Полный текст (3 567 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
الْأَقْرَبُ طِفْلًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، وَإِنْ عَضَلَ الْأَقْرَبُ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، وَعَنْهُ: يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ، وَإِنْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، وَهِيَ مَا لَا تُقْطَعُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ أَوْ سُلْطَانٍ، وَعَنْ جَابِرٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا رَوَاهُ الْبَرْقَانِيُّ ; وَلِأَنَّهَا إِحْدَى الْوِلَايَتَيْنِ، فَنَافَاهَا الْفِسْقُ كَوِلَايَةِ الْمَالِ، وَعَلَيْهَا يُكْتَفَى بِمَسْتُورِ الْحَالِ عَلَى مَا جَزَمَ الشَّيْخَانِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ السُّلْطَانُ الرَّشِيدُ، وَحَكَى ابْنُ حَمْدَانَ ثَالِثَةً: أَنَّ الْفَاسِقَ يَلِي نِكَاحَ عَتِيقَتِهِ فَقَطْ كَمَا قَبْلَ الْعِتْقِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا قُلْنَا: الْوِلَايَةُ الشَّرْطِيَّةُ تَبْقَى مَعَ الْفِسْقِ، فَالْوِلَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَوْلَى، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; إِذِ الْوِلَايَةُ الشَّرْطِيَّةُ يُلْحَظُ فِيهَا حَظُّ الْمُوصِي وَنَظَرُهُ، بِخِلَافِهِ هُنَا.
أَصْلٌ: يُشْتَرَطُ فِيهِ الرُّشْدُ بِأَنْ يَعْرِفَ مَصَالِحَ النِّكَاحِ، وَمَعْرِفَةَ الْكُفْءِ، فَلَا يَضَعُهَا عِنْدَ مَنْ لَا يَحْفَظُهَا وَلَا يُكَافِئُهَا، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا: يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِالْمَصَالِحِ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَفِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ ": هُوَ ضِدُّ السَّفِيهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ نُطْقُهُ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ، وَالْأَصَحُّ: وَلَا بَصَرُهُ ; لِأَنَّ شُعَيْبًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهُوَ أَعْمَى ; وَلِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَحْثِ وَالسَّمَاعِ.
(وَإِذَا كَانَ الْأَقْرَبُ طِفْلًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ) مِنْ عُصْبَتِهَا ; لِأَنَّ وُجُودَهُمْ كَالْعَدَمِ، وَقَوْلُهُ: طِفْلًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ به غير الْمُمَيِّزَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْعُرْفِ، فَعَلَيْهِ تَصِحُّ وِلَايَةُ الْمُمَيِّزِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مُقَيَّدًا بِابْنِ عَشْرٍ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ به غير الْبَالِغَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] (وَإِنْ عَضَلَ الْأَقْرَبُ) فَلَمْ يُزَوِّجْهَا بِكُفْءٍ رَضِيَتْهُ، وَرَغِبَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ بِمَا صَحَّ مَهْرًا (زَوَّجَ الْأَبْعَدُ) نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ جُنَّ، وَحَدِيثُ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قَالَ: وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ. لَكِنْ لَوْ رَضِيَتْ بِغَيْرِ كُفْءٍ، كَانَ لِلْوَلِيِّ مَنْعُهَا مِنْهُ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي تَعْيِينِ الْكُفْءِ، قُدِّمَ تَعْيِينُهَا عَلَيْهِ حَتَّى أنَّهُ يُعْضَلُ بِالْمَنْعِ وَيُفَسَّقُ بِهِ إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ التَّكَرُّرَ (وَعَنْهُ: يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِقَوْلِهِ: «فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَالْحَاكِمُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَكَمَا لَوْ
стр. 2312
وَمَشَقَّةٍ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْكِتَابُ، أَوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: مَا لَا تَقْطَعُهُ الْقَافِلَةُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، وَعَنْ أَحْمَدَ: إِذَا كَانَ الْأَبُ بَعِيدَ السَّفَرِ، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
وَلَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَامْتَنَعَ مِنْ قَضَائِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوِلَايَةِ وَالدَّيْنِ مِنْ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْوِلَايَةَ حَقٌّ للمولى والدين حق عَلَيْهِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْوِلَايَةَ تَنْتَقِلُ عَنْهُ بِفِسْقٍ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْوِلَايَةَ تُعْتَبَرُ فِي بَقَائِهَا الْعَدَالَةُ، وَقَدْ زَالَتْ بِالْعَضْلِ وَالدَّيْنَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ذَلِكَ، نَعَمْ إِذَا اشْتَجَرُوا جَمِيعًا زَوَّجَ الْحَاكِمُ (وَإِنْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ) ; لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ التَّزْوِيجُ مِنَ الْأَقْرَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِ، كَمَا لَوْ جُنَّ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ فِيهِ سَلْب الأقرب مِنَ الْوِلَايَةِ، لَكِنْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَوَّجَ الأقرب الْغَائِب فِي مَكَانِهِ، أَوْ وَكَّلَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ ثُمَّ غَابَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَكَّلَ ثُمَّ جُنَّ، وَفِي " التَّعْلِيقِ ": إِذَا زَوَّجَ أَوْ وَكَّلَ فِي الْغَيْبَةِ، فَالْوِلَايَةُ بَاقِيَةٌ ; لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ، وَإِلَّا سَقَطَتْ، وَحَكَى قَوْلًا كَالْأَوَّلِ، وَذَكَرَ فِي " الِانْتِصَارِ " وَجْهًا: لَا تَنْتَقِلُ وِلَايَةُ مَالٍ إِلَيْهِ بِالْغَيْبَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَمْ تَكُنْ أَمَةً، فَيُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ (وَهِيَ مَا لَا تُقْطَعُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالشَّيْخَانِ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ مُضِرًّا، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ ; فَإِنَّ التَّحْدِيدَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ وَلَا تَوْقِيفَ، (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْكِتَابُ) كَمَنْ هُوَ فِي أَقْصَى بِلَادِ الْهِنْدِ (أَوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ) قَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ إِلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، قَالَ: الْمُنْقَطِعُ الَّذِي لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْأَخْبَارُ ; لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ تَتَعَذَّرُ مُرَاجَعَتُهُ، فَيَلْحَقُ الضَّرَرُ بِانْتِظَارِهِ (وَقَالَ الْقَاضِي) فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " خِلَافِهِ الصَّغِيرِ " وَهُوَ رِوَايَةُ (مَا لَا تَقْطَعُهُ الْقَافِلَةُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً) كَسَفَرِ الْحِجَازِ ; لِأَنَّ الْكُفْءَ يَنْتَظِرُ سَنَةً، وَلَا يَنْتَظِرُ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَيَلْحَقُ الضَّرَرُ بِتَرْكِ تَزْوِيجِهَا، (وَعَنْ أَحْمَدَ: إِذَا كَانَ الْأَبُ بَعِيدَ السَّفَرِ، زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) ; لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ بَعِيدًا، وَعَلَّقَ عَلَيْهِ رُخَصَ السَّفَرِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ رِوَايَةَ: أَنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُ كَمَا فِي الْعَضْلِ ; إِذِ الْأَبْعَدُ مَحْجُوبٌ بِالْأَقْرَبِ، وَالْوِلَايَةُ بَاقِيَةٌ، فَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهَا، وَقِيلَ مَا تَسْتَضِرُّ بِهِ
стр. 2313
مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ، إِلَّا إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ فِي وَجْهٍ، وَلَا يَلِي مُسْلِمٌ نِكَاحَ كَافِرَةٍ، إِلَّا سَيِّدَ الْأَمَةِ أَوْ وَلِيَّ سَيِّدَتِهَا أَوِ السُّلْطَانَ، وَيَلِي الذِّمِّيُّ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الذِّمِّيِّ وَهَلْ يَلِيهِ مِنْ مُسْلِمٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الزَّوْجَةُ، وَقِيلَ: فَوْتُ كُفْءٍ رَاغِبٍ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَوْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ كَأَسِيرٍ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ، أَوْ كَانَ مَجْهُولًا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عُصْبَةٌ ثُمَّ عُلِمَ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، أَوْ زُوِّجَتْ بِنْتُ مُلَاعَنَةٍ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهَا أَبٌ، فَكَبَعِيدٍ، وَإِنْ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ بِدُونِ ذَلِكَ فَكَفُضُولِيٍّ، وَإِنْ تَزَوَّجَ لِغَيْرِهِ، فَقِيلَ: لَا يَصِحُّ كَذِمَّتِهِ، وَقِيلَ: كَفُضُولِيٍّ، وَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ، فَمَلَّكَهَا مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَجَازَهُ فَوَجْهَانِ.
[لَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ]
(وَلَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] (إِلَّا إِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ فِي وَجْهٍ) وَكَذَا مُكَاتَبَتُهُ أَوْ مُدَبَّرَتُهُ ; لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، أَشْبَهَتِ الْمُسْلِمَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ رَزِينٍ: وَبِنْتُهُ.
وَالثَّانِي: لَا يَلِيهِ وَهُوَ أَوْلَى لِلْإِجْمَاعِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ يُبَاشِرُ تَزْوِيجَ الْمُسْلِمِ أَوْ يُبَاشِرُهُ بِإِذْنِهِ مُسْلِمٌ أَوِ الْحَاكِمُ؛ فِي أَوْجِهٍ (وَلَا يَلِي مُسْلِمٌ نِكَاحَ كَافِرَةٍ) ; لِلنَّصِّ ; وَلِأَنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ، فَلَمْ يَلِهِ كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا (إِلَّا سَيِّدَ الْأَمَةِ) فَلَهُ تَزْوِيجُهَا ; لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ (أَوْ وَلِيَّ سَيِّدَتِهَا) ; لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ بِالْمِلْكِ ; وَلِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى التَّزْوِيجِ، وَلَا وَلِيَّ لَهَا غَيْرَ سَيِّدِهَا (أَوِ السُّلْطَانَ) ; لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ عَلَى مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا، وَوِلَايَتُهُ عَامَّةٌ عَلَى أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَالْكَافِرَةُ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا كَالْمُسْلِمَةِ (وَيَلِي الذِّمِّيُّ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الذِّمِّيِّ) لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهَا فَوَلِيَهُ كَالْمُسْلِمِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ، وَعَبَّرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " بِالْكَافِرِ (وَهَلْ يَلِيهِ مِنْ مُسْلِمٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَلِيهِ ; لِلْآيَةِ وَالْمُسَاوَاةِ، وَالثَّانِي: لَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا الْحَاكِمُ،
стр. 2314
لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ.
وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا، وَوَصِيُّهُ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ، وَعَنْهُ: لَا تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ فِيهِ صَغَارًا عَلَى الْمُسْلِمِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلِي مَالَهَا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَفِي تَعْلِيقِ ابْنِ الْمَنِّيِّ فِي وِلَايَةِ الْفَاسِقِ: لَا يَلِيهِ كَافِرٌ إِلَّا عَدْلٌ فِي دِينِهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا، فَلِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الْقَدْحِ فِي نَسَبِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وِلَايَةُ الْمَالِ.
[إِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ]
(وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِقَوْلِهِ ﵇: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ. . .» الْخَبَرُ ; وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَمْ تَثْبُتْ أَحْكَامُهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالتَّوَارُثِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ) ; لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَذْكُرُوا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَحِينَئِذٍ فَالشَّهَادَةُ تُعْتَبَرُ حَالَةَ الْعَقْدِ ; لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَهُ، فَتُعْتَبَرُ مَعَهُ كَالْقَبُولِ، وَلَوْ كَانَ فِي الصَّدَاقِ نَمَاءُ مِلْكٍ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَلَا تَوَارُثَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَا لَوْ رُفِعَ إِلَى الْحَاكِمِ أَجَازَهُ، وَرِثَهُ الْآخَرُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَلْزَمُهُ الْإِجَازَةُ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ.
فَرْعٌ: إِذَا زُوِّجَتْ مَنْ يُعْتَبَرُ إِذْنُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَقُلْنَا: يَقِفُ عَلَى إِجَازَتِهَا، فَهِيَ بِالنُّطْقِ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِذَا زَوَّجَ أَجْنَبِيَّةً لَيْسَ مِنَ الْعَصَبَاتِ بَطَلَ النِّكَاحُ مِنْ أَصْلِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا.
[التَّوْكِيلُ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ]
(وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا) ; لِتَوْكِيلِهِ ﵊ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ، وَعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ ; وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَصَحَّ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَالْبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا، أَوْ غَائِبًا مُجْبَرًا أَوْ غَيْرَ مُجْبَرٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ إِذْنُهَا فِي التَّوْكِيلِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكَّلُ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ، ذَكَرَهُ فِي
стр. 2315
النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عُصْبَةٌ.
وَإِذَا اسْتَوَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُوَكَّلُ غَيْرُ مُجْبَرٍ بِلَا إِذْنٍ إِلَّا حَاكِمٌ، وَقِيلَ: وَلَا مُجِيزٌ، وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى الْخِلَافِ فِي تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْحَاكِمَ يَمْلِكُهُ مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ فِي تَزْوِيجِ مُعَيَّنٍ أَوْ مَنْ شَاءَ أَوْ مَنْ يَرْضَاهُ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ مِنَ التَّوْكِيلِ الْمُطْلَقِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ التَّعْيِينُ لِغَيْرِ مُجْبَرٍ، وَقِيلَ: وَلَهُ فَلَوْ مَنَعَتِ الْوَلِيَّ مِنَ التَّوْكِيلِ امْتَنَعَ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَعَلَى الْأَشْهَرِ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ مَا هُوَ ثَابِتٌ لِلْمُوَكِّلِ ; لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَمَنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْوِلَايَةُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ تَوْكِيلُ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقَرَابَةِ ; بِدَلِيلِ قَبُولِهِمُ النِّكَاحَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ وَكَّلَ الزَّوْجُ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ، صَحَّ، وَقِيلَ: لَا كَالْإِيجَابِ، وَبِالْجُمْلَةِ يَتَقَيَّدُ وَكِيلٌ أَوْ وَلِيٌّ مُطْلَقٌ بِالْكُفْءِ إِنِ اشْتَرَطَ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِنَفْسِهِ، وَيَصِحُّ تَوْكِيلُهُ مُطْلَقًا كَـ زَوِّجْ مَنْ شِئْتَ، وَمُقَيَّدٌ كَـ زَوِّجْ فُلَانًا بِعَيْنِهِ.
