ عُتِقَ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالتَّدْبِيرِ وَلَمْ يَنْقُلِ الْمِلْكَ، وَتَرَدَّدَ فِيهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِ الْمَسْأَلَةِ تَعْلِيقُ طَلَاقٍ، أَوْ عِتْقٍ لِسَبَبٍ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وَقِيلَ: يُعْتِقُ فِي مَوْضِعٍ يُحْكَمُ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقِيلَ: يُعْتِقُ إِلَّا إِذَا نَفَيَا الْخِيَارَ فِي الْعَقْدِ، وَصَحَّحْنَا نَفْيَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتِقُ. [الثَّالِثُ خِيَارُ الْغَبْنِ وَصُوَرُهُ] [الْأُولَى تَلَقِّي الرُّكْبَانِ] فَصْلٌ (الثَّالِثُ: خِيَارُ الْغَبْنِ) وَهُوَ - بِسُكُونِ الْبَاءِ - مَصْدَرُ غَبَنَهُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - يَغْبِنُهُ - بِكَسْرِهَا -: إِذَا نَقَصَهُ، وَيُقَالُ غَبِنَ رَأْيَهُ - بِكَسْرِهَا - أَيْ: ضَعُفَ غَبَنًا - بِالتَّحْرِيكِ - (وَيَثْبُتُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ؛ إحداهَا: إِذَا تَلَقَّى الرُّكْبَانُ) جَمْعُ رَاكِبٍ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ رَاكِبُ الْبَعِيرِ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ

стр. 1352

الرُّكْبَانَ، فَاشْتَرَى مِنْهُمْ وَبَاعَ لَهُمْ، فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا هَبَطُوا السُّوقَ وَعَلِمُوا ــ [المبدع في شرح المقنع] عَلَى كُلِّ رَاكِبٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْقَادِمُونَ مِنَ السَّفَرِ، وَإِنْ كَانُوا مُشَاةً (فَاشْتَرَى مِنْهُمْ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْخِرَقِيِّ، وَ " الْمُحَرَّرِ " فَيُحْتَمَلُ قَصْرُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا لَا فَرْقَ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (وَبَاعَ لَهُمْ فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا هَبَطُوا السُّوقَ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ الْعَادَةِ) هَذَا بَيْعٌ مَكْرُوهٌ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَلَقُّوا الْجَلَبَ فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي صَحِيحٍ، وَالنَّهْيُ لَا يَرْجِعُ لِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا يَعُودُ لِضَرْبٍ مِنَ الْخَدِيعَةِ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ بِالْخِيَارِ أَشْبَهَ الْمُصَرَّاةَ، وَقُوَّةُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِقَصْدِ التَّلَقِّي، فَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَوَافَاهُمْ وَاشْتَرَى مِنْهُمْ لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " الْمَنْصُوصِ، وَذَكَرَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ النَّصَّ عَنْ أَحْمَدَ إِنَّمَا هُوَ فِي البائع، لظاهر الْأَخْبَارِ فَعَلَيْهِ يَثْبُتُ الْخِيَارُ مَعَ الْغَبْنِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْبَائِعِ، وَلَا ضَرَرَ مَعَ الْغَبْنِ، وَعَنْهُ: يَثْبُتُ لَهُمُ الْخِيَارُ مَعَ عَدَمِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَقَدْرُهُ بِمَا يَخْرُجُ عَنِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِتَحْدِيدِهِ فَيَرْجِعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ يَثْبُتُ فِيهِ وَإِنْ قَلَّ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَسَامَعُ بِهِ عَادَةً، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى يقدر بالثلث لِأَنَّهُ كَثِيرٌ، وَقِيلَ: بِالسُّدُسِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ

стр. 1353

أَنَّهُمْ غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ الْعَادَةِ. وَ الثَّانِيَةُ: فِي النَّجْشِ ، وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيُغِرَّ الْمُشْتَرِيَ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا غُبِنَ. وَالثَّالِثَةُ: ــ [المبدع في شرح المقنع] لَوْ ثَبَتَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَأَدَّى إِلَى بُطْلَانِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُقُودِ. فَائِدَةٌ: مُقْتَضَى النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ إِمَّا أَنْ يَكْذِبَ فِي سِعْرِ الْبَلَدِ فَيَكُونُ غَارًّا غَاشًّا، أَوْ يَسْكُتَ فَيَكُونُ مُدَلِّسًا خَادِعًا، فَلَوْ صَدَقَ فِي السِّعْرِ فَهَلْ يَثْبُتُ لِلرُّكْبَانِ الْخِيَارُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، أَوْ لَا لِانْتِفَاءِ الْخَدِيعَةِ؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ. [الثَّانِيَةُ فِي النَّجْشِ] (وَالثَّانِيَةُ: فِي النَّجْشِ) وَهُوَ بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ثم فسره بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيُغِرَّ الْمُشْتَرِيَ) قَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: هُوَ خِدَاعٌ حَرَامٌ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَذْقِ الَّذِي زَادَ فِيهَا؛ لِأَنَّ تَغْرِيرَ الْمُشْتَرِي لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا، فَلَوْ كَانَ عَارِفًا وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ لِعَجَلَتِهِ وَعَدَمِ تَأَمُّلِهِ (فَلَهُ الْخِيَارُ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَعُودُ إِلَى النَّاجِشِ لَا إِلَى الْعَاقِدِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ كَبَيْعِ الْمُدَلِّسِ وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَظَاهِرُهُ يَثْبُتُ سَوَاءً كَانَ مُوَاطَأَةً مِنَ الْبَائِعِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُوَاطَأَةً مِنَ الْبَائِعِ، وَعَنْهُ: يَقَعُ لَازِمًا، فَلَا فَسْخَ مِنْ غَيْرِ رِضًى، ذَكَرَهَا فِي " الِانْتِصَارِ "، وَلَوْ أَخْبَرَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ بَانَ كَاذِبًا ثَبَتَ الْخِيَارُ، وَفِي الْإِيضَاحِ يَبْطُلُ مَعَ عِلْمِهِ (إِذَا غُبِنَ) كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، إِذْ أَصْلُ النَّجْشِ الِاسْتِتَارُ وَالِاسْتِخْرَاجُ، وَمِنْهُ سُمِّي الصَّائِدُ نَاجِشًا لِاسْتِخْرَاجِهِ الصَّيْدَ مِنْ مَكَانِهِ، فَالزَّائِدُ فِيهَا اسْتُخْرِجَ مِنَ الْمُسْتَامِ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ مَا لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ: مَدْحُ الشَّيْءِ وَإِطْرَاؤُهُ، فَالنَّاجِشُ يَغُرُّ الْمُشْتَرِيَ بِمَدْحِهِ لِيَزِيدَ فِي الثَّمَنِ. [الثَّالِثَةُ الْمُسْتَرْسِلُ] (الثَّالِثَةُ: الْمُسْتَرْسِلُ) وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنِ اسْتَرْسَلَ إِذَا اطْمَأَنَّ وَاسْتَأْنَسَ لُغَةً، وَفَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُمَاكِسُ، وَذَكَرَ الشَّيْخَانِ وَالْجَدُّ: هُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَلَا يُحْسِنُ الْمُبَايَعَةَ (إِذَا غَبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لِجَهْلِهِ بِالْبَيْعِ فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا سَبَقَ، وَقِيلَ: يَقَعُ لَازِمًا؛

