← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

فَصْلٌ إِذَا أَبْرَأَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ - رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ، وَإِنِ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ يَرْجِعُ ــ [المبدع في شرح المقنع] و" الْكَافِي ": بِشَرْطِ الْبَكَارَةِ، وَاخْتَارَ جَمْعٌ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُوجَزِ ": وَبِكْرٌ بَالِغَةٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " أَصْلُهُ هَلْ يَنْفَكُّ الْحَجْرُ بِالْبُلُوغِ (إِذَا طُلِّقَتْ) لِأَنَّهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ مُعْتَرِضَةٌ لِإِتْلَافِ الْبُضْعِ (قَبْلَ الدُّخُولِ) ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ قَدْ أَتْلَفَ الْبُضْعَ، فَلَا يَعْفُو عَنْ بَدَلٍ مُتْلَفٍ، وَسَوَاءٌ فِيهِ عَفْوُهُ أَوْ عَفْوُهَا، وَلَمْ يُقَيِّدْ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " بِصِغَرٍ وَكِبَرٍ وَبَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةَ الْوَلِيِّ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ قَوْلًا: لِلْأَبِ الْعَفُوُ بَعْدَ الدُّخُولِ مَا لَمْ تَلِدْ أَوْ تَبْقَى فِي بَيْتِهَا سَنَةً بِنَاءً عَلَى بَقَاءِ الْحَجْرِ عَلَيْهَا، وَقَدَّمَ اعْتِبَارَ كَوْنِهِ دَيْنًا، فَلَا يَعْفُوَ عَنْ عَيْنٍ، فَيَصِحُّ بِلَفْظِ الْهِبَةِ. [إِذَا أَبْرَأَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ صَدَاقِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ] فَصْلٌ (إِذَا أَبْرَأَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ - رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهَا أَبْرَأَتْهُ أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ مُسْتَأْنَفًا، فَلَمْ يَمْنَعِ اسْتِحْقَاقَ النِّصْفِ، كَمَا لَوْ وَهَبَتْهُ لِأَجْنَبِيٍّ فَوَهَبَهُ الْأَجْنَبِيُّ لِلزَّوْجِ (وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ) ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الصَّدَاقِ يُعَجَّلُ لَهُ بِالْهِبَةِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَا يَقْتَضِي ضَمَانًا، وَعَنْهُ: يَرْجِعُ مَعَ الْهِبَةِ دُونَ الْإِبْرَاءِ، صَحَّحَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إِسْقَاطٌ لَا تَمْلِيكٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": أَصْلُ الْخِلَافِ فِي الْإِبْرَاءِ أَيُّهُمَا يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ إِذَا مَضَى أَحْوَالٌ، وَهُوَ دَيْنٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": هَلْ هُوَ إِسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ، وَإِنْ وَهَبَتْهُ بَعْضَهُ ثُمَّ تَنَصَّفَ رَجَعَ بِنِصْفِ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ، وَنِصْفُ الْمَوْهُوبِ اسْتَقَرَّ مَلِكُهَا لَهُ، فَلَا تَرْجِعُ بِهِ، وَنِصْفُهُ الَّذِي لَمْ يَسْتَقِرَّ تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ. فَرْعٌ: إِذَا خَالَعَتْهُ بِنِصْفِ صَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ - صَحَّ، وَكَانَ الصَّدَاقُ كُلُّهُ لَهُ،

