Полный текст (3 567 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
وَيَصِحُّ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا إِلَّا بَنِي آدَمَ، وَالْجَوَاهِرَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ بِالْقَبْضِ، فَلَا يَمْلِكُ الْمُقْرِضُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ، ثُمَّ يَرُدَّانِ، ثُمَّ أُقْرِضُهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا، وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيجًا عَنْ غَيْرِهِ وَقَضَاءً لِحَاجَتِهِ فَكَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ كَالصَّدَقَةِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ سُئِلَ، فَلَمْ يُعظِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ مُبَاحٌ لِلْمُقْتَرِضِ، وَلَيْسَ مَكْرُوهًا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ الْقَرْضُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ أَيْ: لَا يُكْرَهُ لِفِعْلِهِ ﵇، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَقْرِضَ فَلْيُعْلِمِ الْمُقْرِضَ بِحَالِهِ، وَلَا يَغُرُّهُ مِنْ نَفْسِهِ، إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ رَدُّ مِثْلِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ إِذَا اقْتَرَضَ لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِحَالِهِ لَمْ يُعْجِبْنِي قَالَ: وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ بِجَاهِهِ لِإِخْوَانِهِ.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ وَوَصْفِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ كَالْبَيْعِ وَحُكْمُهُ فِي الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ، كَمَا سَبَقَ وَيَصِحُّ بِلَفْظِهِ وَبِلَفْظِ السَّلَفِ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِمَا وَبِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا نَحْوَ مَلَّكْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ، أَوْ تُوجَدُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ هِبَةٌ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ قَبْلَ قَوْلِ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ (وَيَصِحُّ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا) مَكِيلًا كَانَ، أَوْ مَوْزُونًا، أَوْ غَيْرَهُمَا؛ «لِأَنَّهُ ﵇ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا» ، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ سَلَمًا يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ وَيُضْبَطُ بِالْوَصْفِ فَجَازَ قَرْضُهُ كَالْمَكِيلِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ لِكَوْنِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ بَيْعِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةُ سَلَمًا كَالْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ لَا يَجُوزُ وَكَقَرْضِ الْمَنَافِعِ (إِلَّا بَنِي آدَمَ، وَالْجَوَاهِرَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا) أَيْ: لَا يَصِحُّ فِيهِمَا أَمَّا بَنُو آدَمَ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَهُمْ فَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ، فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهُمْ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي،
стр. 1472
اسْتِرْجَاعَهُ وَلَهُ طَلَبُ بَدَلِهِ وَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّبْ، أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ، وَلَا هُوَ مِنَ الْمَرَافِقِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَقْتَرِضَ جَارِيَةً يَطَؤُهَا، ثُمَّ يَرُدُّهَا وَيَحْتَمِلُ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ، فَيَصِحُّ قَرْضُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْمُزَنِيِّ، لِأَنَّهُ مَالٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، فَصَحَّ قَرْضُهُ كَسَائِرِ الْبَهَائِمِ، وَقِيلَ: قَرْضُ الْعَبْدِ لَا الْأَمَةِ إِلَّا أَنْ يُقْرِضَهُنَّ مِنْ مَحَارِمِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْقَرْضِ ضَعِيفٌ لِكَوْنِهِ لَا يَمْنَعُهَا مِنْ رَدِّهَا عَلَى الْمُقْرِضِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ كَالْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ عَقْدٌ نَاقِلٌ فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ، وَلَا نُسَلِّمُ ضَعْفَ الْمِلْكِ فِيهِ، فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ بِخِلَافِ الْمِلْكِ زَمَنَ الْخِيَارِ، وَأَمَّا الْجَوَاهِرُ وَنَحْوُهَا، فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهَا فِي وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، فَلَا يُمْكِنُ رَدُّ الْمِثْلِ، وَمُقْتَضَى الْقَرْضِ رَدُّ الْمِثْلِ، وَالثَّانِي: بَلَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْجَوَاهِرَ، وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " كَالْمُقْنِعِ.
فَرْعٌ: سَأَلَهُ أَبُو الصَّقْرِ: عَيْنٌ بَيْنَ أَقْوَامٍ لَهُمْ نَوْبٌ فِي أَيَّامٍ يَقْتَرِضُ الْمَاءَ مِنْ نَبوةِ صَاحِبِ الْخَمِيسِ لِيَسْقِيَ بِهِ لِيَرِدَ عَلَيْهِ يَوْمَ السَّبْتِ قَالَ: إِذَا كَانَ مَحْدُودًا يَعْرِفُ كَمْ يَخْرُجُ مِنْهُ، فَلَا بَأْسَ، وَإِلَّا أَكْرَهُهُ (وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ بِالْقَبْضِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقَدٌ يَقِفُ التَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى الْقَبْضِ، فَوَقْفُ الْمِلْكِ عَلَيْهِ كَالْهِبَةِ وَيَتِمُّ بِالْقَبُولِ وَلَهُ الشِّرَاءُ بِهِ مِنْ مُقْرِضِهِ نَقَلَهُ مُهَنَّا، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَيَلْزَمُ مَكِيلٌ وَمَوْزُونٌ بِقَبْضِهِ، وَفِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ.
(فَلَا يَمْلِكُ الْمُقْرِضُ اسْتِرْجَاعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَ مِنْ جِهَتِهِ، فَلَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فِيهِ كَالْمَبِيعِ لِكَوْنِهِ أَزَالَ مُلْكَهُ عَنْهُ بِعِقْدٍ لَازِمٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ (وَلَهُ طَلَبُ بَدَلِهِ) أَيْ: فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ حَالًّا فَكَانَ لَهُ طَلَبُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ، أَوِ الْقِيمَةِ فَكَانَ حَالًّا كَالْإِتْلَافِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَقْرَضَهُ تَفَارِيق، ثُمَّ طَالَبَهُ بِهَا جُمْلَةً كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ حَالٌّ وَكَالْبَيْعِ (وَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ عَلَيْهِ) بِعَيْنِهِ (لَزِمَهُ قَبُولُهُ) ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ
стр. 1473
يَكُنْ فُلُوسًا، أَوْ مُكَسَّرَةً فَيُحَرِّمُهَا السُّلْطَانُ فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَرْضِ وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَالْقِيمَةِ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهَا، وَفِيمَا سِوَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى صِفَةِ حَقِّهِ فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَالسَّلَمِ وَسَوَاءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُهُ أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا اقْتَرَضَهُ بَدَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ لَا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْمَعْرُوفُ فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمِثْلِيِّ وَذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: (مَا لَمْ يَتَغَيَّبْ) كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ، أَوْ عَفِنَتْ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ ضَرَرًا؛ لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ. الثَّانِي: مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ تَكُنْ فُلُوسًا، أَوْ مُكَسَّرَةً فَيُحَرِّمُهَا السُّلْطَانُ) أَيْ: يَتْرُكُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ كَالْعَيْبِ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا (فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ) مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إِنْ جَرَى فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ (وَقْتَ الْقَرْضِ) سَوَاءٌ كَانَتْ بَاقِيَةً، أَوِ اسْتَهْلَكَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الدَّرَاهِمِ الْمُكَسَّرَةِ.
فَقَالَ: يُقَوِّمُهَا كَمْ تُسَاوِي يَوْمَ أَخْذِهَا، ثُمَّ يُعْطِيهِ وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا، وَقِيلَ: لَهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّ لَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ فَسَدَتْ وَتُرِكَتِ الْمُعَامَلَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُ رَدُّ مِثْلِهَا مَا دَامَتْ نَافِقَةً، فَلَمَّا فَسَدَتِ انْتَقَلَ إِلَى قِيمَتِهَا، كَمَا لَوْ عَدَمَ الْمِثْلَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ نَفَقَتْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَزِمَهُ أَخْذُهَا، وَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا فَلَهُ قِيمَتُهَا، وَقِيلَ: إِنْ رَخُصَتْ فَلَهُ الْقِيمَةُ، وَنَصُّهُ - وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " - إِنَّهُ يَرُدُّ مِثْلَهَا إِذَا رَخُصَتْ.
تَنْبِيهٌ: الْمَغْشُوشَةُ، إِذْ خَرَمَهَا السُّلْطَانُ حُكْمُهَا كَذَلِكَ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا إِذَا كَانَتْ ثَمَنًا، وَظَاهِرُ " الْفُرُوعِ " فِيهِ قَوْلَانِ: لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْعَقْدِ، كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، أَوْ يَوْمَ فَسَدَتْ، وَإِنْ شَرَطَ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ، أَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ هُوَ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ (وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ) إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ، وَالْإِتْلَافِ بِمِثْلِهِ، فَكَذَا هُنَا مَعَ أَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ شَبَهًا بِالْقَرْضِ مِنِ الْقِيمَةِ، فَإِنْ أَعْوَزَ
стр. 1474
ذَلِكَ وَجْهَانِ وَيَثْبُتُ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ حَالًّا، وَإِنْ أَجَّلَهُ وَيَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمِثْلَ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْإِعْوَازِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ (وَالْقِيمَةِ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهَا) إِذَا قِيلَ بِجَوَازِ قَرْضِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ، وَلَا مِثْلَ لَهَا لِكَوْنِهَا لَا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ وَتَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِهَا (وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يَرُدُّ الْقِيمَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيَّاتِ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ كَالْإِتْلَافِ وَتَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَرْضِ. والثَّانِي: يَجِبُ رَدُّ مِثْلِهِ لِفِعْلِهِ ﵇، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي السَّلَمِ ثَبَتَ فِي الْقَرْضِ كَالْمِثْلِيِّ بِخِلَافِ الْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِيهِ أَخْصَرُ، وَلَا مُسَامِحَةَ فِيهِ وَيُعْتَبَرُ فِي مِثْلِ صِفَاتِهِ تَقْرِيبًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذُّرِهِ، لَكِنْ لَوِ اقْتَرَضَ خُبْزًا، أَوْ خَمِيرًا عَدَدًا وَرَدَّ عَدَدًا بِلَا قَصْدِ زِيَادَةٍ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا، كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ صَغِيرًا يَقْصِدُ أَنْ يُعْطِيَهُ كَبِيرًا (وَيَثْبُتَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مَقْبُوضٌ أَشْبَهُ عِوَضَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ إِذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا (حَالًّا، وَإِنْ أَجَّلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مُنِعَ فِيهِ مِنَ التَّفَاضُلِ فَمُنِعَ الْأَجَلُ فِيهِ كَالصَّرْفِ، إِذِ الْحَالُّ لَا يَتَأَجَّلُ بِالتَّأْجِيلِ، وَهُوَ عِدَةٌ وَتَبَرُّعٌ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْقَرْضُ حَالٌّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ، وَخَالَفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ تَأْجِيلُهُ.
وَذَكَرَهُ وَجْهًا لِقَوْلِهِ ﵇: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . وَكُلُّ دَيْنٍ حَالٌّ كَالْقَرْضِ.
(وَيَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ، وَالضَّمِينِ فِيهِ) ؛ «لِأَنَّهُ ﵇ اسْتَقْرَضَ مِنْ يَهُودِيٍّ شَعِيرًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَا جَازَ فِعْلُهُ جَازَ شَرْطُهُ، وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّوَثُّقِ بِالْحَقِّ،
стр. 1475
وَالضَّمِينِ فِيهِ.
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا نَحْوُ أَنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ، فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ هَذَا الشَّرْطِ، وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ، أَوْ قَضَى خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدي لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ الْوَفَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ، وَالضَّمِينُ كَالرَّهْنِ، فَلَوْ عَيَّنَهُمَا وَجَاءَ بِغَيْرِهِمَا لَمْ يَلْزَمِ الْبَائِعَ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ خَيْرًا مِنَ الْمَشْرُوطِ وَحِينَئِذٍ يُخَيَّرُ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ إِمْضَائِهِ بِلَا رَهْنٍ وَلَا كَفِيلٍ، وَهَلْ لَهُ الْأَرْشُ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْعُيُوبِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، أَوْ لَا أَرْشَ إِلْحَاقًا لَهُ بِالتَّدْلِيسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَكْثَرِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
[لَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا]
(وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا نَحْوُ أَنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ) كُلُّ قَرْضٍ شُرِطَ فِيهِ زِيَادَةٌ فَهُوَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ، فَإِذَا شَرَطَ فِيهِ الزِّيَادَةَ أَخْرَجَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْقَدْرِ، أَوِ الصِّفَةِ مِثْلَ أَنْ يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً فَيُعْطِيَهُ صِحَاحًا، أَوْ نَقْدًا لِيُعْطِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَفِي " الْفُرُوعِ " إِذَا قَضَاهُ صِحَاحًا عَنْ مُكَسَّرَةٍ أَقَلَّ لِعِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِذَا شَرَطَ أَنْ يُوَفِّيَهُ أَنْقَصَ مِنْهُ لَمْ يَجُزِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا لِإِفْضَائِهِ إِلَى فَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَفِي فَسَادِ الْقَرْضِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا إِذَا شَرَطَ الْقَضَاءَ (فِي بَلَدٍ آخَرَ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا فِي الْجُمْلَةِ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ لِلْوَصِيِّ قَرْضُ مَالِ الْيَتِيمِ فِي بَلَدٍ لِيُوَفِّيَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ لِيَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مَؤُنَةٌ، وَإِلَّا حَرُمَ (وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ هَذَا الشَّرْطِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ فِي قَدْرٍ، وَلَا صِفَةٍ بَلْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا فَجَازَ كَشَرْطِ الرَّهْنِ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ (وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ) ، وَلَا مُوَاطَأَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (أَوْ قَضَى خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدي لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ الْوَفَاءِ جَازَ) عَلَى الْأَصَحِّ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ،
стр. 1476
فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ، وَقَالَ: خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» وَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمَا بِهِ قَبْلَ الْقَرْضِ وَإِذَا أَقْرَضَهُ أَثْمَانًا فَطَالَبَهُ بِهَا بِبَلَدٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ: خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ، وَلَا وَسِيلَة إِلَيْهِ، وَلَا إِلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ أَشْبَهَ مَا لَمْ يَكُنْ قَرْضٌ، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِثْلَ قَرْضِهِ، وَلَا يَأْخُذُ فَضْلًا لِئَلَّا يَكُونَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً وَحَرَّمَ الْحُلْوَانِيُّ أَخْذَ أَجْوَدَ مَعَ الْعَادَةِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهِ لَا " بِأَهْدَى " لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعَلُّقِهِ " بِأَهْدَى " أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ لَوْ أَسْكَنَ الْمُقْرِضَ دَارَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ جَازَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَفَاءِ، أَوْ بَعْدَهُ (وَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ لَمْ يَجُزْ) عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهَا، وَلَا يَقْبَلْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، وَفِيهِمَا كَلَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ جَهَالَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ مَا لَمْ يَشْرُطْهُ وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ أَنَّ الْمُقْرِضَ لَا يُمْنَعُ مِنْ جَوَازِ هَدِيَّةِ الْمُقْتَرِضِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمَا بِهِ قَبْلَ الْقَرْضِ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَةً حَرُمَ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ احْتِسَابَهُ مِنْ دَيْنِهِ، أَوْ مُكَافَأَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ اسْتَضَافَهُ حَسَبَ لَهُ مَا أَكَلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُتَوَجَّهُ: لَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ فِي الدَّعَوَاتِ كَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: عِلْمُهُ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَزِيدُهُ شَيْئًا كَشَرْطِهِ.