(وَوَصِيُّهُ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ ثَابِتَةٌ، فَجَازَتِ الْوَصِيَّةُ بِهَا كَوِلَايَةِ الْمَالِ ; وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي حَيَاتِهِ، فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ كَالْمَالِ، فَعَلَى هَذَا يُجْبِرُ مَنْ يُجْبِرُهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (وَعَنْهُ: لَا تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَنْتَقِلُ إِلَى غَيْرِهِ شَرْعًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوصِيَ بِهَا كَالْحَضَانَةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْوَصِيِّ فِي وَضْعِهَا عِنْدَ غَيْرِ كُفْءٍ لَهَا، فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَكَوِلَايَةِ الْحَاكِمِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُصْبَةٌ) هَذَا رِوَايَةٌ حَكَاهَا الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " وَالْحُلْوَانِيُّ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عُصْبَةٌ لَمْ تَسْتَقِرَّ حِذَارًا مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّهِمْ، وَإِلَّا اسْتُفِيدَتْ لِعَدَمِ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، فَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالنِّكَاحِ مِنْ كُلِّ ذِي وِلَايَةٍ، وَهَلْ لِلْوَصِيِّ الْوَصِيَّةُ بِهَا أَوْ يُوكِلُ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: جَوَازُهُ، ذَكَرَهُ فِي " النَّوَادِرِ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ لَهُ تَزْوِيجَ صَغِيرٍ بِوَصِيَّةٍ كَصَغِيرَةٍ، وَفِي الْخِرَقِيِّ: أَوْ وَصِيٍّ نَاظِرٍ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي و" الْمُحَرَّرِ ": الْوَصِيِّ مُطْلَقًا، وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ
стр. 2316
الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ، صَحَّ التَّزْوِيجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَفْضَلِهِمْ، ثُمَّ أَسَنِّهِمْ، وَإِنْ تَشَاحُّوا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَزَوَّجَ، صَحَّ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ زَوَّجَ اثْنَانِ وَلَمْ يَعْلَمِ السَّابِقُ، فُسِخَ النِّكَاحَانِ، وَعَنْهُ: يُقْرَعُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِنَّ وَصِيَّ الْمَالِ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَ ; لِأَنَّهُ يَلِي مَالَهُ، أَشْبَهَ الْأَبَ، وَخَرَجَ مِنْهُ أَنَّ الْجَدَّ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَ إِنْ قُلْنَا: يَلِي مَالَهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ كَمَا لَا يُزَوَّجُ الصَّغِيرُ.
[إِذَا اسْتَوَى أَوْلِيَاءُ النِّكَاحِ فِي الدَّرَجَةِ]
(وَإِذَا اسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ) كَالْأُخْوَةِ أَوْ بَنِيهِمْ (صَحَّ التَّزْوِيجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) إِذَا أَذِنَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (وَالْأَوْلَى: تَقْدِيمُ أَفْضَلِهِمْ) ; لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنَ الْمَفْضُولِ (ثُمَّ أَسَنِّهِمْ) ; لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ، لَمَا تَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ: كَبِّرْ كَبِّرْ أَيْ: يُقَدَّمُ الْأَكْبَرُ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ (وَإِنْ تَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ) ; لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الْحَقِّ فَلُجِئَ إِلَى الْقُرْعَةِ كَالْمَرْأَتَيْنِ فِي السَّفَرِ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ زَيْدٍ: يُقَدَّمُ أَعْلَمُ، ثُمَّ أَسَنُّ، ثُمَّ أَفْضَلُ، ثُمَّ يُقْرَعُ، (فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَزَوَّجَ، صَحَّ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ) صَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ كَامِلِ الْوِلَايَةِ كَالْمُنْفَرِدِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِإِزَالَةِ الْمُشَاحَّةِ.
وَالثَّانِي: لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ بِالْقُرْعَةِ صَارَ أَوْلَى، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْأَبْعَدِ مَعَ الْأَقْرَبِ، أَمَّا إِذَا أَذِنَتْ لِوَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ (وَإِنْ زَوَّجَ اثْنَانِ) لِاثْنَيْنِ بِإِذْنِهِمَا وَعُلِمَ السَّابِقُ، فَالنِّكَاحُ لَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ; لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَهَا الْمُسَمَّى، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ
стр. 2317
بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ، أَمَرَ الْآخَرَ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ يُجَدِّدُ الْقَارِعُ نِكَاحَهُ، وَإِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ مِنْ أَمَتِهِ، جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ مِثْلُ ابْنِ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى وَالْحَاكِمُ، إِذَا أَذِنَتْ لَهُ فِي نِكَاحِهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ حَتَّى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يُصِبْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَعْتَدَّ مِنَ الثَّانِي، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْهُ لَحِقَ بِهِ، (و) إِنْ (لَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ) أَيْ: جُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا (فُسِخَ النِّكَاحَانِ) أَيْ: فَسَخَهُمَا حَاكِمٌ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِكَاحُهُ هُوَ الصَّحِيحَ، وَالْجَمْعُ مُتَعَذِّرٌ، فَلُجِئَ إِلَى الْفَسْخِ لِإِزَالَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالسَّامَرِّيُّ: لِلزَّوْجَيْنِ الْفَسْخُ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدَانِ بِإِذْنِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُطَّلِقَانِهَا، وَنَصُّهُ: لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَعَنْهُ: النِّكَاحُ مَفْسُوخٌ، ذَكَرَهُ فِي " النَّوَادِرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إِمْضَاؤُهُمَا، وَتَتَزَوَّجُ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، (وَعَنْهُ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) ; لِأَنَّهَا تُزِيلُ الْإِبْهَامَ، (فَمَنْ قَرَعَ، أَمَرَ الْآخَرَ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ يُجَدِّدُ الْقَارِعُ نِكَاحَهُ) بِإِذْنِهَا ; لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا قَدْ صَارَتْ لَهُ بِالتَّجْدِيدِ، وَعَنْهُ: تَكُونُ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ طَلَاقُ الْآخَرِ لَهَا، فَإِنْ أَبَى طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنْ جَهِلَ وُقُوعَهُمَا مَعًا بَطَلَا كَالْعِلْمِ بِهِ، وَإِنْ عَلِمَ سَبْقَهُ وَنَسِيَ، فَقِيلَ: كَجَهْلِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَقِفُ لِيُعْلَمَ، وَإِنْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا بِالسَّبْقِ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنِ ادَّعَى عِلْمَهَا بِالسَّبْقِ فَأَنْكَرَتْ، لَمْ تُسْتَحْلَفْ.
أَصْلٌ: إِذَا مَاتَتْ، فَلِأَحَدِهِمَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا بِقُرْعَةِ من غير يَمِينٍ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَرَّتْ بِالسَّبْقِ لِأَحَدِهِمَا فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنَ الْآخَرِ، وَهِيَ تَدَّعِي مِيرَاثَهَا مِمَّنْ أَقَرَّتْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ ادَّعَى ذَلِكَ أَيْضًا، دُفِعَ إِلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا - إِنْ أَنْكَرَ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَقَرَّتْ بِالسَّبْقِ، فَلَهَا مِيرَاثُ أَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ.
مَسْأَلَةٌ: يُقَدَّمُ أَصْلَحُ الْخَاطِبِينَ مُطْلَقًا، نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ، وَفِي " النَّوَادِرِ ": يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ لِمُوَلِّيَتِهِ شَابًّا حَسَنَ الصُّورَةِ.
(وَإِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ مِنْ أَمَتِهِ) أَوْ بِنْتِهِ، أَوْ زَوَّجَ ابْنَهُ بِبِنْتِ أَخِيهِ، أَوْ زَوَّجَ وَصِيٌّ فِي نِكَاحٍ صَغِيرًا بِصَغِيرَةٍ تَحْتَ حِجْرِهِ (جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ) فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ أَوِ الْوِلَايَةِ، (وَكَذَلِكَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ، مِثْلُ ابْنِ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى وَالْحَاكِمُ، إِذَا
стр. 2318
يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَإِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكِ، وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَذِنَتْ لَهُ فِي نِكَاحِهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ) لِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِأُمِّ حَكِيمِ بِنْتِ قَارِظٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ وُجِدَ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ رَجُلَيْنِ، وَكَمَا لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَكْفِي الْإِيجَابُ، فَيَقُولُ: زَوَّجْتُ فُلَانًا فُلَانَةً، أَوْ تَزَوَّجْتُهَا إِنْ كَانَ هُوَ الزَّوْجَ ; لِفِعْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ مَعَهُ الْقَبُولُ، وَقِيلَ: تَوْلِيَةُ طَرَفَيْهِ تَخْتَصُّ بِمُجْبَرٍ، (وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ) نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ خَطَبَ امْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا، فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا ; وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مِلْكِهِ بِالْإِذْنِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ كَالْبَيْعِ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ الصَّغِيرِ، وَعَلَى هَذِهِ إِنْ وَكَّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ النِّكَاحَ وَتَوَلَّى هُوَ الْإِيجَابَ جَازَ، كَالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، أَوْ وَكَّلَهُ الْوَلِيُّ فِي الْإِيجَابِ وَالزَّوْجُ فِي الْقَبُولِ، فَوَجْهَانِ، وَعَلَى الْأَوْلَى: إِلَّا بِنْتَ عَمِّهِ وَعَتِيقَتَهُ الْمَجْنُونَتَيْنِ، فَيُشْتَرَطُ وَلِيٌّ غَيْرُهُ أَوْ حَاكِمٌ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَذِنَتْ لَهُ فِي تَزْوِيجِهَا وَلَمْ تُعَيِّنِ الزَّوْجَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَوِّجَهَا نَفْسَهُ ; لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْإِذْنِ يَقْتَضِي تَزْوِيجَهَا غَيْرَهُ كَوَلَدِهِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا قَبِلَ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَالْخِلَافُ فِي تَوَلِّي طَرَفَيِ الْعَقْدِ.
(وَإِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِأَمَتِهِ) بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ - نَصَّ عَلَيْهِ -: (أَعْتَقْتُكِ، وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ، صَحَّ) الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: مَا أَصْدَقَهَا؛ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: «وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ﵊ اسْتَأْنَفَ عَقْدًا، وَمَتَى ثَبَتَ الْعِتْقُ صَدَاقًا ثَبَتَ النِّكَاحُ ; إِذِ الصَّدَاقُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ، وَفَعَلَهُ أَنَسٌ ; وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ إِحْدَى الْمَنْفَعَتَيْنِ،
стр. 2319
صَحَّ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا، فَإِنْ أَبَتْ ذَلِكَ، فَعَلَيْهَا قِيمَتُهَا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ عِوَضًا عَنْهُ، دَلِيلُهُ مَنْفَعَةُ الْخِدْمَةِ، كَقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُكِ عَلَى خِدْمَةِ سَنَةٍ، لَا يُقَالُ: هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ ; إِذْ مِنْ خَصَائِصِهِ النِّكَاحُ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَلَا شُهُودٍ ; لِأَنَّا نَقُولُ: الْغَرَضُ أَنَّهُ ﵊ عَقَدَ بِمَهْرٍ وَإِذْنٍ، فَحُكْمُ أَمَتِهِ حُكْمُهُ فِي صَفِيَّةَ، وَمِثْلُهُ: جَعَلْتُ عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا، أَوْ عَكْسٌ، أَوْ عَلَى أَنَّ عِتْقَهَا صَدَاقُهَا، أَوْ عَلَى أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَعِتْقِي صَدَاقُكِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُشْتَرَطُ مَعَ قَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْأَمَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وَأَنْ يَقْصِدَ بِالْعِتْقِ جَعْلَهُ صَدَاقًا.
تَنْبِيهٌ: أُورِدَ عَلَى الْقَاضِي إِذَا قَالَ: جَعَلْتُ عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَ ابْنَتِكَ، لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، فَكَذَا فِي نَفْسِهِ، فَأَجَابَ: لَا يَصِحُّ ; لِتَقَدُّمِ الْقَبُولِ عَلَى الْإِيجَابِ، فَلَوْ قَالَ الْأَبُ ابْتِدَاءً: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَلَى عِتْقِ أُخْتِكَ، فَقَالَ: قَبِلْتُ، لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَصِحَّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا قَالَ: زَوَّجْتُ أَمَتِي مِنْ فُلَانٍ، وَجَعَلْتُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا: الْوَقْتُ الَّذِي جَعَلَ الْعِتْقَ صَدَاقًا كَانَ يَمْلِكُ إِجْبَارَهَا فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ، (فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ ; إِذِ التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِهَا كَغَيْرِهَا، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إِلَى الرُّجُوعِ فِي الرِّقِّ بَعْدَ زَوَالِهِ، رَجَعَ فِي بَدَلِهِ وَهُوَ الْقِيمَةُ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ يَوْمَ عِتْقِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، فَهَلْ يَنْتَظِرُ الْقُدْرَةَ أَوْ يَسْتَسْعِي؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ، قَالَ الْقَاضِي: أَصْلُهَا: الْمُفْلِسُ إِذَا كَانَ لَهُ حِرْفَةٌ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الِاكْتِسَابِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا) ، نَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ أَنَّهُ يُوَكِّلُ رَجُلًا، فَأَخَذَ الْقَاضِي وَأَتْبَاعُهُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ ; إِذْ بِالْعِتْقِ تَمْلِكُ نَفْسَهَا، فَيُعْتَبَرُ رِضَاهَا كَمَا لَوْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا ; وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إِيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ، وَهُمَا رُكْنَاهُ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِمَا ; وَلِأَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُجْبِرُهُ، أَشْبَهَ رَقَبَةَ الْحُرِّ، وَنُوزِعَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي حِكَايَةِ رِوَايَةٍ بِعَدَمِ
стр. 2320
فَصْلٌ الرَّابِعُ: الشَّهَادَةُ، فَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ، وَإِنْ كَانَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الصِّحَّةِ، وَجَعَلَ الرِّوَايَةَ: أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْعَقْدَ عَلَيْهَا بِإِذْنِهِ بِدُونِ رِضَاهَا ; إِذِ الْعِتْقُ وَقَعَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، وَأُجِيبَ عَنْ مِلْكِهَا نَفْسَهَا: بِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الِانْفِصَالِ قَبْلَ تَمَامِهِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهَا عَلَى نَفْسِهَا إِلَّا بَعْدَ النِّكَاحِ، وَالسَّيِّدُ كَانَ يَمْلِكُ إِجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ، فَكَذَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَعَنْ عَقْدِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ: بِأَنَّ الْعِتْقَ لَمَّا خَرَجَ مَخْرَجَ الصَّدَاقِ صَارَ الْإِيجَابُ كَالْمُضْمَرِ فِيهِ، وَالْقَابِلُ هُوَ الْمُوجِبُ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَعَنِ الْعِتْقِ لَيْسَ بِمَالٍ: بِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُصُولُ مَالٍ - وَهُوَ تَمْلِيكُ الرَّقِيقِ مَنَافِعَ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ، (فَإِنْ أَبَتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهَا) ; لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَرَجَعَ إِلَى الْقِيمَةِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
فَرْعٌ: إِذَا ارْتَدَّتْ أَوْ فَعَلَتْ مَا يُفْسَخُ بِهِ نِكَاحُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ - رَجَعَ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ قِيمَتِهَا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَسْتَأْنِفُ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: لَا يُعْتَبَرُ إِذْنُهَا، وَمَهْرُهَا الْعِتْقُ. فَعَلَى مُخْتَارِ الْقَاضِي إِنِ امْتَنَعَتْ لَزِمَهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ إِذَا لَمْ يُلْزَمْ بِالنِّكَاحِ، وَلَمْ يَرْضَ بِالشُّرُوطِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهَا عَلَى أَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلْ، بَلْ أَوْلَى.
