← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

مَكَانَهُ وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ هُوَ، أَوْ وَرَثَتُهُ، وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ فَمَا قَبَضَ مِنْهُ جُعِلَ مَكَانَهُ، وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْمَالِ، صَحَّ فِي حَقِّهِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ رُدَّ إِلَى الْجَانِي، وَقَالَ ــ [المبدع في شرح المقنع] قِيمَتَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ وَإِنَّمَا وَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِيَّةِ، وَالْوَاجِبُ مِنَ الْمَالِ هُوَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي عَشَرَةً، وَالْجَانِي خَمْسَةً، أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا الْخَمْسَةُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى لَمْ يُفَوِّتْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إِلَّا ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَفِي الثَّانِيَةِ: لَمْ يَكُنْ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقًا إِلَّا بِذَلِكَ الْقَدْرِ. وَفِي " الْمُغْنِي " إِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ أُخِذَتْ قِيمَتُهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا. وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّاهِنِ جَمِيعُ قِيمَةِ الْجَانِي. قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الرَّهْنِ فَكَانَ كُلُّهُ رَهْنًا، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ صُرِّحَ بِخِلَافِهِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ مَالٌ، وَلَا اسْتُحِقَّ بِحَالٍ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي اكْتِسَابِ مَالٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَصَاصُ قَتْلًا، فَإِنْ كَانَ جُرْحًا، أَوْ قَلْعَ سِنٍّ وَنَحْوِهِ فَالْوَاجِبُ بِالْعَفْوِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحِ، أَوْ قِيمَةُ الْجَانِي، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا انْبَنَى عَلَى مُوجَبِ الْعَمْدِ (وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ هُوَ، أَوْ وَرَثَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحُكْمِ كَمَا إِذَا جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَاقْتَصَّ الرَّاهِنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ مَعْنًى، فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا حُكْمًا. (وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ) ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنُ، وَيَجِبُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، فَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا، أَوْ يَأْخُذَ عَنْهَا عَرَضًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ أَذِنَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا (فَمَا قَبَضَ مِنْهُ جُعِلَ مَكَانَهُ) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُ فَيُعْطَى حُكْمَهُ (وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْمَالِ، صَحَّ فِي حَقِّهِ) فَيَسْقُطُ حَقُّهُ. قَالَهُ الْقَاضِي (وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ صَادَفَ حَقًّا لَهُ وَحَقًّا لِغَيْرِهِ، فَصَحَّ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ مِنَ الْجَانِي تَكُونُ رَهْنًا (فَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ رُدَّ إِلَى الْجَانِي) لِزَوَالِ

стр. 1507

أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْجَارِيَةَ من غير شُبْهَةً فَعَلَيْهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْمَانِعِ وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ الرَّهْنَ مَغْصُوبٌ، أَوْ جَانٍ، فَإِنِ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ مِنَ الْأَرْشِ. فَفِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ الْجَانِي عَلَى الْعَافِي؛ لِأَنَّ مَالَهُ ذَهَبَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ، كَمَا لَوِ اسْتَعَارَهُ فَرَهَنَهُ، وَالثَّانِي: لَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْجَانِي مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ، فَإِنَّمَا اسْتَوْفَى بِسَبَبٍ مِنْهُ حَالَ مُلْكِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى إِنْسَانٌ عَلَى عَبْدِهِ، ثُمَّ رَهَنَهُ لِغَيْرِهِ فَتَلِفَ بِالْجِنَايَةِ السَّابِقَةِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ الْعَفْوُ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ دَيْنَهُ عَنْ غَرِيمِهِ، فَصَحَّ كَسَائِرِ دُيُونِهِ (وَ) تَجِبُ (عَلَيْهِ قِيمَتُهُ) تَكُونُ رَهْنًا لِيَنْجَبِرَ بِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ كَالرَّهْنِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَسْقَطْتُ حَقِّي مِنْ ذَلِكَ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ الرَّاهِنَ ولا يضره، وَإِنْ قَالَ: أَسْقَطْتُ الْأَرْشَ، أَوْ أَبْرَأْتُ مِنْهُ لَمْ يَسْقُطْ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الرَّاهِنِ وَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. فَرْعٌ: لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ وَكَذَّبَاهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلِلرَّاهِنِ الْأَرْشُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ وَحْدَهُ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالْأَرْشِ وَلَهُ قَبْضُهُ، فَإِذَا قَضَى الرَّاهِنُ حَقَّهُ، أَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ رَجَعَ الْأَرْشُ إِلَى الْجَانِي، فَإِنِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنَ الْأَرْشِ لَمْ يَمْلِكِ الْجَانِي مُطَالَبَةَ الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ. (وَإِنْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْجَارِيَةَ من غير شُبْهَةً) فَهُوَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) أَيْ: إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي إِبَاحَةِ الْوَطْءِ مَعَ أَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَأْجَرَةِ يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ مُلْكِهِ لِمَنَافِعِهَا، فَهَذَا أَوْلَى، وَعَنْهُ: لَا حَدَّ.

стр. 1508

الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَإِنْ وَطِئَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَادَّعَى الْجَهَالَةَ وَكَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا مَهْرَ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهَا (وَالْمَهْرُ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ الْمَمْلُوكَةَ لِسَيِّدِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا كَأَرْشِ بَكَارَتِهَا، وَظَاهِرُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكْرَهَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ اعْتَقَدَ الْحِلَّ أَوْ لَا، أَوِ ادَّعَى شُبْهَةً، أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ آدَمِيٌّ، فَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبَهَاتِ (وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ. (وَإِنْ وَطِئَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَادَّعَى الْجَهَالَةَ) بِالتَّحْرِيمِ (وَكَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ) كَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ، أَوْ حَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِهَا (وَلَا مَهْرَ) ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِسَبَبِ الْوَطْءِ، وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا بِإِذْنِهِ، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجِبْ عِوَضُهَا كَالْحُرَّةِ الْمُطَاوِعَةِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا مُعْتَقَدًا إِبَاحَةَ وَطْئِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا يَظُنُّهَا أَمَتَهُ (لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) بِخِلَافِ الْمَغْرُورِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ عَنْ وَطْءٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَةُ الْوَلَدِ كَالْمَهْرِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَسْقُطُ قِيمَةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ أَحَالَ بَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ مَالِكِهِ بِاعْتِقَادِهِ فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كَالْمَغْرُورِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالْوَلَدِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْإِذْنَ صَرِيحٌ فِي الْوَطْءِ الْمُوجِبِ لِلْمَهْرِ فَأَسْقَطَهُ بِخِلَافِ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْإِحْبَالِ، فَلَمْ يُسْقِطْهُ. قَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ إِذْنٌ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ كَالْمَهْرِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَعَ الْإِذْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِثْلُهُ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ كَالنَّاشِئِ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ فَدَعْوَاهُ الْجَهْلَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَيَكُونُ وَلَدُهُ رَقِيقًا. مَسْأَلَةٌ: لَهُ بَيْعُ مَا جَهِلَ رَبَّهُ إِنْ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَرَفَهُمْ خَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْأَجْرِ وَيُغْرَمُ لَهُمْ، وَفِي إِذْنِ حَاكِمٍ فِي بَيْعِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَأَخْذِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ مَعَ عَدَمِهِ رِوَايَتَانِ، كَشِرَاءِ وَكِيلٍ.

стр. 1509

بَابُ الضَّمَانِ وَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ. وَلِصَاحِبِ ــ [المبدع في شرح المقنع] [بَابُ الضَّمَانِ] [تَعْرِيفُ الضمان وَحُكْمُهُ] وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] ، وَالزَّعِيمُ الْكَفِيلُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: ضَمِينٌ وَكَفِيلٌ وَقَبِيلٌ وَحَمِيلٌ وَصَبِيرٌ وَهِيَ بِمَعْنًى. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (وَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ) ، فَعَلَى هَذَا الضَّمَانُ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّمِّ، وَرُدَّ بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ فِي الضَّمِّ مِيمٌ، وَفِي الضَّمَانِ نُونٌ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الِاشْتِقَاقِ تَوَافُقُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْحُرُوفِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنَ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ الْمُشَارَكَةُ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى. وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّضَمُّنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الْحَقَّ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الضِّمْنِ، فَذِمَّةُ الضَّامِنِ فِي ضِمْنِ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاشْتِقَاقِ وَعَرَّفَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ الْتِزَامُ الْإِنْسَانِ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنَ الْمَدْيُونِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمَانِعٍ لِدُخُولِ كُلِّ مَنْ لَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ فِيهِ، وَلَا جَامِعَ لِخُرُوجِ ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ، وَالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ وَدَيْنِ الْمَيِّتِ إِنْ بَرِئَ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ " الْتِزَامُ الرَّشِيدِ مَضْمُونًا فِي يَدِ غَيْرِهِ، أَوْ ذِمَّتِهِ حَالًّا، أَوْ مَآلًا عَلَى وَجْهٍ يَؤُولُ إِلَى اللُّزُومِ، وَهُوَ أَشْمَلُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَهُوَ الْتِزَامُ مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ بَقَائِهِ، وَقَدْ لَا يَبْقَى، وَهُوَ دَيْنُ الْمَيِّتِ، وَمَا قَدْ يَجِبُ. تَنْبِيهٌ: لَا بُدَّ فِي الضَّمَانِ مِنْ ضَامِنٍ، وَمَضْمُونٍ عَنْهُ، وَلَهُ وَيَصِحُّ بِالْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ لَا بِقَوْلِهِ: أُؤَدِّي إِلَيْكَ، أَوْ أُحْضِرُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": بَلْ بِالْتِزَامِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:

стр. 1510

الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتِ، فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بَرِئَ الضَّامِنُ، وَإِنْ بَرِئَ الضَّامِنُ، أَوْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ لَمْ يَبْرَأِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَلَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يصح بِكُلِّ لَفْظٍ فُهِمَ مِنْهُ الضَّمَانُ عُرْفًا. [لِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ] (وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتِ) أَيْ: لَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بِنَفْسِ الضَّمَانِ، كَمَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ، بَلْ يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَّتِهِمَا لِمَنْعِهِ الزَّكَاةَ عَلَيْهِمَا، وَصِحَّةِ هِبَتِهِ لَهُمَا، وَلِأَنَّ الْكَفِيلَ لَوْ قَالَ: الْتَزَمْتُ وَتَكَفَّلْتُ بِالْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلِ الدَّيْنِ لَمْ يَصِحَّ وِفَاقًا. وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا ذِمَّةَ ضَامِنٍ؛ لِأَنَّ شَيْئًا وَاحِدًا لَا يَشْغَلُ مَحَلَّيْنِ وَرَدَ بِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِمَحَلَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيثَاقِ كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الرَّهْنِ بِهِ وَبِذِمَّةِ الرَّاهِنِ كَذَا هُنَا، فَعَلَى هَذَا لِرَبِّهِ مُطَالَبَتُهُمَا مَعًا وَأَحَدُهُمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ، وَالْمَذْهَبُ حَيَاةً وَمَوْتًا لِقَوْلِهِ ﵇: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «الْآنَ قَدْ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ» . قَالَ أَحْمَدُ: يَأْخُذُ مَنْ شَاءَ بِحَقِّهِ. (فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ) بِإِبْرَاءٍ، أَوْ قَضَاءٍ، أَوْ حَوَالَةٍ (بَرِئَ الضَّامِنُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَالضَّمَانُ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ زَالَتِ الْوَثِيقَةُ كَالرَّهْنِ (وَإِنْ بَرِئَ الضَّامِنُ، أَوْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ لَمْ يَبْرَأِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ التَّبَعِ، وَهَذَا إِذَا انْفَرَدَ الضَّامِنُ، فَلَوْ تَعَدَّدَ، صَحَّ، سَوَاءٌ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَ الدَّيْنِ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِإِبْرَاءِ الْآخَرِ، لَكِنْ لَوْ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْجَمِيعَ بَرِئَ الْكُلُّ بِأَدَاءِ أَحَدِهِمْ، وَبَرِئُوا بِإِبْرَاءِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُ الضَّامِنِينَ الْآخَرَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِضَمَانِهِ الْأَصْلَ فَهُوَ أَصْلٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّهَا بِبَدَنِهِ لَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِ، فَلَوْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَ وَبَرِئَ كَفِيلُهُ بِهِ لَا مِنْ إِحْضَارِ مَكْفُولٍ بِهِ (وَلَوْ ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ عَنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا فَأَسْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ، أَوِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بَرِئَ هُوَ وَالضَّامِنُ مَعًا) إِذَا أَسْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ بَرِئَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، لِأَنَّ

стр. 1511

ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ عَنْ ذَمِّيٍّ خَمْرًا فَأَسْلَمَ الْمَضْمُونَ لَهُ أَوِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ بَرِئَ هُوَ وَالضَّامِنُ مَعًا. وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ، وَلَا يَصِحُّ ــ [المبدع في شرح المقنع] مَالِيَّةَ الْخَمْرِ بَطَلَتْ فِي حَقِّهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَتَهُ والضَّامِنَ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ وَيَبْرَآنِ بِإِسْلَامِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْلِمًا، وَلَا يَجُوزُ وُجُوبُ خَمْرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَالضَّامِنُ فَرْعُهُ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا أَنَّهُمَا لَا يَبْرَآنِ؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ لَهُ يَمْلِكُ الْخَمْرَ، فَلَا يَسْقُطُ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ عَبْدًا فَرَهَنَهُ عَلَى خَمْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُسْتَعِيرُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فَكُّ الرَّهْنِ، وَحِينَئِذٍ لَهُ قِيمَتُهَا، وَقِيلَ: أَوْ يُوَكِّلُ ذِمِّيًّا يَشْتَرِيهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِإِسْلَامِ الضَّامِنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَبْرَأُ وَحْدَهُ. [لَا يَصِحُّ الضَّمَانُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ] (وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) أَيْ: مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إِيجَابُ مَالٍ بِعَقْدٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا مَخُوفًا فَمِنْ ثُلْثِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، وَالْأَخْرَسِ إِنْ فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ، صَحَّ ضَمَانُهُ (وَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ) غَيْرِ مُمَيِّزٍ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا الْمُمَيِّزُ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا صِحَّتَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي صِحَّةِ إِقْرَارِهِ وَتَصَرُّفِهِ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ (وَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ، وَلَا سَفِيهٍ) لِعَدَمِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِمَا. وَقِيلَ: يَصِحُّ مِنْ سَفِيهٍ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ صَحِيحٌ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ كَذَا ضمانه، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لِفَلْسٍ يَصِحُّ ضَمَانُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الْحَجْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَهُ مِنْ مَالِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ، ذَكَرَهَا فِي " التَّبْصِرَةِ ". قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُتَوَجَّهُ عَلَيْهَا عَدَمُ تَصَرُّفِهِ فِي ذِمَّتِهِ. فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ، وَأَنْكَرَهُ الْمَضْمُونُ لَهُ قُدِّمَ قَوْلُهُ.

