← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: يَغْتَسِلُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِلَامِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَعَنْهُ: إِنْ وَجَدَ لَذَّةَ الْإِنْزَالِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ خَرَجَ لِشَهْوَةٍ اغْتَسَلَ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَا الِانْتِقَالِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَجِبُ لِئَلَّا يَلْزَمَ انْتِقَالُ مَنِيٍّ، وَخُرُوجُهُ مِنْ غَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، فَدَبَّ مَنِيُّهُ، فَدَخَلَ فَرْجَ الْمَرْأَةِ، ثُمَّ خَرَجَ أَوْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا، أَوْ خَرَجَ مَا اسْتَدْخَلَتْهُ بِقُطْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَنْزِلْ مَنِيُّهَا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ خَرَجَ مَا دَخَلَهُ مِنْ مَنِيِّ امْرَأَةٍ بِسِحَاقٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَفِي الْكُلِّ وَجْهٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا انْتَبَهَ بَالِغٌ، أَوْ مَنْ يُحْتَمَلُ بُلُوغُهُ، فَوَجَدَ بَلَلًا جَهِلَ أَنَّهُ مِنِيٌّ، وَجَبَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ حُلْمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَغَسَلَ بَدَنَهُ، وَثَوْبَهُ احْتِيَاطًا، وَلَا يَجِبُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ، ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا، وَهُوَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ وَجَدَهُ يَقَظَةً، وَشَكَّ فِيهِ تَوَضَّأَ، وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ حُكْمُ غَيْرِ الْمَنِيِّ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ حُكْمِهِمَا، وَإِنْ سَبَقَ نَوْمَهُ نَظَرٌ أَوْ بَرْدٌ أَوْ مُلَاعَبَةٌ لَمْ يَجِبْ،

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَعَنْهُ: إِنْ ذَكَرَ مَعَهُ حُلْمًا، وَإِنْ تَيَقَّنَهُ مَذْيًا، فَلَا، وَإِنْ رَأَى مَنِيًّا بِثَوْبٍ يَنَامُ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْأَزَجِّيُّ: لَا بِظَاهِرِهِ لِجَوَازِهِ مِنْ غَيْرِهِ، اغْتَسَلَ، وَيَعْمَلُ فِي الْإِعَادَةِ بِالْيَقِينِ، وَإِنْ كَانَ يَنَامُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، فَلَا، عَلَى الْأَصَحِّ. [الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ] (الثَّانِي: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَزَادَ هُوَ، وَأَحْمَدُ «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ، لِقَوْلِهِ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» . فَمَنْسُوخٌ بِمَا رَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «قَالَ: إِنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ، رُخْصَةٌ رَخَّصَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. ثُمَّ الْمُرَادُ مِنَ الْتِقَائِهِمَا: تَقَابُلُهُمَا وَتَحَاذِيهِمَا فَقَالَ: (وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) الْأَصْلِيَّةِ أَوْ قَدْرِهَا إِنْ فُقِدَتْ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ (فِي الْفَرْجِ) الْأَصْلِيِّ بِلَا حَائِلٍ، وَقِيلَ: وَمَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَرَارَةً لِيَحْتَرِزَ بِهِ مِنَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ إِذَا أَوْلَجَ حَشَفَتَهُ، وَلَمْ يُنْزِلْ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، أَوْ أَوْلَجَ غَيْرُ الْخُنْثَى ذَكَرَهُ مِنْ قُبُلِ الْخُنْثَى، فَلَا غُسْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِاحْتِمَالِ

стр. 143

أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ. الثَّالِثُ: إِسْلَامُ الْكَافِرِ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا ــ [المبدع في شرح المقنع] كَوْنِ الْحَشَفَةِ أَوِ الْقُبُلِ خِلْقَةً زَائِدَةً، وَمَنْ أَنْزَلَ مِنْهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ تَوَاطَأَ خُنْثَيَانِ فِي قُبُلَيْهِمَا أَوْ دُبُرَيْهِمَا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: الزَّائِدُ كَأَصْلِيٍّ وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ تَوَاطَأَ رَجُلٌ وَخُنْثَى فِي دُبُرَيْهِمَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بِيَقِينٍ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُهُ عَلَى الْخُنْثَى احْتِيَاطًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ إِيلَاجٍ فَلَا غُسْلَ، كَمَنْ أَوْلَجَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، فَلَوْ مَكَثَ زَمَانًا لَمْ يُصَلِّ احْتَاطَ فِي الصَّلَاةِ، وَيُعِيدُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِمَّا اشْتُهِرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ فَلَمْ يُعْذَرْ بِالْجَهْلِ، وَالطَّائِعِ وَالْمُكْرَهِ، لِأَنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ، كَسَبْقِ الْحَدَثِ، وَالنَّائِمُ كَالْيَقْظَانِ (قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا) فِي الْمَنْصُوصِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْوَاطِئِ (مِنْ آدَمِيٍّ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِلْبَالِغِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ إِذَا وَطِئَ، وَالصَّغِيرَةِ إِذَا وُطِئَتْ، مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَالْأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ إِنْ أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغُسْلِ أَوِ الْوُضُوءِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ شَهِيدًا، لَكِنَّ الْقَاضِيَ صَرَّحَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، مُسْتَدِلًّا بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ كَالْحَائِضِ، وَحَمَلَ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " لِكَوْنِهِ صَرَّحَ بِالْوُجُوبِ، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، إِذْ مُرَادُهُ بِالْوُجُوبِ اشْتِرَاطُهُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، لَا التَّأْثِيمُ بِتَأْخِيرِهِ، وَمُرَادُ الْقَاضِي بِالِاسْتِحْبَابِ انْتِفَاءُ إِلْزَامِهِ بِذَلِكَ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِوُجُوبِهِ مُجَامَعَةَ مِثْلِهِ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِلذَّكَرِ ابْنَ عَشْرٍ، وَلِلْأُنْثَى بِنْتَ تِسْعٍ، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْأَكْثَرِ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ (أَوْ بَهِيمَةٍ) حَتَّى سَمَكَةٍ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي "تَعْلِيقِهِ" وَتَبِعَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ إِيلَاجٌ فِي فَرْجٍ أَشْبَهَ الْآدَمِيَّةَ، وَلَوْ غَيَّبَتِ امْرَأَةٌ

стр. 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] حَشَفَةَ بَهِيمَةٍ اغْتَسَلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً فَلَا (حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ) لِمَا ذَكَرْنَا، فَيُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِوَطْئِهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْعَجُوزِ وَالشَّوْهَاءِ، وَالْمَذْهَبُ: يَجِبُ عَلَى النَّائِمِ، وَالْمَجْنُونِ. فَرْعٌ: لَوْ قَالَتِ امْرَأَةٌ: لِي جِنِّيٌّ يُجَامِعُنِي كَالرَّجُلِ، فَلَا غُسْلَ، لِعَدَمِ الْإِيلَاجِ وَالِاحْتِلَامِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنِّيَّ يَغْشَى الْمَرْأَةَ كَالْإِنْسِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْغَشَيَانِ الْإِيلَاجُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غِشْيَانُهُ عَنْ مُلَابَسَةٍ بِبَدَنِهِ خَاصَّةً. [إِسْلَامُ الْكَافِرِ] (الثَّالِثُ: إِسْلَامُ الْكَافِرِ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا) عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ أَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ إِلَى حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْعَمْرِيِّ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: «أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ، فَأُقِيمَتِ الْمَظِنَّةُ مُقَامَ الْحَقِيقَةِ كَالنَّوْمِ، وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُسَاوٍ لِلْأَصْلِيِّ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ الْإِسْلَامُ فَوَجَبَ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَبَيْنَ مَنْ أَجْنَبَ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحَالُ لَوَجَبَ الِاسْتِفْصَالُ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ بِالْبَالِغِ، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ الْغُسْلَ

стр. 145

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ. الرَّابِعُ: الْمَوْتُ الْخَامِسُ: الْحَيْضُ السَّادِسُ: النِّفَاسُ ــ [المبدع في شرح المقنع] شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ وَطْءِ الصَّبِيِّ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ) وَحَكَى فِي " الْكَافِي " رِوَايَةً. فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ كَجَنَابَةٍ، فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ، وَسَوَاءٌ اغْتَسَلَ فِي كُفْرِهِ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِهِ كَغَيْرِهِ، إِذْ هُوَ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ بَعْدِ الْإِسْلَامِ، وَيَقَعُ كَثِيرًا، وَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَلَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، لِحَدِيثِ قَيْسٍ بِقَرِينَةِ السِّدْرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ إِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ أُصُولَ الْإِسْلَامِ لَا شَرَائِطَهَا، فَعَلَى هَذَا، الْأَشْهَرُ: لَوْ أَجْنَبَ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ تَدَاخَلَا، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ لِلْجَنَابَةِ، فَلَوِ اغْتَسَلَ فِي كُفْرِهِ أَعَادَهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ نِيَّتِهِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا، إِنِ اعْتَقَدَ وَجُوبَهَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى طَاعَةٍ فِي الْكُفْرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَقِيلَ: لَا غُسْلَ عَلَى كَافِرٍ مُطْلَقًا. فَرْعٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَ الْمَاءِ بِالسِّدْرِ، - كَإِلْقَاءِ شَعْرِهِ - لِلْخَبَرِ قَالَ أَحْمَدُ: وَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهَا وَجَبَ، وَإِلَّا اسْتُحِبَّ. فَرْعٌ: يَحْرُمُ تَأْخِيرُ الْإِسْلَامِ لِغُسْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوِ اسْتَشَارَ مُسْلِمًا فَأَشَارَ بِعَدَمِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَخَّرَ عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ، وَذَكَرَ صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُرْتَدًّا، وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ. [الْمَوْتُ] (الرَّابِعُ: الْمَوْتُ) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا يَأْتِي، وَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَمَا أَمَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ ﵇: اغْسِلْنَهَا. . . إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ تَعَبُّدٌ لَا عَنْ حَدَثٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْهُ، لَمْ يَرْتَفِعْ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ، كَالْحَائِضِ لَا تَغْتَسِلُ مَعَ جَرَيَانِ الدَّمِ، وَلَا عَنْ