[فَصْلٌ الشَّرْطُ الرَّابِعُ الشَّهَادَةُ]
فصل (الرَّابِعُ: الشَّهَادَةُ) وَهِيَ مِنَ الشُّرُوطِ لِصِحَّتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَهُ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ; لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْهَا مَرْفُوعًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْبَغَايَا اللَّائِي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا عَبْدُ الْأَعْلَى وَوَقَفَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، قَالَ: وَالْوَقْفُ أَصَحُّ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ أَرْبَعَةٍ: الْوَلِيُّ، وَالزَّوْجُ، وَالشَّاهِدَانِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْمَعْنَى فِيهِ:
стр. 2321
ضَرِيرَيْنِ، وَعَنْهُ: يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ فَاسِقَيْنِ، وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَمُرَاهِقَيْنِ عَاقِلَيْنِ، وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْعَقِدَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً، وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الِاحْتِيَاطُ لِلْأَبْضَاعِ وَصِيَانَةُ الْأَنْكِحَةِ عَنِ الْجُحُودِ، (فَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ) دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ - وَهُوَ الْوَلَدُ - لِئَلَّا يَجْحَدَهُ أَبُوهُ، فَيَضِيعُ نَسَبُهُ، (عَدْلَيْنِ) ; لِلْأَخْبَارِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَكْفِي مَسْتُورُ الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ فِي الْأَمْوَالِ ; لِتَعَذُّرِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ فِي الْبَاطِنِ غَالِبًا ; لِوُقُوعِ النِّكَاحِ فِي الْبَوَادِي وَبَيْنَ عَوَامِّ النَّاسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ كَغَيْرِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا تُعْرَفُ الرِّوَايَةُ عَنِ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ، (ذَكَرَيْنِ) ; لِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " ; وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِنَّ كَالْحُدُودِ. (بِالِغَيْنِ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا شَهَادَةَ لَهُ. (عَاقِلَيْنِ) ; لِأَنَّ الْمَجْنُونَ وَالطِّفْلَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، (وَإِنْ كَانَا ضَرِيرَيْنِ) ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلٍ، فَصَحَّتْ مِنَ الْأَعْمَى كَشَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَتَيَقَّنَ الصَّوْتَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَشُكُّ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُرِيَّةُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ: حُضُورُهُمَا سَوَاءٌ حَضَرَا قَصْدًا أَوِ اتِّفَاقًا، فَلَوْ حَضَرَا وَسَمِعَا الْإِجَابَةَ وَالْقَبُولَ، صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعَا الصَّدَاقَ. (وَعَنْهُ: يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ فَاسِقَيْنِ) ; لِأَنَّهُ تَحَمُّلٌ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَسَائِرِ التَّحَمُّلَاتِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ مَنْ لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِقَوْلِهِ لَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِ كَالصَّبِيِّ، فَلَوْ بَانَا بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُمَا فَاسِقَانِ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ - ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ - ; لِاشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا فَقَطْ، وَقِيلَ: لَا ; لِعَدَمِ شَرْطِهِ (وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ (وَمُرَاهِقَيْنِ عَاقِلَيْنِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ; وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَحَمُّلُهُ، فَصَحَّتْ شَهَادَتُهُ كَالْبَيْعِ.
(وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ; وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» ; وَلِأَنَّهُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ، كَنِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَانِ مُسْلِمَيْنِ أَوِ
стр. 2322
يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ أَصَمَّيْنِ وَلَا أَخْرَسَيْنِ، وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ عَدُوَّيْنِ أَوِ ابْنَيِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الزَّوْجُ وَحْدَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْعَقِدَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً) بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ بِقَبُولِ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، (وَلَا يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ أَصَمَّيْنِ) ; لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ الْعَقْدَ لِيَشْهَدَ بِهِ (وَلَا أَخْرَسَيْنِ) ; لِأَنَّ النُّطْقَ شَرْطٌ، وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ عَدُوَّيْنِ أَوِ ابْنَيِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا؛) أَوِ الْوَلِيِّ، أَوْ مُتَّهِمٍ لِرَحِمٍ مِنْ أَحَدِهِمْ (عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَنْعَقِدُ ; لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِمَا نِكَاحُ غَيْرِ هَذَا الزَّوْجِ، فَانْعَقَدَ بِهِمَا نِكَاحُهُ كَسَائِرِ الْعُدُولِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْعَدُوَّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى عَدُوِّهِ، وَكَذَا الِابْنُ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي أَهْلِ الصَّنَائِعِ الرَّذِيلَةِ، كَالْحَجَّامِ وَنَحْوِهِ (وَعَنْهُ: إِنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ) بَلْ تُسَنُّ فِيهِ كَعَقْدِ غَيْرِهِ، فَيَصِحُّ بِدُونِهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ; لِأَنَّهُ ﵇ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَلَا شُهُودٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ فِي الشَّاهِدَيْنِ فِي النِّكَاحِ خَبَرٌ، وَكَذَا قَالَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَقَضِيَّةُ الْمَوْهُوبَةِ نَفْسِهَا قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، وَالْأَحَادِيثُ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَالْجُمْهُورُ قَدْ أَطْلَقُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَيَّدَهَا الْمَجْدُ وَجَمَاعَةٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكْتُمُوهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُبْطِلُهُ التَّوَاصِي بِكِتْمَانِهِ، وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ، قَالَ: وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ: هَلْ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ هَذَا الزَّوْجِ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، أَوْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا حَاكِمٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ: إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ، قَالَ: فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِحَضْرَةِ شُهُودٍ فَلَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ: إِنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ بِغَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يُطَلِّقَهَا، أَوْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا حَاكِمٌ - مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ، قَالَ السَّامَرِّيُّ: كُلُّ ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ هَلْ هِيَ شَرْطٌ أَمْ لَا.
стр. 2323
فَصْلٌ الْخَامِسُ: كَوْنُ الْمَرْءِ كفؤا لَهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَلَوْ رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ بِغَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ، وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهِيَ أَصَحُّ، لَكِنْ إِنْ لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الشَّرْطُ الْخَامِسُ كَوْنُ الرَّجُلِ كُفْءً لَهَا]
فَصْلٌ.
(الْخَامِسُ: كَوْنُ الرَّجُلِ كفؤا لَهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) هِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَالْمَشْهُورَةُ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ ; لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرُوِيَ مُرْسَلًا، قِيلَ: هُوَ أَصَحُّ، وَقَالَ عُمَرُ: لَأَمْنَعَنَّ تَزْوِيجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ إِلَّا مِنَ الْأَكْفَاءِ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ جَابِرٌ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْكِحُ النِّسَاءَ إِلَّا الْأَكْفَاءُ» ضَعَّفَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ سَلْمَانُ لِجَرِيرٍ: إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَا نَتَقَدَّمُ فِي صَلَاتِكُمْ، وَلَا نَنْكِحُ نِسَاءَكُمْ ; لِأَنَّ اللَّهَ فَضَّلَكُمْ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَاحْتَجَّ بِهِمَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ; وَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي حَقِّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، فَإِنْ عُدِمَ حَالَ الْعَقْدِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، وَإِنْ وُجِدَتْ حَالَ الْعَقْدِ ثُمَّ عُدِمَتْ بَعْدَهُ لَمْ يَبْطُلِ النِّكَاحُ، وَلِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ كَعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ، وَقِيلَ: لَا كَوَلِيِّهَا، وَكَطَوْلِ حُرَّةٍ مَنْ نَكْحَ أَمَةً، وَفِي ثَالِثٍ: لَهُمُ الْفَسْخُ كَمَا لَوْ كَانَتْ مَعْدُومَةً قَبْلَ الْعَقْدِ، (فَلَوْ رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ بِغَيْرِهِ) أَيْ: بِغَيْرِ كُفْءٍ - (لَمْ يَصِحَّ) ; لِفَوَاتِ الشَّرْطِ ; وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَهُمْ، وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ بِبَيْعِهِ مَالَهَا بِدُونِ ثَمَنِهِ - مَعَ أَنَّ الْمَالَ أَخَفُّ مِنَ النِّكَاحِ ; لِدُخُولِ الْبَدَلِ فِيهِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْمُحَابَاةِ، وَيُحْكَمُ بِالنُّكُولِ فِيهِ - وَبِأَنَّ مَنْعَهَا تَزْوِيجَ نَفْسِهَا كَيْلَا يَضَعَهَا فِي غَيْرِ كُفْءٍ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ ; لِتَوَهُّمِ الْعَارِ فِيهِ، فَهَاهُنَا
стр. 2324
وَالْأَوْلِيَاءُ جَمِيعُهُمْ، فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ، فَلَوْ زَوَّجَ الْأَبُ بِغَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، فَلِلْإِخْوَةِ الْفَسْخُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَالْكَفَاءَةُ: الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ، فَلَا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَوْلَى ; وَلِأَنَّ لِلَّهِ فِيهِ نَظَرًا ; وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا زَوَّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ يَكُونُ فَاسِقًا.
(وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ) لِلصِّحَّةِ، بَلْ لِلِّزُومِ (وَهِيَ أَصَحُّ) اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهِيَ أَوْلَى ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَيْهِ مِنْ عُثْمَانَ وَأَبِي الْعَاصِي، وَلَا شَكَّ أَنَّ نَسَبَهُ فَوْقَ نَسَبِهِمَا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلَاهُ، وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ» ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ ابْنَةَ الْوَلِيدِ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَتَزَوَّجَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَانَتْ تَحْتَ بِلَالٍ، وَمَا رُوِيَ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُهَا (لَكِنْ إِنْ لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ جَمِيعُهُمْ، فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ) ، وَيَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا ; لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنِ ابْنِ أَخِيهِ ; لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُعَلِّمَ النِّسَاءَ أَنْ لَيْسَ لِلْآبَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَيَكُونُ الْفَسْخُ فَوْرًا، وَكَذَا وَتَرَاخِيًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ لِنَقْصٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَهِيَ حَقُّ الْأَوْلِيَاءِ وَالْمَرْأَةِ، وَلِلْأَبْعَدِ الْفَسْخُ مَعَ رِضَا الْأَقْرَبِ ; لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْعَارِ فِي الْأَشْهَرِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَلَوْ زَوَّجَ الْأَبُ بِغَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، فَلِلْأُخْوَةِ الْفَسْخُ، نَصَّ عَلَيْهِ) ; لِأَنَّ الْأَخَ وَلِيٌّ فِي حَالٍ يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ كَالْوَلِيِّ الْمُسَاوِي، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْفَسْخَ يَفْتَقِرُ إِلَى حَاكِمٍ.
فَرْعٌ: الْكَفَاءَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الرَّجُلِ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ ﵇ لَا مُكَافِئَ لَهُ، وَقَدْ
стр. 2325
وَلَا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ، وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَسَائِرُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَعَنْهُ: لَا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لِغَيْرِ قُرَشِيٍّ، وَلَا هَاشِمِيَّةٌ لِغَيْرِ هَاشِمِيٍّ، وَعَنْهُ: أَنَّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَزَوَّجَ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " احْتِمَالٌ: يُخَيَّرُ مُعْتَقٌ تَحْتَ أَمَةٍ، وَفِي " الْوَاضِحِ " احْتِمَالٌ: يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ إِذَا اسْتَغْنَى عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ بِحُرَّةٍ بَطَلَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: قَوْلُهُمْ: لَا أَصْلَ، أَيْ: لَا حَسَبَ وَلَا فَضْلَ، أَيْ: لَا مَالَ، وَهِيَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: حَقٌّ لِلْأَوْلِيَاءِ وَالْمَرْأَةِ فَقَطْ.
