Полный текст (3 567 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَلَا يَجُوزَ لِلْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَزْلَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ بَلَغَهُ ذَلِكَ نُفِّذَ، وَالْحُكْمُ النَّاقِضُ لَهُ مَرْدُودٌ، وَإِلَّا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَالْحَاكِمُ الثَّانِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الْعَزْلَ قَبْلَ الْعِلْمِ، أَوْ عَلِمَ، وَلَمْ يَرَهُ، أَوْ رَآهُ، وَلَمْ يَرَ نَقْضَ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ فَحُكْمُهُ كَعَدَمِهِ.
فَرْعٌ: لَا يَنْعَزِلُ مُودَعٌ قَبْلَ عِلْمِهِ خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فَمَا بِيَدِهِ أَمَانَةٌ. وَمِثْلُهُ مُضَارِبٌ.
[حُكْمُ تَوْكِيلِ اثْنَيْنِ]
(وَإِذَا وَكَّلَ اثْنَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ تَصَرُّفَ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا بِدَلِيلِ إِضَافَةِ الْغَيْرِ إِلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ) أَيِ: الِانْفِرَادَ بِالتَّصَرُّفِ (إِلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا، فَلَوْ وَكَّلَهُمَا فِي حِفْظِ مَالِهِ حَفِظَاهُ مَعًا فِي حِرْزٍ لَهُمَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: افْعَلَا كَذَا يَقْتَضِي اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى فِعْلِهِ بِخِلَافِ بِعْتُكُمَا حَيْثُ كَانَ مُنْقَسِمًا بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ لَهُمَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ فَلَوْ غَابَ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ، وَلَا لِلْحَاكِمِ ضَمُّ أَمِينٍ لِيَتَصَرَّفَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ، فَإِنَّ لِلْحَاكِمِ ضَمَّ أَمِينٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ رَشِيدٌ جَائِزُ التَّصَرُّفِ لَا وِلَايَةَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّ لَهُ نَظَرًا فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْيَتِيمِ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يُوصِ إِلَى أَحَدٍ أَقَامَ الْحَاكِمُ أَمِينًا فِي النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا فَادَّعَى الْحَاضِرُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِثُبُوتِهَا لَهُمَا، فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ تَصَرَّفَا مَعًا، لَا يُقَالُ: هُوَ حُكْمٌ لِلْغَائِبِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الْحَاضِرِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْوَقْفِ لِمَنْ لَمْ يُخْلَقْ لِأَجْلِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فِي الْحَالِ، فَلَوْ جَحَدَهَا الْغَائِبُ، أَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْبَيْعِ بَيْعُ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِهِ فَحُمِلَتِ الْوَكَالَةُ عَلَيْهِ وَكَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ وَيَتَنَافَى الْغَرَضَانِ فِي بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ نَهَاهُ، وَكَذَا شِرَاؤُهُ مِنْ نَفْسِهِ، لَكِنْ لَوْ أَذِنَ لَهُ جَازَ وَيَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا إِذَا انْتَفَتِ التُّهْمَةُ كَأَبِ الصَّغِيرِ، وَكَذَا تَوْكِيلُهُ فِي بَيْعِهِ وَآخَرَ فِي شِرَائِهِ. وَمِثْلُهُ نِكَاحٌ وَدَعْوَى فَيَدَّعِي أَحَدُهُمَا وَيُجِيبُ عَنِ الْآخَرِ وَيُقِيمُ حُجَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَالَ الْأَزَجِّيُّ فِي الدَّعْوَى: الَّذِي يَقَعُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ لِلتَّضَادِّ.
стр. 1612
أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ لِوَلَدِهِ، أَوْ وَالِدِهِ، أَوْ مُكَاتَبِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَعَنْهُ: يَجُوزُ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ) ، لِأَنَّ بِذَلِكَ يَحْصُلُ غَرَضُ الْمُوَكِّلِ مِنَ الثَّمَنِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ الْجَوَازَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ، الثَّانِي: أَنْ يَتَوَلَّى النِّدَاءَ غَيْرُهُ.
قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي وَاجِبًا، وَهُوَ أَشْبَهُ بِكَلَامِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا، وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَعَنْهُ: يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ إِذَا زَادَ ثَمَنَهُ فِي النِّدَاءِ، وَقِيلَ: أَوْ وَكَّلَ بَائِعًا، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَقِيلَ: هُمَا، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ احْتِمَالًا: لَا يُعْتَبَرَانِ، لِأَنَّ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ تَحْمِلُهُ عَلَى الْحَقِّ وَرُبَّمَا زَادَ، لَا يُقَالُ: كَيْفَ يُوَكِّلُ بِالْبَيْعِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ، وَالنِّدَاءُ مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ أَكْثَرُ الْوُكَلَاءِ بِأَنْفُسِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَا وُكِّلَ فِيهِ لِمَنْ يُنَادِي عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ، فَالْعَقْدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَاقِدٍ. وَمِثْلُهُ يَتَوَلَّاهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْهُ غَيْرَهُ وَيُمْكِنَ التَّخَلُّصُ مِنْ وُرُودِ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنْ يُجْعَلَ بَدَلَ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ التَّوْكِيلُ فِي الشِّرَاءِ.
(وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ لِوَلَدِهِ) الْكَبِيرِ (أَوْ وَالِدِهِ، أَوْ مُكَاتَبِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِمْ وَيَمِيلُ إِلَى تَرْكِ الِاسْتِقْصَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الثَّمَنِ كَتُهْمَتِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُهُ، وَقَدِ امْتَثَلَ أَمْرَ الْمُوَكِّلِ وَوَافَقَ الْعُرْفَ فِي بَيْعِ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأُخُوَّةِ وَالْأَقَارِبِ كَذَلِكَ.
فَرْعٌ: الْحَاكِمُ، وَأَمِينُهُ، وَنَاظِرُ الْوَقْفِ، وَالْمُضَارِبُ كَالْوَكِيلِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً، وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ بَاعَ
стр. 1613
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً، وَلَا بغَيِّرَ نَقْدَ الْبَلَدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ كَالْمُضَارِبِ، وَإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، صَحَّ وَيَضْمَنُ النَّقْصَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِنَفْسِهِ وَأَطْلَقَ انْصَرَفَ إِلَى الْحُلُولِ وَنَقْدِ الْبَلَدِ، فَكَذَا وَكَيْلُهُ، فَلَوْ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لِنَفْعٍ وَغَرَضٍ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ لَمْ يَقْتَضِهِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " الْمُوجَزِ " وَكَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ بَلَحٍ فِي الصَّيْفِ وَفَحْمٍ فِي الشِّتَاءِ فَخَالَفَ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَمَحَلُّهُ فِي الْفَحْمِ فِي غَيْرِ تِجَارَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ بَاعَ بِأَغْلَبِهِمَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا خُيِّرَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ: بِعْ كَيْفَ شِئْتَ (كَالْمُضَارِبِ) عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْمُضَارَبَةِ الرِّبْحُ، وَهُوَ فِي النَّسَاءِ أَكْثَرُ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلَ الثمن لدفع حَاجَتِهِ فَتَفُوتُ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ فِي الْمُضَارَبَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ، فَيَعُودُ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، وَاسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَيَعُودُ ضَرَرُ الطَّلَبِ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ مَعَ الْإِطْلَاقِ، فَلَوْ عَيَّنَ لَهُ شَيْئًا تَعَيَّنَ، وَلَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهُ، لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِإِذْنِهِ.
فَائِدَةٌ: إِذَا ادَّعَيَا الْإِذْنَ فِي ذَلِكَ قُبِلَ قَوْلُهُمَا، وَقِيلَ: قَوْلُ الْمَالِكِ.
(وَإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، صَحَّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، لِأَنَّ مَنْ صَحَّ بَيْعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، صَحَّ بِدُونِهِ كَالْمَرِيضِ (وَيَضْمَنُ) الْوَكِيلُ (النَّقْصَ) ، لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ حَظِّ الْمُشْتَرِي بِعَدَمِ الْفَسْخِ، وَحَظِّ الْبَائِعِ بِوُجُوبِ التَّضْمِينِ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ، فَلَا يُعْتَبَرُ حَظُّهُ، لِأَنَّهُ مُفْرِّطٌ، وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: مَا بَيْنَ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَمَا بَاعَهُ، وَالثَّانِي: مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ، وَمَا لَا يَتَغَابَنُونَ، لِأَنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ عَادَةً كَدِرْهَمٍ فِي عَشَرَةٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَلَوْ حَضَرَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهُ بِهِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ طَلَبَ الْحَظِّ لِمُوَكِّلِهِ، فَلَوْ بَاعَ بِهِ ثُمَّ حَضَرَ مَنْ يَزِيدُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَلْزَمْهُ فَسْخُ الْعَقْدِ عَلَى الْأَشْهَرِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْهُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي "، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ "
стр. 1614
يَصِحَّ، وَإِنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، صَحَّ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ، صَحَّ فِي أَحَدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنَّهَا أَقْيَسُ، وَفِي " الْفُرُوعِ " هِيَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ بيع غير مَأْذُونٌ فِيهِ، أَشْبَهَ بَيْعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَقِيلَ: هُوَ كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَلِفَ فَضَمِنَ الْوَكِيلُ رَجَعَ عَلَى مُشْتَرٍ كَتَلَفِهِ عِنْدَهُ، وَعَلَى الصِّحَّةِ لَا يَضْمَنُ عَبْدٌ لِسَيِّدِهِ، وَلَا صَبِيٌّ لِنَفْسِهِ (وَإِنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، صَحَّ) ، لِأَنَّهُ بَاعَ الْمَأْذُونَ، وَزَادَهُ خَيْرًا زِيَادَةَ مَنْفَعَةٍ، وَلَا يَضُرُّهُ، وَالْعُرْفُ يَقْتَضِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ فَاشْتَرَاهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ (سَوَاءٌ أَكَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ) كَمَنْ أُذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِهَا وَبِعَشَرَةٍ أُخْرَى (أَوْ لَمْ تَكُنْ) كَدِينَارٍ وَثَوْبٍ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ جِنْسُ الْأَثْمَانِ.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وَتَزْكِيَةُ بَيِّنَةِ خَصْمِهِ وَمُخَاصَمَةٌ فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ بَانَ مُسْتَحَقًّا فِي وَجْهٍ، وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فَلِمُوَكِّلِهِ وَلِنَفْسِهِ لَهُمَا، وَلَا تَصِحُّ لِنَفْسِهِ فَقَطْ، وَيُخْتَصُّ بِخِيَارِ مَجْلِسٍ وَيُخْتَصُّ بِهِ مُوَكِّلُهُ إِنْ حَضَرَهُ.
فَائِدَةٌ: الْوَصِيُّ وَنَاظِرُ الْوَقْفِ كَالْوَكِيلِ فِيمَا إِذَا بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوِ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَتَضْمِينُهُ مَعَ اجْتِهَادِهِ وَعَدَمِ تَفْرِيطِهِ - مُشْكِلٌ، فَإِنَّ قَوَاعِدَ الْمَذْهَبِ تَشْهَدُ لَهُ بِرِوَايَتَيْ فِيمَا إِذَا رَمَى إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ يَظُنُّهُ كافرا فبان مُسْلِمًا، فَفِي ضَمَانِ دَيْنِهِ رِوَايَتَانِ (وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ، صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِدِرْهَمٍ رَضِيَ مَكَانَهُ بِدِينَارٍ، وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ فِي الْجِنْسِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بِثَوْبٍ يُسَاوِي دِينَارًا، أَوْ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِمِائَةِ ثَوْبٍ قِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ "، وَلَوْ بَاعَهُ بِدِرْهَمٍ وَعَرَضٍ فَالْأَصَحُّ لَا تَبْطُلُ فِي زَائِدٍ بِحِصَّتِهِ، وَإِنِ اخْتَلَطَ الدِّرْهَمُ بِآخَرَ لَهُ، عَمِلَ بِظَنِّهِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ حُكْمًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
(وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ بِأَلْفٍ نَسَاءً فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةً، صَحَّ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ زَادَهُ
стр. 1615
الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ بِأَلْفٍ نَسَاءً فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةً، صَحَّ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَضِرُّ بِحِفْظِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِّ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ فَاشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ، لَمْ يَصِحَّ وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمَا قَدَّرَهُ لَهُ مُؤَجَّلًا، أَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ تُسَاوِي إِحْدَاهُمَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
خَيْرًا فَهُوَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا بَاعَ حَالًّا بِدُونِ ثَمَنِهَا نَسِيئَةً، أَوْ بِدُونِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ لَمْ يُنَفَّذْ تَصَرُّفُهُ، لِأَنَّهُ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ، وَشَرَطَ الْمُؤَلِّفُ (إِنْ كَانَ لَا يَسْتَضِرُّ بِحِفْظِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِّ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَضَرَّ بِحِفْظِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ،
لِأَنَّ حُكْمَ الْإِذْنِ إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِتَضَمُّنِهِ الْمَصْلَحَةَ
، فَإِذَا كَانَ يَتَضَرَّرُ بِهِ عُلِمَ انْتِفَاؤُهَا فَتَنْتَفِي الصِّحَّةُ وَحُكْمُ خَوْفِ التَّلَفِ، وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِ كَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي الْمَعْنَى، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُوَ قَوْلٌ، وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَنْهَهُ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ لِلْمُخَالَفَةِ.
١ -
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ فَاشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ) لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ تصرف غير مَأْذُونٌ فِيهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَهَذَا يُشْكِلُ بِمَا سَبَقَ، وَالْمَذْهَبُ فِيهِ، كَمَا قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَضْمَنُ الزِّيَادَةَ هُوَ وَمُضَارِبٌ (أَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ، لَمْ يَصِحَّ) ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ فَاشْتَرَى بَعْضَهُ وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا بَاعَهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَلَوْ بَاعَهُ بِثَمَنِ جَمِيعِهِ، صَحَّ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَعَلَى الْأَوَّلِ: مَا لَمْ يَبِعِ الْبَاقِيَ، أَوْ يَكُنْ عَبِيدًا، أَوْ صُبْرَةً وَنَحْوَهَا، فَيَصِحُّ مُفَرَّقًا مَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِبَيْعِهِ صَفْقَةً وَاحِدَةً.
(وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمَا قَدَّرَهُ لَهُ مُؤَجَّلًا) ، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ لِلْمُخَالَفَةِ (أَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ تُسَاوِي إِحْدَاهُمَا دِينَارًا، أَوِ اشْتَرَى لَهُ شَاةً تُسَاوِي دِينَارًا بِأَقَلَّ مِنْهُ، صَحَّ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ
стр. 1616
دِينَارًا، أَوِ اشْتَرَى لَهُ شَاةً تُسَاوِي دِينَارًا بِأَقَلَّ مِنْهُ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا وَلَيْسَ لَهُ شِرَاءُ مَعِيبٍ، فَإِنْ وَجَدَ بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا فَلَهُ الرَّدُّ فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: مُوَكِّلُكَ قَدْ رَضِيَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
سُفْيَانَ عَنْ شَبِيبٍ هُوَ ابْنُ غَرْقَدَةَ سَمِعَ الْحَيَّ يُخْبِرُونَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً، وَقَالَ مَرَّةً: أَوْ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ اثْنَتَيْنِ فَبَاعَ وَاحِدَةً بِدِينَارٍ وَأَتَاهُ بِالْأُخْرَى فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «هَذَا دِينَارُكُمْ، وَهَذِهِ شَاتُكُمْ قَالَ: كَيْفَ صَنَعْتَ؟ فَذَكَرَهُ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي ضِمْنِ حَدِيثٍ مُتَّصِلٍ لِعُرْوَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا سُفْيَانُ، وَلِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ الْمَأْذُونُ فِيهِ وَزِيَادَةٌ، وَفِي الْأَخِيرَةِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَزِيَادَةٌ، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِدِينَارٍ يَرْضَى بِأَقَلَّ مِنْهُ، وَكَذَا إِذَا اشْتَرَى شَاتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا تُسَاوِي دِينَارًا، وَفِيهِ رِوَايَةٌ فِي " الْمُبْهِجِ " كَفُضُولِيٍّ، وَإِنْ أَبْقَى مَا يُسَاوِيهِ فَفِي بَيْعِ الْآخَرِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُوَكِّلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، أَشْبَهَ بَيْعَ الشَّاتَيْنِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: الْجَوَازُ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَإِلَّا فَلَا) يَصِحُّ إِذَا كَانَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا تُسَاوِي أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْمَقْصُودُ، فَلَمْ يَقَعِ الْبَيْعُ لَهُ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ لَفْظًا، وَلَا عُرْفًا، وَكَذَا الشَّاةُ الْمُوَكَّلُ فِي شِرَائِهَا بِدِينَارٍ تُسَاوِي أَقَلَّ مِنْهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " إِنْ سَاوَى كُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفَ دِينَارٍ، صَحَّ لِلْمُوَكِّلِ لَا لِلْوَكِيلِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدَةٍ لَا تُسَاوِي نِصْفَ دِينَارٍ فَرِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ لِخَبَرِ عُرْوَةَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مُعَيَّنٍ بِمِائَةٍ فَاشْتَرَاهُ بِدُونِهَا جَازَ مَا لَمْ يَنْهَهُ عَنِ الشِّرَاءِ بِأَقَلَّ مِنْهَا لِمُخَالَفَةِ قَوْلِهِ وَنَصِّهِ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِهِ بِهَا، وَلَا تَشْتَرِهِ بِخَمْسِينَ جَازَ لَهُ شِرَاؤُهُ بِمَا فَوْقَ الْخَمْسِينَ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمَا دُونَ الْخَمْسِينَ جَازَ فِي وَجْهٍ وَمَنْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَلَهُ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَغَيْرِهِ.
(وَلَيْسَ لَهُ شِرَاءُ مَعِيبٍ) أَيْ: لَا يَجُوزُ لَهُ، لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، وَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يُعَيِّنْهُ لَهُ مُوَكِّلُهُ، فَإِنْ فَعَلَ عَالِمًا بِعَيْبِهِ لَزِمَهُ إِنْ لَمْ يَرْضَهُ مُوَكِّلُهُ، وَلَمْ يَرُدَّهُ، وَكَذَا لَا يَرُدُّهُ الْمُوَكِّلُ وَحَكَاهُ فِي الْحَاشِيَةِ قَوْلًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ
стр. 1617
بِالْعَيْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّهُ فَصَدَّقَ الْمُوَكِّلُ الْبَائِعَ فِي الرِّضَا بِالْعَيْبِ فَهَلْ يَصِحُّ الرَّدُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِعَيْنِ الْمَالِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ (فَإِنْ وَجَدَ بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا) أَيْ: جَهِلَ عَيْبَهُ (فَلَهُ الرَّدُّ) ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ وَلَهُ أَيْضًا الرَّدُّ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، فَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ رَدِّ الْوَكِيلِ وَرَضِيَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ رَدُّهُ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ، لِأَنَّ لَهُ حَقًّا، فَلَا يَسْقُطُ بِرِضَا غَيْرِهِ، فَإِنْ طَلَبَ الْبَائِعُ الْإِمْهَالَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمَنْ فَوَاتَ الرَّدِّ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلٍ، فَلَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُوَكِّلُ فَلَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لَهُ لَزِمَ الْوَكِيلَ، وَقِيلَ: الْمُوَكِّلَ وَلَهُ أَرْشُهُ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ: إِنْ جَهِلَ عَيْبَهُ، وَقَدِ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ فَهَلْ يَقَعُ عَنِ الْمُوَكِّلِ؟ فِيهِ خِلَافٌ (فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: مُوَكِّلُكَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ) ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرِّضَا، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا لَمْ يَسْتَحْلِفِ الْوَكِيلَ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَهُ فَيَحْلِفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ: لَا يَعْلَمُ رِضَا مُوَكِّلِهِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ رِضَاهُ، وَهُوَ مُسْقِطٌ لِلرِّدَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عَلَى النَّفْيِ، لِأَنَّهَا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، فَإِذَا حَلَفَ أَخَذَ حَقَّهُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: يَقِفُ عَلَى حَلِفِ مُوَكِّلِهِ إِنْ طَلَبَهُ الْخَصْمُ، وَكَذَا قَوْلُ كُلِّ غَرِيمٍ لِوَكِيلٍ غَائِبٍ فِي قَبْضِ حَقِّهِ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ، أَوْ قَبَضَهُ وَيَحْكُمُ بِبَيِّنَةٍ إِنْ حَكَمَ عَلَى غَائِبٍ (فَإِنْ رَدَّهُ فَصَدَّقَ الْمُوَكِّلُ الْبَائِعَ فِي الرِّضَا بِالْعَيْبِ فَهَلْ يَصِحُّ الرَّدُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَشْهَرُهُمَا: لَا يَصِحُّ الرَّدُّ، وَهُوَ بَاقٍ لِلْمُوَكِّلِ، لِأَنَّ رِضَا الْمُوَكِّلِ بِالْعَيْبِ عَزْلٌ لِلْوَكِيلِ عَنِ الرَّدِّ وَمَنْعٌ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ عَلِمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ، فَعَلَى هَذَا لِلْمُوَكِّلِ اسْتِرْجَاعُهُ وَلِلْبَائِعِ رَدُّهُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِعَزْلِهِ فَيَكُونُ الرَّدُّ صَادَفَ وِلَايَةً، فَعَلَى هَذَا يُجَدِّدُ الْمُوَكِّلُ الْعَقْدَ (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مُعَيَّنٍ فَاشْتَرَاهُ وَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ قَبْلَ إِعْلَامِ الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَوْصُوفٍ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَشْهَرُ: لَا، لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَطَعَ نَظَرَهُ بِالتَّعْيِينِ فَرُبَّمَا رَضِيَهُ
стр. 1618
مُعَيَّنٍ فَاشْتَرَاهُ وَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ قَبْلَ إِعْلَامِ الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي بِعَيْنِ هَذَا الثَّمَنِ فَاشْتَرَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ. فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِكَ، وَانْقد الثَّمَنَ فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ، صَحَّ وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ فِي سُوقٍ بِثَمَنٍ فَبَاعَهُ بِهِ فِي آخَرَ صَحَّ، وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ لِزَيْدٍ فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، لَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ حُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ عَلِمَ عَيْبَهُ قَبْلَ شِرَائِهِ فَهَلْ لَهُ شِرَاؤُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى رَدِّهِ إِذَا عَلِمَ عَيْبَهُ بَعْدَ شِرَائِهِ، وَالْمُقَدَّمُ لَهُ شِرَاؤُهُ (فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي بِعَيْنِ هَذَا الثَّمَنِ فَاشْتَرَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ) ، لِأَنَّ الثَّمَنَ إِذَا تَعَيَّنَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مَغْصُوبًا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا غَرَضٌ صَحِيحٌ لِلْمُوَكِّلِ، فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ نَقَدَ الْمُعَيَّنَ وَيَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ وَهَلْ يَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ؟ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ (فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِكَ، وَانْقَدَ الثَّمَنَ فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ، صَحَّ وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ) ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي عَقْدٍ يَلْزَمُهُ بِهِ الثَّمَنُ مَعَ بَقَاءِ الدَّرَاهِمِ وَتَلَفِهَا، فَكَانَ إِذْنًا فِي عَقْدٍ لَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إِلَّا مَعَ بَقَائِهَا، وَقِيلَ: إِنْ رَضِيَ بِهِ، وَإِلَّا بَطَلَ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ لِشُبْهَةٍ فِيهَا، أَوْ يَخْتَارُ وُقُوعَ عَقْدٍ لَا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِهَا، وَلَا تَبْطُلُ بِتَحْرِيمِهَا، فَلَمْ يَجُزْ مُخَالَفَةُ غَرَضِهِ لِصِحَّتِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ جَازَ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَقْدُ مَعَ فَقِيرٍ، وَقَاطِعِ طَرِيقٍ إِلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ. نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ (وَإِنْ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ فِي سُوقٍ بِثَمَنٍ فَبَاعَهُ بِهِ فِي آخَرَ، صَحَّ) ، لِأَنَّ الْقَصْدَ الْبَيْعُ بِمَا قَدَّرَهُ لَهُ، وَقَدْ حَصَلَ كَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا، هَذَا إِذَا كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءً، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ تَعَيَّنَ، كَمَا لَوْ كَانَ السُّوقُ مَعْرُوفًا بِجَوْدَةِ النَّقْدِ، أَوْ كَثْرَةِ الثَّمَنِ، أَوْ حِلِّهِ، أَوْ صَلَاحِ أَهْلِهِ (وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ لِزَيْدٍ فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ نَفْعَهُ، فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِقَرِينَةٍ، أَوْ صَرِيحٍ أَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي.
قَاعِدَةٌ: حُقُوقُ الْعَقْدِ وَهِيَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ، وَقَبْضُ الْمَبِيعِ، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَضَمَانُ الدَّرَكِ يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ، لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقُ قَرِيبُ وَكِيلٍ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَكِيلِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَبِلَ عَقْدًا لِغَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْمِلْكُ إِلَيْهِ كَالْأَبِ، وَالْوَصِيِّ وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ لَهُ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا لَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ
стр. 1619
يَصِحَّ وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ قَبْضَ ثَمَنِهِ، إِلَّا بِقَرِينَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَبْضُهُ لَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ شَيْءٌ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ، أَوْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَاشْتَرَاهُ لَهُ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَوَّلِ، لَا الثَّانِي، وَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ فِي الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَلِلْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَعِنْدَهُ لَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِنِ اشْتَرَى وَكِيلٌ فِي شِرَاءٍ فِي الذِّمَّةِ فَكَضَامِنٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِيمَنْ وَكَّلَ فِي بَيْعٍ، أَوِ اسْتِئْجَارٍ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ مُوَكِّلُهُ فِي الْعَقْدِ فَضَامِنٌ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ يَضْمَنُهُ، وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا يَسْتَسْلِفُ لَهُ أَلْفًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ، فَفَعَلَ مَلَكَ الْمُوَكِّلُ ثَمَنَهَا، وَالْوَكِيلُ ضَامِنٌ.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ) ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ لِكَوْنِهِ مِنْ تَمَامِهِ (وَلَمْ يَمْلِكْ قَبْضَ ثَمَنِهِ) كَذَا أَطْلَقَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُوَكِّلُ فِي الْبَيْعِ مَنْ لَا يَأْمَنُهُ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ يُقَيَّدُ (إِلَّا بِقَرِينَةٍ) ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ قرينة الْحَالُ تَدُلُّ عَلَى الْقَبْضِ مِثْلَ تَوْكِيلِهِ فِي بَيْعِ شَيْءٍ فِي سُوقٍ غَائِبٍ عَنِ الْمُوَكِّلِ، أَوْ بِمَوْضِعٍ يَضِيعُ الثَّمَنُ بِتَرْكِ قَبْضِ الْوَكِيلِ لَهُ كَانَ إِذْنًا فِي قَبْضِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ ضَمِنَهُ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُفْرِطًا، وَإِنْ لَمْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ، وَقِيلَ: يَمْلِكُهُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبِ الْبَيْعِ فَمَلَكَهُ كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَلَا يُسَلِّمُهُ قَبْلَهُ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ قَبْضُهُ لَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ شَيْءٌ) كَظُهُورِ مَبِيعِهِ مُسْتَحَقًّا، أَوْ مَعِيبًا كَحَاكِمٍ وَأَمِينِهِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ فِيهِ لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُهُ.
تَنْبِيهٌ: إن وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَ ثَمَنِهِ، لِأَنَّهُ مَنْ تَتِمَّتِهِ وَحُقُوقِهِ كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَإِنِ اشْتَرَى عَبْدًا، فَنَقَدَ ثَمَنَهُ، فَخَرَجَ مُسْتَحِقًّا، فَهَلْ يَمْلِكُ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ فِي الثَّمَنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ اشْتَرَى شَيْئًا وَقَبَضَهُ وَأَخَّرَ تَسْلِيمَ ثَمَنِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ فِي بَيْعٍ تَقْلِيبُهُ عَلَى مُشْتَرٍ إِلَّا بِحَضْرَتِهِ، وَإِلَّا
стр. 1620
لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ كُلِّهِ صَحَّ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي مَا شِئْتَ، أَوْ عَبْدًا بِمَا شِئْتَ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَذْكُرَ النَّوْعَ، وَقَدْرَ الثَّمَنِ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ضَمِنَ، ذَكَرَهُ فِي " النَّوَادِرِ " وَيَتَوَجَّهُ الْعُرْفُ، وَلَا بَيْعُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فِي الْأَصَحِّ فَيَضْمَنُ وَيَصِحُّ. وَمَعَ مُؤْنَةِ نَقْلٍ لَا، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ".
[التَّوْكِيلُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ]
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ) أَيْ: لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَمْلِكُهُ فَوَكِيلُهُ كَذَلِكَ وَأَوْلَى، وَكَشَرْطِهِ عَلَى وَكِيلٍ فِي بَيْعٍ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ الْمَبِيعَ (أَوْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لَمْ يَصِحَّ) ، ذَكَرَهُ الْأَزَجِّيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ هِبَةِ مَالِهِ وَطَلَاقِ نِسَائِهِ وَإِعْتَاقِ رَقِيقِهِ فَيَعْظُمُ الْغَرَرُ، وَالضَّرَرُ، وَلِأَنَّ التَّوْكِيلَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ. وَمِثْلُهُ وَكَّلْتُكَ فِي شِرَاءِ مَا شِئْتَ مِنَ الْمَتَاعِ الْفُلَانِيِّ فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ بِمَا إِلَيَّ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فَاحْتِمَالَانِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ كَبَيْعِ مَالِهِ، أَوِ الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ، أَوِ الْإِبْرَاءِ، أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمَرُّوذِيِّ بَعَثَ بِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي حَاجَةٍ، وَقَالَ كُلُّ شَيْءٍ تَقُولُ عَلَى لِسَانِي، فَأَنَا قُلْتُهُ (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ كُلِّهِ، صَحَّ) ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَالَهُ فَيَقِلُّ الْغَرَرُ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ فِي: بِعْ مِنْ عَبِيدِي مَنْ شِئْتَ أَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، فَلَا يَبِيعُهُمْ إِلَّا وَاحِدًا، وَلَا الْكُلَّ لِاسْتِعْمَالِ هَذَا فِي الْأَقَلِّ غَالِبًا، وَقَالَ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي مَا شِئْتَ، أَوْ عَبْدًا بِمَا شِئْتَ لَمْ يَصِحَّ) ، لِأَنَّ مَا يُمْكِنُ شِرَاؤُهُ، وَالشِّرَاءُ بِهِ يَكْثُرُ فَيَكْثُرُ فِيهِ الْغَرَرُ (حَتَّى يَذْكُرَ النَّوْعَ) ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ نَوْعًا، فَقَدْ أَذِنَ فِي أَغْلَاهُ ثَمَنًا، فَيَقِلُّ الْغَرَرُ فِيهِ (وَقَدْرَ الثَّمَنِ) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ فَمَنِ اعْتَبَرَهُ جَوَّزَ أَنْ يَذْكُرَ أَكْثَرَ الثَّمَنِ وَأَقَلَّهُ، وَحَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ " وَصَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلصِّحَّةِ مِنِ اعْتِبَارِ الْأَمْرَيْنِ، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ) ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِيمَنْ قَالَ: مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا - أَنَّ هَذَا جَائِزٌ، وَأَعْجَبَهُ، وَهَذَا تَوْكِيلٌ فِي شِرَاءِ كُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَجَازَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ كَالْإِذْنِ فِي
стр. 1621
وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَةِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْقَبْضِ كَانَ وَكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الْحَقِّ مِنْ إِنْسَانٍ لَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
التِّجَارَةِ وَكَمَا لَوْ قَالَ: بِعْ مِنْ مَالِي مَا شِئْتَ، وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي شِرَاءَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ لِجَعْلِهِ الْكُفْرَ عَيْبًا.
[إِذَا وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَةِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ]
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَةِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ) ، لِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ نُطْقًا، وَلَا عُرْفًا، لِأَنَّهُ قَدْ يَرْضَى لِلْخُصُومَةِ مَنْ لَا يَرْضَاهُ لِلْقَبْضِ، إِذْ مَعْنَى الْوَكَالَةِ فِي الْخُصُومَةِ الْوَكَالَةُ فِي إِثْبَاتِ الْحَقِّ، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ وَكِيلٌ فِي الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقَطْعِ الْخُصُومَةِ، وَلَا تَنْقَطِعُ إِلَّا بِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ جَوَازُ التَّوْكِيلِ فِي الْخُصُومَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْ غَيْرِهِ فِي إِثْبَاتِ حَقٍّ، أَوْ نَفْيِهِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " فِي الصُّلْحِ نَحْوُهُ، وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ عَلِمَ ظُلْمَ مُوَكِّلِهِ فِي الْخُصُومَةِ. قَالَهُ فِي " الْفُنُونِ " فَظَاهِرُهُ يَصِحُّ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ، فَلَوْ ظَنَّ ظُلْمَهُ جَازَ وَيَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ وَمَعَ الشَّكِّ احْتِمَالَانِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِقَبْضٍ، وَلَا غَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِعَيْبٍ فِيمَا بَاعَهُ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ: لَا، وَلَهُ إِثْبَاتُ وَكَالَتِهِ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ قَالَ: أَجِبْ خَصْمِي عَنِّي احْتَمَلَ الْخُصُومَةَ وَاحْتَمَلَ بُطْلَانَهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْقَبْضِ كَانَ وَكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إِلَى الْقَبْضِ إِلَّا بِالتَّثَبُّتِ فَكَانَ إِذْنًا فِيهِ عُرْفًا، لِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ فَمَلَكَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَ ثَمَنِهِ، وَالثَّانِي: لَا يَمْلِكُهَا، لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ فَالْوَكِيلُ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْآخَرِ وَكَعَكْسِهِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ عَالِمًا بِجَحْدِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، أَوْ مَطْلِهِ كَانَ تَوْكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ لِوُقُوفِ الْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْجَوَازِ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَقِّ عَيْنًا، أَوْ دَيْنًا.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الْحَقِّ مِنْ إِنْسَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْ وَارِثِهِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ
стр. 1622
يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْ وَارِثِهِ، وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْ حَقِّيَ الَّذِي قَبِلَهُ فَلَهُ الْقَبْضُ مِنْ وَارِثِهِ، وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْهُ الْيَوْمَ لَمْ يَمْلِكْ قَبْضَهُ غَدًا، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْإِيدَاعِ فَأَوْدَعَ، وَلَمْ يُشْهِدْ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ فَقَضَاهُ، وَلَمْ يُشْهِدْ، فَأَنْكَرَهُ الْغَرِيمُ ضَمِنَ إِلَّا أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِذَلِكَ، وَلَا يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ لَهُ قَبْضَهُ مِنْ وَكِيلِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، فَإِنْ قُلْتَ: فَالْوَارِثُ نَائِبٌ عَنِ الْمَوْرُوثِ فَهُوَ كَالْوَكِيلِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا دَفَعَ بِإِذْنِهِ جَرَى مَجْرَى تَسْلِيمِهِ، وَلَيْسَ الْوَارِثُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إِلَيْهِمْ وَاسْتُحِقَّتِ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهِمْ لَا بِطْرِيقَ النِّيَابَةِ عَنِ الْمَوْرُوثِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا حَنِثَ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ دُونَ مُوَرِّثِهِ (وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْ حَقِّي الَّذِي قَبِلَهُ) ، أَوْ عَلَيْهِ (فَلَهُ الْقَبْضُ مِنْ وَارِثِهِ) ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ قَبْضَ حَقِّهِ مُطْلَقًا فَشَمَلَ الْقَبْضَ مِنَ الْوَارِثِ، لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ (وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْهُ الْيَوْمَ لَمْ يَمْلِكْ قَبْضَهُ غَدًا) لِتَقْيِيدِهَا بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ غَرَضُهُ فِي زَمَنِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْإِيدَاعِ فَأَوْدَعَ، وَلَمْ يُشْهِدْ لَمْ يَضْمَنْ) إِذَا أَنْكَرَ الْمُودَعُ، نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْإِشْهَادِ، إِذِ الْمُودَعُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ، وَالتَّلَفِ، فَلَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا فِي عَدَمِ الْإِشْهَادِ، وَفِيهِ وَجْهٌ.
وَذَكَرُهُ الْقَاضِي رِوَايَةً أَنَّهُ يَضْمَنُ، لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ، وَبِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِي الْإِشْهَادِ هُوَ ثُبُوتُ الْوَدِيعَةِ، فَلَوْ مَاتَ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ: دَفَعْتُ الْمَالَ إِلَى الْمُودَعِ، فَأَنْكَرَ قُبِلَ قَوْلُ الْوَكِيلِ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَصَرُّفِهِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ فَقَضَاهُ، وَلَمْ يُشْهِدْ، فَأَنْكَرَهُ الْغَرِيمُ ضَمِنَ) الْوَكِيلُ، لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ حَيْثُ لَمْ يُشْهِدْ.
قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ صَدَّقَهُ، أَوْ كَذَّبَهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ فِي قَضَاءٍ مُبَرِّئٍ، وَلَمْ يُوجَدْ (إِلَّا أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ) ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ حُضُورَهُ قَرِينَةُ رِضَاهُ بِالدَّفْعِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّاكِتَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَوْلٌ، وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِتَفْرِيطِهِ
стр. 1623
فَصْلٌ وَ الْوَكِيلُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْهَلَاكِ وَنَفْيِ التَّفْرِيطِ وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ الثَّوْبَ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ فَتَلِفَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَعَلَيْهَا إِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ فِي الدَّفْعِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَذَّبَهُ قُبِلَ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ ادَّعَى فِعْلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوَكِّلُهُ، وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَقَضَائِهِ بِحَضْرَتِهِ، وَعَلَى اعْتِبَارِهَا إِذَا أَشْهَدَ عُدُولًا فَمَاتُوا، أَوْ غَابُوا، فَلَا ضَمَانَ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، وَإِنْ أَشْهَدَ بَيِّنَةً فِيهَا خِلَافٌ فَوَجْهَانِ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ كَانَ لِمُوَكِّلِهِ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْوَفَاءِ بِدُونِ الْإِشْهَادِ لَزِمَ الْوَكِيلَ الْإِشْهَادُ، فَإِنْ تَرَكَهُ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمُوَكِّلِهِ الِامْتِنَاعُ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَا ضَمَانَ بِتَرْكِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَشْهَدْتُ فَمَاتُوا، أَوْ أَذِنْتَ فِيهِ بِلَا بَيِّنَةٍ، أَوْ قَضَيْتُ بِحَضْرَتِكَ صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ لِلْأَصْلِ، وَيَتَوَجَّهُ فِي الْأَوْلَى: لَا، وَأَنَّ فِي الثَّانِيَةِ الْخِلَافَ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
[الْوَكِيلُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ]
فَصْلٌ (وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ) ، لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمَالِكِ فِي الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ فَكَانَ الْهَلَاكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمَالِكِ كَالْمُودَعِ، وَكَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ لِغَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْأَمَانَةِ كَالْوَصِيِّ وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِجُعْلٍ أَوْ لَا، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَلَفِ الْعَيْنِ الْمُوَكَّلِ فِيهَا، أَوْ تَلَفِ ثَمَنِهَا، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ إِنْ فَرَّطَ بِأَنْ لَا يَحْفَظَ ذَلِكَ فِي حِرْزِ مِثْلِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي "، أَوْ يَرْكَبُ الدَّابَّةَ، أَوْ يَلْبَسُ الثَّوْبَ، أَوْ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمَالَ فَيَمْتَنِعُ مِنْ دَفْعِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لِأَنَّ التَّعَدِّيَ أَبَلَغُ مِنَ التَّفْرِيطِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْهَلَاكِ وَنَفْيِ التَّفْرِيطِ) أَيْ: إِذَا ادَّعَى الْمُوَكِّلُ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِمَّا يُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ كُلِّفَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْأَمَانَاتِ مَعَ دَعْوَى الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى التَّلَفَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَحَرِيقٍ عَامٍّ وَنَهْبِ جَيْشٍ كُلِّفَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ (وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ الثَّوْبَ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ فَتَلِفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) .
стр. 1624
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ إِلَى الْمُوَكِّلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا، وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْأَجِيرِ وَالْمُرْتَهَنِ، وَإِنْ قَالَ: أَذِنْتُ لَهُ فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ، وَالْقَبْضَ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِمَا كَالْوَلِيِّ الْمُجْبَرِ، وَلِأَنَّهُ أَمِينٌ وَيَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُكَلَّفُهَا كَالْمُودَعِ.
وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ لِغَيْرِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ فَاشْتَرَاهُ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ ثَمَنِهِ قُبِلَ قَوْلُ الْوَكِيلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَيَّنَ لَهُ الشِّرَاءَ بِمَا ادَّعَاهُ فَقَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفٍ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِهَا قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَالْمُوَكِّلُ، لِأَنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ شَيْءٍ قُبِلَ فِي صِفَتِهِ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ) سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْنَ، أَوْ ثَمَنَهَا (إِلَى الْمُوَكِّلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا) قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ مَالِكِهِ فَقَطْ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ كَالْوَصِيِّ، وَالْمُودَعِ، وَقِيلَ: لَا، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُقْبَلُ مَعَ يَمِينِهِ، وَفِي " التَّذْكِرَةِ " أَنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ لَمْ يَحْلِفْ، وَالتَّلَفُ كَالرَّدِّ (وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَالثَّانِي: بَلَى، لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْأَجِيرِ، وَالْمُرْتَهَنِ) لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي قَبْضِ الْعَيْنِ لِمَنْفَعَةِ الْقَابِضِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي الْمُضَارِبِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَالْمُسْتَعِيرِ، فَلَوْ أَنْكَرَ الْوَكِيلُ قَبْضَ الْمَالِ، ثُمَّ ثَبَتَ فَادَّعَى الرَّدَّ، أَوِ التَّلَفَ لَمْ يُقْبَلْ لِثُبُوتِ خِيَانَتِهِ بِجَحْدِهِ، وَلَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً فِي وَجْهٍ، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ، لِأَنَّهُ يَدَّعِي ذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِ خِيَانَتِهِ.
стр. 1625
الْبَيْعِ نَسَاءً، وَفِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ، فَأَنْكَرَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ قَالَ: وَكَّلْتَنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَسْأَلَةٌ: كُلُّ أَمِينٍ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَطُلِبَ مِنْهُ فَهَلْ لَهُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ إِنْ قُلْنَا: يَحْلِفُ، وَإِلَّا لَمْ يُؤَخِّرْهُ لِذَلِكَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَمَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَلَا حُجَّةَ عَلَيْهِ بِالْأَخْذِ لَمْ يُؤَخِّرْ رَدَّهُ لِلْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: بَلَى، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ، وَفِي ذِمَّتِهِ مَالٌ لِزَيْدٍ، أَوْ فِي يَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ إِلَى وَكِيلِهِ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِحُجَّةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ إِلَى رَبِّهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَلِفَ مَا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ، أَوِ الشِّرَاءِ بِهِ بِتَعَدٍّ، أَوْ تَفْرِيطٍ، أَوْ أَتْلَفَهُ هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي بَدَلِهِ بِحَالٍ، وَإِنْ وَزَنَ مِنْ مَالِهِ بَدَلَ الثَّمَنِ وَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ لِمُوَكِّلِهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا إِنِ اشْتَرَاهُ فِي نَعْتِهِ، ثُمَّ نَقَدَهُ، وَعَنْهُ: هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ مُوَكِّلِهِ (وَإِنْ قَالَ: أَذِنْتَ لِي فِي الْبَيْعِ نَسَاءً، وَفِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ) ، أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ قَالَ: بَلْ فِي بَيْعِ الْأَمَةِ (فَأَنْكَرَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُضَارِبِ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ كَالْخَيَّاطِ، وَالثَّانِي: وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْوَكَالَةِ، فَكَذَا فِي صِفَتِهَا فَعَلَيْهِ لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ لَكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَقَالَ: إِنَّمَا أَذِنْتُ فِي شِرَاءِ غَيْرِهَا، قُبِلَ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ مِنَ الشِّرَاءِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الشِّرَاءُ وَقَعَ بِعَيْنِ الْمَالِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَتُرَدُّ الْجَارِيَةُ إِلَى بَائِعِهَا إِنْ صَدَّقَهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ أَنَّ الشِّرَاءَ لِغَيْرِهِ، أَوْ بِمَالِ غَيْرِهِ صُدِّقَ الْبَائِعُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ لَهُ، فَإِنِ ادَّعَى الْوَكِيلُ عِلْمَهُ بِذَلِكَ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ غَرَامَةُ الثَّمَنِ لِلْمُوَكِّلِ، وَدَفْعُ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، وَتَبْقَى الْجَارِيَةُ فِي يَدِهِ لَا تَحِلُّ لَهُ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَهِيَ لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهِيَ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ أَرَادَ حِلَّهَا اشْتَرَاهَا مِمَّنْ هِيَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ، فَإِنِ امْتَنَعَ رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَرْفُقَ بِهِ لِبَيْعِهِ إِيَّاهَا لِيُثْبِتَ لَهُ الْمِلْكَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَيَصِيرَ مَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ قِصَاصًا بِالَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْآخَرُ ظُلْمًا فَإِنِ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ، لِأَنَّهُ
стр. 1626
لَكَ فُلَانَةَ، فَفَعَلْتُ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَهَلْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَقْدُ مُرَاضَاةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَهَا إِنْ كَانَتْ لِي، أَوْ إِنْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكَ فِي شِرَائِهَا بِكَذَا فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ لِتَعْلِيقِهِ عَلَى شَرْطٍ، وَقِيلَ: بَلَى، لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاقِعٌ يَعْلَمَانِ وَجُودَهُ، فَلَا يَضُرُّ جَعْلُهُ شَرْطًا كَبِعْتُكَ هَذِهِ الْأَمَةَ إِنْ كَانَتْ أَمَةً.
