Полный текст (3 567 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
حَمْلِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِذَا جُنَّتْ أُمَّ الْوَلَدِ، فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ دُونَهَا، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ فِدَاؤُهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ، فَإِنْ عَادَتْ، فَجنَتْ، فَدَاهَا أَيْضًا. وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَوِ الْمُدَبَّرَةَ، لَمْ يُعْتَقْ وَلَدُهَا، وَإِنْ أَعَتَقَ وَلَدَهَا لَمْ يُعْتَقَا بِعِتْقِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ، عَتَقَ وَلَدُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، فَهَلْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِمُدَّةِ حَمْلِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَفَقَةِ الْحَامِلِ، فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ لِلْحَمْلِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ; لِأَنَّ الْحَمْلَ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْمِيرَاثِ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي نَصِيبِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ شَغَلَهَا بِحَمْلِهِ، فَكَانَ عِوَضُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ دَارًا كَانَتْ أُجْرَتُهَا عَلَيْهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ، هَلْ تَجِبُ نَفَقَتُهَا فِي الْكُلِّ أَوْ فِي حِصَّةِ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (وَإِذَا جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ) تَعَلَّقَ أَرْشُ جِنَايَتِهَا بِرَقَبَتِهَا كَالْقِنِّ (فَدَاهَا سَيِّدُهَا) لِأَنَّهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ بَيْعُهَا (بِقِيمَتِهَا أَوْ دُونِهَا) أَيْ: بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا، فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ فِدَائِهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَى سَيِّدِهَا، وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَبْلَهُ أَيْضًا، وَجَبَ فِدَاؤُهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْفِدَاءِ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا زَادَ فِدَاؤُهَا، وَإِنْ كَسَبَتْ بَعْدَ جِنَايَتِهَا شَيْئًا، فَهُوَ لِسَيِّدِهَا، وَكَذَلِكَ وَلَدُهَا، وَإِنْ فَدَاهَا حَالَ حَمْلِهَا، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا حَامِلًا، وَإِنْ أَتْلَفَهَا سَيِّدُهَا، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَإِنْ نَقَصَهَا، فَعَلَيْهِ نَقْصُهَا (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ فِدَاؤُهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ) كَالْقِنِّ فِي رِوَايَةٍ بَالِغَةٍ مَا بَلَغَتْ لِمَنْعِهِ مِنْ تَسْلِيمِهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهَا لِلْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْقِنِّ (فَإِنْ عَادَتْ، فَجنتْ، فَدَاهَا أَيْضًا) نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ ; لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ جَانِيَةٌ، فَلَزِمَهُ فِدَاؤُهَا كَالْأَوَّلِ (وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِذِمَّتِهَا) أَيْ: يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، قَدَّمَهُ فِي التَّرْغِيبِ حِذَارًا مِنْ إِصْرَارِ السَّيِّدِ بِتَكْرَارِ الْفِدَاءِ مَعَ مَنْعِهِ مِنْ بَيْعِهَا، وَلِأَنَّهَا جَانِيَةٌ، فَلَمْ يَلْزَمِ السَّيِّدَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فَدَاهَا، وَعَلَى هَذِهِ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: قُلْتُ يرجع الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا يَخُصُّهُ مِمَّا أَخَذَهُ كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي الْأَكْثَرِ، وَقَيَّدَهَا الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي الْمُغْنِي، حَاكِيًا لَهُ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ بِمَا إِذَا فَدَاهَا أَوَّلًا بِقِيمَتِهَا،
стр. 2277
ذَلِكَ بِذِمَّتِهَا. وَإِنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا فَعَلَيْهَا الْقِصَاصُ، فَإِنْ عَفَوا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً، فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا، وَتَعْتِقُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ لَوْ فَدَاهَا أَوَّلًا بِالْأَرْشِ، لَزِمَهُ فَدَاؤُهَا ثَانِيًا بِمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهَا بِلَا خِلَافٍ.
فَرْعٌ: إِذَا جَنَتْ جِنَايَاتٍ قَبْلَ الْفِدَاءِ، تَعَلَّقَ أَرْشُ الْجَمِيعِ بِرَقَبَتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهَا كُلِّهَا إِلَّا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ أَرْشُ جَمِيعِهَا، وَيَشْتَرِكُ الْجَمِيعُ فِي الْوَاجِبِ لَهُمْ، فَإِنْ أَبْرَأَ بَعْضَهُمْ مِنْ حَقِّهِ، تَوَفَّرَ الْوَاجِبُ عَلَى الْبَاقِينَ، إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا قَبْلَ الْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْعَفْوُ عَنْهَا بَعْدَ فِدَائِهِ تَوَفَّرَ أَرْشُهَا عَلَى سَيِّدِهَا.
(وَإِنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا فَعَلَيْهَا الْقِصَاصُ) إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، وَهُوَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ، فَلَا قِصَاصَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ الدَّمِ، وَحِينَئِذٍ إِذَا لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ، فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا، وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَعَنْهُ: يَقْتُلُهَا أَوْلَادُهُ مِنْ غَيْرِهَا (فَإِنْ عَفَوْا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا) كَذَا أَطْلَقَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وُجِدَتْ مِنْهَا، وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ وَابْنُ حَمْدَانَ: عَلَيْهَا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أَرْشُ جِنَايَتِهَا، وَلَعَلَّ إِطْلَاقَ الْأُولَى مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ قِيمَةَ الْأَمَةِ لَا تَزِيدُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ، وَفِي الرَّوْضَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ; لِأَنَّ عِنْدَ آخِرِ جُزْئِيَّاتِ الْمَقْتُولِ عَتَقَتْ، وَوَجَبَ الضَّمَانُ (وَتَعْتِقُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) لِأَنَّ الْمُقْتَضَى فِي عِتْقِهَا قَدْ زَالَ، إِذْ لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تَعْتِقَ كَالْقَاتِلِ لَا يَرِثُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا وَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ كَمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَذَلِكَ النَّسَبُ سَبَبٌ لِلَازِمِهِ، فَكَمَا جَازَ تَخَلُّفُ الْإِرْثِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ بِالنَّصِّ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَلَّفَ الْعِتْقُ مَعَ قِيَامِ سَبَبِهِ ; لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، قَالَ السَّامِرِيُّ: إِذَا قَتَلَتْ أُمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا،
стр. 2278
فَصْلٌ
وَ إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ أَوْ مُدَبَّرَتُهُ ، مُنِعَ مِنْ غِشْيَانِهَا، ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ، حَلَّتْ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَسْتَسْعِي فِي حَيَاتِهِ وَتَعْتِقُ وَإِذَا. وَطِئَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَتَقَتْ، قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْمُدَبَّرَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ (وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْمُدَبَّرَةِ ; لِأَنَّ الْحَدَّ يُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهِ، وَيُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ) نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ، قَالَ: إِذَا كَانَ لَهَا ابْنٌ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّ لَهَا يَعْنِي مَنْعَ بَيْعِهَا وَارِثَهَا، أَشْبَهَتِ الْحُرَّةَ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ كَالْمُؤَلِّفِ أَطْلَقُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَظَاهِرُهَا التَّقْيِيدُ، فَيَكُونُ الْمَذْهَبُ عَدَمَ حَدِّهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ بِمَا إِذَا كَانَ لَهَا ابْنٌ حُرٌّ ; لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إِلَّا بِذَلِكَ، وَيَنْبَغِي إِجْرَاءُ الْخِلَافِ بِمَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ حُرٌّ، وَنَظِيرُهُ لَوْ قَذَفَ أَمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً لَهَا ابْنٌ، أَوْ زَوْجٌ مُسْلِمَانِ فَهَلْ يُحَدُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ.
[إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ أَوْ مُدَبَّرَتُهُ]
فَصْلٌ (وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْكَافِرِ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ حَرْبِيًّا ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُمْ (أَوْ مُدَبَّرَتُهُ، مُنِعَ مِنْ غِشْيَانِهَا) حِذَارًا مِنْ أَنْ يَطَأَ مُشْرِكٌ مُسْلِمَةً ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] الْآيَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مِلْكَهُ يُقَرُّ عَلَيْهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ عِتْقَهَا مَجَّانًا فِيهِ إِضْرَارٌ بِالسَّيِّدِ، وَبِالسِّعَايَةِ فِيهِ إِضْرَارٌ بِهَا لِإِلْزَامِهَا الْكَسْبَ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) لِئَلَّا يَتَلَذَّذَ بِهَا، وَلَا يَخْلُو بِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ (وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا (فَإِنْ أَسْلَمَ، حَلَّتْ لَهُ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، وَتُسَلَّمُ إِلَى امْرَأَةٍ ثِقَةٍ تَكُونُ عِنْدَهَا، وَتَقُومُ بِأَمْرِهَا، وَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى أَجْرٍ أَوْ أُجْرَةِ مَسْكَنٍ، فَعَلَى سَيِّدِهَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ نَفَقَتَهَا فِي كَسْبِهَا، وَالْفَاضِلَ مِنْهُ لِسَيِّدِهَا، وَإِنْ عَجَزَ كَسْبُهَا عَنْ نَفَقَتِهَا، فَهَلْ يَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَتُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ
стр. 2279
أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَةَ، فَإِنْ أَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَدَهَا، فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَإِنْ جَهِلَ إِيلَادَ شَرِيكِهِ أَوْ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نَفَقَتَهَا عَلَى سَيِّدِهَا وَكَسْبَهَا لَهُ، وَنَقَلَ مُهَنَّا أَنَّهَا تَعْتِقُ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى بَيْعِهَا، وَلَا إِقْرَارَ مِلْكِهِ عَلَيْهَا، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ لَهُ سَلَفًا فِي ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُثْبِتِ الثَّانِي أَيْضًا، فَقَالَ: أَظُنُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَطْلَقَ ذَلِكَ لَمُهَنَّا عَلَى سَبِيلِ الْمُنَاظَرَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُسْتَسْعَى فِي حَيَاتِهِ وَتُعْتَقُ) نَقَلَهَا مُهَنَّا، قَالَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ بَيْعَهَا وَعِتْقَهَا مَجَّانًا مَنْفِيَّانِ، وَكَذَلِكَ إِقْرَارُ الْمِلْكِ عَلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إِقْرَارِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَسَلَكَ بِهَا طَرِيقَهُ، وَهُوَ الِاسْتِسْعَاءُ (وَإِذَا وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَةَ) حُرِّمَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَأُدِّبَ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَقُدِحَ فِي عَدَالَتِهِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ مِنْهُ، فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِمَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا لِشَرِيكِهِ طَالَمَا طَاوَعَتْهُ أَوْ لَا، وَنَقَلَ حَرْبٌ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَقَدْ نَقَصَ مِنْهَا، فَعَلَيْهِ الْعُقْرُ وَالثَّيِّبُ لَمْ تَنْقُصْ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ (فَإِنْ أَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) أَيْ: إِذَا وضعت مَا يُتَبَيَّنُ فِيهِ بَعْضُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ خَالِصَةً لَهُ، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ مِلْكِ الشَّرِيكِ، مُوسِرًا كَانَ الْوَاطِئُ أَوْ مُعْسِرًا ; لِأَنَّ الْإِيلَادَ أَقْوَى مِنَ الْإِعْتَاقِ بِدَلِيلِ نُفُوذِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمَرِيضِ وَالْمَجْنُونِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِوَالِدِهِ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي مَحَلٍّ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَهَا فِي الْإِحْرَامِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ حُرًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ حُرًّا، وَنِصْفُهُ رَقِيقًا كَأُمِّهِ، وَكَوَلَدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِلَّ انْعِقَادُ الْوَلَدِ مِنْ حُرٍّ وَقِنٍّ (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ) كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا، وَعَنْهُ: وَنِصْفُ مَهْرِهَا، وَعَنْهُ: وَنِصْفُ قِيمَةِ الْوَلَدِ (فَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَوْلَدَهَا فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا) لِأَنَّهُ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ نِصْفَهُ انْتَقَلَ إِلَى الْوَاطِئِ الْأَوَّلِ بِالِاسْتِيلَادِ (فَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ) كَوَطْءِ الْأَمَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ، وَالْوَلَدُ تَبَعٌ لِأُمِّهِ (وَإِنْ جَهِلَ إِيلَادَ شَرِيكِهِ أَوْ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَوَلَدُهُ حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ (وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ
стр. 2280
لَهُ، فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَعِنْدَ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُعْسِرًا، لَمْ يَسْرِ اسْتِيلَادُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَوْمَ الْوِلَادَةِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى مَالِكِ أُمِّهِ، وَقَبْلَ الْوِلَادَةِ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ، وَإِلَّا فَهُمْ رَقِيقٌ. وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا (وَعِنْدَ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ اسْتِيلَادُهُ) كَالْعِتْقِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِالْمَالِكِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ مِنَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، لَمْ يَسْرِ مَعَ الْإِعْسَارِ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِيلَادُ (وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّ ذَلِكَ نَصِيبُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ، وَيَكْمُلُ عِتْقُهَا بِمَوْتِ الْآخَرِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ لِظُهُورِهِ (وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يَسْرِي عِتْقُهُ ; لِأَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ صَاحِبِهِ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُهُ بِالِاسْتِيلَادِ.
وَالثَّانِي: يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ; لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ أَوْلَى وَأَصَحُّ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنَ الْأَمَةِ الْقِنِّ، وَلِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى مِنَ الْإِعْتَاقِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَلَّ مِلْكُهُ مِنْهَا.
