Полный текст (3 567 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا الْجَبِيرَةَ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِلَى حَلِّهَا، أَوْ بُرْئِهَا، وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ، وَعَنْهُ: مِنَ الْمَسْحِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[مدة المسح للمُقِيم وَالْمُسَافِر]
(وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ) لِأَخْبَارٍ: مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: هُوَ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ» ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَفَرُ الْقَصْرِ، لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّخَصُ، فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، أَوْ مُحْرِمًا مَسَحَ كَالْمُقِيمِ، جَعْلًا لِوُجُودِ هَذَا السَّفَرِ كَعَدَمِهِ، وَحِينَئِذٍ يَخْلَعُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ خَافَ، أَوْ تَضَرَّرَ رَفِيقُهُ بِانْتِظَارِهِ تَيَمَّمَ، فَلَوْ مَسَحَ وَصَلَّى أَعَادَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَمْسَحُ كَالْجَبِيرَةِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: يَمْسَحُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَقِيلَ: لَا يَمْسَحُ أَصْلًا عُقُوبَةً لَهُ (إِلَّا الْجَبِيرَةَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِلَى حَلِّهَا، أَوْ بُرْئِهَا) لِأَنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ) أَيْ: مِنْ وَقْتِ جَوَازِ مَسْحِهِ بَعْدَ حَدَثِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا سَفْرًا، أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهَا تُنْزَعُ لِثَلَاثٍ يَمْضِينَ مِنَ الْغَائِطِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَاعْتُبِرَ أَوَّلُ وَقْتِهَا مِنْ حِينِ جَوَازِ فِعْلِهَا كَالصَّلَاةِ، فَلَوْ مَضَى
стр. 107
بَعْدَهُ، وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَإِنْ مَسَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنَ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَلَمْ يَمْسَحْ، انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، وَمَا لَمْ يُحْدِثْ لَا تُحْتَسَبُ الْمُدَّةُ، فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ لُبْسِهِ يَوْمًا عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ الْمُدَّةَ (وَعَنْهُ: مِنَ الْمَسْحِ بَعْدَهُ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: امْسَحْ إِلَى مِثْلِ سَاعَتِكَ الَّتِي مَسَحْتَ فِيهَا. خَرَّجَهُ الْخَلَّالُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵇: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثًا» فَلَوْ كَانَ أَوَّلُهُ الْحَدَثَ لَمْ يُتَصَوَّرْ، إِذِ الْحَدَثُ لَا بُدَّ أَنْ يَسْبِقَ الْمَسْحَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ جَوَازِ الْمَسْحِ، وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ ﵇ قَدَّرَهُ بِالْوَقْتِ دُونَ الْفِعْلِ، فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ الْمُقِيمُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ سِتَّ صَلَوَاتٍ، يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَمْسَحُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَيُصَلِّيهَا فِيهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سَبْعَ صَلَوَاتٍ، وَالْمُسَافِرُ أَنْ يُصَلِّيَ سِتَّ عَشْرَةَ صَلَاةً، وَإِنْ جَمَعَ فَسَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً.
(وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ) كَمَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ غَلَبَ حُكْمُهُ، وَلَوْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةٍ فِي سَفِينَةٍ، فَدَخَلَتِ الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا بَطُلَتْ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِي الْأَشْهَرِ، وَقَوْلُهُ: أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ مُرَادُهُ: إِذَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ، فَإِنِ اسْتَكْمَلَهَا خَلَعَ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لِتَغْلِيبِ جَانِبِ الْحَضَرِ، وَذَكَرَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّهُ إِذَا مَسَحَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ (وَإِنْ مَسَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ) أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْأَكْثَرُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَغْلِيبِ جَانِبِ الْحَضَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْحَضَرِ أَوْ لَا، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَائِلِ الَّتِي أُقِيمَ فِيهَا الزَّمَانُ مَقَامَ الْفِعْلِ، كَمَا إِذَا رَهَنَهُ أَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا عِنْدَهُ، وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ، وَمَضَى زَمَنُ إِمْكَانِهِ صَارَ كَالْمَقْبُوضِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ صَلَّى بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ فِي
стр. 108
شَكَّ فِي ابْتِدَائِهِ، أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَعَنْهُ: يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَمَنْ أَحْدَثَ، ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ.
وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إِلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ، وَيَثْبُتُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْحَضَرِ غَلَبَ جَانِبُهُ (أَوْ شَكَّ فِي ابْتِدَائِهِ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ، وَالْمَسْحَ رُخْصَةٌ، فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِهَا رُدَّ إِلَى الْأَصْلِ، وَسَوَاءٌ شَكَّ هَلْ أَوَّلُ مَسْحِهِ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ عَلِمَ أَوَّلَ الْمُدَّةِ، وَشَكَّ هَلْ كَانَ مَسْحُهُ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا (وَعَنْهُ: يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ) فِيهِمَا، أَمَّا الْأُولَى فَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ "، لِأَنَّ هَذَا مُسَافِرٌ فَيُعْطَى حُكْمُهُ. وَادَّعَى الْخَلَّالُ أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ; وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: كَوْنُهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ مَعَ الشَّكِّ فِي أَوَّلِهِ غَرِيبٌ بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ مَعَ الشَّكِّ فِي إِبَاحَتِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْغَسْلِ، فَلَوْ شَكَّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَمْسَحْ، فَإِنْ مَسَحَ الشَّاكُّ، فَبَانَ بَقَاءُ الْمُدَّةِ صَحَّ وُضُوءُهُ، وَقِيلَ: لَا، كَمَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بِهِ مَعَ شَكِّهِ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
قَالَ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ: وَمَنْ لَبِسَ وَأَحْدَثَ، وَمَسَحَ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ مَسَحَ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ بَعْدَهَا؛ وَقُلْنَا: ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْمَسْحِ، بُنِيَ الْأَمْرُ فِي الْمَسْحِ فِي الْمُدَّةِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ بَعْدَهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَوُجُوبُ الْغَسْلِ، فَعَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى أَصْلِهِ.
فَرْعٌ: لَوْ مَسَحَ إِحْدَى خُفَّيْهِ فِي الْحَضَرِ، وَالْأُخْرَى فِي السَّفَرِ يَتَوَجَّهُ لَنَا خِلَافٌ.
(وَمَنْ أَحْدَثَ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ) قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ
стр. 109
بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، أَوْ كَانَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبُ، أَوِ الْجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ، أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ إِذَا مَشَى، أَوْ شَدَّ لَفَائِفَ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
خِلَافًا، لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ مُسَافِرًا، وَذَكَرَ فِي الْخِلَافِ و" الرِّعَايَةِ " رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ، كَمَنْ سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَمْ يُحْرِمْ بِالصَّلَاةِ، وَقِيلَ: إِنْ مَضَى وَقْتُ صَلَاةٍ.
[شُرُوطُ الْمَسْحِ عَلَى حَوَائِلِ الرِّجْلِ]
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إِلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ) وَهُوَ الْقَدَمُ كُلُّهُ (وَيَثْبُتُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، أَوْ كَانَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبُ، أَوِ الْجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ، أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ، أَوْ شَدَّ لَفَائِفَ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ) .
اعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى حَوَائِلِ الرِّجْلِ شُرُوطٌ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِلَّا فَحُكْمُ مَا اسْتَتَرَ الْمَسْحُ، وَمَا ظَهَرَ الْغَسْلُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى جَمْعِهِمَا، فَوَجَبَ الْغَسْلُ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ظُهُورُهُ لِقِصَرِ الْحَائِلِ، أَوْ سَعَتِهِ، أَوْ صَفَائِهِ، أَوْ خَرْقٍ فِيهِ، وَإِنْ صَغُرَ حَتَّى مَوْضِعِ الْخَرَزِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخَرْقَ إِذَا انْضَمَّ، وَلَمْ يَبْدُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لَكِنْ مَالَ الْمَجْدُ إِلَى الْعَفْوِ عَنْ خَرْقٍ لَا يَمْنَعُ مُتَابَعَةَ الْمَشْيِ نَظَرًا إِلَى ظَاهِرِ خِفَافِ الصَّحَابَةِ، وَبَالَغَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَقَالَ: يَجُوزُ عَلَى الْمُخَرَّقِ مَا لَمْ يُظْهِرْ أَكْثَرَ الْقَدَمِ، فَإِنْ ظَهَرَ أَكْثَرُهُ فَهُوَ كَالنَّعْلِ، أَوِ الزَّرْبُولِ الَّذِي لَمْ يَسْتُرِ الْقَدَمَ مِمَّا فِي نَزْعِهِ مَشَقَّةٌ، بِأَنْ لَا يُخْلَعَ بِمُجَرَّدِ خَلْعِ الرِّجْلِ، إِنَّمَا يُخْلَعُ بِالرِّجْلِ الْأُخْرَى أَوْ بِالْيَدِ، وَقَالَ: إِنَّهُ يُغْسَلُ مَا ظَهَرَ مِنَ الْقَدَمِ، وَيُمْسَحُ النَّعْلُ، أَوْ يُمْسَحُ الْجَمِيعُ، مُعْتَمِدًا فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَادِيثَ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ.
стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِنَفْسِهِ، إِذِ الرُّخْصَةُ وَرَدَتْ فِي الْخُفِّ الْمُعْتَادِ، وَمَا لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَسْقُطُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ، وَلَا عَلَى اللَّفَائِفِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا، لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا بِنَفْسِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهَا نَعْلٌ أَوْ لَا، وَلَوْ مَعَ مَشَقَّةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ رِوَايَةً بِالْجَوَازِ، بِشَرْطِ قُوَّتِهَا وَشَدِّهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ مَسْحُ لِفَافَةٍ تَحْتَ خُفٍّ مُخَرَّقٍ كَجَوْرَبٍ تَحْتَ مُخَرَّقٍ، أَمَّا إِذَا ثَبَتَ الْخُفُّ وَنَحْوُهُ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ بِدُونِ شَدِّهِ، فَيَجُوزُ مَسْحُهُ مَعَ شَدِّهِ، صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا، اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الزَّرْبُولُ الَّذِي لَهُ أُذُنٌ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، فَلَوْ تَعَذَّرَ لِضِيقِهِ، أَوْ نَعْلٍ جَدِيدَةٍ، أَوْ تَكْسِيرِهِ كَرَقِيقِ الزُّجَاجِ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْمَغْصُوبِ، وَالْحَرِيرِ، لِأَنَّ لُبْسَهُ مَعْصِيَةٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الرُّخْصَةُ، وَبَنَاهُ جَمَاعَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَفِي ثَالِثٍ: إِنْ لَبِسَهُ لِحَاجَةٍ كَالْبِلَادِ الْبَارِدَةِ الَّتِي يَخْشَى فِيهَا سُقُوطَ أَصَابِعِهِ، أَجْزَأَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْفُصُولِ "، و" النِّهَايَةِ ".
стр. 111
وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيْهِ آخَرَ، جَازَ الْمَسْحُ.
وَيَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُعْتَادًا فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْخَشَبِ، وَالزُّجَاجِ، وَالنُّحَاسِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشِّيرَازِيِّ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ، وَالْقَاضِي، وَزَعَمَ أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ، لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ، أَشْبَهَ الْجُلُودَ، وَالْأَوْلَى أَنْ نَقُولَ: الرُّخْصَةُ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْخِفَافِ الْمُتَعَارَفَةِ لِلْحَاجَةِ.
السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ طَاهِرَ الْعَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَنْ لَبِسَ جِلْدَ كَلْبٍ، أَوْ مَيْتَةٍ فِي بَلَدِ ثَلْجٍ، وَخَشِيَ سُقُوطَ أَصَابِعِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ لَا يُشْتَرَطُ، لِلْإِذْنِ فِيهِ إِذًا، وَنَجَاسَةُ الْمَاءِ حَالَ الْمَسْحِ لَا تَضُرُّ، كَالْجُنُبِ إِذَا اغْتَسَلَ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَالْمَجْدُ: يُشْتَرَطُ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْأَصْلِ، وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ نَادِرَةٌ، وَإِذًا يَتَيَمَّمُ لِلرِّجْلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ طَاهِرَ الْعَيْنِ، وَبِبَاطِنِهِ، أَوْ بِالْقَدَمِ نَجَاسَةٌ لَا تُزَالُ إِلَّا بِالْمَاءِ فَقِيلَ: هُوَ كَالْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ، وَقِيلَ: إِنْ تَعَذَّرَ الْخَلْعُ، وَقُلْنَا بِجَوَازِ الْمَسْحِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَالْإِعَادَةُ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ، وَالصَّلَاةَ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إِزَالَتِهِ النَّجَاسَةَ.
(وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيْهِ آخَرَ، جَازَ الْمَسْحُ) أَيْ: إِذَا جَمَعَ بَيْنَ مَلْبُوسَيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، فَلَهُ مَسْحُ الْأَعْلَى بِشَرْطِ لُبْسِهِ قَبْلَ الْحَدَثِ، لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ، أَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ الْحَدَثَ إِذَا تَقَدَّمَ لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى حَدَثٍ، وَكَذَا لَوْ مَسَحَ، ثُمَّ لَبِسَ آخَرَ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَغَيْرِهِ بَلْ عَلَى مَا تَحْتَهُ، وَلَوْ نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ بَعْدَ مَسْحِهِ عَلَيْهِ بَطَلَ وُضُوءُهُ، وَلَهُ مَسْحُ مَا تَحْتَهُ فِي
стр. 112
دُونَ أَسْفَلِهِ، وَعَقِبِهِ، فَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَصَابِعِ، ثُمَّ يَمْسَحُ إِلَى سَاقِهِ.
وَيَجُوزُ الْمَسْحُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رِوَايَةٍ، وَإِنْ لَبِسَ عَلَى لِفَافَةٍ، أَوْ مُخَرَّقٍ صَحِيحًا، مَسَحَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ، وَكَذَا إِنْ لَبِسَ عَلَى صَحِيحٍ مُخَرَّقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ: يَمْسَحُ الصَّحِيحَ، لِأَنَّ الْفَوْقَانِيَّ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ لِفَافَةٌ، وَإِنْ كَانَا مُخَرَّقَيْنِ، وَلَمْ يَسْتُرَا، لَمْ يَجُزْ بِحَالٍ، وَكَذَا إِنْ سَتَرَا، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَقِيلَ: يَجُوزُ، لِأَنَّ الْقَدَمَ اسْتَتَرَ بِهِمَا فَكَانَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ.
[يَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ]
(وَيَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ) هَذَا هُوَ السُّنَّةُ، وَيُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ (دُونَ أَسْفَلِهِ، وَعَقِبِهِ) أَيْ: لَا يُسَنُّ مَسْحُهُمَا مَعَ أَعْلَى الْخُفِّ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، فَبَيَّنَ أَنَّ الرَّأْيَ وَإِنِ اقْتَضَى مَسْحَ أَسْفَلِهِ إِلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ، لِأَنَّ أَسْفَلَهُ مَظِنَّةُ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَكَثْرَةِ الْوَسَخِ، فَمَسْحُهُ يُفْضِي إِلَى تَلْوِيثِ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَقِيلَ: يُسَنُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، «لِأَنَّهُ ﵇ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ، وَأَسْفَلَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: رُوِيَ هَذَا مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: مَعْلُولٌ، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ، وَمُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، أَمَّا لَوْ مَسَحَهُمَا مَعَ أَعْلَاهُ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَقْصُودِ وَزِيَادَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ، وَلَا يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ ﵇ إِنَّمَا مَسَحَ ظَاهِرَ
стр. 113
عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ إِذَا كَانَتْ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إِلَّا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
خُفَّيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْخُفِّ بِالْمَسْحِ بَلِ الْوَاجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ أَعْلَاهُ أَيْ: أَكْثَرِ ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَقِيلَ: قَدْرَ النَّاصِيَةِ مِنَ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يَجِبُ جَمِيعُهُ، لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ مَغْسُولٍ (فَيَضَعُ يَدَهُ) مُعْوَجَّةَ الْأَصَابِعِ، وَيُسْتَحَبُّ تَفْرِيجُهَا (عَلَى الْأَصَابِعِ) أَيْ: عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ (ثُمَّ يَمْسَحُ إِلَى سَاقِهِ) هَذَا صِفَةُ الْمَسْحِ الْمَسْنُونِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى، وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى، قَالَ فِي " الْبُلْغَةِ ": وَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ مَسَحَ إِلَى أَعْلَاهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً» فَلَيْسَ فِيهِ تَقَدُّمٌ، فَلَوْ مَسَحَ مِنْ سَاقِهِ إِلَى أَسْفَلَ جَازَ، قَالَ أَحْمَدُ: كَيْفَمَا فَعَلْتَ فَهُوَ جَائِزٌ، نَعَمْ لَوْ مَسَحَهُ بِخِرْقَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ، أَوْ أُصْبُعٍ، أَوْ غَسَلَهُ، فَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْمَسْحِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لِقَوْلِهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ يُوهِنُهُ وَيُخْلِقُهُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، بَلْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ.
[الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ]
(وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ) وَهِيَ الَّتِي يُدَارُ مِنْهَا تَحْتَ الْحَنَكِ لَوْثٌ أَوْ لَوْثَانِ وَنَحْوُهُ، وَهَذِهِ كَانَتْ عِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ وَهِيَ أَكْثَرُ سَتْرًا مِنْ غَيْرِهَا، وَيَشُقُّ نَزْعُهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهَا ذُؤَابَةٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَهُ الْقَاضِي، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً (إِذَا كَانَتْ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إِلَّا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ) كَمُقَدَّمِ رَأْسِهِ،
стр. 114
بِكَشْفِهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ، فَيَجُوزُ فِي أَحَدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَوَانِبِهِ، وَالْأُذُنَيْنِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُمَا مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ، بِخِلَافِ خَرْقِ الْخُفِّ، وَيُشْتَرَطُ لِمَا ذَكَرَهُ أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً، فَلَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً، أَوْ حَرِيرًا لَمْ تُبَحْ، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ وَالتَّوْقِيتُ فَقَدْ تَقَدَّمَا، وَهَذَا خَاصٌّ بِالرِّجْلِ، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَمْسَحُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ فِي حَقِّهَا، وَفِيهِ وَجْهٌ: تَمْسَحُ عَلَيْهَا لِضَرَرٍ بِهَا، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْعِمَامَةِ قَلَنْسُوَةٌ يَظْهَرُ بَعْضُهَا، فَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالْعِمَامَةِ الْوَاحِدَةِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " (وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ) يَعْنِي إِذَا كَانَتْ صَمَّاءَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا، أَشْبَهَتِ الطَّاقِيَّةَ، وَالْكِلَّةَ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِهَا، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالتَّلَحِّي، وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالِاقْتِعَاطُ: أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَانَ أَبِي يَكْرَهُ أَنْ يَعْتَمَّ الرَّجُلُ بِالْعِمَامَةِ، وَلَا يَجْعَلَهَا تَحْتَ حَنَكِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: إِنَّمَا يَعْتَمُّ مِثْلَ هَذَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ، وَغَيْرُهُ، وَجْهًا بِالْجَوَازِ، قَالُوا: لَمْ يُفَرِّقْ أَحْمَدُ، وَفِي " مُفْرَدَاتِ " ابْنِ عَقِيلٍ: هُوَ مَذْهَبُهُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ هِيَ كَالْقَلَانِسِ الْمُبَطَّنَةِ، وَأَوْلَى، لِأَنَّهَا فِي السَّتْرِ، وَمَشَقَّةِ النَّزْعِ لَا تَقْصُرُ عَنْهَا (إِلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ مِنَ الشَّعَرِ، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرَفُ الْعِمَامَةِ الْمَرْخِيِّ، سُمِّيَ ذُؤَابَةً مَجَازًا (فَيَجُوزُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ لِأَنَّ إِرْخَاءَ الذُّؤَابَةِ مِنَ السُّنَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ: يَنْبَغِي أَنْ يُرْخِيَ خَلْفَهُ مِنْ عِمَامَتِهِ، كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمُّ، وَيُرْخِيهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «عَمَّمَ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، وَأَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ» ، وَلِأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ عَمَائِمَ أَهْلِ
стр. 115
الْوَجْهَيْنِ وَيُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهَا، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا مَسْحُ جَمِيعِهَا.
وَيَمْسَحُ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الذِّمَّةِ، وَالثَّانِي: لَا، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " (وَيُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهَا) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، فَأَجْزَأَ بَعْضُهَا كَالْخُفِّ، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَكْوَارِهَا، وَهِيَ دَوَائِرُهَا، قَالَهُ الْقَاضِي، فَإِنْ مَسَحَ وَسَطَهَا فَقَطْ أَجْزَأَهُ فِي وَجْهٍ كَمَا يُجْزِئُ بَعْضُ دَوَائِرِهَا، وَفِي آخَرَ: لَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَسَحَ أَسْفَلَ الْخُفِّ وَحْدَهُ (وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا مَسْحُ جَمِيعِهَا) قِيلَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ، وَأَخَذَهُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَمْسَحُ الْعِمَامَةَ كَمَا يَمْسَحُ رَأْسَهُ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي صِفَةِ الْمَسْحِ دُونَ الِاسْتِيعَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي الِاسْتِيعَابِ فَيَخْرُجُ فِيهَا مِنَ الْخِلَافِ مَا فِي وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: أَظْهَرُهُمَا وُجُوبُهُ فِيهِ، فَكَذَا هُنَا، وَلِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ جِنْسِ الْمُبْدَلِ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عِوَضًا عَنْهَا إِذَا عَجَزَ عَنْهَا، بِخِلَافِ التَّسْبِيحِ، وَبِهِ يُجَابُ عَنْ مَسْحِ بَعْضِ الْخُفِّ.
فَرْعٌ: مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ مَعَ الْعِمَامَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ ﵇ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ، وَنَاصِيَتِهِ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنِ الْوُجُوبِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُهُ، لِأَنَّ الْفَرْضَ انْتَقَلَ إِلَى الْعِمَامَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لِمَا ظَهَرَ حُكْمٌ، وَفِي " الْمُغْنِي "،
стр. 116
جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ إِذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ، وَمَتَى ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ، أَوْ رَأْسُهُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْأُذُنَيْنِ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَيْسَا مِنَ الرَّأْسِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ.
[الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ]
(وَيُسْمَحُ عَلَى جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى كَسْرٍ أَوْ جُرْحٍ، نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كُلِّهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ، وَهُوَ مَسْحٌ لِلضَّرَرِ، أَشْبَهَ التَّيَمُّمَ، هَذَا إِذَا كَانَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ غَسَلَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَهَا بِالْمَسْحِ، وَأَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ فَأَسْقَطَتِ الْفَرْضَ كَالتَّيَمُّمِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَبْدُوسٍ ثَانِيَةً بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ، لَكِنَّهُمْ بَنَوْهَا عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَتَطَهَّرْ لَهَا، وَقُلْنَا بِالِاشْتِرَاطِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْمَسْحِ وَحْدَهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، لِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ، فَأَجْزَأَ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ، كَمَسْحِ الْخُفِّ، بَلْ أَوْلَى، إِذْ صَاحِبُ الضَّرُورَةِ أَحَقُّ بِالتَّخْفِيفِ، وَالثَّانِيَةُ: يَتَيَمَّمُ مَعَهُ لِظَاهِرِ قِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، وَضَعُفَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ " الْوَاوَ " فِيهِ بِمَعْنَى " أَوْ "، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِيهِ لِشَدِّ الْعِصَابَةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ (إِذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ) بِشَدِّهَا (قَدْرَ الْحَاجَةِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَتُقَيَّدُ بِقَدْرِهَا، وَاقْتَضَى أَنَّهُ إِذَا تَجَاوَزَ بِشَدِّهَا إِلَى مَوْضِعٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِغَسْلِ مَا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَعَلَى هَذَا يَنْزِعُهَا، فَإِنْ خَافَ التَّلَفَ بِهِ سَقَطَ، وَكَذَا إِنْ خَافَ الضَّرَرَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَيَمْسَحُ قَدْرَ الْحَاجَةِ، وَيَتَيَمَّمُ لِلزَّائِدِ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ مَسْحُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى الزَّائِدِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَتْ ضَرُورَةٌ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَوْضِعَ الْكَسْرِ، وَفِي ثَالِثٍ: يَجْمَعُ فِي الزَّائِدِ بَيْنَهُمَا، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ، وَالْمَرْوُذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ كَيْفَ شَدَّهَا، لِأَنَّ هَذَا لَا يَنْضَبِطُ، وَهُوَ شَدِيدٌ جِدًّا، وَالْأَوَّلُ: أَوْلَى، وَأَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
مَسْأَلَةٌ: تُفَارِقُ الْجَبِيرَةُ الْخُفَّ مِنْ أَوْجُهٍ.
стр. 117
أَوِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ، وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا إِلَّا عِنْدَ التَّضَرُّرِ بِنَزْعِهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا مُقَيَّدٌ بِالْحَلِّ أَوِ الْبُرْءِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا فِي الْكُبْرَى.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا تَقَدُّمُ طَهَارَةٍ فِي رِوَايَةٍ.
السَّادِسُ: أَنَّهَا تَجُوزُ مِنْ خَرْقٍ وَنَحْوِهِ، وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا عَلَى رِوَايَةِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
السَّابِعُ: أَنَّ مَسْحَهَا عَزِيمَةٌ، وَالْخُفُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَتَقَدَّمَ أَوْجُهٌ أُخَرُ.
(وَمَتَى ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ) بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ فِي الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ الْمَسْحَ أُقِيمَ مَقَامَ الْغَسْلِ، فَإِذَا زَالَ بَطَلَتِ الطَّهَارَةُ فِي الْقَدَمَيْنِ، فَيَبْطُلُ فِي جَمِيعِهَا، لِكَوْنِهَا لَا تَتَبَعَّضُ، وَحُكْمُ انْكِشَافِ بَعْضِ الْقَدَمِ مِنْ خَرْقٍ حُكْمُ ظُهُورِهِ كُلِّهِ، فَلَوْ أَخْرَجَ الْقَدَمَ، قَالَ الْمَجْدُ، وَالْجَدُّ: أَوْ بَعْضَهُ إِلَى سَاقِ الْخُفِّ فَهُوَ كَخَلْعِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ، وَعَنْهُ: إِنْ جَاوَزَ الْعَقِبَ أَثَّرَ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ: لَا، وَعَنْهُ: لَا يُبَعِّضُهُ، وَنَزْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَنَزْعِهِمَا، لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ: الْمَاسِحُ يَحْتَرِزُ بِهِ مَا إِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ، فَإِذَا طَهُرَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَيُصَلِّي بِهِ مَا أَرَادَ (أَوْ) ظَهَرَ (رَأْسُهُ بَطَلَتْ أَيْضًا قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكَشْفُ يَسِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا زَالَتْ عَنْ رَأْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَفْحُشْ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: مَا لَمْ يَرْفَعْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ، وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ "، و" الْوَجِيزِ " أَنَّهَا تَبْطُلُ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ رَأْسِهِ، وَكَذَا إِذَا انْتَقَضَتْ بَعْدَ مَسْحِهَا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ، وَفِي بَعْضِهَا رِوَايَتَانِ (أَوِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ) وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ (اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ، وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ) لِأَنَّهُ أَزَالَ بَدَلَ غَسْلِهِمَا، فَأَجْزَأَهُ
стр. 118
وَلَا مَدْخَلَ لِحَائِلٍ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى إِلَّا الْجَبِيرَةُ.
بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا.
الثَّانِي:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُبْدَلُ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ، وَفِي الْأُولَى يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فَقَطْ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْخَلْعَ إِذَا كَانَ عَقِبَ الْمَسْحِ كَفَاهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ، أَوْ رَفْعُ الْحَدَثِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهُ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَيَرْفَعُهُ فِي الْمَنْصُوصِ وِفَاقًا، أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ بِنِيَّةٍ. أَوْ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ فِي النَّقْضِ، وَإِنْ تَبَعَّضَتْ فِي الثُّبُوتِ، كَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ اخْتَارَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَيَتَوَجَّهُ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بَلْ يُصَلِّي بِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا حَدَثَ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ كَمَا لَوْ كَانَ خَارِجَهَا، وَبَنَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى قُدْرَةِ الْمُتَيَمِّمِ عَلَى الْمَاءِ.
(وَلَا مَدْخَلَ لِحَائِلٍ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى) لِحَدِيثِ صَفْوَانَ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» (إِلَّا الْجَبِيرَةُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِنَزْعِهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِذَا زَالَتْ فَكَالْخُفِّ، وَقِيلَ: طَهَارَتُهُ بَاقِيَةٌ قَبْلَ الْبُرْءِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مُطْلَقًا.
[نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ]
[الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ]
بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ
النَّوَاقِضُ: جَمْعُ نَاقِضَةٍ لَا نَاقِضٍ، لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ عَلَى فَوَاعِلَ إِلَّا الْمُؤَنَّثُ، وَشَذَّ: فَوَارِسُ، وَهَوَالِكُ، وَنَوَاكِسُ جَمْعُ فَارِسٍ، وَهَالِكٍ، وَنَاكِسٍ، يُقَالُ: نَقَضْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَفْسَدْتَهُ، فَنَوَاقِضُ الْوُضُوءِ مُفْسِدَاتُهُ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهِ مَجَازٌ، كَاسْتِعْمَالِهِ فِي الْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا حَقِيقَتُهُ فِي الْبِنَاءِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْمَعَانِي بِعَلَاقَةِ الْإِبْطَالِ.
(وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ وَاحِدُهُمَا سَبِيلٌ، وَهُوَ الطَّرِيقُ، وَهُمَا مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالْمُرَادُ إِلَى مَا هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَيَلْحَقُهُ
стр. 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حُكْمُ التَّطْهِيرِ، إِلَّا مِمَّنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ (قَلِيلًا كَانَ) الْخَارِجُ (أَوْ كَثِيرًا) ذُكِرَ لِمُقَابَلَةِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مُغْنٍ عَنْهُ (نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا) فَالْمُعْتَادُ كَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، فَيَنْقُضُ إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] وَقَوْلِهِ ﵇: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ» وَالنَّادِرُ كَالدُّودِ، وَالْحَصَى حَتَّى دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، لِمَا رَوَى عُرْوَةُ، «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ، فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي، وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. فَقَدْ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَدَمُهَا غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلِ، أَشْبَهَ الْمُعْتَادَ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ بِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيَنْتَقِضُ بِهَا، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمَنِيِّ وَالرِّيحِ، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ الْقُبُلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ النَّقْضُ بِالرِّيحِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ دُونَ قُبُلِ الرَّجُلِ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّ قُبُلَهَا لَهُ مَنْفَذٌ إِلَى الْجَوْفِ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ، وَرِيحُ الدُّبُرِ إِنَّمَا نَقَضَ لِاسْتِصْحَابِهِ جُزْءًا لَطِيفًا مِنَ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ نَتْنِهَا، وَكَمَا إِذْ أَقْطَرَ فِي فَرْجِهِ دُهْنًا، ثُمَّ سَالَ، أَوِ احْتَشَى قُطْنًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ، أَوْ كَانَ فِي وَسَطِ الْقُطْنِ مَيْلٌ، فَسَقَطَ بِلَا بِلَّةٍ فِي وَجْهِ إِنَاطَةٍ بِالْمَظِنَّةِ، وَلَا نَقْضَ فِي آخَرَ، لِانْتِفَاءِ الْخَارِجِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ خُرُوجَ بِلَّةٍ نُقِضَ عَلَى الْأَعْرَفِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: لَا نَقْضَ حَتَّى يَخْرُجَ بَوْلٌ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَتَبْعِيدُهُ بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ، نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَفِي وَجْهٍ: يَنْقُضُ الدُّهْنُ دُونَ غَيْرِهِ، وَفِي نَجَاسَةِ الدُّهْنِ وَجْهَانِ، لِنَجَاسَةِ بَاطِنِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ، فَلَمْ يَتَنَجَّسْ بِهِ، كَنُخَامَةِ الْحَلْقِ، وَهُوَ مَخْرَجُ الْقَيْءِ، وَكَذَا إِذَا طَهُرَتْ مَقْعَدَتُهُ يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهَا بَلَلًا، وَلَمْ يَنْفَصِلْ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ عَلَى الْمَنْصُوصِ،
стр. 120
خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ ، فَإِنْ كَانَ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا نَقَضَ قَلِيلُهَا وَإِنْ كَانَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَكَذَا طَرَفُ مُصْرَانٍ، أَوْ رَأْسُ دُودَةٍ، وَخَرَجَ مِنْهُ مَا إِذَا احْتَقَنَ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا شَيْءٌ، أَوْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ، أَوْ دُونَهُ، فَدَخَلَ فَرْجَهَا، وَلَمْ يَخْرُجْ فِي وَجْهٍ، وَمُجَرَّدُ الْحُقْنَةِ فِيهَا أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: يَنْقُضُ مِنْ دُبُرِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِيمَا تَحْمِلُهُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ طَرَفِهِ خَارِجًا، أَوْ لَا.
[خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ]
(الثَّانِي: خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ) أَيْ: بَاقِي (الْبَدَنِ فَإِنْ كَانَ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا نَقَضَ قَلِيلُهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ لِمَا سَبَقَ، وَكَالْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَا مُنْسَدَّيْنِ، أَوْ مَفْتُوحَيْنِ فَوْقَ الْمَعِدَةِ أَوْ تَحْتَهَا، وَإِنِ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ، وَانْفَتَحَ غَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَسْفَلَ الْمَعِدَةِ، فَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ لَمْ يَنْقُضْ فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ، وَرُجِيَ انْقِطَاعُهُ نَقَضَ كَثِيرُهُ، وَفِي يَسِيرِهِ رِوَايَتَانِ، قَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": إِنِ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ خِلْقَةً، فَسَبِيلُ الْحَدَثِ الْمُنْفَتِحُ، وَالْمَسْدُودُ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنَ الْخُنْثَى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْخَارِجَ إِذَا كَانَ طَاهِرًا فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ، سَوَاءٌ كَانَ بُصَاقًا، أَوْ نُخَامَةً، أَوْ بَلْغَمًا، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَأَصْلُهُمَا هَلْ يُفْطِرُ الصَّائِمُ؟ وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ، لِأَنَّهَا تُخْلَقُ مِنَ الْبَدَنِ كَبَلْغَمِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: هُوَ نَجِسٌ إِذَا انْعَقَدَ، وَازْرَقَّ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً (وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا لَمْ يَنْقُضْ إِلَّا كَثِيرُهَا) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ ﵇ لِفَاطِمَةَ: «إِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ» فَعَلَّلَ بِكَوْنِهِ دَمَ عِرْقٍ، وَالْقَيْحُ وَالدَّمُ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ خَارِجَةٌ مِنَ الْبَدَنِ أَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ دَمٌ، وَقَيْحٌ، وَدُودٌ، وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ قَيْحٌ، وَلَا صَدِيدٌ، وَلَا مِدَّةٌ، إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ ذَلِكَ مِنَ السَّبِيلِ، فَلَوْ خَرَجَ دَمٌ كَثِيرٌ بِمَصِّ عَلَقٍ، أَوْ قُرَادٍ نَقَضَ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِنَفْسِهِ بَلْ بِقُطْنَةٍ، وَنَحْوِهَا، فَكَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَصِّ ذُبَابٍ، وَبَعُوضٍ لِقِلَّتِهِ، وَمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا، ذَكَرَهُ
стр. 121
غَيْرَهُمَا لَمْ يَنْقُضْ إِلَّا كَثِيرُهَا، وَهُوَ مَا فَحُشَ فِي النَّفْسِ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ قَلِيلَهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَبُو الْمَعَالِي، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَنْقُضُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَجَابِرٍ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الدَّمِ: إِذَا كَانَ فَاحِشًا أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَالْقَلِيلُ لَا أَرَى فِيهِ الْوُضُوءَ، لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَخَّصُوا فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ حَدَّ الْكَثِيرِ فَقَالَ (وَهُوَ مَا فَحُشَ فِي النَّفْسِ) أَيْ: كُلُّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْفَاحِشُ مَا فَحُشَ فِي قَلْبِكَ. قَالَ الْخَلَّالُ: إِنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ، وَذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ الْمَذْهَبَ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لِأَنَّ اعْتِبَارَ حَالِ الْإِنْسَانِ بِمَا يَسْتَفْحِشُهُ غَيْرُهُ مُحْرِجٌ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ نُفُوسُ أَوْسَاطِ النَّاسِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ "، و" الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " كَمَا يَرْجِعُ فِي يَسِيرِ اللُّقَطَةِ إِلَيْهِمْ، وَعَنْهُ: الْفَاحِشُ قَدْرُ الْكَفِّ، وَعَنْهُ: قَدْرُ عَشَرَةِ أَصَابِعَ (وَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّ قَلِيلَهَا يَنْقُضُ) لِمَا رَوَى مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاءَ فَتَوَضَّأَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: صِدْقٌ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ، أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلَسٌ، أَوْ مَذْيٌ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَهُوَ حِجَازِيٌّ، وَرِوَايَتُهُ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَكَخَارِجٍ مُعْتَادٍ لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا تُعْرَفُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ إِلَّا فِي الْقَلْسِ، وَاطَّرَحَهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا نَقْضَ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ فِي غَيْرِ الْقَيْءِ، فَإِنْ شَرِبَ مَاءً وَقَذَفَهُ
стр. 122
يَنْقُضُ.
الثَّالِثُ: زَوَالُ الْعَقْلِ إِلَّا النَّوْمَ الْيَسِيرَ جَالِسًا، أَوْ قَائِمًا، وَعَنْهُ: أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الْحَالِ فَنَجِسٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَيُحْمَلَانِ عَلَى الْفَاحِشِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
فَائِدَةٌ: الْقَلَسُ بِالتَّحْرِيكِ، وَقِيلَ بِالسُّكُونِ: مَا خَرَجَ مِنَ الْجَوْفِ مِلْءَ الْفَمِ، أَوْ دُونَهُ، وَلَيْسَ بِقَيْءٍ فَإِنْ عَادَ فَهُوَ قَيْءٌ.
[زَوَالُ الْعَقْلِ]
(الثَّالِثُ زَوَالُ الْعَقْلِ) أَوْ تَغْطِيَتُهُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُ:، وَلَوْ تَلَجَّمَ، وَلَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ إِلْحَاقًا بِالْغَالِبِ، لِأَنَّ الْحِسَّ يَذْهَبُ مَعَهُ، وَالْمُزِيلُ لَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: نَوْمٌ وَغَيْرُهُ، فَغَيْرُ النَّوْمِ كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ يَنْقُضُ كَثِيرُهَا، وَيَسِيرُهَا إِجْمَاعًا عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَشْعُرُونَ بِحَالٍ، بِخِلَافِ النَّائِمِ، وَفِي إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِهِ بِمَا هُوَ آكَدُ مِنْهُ، وَأَمَّا النَّوْمُ فَرَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ لِيَسْتَرِيحَ بَدَنُهُ عِنْدَ تَعَبِهِ، وَهِيَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ فَيَنْقُضُ فِي الْجُمْلَةِ، لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ بَقِيَّةَ، عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ، وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْحَدَثِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ قَالَ الْخَلَّالُ: هُوَ خَطَأٌ بَيِّنٌ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِذَا ظَنَّ بَقَاءَ طُهْرِهِ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهَا، ثُمَّ هُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ، فَقَالَ (إِلَّا النَّوْمَ الْيَسِيرَ) عُرْفًا، لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَيْئَتِهِ كَسُقُوطِهِ، وَقِيلَ: مِقْدَارُ الْكَثِيرِ رَكْعَتَانِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ إِذَا رَأَى فِيهِ حُلْمًا، وَمَنْ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى عَقْلِهِ، فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، فَلَوْ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ لَمْ يَنْقُضْ (جَالِسًا أَوْ قَائِمًا) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ، وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْيَسِيرِ، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَالْقَائِمُ كَالْقَاعِدِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي انْضِمَامِ مَحَلِّ الْحَدَثِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْقُضُ إِذَا
стр. 123
وَالسَّاجِدِ لَا يَنْقُضُ يَسِيرُهُ.
وَالرَّابِعُ: مَسُّ الذَّكَرِ بِيَدِهِ أَوْ بِبَطْنِ كَفِّهِ، أَوْ بِظَهْرِهِ، وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَانَ كَثِيرًا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ مَعَ الْكَثْرَةِ لَا يُحِسُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ، وَعَنْهُ: لَا (وَعَنْهُ: أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ أَوِ السَّاجِدِ لَا يَنْقُضُ يَسِيرُهُ) لِأَنَّهُمَا مِنَ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ الْجَالِسَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْقُضُ الْيَسِيرُ مِنْهُمَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقِيَاسُهُمَا عَلَى الْجَالِسِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّ مَحَلَّ الْحَدَثِ فِيهِمَا مُنْفَتِحٌ بِخِلَافِ الْجَالِسِ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْبُلْغَةِ " اسْتِثْنَاءَ الْيَسِيرِ فِي الْحَالَاتِ الْأَرْبَعِ، وَعَنْهُ: يَنْقُضُ الْيَسِيرُ إِلَّا فِي الْجَالِسِ، وَعَنْهُ: لَا نَقْضَ فِيهَا، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَالشِّيرَازِيِّ، وَابْنِ عَقِيلٍ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَامَ الْعَبْدُ وَهُوَ سَاجِدٌ، يُبَاهِي اللَّهُ بِهِ الْمَلَائِكَةَ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي، وَهُوَ سَاجِدٌ» فَسَمَّاهُ سَاجِدًا مَعَ نَوْمِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ نَوْمَ الْمُسْتَنِدِ، وَالْمُتَّكِئِ، وَالْمُحْتَبِي كَالْمُضْطَجِعِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَشْهَرِ.
[مَسُّ الذَّكَرِ]
(الرَّابِعُ مَسُّ الذَّكَرِ) أَيْ: ذَكَرِ الْآدَمِيِّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَتْ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ، وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ مَعْنَاهُ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْأَثْرَمُ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَلَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ» ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، وَهَذَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَنْ تَوْقِيفٍ.
стр. 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، هَلْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ؛ قَالَ: لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ جَسَدِهِ أَشْبَهَ رِجْلَهُ، فَعَلَيْهَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّهِ، وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي فَتَاوِيهِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ، لِأَنَّ حَدِيثَ قَيْسٍ ضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ: قَيْسٌ لَا تَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ، فَهُوَ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّ «طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُؤَسِّسُ فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: «قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ، فَسَأَلَهُ» الْحَدِيثَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْسِيسَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَإِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، وَبُسْرَةَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ عَامَ الْفَتْحِ هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي النَّسْخِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَحَدِيثُهُمْ مُبْقًى عَلَى الْأَصْلِ، وَأَحَادِيثُنَا نَاقِلَةٌ عَنْهُ، وَهِيَ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِهِ هُوَ الْمَنْسُوخُ، لَزِمَ التَّغْيِيرُ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُ الْوُضُوءِ هُوَ الْمَنْسُوخُ لَمْ يَلْزَمِ التَّغْيِيرُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَيَكُونُ أَوْلَى، وَقِيَاسُهُمُ الذَّكَرَ عَلَى بَقِيَّةِ الْبَدَنِ لَا يَسْتَقِيمُ، لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ يَنْفَرِدُ بِهَا مِنْ إِيجَابِ الْغُسْلِ بِإِيلَاجِهِ، وَالْحَدِّ، وَالْمَهْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَسِّ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمُصَلِّي فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا يَمَسُّهُ مِنْ فَوْقِ ثِيَابِهِ، وَلِهَذَا عَلَّلَ بِأَنَّهُ بَضْعَةٌ مِنْهُ، قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، وَصَحَّحَهُ عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» .
قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ طَلْقٌ سَمِعَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيِّ، وَأَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ، وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَارَضُ رِوَايَتَاهُ، وَيُرْجَعُ إِلَى أَحَادِيثِ النَّقْضِ. (بِيَدِهِ) وَهِيَ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْكُوعِ، كَالسَّرِقَةِ، وَالتَّيَمُّمِ (أَوْ بِبَطْنِ كَفِّهِ أَوْ بِظَهْرِهِ) لِلْعُمُومِ، وَالْأَوَّلُ: مُغْنٍ عَنْهُ، لِأَنَّهُ يَشْمَلُهُ، وَعَنْهُ:
стр. 125
يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ وَفِي مَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ وَجْهَانِ. وَإِذَا لَمَسَ قُبُلَ الْخُنْثَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَخْتَصُّ النَّقْضُ بِبَطْنِ الْكَفِّ لِأَنَّهُ آلَةُ اللَّمْسِ، وَفِي حَرْفِ كَفِّهِ وَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَكَرِ نَفْسِهِ، وَذَكَرِ غَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ ﵇: «وَيَتَوَضَّأُ مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ بِذَكَرِ نَفْسِهِ، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَعَنْهُ: لَا نَقْضَ بِمَسِّ ذَكَرِ طِفْلٍ، ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ، وَالْحَيِّ وَالْمَيِّتِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَسَوَاءٌ مَسَّهُ سَهْوًا، أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَنْهُ: إِنْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ نَقَضَ، وَعَنْهُ: إِنْ مَسَّهُ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ لِشَهْوَةٍ نَقَضَ، وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَصْلِ الذَّكَرِ، وَرَأْسِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ بِالثُّقْبِ، وَعَنْهُ: بِالْحَشَفَةِ، وَهُمَا بَعِيدَانِ، وَمُرَادُهُ إِذَا كَانَ أَصْلِيًّا، سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا، أَوْ أَشَلَّ، فَلَوْ كَانَ زَائِدًا لَمْ يَنْقُضْ فِي الْأَصَحِّ، وَشَمَلَ كَلَامُهُ الْيَدَ الصَّحِيحَةَ، وَالشَّلَّاءَ، وَالزَّائِدَةَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَنْقُضُ إِذَا مَسَّهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَلَوْ بِزَائِدٍ خَلَا ظُفْرِهِ (وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، كَالْعَضُدِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ عَلَى مُطْلَقِ الْيَدِ لَا يَتَجَاوَزُ الْكُوعَ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَهِيَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، لِأَنَّهَا فِي الْوُضُوءِ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا غَسَلَهُ فِيهِ لِتَقْيِيدِهِ بِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِغَيْرِ الْيَدِ زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي الْفَرْجِ وَجْهَانِ، وَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ النَّقْضَ بِمَسِّهِ بِفَرْجٍ، وَالْمُرَادُ لَا ذَكَرِهِ بِذَكَرِ غَيْرِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي (وَفِي مَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ) الْمُنْفَصِلِ (وَجْهَانِ) وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ لِذَهَابِ الْحُرْمَةِ، وَالثَّانِي: بَلَى، وَقَطَعَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ لِبَقَاءِ الِاسْمِ، وَكَذَا
стр. 126
الْمُشْكِلِ وَذَكَرَهُ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَنْتَقِضْ إِلَّا أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ، وَفِي مَسِّ الدُّبُرِ، وَمَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا رِوَايَتَانِ، وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخِلَافُ فِي مَسِّ مَحَلِّهِ، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ، وَأَبُو الْمَعَالِي فِيهِ يَنْقُضُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّكَرِ الْبَائِنِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْخِتَانَيْنِ، لِأَنَّهُ كَيَدٍ بَائِنَةٍ بِخِلَافِ فَرْجٍ بَائِنٍ.