стр. 2417

عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ كَطَلَاقِهِ وَخَلْعِهِ، وَإِسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَالرِّضَاعِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَتَنَصَّفُ بِهَا الْمَهْرُ بَيْنَهُمَا. وَكُلُّ فُرْقَةٍ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، فَإِنْ خَالَعَتْهُ بِمِثْلِ جَمِيعِ الصَّدَاقِ فِي ذِمَّتِهَا - صَحَّ، وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ، فَإِنْ خَالَعَتْهُ بِصَدَاقِهَا كُلِّهِ، فَكَذَا فِي وَجْهٍ، وَفِي الْآخَرِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ. مَسْأَلَةٌ: بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ أَبْرَأَهُ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ، أَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ ثُمَّ وَهَبَهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِيَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا، فَهَلْ لَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ وَالْمُطَالِبَةُ بِالثَّمَنِ أَوْ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ مَعَ إِمْسَاكِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّدَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، فَوَهَبَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ الْبَائِعَ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَضْرِبَ بِالثَّمَنِ مَعَ الْغُرَمَاءِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَا عَادَ إِلَى الْبَائِعِ مِنْهُ شَيْءٌ. فَرْعٌ: تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِأَدَاءِ الْمَهْرِ، ثُمَّ سَقَطَ أَوْ تَنَصَّفَ، فَالرَّاجِعُ لِلزَّوْجِ، وَقِيلَ: لِلْأَجْنَبِيِّ، وَمِثْلُهُ أَدَاءُ ثَمَنٍ، ثُمَّ يُفْسَخُ بِعَيْبٍ وَرُجُوعِ مُكَاتَبٍ أُبْرِئَ مِنْ كِتَابَتِهِ بِالْإِيتَاءِ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ فِيهِ لَا رُجُوعَ. (وَإِنِ ارْتَدَّتِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) مَأْخَذُهُمَا مَا سَبَقَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِجَمِيعِهِ. [كُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَتَنَصَّفُ بِهَا الْمَهْرُ] (وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ كَطَلَاقِهِ وَخَلْعِهِ) سَوَاءٌ سَأَلَتْهُ أَوْ سَأَلَهُ أَجْنَبِيٌّ (وَإِسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَالرِّضَاعِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَتَنَصَّفُ بِهَا الْمَهْرُ بَيْنَهُمَا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الْآيَةَ ثَبَتَ فِي الطَّلَاقِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَعَنْهُ: إِذَا أَسْلَمَ فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، وَإِنَّمَا تَنَصَّفَ الْمَهْرَ بِالْخُلْعِ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ جَانِبُ الزَّوْجِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ خُلْعُهُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ فَصَارَ كَالْمُنْفَرِدِ بِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ لَا مُتْعَةَ لَهَا، وَأَنَّ الْمُخَالَعَةَ فِي الْمَرَضِ لَا تَرِثُ، وَعُلِّلَ بِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ جِهَتِهَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَإِنْ تَخَالَعَا، وَقُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ، وَقِيلَ: أَوْ طَلَاقٌ وَجْهَانِ، وَإِنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ

стр. 2418

جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، كَإِسْلَامِهَا، وَرِدَّتِهَا، وَرَضَاعِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا وَفَسْخُهَا لِعَيْبِهِ، أَوْ إِعْسَارِهِ، وَفَسْخُهُ لِعَيْبِهَا - يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا وَمُتْعَتُهَا، وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ تُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَفِي فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِنَ الزَّوْجِ وَشِرَائِهَا لَهُ وَجْهَانِ، وَفُرْقَةُ الْمَوْتِ يَسْتَقِرُّ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَوْ وَكَّلَهَا فِي الطَّلَاقِ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَهُوَ كَطَلَاقِهِ؛ لِأَنَّهَا بَائِنَةٌ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلٍ مِنْهَا لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ مِنْهُ، وَإِنْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَى الزَّوْجِ فِي الْإِيلَاءِ فَهُوَ كَطَلَاقِهِ، وَأَمَّا فُرْقَةُ الْأَجْنَبِيِّ كَالرَّضَاعِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْهَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ بِمَا لَزِمَهُ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ قَرَّرَهُ عَلَيْهِ. (وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، كَإِسْلَامِهَا، وَرِدَّتِهَا، وَرَضَاعِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا وَفَسْخُهَا لِعَيْبِهِ، أَوْ إِعْسَارِهِ، وَفَسْخِهِ لِعَيْبِهَا - يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا وَمُتْعَتُهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتِ الْعِوَضَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، فَسَقَطَ الْبَدَلُ كُلُّهُ، كَالْبَائِعِ يُتْلِفُ الْمَبِيعَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، وَكَذَا إِنْ فَسَخَتْ لِعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ، أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ، وَعَنْهُ: يَتَنَصَّفُ بِفَسْخِهَا لِشَرْطٍ، فَيَتَوَجَّهُ فِي فَسْخِهَا لِعَيْبِهِ الْخِلَافُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": إِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَرِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَهْرٌ مُسَمًّى فَهَلْ يَتَنَصَّفُ أَوْ يَسْقُطُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ لَا يَتَسَرَّى، أَوْ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ دَارِهَا، فَلَمْ يَفِ لَهَا، فَفَسَخَتْ وَلَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا - فَلَهَا الْمُتْعَةُ (وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ تُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى كَوْنِ الْفَسْخِ عَقِيبَ لَعَانِهَا فَهُوَ كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ، أَوْ إِلَى أَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ الْقَذْفُ مِنَ الزَّوْجِ فَهُوَ كَفَسْخِهِ لِطَلَاقِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَصْلُهُمَا: إِذَا لَاعَنَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ هَلْ تَرِثُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: هُوَ كَطَلَاقِهِ لِأَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ قَذْفُهُ الصَّادِرُ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْخُلْعَ، وَالثَّانِيَةُ: يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ عَقِيبَ لَعَانِهَا هُوَ كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ (وَفِي فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِنَ الزَّوْجِ وَشِرَائِهَا لَهُ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: يَتَنَصَّفُ الْمَهْرُ بِشِرَائِهَا زَوْجَهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُوجِبَ لِلْفَسْخِ تَمَّ بِالسَّيِّدِ وَبِالْمَرْأَةِ، أَشْبَهَ الْخُلْعَ، وَالثَّانِي: يَسْقُطُ بِهِ الْمُهْرُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ وُجِدَ عَقِيبَ قَبُولِهَا، أَشْبَهَ فَسْخَهَا لِعَيْبِهِ، وَكَذَا إِذَا اشْتَرَى الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ وَفِي " الْمُغْنِي " فِي شِرَائِهَا لَهُ رِوَايَتَانِ، وَفِي شِرَائِهِ لَهَا وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ،

стр. 2419

بِهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ كَالدُّخُولِ، وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا لَاسْتَقَرَّ مَهْرُهَا كَامِلًا. فَصْلٌ وَ إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَنْهُ: ــ [المبدع في شرح المقنع] وَقِيلَ: هُمَا إِنِ اشْتَرَاهَا مِنْ مُسْتَحِقِّ مَهْرِهَا، وَإِنِ اشْتَرَتْهُ فَرِوَايَتَانِ (وَفُرْقَةُ الْمَوْتِ يَسْتَقِرُّ بِهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ كَالدُّخُولِ) حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً؛ «لِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بِرَوْعَ بِنْتِ وَاشِقٍ» رَوَاهُ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَنْتَهِي بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، فَاسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ كَانْتِهَاءِ الْإِجَارَةِ (وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا) أَوْ قَتَلَهَا غَيْرُهَا (لَاسْتَقَرَّ مَهْرُهَا كَامِلًا) كَالْمَوْتِ حَتْفَ أَنْفِهَا؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ حَصَلَتْ بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَانْتِهَاءِ النِّكَاحِ، فَهُوَ كَمَوْتِهَا حَتْفَ أَنْفِهَا، وَفِيه رِوَايَةٍ وَفِي " الْوَجِيزِ ": يَتَقَرَّرُ إِنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُمَا، فَظَاهِرُهُ لَا يَتَقَرَّرُ إِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ إِنَّ قَتَلَتْهُ. [إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ] فَصْلٌ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ) أَوْ وَرَثَتْهُمَا (فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ) وَلَا نِيَّةَ عَلَى مُبَلِّغِهِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ (مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (وَعَنْهُ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْهُمَا) نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُ مَنْ يَدَّعِيهِ، فَيُقَدَّمُ قَوْلُهُ، أَشْبَهَ الْمُنْكِرَ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، فَلَوِ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، قُبِلَ قَوْلُهَا، وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُ الْمُدَّعِي، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الدُّخُولِ