(وَالْكَفَاءَةُ: الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ) هَذَا إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِلَيْهَا مَيْلُ الْمُؤَلِّفِ، أَمَّا الدِّينُ ; فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ [السجدة: ١٨] ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الِاسْتِوَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْفَاسِقَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ: غَيْرُ مَأْمُونٍ، مَسْلُوبُ الْوِلَايَةِ، نَاقِصٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ خَلْقِهِ، قَلِيلُ الْحَظِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَأَمَّا الْمَنْصِبُ: فَهُوَ النَّسَبُ ; لِحَدِيثِ عُمَرَ: مَا الْأَكْفَاءُ؟ قَالَ: فِي الْحَسَبِ. رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ; وَلِأَنَّ الْعَرَبَ يَعُدُّونَ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ، وَيَأْنَفُونَ مِنْ نِكَاحِ الْمَوَالِي، وَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ وَعَارٌ (فَلَا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ، وَلَا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ) ; لِفَقْدِ الْعِفَّةِ وَالْمَنْصِبِ (وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ أَكْفَاءٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ ﵇ زَوَّجَ ابْنَتَيْهِ عُثْمَانَ وَأَبَا الْعَاصِ، وَزَوَّجَ عَلِيٌّ عُمَرَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ، وَتَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَتَزَوَّجَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ أُخْتَهَا سُكَيْنَةَ، وَتَزَوَّجَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ كُلَّهُمْ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءُ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ» إِلَّا أَنَّ خَالِدًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ، (وَسَائِرُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ) وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِي الشَّرَفِ كَالْعَرَبِ (وَعَنْهُ: لَا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لِغَيْرِ قُرَشِيٍّ، وَلَا هَاشِمِيَّةٌ لِغَيْرِ هَاشِمِيٍّ) حَكَاهَا الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّيْخَانِ ; إِذِ الْعَرَبُ فَضَلَتِ النَّاسَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقُرَيْشٌ أَخَصُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ أَخَصُّ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» وَرَدَّ الشَّيْخُ
стр. 2326
الْحَرِيَّةَ وَالصِّنَاعَةَ وَالْيَسَارَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ، فَلَا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بِعَبْدٍ، وَلَا بِنْتُ بَزَّازٍ بِحَجَّامٍ، وَلَا بِنْتُ تَانِئٍ بِحَائِكٍ، وَلَا مُوسِرَةٌ بِمُعْسِرٍ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَقِيُّ الدِّينِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمَنْصُوصُ عَنْهُ - كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي - أَنَّ قُرَيْشًا بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ أَكْفَاءٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ قَالَ: الْهَاشِمِيَّةُ لَا تَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ هَاشِمِيٍّ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَارِقٌ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ; إِذْ نَصُّهُ: تَزْوِيجُ الْهَاشِمِيَّاتِ مِنْ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِنَّ بِغَيْرِ الْهَاشِمِيِّينَ - ثَابِتٌ فِي السُّنَّةِ ثُبُوتًا لَا يَخْفَى.
(وَعَنْهُ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالصِّنَاعَةَ وَالْيَسَارَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ) أَيْ: مَعَ الدِّينِ وَالنَّسَبِ، فَتَكُونُ خَمْسَةً، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ، وَصَحَّحَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَالشِّيرَازِيُّ فِي الْيَسَارِ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ ; فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ بَرِيرَةَ حِينَ عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، وَإِذَا ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي الِاسْتِدَامَةِ فَفِي الِابْتِدَاءِ أَوْلَى ; وَلِأَنَّ الرِّقَّ نَقْصُهُ كَثِيرٌ وَضَرَرُهُ بَيِّنٌ ; فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ عَنِ امْرَأَتِهِ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، وَلَا يُنْفِقُ نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ وَلَا عَلَى وَلَدِهِ، وَأَمَّا الصِّنَاعَةُ ; فَلِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ أَشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وَقَدْ رُوِيَ: «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، قَبِيلَةٌ لِقَبِيلَةٍ، وَحَيٌّ لِحَيٍّ، وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ، إِلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ» ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " التَّمْهِيدِ "، وَذَكَرَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ لَمَّا سَأَلَهُ مُهَنَّا، وَأَمَّا الْيَسَارُ ; فَلِأَنَّ فِي عُرْفِ النَّاسِ التَّفَاضُلَ فِي ذَلِكَ ; وَلِقَوْلِهِ ﵇ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ أَخْبَرَتْهُ بِخُطَّابِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ» ; وَلِأَنَّ عَلَى الْمُوسِرَةِ ضَرَرًا فِي إِعْسَارِ زَوْجِهَا ; لِإِخْلَالِهِ بِنَفَقَتِهَا وَنَفَقَةِ وَلَدِهَا (فَلَا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بِعَبْدٍ) لِانْتِفَاءِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ، وَلَا بِمَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ مَسَّهُ أَوْ مَسَّ آبَاءَهُ الرِّقُّ، هَلْ يَكُونُ كُفْء الحُرَّةِ الْأَصْلِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ (وَلَا بِنْتُ بَزَّازٍ) بَيَّاعُ الْبَزِّ (بِحَجَّامٍ) ; لِانْتِفَاءِ الِاسْتِوَاءِ فِي الصَّنْعَةِ (وَلَا بِنْتُ تَانِئٍ) بِالْهَمْزِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الْعَقَارِ وَالْمَالِ (بِحَائِكٍ) ; لِانْتِفَاءِ الْيَسَارِ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ كَثْرَةُ الْمَالِ، فَالْعِبْرَةُ بِالْغَالِبِ (وَلَا مُوسِرَةٌ بِمُعْسِرٍ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ مُتَوَلِّيًا، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ،
стр. 2327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَلَى هَذَا بَقِيَّةُ الصَّنَائِعِ الْمُزْرِيَةِ كَالْقَيِّمِ وَالْحَمَّامِيِّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ، وَعَنْهُ: لَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصٍ لَازِمٍ كَالْمَرَضِ، وَقِيلَ: نَسَّاجٌ كَحَائِكٍ، وَوَلَدُ الزِّنَا قِيلَ: هُوَ كُفْءٌ لِذَاتِ نَسَبٍ، وَعَنْهُ: لَا كَعَرَبِيَّةٍ، زَادَ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ غَيْرَ الْمُنْتَسِبِ إِلَى الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ الْمَشْهُورِينَ لَيْسَ كُفُؤًا لِلْمُنْتَسِبِ إِلَيْهِمَا.
تَنْبِيهٌ: اخْتُلِفَ فِي الْكَفَاءَةِ، هَلْ هِيَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ أَوْ لِلُّزُومِ؛ وَأَنَّهَا هَلْ تُعْتَبَرُ فِي اثْنَيْنِ أَوْ جِهَةٍ؛ وَقَدْ سَبَقَ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَمْعٌ: كَمَا فِي الشُّرُوطِ الْخَمْسَةِ، وَقَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ ": وَمَحَلُّهُمَا فِي الدِّينِ وَالْمَنْصِبِ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ فَلَا يَبْطُلُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَجَمَعَ الْمَجْدُ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَ فِيهَا ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ، يَخْتَصُّ الْبُطْلَانُ بِالدِّينِ وَالْمَنْصِبِ.
وَقَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ ": يَخْتَصُّ الْبُطْلَانُ بِالنَّسَبِ فَقَطْ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ لِفَقْرٍ أَوْ رِقٍّ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ نَصًّا بِإِقْرَارِ النِّكَاحِ مَعَ عَدَمِ الدِّينِ وَالْمَنْصِبِ، وَنَصَّ عَلَى التَّفْرِيقِ بِالْحِيَاكَةِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ.
فَرْعٌ: يَجُوزُ لِلْعَجَمِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» هُوَ فِي الصَّدَقَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: الْمَنْعُ، وَمَنْ أَسْلَمَ كُفْءٌ لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الْجَهْمِيَّ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا الْوَاقِفِيُّ إِذَا كَانَ يُخَاصِمُ، وَقَالَ: لَا يُزَوِّجُ بِنْتَهُ مِنْ حَرُورِيٍّ وَلَا رَافِضِيٍّ وَلَا قَدَرِيٍّ، فَإِنْ كَانَ لَا يَدْعُو فَلَا بَأْسَ.
مَسْأَلَةٌ: لَا تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ بِخُلُوِّهَا عَنِ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: وَلَا الْإِشْهَادُ عَلَى إِذْنِهَا، وَقِيلَ: بَلَى، وَلَا يُزَوِّجُهَا الْعَاقِدُ نَائِبَ الْحَاكِمِ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ حَتَّى يَعْلَمَ إِذْنَهَا، وَإِنِ ادَّعَى زَوْجٌ إِذْنَهَا وَأَنْكَرَتْ، صَدَقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": تَصْدُقُ الثَّيِّبُ ; لِأَنَّهَا تُزَوَّجُ بِإِذْنِهَا ظَاهِرًا، بِخِلَافِ الْبِكْرِ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا بِلَا إِذْنِهَا، وَفِي دَعْوَى الْوَلِيِّ إِذْنُهَا كَذَلِكَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَوْلُهَا وَإِنِ ادَّعَتِ الْإِذْنَ فَأَنْكَرَ وَرَثَتُهُ، صَدَقَتْ
стр. 2328
بَابٌ
الْمُحَرَّمَاتُ فِي النِّكَاحِ وَهُنَّ ضَرْبَانِ: مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْأَبَدِ، وَهُنَّ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ ، وَهُنَّ سَبْعٌ: الْأُمَّهَاتُ: وَهُنَّ الْوَالِدَةُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَالْبَنَاتُ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، وَبَنَاتُ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلْنَ، وَالْأَخَوَاتُ مِنَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، وَبَنَاتُ الْأَخِ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ، وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، وَالْعَمَّاتُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ] [الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى الْأَبَدِ] [ الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ]
(وَهُنَّ ضَرْبَانِ: مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْأَبَدِ) أَيِ: التَّأْبِيدُ (وَهُنَّ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ) وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّسَبِ الْحَاصِلِ بِنِكَاحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ حَرَامٍ، وَسَنَذْكُرُهُ (وَهُنَّ سَبْعٌ) يَجْمَعُهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةَ (الْأُمَّهَاتُ) وَهُنَّ كُلُّ مَنِ انْتُسِبَ إِلَيْهِنَّ بِوِلَادَةٍ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ الْأُمِّ حَقِيقَةً - وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْكَ - أَوْ مَجَازًا وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ وَإِنْ عَلَتْ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَهُنَّ الْوَالِدَةُ، وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَإِنْ عَلَوْنَ) وَهُنَّ جَدَّتَاكَ أُمُّ أُمِّكَ وَأُمُّ أَبِيكَ، وَجَدَّتَا أُمِّكَ، وَجَدَّتَا أَبِيكَ، وَجَدَّتَا جَدَّتَيْكَ، وَجَدَّتَا أَجْدَادِكَ، وَارِثَاتٍ كُنَّ أَوْ غَيْرَ وَارِثَاتٍ، كُلُّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ، وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ذَكَرَ هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، وَقَالَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ، وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَبِينَا آدَمَ وَأُمِّنَا حَوَّاءَ» (وَالْبَنَاتُ مِنْ حَلَالٍ) وَهِيَ كُلُّ أُنْثَى انْتَسَبَتْ إِلَيْكَ بِوِلَادَتِكَ، كَابْنَةٍ (أَوْ حَرَامٍ) وَشَمَلَ ابْنَتَهُ مِنَ الزِّنَا ; لِقَوْلِهِ ﵇ فِي امْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: «انْظُرُوهُ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحماءَ» يَعْنِي: الزَّانِيَ، وَاسْتَدَلَّ أَحْمَدُ «بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ سَوْدَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنَ ابْنِ زَمْعَةَ ;» لِلشَّبَهِ الَّذِي رَأَى بِعُتْبَةَ، وَيَكْفِي فِي التَّحْرِيمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا بِنْتُهُ ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ النَّسَبُ لِغَيْرِهِ، قَالَهُ فِي " التَّعْلِيقِ "، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الشَّبَهَ كَافٍ ; وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ، فَحَرُمَتْ كَتَحْرِيمِ الزَّانِيَةِ عَلَى وَلَدِهَا، وَكَالْمَنْفِيَّةِ بِاللِّعَانِ، لَا يُقَالُ: لَا يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا، وَلَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ تَخَلُّفَ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يُوجِبُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ رَقِيقَةً، أَوْ مُخَالِفَةً لِدِينِهِ (وَبَنَاتُ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلْنَ) مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَةٍ ; لِصِحَّةِ تَنَاوُلِ الِاسْمِ لِلْجَمِيعِ (وَالْأَخَوَاتُ مِنَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ) أَيِ: الْأَخَوَاتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأَبِ وَمِنَ الْأُمِّ ; لِشُمُولِ الْآيَةِ لَهُنَّ (وَبَنَاتُ الْأَخِ وبنات الأخت) مِنْ
стр. 2329
وَالْخَالَاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَلَا تُحَرَّمُ بَنَاتُهُنَّ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ ، وَيَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَهُنَّ أَرْبَعٌ: أُمَّهَاتُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَيِّ جِهَةٍ كَانُوا (وَأَوْلَادُهِمْ وَإِنْ سَفَلُوا) ; لِلْآيَةِ، (وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ) فَيَدْخُلُ فِي الْعَمَّاتِ كُلُّ أُخْتٍ لِأَبٍ، وَإِنْ بَعُدَتْ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ وَمِنْ جِهَةِ أُمِّهِ، وَفِي الْخَالَاتِ كُلُّ أُخْتٍ لِأُمٍّ، وَإِنْ بَعُدَتْ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ وَمِنْ جِهَةِ أُمِّهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ جَدٍّ أَبٌ، وَكُلَّ جَدَّةٍ أُمٌّ، فَكُلُّ أُخْتٍ لَهَا عَمَّةٌ وَخَالَةٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ خَالَةُ الْعَمَّةِ لِأَبٍ، وَعَمَّةُ الْخَالَةِ لِأُمٍّ (وَلَا تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَالْأَصْلُ الْمُسَاوَاةُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَضَابِطُهُ: أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ حُرِّمَتْ حُرِّمَتِ ابْنَتُهَا إِلَّا خَمْسٌ: أُمُّ الزَّوْجَةِ وَالْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ وَحَلِيلَةُ الِابْنِ وَحَلِيلَةُ الْأَبِ، وَمَنْ حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ أُمُّهَا إِلَّا خَمْسٌ: الْبِنْتُ وَالرَّبِيبَةُ وَبِنْتُ الْأَخِ وَحَلِيلَةُ الِابْنِ وَحَلِيلَةُ الْأَبِ.
أَصْلٌ: يَحْرُمُ زَوْجَاتُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَطْ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ مَنْ فَارَقَهَا، وَهُنَّ أَزْوَاجُهُ دُنْيَا وَأُخْرَى.
[الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ]
(الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ، وَيَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وَالْبَقِيَّةُ بِالْقِيَاسِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ وَالْمُؤَلِّفِ ; وَلِقَوْلِهِ ﵇: «يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: نِكَاحُ ابْنِ الرَّجُلِ مِنْ لَبَنِهِ بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ ابْنِهِ مِنْ صُلْبِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَمْ يَقُلِ الشَّارِعُ مَا يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ، فَأُمُّ امْرَأَتِهِ بِرَضَاعٍ، وَامْرَأَةُ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ الَّتِي لَمْ تُرْضِعْهُ، وَبَنَتُ امْرَأَتِهِ بِلَبَنِ غَيْرِهِ، حُرِّمْنَ بِالْمُصَاهَرَةِ لَا بِالنَّسَبِ، وَلَا نَسَبَ وَلَا مُصَاهَرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ، فَلَا تَحْرِيمَ، وَقَدِ اسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِلَّا أُمَّ أُخْتِهِ وَأُخْتَ ابْنِهِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَحْرُمَانِ، وَالصَّوَابُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ عَدَمُ اسْتِثْنَائِهِمَا ; لِأَنَّ أُمَّ أُخْتِهِ إِنَّمَا حَرُمَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; لِكَوْنِهَا زَوْجَةَ أَبِيهِ، وَهُوَ تَحْرِيمٌ بِالْمُصَاهَرَةِ لَا تَحْرِيمَ نَسَبٍ، وَأُخْتَ ابْنِهِ ; لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ.
فَرْعٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّضَاعِ وَالْمَحْظُورِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " بِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ.
стр. 2330
نِسَائِهِ، وَحَلَائِلُ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ دُونَ بَنَاتِهِنَّ، وَالرَّبَائِبُ وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ دُونَ اللَّاتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، فَإِنْ مِتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ]
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَهُنَّ أَرْبَعٌ: أُمَّهَاتُ نِسَائِهِ) أَيْ: إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، حُرُمَ عَلَيْهِ كُلُّ أُمٍّ لَهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً - بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِابْنَتِهَا، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَهُوَ عَامٌّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَبِيبَتَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو حَفْصٍ، (وَحَلَائِلُ آبَائِهِ) سُمِّيَتِ امْرَأَةُ الرَّجُلِ: حَلِيلَةٌ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ إِزَارِ زَوْجِهَا، وَهِيَ مُحَلَّلَةٌ لَهُ أَيْ: فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَةُ أَبِيهِ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَقَالَ الْبَرَاءُ: «لَقِيتُ خَالِي وَمَعَهُ الرَّايَةُ قَالَ: أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا امْرَأَةُ أَبِيهِ أَوِ امْرَأَةُ جَدِّهِ لِأَبِيهِ، وَجَدِّهُ لِأُمِّهِ - قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ وَطِئَهَا بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَةٍ (وَأَبْنَائِهِ) أَيْ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجُ بِامْرَأَةِ ابْنِهِ وَابْنِ بِنْتِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ) ; لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ كَانَ نِكَاحُ الْأَبِ الْكَافِرِ فَاسِدًا، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِجْمَاعًا، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ الْمُفِيدِ لِلْحِلِّ وَالْفَاسِدِ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " ; لِأَنَّ حُكْمَهُ كَالصَّحِيحِ إِلَّا الْحِلَّ وَالْإِحْلَالَ وَالْإِحْصَانَ وَالْإِرْثَ، وَتُنْصَفُ الصَّدَاقُ قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " التَّعْلِيقِ " خِلَافُهُ (دُونَ بَنَاتِهِنَّ) أَيْ: يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ رَبِيبَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (وَالرَّبَائِبُ: وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (دُونَ اللَّاتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ) ; لِأَنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْحِجْرِ خَرَجَ مَخْرَجَ
стр. 2331
فَهَلْ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ بَاشَرَ امْرَأَةً، أَوْ نَظَرَ إِلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْغَالِبِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا مَفْهُومَ لَهُ اتِّفَاقًا، وَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً، وَارِثَةً أَوْ غَيْرَ وَارِثَةٍ، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، فَإِذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَا، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ - وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - أَنَّهُ يُرَخِّصُ فِيهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ (فَإِنْ مِتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ) أَوْ مَاتَتْ (فَهَلْ تَحْرَمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَكَالطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ، لَا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخُولِ فِي الْإِحْلَالِ وَالْإِحْصَانِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ قِيَاسًا عَلَى تَكْمِيلِ الْعِدَّةِ وَالصَّدَاقِ.
(وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ) اتِّفَاقًا (وَالْحَرَامِ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَفِيهَا دَلَالَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى الْوَطْءِ دُونَ الْعَقْدِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٢٢] وَهَذَا التَّغْلِيظُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَطْءِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ; وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورِ، كَوَطْءِ الْحَائِضِ ; وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يُفْسِدُهُ الْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ، وَأَفْسَدَهُ الْوَطْءُ الْحَرَامُ كَالْإِحْرَامِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الْمُغْنِي "، و" التَّرْغِيبِ ": وَلَوْ بِوَطْءِ دُبُرٍ، وَقِيلَ: لَا، وَنَقَلَ بِشْرُ بْنُ مُوسَى: لَا يُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْحَلَالَ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْحَرَامُ مُبَايِنٌ لِلْحَلَالِ (فَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً) لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ كَالرَّضَاعِ، وَالثَّانِي - وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ -: لَا يَنْشُرُهَا ; لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْوَطْءِ، وَذَلِكَ يُبْطِلُهَا، وَفِي الْمَذْهَبِ: هُوَ كَنِكَاحٍ، فِيهِ شُبْهَةٌ وَجْهَانِ.
стр. 2332
فَرْجِهَا، أَوْ خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ، حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمُّ الْآخَرِ وَابْنَتُهُ، وَعَنْ أَبِي الْخَطَّابِ: هُوَ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ بَاشَرَ امْرَأَةً أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا) أَوْ قَبَّلَهَا (أَوْ خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: إِذَا بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا يَنْشُرُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِشَهْوَةٍ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عُمَرَ، كَالْوَطْءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَطْءِ وَغَيْرِهِ ظَاهِرٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرَجِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَنَّهُ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا لِشَهْوَةٍ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَنْشُرُهَا كَالنَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَنْشُرُهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَنْشُرُهَا اللَّمْسُ، رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ وَإِلَى بَقِيَّةِ الْبَدَنِ، ذَكَرَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ، وَنَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ وَابْنُ هَانِئٍ، مِنْهَا أَوْ مِنْهُ إِذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ ; فَإِنَّ غَيْرَ الْفَرْجِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ لَمْ يَنْشُرْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ، وَهَذَا فِيمَنْ بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ فَمَا زَادَ، وَعَنْهُ: سَبْعٌ إِذَا أَصَابَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا.
الثَّالِثَةُ: إِذَا خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ قَبْلَ الْوَطْءِ، فَرِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا - وَهِيَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْمُؤَلِّفِ -: لَا يَنْشُرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّظَرَ كِنَايَةٌ عَنِ الدُّخُولِ. وَالثَّانِيَةُ: بَلَى ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَطْلَقَ الدُّخُولَ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْخَلْوَةِ، وَالْعُرْفُ عَلَى ذَلِكَ، يُقَالُ: دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ، إِذَا كَانَ بَنَى بِهَا وَإِنْ لَمْ يَطَأْ، وَأَمَّا إِذَا فَعَلَتْ هِيَ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرَهُ (وَإِنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ، حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمُّ الْآخَرِ وَابْنَتُهُ) أَيْ: يَحْرُمُ بِوَطْءِ الْغُلَامِ مَا يَحْرُمُ بِوَطْءِ الْمَرْأَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ، فَيَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إِلَى مَنْ ذُكِرَ كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ (وَعَنْد أَبِي الْخَطَّابِ: هُوَ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ) فَيَكُونُ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لشَهْوَةً ; لِكَوْنِهِ وَطَئا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (وَهُوَ الصَّحِيحُ) عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى تَحْرِيمٍ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى النِّسَاءِ ; لِأَنَّ وَطْأَهَا سَبَبٌ لِلْبُغْضَةِ، وَيُوجِبُ
стр. 2333
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْمُلَاعَنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ إِلَّا أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فصل: الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمدٍ ، وَهُنَّ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمُحَرَّمَاتُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ ، فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، فَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَهْرَ، وَيَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، وَتَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ فِرَاشًا، قَالَ ابْنُ الْبَنَّا وَابْنُ عَقِيلٍ: وَكَذَا دَوَاعِيهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ.
[الْمُلَاعَنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ]
(الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْمُلَاعَنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ) إِذَا لَمْ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ ; لِقَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، رَوَاهُ الْجُوزْجَانِيُّ، وَنَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (إِلَّا أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تَحْرُمُ ; لِظَاهِرِ الْخَبَرِ ; وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ قَبْلَ الْجَلْدِ وَالتَّكْذِيبِ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِالتَّكْذِيبِ كَالرَّضَاعِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَحِلُّ، نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ أَنَّهَا الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَكْذَبَ صَارَتْ شُبْهَتُهُ بِحَالِهَا قَبْلَ الْمُلَاعَنَةِ، وَهِيَ حِينَئِذٍ حَلَالٌ، وَعَنْهُ: بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُفَرِّقِ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، أَمَّا إِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَا وَجْهَ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِاللِّعَانِ، وَإِنْ قِيلَ: لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِفُرْقَةِ الْحَاكِمِ، فَلَا تَحْرُمُ حَتَّى يَقُولَ: حَلَّتْ لَهُ، وَظَاهِرُهُ إِذَا كَانَ اللِّعَانُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَلَا حَدَّ، قَوْلًا وَاحِدًا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا وَطِئَ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوِ ابْنَتَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ ; لِأَنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُحَرِّمُهَا، أَشْبَهَ الرَّضَاعَ.
[الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ]
[الْمُحَرَّمَاتُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ]
فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ) أَيْ: غَايَةٍ (وَهُنَّ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمُحَرَّمَاتُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، حُرَّتَيْنِ أَوْ أَمَتَيْنِ، أَوْ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ مِنْ أَبَوَيْنِ، أَوْ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ، قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 2334
تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ، أَوْ تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا فِي عِدَّةِ الْأُخْرَى سَوَاءٌ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً - فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَى أُخْتَ امْرَأَتِهِ، أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] (وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ مِثْلَهُ، وَفِي " التَّمْهِيدِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَإِفْضَاؤُهُ إِلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَيَحْصُلُ تَخْصِيصُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَضَابِطُهُ: كُلُّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى حَرُمَ نِكَاحُهُ، وَلِهَذَا حَرُمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا ; لِأَنَّ الْأَخَ لَا يُبَاحُ لَهُ بِنْتُ أُخْتِهِ، وَابْنُ الْأُخْتِ لَا تُبَاحُ لَهُ خَالَتُهُ، وَأُبِيحَ الْجَمْعُ بَيْنَ بِنْتَيْ عَمَّيْنِ وَبِنْتَيْ خَالَيْنِ، وَبِنْتَيْ عَمَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ خَالَتَيْنِ ; لِأَنَّ ابْنَ الْعَمِّ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ عَمِّهِ، وَابْنُ الْخَالِ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ خَالَتِهِ، وَهَلْ يُكْرَهُ لِأَجْلِ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ إِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً أَوْ لَا يُكْرَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ عَمَّةٍ وَخَالَةٍ، بِأَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً وَابْنُهُ أُمُّهَا، فَوُلِدَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِنْتٌ، وَبَيْنَ عَمَّتَيْنِ بِأَنْ يَنْكِحَ أُمَّ رَجُلٍ وَالْآخَرُ أُمَّهُ، فَيُولَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِنْتٌ، وَبَيْنَ خَالَتَيْنِ بِأَنْ يَنْكِحَ كُلٌّ مِنْهُمَا ابْنَةَ الْآخَرِ لَا بَيْنَ أُخْتِ رَجُلٍ مِنْ أَبِيهِ وَبَيْنَ أُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ، وَلَا بَيْنَ مَنْ كَانَتْ زَوْجَةَ رَجُلٍ، وَبِنْتُهُ مِنْ غَيْرِهَا (فَإِنَّ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ) وَاحِدٍ أَوْ عَقْدَيْنِ مَعًا (لَمْ يَصِحَّ) ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، (وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ، أَوْ تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا فِي عِدَّةِ الْأُخْرَى سَوَاءٌ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً، فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ) ; لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ، فَاخْتَصَّ الْبُطْلَانُ بِهِ، لَكِنْ إِنْ جُهِلَ السَّابِقُ فُسِخَ النِّكَاحَانِ، وَعَنْهُ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ نِصْفُ
стр. 2335
عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا - صَحَّ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ، وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَإِنِ اشْتَرَاهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، صَحَّ، فَإِنْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ الْأُولَى بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْوِيجٍ، وَيَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ، فَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَهْرِ، وَيَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةَ: لَا ; لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
فَرْعٌ: إِذَا تَزَوَّجَ أُمًّا وَبِنْتًا فِي عَقْدٍ، صَحَّ فِي حَقِّ الْبِنْتِ فَقَطْ، وَقِيلَ: يَفْسُدُ فِي حَقِّهِمَا كَالْأُخْتَيْنِ، وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأُمَّ تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، فَاخْتَصَّتْ بِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ، يَخْتَارُ إِحْدَاهُمَا، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ إِحْدَاهُمَا بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ (وَإِنِ اشْتَرَى أُخْتَ امْرَأَتِهِ أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا، صَحَّ) ; لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَلِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ شِرَاءُ الْمَجُوسِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ الشِّرَاءِ (وَلَمْ يَحِلَّ له وَطْؤُهَا حَتَّى يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) ; لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا فِي الْفِرَاشِ وَجَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (وَإِنِ اشْتَرَاهُنَّ) أَوْ مَلَكَهُنَّ (فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، صَحَّ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُرَادُ لِغَيْرِ الْوَطْءِ بِخِلَافِ الْعَقْدِ، وَإِذَا جَازَ شِرَاءُ وَاحِدَةٍ عَلَى الْأُخْرَى، فَمَعًا أَوْلَى (فَإِنْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا) جَازَ ; لِأَنَّ الْأُخْرَى لَمْ تَصِرْ فِرَاشًا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: لَا يَقْرُبُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ و (لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ الْأُولَى بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ) وَلَوْ بِبَيْعٍ لِلْحَاجَةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ رَجَبٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (أَوْ تَزْوِيجٍ) بَعْدَ اسْتِبْرَاءٍ (وَيَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ) وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ; لِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَرُمَ وَطْؤُهَا تَحِلُّ لَهُ إِذَا أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ تَزْوِيجٍ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ قَدْ زَالَ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَتِ الْأُولَى صَغِيرَةً، وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَشَرَطَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ: (وَيَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ) ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ; لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، فَهُوَ كَنِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا، لَا يُقَالُ: هَذَا الشَّرْطُ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، إِذْ شَرْطُ الْإِبَاحَةِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ غَيْرُ حَامِلٍ ; لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ يَجُوزُ عَلَى رِوَايَةٍ، وَعَلَى الْمَنْعِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَضَرَّرَ بِالْعِتْقِ، وَلَكِنْ مِنْ صُوَرِ الْإِخْرَاجِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ، وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِتَحْرِيمِهَا بِكِتَابَةٍ وَرَهْنٍ وَبَيْعٍ بِشَرْطِ خِيَارٍ وَجْهَانِ، وَلَا
стр. 2336
عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ، لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى، وَعَنْهُ: لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ، وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا، لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ لَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَكْفِي مُجَرَّدُ تَحْرِيمِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ -: أَحَلَّتْهَا آيَةٌ، وَحَرَّمَتْهَا أُخْرَى، يُرِيدُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] (فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى) فِي ظَاهِرِ نُصُوصِهِ ; لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ فِرَاشًا، وَقَدْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ الَّتِي كَانَتْ فِرَاشًا، فَحَرُمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِكَوْنِ الْأُخْرَى فِرَاشًا، كَمَا لَوِ انْفَرَدَتْ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي ": إِنْ عَادَتْ قَبْلَ وَطْءِ أُخْتِهَا فَهِيَ الْمُبَاحَةُ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": بَلْ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، وَأَنَّهَا إِنْ عَادَتْ بَعْدَ وَطْءِ أُخْتِهَا فَأُخْتُهَا الْمُبَاحَةُ، وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: هَذَا إِذَا لَمْ يَجِبِ اسْتِبْرَاءٌ، فَإِنْ وَجَبَ لَمْ يَلْزَمْهُ تَرْكُ أُخْتِهَا، وَهُوَ حَسَنٌ، فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ لَزِمَهُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُمَا حَتَّى تَحْرُمَ إِحْدَاهُمَا، وَأَبَاحَ الْقَاضِي وَطْءَ الْأُولَى بَعْدَ اسْتِبْرَاءِ الثَّانِيَةِ (وَعَنْهُ: لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ) حَكَاهَا الْقَاضِي وَالشَّيْخَانِ مُعْتَمِدِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ تَقُولُ: إِنَّهُ حَرَامٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ، وَامْتَنَعَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ إِثْبَاتِ ذَلِكَ رِوَايَةً، وَهَذَا أَدَبٌ فِي الْفَتْوَى، كَثِيرًا مَا يَسْتَعْمِلُهُ السَّلَفُ، لَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ التَّحْرِيمِ، يَقُولُونَ: يُنْهَى عَنْهُ.