وَحُكْمُ لَمْسِ الْقُلْفَةِ، وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الْخِتَانِ قَبْلَ قَطْعِهَا كَالْحَشَفَةِ، لِأَنَّهَا مِنْهُ، وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهَا بَعْدَ قَطْعِهَا لِزَوَالِ الِاسْمِ وَالْحُرْمَةِ.
(وَإِذَا لَمَسَ قُبُلَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَذَكَرَهُ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ) لِأَنَّ لَمْسَ الْفَرْجِ مُتَيَقَّنٌ لِأَنَّ الْخُنْثَى إِنْ كَانَ ذَكَرًا، فَقَدْ لَمَسَ ذَكَرَهُ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ مَسَّ فَرْجَهَا، (وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَنْتَقِضْ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَرْجٍ، فَلَا يُنْقَضُ الْوُضُوءُ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ (إِلَّا أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ) أَيِ الْخُنْثَى (لِشَهْوَةٍ) فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ لِأَنَّ الْخُنْثَى إِنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ لَمَسَ ذَكَرًا، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ لَمَسَ الرَّجُلُ امْرَأَةً لِشَهْوَةٍ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْوَجِيزِ "، و" الْفُرُوعِ " صُورَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ: إِذَا لَمَسَتِ الْمَرْأَةُ قُبُلَهُ، لِأَنَّ الْخُنْثَى إِنْ كَانَ امْرَأَةً، فَقَدْ لَمَسَتِ الْمَرْأَةُ فَرْجَ امْرَأَةٍ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ لَمَسَتْهُ لِشَهْوَةٍ (وَفِي مَسِّ الدُّبُرِ، وَمَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا) هُوَ اسْمٌ لِمَخْرَجِ الْحَدَثِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ شَفْرَيْهَا دُونَ اسْكِتَيْهَا، (رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا، وَنَقَلَهَا أَبُو دَاوُدَ: أَنَّهُ يَنْتَقِضُ، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، وَالْفَرْجُ: اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ فَيَعُمُّ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ
стр. 127
الْفَرْجِ بِحَالٍ
الْخَامِسُ: أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أُنْثَى لِشَهْوَةٍ، وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ، وَعَنْهُ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
شُعَيْبٍ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إِلَيْهِ، وَكَالذَّكَرِ، وَالْأُخْرَى: لَا يَنْتَقِضُ.
أَمَّا الدُّبُرُ، فَقَالَ الْخَلَّالُ: إِنَّهَا الْأَشْيَعُ فِي قَوْلِهِ، وَاخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، لِأَنَّ غَالِبَ الْأَحَادِيثِ تُقَيِّدُهُ بِالذَّكَرِ، وَأَمَّا الْفَرْجُ، فَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْجَارِيَةُ إِذَا مَسَّتْ فَرْجَهَا أَعَلَيْهَا وُضُوءٌ؛ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَلَا يُفْضِي مَسُّهُ إِلَى خُرُوجِ خَارِجٍ، بِخِلَافِ الذَّكَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ مُخْتَصٌّ بِمَا إِذَا مَسَّتْ فَرْجَ نَفْسِهَا، وَالْأَشْهَرُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ مَسِّ فَرْجِهَا، وَفَرْجِ غَيْرِهَا، وَفِي " التَّلْخِيصِ " و" الْبُلْغَةِ ": يَنْقُضُ مَسُّ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَفِي مَسِّ فَرْجِ غَيْرِهَا وَجْهَانِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُشْتَرَطُ لِلنَّقْضِ بِذَلِكَ الشَّهْوَةُ، وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَشَرَطَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى (وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْفَرْجِ بِحَالٍ) لِمَا سَبَقَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ بِمَسِّ غَيْرِ الْفَرْجَيْنِ مِنَ الْبَدَنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ عُرْوَةُ: يَجِبُ فِي مَسِّ الْأُنْثَيَيْنِ،، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَجِبُ عَلَى مَنْ مَسَّ مَا بَيْنَ فَرْجَيْهِ، وَلَا تَجِبُ بِمَسِّ فَرْجِ بَهِيمَةٍ وَلَوْ كَانَتْ مَأْكُولَةً، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": لِشَهْوَةٍ، وَلَا بِمَسِّ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ إِذَا انْسَدَّ، وَانْفَتَحَ غَيْرُهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَقِيلَ: مَعَهَا.
فَرْعٌ: إِذَا انْتَشَرَ عُضْوُهُ بِتَكَرُّرِ نَظَرٍ، لَمْ يَنْتَقِضْ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ كَانَ عَنْ فِكْرٍ.
[مَسُّ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ]
(الْخَامِسُ: أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أُنْثَى لِشَهْوَةٍ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ ﵇ «صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ» ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَاعٍ إِلَيْهِ، فَاعْتُبِرَتِ الْحَالَةُ الَّتِي تَدْعُو إِلَيْهَا، وَهِيَ حَالَةُ الشَّهْوَةِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " بِشَهْوَةٍ بِالْبَاءِ، وَهُوَ أَحْسَنُ لِتَدُلَّ عَلَى الْمُصَاحَبَةِ، وَالْمُقَارَنَةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْأَجْنَبِيَّةِ، وَذَاتِ الْمَحْرَمِ، وَالصَّغِيرَةِ، وَالْكَبِيرَةِ لِعُمُومِ النَّصِّ، وَاللَّمْسُ النَّاقِضُ مُعْتَبَرٌ مَعَ الشَّهْوَةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ فَلَا فَرْقَ لَكِنْ فِي الْعَجُوزِ، وَالْمَحْرَمِ، وَالصَّغِيرَةِ وَجْهٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ فِيهَا، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ مُقَيَّدًا بِالَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَلِلْمَيِّتَةِ، وَالْحَيَّةِ، لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَرْفَعُ عَنْهَا الِاسْمَ، وَكَمَا يَجِبُ
стр. 128
يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يَنْقُضُ مَسُّ الشَّعَرِ، وَالسِّنِّ، وَالظُّفْرِ، وَالْأَمْرَدِ. وَفِي نَقْضِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْغُسْلُ بِوَطْئِهَا، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ خِلَافَهُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَسُّ بِالْيَدِ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْبَشَرِ لِلْعُمُومِ، وَالتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ، وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ مَسِّهَا بِعُضْوٍ زَائِدٍ أَوْ مَسِّ عُضْوٍ زَائِدٍ مِنْهَا، وَخَرَجَ مِنْ كَلَامِهِ إِذَا كَانَ اللَّمْسُ بِحَائِلٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَلَوْ مَعَ شَهْوَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا، وَالشَّهْوَةُ الْمُجَرَّدَةُ لَا تُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَعَنْهُ: يَنْقُضُ، ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَخَرَجَ مِنْهُ أَيْضًا مَسُّ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ لِشَهْوَةٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَمَّا لَمْسُهَا لَهُ مَعَ الشَّهْوَةِ، فَرِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَا أَثَرَ لَهُ، لِأَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الرَّجُلِ، وَاللَّمْسُ مِنْهُ مَعَ الشَّهْوَةِ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ الْحَدَثِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، وَالْأُخْرَى، وَهِيَ أَصَحُّ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: يَنْقُضُ، لِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ نَاقِضَةٌ، فَاسْتَوَيَا فِيهَا كَالْجِمَاعِ، وَهِيَ أَدْعَى إِلَى الْحَدَثِ لِفَرْطِ شَهْوَتِهَا (وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ) اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي، وَلَا يَتَوَضَّأُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَضَعَّفَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، «وَوَقَعَتْ يَدُ عَائِشَةَ عَلَى قَدَمِهِ ﵇، وَهُوَ يُصَلِّي، وَمَسَّهَا بِرِجْلِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلَوْ بَطَلَ وُضُوءُهُ لَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَلِأَنَّهُ مَسَّ فَلَمْ يَنْقُضْ كَمَسِّ الْبَهِيمَةِ، وَالْمُلَامَسَةُ فِي الْآيَةِ أُرِيدَ بِهَا الْجِمَاعُ، قَالَهُ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَوْ بَاشَرَ مُبَاشَرَةً فَاحِشَةً، وَقِيلَ: إِنِ انْتَشَرَ نَقَضَ، وَإِذَا لَمْ يَنْقُضْ مَسُّ فَرْجٍ، وَأُنْثَى، اسْتُحِبَّ الْوُضُوءُ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِكُلِّ حَالٍ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ
стр. 129
وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ رِوَايَتَانِ.
السَّادِسُ: غُسْلُ الْمَيِّتِ.
السَّابِعُ: أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ، لِقَوْلِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَبِيهِ، وَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: الْقُبْلَةُ مِنَ اللَّمْسِ، وَفِيهَا الْوُضُوءُ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَحَقِيقَةُ اللَّمْسِ: الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَطْلُبُ الْغِنَى
وَلِأَنَّهُ مَسٌّ يَنْقُضُ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الشَّهْوَةُ كَالذَّكَرِ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ جَمْعًا بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، إِذِ الْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الشَّهْوَةِ، وَفِعْلُهُ ﵇ عَلَى عَدَمِهَا، وَلَوْ أُرِيدَ بِهَا الْجِمَاعُ لَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] .
(وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعَرِ، وَالسِّنِّ، وَالظُّفُرِ) لِشَهْوَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَصِلُ عَنْهَا حَالَ السَّلَامَةِ، أَشْبَهَ الدَّمْعَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَنْتَقِضُ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَا الْخِلَافُ إِنْ لَمَسَهَا الرَّجُلُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ (وَالْأَمْرَدِ) أَيْ: لَا يَنْقُضُ لَمْسُهُ مَعَ شَهْوَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْآيَةِ لَهُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلشَّهْوَةِ شَرْعًا، وَعَنْهُ: بَلَى، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ لِآدَمِيٍّ حَقِيقَةً، وَلَا نَقْضَ بِمَسِّ خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَا بِمَسِّهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ لِلطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ (وَفِي نَقْضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ رِوَايَتَانِ) أَظْهَرُهُمَا لَا نَقْضَ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَاخْتَارَهَا الْمَجْدُ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى اللَّامِسِ لَا يَصِحُّ لِفَرْطِ شَهْوَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَهِيَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدُوسٍ، لِأَنَّ مَا يُنْقَضُ بِالْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ اللَّامِسِ وَالْمَلْمُوسِ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، ثُمَّ مَحَلُّهَا إِذَا وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ فِي الْمَلْمُوسِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْمَلْمُوسَ بِالْمَرْأَةِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَفِي نَقْضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ فَرْجُهُ
стр. 130
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَلَا تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» ، فَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَجْهَانِ، وَقِيلَ: لَا يُنْقَضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ ذَكَرُهُ بِخِلَافِ لَمْسِ قُبُلِ الْمَرْأَةِ.