فَرْعٌ: إِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ قَبْلَ طَلَبِهِ، وَلَا يَضْمَنُهُ بِتَأْخِيرِهِ، فَإِنْ طَلَبَهُ فَأَخَّرَ الرَّدَّ مَعَ إِمْكَانِهِ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ، فَإِنْ وَعَدَهُ رَدَّهُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ رَدَّهُ، أَوْ تَلِفَ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَذَّبَهُ لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً فَوَجْهَانِ.
(وَإِنْ قَالَ: وَكَّلْتَنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ لَكَ فُلَانَةَ فَفَعَلْتُ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ) ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْوَكَالَةِ فَقُبِلَ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ أَمِينُهُ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَدَّعِي حَقًّا لِغَيْرِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ إِذَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّهَا تَدَّعِي الصَّدَاقَ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ (وَهَلْ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ نِصْفُ الصَّدَاقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِالْمُوَكِّلِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَضْمَنْهُ، فَإِنْ ضَمِنَهُ فَلَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ لِضَمَانِهِ عَنْهُ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ، لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَتُهُ، فَكَذَا هُنَا، وَلِأَنَّهُ فَرَّطَ حَيْثُ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى الزَّوْجِ بِالْعَقْدِ، وَالصَّدَاقِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَيُفَارِقُ الشِّرَاءَ، لِأَنَّ الثَّمَنَ مَقْصُودٌ لِلْبَائِعِ، وَالْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ بِخِلَافِ النِّكَاحِ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "،
стр. 1627
يَلْزَمُ الْوَكِيلَ نِصْفُ الصَّدَاقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِهِ فَلَوْ قَالَ: بِعْ ثَوْبِي بِعِشَرَةٍ فَمَا زَادَ فَلَكَ، صَحَّ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الشَّرْحِ "، وَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ طَلَاقُهَا فِي الْمَنْصُوصِ لِإِزَالَةِ الِاحْتِمَالِ، وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ نِكَاحٌ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ صَدَاقُهَا فَتَرِثَهُ، وَهُوَ مُنْكِرٌ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَلَا يَرِثُهَا.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَ عَلَى الْوَكَالَةِ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ، وَكَذَا فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ وَكَّلَ فِيهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ أَمِينٌ قَادِرٌ عَلَى الْإِنْشَاءِ، وَهُوَ أَعْرَفُ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُ مُوَكِّلِهِ فِي النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ لَا تَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِهَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ كَأَصْلِ الْوَكَالَةِ.
(وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ) أَيْ: مَعْلُومٍ، لِأَنَّهُ ﵇ «كَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَيَجْعَلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا» ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ لِغَيْرِهِ لَا يَلْزَمُهُ، فَهُوَ كَرَدِّ الْآبِقِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِالْبَيْعِ مَثَلًا قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " مَا لَمْ يَشْرِطْهُ عَلَيْهِ وَيَسْتَحِقُّهُ بِبَيْعِهِ نَسَاءً إِنْ صَحَّ، وَفِي " الْفُرُوعِ " هَلْ يَسْتَحِقُّهُ قَبْلَ تَسْلِيمِ ثَمَنِهِ؟ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ، فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مَجْهُولًا فَسَدَتْ، وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِالْإِذْنِ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ (وَبِغَيْرِهِ) أَيْ: بِغَيْرِ جُعْلٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ ﵇ وَكَّلَ أُنَيْسًا فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَعُرْوَةَ فِي الشِّرَاءِ بِغَيْرِ جُعْلٍ (فَلَوْ قَالَ: بِعْ ثَوْبِي بِعَشَرَةٍ فَمَا زَادَ فَلَكَ، صَحَّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي عَصْرِهِ مُخَالِفًا، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ أَجْرٌ مَجْهُولٌ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا عَيْنٌ تَنْمِي بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا فَهُوَ كَدَفْعِ مَالِهِ مُضَارَبَةً وَبِهِ عَلَّلَ أَحْمَدُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ بَاعَهُ بِزِيَادَةٍ فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ بَاعَهُ بِمَا عَيَّنَهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ الزِّيَادَةَ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ فَهُوَ كَالْمُضَارِبِ إِذَا لَمْ يَرْبَحْ.
стр. 1628
فَصْلٌ وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِإِنْسَانٍ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي قَبْضِهِ فَصَدَّقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ لَمْ يُسْتَحْلَفْ، وَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْوَكَالَةَ، حَلَفَ وَرَجَعَ عَلَى الدَّافِعِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ وَدِيعَةً فَوَجَدَهَا أَخَذَهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ فَلَهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَلَا يَرْجِعُ مَنْ ضَمَّنَهُ عَلَى الْآخَرِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِإِنْسَانٍ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي قَبْضِهِ]
فَصْلٌ (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِإِنْسَانٍ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي قَبْضِهِ فَصَدَّقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ) ، لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مَنْعَهُ لِجَوَازِ أَنْ يُنْكِرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ فَيَسْتَحِقَّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ (وَإِنْ كَذَّبَهُ لَمْ يُسْتَحْلَفْ) لِعَدَمِ فَائِدَةِ اسْتِحْلَافِهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ (وَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْوَكَالَةَ حَلَفَ) أَيْ: الْمُوَكِّلُ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ صِدْقُ الْوَكِيلِ فِيهَا (وَرَجَعَ عَلَى الدَّافِعِ وَحْدَهُ) ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ بِتَسْلِيمِهِ إلى غير وَكِيلَهُ وَيَرْجِعُ الدَّافِعُ عَلَى الْوَكِيلِ مَعَ بَقَائِهِ، أَوْ تَعَدِّيهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَ الْوَكِيلَ بَرِئَ الدَّافِعُ (وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ وَدِيعَةً فَوَجَدَهَا) صَاحِبُهَا (أَخَذَهَا) ، لِأَنَّهَا عَيْنُ حَقِّهِ (وَإِنْ تَلِفَتْ فَلَهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنَ الدَّافِعِ، وَالْقَابِضِ، لِأَنَّ الدَّافِعَ ضَمِنَهَا بِالدَّفْعِ، وَالْقَابِضَ قَبَضَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ (وَلَا يَرْجِعُ مَنْ ضَمَّنَهُ عَلَى الْآخَرِ) ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ ظُلْمٌ وَيُقِرُّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ صَاحِبِهِ تَعَدٍّ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِظُلْمِ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ دَفَعَهَا إِلَى الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ فَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وِفَاقًا لِكَوْنِهِ لَمْ يُقِرَّ بِوَكَالَتِهِ، وَلَمْ يُثْبِتْ بِبَيِّنَةٍ قَالَ: وَمُجَرَّدُ التَّسْلِيمِ لَيْسَ تَصْدِيقًا، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ صَدَّقَهُ ضَمِنَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ بَلْ نَصَّهُ، لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقُهُ، فَقَدْ غَرَّهُ. نَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ بُعِثَ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ دَنَانِيرُ، أَوْ ثِيَابٌ يَأْخُذُ دِينَارًا، أَوْ ثَوْبًا فَأَخَذَ أَكْثَرَ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْبَاعِثِ يَعْنِي الَّذِي أَعْطَاهُ وَيَرْجِعُ هُوَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الرَّسُولِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ.
стр. 1629
وَإِنِ كان ادَّعَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحَالَهُ بِهِ، فَفِي وُجُوبِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ كَانَ ادَّعَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحَالَهُ بِهِ فَفِي وُجُوبِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينِ مَعَ الْإِنْكَارِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَوْلَى، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الدَّفْعَ مُبَرِّئٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُنْكِرَ الْمُحِيلُ الْحَوَالَةَ فَهُوَ كَدَعْوَى الْوَكَالَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، أَشْبَهَ الْوَارِثَ، وَرُدَّ بِأَنَّ وُجُوبَ الدَّفْعِ إِلَى الْوَارِثِ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا، وَالدَّفْعُ إِلَيْهِ مُبَرِّئٌ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِلْحَاقُهُ بِالْوَكِيلِ أَوْلَى وَوُجُوبُ الْيَمِينِ مَعَ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِهِ مُخَرَّجٌ عَلَى وُجُوبِ الدَّفْعِ مَعَ التَّصْدِيقِ وَلِهَذَا عَطَفَهُ عَلَيْهِ وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ، فَلَا يُطَالِبُهُ وَتُعَادُ لِغَائِبٍ مُحْتَالٍ بَعْدَ دَعْوَاهُ فَيَقْضِي بِهَا لَهُ إِذَنْ.
(وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ، وَأَنَا وَارِثُهُ لَزِمَهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ) ، لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِالْحَقِّ، وَأَنَّهُ يَبْرَأُ بِهَذَا الدَّفْعِ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ جَاءَ صَاحِبُ الْحَقِّ (وَالْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ) أَيْ: عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا لَزِمَتْهُ هُنَا، لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ الدَّفْعُ مَعَ الْإِقْرَارِ لَزِمَهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى:
قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ ثَوْبًا لِيَبِيعَهُ فَوَهَبَ لَهُ الْمُشْتَرِي مِنْدِيلًا فَالْمِنْدِيلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ.
وَقَالَ فِي رَجُلٍ وَكَّلَ آخَرَ فِي اقْتِضَاءِ دَيْنٍ وَغَابَ فَأَخَذَ الْوَكِيلُ بِهِ رَهْنًا فَتَلِفَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ أَسَاءَ فِي أَخْذِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي رَجُلٍ أَعْطَى آخَرَ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا شَيْئًا فَخَلَطَهَا بِدَرَاهِمِهِ فَضَاعَا: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ خَلَطَهَا بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ ضَمِنَهَا إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَالْوَدِيعَةِ.
الثَّانِيَةُ: الْوَكَالَةُ، وَالْعَزْلُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَقِيلَ: بَلَى، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ أُخْبِرَ
стр. 1630
وَالْيَمِينِ مَعَ الْإِنْكَارِ وَجْهَانِ، وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ، وَأَنَا وَارِثُهُ، لَزِمَهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِتَوْكِيلٍ وَظَنَّ صِدْقَهُ تَصَرَّفَ بِشَرْطِ الضَّمَانِ إِنْ أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ.
وَقَالَ الْأَزَجِّيُّ: إِذَا تَصَرَّفَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْخَبَرِ فَهَلْ يَضْمَنُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا شَهِدَ بِهَا اثْنَانِ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَزَلَهُ لَمْ تَثْبُتْ وَكَالَتُهُ وَيَتَوَجَّهُ: بَلَى كَقَوْلِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا وَكَقَوْلِ وَاحِدٍ غَيْرِهِمَا، فَلَوْ قَالَا: عَزَلَهُ ثَبَتَ الْعَزْلُ، وَلَوْ أَقَامَا الشَّهَادَةَ حِسْبَةً بِلَا دَعْوَى الْوَكِيلِ فَشَهِدَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَ، أَوْ قَالَ: مَا عَلِمْتُ هَذَا، وَأَنَا أَتَصَرَّفُ عَنْهُ ثَبَتَتِ الْوَكَالَةُ وَعَكْسُهُ مَا لَمْ أَعْلَمْ صِدْقَهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ طُولِبَ بِالتَّفْسِيرِ. .
стр. 1631
كِتَابُ الشَّرِكَةِ وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ، أَحَدُهَا: شَرِكَةُ الْعِنَانِ وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الشَّرِكَةِ] [الشَّرِكَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ] [ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ شَرِكَةُ الْعِنَانِ] [ صُورَةُ شَرِكَةِ الْعِنَانِ]
ِ شِرْكَةٌ بِوَزْنِ نِعْمَةٍ وَبِوَزْنِ سَرِقَةٍ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَبِوَزْنِ تَمْرَةِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤] وَالْخُلَطَاءُ هُمُ الشُّرَكَاءُ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاجْتِمَاعِ فِي اسْتِحْقَاقٍ أَوْ تَصَرُّفٍ فَهِيَ نَوْعَانِ: شَرِكَةُ أَمْلَاكٍ وَشَرِكَةُ عُقُودٍ، وَهِيَ الْمَقْصُودُ هُنَا.
(وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ) وَيُعْتَبَرُ لِسَائِرِ أَنْوَاعِهَا أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ كَالْبَيْعِ. (أَحَدُهَا: شَرِكَةُ الْعِنَانِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِيهَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الْمَالِ وَالتَّصَرُّفِ، كَالْفَارِسَيْنِ إِذَا سَوَيَّا بَيْنَ فَرَسَيْهِمَا وَتَسَاوَيَا فِي السَّيْرِ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَنَّ الشَّيْءُ إِذَا عَرَضَ.
يُقَالُ: عَنَّتْ لِي حَاجَةٌ إِذَا عَرَضَتْ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ عَنَّ لَهُ، أَيْ عَرَضَ لَهُ مُشَارَكَةُ صَاحِبِهِ.