стр. 1354

الْمُسْتَرْسِلُ إِذَا غَبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ وَعَنْهُ: أَنَّ النَّجْشَ وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ بَاطِلَانِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] لِأَنَّ النُّقْصَانَ لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْعَقْدِ كَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَرْسِلِ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِالْغَبْنِ كَالْعَالِمِ بِالْعَيْبِ وَكَالْمُسْتَعْجِلِ، وَفِي الْمَذْهَبِ يَثْبُتُ إِذَا جَهِلَهَا، وَعَنْهُ: وَلِمُسْتَرْسِلٍ مَعَ الْبَائِعِ لَمْ يُمَاكِسْهُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ الْمَذْهَبُ. قَالَ أَحْمَدُ: اشْتَرِ وَمَاكِسْ قَالَ: وَالْمُسَاوَمَةُ أَسْهَلُ مِنَ الْمُرَابَحَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ، وَلَا يَأْمَنُ الْهَوَى. فَرْعٌ: حُكْمُ الْإِجَارَةِ كَالْبَيْعِ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ " الْهِدَايَةِ " عَنِ الْقَاضِي، فَإِنْ فَسَخَ فِي أَثْنَائِهَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِالْقِسْطِ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا مِنَ الْمُسَمَّى، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ إِذَا دَلَّسَ مُسْتَأْجِرٌ عَلَى مُؤَجِّرٍ وَغَرَّهُ حَتَّى اسْتَأْجَرَهُ بِدُونِ الْقِيمَةِ، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ قَالَ: وَيَحْرُمُ تَغْرِيرُ مُشْتَرٍ بِأَنْ يَسُومَهُ كَثِيرًا لِيَبْذُلَ قَرِيبَهُ. مَسْأَلَةٌ: خِيَارُ الْغَبْنِ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْفَوْرِيَّةِ وَعَدِمَهَا هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَهَلْ لِلْإِمَامِ جَعْلُ عَلَامَةٍ تَنْفِي الْغَبْنَ عَمَّنْ يَغْبِنُ كَثِيرًا؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ. وَمَنْ قَالَ عِنْدَ الْعَقْدِ: لَا خِلَابَةَ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا خَلَبَ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا. (وَعَنْهُ: أَنَّ النَّجْشَ وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ بَاطِلَانِ) أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ النَّجْشِ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَنَاجَشُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ خَدِيعَةٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ» وَإِذَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ كَانَ

стр. 1355

فَصْلٌ الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيسِ: مَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ كَتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَتَحْمِيرِ ــ [المبدع في شرح المقنع] بَاطِلًا تَغْلِيبًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي النَّهْيِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَصَرَّحَ فِي التَّنْبِيهِ: بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: إِنَّ نَجَشَ الْبَائِعُ أَوْ وَاطَأَ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَخَرَّجَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي إِبْطَالِ الْبَيْعِ بِتَدْلِيسِ الْعَيْبِ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ أَحَدُ رُكْنَيِ الْعَقْدِ فَارْتِكَابُهُ النَّهْيَ يُفْسِدُ الْبَيْعَ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَأَمَا ثَانِيًا فَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ كَبَيْعِ الْحَاضِرِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ التَّلَقِّي، فَإِنَّ الضَّرَرَ عَلَيْهِمْ فَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُمْ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِبْطَالِ. [الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيسِ] فَصْلٌ (الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيسِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ كِتْمَانُ الْعَيْبِ فِي السِّلْعَةِ عَنِ الْمُشْتَرِي، وَالْمُرَادُ هُنَا (مَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا (كَتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ) التَّصْرِيَةُ: مَصْدَرُ صَرِيَ يَصْرَى كَعَلِيَ يَعْلَى، وَصَرَى يَصْرِي كَرَمَى يَرْمِي، وَأَصْلُهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يُجْمَعَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ حَتَّى يَعْظُمَ، فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ. وَإِذَنْ هِيَ الْمُصَرَّاةُ، وَالْمَحْفَلَةُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الْمَاءِ يُقَالُ صَرَيْتُ الْمَاءَ، وَاخْتَلَفَ فِي مَعْنَاهَا لُغَةً، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ أَنْ يَرْبُطَ أَخْلَافَ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَيَزِيدُهُ الْمُشْتَرِي فِي ثَمَنِهَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هِيَ النَّاقَةُ أَوِ الْبَقَرَةُ أَوِ

стр. 1356

وَجْهِ الْجَارِيَةِ وَتَسْوِيدِ شَعْرِهَا وَتَجْعِيدِهِ، وَجَمْعِ مَاءِ الرَّحَى وَإِرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا، فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ، وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَقِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَاقَةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً، فَإِنْ كَانَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الشَّاةُ يُصْرَى اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا أَيْ: يُجْمَعُ وَيُحْبَسُ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الرَّبْطِ لَقِيلَ فِيهَا: مَصْرُورَةٌ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ مُصْرَاةً قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ حَسَنٌ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ (وَتَحْمِيرِ وَجْهِ الْجَارِيَةِ وَتَسْوِيدِ شَعْرِهَا وَتَجْعِيدِهِ) يُقَالُ شَعْرٌ جَعْدٌ أَيْ: بَيِّنُ الْجُعُودَةِ، وَهُوَ ضِدُّ السِّبْطِ (وَجَمْعِ مَاءِ الرَّحَى وَإِرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ) أَوِ الْإِمْسَاكِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -قال: «لَا تَصْرُوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ غَرَّ الْمُشْتَرِيَ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ كَالنَّجْشِ، وَالْأَصَحُّ وَلَوْ حَصَلَ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَظَاهِرُهُ: إِنْ دَلَّسَهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ كَتَبْيِيضِ الشَّعْرِ وَتَسْبِيطِهِ وَتَسْوِيدِ كَفِّ عَبْدٍ أَوْ ثَوْبِهِ وَعَلَفِ شَاةٍ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: كَالْأَوَّلِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا أَرْشَ مَعَ الْإِمْسَاكِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِيهَا أَرْشًا بَلْ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ مَعَ صَاعِ تَمْرٍ، وَفِي " التَّنْبِيهِ " وَ " الْمُبْهِجِ "، وَ " التَّرْغِيبِ " وَمَالَ إِلَيْهِ صَاحِبُ " الرَّوْضَةِ ": لَهُ الْإِمْسَاكُ مَعَ الْأَرْشِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ وَغَيْرُهُ كَالْعَيْبِ (وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) سَلِيمٍ، وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَوْ قَمْحٍ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَهَذَا إِنْ حَلَبَهَا، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ قَبْلَ الْحَلْبِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِلْبَدَلِ مَعَ وُجُودِ الْمُبْدَلِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَقِيمَتُهُ) أَيِ: التَّمْرُ؛ لِأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَعَجَزَ عَنْهُ رَجَعَ إِلَى بَدَلِهِ، وَبَدَلُ الْمِثْلِ عِنْدَ إِعْوَازِهِ هُوَ الْقِيمَةُ (فِي مَوْضِعِهِ) أَيْ: مَوْضِعِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عَيْنٍ أَتْلَفَهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (سَوَاءٌ كَانَتْ) الْمُصَرَّاةُ