خَاتِمَةٌ: إِذَا وَطِئَ حُرٌّ وَوَالِدُهُ أَمَةً لِأَهْلِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ مِنْهُمْ أَوْ لِمُكَاتَبِهِ، فَالْمَهْرُ، فَإِنْ أَحْبَلَهَا، فَأُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا، وَعَنْهُ: وَمَهْرُهَا، وَعَنْهُ: قِيمَةُ الْوَلَدِ، وَكَذَا الْأَبُ يُولِدُ جَارِيَةَ ابْنِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ هُنَا: لَا يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ التَّعْزِيرِ وَالْحَدِّ، فَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْمَنْصُوصِ، وَيُحَدُّ فِي الْأَصَحِّ بِوَطْءِ أَمَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ عَالِمًا تَحْرِيمَهُ، وَلَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ
стр. 2281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَيْمُونِيُّ خِلَافَهُ، فَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ، عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ، فَإِنْ أَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ خِلَافًا لِلْقَاضِي، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ حُرِّمَ بَيْعُ الْوَلَدِ وَيُعْتِقُهُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيُسْتَحَبُّ، وَفِي وُجُوبِهِ خِلَافٌ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا تَزَوَّجَ بِكْرًا، فَدَخَلَ بِهَا، فَإِذَا هِيَ حُبْلَى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْهَا، وَالْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ، فَإِذَا وُلِدَ فَاجْلِدُوهَا، وَلَهَا الصَّدَاقُ، وَلَا حَدَّ، لَعَلَّهَا اسْتُكْرِهَتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَفِي الْهَدْيِ، قِيلَ: لَمَّا كَانَ وَلَدَ زِنًا، وَقَدْ غَرَّتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، وَغَرِمَ صَدَاقَهَا، أَخْدَمَهُ وَلَدَهَا، وَجَعَلَهُ لَهُ كَالْعَبْدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَقَّهُ عُقُوبَةً لِأُمِّهِ عَلَى زِنَاهَا وَغَرَرِهَا، وَيَكُونُ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَقِيلَ: كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يُسْتَرَقُّ الْحُرُّ فِي الدَّيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
[تَعْرِيفُ النِّكَاحِ] ١
стр. 2282
كِتَابُ النِّكَاحِ النِّكَاحُ سُنَّةٌ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كِتَابُ النِّكَاحِ النِّكَاحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْوَطْءُ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَسُمِّيَ التَّزْوِيجُ نِكَاحًا ; لِأَنَّهُ سَبَبُ الْوَطْءِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو غُلَامُ ثَعْلَبٍ: الَّذِي حَصَّلْنَاهُ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ الْكُوفِيِّينَ، وَعَنِ الْمُبَرِّدِ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ - أَنَّهُ الْجَمْعُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الْوَطْءُ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَقْدَ، وَعَنِ الزَّجَّاجِيِّ أَنَّهُ بِمَعْنَاهُمَا جَمِيعًا.
وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ: فَرَّقَتِ الْعَرَبُ فَرْقًا لَطِيفًا، فَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ فُلَانَةً: أَرَادُوا تَزْوِيجَهَا، وَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ امْرَأَتَهُ أَرَادُوا مُجَامَعَتَهَا.
وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ عَقْدُ التَّزْوِيجِ، فَعِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِهِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ دَلِيلٌ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ الْأَشْهَرُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ; وَلِهَذَا قِيلَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لَفْظُ النِّكَاحِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَلِصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنِ الْوَطْءِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْمَجَازِ ; وَلِقَوْلِ الْعَرَبِ: أَنْكَحْنَا الْفَرَا فَسَتَرَى، أَيْ: أَضْرَبْنَا فَحْلَ حُمُرِ الْوَحْشِ آتُنَهُ، فَسَتَرَى مَا يَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلْأَمْرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْعُدَّةِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ
стр. 2283
نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ بِتَرْكِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَيُسْتَحَبُّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ثَعْلَبٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَتَحْرِيمُ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا الْأَبُ اسْتَنْفَدْنَاهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، قَالَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ "، و" الْفُرُوعِ "، وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا ; لِأَنَّ الْأَشْهَرَ اسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ النِّكَاحِ بِإِزَاءِ الْعَقْدِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِسَانِ أَهْلِ الْعَرَبِ، وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلَوْ قُدِّمَ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ لَكَانَ اسْمًا عُرْفِيًّا، يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَنَصَّ الْقَاضِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا ; لِقَوْلِنَا بِتَحْرِيمِ مَوْطُوءَةِ الْأَبِ مِنْ غَيْرِ تَزْوِيجٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَذَلِكَ لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ كَالْإِجَارَةِ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى﴾ [النور: ٣٢] وَقَوْلُهُ ﵇: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
[حُكْمُ النِّكَاحِ]
(النِّكَاحُ سُنَّةٌ) وَهُوَ مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ وَلَا يَخَافُ الزِّنَا ; لِأَنَّ فِعْلَهُ رَاجِحٌ عَلَى تَرْكِهِ ; لِأَنَّهُ ﵇ عَلَّقَهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا (وَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ) كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ، وَنَحْوِهِمَا (إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ) أَيِ: الزِّنَا (بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَيُقْدِمُ عَلَى حَجٍّ وَاجِبٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، وَخَافَ الْعَنَتَ، فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ، وَيَكُونُ أَفْضَلَ لَهُ مِنَ الْحَجِّ، وَالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الْمُتَطَوِّعِ بِهَا، وَزَادَ أَحْمَدُ، فَبَلَغَ بِهِ إِلَى الْوُجُوبِ مَعَ الشَّرْطَيْنِ، وَهُمَا: أَنْ تَتُوقَ نَفْسُهُ، وَيَخَافَ الْعَنَتَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ (وَعَنْهُ: إِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو حَفْصٍ لِظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَمُرَادُهُمْ إِذَا كَانَ ذَا شَهْوَةٍ.
الثَّالِثُ: مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ، وَلَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّزْوِيجُ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ
стр. 2284
تَخَيُّرُ ذَاتِ الدِّينِ الْوَلُودِ الْبِكْرِ الْحَسِيبَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ.
وَيَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ النَّظَرُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نَوَافِلِ الطَّاعَاتِ، قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ دَعَاكَ إِلَى غَيْرِ التَّزْوِيجِ، فَقَدْ دَعَاكَ إِلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَتِ الْعُزْبَةُ مَنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ.
الرَّابِعُ: مَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ، وَهُوَ مَنْ لَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، خِلْقَةً أَوْ لِكِبَرٍ وَنَحْوِهِ، فَمُبَاحٌ لَهُ فِي الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ فِيهِ مَصْلَحَةُ النِّكَاحِ، وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ وَاجِبَاتٍ وَحُقُوقًا لَعَلَّهُ يَعْجِزُ عَنْهَا. وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ، قَالَ السَّامَرِّيُّ: اخْتَارَهَا الْقَاضِي ; لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَحُكِيَ عَنْهُ: يَلْزَمُ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي " التَّرْغِيبِ " و" الْمَنْصُوصِ "، حَتَّى لِفَقِيرٍ، وَجَزَمَ فِي " النَّظْمِ ": لَا يَتَزَوَّجُ فَقِيرٌ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَكَذَا قَيَّدَهَا ابْنُ رَزِينٍ بِالْمُوسِرِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: يَقْتَرِضُ وَيَتَزَوَّجُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِيهِ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْمَنِّيِّ: أَنَّ النِّكَاحَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالِاشْتِغَالَ بِهِ أَوْلَى كَالْجِهَادِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَى الْأَعْيَانِ، تَرَكْنَاهُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَمَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ ; لِأَنَّهُ يُتَلَقَّى مِنَ الشَّارِعِ، وَإِنَّمَا صَحَّ مِنَ الْكَافِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ عِمَارَةِ الدُّنْيَا، كَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِ، هَلْ يَجِبُ الْوَطْءُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالْأَشْهَرُ لَا يُكْتَفَى بِمَرَّةٍ، وَفِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ: بَلَى لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: الْمُتَبَتِّلُ الَّذِي لَمْ يَتَزَوَّجْ قَطُّ، قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِتَسَرٍّ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُ، وَلَا يُلْزَمُ نِكَاحَ أَمَةٍ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَجَمَعَ: يُبَاحُ، وَالصَّبْرُ عَنْهُ أَوْلَى. وَأَوْجَبَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ، وَالْمُخَالِفُ اسْتَحَبَّهُ ; فَلِهَذَا جَوَابُهُ عَنِ الْآيَةِ: مَا لَمْ يَقُلْ بِهِ صَارَ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
فَرْعٌ: لَهُ النِّكَاحُ بِدَارِ حَرْبٍ ضَرُورَةً، وَبِدُونِهَا وَجْهَانِ، وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَسَرَّى، إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ: لَا يَطْلُبُ الْوَلَدَ، وَيَجِبُ عَزْلُهُ إِنْ حَرُمَ نِكَاحُهُ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَإِلَّا اسْتُحِبَّ ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ ".
[مَا يُسْتَحَبُّ فِي الزَّوْجَةِ]
(وَيُسْتَحَبُّ تَخَيُّرُ ذَاتِ الدِّينِ الْوَلُودِ الْبِكْرِ الْحَسِيبَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ) ; لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَجِمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، وَدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَدَلِيلُ الْأَوْصَافِ، قَوْلُهُ ﵇: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي
стр. 2285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُكَاثِرٌ بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقَوْلُهُ ﵇: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَوْلُهُ ﵇: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، فَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ; وَلِأَنَّ وَلَدَ الْحَسِيبَةِ رُبَّمَا أَشْبَهَ أَهْلَهَا، وَنَزَعَ إِلَيْهِمْ، وَيُقَالُ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَانْظُرْ إِلَى نَسَبِهَا، أَيْ: حَسَبِهَا، وَأَمَّا الْأَجْنَبِيَّةُ ; فَلِأَنَّ وَلَدَهَا أَنْجَبُ ; وَلِهَذَا يُقَالُ: اغْتَرِبُوا، أَيِ: انْكِحُوا الْغَرَائِبَ ; وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ الْعَدَاوَةُ فِي النِّكَاحِ، وَإِفْضَاؤُهَا إِلَى الطَّلَاقِ، فَيُؤَدِّي إِلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا، وَيُقَالُ: الْغَرَائِبُ أَنْجَبُ، وَبَنَاتُ الْعَمِّ أَصْبَرُ، وَيَخْتَارُ الْجَمِيلَةَ لِلْأَثَرِ ; وَلِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِنَفْسِهِ، وَذَاتَ الْعَقْلِ، وَيَجْتَنِبُ الْحَمْقَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهَا لَحْمٌ، وَشَعْرٌ حَسَنٌ، وَكَانَ يُقَالُ: النِّسَاءُ لُعَبٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يَتَخَيَّرُ مَا يَلِيقُ بِمَقْصِدِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُذْكَرَ لَهُ مَا يَصْلُحُ لِلْمَحَبَّةِ مِنْ بَيْتٍ مَعْرُوفٍ بِالدِّينِ وَالْقَنَاعَةِ.
وَقَالَ السَّامَرِّيُّ وَالْمَجْدُ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَقْتَرِضُ وَيَتَزَوَّجُ، لَيْتَ إِذَا تَزَوَّجَ ثِنْتَيْنِ يُثَلِّثُ.
مُهِمَّاتٌ: أَحْسَنُ مَا تَكُونُ الزَّوْجَةُ: بِنْتُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى الْعِشْرِينَ، وَيَتِمُّ نَسُوهَا إِلَى الثَّلَاثِينَ، ثُمَّ تَقِفُ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَأَحْسَنُهُنَّ التُّرْكِيَّاتُ، وَأَصْلَحُهُنَّ الْجَلَبُ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْ أَحَدًا، وَلْيَعْزِلْ عَنِ الْمَمْلُوكَةِ إِلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ جَوْدَةَ دِينِهَا، وَقُوَّةَ مَيْلِهَا إِلَيْهِ، وَإِيَّاكَ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ يُشَتِّتْنَ الشَّمْلَ، وَيُكْثِرْنَ الْهَمَّ، وَمِنَ التَّغْفِيلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الشَّيْخُ صَبِيَّةً، وَأَصْلَحُ
стр. 2286
إِلَى وَجْهِهَا مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ بِهَا، وَعَنْهُ: لَهُ النَّظَرُ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، كَالرَّقَبَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، وَلَهُ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ وَإِلَى الرَّأْسِ وَالسَّاقَيْنِ مِنَ الْأَمَةِ الْمُسْتَامَةِ، وَمِنْ ذَوَاتِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ أَنْ يَمْنَعَ الْمَرْأَةَ مِنَ الْمُخَالَطَةِ لِلنِّسَاءِ ; فَإِنَّهُنَّ يُفْسِدْنَهَا عَلَيْهِ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ مُرَاهِقٌ، وَلَا يَأْذَنُ لَهَا فِي الْخُرُوجِ.
[جَوَازُ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الْمَخْطُوبَةِ]
(وَيَجُوزُ) وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِالِاسْتِحْبَابِ (لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا) فَقَطْ قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، و" الرِّعَايَةِ " ; لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ، وَيُكَرِّرُ النَّظَرَ إِلَيْهَا، وَيَتَأَمَّلُ مَحَاسِنَهَا مُطْلَقًا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِجَابَتُهُ، لَا نَظَرَ تَلَذُّذٍ وَشَهْوَةٍ وَلَا لِرِيبَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ (مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ بِهَا) ; لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ ; وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ الْخَلْوَةِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ ; لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَعَنْهُ: لَهُ النَّظَرُ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، كَالرَّقَبَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " ; لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا مِنْ يَدٍ أَوْ جِسْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ ﵇ لَمَّا أَذِنَ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا، عُلِمَ أَنَّهُ أَذِنَ فِي النَّظَرِ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا ; إِذْ لَا يُمْكِنُ إِفْرَادُ الْوَجْهِ بِالنَّظَرِ مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي الظُّهُورِ، وَقِيلَ: وَرَأْسٍ وَسَاقٍ، وَعَنْهُ: وَكَفٍّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا عِنْدَ الْخِطْبَةِ حَاسِرَةً.