وَقِيلَ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ عَانَّهُ إِذَا عَارَضَهُ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا عَارَضَ صَاحِبَهُ بِمِثْلِ مَالِهِ
стр. 1632
بِمَالَيْهِمَا لِيَعْمَلَا فِيهِ بِبَدَنَيْهِمَا وَرِبْحُهُ لَهُمَا، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ فِي نَصِيبِهِ وَالْوَكَالَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ
وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَعَنْهُ: تَصِحُّ بِالْعُرُوضِ، وَيُجْعَلُ رَأْسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَمَلِهِ، وَقَوْلُهُ فِي " الشَّرْحِ ": إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ (وَهِيَ) جَائِزَةٌ إِجْمَاعًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا (أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ) فَمَا فَوْقَهُمَا سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَلَا تُكْرَهُ مُشَارَكَةُ كِتَابِيٍّ إِنْ وَلِيَ الْمُسْلِمُ التَّصَرُّفَ، نَصَّ عَلَيْهِ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ بِيَدِ الْمُسْلِمِ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ، وَكَرِهَهُ الْأَزَجِيُّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ لَيْسَتْ بِطَيِّبَةٍ، فَإِنَّهُمْ يَبِيعُونَ الْخَمْرَ، وَيَتَبَايَعُونَ بِالرِّبَا، وَكَالْمَجُوسِ، نَصَّ عَلَيْهِ (بِمَالَيْهِمَا) الْمَعْلُومَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ قَدْرًا، وَجِنْسًا، وَصِفَةً أَوْ لَا، وَيُعْتَبَرُ حُضُورُ مَالَيْهِمَا لِتَقْرِيرِ الْعَمَلِ، وَتَحْقِيقِ الشَّرِكَةِ إِذَنْ كَمُضَارَبَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوِ اشْتَرَكَا فِي مُخْتَلِطٍ بَيْنَهُمَا شَائِعًا صَحَّ إِنْ عَلِمَا قَدْرَ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَهَذَا الْقَيْدُ أَخَرَجَ الْمُضَارَبَةَ ; لِأَنَّ الْمَالَ فِيهَا مِنْ جَانِبٍ، وَالْعَمَلَ مِنْ آخَرَ بِخِلَافِهَا لِكَوْنِهَا تَجْمَعُ مَالًا وَعَمَلًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (لِيَعْمَلَا فِيهِ بِبَدَنَيْهِمَا) وَالْأَصَحُّ: أَوْ أَحَدُهُمَا، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ رِبْحِ مَالِهِ وَبِقَدْرِهِ إِبْضَاعٌ، وَبِدُونِهِ لَا يَصِحُّ، وَفِيهِ وَجْهٌ (وَرِبْحُهُ لَهُمَا) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِمَا وَعَمَلِهِمَا مُتَسَاوِيًا وَمُتَفَاضِلًا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ; لِأَنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بِالْمَالِ تَارَةً وَبِالْعَمَلِ أُخْرَى كَالْمُضَارِبِ.
(فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ فِي نَصِيبِهِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَالْوَكَالَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِجِهَةِ الْإِذْنِ فَهُوَ كَالْوَكَالَةِ، وَدَلَّ أَنَّ لَفْظَ الشَّرِكَةِ يُغْنِي عَنْ إِذَنٍ صَرِيحٍ فِي التَّصَرُّفِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، قَالَهُ فِي الْفُصُولِ.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ]
(وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ) فَتَصِحُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَغْشُوشَةٍ ; لِأَنَّهَا قِيَمُ الْأَمْوَالِ، وَأَثْمَانُ الْبِيَاعَاتِ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ
стр. 1633
وَقْتَ الْعَقْدِ، وَهَلْ تَصِحُّ بِالْمَغْشُوشِ وَالْفُلُوسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَشْتَرِكُونَ فِيهَا فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَلَا تَصِحُّ بِالْعُرُوضِ عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بِهَا إِمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى أَعْيَانِهَا، أَوْ عَلَى قِيمَتِهَا، أَوْ عَلَى ثَمَنِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عِنْدَ الْمُفَاضَلَةِ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَلَا مِثْلَ لَهُ، فَيَرْجِعُ بِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي، فَلِأَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ تَزِيدُ بِحَيْثُ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرِّبْحِ، وَقَدْ تَنْقُصُ بِحَيْثُ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِي ثَمَنِ مِلْكِهِ الَّذِي لَيْسَ بِرِبْحٍ مَعَ أَنَّ الْقِيمَةَ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةِ الْمِقْدَارِ، فَيُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ، فَلِأَنَّ الثَّمَنَ مَعْدُومٌ حَالَ الْعَقْدِ، وَلَا يَمْلِكَانِهَا لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ ثَمَنَهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَصَارَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ أَرَادَ ثَمَنَهَا الَّذِي يَبِيعُهَا بِهِ، فَإِنَّهَا تَصِيرُ شَرِكَةً مُعَلَّقَةً عَلَى شَرْطٍ وَهِيَ بَيْعُ الْأَعْيَانِ (وَعَنْهُ تَصِحُّ بِالْعُرُوضِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ; لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّرِكَةِ جَوَازُ تَصَرُّفِهِمَا فِي الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، وَكَوْنُ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا يَحْصُلُ فِي الْعُرُوضِ مِنْ غَيْرِ غَرَرٍ كَمَا يَحْصُلُ فِي الْأَثْمَانِ (وَيُجْعَلُ رَأْسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْعَقْدِ) لِيَتَمَكَّنَ الْعَامِلُ مِنْ رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ التَّفَاضُلِ كَمَا أَنَّا جَعَلْنَا نِصَابَ زَكَاتِهَا قِيمَتَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْعُرُوضُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْحُبُوبِ أَوْ لَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَعَنْهُ يَصِحُّ بِكُلِّ عَرَضٍ مُتَقَوِّمٍ، وَقِيلَ مِثْلِيٍّ (وَهَلْ تَصِحُّ بِالْمَغْشُوشِ وَالْفُلُوسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَبَنَاهُمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنَقْدٍ، وَقَيَّدَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " بِالنَّافِقَتَيْنِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " فِي فُلُوسٍ نَافِقَةٍ رِوَايَتَانِ، إحَداهُمَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّ الْمَغْشُوشَ لَا يَنْضَبِطُ غِشُّهُ فَلَا يُمْكِنُ رَدُّ مِثْلِهِ، وَالْفُلُوسُ تَزِيدُ قِيمَتُهَا وَتَنْقُصُ، أَشْبَهَتِ الْعُرُوضَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْغِشُّ الْيَسِيرُ لِمَصْلَحَتِهِ كَحَبَّةِ فِضَّةٍ فِي دِينَارٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالثَّانِي يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْغِشَّ يُسْتَهْلَكُ فِي الْمَغْشُوشِ وَالْفُلُوسِ بِشُبْهَةِ الثَّمَنِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَرَى السَّلَمَ فِي الْفُلُوسِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الصَّرْفَ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ
стр. 1634
لِكُلِّ وَاحِدٍ جُزْءًا مِنَ الرِّبْحِ مُشَاعًا مَعْلُومًا، فَإِنْ قَالَا: الرِّبْحُ بَيْنَنَا فَهُوَ بَيْنُهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا الرِّبْحَ أَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا جُزْءًا مَجْهُولًا أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً أَوْ رِبْحَ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنْ تَكُونَ كَاسِدَةً أَوْ رَابِحَةً ; لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً كَانَ رَأْسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا كَالْعُرُوضِ، وَإِنْ كَانَتْ نَافِقَةً كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِثْلَهَا، وَكَذَا الْمَغْشُوشُ، وَفِي ثَالِثٍ: إِنْ كَانَتِ الْفُلُوسُ نَافِقَةً جَازَ، وَإِلَّا فَلَا لِشَبَهِهَا بِالنَّقْدَيْنِ.
(الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَا لِكُلِّ وَاحِدٍ جُزْءًا مِنَ الرِّبْحِ مُشَاعًا مَعْلُومًا) كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ ; لِأَنَّ الرِّبْحَ مُسْتَحَقٌّ لَهُمَا بِحَسَبِ الِاشْتِرَاطِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنِ اشْتِرَاطِهِ كَالْمُضَارَبَةِ، وَاشْتَرَطَ كَوْنَهُ مُشَاعًا لِأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً احْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَ غَيْرَهَا، فَيَأْخُذَ جَمِيعَ الرِّبْحِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَ، فَأَخَذَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ جُزْءًا، وَقَدْ يَرْبَحُ كَثِيرًا، فَيَسْتَضِرَّ مَنْ شُرِطَتْ لَهُ، وَاشْتَرَطَ كَوْنَهُ مَعْلُومًا ; لِأَنَّ الْجَهْلَ بِهِ يُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ كَالْمُضَارَبَةِ، وَقَدْ يَتَفَاضَلَانِ فِيهِ لِقُوَّةِ حِذْقِهِ (فَإِنْ قَالَا: الرِّبْحُ بَيْنَنَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِمَا إِضَافَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، فَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ.
كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ (فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا الرِّبْحَ) لَمْ يَصِحَّ كَالْمُضَارَبَةِ ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنَ الشَّرِكَةِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ (أَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا جُزْءًا مَجْهُولًا) فَكَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَمْنَعُ تَسْلِيمَ الْوَاجِبِ، وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالثَّمَنِ، لَكِنْ لَوْ قَالَ: لَكَ مِثْلُ مَا شُرِطَ لِفُلَانٍ، وَهُمَا يَعْلَمَانِهِ صَحَّ (أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً) لَمْ يَصِحَّ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْعَامِلَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حِصَّتُهُ مَعْلُومَةً بِالْقَدْرِ، فَإِذَا جُهِلَتِ الْأَجْزَاءُ فَسَدَتْ، وَكَذَا لَوْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْقِرَاضِ إِجْمَاعُ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ فِيمَا إِذَا جَعَلَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، فَلَوْ قَالَ: لَكَ نِصْفُ الرِّبْحِ إِلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بَطَلَتْ لِزِيَادَتِهَا (أَوْ رِبْحَ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ) أَوْ رِبْحَ إِحْدَى السَّفْرَتَيْنِ، أَوْ رِبْحَ تِجَارَتِهِ فِي شَهْرٍ أَوْ عَامٍ بِعَيْنِهِ (لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ قَدْ يَرْبَحُ فِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَيَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِالرِّبْحِ،
стр. 1635
أَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ وَلَا أَنْ يَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَمَا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمَا، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَوْضُوعِ الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ) قِيَاسًا عَلَى الشَّرِكَةِ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُقْصَدُ بِهِ الرِّبْحُ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ ذَلِكَ كَالْمُضَارَبَةِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْخَلْطُ كَالْوِكَالَةِ (وَلَا أَنْ يَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُخْرِجَ دَنَانِيرَ وَالْآخِرِ دَرَاهِمَ لِأَنَّهُمَا الْأَثْمَانُ، فَصَحَّتِ الشَّرِكَةُ فِيهِمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، فَإِذَا اقْتَسَمَا رَجَعَ كَلٌّ بِمَالِهِ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الْفَضْلَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِيهِمَا فِي الْقَدْرِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَتَى تَفَاضَلَا قَوَّمَا الْمَتَاعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَقَوَّمَا مَالَ الْآخَرِ بِهِ، وَيَكُونُ التَّقْوِيمُ حِينَ صَرَفَا الثَّمَنَ فِيهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ رَأْسُ الْمَالِ فِيهَا الْأَثْمَانُ، فَيَكُونُ الرُّجُوعُ بِجِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا لَوْ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا (وَمَا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَمِينُهُ وَوَكِيلُهُ، وَفِي " الشَّرْحِ " مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَأْذَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ، وَالْأَصَحُّ لَا يُشْتَرَطُ فَإِنِ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ لَهُ ; لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ (وَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمَا) بَعْدَ الْخَلْطِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا قَبْلَهُ عَلَى الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْمَالَانِ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ، فَكَذَا فِي الضَّمَانِ، وَكَنَمَائِهِ لِصِحَّةِ الْقِسْمَةِ بِالْكَلَامِ كَخَرْصِ ثِمَارٍ، فَكَذَا الشَّرِكَةُ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ (وَالْوَضِيعَةُ) أَيِ الْخُسْرَانُ (عَلَى قَدْرِ الْمَالِ) بِالْحِسَابِ ; لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ نُقْصَانِ رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْقَدْرِ، فَيَكُونُ النَّقْصُ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْوَضْعِيَّةُ لِتَلَفٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي الثَّمَنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْعَامِلِ فِي الْمُضَارَبَةِ بَلْ هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِمِلْكِ رَبِّهِ كَالْمُزَارَعَةِ.
стр. 1636
فَصْلٌ وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ، وَيَقْبِضَ وَيُقْبِضَ، وَيُطَالِبَ بِالدَّيْنِ، وَيُخَاصِمَ فِيهِ، وَيُحِيلَ وَيَحْتَالَ، وَيَرُدَّ بِالْعَيْبِ وَيُقربه، وَيُقَايِلَ، وَيَفْعَلَ كُلَّ مَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَةِ تِجَارَتِهِمَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّقِيقَ، وَلَا يُزَوِّجَهُ، وَلَا يُعْتِقَهُ بِمَالٍ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ: مَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِهِ كُلٌّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ]
فَصْلٌ (وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَ) أَيْ حَالًّا (وَيَشْتَرِيَ) مُسَاوَمَةً، وَمُرَابَحَةً، وَغَيْرَهُمَا ; لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَرِيكِهِ وَكِيلٌ، فَمَلَكَهُمَا كَالْوَكِيلِ (وَيَقْبِضَ وَيُقْبِضَ) لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فِي ذَلِكَ، فَمَلَكَهُمَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَأْتَمِنُهُ (وَيُطَالِبَ بِالدَّيْنِ، وَيُخَاصِمَ فِيهِ) لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ قَبْضَ شَيْءٍ مَلَكَ الْمُطَالَبَةَ وَالْمُخَاصَمَةَ فِيهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ (وَيُحِيلَ وَيَحْتَالَ) لِأَنَّهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَهُوَ يَمْلِكُهَا (وَيَرُدَّ بِالْعَيْبِ) سَوَاءٌ وَلِيَهُ هُوَ أَوْ صَاحِبُهُ ; لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَرُدُّ بِهِ، فَالشَّرِيكُ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ شَرِيكُهُ (وَيُقِرَّ بِهِ) أَيْ بِالْعَيْبِ كَمَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ خُيِّرَ بَيْنَ قَبُولِهَا أَوْ إِعْطَاءِ أَرْشِ الْعَيْبِ، أَوْ يَحُطُّ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ يُؤَخِّرُ ثَمَنَهُ لِأَجْلِ الْعَيْبِ (وَيُقَايِلَ) لِأَنَّ الْحَظَّ قَدْ يَكُونُ فِيهَا، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بَيْعًا فَقَدْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ فَسْخًا، فَفَسْخُ الْبَيْعِ الْمُضِرِّ مِنْ مَصْلَحَةِ التِّجَارَةِ، فَمِلْكُهُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ أَنَّهَا فَسْخٌ فَلَا يَمْلِكُهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ (وَيَفْعَلَ كُلَّ مَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَةِ تِجَارَتِهِمَا) لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْأَمَانَةِ، فَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِالثَّمَنِ، أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ أُجْرَةِ الْمُنَادِي، أَوِ الْحَمَّالِ ; لِأَنَّ هَذَا عَادَةُ التُّجَّارِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ وَيُؤَجِّرَ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَعْيَانِ، فَصَارَ كَالشِّرَاءِ، وَالْبَيْعِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْأَجْرِ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ لَا تَخْتَصُّ بِالْعَاقِدِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّقِيقَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ شَرِيكُهُ، وَالشَّرِكَةُ تَنْعَقِدُ عَلَى التِّجَارَةِ وَلَيْسَتْ مِنْهَا (وَلَا يُزَوِّجَهُ)
стр. 1637
وَلَا يَهَبَ، وَلَا يُقْرِضَ، وَلَا يُحَابِيَ، وَلَا يُضَارِبَ بِالْمَالِ، وَلَا يَأْخُذَ بِهِ سُفْتَجَةً، وَلَا يُعْطِيَهَا إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يُودِعَ، أَوْ يَبِيعَ نِسَاءً، أَوْ يُبْضِعَ، أَوْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ، أَوْ يَرْهَنَ أَوْ يَرْتَهِنَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى مَالِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِمَا ذَكَرْنَا سِيَّمَا وَتَزْوِيجُ الْعَبْدِ ضَرَرٌ مَحْضٌ (وَلَا يُعْتِقَهُ بِمَالٍ) وَلَا غَيْرِهِ (وَلَا يَهَبَ) .