стр. 1357

اللَّبَنُ بِحَاله لَمْ يَتَغَيَّرْ رَدَّهُ وَأَجْزَأَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إِلَّا التَّمْرُ، وَمَتَّى عَلِمَ ــ [المبدع في شرح المقنع] (نَاقَةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ دَاوُدُ: لَا تَثْبُتُ فِي مُصَرَّاةِ الْبَقَرِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِيهَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ؛ لِأَنَّ لَبَنَهَا أَغْزَرُ وَأَكْثَرُ. فَرْعٌ: لَوِ اشْتَرَى مُصَرَّاتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ فِي عَقْدٍ فَرَدَّهُنَّ رَدَّ مَعَ كُلِّ مُصَرَّاةٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ: لَا يَتَعَدَّدُ بَلْ فِي الْجَمِيعِ صَاعٌ. (فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ رَدَّهُ وَأَجْزَأَهُ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ التَّمْرَ إِنَّمَا وَجَبَ عِوَضًا عَنِ اللَّبَنِ، فَإِذَا رَدَّ الْأَصْلَ وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ كَسَائِرِ الْأُصُولِ مَعَ إِبْدَالِهَا، وَكَمَا لَوْ رَدَّهَا بِهِ قَبْلَ الْحَلْبِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إِلَّا التَّمْرُ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ أَحْفَظُ لَهُ، أَمَّا إِذَا تَغَيَّرَ، فَلَا يُجْزِئُهُ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي يَدِهِ بِالْحُمُوضَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ، وَإِنْ تَغَيَّرَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْبَدَلَ إِيجَابُهُ مَنُوطٌ بِعَدَمِ الْمُبْدَلِ، وَالْمُبْدَلُ مَوْجُودٌ، وَإِنْ حَصَلَ نَقْصٌ فَتَدْلِيسٌ مِنَ الْبَائِعِ، وَصَرَّحَ فِي " الْكَافِي " بِأَنَّ الْخِلَافَ مَعَ التَّغَيُّرِ. فَرْعٌ: إِذَا رَضِيَ بِهَا فَأَمْسَكَهَا، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَدَّهَا بِهِ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِعَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِعَيْبٍ آخَرَ (وَمَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ فَلَهُ الرَّدُّ) وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّهُ

стр. 1358

التَّصْرِيَةَ فَلَهُ الرَّدُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَإِنْ صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً مُتَزَوِّجَةً وَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ لَمْ يَمْلِكِ الرَّدَّ، وَإِنْ كَانَتِ التَّصْرِيَةُ في غير بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ فَلَا رَدَّ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: لَهُ الرَّدُّ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ اللَّبَنِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ، وَلَا كِتْمَانُ ــ [المبدع في شرح المقنع] عَلِمَ بِسَبَبِ الرَّدِّ، فَكَانَ لَهُ حِينَئِذٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ) أَيْ: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ وَتَغَيُّرِ الْعَلَفِ، فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثَةُ بَانَتِ التَّصْرِيَةُ وَثَبَتَ الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا قَبْلَ مُضِيِّهَا، وَلَا إِمْسَاكُهَا بَعْدَهَا، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَرْضَ كَبَقِيَّةِ التَّدْلِيسِ، وَقَدَّرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْمَجْدُ وَالْجَدُّ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» فَعَلَى هَذَا لَهُ الْخِيَارُ فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَى انْقِضَائِهَا عَكْسَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي، وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ بِتَبَيُّنِ التَّصْرِيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَكَلَامُهُ فِي " الْكَافِي " مُوهِمٌ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى مِنْ حِينِ الْبَيْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي. (وَإِنْ صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً) أَوْ زَالَ الْعَيْبُ (لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ) لِأَنَّ الْخِيَارَ حصل لدفع الضَّرَر بِالْعَيْبِ، وَقَدْ زَالَ الْحُكْمُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ (فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ) أَيْ: قَوْلِ الْإِمَامِ (وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً وَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ لَمْ يَمْلِكِ) الْمُشْتَرِي (الرَّدَّ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ، قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": لَا رَجْعِيًّا، وَإِنَّ فِي طَلَاقِ بَائِنٍ فِيهِ عِدَّةٌ، احْتِمَالَيْنِ (وَإِنْ كَانَتِ التَّصْرِيَةُ في غير بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ) كَالْأَمَةِ وَالْأَتَانِ (فَلَا رَدَّ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْتَاضُ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ، وَلَا يَقْصِدُ قَصْدَ لَبَنِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (وَفِي الْآخَرِ لَهُ الرَّدُّ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْمَرْأَةِ يُرَادُ لِلِارْتِضَاعِ وَيَرْغَبُ فِيهَا ظِئْرًا، وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَطَ كَثْرَةَ لَبَنِهَا مَلَكَ الْفَسْخَ إِذَا بَانَتْ بِخِلَافِهِ، وَلَبَنُ الْأَتَانِ يُرَادُ لِوَلَدِهَا (وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ اللَّبَنِ) عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُعْتَاضُ عَنْهُ عَادَةً (وَلَا يَحِلُّ

стр. 1359

عَيْبِهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ دَلَّسَ الْعَيْبَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي التَّصْرِيَةِ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا. ــ [المبدع في شرح المقنع] لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ، وَلَا كِتْمَانُ عَيْبِهَا) ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَنَهَى عَنِ التَّصْرِيَةِ، وَقَوْلُهُ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا إِلَّا بَيَّنَهُ» وَقَالَ: «مَنْ بَاعَ عَيْبًا لَمْ يُبَيِّنْهُ لَمْ يَزَلْ فِي مَقْتٍ مِنَ اللَّهِ، وَلَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي " الصَّحِيحِ «فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا، وَإِنْ كَذَّبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ يُكْرَهُ كِتْمَانُ الْعَيْبِ وَحَكَاهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " نصا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: (فَإِنْ فَعَلَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، فَإِنَّهُ ﵇ صَحَّحَهُ مَعَ نَهْيِهِ عَنْهُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ دَلَّسَ الْعَيْبَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ) وَنَقَلَهُ حَنْبَلٌ عَنِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَكَذَا لَوْ أَعْلَمَهُ بِهِ، وَلَمْ يَعْلَمَا قَدْرَ غِشِّهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ عِقَابُهُ بِإِتْلَافِهِ، وَالتَّصَدُّقِ بِهِ، وَقَالَ: أَفْتَى بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا (قِيلَ لَهُ) أَيْ: لِأَبِي بَكْرٍ (فَمَا تَقُولُ فِي التَّصْرِيَةِ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا) لِأَنَّ التَّصْرِيَةَ إِلْزَامٌ صَحِيحٌ لَيْسَ عَنْهُ جَوَابٌ، فَدَلَّ عَلَى رُجُوعِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ".