(وَلَهُ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَى الرَّأْسِ، وَالسَّاقَيْنِ مِنَ الْأَمَةِ الْمُسْتَامَةِ) ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ ; وَلِأَنَّ رُؤْيَةَ مَا ذَكَرَ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ ; لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ مِنَ التِّجَارَةِ، وَحُسْنُهَا يَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا، وَعَنْهُ: سِوَى عَوْرَةِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: كَمَخْطُوبَةٍ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا
стр. 2287
مَحَارِمِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَنْظُرُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إِلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَلِلْعَبْدِ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا مِنْ مَوْلَاتِهِ، وَلِغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ كَالْكَبِيرِ وَالْعِنِّينِ وَنَحْوِهِمَا النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ، وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ، وَلِلشَّاهِدِ وَالْمُبْتَاعِ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا وَمَنْ تُعَامِلُهُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بَأْسَ أَنْ يُقَلِّبَهَا - إِذَا أَرَادَ شِرَاءً - مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ ; لِأَنَّهُ لا حُرْمَة لَهَا، قَالَ الْقَاضِي: أَجَازَ تَقْلِيبَ الصَّدْرِ وَالظَّهْرِ، بِمَعْنَى: لَمْسِهِ مِنْ فَوْقِ الثِّيَابِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَامَةً، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَهُوَ وَجْهٌ (و) لَهُ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ (مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ) أَيْ: الصَّحِيحُ إِبَاحَةُ النَّظَرِ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا مِنْهُنَّ لِلْحَاجَةِ ; وَلِأَنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ: إِنَّ سَالِمًا يَرَانِي (وَعَنْهُ: لَا يَنْظُرُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إِلَّا إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) ; لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] يَعْنِي وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْعَوْرَةِ، وَذَوَاتُ الْمَحَارِمِ: مَنْ حُرُمَ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ ; بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ تَحْرِيمِ مُصَاهَرَةٍ، فَأَمَّا أُمُّ الْمَزْنِيِّ وَابْنَتُهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ، وَإِنْ حَرُمَ نِكَاحُهُنَّ كَالْمُحَرَّمَةِ بِاللَّعَّانِ، وَكَذَا بِنْتُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَأُمُّهَا ; فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ.
فَرْعٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَنْظُرُ عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ، وَلَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ مُشْتَرَكَةً ; لِعُمُومِ النَّظَرِ، إِلَّا مِنْ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ، وَنَصُّهُ: إِنَّهُ يَحْرُمُ نَظَرُ خَصِيٍّ وَمَجْبُوبٍ إِلَى أَجْنَبِيَّةٍ.
(وَلِلْعَبْدِ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا) أَيْ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ (مِنْ مَوْلَاتِهِ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] ; وَلِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ وَهَبَهُ لَهَا، قَالَ: وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ، إِذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ، إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ النَّظَرَ إِلَى شَعْرِهَا، رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَأَبَاحَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَرَجَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَجَعَلَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَذَكَرَ السَّامَرِّيُّ فِي النَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَخْلُو بِهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا عَلَى الْأَصَحِّ (وَلِغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ كَالْكَبِيرِ وَالْعِنِّينِ وَنَحْوِهِمَا - النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ) أَيْ: إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] أَيْ غَيْرُ أُولِي الْحَاجَةِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ: هُوَ الَّذِي لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ) كَالَّذِي لَهُ أَرَبٌ (وَلِلشَّاهِدِ وَالْمُبْتَاعِ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا) ; لِتَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهَا، (وَمَنْ تُعَامِلُهُ) ;
стр. 2288
وَلِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إِلَى مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى نَظَرِهِ، وَلِلصَّبِيِّ الْمُمَيَّزِ غَيْرِ ذِي الشَّهْوَةِ النَّظَرُ إِلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَا شَهْوَةٍ، فَهُوَ كَذِي الْمَحْرَمِ، وَعَنْهُ: كَالْأَجْنَبِيِّ. وَلِلْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ النَّظَرُ إِلَى مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِيَعْرِفَهَا بِعَيْنِهَا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالدَّرْكِ، وَنَصُّهُ: وَكَفَّيْهَا مَعَ الْحَاجَةِ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يَنْظُرَانِ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، وَنَقَلَ حَرْبٌ وَغَيْرُهُ: يَنْظُرُ الْبَائِعُ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا إِنْ كَانَتْ عَجُوزًا، وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً تُشْتَهَى أَكْرَهُ ذَلِكَ، (وَلِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إِلَى مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى نَظَرِهِ) وَلَمْسِهِ حَتَّى دَاخِلِ الْفَرَجِ ; لِأَنَّهُ «﵇ لَمَّا حَكَّمَ سَعْدًا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكَانَ يَكْشِفُ عَنْ مُؤْتَزَرِهِمِ» ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَفِي " الْفُرُوعِ ": يَجُوزُ أَنْ يَسْتَطِبَّ ذِمِّيًّا إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ صَاحِبُ " النَّظْمِ " فِي وَجْهٍ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَخْذَ الدَّوَاءِ مِنْ كَافِرٍ لَا يَعْرِفُ مُفْرَدَاتِهِ، قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَخْلِطُوهُ سُمًّا أَوْ نَجَسًا، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي دَوَاءٍ مُبَاحٍ وَكَرِهَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَأَنْ يَسْتَطِبَّهُ بِلَا ضَرُورَةٍ.
خَاتِمَةٌ: مَنْ يَلِي خِدْمَةَ مَرِيضٍ وَمَرِيضَةٍ فِي اسْتِنْجَاءٍ، وَوُضُوءٍ، وَغَيْرِهَا كَطَبِيبٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا حَالِقٌ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ حَلْقَ عَانَتِهِ نَصًّا.
(وَلِلصَّبِيِّ الْمُمَيَّزِ غَيْرِ ذِي الشَّهْوَةِ النَّظَرُ إِلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ) ; لِأَنَّهُ لَا شَهْوَةَ لَهُ، أشْبهَ الطِّفْل ; وَلِأَنَّ الْمُحَرَّمَ لِلرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ الْبَالِغِ كَوْنُهُ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ هُنَا.
وَقَالَ فِي " الشَّرْحِ ": الطِّفْلُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ لَا يَجُبِ الِاسْتِتَارُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ (فَإِنْ كَانَ ذَا شَهْوَةٍ، فَهُوَ كَذِي الْمَحْرَمِ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّظَرُ لَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، (وَعَنْهُ: كَالْأَجْنَبِيِّ) ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَالِغِ فِي الشَّهْوَةِ، وَمِثْلُهُ بِنْتُ تِسْعٍ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَوْلَ أَحْمَدَ رِوَايَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا بَلَغَتِ الْحَيْضَ، فَلَا تَكْشِفُ إِلَّا وَجْهَهَا» وَنَقَلَ جَعْفَرٌ فِي الرَّجُلِ عِنْدَهُ الْأَرْمَلَةُ وَالْيَتِيمَةُ: لَا يَنْظُرُ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِنَظَرِ الْوَجْهِ بِلَا شَهْوَةٍ (وَلِلْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ النَّظَرُ إِلَى مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) وَلَوْ أَمْرَدٌ يَنْظُرُ غَيْرَ الْعَوْرَةِ ; لِأَنَّ النِّسَاءَ الْكَوَافِرَ كُنَّ يَدْخُلْنَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَكُنْ يَحْتَجِبْنَ،
стр. 2289
وَعَنْهُ: أَنَّ الْكَافِرَةَ مَعَ الْمُسْلِمَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَيُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ النَّظَرُ مِنَ الرَّجُلِ إِلَى غَيْرِ الْعَوْرَةِ، وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الْغُلَامِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَا أُمِرْنَ بِحِجَابٍ ; لِأَنَّ الْحَجْبَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَا يُوجَدُ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ ; وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَوْرَةِ بِالنَّهْيِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِهَا، (وَعَنْهُ: إِنَّ الْكَافِرَةَ مَعَ الْمُسْلِمَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] يَنْصَرِفُ إِلَى الْمُسْلِمَاتِ، فَلَوْ جَازَ لِلْكَافِرَةِ النَّظَرُ لَمْ يَبْقَ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، وَعَنْهُ: مَنْعُهَا مِنْ مُسْلِمَةٍ مِمَّا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا، وَعَلَى ذَلِكَ يَقْبَلُهَا لِضَرُورَةٍ.
[مَا يُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ النَّظَرُ مِنَ الرَّجُلِ إِلَى غَيْرِ الْعَوْرَةِ]
(وَيُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ النَّظَرُ مِنَ الرَّجُلِ إِلَى غَيْرِ الْعَوْرَةِ) نَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ: «اعْتَدِّي فِي بَيْتِ أُمِّ مَكْتُومٍ» ; وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهَا كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْتُرُهَا بِرِدَائِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا ; وَلِأَنَّهُ لَوْ مُنِعْنَ النَّظَرَ، لَوَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ الْحِجَابُ ; لِئَلَّا يَنْظُرْنَ إِلَيْهِمْ كَمَا تُؤْمَرُ النِّسَاءُ بِهِ (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ) لَهَا النَّظَرُ إِلَّا إِلَى مِثْلِ مَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْهَا، قَدَّمَهُ السَّامَرِّيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِحَدِيثِ نَبْهَانَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا لَا تُبْصِرَانِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: نَبْهَانُ مَجْهُولٌ، وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ أَصَحُّ، وَالْحُجَّةُ بِهِ لَازِمَةٌ ; وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُحَرَّمَ عَلَى الرِّجَالِ خَوْفُ الْفِتْنَةِ، وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ أَبْلَغُ ; فَإِنَّهَا أَشَدُّ شَهْوَةً، وَأَقَلُّ عَقْلًا، وَقِيلَ: تَنْظُرُ مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، وَقِيلَ: لَا وَقْتَ مِهْنَةٍ أَوْ غَفْلَةٍ.
تَنْبِيهٌ: نَقَلَ الْأَثْرَمُ: يَحْرُمُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنَقَلَ فِي " الْفُنُونِ "، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُنَّ، وَقَالَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ: يَجُوزُ لَهُنَّ رِوَايَةً وَاحِدَةً ;
стр. 2290
أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا لِشَهْوَةٍ،
وَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْآخَرِ وَلَمْسِهِ ، وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ أَمَتِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُنَّ فِي حُكْمِ الْأُمَّهَاتِ فِي الْحُرْمَةِ وَالتَّحْرِيمِ، فَجَازَ مُفَارَقَتُهُنَّ بَقِيَّةَ النِّسَاءِ فِي هَذَا، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: فَرْضُ الْحِجَابِ يَخْتَصُّ بِهِنَّ، فُرِضَ عَلَيْهِنَّ - بِلَا خِلَافٍ - فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، لَا يَجُوزُ كَشْفُهَا لِشَهَادَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا يَجُوزُ إِظْهَارُ شُخُوصِهِنَّ وَلَوْ مُسْتَتِرَاتٍ إِلَّا لِضَرُورَةِ الْبِرَازِ، وَجَوَّزَ جَمَاعَةٌ - وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً - نَظَرَ رَجُلٍ مِنْ حُرَّةٍ مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَالْمَذْهَبُ لَا، وَيَجُوزُ غَيْرَ عَوْرَةِ صَلَاةٍ مِنْ أَمَةٍ وَمَنْ لَا تُشْتَهَى، وَفِي تَحْرِيمِ تَكْرَارِ نَظَرِ وَجْهٍ مُسْتَحْسَنٍ وَجْهَانِ.
(وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الْغُلَامِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ) ; لِأَنَّهُ ذَكَرٌ، أَشْبَهَ الْمُلْتَحِي، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ لِشَهْوَةٍ، فَإِنْ خَافَ ثَوَرَانَهَا فَوَجْهَانِ، وَهُمَا فِي كَرَاهَتِهِ إِلَى أَمْرَدَ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " (وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا لِشَهْوَةٍ) ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَعْنَى الشَّهْوَةِ: أَنْ يَتَلَذَّذَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَحَلَّهُ كَفَرَ إِجْمَاعًا، وَنَصُّهُ: وَخَوْفُهَا، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَحَرَّمَ ابْنُ عَقِيلٍ - وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ - النَّظَرَ مَعَ شَهْوَةِ تَخْنِيثٍ وَسِحَاقٍ وَدَابَّةٍ يَشْتَهِيهَا، وَلَا يَعُفُّ عَنْهَا.
مَسَائِلُ: صَوْتُ الْأَجْنَبِيَّةِ لَيْسَ عَوْرَةً عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَحْرُمُ التَّلَذُّذُ بِسَمَاعِهِ وَلَوْ بِقِرَاءَةٍ، وَاللَّمْسُ قِيلَ: كَالنَّظَرِ، وَقِيلَ: أَوْلَى، وَإِذَا شُبِّهَ خُنْثَى بِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَلَهُ حُكْمُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعَ رَجُلٍ كَامْرَأَةٍ، وَمَعَ امْرَأَةٍ كَرَجُلٍ، وَتَحْرُمُ الْخَلْوَةُ لِغَيْرِ مَحْرَمٍ فِي الْكُلِّ مُطْلَقًا وَلَوْ بِحَيَوَانٍ يَشْتَهِي الْمَرْأَةَ أَوْ تَشْتَهِيهِ كَالْقِرْدِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْخَلْوَةُ بِأَمْرَدَ حَسَنٍ وَمُضَاجَعَتُهُ كَامْرَأَةٍ، وَلَوْ لِمَصْلَحَةِ تَأْدِيبٍ وَتَعْلِيمٍ.
[لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْآخَرِ وَلَمْسِهِ]
(وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْآخَرِ وَلَمْسِهِ) بِلَا كَرَاهَةٍ حَتَّى فَرْجِهَا ; لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؛ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» قَالَ السَّامَرِّيُّ: حَتَّى الْفَرْجَ، إِلَّا فِي حَالِ الطَّمْثِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ فِيهِ، وَاعْتَبَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهِ الشَّهْوَةَ عَادَةً.
стр. 2291
فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ، وَلَا التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَيَجُوزُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَالْبَائِنِ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ، وَهَلْ يَجُوزُ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ بِغَيْرِ الثَّلَاثِ؟ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
سَأَلَ أَبُو يُوسُفَ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ مَسِّ الرَّجُلِ فَرْجَ زَوْجَتِهِ وَعَكْسِهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، أَرْجُو أَنْ يُعْظِمَ أَجْرَهُمَا، نَقَلَ الْأَثْرَمُ فِي الرَّجُلِ يَضَعُ الصَّغِيرَةَ فِي حِجْرِهِ وَيُقَبِّلُهَا: إِنْ لَمْ يَجِدْ شَهْوَةً فَلَا بَأْسَ (وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ أَمَتِهِ) ; لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الزَّوْجَةِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ أَمَتُهُ الْمُزَوَّجَةُ الْمَجُوسِيَّةُ وَنَحْوُهُمَا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ سُرِّيَّتَهُ بَدَلَ أَمَتِهِ ; لِأَنَّهُ يُخْرِجُهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ سُرِّيَّةً، فَإِنَّ لَهُ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَلَمْسَهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ أَمَتَهُ الْمُبَاحَةَ لَهُ، وَهُوَ أَجْوَدُهَا لِسَلَامَتِهِ عَمَّا ذُكِرَ، فَإِنْ زَوَّجَهَا، نَظَرَ غَيْرَ عَوْرَةٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": كَمَحْرَمٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: كَأَمَةِ غَيْرِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": يُكْرَهُ نَظَرُ عَوْرَتِهِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَدِيمَهُ.