نَقَلَ حَنْبَلٌ: يَتَبَرَّعُ بِبَعْضِ الثَّمَنِ لِمَصْلَحَتِهِ (وَلَا يُقْرِضَ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِرَهْنٍ (وَلَا يُحَابِيَ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ انْعَقَدَتْ عَلَى التِّجَارَةِ وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْهَا (وَلَا يُضَارِبَ بِالْمَالِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُثْبِتُ فِي الْمَالِ حُقُوقًا، وَيُسْتَحَقُّ رِبْحُهُ لِغَيْرِهِ، وَفِيهِ تَخْرِيجٌ مِنْ تَوْكِيلِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لِلثَّانِي عَلَى رَبِّهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَقِيلَ: عَلَى الْأَوَّلِ مَعَ جَهْلِهِ لِدَفْعِ غَاصِبٍ، وَمَعَ عِلْمِهِ لَا شَيْءَ لَهُ، وَرِبْحُهُ لِرَبِّهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ خَلْطُ مَالِ الشَّرِكَةِ بِمَالِهِ وَلَا مَالِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِيجَابَ حُقُوقٍ فِي الْمَالِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِمَالِ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ، فَيَدْخُلُ فِيمَا أَذِنَ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (وَلَا يَأْخُذَ بِهِ سُفْتَجَةً) لِأَنَّ فِيهَا خَطَرًا، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى إِنْسَانٍ شَيْئًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ كِتَابًا إِلَى وَكِيلِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الْمَالَ (وَلَا يُعْطِيَهَا) بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ إِنْسَانٍ بِضَاعَةً، وَيُعْطِيَهُ بِثَمَنِ ذَلِكَ كِتَابًا إِلَى وَكِيلِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ ذَلِكَ (إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنَ التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْكِتَابَةِ وَمَا بَعْدَهَا، وَالصَّوَابُ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا فِيهِمَا لِمَصْلَحَةٍ لِخَوْفِ طَرِيقٍ وَنَحْوِهِ فِي الْأُولَى.
فَائِدَةٌ: مَا يُخْرِجُهُ الشَّرِيكُ عَلَى الْمَالِ مِنَ الشَّيْلِ، وَالْحَطِّ، وَالْعُشْرِ، وَالْخِفَارَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَذْرَقَةِ يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ، قَالَهُ فِي " الْفُصُولِ ".
[مَا لَا يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ]
(وَهَلْ لَهُ أَنْ يُودِعَ، أَوْ يَبِيعَ نِسَاءً، أَوْ يُبْضِعَ، أَوْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ، أَوْ يَرْهَنَ أَوْ يَرْتَهِنَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: فِي الْإِيدَاعِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا لَهُ ذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَزَادَ: عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَادَةَ التُّجَّارِ، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي " الْمُحَرَّرِ " الْمَنْعُ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الشَّرِكَةِ وَفِيهِ غَرَرٌ.
الثَّانِيَةُ: فِي الْبَيْعِ إِلَى أَجَلٍ، وَهُوَ يَخْرُجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْوَكِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَإِنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِنَقْدٍ عِنْدَهُ مِثْلُهُ، أَوْ نَقْدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، أَوِ اشْتَرَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ
стр. 1638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعِنْدَهُ مَثَلُهُ جَازَ، وَإِلَّا فَالشِّرَاءُ لَهُ خَاصَّةً، وَرِبْحُهُ لَهُ، وَضَمَانُهُ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: فِي الْإِبْضَاعِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ عِبَارَةٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَالِ تُبْعَثُ لِلتِّجَارَةِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، وَالثَّانِي بَلَى وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ عَادَةُ التُّجَّارِ.
الرَّابِعَةُ: التَّوْكِيلُ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْوَكِيلِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ التَّوْكِيلُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ ; لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مِثْلَ عَقْدِ مُوَكِّلِهِ بِخِلَافِ وَكِيلِ الشَّرِيكِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ مِثْلَ عَقْدِ مُوَكِّلِهِ، بَلْ يَسْتَفِيدُ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ، فَإِنْ وَكَّلَ مَلَكَ الْآخَرُ عَزْلَهُ، وَيَتَصَرَّفُ الْمَعْزُولُ فِي قَدْرِ نَصِيبِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ.
الْخَامِسَةُ: فِي الرَّهْنِ وَالِارْتِهَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُمَا زَادَ فِي " الشَّرْحِ " عِنْدَ الْحَاجَةِ ; لِأَنَّ الرَّهْنَ يُرَادُ لِلْإِيفَاءِ، وَالِارْتِهَانَ يُرَادُ لِلِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ يَمْلِكُهُمَا، فَكَذَا مَا يُرَادُ لَهُمَا، وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِيهِ خَطَرًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ وَلِيَ الْعَقْدَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، لَكَوْنِ الْقَبْضِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، فَلَوْ قَالَ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، وَرَأَى مَصْلَحَةً، جَازَ الْكُلُّ ; لِأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ الرَّأْيَ فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَّرِكَةُ، فَجَازَ كُلُّ مَا هُوَ مِنَ التِّجَارَةِ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ السَّفَرَ بِالْمَالِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ مَعَ الْأَمْنِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ صَحَّحَهَا الْأَزَجِيُّ، وَإِنْ سَافَرَ وَالْغَالِبُ الْعَطَبُ ضَمِنَ، ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ فِيمَا لَيْسَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَتَّجِرُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ بِمَالِهِ مَوْضِعَ أَمْنٍ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِخَوْفِهِ، أَوْ بِفَلَسِ مُشْتَرٍ فَلَا ضَمَانَ ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى هَلَاكَهُ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ صَدَقَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ لَمْ يَضْمَنْهُ إِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بِهِ، وَيَحْلِفُ مَعَهَا أَنَّهُ هَلَكَ بِهِ، وَيُصَدِّقُ مُنْكِرُ الْخِيَانَةِ، وَإِنْ قَالَ لِمَا بِيَدِهِ: هَذَا لِي أَوْ لَنَا، أَوِ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهَا لِي، أَوْ لَنَا صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ سَوَاءٌ رَبِحَ أَوْ خَسِرَ، وَإِنْ قَالَ: صَارَ لِي بِالْقِسْمَةِ صُدِّقَ مُنْكِرُهَا.
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ) لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا رَضِيَ الشَّرِيكُ بِالْمُشَارَكَةِ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ ضَمَّ إِلَيْهَا أَلْفًا مِنْ مَالِهِ،
стр. 1639
الشَّرِكَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ عَلَيْهِ وَرِبْحُهُ لَهُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ شَرِيكُهُ، وَإِنْ أَخَّرَ حَقَّهُ مِنَ الدَّيْنِ جَازَ، وَإِنَّ تَقَاسَمَا الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَصِحَّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَبْرَأَ مِنَ الدَّيْنِ لَزِمَ فِي حَقِّهِ دُونَ صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَمَعْنَاهَا أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ بِثَمَنٍ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ جِنْسِهِ (فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ عَلَيْهِ وَرِبْحُهُ لَهُ) .
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِيمَنِ اسْتَدَانَ مِنَ الْمَالِ بِوَجْهِهِ أَلْفًا: فَهُوَ لَهُ وَرِبْحُهُ لَهُ وَوَضِيعَتُهُ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ وَضُرِّهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقَعْ لِلشَّرِكَةِ (إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ شَرِيكُهُ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَبَقِيَّةِ أَفْعَالِ التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا اسْتَقْرَضَ شَيْئًا لَزِمَهُمَا، وَرَبِحُهُ لَهُمَا ; لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ بِمَالٍ أَشْبَهَ الصَّرْفَ، وَرُدَّ بِالْفَرْقِ، فَإِنَّ الصَّرْفَ بَيْعٌ وَإِبْدَالُ عَيْنٍ بِعَيْنٍ فَهُوَ كَبَيْعِ الثِّيَابِ (وَإِنْ أَخَّرَ حَقَّهُ مِنَ الدَّيْنِ) الْحَالِّ (جَازَ) لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الْمُطَالَبَةِ، فَصَحَّ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ كَالْإِبْرَاءِ، فَلَوْ قَبَضَ شَرِيكُهُ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يُؤَخَّرْ كَانَ لَهُ مُشَارَكَتُهُ فِيهِ، وَقِيلَ: وَلَهُ تَأْخِيرُ حَقِّ شَرِيكِهِ، وَيَضْمَنُهُ إِنْ تَلِفَ، أَوْ مَاتَ الْمَدِينُ (وَإِنَّ تَقَاسَمَا الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَصِحَّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ; لِأَنَّ الذِّمَمَ لَا تَتَكَافَأُ، وَلَا تَتَعَادَلُ، وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِيهَا ; لِأَنَّهَا بِغَيْرِ تَعْدِيلٍ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ، فَعَلَيْهَا لَوْ تَقَاسَمَا ثُمَّ تَوى بَعْضُ الْمَالِ رَجَعَ الَّذِي تَوى مالُهُ عَلَى الْآخَرِ، وَالثَّانِيَةُ - وَنَقَلَهَا حَرْبٌ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " - الْجَوَازُ ; لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يَمْنَعُ الْقِسْمَةَ كَاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ، فَعَلَيْهَا لَا رُجُوعَ إِذَا أَبْرَأَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " إِذَا كَانَ فِي ذِمَمٍ لَا ذِمَّةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا تُمْكِنُ الْقِسْمَةُ، وَهِيَ إِفْرَازٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ تَكَافَأَتْ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ مِنَ الْحَوَالَةِ عَلَى مَلِيءٍ وُجُوبُهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَإِنْ أَبْرَأْ مِنَ الدَّيْنِ) أَوْ أَجَّلَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ (لَزِمَ فِي حَقِّهِ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ (دُونَ صَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ وَكَالصَّدَقَةِ (وَكَذَلِكَ إِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ) أَيْ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ دُونَ صَاحِبِهِ عَلَى
стр. 1640
عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ. وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَلَّى مَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ مِنْ نَشْرِ الثَّوْبِ، وَطَيِّهِ، وَخَتْمِ الْكِيسِ، وَإِحْرَازِهِ فَإِنِ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ، وَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَفْعَلُهُ، فَإِنْ فَعَلَهُ لِيَأْخُذَ أُجْرَتَهُ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِدَيْنٍ، أَوْ عَيْنٍ ; لِأَنَّ شَرِيكَهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ دَاخِلًا فِيهَا (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ نِسَاءً، وَهُوَ إِقْرَارٌ بِبَقَاءِ الثَّمَنِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَعَلَّلَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلِّمَ الثَّمَنَ فِي الْمَجْلِسِ، فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ إِقْرَارَهُ لَضَاعَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ وَامْتَنَعُوا مِنْ مُعَامَلَتِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ كَالْإِقْرَارِ بِالْعَيْبِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي الْإِقْرَارِ، وَ " الْفُرُوعِ " قَبْلَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا لَا بَعْدَهَا.
مَسْأَلَةٌ: أَقَرَّ غَرِيمٌ لَهُمَا بِدَيْنٍ عِنْدَ حَاكِمٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا حَبْسَهُ، وَمَنَعَ الْآخَرُ مِنْهُ، فَفِي وُجُوبِ حَبْسِهِ رِوَايَتَانِ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا دَيْنٌ مُشْتَرَكٌ بِإِرْثٍ أَوْ إِتْلَافٍ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوْ ضَرِيبَةٍ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا وَاحِدٌ، فَلِشَرِيكِهِ الْأَخْذُ مِنَ الْغَرِيمِ وَمِنَ الْقَابِضِ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمِلْكِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَخْرَجَهُ الْقَابِضُ بِرَهْنٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ كَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ بِهِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَابْنُ سِيرِينَ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِ قَابِضِهِ تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَرِيمِ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ، وَإِنْ كَانَ بِعَقْدٍ، أَوْ بَعْدَ تَأْجِيلِ شَرِيكِهِ حَقَّهُ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ الْمُشَارَكَةُ كَالْمَوْرُوثِ، وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالْعَقْدِ عَلَى نَصِيبِهِ فَهُوَ كَالْمُنْفَرِدِينَ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَلَّى مَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ مِنْ نَشْرِ الثَّوْبِ، وَطَيِّهِ، وَخَتْمِ الْكِيسِ، وَإِحْرَازِهِ) وَقَبْضِ النَّقْدِ ; لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْإِذْنِ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ (فَإِنِ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ) فِي مَالِهِ ; لِأَنَّهُ بَذَلَهَا عِوَضًا عَمَّا يَلْزَمُهُ (وَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ) كَحَمْلِ الطَّعَامِ، وَالْمَتَاعِ، وَوَزْنِ مَا يُنْقَلُ، وَالنِّدَاءِ (فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ) مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ (مَنْ يَفْعَلُهُ) لِأَنَّهُ الْعُرْفُ.
стр. 1641
فَصْلٌ وَالشُّرُوطُ فِي الشَّرِكَةِ ضَرْبَانِ: صَحِيحٌ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إِلَّا فِي نَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ أَوْ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ لَا يَبِيعَ إِلَّا بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أَوْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ، أَوْ لَا يَبِيعَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ.
وَفَاسِدٌ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ، أَوْ ضَمَانِ الْمَالِ، أَوْ أَنَّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(فَإِنْ فَعَلَهُ لِيَأْخُذَ أُجْرَتَهُ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ ; لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَا يَلْزَمُهُ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا كَالْمَرْأَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ خَادِمًا إِذَا أَخَدَمَتْ نَفْسَهَا، وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ، فَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا شَرَطَهَا اسْتَحَقَّهَا.