وَقِيلَ: لَا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، فَلَوْ وَجَدَ مَا سَبَقَ حَالَةَ الْوَفَاءِ، فَإِنْ كَانَ النَّفْعُ صِفَةً فِي الْوَفَاءِ بِأَنْ قَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ فَيَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً فِي الْقَضَاءِ بِأَنْ يُقْرِضَهُ دِرْهَمًا فَيُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ رِبًا، وَصَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الْكَافِي " بِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ جَائِزٌ لِلْخَبَرِ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِي الزِّيَادَةِ تَقْيِيدَ رِوَايَتَيْنِ
стр. 1477
آخَرَ لَزِمَتْهُ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ غَيْرَهَا لَمْ تَلْزَمْهُ، فَإِنْ طَالَبَهُ بِالْقِيمَةِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِذَا أَقْرَضَهُ أَثْمَانًا فَطَالَبَهُ بِهَا بِبَلَدٍ آخَرَ لَزِمَتْهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ قَضَاءَ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ بِبَلَدِ الْقَرْضِ؛ وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تَخْتَلِفُ، فَانْتَفَى الضَّرَرُ (وَإِنْ أَقْرَضَهُ غَيْرَهَا) كَالْحِنْطَةِ، وَالْفُلُوسِ (لَمْ يَلْزَمْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ إِلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مَؤُونَةٌ، فَإِنْ طَالَبَهُ بِالْقِيمَةِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْمِثْلِ تَعَيَّنَتِ الْقِيمَةُ، وَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ الْبَلَدِ الَّذِي أَقْرَضَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ بِبَلَدِ الْقَبْضِ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا النَّاقِصَةُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا اقْتَرَضَ بِبَلَدٍ فَطُلِبَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ بَدَلُهُ إِلَّا مَا كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ وَقِيمَتُهُ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ أَنْقَصُ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ إِذَنْ فِيهِ فَقَطْ، وَفِي " الْمُغْنِي " إِذَا كَانَ لِحَمْلِهِ مَؤُنَةٌ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ إِلَيْهِ، وَلَا يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى أَخْذِ قَرْضِهِ هُنَاكَ إِذَا بُذِلَ لَهُ إِلَّا فِيمَا لَا مَؤُنَةَ لِحَمْلِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَعَ أَمْنِ الْبَلَدِ وَالطَّرِيقِ وَبَدَلُ الْمَغْصُوبِ التَّالِفِ كَذَلِكَ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا أَقْرَضَ غَرِيمَهُ الْمُعْسِرَ، أَوِ الْمُفْلِسَ أَلْفًا لِيُوَفِّيَهُ مِنْهُ وَمِنْ دَيْنِهِ الْأَوَّلِ كُلَّ وَقْتٍ شَيْئًا جَازَ. نَقَلَهُ مُهَنَّا. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ يُكْرَهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَقْرَضَ أَكَّارَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ بَقَرًا يَعْمَلُ بِهَا فِي أَرْضِهِ وَبَذْرًا يَبْذُرُهُ فِيهَا، وَقَالَ أَقْرِضْنِي أَلْفًا وَادْفَعْ إِلَيَّ أَرْضَكَ أزرعها بالثلث بِلَا شَرْطٍ حَرُمَ، وَجَوَّزَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَكَرِهَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَلَوْ أَمَرَهُ بِبَذْرِهِ، وَأَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ كَالْمُعْتَادِ فَفَاسِدٌ لَهُ قِيمَةُ الْمِثْلِ، وَلَوْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَقْرَضَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ بُرٌّ مَا يَشْتَرِيهِ بِهِ يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ فَكَرِهَهُ سُفْيَانُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَفِي " الْمُغْنِي " يَجُوزُ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا قَالَ: اقْتَرِضْ لِي مِائَةً وَلَكَ عَشَرَةٌ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا بَذَلَهُ مِنْ
стр. 1478
بَابُ الرَّهْنِ وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
جَاهِهِ فَلَوْ قَالَ: اضْمَنْهَا عَنِّي وَلَكَ عَشَرَةٌ لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ فَيَكُونُ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً وَمنه الْأَزَجِيُّ.
الْخَامِسَةُ: إِذَا اقْتَرَضَ مِنْهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِهَا شَيْئًا فَخَرَجَتْ زُيُوفًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَلَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِبَدَلِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا دَرَاهِمُهُ فَعَيْبُهَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بَدَلَ مَا أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ بِصِفَتِهِ زُيُوفًا. قَالَهُ أَحْمَدُ، وَحَمَلَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى أَنَّهُ إِذَا بَاعَهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ عَيْبَهَا. أَمَّا إِذَا بَاعَهُ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ قَبَضَ هَذِهِ بَدَلًا عَنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ لَهُ دَرَاهِمُ خَالِيَةٌ مِنَ الْعَيْبِ وَتُرَدَّ هَذِهِ عَلَيْهِ وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهَا عَلَى الْبَائِعِ وَفَاءً عَنِ الْقَرْضِ وَيَبْقَى الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ.
السَّادِسَةُ: لَوْ أَقْرَضَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا خَمْرًا، ثُمَّ أَسْلَمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْقَرْضُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُقْتَرِضِ شَيْءٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
[بَابُ الرَّهْنِ]
[تَعْرِيفُ الرهن وَحُكْمُهُ]
بَابُ الرَّهْنِ
هُوَ فِي اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ، وَالدَّوَامُ يُقَالُ: مَاءٌ رَاهِنٌ أَيْ: رَاكِدٌ، وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ أَيْ: دَائِمَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ الْحَبْسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أَيْ: مَحْبُوسَةٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ: لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ ثَابِتٌ فِي مَكَانٍ لَا يُزَايِلُهُ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا، وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا لِوَجْدِهِ بِهَا بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ فَيَحْبِسُهُ عِنْدَهُ، وَلَا يُفَارِقُهُ، وَغَلْقُ الرَّهْنِ: اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إِيَّاهُ لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ (وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يُسْتَوْفَى مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوَفَاءِ مِنَ الْمَدِينِ، فَعَلَى هَذَا هُوَ فِي الشَّرْعِ: جَعْلُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ يُسْتَوْفَى مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
стр. 1479
الْحَقِّ وَبَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَيَصِحُّ رَهْنُ كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَفِي الزَّرْكَشِيِّ تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ، أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى قَوْلٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ إِنْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ وَيَجُوزُ فِي الْحَضَرِ كَالسَّفَرِ خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ وَرُدَّ بِفِعْلِهِ ﵇، وَذِكْرُ السَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِكَوْنِ الْكَاتِبِ يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ غَالِبًا، وَهُوَ لَا يُشْتَرَطُ مَعَ ذِكْرِهِ فِيهَا، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ كَالضَّمَانِ.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": وَيَصِحُّ تَبَرُّعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعٌ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: لِوَلِيٍّ رَهْنُهُ عِنْدَ أَمِينٍ لِمَصْلَحَةٍ كَحَلِّ دَيْنٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ بِدُونِ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ وَجِنْسِهِ وَمِلْكِهِ، وَلَوْ مَنَافِعُهُ بِإِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ بِإِذْنِ مُؤَجَّرٍ وَمُعِيرٍ (لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ) أَيْ: بَعْدَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَلَزِمَ مِنْ جِهَتِهِ كَالضَّمَانِ فِي حَقِّ الضَّامِنِ (جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ لَهُ وَحْدَهُ فَكَانَ لَهُ فَسْخُهُ كَالْمَضْمُونِ لَهُ (يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ) بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ إِلَى شَهْرٍ تُرْهِنُنِي بِهَا عَبْدَكَ فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ وَرَهَنْتُكَ عَبْدِي؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى جَوَازِهِ إِذَنْ (وَبَعْدَهُ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى أَخْذِ الْوَثِيقَةِ بِهِ كَالضَّمَانِ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا عَنِ الْكِتَابَةِ فَيَكُونُ فِي مَحَلِّهَا، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْمُدَايَنَةِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ (وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ ثُبُوتِهِ كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ أَيْضًا تَابِعٌ لِلْحَقِّ، فَلَا يَسْبِقُهُ كَالثَّمَنِ لَا يَتَقَدَّمُ الْمَبِيعَ (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ.
وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ. قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ فَجَازَ قَبْلَهُ كَالضَّمَانِ، أَوْ فَجَازَ عَلَى حَقٍّ يَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَضَمَانِ الدَّرَكِ وَرُدَّ بِالْمَنْعِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالْفَرْقُ: أَنَّ الضَّمَانَ إِلْزَامُ مَالٍ تَبَرُّعًا بالقول، فَجَازَ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ ثَابِتٍ كَالنَّذْرِ وَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُولَ: رَهَنْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ تُقْرِضْنِيهَا فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَقْرَضَهُ إِيَّاهَا فَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَى قَوْلِهِ.
стр. 1480
بَيْعُهَا إِلَّا الْمُكَاتَبَ إِذَا قُلْنَا: اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ، لَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُهَا لِتَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ.
تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ بِكُلِّ دَيْنٍ وَاجِبٍ، أَوْ مَآلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى عَلَى عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، وَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَنَفْعِ إِجَارَةٍ فِي الذِّمَّةِ لَا عَلَى دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَةٍ قَبْلَ الْحَوْلِ لَا مَا بَعْدَهُ.
وَقِيلَ: وَجُعِلَ قَبْلَ الْعَمَلِ وَجْهَانِ كَدَيْنِ كِتَابَةٍ، وَلَا يَصِحُّ بِعُهْدَةِ مَبِيعٍ وعوض غير ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، كَثَمَنٍ مُعَيَّنٍ وَأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي إِجَارَةٍ، وَإِجَارَةِ مَنَافِعَ مُعَيَّنَةٍ كَدَارٍ وَنَحْوِهَا.
[صِحَّةُ رَهْنِ كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا]
(وَيَصِحُّ رَهْنُ كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ لِيُتَوَصَّلَ إِلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنَ الرَّاهِنِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَيَشْمَلُ ذَلِكَ صُوَرًا وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ رَهْنُ الْمَنَافِعِ (إِلَّا الْمُكَاتَبَ إِذَا قُلْنَا اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ لَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ) ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ فِي حَقِّهِ لِمُنَافَاتِهَا مُقْتَضَى الْكِتَابَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ شَرْطُ مَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ وَيُمَكَّنُ مِنَ الْكَسْبِ، وَمَا يُؤَدِّيهِ مِنَ النُّجُومِ رَهْنًا مَعَهُ، وَإِنْ عَجَزَ ثَبَتَ الرَّهْنُ فِيهِ، وَفِي إِكْسَابِهِ، وَإِنْ عَتَقَ بَقِيَ مَا أَدَّاهُ رَهْنًا كَمَنْ مَاتَ بَعْدَ كَسْبِهِ.
فَرْعٌ: الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ إِنْ كَانَتْ تُوجَدُ بَعْدَ حَلِّ الدَّيْنِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ كَانَ يَحِلُّ قَبْلَهَا، صَحَّ لِإِمْكَانِ بَيْعِهِ، وَإِنِ احْتَمَلَ الْأَمْرَانِ كَقُدُومِ زَيْدٍ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ كَالْمَرِيضِ، وَالْمُدَبَّرِ.
(وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ) كَالْعِنَبِ، وَالرُّطَبِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ) لَيْسَ قَيْدًا فِيهِ، أَوْ يَصِحُّ بِالْحَالِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ التَّأْجِيلَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَنْعِ صِحَّةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تُوُهِّمَ أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يَقْتَضِي بَقَاءَ الْمَرْهُونِ إِلَى
стр. 1481
يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَيُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا.
وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ ثُمَّ إِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ، وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ غَيْرِهِمَا جَازَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ أَمِينٍ أمانة، أَوْ بِأُجْرَةٍ، وَيَجُوزُ رَهْنُ المبيع غير الْمَكِيلِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الِاسْتِحْقَاقِ (وَيُبَاعُ) عَلَى الْأَصَحِّ (وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلُ الْعَيْنِ وَبَدَلُ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ، فَإِنَّهُ يقضي الدَّيْن مِنْ ثَمَنِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ". وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِيمَنْ رَهَنَ وَغَابَ فَخَافَ الْمُرْتَهِنُ فَسَادَهُ، أَوْ ذَهَابَهُ فَلْيَأْتِ السُّلْطَانَ حَتَّى يَبِيعَهُ، كَمَا أَرْسَلَ ابْنُ سِيرِينَ إِلَى إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَأْذَنُ لَهُ فِي بَيْعِهِ، فَإِذَا بَاعَهُ حفظه حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَيْهِ بِأَمْرِهِ حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهُ يَقْضِيهِ، وَظَاهِرُ الْمَتْنِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ، أَوْ لَا، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ، فَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ حِفْظِهِ وَتَبْقِيَتِهِ أَشْبَهَ نَفَقَةَ الْحَيَوَانِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ هُنَا عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَعَلَى هَذَا إِنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ يَبِيعُهُ، أَوْ غَيْرُهُ، بَاعَهُ وَإِلَّا بَاعَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ أَطْلَقَا فَالْخِلَافُ.
[صِحَّةُ رَهْنِ الْمُشَاعِ]
(وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي مَحَلِّ الْحَقِّ أَشْبَهَ الْمُفْرَزَ وَاقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّةَ رَهْنِ بَعْضِ نَصِيبِهِ مِنَ الْمُشَاعِ، لَكِنْ فِي رَهْنِ حِصَّتِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ فِيهِ وَجْهَانِ كَبَيْعِهِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَّلَ الْقَاضِي الْمَنْعَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْتَسِمَ الشَّرِيكَانِ فَيَحْصُلُ الرَّهْنُ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ (ثُمَّ إِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ، وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ غَيْرِهِمَا جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَتَجَاوَزُهُمَا (وَإِنِ اخْتَلَفَا جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ أَمِينٍ) ، وَقِيلَ: مَنْ جَازَ تَوْكِيلُهُ جَازَ جَعْلُ الرَّهْنِ عِنْدَهُ مُطْلَقًا، وَفِيهِ نَظَرٌ (أَمَانَةً، أَوْ بِأُجْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُرْتَهَنِ وَاجِبٌ، وَلَا يُمْكِنُ
стр. 1482
وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَعْدُودِ، وَالْمَذْرُوعِ قَبْلَ قَبْضِهِ إِلَّا عَلَى ثَمَنِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ إِلَّا الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ فِي أَحَدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَلِكَ مُنْفَرِدًا لِكَوْنِهِ مُشَاعًا فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى الْقَبْضِ الْوَاجِبِ، وَفِي إِيجَارِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِمَا وَجْهَانِ وَيُعْتَبَرُ فِيمَنْ هُوَ عِنْدَهُ مَنْعُ الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَكَوْنُهُ مُسْلِمًا إِذَا كَانَ الْمَرْهُونُ مُسْلِمًا كَالْمُصْحَفِ.
(وَيَجُوزُ رَهْنُ المبيع غير الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَعْدُودِ، وَالْمَذْرُوعِ قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ: على غير ثَمَنه؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَصَحَّ رَهْنُهُ، كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَسَوَاءٌ رَهَنَهُ عِنْدَ بَائِعِهِ، أَوْ غَيْرِهِ (إِلَّا عَلَى ثَمَنِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَحْبُوسٌ بِالثَّمَنِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي صَيْرُورَتِهِ رَهْنًا؛ لِأَنَّ بَيْنَ الرَّهْنِ، وَالْبَيْعِ تَنَافِيًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ أَنْ يُبَاعَ فِي الدَّيْنِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَحُكْمُ الْبَيْعِ إِيفَاءُ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ صَارَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَالْمَبِيعُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي فَجَازَ رَهْنُهُ بِالثَّمَنِ كَغَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمَكِيلَ، وَالْمَوْزُونَ، وَالْمَعْدُودَ، وَالْمَذْرُوعَ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْبَيْعِ (وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، وَهُوَ شَامِلٌ لِصُوَرِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَالْوَقْفِ، وَالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ، فَإِنْ قَالَ لِلْمُرْتَهِنِ: زِدْنِي مَالًا يَكُونُ الَّذِي عِنْدَكَ رَهْنًا بِهِ وَبِالدَّيْنِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا رَهْنُ الْمُصْحَفِ.
نَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُرَخِّصُ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ، وَالْمَجْهُولِ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَالْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَسَوَادِ الْعِرَاقِ وَحُكْمُ بِنَائِهَا كَحُكْمِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ تُرَابِهَا، أَوِ الشَّجَرِ الْمُجَدَّدِ فِيهَا.
فَالْمُذْهَبُ صِحَّتُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَالْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إِلَّا أَنْ يَرْهَنَهُ الْمُشْتَرِي فَالْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ، فَيَصِحُّ وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَمَالَ غَيْرُهُ، وَخَرَّجَ: بَلَى إِنْ أَجَازَهُ رَبُّهُ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَذِنَ فِيهِ، أَوْ أَنَّهُ لَهُ فَوَجْهَانِ (إِلَّا الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) ، وَالزَّرْعَ
стр. 1483
الْوَجْهَيْنِ وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِذَا شَرَطَا كَوْنَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَخْضَرَ (مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ إِنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنَ الْعَاهَةِ وَلِهَذَا أُمِرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا وَبِتَقْدِيرِ تَلَفِهَا لَا يَفُوتُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الدَّيْنِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّةِ الرَّاهِنِ فَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ بِيعَ، وَإِنِ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ تَأْخِيرَ بَيْعِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ كَالْبَيْعِ فَعَلَيْهِ إِنْ رَهَنَهَا مَعَ الْأَصْلِ فَقَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
مُلْحَقٌ: تُسْتَثْنَى الْجَارِيَةُ دُونَ وَلَدِهَا وَبِالْعَكْسِ وَيُبَاعَانِ، فَلَوْ رُهِنَتِ الْأُمُّ بِمُفْرَدِهَا قُوِّمَتْ دُونَهُ، ثُمَّ مَعَهُ فَمَا زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا فَهُوَ قِيمَتُهُ.
وَقِيلَ: تُقَوَّمُ ذَاتَ وَلَدٍ وَيُقَوَّمُ هُوَ مَعَهَا إِذَا عَلِمَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا بِهِ وَقْتَ الرَّهْنِ، أَوْ حَمَلَتْ بِهِ فَهُوَ رَهْنٌ، وَلَوْ رَهَنَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ، أَوْ بَاعَهَا، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، صَحَّ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَإِنْ رَهَنَ ثَمَرَةً إِلَى مَحِلٍّ يَحْدُثُ فِيهِ أُخْرَى لَا تَتَمَيَّزُ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ حِينَ حُلُولِ الْحَقِّ، وَإِنْ رَهَنَهَا بِدَيْنٍ حَالٍّ، أَوْ شَرَطَ قَطْعَهَا عِنْدَ خَوْفِ اخْتِلَاطِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهَا حَتَّى اخْتَلَطَتْ لَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا، لَكِنْ إِنْ سَمَحَ الرَّاهِنُ بِبَيْعِ الْجَمِيعِ عَلَى قَدْرِ ثَمَنِهِ جَازَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا وَتَشَاحَّا قُدِّمَ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ، وَلَوْ شَرَطَاهُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَدَ لَهُ عَلَى مُسْلِمٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ إِذَا أَسْلَمَ (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِذَا شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ) عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ فَجَازَ رَهْنُهُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ إِذَا امْتَنَعَ مَالِكُهُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَأَطْلَقَ
стр. 1484
فِي يَدِ مُسْلِمٍ.
وَ لَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إِلَّا بِالْقَبْضِ وَاسْتِدَامَتُهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ وَهُمَا فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ لِكَافِرٍ إِذَا شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ، وَأُلْحِقَتْ بِهِ كُتُبُ الْحَدِيثِ.
فَرْعٌ: لَا يَقْرَأُ فِيهِ أَحَدٌ بِلَا إِذْنِ رَبِّهِ.
وَقِيلَ: بَلَى إِنْ لَمْ يَضُرَّ مَالِيَّتَهُ، وَإِنْ طَلَبَ أَحَدٌ لِيَقْرَأَ فِيهِ لَمْ يَجِبْ بَدلهُ، وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ
[لَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إِلَّا بِالْقَبْضِ]
(وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ) فِي حَقِّ الرَّاهِنِ (إِلَّا بِالْقَبْضِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ فَافْتَقَرَ إِلَى الْقَبْضِ كَالْقَرْضِ وَسَوَاءٌ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوْ مَنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَغَيْرِهِمَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَلْزَمُ فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْقَبْضِ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا رِوَايَتَانِ كَالْبَيْعِ، وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْبَيْعَ فِي غَيْرِهِمَا لَا يَلْزَمُ فِي رِوَايَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ فَسْخُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِكُلِّ نَوْعٍ، فَإِنْ كَانَ بِبَيْعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا بَطَلَ حُكْمُ الرَّهْنِ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَإِنْ كَانَ بِتَدْبِيرٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ تَزْوِيجٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْبَيْعِ، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي " التَّذْكِرَةِ " تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ وَصِفَةُ قَبْضِهِ كَمَبِيعٍ، فَلَوْ رَهَنَهُ دَارًا وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلِلرَّاهِنِ فِيهَا قُمَاشٌ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ صِحَّةِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهَا بِمِلْكِ الرَّاهِنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ كَالثَّمَرَةِ فِي الشَّجَرَةِ وَيُعْتَبَرُ فِي الْقَبْضِ إِذْنُ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِي الْأَشْهَرِ، وَيَبْطُلُ إِذْنُهُ بِنَحْوِ إِغْمَاءٍ وَخَرَسٍ، فَلَوْ رَهَنَهُ مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ غَصْبًا فَكَبَتَهُ إِيَّاهُ، وَيَزُولُ ضَمَانُهُ (وَاسْتِدَامَتُهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ) ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَلِأَنَّهَا إِحْدَى حَالَتَيِ الرَّهْنِ فَكَانَ الْقَبْضُ فِيهِ شَرْطًا كَالِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، فَإِنَّ الْقَبْضَ فِي ابْتِدَائِهَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ، فَإِذَا ثَبَتَ اسْتَغْنَى عَنِ الْقَبْضِ، وَالرَّهْنُ يُرَادُ لِلْوَثِيقَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ بَيْعِهِ وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ زَالَ ذَلِكَ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْقَبْضِ شَرْطٌ فِي
стр. 1485
الْمُرْتَهِنُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الرَّاهِنِ زَالَ لُزُومُهُ، فَإِنْ رَدَّهُ إِلَيْهِ عَادَ اللُّزُومُ، وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا فَتُخَمَّرَ زَالَ لُزُومُهُ، فَإِنْ تَخَلَّلَ عَادَ لُزُومُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ، وَعَنْهُ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
اللُّزُومِ، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ فَفِي الِاسْتِدَامَةِ كَذَلِكَ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، لَكِنْ لَوْ أَجَّرَهُ، أَوْ أَعَارَهُ لِمُرْتَهِنٍ، أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ فَلُزُومُهُ بَاقٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَزُولُ، نَصَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ فَعَلَيْهَا يَعُودُ بِمُضِيِّ إِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ مِنْ مُرْتَهِنٍ (فَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الرَّاهِنِ زَالَ لُزُومُهُ) ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ، وَقَدْ زَالَتْ، إِذِ الْمَشْرُوطُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ نِيَابَةً عَنْهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَبَقِيَ الْعَقْدُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَبْضٌ سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ بِإِجَارَةٍ، أَوْ إِعَارَةٍ، أَوْ إِيدَاعٍ وَنَحْوِهِ وَقَوْلُهُ: بِاخْتِيَارِهِ يَحْتَرِزُ بِهِ عَمَّا لَوْ أَخْرَجَهُ لَا بِاخْتِيَارِهِ كَالْغَصْبِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُزِيلُ اللُّزُومَ، لِأَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا (فَإِنْ رَدَّهُ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى الْمُرْتَهِنِ (عَادَ اللُّزُومُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْبَضَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَزِمَ بِهِ كَالْأَوَّلِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ السَّابِقَ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَاخَى الْقَبْضُ عَنِ الْعَقْدِ (وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا فَتُخَمَّرَ زَالَ لُزُومُهُ) ، لِأَنَّ تَخْمِيرَهُ بمنزلة إخراجه مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يدل لِمُسْلِمٍ عَلَى خَمْرٍ؛ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ خَمْرًا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ فَلَأَنْ يُخْرِجَهُ عَنِ اللُّزُومِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَتَجِبُ إِرَاقَتُهُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ أُرِيقَ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ (فَإِنْ تَخَلَّلَ عَادَ لُزُومُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ) ، كَمَا لَوْ زَالَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ، فَلَوِ اسْتَحَالَ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَلَمْ يَعُدْ بِعُودِهِ خَلًّا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ الْقَبْضِ أَشْبَهَ إِسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إِذَا اسْتَحَالَ خَمْرًا بَعْدَ الْقَبْضِ أَنَّهُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِيهِ، ثُمَّ إِذَا عَادَ خَلًّا عَادَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ مَرْهُونًا بِالْعَقْدِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ مِلْكًا بِحُكْمِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، فَيَعُودُ حُكْمُ الرَّهْنِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْيَدَ لَمْ تَزَلْ عَنْهُ حُكْمًا بِدَلِيلِ مَا لَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ غَاصِبٌ، فَتَخَلَّلَ فِي يَدِهِ كَانَ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