стр. 1512

مِنْ مَجْنُونٍ، وَلَا سَفِيهٍ، وَلَا مِنْ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذَنْ سَيِّدِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيُتْبَعَ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، صَحَّ، وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِرِضَى الضَّامِنِ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ لَهُ، وَلَا ــ [المبدع في شرح المقنع] وَذَكَرَهُ الْقَاضِي قِيَاسَ قَوْلِ أَحْمَدَ، لِأَنَّ مَعَهُ سَلَامَةَ الْعَقْدِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ قَوْلُ الضَّامِنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُلُوغِ وَعَدَمُ وُجُوبِ الْحَقِّ، وَالْحُكْمُ فِيمَنْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَلَا مِنْ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عقد تضمن إِيجَابُ مَالٍ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ كَالنِّكَاحِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ لَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالْتِزَامِ مَالٍ، أَشْبَهَ نَذْرَ الصَّدَقَةِ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ) هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ، فَصَحَّ مِنْهُ، وَلَزِمَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ كَالْإِقْرَارِ بِالْإِتْلَافِ (وَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ لَصَحَّ، فَكَذَا هُنَا، لَكِنْ فِي الْمُكَاتَبِ وَجْهٌ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى تَفْوِيتِ الْحُرِّيَّةِ (وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ كَاسْتِدَانَتِهِ بِإِذْنِهِ. قَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ تَعَلُّقُ الْمَالِ بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَزِمَهُ بِفِعْلِهِ فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الضَّمَانِ، لِيَكُونَ الْقَضَاءُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ، صَحَّ، وَيَكُونُ مَا فِي ذِمَّتِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ الْعَبْدِ كَتَعَلُّقٍ حَقِّ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي، كَمَا لَوْ قَالَ لِحُرٍّ: ضَمِنْتُ لَكَ هَذَا الدَّيْنَ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِي هَذَا، صَحَّ. (وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِرِضَى الضَّامِنِ) ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ حَقٍّ فَاعْتُبِرَ رِضَاهُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الَّتِي يَلْزَمُ الْعَاقِدَ مِنْهَا حُقٌّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُكْرَهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "

стр. 1513

الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ لَهُمَا، وَلَا كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا، وَلَا وَاجِبًا إِذَا كَانَ مَآلُهُ إِلَى الْوُجُوبِ وَلَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ لَكَ مَا عَلَى فُلَانٍ، أَوْ مَا تُدَايِنُهُ بِهِ، صَحَّ. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَالٍ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ رِضَى الْمُلْتَزِمِ كَالنَّذْرِ (وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ رِضَى الْمَضْمُونِ لَهُ وَأَقَرَّهُ الشَّارِعُ ﵇، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا قَبْضٌ كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ، أَشْبَهَ ضَمَانَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ دَيْنَ الْمَيِّتِ (وَلَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَضَى الدَّيْنَ عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَرِضَاهُ، صَحَّ، فَكَذَا إِذَا ضَمِنَ عَنْهُ (وَلَا مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا، فَكَذَا مَعْرِفَتُهُمَا. وَقَالَ الْقَاضِي: تُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهُمَا لِيُعْلَمَ هَلِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَهْلٌ لِاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِ أَمْ لَا؛ وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَنْ يُتَبَرَّعُ عَنْهُ، وَالْمَضْمُونُ لَهُ فَيُؤَدَّى إِلَيْهِ، وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ لَهُ فَقَطْ، وَجَوَابُهُ الْخَبَرُ (وَلَا) يُعْتَبَرُ (كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ مَعَ أَنَّهُ الْتِزَامُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ من غير مُعَاوَضَةً، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْإِقْرَارِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِغَرَرٍ وَخَطَرٍ، وَهُوَ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ وَإِذَا قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ، فَيَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْعَتَاقِ، وَالطَّلَاقِ، وَفِيَّ ضَمَانِ بَعْضِ الدَّيْنِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَصِحُّ (وَلَا وَاجِبًا إِذَا كَانَ مَآلُهُ إِلَى الْوُجُوبِ) بَلْ يَصِحُّ ضَمَانٌ مَا لَمْ يَجِبْ، إِذِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَلَّتْ عَلَى ضَمَانِ حِمْلِ بَعِيرٍ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ. لَا يُقَالُ الضَّمَانُ ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَا ضَمَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمَّ ذِمَّتَهُ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ مَا يَثْبُتُ فِيهَا، وَهَذَا كَافٍ وَلَهُ إِبْطَالُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَلَا مَآلُهُ إِلَى الْوُجُوبِ لَا يُوجَدُ فِيهِ ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ مُطْلَقًا (وَلَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ لَكَ مَا عَلَى فُلَانٍ) مِثَالُ الْمَجْهُولِ. وَمِثْلُهُ مَا نَقَلَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَا ضَامِنٌ لَكَ مَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ مَا يُقِرُّ بِهِ لَكَ، أَوْ مَا يقضى بِهِ عَلَيْهِ (أَوْ مَا تُدَايِنُهُ بِهِ، صَحَّ) أَيْ: مَا تُعْطِيهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

стр. 1514

وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الضَّامِنِ وَدَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ، وَغَيْرِهِ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَإِنْ قَالَ: أَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ وَأَطْلَقَ، ضَمِنَ وَحْدَهُ بِالْحِصَّةِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَانِ بِهَا، أَوِ الْجَمِيعُ، وَإِنْ رَضُوا لَزِمَهُمْ، وَيُتَوَجَّهُ الْوَجْهَانِ، وَإِنْ قَالُوا: ضَمِنَّاهُ لَكَ فَبِالْحِصَّةِ، وَإِنْ قَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنُهُ لَكَ فَالْجَمِيعُ. تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ ضَمَانُ السُّوقِ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ مَا يَلْزَمُ التَّاجِرَ مِنْ دَيْنٍ، وَمَا يَقْبِضُهُ مِنْ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ، وَالشَّهَادَةُ بِهِ لِمَنْ يَرَى جَوَازَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ: وَيَصِحُّ ضَمَانُ حَارِسٍ وَنَحْوِهِ وَتُجَّارِ حَرْبٍ مَا يَذْهَبُ مِنَ الْبَلد، أَوِ الْبَحْرِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ. [صِحَّةُ ضَمَانِ دَيْنِ الضَّامِنِ] (وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الضَّامِنِ) نَحْوُ أَنْ يَضْمَنَ ضَامِنٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَازِمٌ فِي ذِمَّتِهِ، فَصَحَّ ضمانه كَسَائِرِ الدُّيُونِ، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَيُّهُمْ قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَمُهُمْ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ، فَإِذَا سَقَطَ لَمْ يَجِبْ مَرَّةً أُخْرَى فَيَبْرَأُ الثَّانِي بِإِبْرَاءِ الْأَوَّلِ، وَلَا عَكْسَ، وَإِنْ قَضَى الدَّيْنَ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَإِنْ قَضَاهُ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ إِذَا كَانَ وَاحِدٌ أَذِنَ، وَإِلَّا فَفِي الرُّجُوعِ لَهُ رِوَايَتَانِ، فَلَوْ ضَمِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ الضَّامِنَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَقْتَضِي الْتِزَامَهُ الْحَقَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْحَقُّ لَازِمٌ لَهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْتِزَامُهُ ثَانِيًا، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَصِيرُ فَرْعًا، لَكِنْ لَوْ ضَمِنَهُ فِي غَيْرِ الدَّيْنِ جَازَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ دَيْنٍ يَصِحُّ أَخْذُ رَهْنٍ بِهِ أَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُهُ (وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ (دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ، وَغَيْرِهِ) ، فَصَحَّ الضَّمَانُ عَنْ كُلِّ غَرِيمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ حَيًّا كَانَ، أَوْ مَيِّتًا، مَلِيئًا أَوْ مُفْلِسًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ دَيْنَ الْمَيِّتِ وَقَيَّدَ الْمَيِّتَ بِالْمُفْلِسِ تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ يَمْنَعُ صِحَّةَ ذَلِكَ (وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ) أَيْ: ذِمَّةُ الْمَيِّتِ (قَبْلَ الْقَضَاءِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ ﵇: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . «وَلَمَّا أَخْبَرَ أَبُو قَتَادَةَ النَّبِيَّ ﷺ بِوَفَاءِ الدِّينَارَيْنِ فَقَالَ: الْآنَ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بَدَيْنٍ، فَلَمْ يَسْقُطْ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَالرَّهْنِ، وَالثَّانِيَةُ: وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى أَنَّهُ يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ

стр. 1515

فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَعَنِ الْمُشْتَرِي ــ [المبدع في شرح المقنع] الضَّمَانِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وضعت، قَالَ: " هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ "؟ قَالُوا: دِرْهَمَانِ فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ فَقَامَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا، وَفَكَّ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي) ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ شَخْصٌ عَنِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ إِذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ (وَعَنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ) ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ الْوَاجِبَ بِالْبَيْعِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، أَوْ إِنْ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ، أَوِ اسْتُحِقَّ فَضَمَانُ الْعُهْدَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ضَمَانُ الثَّمَنِ، أَوْ بَعْضُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنِ الْجَمَاهِيرِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى الْوَثِيقَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ، وَالرَّهْنُ، وَالضَّمَانُ، فَالْأُولَى لَا يُسْتَوْفَى مِنْهَا الْحَقُّ، وَالثَّانِيَةُ يَبْقَى مَرْهُونًا إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الضَّمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ لَامْتَنَعَتِ الْمُعَامَلَاتُ مَعَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ رَافِعٌ لِأَصْلِ الْحِكْمَةِ الَّتِي شُرِعَ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِهَا وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَرِدُ بِهِ الشَّرْعُ، وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ عَنِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَبَعْدَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ قَبْلَ الْقَبْضِ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ إِذَا كَانَ مُفْضِيًا إِلَى الْوُجُوبِ كَالْجَعَالَةِ، وَأَلْفَاظُهُ: ضَمِنْتُ عُهْدَتَهُ، أَوْ ثَمَنَهُ، أَوْ دَرْكَهُ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: ضَمِنْتُ خَلَاصَكَ مِنْهُ، أَوْ ثَمَنَهُ، فَلَوْ ضَمِنَ لَهُ خَلَاصَ الْمَبِيعِ. فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَحِلُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ حُرًّا، أَوْ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَسْتَطِعْ خَلَاصَهُ، وَفِي دُخُولِ نَقْضِ بِنَاءِ الْمُشْتَرِي فِي ضَمَانِهَا وَرُجُوعِهِ بِالدَّرَكِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بِبُطْلَانِهِ -وَجْهَانِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ ضَمَانِ دَرَكِهِ إِلَّا مِنْ زَيْدٍ، ثُمَّ ضَمِنَ دَرَكَهُ مِنْهُ أَيْضًا لَمْ يَعُدْ صَحِيحًا، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ".

стр. 1516

لِلْبَائِعِ، وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ التَّعَدِّيَ فِيهَا، فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ كَالْغُصُوبِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] مَسْأَلَةٌ: يَصِحُّ ضَمَانُ نَقْصِ صَنْجَةٍ وَيَرْجِعُ بِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ (وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَلَا مَآلُهُ إِلَى اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ، وَالِامْتِنَاعُ مِنَ الْأَدَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَلْزَمِ الْأَصْلَ فَالْفَرْعُ أَوْلَى، وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَصَحَّ ضمانه كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَعَلَى الْأُولَى لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَهُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، وَخَصَّهَا الْقَاضِي بِالْحُرِّ لِسِعَةِ تَصَرُّفِهِ. [عَدَمُ صِحَّةِ ضَمَانِ الْأَمَانَاتِ] (وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا) كَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَالشَّرِكَةِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ، فَكَذَا عَلَى ضَامِنِهِ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِحْضَارُهَا، وَإِنَّمَا عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَقْصِدَ الْمَوْضِعَ فَيَقْبِضَهَا (إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ التَّعَدِّيَ فِيهَا) ، فَيَصِحَّ ضَمَانُهَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ أَشْبَهَتِ الْغُصُوبَ، وَعَنْهُ: صِحَّةُ ضَمَانِهَا مُطْلَقًا وَحَمَلَهَا الْأَصْحَابُ عَلَى تَعَدِّيهِ لِتَصْرِيحِهِ بِهِ (وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ كَالْغُصُوبِ، وَالْعُوَارِي، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ) مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ كَالْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ، وَعَنْهُ: لَا؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي الذِّمَّةِ، وَالضَّمَانُ لَمَّا يَثْبُتْ فِيهَا، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا عِنْدَ التَّلَفِ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الضَّمَانَ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ ضَمَانُ اسْتِنْقَاذِهَا، وَرَدِّهَا أَوْ قِيمَتِهَا عِنْدَ تَلَفِهَا فَهِيَ كَعُهْدَةِ الْمَبِيعِ، فَالْمَقْبُوضُ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ بِأَنْ سَاوَمَهُ وَقَطَعَ ثَمَنَهُ، أَوْ سَاوَمَهُ فَقَطْ لِيُرِيَهُ أَهْلَهُ إِنْ رَضُوهُ، وَإِلَّا رَدَّهُ. فُرُوعٌ: يَصِحُّ ضَمَانُ الْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ، وَالْمُسَابَقَةِ، وَالْمُفَاضَلَةِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ نَقْدًا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، أَوْ حَيَوَانًا كَالدِّيَاتِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجِ سَوَاءٌ كَانَتْ يَوْمَهَا، أَوْ مُسْتَقْبَلَةً؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْيَوْمِ وَاجِبَةٌ، وَالْمُسْتَقْبَلَةَ مَآلُهَا إِلَى اللُّزُومِ وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا ضَمِنَ النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَزِمَهُ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ

стр. 1517

وَالْعَوَارِي وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ وَكَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَهَلْ يَرْجِعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا فَلَهُ الرُّجُوعُ بِأَقَلِّ ــ [المبدع في شرح المقنع] تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، فَأَمَّا الْمَاضِيَةُ، فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً، صَحَّ ضَمَانُهَا، وَإِلَّا فَلَا. مَسْأَلَةٌ: لِلضَّامِنِ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِتَخْلِيصِهِ فِي الْأَصَحِّ إِذَا طُولِبَ، وَقِيلَ: أَوْلَى إِذَا ضَمِنَهُ بِإِذْنِهِ فِي الْأَصَحِّ. (وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ) ، أَوْ أَحَالَ بِهِ (مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) ، لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِذَلِكَ، أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ وَسَوَاءٌ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، أَوْ لَا (وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ) ، وَقِيلَ: أَوْ أَطْلَقَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ مَنْصُورٍ (وَكَانَ الضَّمَانُ، وَالْقَضَاءُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَهَلْ يَرْجِعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْمَذْهَبُ يَرْجِعُ بِهِ، لِأَنَّهُ قَضَاءٌ مُبَرِّئٌ مِنْ دَيْنٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ كَالْحَاكِمِ إِذَا قَضَاهُ عَنْهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا رُجُوعَ، لِأَنَّهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَلَوِ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ لَاسْتَحَقَّهُ أَبُو قَتَادَةَ، وَلَوِ اسْتَحَقَّهُ صَارَ دَيْنًا لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ وَكَمَا لَوْ عَلَفَ دَابَّتَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ. وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ قَصْدًا لِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ لِيُصَلِّيَ ﵇ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا ضَمِنَ بِأَمْرِهِ وَقَضَى بِأَمْرِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": سَوَاءٌ قَالَ اضْمَنْ عَنِّي وَأَدِّ عَنِّي، أَوْ أَطْلَقَ، لِأَنَّهُ ضَمِنَ وَدَفَعَ بِأَمْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مُخَالِطًا لَهُ. فَرْعٌ: حُكْمُ مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا وَاجِبًا كَذَلِكَ فِي الرُّجُوعِ إِلَّا فِيمَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ كَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا (وَإِنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا) وَهِيَ صُورَتَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضْمَنَ بِأَمْرِهِ وَيَقْضِيَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ، لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ بِإِذْنِهِ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْقَضَاءَ، لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ صَرِيحًا، وَالثَّانِيَةُ: عَكْسُهَا، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَيُؤَدِّيَ

стр. 1518

الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى، أَوْ قُدِّرَ الدَّيْنُ وَإِنْ أَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ الْقَضَاءَ وَحَلِفَ لَمْ يَرْجِعِ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ أَوْ كَذَّبَهُ، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِالْقَضَاءِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] بِأَمْرِهِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَدَّى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، وَعَنْهُ: لَا رُجُوعَ فِيهِمَا، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَظْهَرُ فِيهَا كَذَبْحِ أُضْحِيَّةِ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنِهِ فِي مَنْعِ الضَّمَانِ وَالرُّجُوعِ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا إِبْرَاءٌ لِتَحْصِيلِهِ الْإِجْزَاءَ بِالذَّبْحِ وَحَيْثُ قِيلَ بِهِ (فَلَهُ الرُّجُوعُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى، أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ) ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الدَّيْنَ لِزَائِدٍ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ أَقَلَّ إِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ وَلِهَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ غَرِيمُهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، فَإِنْ دَفَعَ عَنِ الدَّيْنِ عَرَضًا رَجَعَ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ. فَرْعٌ: لَوْ تَغَيَّبَ مَضْمُونٌ عَنْهُ قَادِرٌ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَأَطْلَقَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَأُمْسِكَ الضَّامِنُ وَغَرِمَ شَيْئًا بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَأَنْفَقَهُ فِي حَبْسٍ، رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ. تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِائَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا وَهُمَا مُتَضَامِنَانِ، فَضَمِنَ آخَرُ عَنْ أَحَدِهِمَا الْمِائَةَ بِأَمْرِهِ وَقَضَاهَا سَقَطَ الْحَقُّ عَنِ الْجَمِيعِ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الَّذِي ضَمِنَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ عَنْهُ، وَلَا أُذِنَ لَهُ فِي الْقَضَاءِ، فَإِذَا رَجَعَ عَلَى الَّذِي ضَمِنَ عَنْهُ رَجَعَ عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِهَا إِنْ كَانَ ضَمِنَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ، لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا عَنْهُ بِإِذْنِهِ وَقَضَاهَا ضَامِنُهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْآخَرِ بِالْمِائَةِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لَهُ عَلَى مَنْ أَدَّاهَا عَنْهُ فَمَلَكَ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَيْهِ كَالْأَصِيلِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ". (وَإِنْ أَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ الْقَضَاءَ) أَيْ: إِذَا ادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّهُ قَضَى الدَّيْنَ، وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ (وَحَلَفَ، لَمْ يَرْجِعِ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ) ، لِأَنَّهُ مَا أَذِنَ لِلضَّامِنِ إِلَّا فِي قَضَاءٍ مُبَرِّئٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَحِينَئِذٍ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَلَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ، وَالْأَصِيلِ (سَوَاءٌ صَدَّقَهُ) الْمَضْمُونُ عَنْهُ (أَوْ كَذَّبَهُ) ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الرُّجُوعِ تَفْرِيطُ الضَّامِنِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَضَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّصْدِيقِ، وَالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ

стр. 1519

وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لَمْ يُسْمَعْ إِنْكَارُهُ، وَإِنْ قَضَى الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ أَجَلِهِ لَمْ يَرْجِعْ ــ [المبدع في شرح المقنع] اعْلَمْ: إِنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ حَاضِرَةٍ فَوَاضِحٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً، أَوْ غَائِبَةً وَصَدَّقَهُ، لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ مَا قَضَى، وَلَا فَرَّطَ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْدُودَةً بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَالْكُفْرِ، وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ لَمْ يَرْجِعِ الضَّامِنُ مُطْلَقًا لِتَفْرِيطِهِ، فَإِنْ رُدَّتْ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ كَالْفِسْقِ الْبَاطِنِ، أَوْ لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ مُخْتَلَفًا فِيهَا كَشَهَادَةِ الْعَبِيدِ فَاحْتِمَالَانِ، وَكَذَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَدَعْوَاهُ مَوْتُهُمْ، وَأَنْكَرَ الْإِشْهَادَ، وَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ بِحَضْرَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفَرِّطُ، وَالثَّانِي: لَا كَغَيْبَتِهِ. فَرْعٌ: إِذَا رَجَعَ الْمَضْمُونُ لَهُ عَلَى الضَّامِنِ فَاسْتَوْفَى مِنْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا قَضَاهُ ثَانِيًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِهِ ظَاهِرًا. وَرَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، قال القاضي: وَفِيهِ احْتِمَالٌ: يَرْجِعُ بِالْأَوَّلِ لِلْبَرَاءَةِ مِنْهُ بَاطِنًا. (وَإِنِ اعْتَرَفَ) الْمَضْمُونُ لَهُ (بِالْقَضَاءِ، وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لَمْ يُسْمَعْ إِنْكَارُهُ) ، لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ لِلْمَضْمُونِ لَهُ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِالْقَبْضِ مِنَ الضَّامِنِ، فَقَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَهُ صَارَ لِلضَّامِنِ، فَيَجِبُ أَنْ يَقْبَلَ إِقْرَارَهُ لِكَوْنِهِ إِقْرَارًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا، لِأَنَّ الضَّامِنَ مُدَّعٍ لِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَدْيُونِ، وَقَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يُقْبَلُ، وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ. فَرْعٌ: إِذَا قَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ لِلضَّامِنِ: بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ، وَقِيلَ: أَوْ لَمْ يَقُلْ إِلَيَّ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِقَبْضِهِ لَا أَبْرَأْتُكَ، فَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ الْحَقَّ تَمْلِيكٌ لَهُ، فَيَرْجِعُ عَلَى الْمَدْيُونِ، وَقِيلَ: إِبْرَاءٌ، فَلَا. (وَإِنْ قَضَى) الضَّامِنُ الدَّيْنَ (الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ أَجَلِهِ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَحِلَّ) ، لِأَنَّهُ لَا

стр. 1520

حَتَّى يَحِلَّ، وَإِنْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، أَوِ الضَّامِنُ فَهَلْ يَحِلُّ الدَّيْنُ عَلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَيُّهُمَا حَلَّ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ. وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حَالًّا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْلَ أَجَلِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] يَجِبُ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ لِلْغَرِيمِ، وَلِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالتَّعْجِيلِ، فَلَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الْأَجَلِ، كَمَا لَوْ قَضَاهُ أَكْثَرَ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْحَوَالَةِ بِهِ لِيَقْبِضَهُ، سَوَاءٌ قَبَضَ الْغَرِيمُ مِنَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ (وَإِنْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، أَوِ الضَّامِنُ فَهَلْ يَحِلُّ الدَّيْنُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهُرُهُمَا لَا يَحِلُّ، لِأَنَّ التَّأْجِيلَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمَيِّتِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ بِشَرْطِهِ. قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ "، وَالثَّانِيَةُ: يَحِلُّ، لِأَنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ خَرِبَتْ بِهِ، فَلَوْ لَمْ يَحِلَّ لَأَدَّى إِلَى ضَيَاعِ حَقِّهِ (وَأَيُّهُمَا حَلَّ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ) أَيْ: إِذَا مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَقُلْنَا: يَحِلُّ بِمَوْتِهِ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الضَّامِنِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحِلُّ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِمَوْتِ غَيْرِهِ بَلْ يَبْقَى حَالًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَصْلِ مُؤَجَّلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَرْعِ، وَكَذَا إِذَا مَاتَ الضَّامِنُ، لَكِنْ إِذَا اسْتَوْفَى الْغَرِيمُ مِنْ تَرِكَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ، لِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ قَبْلَ أَجْلِهِ. [صِحَّةُ ضَمَانِ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا] (وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا) ، نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَلِأَنَّهُ ضَمِنَ مَالًا بِعَقْدٍ مُؤَجَّلٍ فَكَانَ مُؤَجَّلًا كَالْبَيْعِ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ حَالًّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ لَهُ مُطَالَبَتُهُ مَتَى شَاءَ مُؤَجَّلًا عَلَى الضَّامِنِ لَا يُقَالُ: الْحَالُّ لَا يَتَأَجَّلُ وَكَيْفَ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتَيْهِمَا مُخْتَلِفًا، لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَأَجَّلُ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِهِ بِعَقْدٍ، وهنا كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثابتا عَلَيْهِ حَالًّا وَيَجُوزُ تَخَالُفُ مَا فِي الذِّمَّتَيْنِ بِدَلِيلِ لَوْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ، فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ رَجَعَ فِي الْحَالِّ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ لَا يَرْجِعُ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ (وَإِنْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حَالًّا) لَمْ يَصِرْ حَالًّا وَ (لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْلَ أَجَلِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) ، لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ دُونَ أَصْلِهِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ، لِأَنَّ مُقْتَضَى صِحَّةِ الضَّمَانِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الضَّمَانُ لِلْمُخَالَفَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ حَتَّى يَحِلَّ، لِأَنَّ الضَّمَانَ لَمْ يُغَيِّرْهُ عَنْ تَأْجِيلِهِ.