стр. 1360

فَصْلٌ الْخَامِسُ: خِيَارُ الْعَيْبِ ، وَهُوَ النَّقْصُ كَالْمَرَضِ وَذَهَابِ جَارِحَةٍ أَوْ سِنٍّ أَوْ زِيَادَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِنْ فِعْلِهِ كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ وَالْبَوْلِ فِي ــ [المبدع في شرح المقنع] فَائِدَةٌ: لَمْ يَقُلْ أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ حَدِيثٌ مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ، إِذِ الْأَصْلُ أَنَّ ضَمَانَ الْمِثْلِيَّاتِ بِالْمِثْلِ، وَالْمُتَقَوِّمَاتِ بِالْقِيمَةِ، وَالتَّمْرُ لَيْسَ بِمِثْلٍ، وَلَا قِيمَةٍ لِلَّبَنِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَضْمُونُ بِقَدْرِ الضَّمَانِ بِقِيمَةِ التَّالِفِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَهُنَا قَدْرٌ بِالصَّاعِ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُزْءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنَ الرَّدِّ، وَإِنْ حَدَثَ بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَقَدْ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَا يَضْمَنُهُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا، فَمَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ مُنِعَ الرَّدُّ، وَمَا كَانَ حَادِثًا لَمْ يَجِبْ ضمانه، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّمَنِ، وَالْمُثَمَّنِ لِلْبَائِعِ إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَجَوَابُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الضَّمَانَ لَا يَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ، فَإِنَّ الْحُرَّ يَضْمَنُ بِالْإِبِلِ وَلَيْسَتْ بِمِثْلٍ وَلَا قِيمَةٍ، وَالْجَنِينَ بِالْغُرَّةِ، وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يَتَقَدَّرُ بِذَلِكَ كَالْمُوَضَّحَةِ، فَإِنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ مَعَ اخْتِلَافِهَا بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ، فَلَا يَمْنَعُ، وَعَنِ الرَّابِعِ: بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ؛ لَا تُبَاعُ شَاةٌ بِصَاعٍ، وَالْأَوْلَى أَنَّ التَّمْرَ بَدَلُ اللَّبَنِ لَا الشَّاةِ، فَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ. [الْخَامِسُ: خِيَارُ الْعَيْبِ] فَصْلٌ (الْخَامِسُ: خِيَارُ الْعَيْبِ، وَهُوَ النَّقْصُ) أَيْ: مَا نَقَصَ ذَاتُ الْمَبِيعِ أَوْ قِيمَتُهُ عَادَةً، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: نَقِيصَةً يَقْتَضِي الْعُرْفُ سلامة الْمَبِيعَ عَنْهَا غَائِبًا، ثُمَّ شَرَعَ فِي تَعْدَادِ مَا يُنْقِصُ الثَّمَنَ، وَلَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ (كَالْمَرَضِ) عَلَى جَمِيعِ حَالَاتِهِ (وَذَهَابِ جَارِحَةٍ أَوْ سِنٍّ أَوْ زِيَادَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِنْ فِعْلِهِ كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ إِذَا كَانَ مِنْ مُمَيَّزٍ) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الزِّنَى

стр. 1361

الْفِرَاشِ إِذَا كَانَ مِنْ مُمَيَّزٍ، فَمَنِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ ــ [المبدع في شرح المقنع] يُنْقِصُ قِيمَتَهُ وَيُقَلِّلُ الرَّغْبَةَ فِيهِ. وَقَوْلُهُمْ: وَتَعَرُّضُهُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ كَالزِّنَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالْبَاقِي عُيُوبٌ فِيمَنْ جَاوَزَ الْعَشْرَ، فَكَذَا مَا دُونَهَا، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ ": أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ بَلَغَ عَشْرًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ تَكَرَّرَ مِنْهُ أَوْ لَا، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ لَا يَكُونُ عَيْبًا إِلَّا إِذَا تَكَرَّرَ، وَقِيلَ: بَوْلٌ كَبِيرٌ إِذَا تَكَرَّرَ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": بَالِغٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ وَجُودَهَا يَدُلُّ عَلَى نُقْصَانِ عقله، وَضَعْفِ بِنْيَتِهِ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى خُبْثِ طَوِيَّتِهِ، وَالْبَوْلُ عَلَى دَاءٍ فِي بَطْنِهِ. أَصْلٌ: الْعُيُوبُ مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ غَيْرِهَا فَالْأَوَّلُ: كَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْعَمَى وَالْعَوَرِ وَالْعَرَجِ وَالْقَرْعِ وَالصَّمَمِ وَالطَّرَشِ وَالْخَرَسِ وَالْبَخْرِ وَالْحَوَلِ وَالتَّخَنُّثِ وَكَوْنِهِ خُنْثَى وَالْخَصْيِ وَالتَّزْوِيجِ فِي الْأَمَةِ وَتَحْرِيمٍ عَامٍّ كَالْمَجُوسِيَّةِ، وَحَمْلِ الْأَمَةِ دُونَ الْبَهِيمَةِ، وَعَدَمِ خِتَانٍ فِي كَبِيرٍ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَيْسَ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَتِنُونَ وَحُمْقٌ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مِنَ الْكَبِيرِ ارْتِكَابُ الْجَهْلِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَحُمْقٌ شَدِيدٌ وَاسْتِطَالَةٌ عَلَى النَّاسِ، وَلَيْسَ عُجْمَةُ اللِّسَانِ وَفَأْفَاءٌ وَتِمْتَامٌ وَقُرَابَةُ وَارِثٍ، وَأَلْثَغُ وَعَدَمُ حَيْضٍ فِي الْمَنْصُوصِ فِيهِ عَيْبًا، وَمِثْلُهُ عَقِيمٌ، وَفِي الثَّيُّوبَةِ وَمَعْرِفَةِ الْغِنَاءِ، وَالْكُفْرِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: وَفِسْقٌ بِاعْتِقَادٍ، أَوْ فِعْلٌ وَتَغْفِيلٌ وَالثَّانِي: كَوْنُ الدَّارِ يَنْزِلُهَا الْجُنْدُ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ الْقَاضِي قَدْ نَزَلَهَا الْجُنْدُ قَالَا: أَوِ اشْتَرَى قَرْيَةً وَجَدَ فِيهَا سَبْعًا أَوْ حَيَّةً عَظِيمَةً تُنْقِصُ الثَّمَنَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَبَقٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَفَزَعٌ شَدِيدٌ مِنْ كَبِيرٍ، وَكَوْنُهُ أَعْسَرَ، وَالْمُرَادُ لَا يَعْمَلُ بِالْيَمِينِ عَمَلَهَا الْمُعْتَادَ، وَإِلَّا فَزِيَادَةُ خَيْرٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَيْسَ بِعَيْبٍ لِعَمَلِهِ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَكَانَ شُرَيْحٌ يَرُدُّ بِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْجَارُ السُّوءُ عَيْبٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. ١ - (فَمَنِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ) ثُمَّ عَلِمَ (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ) وَأَخْذِ الثَّمَنِ