[غُسْلُ الْمَيِّتِ]
(السَّادِسُ: غُسْلُ الْمَيِّتِ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي "، و" الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ: كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ، وَكَانَ شَائِعًا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمُ الْإِخْلَالُ بِهِ، وَلِأَنَّ الْغَاسِلَ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّ عَوْرَةِ الْمَيِّتِ غَالِبًا، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجِسٍ - فَحَسْبُكُمْ أَيْ: يَكْفِيكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ، وَكَغُسْلِ الْحَيِّ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرِ، وَالرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ لِلْعُمُومِ، وَسَوَاءٌ غَسَّلَهُ فِي قَمِيصٍ أَوْ لَا، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ إِذَا غَسَّلَهُ فِي ثَوْبٍ، وَلَمْ يَمَسَّ فَرْجَهُ، ذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَخَرَجَ مِنْ كَلَامِهِ إِذَا غَسَلَ بَعْضَهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدَ ابْنِ حَمْدَانَ، وَإِذَا يَمَّمَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ غَسْلِهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ.
فَرْعٌ: الْغَاسِلُ مَنْ يُقَلِّبُهُ، وَيُبَاشِرُهُ، وَلَوْ مَرَّةً، لَا مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ وَنَحْوَهُ.
[أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ]
(السَّابِعُ: أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ) عَلَى الْأَصَحِّ (لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَلَا تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَهَبَ إِلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ قَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ،
стр. 131
شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كَبِدِهَا أَوْ طِحَالِهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نَيِّئِهِ، أَوْ مَطْبُوخِهِ، عَالِمًا كَانَ الْآكِلُ أَوْ جَاهِلًا، وَعَنْهُ: إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ نَقَضَ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ فَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ كَمَا يُعْذَرُ بِجَهْلِ الزِّنَا، وَنَحْوُهُ الْحَدِيثُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَعَنْهُ: يَنْقُضُ نَيِّئُهُ، وَعَنْهُ: إِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ كَعَشْرِ سِنِينَ، لَمْ يُعِدْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَصُرَتْ، وَعَنْهُ: لَا يُعِيدُ إِذَا تَرَكَهُ مُتَأَوِّلًا، وَعَنْهُ: إِذَا كَثُرَ أَكْلُهَا، وَعَنْهُ: لَا نَقْضَ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ، وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهُ مَأْكُولٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَأْكُولَاتِ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ، لَا يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، لِأَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالْأَكْلِ، كَمَا حُمِلَ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ الْوَارِدَ فِي الشَّرْعِ يُحْمَلُ عَلَى مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيِّ، وَلِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ مِنْ لُحُومِهَا، وَبَيْنَ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَهُوَ عَدَمُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَالْخَصْمُ يَقُولُ: بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا، وَلِأَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءُ الْمُقْتَرِنُ بِهَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْإِيجَابُ، لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْهُ، وَدَعْوَى النَّسْخِ مَرْدُودَةٌ بِأُمُورٍ، وَقِيلَ: الْوُضُوءُ مِنْهُ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ، إِذْ كُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ شَيْطَانٌ، فَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانُ الْكِلَابِ، وَالْإِبِلُ شَيَاطِينُ الْأَنْعَامِ، فَالْأَكْلُ مِنْهَا يُورِثُ حَالَةً شَيْطَانِيَّةً، وَالشَّيْطَانُ يُطْفِئُهُ بَارِدُ الْمَاءِ.
(فَإِنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُغْنِي "، و" الْمُحَرَّرِ "،
стр. 132
الثَّامِنُ: الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ . وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يَنْقُضُ لِمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَأَلْبَانِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةٍ، وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَالْأُخْرَى: لَا، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاخْتِيَارُ الْأَكْثَرِينَ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَضْمِضُوا مِنَ اللَّبَنِ، فَإِنَّ لَهُ دَسَمًا» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِهَا فِي كُلِّ لَبَنٍ، وَلِأَنَّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي اللَّحْمِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فِيهِ (وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كَبِدِهَا أَوْ طِحَالِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِي " الْفُرُوعِ " رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَنْقُضُ، لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَزُورِ، فَإِطْلَاقُ لَفْظِ اللَّحْمِ يَتَنَاوَلُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ تَنَاوَلَ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، وَالْأَشْهَرُ الْأَوَّلُ، وَالْحُكْمُ فِي بَقِيَّةِ الْأَجْزَاءِ كَالْكَرْشِ، وَالْمُصْرَانِ، وَالسَّنَامِ، وَالدُّهْنِ كَذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنْ لَا وُضُوءَ مِنْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ مَسَّتْهُ النَّارُ أَوْ لَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَرُوِيَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَلَا وُضُوءَ بِأَكْلِ لَحْمٍ مُحَرَّمٍ، وَكَذَا طَعَامٌ مُحَرَّمٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ النَّقْضُ بِلَحْمِ الْخِنْزِيرِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبَقِيَّةُ النَّجَاسَاتِ تُخَرَّجُ عَلَيْهِ حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْخَبِيثُ الْمُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ، كَلَحْمِ السِّبَاعِ أَبْلَغُ مِنَ الْإِبِلِ، فَبِالْوُضُوءِ مِنْهُ أَوْلَى، قَالَ: وَالْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَحْمَ الْإِبِلِ تَعَبُّدِيٌّ، أَوْ عَقْلِ مَعْنَاهُ.
[الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ]
(الثَّامِنُ: الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وَلِقَوْلِ ابْنِ
стр. 133
وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، نَظَرَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَبَّاسٍ: الْحَدَثُ حَدَثَانِ، حَدَثُ اللِّسَانِ، وَحَدَثُ الْفَرْجِ، وَحَدَثُ اللِّسَانِ أَشَدُّ، وَفِيهِمَا الْوُضُوءُ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةٌ بِصِيغَةِ " عَنْ "، قَالَ فِي " التَّحْقِيقِ ": لَا يَصِحُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ مَرْفُوعًا، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ، فَأَبْطَلَتْهَا الرِّدَّةُ كَالتَّيَمُّمِ، لَكِنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ الْعَمَلَ بِمُجَرَّدِهَا، وَالْأَشْهَرُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا لَا تُحْبِطُهُ إِلَّا بِالْمَوْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ صِحَّةَ الْحَجَّ فِي الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ، وَقَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاةٍ، وَزَكَاةٍ، وَصَوْمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، ثُمَّ الْإِحْبَاطُ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى الثَّوَابِ دُونَ الْفِعْلِ، بِدَلِيلِ مُصَلٍّ خَلْفَهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا نَقْضَ، حَكَاهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْقَاضِي وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ فِي النَّوَاقِضِ، لِعَدَمِ فَائِدَتِهَا لِوُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهِ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوُضُوءُ، وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَرَدَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ تَظْهَرُ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنَّا نُوجِبُهُمَا عَلَيْهِ، فَإِنْ نَوَاهُمَا بِغُسْلِهِ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ لَمْ يُنْقَضْ لَمْ يَجِبْ إِلَّا الْغُسْلُ فَقَطْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْقَاضِي مَا أَوْجَبَ غُسْلًا أَوْجَبَ وُضُوءًا فَهُوَ مُلَازِمٌ لَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِغَيْرِهَا مِنْ غِيبَةٍ، وَنَمِيمَةٍ، وَقَهْقَهَةٍ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. نَعَمْ، يُسْتَحَبُّ مِنَ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ، وَفِي اسْتِحْبَابِهِ مِنَ الْقَهْقَهَةِ وَجْهَانِ.
١ -
(وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ) الْيَقِينُ: مَا أَذْعَنَتِ النَّفْسُ لِلتَّصْدِيقِ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِأَنَّ قَطْعَهَا صَحِيحٌ (وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ) الشَّكُّ خِلَافُ الْيَقِينِ (أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: «شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ
стр. 134
فِي حَالِهِ قَبْلَهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا، فَهُوَ مُحْدِثٌ، إِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ، وَمَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا شَكَّ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، فَيَجِبُ سُقُوطُهُمَا، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إِذَا تَعَارَضَتَا، وَيَرْجِعُ إِلَى الْيَقِينِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا تَسَاوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَحَدُهُمَا، لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهَا، كَظَنِّ صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، هَذَا اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ إِنْ تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ فَهُوَ شَكٌّ، وَالرَّاجِحُ ظَنٌّ، وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ (فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ: تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَالْحَدَثَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلًا (وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا) أَيْ: لَمْ يَعْلَمِ الْآخَرَ مِنْهُمَا (نَظَرَ فِي حَالِهِ قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ الطَّهَارَةِ وَالْحَدَثِ، وَهُوَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ (فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ) الْآنَ (مُحْدِثٌ) لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ زَوَالَ ذَلِكَ الْحَدَثِ بِطَهَارَةٍ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ بِحَدَثٍ آخَرَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْحَدَثُ الَّذِي تَيَقَّنَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ هُوَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، فَلَمْ يَزُلْ يَقِينُ الطَّهَارَةِ بِالشَّكِّ (وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ) لِمَا ذَكَرْنَا. هَذَا فِي تَيَقُّنِ الْحَالَيْنِ، وَأَمَّا تَيَقُّنُ الْفِعْلَيْنِ، فَإِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلًا تَطَهَّرَ عَنْ حَدَثٍ، وَأَحْدَثَ عَنْ طُهْرٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَسْبَقَهُمَا فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا جَزْمًا، فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الَّتِي قَبْلَ الزَّوَالِ قَدْ تَيَقَّنَ زَوَالَهَا بِالْحَدَثِ، وَتَيَقَّنَ زَوَالَ الْحَدَثِ بِالطَّهَارَةِ الَّتِي فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ، وَكَذَا لَوْ عَيَّنَ وَقْتًا لَا يَسَعُهُمَا، فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمَا، وَأَسْبَقَهُمَا، أَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا، وَفَعَلَ طَهَارَةً فَقَطْ، فَبِضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ، وَلَا يَدْرِي الْحَدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ، فَمُتَطَهِّرٌ مُطْلَقًا، وَعَكْسُ هَذِهِ بِعَكْسِهَا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا سَمِعَا صَوْتًا أَوْ شَمَّا رِيحًا مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَلَا يُصَافِفْهُ فِي الصَّلَاةِ إِنْ كَانَا وَحْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا إِمَامًا أَعَادَا صَلَاتَهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ عَنْهُ: يَنْوِي كُلٌّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ، وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ وَحْدَهُ.
١ -
стр. 135
أَحْدَثَ حُرِّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ..