стр. 1486
أَنَّ الْقَبْضَ وَاسْتِدَامَتَهُ فِي الْمُتَعَيَّنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَمَتَى امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَقْبِيضِهِ أُجْبِرَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَمْ تَظْهَرْ لِي فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَوْدِهِ رَهْنًا بِاسْتِحَالَتِهِ خَلًّا وَأَرَى الْقَوْلَ بِبَقَائِهِ رَهْنًا أَقْرَبَ إِلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَوْ بَطَلَ لَمَا عَادَ صَحِيحًا من غير ابْتِدَاءُ عَقْدٍ (وَعَنْهُ: أَنَّ الْقَبْضَ وَاسْتِدَامَتَهُ فِي الْمُتَعَيَّنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ) حَكَاهُ فِي " التَّعْلِيقِ " عَنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ (فَمَتَى) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ (امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَقْبِيضِهِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ) كَالْبَيْعِ، فَإِنْ رَدَّهُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِعَارِيَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ طَلَبَهُ أُجْبِرَ الرَّاهِنُ عَلَى رَدِّهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ صَحِيحٌ، وَالْقَبْضَ وَاجِبٌ لَهُ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ كَبَيْعِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ جَازَ إِجْمَاعًا وَسَوَاءٌ بُيِّنَ الدَّيْنُ أَوْ لَا، لَكِنْ لَوْ عُيِّنَ الْمُرْتِهَنُ، أَوِ الْقَدْرُ الَّذِي يَرْهَنُهُ عَلَيْهِ فَخَالَفَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ إِقْبَاضِهِ كَقَبْلِ الْعَقْدِ، وَقَدَّمَ فِي " التَّلْخِيصِ " لَا كَبَعْدَهُ خِلَافًا " لِلِانْتِصَارِ " فِيهِ وَلَهُ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِفِكَاكِهِ حَالًّا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا فِي مَحَلِّ الْحَقِّ وَقَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَةَ لَا تَلْزَمُ فَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ، وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَلِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ وَاسْتِيفَاءُ دَيْنِهِ مِنْهُ وَيَرْجِعُ الْمُعَيِّرُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ بِمِثْلِهِ لَا بِمَا بِيعَ، نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَاخْتَارَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " بِأَكْثَرِهِمَا، فَإِنْ تَلِفَ ضَمِنَهُ الرَّاهِنُ، وَهُوَ الْمُسْتَعِيرُ بِقِيمَتِهِ سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَيُتَوَجَّهُ فِي مُسْتَأْجِرٍ مِنْ مُسْتَعِيرٍ، وَإِنْ فَكَّ الْمُعِيرُ الرَّهْنَ بِإِذْنَ الرَّاهِنِ رَجَعَ، وَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا فَلَا، وَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ فَرِوَايَتَانِ. ١
(وَتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ) اللَّازِمِ بِالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْوَقْفِ وَنَحْوِهِ (لَا يَصِحُّ) ؛ لِأَنَّهُ
стр. 1487
عَلَيْهِ، وَتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ لَا يَصِحُّ إِلَّا الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَصَرَّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ، وَلَيْسَ بِمَبْنِيٍّ عَلَى السِّرَايَةِ، وَالتَّغْلِيبِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ كَفَسْخِ الرَّهْنِ، فَأَمَّا انْتِفَاعُهُ بِهِ كَاسْتِخْدَامٍ وَنَحْوِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ الِانْتِفَاعُ بِهَا كَالْمَبِيعِ الْمَحْبُوسِ عِنْدَ الْبَائِعِ عَلَى قَبْضِ ثَمَنِهِ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ مِنْ سَقْيِ شَجَرٍ وَتَلْقِيحٍ وَإِنْزَاءِ فَحْلٍ عَلَى إِنَاثٍ مَرْهُونَةٍ وَمُدَاوَاةٍ وَفَصْدٍ بَلْ مِنْ قَطْعِ سِلْعَةٍ فِيهَا خَطَرٌ وَحِينَئِذٍ إِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الْمَنَافِعِ لَمْ يَجُزِ الِانْتِفَاعُ وَكَانَتْ مُعَطَّلَةً وإن اتفقا عَلَى الْإِجَارَةِ، أَوِ الْإِعَارَةِ جَازَ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَالْأُجْرَةُ رَهْنٌ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي " الْخِلَافِ " أَنَّهَا تُعَطَّلُ مُطْلَقًا وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لِلرَّاهِنِ الِانْتِفَاعُ بِمَا لَا يُنْقِصُ قِيمَتَهُ ولا يضره كَرُكُوبٍ وَسُكْنَى، فَإِنْ أَرَادَ غَرْسَ الْأَرْضِ - وَالدَّيْنُ حَالٌّ - مُنِعَ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَاحْتِمَالَانِ (إِلَّا الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ) يَحْرُمُ عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ وَ (يَنْفُذُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ شَرِيكٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، لِأَنَّهُ إِعْتَاقٌ مِنْ مَالِكٍ تَامِّ الْمِلْكِ فَنُفِّذَ كَعِتْقِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ فَنَفَذَ فِيهَا عِتْقُ الْمَالِكِ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ بَائِعِهِ، وَالْعِتْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّرَايَةِ، وَالتَّغْلِيبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَنْفُذُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَفِي مِلْكِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ مُوسِرًا (تُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ وَيُعْتَبَرُ حَالُ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْإِتْلَافِ فَجُعِلَتْ (رَهْنًا مَكَانَهُ) ؛ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنِ الْعَيْنِ، أَوْ بَدَلٌ عَنْهَا، وَكَذَا حُكْمُ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِقَصَاصٍ اسْتَحَقَّهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَحْبَلَ الْأَمَةَ بِلَا إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ أَقَرَّ بِالْعِتْقِ وَكَذَّبَهُ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ تَكُونُ رَهْنًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ أَيْسَرَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ أُخِذَتْ مِنْهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ تَعْجِيلَ الْحَقِّ فَيَقْضِيَهُ، وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ طُولِبَ بِالدَّيْنِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ
стр. 1488
رَهْنًا مَكَانَهُ، وَيُحْتَمَلُ وعنه: لَّا يَنْفُذَ عِتْقُ الْمُعْسِرِ. وليس عليه تزويج الأمة المرهونة فإن فعل لم يصح. وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ وَيُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا، وَمَهْرُهَا رَهْنٌ مَعَهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَإِنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ فَأَوْلَدَهَا خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَبْرَأُ بِهِ مِنَ الْحَقَّيْنِ مَعًا (وَعَنْهُ: لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعْسِرِ) ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ " احْتِمَالًا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " تَخْرِيجًا؛ لِأَنَّ نُفُوذَ عِتْقِهِ يُسْقِطُ الْوَثِيقَةَ وَبَدَلَهَا، فَلَمْ يَنْفُذْ لِمَا فِيهِ مِنِ الْإِضْرَارِ بِالْمُرْتَهِنِ وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَهُوَ مُعْسِرٍ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا إِنْ كَانَ مُعْسِرًا يَسْتَسْعِي الْعَبْدَ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ تُجْعَلُ رَهْنًا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِيجَابَ الْكَسْبِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا صُنْعَ، وَلَا جِنَايَةَ مِنْهُ فَكَانَ إِلْزَامُ الْغُرْمِ لِلْمُتْلِفِ أَوْلَى وَقِيلَ: وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ غَيْرِهِ، وَذَكَرَهَ فِي " الْمُبْهِجِ " رِوَايَةً وَإِذَا لَمْ نَقْلُ بِالنُّفُوذِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بَعْدَ زَوَالِ الرَّهْنِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَأْذَنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ أَذِنَ، صَحَّ الْعِتْقُ وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْوَثِيقَةِ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْإِذْنِ، وَعَلِمَ الرَّاهِنُ بِهِ بَطَلَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَكَذَا يَصِحُّ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ أُذِنَ فِيهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا قُدِّمَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَوَارِثِهِ فِي نَفْيِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ إِلَّا أَنَّ الْوَارِثَ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَمَنْ نكل قُضِيَ عَلَيْهِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْوَقْفَ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى. ١
(وَقَالَ الْقَاضِي) وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ رِوَايَةً (لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ) الْمَرْهُونَةِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ عَقْدِ النِّكَاحِ غَيْرَ مَحَلِّ عَقْدِ الرَّهْنِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ رَهْنِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَلَمْ يَمْنَعِ التَّزْوِيجَ كَالْإِجَارَةِ (وَيَمْنَعُ) الْمُرْتَهِنُ (الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا) ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بُقُولِهِ: دُونَ تَسْلِيمِهَا لِئَلَّا تَحْبَلَ فَتَنْقُصَ قِيمَتُهَا وَتَقِلَّ الرَّغْبَةُ فِيهَا وَرُبَّمَا تَلِفَتْ بِسَبَبِ الْحَمْلِ (وَمَهْرُهَا رَهْنٌ مَعَهَا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَاءِ الرَّهْنِ فَكَانَ رَهْنًا (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ يُذْهِبُ رَغَبَاتِ الْمُشْتَرِينَ فِيهَا فَيُوجِبُ نُقْصَانَ قِيمَتِهَا، فَلَمْ يَمْلِكْهُ الرَّاهِنُ كَفَسْخِ الْعَقْدِ، وَلَا نُسَلِّمُ تَغَايُرَ الْمَحَلَّيْنِ بَلْ مَحَلُّهُمَا وَاحِدٌ وَتَتَنَاوَلُ الْجُمْلَةَ، وَإِنَّمَا صَحَّ رَهْنُ الْمُزَوَّجَةِ لِبَقَاءِ مُعْظَمِ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا وَبَقَائِهَا مَحَلًّا لِلْبَيْعِ، كَمَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَالرَّهْنُ يُفَارِقُ الْإِجَارَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ التَّزْوِيجَ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِ الْإِجَارَةِ، وَلَا يَمْنَعُ الْمُسْتَأْجِرَ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ لَهُ،
стр. 1489
وَأُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهَا فَجُعِلَتْ رَهْنًا، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ هِبَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَفَعَلَ، صَحَّ وَبَطَلَ الرَّهْنُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِ الرَّهْنِ، هُوَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا إِنَّمَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ، أَوْ يُنْقِصُ الثَّمَنَ فَيَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ كَامِلًا (وَإِنْ وَطئ) الرَّاهِنُ (الْجَارِيَةَ) الْمَرْهُونَةَ، فَقَدْ رَكِبَ مُحَرَّمًا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ مَنْ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْآيِسَةِ، وَالصَّغِيرَةِ كَالْمُعْتَدَّةِ، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَحْبَلُ فِيهِ يَخْتَلِفُ فَمُنِعَ مِنْهُ جُمْلَةً، لَكِنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا كَالِاسْتِخْدَامِ، فَإِنْ تَلِفَ جُزْءٌ مِنْهَا، أَوْ نَقَصَهَا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا تَلِفَ كَالْجِنَايَةِ تُجْعَلُ رَهْنًا مَعَهَا، وَإِلَّا قَضَاهُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ، وَجَزَمَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَقَالَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، وَالشِّيرَازِيُّ فِي " الْمُنْتَخَبِ ": إِنَّهُ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا عَلَى رَاهِنٍ إِلَّا بِشَرْطٍ، وَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ فَأَرْشُ الْبَكَارَةِ فَقَطْ كَجِنَايَةٍ (فَأَوْلَدَهَا خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ) ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ لَهُ، وَعِبَارَةُ الْأَكْثَرِ كَالْمُؤَلِّفِ، وَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْوِلَادَةِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلِ الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالْإِحْبَالِ (وَأُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهَا) حِينَ إِحْبَالِهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ بَدَلُهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا (فَجُعِلَتْ رَهْنًا) ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ، وَالْبَدَلُ يُعْطَى حُكْمُ مُبْدِلِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا إِذَا صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ مِنْ وَطْئِهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ. قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، فَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي سَبَبٍ يُنَافِي حَقَّهُ لَا يُقَالُ إِنَّمَا أَذِنَ بِالْوَطْءِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِي الْإِحْبَالِ لِإِفْضَائِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ فَالْإِذْنُ فِي سَبَبِهِ إِذْنٌ فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَقَرَّ بِالْوَطْءِ حَالَ الْعَقْدِ، أَوْ قَبْلَ لُزُومِهِ فَحُكْمُهُمَا وَاحِدٌ وَيَصِحُّ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ لُزُومِهِ فَيُقْبَلُ فِي حَقِّهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يُقْبَلُ وَيُحْتَمَلُ قَبُولُهُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ فِي مِلْكِهِ بِمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ.
(وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ هِبَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَوَقْفِهِ (فَفَعَلَ،
стр. 1490
رَهْنًا، أَوْ يُعَجِّلَ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَنَمَاءُ الرَّهْنِ وَكَسْبِهِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِنَ الرَّهْنِ وَمُؤْنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ وَكَفَنُهُ إِنْ مَاتَ وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ إِنْ كَانَ مَخْزُونًا، وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
صَحَّ) ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّهِ، فَإِذَا أَذِنَ زَالَ (وَبَطَلَ الرَّهْنُ) ؛ لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ يُنَافِي الرَّهْنَ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ مَا يُنَافِيهِ (إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا) مَكَانَهُ (أَوْ يُعَجِّلَ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ) ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ طَاعَةً وَيَلْزَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ جَازَ، فَكَذَا قَبْلَهُ، وَحَاصِلُهُ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَخَذَهُ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِلَّا بَقِيَ رَهْنًا، وَإِنْ شَرَطَ تَعْجِيلَ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، صَحَّ الْبَيْعُ وَلَغَا الشَّرْطَ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ رَهْنًا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَإِنْ بَاعَهُ بِإِذْنٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَيْنَهُ الْمُؤَجَّلَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، وَفِي كَوْنِ الثَّمَنِ رَهْنًا وَجْهَانِ وَيَلْغُو شَرْطَ التَّعْجِيلِ قَوْلًا وَاحِدًا.