مَسْأَلَةٌ: يَحْرُمُ نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، إِذَا أَمِنَ الْفِتْنَةَ وَنَظَرَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا حَرَجَ فِي النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الْعَجُوزِ وَالْبَرْزَةِ الْهِمَّةِ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الشَّوْهَاءُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ حَمْدَانَ، وَزَادَ: يُبَاحُ نَظَرُ مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنْهَا، وَمُضَاجَعَتُهَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْهَا.
[التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ وَالتَّعْرِيضِ بِخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ]
فَصْلٌ. (وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ) وَهُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا النِّكَاحَ (بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ) بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ; وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَحْمِلَهَا الْحِرْصُ عَلَى النِّكَاحِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا، وَالتَّعْرِيضُ بِخِلَافِهِ، (وَلَا) يَجُوزُ (التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ) ; لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، (وَيَجُوزُ) التَّعْرِيضُ (فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَالْبَائِنِ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ) أَوْ فَسْخٍ لِتَحْرِيمِهَا عَلَى زَوْجِهَا،
стр. 2292
وَجْهَيْنِ، وَالتَّعْرِيضُ نَحْوُ قَوْلِهِ: إِنِّي فِي مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَلَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِكِ. وَتُجِيبُهُ: مَا يُرْغَبُ عَنْكَ، وَإِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ، وَنَحْوُهُ.
وَ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِنْ أُجِيبَ، فَإِنْ رُدَّ حَلَّ، فَإِنْ لَمْ تُعْلَمِ الْحَالُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْفَسْخِ بِالرَّضَاعِ، أَوِ اللَّعَّانِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ; وَلِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَأَمَّا الْبَائِنُ بِغَيْرِ الثَّلَاثِ كَالْمُخْتَلِعَةِ، وَالْبَائِنِ بِفَسْخٍ لِعَيْبٍ أَوْ إِعْسَارٍ وَنَحْوِهِ، فَلِزَوْجِهَا التَّصْرِيحُ بِخِطْبَتِهَا، وَالتَّعْرِيضُ ; لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ نِكَاحُهَا فِي عِدَّتِهَا (وَهَلْ يَجُوزُ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ بِغَيْرِ الثَّلَاثِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ ; لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَكَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالثَّانِي: لَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَبِيحَهَا أَشْبَهَتِ الرَّجْعِيَّةَ، وَهِيَ فِي الْجَوَابِ كَهُوَ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ، فَإِنْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ، أَوْ عَرَّضَ فِي مَوْضِعٍ يَحْرُمُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حِلِّهَا - صَحَّ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ (وَالتَّعْرِيضُ نَحْوُ قَوْلِهِ: إِنِّي فِي مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَلَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِكِ) ; لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا لَمَّا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا: «فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي - وَفِي لَفْظٍ - لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ» (وَتُجِيبُهُ: مَا يُرْغَبُ عَنْكَ، وَإِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ وَنَحْوُهُ) ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي الْغَرَضِ، وَشَبِيهٌ بِالتَّعْرِيضِ.
[لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ]
(وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) الْخِطْبَةُ بِالْكَسْرِ: خِطْبَةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ، وَبِالضَّمِّ: حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ ذِمِّيًّا فِي ذِمِّيَّةٍ (إِنْ أُجِيبَ) تَصْرِيحًا لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّ فِيهِ إِيقَاعَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: هِيَ مَكْرُوهٌ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: أَكْرَهُهُ، وَرُدَّ بِأَنَّ ظَاهِرَ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ ; وَلِذَلِكَ حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْقَاضِي ; لِتَصْرِيحِهِ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُشَيْشٍ، فَإِنِ ارْتَكَبَ النَّهْيَ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَى الْأَصَحِّ، كَالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لَا يَصِحُّ كَالْبَيْعِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنِ الْعَقْدَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي صِحَّتِهِ، وَكَذَا الْأَشْهَرُ لَوْ أُجِيبَ تَعْرِيضًا، إِنْ عَلِمَ ; لِعُمُومِ النَّهْيِ.
стр. 2293
وَالتَّعْوِيلُ فِي الرَّدِّ وَالْإِجَابَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً فَعَلَى الْوَلِيِّ.
وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ مَسَاءَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَأَنْ يُخْطَبَ قَبْلَ الْعَقْدِ بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ ; لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، (فَإِنْ رُدَّ حَلَّ) ; لِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ لَمْ تُعْلَمِ الْحَالُ) هَلْ أُجِيبَ أَمْ لَا (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ ; لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَالثَّانِي: بَلَى، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِجَابَةِ، وَمِثْلُهُ: لَوْ تَرَكَ الْخِطْبَةَ، أَوْ أُذِنَ لَهُ، أَوْ سُكِتَ عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ ذِمِّيًّا لَمْ تَحْرُمِ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَنْصَحُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ حَرَامٌ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَرُدَّ بِأَنَّ لَفْظَ النَّهْيِ خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِ، وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ، وَلَا حُرْمَتُهُ كَحُرْمَتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي جَوَازُ خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى خِطْبَةِ أُخْتِهَا، وَصَرَّحَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " بِالْمَنْعِ، وَلَعَلَّ الْعِلَّةَ تُسَاعِدُهُ (وَالتَّعْوِيلُ فِي الرَّدِّ وَالْإِجَابَةِ) عَلَيْهَا (إِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً) أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَلَوْ أَجَابَ الْوَلِيُّ وَرَغِبَتْ هِيَ عَنِ النِّكَاحِ كَانَ الْأَمْرُ أَمْرَهَا، (وَإِنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً فَعَلَى الْوَلِيِّ) ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، فَكَانَ الْعِبْرَةُ بِهِ لَا بِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي ": إِذَا كَرِهَتِ الْمُجْبَرَةُ الْمُجَابَ، وَاخْتَارَتْ غَيْرَهُ - سَقَطَ حُكْمُ إِجَابَةِ وَلَيِّهَا ; لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا مُقَدَّمٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَإِنْ كَرِهَتْهُ، وَلَمْ تَخْتَرْ سِوَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَسْقُطَ الْإِجَابَةُ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي قَوْلِ عُمَرَ: فَلَقِيتُ عُثْمَانَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ مِنَ الْأَبِ لِلْأَيِّمِ فِي التَّزْوِيجِ، وَاخْتِيَارِ الْأَكْفَاءِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ.
[اسْتِحْبَابُ عَقْدِ النِّكَاحِ مَسَاءَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ]
(وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ مَسَاءَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ:
стр. 2294
وَأَنْ يُقَالَ لِلْمُتَزَوِّجِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا وَعَلَيْكُمَا، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ. وَإِذَا زُفَّتْ إِلَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
«امْسُوا بِالْأَمْلَاكِ ; فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ ; وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى مَقْصُودِهِ، وَأَقَلُّ لِانْتِظَارِهِ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ هَذَا الْيَوْمَ ; لِأَنَّهُ شَرِيفٌ وَيَوْمُ عِيدٍ، وَفِيهِ خُلِقَ آدَمُ ; لِقَوْلِهِ ﵇: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» وَفِي " الْغُنْيَةِ ": الْخَمِيسُ وَالْجُمُعَةُ وَالْمَسَاءُ بِهِ أَوْلَى، (وَأَنْ يُخْطَبَ قَبْلَ الْعَقْدِ بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ) قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] » الْآيَاتِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَظَاهِرُهُ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً، خِلَافًا لِدَاوُدَ، وَإِنْ أُخِّرَتْ عَنْهُ جَازَ، وَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُضِيفَ إِلَيْهَا ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الْآيَةَ وَقَبْلَهَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالنِّكَاحِ، وَنَهَى عَنِ السِّفَاحِ، وَكَانَ أَحْمَدُ إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ انْصَرَفَ (وَأَنْ يُقَالَ لِلْمُتَزَوِّجِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا وَعَلَيْكُمَا، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ) ; لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رأى إِنْسَانًا تَزَوَّجَ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، (وَإِذَا زُفَّتِ إِلَيْهِ) أَيْ: أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ (قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا) أَيْ: خَلَقْتَهَا وَطَبَعْتَهَا ( «عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ - وَلَفْظُهُ لَهُ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، مَرْفُوعًا،
стр. 2295
بَابٌ
أَرْكَانُ النِّكَاحِ وَشُرُوطُهُ
فَ أَرْكَانُهُ: الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِيجَابُ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهُمَا، أَوْ بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهُمَا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهِمَا بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْقَبُولُ: قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَفْظُهُ قَالَ: «إِذَا أَفَادَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً أَوْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً، فَلْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا، وَلْيَقُلْ. . .» إِلَى آخِرِهِ.
[أَرْكَانُ النِّكَاحِ وَشُرُوطُهُ]
[أَرْكَانُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ]
بَابٌ
أَرْكَانُ النِّكَاحِ وَشُرُوطُهُ أَرْكَانُ الشَّيْءِ: أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِهِ، فَالْمَاهِيَّةُ لَا تُوجَدُ بِدُونِ جُزْئِهَا، فَكَذَا الشَّيْءُ لَا يَتِمُّ بِدُونِ رُكْنِهِ، وَالشَّرْطُ: مَا يَنْتَفِي الْمَشْرُوطُ بِانْتِفَائِهِ، وَلَيْسَ جُزْءًا لِلْمَاهِيَّةِ (فَأَرْكَانُهُ: الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ) ; لِأَنَّ مَاهِيَّةَ النِّكَاحِ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، وَمُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهِمَا.
(وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِيجَابُ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ) إِجْمَاعًا ; لِوُرُودِهِمَا فِي نَصِّ الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] وَلَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِهِمَا ; إِذِ الْعَادِلُ عَنْهُمَا مَعَ مَعْرِفَتِهِ لَهُمَا عَادِلٌ عَنِ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ الْقُرْآنُ بِهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ، فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً فَقَالَ: مَلَّكْتُكَ بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، قُلْتُ: وَرَدَ فِيهِ: زَوَّجْتُكَهَا، وَزَوَّجْنَاكَهَا، وَأَنْكَحْتُهَا - مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَى بِالْمَعْنَى ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَوْ يَكُونُ خَاصًّا بِهِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَبْقَى حُجَّةً، وَكَذَا يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُهَا، وَجَعَلْتُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا (بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهُمَا أَوْ، بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهُمَا) ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي لُغَتِهِ نَظِيرُ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ فِي الْعَرَبِيَّةِ (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهِمَا بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ) التَّعَلُّمُ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " و
стр. 2296
مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِ: قَبِلْتُ، أَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلِلْمُتَزَوِّجِ: أَقَبِلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ - صَحَّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَصِحَّ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ تَرَاخَى عَنْهُ، صَحَّ مَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَصَحَّ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ كَعَاجِزٍ. وَالثَّانِي، وَقَدَّمَهُ السَّامَرِّيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ: أَنْ يَلْزَمَهُ كَالتَّكْبِيرِ.
(وَالْقَبُولُ) مِنَ الزَّوْجِ أَوْ وَكِيلِهِ (قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ) كَرَضِيتُهُ (فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ) وَلَوْ هَازِلًا، وتلجئة كَالْإِيجَابِ، وَقِيلَ: وَبِكِتَابَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ خَرَّجَ صِحَّتَهُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وَخَرَّجَهُ هُوَ فِي " عُمُدِ الْأَدِلَّةِ " مِنْ جَعْلِهِ عِتْقَ أَمَتِهِ مَهْرَهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَنْعَقِدُ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ نِكَاحًا بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ وَفِعْلٍ كَانَ، وَإِنَّ مِثْلَهُ كُلُّ عَقْدٍ، وَإِنَّ الشَّرْطَ بَيْنَ النَّاسِ مَا عَدُّوهُ شُرُوطًا، فَالْأَسْمَاءُ تُعْرَفُ حُدُودُهَا تَارَةً بِالشَّرْعِ، وَتَارَةً بِاللُّغَةِ، وَتَارَةً بِالْعُرْفِ، وَكَذَلِكَ الْعُقُودُ (فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِ: قَبِلْتُ) أَوْ تَزَوَّجْتُ (أَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْتَ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَلِلْمُتَزَوِّجِ: أَقَبِلْتَ؛ قَالَ: نَعَمْ - صَحَّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) فِي الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، أَمَّا فِي الْأُولَى ; فَلِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ، فَصَحَّ النِّكَاحُ كَالْبَيْعِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ ; فَلِأَنَّ الْمَعْنَى: نَعَمْ زَوَّجْتُ، نَعَمْ قَبِلْتُ هَذَا التَّزْوِيجَ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] كَانَ إِقْرَارًا مِنْهُمْ بِوِجْدَانِ مَا وَعَدَهُمْ رَبُّهُمْ حَقًّا، وَبِدَلِيلِ الْإِقْرَارِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ) ; لِأَنَّ لَفْظَ: زَوَّجْتُهُ، وَقَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ رُكْنٌ فِي الْعَقْدِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِهِمَا، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الثَّانِيَةِ.
فَرْعٌ: يَنْعَقِدُ نِكَاحُ أَخْرَسٍ بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ كِتَابَةٍ، وَذَكَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّ فِي كِتَابَةِ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ وَجْهَيْنِ، أَوْلَاهُمَا: عَدَمُ الصِّحَّةِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَإِنْ أَوْجَبَ ثُمَّ جُنَّ قَبْلِ الْقَبُولِ، بَطَلَ كَمَوْتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي إِغْمَائِهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ نَامَ لَمْ يَبْطُلِ الْإِيجَابُ.
(وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ، لَمْ يَصِحَّ) سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي: كَتَزَوَّجْتُ
стр. 2297
دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ، بَطَلَ الْإِيجَابُ، وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ.