стр. 1362

وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ، وَهُوَ قِسْطٌ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ، وَمَا ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ مَعَ أَنَّهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَمْ يَذْكُرَا خِلَافًا أَمَّا الرَّدُّ، فَلَا نِزَاعَ فِيهِ، إِذْ مُطْلَقُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ بِدَلِيلِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مَمْلُوكًا فَكَتَبَ: هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا، أَوْ أَمَةً لَا دَاءَ وَلَا خِبَثَةَ وَلَا غَائِلَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ» وَإِذًا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بِظُهُورِ الْمَبِيعِ مَعِيبًا اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَهُ، وَإِزَالَةً لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الضَّرَرِ فِي بَقَائِهِ فِي مِلْكِهِ نَاقِصًا عَنْ حَقِّهِ، وَأَمَّا الْإِمْسَاكُ مَعَ الْأَرْشِ فَلِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَرَاضَيَا عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعَوَّضِ، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنَ الْعِوَضِ يُقَابِلُهُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَوَّضِ وَمَعَ الْعَيْبِ فَاتَ جُزْءٌ مِنْهُ فَيَرْجِعُ بِبَدَلِهِ، وَهُوَ الْأَرْشُ، وَعَنْهُ: لَا أَرْشَ لِمُمْسِكٍ لَهُ الرَّدُّ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ حِذَارًا مِنْ أَنْ يَلْزَمَ الْبَائِعُ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِإِخْرَاجِ مِلْكِهِ إِلَّا بِهَذَا الْعِوَضِ، فَإِلْزَامُهُ بِالْأَرْشِ إِلْزَامٌ لَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَلْزَمْهُ، يُحَقِّقُهُ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ لَيْسَ فِيهَا عَيْبٌ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَإِنَّمَا مَلَكَ الْخِيَارَ فِيهَا بِالتَّدْلِيسِ لَا لِفَوَاتِ جُزْءٍ، فَلِذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ أَرْشًا بِخِلَافِ الْمَعِيبِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ، فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ وَهَلْ يَأْخُذُ الْأَرْشُ مِنْ عَيِنِ الثَّمَنِ، أَوْ حَيْثُ شَاءَ الْبَائِعُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْبِ الْيَسِيرِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " وَغَيْرِهَا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَمُفْرَدَاتِ أَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ: لَا فَسْخَ بِعَيْبٍ يَسِيرٍ كَصُدَاعٍ وَحُمَّى يَسِيرَةٍ وَآيَاتٍ فِي الْمُصْحَفِ لِلْعَادَةِ كَغَبَنٍ يَسِيرٍ، وَلَوْ مِنْ وَلِيٍّ، وَكَذَا قَالَهُ أَبُو الْوَفَاءِ، وَالْقَاضِي فِي جَامِعِهِ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَادَةً مِنْ ذَلِكَ كَيَسِيرِ التُّرَابِ وَالْعَقْدِ فِي الْبُرِّ وَمَحَلِّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الرِّبَا لِشِرَاءِ فِضَّةٍ بِزِنَتِهَا دَرَاهِمَ وَنَحْوِهَا مَعِيبَةً، أَوْ قَفِيزًا مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا

стр. 1363

كَسَبَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ الْمُنْفَصِلُ، وَعَنْهُ: لَا يَرُدُّهُ إِلَّا مَعَ نَمَائِهِ، وَوَطْءُ ــ [المبدع في شرح المقنع] بِمِثْلِهِ فَلَهُ الرَّدُّ، أَوِ الْإِمْسَاكُ مَجَّانًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ لَا خِيَارَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ، وَلَمْ يَرْضَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ (وَهُوَ) أَيِ: الْأَرْشُ (قِسْطٌ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ، وَالْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَقَالَ: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ، فَعَلَى هَذَا يَقُومُ الْمَبِيعُ صَحِيحًا، ثُمَّ مَعِيبًا فَيُؤْخَذُ قِسْطُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الثَّمَنِ، كَمَا إِذَا قَوَّمَ صَحِيحًا بِعَشَرَةٍ وَمَعِيبًا بِثَمَانِيَةٍ، وَالثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا، فَقَدْ نَقَصَهُ الْعَيْبُ خمسة فَيَرْجِعُ بِخُمُسِ الثَّمَنِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ، فَفَوَاتُ جُزْءٍ مِنْهُ يُسْقِطُ عَنْهُ ضَمَانَ مَا قَابَلَهُ مِنَ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّا لَوْ ضَمِنَّاهُ نَقْصَ الْقِيمَةِ لَأَفْضَى إِلَى اجْتِمَاعِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ لِلْمُشْتَرِي فِي صُورَةِ مَا إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِعَشَرَةٍ وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يَنْقُصُهُ النِّصْفُ فَأَخَذَهَا، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. (وَمَا كَسَبَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي وَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ الْمُنْفَصِلُ) وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ رَدَّ الْمَعِيبِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَالِهِ أَوْ يَزِيدَ أَوْ يَنْقُصَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً كَالسَّمْنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، وَالْحَمْلِ وَالثَّمَرَةِ قَبْلَ ظُهُورِهَا فَيَرُدُّهَا بِنَمَائِهَا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَلِعَدَمِ تَصَوُّرِ رَدِّهَا بِدُونِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعُ قِيمَتُهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ مُعَاوَضَةٌ لَمْ يَلْتَزِمْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْقِيَاسُ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ لِحُدُوثِهَا فِي مِلْكِهِ وَكَالصَّدَاقِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ. والثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً وَهِيَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ كَالْكَسْبِ وَالْأُجْرَةِ وَمَا يُوهَبُ لَهُ، أَوْ يُوصَى لَهُ بِهِ فَهَذَا لِلْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ كَانَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَحَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ، ذَكَرَهَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْفُرُوعِ ". والثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَبِيعِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ الْمَجْذُوذَةِ