فَرْعٌ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ قَبْلَ قَوْلِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ، فلو اتفقا عليه وَاخْتَلَفَا فِي الشَّرْطِ قَبْلَ قَوْلِ الرَّاهِنِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَنَمَاءُ الرَّهْنِ وَكَسْبُهُ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِنَ الرَّهْنِ) أَيْ: يَكُونُ فِي يَدِهِ كَالْأَصْلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا احْتِيجَ إِلَى بَيْعِهِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ بِيعَ مَعَ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ عَلَى الْعَيْنِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا ذَكَرَ كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَفِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ جُزْءٍ فَكَانَتْ مِنَ الرَّهْنِ كَقِيمَتِهِ إِذَا أَتْلَفَهُ إِنْسَانٌ، وَلَا فَرْقَ فِي النَّمَاءِ بَيْنَ الْمُتَّصِلِ كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، وَالْمُنْفَصِلِ كَالْكَسْبِ، وَالْأُجْرَةِ، وَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرَةِ، وَالصُّوفِ (وَمُؤْنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غَنَمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ مُتَّصِلٌ، وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ كَالطَّعَامِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى مُدَاوَاةٍ لِمَرَضٍ، أَوْ جُرْحٍ وَأُجْرَةِ مَنْ يَرُدُّهُ إِذَا أَبَقَ وَمُؤْنَةِ جِنَايَةٍ وَأُجْرَةِ تَسْوِيَةٍ وَجِدَادٍ وَتَجْفِيفٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ مَاشِيَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى إِطْرَاقٍ فَحْلٍ لَمْ يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ
стр. 1491
يَدِ الْمُرْتَهِنِ إِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَا يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً فِي الرَّهْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِبَقَائِهَا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ زِيَادَةً فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ (وَكَفَنُهُ إِنْ مَاتَ) كبقية مؤنة تَجْهِيزُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ لِمُؤْنَتِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ غُرْمِهِ (وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ إِنْ كَانَ مَخْزُونًا) كَأُجْرَةِ حَافِظِهِ (وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ فِعْلِهِ خَوْفًا مِنَ الضَّمَانِ وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَعْطِيلِ الْمُدَايَنَاتِ، وَالْقُرُوضِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَا يُضْمَنُ كَالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ. نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، كَبَعْدِ الْوَفَاءِ (إِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) . قَالَهُ عَلِيٌّ ﵁؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي تَلَفِهِ شَيْءٌ كَالْوَدِيعَةِ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ، أَوْ مَلَّكَهُ، أَوِ اسْتَعْمَلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى الْمُتَعَدِّي وَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ فَأَجْرَاهَا عَلَى ظَاهِرِهَا لِمَا رَوَى عَطَاءٌ «أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا فَنَفَقَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: " ذَهَبَ حَقُّكَ» ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ لِلِاسْتِيفَاءِ، فَيَضْمَنُهَا مَنْ قَبَضَهَا لِذَلِكَ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدٍ بَعْضُهُ أَمَانَةٌ فَكَانَ جَمِيعُهُ أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ وَحَدِيثُ عَطَاءٍ بِخِلَافِهِ مَعَ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ قَالَ: يَرْوِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ وَكَانَ كَذَّابًا، وَقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَوْ سَلِمَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ حَقُّكَ مِنَ الْوَثِيقَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ قَدْرِ الدَّيْنِ، أَوْ قِيمَتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا تَعَدَّى، أَوْ فَرَّطَ أَنَّهُ يَضْمَنُ كَالْوَدِيعَةِ، وَفِي بَقَاءِ الرَّهِينَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَمَانَةً وَاسْتِيثَاقًا فَبَقِيَ أَحَدُهُمَا وَجْهَانِ (وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ قَبْلَ التَّلَفِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ فَبَقِيَ بِحَالِهِ وَكَمَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ عَبْدًا يَبِيعُهُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَكَحَبْسِ عَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ بَعْدَ الْفَسْخِ عَلَى الْأُجْرَةِ بِخِلَافِ حَبْسِ الْبَائِعِ الْمُشْتَرِيَ عَلَى ثَمَنِهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي رِوَايَةٍ بِتَلَفِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ، وَالرَّهْنُ لَيْسَ بَعِوَضِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَسْقُطُ بِتَفَاسُخِهِمَا ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "
стр. 1492
وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، وَإِنْ رَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ فَوَفَّى أَحَدُهُمَا، انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ، وَإِنْ رَهَنَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ كُلَّهُ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الرَّهْنِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَبَضَ الرَّهْنَ فَوَجَدَهُ مُسْتَحَقًّا لَزِمَهُ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَالرَّهْنُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِنْ أَمْسَكَهُ مَعَ عَمَلِهِ حَتَّى تَلِفَ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، فَإِنْ ضَمِنَ الرَّاهِنُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ حَتَّى تَلِفَ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ فَثَالِثُهَا لِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ (وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَثِيقَةِ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الرَّهْنِ فَيَصِيرُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ الْحَقِّ وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، أَوْ لَا وَكَالضَّمَانِ، وَالشَّهَادَةِ.
تَنْبِيهٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي التَّلَفِ، وَقِيلَ: وَالرَّدُّ.
قَالَ أَحْمَدُ: فِي مُرْتِهِنٍ ادَّعَى ضَيَاعَهُ: إِنِ اتَّهَمَهُ أَحْلَفَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُحَلِّفْهُ، وَكَذَا إِنِ ادَّعَاهُ بِحَادِثٍ ظَاهِرٍ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالْحَادِثِ قَبْلَ قَوْلِهِ فِيهِ، وَكَذَا وَكَيْلٌ وَسَيَأْتِي. ١
(وَإِنْ رَهْنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ فَوَفَّى أَحَدُهُمَا: انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ فَكَأَنَّهُ رَهَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ مُنْفَرِدًا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَ الْآخَرِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ مُقَاسَمَةُ الْمُرْتَهِنِ لِمَا عَلَيْهِ فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ فَصَارَ جَمِيعُهُ رَهْنًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ طَلَبَ الْمُقَاسَمَةَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَنْقُصُهُ الْقِسْمَةُ كَالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ أُجِيبُ إِلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَيَبْقَى فِي يَدِهِ بَعْضُهُ رَهْنٌ وَبَعْضُهُ وَدِيعَةٌ (وَإِنْ رَهَنَهُ رَجُلَانِ شَيْئًا فَوَفَّاهُ أَحَدُهُمَا
стр. 1493
رَجُلَانِ شَيْئًا فَوَفَّاهُ أَحَدُهُمَا، انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ وَامْتَنَعَ مِنْ وَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ أَذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ أَو للْعَدْلِ فِي بَيْعِهِ بَاعَهُ وَوَفَّى الدَّيْنَ وَإِلَّا رُفِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ فَيُجْبِرُهُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ، أَوْ بَيْعِ الرَّهْنِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَاعَهُ الْحَاكِمُ وَقَضَى دَيْنَهُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ) ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مُتَعَدِّدٌ فَتَعَلَّقَ مَا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِنَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَنَقَلَ مُهَنَّا خِلَافَهُ، فَلَوْ رَهَنَ اثْنَانِ عَبْدًا لَهُمَا عِنْدَ اثْنَيْنِ بِأَلْفٍ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ عُقُودٍ، وَيَصِيرُ كُلُّ رُبْعٍ مِنْهُ رَهْنًا بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَمَتَى قَضَى فِي شَيْءٍ انْفَكَّ مِنَ الرَّهْنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
فَرْعٌ: إِذَا قَضَى بَعْضَ دَيْنِهِ، أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ وَبِبَعْضِهِ رَهْنٌ، أَوْ كَفِيلٌ فَعَمَّا نَوَاهُ، فَإِنْ أَطْلَقَ، وَلَمْ يَنْوِ فَلَهُ صَرْفُهُ إِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَصِ (وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ) لَزِمَ الرَّاهِنَ الْإِيفَاءُ، لِأَنَّهُ دَيْنٌ حَالٌّ فَلَزِمَ إِبْقَاؤُهُ كَالَّذِي لَا رَهْنَ بِهِ (وَامْتَنَعَ مِنْ وَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ أَذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ، أَوْ لِلْعَدْلِ فِي بَيْعِهِ بَاعَهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ، وَفِي بَيْعِهِ بِقِيمَتِهِ وَجْهَانِ بِإِذْنِ مُرْتَهِنٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لِحَقِّهِ، فَلَمْ يَجُزْ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ إِذْنٍ مِنَ الرَّاهِنِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: بَلَى حَكَاهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي قَضَاءِ الْحَقِّ منْ غَيْرِهِ (وَوَفَّى الدَّيْنَ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودَ بِالْبَيْعِ، وَمَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ لِمَالِكِهِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ، فَعَلَى الرَّاهِنِ (وَإِلَّا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَأْذِنْ فِي الْبَيْعِ، وَلَمْ يُوفِّ (رُفِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ فَيُجْبِرُهُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ، أَوْ بَيْعِ الرَّهْنِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْحَاكِمِ، فَإِنِ امْتَنَعَ حَبَسَهُ، أَوْ عَزَّرَهُ حَتَّى يَفْعَلَ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: أَصَرَّ عَلَى الْمَنْعِ، أَوْ كَانَ غَائِبًا، أَوْ تَغَيَّبَ. قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " (بَاعَهُ الْحَاكِمُ) عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ أَدَاؤُهُ (وَقَضَى دَيْنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهِ كَالْإِيفَاءِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّهِ، أَوْ إِذْنِ حَاكِمٍ، وَقِيلَ: بَلَى، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِهِ قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: ائْذَنْ فِيهِ وَخُذْ دَيْنَكَ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ أَبْرِئْهُ مِنْهُ.
فَرْعٌ: إِذَا جَهِلَ رَبُّ الرَّهْنِ وَأَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فَلِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ بِشَرْطٍ،
стр. 1494
فَصْلٌ وَ إِذَا شَرَطَ فِي الرَّهْنِ جَعْلَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، صَحَّ وَقَامَ قَبْضُهُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ وَإِنْ شَرَطَ جَعْلَهُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِحِفْظِهِ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ، وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا، وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِ الْعَدْلِ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ضمانه، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي إِذَنْ حَاكِمٍ فِي بَيْعِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَأَخْذِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ مَعَ عَدَمِهِ رِوَايَتَانِ كَشِرَاءِ وَكَيْلٍ.
[إِذَا شَرَطَ فِي الرَّهْنِ جَعْلَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ صَحَّ]
فَصْلٌ (وَإِذَا شَرَطَ فِي الرَّهْنِ جَعْلَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ فِي عَقْدٍ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَقَبْضِ الْمَوْهُوبِ (وَقَامَ قَبْضُهُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَخَالَفَ فِيهِ الْحَكَمُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ فَتَعَلَّقَ بِالْمُتَعَاقِدَيْنِ كَالْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ وَبِأَنَّهُ وَكِيلٌ وَقَبْضُهُ كَقَبْضِ الْمُوَكَّلِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ وُكِّلَ فِي الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ صَحَّ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوَازَ جَعْلِ الرَّهْنِ عَلَى يَدِ مَنْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ، وَهُوَ الْجَائِزُ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا، وَلَا عَبْدًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِسَيِّدِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَضْيِيعُهَا فِي الْحِفْظِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَا مُكَاتَبًا بِغَيْرِ جَعْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَنَافِعِهِ (وَإِنْ شَرَطَ جَعْلَهُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِحِفْظِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ لَمْ يَرْضَيَا إِلَّا بِحِفْظِهِمَا مَعًا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ كَالْوَصِيَّيْنِ، فَعَلَى هَذَا يُجْعَلُ فِي مَخْزَنٍ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُفْلٌ، وَإِنْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ.
(وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ، وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِ الْعَدْلِ) ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ مَا دَامَ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنِ الْأَمَانَةِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِ: وَلَا حَدَثَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا عَدَاوَةٌ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ نَقْلُهُ عَنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلِأَنَّهُمَا إِذَا لَمْ يَمْلِكَاهُ فَالْحَاكِمُ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى نَقْلِهِ جَازَ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا
стр. 1495
وَلَهُ رَدُّهُ إِلَيْهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ رَدُّهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إِلَى يَدِهِ، وإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ حَقَّ الْآخَرِ، فَإِنْ أَذِنَا لَهُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَبِعْ إِلَّا بِنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَعِدُوهُمَا (إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ) بِفِسْقٍ، أَوْ ضَعْفِهِ عَنِ الْحِفْظِ، أَوْ عَدَاوَةٍ فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ نَقَلُهُ عَنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ فِي مَقَامِهِ فِي يَدِهِ ضَرَرًا عَلَى الطَّالِبِ فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى شَخْصٍ بِصِفَاتِهِ جَازَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدْلٍ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي تَغَيُّرِ حَالِهِ بَحَثَ الْحَاكِمُ وَعَمَلَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَتَغَيَّرَ حَالُهُ فَلِلرَّاهِنِ رَفْعُ الْأَمْرِ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَضَعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ، فَإِنْ مَاتَ هُوَ، أَوِ الْعَدْلُ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِمَا إِمْسَاكُهُ إِلَّا بِرِضَاهُمَا (وَلَهُ) أَيْ: لِلْعَدْلِ (رَدُّهُ إِلَيْهِمَا) ، وَعَلَيْهِمَا قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مَقْطُوعٌ بِالْحِفْظِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْمَقَامُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ، فَإِنِ امْتَنَعَا أَجْبَرَهُمَا الْحَاكِمُ وَيُنَصِّبُ أَمِينًا يَقْبِضُهُ لَهُمَا إِذَا تَغَيَّبَا؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنَ الْحَقِّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَفَعَهُ إِلَى أَمِينٍ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعِهِمَا أَنَّهُ يَضْمَنُ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَهُ الْعَدْلُ عِنْدَ آخَرَ مَعَ وُجُودِهِمَا، فَإِنِ امْتَنَعَا، وَلَمْ يَجِدْ حَاكِمًا فَتَرَكَهُ عِنْدَ عَدْلٍ لَمْ يَضْمَنْ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُهُ إِلَى الْآخَرِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَدْلَ يُمْسِكُهُ لَهُمَا، وَأَحَدُهُمَا يُمْسِكُهُ لِنَفْسِهِ هَذَا إِذَا كَانَا حَاضِرَيْنِ، فَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَدْلِ عُذْرٌ رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ يَقْبِضُهُ مِنْهُ، أَوْ نَصَّبَ عَدْلًا يَقْبِضُهُ لَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا أَوْدَعَهُ ثِقَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَالْغَيْبَةُ بَعِيدَةٌ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَثِقَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً فَكَالْحَاضِرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَاضِرًا فَكَالْغَائِبَيْنِ (وَلَا يَمْلِكُ رَدَّهُ إِلَى أَحَدِهِمَا) ؛ لِأَنَّ لِلْآخَرِ حَظًّا فِي إِمْسَاكِهِ فِي يَدِهِ، وَفِي رَدِّهِ إِلَى أَحَدِهِمَا تَضْيِيعٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَاضِرًا، وَالْآخَرُ مُسَافِرًا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِ (فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إِلَى يَدِهِ) أَيْ: إِلَى يَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ عَوْدًا لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحَقِّهِ (وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ حَقَّ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ مَا اسْتَحَقَّهُ بِعَقْدِ الرَّهْنِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ (فَإِنْ أَذِنَا لَهُ) أَيْ: لِلْعَدْلِ (فِي الْبَيْعِ لَمْ يَبِعْ إِلَّا بِنَقْدِ الْبَلَدِ) ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ لِلرَّوَاجِ فِيهِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقُودٌ بَاعَ بِجِنْسِ
стр. 1496
نُقُودٌ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جِنْسُ الدَّيْنِ بَاعَ بِمَا يَرَى أَنَّهُ أَصْلَحُ وَإِنْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَتَلَفَ فِي يَدِهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ، وَإِنِ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ رَجَعَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى وَفَاءِ الْحَقِّ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جِنْسُ الدَّيْنِ بَاعَ بِمَا يَرَى أَنَّهُ أَصْلَحُ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ فِيمَا هُوَ مُتَوَلِّيهِ كَالْحَاكِمِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبِيعُ بِأَغْلَبِ نُقُودِهِ إِذَا تَعَدَّدَتْ، فَإِنْ تَسَاوَتْ فَبِجِنْسِ الدَّيْنِ، فَإِنْ عُدِمَ فَبِمَا ظَنَّهُ أَصْلَحَ، فَإِنْ تَسَاوَتْ عُيِّنَ حَاكِمٌ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْأَحَظِّ، وَأَبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ، فَإِنْ عَيَّنَا نَقْدًا تَعَيَّنَ، وَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَإِنَّ اخْتَلَفَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَعَلَى هَذَا يُرْفَعُ إِلَى الْحَاكِمِ وَيَأْمُرُ بِبَيْعِهِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَقِّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَافَقَ قَوْلَ أَحَدِهِمَا، أَوْ لَمْ يُوَافِقْ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ.
(وَإِنْ) بَاعَ بِإِذْنِهِمَا، ثُمَّ (قَبَضَ الثَّمَنَ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ) مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ (فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي يَدِ الْعَدْلِ أَمَانَةٌ فَهُوَ كَالْوَكِيلِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِهِ مِنَ الْمُشْتَرِي فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ لِلْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَإِنِ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَهُ فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْعَدْلِ وَمَحَلُّهُ إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وَكِيلٌ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، لَا يُقَالُ: يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَدْلِ لِكَوْنِهِ قَبَضَ الثَّمَنَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ أَمِينٌ فِي قَبْضِهِ يُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُفْلِسًا، أَوْ مَيِّتًا فَالْمُرْتَهِنُ، وَالْمُشْتَرِي أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي الذِّمَّةِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ لَوْ بَانَ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ دَفْعِ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَكَانِ رجوعه عَلَيْهِ،
стр. 1497
الْمُشْتَرِي عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنِ ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، فَأَنْكَرَ، وَلَمْ يَكُنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ ضَمِنَ، وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوِ الْعَدْلُ صَحَّ، وَإِنْ عَزَلَهُمَا، صَحَّ عَزْلُهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَمَا لَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ، فَلَوْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ، أَوِ الْوَكِيلُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَكِيلٌ.
(وَإِنِ ادَّعَى) أَيْ: الْعَدْلُ (دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، فَأَنْكَرَ، وَلَمْ يَكُنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ ضَمِنَ، وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ بِالْإِشْهَادِ، فَلَمْ يَفْعَلْ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَدْلَ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، وَأَنْكَرَ، وَلَا بَيِّنَةَ لِلْعَدْلِ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ، وَلَمْ يُشْهِدْ فَيَضْمَنَ لِتَفْرِيطِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِ مُوَكِّلِهِ إِلَّا أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ. والثَّانِي: مُطْلَقٌ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ حَيْثُ لَمْ يُشْهِدْ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي قَضَاءٍ مُبَرِئٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ وَحِينَئِذٍ فَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى رَاهَنِهِ، ثُمَّ هُوَ عَلَى الْعَدْلِ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ بِغَيْرٍ بَيِّنَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ قَائِمَةً، أَوْ مَعْدُومَةً، وَشَرْطُهُ عَدَالَتُهُمْ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ.
صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَضْمَنُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
وَفِي " الشَّرْحِ "، وَغَيْرُهُ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ عَلَى الرَّاهِنِ لَا الْمُرْتَهِنِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ وَكِيلُ الرَّاهِنِ فِي دَفْعِ الثَّمَنِ وَوَكِيلُ الْمُرْتَهِنِ فِي الْحِفْظِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي حَقِّهِ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي إِسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ عَنْ غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، فَعَلَيْهِ إِذَا حَلَفَ الْعَدْلُ سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ قَبَضَهُ (وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ) فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ.
(وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوِ الْعَدْلُ، صَحَّ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَهْلٌ لِلْوِكَالَةِ، فَصَحَّ كَالْأَجْنَبِيِّ وَيَصِحُّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ، فَصَحَّ
стр. 1498
وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ، وإِنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَفِي صِحَّةِ الرَّهْنِ رِوَايَتَانِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَمَا لَوْ شَرَطَ صِفَةً فِيهِ (وَإِنْ عَزَلَهُمَا، صَحَّ عَزْلُهُ) فِي الْمَنْصُوصِ كَسَائِرِ الْوِكَالَاتِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُتَوَجَّهُ لَنَا أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ مَنَعَ الْحِيلَةَ، وَهَذَا يَفْتَحُ بَابَ الْحِيلَةِ لِلرَّاهِنِ، فَإِنَّهُ يَشْرُطُ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ فَيُجِيبُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَعْزِلُهُ، وَلِأَنَّ وِكَالَتَهُ صَارَتْ مِنْ حُقُوقِ الرَّهْنِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إِسْقَاطُهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الرَّهْنَ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ لَازِمًا.
(وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ) أَيْ: حُلُولُ الْحَقِّ فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ. وَمِثْلُهُ إِذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُسْتَوْفَي الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ لَا يُبَاعَ مَا خِيفَ تَلَفُهُ، أَوْ يَبِيعُ الرَّهْنَ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ، أَوْ لَا يَبِيعُهُ إِلَّا بِمَا يُرْضِيهِ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلرَّاهِنِ، أَوْ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَقْدُ لَازِمًا فِي حَقِّهِ، أَوْ بِوَقْتِ الرَّهْنِ (وَإِنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ) أَيْ: بِالدَّيْنِ، أَوْ فَهُوَ مَبِيعٌ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْكَ (لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ قُلْتُ لِأَحْمَدَ مَا مَعْنَى: لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ؛ قَالَ: لَا يَدْفَعُ رَهْنًا إِلَى رَجُلٍ، وَيَقُولُ: إِنْ جِئْتُكَ بِالدَّرَاهِمِ إِلَى كَذَا، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْعَ عَلَى شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مَبِيعًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ الْحَقَّ فِي مَحَلِّهِ، وَالْبَيْعُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ لَا يَصِحُّ (وَفِي صِحَّةِ الرَّهْنِ رِوَايَتَانِ) مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْبَيْعِ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَغَيْرِهِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَنَصَرَهُ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ فَأَفْسَدَهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ تَوْفِيتَهُ. وَالثَّانِيَةُ: لَا، نَصَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُؤُوسِ الْمَسَائِلِ " وَاسْتَدَلَّ بِالْخَبَرِ فَنَفَى غَلْقَ الرَّهْنِ دُونَ أَصْلِهِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا، وَلَمْ يَحْكُمْ بِفَسَادِهِ، وَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ بِفَسَادِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ يُبْطِلُهُ وَجْهًا وَاحِدًا وَمَا لَا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ شَرَطَ رَهْنًا مُوَقَّتًا، أَوْ شَرَطَهُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا، فَسَدَ الرَّهْنُ وَهَلْ يَفْسُدُ بِسَائِرِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ، وَحَكَى فِي " الْمُغْنِي ".
стр. 1499
فَصْلٌ إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، أَوِ الرَّهْنِ، أَوْ رَدَّهُ أَوْ قَالَ: أَقْبَضْتُكَ عَصِيرًا قَالَ: بَلْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: يُحْتَمَلُ فَسَادُ الرَّهْنِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ إِنَّمَا بَذَلَ مِلْكَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ أَفْضَى إِلَى أَخْذِ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، لَكِنْ تُرِكَ فِيهِ لِلْأَثَرِ، ثُمَّ إِذَا بَطَلَ وَكَانَ فِي بَيْعٍ فَفِي بُطْلَانِهِ لِأَخْذِهِ حَظًّا مِنَ الثَّمَنِ أَمْ لِانْفِرَادِهِ عَنْهُ كَمَهْرٍ فِي نِكَاحٍ احْتِمَالَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَبَايَعَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ رَهْنًا عَلَى ثَمَنِهِ لَمْ يَصِحَّ. قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ حِينَ شَرَطَ رَهْنَهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ أَنَّهُ يَقْبِضُهُ، ثُمَّ يَرْهَنُهُ، أَوْ شَرَطَ رَهْنَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَعَنْهُ: إِذَا حَبَسَ الْمَبِيعَ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ فَهُوَ غَاصِبٌ، وَلَا يَكُونُ رَهْنًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الشَّرْطِ، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا غَيْرَ الْمَبِيعِ فَيَكُونُ لَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الرَّهْنَ، فَإِنْ لَمْ يَفِ لَهُ، وَإِلَّا فَسَخَ الْبَيْعَ.
[إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ أَوِ الرَّهْنِ]
فَصْلٌ (إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الدَّيْنِ) بِأَنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ رَهَنْتَنِي عَلَيْهَا عَبْدَكَ فُلَانًا فَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ هِيَ مِائَةٌ (أَوِ الرَّهْنِ) بِأَنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: هَذَا الْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ فَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ أَحَدُهُمَا. قُدِّمَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، فَكَذَا فِي صِفَتِهِ (أَوْ رَدَّهُ) بِأَنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: رَدَدْتُهُ إِلَيْكَ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: لَمْ أَقْبِضْهُ قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، وَالْمُرْتَهِنُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَتِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ كَالْمُسْتَأْجِرِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَفِي " التَّذْكِرَةِ " أنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ فِي الرَّدِّ لَمْ يَحْلِفْ، فَلَوْ طَلَبَ مِنْهُ الرَّدَّ وَقَبِلَ قَوْلَهُ فَهَلْ لَهُ تَأْخِيرُهُ لِيُشْهِدَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، إِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا فَلَا (أَوْ قَالَ: أَقْبَضْتُكَ عَصِيرًا قَالَ) الْمُرْتَهِنُ: (بَلْ خَمْرًا) فِي عَقْدٍ مَشْرُوطٍ فِيهِ الرَّهْنُ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِيمَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ فَقُبِلَ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُعْتَرِفٌ بِعَقْدٍ وَقَبْضٍ، وَيَدَّعِي فَسَادَهُ، وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ.
стр. 1500
خَمْرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ رَهْنِهِ، عَتَقَ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ جَنَى، أَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ، أَوْ غَصَبَهُ قُبِلَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إِلَّا أَنْ يَصَدِّقَهُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَرْسَلْتَ وَكِيلَكَ فَرَهَنَنِي عَبْدَكَ هَذَا عَلَى عِشْرِينَ قَبَضَهَا قَالَ: مَا أَمَرْتُهُ إِلَّا بِعَشَرَةٍ وَصَارَتْ إِلَيَّ سُئِلَ الرَّسُولُ، فَإِنْ صَدَّقَ الرَّاهِنَ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ دُونَ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا حَلَفَ الْوَكِيلُ بَرِئَا مَعًا، وَإِنْ نَكَّلَ فَعَلَيْهِ الْعَشَرَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ صَدَّقَ الْمُرْتَهِنَ وَادَّعَى أَنَّهُ سَلَّمَ الْعِشْرِينَ إِلَى الرَّاهِنِ قُبِلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْعَشَرَةِ وَيَدْفَعُ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَعَلَى الْوَكِيلِ غَرَامَةُ الْعِشَرَةِ لِلْمُرْتَهِنِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ رَهْنِهِ عَتَقَ) ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي الْإِقْرَارِ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَنْشَأَ ذَلِكَ عَتَقَ، فَكَذَا إِذَا أَخْبَرَ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ إِنْشَاءُ عَقْدٍ، صَحَّ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِهِ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ (وَ) عَلَى الْأَوَّلِ (أُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا) مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْوَثِيقَةَ بِالْعِتْقِ فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ تُجْعَلُ رَهْنًا جَبْرًا لِمَا فَاتَهُ مِنَ الْوَثِيقَةِ هَذَا إِذَا كَانَ مُوسِرًا، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَعَلَى مَا سَبَقَ، وَشَرْطُهُ أَنْ يُكَذِّبَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ جَنَى، أَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ، أَوْ غَصَبَهُ قُبِلَ عَلَى نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ (وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ) أَيْ: مَعَ تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ وَقَوْلُ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَعَلَى هَذَا إِذَا كَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ لَمْ يُسْمَعْ قَوْلُهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ لَزِمَهُ أَرْشُهَا إِنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَبَيْنَ رَقَبَةِ الْجَانِي بِفِعْلِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا تَعَلَّقَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِرَقَبَتِهِ إِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ. وَحِينَئِذٍ فَيَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي، وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ الرَّهْنَ إِذَا انْفَكَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ حَالًّا وَمَآلًا خُولِفَ فِي الْحَالِ لِأَجْلِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَمَتَى زَالَ عَمِلَ الْمُقْتَضَى عَمَلَهُ.