стр. 1521

فَصْلٌ فِي الْكَفَالَةِ وَهِيَ الْتِزَامُ إِحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ وَتَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ، وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ، وَلَا بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] [بَابُ الْكَفَالَةِ] [ حُكْمُ الكفالة] فصل فِي الْكَفَالَةِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الِاسْتِيثَاقِ بِضَمَانِ الْمَالِ، أَوِ الْبَدَنِ، وَضَمَانُ الْمَالِ يَمْتَنِعُ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَلَوْ لَمْ تَجُزِ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ لَأَدَّى إِلَى الْحَرَجِ وَعَدَمِ الْمُعَامَلَاتِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا. (وَهِيَ الْتِزَامُ) الرَّشِيدِ (إِحْضَارَ الْمَكْفُولِ بِهِ) ، لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الْكَفَالَةِ وَاقِعٌ عَلَى بَدَنِ الْمَكْفُولِ بِهِ فَكَانَ إِحْضَارُهُ هُوَ الْمُلْتَزَمَ بِهِ كَالضَّمَانِ وَيُعْتَبَرُ رِضَا الْكَفِيلِ وَتَعْيِينُ الْمَكْفُولِ بِهِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلَا يُعْتَبَرُ إِذْنُهُ وَتَنْعَقِدُ بِأَلْفَاظِ ضَمَانٍ. (وَتَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) ، لِأَنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ مَالِيٌّ، فَصَحَّتِ الْكَفَالَةُ بِهِ كَالضَّمَانِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ مَعْلُومًا، أَوْ مَجْهُولًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ كُلِّ مَنْ يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِدَيْنٍ لَازِمٍ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ إِحْضَارُهُمَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا بِالْإِتْلَافِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ دَيْنُ الْكِتَابَةِ وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْكَفِيلِ، فَإِنْ بَرِئَ الْأَوَّلُ بَرِئَ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ (وَبِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ) لِصِحَّةِ ضَمَانِهَا فَيَرُدُّ أَعْيَانَهَا، أَوْ قِيمَتَهَا إِنْ تَلَفَتْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْأَمَانَاتِ. لَكِنْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَإِحْضَارُ وَدِيعَةٍ وَكَفَالَةٍ بِزَكَاةٍ وَأَمَانَةٍ لِنَصِّهِ فِيمَنْ قَالَ: ادْفَعْ ثَوْبَكَ إِلَى هَذَا الرَّفَّاءِ، فَأَنَا ضَامِنُهُ لَا يَضْمَنُ حَتَّى يُثْبِتَ أَنَّهُ دَفَعَهُ إِلَيْهِ (وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ "، وَلِأَنَّهَا اسْتِيثَاقٌ يُلْزِمُ الْكَفِيلَ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إِحْضَارِهِ، وَالْحَدُّ

стр. 1522

وَإِنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إِنْسَانٍ، أَوْ عُضْوٍ، أَوْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أَوْ ضَامِنٌ مَا عَلَيْهِ، صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِرِضَى ــ [المبدع في شرح المقنع] مَبْنَاهُ عَلَى الْإِسْقَاطِ، وَالدَّرْءِ بِالشُّبْهَةِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الِاسْتِيثَاقُ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ الْجَانِي، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِلَّهِ كَحَدِّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ الْقَذْفِ (أَوْ قِصَاصٍ) ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ. قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": إِلَّا لِأَخْذِ مَالٍ كَالدِّيَةِ وَغَرِمَ مَالِيَّةَ السَّرِقَةِ فَتَصِحُّ (وَلَا بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الْمَآلِ، وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْمَجْهُولِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالزَّوْجَةِ، أَوِ الشَّاهِدِ. (وَإِنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إِنْسَانٍ، أَوْ عُضْوٍ، أَوْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أَوْ ضَامِنٌ مَا عَلَيْهِ، صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إِنْسَانٍ كَثُلُثِهِ، أَوْ رُبُعِهُ فَهِيَ صَحِيحَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِحْضَارُ ذَلِكَ إِلَّا بِإِحْضَارِ الْكُلِّ. الثَّانِيَةُ: إِذَا كَفَلَ عُضْوًا مُعَيَّنًا مِنْهُ كَيَدِهِ، أَوْ رِجْلِهِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إِحْضَارُهُ عَلَى صِفَتِهِ إِلَّا بِإِحْضَارِ الْكُلِّ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ فِيهِمَا، لِأَنَّ تَسْلِيمَ ذَلِكَ وَحْدَهُ مُتَعَذِّرٌ، وَالسِّرَايَةُ مُمْتَنِعَةٌ. قَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ بِحَالٍ، لِأَنَّ مَا لَا يُشْرَى لَا يَصِحُّ إِذَا خَصَّ بِهِ عُضْوًا كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّعْلِيلِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ، لِأَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ وَإِجَارَتَهُ جَائِزَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُمَا خَصَّاهُ بِالْعُضْوِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي الْعُضْوِ بَيْنَ الْوَجْهِ، وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا لَا يَبْقَى الْبَدَنُ بِدُونِهِ كَالرَّأْسِ أَوْ لَا كَالْيَدِ، وَجَزَمَ فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهَا تَصِحُّ بِالْوَجْهِ، لِأَنَّهُ يُكَنَّى بِهِ عَنِ الْكُلِّ، فَصَحَّ كَبَدَنِهِ، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّهَا تَصِحُّ فِيمَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بِدُونِهِ لَا الْعَكْسِ.

стр. 1523

الْكَفِيلِ، وَفِي رِضَى الْمَكْفُولِ بِهِ وَجْهَانِ، وَمَتَى أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ وَسَلَّمَهُ بَرِئَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الثَّالِثَةُ: إِذَا كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أَوْ ضَامِنٌ مَا عَلَيْهِ، صَحَّ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّهُ كَفَالَةٌ، أَوْ ضَمَانٌ، فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَضَمَانِ الْعُهْدَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ عَقْدٍ عَلَى آخَرَ، فَلَمْ يَصِحَّ، وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا إِذَا عَلَّقَهُ بِغَيْرِ سَبَبِ الْحَقِّ، وَالْخِلَافُ فِي الْمُؤَقَّتِ كَالْمُعَلَّقِ بِشَرْطِهِ، فَلَوْ كَفَلَهُ شَهْرًا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، فَلَمْ يَجُزْ تَوْقِيتُهُ كَالْهِبَةِ، وَفِي " التَّنْبِيهِ " إِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَحْضُرْهُ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ إِذَا لَمْ يُطَالِبْهُ بِإِحْضَارِهِ فِيهَا. فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: كَفَلْتُ بَدَنَ فُلَانٍ عَلَى أَنْ يَبْرَأَ الْكَفِيلُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ فَيَفْسُدُ عَقْدُ الْكَفَالَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَقِيلَ: يَصِحُّ الشَّرْطُ، لِأَنَّهُ شَرَطَ تَحْوِيلَ الْوَثِيقَةِ فَعَلَيْهِ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ إِلَّا أَنْ يَبْرَأَ الْكَفِيلُ مِنْهَا. [عَدَمُ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ إِلَّا بِرِضَا الْكَفِيلِ] (وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِرِضَا الْكَفِيلِ) ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَقُّ ابْتِدَاءً إِلَّا بِرِضَاهُ (وَفِي رِضَا الْمَكْفُولِ بِهِ وَجْهَانِ) أَشْهَرُهُمَا: لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ كَالضَّمَانِ، وَالثَّانِي: بَلَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِحْضَارُهُ، فَإِذَا كُفِلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ مَعَهُ بِخِلَافِ الضَّمَانِ، فَإِنَّ الضَّامِنَ يَقْضِي الْحَقَّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمَكْفُولِ لَهُ، لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ لَا قَبْضَ فِيهَا، فَصَحَّتْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ كَالشَّهَادَةِ (وَمَتَى أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ) مَكَانَ الْعَقْدِ بَعْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ (وَسَلَّمَهُ بَرِئَ) مُطْلَقًا إِذَا لَمْ تَكُنْ يَدٌ حَائِلَةٌ ظَالِمَةٌ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الشَّرْحِ "، وَعَنْهُ: لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ بَرِئْتُ لَكَ مِنْهُ، أَوْ قَدْ سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ،

стр. 1524

إِلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَفِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ وَإِنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، أَوْ تَلَفَتِ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ سَلَّمَ نَفْسَهُ بَرِئَ ــ [المبدع في شرح المقنع] لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ فَبَرِئَ مِنْهُ بِالْعَمَلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْإِجَارَةِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ بَرِئَ كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنِ امْتَنَعَ أَشْهَدَ عَلَى امْتِنَاعِهِ رَجُلَيْنِ وَبَرِئَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْفَعُهُ إِلَى الْحَاكِمِ فَيُسَلِّمُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَشْهَدَ (إِلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَفِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ) مِثْلَ أَنْ تَكُونَ حُجَّةُ الْغَرِيمِ غَائِبَةً، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، أَوِ الدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ، أَوْ هُنَاكَ ظَالِمٌ يَمْنَعُهُ مِنْهُ، فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُهُ كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْكَفَالَةَ تَصِحُّ مُؤَجَّلَةً، لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَلَوْ جَعَلَهُ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ جَعَلَهُ إِلَى الْحَصَادِ وَنَحْوِهِ خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ هُنَا، لِأَنَّهُ تَبَرُّعُ عِوَضٍ، فَصَحَّ كَالنَّذْرِ، ثُمَّ إِنْ عَيَّنَ مَكَانًا لِتَسْلِيمِهِ تَعَيَّنَ، وَلَمْ يَبْرَأْ بِإِحْضَارِهِ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ تَعَيَّنَ مَكَانُ الْعَقْدِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَبْرَأُ بِإِحْضَارِهِ بِمَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْبَلَدِ، وَعَنْهُ: وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ سُلْطَانٌ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي إِحْضَارِهِ بِمَكَانٍ آخَرَ لَمْ يَبْرَأْ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ فِيهِ بَرِئَ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِحْضَارُهُ مِنْهُ إِلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَيُمَكِّنُهُ الْحَاكِمُ من إخراجه لِيُحَاكِمَ غَرِيمَهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ، وَإِنْ ضَمِنَ مَعْرِفَتَهُ أَخَذَ بِهِ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَالشَّيْخَانِ كَالْكَفِيلِ. (وَإِنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، أَوْ تَلَفَتِ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى) قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ (أَوْ سَلَّمَ نَفْسَهُ بَرِئَ الْكَفِيلُ) ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ وَتَسْقُطُ الْكَفَالَةُ فِي الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّ الْحُضُورَ سَقَطَ عَنْهُ فَبَرِئَ كَفِيلُهُ، كَمَا لَوْ أُبْرِئَ مِنَ الدَّيْنِ، وَقِيلَ: لَا تَسْقُطُ وَيُطَالَبُ بِمَا عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يُشْرَطْ فِيهَا عَدَمُ ضَمَانِهِ، لِأَنَّ الْكَفِيلَ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ

стр. 1525

الْكَفِيلُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّيْنُ، أَوْ عَوَّضَ الْعَيْنَ وَإِنْ غَابَ أُمْهِلَ الْكَفِيلُ بِقَدْرِ مَا يَمْضِي فَيُحْضِرُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ وَإِذَا ــ [المبدع في شرح المقنع] الْحَقُّ اسْتُوْفِيَ مِنَ الْوَثِيقَةِ كَالرَّهْنِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، لِأَنَّ الرَّهْنَ تَعَلَّقَ بِهِ الْمَالُ فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ بَقَاؤُهَا بِمَوْتِ الْكَفِيلِ فَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ مَا كُفِّلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا فَوَثِقَ وَرَثَتُهُ، وَإِلَّا حَلَّ فِي الْأَقْيَسِ، أَوِ الْمَكْفُولُ لَهُ. الثَّانِيَةُ: إِذَا تَلِفَتِ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ، لِأَنَّ تَلَفَهَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِ الْمَكْفُولِ بِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا تَلِفَتْ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ بَدَلُهَا. الثَّالِثَةُ: إِذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ بِشَرْطِهِ بَرِئَ كَفِيلُهُ، كَمَا لَوْ قَضَى الْمَدْيُونُ عَنْهُ الدَّيْنَ. تَنْبِيهٌ: إِذَا كَفَلَ إِنْسَانًا، أَوْ ضَمِنَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ قَدَّمَ قَوْلَ خَصْمِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ، أَوْ بَقَاءُ الدَّيْنِ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ وَإِذَا قَالَ: بَرِئْتُ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي كَفَلْتُهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِقَبْضِ الْحَقِّ وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ وَحْدَهُ وَإِذَا مَاتَ الْمَدْيُونُ فَأَبْرَأَهُ رَبُّ الدَّيْنِ، فَلَمْ تَقْبَلْ وَرَثَتُهُ بَرِئَ مَعَ كَفِيلِهِ. (وَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّيْنُ، أَوْ عَوَّضَ الْعَيْنَ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» . وَلِأَنَّهَا أَحَدُ نَوْعَيِ الْكَفَالَةِ، فَوَجَبَ الْغُرْمُ بِهَا كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَكَفِيلُ الْوَجْهِ ضَامِنٌ لِلْمَالِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ لَا مَالَ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَوْلًا. وَالثَّانِي: فَسَادُهَا لِإِضَافَتِهَا إِلَى عُضْوٍ. قَالَهُ الْمَجْدُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَلْزَمُهُ إِنِ امْتَنَعَ بِسُلْطَانٍ، وَأُلْحِقَّ بِهِ مُعْسِرٌ وَمَحْبُوسٌ وَنَحْوُهُمَا لِاسْتِوَاءِ الْمَعْنَى (وَإِنْ غَابَ) فِي مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ (أُمْهِلَ الْكَفِيلُ) ، وَلَمْ يُطَالِبْهُ (بِقَدْرِ مَا يَمْضِي فَيُحْضِرُهُ) لَهُ لِيَتَحَقَّقَ إِمْكَانَ التَّسْلِيمِ وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْمَسَافَةُ

стр. 1526

طَالَبَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ، أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ، وَإِلَّا فَلَا وَإِذَا كُفِلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ ــ [المبدع في شرح المقنع] قَرِيبَةً، أَوْ بَعِيدَةً، فَلَوِ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُؤْخَذِ الْكَفِيلُ بِالْحَقِّ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُهُ رَدُّهُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ) ، أَوْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً، وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ (ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ) وَأُخِذَ بِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَجُهِلَ مَحَلُّهُ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ انْتَهَى، فَلَوْ أَدَّى مَا لَزِمَهُ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ كَضَامِنٍ، وَأَنَّهُ لَا يُسَلِّمُهُ إِلَى الْمَكْفُولِ لَهُ، ثُمَّ يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ بِخِلَافِ مَغْصُوبٍ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ لِامْتِنَاعِ بَيْعِهِ (وَإِذَا طَالَبَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ) لِيُسَلِّمَهُ إِلَى الْمَكْفُولِ لَهُ (لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ) ، لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ مِنْ أَجْلِهِ بِإِذْنِهِ فَلَزِمَهُ تَخْلِيصُهَا، كَمَا لَوِ اسْتَعَارَ عَبْدَهُ فَرَهَنَهُ بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيصَهُ إِذَا طَلَبَهُ سَيِّدُهُ (أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ) أَيْ: لَزِمَهُ الْحُضُورُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِأَنَّ حُضُورَهُ حَقٌّ لِلْمَكْفُولِ لَهُ، وَقَدِ اسْتَنَابَ الْكَفِيلَ فِي ذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ لَهُ بِالْوَكَالَةِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إِنْ كَفَلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ، لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ لَمْ يَشْغَلْ ذِمَّتَهُ، وَإِنَّمَا شَغَلَهَا الْكَفِيلُ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَمْ يُوَكِّلْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ. فَرْعٌ: لَوْ قَالَ لِآخَرَ: اضْمَنْ عَنْ فُلَانٍ، أَوِ اكْفُلْ بِفُلَانٍ فَفَعَلَ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لِمُبَاشِرِ لَا الْآمِرِ فَلَوْ قَالَ: أَعْطِ فُلَانًا كَذَا فَفَعَلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآمِرِ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أَعْطِهِ عَنِّي. (وَإِذَا كُفِلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَبْرَأِ الْآخَرُ) ، لِأَنَّ إِحْدَى الْوَثِيقَتَيْنِ انْحَلَّتِ من غير اسْتِيفَاءً، فَلَمْ تَنْحَلَّ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ أَبْرَأَ أَحَدُهُمَا، أَوِ انْفَكَّ أَحَدُ الرَّهْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ بِخِلَافِ الْمَكْفُولِ بِهِ إِذَا سَلَّمَ نَفْسَهُ، لِأَنَّهُ أَصْلٌ فَيَبْرَآنِ بِبَرَاءَتِهِ، لِأَنَّهُمَا فَرْعَاهُ، وَقِيلَ: يَبْرَأُ، اخْتَارَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ "، كَمَا لَوْ قَضَى الدَّيْنَ أَحَدُ الضَّامِنَيْنِ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ الْآخَرُ. أَجَابَ فِي " الْفُصُولِ " بِأَنَّ الْوَثِيقَةَ بَرِئَتْ بِقَبْضِ مَا فِيهَا فَلِهَذَا بَرِئَتِ الْأُخْرَى بِخِلَافِ هَذَا، وَقِيلَ: إِنْ كَفَلَاهُ مَعًا، أَوْ وَكَّلَ مِنْهُمَا الْآخَرَ فِي تَسْلِيمِهِ بَرِئَ، وَإِلَّا فَلَا.