стр. 1364

الثَّيِّبِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ، وَعَنْهُ: يَمْنَعُ وَإِنْ وَطِئَ الْبِكْرَ أَوْ تَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ فَلَهُ الْأَرْشُ، ــ [المبدع في شرح المقنع] وَاللَّبَنِ الْمَحْلُوبِ، فَالْمَذْهَبُ الْمَعْمُولُ بِهِ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا وَيَرُدُّ الْأَصْلَ بِدُونِهَا لِقَوْلِهِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (وَعَنْهُ: لَا يَرُدُّهُ إِلَّا مَعَ نَمَائِهِ) الْمُنْفَصِلِ حَكَاهَا الْقَاضِي وَالشَّيْخَانِ جَعَلَا لِلنَّمَاءِ كَالْجُزْءِ مِنَ الْأَصْلِ، أَوْ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْفَسْخَ رُفِعَ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ حُكْمًا وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْكَسْبَ وَنَحْوَهُ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَنَاقَشَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْقَاضِيَ وَغَيْرَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّهُمْ أَخَذُوهَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَفِي الْأَخْذِ نَظَرٌ، فَلَوْ حَدَثَ الْعَقْدُ وَهِيَ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ رَدَّهَا رَدَّ وَلَدَهَا مَعَهَا صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَبِيعِ، وَالْوِلَادَةُ هُنَا نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ بِالْمَبِيعِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فَمُرَادُهُمْ بِالْوَلَدِ هُنَا وَلَدُ الْبَهِيمَةِ لَا الْأَمَةِ، فَإِنْ تَلِفَ الْوَلَدُ فَهُوَ كَتَعَيُّبِ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ إِمْسَاكُ الْوَلَدِ وَرَدُّ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، كَمَا لَوْ وَلَدَتْ حُرًّا فَبَاعَهَا دُونَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ بِأَخْذِ الْأَرْشِ أَوْرَدَهُمَا مَعًا، وَأَمَّا النَّقْصُ فَسَيَأْتِي. ١ - (وَوَطْءُ الثَّيِّبِ) إِذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا (لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ نَقْصُ جُزْءٍ وَلَا صِفَةٍ، وَلَمْ يَتَضَمَّنِ الرِّضَى بِالْعَيْبِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الرَّدَّ كَالِاسْتِخْدَامِ وَكَمَا لَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ، فَعَلَى هَذَا يَرُدُّهَا مَجَّانًا وَلِهَذَا لَهُ بَيْعُهَا مُرَابَحَةً بِلَا إِجْبَارٍ، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَعَنْهُ: يَرُدُّ مَعَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، لِأَنَّهُ إِذَا فَسَخَ صَارَ وَاطِئًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ (وَعَنْهُ: يَمْنَعُ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ كَالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ عُقُوبَةٍ أَوْ مَالٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الرَّدَّ كَالْبِكْرِ (وَإِنْ وَطِئَ الْبِكْرَ أَوْ تَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ) كَقَطْعِ الثَّوْبِ (فَلَهُ الْأَرْشُ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَذَكَرَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي

стр. 1365

وَعَنْهُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَرْشِ وَبَيْنَ رَدِّهِ، وَأَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ. قَالَ الْخِرَقِيُّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ قَدْ دَلَّسَ الْعَيْبَ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ كَامِلًا، قَالَ ــ [المبدع في شرح المقنع] " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى السَّلَامَةَ، فَإِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيْءٌ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِيمَا قَابَلَهُ مِنَ الثَّمَنِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، وَفِي الرَّدِّ ضَرَرٌ عَلَى الْبَائِعِ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، إِذْ ضَرَرُ الْمُشْتَرِي يُخَيَّرُ بِالْأَرْشِ فَتَعَيَّنَ، وَلِأَنَّ وَطْأَهَا يَعِيبُهَا عُرْفًا وَيَنْقُصُهَا حِسًّا لِكَوْنِهِ يُذْهِبُ جُزْءًا مِنْهَا (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَرْشِ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَأَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ) وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ، وَالْمُؤَلِّفُ قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ، وَعَلَيْهَا الْأَصْحَابُ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدَّ مَعَ ذَهَابِ جُزْءٍ مِنَ الْمَبِيعِ، وَهُوَ اللَّبَنُ وَجَعَلَ التَّمْرَ بَدَلًا لَهُ، وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى ثَوْبًا وَلَبِسَهُ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَرَدَّهُ، وَمَا نَقَصَ فَأَجَازَ الرَّدَّ مَعَ النُّقْصَانِ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ عَيْبُ حَدَثٍ عِنْدَ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الْخِيَارُ الْمَذْكُورُ كَالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَمْكَنَ عَوْدُهُ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ كَزَوَالِهِ قَبْلَ رَدِّهِ، وَإِنْ زَالَ بَعْدَهُ فَفِي رُجُوعِ مُشْتَرٍ عَلَى بَائِعٍ بِمَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ احْتِمَالَانِ فَعَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكَ وَأَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ الْمَوْجُودِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ رَدَّهُ رَدَّ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ كَالْآخَرِ، فَإِذَا كَانَتْ بِكْرًا قِيمَتُهَا مِائَةً وَثَيِّبًا ثَمَانِينَ رَدَّ مَعَهَا عِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ بِفَسْخِ الْعَقْدِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ بِخِلَافِ أَرْشِ الْعَيْبِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُشْتَرِي، وَعَنْهُ: الْوَاجِبُ فِي وَطْءِ الْبِكْرِ الْمَهْرُ مَعَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ (قَالَ الْخِرَقِيُّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ قَدْ دَلَّسَ الْعَيْبَ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ كَامِلًا) أَيْ: إِذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ أَيْ: كَتَمَهُ وَأَخْفَاهُ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرُدُّ بِلَا أَرْشٍ وَيَلْزَمُ الْبَائِعُ رَدَّ الثَّمَنِ بِكَمَالِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبَالَغَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَهُ الرَّدُّ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا عَقْدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَّطَ الْمُشْتَرِيَ وَغَرَّهُ فَصَارَ كَالْغَارِّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْعَيْبِ الْحَادِثِ سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي كَوَطْءِ الْبِكْرِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، أَوْ بِفِعْلِ الْعَبْدِ كَالْإِبَاقِ، وَالسَّرِقَةِ، أَوْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمَرَضِ وَسَوَاءٌ كَانَ نَاقِصًا