стр. 146

وَفِي الْوِلَادَةِ الْعَرِيَّةِ عَنِ الدَّمِ وَجْهَانِ وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا، ــ [المبدع في شرح المقنع] نَجِسٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْهُ لَمْ يَطْهُرْ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ، وَهُوَ الْمَوْتُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ، وَالْمَقْتُولُ ظُلْمًا، وَسَيَأْتِي. [الْحَيْضُ] (الْخَامِسُ: الْحَيْضُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِهِ ﵇ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: «وَإِذَا ذَهَبَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَرَ بِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَسَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ، وَحَمْنَةَ، وَغَيْرَهُنَّ، يُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ: إِذَا اغْتَسَلْنَ، فَمُنِعَ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ غُسْلِهَا، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا. [النِّفَاسُ] (السَّادِسُ: النِّفَاسُ) كَالْحَيْضِ، يَجْتَمِعُ ثُمَّ يَخْرُجُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ بِالْخُرُوجِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ إِنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِسَبَبِهِ، لَكِنَّ الِانْقِطَاعَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ اتِّفَاقًا، وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالِانْقِطَاعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا أَنَّ الْحَائِضَ إِذَا اسْتُشْهِدَتْ، فَعَلَى الثَّانِي: لَا تَغْسِلُ، إِذْ الِانْقِطَاعُ الشَّرْعِيُّ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ لَمْ يُوجَدْ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: تَغْسِلُ لِلْوُجُوبِ بِالْخُرُوجِ، وَقَدْ حَصَلَ الِانْقِطَاعُ حِسًّا أَشْبَهَ مَا لَوْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الطُّهْرَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْغُسْلِ، أَوْ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا مَنْ عَلَّقَ عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا عَلَى مَا يُوجِبُ غُسْلًا، وَقَعَ بِالْخُرُوجِ، وَعَلَى الثَّانِي: بِالِانْقِطَاعِ. (وَفِي الْوِلَادَةِ الْعَرِيَّةِ عَنْ دَمٍ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " (وَجْهَانِ) - وَفِي " الْكَافِي " رِوَايَتَانِ - أَحَدُهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخَيْنِ، وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ "، و" الْوَجِيزِ ": أَنَّهُ لَا يَجِبُ، لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَالثَّانِي:

стр. 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] بَلَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَابْنِ الْبَنَّا، لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ النِّفَاسِ الْمُوجِبِ، فَأُقِيمَ مُقَامَهُ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، أَوْ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ مُنْعَقِدٌ، وَرُدَّ بِخُرُوجِ الْعَلَقَةِ، فَإِنَّهَا لَا تُوجِبُ غُسْلًا بِلَا نِزَاعٍ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": بِلَا دَمٍ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا الْفِطْرُ، وَتَحْرِيمُ الْوَطْءِ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ، وَالْوَلَدُ طَاهِرٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي غُسْلِهِ مَعَ دَمٍ وَجْهَانِ. مَسْأَلَةٌ: لَا غُسْلَ عَلَى حَائِضٍ لِجَنَابَةٍ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا فِي الْمَنْصُوصِ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوِ اغْتَسَلَتْ صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مَنَعَ الْإِعْطَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، لِأَنَّ بَقَاءَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ، كَمَا لَوِ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ، وَهِيَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهَا لَمْ تَسْتَفِدْ بِهِ شَيْئًا، وَفِي وُجُوبِ غُسْلِ ذِمِّيَّةٍ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ لِوَطْءِ زَوْجٍ مُسْلِمٍ أَوْ سَيِّدٍ رِوَايَتَانِ. [مَا يَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ] (وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ حَرُمَ عَلَيْهِ) مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ (قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا) عَلَى الْأَصَحِّ، رُوِيَتْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ - بِكَسْرِ اللَّامِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَحْجُبُهُ، وَرُبَّمَا قَالَ: لَا يَحْجِزُهُ، مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَاهُ، قَالَ شُعْبَةُ: لَسْتُ أَرْوِي حَدِيثًا أَجْوَدَ مِنْ هَذَا. فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ وَلَمْ يَغْتَسِلْ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، وَضَعَفَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: لَا وَجْهَ لَهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: جَوَازُ قِرَاءَتِهَا، نَقَلَهَا الْخَطَّابِيُّ، وَأَشَارَ إِلَيْهَا فِي

стр. 148

وَفِي بَعْضِ آيَةٍ رِوَايَتَانِ. وَيَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ. ــ [المبدع في شرح المقنع] " التَّلْخِيصِ " فَقَالَ: وَقِيلَ: يَتَخَرَّجُ مِنْ تَصْحِيحِ خُطْبَةِ الْجُنُبِ قِرَاءَةُ آيَةٍ لِاشْتِرَاطِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ آيَاتٍ لِلتَّعَوُّذِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " أَنَّهُ يَجُوزُ آيَةٌ وَآيَتَانِ، لِأَنَّهُ لَا إِعْجَازَ فِيهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا طَالَ، وَقِيلَ: يُبَاحُ لِحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: يُبَاحُ لِنُفَسَاءَ فَقَطْ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَقِيلَ: يُبَاحُ لِحَائِضٍ أَنْ تَقْرَأَ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ بَعِيدٌ. لَكِنِ اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا أَنْ تَقْرَأَهُ إِذَا خَافَتْ نِسْيَانَهُ بَلْ يَجِبُ، لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ. (وَفِي بَعْضِ آيَةٍ رِوَايَتَانِ) أَظْهَرُهُمَا: لَا يَجُوزُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ. أَشْبَهَ الْكَثِيرَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ قَوْلُ: بِاسْمِ اللَّهِ تَبَرُّكًا عَلَى الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، بِشَرْطِ عَدَمِ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ، وَهِيَ الْأَصَحُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الرِّعَايَةِ " كَالذِّكْرِ، وَلَوْ كَرَّرَهَا مَا لَمْ يَتَحَيَّلْ عَلَى قِرَاءَةٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَافَقَ نَظْمَ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَهُ تَهَجِّيهِ فِي الْأَصَحِّ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ، وَتَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ مَا لَمْ يُبَيِّنِ الْحُرُوفَ، وَقِرَاءَةُ أَبْعَاضِ آيَةٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَوْ آيَاتٍ يَسْكُتُ بَيْنَهَا سُكُوتًا طَوِيلًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ فَمُهُ نَجِسٌ لَا يُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ أَوْلَى. فَرْعٌ: الْكَافِرُ كَالْجُنُبِ يُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهِ، وَلَوْ رُجِيَ إِسْلَامُهُ، نَقَلَ مُهَنَّا: أَكْرَهُ أَنْ يَضَعَهُ

стр. 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. ١ - (وَيَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] ، وَهُوَ الطَّرِيقُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَنْبَأَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ أَحَدُنَا فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا مُجْتَازًا، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: لِحَاجَةٍ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَكَوْنُهُ طَرِيقًا قَصِيرًا حَاجَةٌ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ اتِّخَاذَهُ طَرِيقًا، وَقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَى حَائِضٍ وَجُنُبٍ، كَمَا لَوْ حَصَلَ تَلْوِيثٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَهُمَا دُخُولُهُ لِلْأَخْذِ مِنْهُ دُونَ الْوُضُوءِ، وَيُمْنَعُ مِنْهُ سَكْرَانُ، وَفِي الْخِلَافِ: لَا، وَمَجْنُونٌ، وَقِيلَ: فِيهِ يُكْرَهُ، كَصَغِيرٍ، وَفِيهِ: فِي " النَّصِيحَةِ " يُمْنَعُ اللَّعِبُ، لَا صَلَاةٌ، وَقِرَاءَةٌ، وَنَقَلَ مُهَنَّا يَنْبَغِي أَنْ يُجَنَّبَ الصِّبْيَانُ الْمَسَاجِدَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، حَتَّى مُصَلَّى الْعِيدِ، لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً، لَا مُصَلَّى الْجَنَائِزِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَلَمْ يَمْنَعْ فِي " النَّصِيحَةِ " حَائِضًا مِنْ مُصَلَّى الْعِيدِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ، وَمَنَعَهَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ". (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمَا لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، وَحَنْبَلٌ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمْ مُجْنِبُونَ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَهُمْ لِلصَّلَاةِ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يُخَفِّفُ حَدَثَهُ، فَيَزُولُ بَعْضُ مَا مَنَعَهُ، وَعَنْهُ: لَا، وِفَاقًا لِلْآيَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا أُحِلُّ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 150

فَصَلٌ وَ الْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ غُسْلًا: لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ ــ [المبدع في شرح المقنع] عَنْهَا، وَالْأَكْثَرُ يُضَعِّفُهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَةٌ: يَجُوزُ لِجُنُبٍ مُطْلَقًا، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يَجُوزُ لِحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ، لِأَنَّ حَدَثَهُمَا بَاقٍ لَا أَثَرَ لِلْوُضُوءِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعِ الدَّمُ لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ، وَاحْتَاجَ فَبِدُونِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَمُسْتَحَاضَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَعِنْدَ أَبِي الْمَعَالِي، وَالْمُؤَلِّفِ: أَنَّهُ يَجُوزُ بِتَيَمُّمٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ كَلُبْثِهِ لِغُسْلِهِ فِيهِ. فَرْعٌ: يُمْنَعُ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي فِي اللُّبْثِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَيَمَّمُ لَهَا لِلْعُذْرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي الْمَسْجِدِ جَازَ دُخُولُهُ بِلَا تَيَمُّمٍ، وَإِنْ أَرَادَ اللُّبْثَ فِيهِ لِلِاغْتِسَالِ تَيَمَّمَ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ بُعْدٌ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْعُكْبَرِيُّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ سَأَلَهَا أَبُو يُوسُفَ لِمَالِكٍ، فَجَوَّزَ الدُّخُولَ بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ. [الْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ] [الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ] (وَالْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ غُسْلًا) . وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " (لِلْجُمُعَةِ) لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إِلَى الْحَسَنِ، وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهُ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَيَكُونُ فِي يَوْمِهَا لِحَاضِرِهَا إِنْ صَلَّى، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَرْأَةُ، وَقِيلَ: وَلَهَا، وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ

стр. 151

وَالْكُسُوفِ وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ ــ [المبدع في شرح المقنع] السَّلَامُ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ، وَالْأَمْرُ بِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ أَتَى الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ غُسْلٍ. وَقَوْلُهُ: وَاجِبٌ قِيلَ: كَانَ وَاجِبًا، ثُمَّ نُسِخَ، وَقِيلَ: يُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهِ مُتَأَكِّدُ الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا تَقُولُ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ، وَبِدَلِيلِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ آكَدُهَا عَلَى الْأَشْهَرِ. [الْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ] (وَالْعِيدَيْنِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ لِذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَفِيهِمَا ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُشْتَرَطُ لَهَا الْجَمَاعَةُ، أَشْبَهَتِ الْجُمُعَةَ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا حَضَرَهَا، وَصَلَّى، وَلَوْ مُنْفَرِدًا، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " إِنْ حَضَرَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، وَمِثْلُهُ الزِّينَةُ وَالطِّيبُ، لِأَنَّهُ يَوْمُ الزِّينَةِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، وَوَقْتُهُ كَالْجُمُعَةِ، وَعَنْهُ: بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَتِهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِي جَمِيعِهَا أَوْ بَعْدَ نِصْفِهَا كَالْأَذَانِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ، لِأَنَّ زَمَنَ الْعِيدِ أَضْيَقُ مِنَ الْجُمُعَةِ. [الْغُسْلُ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ] (وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْكُسُوفِ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ كَالْجُمُعَةِ (وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ) عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، بِدَلِيلِ أَنَّ أَسْمَاءَ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ، وَسَأَلَتْ هَلْ عَلَيَّ غُسْلٌ: قَالُوا: لَا، رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيُّ، وَعَنْهُ: مِنْ كَافِرٍ، «لِأَنَّهُ ﵇ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُوَارِيَ أَبَا طَالِبٍ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: اغْتَسِلْ رَوَاهُ أَحْمَدُ» ، وَعَنْهُ: حَتَّى الْحَيِّ قَالَهُ الْقَاضِي، وَفِي " الْمُغْنِي ": لَا نَعْلَمُ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ

стр. 152

احْتِلَامٍ، وَ غُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَ الْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ ــ [المبدع في شرح المقنع] حُجَّةً تُوجِبُهُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا، قَالَ أَحْمَدُ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ: لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ. [الْغُسْلُ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ] (وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْإِغْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالْجُنُونُ فِي مَعْنَاهُ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ فِي نَفْسِهِ لَا يُوجِبُهُ كَالنَّوْمِ، وَوُجُودُ الْإِنْزَالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يُزَالُ عَنِ الْيَقِينِ، وَإِنْ وُجِدَ مَعَهُ بِلَّةٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَوْ مَرَضٍ، فَإِنْ تَيَقَّنَ مَعَهُمَا الْإِنْزَالَ وَجَبَ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ كَالنَّائِمِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَالِهِ ﵇ الْوُجُوبُ، وَتَكَرَّرَ مَعَ مَشَقَّتِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ. [غُسْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ] (وَغُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ ﵂ اسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَفَهِمَتْ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ الِاغْتِسَالَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ رَوَاهُ» أَبُو دَاوُدَ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ، وَعَنْهُ: بَلَى، لِأَمْرِهِ ﵇ زَيْنَبَ وَأُخْتَهَا بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ فِيهَا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ انْقِطَاعَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ يُوجِبُ الْغُسْلَ. [الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ] (وَالْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ،

стр. 153

وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالطَّوَافِ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، «لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نُفِسَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. لَا يُقَالُ: أَمَرَهَا بِهِ لِأَجْلِ النِّفَاسِ، فَلَا يَنْتَهِضُ دَلِيلًا، لِأَنَّ حَدَثَ النِّفَاسِ مُسْتَمِرٌّ، وَالْغُسْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَا (وَلِدُخُولِ مَكَّةَ) أَيْ: حَرَمِهَا، لِفِعْلِهِ ﵇ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ يَفْعَلُهُ، وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا. [الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ] (وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا. [الْغُسْلُ لِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالطَّوَافِ] (وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالطَّوَافِ) لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ، وَيَزْدَحِمُونَ فَيَعْرَقُونَ، فَيُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاسْتُحِبَّ كَالْجُمُعَةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِدُخُولِ الْحَرَمِ، وَفِي " مَنْسَكِ ابْنِ الرَّاغُونِيِّ ": وَلِسَعْيٍ، وَفِي " الْإِشَارَةِ "، و" الْمَذْهَبِ "، وَلَيَالِي مِنًى، وَعَنْهُ: وَلِحِجَامَةٍ، وَنَصَّ أَحْمَدُ، وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقِيلَ: وَلِكُلِّ اجْتِمَاعٍ مُسْتَحَبٌّ قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.

стр. 154

فَصَلٌ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ وَهُوَ ضَرْبَانِ: كَامِلٌ يَأْتِي فِيهِ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ: النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَغَسْلُ يَدَيْهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَرْعٌ: يَتَيَمَّمُ لِلْكُلِّ فِي الْأَصَحِّ، لِحَاجَةٍ، نَقَلَهُ صَالِحٌ فِي الْإِحْرَامِ، وَلِمَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ لَهُ لِعُذْرٍ، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لَا لِغَيْرِ عُذْرٍ. [صِفَةُ الْغُسْلِ] فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ لَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ، شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهِ، وَالْعِلْمُ بِالْمَوْصُوفِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالصِّفَةِ (وَهُوَ ضَرْبَانِ: كَامِلٌ) سُمِّيَ كَامِلًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ (يَأْتِي فِيهِ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَجَعَلَهَا فِي " الْكَافِي " تِسْعَةً، وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَمَيْمُونَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (النِّيَّةُ) وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ مَا لَا يُشْرَعُ إِلَّا بِهِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَنَحْوِهَا (وَالتَّسْمِيَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ هُنَا كَالْوُضُوءِ قِيَاسًا لِإِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّ حُكْمَهَا هُنَا أَخَفُّ، لِأَنَّ حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ إِنَّمَا تَنَاوَلَ بِصَرِيحِهِ الْوُضُوءَ لَا غَيْرَ، انْتَهَى، وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ، لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وُضُوءٌ وَزِيَادَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْخِرَقِيُّ هُنَا نَظَرًا لِلْحَدَثَيْنِ (وَغَسْلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا) كَمَا فِي الْوُضُوءِ، لَكِنْ هُنَا آكَدُ بِاعْتِبَارِ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُمَا بِذَلِكَ، وَلِفِعْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَيَكُونُ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ.

стр. 155

ثَلَاثًا، وَغَسْلُ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وَالْوُضُوءُ، وَيَحْثِي بِالْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا يَرْوِي بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ، وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا، وَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُدَلِّكُ ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَغَسْلُ مَا بِهِ مِنْ أَذًى) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى فَرْجِهِ، أَوْ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ، نَجَسًا كَانَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَوْ طَاهِرًا مُسْتَقْذَرًا كَالْمَنِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي " الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ " وَغَسْلُ مَا لَوَّثَهُ. (وَالْوُضُوءُ) الْكَامِلُ لِقَوْلِهِ ﵇: «ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» وَعَنْهُ: يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ: «ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ لِمَجِيءِ السُّنَّةِ بِهِمَا، وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ غَالِبِ فِعْلِهِ، وَمَيْمُونَةُ أَخْبَرَتْ عَنْ غُسْلٍ وَاحِدٍ. (وَيَحْثِي) يُقَالُ: حَثَوْتُ، أَحْثُو حَثْوًا، كَغَزَوْتُ، وَحَثَيْتُ أَحْثِي حَثْيًا كَرَمَيْتُ (بِالْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا) يَعْنِي: بِالْمَاءِ لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ: «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ» (يَرْوِي بِهَا) فِي كُلِّ مَرَّةٍ (أُصُولَ الشَّعْرِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدِ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ» ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. (وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: «ثُمَّ أَفَاضَ

стр. 156

بَدَنَهُ بِيَدِهِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ فَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ وَمُجْزِئٌ. وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ» ، وَلِقَوْلِ مَيْمُونَةَ ﵂: «ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّثْلِيثِ فِيهِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَقِيلَ: مَرَّةً، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي " الْفُرُوعِ " شَيْئًا (وَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ) لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي طَهُورِهِ (وَيُدَلِّكُ بَدَنَهُ بِيَدِهِ) لِأَنَّهُ أَنْقَى، وَبِهِ يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَغَابِنِهِ وَجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَبِهِ يَخْرُجُ مِنَ الْخِلَافِ. (وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ) فَيُعِيدُ (غَسْلَ قَدَمَيْهِ) لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ: «ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ غَسْلَهُمَا إِلَّا لِطِينٍ، وَنَحْوِهِ كَالْوُضُوءِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ لِوُرُودِهِمَا، وَظَاهِرُ إِحْدَى رِوَايَاتِ حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. فَرْعٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ بِمَاءٍ قَبْلَ إِفَاضَتِهِ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ". وَيَكْفِي ظَنُّ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ أَوْ مَسْحُهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُحَرِّكُ خَاتَمَهُ لِيَتَيَقَّنَ وُصُولَ الْمَاءِ. ١ -

стр. 157

أَذًى، وَيَنْوِيَ، وَيَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغُسْلِ وَيَتَوَضَّأَ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلَ بِالصَّاعِ. فَإِنْ أَسْبَغَ ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَمُجْزِئٌ) أَيْ: كَافٍ (وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى) ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ صِحَّةَ الْغُسْلِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْحُكْمِ بِزَوَالِ النَّجَاسَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَقَدْ تَبِعَا أَبَا الْخَطَّابِ، لَكِنَّ عِبَارَتَهُ أَبْيَنُ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَنْوِي، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ كَلَامَهُمَا عَلَى مَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِنْجَاءَ بِشَرْطِ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْغُسْلِ، كَمَا هُوَ فِي الْوُضُوءِ، لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يُشْكِلُ هَذَا عَلَى الْمُؤَلِّفِ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ، وَعَلَى الْخِرَقِيِّ: بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْمُجْزِئِ، فَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا مَعَ آخِرِ غَسْلَةٍ طَهَّرَتِ الْمَحَلَّ فَيُعَضِّدُ الْأَوَّلَ، ثُمَّ هَلْ يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ أَوْ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا مَعَ الْحُكْمِ بِزَوَالِهَا؛ فِيهِ قَوْلَانِ. ثُمَّ مَحَلُّهُمَا مَا لَمْ تَكُنِ النَّجَاسَةُ كَثِيفَةً تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ، فَإِنْ مَنَعَتْهُ فَلَا (وَيَنْوِي) أَيْ: يَقْصِدُ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ أَمْرٍ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا كَمَسِّ الْمُصْحَفِ (وَيَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغُسْلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] ، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ أُنَاسًا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَقَالُوا: إِنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَحْفِنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَظَاهِرُهُ: الِاجْتِزَاءُ بِالتَّطْهِيرِ، وَالِاغْتِسَالُ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ. وَالْمُرَادُ بِتَعْمِيمِهِ الظَّاهِرُ جَمِيعُهُ، وَمَا فِي حُكْمِهِ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَالْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَتَرَكَهُمَا هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا سَبَقَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَأَنْ يَغْسِلَ الْبَشَرَةَ الَّتِي تَحْتَ الشُّعُورِ كَالرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَثَّةً، وَذَكَرَ الدِّينَوَرِيُّ أَنَّ بَاطِنَ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ فِي الْجَنَابَةِ كَالْوُضُوءِ. وَيَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ ظَاهِرِهِ، وَبَاطِنِهِ مَعَ مُسْتَرْسِلِهِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا.