وَفِي " الشَّرْحِ " يُلْزِمُهُ قِيمَتُهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِرَهْنِهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، لَكِنْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ (إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ) ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ
стр. 1501
فَصْلٌ وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ مَرْكُوبًا، أَوْ مَحْلُوبًا فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْكَبَ وَيَحْلِبَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى السَّالِمِ عَنِ الْمَعَارِضِ، وَقِيلَ: إِنْ أَقَرَّ بِبَيْعِهِ، أَوْ غَصْبِهِ، أَوْ جِنَايَتِهِ، وَهُوَ مُوسِرٌ كَإِقْرَارِهِ بِنَسَبٍ مُطْلَقًا، صَحَّ وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ رَهْنًا كَالْعِتْقِ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ إِقْرَارُهُ مَجَّانًا، وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ.
[الرَّهْنُ الْمَرْكُوبُ وَالْمَحْلُوبُ]
فَصْلٌ (وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ مَرْكُوبًا، أَوْ مَحْلُوبًا فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْكَبَ وَيَحْلِبَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّهْنَ يَنْقَسِمُ إِلَى حَيَوَانٍ، وَغَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: إِذَا كَانَ مَرْكُوبًا، أَوْ مَحْلُوبًا.
فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ وَأَحْمَدِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْكَبَ وَيَحْلِبَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ (مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ نَفَقَتُهُ وَاجِبَةٌ وَلِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقٌّ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ فَجَازَ، كَمَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَخْذُ مُؤْنَتِهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، لَا يُقَالُ: مِنْ مَنَافِعِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الرَّاهِنَ يُنْفِقُ وَيَنْتَفِعُ؛ لِأَنَّهُ مَدْفُوعٌ بِمَا رُوِيَ: إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا. فَجَعَلَ الْمُرْتَهِنَ هُوَ الْمُنْفِقَ فَيَكُونُ هُوَ الْمُنْتَفِعَ، وَقَوْلُهُ: بِنَفَقَتِهِ أَيْ: بِسَبَبِهَا، إِذِ الِانْتِفَاعُ عِوَضُ النَّفَقَةِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى مِنَ الْمُرْتَهِنِ أَمَّا الرَّاهِنُ فَإِنْفَاقُهُ، وَانْتِفَاعُهُ لَيْسَا بِسَبَبِ الرُّكُوبِ، وَلَوْ تُرِكَتْ لَذَهَبَتْ مَجَّانًا، وَكَذَا اللَّبَنُ لَوْ تُرِكَ لَفَسَدَ وَبَيْعُهُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا مُتَعَذِّرٌ، وَالْحَيَوَانُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ، فَقَدْ يَتَعَذَّرُ مِنَ الْمَالِكِ وَبَيْعُ بَعْضِ الرَّهْنِ فِيهَا قَدْ يُفَوِّتُ الْحَقَّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا أَنْفَقَ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ، فَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَنْتَفِعْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ إِنْ فَضَلَ مِنَ اللَّبَنِ شَيْءٌ، وَلَمْ يُمْكِنْ بَقَاؤُهُ إِلَى حُلُولِ الدَّيْنِ فَلَهُ بَيْعُهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَإِلَّا بَاعَهُ الْحَاكِمُ، وَعَنْهُ: لَا يَحْتَسِبُ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ، وَلَا يَنْتَفِعُ مِنَ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ لَهُ غُنْمُهُ،
стр. 1502
مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ بِغَيْرِ إِذْنِ الرَّاهِنِ مَعَ إِمْكَانِهِ فَهُوَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَ إِسْنَادَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَغَيْرِ الرَّهْنِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ ويدخل فِي الْمَحْلُوبِ مَا إِذَا كَانَتْ أُمُّهُ مُرْضِعَةً، فَلَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَهَا بقدر نفقتها، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَمْدَانَ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنْفِقَ مَعَ تَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنَ الرَّاهِنِ لِغَيْبَةٍ، أَوِ امْتِنَاعٍ، أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ، أَوِ اسْتِئْذَانِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: مَعَ غَيْبَةِ رَبِّهِ، زَادَ ابْنُ حَمْدَانَ، أَوِ امْتِنَاعِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْمَرْكُوبِ، وَالْمَحْلُوبِ كَالْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ فَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَيَسْتَخْدِمَهُ بِقَدْرِهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَصْرًا لِلنَّصِّ عَلَى مَوْرِدِهِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى لِفَهْمِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ ذَهَابُ الْمَنْفَعَةِ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُسْتَخْدَمُ الْعَبْدُ، وَفِي " الْكَافِي " إِنَّهُ قَدْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ قَرْضٍ، فَإِنْ كَانَ قَرْضًا لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ حِذَارًا مِنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً.
الْقِسْمُ الثَّانِي: غير ذلك وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُؤْنَةٍ كَالدَّارِ، وَالْمَتَاعِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَهُ، نَعَمْ إِنْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الِانْتِفَاعِ، وَلَمْ يَكُنِ الدَّيْنُ عَنْ قَرْضٍ جَازَ لِوُجُودِ طِيبِ النَّفْسِ.
(وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ) أَيِ الْحَيَوَانِ (بِغَيْرِ إِذَنِ الرَّاهِنِ مَعَ إِمْكَانِهِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ) أَيْ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ.
صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِعِوَضِهِ كَالصَّدَقَةِ عَلَى مِسْكِينٍ، أَوْ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ حَيْثُ لَمْ يَسْتَأْذِنِ الْمَالِكَ، إِذِ الرُّجُوعُ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فَافْتَقَرَ
стр. 1503
مُتَبَرِّعٌ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْحَاكِمَ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ، وَفِي نَفَقَةِ الْجِمَالِ إِذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا فِي يَدِ الْمُكْتَرِي، وَإِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ فَعَمَّرَهَا الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ إِذْنِ الرَّاهِنِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
فَصْلٌ وَإِذَا جَنَى الرَّهْنُ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ وَلِسَيِّدِهِ فِدَاؤُهُ بِالْأَقَلِّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَى الْإِذْنِ، وَالرِّضَى كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَاقْتَضَى أَنَّهُ إِذَا أَنْفَقَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِيهِ (وَإِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْحَاكِمَ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَرْجِعُ، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِحِرَاسَةِ حَقِّهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُعَاوَضَةٌ فَافْتَقَرَتْ إِلَى رِضَى الْمَالِكِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ وَاسْتَأْذَنَ الْحَاكِمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَالِكِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " إِذَا تَعَذَّرَ رَجَعَ إِنْ أَشْهَدَ بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَ، أَوْ نَفَقَةِ مِثْلِهِ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ، وَفِي نَفَقَةِ الْجِمَالِ إِذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا فِي يَدِ الْمُكْتَرِي) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ أَشْبَهَتِ الرَّهْنَ، وَذَكَرَ الْجَمَّالَ عَلَى سَبِيلِ ضَرْبِ الْمِثَالِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ حَيَوَانٍ مُؤَجَّرٍ كَذَلِكَ (وَإِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ فَعَمَّرَهَا الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ إِذَنِ الرَّاهِنِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ عِمَارَتَهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى الرَّاهِنِ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ لِحُرْمَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ لَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِقَدْرِ عِمَارَتِهَا وَلَهُ الرُّجُوعُ بِآلَتِهِ فَقَطْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَبِمَا يَحْفَظُ بِهِ مَالِيَّةَ الدَّارِ وَأَطْلَقَ فِي " النَّوَادِرِ " أَنَّهُ يَرْجِعُ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ عَمَّرَ وَقْفًا بِالْمَعْرُوفِ لِيَأْخُذَ عِوَضَهُ أَخَذَهُ مِنْ مُغِلِّهِ.
[حُكْمُ الرَّهْنِ إِذَا جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ]
فَصْلٌ
(وَإِذَا جَنَى الرَّهْنُ) كَالْعَبْدِ (جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ) سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى إِنْسَانٍ، أَوْ مَالِهِ
стр. 1504
مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يَبِيعُهُ فِي الْجِنَايَةِ، أَوْ يُسَلِّمُهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكُهُ، وَعَنْهُ: إِنِ اخْتَارَ فَدَاءَهُ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَرْشِ، فَإِنْ فَدَاهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ سَلَّمَهُ بَطَلَ الرَّهْنُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ وَبَاقِيهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ) أَيْ: بِرَقَبَةِ الْجَانِي، وَقُدِّمَتْ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ، وَالْمِلْكُ أَقْوَى مِنَ الرَّهْنِ فَأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الرَّهْنِ. لَا يُقَالُ: حَقُّ الْمُرْتَهِنِ يُقَدَّمُ أَيْضًا عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ بِعَقْدِهِ، بِخِلَافِ حَقِّ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّهِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا ثَبَتَ بِعَقْدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْجِنَايَةِ يَخْتَصُّ بِالْعَيْنِ فَيَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْعَيْنِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا فَكَانَ تَعَلُّقُهُ بِهَا أَخَفَّ وَأَدْنَى (وَلِسَيِّدِهِ فِدَاؤُهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْأَرْشُ أَقَلَّ فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ، فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَكْثَرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ عِوَضٌ عَنِ الْعَبْدِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ (أَوْ يَبِيعُهُ فِي الْجِنَايَةِ، أَوْ يُسَلِّمُهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكُهُ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي قِيمَتِهِ لَا فِي عَيْنِهِ فَيَثْبُتُ التَّخْيِيرُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ (وَعَنْهُ: إِنِ اخْتَارَ فَدَاءَهُ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَرْشِ) بَالِغًا مَا بَلَغَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا رَغِبَ فِيهِ رَاغِبٌ فَيَشْتَرِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ (فَإِنْ فَدَاهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ قَائِمٌ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، فَلَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ (وَإِنْ سَلَّمَهُ) فِي الْجِنَايَةِ، أَوْ بَاعَهُ (بَطَلَ الرَّهْنُ) ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَعَلَّقَتْ بِالْعَبْدِ وَبِالتَّسْلِيمِ اسْتَقَرَّ كَوْنُهُ عِوَضًا عَنْهَا، فَبَطَلَ كَوْنُهُ مَحَلًّا لِلرَّهْنِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ، أَوْ ظَهَرَ مُسْتَحِقًّا لِغَيْرِهِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ) أَيْ: قِيمَةَ الْعَبْدِ (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ إِنَّمَا جَازَ ضَرُورَةً، فَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَقِّ (وَبَاقِيهِ رَهْنٌ) لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ، لَكِنْ إِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِيعَ كُلُّهُ لِلضَّرُورَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِبَيْعِهِ، وَيَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ رَهْنًا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي " (وَقِيلَ: يُبَاعُ جَمِيعُهُ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْبَعْضِ تَشْقِيصٌ لَهُ، وَهُوَ عَيْبٌ يَنْقُصُ بِهِ الثَّمَنُ، وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْمَالِكِ، وَالْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ لِقَوْلِهِ
стр. 1505
رَهْنٌ، وَقِيلَ: يُبَاعُ جَمِيعُهُ، وَيَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ رَهْنًا وَإِنِ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ فِدَاءَهُ فَفَدَاهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ رَجَعَ بِهِ، وَإِنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقَصَاصِ فَإِنِ اقْتَصَّ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا قِيمَةً تُجْعَلُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
﵇: «لَا ضَرَرَ، وَلَا إِضْرَارَ» . (وَ) حِينَئِذٍ (يَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ) بَعْدَ دَفْعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ (رَهْنًا) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الرَّهْنِ، وَعِوَضٌ عَنْهُ، فَتَعَلَّقَ بِهِ مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمُبْدَلِهِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْبُلْغَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ " الْوَجْهَيْنِ كَأَبِي الْخَطَّابِ، فَإِنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُرْتَهِنُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ.
(وَإِنِ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ فِدَاءَهُ) فِي كَمْ يَفْدِيهِ (فَفَدَاهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ رَجَعَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى بِإِذْنِ مَالِكِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَيْهِ كَقَضَاءِ دِينِهِ بِإِذْنِهِ (وَإِنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ مَا إِذَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ وَتَرَكَهُ الْمُؤَلِّفُ لِظُهُورِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَرِّعَ لَا رُجُوعَ لَهُ، لَكِنْ لَوْ زَادَ فِي الْفِدَاءِ عَلَى الْوَاجِبِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، فَلَوْ بَذَلَ الْمُرْتَهِنُ الْفِدَاءَ لِتَكُونَ الْعَيْنُ رَهْنًا عَلَيْهِ، وَعَلَى الدَّيْنِ الْأَوَّلِ.
فَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ يَمْلِكُ بَيْعَ الرَّهْنِ، وَإِبْطَالَهُ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الْجَائِزِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالزِّيَادَةُ فِيهِ قَبْلَ لُزُومِهِ جَائِزَةٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ رَهْنٌ بِدَيْنٍ، فَلَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ بِدَيْنٍ آخَرَ كَغَيْرِهِ.