فَصْلٌ وَشُرُوطُهُ خَمْسَةٌ، أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَلَهُ بَنَاتٌ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ابْنَتَكَ، فَيَقُولُ: زَوَّجْتُكَ، أَوْ بِلَفْظِ الطَّلَبِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، فَيَقُولُ زَوَّجْتُكَهَا ; لِأَنَّ الْقَبُولَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ، فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا ; لِعَدَمِ مَعْنَاهُ، وَكَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ فِيهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ هَذِهِ الصِّيغَةُ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ هَذَا اللَّفْظُ، بَلْ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ أَدَّى الْمَعْنَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُلْعِ وَالنِّكَاحِ، أَنَّ الْخُلْعَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ (وَإِنْ تَرَاخَى) الْقَبُولُ (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْإِيجَابِ (صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ) ; لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ ; بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْعَقْدِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ ; وَلِأَنَّهُ مَعَ التَّشَاغُلِ يُعَدُّ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الْإِيجَابِ، فَلَمْ يَصِحَّ بَعْدَهُ كَمَا لَوْ رَدَّهُ، (وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْقَبُولِ (بَطَلَ الْإِيجَابُ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ قَدْ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ بِالتَّفَرُّقِ (وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ) نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَعَلَيْهَا لَا بُدَّ أَنْ يَقْبَلَ فِي الْمَجْلِسِ، وَأَصْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: إِنَّ رَجُلًا مَضَى إِلَيْهِ قَوْمٌ، فَقَالُوا لَهُ: زَوِّجْ فُلَانًا، قَالَ: زَوَّجْتُهُ عَلَى أَلْفٍ، فَرَجَعُوا إِلَى الزَّوْجِ، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: قَدْ قَبِلْتُ - يَكُونُ هَذَا نِكَاحًا وَيَتَوَارَثَانِ؛ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَ مَنْ قَبِلَ الْعَقْدَ - وَفِيهِ نَظَرٌ.
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ]
فَصْلٌ (وَشُرُوطُهُ خَمْسَةٌ، أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ) ; لِأَنَّ كُلَّ عَاقِدٍ وَمَعْقُودٍ عَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِهِمَا، كَالْمُشْتَرِي وَالْمَبِيعِ ; وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِ التَّعْيِينِ كَالْبَيْعِ.
تَنْبِيهٌ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ كَالْإِجَارَةِ لَا فِي حُكْمِ الْمُعَيَّنِ، وَفِيهِ قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ الْأَعْيَانَ مَمْلُوكَةٌ، لِأَجْلِهَا يُحْتَمَلُ الْمَنْعُ ; لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لِلَّهِ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَاتِ،
стр. 2298
لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، صَحَّ. وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَضَعَتْ زَوْجَتَيِ ابْنَةً، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، لَمْ يَصِحَّ.
فَصْلٌ الثَّانِي: رِضَا الزَّوْجَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَصِحَّ إِلَّا الْأَبُ لَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَوْ سَلَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، فَمَلَّكَهُ إِتْلَافَهَا وَلَا ضَمَانَ بِخِلَافِ مِلْكِ النِّكَاحِ، (فَإِنْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، وَلَهُ بَنَاتٌ، لَمْ يَصِحَّ) ; لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ، وَلَمْ يُوجَدْ (حَتَّى يُشِيرَ إِلَيْهَا، أَوْ يُسَمِّيَهَا، أَوْ يَصِفَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ) ; لِوُجُودِ التَّعْيِينِ، (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، صَحَّ) ; لِأَنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ إِنَّمَا حَصَلَ مِنَ التَّعَدُّدِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ هُنَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، فَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ وَهُوَ اسْمُهَا، وَلَمْ يَقُلْ مَعَ ذَلِكَ: ابْنَتِي، لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، احْتَاجَ أَنْ يَرْفَعَ نَسَبَهَا حَتَّى يَبْلُغَ مَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنِ النِّسَاءِ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُ ابْنَتَانِ: كُبْرَى اسْمُهَا عَائِشَةُ، وَصُغْرَى اسْمُهَا فَاطِمَةُ، فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَائِشَةَ، وَقَبِلَ الْمُزَوَّجُ - وَهُمَا يَنْوِيَانِ الصُّغْرَى - لَمْ يَصِحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ فِي الَّتِي نَوَيَاهَا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ يُرِيدُ الْكُبْرَى، وَالزَّوْجُ يَقْصِدُ الصُّغْرَى، لَمْ يَصِحَّ، كَمَا إِذَا خَطَبَ امْرَأَةً وَزُوِّجَ بِغَيْرِهَا ; لِأَنَّ الْقَبُولَ وُجِدَ فِي غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ مَا يَصْرِفُ الْقَبُولَ إِلَى الصُّغْرَى مِنْ خِطْبَةِ غَيْرِهَا، وَلَوْ نَوَى الْوَلِيُّ الصُّغْرَى، وَالزَّوْجُ الْكُبْرَى، أَوْ نَوَى الْوَلِيُّ الْكُبْرَى، وَلَمْ يَدْرِ الزَّوْجُ أَيَّتَهُمَا هِيَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَصِحُّ التَّزْوِيجُ ; لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِيهَا فِي الَّتِي تَنَاوَلَهَا لَفْظُهمَا، وَعَلَى الْآخَرِ: يَصِحُّ فِي الَّتِي تَنَاوَلَهَا لَفْظُهُمَا، وَعَلَى الصَّرِيحِ فِي الْمُعَيَّنَةِ فَقَطْ (وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَضَعَتْ زَوْجَتَيِ ابْنَةً، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، لَمْ يَصِحَّ) ; لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ النِّكَاحِ عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ مُجَرَّدُ وَعْدٍ، كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ حَمْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ.
[الشَّرْطُ الثَّانِي رِضَا الزَّوْجَيْنِ]
(الثَّانِي: رِضَا الزَّوْجَيْنِ) أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمَا ; لِأَنَّ الْعَقْدَ لَهُمَا، فَاعْتُبِرَ تَرَاضِيهِمَا بِهِ
стр. 2299
تَزْوِيجُ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ، وَبَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِنَّ. وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْبَيْعِ (فَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَصِحَّ) ; لِأَنَّ الرِّضَا شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ، (إِلَّا الْأَبُ، لَهُ تَزْوِيجُ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ) أَيْ: لِلْأَبِ خَاصَّةً تَزْوِيجُ ابْنِهِ الصَّغِيرِ الْعَاقِلِ - أَذِنَ أَوْ كَرِهَ - وِفَاقًا ; لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ زَوَّجَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى زَيْدٍ، فَأَجَازَاهُ جَمِيعًا ; وَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ تَوْلِيَةٍ، فَكَانَ لَهُ تَزْوِيجُهُ كَابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي إِجْبَارِهِ مُرَاهِقًا نَظَرٌ، وَيَتَوَجَّهُ كَأُنْثَى أَوْ عَبْدٍ مُمَيِّزٍ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ قُبِلَ، ذَكَرَهُ فِي " الْإِيضَاحِ " (وَالْمَجَانِينُ) ; لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُمْ، فَكَانَ لَهُ وَلَاءُ تَزْوِيجِهِمْ كَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَازَ التَّزْوِيجُ مِنْ أَجْلِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُزَوِّجُ بَالِغًا إِلَّا إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ الشَّهْوَةِ بِاتِّبَاعِ النِّسَاءِ
لِلْمَصْلَحَةِ
، وَقِيلَ: بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: وَاحِدَةٌ، وَفِي أَرْبَعٍ وَجْهَانِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهُ بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ رَجُلٌ، فَلَا يَمْلِكُ إِجْبَارَهُ كَالْعَاقِلِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَالْبَالِغُ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ مَنْ يَخْنُقُ فِي الْأَحْيَانِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
فَرْعٌ: يُزَوِّجُهُمَا حَاكِمٌ لِحَاجَةٍ، وَظَاهِرُ الْإِيضَاحِ لَا، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَفِي " الْفُصُولِ "، وَغَيْرِهِ حَاجَةُ نِكَاحٍ فَقَطْ، وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " بِكُفْءٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ (وَبَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِنَّ) أَيْ: تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ تِسْعَ سِنِينَ - بِغَيْرِ خِلَافٍ - إِذَا زَوَّجَهَا بِكُفْءٍ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الْآيَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تُزَوَّجُ ثُمَّ تُطَلَّقُ، وَلَا إِذْنَ لَهَا فَتُعْتَبَرُ، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا ابْنَةُ تِسْعٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَهُ تَزْوِيجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ، فَهِيَ امْرَأَةٌ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الْقَاضِي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
فَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً، فَلَهُ إِجْبَارُهَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ; لِحَدِيثِ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَإِنْ أُجْبِرَتْ، أُخِذَ بِتَعْيِينِهَا
стр. 2300
ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَهَلْ لَهُ تَزْوِيجُ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَالسَّيِّدُ لَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كُفُؤا لَا بِتَعْيِينِ الْمُجْبِرِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِجْبَارِ بِشُرُوطٍ: أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ كُفْءٍ، بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمُزَوَّجُ مُعْسِرًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَبِ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَأَنْ يُزَوِّجَهَا بِنَقْدِ الْبَلَدِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ إِلَّا بِإِذْنِهَا) ; لِأَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ تِسْعًا تَصْلُحُ لِلْبُلُوغِ، أَشْبَهَتِ الْبَالِغَةَ، وَلَهَا بَعْدَ التِّسْعِ إِذْنٌ صَحِيحَةٌ، نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ: لَا إِذْنَ لَهَا كَمَالٍ، وَيُحْتَمَلُ فِي ابْنِ تِسْعٍ يُزَوَّجُ بِإِذْنِهِ، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَإِذْنُهُ نُطْقٌ، وَلَا يَكْفِي صَمْتُهُ (وَهَلْ لَهُ تَزْوِيجُ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) الْمَذْهَبُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ بَطَّةَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَالثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَرَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، كَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَفِي ثَالِثٍ: تُزَوَّجُ ابْنَةُ تِسْعِ سِنِينَ بِإِذْنِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا تُزَوَّجُ الثَّيِّبُ إِلَّا بِإِذْنِهَا فِي قَوْلِ الْعَامَّةِ إِلَّا الْحَسَنَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ; لِقَوْلِهِ ﵇: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ:
стр. 2301
تَزْوِيجُ إِمَائِهِ الْأَبْكَارِ وَالثَّيِّبِ، وَعَبِيدِهِ الصِّغَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَلَا يَمْلِكُ إِجْبَارَ عَبْدِهِ الْكَبِيرِ، وَيُحْتَمَلُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ أَيْضًا. وَلَا يَجُوزُ لِسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ تَزْوِيجُ كَبِيرَةٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
«لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ» رَوَاهُمَا النَّسَائِيُّ ; وَلِأَنَّهَا عَالِمَةٌ بِالْمَقْصُودِ مِنَ النِّكَاحِ، فَلَمْ يَجُزْ إِجْبَارُهَا عَلَيْهِ كَالرَّجُلِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا نِسْوَةً ثِقَاتٍ يَنْظُرْنَ مَا فِي نَفْسِهَا، وَالْأُمُّ بِذَلِكَ أَوْلَى.
(وَالسَّيِّدُ لَهُ تَزْوِيجُ إِمَائِهِ الْأَبْكَارِ، وَالثَّيِّبِ، وَعَبِيدِهِ الصِّغَارِ، بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ) وَفِيهِ مَسَائِلُ، الْأُولَى: أَنَّ السَّيِّدَ لَهُ تَزْوِيجُ إِمَائِهِ الْأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِنَّ، هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَجْزُومُ بِهِ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ عُقِدَ عَلَى مَنْفَعَتِهَا وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ، أَشْبَهَتِ الْإِجَارَةَ، وَنَقَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يُزَوِّجُ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ مِنْ غُلَامِهِ بِغَيْرِ مَهْرٍ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي إِلَّا بِمَهْرٍ وَشُهُودٍ، قِيلَ: فَإِنْ أَبَتْ؛ قَالَ: يُزَوِّجُهَا السَّيِّدُ بِإِذْنِهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُجْبِرُ الْأَمَةَ الْكَبِيرَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ لَيْسَتْ بِمَالٍ ; بِدَلِيلِ الْمُعْسِرَةِ لَا تُلْزَمُ بِالتَّزَوُّجِ، وَلَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ اتِّفَاقًا، وَمِلْكُ السَّيِّدِ لَهَا كَمِلْكِهِ لِمَنْفَعَةِ بُضْعِ زَوْجَتِهِ، وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ يَشْمَلُ الْمُدَبَّرَةَ وَالْمُعَلَّقَ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ وَأُمَّ الْوَلَدِ ; لِمُسَاوَاتِهِنَّ لِلْأَمَةِ، وَفِي مِلْكِهِ إِجْبَارُ الْمُكَاتَبَةِ وَجْهَانِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا حُرًّا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلَا إِنْكَاحَهَا وَحْدَهُ، وَيُعْتَبَرُ إِذْنُهَا وَإِذْنُ مَالِكِ الْبَقِيَّةِ كَأَمَةٍ لِاثْنَيْنِ، وَيَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا: زَوَّجْتُكَهَا.