стр. 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمُسْتَرْسِلِ، وَرَجَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ تَرَكَ غَسْلَ شَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يَتِمَّ غُسْلُهُ، فَلَوْ غَسَلَهُ ثُمَّ تَقَطَّعَ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِنَقْضِ الشَّعْرِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُهُ فِي الْحَيْضِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا - وَكَانَتْ حَائِضًا - انْقُضِي شَعْرَكِ، وَاغْتَسِلِي» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ نَحْوُهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَيْضِ تَطُولُ فَيَتَلَبَّدُ، فَشُرِعَ النَّقْضُ طَرِيقًا مُوَصِّلًا إِلَى وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَلَا يَتَكَرَّرُ، بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ كَالْجَنَابَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «أَفَأَنْقُضُهُ مِنَ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ؛ قَالَ: لَا» ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَجِبُ كَالْحَيْضِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ بِمَا إِذَا طَالَ وَتَلَبَّدَ، وَالنُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى رَأْسِ إِحْدَاهُنَّ مَا يَمْنَعُ وَصُولَ الْمَاءِ كَالسِّدْرِ، وَنَحْوِهِ، وَجَبَ نَقْضُهُ، وَالرَّجُلُ كَالْمَرْأَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَكَذَا يَجِبُ غَسْلُ حَشَفَةِ الْأَقْلَفِ إِذَا أَمْكَنَ تَشْمِيرُهَا، كَمَا يَجِبُ تَطْهِيرُهَا مِنَ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الرَّتِقِ، وَكَذَا مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِهَا عِنْدَ قُعُودِهَا لِحَاجَتِهَا، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، كَحَشَفَةِ الْأَقْلَفِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ مِنَ الْبَاطِنِ أَشْبَهَ الْحُلْقُومَ، وَكَذَلِكَ يَثْبُتُ الْفِطْرُ بِحُصُولِ الْحَشَفَةِ فِيهِ، لَكِنْ حَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى

стр. 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] مَا عُمِّقَ مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا تَسْمِيَةَ - وَقَدْ تَقَدَّمَتْ - وَلَا تَرْتِيبَ، وَهُوَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ أَجْزَأَهُ بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ، وَلَا مُوَالَاةَ عَلَى الْأَصَحِّ لِلْحَاجَةِ إِلَى تَفْرِيقِهِ كَثِيرًا، وَلِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ بِإِعَادَتِهِ، وَلِخَبَرِ اللُّمْعَةِ، وَحَيْثُ فَاتَتِ الْمُوَالَاةُ فِيهِ أَوْ فِي وُضُوءٍ، وَقُلْنَا: يَجُوزُ، فَلَا بُدَّ لِلْإِمَامِ مِنْ نِيَّةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ قُرْبَ الْفِعْلِ مِنْهَا، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ، فَدَلَّ عَلَى الْخِلَافِ. وَلَا دَلْكَ، وَقَدْ أَوْجَبَهُ مَالِكٌ حَيْثُ يَنَالُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: اغْتَسَلَ إِلَّا لِمَنْ دَلَّكَ نَفْسَهُ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ، فَوَجَبَ فِيهَا إِمْرَارُ الْيَدِ كَالتَّيَمُّمِ، مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ إِمْرَارِ الْيَدِ فَقَالَ: إِذَا اغْتَسَلَ بِمَاءٍ بَارِدٍ فِي الشِّتَاءِ أَمَرَّ يَدَهُ، لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْزَلِقُ عَنِ الْبَدَنِ فِي الشِّتَاءِ، وَالْجَوَابُ عَنِ التَّيَمُّمِ بِأَنَّهُ أَمَرَنَا بِالْمَسْحِ، وَيَتَعَذَّرُ فِي الْغَالِبِ إِمْرَارُ التُّرَابِ بِغَيْرِ الْيَدِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَحَلِّهِ، فَيَجِبُ، كَبَاطِنِ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ. تَذْنِيبٌ: يُسْتَحَبُّ السِّدْرُ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ، وَظَاهِرُ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ، وَكَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ: يَجِبُ، وَأَنْ تَأْخُذَ مِسْكًا فَتَجْعَلَهُ فِي قُطْنَةٍ أَوْ شَيْءٍ، وَتَجْعَلَهَا فِي فَرْجِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَطِيبًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَطِينًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، لِيَقْطَعَ الرَّائِحَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: غُسْلُ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ، كَمَيِّتٍ. قَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " مَعْنَاهُ: يَجِبُ مَرَّةً، وَيُسْتَحَبُّ ثَلَاثًا، وَيَكُونُ السِّدْرُ وَالطِّيبُ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ. ١ - (وَيَتَوَضَّأَ بِالْمُدِّ) وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ عِرَاقِيٌّ، وَبِالدِّرْهَمِ: مِائَةٌ وَوَاحِدٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا، وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ (وَيَغْتَسِلَ بِالصَّاعِ) وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، فَيَكُونُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا بِالْعِرَاقِيِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ لِكَعْبٍ: أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَالْفَرَقُ: سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ،

стр. 160

بِدُونِهِمَا أَجْزَأَهُ وَإِذَا اغْتَسَلَ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا. وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى ــ [المبدع في شرح المقنع] وَأَوْمَأَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُشَيْشٍ أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ مِنَ الْمَاءِ، اخْتَارَهُ فِي " الْخِلَافِ "، و" مُنْتَهَى الْغَايَةِ " لَا مُطْلَقًا. تَنْبِيهٌ: الرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ تِسْعُونَ مِثْقَالًا، وَالْمِثْقَالُ دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، هَكَذَا كَانَ قَدِيمًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ زَادُوا فِيهِ مِثْقَالًا فَجَعَلُوهُ أَحَدًا وَتِسْعِينَ مِثْقَالًا، وَكُمِّلَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وَقَصَدُوا بِذَلِكَ زَوَالَ الْكَسْرِ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ وَقْتَ تَقْدِيرِ الْعُلَمَاءِ الْمُدَّ بِهِ، وَهُوَ بِالدِّمَشْقِيِّ: ثَلَاثَةُ أَوَاقٍ، وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ، وَالصَّاعُ: رِطْلٌ وَأُوقِيَّةٌ، وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ، وَإِنْ شِئْتَ: رِطْلٌ وَسُبْعُ رِطْلٍ (فَإِنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِمَا أَجْزَأَهُ) فِي الْمَنْصُوصِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ «أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إِلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُجْزِئُ مِنَ الْوُضُوءِ الْمُدُّ، وَمِنَ الْغُسْلِ الصَّاعُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَثْرَمُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِدُونِهِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغُسْلِ، وَقَدْ أَتَى بِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَبِمَا رَوَتْ أُمُّ عُمَارَةَ بِنْتُ كَعْبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأَ، فَأُتِيَ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ قَدْرَ ثُلُثَيِ الْمُدِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَحَدِيثُهُمْ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ، وَهَذَا بِالْمَنْطُوقِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا. مَسْأَلَةٌ: إِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ، لَكِنْ يُكَرَهُ الْإِسْرَافُ وَالزِّيَادَةُ الْكَثِيرَةُ فِيهِ، قَالَهُ فِي

стр. 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى سَعْدٍ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؛ فَقَالَ: أَفِي الْمَاءِ إِسْرَافٌ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَإِذَا اغْتَسَلَ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ) وَقَالَ الْأَزَجِّيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَوِ الْأَكْبَرِ (أَجْزَأَ عَنْهُمَا) عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَرْتِيبٌ، وَلَا مُوَالَاةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْجُنُبَ بِالتَّطْهِيرِ، وَلَمْ يَأْمُرْ مَعَهُ بِوُضُوءٍ، وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ، فَتَدَاخَلَا فِي الْفِعْلِ دُونَ النِّيَّةِ، كَمَا تَدْخُلُ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ، وَلَا يَرُدُّ غُسْلُ الْحَائِضِ الْجُنُبَ، لِأَنَّ مُوجِبَهُمَا وَاحِدٌ (وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ) عَنِ الْأَصْغَرِ (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) قَبْلَ الْغُسْلِ، أَوْ بَعْدَهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ لَمَّا اغْتَسَلَ، وَفِعْلُهُ يُفَسِّرُ الْآيَةَ، وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُخْتَلِفَتَا الْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ فَلَمْ تَتَدَاخَلَا، كَالْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَدَاخَلَانِ إِذَا أَتَى بِخَصَائِصِ الصُّغْرَى، وَهِيَ التَّرْتِيبُ، وَالْمُوَالَاةُ، وَالْمَسْحُ، فَلَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ حِينَ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] فَجَعَلَ الِاغْتِسَالَ نِهَايَةَ الْمَنْعِ مِنَ الصَّلَاةِ، فَيَجِبُ إِذَا اغْتَسَلَ أَنْ تَجُوزَ لَهُ الصَّلَاةُ، لَا يُقَالُ: النَّهْيُ هُنَا عَنْ قُرْبَانِ مَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ يَزُولُ بِالِاغْتِسَالِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ نَهْيٌ عَنِ الصَّلَاةِ، وَعَنْ مَسْجِدِهَا، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَسْجِدِ فَقَطْ، لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى بِهِمْ، وَخَلَطَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَسَبَبُ النُّزُولِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْكَلَامِ، وَسُئِلَ جَابِرٌ: أَيَتَوَضَّأُ الْجُنُبُ بَعْدَ الْغُسْلِ؛ قَالَ: لَا، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. فَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا ارْتَفَعَ وَحْدَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ أَمْرًا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِوُضُوءٍ، وَاغْتَسَلَ، ارْتَفَعَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ عَكْسُهُ، كَالثَّانِيَةِ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ:

стр. 162

يَتَوَضَّأَ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَوِ الْأَكْلَ أَوِ الْوَطْءَ ثَانِيًا أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأَ.. ــ [المبدع في شرح المقنع] الْجَنَابَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ حَدَثٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، لَا يَجِبُ سِوَى الْغُسْلِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ ": لَوِ اغْتَسَلَ إِلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ، لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ فِيهَا، لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْآمِدِيُّ فِيمَنْ غَسَلَ جَمِيعَ بَدَنِهِ إِلَّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، لِانْفِرَادِهَا فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ دُونَ الرِّجْلَيْنِ لِبَقَاءِ حَدَثِ الْجَنَابَةِ عَلَيْهِمَا، فَيَغْسِلُهُمَا عَنِ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِي بَقِيَّةِ أَعْضَائِهِ. وَإِنْ نَوَتْ مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا بِغُسْلِهَا حَلَّ الْوَطْءِ صَحَّ، وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهَا إِنَّمَا نَوَتْ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهُوَ الْوَطْءُ. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. ١ - (وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ) وَلَوْ أُنْثَى، وَحَائِضٍ، وَنُفَسَاءَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ (إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَوِ الْأَكْلَ) أَوِ الشُّرْبَ أَوْ (الْوَطْءَ ثَانِيًا أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ) لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَذَى (وَيَتَوَضَّأَ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ ﵄. أَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ بِالنَّوْمِ فَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ آخَرُونَ فَيُحْمَلُ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْأَوَّلَانِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِلْجَمْعِ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ فِي الْأَصَحِّ.