стр. 1527

يَبْرَأِ الْآخَرُ، وَإِنْ كُفِلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الْآخَرِ. بَابُ الْحَوَالَةِ وَالْحَوَالَةُ تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْلِكُ ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَإِنْ كُفِلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الْآخَرِ) ، لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدَيْنِ، فَقَدِ الْتُزِمَ إِحْضَارُهُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا أَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا بَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي عَقْدَيْنِ وَكَمَا لَوْ ضَمِنَ دَيْنًا لِاثْنَيْنِ فَوَفَّى أَحَدُهُمَا حَقَّهُ. خَاتِمَةٌ: إِذَا أَحَالَ رَبُّ الْحَقِّ، أَوْ أُحِيلَ بِهِ، أَوْ زَالَ الْعَقْدُ بَرِئَ الْكَفِيلُ وَبَطَلَ الرَّهْنُ وَيَثْبُتُ لِوَارِثِهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " فِي الصُّورَةِ الْأُولَى احْتِمَالُ وَجْهَيْنِ فِي بَقَاءِ الضَّمَانِ. وَنَقَلَ " مُهَنَّا " فِيهَا يَبْرَأُ، وَأَنَّهُ إِنْ عَجَزَ مُكَاتَبٌ رَقَّ وَسَقَطَ الضَّمَانُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي لَوْ أَقَالَهُ فِي سَلَمٍ بِهِ رَهْنٌ، حَبَسَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ، وَلَوْ ضَمِنَهُ اثْنَانِ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَا ضَامِنٌ لَكَ الدَّيْنَ فَهُوَ ضَمَانُ اشْتِرَاكٍ فِي انْفِرَادٍ فَلَهُ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالدَّيْنِ كُلِّهِ، وَإِنْ قَالَا: ضَمِنَّا لَكَ الدَّيْنَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَصِ، وَفِي " الْقَوَاعِدِ ": إنَّهُ إِذَا ضَمِنَ اثْنَانِ دَيْنَ رَجُلٍ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ الدَّيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِالْحِصَّةِ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحُوا بِمَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولُوا: ضَمِنَّا لَكَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ الدَّيْنَ، وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَصَاحِبِ " الْمُغْنِي " وَبَنَاهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الضَّامِنِينَ فَيَصِيرُ الضَّمَانُ مُوَزَّعًا عَلَيْهِمَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. [بَابُ الْحَوَالَةِ] [حَقِيقَة الحوالة وَحُكْمُهَا] بَابُ الْحَوَالَةِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الْأَصَمِّ، وَسَنَدُهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، فَمِنْهَا مَا خَرَّجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ. وَفِي لَفْظٍ " مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» وَهِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى.

стр. 1528

الْمُحْتَالُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِحَالٍ. وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا: أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، فَإِنْ أَحَالَ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَوِ السَّلَمِ، أَوِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَقِيلَ: إِنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بَدَيْنٍ، فَإِنَّ الْمُحِيلَ يَشْتَرِي مَا فِي ذِمَّتِهِ بِمَالِهِ فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ وَجَازَ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ رُخْصَةً فَيَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا عَقْدُ إِرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَكَانَتْ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَمَا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، لِأَنَّهَا بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ، وَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ فَعَلَيْهِ لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ وَأُصُولِهِ. وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُحِيلٍ وَمُحْتَالٍ وَمُحَالٍ عَلَيْهِ وَتَصِحُّ بِلَفْظِهَا، أَوْ مَعْنَاهَا الْخَاصِّ. (وَالْحَوَالَةُ تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّحْوِيلِ وَحَيْثُ صَحَّتِ الْحَوَالَةُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ، وَانْتَقَلَ الْحَقُّ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ (فَلَا يَمْلِكُ الْمُحْتَالُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُحِيلِ (بِحَالٍ) ، لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ، فَلَا يَعُودُ بَعْدَ انْتِقَالِهِ هَذَا إِذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا وَرَضِيَ بِهَا الْمُحْتَالُ، وَلَمْ يُشْتَرَطِ الْيَسَارُ سَوَاءٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ، أَوْ تَعَذَّرَ لِمَطْلٍ، أَوْ فَلَسٍ، أَوْ مَوْتٍ، أَوْ جَحْدِ الْحَقِّ، وَلَا بَيِّنَةَ بِهِ وَحَلَفَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ، وَعَنْهُ: إِذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُحْتَالُ بِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، إِذِ الْفَلَسُ عَيْبٌ فِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ كَالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا كَانَ لَهُ عَلَى عَلِيٍّ دَيْنٌ فَأَحَالَهُ بِهِ فَمَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: اخْتَرْتَ عَلَيْنَا أَبْعَدَكَ اللَّهُ فَأَبْعَدَهُ بِمُجَرَّدِ احْتِيَالِهِ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ، لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ دَيْنٍ لَيْسَ فِيهَا قَبْضٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا مِمَّنْ يَدْفَعُ عَنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْحَوَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ. [شُرُوطُ الْحَوَالَةِ] [الْأَوَّلُ أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ] (وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا: أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ بِعَرْضِيَّةِ السُّقُوطِ، إِذْ مُقْتَضَاهَا الْتِزَامُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ مُطْلَقًا، وَلَا يَثْبُتُ فِيمَا هَذَا صِفَتُهُ (فَإِنْ أَحَالَ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَوِ السَّلَمِ، أَوِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَصِحَّ) وَهُنَا صُوَرٌ.

стр. 1529

يَصِحَّ وَإِنْ أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ، أَوِ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ صَحَّ. وَ الثَّانِي: اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ، وَالصِّفَةِ، وَالْحُلُولِ، وَالتَّأْجِيلِ . وَالثَّالِثُ: أَنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا ــ [المبدع في شرح المقنع] الْأُولَى: إِذَا أَحَالَ عَلَى مَال الكتابة غير صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَائِهِ، وَيَسْقُطَ بِعَجْزِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَلَّ فِي الْمَنْصُوصِ وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ آخَرَ، إِذْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ فِي الْمُدَايَنَاتِ. الثَّانِيَةُ: إِذَا أَحَالَ عَلَى مَالِ السَّلَمِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلْفَسْخِ بِانْقِطَاعِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا فِيمَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي السَّلَمِ لِقَوْلِهِ: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» ، لَكِنْ فِي صِحَّتِهَا فِي رَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ فَسْخِهِ وَجْهَانِ. الثَّالِثَةُ: إِذَا أَحَالَتْ بِصَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ بِرِدَّتِهَا، أَوْ نِصْفِهِ بِطَلَاقِهَا. وَمِثْلُهُ إِذَا أَحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا أَحَالَتْ بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ أَنَّهُ يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مُسْتَقِرٌّ (وَإِنْ أَحَالَ الْمَكَاتَبُ سَيِّدَهُ) بِنَجْمٍ قَدْ حَلَّ (أَوِ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ، صَحَّ) ، لِأَنَّ لَهُ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهَا، وَحَوَالَتُهُ بِهِ تَقُومُ مَقَامَ تَسْلِيمِهِ، وَكَذَا إِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُ الْمُحَالِ بِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَجَزَمَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ: يُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُهُ كَالْمُحَالِ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ لَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ. [الثَّانِي اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ] (وَالثَّانِي: اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ) أَيْ: تَمَاثُلُ الْحَقَّيْنِ (فِي الْجِنْسِ) كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ، أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ، فَإِنْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ، أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يَصِحَّ (وَالصِّفَةِ) كَصِحَاحٍ بِصِحَاحٍ، أَوْ مُضْرَبَةٍ بِمِثْلِهَا، فَلَوِ اخْتَلَفَا لَمْ يَصِحَّ (وَالْحُلُولِ) أَيْ: بِأَنْ يَكُونَا حَالَّيْنِ (وَالتَّأْجِيلِ) أَيْ: بِأَنْ يَكُونَا مُؤَجَّلَيْنِ وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الْأَجَلِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَحِلُّ بَعْدَ شَهْرٍ، وَالْآخَرُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهَا إِرْفَاقٌ كَالْقَرْضِ، فَلَوْ

стр. 1530

الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا وَإِنْ ظَنَّهُ مليئا فبان ــ [المبدع في شرح المقنع] جُوِّزَتْ مَعَ الِاخْتِلَافِ لَصَارَ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا الْفَضْلَ فَتَخْرُجُ عَنْ مَوْضُوعِهَا وَاكْتَفَى بِمَا ذَكَرَهُ عَنْ ذِكْرِ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ، لِأَنَّ الْأَجَلَ إِذَا مُنِعَ لِكَوْنِهِ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ تَقْدِيرًا فَالزِّيَادَةُ الْمُحَقَّقَةُ أَوْلَى. فَرْعٌ: إِذَا صَحَّتِ الْحَوَالَةُ فَتَرَاضَيَا بِأَنْ يَدْفَعَ خَيْرًا مِنْ حَقِّهِ، أَوْ بِدُونِهِ فِي الصِّفَةِ، أَوْ تَعْجِيلِهِ، أَوْ تَأْجِيلِهِ، أَوْ عِوَضِهِ جَازَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ فِي " التَّرْغِيبِ " الْأَوَّلَةَ فَظَاهِرُهُ مَنْعُ عِوَضِهِ. وَنَقَلَ سِنْدِيٌّ فِيمَنْ أَحَالَهُ عَلَيْهِ بِدِينَارٍ فَأَعْطَاهُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا: لَا يَنْبَغِي إِلَّا مَا أَعْطَاهُ. [الثَّالِثُ أَنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ] (وَالثَّالِثُ: أَنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الْمُقَاصَّةِ، وَعِلْمِ الْمَالِ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بَيْعًا، فَلَا تَصِحُّ فِي مَجْهُولٍ، وَإِنْ كَانَتْ تُحَوِّلُ الْحَقَّ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا التَّسْلِيمُ، وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنْهُ فَتَصِحُّ فِي كُلِّ مَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ فِي الذِّمَّةِ بِالِائْتِلَافِ مِنَ الْأَثْمَانِ، وَالْحُبُوبِ، وَالْأَدْهَانِ، فَلَا تَصِحُّ بِمَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ كَالْجَوْهَرِ، وَفِيمَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ غَيْرَ الْمِثْلِيِّ كَالْمَذْرُوعِ، وَالْمَعْدُودِ وَجْهَانِ، وَفِي الْحَوَالَةِ بِإِبِلِ الدِّيَةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهَا وَجْهَانِ، فَإِنْ أَحَالَ بِإِبِلِ الدِّيَةِ عَلَى إِبِلِ الْقَرْضِ، صَحَّ إِنْ قِيلَ: يَرُدُّ فِيهِ الْمِثْلَ، وَإِنْ قُلْنَا بِرَدِّ الْقِيمَةِ، فَلَا لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ لَمْ تَصِحَّ مُطْلَقًا (وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّ لِلْمُحِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ، وَقَدْ أَقَامَ الْمُحْتَالَ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي الْقَبْضِ فَلَزِمَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ كَالْوَكِيلِ (وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا) بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ نَصَّ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَفُسِّرَ الْمَلِيءُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْعِجْلِيِّ أَنْ يَكُونَ مَلِيئًا بِمَالِهِ وَقَوْلِهِ وَبَدَنِهِ، فَمَالُهُ: الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَفَاءِ. وَقَوْلُهُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُمَاطِلًا، وَبَدَنُهُ: إِمْكَانُ حُضُورِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " مَالُهُ:

стр. 1531

مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ وَإِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، أَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِهِ، فَبَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا فَالْحَوَالَةُ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَفَاءِ، وَقَوْلُهُ: إِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ، وَبَدَنُهُ: الْحَيَاةُ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْقَبُولِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ قَبْلَ أَنْ يُجْبِرَهُ الْحَاكِمُ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: نَعَمْ نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ وَهِيَ الْمَذْهَبُ، فَلَوْ هَلَكَ الْمُحَالُ مُعْسِرًا، أَوْ مَاتَ، أَوْ جَحَدَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يُجْبِرَهُ الْحَاكِمُ، لَكِنْ تَنْقَطِعُ الْمُطَالَبَةُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ وَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ مَنْ بَذَلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ فَامْتَنَعَ رَبُّهُ مِنْ قَبْضِهِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْقَبْضِ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْغَرِيمِ قَبْلَ ذَلِكَ (وَإِنْ ظَنَّهُ مليئا فبان مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ رَجَعَ عَلَيْهِ) ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْفَلَسَ عَيْبٌ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ كَالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَعَ الرِّضَا يَزُولُ شَغْلُ الذِّمَّةِ، فَلَا يَعُودُ بَعْدَ زَوَالِهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ) هَذَا رِوَايَةٌ كَشَرْطِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالَانِ، وَفِي " الْكَافِي " رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ الْمُحْتَالُ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِفَلَسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِرِضَاهُ بِدُونِ حَقِّهِ كَالْمَعِيبِ. (وَإِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، أَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِهِ فَبَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا) ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَظَهَرَ حُرًّا، أَوْ مُسْتَحِقًّا (فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ) ، لِأَنَّهُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ تَبَيَّنَّا أَنْ لَا ثَمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَالْحَوَالَةُ فَرْعٌ عَلَى الثَّمَنِ، فَإِذًا يَبْطُلُ الْفَرْعُ لِبُطْلَانِ أَصْلِهِ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي مَسْأَلَةِ حَوَالَتِهِ، وَعَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَمَّا بَطَلَتْ وَجَبَ بَقَاءُ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ وَيُعْتَبَرُ ثُبُوتُ ذَلِكَ بِبَيِّنَةً، أَوِ اتِّفَاقُهُمْ، فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ وَكَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا يُبْطِلَانِ حَقَّهُ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ اعْتَرَفَ هُوَ وَبَائِعُهُ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً لَمْ تُسْمَعْ، لِأَنَّهُمَا كَذَّبَاهَا بِدُخُولِهِمَا فِي التَّبَايُعِ، لَكِنْ إِنْ أَقَامَهَا الْعَبْدُ قُبِلَتْ وَبَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْمُحْتَالُ وَادَّعَى أَنَّهَا بِغَيْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنِ اتَّفَقَ الْمُحِيلُ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ وَكَذَّبَهُمَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ

стр. 1532

بَاطِلَةٌ، وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ، أَوْ إِقَالَةٍ لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالَةُ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالَ الْمُشْتَرِيَ عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَائِعِ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا وَإِذَا ــ [المبدع في شرح المقنع] لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِمَا وَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ، وَلَوِ اعْتَرَفَ الْمُحْتَالُ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَتَقَ لِإِقْرَارِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ بَحْرِيَّتِهِ وَبَطَلَتِ الْحَوَالَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ، لِأَنَّ دُخُولَهُ مَعَهُ فِي الْحَوَالَةِ اعْتِرَافٌ بِبَرَاءَتِهِ. (وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ، أَوْ إِقَالَةٍ) ، أَوْ خِيَارٍ، أَوِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَنَحْوُهُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ (لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالَةُ) ، لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَمْ يَرْتَفِعْ هُنَا، فَلَمْ يَسْقُطِ الثَّمَنُ، فَلَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالَةُ لِانْتِفَاءِ الْمُبْطِلِ وَكَمَا لَوْ أَخَذَ الْبَائِعُ بِحَقِّهِ عِوَضًا، وَحِينَئِذٍ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّ الْعِوَضَ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِالْعِوَضِ، وَالرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ مُتَعَذِّرٌ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ، فَوَجَبَ فِي بَدَلِهِ وَإِذَا لَزِمَ الْبَدَلُ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي انْتَفَعَ بِمُبْدَلِهِ. (وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالَ الْمُشْتَرِيَ عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَائِعِ فِي الثَّانِيَةِ) ، لِأَنَّ دَيْنَ الْبَائِعِ ثَابِتٌ عَلَى مَنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ، وَدَيْنُ الْمُشْتَرِي ثَابِتٌ عَلَى الْبَائِعِ ثُبُوتًا مُسْتَقِرًّا، فَصَحَّتِ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُسْتَقِرَّةِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا) حَكَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ تَسْقُطُ بِالْفَسْخِ، فَوَجَبَ بُطْلَانُ الْحَوَالَةِ لِذَهَابِ حَقِّهِ مِنَ الْمَالِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، فَعَلَى هَذَا فِي بُطْلَانِ إِذْنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ وَجْهَانِ، وَأَبْطَلَ الْقَاضِي الْحَوَالَةَ بِهِ لَا عَلَيْهِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ إِذَا كَانَ الْمُحْتَالُ قَبَضَهَا وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ بِإِذْنِهِ (وَإِذَا) أَمَرَ رَجُلًا بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ غَرِيمُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا (قَالَ: أَحَلْتُكَ قَالَ: بَلْ وَكَّلْتَنِي) فِي قَبْضِهِ وَدَيْنِي بَاقٍ فِي ذِمَّتِكَ (أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ) بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ (قَالَ: بَلْ أَحَلْتَنِي) بِلَفْظِ

стр. 1533

قَالَ: أَحَلْتُكَ قَالَ: بَلْ وَكَّلْتَنِي، أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ قَالَ: بَلْ أَحَلْتَنِي. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ، وإن اتفقا عَلَى أَنَّهُ قَالَ: أَحَلْتُكَ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ قَالَ: أَحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْحَوَالَةِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ) مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَقَاءَ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ وَيُنْكِرُ انْتِقَالَهُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا، لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ (وإن اتفقا عَلَى أَنَّهُ قَالَ: أَحَلْتُكَ) ، أَوْ أَحَلْتُكَ بِدَيْنِي (وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْكَافِي "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَذْهَبُ يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَقِّ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَالْمُحْتَالُ يَدَّعِي نَقْلَهُ، وَالْمُحِيلُ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَالثَّانِي: يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ لِمُوَافَقَةِ دَعْوَاهُ الْحَقِيقَةَ وَدَعْوَى خَصْمِهِ الْمَجَازَ فَعَلَيْهِ يَحْلِفُ الْمُحْتَالُ وَيَثْبُتُ حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَيَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ وَيَسْقُطُ عَنِ الْمُحِيلِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْلِفُ الْمُحِيلُ وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِمَا إِنْ كَانَ الْمُحْتَالُ قَبَضَ الْحَوَالَةَ مِنَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَتَلَفَ فِي يَدِهِ، فَقَدْ بَرِئَ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ فَوَجْهَانِ (وَإِنْ قَالَ: أَحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ) بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ وَجْهًا وَاحِدًا) ، وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِدَيْنِهِ لَا تَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ مُدَّعِيهَا. تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: الْحَوَالَةُ عَلَى مَالِهِ مِنَ الدُّيُونِ إِذْنٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ وَلِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ وَمُطَالَبَةُ مُحِيلِهِ، وَإِحَالَةُ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَلَى مَنْ دَيْنُهُ عَلَيْهِ وَكَالَةٌ، وَمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِهِ وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ، وَكَذَا مَدِينٌ عَلَى بَرِيءٍ، فَلَا يُصَارِفُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الْوجيزِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ " إِنْ رَضِيَ الْبَرِيءُ بِالْحَوَالَةِ صَارَ ضَامِنًا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".

стр. 1534

فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ وَجْهًا وَاحِدًا. بَابُ الصُّلْحِ الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: ــ [المبدع في شرح المقنع] الثَّانِي: مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ مِثْلُ مَا لَهُ عَلَيْهِ قَدْرًا وَصِفَةً تَسَاقَطَا، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ سَقَطَ الْأَقَلُّ. وَمِثْلُهُ مِنَ الْأَكْثَرِ، وَعَنْهُ: بِرِضَاهُمَا، وَعَنْهُ: أَوْ أَحَدِهِمَا، وَعَنْهُ: لَا يَتَقَاصُّ الدَّيْنَانِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَيْنَ سَلَمٍ، وَفِي " الْفُرُوعِ "، أَوْ كَانَا مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ. الثَّالِثُ: إِذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ فَطَالَبَهُ فَقَالَ أَحَلْتُ بِهِ فُلَانًا الْغَائِبَ، وَأَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيُعْمَلُ بِالْبَيِّنَةِ. الرَّابِعُ: إِذَا نَوَى الْمَدْيُونُ وَفَاءَ دَيْنِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ، وَإِنْ وَفَّاهُ حَاكِمٌ قَهْرًا كَفَتْ نِيَّتُهُ إِنْ قَضَاهُ مِنْ مَدْيُونٍ، وَفِي لُزُومِ رَبِّ الدَّيْنِ بِنِيَّةِ قَبْضِ دَيْنِهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ رَدَّ بَدَلَ عَيْنٍ نَوَى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. [بَابُ الصُّلْحِ] [تَعْرِيفُ الصلح وَحُكْمُهُ] بَابُ الصُّلْحِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ فَمِنْهَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ: الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَهُوَ أَنْوَاعٌ: صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَالْبَغْيِ، وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا وَصُلْحٌ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا. وَمَعْنَاهُ لُغَةً: قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ. وَشَرْعًا: مُعَاقَدَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ.

стр. 1535

أَحَدُهُمَا: الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَيْنٍ فَيَهَبَ لَهُ بَعْضَهَا وَيَأْخُذَ الْبَاقِيَ، صَحَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِيَ، أَوْ يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْمَأْذُونِ لَهُ وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إِلَّا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ صَالَحَ عَن ــ [المبدع في شرح المقنع] [أَقْسَامُ الصُّلْحِ] [ صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ] [ الْأَوَّلُ الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ] (الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَيْنٍ) كَدَارٍ (فَيَهَبَ لَهُ بَعْضَهَا وَيَأْخُذَ الْبَاقِيَ، فَيَصِحُّ) ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْنَعُ مِنْ إِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ، كَمَا لَا يُمْنَعُ مِنِ اسْتِيفَائِهِ، لِأَنَّهُ ﵇ كَلَّمَ غُرَمَاءَ جَابِرٍ لِيَضَعُوا عَنْهُ، وَقَضِيَّةُ كَعْبٍ مَعَ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ. قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ لَيْسَ عِنْدَهُ وَفَاءٌ، فَوَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ حَقِّهِ وَأَخَذَ مِنْهُ الْبَاقِيَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُمَا إِذَا كَانَ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الصُّلْحِ فَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَهِيَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهُ صَالَحَ عَنْ بَعْضِ مَالِهِ بِبَعْضٍ فَهُوَ هَضْمٌ لِلْحَقِّ، وَالثَّانِيَةُ: وَهِيَ ظَاهِرُ " الْمُوجَزِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ " وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ يَصِحُّ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ مَنَعَ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى الصُّلْحَ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَأَبَاهُ الْأَكْثَرُونَ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ وَفَّاهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَهُوَ وَفَاءٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مُعَاوَضَةً، وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ بَعْضِهِ فَهُوَ إِبْرَاءٌ، وَإِنْ وَهَبَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ فَهُوَ هِبَةٌ، وَلَا يُسَمَّى صُلْحًا فَالْخِلَافُ إِذَنْ فِي التَّسْمِيَةِ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَشَرْطُهُ (إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِيَ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ أَكْلٌ لِمَالِ الْغَيْرِ بِالْبَاطِلِ وَهَضْمٌ لِلْحَقِّ (أَوْ يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ) أَيْ: بِدُونِ الصُّلْحِ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا (وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْمَأْذُونِ لَهُ وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ) ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَهَؤُلَاءِ لَا يَمْلِكُونَهُ (إِلَّا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ) ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ. وَمِثْلُهُ نَاظِرُ الْوَقْفِ. وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي شَرْحِهِ عَلَى " الْمُحَرَّرِ "، لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْبَعْضِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْكُلِّ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَعَ الْإِقْرَارِ، أَوْ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ لَا

стр. 1536

الْمُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا، لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الْمَالِ وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ دُونَ التَّأْجِيلِ، وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ مِثْلَ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] يَمْلِكُونَهُ لِمَا قُلْنَا وَيَصِحُّ عَمَّا ادَّعَى عَلَى مُوَلِّيهِ وَبِهِ بَيِّنَةٌ، وَقِيلَ: أَوْ لَا. (وَلَوْ صَالَحَ عَنِ الْمُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا لَمْ يَصِحَّ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، لِأَنَّهُ يَبْذُلُ الْقَدْرَ الَّذِي يَحُطُّهُ عِوَضًا عَنْ تَعْجِيلِ مَا فِي ذِمَّتِهِ وَمَعَ الْحُلُولِ، وَالتَّأْجِيلِ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ عَشَرَةً حَالَّةً بِعِشْرِينَ مُؤَجَّلَةٍ، وَفِي الْإِرْشَادِ، وَ " الْمُبْهِجِ " رِوَايَةٌ بِالصِّحَّةِ، وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ هُنَا، وَكَدَيْنِ الْكِتَابَةِ جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ. وَقَالَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا، فَدَلَّ أَنَّهُ إِنَّمَا جَوَّزَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَالْأَشْهُرُ عَكْسُهُ. (وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الْحَالِّ وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ) ، كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ مِائَةٍ حَالَّةٍ بِخَمْسِينَ مُؤَجَّلَةٍ (صَحَّ الْإِسْقَاطُ) ، لِأَنَّهُ أَسْقَطَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ صِحَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مُقَابِلِهِ تَأْجِيلٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَهُ كُلَّهُ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ، وَصَحَّحَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (دُونَ التَّأْجِيلِ) عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْحَالَّ لَا يَتَأَجَّلُ، وَلِأَنَّهُ وَعْدٌ، وَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ مِائَةٍ صِحَاحٍ بِخَمْسِينَ مُكَسَّرَةٍ هَلْ هُوَ إِبْرَاءٌ مِنَ الْخَمْسِينَ وَوَعْدٌ فِي الْأُخْرَى؛ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ مِثْلَ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ، أَوْ عَنْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا لَمْ يَصِحَّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، لِأَنَّ الدِّيَةَ وَالْقِيمَةَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِقَدْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا كَالثَّابِتَةِ عَنْ قَرْضٍ، إِذِ الزَّائِدُ لَا مُقَابِلَ لَهُ فَيَكُونَ حَرَامًا، لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَكَالْمِثْلِيِّ، وَقَيَّدَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَغَيْرِهِ الْمُتْلَفَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مِثْلِيٍّ وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ تَأْجِيلُ الْقِيمَةِ. قَالَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " رِوَايَةٌ بِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْمِائَةِ الثَّابِتَةِ بِالتَّلَفِ بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، لِأَنَّهُ عَاوَضَ عَنِ الْمُتْلَفِ بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ فَجَازَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ إِيَّاهُ.