الثَّانِيَةُ (أن السيد له تزويج عبده الصغير بغير إذنه) وَهِيَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ: إِنَّ لَهُ إِجْبَارَهُ قِيَاسًا عَلَى الِابْنِ الصَّغِيرِ، بَلْ أَوْلَى ; لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ عَلَيْهِ، وقال أبو الخطاب: يحتمل أن لا يملك تزويجه. (وَلَا يَمْلِكُ إِجْبَارَ عَبْدِهِ الْكَبِيرِ) ; لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَهُ عَلَيْهِ كَالطَّلَاقِ (وَيُحْتَمَلُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ أَيْضًا) هَذَا وَجْهٌ حَكَاهُ فِي
стр. 2302
إِلَّا بِإِذْنِهَا، إِلَّا الْمَجْنُونَةَ لَهُمْ تَزْوِيجُهَا إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا الْمَيْلُ إِلَى الرِّجَالِ، وَعَنْهُ: لَهُمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الِانْتِصَارِ " كَالْكَبِيرِ، وَالْمَذْهَبُ: إِجْبَارُهُ كَالْمَجْنُونِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَالْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى السَّيِّدِ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ) كَالْجَدِّ وَالْأَخِ، وَنَحْوِهِمَا (تَزْوِيجُ كَبِيرَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهَا) لِأَنَّ غَيْرَ الْأَبِ لَا يُسَاوِيهِ، وَفِي تَزْوِيجِ الْأَبِ الْكَبِيرَةَ الْبَالِغَةَ خِلَافٌ، فَلَزِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ - قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّ الْجَدَّ كَالْأَبِ، يُجْبِرُ (إِلَّا الْمَجْنُونَةَ) فِي اخْتِيَارِ أَبِي الْخَطَّابِ وَالشَّيْخَيْنِ (لَهُمْ تَزْوِيجُهَا إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا الْمَيْلُ إِلَى الرِّجَالِ) ; لِحَاجَتِهَا لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ، وَصِيَانَتِهَا عَنِ الْفُجُورِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَحَاكِمٍ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي " الْمُغْنِي ": يَنْبَغِي أَنْ تُزَوَّجَ إِذَا قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ: تَزُولُ عِلَّتُهَا بِالتَّزْوِيجِ كَالشَّهْوَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهَا، وَقِيلَ - وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ -: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةُ إِجْبَارٍ، فَلَا تَثْبُتُ لِغَيْرِ الْأَبِ، كَالْعَاقِلَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُوصَى لَهُ فِي النِّكَاحِ، أَمَّا مَعَ وُجُودِهِ، فَحُكْمُهُ كَالْأَبِ (وَلَيْسَ لَهُمْ وِلَايَةُ تَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ بِحَالٍ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ; لِمَا رُوِيَ «أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَرُفِعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهَا يَتِيمَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهَا» ، وَالصَّغِيرَةُ لَا إِذْنَ لَهَا كَمَالٍ (وَعَنْهُ: لَهُمْ ذَلِكَ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] دَلَّتْ بِمَفْهُومِهَا أَنَّ تَزْوِيجَهَا إِذَا أَقْسَطُوا جَائِزٌ، وَقَدْ فَسَّرَتْهُ عَائِشَةُ بِذَلِكَ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": كَحَاكِمٍ، وَلَعَلَّهُ كَالْأَبِ، بَلْ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الرِّعَايَةِ " مَا يُخَالِفُهُ، وَذَكَرَ فِي " الْمُجَرَّدِ ": لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُهُ ; لِأَنَّهُ يَلِي مَالَهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُزَوِّجُهَا عِنْدَ عَدَمِهِمْ ; بِدَلِيلِ مَا نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ، أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ صَبِيَّةٍ بِنْتِ ثَمَانِ سِنِينَ، مَاتَ أَبُوهَا، وَيُرِيدُ الْعُصْبَةُ أَنْ يُزَوِّجُوهَا، قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تُسْتَأْمَرَ، وَلَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا عَمٌّ، أَوِ ابْنُ عَمٍّ، أَوْ عُصْبَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ، فَعَلَى هَذَا يُفِيدُ الْحِلَّ، وَبَقِيَّةُ أَحْكَامِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ مِنَ الْإِرْثِ وَنَحْوِهُ، وَفِي " الْفُصُولِ ": لَا، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ فِي يَتِيمَةٍ زُوِّجَتْ قَبْلَ أَنْ
стр. 2303
ذَلِكَ، وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ، وَعَنْهُ: لَهُمْ تَزْوِيجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ بِإِذْنِهَا، وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ، وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصُّمَاتُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الثُّيُوبَةِ بِوَطْءٍ مُبَاحٍ أَوْ مُحَرَّمٍ، فَأَمَّا زَوَالُ الْبَكَارَةِ بِأُصْبُعٍ أَوْ وَثْبَةٍ، فَلَا تُغَيِّرُ حِفْظَ الْإِذْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تُدْرِكَ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا - هَلْ يَتَوَارَثَانِ؟ قَالَ: فِيهِ اخْتِلَافٌ، قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَتَوَارَثَانِ، وَمِثْلُهُ كُلُّ نِكَاحٍ لُزُومُهُ مَوْقُوفٌ، وَلَفْظُ الْقَاضِي: نَسْخُهُ مَوْقُوفٌ، وَكُلُّ نِكَاحٍ صِحَّتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِجَازَةِ، فَالْأَحْكَامُ مِنَ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ مُنْتَفِيَةٌ فِيهِ.
(وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ) ; لِتَسْتَدْرِكَ مَا فَاتَهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي صَغِيرٍ مِثْلِهَا، وَقَاسَهُ الْمُؤَلِّفُ وَجَمَاعَةٌ عَلَيْهَا، فَدَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ فِي صَغِيرٍ زَوَّجَهُ عَمُّهُ، قَالَ: إِنْ رَضِيَ بِهِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فُسِخَ، (وَعَنْهُ: لَهُمْ تَزْوِيجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ بِإِذْنِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَالَهُ جَمْعٌ ; لِقَوْلِهِ ﵇: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقْوَى دَلِيلًا ; لِأَنَّ الْقَوْلَ بِهَا جَمْعٌ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ وَقُيِّدَتْ بِالتِّسْعِ ; لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَارِفَةً بِمَا يَضُرُّهَا وَيَنْفَعُهَا، فَتَظْهَرُ فَائِدَةُ اسْتِئْذَانِهَا ; وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ: فَعَلَى هَذَا لَا خِيَارَ لَهَا إِذَا بَلَغَتْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الرِّعَايَةِ "، وَذَكَرَهُ نصا، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ إِذْنُهَا، فَلَهَا الْخِيَارُ، (وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ) بِلَا خِلَافٍ (وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصُّمَاتُ) ; لِلْأَخْبَارِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ مَرْفُوعًا، قَالَ: «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صُمَاتُهَا فَإِنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ فَكَذَلِكَ، وَنُطْقُهَا أَبْلَغُ ;» لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الثُّيُوبَةِ بِوَطْءٍ مُبَاحٍ أَوْ مُحَرَّمٍ) وَعَلَى الْأَصَحِّ ; لِعُمُومِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي اقْتَضَتِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبِكْرِ - مُبَاضَعَةُ الرِّجَالِ وَمُخَالَطَتُهُمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمُصَابَةِ بِالزِّنَا ; وَلِهَذَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَوْ أَوْصَى لِثَيِّبٍ دَخَلَا (فَأَمَّا زَوَالُ الْبَكَارَةِ بِأُصْبُعٍ أَوْ وَثْبَةٍ فَلَا تُغَيِّرُ صِفَةَ
стр. 2304
فَصْلٌ الثَّالِثُ: الْوَلِيُّ، فَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ، فَإِنْ زَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، لَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْإِذْنِ) ; لِعَدَمِ الْمُبَاضَعَةِ وَالْمُخَالَطَةِ، وَكَمَا لَوْ وُطِئَتْ فِي الدُّبُرِ، وَعَكْسُ هَذَا لَوْ عَادَتْ بَكَارَتُهَا بِوَطْءٍ بَعْدَ زَوَالِهَا فَهِيَ فِي حُكْمِ الثَّيِّبِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وِفَاقًا لِوُجُودِ الْمُبَاضَعَةِ، وَعَنْهُ: زَوَالُ عُذْرَتِهَا مُطْلَقًا وَلَوْ بِوَطْءِ دُبُرٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَشْمَلُ الْأَبَ وَغَيْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ، وَقَالَ فِي " التَّعْلِيقِ ": إِنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَبِ - النُّطْقُ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَيُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِئْذَانِ تَسْمِيَةُ الزَّوْجِ عَلَى وَجْهٍ تَقَعُ مَعْرِفَتُهَا بِهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْوَلِيُّ]
[حُكْمُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ]
فَصْلٌ (الثَّالِثُ: الْوَلِيُّ، فَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ لِلْأَصْحَابِ ; لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَهُوَ لِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ ; بِدَلِيلِ مَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، بَاطِلٌ، بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ ; لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، أَيْ: لَا نِكَاحَ شَرْعِيّ أَوْ مَوْجُود فِي الشَّرْعِ إِلَّا بِوَلِيٍّ.
وَالثَّانِي: يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ، مَعَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ نِكَاحِهَا لِنَفْسِهَا ; لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِنَّ ; وَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهَا، فَصَحَّ مِنْهُ كَبَيْعِ أَمَتِهَا، قِيلَ: لَا مَفْهُومَ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةَ ; لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِالنَّهْيِ عَنِ
стр. 2305
يَصِحَّ، وَعَنْهُ: لَهَا تَزْوِيجُ أَمَتِهَا وَمُعْتَقَتِهَا، فَيَخْرُجُ مِنْهُ صِحَّةُ تَزْوِيجِ نَفْسِهَا بِإِذْنِ وَلَيِّهَا، وَتَزْوِيجِ غَيْرِهَا بِالْوِكَالَةِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
وَأَحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعَضْلِ هُمُ الْأَوْلِيَاءُ، وَنَهْيُهُمْ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ ; إِذِ الْعَضْلُ لُغَةً: الْمَنْعُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَضْلِ الْحِسِّيِّ وَالشَّرْعِيِّ ; لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَضْلَ مِنْهُمْ يَصِحُّ دُونَ الْأَجَانِبِ، ثُمَّ إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ حِينَ امْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِ أُخْتِهِ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَزَوَّجَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِمَعْقِلٍ وِلَايَةٌ، وَأنَّ الْحُكْمَ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ لَما عُوتِبَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْإِضَافَةُ إِلَيْهِنَّ ; فَلِأَنَّهُنَّ مَحَلٌّ لَهُ (فَإِنْ زَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا أَوْ غَيْرَهَا، لَمْ يَصِحَّ) ; لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ ; وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْمُونَةٍ عَلَى الْبُضْعِ ; لِنَقْصِ عَقْلِهَا، وَسُرْعَةِ انْحِدَارِهَا، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيضُهُ إِلَيْهَا كَالْبَذْرِ فِي الْمَالِ (وَعَنْهُ: لَهَا تَزْوِيجُ أَمَتِهَا) ; لِأَنَّهَا ملكُهَا، وَوِلَايَتُهَا عَلَيْهَا لَهَا، فَكَانَ لَهَا تَزْوِيجُهَا كَالسَّيِّدِ (وَمُعْتَقَتِهَا) ; لِأَنَّ الْوِلَايَةَ كَانَتْ لَهَا عَلَيْهَا، فَوَجَبَ اسْتِصْحَابُهَا ; وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالْمِلْكِ، (فَيَخْرُجُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ هَذَا الْقَوْلِ (صِحَّةُ تَزْوِيجِ نَفْسِهَا بِإِذْنِ وَلَيِّهَا، وَتَزْوِيجُ غَيْرِهَا بِالْوِكَالَةِ) ; لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ أَهْلًا لِمُبَاشَرَةِ تَزْوِيجِ أَمَتِهَا وَمُعْتَقَتِهَا، فَلِأَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِمُبَاشَرَةِ وَتَزْوِيجِ نَفْسِهَا وَغَيْرِهَا بِالْوِكَالَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عَائِشَةَ تَوَلَّتْ نِكَاحَ بِنْتِ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ; وَلِأَنَّهَا شَخْصٌ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ بِنَفْسِهِ، فَيَتَوَلَّى عَقْدَ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ كَالْغُلَامِ، وَعَنْهُ: تُزَوِّجُ نَفْسَهَا مُطْلَقًا، وَخَصَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِحَالِ الْعُذْرِ كَمَا إِذَا عُدِمَ الْوَلِيُّ أَوِ السُّلْطَانُ، وَاخْتُلِفَ فِي مَأْخَذِهَا، فَابْنُ عَقِيلٍ أَخَذَهَا مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي دِهْقَانِ الْقَرْيَةِ يُزَوِّجُ مَنِ الْأَوْلَى لَهَا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَاكِمِهَا، وَغَلَّطَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَخَذَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى مِمَّا أَخَذَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِالْآيَةِ، وَبِقَوْلِهِ: فَإِنْ طَلَّقَهَا، فَأَبَاحَ فِعْلَهَا فِي نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْوَلِيِّ ; وَبِدَلِيلِ خِطْبَتِهِ ﵇ أُمَّ سَلَمَةَ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّارِيخِ قَالُوا: إِنَّهُ كَانَ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ، وَمِثْلُهُ لَا تَصِحُّ وِلَايَتُهُ، وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ حَدِيثِ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ: مَا أَرَاهُ صَحِيحًا ; لِأَنَّ عَائِشَةَ فَعَلَتْ بِخِلَافِهِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، قَالَهُ أَحْمَدُ، (وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ) ; لِمَا
стр. 2306
ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ، وَإِنْ نَزَلَ ثُمَّ أَخُوهَا لِأَبَوَيْهَا ثُمَّ لِأَبِيهَا، وَالتَّسْوِيَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَكَرْنَا، وَصَوْنًا لَهَا عَنْ مُبَاشَرَةِ مَا يَشْعُرُ بِوَقَاحَتِهَا وَرُعُونَتِهَا وَمَيْلِهَا إِلَى الرِّجَالِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُبَاشِرَ النِّكَاحَ تَحْصِيلًا لِذَلِكَ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ تَقَدَّمَ، وَهُوَ نِكَاحُ الْبَائِنَةِ فِي أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَتَزْوِيجِهِ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ، كَمَا لَا تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ فِي حَقِّهِ، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عَنْ إِمَامِنَا تَصْحِيحُهُ، وَالْحَمْلُ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ، فَرِوَايَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَهُوَ ثِقَةٌ كَبِيرٌ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَّا الْبُخَارِيُّ ; لِأَحَادِيثَ انْفَرَدَ بِهَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُرَدُّ بِهِ الْحَدِيثُ، وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِي قَوْلِهِ ﵇: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ» . . . إِلَى آخِرِهِ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَصِيرِ إِلَى الْبُطْلَانِ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ مِنَ الْقَوْلِ لَا يَجُوزُ تَأْكِيدُهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ. فَعَلَى هَذَا إِذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَكَفُضُولِيٍّ، فَإِنْ أَبَى فَسَخَهُ حَاكِمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: إِذَا حَكَمَ بِصِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ حَاكِمٌ، أَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لَهُ حَاكِمًا، لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، وَقِيلَ يُنْقَضُ هُنَا، وَاخْتَارَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ، فَإِنْ وَطِئَ فِيهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّهِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ مَنْصُوصٍ عَلَى بُطْلَانِهِ.