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] وَأَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْهُ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ، وَيَتَمَضْمَضُ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ لِمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ، فَوِفَاقًا لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَزَادَ «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» وَلَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ فِي الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا، وَغَسْلُهُ عِنْدَ كُلِّ مَرَّةٍ أَفْضَلُ، وَعَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ، لِأَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْ عَنْهُ بِالْوُضُوءِ، وَلَمْ تَذْكُرْ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ وَلَا أَمَرَهَا بِهِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْجَنَابَةِ، وَمَنْ أَحْدَثَ بَعْدَهُ، لَمْ يُعِدْهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، لِتَعْلِيلِهِمْ بِخِفَّةِ الْحَدَثِ أَوْ بِالنَّشَاطِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ شَيْخِنَا يَتَوَضَّأُ لِمَبِيتِهِ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". ١ - مَسَائِلُ: الْأُولَى: كَرِهَ أَحْمَدُ بِنَاءَ الْحَمَّامِ، وَبَيْعَهُ، وَإِجَارَتَهُ، وَقَالَ: مَنْ بَنَى حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَحَرَّمَهُ الْقَاضِي، وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى غَيْرِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَيُكْرَهُ كَسْبُ الْحَمَّامِيِّ، وَفِي " نِهَايَةِ " الْأَزَجِّيِّ: لَا. الثَّانِيَةُ: لَهُ دُخُولُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ، وَيَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْ عَوْرَاتِهِمْ، وَلَا يَمَسَّ عَوْرَةَ أَحَدٍ، وَلَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ مَسِّ عَوْرَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْبَقَاءِ: يُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْغَنِيَّةِ "، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَدْخُلْهُ لِخَوْفِ وُقُوعِهِ فِي مُحَرَّمٍ، وَإِنْ عَلِمَهُ حَرُمَ، وَفِي

стр. 164

.. .... .... .... .. ــ [المبدع في شرح المقنع] " التَّلْخِيصِ " و" الرِّعَايَةِ " لَهُ دُخُولُهُ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ غَالِبًا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَفْضَلُ تَجَنُّبُهَا بِكُلِّ حَالٍ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا، لِأَنَّهَا مِمَّا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ رَقِيقِ الْعَيْشِ. الثَّالِثَةُ: لِلْمَرْأَةِ دُخُولُهُ لِعُذْرٍ، وَإِلَّا حَرُمَ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَكَرِهَهُ بِدُونِهِ جَمَاعَةٌ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَا يَجُوزُ لَهَا دُخُولُهُ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ يُصْلِحُهَا الْحَمَّامُ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ مَعَ الْعُذْرِ تَعَذُّرَ غُسْلِهَا فِي بَيْتِهَا لِخَوْفِ ضَرَرٍ، وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ خِلَافُهُ، وَقِيلَ: اعْتِيَادُ دُخُولِهَا عُذْرٌ لِلْمَشَقَّةِ، وَقِيلَ: وَلَا تَتَجَرَّدُ فَتَدْخُلَهُ فِي قَمِيصٍ خَفِيفٍ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ. الرَّابِعَةُ: ثَمَنُ الْمَاءِ عَلَى الزَّوْجِ، أَوْ عَلَيْهَا؛ أَوْ مَاءِ الْجَنَابَةِ عَلَيْهِ فَقَطْ، أَوْ عَكْسُهُ؛ فِيهِ أَوْجُهٌ، وَمَاءُ الْوُضُوءِ كَالْجَنَابَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ: يَلْزَمُ السَّيِّدَ شِرَاءُ ذَلِكَ لِرَقِيقِهِ، وَلَا يَتَيَمَّمُ فِي الْأَصَحِّ. الْخَامِسَةُ: تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يُعْجِبُنِي لِنَهْيِ عُمَرَ عَنْهُ، رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ خَفَضَ صَوْتَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ، فَقَالَ: الْقِرَاءَةُ بِكُلِّ مَكَانٍ حَسَنٍ، وَلَيْسَ الْحَمَّامُ بِمَوْضِعِ قِرَاءَةٍ، فَمَنْ قَرَأَ الْآيَاتِ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَا السَّلَامُ فِي الْأَشْهَرِ، وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ كَالذِّكْرِ، فَإِنَّهُ حَسَنٌ لِمَا رَوَى النَّخَعِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِمَنْ دَخَلَهُ أَنْ يَقُولَ يَا بَرُّ يَا رَحِيمُ، مُنَّ عَلَيْنَا، وَقِنَا عَذَابَ السُّمُومِ. وَسَطْحُهُ، وَنَحْوُهُ كَبَقِيَّتِهِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ كَصَلَاةٍ. السَّادِسَةُ: إِذَا اغْتَسَلَ بِحَضْرَةِ أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَجَبَ عَلَيْهِ سَتْرُ عَوْرَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَتِرَ بِسَقْفٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَأَنْ لَا يَرْفَعَ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ آكَدُ، فَإِنْ تَجَرَّدَ فِي الْفَضَاءِ وَاغْتَسَلَ، جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ كَمَا لَوِ اسْتَتَرَ بِحَائِطٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي كَرَاهَةِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ لِلِاغْتِسَالِ فِي الْخَلْوَةِ رِوَايَتَيْنِ. السَّابِعَةُ: يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي مُسْتَحَمٍّ أَوْ مَاءٍ عُرْيَانًا، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ

стр. 165

بَابُ التَّيَمُّمِ وَهُوَ بَدَلٌ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: دُخُولُ الْوَقْتِ، فَلَا يَجُوزُ ــ [المبدع في شرح المقنع] وِفَاقًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي، إِنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا، قَالَهُ الْحَسَنُ. رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبُرِيُّ، وَاحْتَجَّ أَبُو الْمَعَالِي لِلتَّحْرِيمِ خَلْوَةً بِهَذَا الْخَبَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ التَّيَمُّمِ] [تَعْرِيفُ التيمم] بَابُ التَّيَمُّمِ التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أَيْ: قَاصِدِينَ ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يُقَالُ يَمَّمْتُ فُلَانًا، وَتَيَمَّمْتُهُ، وَأَمَمْتُهُ: إِذَا قَصَدْتَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ الْعُذْرِيُّ: وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا مُبْتَغِيهِ ... أَمِ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي وَفِي الشَّرْعِ قِيلَ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَصْدِ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ التُّرَابُ الطَّاهِرُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْعَادِمُ، أَوْ مَنْ يَتَضَرَّرُ بِاسْتِعْمَالِهِ، زَادَ ابْنُ الْمَنْجَا: بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّعِيدِ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْهُ طَهُورًا لِغَيْرِهَا تَوْسِعَةً عَلَيْهَا وَإِحْسَانًا إِلَيْهَا (وَهُوَ) أَيِ: التَّيَمُّمُ (بَدَلٌ) عَنِ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ يَجِبُ فِعْلُهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَهَذَا شَأْنُ الْبَدَلِ. وَهُوَ مَشْرُوعٌ لِكُلِّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَاءِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ شَرْعًا، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنِ احْتَاجَهُ، سِوَى جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا فِي صُورَةٍ تَقَدَّمَتْ. [شُرُوطُ التَّيَمُّمِ] (لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْوَقْتُ، فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ) فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْقَائِمَ إِلَى الصَّلَاةِ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ تَيَمَّمَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَفْعَلَهُ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِهِ إِلَيْهَا، وَإِعْوَازِهِ الْمَاءَ، وَالْوُضُوءُ إِنَّمَا جَازَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ رَافِعًا لِلْحَدَثِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ، قَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ أَنَّ التَّيَمُّمَ

стр. 166

لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهُ. الثَّانِي: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ــ [المبدع في شرح المقنع] بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يُحْدِثَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ قَبْلَهُ كَالْمَاءِ، وَيَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ : «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ فَيَتَسَاوَى بِمُبْدَلِهِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ، كَالْإِطْعَامِ مَعَ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَلَقَدْ أَبْعَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي حِكَايَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَنْعِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ الْوَقْتِ (وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لَهَا، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ وَقْتُ الْمَكْتُوبَةِ دُخُولُ وَقْتِهَا، وَالْفَائِتَةِ كُلُّ وَقْتٍ، وَكَذَلِكَ الْمَنْذُورَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ بِفَرَاغِ طُهْرِهِ، لَكِنْ يُقَالُ: شَخْصٌ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُيَمِّمَ غَيْرَهُ، وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ بِهِ إِنْ أُجِيزَا فِي وَقْتِ نَهْيٍ، وَإِلَّا فَمُقَيَّدٌ بِخُرُوجِهِ، وَجَمِيعُ التَّطَوُّعَاتِ بِجَوَازِ فِعْلِهَا. (الثَّانِي: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ) لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاجِزِ يَجِدُ الْمَاءَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ، (لِعَدَمِهِ) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا، قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا، مُبَاحًا أَوْ غَيْرَهُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] دَلَّ بِمُطْلَقِهِ عَلَى إِبَاحَتِهِ فِي كُلِّ سَفَرٍ، أَوِ السَّفَرُ الْقَصِيرُ يَكْثُرُ، فَيَكْثُرُ فِيهِ عَدَمُ الْمَاءِ، فَلَوْ لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ إِذَنْ لَأَفْضَى إِلَى حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ، وَهُوَ يُنَافِي مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ، وَلِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِخِلَافِ الرُّخَصِ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ بَجْدَانَ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ أَبِي قِلَابَةَ، وَقَدْ قِيلَ

стр. 167

لِعَدَمِهِ أَوْ لِضَرَرٍ لِاسْتِعْمَالِهِ مِنْ جُرْحٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ أَوْ مَرَضٍ يَخْشَى زِيَادَتَهُ أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] لِأَحْمَدَ: مَعْرُوفٌ؛ قَالَ: لَا، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ. فَلَوْ خَرَجَ مِنَ الْمِصْرِ إِلَى أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِهِ لِحَاجَةٍ كَالْحِرَاثَةِ وَالِاحْتِطَابِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يُمْكِنُهُ حَمْلُ الْمَاءِ مَعَهُ، وَلَا الرُّجُوعُ لِلْوُضُوءِ إِلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِهِ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: بَلَى، لِأَنَّهُ كَالْمُقِيمِ، وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ الَّتِي يَخْرُجُ إِلَيْهَا مِنْ عَمَلِ قَرْيَةٍ أُخْرَى فَلَا إِعَادَةَ، وَكَذَا إِذَا تَيَمَّمَ، وَصَلَّى فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ يُعِيدُ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ الْمُبَاحِ الطَّوِيلِ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يُسَافِرَ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي جَوَازَهُ بِحَالَةِ عَدَمِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقَيُّدِ بِهِ فَائِدَةٌ، وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ، وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّفَرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، لِأَنَّهُ مَحْمَلُ الْعَدَمِ غَالِبًا، فَعَلَى الْأَصَحِّ لَا إِعَادَةَ، وَلَوْ حَضَرَ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ. وَعَنْهُ: يُعِيدُ الْحَاضِرُ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ إِنْ لَمْ يَطُلِ الْعَدَمُ. ١ - تَنْبِيهٌ: إِذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنِ الْحَرَكَةِ أَوْ عَمَّنْ يُوَضِّئُهُ، فَكَالْعَادِمِ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ إِنِ انْتَظَرَ مَنْ يُوَضِّئُهُ، فَالْأَصَحُّ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إِعَادَةَ. (أَوْ لِضَرَرٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ مِنْ جُرْحٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَكَمَا لَوْ خَافَ