فَرْعٌ: إِذَا اسْتَأْجَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِيمَا لَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ إِلَّا بِعَمَلٍ فِيهِ، كَنَقْلِ طَعَامٍ بِنَفْسِهِ، أَوْ غُلَامِهِ، أَوْ دَابَّتِهِ، جَازَ، نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ، كَدَارِهِ، وَعَنْهُ: لَا لِعَدَمِ إِمْكَانِ إِيقَاعِ الْعَمَلِ فِيهِ لِعَدَمِ تَمْيِيزِ نَصِيبِهِمَا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَيَحْرُمُ عَلَى شَرِيكٍ فِي زَرْعٍ فَرْكُ شَيْءٍ مِنْ سُنْبُلِهِ يَأْكُلُهُ بِلَا إِذْنٍ، وَيَتَّجِهُ عَكْسُهُ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
[فَصْلٌ: الشُّرُوطُ الصَّحِيحَةُ فِي الشَّرِكَةِ]
فَصْلٌ (وَالشُّرُوطُ فِي الشَّرِكَةِ ضَرْبَانِ) لِأَنَّهُمَا عَقْدٌ، فَانْقَسَمَتْ شُرُوطُهَا إِلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ كَالْبَيْعِ (صَحِيحٌ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إِلَّا فِي نَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ) سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَعُمُّ وُجُودُهُ أَوْ لَا.
وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": عَامُّ الْوُجُودِ، وَالْمُرَادُ بِهِ عُمُومُهُ حَالَ الْعَقْدِ فِي الْمَوْضِعِ الْمُعَيَّنِ لِلتِّجَارَةِ، لَا عُمُومُهُ فِي سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ (أَوْ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ) كَمَكَّةَ وَنَحْوِهَا (أَوْ لَا يَبِيعَ إِلَّا بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أَوْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ، أَوْ لَا يَبِيعَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ) أَوْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ، فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّا يَكْثُرُ الْمَتَاعُ عِنْدَهُ أَوْ يَقِلُّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِرَجُلٍ، أَوْ بَلَدٍ مُعَيَّنَيْنِ كَالْوَكَالَةِ، فَإِن جَمَعَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ مِنْ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " خِلَافُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فِي الشَّرِكَةِ]
(وَفَاسِدٌ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ) كَمَا لَوْ شَرَطَ رِبْحَ أَحَدِ الْكِيسَيْنِ، أَوِ الْأَلْفَيْنِ، أَوْ جُزْءًا مَجْهُولًا
стр. 1642
عَلَيْهِ مِنَ الْوَضِيعَةِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَالِهِ، أَوْ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا يَخْتَارُ مِنَ السِّلَعِ، أَوْ يَرْتَفِقَ بِهَا، أَوْ لَا يَفْسَخَ الشَّرِكَةَ مُدَّةً بِعَيْنِهَا، فَمَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ يَفْسَدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَيَخْرُجُ فِي سَائِرِهَا رِوَايَتَانِ، وَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَنَصِيبٍ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى جَهْلِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّبْحِ، أَوْ إِلَى فَوَاتِهِ حَيْثُ شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً (أَوْ ضَمَانِ الْمَالِ) لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ (أَوْ أَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الْوَضِيعَةِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَالِهِ) لِلْمُنَافَاةِ (أَوْ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا يَخْتَارُ مِنَ السِّلَعِ) إِذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْعَقْدِ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ مَا يُنَافِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ مَتَى بَاعَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فباعه مِنْ غَيْرِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَفِيَ بِشَرْطِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: إنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يَقْطَعُ إِطْلَاقَ تَصَرُّفِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ خِلَافُهُ (أَوْ يَرْتَفِقَ بِهَا) كَلُبْسِهِ الثَّوْبَ، وَاسْتِخْدَامِهِ الْعَبْدَ (أَوْ لَا يَفْسَخَ الشَّرِكَةَ مُدَّةً بِعَيْنِهَا) لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ، فَاشْتِرَاطُ لُزُومِهَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا كَالْوَكَالَةِ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْقِيتُهَا كَالْوَكَالَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ (فَمَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ يَفْسَدُ بِهِ الْعَقْدُ) لِأَنَّ الْفَسَادَ لِمَعْنًى فِي الْعِوَضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ كَمَا لَوْ جُعِلَ رَأْسُ الْمَالِ خَمْرًا، وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَمْنَعُ مِنَ التَّسْلِيمِ فَيُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ (وَيَخْرُجُ فِي سَائِرِهَا) أَيْ بَاقِيهَا (رِوَايَتَانِ) الْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، وَيَلْغُو الشَّرْطُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَجْهُولٍ فَلَمْ تُبْطِلْهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ كَالنِّكَاحِ، وَالثَّانِيَةُ: يَبْطُلُ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " تَخْرِيجًا ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَأَبْطَلَ الْعَقْدَ كَالْمُزَارَعَةِ إِذَا شَرَطَ الْبَذْرَ مِنَ الْعَامِلِ، وَكَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِالْعَقْدِ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِذَا فَسَدَ فَاتَ الرِّضَا بِهِ.
(وَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ) لِأَنَّ التَّصَرُّفَ صَحِيحٌ لِكَوْنِهِ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَالرِّبْحُ نَمَاءُ الْمَالِ، فَرِبْحُ الْمُضَارَبَةِ لِلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْعَامِلِ مُطْلَقًا، وَالْعِنَانُ وَالْوُجُوهُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَالْأَبْدَانُ تُقْسَمُ أُجْرَةُ مَا تَحَمَّلَاهُ بِالسَّوِيَّةِ، وَالْوَضِيعَةُ بِقَدَرِ الْمَالَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَفْسَدْ فَإِنَّ الرِّبْحَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ كَرِوَايَةٍ
стр. 1643
الْمَالَيْنِ، وَهَلْ يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
فَصْلٌ الثَّانِي: الْمُضَارَبَةُ وَهِيَ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ إِلَى آخَرَ يَتَّجِرُ فِيهِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الْفَاسِدِ (وَهَلْ يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ؟) أَيُ نِصْفِ عَمَلِهِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا: لَا رُجُوعَ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ " الْمُحَرِّرِ " لِأَنَّهُمَا عَمِلَا لِأَنْفُسِهِمَا فَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَا لَمْ يَعْمَلْ لَهُ فَعَلَيْهِ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضُهُ مَجْهُولًا فَوَجَبَ الْمُسَمَّى فِي فَاسِدِهِ كَالنِّكَاحِ، وَالثَّانِي: يَرْجِعُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَيَرْجِعُ بِهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَنْبَغِي الْفَصْلُ فِيهِ فِي ثَانِي الْحَالِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَابِلَ الْعَمَلَ فِيهِ عِوَضٌ كَالْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ تَسَاوَى عَمَلُهُمَا تَقَاصَّ الدَّيْنَانِ، وَإِنْ فَضُلَ أَحَدُهُمَا تَقَاصَّ دَيْنُ الْقَلِيلِ بِمِثْلِهِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ بِالْفَضْلِ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِهِمَا رَجَعَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ فَسَدَ الْعَقْدُ لِجَهْلِ الرِّبْحِ فَكَذَلِكَ، وَإِنَّ فَسَدَ لِغَيْرِهِ وَجَبَ الْمُسَمَّى فِيهِ كَالصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ مَعَ جَهْلِ الْعِوَضِ، فَوَجَبَ الْمُسَمَّى فِيهِ مَعَ فَسَادِهِ كَالنِّكَاحِ.
فَرْعٌ: إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَلِوَارِثِهِ إِتْمَامُ الشَّرِكَةِ، فَيَأْذَنُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فِي التَّصَرُّفِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا جُدِّدَ عَقْدًا، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْقِسْمَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ، وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ الشَّرِكَةُ فِيهِ حَتَّى يَقْضِيَ دينَهُ، فَإِنْ قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ مَالِ الشَّرِكَةِ فَلَهُ إِتْمَامُهَا، وَإِنْ قَضَاهُ مِنْهَا بَطَلَتْ فِي قَدْرِ مَا مَضَى.
تَنْبِيهٌ: كُلُّ عَقْدٍ فَاسِدٍ مِنْ أَمَانَةٍ وَتَبَرُّعٍ بِمُضَارِبَةٍ، وَشَرِكَةٍ، وَوَكَالَةٍ، وَوَدِيعَةٍ، كَصَحِيحٍ فِي ضَمَانٍ وَعَدَمِهِ، وَكُلُّ عَقْدٍ لَازِمٍ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ يَجِبُ فِي فَاسِدِهِ كَبَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَنِكَاحٍ.
[الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُضَارَبَةُ]
[صُورَةُ الْمُضَارَبَةِ]
فَصْلٌ (الثَّانِي: الْمُضَارَبَةُ) وَهِيَ تَسْمِيَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ،
стр. 1644
شَرَطَاهُ، فَإِنْ قَالَ: خُذْهُ وَاتَّجِرْ بِهِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي فَهُوَ إِبْضَاعٌ، وَإِنْ قَالَ: وَالرِّبْحُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ السَّفَرُ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ ضَرْبِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِسَهْمٍ مِنَ الرِّبْحِ، وَسَمَّاهُ أَهْلُ الْحِجَازِ قِرَاضًا، فَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقَطْعِ، يُقَالُ: قَرَضَ الْفَأْرُ الثَّوْبَ أَيْ قَطَعَهُ، فَكَأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ اقْتَطَعَ مِنْهُ قِطْعَةً، وَسَلَّمَهَا إِلَى الْعَامِلِ وَاقْتَطَعَ لَهُ قِطْعَةً مِنْ رِبْحِهَا، وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَالْمُوَازَنَةِ، يُقَالُ: تَقَارَضَ الشَّاعِرَانِ إِذَا تَوَازَنَا.
وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرَوَى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَعْطَاهُ مَالَ يَتِيمٍ مُضَارَبَةً يَعْمَلُ بِهِ فِي الْعِرَاقِ، وَرُوِيَ جَوَازُهُ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مَعَ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِيهِ ; لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهَا، فَإِنَّ النَّقْدَيْنِ لَا تُنْمَى إِلَّا بِالتِّجَارَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَمْلِكُهَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ، وَلَا كُلُّ مَنْ يُحْسِنُهَا لَهُ مَالٌ فَشُرِعَتْ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ.
(وَهِيَ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ إِلَى آخَرَ يَتَّجِرُ فِيهِ) يُشْتَرَطُ فِي الْمَالِ الْمَدْفُوعِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَلَوْ دَفَعَ صُبْرَةَ نَقْدٍ، أَوْ أَحَدَ كِيسَيْنِ لَمْ يَصِحَّ، قَوْلُهُ (إِلَى آخَرَ) لَيْسَ شَرْطًا فِيهِ، فَلَوْ دَفَعَهُ إِلَى اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مُضَارَبَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ جَازَ، قَوْلُهُ (يَتَّجِرُ فِيهِ) ظَاهِرٌ (وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ) أَيْ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا تَقْدِيرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا بِالشَّرْطِ، فَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ سَهْمَ الْعَامِلِ، فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، فَلَوْ شَرَطَ جُزْءًا مِنَ الرِّبْحِ لَعَبْدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِعَبْدِهِمَا صَحَّ وَكَانَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ شَرَطَاهُ لِأَجْنَبِيٍّ، أَوْ لِوَلَدِ أَحَدِهِمَا، أَوِ امْرَأَتِهِ، أَوْ قَرِيبِهِ، وَشَرَطَا عَلَيْهِ عَمَلًا مَعَ الْعَامِلِ صَحَّ، وَكَانَا عَامِلَيْنِ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَكَ الثُّلْثَانِ عَلَى أَنْ تُعْطِيَ امْرَأَتَكَ نِصْفَهُ (فَإِنْ قَالَ: خُذْهُ، وَاتَّجِرْ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي فَهُوَ إِبْضَاعٌ) أَيْ يَصِيرُ جَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِيهِ، فَيَصِيرُ وَكِيلًا مُتَبَرِّعًا ; لِأَنَّهُ قَرَنَ بِهِ حُكْمَ الْإِبْضَاعِ، فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ، فَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: وَعَلَيْكَ ضَمَانُهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ
стр. 1645
كُلُّهُ لَكَ فَهُوَ قَرْضٌ، وَإِنْ قَالَ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا فَهُوَ بَيْنُهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ أَوْ لِي لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: وَلَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ صَحَّ وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ قَالَ: وَلِي ثُلُثُ الرِّبْحِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَمَانَةً غَيْرَ مَضْمُونٍ فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ (وَإِنْ قَالَ: وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ فَهُوَ) أَيِ الْمَالُ الْمَدْفُوعُ (قَرْضٌ) لَا قِرَاضَ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لَهُ، وَقَدْ قُرِنَ بِهِ حُكْمُهُ، فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ كَالتَّمْلِيكِ، فَإِنَّ قَرَنَ بِهِ: وَلَا ضَمَانَ عَلَيْكَ فَهُوَ قَرْضٌ شُرِطَ فِيهِ نَفِيُ الضَّمَانِ، فَلَمْ يَنْتَفِ بِهِ (وَإِنْ قَالَ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا فَهُوَ بَيْنهُمَا نِصْفَيْنِ) لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِمَا إِضَافَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ فِيهَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ - كَـ " هَذِهِ الدَّارُ بَيْنِي وَبَيْنَكم " - (وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ أَوْ لِي لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا شَرَطَ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِالرِّبْحِ فَقَدْ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَفَسَدَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الرِّبْحَ كُلَّهُ فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ لِأَحَدِهِمَا، وَيُفَارِقُ إِذَا لَمْ يَقُلْ: مُضَارَبَةً ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِمَا أَثْبَتَ حُكْمَهُ مِنَ الْإِبْضَاعِ، وَالْقَرْضِ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْعَامِلِ ; لِأَنَّ الْإِذْنَ بَاقٍ (وَإِنْ قَالَ) خُذْهُ مُضَارَبَةً (وَلَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ) أَوْ رُبُعُهُ، أَوْ جُزْءٌ مَعْلُومٌ (صَحَّ) لِأَنَّ نَصِيبَ الْعَامِلِ مَعْلُومٌ (وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِمَالِهِ لِكَوْنِهِ نَمَاءَهُ وَفَرْعُهُ، وَالْعَامِلُ يَأْخُذُ بِالشَّرْطِ، فَمَا شُرِطَ لَهُ اسْتَحَقَّهُ، وَمَا بَقِيَ فَلِرَبِّ الْمَالِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ (وَإِنْ قَالَ: وَلِي ثُلُثُ الرِّبْحِ) وَلَمْ يَذْكُرْ نَصِيبَ الْعَامِلِ (فَهَلْ يَصِحُّ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا يَصِحُّ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ ; لِأَنَّ الرِّبْحَ يَسْتَحِقَّانِهِ، فَإِذَا قُدِّرَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ، فَالْبَاقِي لِلْآخَرِ بِمَفْهُومِ اللَّفْظِ كَمَا عُلِمَ أَنَّ ثُلُثَي الْمِيرَاثِ لِلْأَبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يُوجَدْ فَتَكُونُ الْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةً، فَإِنْ قَالَ: لِيَ النِّصْفُ، وَلَكَ الثُّلُثُ، وَسَكَتَ عَنِ الْبَاقِي صَحَّ، وَكَانَ لِرَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً عَلَى الثُّلُثِ أَوْ بِالثُّلُثِ صَحَّ، وَكَانَ تَقْدِيرًا لِنَصِيبِ الْعَامِلِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: لَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ وَثُلُثُ مَا يَبْقَى مِنَ الرِّبْحِ صَحَّ، وَلَهُ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَكَ رُبُعُ الرِّبْحِ، وَرُبُعُ مَا يَبْقَى، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ وَنِصْفُ ثُمُنٍ
стр. 1646
اخْتَلَفَا لِمَنِ الْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ؟ فَهُوَ لِلْعَامِلِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَحُكْمُ الْمُضَارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فِيمَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ وَمَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، وَفِي الشُّرُوطِ. وَإِذَا فَسَدَتْ فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ وَلِلْعَامِلِ الْأَجْرُ، وَعَنْهُ: لَهُ الْأَقَلُّ مِنَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
سَوَاءٌ عَرَفَا الْحِسَابَ، أَوْ جَهِلَاهُ فِي الْأَصَحِّ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا لِمَنِ الْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (فَهُوَ لِلْعَامِلِ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالْعَمَلِ، وَهُوَ يَقِلُّ، وَيَكْثُرُ، وَإِنَّمَا تُقَدَّرُ حِصَّتُهُ بِالشَّرْطِ بِخِلَافِ رَبِّ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِمَالِهِ، وَيَحْلِفُ مُدَّعِيهِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ خِلَافَ مَا قَالَهُ، فَيَجِبُ لِنَفْيِ الِاحْتِمَالِ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْجُزْءِ بَعْدَ الرِّبْحِ، فَقَالَ الْعَامِلُ: شَرَطْتَ لِيَ النِّصْفَ، وَقَالَ الْمَالِكُ: الثُّلْثَ، قُدِّمَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ، وَعَنْهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إِنِ ادَّعَى تَسْمِيَةَ الْمِثْلِ أَوْ دُونَهَا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحَالُفِ لَمْ يَبْعُدْ كَالْبَيْعِ، فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَامِلِ (وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ) قِيَاسًا عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ، وَشَمَلَ هَذَا التَّشْبِيهُ لِلْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ (وَحُكْمُ الْمُضَارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فِيمَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ وَمَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، وَفِي الشُّرُوطِ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ بِالْإِذْنِ، فَمَا جَازَ لِلشَّرِيكِ فِعْلُهُ جَازَ لِلْمُضَارِبِ، وَمَا مُنِعَ مِنْهُ مُنِعَ مِنْهُ، وَمَا اخْتُلِفَ فِيهِ، فَهَا هُنَا مَثَلُهُ، وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالِ الشَّرِكَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ، وَتَكْفِي مُبَاشَرَتُهُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ نُطْقُهُ (وَإِذَا فَسَدَتِ) الْمُضَارَبَةُ (فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ) .