[حُكْمُ الرَّهْنِ إِذَا جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقَصَاصِ]
(وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقَصَاصِ) فَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ، وَالْأَرْشُ الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ أَشْبَهَ الْعَبْدَ الْمُسْتَأْجَرَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَيْسَ لَهُ الْقَصَاصُ بِغَيْرِ رِضَى الْمُرْتَهِنِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنَ الْوَثِيقَةِ، وَجَوَابُهُ بِإِيجَابِ الْقِيمَةِ تُجْعَلُ رَهْنًا، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنَ الْوَثِيقَةِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ تَرَكَ السَّيِّدُ الْمُطَالِبَةَ، أَوْ أَخَّرَهَا لِغَيْبَةٍ، أَوْ لَهُ عُذْرٌ مِنْهَا فَلِلْمُرْتَهِنِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُوجِبِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَانِي سَيِّدَهُ (فَإِنِ اقْتَصَّ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا قِيمَةً تُجْعَلُ مَكَانَهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا اسْتُحِقَّ بِسَبَبِ إِتْلَافِ الرَّهْنِ، فَغَرِمَ
стр. 1506
مَكَانَهُ وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ هُوَ، أَوْ وَرَثَتُهُ، وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ فَمَا قَبَضَ مِنْهُ جُعِلَ مَكَانَهُ، وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْمَالِ، صَحَّ فِي حَقِّهِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ رُدَّ إِلَى الْجَانِي، وَقَالَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قِيمَتَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ وَإِنَّمَا وَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِيَّةِ، وَالْوَاجِبُ مِنَ الْمَالِ هُوَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي عَشَرَةً، وَالْجَانِي خَمْسَةً، أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا الْخَمْسَةُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى لَمْ يُفَوِّتْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إِلَّا ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَفِي الثَّانِيَةِ: لَمْ يَكُنْ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقًا إِلَّا بِذَلِكَ الْقَدْرِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " إِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ أُخِذَتْ قِيمَتُهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّاهِنِ جَمِيعُ قِيمَةِ الْجَانِي.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الرَّهْنِ فَكَانَ كُلُّهُ رَهْنًا، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ صُرِّحَ بِخِلَافِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ مَالٌ، وَلَا اسْتُحِقَّ بِحَالٍ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي اكْتِسَابِ مَالٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَصَاصُ قَتْلًا، فَإِنْ كَانَ جُرْحًا، أَوْ قَلْعَ سِنٍّ وَنَحْوِهِ فَالْوَاجِبُ بِالْعَفْوِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحِ، أَوْ قِيمَةُ الْجَانِي، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا انْبَنَى عَلَى مُوجَبِ الْعَمْدِ (وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ هُوَ، أَوْ وَرَثَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحُكْمِ كَمَا إِذَا جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَاقْتَصَّ الرَّاهِنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ مَعْنًى، فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا حُكْمًا.
(وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ) ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنُ، وَيَجِبُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، فَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا، أَوْ يَأْخُذَ عَنْهَا عَرَضًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ أَذِنَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا (فَمَا قَبَضَ مِنْهُ جُعِلَ مَكَانَهُ) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُ فَيُعْطَى حُكْمَهُ (وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْمَالِ، صَحَّ فِي حَقِّهِ) فَيَسْقُطُ حَقُّهُ. قَالَهُ الْقَاضِي (وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ صَادَفَ حَقًّا لَهُ وَحَقًّا لِغَيْرِهِ، فَصَحَّ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ مِنَ الْجَانِي تَكُونُ رَهْنًا (فَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ رُدَّ إِلَى الْجَانِي) لِزَوَالِ
стр. 1507
أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْجَارِيَةَ من غير شُبْهَةً فَعَلَيْهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَانِعِ وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ الرَّهْنَ مَغْصُوبٌ، أَوْ جَانٍ، فَإِنِ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ مِنَ الْأَرْشِ.
فَفِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ الْجَانِي عَلَى الْعَافِي؛ لِأَنَّ مَالَهُ ذَهَبَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ، كَمَا لَوِ اسْتَعَارَهُ فَرَهَنَهُ، وَالثَّانِي: لَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْجَانِي مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ، فَإِنَّمَا اسْتَوْفَى بِسَبَبٍ مِنْهُ حَالَ مُلْكِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى إِنْسَانٌ عَلَى عَبْدِهِ، ثُمَّ رَهَنَهُ لِغَيْرِهِ فَتَلِفَ بِالْجِنَايَةِ السَّابِقَةِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ الْعَفْوُ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ دَيْنَهُ عَنْ غَرِيمِهِ، فَصَحَّ كَسَائِرِ دُيُونِهِ (وَ) تَجِبُ (عَلَيْهِ قِيمَتُهُ) تَكُونُ رَهْنًا لِيَنْجَبِرَ بِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ كَالرَّهْنِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَسْقَطْتُ حَقِّي مِنْ ذَلِكَ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ الرَّاهِنَ ولا يضره، وَإِنْ قَالَ: أَسْقَطْتُ الْأَرْشَ، أَوْ أَبْرَأْتُ مِنْهُ لَمْ يَسْقُطْ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الرَّاهِنِ وَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ وَكَذَّبَاهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلِلرَّاهِنِ الْأَرْشُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ وَحْدَهُ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالْأَرْشِ وَلَهُ قَبْضُهُ، فَإِذَا قَضَى الرَّاهِنُ حَقَّهُ، أَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ رَجَعَ الْأَرْشُ إِلَى الْجَانِي، فَإِنِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنَ الْأَرْشِ لَمْ يَمْلِكِ الْجَانِي مُطَالَبَةَ الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ.
(وَإِنْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْجَارِيَةَ من غير شُبْهَةً) فَهُوَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) أَيْ: إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي إِبَاحَةِ الْوَطْءِ مَعَ أَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَأْجَرَةِ يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ مُلْكِهِ لِمَنَافِعِهَا، فَهَذَا أَوْلَى، وَعَنْهُ: لَا حَدَّ.
стр. 1508
الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَإِنْ وَطِئَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَادَّعَى الْجَهَالَةَ وَكَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا مَهْرَ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهَا (وَالْمَهْرُ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ الْمَمْلُوكَةَ لِسَيِّدِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا كَأَرْشِ بَكَارَتِهَا، وَظَاهِرُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكْرَهَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ اعْتَقَدَ الْحِلَّ أَوْ لَا، أَوِ ادَّعَى شُبْهَةً، أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ آدَمِيٌّ، فَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبَهَاتِ (وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ.
(وَإِنْ وَطِئَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَادَّعَى الْجَهَالَةَ) بِالتَّحْرِيمِ (وَكَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ) كَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ، أَوْ حَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِهَا (وَلَا مَهْرَ) ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِسَبَبِ الْوَطْءِ، وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا بِإِذْنِهِ، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجِبْ عِوَضُهَا كَالْحُرَّةِ الْمُطَاوِعَةِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا مُعْتَقَدًا إِبَاحَةَ وَطْئِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا يَظُنُّهَا أَمَتَهُ (لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) بِخِلَافِ الْمَغْرُورِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ عَنْ وَطْءٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَةُ الْوَلَدِ كَالْمَهْرِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَسْقُطُ قِيمَةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ أَحَالَ بَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ مَالِكِهِ بِاعْتِقَادِهِ فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كَالْمَغْرُورِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالْوَلَدِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْإِذْنَ صَرِيحٌ فِي الْوَطْءِ الْمُوجِبِ لِلْمَهْرِ فَأَسْقَطَهُ بِخِلَافِ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْإِحْبَالِ، فَلَمْ يُسْقِطْهُ.
قَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ إِذْنٌ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ كَالْمَهْرِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَعَ الْإِذْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِثْلُهُ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ كَالنَّاشِئِ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ فَدَعْوَاهُ الْجَهْلَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَيَكُونُ وَلَدُهُ رَقِيقًا.
مَسْأَلَةٌ: لَهُ بَيْعُ مَا جَهِلَ رَبَّهُ إِنْ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَرَفَهُمْ خَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْأَجْرِ وَيُغْرَمُ لَهُمْ، وَفِي إِذْنِ حَاكِمٍ فِي بَيْعِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَأَخْذِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ مَعَ عَدَمِهِ رِوَايَتَانِ، كَشِرَاءِ وَكِيلٍ.
стр. 1509
بَابُ الضَّمَانِ وَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ.
وَلِصَاحِبِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ الضَّمَانِ] [تَعْرِيفُ الضمان وَحُكْمُهُ]
وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] ، وَالزَّعِيمُ الْكَفِيلُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: ضَمِينٌ وَكَفِيلٌ وَقَبِيلٌ وَحَمِيلٌ وَصَبِيرٌ وَهِيَ بِمَعْنًى. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(وَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ) ، فَعَلَى هَذَا الضَّمَانُ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّمِّ، وَرُدَّ بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ فِي الضَّمِّ مِيمٌ، وَفِي الضَّمَانِ نُونٌ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الِاشْتِقَاقِ تَوَافُقُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْحُرُوفِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنَ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ الْمُشَارَكَةُ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّضَمُّنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الْحَقَّ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الضِّمْنِ، فَذِمَّةُ الضَّامِنِ فِي ضِمْنِ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاشْتِقَاقِ وَعَرَّفَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ الْتِزَامُ الْإِنْسَانِ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنَ الْمَدْيُونِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمَانِعٍ لِدُخُولِ كُلِّ مَنْ لَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ فِيهِ، وَلَا جَامِعَ لِخُرُوجِ ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ، وَالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ وَدَيْنِ الْمَيِّتِ إِنْ بَرِئَ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ " الْتِزَامُ الرَّشِيدِ مَضْمُونًا فِي يَدِ غَيْرِهِ، أَوْ ذِمَّتِهِ حَالًّا، أَوْ مَآلًا عَلَى وَجْهٍ يَؤُولُ إِلَى اللُّزُومِ، وَهُوَ أَشْمَلُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَهُوَ الْتِزَامُ مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ بَقَائِهِ، وَقَدْ لَا يَبْقَى، وَهُوَ دَيْنُ الْمَيِّتِ، وَمَا قَدْ يَجِبُ.
تَنْبِيهٌ: لَا بُدَّ فِي الضَّمَانِ مِنْ ضَامِنٍ، وَمَضْمُونٍ عَنْهُ، وَلَهُ وَيَصِحُّ بِالْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ لَا بِقَوْلِهِ: أُؤَدِّي إِلَيْكَ، أَوْ أُحْضِرُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": بَلْ بِالْتِزَامِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:
стр. 1510
الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتِ، فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بَرِئَ الضَّامِنُ، وَإِنْ بَرِئَ الضَّامِنُ، أَوْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ لَمْ يَبْرَأِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَلَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يصح بِكُلِّ لَفْظٍ فُهِمَ مِنْهُ الضَّمَانُ عُرْفًا.
[لِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ]
(وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتِ) أَيْ: لَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بِنَفْسِ الضَّمَانِ، كَمَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ، بَلْ يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَّتِهِمَا لِمَنْعِهِ الزَّكَاةَ عَلَيْهِمَا، وَصِحَّةِ هِبَتِهِ لَهُمَا، وَلِأَنَّ الْكَفِيلَ لَوْ قَالَ: الْتَزَمْتُ وَتَكَفَّلْتُ بِالْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلِ الدَّيْنِ لَمْ يَصِحَّ وِفَاقًا.
وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا ذِمَّةَ ضَامِنٍ؛ لِأَنَّ شَيْئًا وَاحِدًا لَا يَشْغَلُ مَحَلَّيْنِ وَرَدَ بِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِمَحَلَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيثَاقِ كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الرَّهْنِ بِهِ وَبِذِمَّةِ الرَّاهِنِ كَذَا هُنَا، فَعَلَى هَذَا لِرَبِّهِ مُطَالَبَتُهُمَا مَعًا وَأَحَدُهُمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ، وَالْمَذْهَبُ حَيَاةً وَمَوْتًا لِقَوْلِهِ ﵇: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «الْآنَ قَدْ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ» .
قَالَ أَحْمَدُ: يَأْخُذُ مَنْ شَاءَ بِحَقِّهِ.
(فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ) بِإِبْرَاءٍ، أَوْ قَضَاءٍ، أَوْ حَوَالَةٍ (بَرِئَ الضَّامِنُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَالضَّمَانُ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ زَالَتِ الْوَثِيقَةُ كَالرَّهْنِ (وَإِنْ بَرِئَ الضَّامِنُ، أَوْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ لَمْ يَبْرَأِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ التَّبَعِ، وَهَذَا إِذَا انْفَرَدَ الضَّامِنُ، فَلَوْ تَعَدَّدَ، صَحَّ، سَوَاءٌ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَ الدَّيْنِ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِإِبْرَاءِ الْآخَرِ، لَكِنْ لَوْ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْجَمِيعَ بَرِئَ الْكُلُّ بِأَدَاءِ أَحَدِهِمْ، وَبَرِئُوا بِإِبْرَاءِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُ الضَّامِنِينَ الْآخَرَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِضَمَانِهِ الْأَصْلَ فَهُوَ أَصْلٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّهَا بِبَدَنِهِ لَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِ، فَلَوْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَ وَبَرِئَ كَفِيلُهُ بِهِ لَا مِنْ إِحْضَارِ مَكْفُولٍ بِهِ (وَلَوْ ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ عَنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا فَأَسْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ، أَوِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بَرِئَ هُوَ وَالضَّامِنُ مَعًا) إِذَا أَسْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ بَرِئَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، لِأَنَّ
следующие страницы →