стр. 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] مِنْ عَطَشٍ أَوْ شِبَعٍ، وَهَذَا مَعَ الْخَوْفِ فِي اسْتِعْمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ كَالصَّحِيحِ، وَالْخَوْفُ الْمُبِيحُ: هُوَ زِيَادَةُ الْمَرَضِ أَوْ بُطْؤُهُ، لَا خَوْفُ التَّلَفِ (أَوْ بَرْدٌ شَدِيدٌ) لِلنَّصِّ، وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ، قُلْتُ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَشْبَهَ الْمَرِيضَ، وَعَنْهُ: لَا يَتَيَمَّمُ لِخَوْفِ الْبَرْدِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: مَتَى أَمْكَنَهُ تَسْخِينُ الْمَاءِ أَوِ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ، بِأَنَّهُ كُلَّمَا غَسَلَ عُضْوًا سَتَرَهُ لَزِمَهُ، وَظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَالْمَرِيضِ، وَعَنْهُ: بَلَى مُطْلَقًا، وَعَنْهُ: يُعِيدُ الْحَاضِرُ فَقَطْ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا خَافَ الْبَرْدَانُ سُقُوطَ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ، فَخَلَعَ خُفَّيْهِ، سَقَطَ الْمَسْحُ، وَكَفَى غَسْلُ غَيْرِهِمَا، وَتَيَمَّمَ لِتَرْكِ مَسْحِ حَائِلِ رِجْلَيْهِ، إِنْ كَانَ مَانِعٌ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِ بَعْضِ عُضْوٍ، تَيَمَّمَ لِلْبَاقِي. فَرْعٌ: إِذَا أَعَادَ الْقَادِرُ أَوِ الْبَرْدَانُ الصَّلَاةَ، فَالْأُولَى فَرْضُهُ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. وَفِيهِ وَجْهٌ: الثَّانِيَةُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ: فَرْضُهُ إِحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا، وَلَهُ قَوْلٌ: كِلَاهُمَا فَرْضٌ، وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَالْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ " الشَّامِلِ " قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: وَهُوَ قَوِيٌّ فَإِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِمَا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ ". ١ - (أَوْ مَرَضٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] الْآيَةَ، وَإِذَا جَازَ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلْمَرِيضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَشَرْطُهُ أَنَّهُ (يَخْشَى

стр. 169

تَطَاوُلَهُ أَوْ عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ رَقِيقِهِ أَوْ بَهِيمَتِهِ أَوْ خَشْيَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] زِيَادَتَهُ أَوْ تَطَاوُلَهُ) لِأَنَّ مَنْ لَا يَخْشَى ذَلِكَ لَا يَخَافُ الضَّرَرَ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إِذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ ضَرَرًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَرْكَ الصَّوْمِ فِي الْمَرَضِ لَا يَنْحَصِرُ فِي خَوْفِ التَّلَفِ، فَكَذَا هُنَا، وَعَنْهُ: لَا يُبِيحُهُ إِلَّا خَوْفُ التَّلَفِ، كَمَا إِذَا جَبَرَ زَنْدَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْآيَةِ إِبَاحَتُهُ لِكُلِّ مَرِيضٍ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فِيمَنْ لَا يَخْشَى، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهَا. (أَوْ عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي السَّفَرِ فَتُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ، وَمَعَهُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ يَخَافُ أَنْ يَعْطَشَ: يَتَيَمَّمُ وَلَا يَغْتَسِلُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ يَخْشَى الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَشْبَهَ الْمَرِيضَ بَلْ أَوْلَى. (أَوْ رَقِيقِهِ) الْمُحْتَرَمِ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ تُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَأَى حَرِيقًا عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا فَيَتْرُكُهَا، وَيَخْرُجُ لِإِنْقَاذِهِ، فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، قَالَ أَحْمَدُ: عِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ تَيَمَّمُوا، وَحَبَسُوا الْمَاءَ لِشِفَاهِهِمْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُزَامِلِ لَهُ، أَوْ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّكْبِ، لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمُرَافَقَةِ، وَدَفْعُهُ إِلَى عَطْشَانَ يُخْشَى تَلَفُهُ وَاجِبٌ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالْأَصْوَبُ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ: أَنَّهُمَا فِي حَبْسِ الْمَاءِ لِعَطَشِ الْغَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ وُجُوبَهُ، فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ، وَرُفْقَتُهُ عِطَاشٌ يَمَّمُوهُ، وَغَرِمُوا لِلْوَرَثَةِ الثَّمَنَ وَقْتَ إِتْلَافِهِ فِي مَكَانِهِ، وَظَاهِرُ مَا فِي " النِّهَايَةِ " إِنْ غَرِمُوهُ فِيهِ فَبِمِثْلِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْمَيِّتُ أَوْلَى بِهِ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَقِيلَ: إِنْ خَافُوا الْمَوْتَ فَهُمْ أَوْلَى، وَإِلَّا

стр. 170

فِي طَلَبِهِ أَوْ تَعَذُّرِهِ إِلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ ثَمَنٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ، فَإِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَلَا، صَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَهَلْ يُؤْثِرُ أَبَوَيْهِ لِغُسْلٍ وَوُضُوءٍ أَوْ تَيَمُّمٍ؛ فِيهِ وَجْهَانِ. (أَوْ بَهِيمَتِهِ) وَكَذَا إِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ، لِأَنَّ للرُّوح حُرْمَةٌ، وَسَقْيَهَا وَاجِبٌ، وَقِصَّةُ الْبَغِيِّ مَشْهُورَةٌ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مُحْتَرَمَةً حَتَّى كَلْبِ صَيْدٍ لَا عَقُورٍ، وَخِنْزِيرٍ. فَرْعٌ: إِذَا وَجَدَ الْعَطْشَانُ مَاءً طَاهِرًا وَنَجِسًا، شَرِبَ الطَّاهِرَ، وَتَيَمَّمَ، وَأَرَاقَ النَّجِسَ إِنِ اسْتَغْنَى عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ: يَشْرَبُ النَّجِسَ، لِأَنَّ الطَّاهِرَ مُسْتَحِقٌّ لِلطَّهَارَةِ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ شُرْبَ النَّجِسِ حَرَامٌ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ وحبس الطاهر، نَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " كَمَا لَوِ انْفَرَدَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَضَّأُ بِالطَّاهِرِ، وَيَحْبِسُ النَّجِسَ لِشُرْبِهِ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ وَيَشْرَبَهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَإِطْلَاقُ كَلَامِهِمْ لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ، (أَوْ خَشْيَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ) كَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ أَوْ عَدُوٌّ أَوْ حَرِيقٌ، أَوْ يَخَافُ إِنْ ذَهَبَ إِلَى الْمَاءِ شُرُودَ دَابَّتِهِ أَوْ سَرِقَتَهَا أَوْ فَوْتَ رُفْقَتِهِ، لِأَنَّ فِي طَلَبِهِ ضَرَرًا، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَكَذَا إِنْ خَافَتِ امْرَأَةٌ عَلَى نَفْسِهَا فُسَّاقًا لَمْ يَلْزَمْهَا الْمُضِيُّ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْمُؤَلِّفَ وَغَيْرُهُ: بَلْ يَحْرُمُ خُرُوجُهَا إِلَيْهِ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " خِلَافَهُ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ، وَكَذَا إِذَا خَافَ غَرِيمًا يُطَالِبُهُ، وَيَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ كَانَ خَوْفُهُ جُبْنًا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُبَاحُ إِذَا اشْتَدَّ خَوْفُهُ، وَيُعِيدُ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَائِفِ لِسَبَبٍ، فَإِنْ كَانَ خَوْفُهُ لِسَبَبٍ ظَنَّهُ، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، فَبَانَ خِلَافُهُ، فَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَجَمَاعَةٍ: أَنَّهُ لَا يُعِيدُ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِهِ. (أَوْ تَعَذُّرِهِ إِلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ) أَقُولُ: مَتَى وَجَدَ مَاءً بِثَمَنِ مِثْلِهِ عَادَةً

стр. 171

كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا تَيَمَّمَ لَهُ، وَغَسَلَ الْبَاقِيَ وَإِنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] مَكَانَهُ غَالِبًا، وَقِيلَ: بَلْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ إِلَى مَكَانِ بَيْعِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، غَنِيٌّ عَنْهُ، فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَنَفَقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاءُ سَتْرِ عَوْرَتِهِ لِلصَّلَاةِ فَكَذَا هُنَا، فَإِذَا كَثُرَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ فَلَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ، لِأَنَّهَا تَجْعَلُ الْمَوْجُودَ حِسًّا كَالْمَعْدُومِ شَرْعًا، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُغْنِي " بِمَا إِذَا أَجْحَفَتْ بِمَالِهِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا، فَلَوْ كَثُرَتْ مِنْ غَيْرِ إِجْحَافٍ بِمَالِهِ، فَوَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ يَسِيرَةً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَضَرَرٍ يَسِيرٍ فِي بَدَنِهِ مِنْ صُدَاعٍ، أَوْ بَرْدٍ فَهُنَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى ثَمَنِ الْعَيْنِ كَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فِي الْمَنْعِ مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى الْبَدَلِ، كَمَا لَوْ بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِهَا، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءٌ مَعَ زِيَادَةٍ مُطْلَقًا، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا بِالزِّيَادَةِ كَمَا لَوْ خَافَ لِصًّا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ ذَلِكَ. فَرْعٌ: إِذَا بُذِلَ لَهُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ فِي بَلَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَرُبَّمَا تَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، وَكَالْهَدْيِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ كَالْكَفَّارَةِ فِي شِرَاءِ الرَّقَبَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ بِخِلَافِ الْمُكَفِّرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي بَلَدِهِ مَا يُوَفِّيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا (أَوْ ثَمَنٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ) لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنِ الثَّمَنِ يُبِيحُ الِانْتِقَالَ إِلَى الْبَدَلِ، دَلِيلُهُ الْعَجْزُ عَنْ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَوْ وُهِبَ لَهُ الْمَاءُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ لَا ثَمَنُهُ فِي الْأَشْهَرِ، لِأَنَّ فِيهِ مِنَّةً، وَحَبْلٌ وَدَلْوٌ، كَمَاءٍ، وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُمَا عَارِيَةً، وَإِنِ اسْتَغْنَى صَاحِبُ الْمَاءِ عَنْهُ، وَلَمْ يَبْذُلْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ قَهْرًا، لِأَنَّ لَهُ بَدَلًا، وَمَنْ تَرَكَ مَا لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَتَحْصِيلُهُ مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِهِ، تَيَمَّمَ، وَصَلَّى، فَإِنَّهُ يُعِيدُ. ١ - (فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا) وَتَضَرَّرَ (تَيَمَّمَ لَهُ وَغَسَلَ الْبَاقِيَ) يَعْنِي أَنَّ الْجَرِيحَ يَتَيَمَّمُ لِلْمُحْتَاجِ، وَيَغْسِلُ غَيْرَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْأَكْثَرُ لِقِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهِ، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» ، وَظَاهِرُ الْخَبَرِ يَجْمَعُ