стр. 1366

الْقَاضِي: وَلَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ الْعَيْبَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ عِوَضُ الْعَيْنِ إِذَا تَلِفَتْ، وَأَرْشُ الْبِكْرِ إِذَا وَطِئَهَا لِقَوْلِهِ ﵇: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَكَمَا يَجِبُ عِوَضُ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ ــ [المبدع في شرح المقنع] لِلْمَبِيعِ، أَوْ مُذْهِبًا لِجَمِيعِهِ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ الْعَيْبَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ) وَابْنِ الْقَاسِمِ. قَالَ الْإِمَامَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبَقَ مِنْ يَدِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ إِبَاقَهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي يَدِ الْبَائِعِ: يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَيَتَّبِعُ الْبَائِعُ عَبْدَهُ حَيْثُ كَانَ، وَيُحْكَى عَنِ الْحَكَمِ وَمَالِكٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ عِوَضُ الْعَيْنِ إِذَا تَلِفَتْ، وَأَرْشُ الْبِكْرِ إِذَا وَطِئَهَا) حَكَاهُ الْمَجْدُ رِوَايَةً، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ (لِقَوْلِهِ ﵇: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُخَلَّدِ بْنِ خُفَافٍ وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِمَا (وَكَمَا يَجِبُ عِوَضُ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ عَلَى الْمُشْتَرِي) مَعَ كَوْنِهِ قَدْ نُهِيَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي عِوَضَ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ تُعُيِّبَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهِ فَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُدَلِّسْهُ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَلَا نَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا، وَلَا يُشْبِهُ التَّغْرِيرَ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدَهَا وَهَاهُنَا لَوْ كَانَ التَّدْلِيسُ مِنْ وَكِيلِ الْبَائِعِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. تَنْبِيهٌ: قَدْ شَمِلَ مَا ذَكَرْنَا كُلَّ مَبِيعٍ كَانَ مَعِيبًا لَمْ يُعْلَمْ بِهِ، ثُمَّ حَدَّثَ بِهِ آخَرُ كَزِنَى

стр. 1367

عَلَى الْمشرِي وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدُ، أَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ رَجَعَ بِأَرْشِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ باعه غير ــ [المبدع في شرح المقنع] الْأَمَةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُرِفَ مِنْهَا، وَفِيهِ احْتِمَالٌ وَنِسْيَانُ صَنْعَةٍ وَكِتَابَةٍ، وَعَنْهُ: يَرُدُّهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْعَيْنِ وَيُمْكِنُ عَوْدُهُ بِالتَّذْكِيرِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ سَمِينًا فَهَزَلَ، وَالْعَيْبُ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي كَالْعَيْبِ قَبْلَهُ فِيمَا ضَمَانُهُ عَلَى الْبَائِعِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا أَرْشَ إِلَّا أَنْ يُتْلِفَهُ آدَمِيٌّ فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي غَرَّمَهُ كَالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، وَعَنْهُ: عُهْدَةُ الْحَيَوَانِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَعَنْهُ: سَنَةٌ. قَالَ فِي " الْمُبْهِجِ ": وَبَعْدَهَا قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ فِي الْعُهْدَةِ حَدِيثٌ، وَالْحَسَنُ لَمْ يَلْقَ عُقْبَةُ، وَإِجْمَاعُ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. (وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ) ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ (رَجَعَ بِأَرْشِهِ) أَيْ: إِذَا ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ بَعْدَ أَنْ تَلِفَتْ تَلَفًا مَعْنَوِيًّا كَالْإِعْتَاقِ وَنَحْوِهِ كَالْوَقْفِ، وَالِاسْتِيلَادِ، أَوْ حِسِّيًّا كَالْمَوْتِ وَتَلَفِ الثَّوْبِ فَلَهُ الْأَرْشُ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ الْبَقَاءُ، إِذِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَقْتَضِي تَعْيِينَ أَحَدِهِمَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْآخَرِ، وَخَرَجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ أَنْ يَفْسَخَ وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ وَيَغْرَمَ الْقِيمَةَ. وَفَرَّقَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " بِأَنَّ هَذَا يَعْتَمِدُ الرَّدَّ وَلَا مَرْدُودَ، ثُمَّ يَعْتَمِدُ الْفَسْخَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأَرْشَ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ فِي الرِّقَابِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، إِذِ الْعِتْقُ إِنَّمَا صَادَفَ الرَّقَبَةَ لَا الْجُزْءَ الْفَائِتَ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ الرَّقَبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ظَانًّا سَلَامَتَهَا فَاقْتَضَى خُرُوجَهُ عَنْ هَذَا الْجُزْءِ، وَحَمَلَهَا الْمُؤَلِّفُ على الاستحباب وَالْقَاضِي عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْعِتْقُ فِي وَاجِبٍ، فَأَمَّا التَّبَرُّعُ، فَلَا أَرْشَ لَهُ قَوْلًا وَاحِدًا (وَكَذَلِكَ إِنْ بَاعَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَعْرِفْ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْعَقْدُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الرِّضَى بِهِ نَاقِصًا فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ (وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَهُ) فَلَهُ أَرْشُهُ جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْرِكْ ظَلَامَتَهُ أَشْبَهَ

стр. 1368

عَالَمَ بِعَيْبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى فِيمَنْ بَاعَهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعُ فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ الرَّدُّ أَوِ الْأَرْشُ، وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ فَلَهُ أَرْشُ الْبَاقِي، وَفِي أَرْشِ الْبيعِ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْوَقْفَ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنْ إِمْكَانِ الرَّدِّ لِاحْتِمَالِ رُجُوعِ الْمَوْهُوبِ إِلَيْهِ. وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ إِمْكَانَ الرَّدِّ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ أَخْذِ الْأَرْشِ، كَمَا قَبِلَ الْهِبَةَ. فَرْعٌ: إِذَا زَالَ مِلْكُهُ عِنْدَ غَيْرِ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ وَقُلْنَا: لَهُ الْأَرْشُ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي قِيمَتِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُنْتَخَبِ " (وَإِنْ فَعَلَهُ) فِي الْعِتْقِ وَنَحْوِهِ (عَالِمًا بِعَيْبِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ) عَلَى الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالْمَبِيعِ نَاقِصًا فَسَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْأَرْشِ كَالرَّدِّ بِلَا نِزَاعٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الْإِمْسَاكِ مَعَ الْعِلْمِ، إِذِ الْأَرْشُ عِوَضُ الْجُزْءِ الْفَائِتِ (وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى فِيمَنْ بَاعَهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ) أَيْ: لَا أَرْشَ لَهُ مُطْلَقًا، وَهَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ كَانَ بِفِعْلِهِ، وَقَدِ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ بِبَيْعِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ زَالَ الْعَيْبُ (إِلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ، فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ الرَّدُّ أَوِ الْأَرْشُ) لِأَنَّهُ إِذَا عَادَ مِلْكُهُ ثَبَتَتِ الْخِيَرَةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبِعْهُ. فَرْعٌ: لَوْ بَاعَهُ مُشْتَرٍ لِبَائِعِهِ فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي، ثُمَّ لِلثَّانِي رَدُّهُ عَلَيْهِ وَفَائِدَتُهُ اخْتِلَافُ الثَّمَنَيْنِ. (وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ فَلَهُ أَرْشُ الْبَاقِي) فِي مِلْكِهِ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ فِي يَدِهِ فَاتَ مِنْهُ جُزْءٌ اقْتَضَى الْعَقْدُ سَلَامَتَهُ، فَكَانَ لَهُ عِوَضُهُ، وَيَكُونُ بِالْحِسَابِ، فَإِذَا بَاعَ النِّصْفَ كَانَ لَهُ نِصْفُ الْأَرْشِ، أَوِ الرُّبْعَ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالْبَيْعِ بَلْ إِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْ بَعْضِهِ، فَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْبَيْعِ لِكَثْرَتِهِ (وَفِي أَرْشِ الْبَيْعِ الرِّوَايَتَانِ) فِيمَا إِذَا بَاعَ الْجَمِيعُ، ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ مَعَ تَدْلِيسِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْبَاقِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ

стр. 1369

الرِّوَايَتَانِ. وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَهُ رَدُّ مِلْكِهِ مِنْهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَأَرْشُ الْعَيْبِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ، وَإِنْ صَبَغَهُ، أَوْ نَسَجَهُ فَلَهُ الْأَرْشُ، وَعَنْهُ: لَهُ الرَّدُّ، وَيَكُونُ شَرِيكًا بِصَبْغِهِ وَنَسْجِهِ، وَإِنِ اشْتَرَى مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَحْمَدَ (لَهُ رَدُّ مِلْكِهِ مِنْهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ مَبِيعٌ ظَهَرَ عَلَى عَيْبِهِ وَأَمْكَنَهُ الرَّدُّ فَمَلَكَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ بَاقِيًا (وَأَرْشُ الْعَيْبِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً أَوْ عَيْنَيْنِ. وَخَصَّ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْخِلَافَ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيينِ، وَلَمْ يَنْقُصْهُمَا التَّفْرِيقُ كَالْعَبْدَيْنِ، وَالثَّوْبَيْنِ، فَإِذَا نَقَصَهُمَا التَّفْرِيقُ كَزَوْجَيْ خُفٍّ، أَوْ كَانَ عَيْنًا وَاحِدَةً فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ دَفْعًا لِضَرَرِ الْبَائِعِ لِنَقْصِهِمَا بِالتَّفْرِيقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَنْدَفِعُ بِرَدِّ أَرْشِ النَّقْصِ وَحَمَلَا قَوْلَ الْخِرَقِيِّ عَلَى مَا إِذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ، فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي الرَّدَّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ نَقْصَ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ لَا أَثَرَ لَهُ مَعَ التَّدْلِيسِ كَمَا مَرَّ. (وَإِنْ صَبَغَهُ أَوْ نَسَجَهُ فَلَهُ الْأَرْشُ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِدْرَاكَ ظَلَامَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْبَائِعِ، فَتَعَيَّنَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ الْمَبِيعَ بِمِلْكِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَكَمَا لَوْ فَصَلَهُ (وَعَنْهُ: لَهُ الرَّدُّ، وَيَكُونُ) الْمُشْتَرِي (شَرِيكًا بِصَبْغِهِ وَنَسْجِهِ) أَيْ: يَكُونُ شَرِيكًا بِقِيمَةِ الزِّيَادَةِ كَالْغَاصِبِ، وَبَعْدَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَلَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى بَذْلِ عِوَضِ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا الْمُشْتَرِي عَلَى قَبُولِهِ فِي الْأَصَحِّ. (وَإِنِ اشْتَرَى مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةً كَبَيْضِ الدَّجَاجِ) وَالْجَوْزِ وَالرُّمَّانِ وَالْبِطِّيخِ (رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا فَسَادَ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ لِكَوْنِهِ وَقَعَ عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ كَبَيْعِ الْحَشَرَاتِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فَاسِدًا رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّ الْمَبِيعِ إِلَى بَائِعِهِ لعدم

стр. 1370

مَكْسُورًا قِيمَةً كَبَيْضِ الدَّجَاجِ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةً كَبَيْضِ النَّعَامِ وَجَوْزِ الْهِنْدِ فَلَهُ أَرْشُهُ، وَعَنْهُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَرْشِهِ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ مَا نَقَصَهُ وَأَخَذَ الثَّمَنَ، وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمَنْ عَلِمَ الْعَيْبَ فَأَخَّرَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الفائدة فِيهِ (وَإِنْ كَانَ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةً كَبَيْضِ النَّعَامِ، وَجَوْزِ الْهِنْدِ) وَالْبِطِّيخِ الَّذِي فِيهِ نَفْعٌ (فَلَهُ أَرْشُهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِكَسْرِهِ فَتَعَيَّنَ الْأَرْشُ (وَعَنْهُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَرْشِهِ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ مَا نَقَصَهُ وَأَخَذَ الثَّمَنَ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدَّ مَعَ رَدِّ بَدَلِ الْمُتْلِفِ بِيَدِهِ مِنَ الْمَبِيعِ، وَهُوَ اللَّبَنُ مَعَ تَدْلِيسِ الْبَائِعِ وَغَرَرِهِ فَهُنَا أَوْلَى. وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا لَا يُمْكِنُ الِاسْتِعْلَامُ إِلَّا بِهِ فَلَهُ رَدُّهُ اسْتِدْرَاكًا لِظَلَامَتِهِ، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَسْرَ حَصَلَ ضَرُورَةَ الِاسْتِعْلَامِ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا يُمْكِنُ الِاسْتِعْلَامُ بِدُونِهِ فَيُبْنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إِذَا تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ هَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّ أَرْشِ الْكَسْرِ الْمُسْتَعْلَمِ بِهِ، وَالرَّدُّ إِنْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِعْلَامِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَدْلِيسٌ وَلَا تَفْرِيطٌ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِعَيْبِهِ. زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " إِلَّا مَعَ شَرْطِ سَلَامَتِهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ. تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى رِبَوِيًّا بجنسه فبان مَعِيبًا فَلَهُ الْفَسْخُ لِلضَّرُورَةِ دُونَ الْأَرْشِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّفَاضُلِ، وَعَنْهُ: لَهُ الْأَرْشُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ الْفَائِتِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: من غير جِنْسه قِيَاسًا عَلَى مَدِّ عَجْوَةٍ، فَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ، عند الْمُشْتَرِي، فَرِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَرُدُّهُ وَيَرُدُّ أَرْشُ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ. وَالْأُخْرَى: يَفْسَخُ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ وَيَرُدُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ وَيُطَالِبُ بِقِيمَةِ الْحُلِيِّ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إِهْمَالُ الْعَيْبِ، وَلَا أَخْذُ الْأَرْشِ. ١ -
следующие страницы →