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَمَنْ أَحْدَثَ حُرِّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ، وَالسُّجُودَ الْمُجَرَّدَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَالْقِيَامَ الْمُجَرَّدَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا، فَلَوْ صَلَّى مَعَ الْحَدَثِ لَمْ يُكَفِّرْ، وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ، وَالنَّوَوِيُّ، عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ جَوَازَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ (وَالطَّوَافُ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِخَيْرٍ» إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إِلَى عَطَاءٍ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَاخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: عَطَاءٌ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ. (وَمَسُّ الْمُصْحَفِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أَيْ: لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَحُرِّكَ بِالضَّمِّ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَالْمُطَهَّرُونَ الْمَلَائِكَةُ، لِأَنَّ الْمُطَهَّرَ مَنْ طَهَّرَهُ غَيْرُهُ، وَلَوْ أُرِيدَ بَنُو آدَمَ لَقِيلَ: الْمُتَطَهِّرُونَ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُمْ وَبَنُو آدَمَ قِيَاسًا عَلَيْهِمْ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا، وَكَانَ فِيهِ: لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مُتَّصِلًا، قَالَ الْأَثْرَمُ: وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ مَسُّهُ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَلَوْ بِتَيَمُّمٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنِ احْتَاجَهُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا يُسَمَّى مُصْحَفًا مِنَ الْكِتَابَةِ، وَالْجِلْدِ، وَالْحَوَاشِي، وَالْوَرَقِ الْأَبْيَضِ الْمُتَّصِلِ بِهِ، بِدَلِيلِ الْبَيْعِ عَلَى
стр. 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَذْهَبِ، وَلَهُ حَمْلُهُ بِعَلَاقَتِهِ، أَوْ بِحَائِلٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، لَا يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ كَغِلَافِهِ، أَوْ بِحَائِلٍ تَابِعٍ لِلْحَامِلِ، كَحَمْلِهِ فِي كُمِّهِ، أَوْ ثَوْبِهِ، أَوْ تَصَفُّحِهِ بِعُودٍ، وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ وَالْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ مِنْ حَمْلِهِ بِعَلَاقَتِهِ، وَتَصَفُّحِهِ بِكُمِّهِ، وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي مِنْهُ إِلَى بَقِيَّةِ الْحَوَائِلِ، وَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَلَهُ الْكِتَابَةُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ، جَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: هُوَ كَالتَّقْلِيبِ بِالْعُودِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ دُونَ الْجُنُبِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى مُقْتَضَى مَا هُوَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ.
وَلَهُ مَسُّ تَفْسِيرٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمَنْسُوخِ تِلَاوَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ، وَالتَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ، وَحُكْمُ الْبَعْضِ كَالْكُلِّ، فَلَوْ كَتَبَ بَعْضَهُ مُنْفَرِدًا لَمْ يَجُزْ مَسُّهُ، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ مُصْحَفًا، نَعَمْ، فِي مَسِّ الصِّبْيَانِ أَلْوَاحَهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا الْقَاضِي، وَمَسِّ الدَّرَاهِمِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ، وَثَوْبٍ طُرِّزَ بِهِ، رِوَايَتَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ طَهَارَةَ الْخُبْثِ لَا يُشْتَرَطُ انْتِفَاؤُهَا، نَعَمْ، يُمْنَعُ مِنْ مَسِّهِ بِعُضْوٍ نَجِسٍ لَا بِغَيْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالَّذِي لَا يَمَسُّهُ، لَكِنْ لَهُ نَسْخُهُ دُونَ حَمْلٍ وَمَسٍّ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى حَمْلِهِ حَالَ كِتَابَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ مَسُّهُ بِعُضْوٍ طَهَّرَهُ حَتَّى يُكْمِلَهَا.
مَسَائِلُ:
الْأُولَى: لَا يُكْرَهُ تَحْلِيَتُهُ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ لِتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ، وَعَنْهُ: لَا كَالضَّبَّةِ، وَكَتَطْيِيبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَيَّسَهُ الْحَرِيرَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْرٌ يَسِيرٌ،
стр. 137
..
....
....
....
..
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لَا لِلنِّسَاءِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، كَكُتُبِ الْعِلْمِ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: كَتْبُهُ بِذَهَبٍ حَرَامٌ، لِأَنَّهُ زَخْرَفَةٌ، وَيُؤْمَرُ بِحَكِّهِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ مِنْهُ مَا يُتَمَوَّلُ زَكَّاهُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا بَلَغَ نِصَابًا. وَكَرِهَ أَحْمَدُ تَوَسُّدَهُ، وَفِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا كُتُبُ الْعِلْمِ الَّتِي فِيهَا قُرْآنٌ، وَفِي مَعْنَاهُ التَّخَطِّي، وَرَمْيُهُ بِالْأَرْضِ، بِلَا وَضْعٍ، وَلَا حَاجَةٍ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، وَيَحْرُمُ كَتْبُهُ بِحَيْثُ يُهَانُ، كَبَوْلِ حَيَوَانٍ، وَنَحْوِهِ، وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ، وَيَحْرُمُ دَوْسُهُ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ حَائِطِ الْمَسْجِدِ، قَالَ فِي " الْفُصُولِ "، وَغَيْرِهِ: يُكْرَهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسْجِدِ ذِكْرًا، وَغَيْرَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ الْمُصَلِّي، وَيُلْهِيهِ، وَيُدْفَنُ إِذَا بَلِيَ لِتَعْظِيمِهِ وَصِيَانَتِهِ، وَلَهُ نَقْطُهُ، وَشَكْلُهُ، وَكِتَابَةُ الْأَعْشَارِ، وَالسُّوَرِ، وَعَدَدِ الْآيَاتِ فِي رِوَايَةٍ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ نَقْطُهُ، وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةَ النَّاسِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ تَقْبِيلُهُ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ الْوَقْفَ، وَلَا يَجْعَلُهُ عَلَى عَيْنَيْهِ لِعَدَمِ النَّقْلِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقَامُ لَهُ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ أَحْمَدَ الْجَوَازُ.
الثَّالِثَةُ: لَهُ أَخْذُ الْفَأْلِ فِيهِ، فَعَلَهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَلَمْ يَرَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ، حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ عَنِ الطَّرْطُوشِيِّ الْمَالِكِيِّ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْكَرَاهَةُ.
الرَّابِعَةُ: يَحْرُمُ السَّفَرُ بِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَقِيلَ: إِلَّا مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يُكْرَهُ بِدُونِ غَلَبَتِهَا.
الْخَامِسَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُمَلِّكَهُ لِكَافِرٍ، فَلَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أُلْزِمَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ يَتَدَيَّنُ بِانْتِهَاكِهِ، وَإِزَالَةِ حُرْمَتِهِ.
стр. 138
بَابُ الْغُسْلِ وَمُوجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ، فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ الْغُسْلِ] [مُوجِبَاتُ الغسل] [ خُرُوجُ الْمَنِيِّ]
ِ هُوَ مَصْدَرٌ، مِنْ غَسَلَ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ، يَغْسِلُهُ غَسْلًا، قَالَ عِيَاضٌ: بِالْفَتْحِ الْمَاءُ، وَبِالضَّمِّ: الْفِعْلُ، وَذَكَرَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَنَّ غَسْلَ الْجَنَابَةِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: بِالضَّمِّ: الِاغْتِسَالُ وَالْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: غَسَلْتُ الشَّيْءَ غَسْلًا بِالْفَتْحِ، وَالِاسْمُ: الْغُسْلُ بِالضَّمِّ، وَبِالْكَسْرِ: مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، وَكَذَا الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ جُنُبَانِ وَجُنُبُونَ، وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " " وَنَحْنُ جُنُبَانِ " سُمِّيَ بِهِ، لِأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَقْرَبَ مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَاءَ جَانَبَ مَحِلَّهُ، وَالْأَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ بِذَلِكَ.
(وَمُوجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ) وَفِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " سِتَّةٌ.
(خُرُوجُ الْمَنِيِّ) مِنْ مَخْرَجِهِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوِ انْكَسَرَ صُلْبُهُ فَخَرَجَ مِنْهُ، لَمْ يَجِبْ، وَحُكْمُهُ كَالنَّجَاسَةِ الْمُعْتَادَةِ (الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ) وَلَوْ دَمًا (فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ كَسْرِ ظَهْرٍ (لَمْ يُوجِبْ) فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَاضِخًا فَلَا تَغْتَسِلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْفَضْخُ: هُوَ خُرُوجُهُ بِالْغَلَبَةِ، قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ النَّائِمُ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَكُونُ نَجِسًا، وَلَيْسَ مَذْيًا، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ".
وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَالْقَاضِي، وَأَخَذَهَا مِنْ نَصِّهِ فِيمَنْ جَامَعَ،
стр. 139
فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ، فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْغُسْلِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَنْزَلَ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مَنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» وَقَالَ ﵇ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: «وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا مَا لَمْ يَصِرْ سَلَسًا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَمْعٌ، فَيَجِبُ الْوُضُوءُ فَقَطْ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": يُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِ هَذَا مَنِيًّا، لِأَنَّ الشَّارِعَ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ بِالْخُرُوجِ، وَيَتَوَجَّهُ بِإِرَادَةِ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ.
فَائِدَةٌ: الْمَنِيُّ يُخْلَقُ مِنْهُ الْحَيَوَانُ، لِخُرُوجِهِ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَيَنْقُصُ بِهِ جُزْءٌ مِنْهُ، وَلِهَذَا يَضْعُفُ بِكَثْرَتِهِ فَيُجْبَرُ بِالْغُسْلِ.
(فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ) مِنْ ظَهْرِهِ (فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَجِبُ، اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَخْبَارِ، إِذِ الْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ مُرَتَّبٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ، لِأَنَّ الشَّهْوَةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تُوجِبُ غُسْلًا، لِأَنَّهَا أَحَدُ وَصْفَيِ الْعِلَّةِ، وَيُسَمَّى جُنُبًا، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِخُرُوجِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَهِيَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ، وَجَزَمَ بِهَا الْأَكْثَرُ، لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَصْلُهَا الْبُعْدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] أَيِ: الْبَعِيدِ، وَمَعَ الِانْتِقَالِ قَدْ بَاعَدَ الْمَاءُ مَحِلَّهُ، فَصَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْجُنُبِ، وَإِنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِالشَّهْوَةِ، وَتَعْلِيقًا لَهُ عَلَى الْمَظِنَّةِ، إِذْ بَعْدَ انْتِقَالِهِ يَبْعُدُ عَدَمُ خُرُوجِهِ قِيلَ: وَمَحَلُّهُمَا فِيمَا إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى قُلْفَةِ الْأَقْلَفِ، وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ، أَمَّا إِذَا خَرَجَ إِلَيْهِمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
стр. 140
أَوْ خَرَجَتْ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ، لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ وَعَنْهُ يَجِبُ، وَعَنْهُ: يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ.
الثَّانِي: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ قُبُلًا كَانَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَعَلَى الْأُولَى يَجِبُ الْغُسْلُ إِذَا خَرَجَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ، وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، لِأَنَّ انْتِقَالَهُ كَانَ لِشَهْوَةٍ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَأَعَادَ مَا صَلَّى.
وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَحْصُلُ بِهِ الْبُلُوغُ، وَالْفِطْرُ، وَفَسَادُ النُّسُكِ، وَوُجُوبُ بَدَنَةٍ فِي الْحَجِّ، حَيْثُ وَجَبَتْ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " إِلْزَامًا، وَجَعَلَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَجْهًا وَبَعَّدَهُ، وَأَطْلَقَ فِي " الْفُرُوعِ " الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَا انْتِقَالُ حَيْضٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَإِنْ) قُلْنَا: يَجِبُ بِالِانْتِقَالِ فَاغْتَسَلْ لَهُ، ثُمَّ (خَرَجَ بَعْدَ الْغُسْلِ أَوِ) اغْتَسَلَ لِمَنِيٍّ خَرَجَ بَعْضُهُ، ثُمَّ (خَرَجَتْ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ، لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ) ذَكَرَ الْخَلَّالُ: أَنَّهُ الَّذِي تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجُنُبِ، يَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الْغُسْل؟ قَالَ: يَتَوَضَّأُ. وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّهُ مِنِيٌّ وَاحِدٌ، فَأَوْجَبَ غُسْلًا وَاحِدًا كَمَا لَوْ خَرَجَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ خَارِجٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، أَشْبَهَ خُرُوجَهُ فِي الْبَرْدِ، وَبِهِ عَلَّلَ أَحْمَدُ قَالَ: لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مَاضِيَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدَثٌ، أَرْجُو أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْوُضُوءُ.