قَالَ الْقَاضِيَ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الشَّرْطُ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا (وَلِلْعَامِلِ الْأُجْرَةُ) أَيْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ عَمَلَهُ إِنَّمَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُسَمَّى، فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ وَجَبَ رَدُّ عَمَلِهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، فَوَجَبَ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، فَقَبَضَهُ، وَتَلِفَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي يَدِ قَابِضِهِ، فَيَجِبُ رَدُّ بَدَلِهِ، وَسَوَاءٌ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، أَوْ لَا (وَعَنْهُ: لَهُ الْأَقَلُّ مِنَ الْأُجْرَةِ أَوْ مَا شَرَطَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ) لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الْأُجْرَةَ فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهَا لِبُطْلَانِ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الْمَشْرُوطَ فَهُوَ قَدْ رَضِيَ بِهِ، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ.
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِذَا اشْتَرَكَا فِي الْعُرُوضِ قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ، فَأَثْبَتَ فِيهَا
стр. 1647
الْأُجْرَةِ أَوْ مَا شَرَطَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ
وَإِنْ شَرَطَا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ فَهَلْ تَفْسَدُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: بِعْ هَذَا الْعَرَضَ وَضَارِبْ بِثَمَنِهِ، أَوِ اقْبِضْ وَدِيعَتِي وَضَارِبْ بِهَا، وَإِذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَضَارَبَ بِهَذَا صَحَّ، وَإِنْ قَالَ: ضَارِبْ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْكَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَلِكَ مَعَ فَسَادِهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ كَلَامَهُ مَحْمُولٌ عَلَى صِحَّةِ الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا صَحِيحٌ مُسْتَنِدًا إِلَى الْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ لَا يُقَالُ لَوِ اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهِ لَمْ يَنْفُذْ مَعَ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَصَرَّفُ مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ لَا بِالْإِذْنِ.
[شَرَطَا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ]
(وَإِنْ شَرَطَا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ) بِأَنْ يَقُولَ: ضَارَبْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّرَاهِمِ سَنَةً، فَإِذَا مَضَتْ فَلَا تَبِعْ، وَلَا تَشْتَرِ (فَهَلْ تَفْسَدُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ.
قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ أَعْطَى آخَرَ أَلْفًا مُضَارَبَةً شَهْرًا، فَإِذَا مَضَى يَكُونُ قَرْضًا؟ قَالَ: فَإِنْ جَاءَ الشَّهْرُ وَهُوَ مَتَاعٌ؟ قَالَ: إِذَا بَاعَ الْمَتَاعَ يَكُونُ قَرْضًا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ غَرَضٌ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقَعُ مُطْلَقًا، فَإِذَا شَرَطَ قَطْعَهُ لَمْ يَصِحَّ كَالنِّكَاحِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلَا مَصْلَحَتِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَصَرَّفٌ يُتَوَقَّفُ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ، فَجَازَ تَوْقِيتُهُ بِالزَّمَانِ كَالْوِكَالَةِ (وَإِنْ قَالَ: بِعْ هَذَا الْعَرَضَ وَضَارِبْ بِثَمَنِهِ) صَحَّ ; لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي بَيْعِ الْعَرَضِ، وَإِذَا بَاعَهُ صَارَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْمَالُ عِنْدَهُ وَدِيعَةً (أَوِ اقْبِضْ وَدِيعَتِي وَضَارِبْ بِهَا) ; لِأَنَّهُ وَكَيْلٌ فِي قَبْضِ الْوَدِيعَةِ، وَمَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ، فَجَازَ جَعْلُهُ مُضَارَبَةً، كَمَا لَوْ قَالَ: اقْبِضْهُ مِنْ غُلَامِي، وَضَارِبْ بِهِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ وَدِيعَةٌ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهَا: ضَارِبْ بِهَا (وَإِذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَضَارَبَ بِهَذَا صَحَّ) لِأَنَّهُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَجَازِ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَالْوَكَالَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: ضَارِبْ بِعَيْنِ الْمَالِ الَّذِي غَصَبْتَهُ مِنِّي صَحَّ كَالْوَدِيعَةِ، فَإِذَا ضَارَبَ بِهِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ.
стр. 1648
أَخْرَجَ مَالًا لِيَعْمَلَ هُوَ فِيهِ وَآخَرُ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا صَحَّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَزُولُ ضَمَانُ الْغَصْبِ إِلَّا بِدَفْعِهِ ثَمَنًا ; لِأَنَّ الْقِرَاضَ لَا يُنَافِي الضَّمَانَ بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَعَدَّى، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُمْسِكٌ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ ثُمَّ قَبَّضَهُ إِيَّاهُ.
(وَإِنْ قَالَ: ضَارِبْ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْكَ) أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ عَنِّي (لَمْ يَصِحَّ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَهُ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ لِغَرِيمِهِ بِقَبْضِهِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لِلْمُضَارَبَةِ، فَقَدِ اشْتَرَاهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَدَفَعَ الثَّمَنَ إِلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي دَفْعِ الثَّمَنِ إِلَيْهِ، فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْهُ، فَلَوْ قَالَ: اعْزِلِ الْمَالَ الَّذِي عَلَيْكَ وَضَارِبْ بِهِ صَحَّ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ ; لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا مُضَارَبَةً، وَقَالَ لَهُ: أَضِفْ إِلَيْهَا مِثْلَهَا وَاتَّجِرْ بِهِمَا وَالرِّبْحُ لَكَ ثُلُثَاهُ وَلِيَ ثُلُثُهُ صَحَّ، وَكَانَ شَرِكَةً وَمُضَارَبَةً، وَإِنْ شَرَطَ غَيْرُ الْعَامِلِ لِنَفْسِهِ ثُلُثَيِ الرِّبْحِ لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لِلْقَاضِي.
(وَإِنْ أَخْرَجَ مَالًا لِيَعْمَلَ هُوَ فِيهِ وَآخَرُ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا صَحَّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، وَيَكُونُ مُضَارَبَةً لِأَنَّ غَيْرَ صَاحِبِ الْمَالِ يَسْتَحِقُّ الْمَشْرُوطَ بِعَمَلِهِ مِنَ الرِّبْحِ فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْمُضَارَبَةِ (وَقَالَ الْقَاضِي) تَبَعًا لِابْنِ حَامِدٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ (إِذَا شَرَطَ الْمُضَارِبُ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ لَمْ يَصِحَّ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَالِ إِلَى الْمُضَارِبِ، فَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ لَمْ يَتَسَلَّمْهُ ; لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهَا، وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ عَمِلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ أَحَدُ رُكْنَيِ الْمُضَارَبَةِ، فَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا مَعَ وُجُودِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْآخَرِ كَالْمَالِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي، إِلَى آخِرِهِ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا تَقْتَضِي إِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ
стр. 1649
شَرَطَ الْمُضَارِبُ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ شَرَطَ عَمَلَ غُلَامِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ وَعَتَقَ وَضَمِنَ ثَمَنَهُ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَضْمَنْ، وَيُحْتَمَلْ أَنْ لَا يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنِ اشْتَرَى امْرَأَتَهُ صَحَّ وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَإِنِ اشْتَرَى مَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْ رِبْحِهِ، وَهَذَا حَاصِلٌ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعَمَلِ (وَإِنْ شَرَطَ عَمَلَ غُلَامِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَشْهُرُهُمَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ عَمَلَ الْغُلَامِ فِي مَالِ سَيِّدِهِ يَصِحُّ ضَمُّهُ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ ضَمَّ إِلَيْهِ بَهِيمَتَهُ يَحْمِلُ عَلَيْهَا، وَالثَّانِي لَا ; لَأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِ سَيِّدِهِ، وَعَمَلَهُ كَعَمَلِهِ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ]
فَصْلٌ (وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ) أَيْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ; لِأَنَّ فِيهِ ضِررًا، وَلَا حَظَّ لِلتِّجَارَةِ فِيهِ إِذْ هِيَ مَعْقُودَةٌ لِلرِّبْحِ حَقِيقَةً أَوْ مَظِنَّةً، وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ هُنَا (فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ) الشِّرَاءُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ قَابِلٌ لِلْعُقُودِ، فَصَحَّ شِرَاءُ الْعَامِلِ لَهُ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى مِنْ نَذْرِ رَبِّ الْمَالِ حُرِّيَّتَهُ إِذَا مَلَكَهُ (وَعَتَقَ) أَيْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْعِتْقِ، وَتَنْفَسِخُ فِيهِ الْمُضَارَبَةُ (وَضَمِنَ) الْعَامِلُ (ثَمَنَهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ (وَعَنْهُ: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ) لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهِ ثُمَّ تَلِفَ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَ بِفِعْلِهِ (عَلِمَ) أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالشِّرَاءِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْإِتْلَافَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ إِذِ التَّلَفُ حَصَلَ الْمَعْنَى فِي الْمَبِيعِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ فَتَلِفَ بِهِ، وَفِي " الشَّرْحِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَضْمَنَ وَإِنَّ عَلِمَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْبَيْعُ) لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْمُضَارَبَةِ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى مَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ، وَالرِّبْحُ فِيهِ، وَمَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَيَّدَهُ فِي " الشَّرْحِ " إِذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا ; لِأَنَّ الْعَامِلَ اشْتَرَى مَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْعَاقِدِ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ الثَّمَنِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَاهُ بِإِذْنِهِ صَحَّ ; لِأَنَّهُ
стр. 1650
يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ لَمْ يُعْتِقْ، وَإِنَّ ظَهَرَ رِبْحٌ، فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِنَفْسِهِ، فَكَذَا نَائِبُهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ دَيْنٌ، يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَمَا فِي يَدِهِ، وَقُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَعَلَيْهِ دَفْعُ قِيمَتِهِ إِلَى الْغُرَمَاءِ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِمْ بِالْعِتْقِ وَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ كَشِرَائِهِ امْرَأَةَ رَبِّ الْمَالِ (وَإِنِ اشْتَرَى) الْمُضَارِبُ (امْرَأَتَهُ) أَوْ بَعْضَهَا (صَحَّ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا يُمْكِنُ طَلَبُ الرِّبْحِ فِيهِ أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَى أَجْنَبِيَّةً (وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُ) لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِ زَوْجِهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَلْ يَلْزَمُ الزَّوْجَ نِصْفُ الصَّدَاقِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْعَامِلِ ; لِأَنَّهُ سَبَبُ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَفْسَدَتِ امْرَأَتُهُ نِكَاحَهَا بِالرَّضَاعِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
فَرْعٌ: إِذَا اشْتَرَى زَوْجُ رَبَّةِ الْمَالِ صَحَّ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا يَفُوتُ مِنَ الْمَهْرِ وَيَسْقُطُ مِنَ النَّفَقَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعُودُ إِلَى الْمُضَارَبَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شِرَائِهِ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ بِعَيْنِ الْمَالِ.
(وَإِنِ اشْتَرَى) الْمُضَارِبُ (مَنْ يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ لَمْ يُعْتِقْ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِلْكُ رَبِّ الْمَالِ، وَقِيلَ: بَلَى لِسَابِقَتِهِ (وَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ مَتَى يَمْلِكُ الرِّبْحَ، فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ بِالْقِسْمَةِ لَمْ يُعْتِقْ مِنْهُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالظُّهُورِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لَا يَعْتِقُ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ لِكَوْنِ الرِّبْحِ وِقَايَةً لِرَأْسِ الْمَالِ، وَالثَّانِي: ويَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ، فَعُتِقَ عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِمَالِهِ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْعَبْدُ بَاقٍ فِي التِّجَارَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ ظَاهِرًا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا تَعَدَّى الْمُضَارِبُ بِالشَّرْطِ، أَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ، أَوْ تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ ضَمِنَ الْمَالَ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَرِبْحُهُ لِمَالِكِهِ، وَقِيلَ: لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَعَنْهُ: لَهُ الْأَقَلُّ مِنْهَا، أَوْ مَا سُمِّيَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ، وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقَانِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ، وَقِيلَ: إِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ بَطَلَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالنَّمَاءُ لِلْبَائِعِ، وَعَنْهُ: إِنْ أَجَازَهُ رَبُّهُ صَحَّ، وَمَلَكَ النَّمَاءَ وَإِلَّا بَطَلَ.
следующие страницы →