[أَحَقُّ النَّاسِ بِالْوِلَايَةِ]
(وَأَحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠] ; لِأَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] ، وَقَالَ ﵇: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَإِثْبَاتُ وِلَايَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ ; لِأَنَّ الْأَبَ أَكْمَلُ نَظَرًا، وَأَشَدُّ شَفَقَةً، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مِنْ مَالِهِ وَلَهُ مِنْ مَالِهَا، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَيْهِ كَالْمِيرَاثِ، وَأَخَذَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " مِنْ نَقْلِ حَنْبَلٍ: الْعُصْبَةُ: مَنْ أَحْرَزَ الْمَالَ (ثُمَّ أَبُوهُ، وَإِنْ عَلَا) عَلَى الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّ الْجَدَّ لَهُ إِيلَادٌ وَتَعَصُّبٌ، أَشْبَهَ الْأَبَ (ثُمَّ ابْنُهَا، ثُمَّ ابْنُهُ، وَإِنْ نَزَلَ) ; لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمِيرَاثِ، وَلِلِابْنِ وِلَايَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ
стр. 2307
بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأَخِ، وَبَيْنَ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ، وَالْأَخِ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْعَمُّ ثُمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنَ الْعَصَبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
جَمَاعَةٍ ; لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لِابْنِهَا: يَا عُمَرُ قُمْ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهَا وَلِيًّا شَاهِدًا أَيْ: حَاضِرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُ ابْنُهَا عُمَرُ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ ; لِأَنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ ; لِصِغَرِهِ، فَإِنَّهُ ﵇ تَزَوَّجَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَانَ عُمُرُ عُمَرَ حِينَ وَفَاتِهِ ﵊ تِسْعَ سِنِينَ، وَأنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ عُمُرُهُ حِينَ التَّزْوِيجِ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ (ثُمَّ أَخُوهَا لِأَبَوَيْهَا) كَالْمِيرَاثِ (ثُمَّ لِأَبِيهَا) فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " كَالْإِرْثِ وَعَلَى اسْتِحْقَاقِهِ بِالْوَلَاءِ، وَأَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَخُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ عَلَى الْأَخِ مِنَ الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ النِّسَاءُ لَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِيهِ (وَعَنْهُ: تَقْدِيمُ الِابْنِ عَلَى الْجَدِّ) اخْتَارَهَا الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالسَّامَرِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ كَالْمِيرَاثِ، وَعَنْهُ عَلَى هَذِهِ: يُقَدَّمُ الْأَخُ عَلَى الْجَدِّ ; لِإِدْلَائِهِ بِالْبُنُوَّةِ، وَعَنْهُ: سَوَاءٌ لِامْتِيَازِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمُرَجِّحٍ (وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأَخِ) ; لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ وَالتَّعْصِيبِ (وَبَيْنَ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ وَالْأَخِ مِنَ الْأَبِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَحَرْبٍ، وَأَبِي الْحَارِثِ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي، وَمُعْظَمِ أَصْحَابِهِ ; لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْجِهَةِ الَّتِي تُسْتَفَادُ مِنْهَا فِي الْوِلَايَةِ، وَهِيَ الْعُصُوبَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، فَاسْتَوَيَا فِي النِّكَاحِ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ أَبٍ، وَقَرَابَةُ الْأُمِّ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي النِّكَاحِ.
(ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ، وَإِنْ سَفَلُوا) كَالْمِيرَاثِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: ابْنُ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ مُسَاوٍ لِابْنِ الْأَخِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ (ثُمَّ الْعَمُّ، ثُمَّ ابْنُهُ) ; لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ كَانَا أَبْنَاءَ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، فَقَالَ الْقَاضِي وَطَائِفَةٌ: هُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْخِلَافِ فِي ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَبَوَيْنِ وَالْآخَرُ
стр. 2308
عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ السُّلْطَانُ. فَأَمَّا الْأَمَةُ، فَوَلِيُّهَا سَيِّدُهَا، وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنَ الْأَبِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُمَا سَوَاءٌ ; لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي التَّعْصِيبِ وَالْإِرْثِ بِهِ، وَجِهَةُ الْأُمِّ يُورَثُ بِهَا مُنْفَرِدَةً وَلَا تَرْجِيحَ بِهَا.
(ثُمَّ الأقرب فَالْأَقْرَبُ مِنَ الْعَصَبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ) ; لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مَبْنَاهَا عَلَى النَّظَرِ وَالشَّفَقَةِ، وَمَظِنَّةُ ذَلِكَ الْقَرَابَةُ، وَالْأَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ هُوَ الْأَقْرَبُ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوِلَايَةَ فِي النِّكَاحِ لَا تَثْبُتُ إِلَّا لِمَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلِي بَنُو أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِي أَبٍ أَقْرَبَ مِنْهُ وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وَأَوْلَى وَلَدِ كُلِّ أَبٍ أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (ثُمَّ الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ) أَيِ: الْمُعْتِقُ (ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ) ; لِأَنَّهُمْ عَصَبَاتٌ، يَرِثُونَ وَيَعْقِلُونَ، فَكَذَلِكَ يُزَوِّجُونَ، وَقُدِّمَ هُنَا الْمُنَاسِبُونَ كَالْمِيرَاثِ، فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْمُعْتِقِ عَلَى أَبِيهِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا قُدِّمَ هُنَاكَ لِزِيَادَةِ شَفَقَتِهِ وَكَمَالِ نَظَرِهِ، وَهُنَا النَّظَرُ لِأَقْرَبِ الْعُصْبَةِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ أَبُوهَا عَلَى ابْنِهَا كَالْأَصْلِ (ثُمَّ السُّلْطَانُ) ; لِمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، قَالَ أَحْمَدُ: الْقَاضِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْأَمِيرِ فِي هَذَا، انْتَهَى، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ بُغَاةٍ إِذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى بَلَدٍ، فَإِنْ عُدِمَ، وَكَّلَتْ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَسْلَمَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلِي نِكَاحَهَا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ كَالْإِرْثِ وَلَا وَالِي الْبَلَدِ، وَعَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الْقَاضِي، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْجَوَازَ مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ وَلِيٌّ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ مُطْلَقًا، قَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فِي سَفَرٍ، لَيْسَ مَعَهُمَا وَلِيٌّ وَلَا شُهُودٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا، وَإِنْ خَافَ الزِّنَا بِهَا، وَعَنْهُ: يُزَوِّجُهَا عَدْلٌ بِإِذْنِهَا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَخَذَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقِفُ عَلَى وَلِيٍّ، وَنُصُوصُ أَحْمَدَ تَمْنَعُهُ، وَأَخَذَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ دِهْقَانِ الْقَرْيَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَزْوِيجُ الْأَيَامَى فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ أَبَاهُ حَاكِمٌ إِلَّا بِظُلْمٍ كَطَلَبِهِ جُعْلًا لَا يَسْتَحِقُّهُ، صَارَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ، فَقِيلَ: تُوَكِّلُ مَنْ يُزَوِّجُهَا، وَقِيلَ: لَا تَتَزَوَّجُ، وَالصَّحِيحُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ: يُزَوِّجُهَا ذُو السُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ كَالْعَضْلِ (فَأَمَّا الْأَمَةُ)
стр. 2309
كَانَتْ لِامْرَأَةٍ، فَوَلِيُّهَا وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا، وَلَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ الْحُرِّيَّةُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَتَّى الْآبِقَةُ (فَوَلِيُّهَا سَيِّدُهَا) إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِهَا، فَكَانَ إِلَيْهِ كَإِجَارَتِهَا وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ فَاسِقًا، فَإِنْ كَانَ لَهَا سَيِّدَانِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِهَا (فَإِنْ كَانَتْ لِامْرَأَةٍ، فَوَلِيُّهَا وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا) هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنَ الرِّوَايَاتِ، صَحَّحَهُ الْقَاضِي، وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوِلَايَةِ لَهَا ; لِأَنَّهَا مَالُهَا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ فِي حَقِّهَا لِانْتِفَاءِ عِبَارَتِهَا فِي النِّكَاحِ، وَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ لِأَوْلِيَائِهَا، يُؤَيِّدُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَلَا تُنْكِحُ مَنْ سِوَاهَا» وَرُوِيَ عَنْهُ مرفوعا بمعناه، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَالنَّهْيُ دَلِيلُ الْفَسَادِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ (وَلَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا) أَيْ: شَرْطُهَا إِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا ; لِأَنَّ الْأَمَةَ لَهَا، وَالتَّصَرُّفَ فِي مَالِ الرَّشِيدَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِذْنِهَا، فَإِنْ كَانَتْ سيدتها غير رَشِيدَة أَوْ لِغُلَامٍ أو مَجْنُونٍ، فَوَلِيُّهَا مَنْ يَلِي مَالَهُ ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي نَفْعِهَا كَإِجَارَتِهَا، وَيُعْتَبَرُ فِي إِذْنِهَا النُّطْقُ وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ ; إِذِ الصُّمَاتُ إِنَّمَا اكْتُفِيَ بِهِ فِي تَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا لِحَيَائِهَا، وَهِيَ لَا تَسْتَحِي مِنْ تَزْوِيجِ أَمَتِهَا، وَعَنْهُ: أَيُّ رَجُلٍ أَذِنَتْ لَهُ سَيِّدَتُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُبَاشِرَهُ هِيَ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ الْمِلْكُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتِ الْمُبَاشَرَةُ لِنَقْصِ الْأُنُوثَةِ، فَمَلَّكَتِ التَّوْكِيلَ كَالْمَرِيضِ وَالْغَائِبِ، وَعَنْهُ: تَعْقِدُهُ هِيَ، فَعِبَارَتُهَا عَلَى هَذِهِ مُعْتَبَرَةٌ بِأَنَّ التَّزْوِيجَ عَلَى الْمِلْكِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ ; بِدَلِيلِ تَزْوِيجِ الْفَاسِقِ مَمْلُوكَتَهُ.
فَرْعٌ: عَتِيقَتُهَا كَأَمَتِهَا إِنْ طَلَبَتْ وَأَذِنَتْ، وَقُلْنَا: يَلِي عَلَيْهَا فِي رِوَايَةٍ، وَلَوْ عَضَلَتِ الْمَوْلَاةُ زَوَّجَ وَلِيُّهَا، فَفِي إِذْنِ سُلْطَانٍ وَجْهَانِ، وَيُجْبِرُهَا مَنْ يُجْبِرُ الْمَوْلَاةَ.
стр. 2310
وَالذُّكُورِيَّةُ، وَاتِّفَاقُ الدِّينِ وَالْعَقْلِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ وَعَدَالَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِذَا كَانَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[مَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ]
(وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ الْحُرِّيَّةُ) فَلَا وِلَايَةَ لِعَبْدٍ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَجْهٌ: يَلِي عَلَى ابْنَتِهِ، ثُمَّ جَوَّزَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": هَلْ لِلْعَبْدِ وِلَايَةٌ عَلَى الْحُرَّةِ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ (وَالذُّكُورِيَّةُ) فَلَا وِلَايَةَ لِامْرَأَةٍ ; لِعَدَمِ تَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا، وَقَدْ سَبَقَ، (وَاتِّفَاقُ الدِّينِ) وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا إِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ ; إِذِ الْكَافِرُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِإِجْمَاعِ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ، قَالَ أَحْمَدُ: بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا أَجَازَ نِكَاحَ أَخٍ، وَرَدَّ نِكَاحَ أَبٍ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَالْمُسْلِمُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى كَافِرَةٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] (وَالْعَقْلُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تَثْبُتُ نَظَرًا لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ، وَلَا يَلِي عَلَى نَفْسِهِ فَغَيْرُهُ - بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَسَوَاءٌ فِيهِ الصَّغِيرُ، وَمَنْ ذَهَبَ عقله بِجُنُونٍ، أَوْ كِبَرٍ كَالشَّيْخِ الْهَرَمِ، فَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَمَنْ يُجَنُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَلَا تزول وِلَايَتُهُمَا عَلَى الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُدَّتُهُ يَسِيرَةٌ كَالنَّوْمِ ; وَلِذَلِكَ لَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَفِي " الْفُرُوعِ ": إِنْ جُنَّ أَحْيَانًا، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ نَقَصَ عَقْلُهُ بِنَحْوِ مَرَضٍ أَوْ أَحْرَمَ، انْتُظِرَ، نَقَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ فِي مَجْنُونٍ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ وَعَدَالَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ ; لِأَنَّ الْوِلَايَةَ يُعْتَبَرُ لَهَا كَمَالُ الْحَالِ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ قَاصِرٌ ; لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَعَلَى هَذَا يُزَوِّجُ ابْنُ عَشْرٍ ; لِأَنَّهُ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ وَطَلَاقُهُ، فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالْبَالِغِ، وَعَنْهُ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَأَمَّا الْعَدَالَةُ، فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ - فِي رِوَايَةٍ - وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، فَعَلَيْهَا يُزَوِّجُ فَاسِقٌ ; لِأَنَّهُ يَلِي نِكَاحَ نَفْسِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَالثَّانِيَةُ، وَهِيَ أَنَصُّهُمَا: تُشْتَرَطُ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ ; لِمَا رَوَى الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ
стр. 2311
الْأَقْرَبُ طِفْلًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، وَإِنْ عَضَلَ الْأَقْرَبُ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، وَعَنْهُ: يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ، وَإِنْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، وَهِيَ مَا لَا تُقْطَعُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ أَوْ سُلْطَانٍ، وَعَنْ جَابِرٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا رَوَاهُ الْبَرْقَانِيُّ ; وَلِأَنَّهَا إِحْدَى الْوِلَايَتَيْنِ، فَنَافَاهَا الْفِسْقُ كَوِلَايَةِ الْمَالِ، وَعَلَيْهَا يُكْتَفَى بِمَسْتُورِ الْحَالِ عَلَى مَا جَزَمَ الشَّيْخَانِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ السُّلْطَانُ الرَّشِيدُ، وَحَكَى ابْنُ حَمْدَانَ ثَالِثَةً: أَنَّ الْفَاسِقَ يَلِي نِكَاحَ عَتِيقَتِهِ فَقَطْ كَمَا قَبْلَ الْعِتْقِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا قُلْنَا: الْوِلَايَةُ الشَّرْطِيَّةُ تَبْقَى مَعَ الْفِسْقِ، فَالْوِلَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَوْلَى، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; إِذِ الْوِلَايَةُ الشَّرْطِيَّةُ يُلْحَظُ فِيهَا حَظُّ الْمُوصِي وَنَظَرُهُ، بِخِلَافِهِ هُنَا.