стр. 1537

أَوْ عَنْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا، لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ صَالَحَهُ بِعِوَضٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا، صَحَّ فِيهِمَا، وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ بَيْتٍ عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ سَنَةً، أَوْ يَبْنِيَ لَهُ فَوْقَهُ غُرْفَةً لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: أَقِرَّ لِي بِدَيْنِي وَأُعْطِيكَ مِنْهُ مِائَةً فَفَعَلَ، صَحَّ الْإِقْرَارُ، وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، فَإِنْ صَالَحَ إِنْسَانًا لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، أَوِ امْرَأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةَ إِلَى الْمُدَّعِي مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ، ــ [المبدع في شرح المقنع] وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً بِتَأْجِيلِ الْحَالِّ فِي الْمُعَاوَضَةِ لَا التَّبَرُّعِ (وَإِنْ صَالَحَهُ بِعِوَضٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا، صَحَّ فِيهِمَا) ، لِأَنَّهُ لَا رِبَا بَيْنَ الْعِوَضِ، وَالْمُعَوَّضِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مَا يُسَاوِي خَمْسَةً بِدِرْهَمٍ. (وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ بَيْتٍ) أَيْ: إِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ بَيْتًا فَصَالَحَهُ (عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ سَنَةً، أَوْ يَبْنِيَ لَهُ فَوْقَهُ غُرْفَةً) ، أَوْ صَالَحَهُ عَلَى بَعْضِهِ (لَمْ يَصِحَّ) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ يُصَالِحُهُ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى مِلْكِهِ، أَوْ مَنْفَعَتِهِ فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ تَبَرُّعًا مَتَى شَاءَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا، وَإِنْ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُصَالَحَةِ مُعْتَقِدًا إِيجَابَهُ عَلَيْهِ بِالصُّلْحِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ مَا سَكَنَ وَأَخَذَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنَ الدَّارِ، لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (وَإِنْ قَالَه لَهُ: أَقِرَّ لِي بِدَيْنِي وَأُعْطِيكَ) ، أَوْ خُذْ (مِنْهُ مِائَةً فَفَعَلَ، صَحَّ الْإِقْرَارُ) ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِنْكَارُهُ (وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ) ، لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَرُدُّ مَا أَخَذَ، لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ بِإِقْرَارِهِ، وَأَنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ (وَإِنْ صَالَحَ إِنْسَانًا) مُكَلَّفًا (لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ) أَيْ: بِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ (أَوِ امْرَأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ صُلْحٌ يُحِلُّ حَرَامًا، لِأَنَّ إِرْقَاقَ النَّفْسِ وَبَذْلَ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا بِعِوَضٍ لَا يَجُوزُ. (وَإِنْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةَ إِلَى الْمُدَّعِي مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ، صَحَّ) ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ بَعِوَضٍ وَيُشْرَعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الدَّافِعِ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ الْمُتَوَجِّهَةِ عَلَيْهِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَيَدْفَعُ الْيَمِينَ الْوَاجِبَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا دَفَعَتْ إِلَيْهِ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ لِيَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْهَا لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي " الْمُغْنِي "، وَهُوَ

стр. 1538

صَحَّ. النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْحَقِّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ، فَإِنْ كَانَ بِأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ فَهُوَ صَرْفٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْأَثْمَانِ فَهُوَ بَيْعٌ، وَإِنْ كَانَ بِمَنْفَعَةٍ ــ [المبدع في شرح المقنع] ظَاهِرُ " الْبُلْغَةِ "، لِأَنَّ الدَّفْعَ فِي الْإِنْكَارِ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا أُجِيزَ الْخُلْعُ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ إِلَى افْتِدَاءِ نَفْسِهَا، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِي النِّكَاحِ فَجَازَ كَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَالْمَرْأَةُ تَبْذُلُهُ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَإِزَالَةِ الشُّرُورِ بِمَا تَوَجَّهَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا لِكَوْنِ الْحَاكِمِ يَرَى ذَلِكَ، فَلَوْ صَالَحَتْهُ، ثُمَّ ثَبَتَتِ الزَّوْجِيَّةُ، فَإِنْ قُلْنَا: الصُّلْحُ بَاطِلٌ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنَ الزَّوْجِ طَلَاقٌ، وَلَا خُلْعٌ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ صَحِيحٌ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ، وَالثَّانِي: تَبِينُ مِنْهُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ، لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعِوَضَ عَمَّا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ نِكَاحِهَا فَكَانَ خُلْعًا، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ فَخَالَعَهَا، وَلَوِ ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ لِتَتْرُكَ دَعْوَاهَا لَمْ يَصِحَّ. وَقِيلَ: بَلَى، كَمَا لَوْ بَذَلَتْ لَهُ عِوَضًا لِيُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا. [النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْحَقِّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ] (النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ صُلْحِ الْإِقْرَارِ (أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْحَقِّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ) ، كَمَا لَوِ اعْتَرَفَ لَهُ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ، أَوْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ يُعَوِّضُهُ عَنْهُ بِمَا يَجُوزُ تَعْوِيضُهُ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ نَبَّهَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ بِأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ فَهُوَ صَرْفٌ) ، لِأَنَّهُ بَيْعُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ فَيُشْتَرَطُ لَهُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْأَثْمَانِ فَهُوَ بَيْعٌ) ، لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا، وَفِيهِ شَيْءٌ وَلَوْ قَالَ: " بِعَرَضٍ فَبَيْعٌ " لَكَانَ أَوْلَى، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ بِهِ كَالْمَبِيعِ وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الصُّلْحِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. فَرْعٌ: إِذَا صَالَحَ عَنْ دَيْنٍ فَيَجُوزُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُطْلَقًا وَيَحْرُمُ بِجِنْسِهِ بِأَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، وَبِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ يَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ (وَإِنْ كَانَ بِمَنْفَعَةٍ كَسُكْنَى دَارٍ) ، أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ، أَوْ يَعْمَلُ لَهُ عَمَلًا مَعْلُومًا (فَهُوَ إِجَارَةٌ) ، لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ (تَبْطُلُ بِتَلَفِ

стр. 1539

كَسُكْنَى دَارٍ فَهُوَ إِجَارَةٌ تَبْطُلُ بِتَلَفِ الدَّارِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، وَإِنْ صَالَحَتِ الْمَرْأَةُ بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا، صَحَّ، فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيْبٍ فِي مَبِيعِهَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ ــ [المبدع في شرح المقنع] الدَّارِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ) ، فَإِنْ تَلَفَتْ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ انْفَسَخَتْ وَرَجَعَ بِمَا صَالَحَ عَنْهُ وَبَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِهَا يَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا وَيَرْجِعُ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَقِيلَ: إِنْ صَالَحَ عَنْ دَيْنٍ، أَوْ عَيْنٍ بِخِدْمَةٍ، أَوْ سُكْنَى، صَحَّ، فَإِنْ تَلَفَتِ الْعَيْنُ قَبْلَ الِانْتِفَاعِ بَطَلَ الصُّلْحُ وَرَجَعَ بِمُقَابِلِهِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ إِنْكَارٍ رَجَعَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ عَنْ إِقْرَارٍ رَجَعَ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتَوْفَى الْبَعْضَ رَجَعَ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ. مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: إِذَا صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ، صَحَّ بِشَرْطِهِ وَكَانَ الْمَصَالِحُ عَنْهَا صَدَاقَهَا، فَإِنِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأَمْرٍ يُسْقِطُ الصَّدَاقَ رَجَعَ الزَّوْجُ بِمَا صَالَحَ عَنْهُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ بِنِصْفِهِ. الثَّانِيَةُ: إِذَا صَالَحَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً، صَحَّ وَكَانَتْ إِجَارَةً، فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، صَحَّ عِتْقُهُ وَلِلْمُصَالِحِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ نَفْعَهُ فِي الْمُدَّةِ، وَلَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ مَا أَزَالَ مِلْكَهُ بِالْعِتْقِ إِلَّا عَنِ الرَّقَبَةِ، وَالْمَنَافِعُ حِينَئِذٍ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ زَمِنًا، أَوْ أَمَةً مُزَوَّجَةً، وَقِيلَ: يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ. (وَإِنْ صَالَحَتِ الْمَرْأَةُ) أَيْ: بَعْدَ اعْتِرَافِهَا لَهُ بِدَيْنٍ، أَوْ عَيْنٍ (بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا، صَحَّ) ، وَيَكُونُ صَدَاقًا لَهَا، لِأَنَّ عَقْدَ التَّزْوِيجِ يَقْتَضِي عِوَضًا، فَإِذَا جَعَلَتْ ذَلِكَ عِوَضًا عَنِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهَا، صَحَّ كَغَيْرِهِ (فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيْبٍ فِي مَبِيعِهَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ) كَبَيَاضٍ فِي عَيْنِ الرَّقِيقِ ظَنَّهُ عَمًى، وَانْتِفَاخِ بَطْنِ الْأَمَةِ يَظُنُّهَا حَامِلًا (رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ) أَيْ: بِأَرْشِ الْعَيْبِ، لِأَنَّهُ صَدَاقُهَا (لَا بِمَهْرِهَا) أَيْ: مَهْرِ مَثْلِهَا، وَحِينَئِذٍ مَهْرُهَا أَرْشُهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، ثُمَّ زَالَ كَمَبِيعٍ كَانَ مَرِيضًا

стр. 1540

رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ لَا بِمَهْرِهَا، وَإِنْ صَالَحَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ بِيعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْمَجْهُولِ بِمَعْلُومٍ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ لِلْحَاجَةِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] فَعُوفِيَ لَا شَيْءَ لَهَا، لِأَنَّ زَوَالَ الْعَيْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ حَالَ الْعَقْدِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَرْشِ لَا يُقَالُ: قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُصَرَّاةِ أَنَّهُ إِذَا صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً وَطُلِّقَتِ الْمُزَوَّجَةُ يَمْتَنِعُ الرَّدُّ، فَإِذَا زَالَ الْعَيْبُ تَعَيَّنَ أَنْ لَا أَرْشَ، لِأَنَّ الرَّدَّ فَسْخٌ لِلْمِلْكِ بِسَبَبِ الْعَيْبِ فَيَسْتَدْعِي مَرْدُودًا بِخِلَافِ الْأَرْشِ، فَإِنَّهُ عِوَضٌ عَمَّا فَاتَ مِنَ الْعَيْبِ، فَلَمْ يَسْقُطْ وَقْتَ الْعَقْدِ بِزَوَالِهِ بَعْدَهُ (وَإِنْ صَالَحَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ بِيعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ) ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا، وَلِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ دَيْنًا، لِأَنَّ مَحَلَّهُ الذِّمَّةُ (وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْمَجْهُولِ) عَيْنًا كَانَ، أَوْ دَيْنًا سَوَاءٌ جَهِلَاهُ، أَوْ جَهِلَهُ مِنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ (بِمَعْلُومٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ بِشَرْطٍ (إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ) أَيْ: يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ. قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يُصَالِحُ عَنِ الشَّيْءِ: فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُوقِفَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا لَا يدري «لِقَوْلِهِ ﵇ لِرَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ بَيْنَهُمَا: اسْتَهِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ وَلْيَحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْعِتَاقِ، وَالطَّلَاقِ (لِلْحَاجَةِ) ، وَلِأَنَّهُ إِذَا صَالَحَ مَعَ الْعِلْمِ وَإِمْكَانِ أَدَاءِ الْحَقِّ بِعَيْنِهِ فَلَأَنْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ أَوْلَى، وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ جَوَازِهِ لَأَفْضَى إِلَى ضَيَاعِ الْحَقِّ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ فَرْعُ الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَأَسَاسَاتِ الْحَائِطِ وَطَيِّ الْبِئْرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الصُّلْحُ بِمَجْهُولٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ، وَالْجَهَالَةَ تَمْنَعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ فَكَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ، وَظَاهِرُ نُصُوصِهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَ " الشَّرْحِ " لِعَدَمِ الْحَاجَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: إِنْ صُولِحَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ ثَمَنِهَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ شُرَيْحٍ، وَلِأَنَّ الْمُبِيحَ لِلصُّلْحِ الْحَاجَةُ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ وَخَرَّجَ فِي " التَّعْلِيقِ "، وَ " الِانْتِصَارِ " فِي صُلْحِ الْمَجْهُولِ، وَالْإِنْكَارِ مِنَ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَجْهُولِ عَدَمَ الصِّحَّةِ وَخَرَّجَهُ