(وَعَنْهُ: يَجِبُ) قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَصَحَّحَهَا الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِخُرُوجِهِ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ، فَيُنَاطُ الْحُكْمُ بِهِ.
(وَعَنْهُ: يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ مَنِيٍّ دَافِقٍ بِلَذَّةٍ (دُونَ مَا بَعْدَهُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ شَرْطُهُ، وَهُوَ الدَّفْقُ وَاللَّذَّةُ، وَرُوِيَ نَحْوُهَا عَنْ عَلِيٍّ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَعَنْهُ: يَجِبُ إِذَا خَرَجَ بَعْدَ الْبَوْلِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ مَنِيٌّ جَدِيدٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِ لَمَا تَخَلَّفَ، وَكَذَا لَوْ جَامَعَ فَلَمْ يُنْزِلْ،
стр. 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: يَغْتَسِلُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِلَامِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَعَنْهُ: إِنْ وَجَدَ لَذَّةَ الْإِنْزَالِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ خَرَجَ لِشَهْوَةٍ اغْتَسَلَ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَا الِانْتِقَالِ، وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَجِبُ لِئَلَّا يَلْزَمَ انْتِقَالُ مَنِيٍّ، وَخُرُوجُهُ مِنْ غَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، فَدَبَّ مَنِيُّهُ، فَدَخَلَ فَرْجَ الْمَرْأَةِ، ثُمَّ خَرَجَ أَوْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا، أَوْ خَرَجَ مَا اسْتَدْخَلَتْهُ بِقُطْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَنْزِلْ مَنِيُّهَا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ خَرَجَ مَا دَخَلَهُ مِنْ مَنِيِّ امْرَأَةٍ بِسِحَاقٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَفِي الْكُلِّ وَجْهٌ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا انْتَبَهَ بَالِغٌ، أَوْ مَنْ يُحْتَمَلُ بُلُوغُهُ، فَوَجَدَ بَلَلًا جَهِلَ أَنَّهُ مِنِيٌّ، وَجَبَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ حُلْمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَغَسَلَ بَدَنَهُ، وَثَوْبَهُ احْتِيَاطًا، وَلَا يَجِبُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ، ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا، وَهُوَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ وَجَدَهُ يَقَظَةً، وَشَكَّ فِيهِ تَوَضَّأَ، وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ حُكْمُ غَيْرِ الْمَنِيِّ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ حُكْمِهِمَا، وَإِنْ سَبَقَ نَوْمَهُ نَظَرٌ أَوْ بَرْدٌ أَوْ مُلَاعَبَةٌ لَمْ يَجِبْ،
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَعَنْهُ: إِنْ ذَكَرَ مَعَهُ حُلْمًا، وَإِنْ تَيَقَّنَهُ مَذْيًا، فَلَا، وَإِنْ رَأَى مَنِيًّا بِثَوْبٍ يَنَامُ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْأَزَجِّيُّ: لَا بِظَاهِرِهِ لِجَوَازِهِ مِنْ غَيْرِهِ، اغْتَسَلَ، وَيَعْمَلُ فِي الْإِعَادَةِ بِالْيَقِينِ، وَإِنْ كَانَ يَنَامُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، فَلَا، عَلَى الْأَصَحِّ.
[الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ]
(الثَّانِي: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَزَادَ هُوَ، وَأَحْمَدُ «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ، لِقَوْلِهِ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» . فَمَنْسُوخٌ بِمَا رَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «قَالَ: إِنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ، رُخْصَةٌ رَخَّصَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
ثُمَّ الْمُرَادُ مِنَ الْتِقَائِهِمَا: تَقَابُلُهُمَا وَتَحَاذِيهِمَا فَقَالَ: (وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) الْأَصْلِيَّةِ أَوْ قَدْرِهَا إِنْ فُقِدَتْ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ (فِي الْفَرْجِ) الْأَصْلِيِّ بِلَا حَائِلٍ، وَقِيلَ: وَمَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَرَارَةً لِيَحْتَرِزَ بِهِ مِنَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ إِذَا أَوْلَجَ حَشَفَتَهُ، وَلَمْ يُنْزِلْ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، أَوْ أَوْلَجَ غَيْرُ الْخُنْثَى ذَكَرَهُ مِنْ قُبُلِ الْخُنْثَى، فَلَا غُسْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِاحْتِمَالِ
стр. 143
أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ.
الثَّالِثُ: إِسْلَامُ الْكَافِرِ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَوْنِ الْحَشَفَةِ أَوِ الْقُبُلِ خِلْقَةً زَائِدَةً، وَمَنْ أَنْزَلَ مِنْهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ تَوَاطَأَ خُنْثَيَانِ فِي قُبُلَيْهِمَا أَوْ دُبُرَيْهِمَا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: الزَّائِدُ كَأَصْلِيٍّ وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ تَوَاطَأَ رَجُلٌ وَخُنْثَى فِي دُبُرَيْهِمَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بِيَقِينٍ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُهُ عَلَى الْخُنْثَى احْتِيَاطًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ إِيلَاجٍ فَلَا غُسْلَ، كَمَنْ أَوْلَجَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، فَلَوْ مَكَثَ زَمَانًا لَمْ يُصَلِّ احْتَاطَ فِي الصَّلَاةِ، وَيُعِيدُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِمَّا اشْتُهِرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ فَلَمْ يُعْذَرْ بِالْجَهْلِ، وَالطَّائِعِ وَالْمُكْرَهِ، لِأَنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ، كَسَبْقِ الْحَدَثِ، وَالنَّائِمُ كَالْيَقْظَانِ (قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا) فِي الْمَنْصُوصِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْوَاطِئِ (مِنْ آدَمِيٍّ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِلْبَالِغِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ إِذَا وَطِئَ، وَالصَّغِيرَةِ إِذَا وُطِئَتْ، مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَالْأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ إِنْ أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغُسْلِ أَوِ الْوُضُوءِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ شَهِيدًا، لَكِنَّ الْقَاضِيَ صَرَّحَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، مُسْتَدِلًّا بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ كَالْحَائِضِ، وَحَمَلَ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " لِكَوْنِهِ صَرَّحَ بِالْوُجُوبِ، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، إِذْ مُرَادُهُ بِالْوُجُوبِ اشْتِرَاطُهُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، لَا التَّأْثِيمُ بِتَأْخِيرِهِ، وَمُرَادُ الْقَاضِي بِالِاسْتِحْبَابِ انْتِفَاءُ إِلْزَامِهِ بِذَلِكَ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِوُجُوبِهِ مُجَامَعَةَ مِثْلِهِ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِلذَّكَرِ ابْنَ عَشْرٍ، وَلِلْأُنْثَى بِنْتَ تِسْعٍ، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْأَكْثَرِ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ (أَوْ بَهِيمَةٍ) حَتَّى سَمَكَةٍ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي "تَعْلِيقِهِ" وَتَبِعَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ إِيلَاجٌ فِي فَرْجٍ أَشْبَهَ الْآدَمِيَّةَ، وَلَوْ غَيَّبَتِ امْرَأَةٌ
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَشَفَةَ بَهِيمَةٍ اغْتَسَلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً فَلَا (حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ) لِمَا ذَكَرْنَا، فَيُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِوَطْئِهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْعَجُوزِ وَالشَّوْهَاءِ، وَالْمَذْهَبُ: يَجِبُ عَلَى النَّائِمِ، وَالْمَجْنُونِ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَتِ امْرَأَةٌ: لِي جِنِّيٌّ يُجَامِعُنِي كَالرَّجُلِ، فَلَا غُسْلَ، لِعَدَمِ الْإِيلَاجِ وَالِاحْتِلَامِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنِّيَّ يَغْشَى الْمَرْأَةَ كَالْإِنْسِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْغَشَيَانِ الْإِيلَاجُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غِشْيَانُهُ عَنْ مُلَابَسَةٍ بِبَدَنِهِ خَاصَّةً.
[إِسْلَامُ الْكَافِرِ]
(الثَّالِثُ: إِسْلَامُ الْكَافِرِ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا) عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ أَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ إِلَى حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْعَمْرِيِّ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: «أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ، فَأُقِيمَتِ الْمَظِنَّةُ مُقَامَ الْحَقِيقَةِ كَالنَّوْمِ، وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُسَاوٍ لِلْأَصْلِيِّ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ الْإِسْلَامُ فَوَجَبَ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَبَيْنَ مَنْ أَجْنَبَ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحَالُ لَوَجَبَ الِاسْتِفْصَالُ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ بِالْبَالِغِ، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ الْغُسْلَ
стр. 145
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ.
الرَّابِعُ: الْمَوْتُ
الْخَامِسُ: الْحَيْضُ
السَّادِسُ: النِّفَاسُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ وَطْءِ الصَّبِيِّ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ) وَحَكَى فِي " الْكَافِي " رِوَايَةً. فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ كَجَنَابَةٍ، فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ، وَسَوَاءٌ اغْتَسَلَ فِي كُفْرِهِ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِهِ كَغَيْرِهِ، إِذْ هُوَ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ بَعْدِ الْإِسْلَامِ، وَيَقَعُ كَثِيرًا، وَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَلَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، لِحَدِيثِ قَيْسٍ بِقَرِينَةِ السِّدْرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ إِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ أُصُولَ الْإِسْلَامِ لَا شَرَائِطَهَا، فَعَلَى هَذَا، الْأَشْهَرُ: لَوْ أَجْنَبَ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ تَدَاخَلَا، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ لِلْجَنَابَةِ، فَلَوِ اغْتَسَلَ فِي كُفْرِهِ أَعَادَهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ نِيَّتِهِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا، إِنِ اعْتَقَدَ وَجُوبَهَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى طَاعَةٍ فِي الْكُفْرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَقِيلَ: لَا غُسْلَ عَلَى كَافِرٍ مُطْلَقًا.
فَرْعٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَ الْمَاءِ بِالسِّدْرِ، - كَإِلْقَاءِ شَعْرِهِ - لِلْخَبَرِ قَالَ أَحْمَدُ: وَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهَا وَجَبَ، وَإِلَّا اسْتُحِبَّ.
فَرْعٌ: يَحْرُمُ تَأْخِيرُ الْإِسْلَامِ لِغُسْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوِ اسْتَشَارَ مُسْلِمًا فَأَشَارَ بِعَدَمِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَخَّرَ عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ، وَذَكَرَ صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُرْتَدًّا، وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ.
[الْمَوْتُ]
(الرَّابِعُ: الْمَوْتُ) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا يَأْتِي، وَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَمَا أَمَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ ﵇: اغْسِلْنَهَا. . . إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ تَعَبُّدٌ لَا عَنْ حَدَثٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْهُ، لَمْ يَرْتَفِعْ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ، كَالْحَائِضِ لَا تَغْتَسِلُ مَعَ جَرَيَانِ الدَّمِ، وَلَا عَنْ
следующие страницы →