أَصْلٌ: يُشْتَرَطُ فِيهِ الرُّشْدُ بِأَنْ يَعْرِفَ مَصَالِحَ النِّكَاحِ، وَمَعْرِفَةَ الْكُفْءِ، فَلَا يَضَعُهَا عِنْدَ مَنْ لَا يَحْفَظُهَا وَلَا يُكَافِئُهَا، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا: يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِالْمَصَالِحِ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَفِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ ": هُوَ ضِدُّ السَّفِيهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ نُطْقُهُ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ، وَالْأَصَحُّ: وَلَا بَصَرُهُ ; لِأَنَّ شُعَيْبًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهُوَ أَعْمَى ; وَلِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَحْثِ وَالسَّمَاعِ.
(وَإِذَا كَانَ الْأَقْرَبُ طِفْلًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ) مِنْ عُصْبَتِهَا ; لِأَنَّ وُجُودَهُمْ كَالْعَدَمِ، وَقَوْلُهُ: طِفْلًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ به غير الْمُمَيِّزَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْعُرْفِ، فَعَلَيْهِ تَصِحُّ وِلَايَةُ الْمُمَيِّزِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مُقَيَّدًا بِابْنِ عَشْرٍ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ به غير الْبَالِغَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] (وَإِنْ عَضَلَ الْأَقْرَبُ) فَلَمْ يُزَوِّجْهَا بِكُفْءٍ رَضِيَتْهُ، وَرَغِبَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ بِمَا صَحَّ مَهْرًا (زَوَّجَ الْأَبْعَدُ) نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ جُنَّ، وَحَدِيثُ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قَالَ: وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ. لَكِنْ لَوْ رَضِيَتْ بِغَيْرِ كُفْءٍ، كَانَ لِلْوَلِيِّ مَنْعُهَا مِنْهُ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي تَعْيِينِ الْكُفْءِ، قُدِّمَ تَعْيِينُهَا عَلَيْهِ حَتَّى أنَّهُ يُعْضَلُ بِالْمَنْعِ وَيُفَسَّقُ بِهِ إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ التَّكَرُّرَ (وَعَنْهُ: يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِقَوْلِهِ: «فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَالْحَاكِمُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَكَمَا لَوْ
стр. 2312
وَمَشَقَّةٍ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْكِتَابُ، أَوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: مَا لَا تَقْطَعُهُ الْقَافِلَةُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، وَعَنْ أَحْمَدَ: إِذَا كَانَ الْأَبُ بَعِيدَ السَّفَرِ، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
وَلَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَامْتَنَعَ مِنْ قَضَائِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوِلَايَةِ وَالدَّيْنِ مِنْ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْوِلَايَةَ حَقٌّ للمولى والدين حق عَلَيْهِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْوِلَايَةَ تَنْتَقِلُ عَنْهُ بِفِسْقٍ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْوِلَايَةَ تُعْتَبَرُ فِي بَقَائِهَا الْعَدَالَةُ، وَقَدْ زَالَتْ بِالْعَضْلِ وَالدَّيْنَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ذَلِكَ، نَعَمْ إِذَا اشْتَجَرُوا جَمِيعًا زَوَّجَ الْحَاكِمُ (وَإِنْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ) ; لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ التَّزْوِيجُ مِنَ الْأَقْرَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِ، كَمَا لَوْ جُنَّ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ فِيهِ سَلْب الأقرب مِنَ الْوِلَايَةِ، لَكِنْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَوَّجَ الأقرب الْغَائِب فِي مَكَانِهِ، أَوْ وَكَّلَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ ثُمَّ غَابَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَكَّلَ ثُمَّ جُنَّ، وَفِي " التَّعْلِيقِ ": إِذَا زَوَّجَ أَوْ وَكَّلَ فِي الْغَيْبَةِ، فَالْوِلَايَةُ بَاقِيَةٌ ; لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ، وَإِلَّا سَقَطَتْ، وَحَكَى قَوْلًا كَالْأَوَّلِ، وَذَكَرَ فِي " الِانْتِصَارِ " وَجْهًا: لَا تَنْتَقِلُ وِلَايَةُ مَالٍ إِلَيْهِ بِالْغَيْبَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَمْ تَكُنْ أَمَةً، فَيُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ (وَهِيَ مَا لَا تُقْطَعُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالشَّيْخَانِ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ مُضِرًّا، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ ; فَإِنَّ التَّحْدِيدَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ وَلَا تَوْقِيفَ، (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْكِتَابُ) كَمَنْ هُوَ فِي أَقْصَى بِلَادِ الْهِنْدِ (أَوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ) قَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ إِلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، قَالَ: الْمُنْقَطِعُ الَّذِي لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْأَخْبَارُ ; لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ تَتَعَذَّرُ مُرَاجَعَتُهُ، فَيَلْحَقُ الضَّرَرُ بِانْتِظَارِهِ (وَقَالَ الْقَاضِي) فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " خِلَافِهِ الصَّغِيرِ " وَهُوَ رِوَايَةُ (مَا لَا تَقْطَعُهُ الْقَافِلَةُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً) كَسَفَرِ الْحِجَازِ ; لِأَنَّ الْكُفْءَ يَنْتَظِرُ سَنَةً، وَلَا يَنْتَظِرُ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَيَلْحَقُ الضَّرَرُ بِتَرْكِ تَزْوِيجِهَا، (وَعَنْ أَحْمَدَ: إِذَا كَانَ الْأَبُ بَعِيدَ السَّفَرِ، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) ; لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ بَعِيدًا، وَعَلَّقَ عَلَيْهِ رُخَصَ السَّفَرِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ رِوَايَةَ: أَنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُ كَمَا فِي الْعَضْلِ ; إِذِ الْأَبْعَدُ مَحْجُوبٌ بِالْأَقْرَبِ، وَالْوِلَايَةُ بَاقِيَةٌ، فَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهَا، وَقِيلَ مَا تَسْتَضِرُّ بِهِ
стр. 2313
مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ، إِلَّا إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ فِي وَجْهٍ، وَلَا يَلِي مُسْلِمٌ نِكَاحَ كَافِرَةٍ، إِلَّا سَيِّدَ الْأَمَةِ أَوْ وَلِيَّ سَيِّدَتِهَا أَوِ السُّلْطَانَ، وَيَلِي الذِّمِّيُّ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الذِّمِّيِّ وَهَلْ يَلِيهِ مِنْ مُسْلِمٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الزَّوْجَةُ، وَقِيلَ: فَوْتُ كُفْءٍ رَاغِبٍ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَوْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ كَأَسِيرٍ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ، أَوْ كَانَ مَجْهُولًا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عُصْبَةٌ ثُمَّ عُلِمَ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، أَوْ زُوِّجَتْ بِنْتُ مُلَاعَنَةٍ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهَا أَبٌ، فَكَبَعِيدٍ، وَإِنْ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ بِدُونِ ذَلِكَ فَكَفُضُولِيٍّ، وَإِنْ تَزَوَّجَ لِغَيْرِهِ، فَقِيلَ: لَا يَصِحُّ كَذِمَّتِهِ، وَقِيلَ: كَفُضُولِيٍّ، وَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ، فَمَلَّكَهَا مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَجَازَهُ فَوَجْهَانِ.
[لَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ]
(وَلَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] (إِلَّا إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ فِي وَجْهٍ) وَكَذَا مُكَاتَبَتُهُ أَوْ مُدَبَّرَتُهُ ; لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، أَشْبَهَتِ الْمُسْلِمَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ رَزِينٍ: وَبِنْتُهُ.
وَالثَّانِي: لَا يَلِيهِ وَهُوَ أَوْلَى لِلْإِجْمَاعِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ يُبَاشِرُ تَزْوِيجَ الْمُسْلِمِ أَوْ يُبَاشِرُهُ بِإِذْنِهِ مُسْلِمٌ أَوِ الْحَاكِمُ؛ فِي أَوْجِهٍ (وَلَا يَلِي مُسْلِمٌ نِكَاحَ كَافِرَةٍ) ; لِلنَّصِّ ; وَلِأَنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ، فَلَمْ يَلِهِ كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا (إِلَّا سَيِّدَ الْأَمَةِ) فَلَهُ تَزْوِيجُهَا ; لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ (أَوْ وَلِيَّ سَيِّدَتِهَا) ; لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ بِالْمِلْكِ ; وَلِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى التَّزْوِيجِ، وَلَا وَلِيَّ لَهَا غَيْرَ سَيِّدِهَا (أَوِ السُّلْطَانَ) ; لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ عَلَى مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا، وَوِلَايَتُهُ عَامَّةٌ عَلَى أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَالْكَافِرَةُ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا كَالْمُسْلِمَةِ (وَيَلِي الذِّمِّيُّ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الذِّمِّيِّ) لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهَا فَوَلِيَهُ كَالْمُسْلِمِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ، وَعَبَّرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " بِالْكَافِرِ (وَهَلْ يَلِيهِ مِنْ مُسْلِمٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَلِيهِ ; لِلْآيَةِ وَالْمُسَاوَاةِ، وَالثَّانِي: لَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا الْحَاكِمُ،
стр. 2314
لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ.
وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا، وَوَصِيُّهُ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ، وَعَنْهُ: لَا تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ فِيهِ صَغَارًا عَلَى الْمُسْلِمِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلِي مَالَهَا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَفِي تَعْلِيقِ ابْنِ الْمَنِّيِّ فِي وِلَايَةِ الْفَاسِقِ: لَا يَلِيهِ كَافِرٌ إِلَّا عَدْلٌ فِي دِينِهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا، فَلِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الْقَدْحِ فِي نَسَبِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وِلَايَةُ الْمَالِ.
[إِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ]
(وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِقَوْلِهِ ﵇: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ. . .» الْخَبَرُ ; وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَمْ تَثْبُتْ أَحْكَامُهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالتَّوَارُثِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ) ; لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَذْكُرُوا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَحِينَئِذٍ فَالشَّهَادَةُ تُعْتَبَرُ حَالَةَ الْعَقْدِ ; لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَهُ، فَتُعْتَبَرُ مَعَهُ كَالْقَبُولِ، وَلَوْ كَانَ فِي الصَّدَاقِ نَمَاءُ مِلْكٍ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَلَا تَوَارُثَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَا لَوْ رُفِعَ إِلَى الْحَاكِمِ أَجَازَهُ، وَرِثَهُ الْآخَرُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَلْزَمُهُ الْإِجَازَةُ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ.
فَرْعٌ: إِذَا زُوِّجَتْ مَنْ يُعْتَبَرُ إِذْنُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَقُلْنَا: يَقِفُ عَلَى إِجَازَتِهَا، فَهِيَ بِالنُّطْقِ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِذَا زَوَّجَ أَجْنَبِيَّةً لَيْسَ مِنَ الْعَصَبَاتِ بَطَلَ النِّكَاحُ مِنْ أَصْلِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا.
[التَّوْكِيلُ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ]
(وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا) ; لِتَوْكِيلِهِ ﵊ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ، وَعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ ; وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَصَحَّ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَالْبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا، أَوْ غَائِبًا مُجْبَرًا أَوْ غَيْرَ مُجْبَرٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ إِذْنُهَا فِي التَّوْكِيلِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكَّلُ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ، ذَكَرَهُ فِي
стр. 2315
النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عُصْبَةٌ.
وَإِذَا اسْتَوَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُوَكَّلُ غَيْرُ مُجْبَرٍ بِلَا إِذْنٍ إِلَّا حَاكِمٌ، وَقِيلَ: وَلَا مُجِيزٌ، وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى الْخِلَافِ فِي تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْحَاكِمَ يَمْلِكُهُ مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ فِي تَزْوِيجِ مُعَيَّنٍ أَوْ مَنْ شَاءَ أَوْ مَنْ يَرْضَاهُ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ مِنَ التَّوْكِيلِ الْمُطْلَقِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ التَّعْيِينُ لِغَيْرِ مُجْبَرٍ، وَقِيلَ: وَلَهُ فَلَوْ مَنَعَتِ الْوَلِيَّ مِنَ التَّوْكِيلِ امْتَنَعَ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَعَلَى الْأَشْهَرِ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ مَا هُوَ ثَابِتٌ لِلْمُوَكِّلِ ; لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَمَنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْوِلَايَةُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ تَوْكِيلُ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقَرَابَةِ ; بِدَلِيلِ قَبُولِهِمُ النِّكَاحَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ وَكَّلَ الزَّوْجُ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ، صَحَّ، وَقِيلَ: لَا كَالْإِيجَابِ، وَبِالْجُمْلَةِ يَتَقَيَّدُ وَكِيلٌ أَوْ وَلِيٌّ مُطْلَقٌ بِالْكُفْءِ إِنِ اشْتَرَطَ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِنَفْسِهِ، وَيَصِحُّ تَوْكِيلُهُ مُطْلَقًا كَـ زَوِّجْ مَنْ شِئْتَ، وَمُقَيَّدٌ كَـ زَوِّجْ فُلَانًا بِعَيْنِهِ.
(وَوَصِيُّهُ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ ثَابِتَةٌ، فَجَازَتِ الْوَصِيَّةُ بِهَا كَوِلَايَةِ الْمَالِ ; وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي حَيَاتِهِ، فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ كَالْمَالِ، فَعَلَى هَذَا يُجْبِرُ مَنْ يُجْبِرُهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (وَعَنْهُ: لَا تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَنْتَقِلُ إِلَى غَيْرِهِ شَرْعًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوصِيَ بِهَا كَالْحَضَانَةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْوَصِيِّ فِي وَضْعِهَا عِنْدَ غَيْرِ كُفْءٍ لَهَا، فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَكَوِلَايَةِ الْحَاكِمِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُصْبَةٌ) هَذَا رِوَايَةٌ حَكَاهَا الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " وَالْحُلْوَانِيُّ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عُصْبَةٌ لَمْ تَسْتَقِرَّ حِذَارًا مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّهِمْ، وَإِلَّا اسْتُفِيدَتْ لِعَدَمِ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، فَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالنِّكَاحِ مِنْ كُلِّ ذِي وِلَايَةٍ، وَهَلْ لِلْوَصِيِّ الْوَصِيَّةُ بِهَا أَوْ يُوكِلُ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: جَوَازُهُ، ذَكَرَهُ فِي " النَّوَادِرِ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ لَهُ تَزْوِيجَ صَغِيرٍ بِوَصِيَّةٍ كَصَغِيرَةٍ، وَفِي الْخِرَقِيِّ: أَوْ وَصِيٍّ نَاظِرٍ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي و" الْمُحَرَّرِ ": الْوَصِيِّ مُطْلَقًا، وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ
следующие страницы →