стр. 1541

فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ عَيْنًا، أَوْ دَيْنًا فَيُنْكِرَهُ، ثُمَّ يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ، فَيَصِحُّ وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي حَتَّى إِنْ وَجَدَ بِمَا أَخَذَ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ ــ [المبدع في شرح المقنع] فِي " التَّبْصِرَةِ " مِنَ الْإِبْرَاءِ مِنْ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمَا بِهِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ عَنْ أَعْيَانٍ مَجْهُولَةٍ لِكَوْنِهِ إِبْرَاءً وَهِيَ لَا تُقْبَلُ. [الثَّانِي الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ] فَصْلٌ (الْقِسْمُ الثَّانِي) : صُلْحٌ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَهُوَ (أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ عَيْنًا، أَوْ دَيْنًا فَيُنْكِرَهُ) ، أَوْ يَسْكُتَ (ثُمَّ يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ، فَيَصِحُّ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ ﵇: «إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا» ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَحَلَّ بِالصُّلْحِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ دُخُولُهُ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَيْهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ يُوَحَّدُ فِي الصُّلْحِ بِمَعْنَى الْهِبَةِ، فَإِنَّهُ يُحِلُّ لِلْمَوْهُوبِ مَا كَانَ حَرَامًا. والثَّانِي: لَوْ حَلَّ بِهِ الْمُحَرَّمُ لَكَانَ الصُّلْحُ صَحِيحًا، فَإِنَّ الصُّلْحَ الْفَاسِدَ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمِ مَعَ بَقَائِهِ على تحريمه، كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى اسْتِرْقَاقِ حُرٍّ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، فَصَحَّ مَعَ الْخَصْمِ كَالصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَشَرْطُ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي يَعْتَقِدُ حَقِّيَّةَ مَا ادَّعَاهُ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَكْسَهُ فَيَدْفَعُ إِلَى الْمُدَّعِي شَيْئًا افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ وَصِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنِ التَّبَذُّلِ وَحُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ ذَوِي الْأَنْفُسِ الشَّرِيفَةِ يَصْعُبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الشَّرِيعَةَ وَرَدَتْ بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَهَذَا كَذَلِكَ، إِذِ الْمُدَّعِي يَأْخُذُ عِوَضَ حَقِّهِ الثَّابِتِ لَهُ فِي اعْتِقَادِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكِنْ إِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ لَمْ يَجُزْ بِأَكْثَرَ، لِأَنَّ الزَّائِدَ لَا مُقَابِلَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ جَازَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ وَدِيعَةً، أَوْ تَفْرِيطًا فِيهَا، أَوْ قِرَاضًا، فَأَنْكَرَ وَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ فَهُوَ جَائِزٌ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِ (وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي) ، لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ اعْتِقَادِهِ (حَتَّى إِنْ وَجَدَ بِمَا أَخَذَ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الصُّلْحِ) ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا فَوَجَدَهُ مَعِيبًا (وَإِنْ كَانَ شِقْصًا مَشْفُوعًا ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ) ، لِأَنَّهُ بِيعَ لِكَوْنِهِ أَخَذَهُ عِوَضًا، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ، فَإِنْ صَالَحَ بِبَعْضِ عَيْنِ الْمُدَّعي فَهُوَ فِيهِ كَمُنْكِرٍ، وَفِيهِ

стр. 1542

الصُّلْحِ، وَإِنْ كَانَ شِقْصًا مَشْفُوعًا ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَيَكُونُ إِبْرَاءً فِي حَقِّ الْآخَرِ، فَلَا يُرَدُّ مَا صَالَحَ عَنْهُ بِعَيْبٍ، وَلَا تُؤْخَذُ بِهِ شُفْعَةٌ، وَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ، وَمَا أَخَذَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ صَحَّ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ لِنَفْسِهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] خِلَافٌ (وَيَكُونُ إِبْرَاءً فِي حَقِّ الْآخَرِ) أَيِ: الْمُنْكِرِ، لِأَنَّهُ دَفَعَ الْمَالَ افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهُ لَا عِوَضًا عَنْ حَقٍّ يَعْتَقِدُهُ (فَلَا يُرَدُّ مَا صَالَحَ عَنْهُ بِعَيْبٍ، وَلَا تُؤْخَذُ بِهِ شُفْعَةٌ) لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ. أَصْلٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِحُلُولِ الْمَأْخُوذِ، وَلَا تَأْجِيلِهِ. وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ، لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُلْجَأٌ إِلَى التَّأْخِيرِ بِتَأْخِيرِ خَصْمِهِ. قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": وَظَاهِرُهُ لَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ إِلَّا فِيمَا يَخْتَصُّ الْبَائِعَ مِنْ شُفْعَةٍ عَلَيْهِ وَأَخْذِ زِيَادَةٍ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ. وَاقْتَصَرَ الْمَجْدُ عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ إِذَا صَالَحَهُ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ بِتَأْخِيرٍ جَازَ. (وَمَتَّى كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ) ، لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِالْحَقِّ قَادِرٌ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَى مستحقه غير مُعْتَقِدٍ أَنَّهُ مُحِقٌّ (وَمَا أَخَذَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ أَكْلٌ لِلْمَالِ بِدَعْوَاهُ الْبَاطِلَةِ الْكَاذِبَةِ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ إِنْ عَلِمَ ظُلْمَهُ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ (وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، صَحَّ) ، لِأَنَّهُ قَصَدَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ، اعْتَرَفَ لِلْمُدَّعِي بِصِحَّةٍ دَعَوَاهُ، أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعي دَيْنًا، أَوْ عَيْنًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الدَّيْنِ، لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ جَائِزٌ مُطْلَقًا لِقَضِيَّةِ أَبِي قَتَادَةَ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَفِي الْعَيْنِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمُنْكِرَ وَكَّلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ، وَ " الْوَجِيزِ " افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ. وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ إِذْنِهِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ وَكَيْلُهُ. فَلَوْ قَالَ: صَالِحْنِي عَنِ الْمِلْكِ الَّذِي تَدَّعِيهِ فَفِي كَوْنِهِ مُقِرًّا لَهُ وَجْهَانِ (وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) ، لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا لَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ، وَالثَّانِي: يَرْجِعُ كَالضَّمَانِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، وَهُمَا إِذَا نَوَى الرُّجُوعَ، وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إِذَا قَضَى دَيْنَهُ الثَّابِتَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَفِي هَذَا التَّخْرِيجِ نَظَرٌ،

стр. 1543

لِتَكُونَ الْمُطَالَبَةُ لَهُ غَيْرَ مُعْتَرِفٍ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، أَوْ مُعْتَرِفًا بِهَا عَالِمًا بِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِنْقَاذِهَا، لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ صَحَّ، ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فَسْخِ الصُّلْحِ وَإِمْضَائِهِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] لِأَنَّ هَذَا لَا يُثْبِتُ وَجُوبَهَ عَلَى الْمُنْكِرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمُدَّعِي فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إِلَى غَيْرِهِ (وَإِنْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ لِنَفْسِهِ لِتَكُونَ الْمُطَالَبَةُ لَهُ غَيْرَ مُعْتَرِفٍ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى) فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ، وَلَا تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ خُصُومَةٌ يَفْتَدِي مِنْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَى مِلْكَ غَيْرِهِ (أَوْ مُعْتَرِفًا بِهَا عَالِمًا بِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِنْقَاذِهَا لَمْ يَصِحَّ) ، لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَا يَقْدِرُ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَشِرَاءِ الْآبِقِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَالِحُ عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ عَيْنًا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، فَصَحَّحَاهُ فِي الْعَيْنِ، لِأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ مِلْكَهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِهِ وَمَنَعَاهُ فِي الدَّيْنِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَحَكَيَا عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ صِحَّتَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ الْمُقِرِّ بِهِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ لَا يَصِحُّ فَفِي ذِمَّةِ مُنْكِرٍ مَعْجُوزٍ عَنْ قَبْضِهِ أَوْلَى، فَإِنِ اشْتَرَاهُ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ قَبْضِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَبْضَهُ مُمْكِنٌ، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِالْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ (وَإِنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ، صَحَّ) أَيْ: مَعَ الِاعْتِرَافِ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، لِأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ مِلْكَهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ (ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فَسْخِ الصُّلْحِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى بَدَلِهِ (وَإِمْضَائِهِ) ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " احْتِمَالُ أَنَّهُ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الصُّلْحَ كَانَ فَاسِدًا، لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى قَبْضِهِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ حَالَ الْعَقْدِ فَهُوَ كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ آبِقًا. تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ أَجْنَبِيٌّ: أَنَا وَكِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مُصَالَحَتِكَ، وَهُوَ مُقِرٌّ لَكَ فِي الْبَاطِنِ، فَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ وَمَتَى صَدَّقَهُ الْمُنْكِرُ مَلَكَ الْعَيْنَ وَلَزِمَهُ مَا أَدَّى عَنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْوَكَالَةَ حَلَّفَهُ وَبَرِئَ وَحَكَمَ مِلْكَهَا فِي الْبَاطِنِ إِنْ كَانَ وَكَّلَهُ، فَلَا يَقْدَحُ إِنْكَارُهُ،

стр. 1544

فَصْلٌ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْقِصَاصِ بِدِيَاتٍ وَبِكُلِّ مَا يُثْبِتُ مَهْرًا وَلَوْ صَالَحَ سَارِقًا ــ [المبدع في شرح المقنع] وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْإِجَازَةِ، فَإِنْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي: قَدْ عَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صِحَّةَ دَعَوَاكَ، وَهُوَ يَسْأَلُكَ أَنْ تُصَالِحَهُ عَنْهُ، وَقَدْ وَكَّلَنِي فِي الْمُصَالَحَةِ عَنْهُ صَحَّ، وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْمُنْكِرِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ الْمُنْكِرَ أَقَرَّ قَبْلَ الصُّلْحِ بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي لَمْ يُسْمَعْ، وَلَمْ يُنْقَضِ الصُّلْحُ، وَلَوْ شَهِدَتْ بِأَصْلِ الْمِلْكِ. [الصُّلْحُ عَنِ الْقِصَاصِ] فَصْلٌ هَذَا شُرُوعٌ فِي الصُّلْحِ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ (يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْقِصَاصِ) ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ إِقْرَارٍ، وَإِنْكَارٍ. قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَ " الْمُغْنِي " يَجُوزُ عَنْ قَوَدٍ وَسُكْنَى دَارٍ وَعَيْبٍ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ. وَقَالَ فِي " الْفُصُولِ ": وَإِنَّ الْقَوَدَ لَهُ بَدَلٌ، وَهُوَ الدِّيَةُ كَالْمَالِ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ. وَقَالَ: إِنْ أَرَادَ بَيْعَهَا مِنَ الْغَيْرِ، صَحَّ، وَمِنْهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الصُّلْحِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَإِنَّهُ يَتَخَرَّجُ فِيهِ كَالْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا بِصِحَّةِ الصُّلْحِ عَنِ الْمَجْهُولِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فِي صُبْرَةٍ أَتْلَفَهَا جَهْلًا كَيْلَهَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (بِدِيَاتٍ) ، لِأَنَّ الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاص بَذَلُوا لِلَّذِي وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ سَبْعَ دِيَاتٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَلِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، فَلَا يَقَعُ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتِهِ (وَبِكُلِّ مَا يُثْبِتُ مَهْرًا) . قَالَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ إِسْقَاطُهُ فَلَأَنْ يَصِحَّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَإِنْ جَاوَزَ الدِّيَةَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ بِدُونِ دِيَتِهِ وَأَكْثَرَ إِنْ وَجَبَ الْقَوَدُ عَيْنًا، أَوْ طَلَبَ الْوَلِيُّ وَقُلْنَا: يَجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " لَا يَصِحُّ عَلَى جِنْسِ الدِّيَةِ إِنْ قِيلَ: مُوجِبُهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، وَلَمْ يَخْتَرِ الْوَلِيُّ شَيْئًا إِلَّا بَعْدَ تَعْيِينِ الْجِنْسِ مِنْ إِبِلٍ، أَوْ غَنَمٍ حِذَارًا مِنَ الرِّبَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَصِحُّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ. فَرْعٌ: إِذَا صَالَحَ عَنْهُ بِعَبْدٍ فَخَرَجَ مُسْتَحِقًّا رَجَعَ بِقِيمَتِهِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَكَذَا إِنْ

стр. 1545

لِيُطْلِقَهُ، أَوْ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ، أَوْ شَفِيعًا عَنْ شُفَعَتِهِ، أَوْ مَقْذُوفًا عَنْ حَدِّهِ، لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ، وَفِي الْحَدِّ وَجْهَانِ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُجْرِيَ عَلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] خَرَجَ حُرًّا، وَمَعَ جَهَالَتِهِ، كَدَارٍ، وَشَجَرَةٍ تَجِبُ دِيَتُهُ، أَوْ أَرْشُ الْجُرْحِ، فَإِنْ عَلِمَا بِحُرِّيَّتِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا رَجَعَ بِالدِّيَةِ لِبُطْلَانِ الصُّلْحِ بِعِلْمِهِمَا، وَإِنْ صَالَحَ عَنْ دَارٍ، فَبَانَ عِوَضُهُ مُسْتَحَقًّا رَجَعَ بِهَا، وَقِيلَ: بِقِيمَتِهِ مَعَ الْإِنْكَارِ، لِأَنَّ الصُّلْحَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ عِوَضًا عَنِ الْقِصَاصِ. (وَلَوْ صَالَحَ سَارِقًا لِيُطْلِقَهُ، أَوْ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ، أَوْ شَفِيعًا عَنْ شُفْعَتِهِ، أَوْ مَقْذُوفًا عَنْ حَدِّهِ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ) ، وَفِيهِ أُمُورٌ: الْأَوَّلُ: إِذَا صَالَحَ سَارِقَهُ لِيُطْلِقَهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ الرَّفْعَ إِلَى السُّلْطَانِ لَيْسَ حَقًّا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ كَسَائِرِ مَا لَا حَقَّ فِيهِ، وَكَذَا حُكْمُ الزَّانِي، وَالشَّارِبِ. الثَّانِي: إِذَا صَالَحَ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ كِتْمَانَهَا حَرَامٌ لَمْ يَصْحَّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ وَيَشْمَلُ صُوَرًا مِنْهَا أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ تَلْزَمُهُ الشَّهَادَةُ بِهِ كَدَيْنِ آدَمِيٍّ، أَوْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالزَّكَاةِ وَمِنْهَا أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالزُّورِ فَهُوَ حَرَامٌ، كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَهُ، وَلَا يَغْصِبَ مَالَهُ وَمِنْهَا أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَلَّا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدَّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ فِي الْكُلِّ. الثَّالِثُ: إِذَا صَالَحَ الشَّفِيعَ عَنْ شُفْعَتِهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، فَإِذَا رَضِيَ بِالْعِوَضِ تَبَيَّنَّا أَنْ لَا ضَرَرَ، فَلَا اسْتِحْقَاقَ فَيَبْطُلُ الْعِوَضُ لِبُطْلَانِ مُعَوَّضِهِ. نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: الشُّفْعَةُ لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ (وَ) حِينَئِذٍ (تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا قُلْنَاهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا تَسْقُطُ، لِأَنَّ فِيهَا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ ". الرَّابِعُ: إِذَا صَالَحَ مَقْذُوفًا عَنْ حَدِّهِ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَحَدِّ الزِّنَا، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ، الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يَؤُولُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ الْقَصَّاصِ
следующие страницы →