стр. 172

لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي إِنْ كَانَ جُنُبًا وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ ــ [المبدع في شرح المقنع] بَيْنَ الْمَسْحِ، وَالتَّيَمُّمِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ الْجَمْعُ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ بَدَلٍ وَمُبْدَلٍ كَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِـ " ثُمَّ " الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرَاخِي، وَلِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَهُ اسْتِطَاعَةٌ عَلَى التَّطْهِيرِ بِالْمَاءِ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ، فَلَزِمَهُ، وَالتَّيَمُّمُ لِمَا لَمْ يُصِبْهُ، وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، فَالْعَجْزُ عَنْ بَعْضِهَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ جَمِيعِهَا كَالسِّتَارَةِ، فَعَلَى هَذَا يَغْسِلُ مِنَ الصَّحِيحِ مَا لَا ضَرَرَ فِي غَسْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ضَبْطُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ إِنْ قَدَرَ، وَإِلَّا كَفَاهُ التَّيَمُّمُ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَهُ مَسْحُ الْجُرْحِ بِالْمَاءِ لَزِمَهُ مَعَ التَّيَمُّمِ كَمَا سَبَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، لِأَنَّ الْغُسْلَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَالْمَسْحُ بَعْضُهُ، فَوَجَبَ، كَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ، وَعَنْهُ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَيَمُّمٍ، وَعَنْهُ: يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ وَحْدَهُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ وَاحِدٌ، فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْمَسْحِ، وَالتَّيَمُّمِ كَالْجَبِيرَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَكُنِ الْجُرْحُ نَجِسًا، فَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": يَتَيَمَّمُ، وَلَا يَمْسَحُ، ثُمَّ إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ مَعْفُوًّا عَنْهَا أُلْغِيَتْ، وَاكْتُفِيَ بِنِيَّةِ الْحَدَثِ، وَإِلَّا نَوَى الْحَدَثَ وَالنَّجَاسَةَ إِنْ شُرِطَتْ فِيهَا. ١ - وَهَلْ يَكْتَفِي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؛ فِيهِ وَجْهَانِ: فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ عَجَزَ عَنْ مَسْحِهِ تَيَمَّمَ، وَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَا إِعَادَةَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَمْسَحُ الْجُرْحَ بِالتُّرَابِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْجُرْحِ عِصَابَةٌ، أَوْ لُصُوقٌ يَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يَتَيَمَّمُ، وَفِي الْمَسْحِ مَعَهُ رِوَايَتَانِ، وَالْجُنُبُ الْجَرِيحُ إِنْ شَاءَ بَدَأَ بِالْغَسْلِ أَوْ بِالتَّيَمُّمِ، وَإِنْ كَانَ حَدَثُ الْجَرِيحِ أَصْغَرَ رَاعَى التَّرْتِيبَ وَالْمُوَالَاةَ، وَيُعِيدُ غَسْلَ الصَّحِيحِ عِنْدَ كُلِّ تَيَمُّمٍ فِي وَجْهٍ، وَفِي آخَرَ: لَا تَرْتِيبَ وَلَا مُوَالَاةَ، فَعَلَى هَذَا لَا يُعِيدُ الْغَسْلَ إِلَّا إِذَا أَحْدَثَ (وَإِنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي إِنْ كَانَ جُنُبًا) لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ

стр. 173

عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ لَزِمَهُ طَلَبُهُ فِي رَحْلِهِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، فَإِنْ دُلَّ عَلَيْهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] الشَّرْطِ فَلَزِمَهُ، كَالسُّتْرَةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ الْعَدَمُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ التَّيَمُّمِ، وَلِيَتَمَيَّزَ الْمَغْسُولُ عَنْ غَيْرِهِ، لِيَعْلَمَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ مُطْلَقًا كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، فَعَلَى هَذَا يَتَيَمَّمُ، وَفِي وُجُوبِ إِرَاقَتِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ رِوَايَتَانِ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: فَلَوْ وَجَدَ الْجُنُبُ مَاءً يَكْفِي أَعْضَاءَ الْحَدَثِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَرْضِ، غَسَلَهَا بِنِيَّةِ الْحَدَثَيْنِ جَمِيعًا، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، فَتَحْصُلُ لَهُ الصُّغْرَى، وَبَعْضُ الْكُبْرَى كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁. (وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ كَالْجُنُبِ، وَالثَّانِي: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ، وَقِيلَ: يَسْتَعْمِلُهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا، صَحَّحَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّ الْخِلَافَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ كُلُّ عُضْوٍ بِنِيَّةٍ؛ وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ كَانَ يَكْفِي بَعْضَ عُضْوٍ، فَوَجْهَانِ. (وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ لَزِمَهُ طَلَبُهُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْمُخْتَارُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] ، وَلَا يُقَالُ: لَمْ يَجِدْ إِلَّا لِمَنْ طَلَبَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مَاءً لَا يَعْلَمُهُ، وَلَا يَرِدُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] ، لِانْتِفَاءِ الطَّلَبِ مِنْهُمْ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﵇: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً» لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي جَانِبِ النَّفْيِ لَا الْإِثْبَاتِ فَيُنْتَقَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] لِاسْتِحَالَةِ الطَّلَبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُقَالُ: طَلَبَ مِنْهُمُ الثَّبَاتَ عَلَى الْعَهْدِ، وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ، فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ مُبْدَلِهِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ، كَالصِّيَامِ مَعَ الرَّقَبَةِ فِي الْكُفَّارِ، وَمَعَ الْهَدْيِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ، وَالْمَيْتَةِ مَعَ الْمُذَكَّى، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ يَخْتَصُّ بِهَا، فَلَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِهِ عِنْدَ الْإِعْوَازِ كَالْقِبْلَةِ. ١ - ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الطَّلَبِ فَقَالَ (فِي رَحْلِهِ) أَيْ: فِي مَسْكَنِهِ، وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنَ

стр. 174

لَزِمَهُ قَصْدُهُ وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ الطَّلَبُ. وَإِنْ نَسِيَ الْمَاءَ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ، ــ [المبدع في شرح المقنع] الْأَثَاثِ (وَمَا قَرُبَ مِنْهُ) عُرْفًا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَبُ فِيهِ الْمَاءُ عَادَةً، وَقِيلَ: قَدْرَ مِيلٍ أَوْ فَرْسَخٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَقِيلَ: مَا تَتَرَدَّدُ الْقَوَافِلُ إِلَيْهِ لِلرَّعْيِ وَالِاحْتِطَابِ، وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: مَدَّ نَظَرِهِ، وَقِيلَ: مَا يُدْرِكُهُ الْغَوْثُ بِشَرْطِ الْأَمْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَعَدَمِ فَوْتِ رُفْقَتِهِ، وَيَطْلُبُهُ فِي جِهَاتِهِ الْأَرْبَعِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَمْشِيَ فِي طَلَبِهِ، وَيَعْدِلَ عَنْ طَرِيقِهِ، وَإِنْ ظَنَّهُ فَوْقَ جَبَلٍ عَلَاهُ، وَإِنْ ظَنَّهُ وَرَاءَهُ، فَوَجْهَانِ مَعَ الْأَمْنِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْمَكَانِ سَأَلَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رُفْقَةٌ زَادَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": يُدَلُّ عَلَيْهِمْ، طَلَبَ مِنْهُمْ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَلْزَمُهُ فَلَوْ رَأَى خُضْرَةً أَوْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَصَدَهُ وَاسْتَبْرَأَهُ، وَمَحَلُّ الطَّلَبِ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَلَوْ طَلَبَ قَبْلَهُ جَدَّدَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ، لِأَنَّهُ طَلَبَ قَبْلَ الْمُخَاطَبَةِ بِهِ، كَالشَّفِيعِ إِذَا طَلَبَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ، وَيُعِيدُهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَيَمَّمَ عَقِيبَهُ، بَلْ يَجُوزُ بَعْدَهُ من غير تَجْدِيد طَلَبٍ. (فَإِنْ دُلَّ) أَيْ: دَلَّهُ ثِقَةٌ (عَلَيْهِ لَزِمَهُ قَصْدُهُ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا شَرْطَ الْعِبَادَةِ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، فَلَزِمَهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ وَعَنْهُ: وَالْبَعِيدُ كَذَلِكَ (وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ الطَّلَبُ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، لِقَوْلِهِ ﵇: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» وَلِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ، وَاعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ كَالْفَقِيرِ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُ الرَّقَبَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "،

стр. 175

وَتَيَمَّمَ لَمْ يُجْزِئْهُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] و" الْفُرُوعِ " إِذَا احْتَمَلَ وَجُودَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا، فَإِنْ قَطَعَ بِعَدَمِهِ لَمْ يَجِبْ، وَمَعَ ظَنِّ وَجُودِهِ يَجِبُ، حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ إِجْمَاعًا، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ إِنْ ظَنَّ عَدَمَهُ ذَكَرَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ ". ١ - تَنْبِيهٌ: لَوْ مَرَّ بِمَاءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، أَوْ كَانَ مَعَهُ فَأَرَاقَهُ قَبْلَهُ، وَعَدِمَ الْمَاءَ، تَيَمَّمَ وَصَلَّى من غير إِعَادَة، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَفِي الْإِعَادَةِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: يَجِبُ فِي الْإِرَاقَةِ فَقَطْ، وَإِنْ وَهَبَهُ أَوْ بَاعَهُ فِي الْوَقْتِ حَرُمَ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْأَشْهَرِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْأُضْحِيَّةِ، فَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ التَّسْلِيمِ شَرْعًا، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، لِأَنَّ تَوَجُّهَ الْفَرْضِ، وَتَعَلُّقَهُ بِهِ، لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ، كَتَصَرُّفِهِ فِيمَا وَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَتَصَرُّفِ الْمَدِينِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَيُعِيدُ إِنْ صَلَّى بِهِ مَعَ بَقَائِهِ، وَفِي التَّلَفِ وَجْهَانِ. (وَإِنْ نَسِيَ الْمَاءَ) أَوْ ثَمَنَهُ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهًا (بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ، لَمْ يُجْزِئْهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِدًا، وَشَرْطُ إِبَاحَةِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ الْوِجْدَانِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ كَالْحَدَثِ، وَكَمَا لَوْ نَسِيَ الرَّقَبَةَ، وَكَفَّرَ بِالصَّوْمِ، وَكَنِسْيَانِ السُّتْرَةِ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ، لِأَنَّهُ مَعَ النِّسْيَانِ غَيْرُ قَادِرٍ، أَشْبَهَ الْعَادِمَ، وَمِثْلُهُ الْجَاهِلُ بِهِ، فَلَوْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ الَّذِي الْمَاءُ فِيهِ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ بِئْرًا فَضَاعَتْ عَنْهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالنَّاسِي، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِدٍ، وَغَيْرُ مُفَرِّطٍ، بِخِلَافِ النَّاسِي، فَإِنْ كَانَ مَعَ عَبْدِهِ، وَنَسِيَهُ حَتَّى صَلَّى سَيِّدُهُ فَقِيلَ: لَا يُعِيدُ، لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: كَالنَّاسِي، لِنِسْيَانِهِ رَقَبَةً مَعَ عَبْدِهِ، لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، فَلَوْ صَلَّى ثُمَّ وَجَدَ بِقُرْبِهِ بِئْرًا، أَوْ غَدِيرًا، أَعَادَ إِنْ كَانَ لَهُ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً، وَطَلَبَ فَلَا. [التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ] (وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ) ، أَمَّا الْأَكْبَرُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]