فَرْعٌ: لَوْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ مُسْلِمَةً وَمَجُوسِيَّةً، فَلَهُ وَطْءُ الْمُسْلِمَةِ، ذَكَرَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ ".
(وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ) أَوْ أَعْتَقَ سُرِّيَّتَهُ (ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا، لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، قَالَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ النِّكَاحَ تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ فِرَاشًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَرِدَ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ كَالْوَطْءِ (وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ، فَجَازَ أَنْ يَرِدَ عَلَى وَطْءِ الْأُخْتِ، وَلَا يُبِيحُ كَالشِّرَاءِ (وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَحْرُمَ الْمَوْطُوءَةُ) ; لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنَ النِّكَاحِ ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَوْ سُلِّمَ تَسَاوِيهِمَا، فَسَبَقَ مِلْكُ الْيَمِينَ مُعَارِضَهُ، وَعَنْهُ: تَحْرِيمُهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ إِحْدَاهُمَا، وَكَذَا
стр. 2337
يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ تَحْرِيمِ سُرِّيَّتِهِ ثُمَّ رَجَعَتِ السُّرِّيَّةُ إِلَيْهِ، لَكِنَّ النِّكَاحَ بِحَالِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ سُرِّيَّتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا فِي مُدَّةِ اسْتِبْرَائِهَا فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ رِوَايَتَانِ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ سِوَاهَا فِي الْأَصَحِّ (فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى) ; لِأَنَّ الْأُولَى عَادَتْ إِلَى الْفِرَاشِ، فَاجْتَمَعَا فِيهِ، فَلَمْ تُبَحْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا قَبْلَ إِخْرَاجِ الْأُخْرَى عَنِ الْفِرَاشِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وَطِئَ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَجُزْ فِي الْعِدَّةِ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهَا وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَفِي وَطْءِ أَرْبَعٍ غَيْرَهَا أَوِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ وَجْهَانِ، وَمَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ حَرُمَ نِكَاحُهَا فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: إِنْ لَزِمَتْهَا عِدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ حَرُمَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهِيَ أَشْهَرُ، وَعَنْهُ: إِنْ نَكَحَ مُعْتَدَّةً مِنْ زَوْجٍ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءٍ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ أَبَاحَ تِسْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ ; وَلِأَنَّهُ ﵇ مَاتَ عَنْ تِسْعٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ «﵇ قَالَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَأَمَرَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حِينَ أَسْلَمَ عَلَى خَمْسٍ أَنْ يُفَارِقَ وَاحِدَةً مِنْهَن، رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ. فَإِذَا مُنِعَ مِنَ الِاسْتِدَامَةِ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعٍ فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى، وَالْوَاوُ أُرِيدَ بِهَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١] الْآيَةَ، لَيْسَ لِكُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ، ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى جَوَازُ التَّزْوِيجِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، وَفِي شَرِيعَةِ عِيسَى لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ ; لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ، فَرَاعَتْ شَرِيعَتُنَا مَصْلَحَةَ النَّوْعَيْنِ (وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ) إِجْمَاعًا،
стр. 2338
لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي: مُحَرَّمَاتٌ لِعَارِضٍ يَزُولُ ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ زَوْجَةِ غَيْرِهِ، وَالْمُعْتَدَّةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَسَنَدُهُ أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ إِلَّا اثْنَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبِهِ يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الْآيَةِ، أَوْ يُقَالُ: الْآيَةُ إِنَّمَا تَنَاوَلَتِ الْحُرَّ ; لِأَنَّ فِيهَا ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ، وَلَوْ مَلَكَ فَنَفْسُ مِلْكِهِ لَا يُبِيحُ التَّسَرِّي.
فَرْعٌ: مَنْ عُتِقَ نِصْفُهُ أَوْ أَكْثَرُ، لَهُ جَمْعُ ثَلَاثٍ، نَصَّ عَلَيْهِ كَالْحَدِّ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ سِوَى اثْنَتَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا قَدْ ثَبَتَا لَهُ وَهُوَ عَبْدٌ، فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَلَمْ يُوجَدْ (وَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ) أَيْ: نِهَايَةُ عَدَدِهِ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) أَمَّا إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بَائِنًا أَوْ فَسْخًا، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ بَاقِيَةٌ، فَيَمْتَنِعَانِ مِنْهُ كَالرَّجْعِيِّ بِخِلَافِ مَوْتِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَكَذَّبَتْهُ، فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَبَدَلِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا تَسْقُطُ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَنَسَبُ الْوَلَدِ، بَلِ الرَّجْعَةُ.
فَرْعٌ: يَجُوزُ نِكَاحُ أَمَتِهِ فِي عِدَّةِ حُرَّةٍ، إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَكَانَ خَائِفًا لِلْعَنَتِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ; لِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ.
تَذْنِيبٌ: فِي " الْفُنُونِ " قَالَ فَقِيهٌ: شَهْوَةُ الْمَرْأَةِ فَوْقَ شَهْوَةِ الرَّجُلِ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ. فَقَالَ حَنْبَلِيٌّ: لَوْ كَانَ هَذَا مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَرْبَعٍ، وَيَنْكِحَ مَا شَاءَ مِنَ الْإِمَاءِ، وَلَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَجُلٍ، وَلَهَا مِنَ الْقَسْمِ الرُّبُعُ، وَحَاشَا حِكْمَتُهُ أَنْ تُضَيِّقَ عَلَى الْأَحْوَجِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ -: فُضِّلَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ جُزْءًا مِنَ اللَّذَّةِ - أَوْ قَالَ -: مِنَ الشَّهْوَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى عَلَيْهِنَّ الْحَيَاءَ، وَقَوَّي فِي " إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " أَنَّ الرَّجُلَ أَشَدُّ شَهْوَةً مِنَ الْمَرْأَةِ، وَأَنَّ حَرَارَتَهُ أَقْوَى مِنْ حَرَارَةِ الْمَرْأَةِ، وَالشَّهْوَةُ تَتْبَعُهَا الْحَرَارَةُ ; بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا جَامَعَ امْرَأَةً أَمْكَنَهُ مُجَامَعَةَ غَيْرِهَا فِي الْحَالِ.
[مُحَرَّمَاتٌ لِعَارِضٍ يَزُولُ]
فَصْلٌ (النَّوْعُ الثَّانِي: مُحَرَّمَاتٌ لِعَارِضٍ يَزُولُ) ; لِأَنَّ زَوْجَةَ غَيْرِهِ إِنَّمَا حُرِّمَتْ لِأَجْلِ ذَلِكَ
стр. 2339
مِنْهُ، وَالْمُسْتَبْرِئَةُ مِنْهُ، وَتَحْرُمُ الزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا حَتَّى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْغَيْرِ (فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ زَوْجَةِ غَيْرِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَالْمُعْتَدَّةُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ غَيْرِهِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] (وَالْمُسْتَبْرِئَةُ مِنْهُ) ; لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ غَيْرِهِ ; وَلِأَنَّ إِبَاحَةَ نِكَاحِهَا يُفْضِي إِلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَهُوَ مَحْذُورٌ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ.
(وَتَحْرُمُ الزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) نَصَّ عَلَيْهِمَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] ; وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَحَرُمَتْ كَالْمُعْتَدَّةِ، وَيُشْتَرَطُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ، أَمَّا عَلَى الزَّانِي، فَلِأَنَّ وَلَدَهَا لَا يَلْحَقُ بِهِ، فَيُفْضِي نِكَاحُهُ بِهَا إِلَى اشْتِبَاهِ مَنْ لَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِأَحَدٍ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِهِ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهِ ; فَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ إِذَا حَمَلَتْ مِنَ الزِّنَا فَلَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ ; لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ; وَلِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْحَوَامِلِ، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ نِكَاحُهَا كَمَا لَوْ لَمْ تَحْمِلْ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ، وَيَحْرُمُ النِّكَاحُ فِيهَا ; لِاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَتُشْتَرَطُ التَّوْبَةُ مِنْهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] وَهِيَ قَبْلَ التَّوْبَةِ فِي حُكْمِ الزِّنَا، فَإِذَا تَابَتْ زَالَ ذَلِكَ، وَتَوْبَتُهَا كَغَيْرِهَا، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَنَصُّهُ: الِامْتِنَاعُ مِنَ الزِّنَا بَعْدَ الدَّعَايَةِ إِلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَظَاهِرُهُ: لَا تُشْتَرَطُ التَّوْبَةُ مِنَ الزَّانِي، وَعَنْهُ: بَلَى إِنْ نَكَحَهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا إِذَا تَابَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، حَلَّتْ لِلزَّانِي وَغَيْرِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
فَائِدَةٌ: إِذَا زَنَتِ امْرَأَةُ رَجُلٍ، أَوْ زَنَى زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ - لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَعَنْ جَابِرٍ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ، وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ، وَلَنَا أَنَّ دَعْوَاهُ الزِّنَا عَلَيْهَا لَا يُبَيِّنُهَا، وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ يَنْفَسِخُ بِهِ لَانْفَسَخَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ كَالرَّضَاعِ ; وَلِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ أَشْبَهَتِ السَّرِقَةَ، وَلَكِنِ اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ مُفَارَقَتَهَا إِذَا زَنَتْ، وَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُمْسِكَ مِثْلَ هَذِهِ، وَلَا يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَالْأَوْلَى بِحَيْضَةٍ (وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا
стр. 2340
تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَالْمُحرِمَةُ حَتَّى تَحِلَّ.
وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ، وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ إِلَّا حَرَائِرَ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا غَيْرَ كِتَابِيٍّ، أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: الْوَطْءُ، فَدَلَّ أَنَّهَا إِذَا نَكَحَتْ غَيْرَهُ حَلَّتْ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ غَايَةً لِتَحْرِيمِهَا، وَحِلُّهَا مَوْقُوفٌ عَلَى طَلَاقِ الثَّانِي وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهِ (وَالْمُحَرَّمَةُ حَتَّى تَحِلَّ) ; لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا تَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ; وَلِأَنَّهُ عَارِضٌ مَنَعَ الطِّيبَ، فَمَنَعَ النِّكَاحَ كَالْمُعْتَدَّةِ.
[لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ]
(وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ وَكِيلًا (وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ عَبْدًا، وصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَلَا نِكَاحُ مُرْتَدَّةٍ وَإِنْ تَدَيَّنَتْ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهَا لَا تُقَرُّ عَلَى دِينِهَا، وَلَا مَجُوسِيَّةٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا كِتَابٌ (إِلَّا حَرَائِرَ أَهْلِ الْكِتَابِ) فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] ; وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: مَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إِبَاحَتِهِنَّ لِشِرْكِهِنَّ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: آيَةُ الْمَائِدَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُمَا ; لِأَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ لَا يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وَنَصَّ عَلَى الْحَرَائِرِ ; لِأَنَّ الْإِمَاءَ يَأْتِي حُكْمُهُنَّ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَكَرِهَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، كَقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ كَذَبَائِحِهِمْ بِلَا حَاجَةٍ، وَشَمَلَ الْحَرْبِيَّاتِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ " ; لِدُخُولِهِنَّ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ; حَمْلًا لِآيَةِ الْمَنْعِ عَلَى ذَلِكَ، وَآيَةُ الْجَوَازِ عَلَى غَيْرِ الْحَرْبِيَّاتِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ، وَإِنِ اضْطُرَّ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَعَ الضَّرُورَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ،
стр. 2341
كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَلْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَلَّلَ الْإِمَامُ الْمَنْعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَجْلِ الْوَلَدِ ; لِئَلَّا يُسْتَعْبَدَ وَيَصِيرَ عَلَى دِينِهِمْ، وَمُقْتَضَاهُ: لَا يَتَزَوَّجُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ إِنْ كَانَتْ مُغَيَّبَةً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ آيِسَةً وَصَغِيرَةً.