стр. 176

وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ، وَلِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ يَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالْمُلَامَسَةُ الْجِمَاعُ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا، لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؛ فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْحَائِضُ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا كَالْجُنُبِ، وَأَمَّا الْأَصْغَرُ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] وَقَوْلُهُ ﵇: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» . وَلِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لِلْجُنُبِ جَازَ لَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى (وَلِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ يَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا) أَيْ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى بَدَنِهِ إِذَا عَجَزَ عَنْ غَسْلِهَا، لِخَوْفِ الضَّرَرِ، أَوْ عَدَمِ الْمَاءِ فِي الْمَنْصُوصِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، أَشْبَهَتِ الْحَدَثَ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِنَجَاسَةٍ أَصْلًا. اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ يَسْرِي مَنْعُهَا، كَمَا لَوِ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ إِلَّا ظُفْرًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا وَرَدَ بِالتَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ، وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّ الْغَسْلَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ دُونَ غَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ ثَوْبِهِ كَالْمَكَانِ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، لِأَنَّ الْبَدَنَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي التَّيَمُّمِ لِأَجْلِ الْحَدَثِ، فَدَخَلَ فِيهِ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِ النَّجَسِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِيهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ جَازَ أَسْفَلَ الْخُفِّ، وَكَذَا لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ اسْتِحَاضَةٍ يَتَعَذَّرُ إِزَالَتُهَا، وَلَا لِنَجَاسَةٍ يُعْفَى عَنْهَا. وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ لَهَا كَغَسْلِهَا، وَكَالِاسْتِجْمَارِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَجِبُ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ بِخِلَافِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَإِنِ اجْتَمَعَ مَعَهَا حَدَثٌ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَيَمُّمَيْنِ؛

стр. 177

وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ خَوْفًا مِنَ الْبَرْدِ، وَصَلَّى، فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ. وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا ــ [المبدع في شرح المقنع] فِيهِ وَجْهَانِ (وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَصَلَّى، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ نَابَ عَنْهَا التَّيَمُّمُ، فَلَمْ تَجِبِ الْإِعَادَةُ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّجَاسَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَيَمَّمَ (وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ خَوْفًا مِنَ الْبَرْدِ، وَصَلَّى، فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَجِبُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِالْإِعَادَةِ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَأَمَرَهَ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ، الثَّانِيَةُ: بَلَى، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ، فَوَجَبَ مَعَهُ الْإِعَادَةُ كَنِسْيَانِ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. [إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ] (وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ) زَادَ بَعْضُهُمْ، وَطِينًا يُجَفِّفُهُ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَالْأَصَحُّ فِي الْوَقْتِ (صَلَّى) فَرْضًا فَقَطْ (عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّ الْعَجْزَ عَنِ الشَّرْطِ لَا يُوجِبُ تَرْكَ الْمَشْرُوطِ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ السُّتْرَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَزِيدُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى مَا يُجْزِئُ، وَفِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ ": يَتَوَجَّهُ فِعْلُ مَا شَاءَ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا يَثْبُتُ مَعَ إِمْكَانِ الطَّهَارَةِ، وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِمْ، حَتَّى لَوْ كَانَ جُنُبًا قَرَأَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْفَاتِحَةِ، فَكَذَا فِيمَا يُسْتَحَبُّ خَارِجَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَجَزَمَ جَدُّهُ، وَجَمَاعَةٌ بِخِلَافِهِ، وَلَا يَقْرَأُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ جُنُبًا. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ مِنْ طُمَأْنِينَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَإِنْ أَحْدَثَ فِيهَا بَطَلَتْ، وَهَلْ تَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَهُوَ فِيهَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ (وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ) أَصَحُّهُمَا: لَا يُعِيدُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِجَالًا فِي طَلَبِهَا، فَوَجَدُوهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ

стр. 178

بِتُرَابٍ طَاهِرٍ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ فَإِنْ خَالَطَهُ ذُو غُبَارٍ وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَسَقَطَ عِنْدَ الْعَجْزِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ، وَلَوْ بِتَيَمُّمٍ فِي الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ لا يشق، فَلَمْ تَسْقُطْ بِهِ الْإِعَادَةُ، فَعَلَيْهَا إِنْ قَدَرَ فِيهَا، خَرَجَ مِنْهَا، وَإِلَّا فَكَمُتَيَمِّمٍ يَجِدُ الْمَاءَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا فَرْضُهُ. [لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ] (وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ) أَيْ: طَهُورٍ غَيْرِ مُحْتَرِقٍ (لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ) هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وَمَا لَا غُبَارَ لَهُ كَالصَّخْرِ لَا يُمْسَحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصَّعِيدُ تُرَابُ الْحَرْثِ، وَالطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ. وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ ﵇: «وَجُعِلَ لِيَ التُّرَابُ طَهُورًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، فَخَصَّ تُرَابَهَا بِحُكْمِ الطَّهَارَةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَقَوْلُ الْخَلِيلِ: إِنَّ الصَّعِيدَ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَالزُّجَاجِ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] ، وَقَائِلًا بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ، يُعَارِضُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللُّغَةِ، وَقَوْلَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّفْسِيرِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ بِقَوْلِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، وَقَالَ فِي " الْكَشَّافِ ": إِنَّ " مِنْ " لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ، وَلَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَسَحْتُ بِرَأْسِهِ مِنَ الدُّهْنِ، وَمِنَ الْمَاءِ، وَالتُّرَابِ إِلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ، وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ أَحَقُّ مِنَ الْمِرَاءِ. وَالثَّانِيَةُ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: يَجُوزُ بِالرَّمْلِ وَالسَّبْخَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: «وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا»

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَالتُّرَابُ بَعْضُ أَفْرَادِهَا، وَالتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ لَا يُخَصِّصُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْمَفْهُومِ لَا بِذِكْرِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ، وَحَمَلَهُ الْخَلَّالُ عَلَى عَدَمِ التُّرَابِ، وَكَانَ لَهُمَا غُبَارٌ، وَشَرَطَ الْقَاضِي الْغُبَارَ دُونَ الْعَدَمِ. وَفِي ثَالِثَةٍ: يَجُوزُ بِكُلِّ مَا تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ جِصٍّ وَنَوْرَةٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَحَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، وَذَلِكَ عِنْدَ الْعَدَمِ لَا مُطْلَقًا، وَفِي رَابِعَةٍ: يَجُوزُ بِالسَّبْخَةِ فَقَطْ إِذَا كَانَ لَهَا غُبَارٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَعَلَيْهِ يُنَزَّلُ كَلَامُ أَحْمَدَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَجُوزُ بِكُلِّ تُرَابٍ عَلَى أَيِّ لَوْنٍ كَانَ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى تُرَابٍ أَوْ لِبَدٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ شَعِيرٍ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ سَحَقَ الطِّينَ، وَتَيَمَّمَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مَأْكُولًا كَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الطَّبْخِ، فَلَا يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ الطَّبْخَ أَخْرَجَهُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ مَقْبَرَةٍ تَكَرَّرَ نَبْشُهَا، وَإِنْ شَكَّ فِيهِ، فَوَجْهَانِ، وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَالتُّرَابُ الْمَغْصُوبُ كَالْمَاءِ. قَالَ الْمَجْدُ ﵀: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تُرَابَ مَسْجِدٍ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِتُرَابِ زَمْزَمَ مَعَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ، وَقَالُوا: يُكْرَهُ إِخْرَاجُ حَصَى الْمَسْجِدِ وَتُرَابِهِ لِلتَّبَرُّكِ وَغَيْرِهِ، وَالْكَرَاهَةُ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ بِتُرَابٍ غَيْرِهِ جَازَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ لِلْإِذْنِ فِيهِ عَادَةً وَعُرْفًا، كَالصَّلَاةِ فِي أَرْضِهِ، وَقَالَ عُمَرُ: لَا يَتَيَمَّمُ بِالثَّلْجِ لَكِنْ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَتَعَذَّرَ تَذْوِيبُهُ فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ: أَنَّهُ يَمْسَحُ بِهِ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ، وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا بِالْجَرَيَانِ (فَإِنْ خَالَطَهُ ذُو غُبَارٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ،

стр. 180

كَالْجِصِّ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ كَالْمَاءِ إِذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ. فَصْلٌ وَ فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ أَرْبَعَةٌ: مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ، وَيَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ، وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] كَالْجِصِّ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ كَالْمَاءِ إِذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ) هَذِهِ طَرِيقَةُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّهُ بَدَلٌ، فَيُقَاسُ عَلَى مُبْدَلِهِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ مُطْلَقًا، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَقْيَسُ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ بِالْعُضْوِ مِنْهُ شَيْءٌ فَمَنَعَ وُصُولَ التُّرَابِ، وَالْمَائِعُ يُسْتَهْلَكُ فِي الْمَاءِ. تَنْبِيهٌ: مَا يَتَيَمَّمُ بِهِ وَاحِدٌ فَكَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ كَمَا تَيَمَّمَ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ، وَأَعْجَبَ أَحْمَدَ حَمْلُ تُرَابٍ لِلتَّيَمُّمِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَيُكْرَهُ نَفْخُ الْغُبَارِ عَنْ يَدَيْهِ إِنْ قَلَّ، وَعَنْهُ: أَوْ كَثُرَ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا إِلَّا أَنْ يَذْهَبَ كُلُّهُ بِالنَّفْخِ. [فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ] فَصْلٌ (وَفَرَائِضُ التَّيَمُّمِ أَرْبَعَةٌ: مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ، وَيَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: «وَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ اسْتِيعَابِهِمَا بِهِ، فَالْوَجْهُ يَجِبُ مَسْحُ ظَاهِرِهِ بِمَا لَا يَشُقُّ، فَلَا يَمْسَحُ بَاطِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَلَا بَاطِنَ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ، وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " اسْتِثْنَاءَ بَاطِنِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فَقَطْ، وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ، فَإِذَا كَانَ أُقْطِعَ مِنْهُ، وَجَبَ مَسْحُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ فِي الْمَنْصُوصِ، كَمَا لَوْ بَقِيَ مِنَ الْكَفِّ بَقِيَّةٌ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ بَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا لَوْ قُطِعَ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ عَلَى الْمَنْصُوصِ. (وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ) عُرْفًا (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُمَا فَرْضٌ فِي الْمُبْدَلِ، فَكَذَا فِي الْبَدَلِ، وَالثَّانِيَةُ، وَحَكَاهَا فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا: لَا يَجِبَانِ، وَإِنْ وَجَبَا فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَقِيلَ: التَّرْتِيبُ، قَالَ
следующие страницы →