تَنْبِيهٌ: أَهْلُ الْكِتَابِ هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ، كَالسَّامِرَةِ، وَالْفِرِنْجِ، وَالْأَرْمَنِ، وَأَمَّا الصَّابِئَةُ فَقَالَ أَحْمَدُ: هُمْ مِنْ جِنْسِ النَّصَارَى، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ، فَأَلْحَقَهُمْ بِالْيَهُودِ وَفِي " الْمُغْنِي ": الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ وَافَقَ الْيَهُودَ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ وَخَالَفَهُمْ فِي فُرُوعِهِ - فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ، فَلَا، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ كَالْمُتَمَسِّكِ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ، وَشِيثَ، وَزَبُورِ دَاوُدَ، فَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ عَلَى الصَّحِيحِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، فَلَا تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٥٦] الْآيَةَ، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا غَيْرَ كِتَابِيٍّ، أَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَلْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ، الْأُولَى: قَطَعَ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " - أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ نِكَاحُهَا ; لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَمَنْ لَا يَحِلُّ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى ; لِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ، فَتَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَحَكَى ابْنُ رَزِينٍ ثَالِثَةً: أَنَّهَا تَحِلُّ إِذَا كَانَ أَبُوهَا كِتَابِيًّا ; لِأَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا خَطَأٌ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالدِّينِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقِ الْحُكْمَ بِالنَّسَبِ الْبَتَّةَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " رَدًّا عَلَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ تَحْرِيمَ النِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ تَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ دُونَ النَّسَبِ، وَالدِّينُ الْمُحَرَّمُ مَوْجُودٌ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ دُونَ النَّسَبِ، وَظَاهِرُهُ إِذَا كَانَ أبواه غير كِتَابِيَّيْنِ، فَالتَّحْرِيمُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقِيلَ عَنْهُ: لَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ اعْتِبَارًا بِنَفْسِهِ (وَأَمَّا الثَّانِيَةُ) فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَحِلُّ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْأَثْرَمُ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ كَرِهَهُ إِلَّا عَلِيًّا ; وَلِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ فَتَشْمَلُهَا الْآيَةُ ; وَلِأَنَّ بَنِي تَغْلِبَ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِبَذْلِ الْمَالِ، فَتَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ كَأَهْلِ الْكِتَابِ.
стр. 2342
نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ، وَلَا يَجِدُ طَوْلًا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ وَلَا ثَمَنَ أَمَةٍ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ، ثُمَّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِيَةُ: لَا، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ; وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُن دَخَلْنَ فِي دِينِ الْكُفْرِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَقِيلَ: هُمَا فِي بَقِيَّةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنَ الْعَرَبِ، فَإِنْ شَكَّ فِيهِ فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُمَا يَحْرُمَانِ.
فَرْعٌ: لَا يَنْكِحُ مَجُوسِيٌّ كِتَابِيَّةً، وَقِيلَ: وَلَا كِتَابِيٌّ مَجُوسِيَّةً.
[لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ]
(وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ) رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ عِشْرِينَ نَفْسًا، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] ; وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهَا نَقْصُ الرِّقِّ وَالْكُفْرِ، أَشْبَهَتِ الْمَجُوسِيَّةَ، فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهَا الْكُفْرُ وَعَدَمُ الْكِتَابِ ; وَحِذَارًا مِنِ اسْتِرْقَاقِ الْوَلَدِ (وَعَنْهُ: يَجُوزُ) ; لِأَنَّهَا تَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَتَحِلُّ بِالنِّكَاحِ كَالْمُسْلِمَةِ، فَعَلَى هَذَا تَحِلُّ لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا وَلِلْحُرِّ بِشَرْطِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ أَنْ تَلِدَ أَوَّ لًا، وَلَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِمُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " (وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ، وَلَا يَجِدُ طَوْلًا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ) أَيْ: لَيْسَ لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً مُسْلِمَةً إِلَّا بِوُجُودِ شَرْطَيْنِ: عَدَمُ الطَّوْلِ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: ٢٥] فَشَرَطَهُمَا تَعَالَى لِنِكَاحِ الْأَمَةِ، وَالْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَكَمَا إِذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وَالْقَيْدُ الْأَوَّلُ يُحْتَرَزُ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ، فَإِنَّ لَهُ نِكَاحَهَا شَرْطٌ لِتَسَاوِيهِمَا.
وَالثَّانِي: يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الْكَافِرِ، وَقَيَّدَ الْأَمَةَ بِكَوْنِهَا مُسْلِمَةً ; احْتِرَازًا مِنَ الْكَافِرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا وَلَا مَعَ الشَّرْطَيْنِ، وَالْعَنَتُ فَسَّرَهُ الْقَاضِيَانِ أَبُو يَعْلَى، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ: بِالزِّنَا، وَفَسَّرَهُ الْمَجْدُ: لِحَاجَةِ الْمُتْعَةِ، أَوِ الْخِدْمَةِ لِكِبَرٍ أَوْ سَقَمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ حَمْدَانَ قَوْلًا، وَالطَّوْلُ، قَالَ أَحْمَدُ - تَبَعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ -: السَّعَةُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَجِدُ صَدَاقَ حُرَّةٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَزَادَ عَلَيْهِ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا نَفَقَتَهَا، وَزَادَ
стр. 2343
أَيْسَرَ، أَوْ نَكَحَ حُرَّةً، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، فَلَمْ تَعُفَّهُ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ أُخْرَى، فَهَلْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ أُخْرَى؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ (وَلَا ثَمَنَ أَمَةٍ) ; لِأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ خَائِفٍ الْعَنَتَ ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى صِيَانَةِ وَلَدِهِ مِنَ الرِّقِّ، فَهُوَ كَالْقَادِرِ عَلَى نِكَاحِ مُؤْمِنَةٍ، وَإِنْ شَرَطَ حُرِّيَّةَ الْوَلَدِ صَارَ حُرًّا، ذَكَرَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " وَفِي " إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ وَوَجَدَ طَوْلًا لِحُرَّةٍ كِتَابِيَّةٍ - أَنَّ لَهُ نِكَاحَ الْأَمَةِ، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " ; لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَصَرَّحَ الْأَكْثَرُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ وَجَدَ طَوْلًا لِحُرَّةٍ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَنْ يَأْمَنُ الْعَنَتَ، فَيَفُوتُ الشَّرْطُ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَقَدْ دَخَلَ فِي كَلَامِهِ الْمَجْبُوبُ وَنَحْوُهُ، لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ بِشَرْطِهِ، وَأَنَّ لَهُ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْوَلُودِ، وَإِنْ وَجَدَ آيِسَةً، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا وَعَدَمِ جَوَازِ نِكَاحِهَا مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِدُ لِصِغَرٍ أَوْ رَتْقٍ وَنَحْوِهِمَا، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ الِاقْتِرَاضُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلَا التَّزَوُّجُ بِصَدَاقٍ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا ; دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ الصَّدَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، نَعَمْ، لَوْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ فَاحْتِمَالَانِ لِلْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " فَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ لَزِمَهُ لِلِاسْتِطَاعَةِ، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَلَا يُرَدُّ الْيَتِيمُ عَلَى وَجْهٍ ; لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ لِلضَّرُورَةِ وَفِي " التَّرْغِيبِ ": مَا لَمْ يَعُدْ سَرَفًا، وَحُرَّةٌ لَا تُوطَأُ لِصِغَرٍ أَوْ غَيْبَةٍ كَعَدَمٍ، فِي الْمَنْصُوصِ، وَكَذَا مَرِيضَةٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَفِيهِ مَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ أَوْلَى مِنْ أَمَةٍ ; لِأَنَّ إِرْقَاقَ بَعْضِ الْوَلَدِ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِهِ.
فَرْعٌ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي خَشْيَةِ الْعَنَتِ وَعَدَمِ الطَّوْلِ حَتَّى لَوْ كَانَ بِيَدِهِ قَالَ: فَادَّعَى أَنَّهُ وَدِيعَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ قَبْلَ قَوْلِهِ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ، ثُمَّ أَيِسَر أَوْ نَكَحَ حُرَّةً، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِذَا أَيْسَرَ بَعْدَ نِكَاحِهَا لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَجْزُومِ بِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ عَدَمَ اسْتِطَاعَةِ الطَّوْلِ شَرْطُ نِكَاحِ الْأَمَةِ، فَلَمْ تُعْتَبَرِ اسْتِدَامَتُهُ كَخَوْفِ الْعَنَتِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، فَإِذَا زَالَتْ لَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ كَأَكْلِ
стр. 2344
قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْإِمَاءِ أَرْبَعًا إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ قَائِمَيْنِ فِيهِ.
وَلِلْعَبْدِ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا عَلَى حُرَّةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَقْدِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَيْتَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي " الْمُغْنِي " مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ ابْتِدَاءٌ لِلْأَكْلِ، بِخِلَافِ عَادِمِ الطَّوْلِ فإنه غير مُبْتَدِئٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَدِيمٌ، وَفِي تَزَوُّجِ الْحُرَّةِ يَنْبَنِي عَلَى انْفِسَاخِهِ بِالْيَسَارِ وَعَدِمِهِ، وَجَعَلَهُمَا فِي " التَّرْغِيبِ " فِي زَوَالِ خَوْفِ الْعَنَتِ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ ": يَكُونُ طَلَاقًا لَا فَسْخًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ إِذَا تَزَوَّجَ حُرَّةً عَلَى أَمَةٍ يَكُونُ طَلَاقًا لِلْأَمَةِ ; لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَسْأَلَةُ إِسْحَاقَ مُفْرَدَةٌ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، فَلَمْ تَعُفَّهُ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ أُخْرَى فَهَلْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ أُخْرَى؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: يَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «لَا تَتَزَوَّجْ مِنَ الْإِمَاءِ إِلَّا وَاحِدَةً ;» وَلِأَنَّ تَحْتَهُ زَوْجَةً، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَهِيَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ خَائِفٌ الْعَنَتَ، عَادِمٌ لِطَوْلِ حُرَّةٍ، أَشْبَهَ مَنْ لَا زَوْجَةَ تَحْتَهُ، ثُمَّ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ (قَالَ الْخِرَقِيُّ: لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْإِمَاءِ أَرْبَعًا إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ قَائِمَيْنِ فِيهِ) ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أُبِيحَ مِنْ أَجْلِهِ نِكَاحُ الْأَمَةِ - الشَّرْطَانِ، فَإِذَا وُجِدَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِمَا، وَقَدْ يُقَالُ: لَهُ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً إِذَا عُلِمَ أَنَّهَا لَا تَعُفَّهُ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَحَكَى الْأَوَّلُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَحَمَلَهُ فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " عَلَى مَا إِذَا خَشِيَ الْعَنَتَ، وَفَسَّرَهُ هُنَا بِمَا إِذَا كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ غَائِبَةٌ أَوْ مَرِيضَةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا.
[لِلْعَبْدِ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ]
(وَلِلْعَبْدِ نِكَاحُ الْأَمَةِ) وَإِنْ فَقَدَ الشَّرْطَيْنِ ; لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهَا، فَلَمْ يُعْتَبَرْ كَالْحُرِّ مَعَ الْحُرَّةِ، وَمُدْبِرٌ كَذَلِكَ، وَكَذَا مَكَاتِبٌ وَمُعْتَقٌ بَعْضُهُ، مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِيهِمَا أَوْ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ (وَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا عَلَى حُرَّةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) الْمَذْهَبُ - وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ": لَهُ ذَلِكَ لِلْمُسَاوَاةِ، وَكَالْحُرِّ مَعَ الْحُرَّةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا ; لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِبُضْعِ حُرَّةٍ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْحُرِّ (وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ (فِي الْعَقْدِ، جَازَ) ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ
стр. 2345
جَازَ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ، وَلَا لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ وَلَا أَمَةَ ابْنِهِ، وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ، وَإِنِ اشْتَرَى الْحُرُّ زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْهُمَا يَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ، فَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَالْأَمَتَيْنِ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ) هَذَا رِوَايَةٌ ; لِأَنَّهُ جَمَعَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: يَصِحُّ فِي الْحُرَّةِ فَقَطْ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَفِي " الْمُوجَزِ ": فِي عَبْدٍ، رِوَايَةٌ عَكْسُهَا، وَكَذَا فِي " التَّبْصِرَةِ " ; لِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ، صَحَّ فِيهِمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْمَذْهَبِ.
فَرْعٌ: وَكِتَابِيٌّ وَفِي " الْوَسِيلَةِ ": وَمَجُوسِيٌّ، وَفِي " الْمَجْمُوعِ ": وَكُلُّ كَافِرٍ كَمُسْلِمٍ فِي نِكَاحِ أَمَةٍ، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: فَإِنِ اعْتُبِرَ فِيهِ الْإِسْلَامُ، اعْتُبِرَ فِي الْكِتَابِيِّ كَوْنُهَا كِتَابِيَّةً.
(وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ) بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ مُتَنَاقِضَانِ (وَلَا لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ) ; لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ تُفِيدُ إِبَاحَةَ الْبُضْعِ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ عَقْدٍ أَضْعَفَ مِنْهُ (وَلَا أَمَةَ ابْنِهِ) دُونَ أَمَةِ وَالِدِهِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا ; لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ ; لِقَوْلِهِ ﵇: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَفِيهِ وَجْهٌ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً لَهُ فِيهَا مِلْكٌ وَلَا مُكَاتَبَتَهُ (وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ) ; لِأَنَّ الرِّقَّ قَطَعَ وِلَايَتَهُ عَنِ ابْنِهِ وَمَالِهِ، فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ، وَيَصِحُّ نِكَاحُ أَمَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَعَ أَنَّ فِيهِ شُبْهَةً تُسْقِطُ الْحَدَّ، لَكِنْ لَا يَجْعَلُ الْأَمَةَ أُمَّ وَلَدٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ ".
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ نِكَاحُ أُمِّ سَيِّدِهِ وَلَا سَيِّدَتِهِ - خِلَافًا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ.
(وَإِنِ اشْتَرَى الْحُرُّ) وَعَبَّرَ فِي " الْفُرُوعِ " بِمِلْكِ، وَهُوَ أَوْلَى (زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِمُنَافَاةِ الْحُكْمَيْنِ ; وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يُوجِبُ لِلْمَرْأَةِ حُقُوقًا تَمْنَعُهَا مِنَ الْقَسْمِ، فَانْفَسَخَ بِالْمِلْكِ ; لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَا لَا يُوَافِقُهُ، وَكَذَا إِنْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْهَا أَوْ مَلَكَتْهُ هِيَ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، وَفِي الْأَصَحِّ أَوْ مُكَاتَبَتُهُ، وَفِي " الشَّرْحِ " إِذَا مَلَكَتْ بَعْضَ زَوْجِهَا، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ طَلَاقًا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ تَطْلِيقَةٌ، وَلَا يَصِحُّ
стр. 2346
وَإِنِ اشْتَرَاهَا ابْنُهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُحَرَّمَةٍ وَمُحَلَّلَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَصِحُّ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا، حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، إِلَّا إِمَاءَ أَهْلَ الْكِتَابِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنِ اشْتَرَاهَا ابْنُهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ; لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ كَمِلْكِهِ فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ وَحُرْمَةِ الِاسْتِيلَادِ، فَكَذَا هَذَا. وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا بِمِلْكِ الِابْنِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا، كَمَا لَوْ مَلَكَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَلَوْ بَعَثَتْ إِلَيْهِ زَوْجَتُهُ: حَرُمْتُ عَلَيْكَ وَنَكَحْتُ غَيْرَكَ وَعَلَيْكَ نَفَقَتِي وَنَفَقَةَ زَوْجِي، فَقَدْ مَلَكَتْ زَوْجَهَا، وَتَزَوَّجَتِ ابْنَ عَمِّهَا، فَلَوْ قَبِلَ مَلَكَتْ زَوْجَهَا، وَتَزَوَّجَتْ مُعْتِقَهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ، وَكَانَ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَ لَهَا مُعْتِقٌ وَلَيْسَ لَهُ نَفَقَةٌ، فَنَفَقَتُهُ عَلَى مُعْتِقَتِهِ ; لِأَنَّهَا عَصَبَتُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِتِسْعِ نِسْوَةٍ، فَأَقَلَّ، حَرُمْنَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيَانِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِعَشَرَةٍ، وَقِيلَ يَتَحَرَّى، فَإِنْ كَانَتْ بِنِسَاءِ قَبِيلَةٍ، فَلَهُ نِكَاحُ إِحْدَاهُنَّ، وَفِي وُجُوبِ التَّحَرِّي وَجْهَانِ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّ حَنْبَلًا نُقِلَ عَنْهُ فِي رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ زَوَّجَ إِحْدَاهُنَّ بِرَجُلٍ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيَّتَهُنَّ زَوَّجَهَا - أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ، فَمَنْ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ، فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ انْتَهَى. وَإِنِ اشْتَبَهَتْ مُطَلَّقَتُهُ - دُونَ الثَّلَاثِ - بِزَوْجَتِهِ، أَوْ أَمَتِهِ بِمُعْتَقَتِهِ، تَحَرَّى فِي الْأَصَحِّ.
(وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ مْحَرَّمَةٍ وَمُحَلَّلَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَصِحُّ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يَفْسُدُ فِيهِمَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَأَمَةً، وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلنِّكَاحِ، أُضِيفَ إِلَيْهَا عَقْدٌ صَادِرٌ مِنْ أَهْلِهِ، لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا فِيهِ مِثْلُهَا، فَصَحَّ كَمَا لَوِ انْفَرَدَتْ بِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهَا مِنَ الْمُسَمَّى بِقِسْطٍ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَقِيلَ: لَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى (وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا حرُمَ وطؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ إِذَا حَرُمَ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى الْوَطْءِ، فَلِأَنْ يَحْرُمَ الْوَطْءُ بِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَجَوَّزَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَأَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ (إِلَّا إِمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ ;
стр. 2347
فَصْلٌ وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَنَا رَجُلٌ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ بَعْدُ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ، لَمْ يَنْكِحْ إِلَّا رَجُلًا، فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَلَوْ تَزَوَّجَ بِرَجُلٍ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ، وَإِنَّمَا حَرُمَ نِكَاحُهَا ; لِمَا فِيهِ مِنْ إِرْقَاقِ الْوَلَدِ وَإِبْقَائِهِ مَعَ كَافِرَةٍ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي التَّسَرِّي، وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ.
[نِكَاحُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ]
فَصْلٌ (وَلَا يَحِلُّ) أَيْ: لَا يَصِحُّ (نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ) نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ جِهَةَ مَا يُبِيحُ لَهُ النِّكَاحَ، فَلَمْ يَبُحْ لَهُ كَمَا لَوِ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَنَا رَجُلٌ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ فِي الْحَيَوَانَاتِ بِمَيْلِ الذَّكَرِ، وَبِالْعَكْسِ، وَهَذَا الْمَيْلُ فِي النَّفْسِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَرُجِعَ فِيهِ إِلَيْهِ ; لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا رُجِعَ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا وَعِدَّتِهَا، وَهَذَا فِي الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِحُكْمِهِ.
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ بَعْدُ) ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِتَحْرِيمِهِ ; وَلِأَنَّهُ إِذَا ادَّعَى غَيْرَ الْأَوَّلِ، يَكُونُ مُكَذِّبًا بِالنَّفَقَةِ، مُدَّعِيًا دَعْوَى يُنَاقِضُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، فَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ كَالْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ (وَإِنْ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ لَمْ يَنْكِحْ إِلَّا رَجُلًا) ; لِمَا ذَكَرْنَا (فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ) ; لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِهِ، وَلَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِلَّا جَمِيعُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَوْلِهِ: أَنَا رَجُلٌ بِتَحْرِيمِ الرِّجَالِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ بِتَحْرِيمِ النِّسَاءِ (وَلَوْ تَزَوَّجَ بِرَجُلٍ ثُمَّ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ) ; لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إِسْقَاطِ حَقِّ الْغَيْرِ، فَإِذَا زَالَ النِّكَاحُ، فَلَا مَهْرَ ; لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": إِنْ عَادَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ بِمُتَزَوِّجٍ مُنِعَ نِكَاحُ الصِّنْفَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ عِنْدِي، وَظَاهِرُهُ: قَوْلُ أَصْحَابِنَا: لَا يُمْنَعُ مِنَ الصِّنْفِ
стр. 2348
بَابٌ
الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ وَهِيَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ مِثْلُ اشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ فِي الْمَهْرِ أَوْ نَقْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا وَلَا يَتَسَرَّى، فَهَذَا صَحِيحٌ لَازِمٌ إِنْ وَفَى بِهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَوَّلِ إِنْ عَادَ إِلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ أَوَّلًا وَقَدْ نَكَحَ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ مِنَ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ، وَفِي نِكَاحِهِ لِمَا يَسْتَقْبِلُ الْوَجْهَانِ.
فَائِدَةٌ: لَا يَحْرُمُ فِي الْجَنَّةِ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَدَدِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَحَارِمِ وَغَيْرُهُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ]
[الشُّرُوطُ الصَّحِيحَةُ]
بَابٌ
الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ (وَهِيَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ) وَفَاسِدٌ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَانْقَسَمَ إِلَى ذَلِكَ كَالْبَيْعِ، وَالْأَوَّلُ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: شَرْطُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ كَتَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ، وَتَمْكِينِهِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ، وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ، وَالثَّانِي: شَرْطُ مَا تَنْتَفِعُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (مِثْلُ اشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ فِي الْمَهْرِ أَوْ نَقْدٍ مُعَيَّنٍ) ، فَهَذَا صَحِيحٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ (أَوْ) شَرَطَ أَنْ (لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ; لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ - مَرْفُوعًا - قَالَ: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ ; وَلِعُمُومَاتِ الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ ; وَلِأَنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ مَالَ الْغَيْرِ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا لَمْ تَرْضَ بِبَذْلِ فَرْجِهَا إِلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ وَشَأْنُ الْفَرْجِ أَعْظَمُ مِنَ الْمَالِ، فَإِذَا حَرُمَ الْمَالُ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، فَالْفَرْجُ أَوْلَى، مَعَ أَنَّ الْأَثْرَمَ رَوَى أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَشَرَطَ لَهَا دَارَهَا، ثُمَّ أَرَادَ نَقْلَهَا، فَخَاصَمُوهُ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: لَهَا شَرْطُهَا، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُ، وَحَكَاهَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَنْ شَيْخِهِ ; لِقَوْلِهِ ﵇: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» وَعَنْ عَمْرِ بْنِ عَوْفٍ «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ،
стр. 2349
وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ، وَإِنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضُرَّتِهَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَاطِلٌ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَوَابُهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، أَيْ: فِي حُكْمِهِ وَشَرْعِهِ، وَهَذِهِ مَشْرُوعَةٌ، وَمَنْ نَفَاهُ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّهَا لَا تُحَرِّمُ الْحَلَالَ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمَرْأَةِ خِيَارُ الْفَسْخِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ ": يَثْبُتُ لَهَا الْفَسْخُ بِالْغُرْمِ عَلَى الْإِخْرَاجِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَسَرَّى فَهَذَا صَحِيحٌ) ; لِقَوْلِ عُمَرَ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ ; وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، كَاشْتِرَاطِ نَقْدٍ مُعَيَّنٍ (لَازِمٌ إِنْ وَفَى بِهِ، وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ) كَاشْتِرَاطِ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ، كَكَوْنِهِ كَاتِبًا أَوْ صَانِعًا، وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الزَّوْجَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ خِلَافُهُ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ - وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَمَنْصُوصُ الْإِمَامِ: أَنَّهُ كَالشَّرْطِ فِيهِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ وَالْعُقُودِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: لَا يُؤَثِّرُ إِلَّا إِذَا اشْتَرَطَتْ فِي الْعَقْدِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي فِي مَوَاضِعَ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ كَالشُّرُوطِ.
وَالثَّالِثُ: يُفَرَّقُ بَيْنَ شَرْطٍ يَجْعَلُ الْعَقْدَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، كَالتَّوَاطُؤِ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ تَلْجِئَةٌ، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فَيُؤَثِّرُ، وَبَيْنَ شَرْطٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا كَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ، فَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ.
(وَإِنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضُرَّتِهَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ) وَهُوَ رِوَايَةٌ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ لَهَا فِيهِ نَفْعًا وَفَائِدَةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَتْ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَاطِلٌ) هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ (لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْأَشْهَرُ مِثْلُهُ بَيْعُ أَمَتِهِ، قَالَ
стр. 2350
فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي: فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، أَحَدُهَا: مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: نِكَاحُ الشِّغَارِ ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ، وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلَ " وَغَيْرِهَا: إِذَا شَرَطَتْ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِهَا إِذَا أَرَادَتِ انْتِقَالًا، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ اشْتِرَاطُ تَصَرُّفِ الزَّوْجِ بِحُكْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ أَنْ تَسْتَدْعِيَهُ إِلَى النِّكَاحِ وَقْتَ حَاجَتِهَا وَإِرَادَتِهَا، وَهُنَا شَرَطَتِ التَّسْلِيمَ عَلَى نَفْسِهَا فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ، فَاقْتَصَرَتْ بِالشَّرْطِ فِي تَصَرُّفِهِ فِيهَا عَلَى بَعْضِ مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِإطْلَاقِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ تَصَرُّفَهُ عَلَى مَكَانٍ وَعَدَدٍ، فَلَا يَخُصُّ الشَّرْعُ الزَّوْجَةَ بِالتَّصَرُّفِ فِي الزَّوْجِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ لَا يَبْعُدُ صِحَّتُهُ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَرْطِهَا طَلَاقُ ضُرَّتِهَا.
أَصْلٌ: ذَكَرَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ فِي " الْهَدْيِ " فِي قِصَّةِ بَنِي هَاشِمِ بْنِ الْمُغِيرَةِ لَمَّا اسْتَأْذَنُوا أَنْ يُزَوِّجُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُ تَضَمَّنَ هَذَا مَسْأَلَةَ الشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُؤْذِي فَاطِمَةَ، وَيُرِيبُهَا، وَيُؤْذِيهِ وَيُرِيبُهُ، وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا زَوَّجَهُ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ، وَفِي ذِكْرِهِ ﵇ صِهْرَهُ الْآخَرَ بِأَنَّهُ حَدَّثَهُ فَصَدَقَهُ، وَوَعَدَهُ فَوَفَى لَهُ - تَعْرِيضٌ لِعَلِيٍّ، وَأَنَّهُ قَدْ جَرَى مِنْهُ وَعْدٌ لَهُ بِذَلِكَ، فَحَثَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَشْرُوطَ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَأَنَّ عَدَمَهُ يَمْلِكُ بِهِ الْفَسْخَ، فَقَوْمٌ لَا يُخْرِجُونَ نِسَاءَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، أَوِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتٍ لَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَى نِسَائِهِمْ ضُرَّةً، وَيَمْنَعُونَ الْأَزْوَاجَ مِنْهُ، أَوْ تُعْلَمُ عَادَةً أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُمَكِّنُ مِنْ إِدْخَالِ الضُّرَّةِ عَلَيْهَا - كَانَ ذَلِكَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَهَذَا مُطَّرِدٌ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَحْمَدَ: أَنَّ الشَّرْطَ الْعُرْفِيَّ كَاللَّفْظِيِّ، وَبِهَذَا أَوْجَبُوا الْأُجْرَةَ عَلَى مَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ، الْمَسْأَلَةُ الْمَشْهُورَةُ.
فَرْعٌ: مَتَى بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَلَا حَقَّ لَهَا فِي الشَّرْطِ، نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: وَإِنْ أَعْطَتْهُ مَالًا، وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا - يَرُدُّ عَلَيْهَا الْمَالَ إِذَا تَزَوَّجَ، وَأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهَا مَالًا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَتَزَوَّجَتْ - يُرَدُّ الْمَالُ إِلَى وَرَثَتِهِ.
[الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ]
[مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ]
[نِكَاحُ الشِّغَارِ]
فَصْلٌ (الْقِسْمُ الثَّانِي: فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: نِكَاحُ الشِّغَارِ) قِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِقُبْحِهِ تَشْبِيهًا بِرَفْعِ الْكَلْبِ رِجْلَهُ لِيَبُولَ،
следующие страницы →