стр. 2420

الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْهُمَا، فَإِنِ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْهُ وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ، رُدَّ إِلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ عِنْدِ الْقَاضِي فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يَجِبُ الْيَمِينُ، وَإِنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ، قَالَتْ: بَلْ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَوْ بَعْدَهُ، قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَنْهُ ثَالِثَةٌ: يَتَحَالَفَانِ، ذَكَرَهَا فِي " الْمُبْهِجِ "، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ ثَبَتَ مَا قَالَهُ الْآخَرُ، وَإِنْ حَلَفَا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَالْأَصَحُّ: لَا تَحَالُفَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَنْفَسِخُ بِالتَّحَالُفِ، فَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، كَالْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ (فَإِنِ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْهُ وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ رُدَّ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ قَبُولِ قَوْلِ مَنْ يَدَّعِيهِ (بِلَا يَمِينٍ عِنْدِ الْقَاضِي) ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِي نِكَاحٍ أَشْبَهَتِ الدَّعْوَى فِي أَصْلِ النِّكَاحِ (فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا) سَوَاءٌ وَافَقَ قَوْلَ الزَّوْجِ أَوْ قَوْلَهَا (وَعِنْدِ أَبِي الْخَطَّابِ: يَجِبُ الْيَمِينُ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِيمَا يَجُوزُ بَدَلُهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَجِبَ فِيهِ الْيَمِينُ كَسَائِرِ الدَّعَاوِي فِي الْأَمْوَالِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": إِذَا ادَّعَى أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ - رُدَّ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا يَمِينًا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَحَالَفَا، فَإِنَّ مَا يَقُولُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَمِلٌ لِلصِّحَّةِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إِلَّا بِيَمِينٍ كَالْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوِي؛ وَلِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي عَدَمِ الظُّهُورِ، فَشُرِعَ التَّحَالُفُ كَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُونَ الْأَصْحَابُ ذَكَرُوا يَمِينًا، وَالْحَالُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ عَنِ الْقَاضِي نَفْيًا وَعَنْ أَبِي الْخَطَّابِ إِثْبَاتًا، وَقَوْلُهُ: " فَشُرِعَ التَّحَالُفُ " يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَقُولُ هُوَ: مَا أَصْدَقْتُهَا كَذَا، وَإِنَّمَا أَصْدَقْتُهَا كَذَا، أَوْ تَقُولُ هِيَ: مَا أَصْدَقَنِي كَذَا، وَإِنَّمَا أَصْدَقَنِي كَذَا، كَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ (وَإِنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ، قَالَتْ: بَلْ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، أَيْ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي عَيْنِهِ أَوْ صِفَتِهِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَقِيمَةُ الْأَمَةِ دُونَ ذَلِكَ - حَلَفَ الزَّوْجُ، وَلَهَا قِيمَةُ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْأَمَةِ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ دُونَ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَهَلْ تَجِبُ الْأَمَةُ أَوْ قِيمَتُهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَجِبُ عَيْنُ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الْقَدْرِ، فَكَذَا فِي الْعَيْنِ، وَالثَّانِي: تَجِبُ لَهَا قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا إِنَّمَا وَافَقَ الظَّاهِرَ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ، وَفِي

стр. 2421

الْمَهْرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى صَدَاقَيْنِ - سِرًّا وَعَلَانِيَةً - أُخِذَ بِالْعَلَانِيَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ انْعَقَدَ بِالسِّرِّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ تَصَادَقَا عَلَى السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ، ــ [المبدع في شرح المقنع] فَتَاوَى الْمُؤَلِّفِ: إِنْ عَيَّنَتْ أُمَّهَا وَعَيَّنَ أَبَاهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَ أَبُوهَا؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِمِلْكِهَا لَهُ، وَإِعْتَاقُهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَتَحَالَفَانِ، وَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ أُمِّهَا أَوْ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَفِي " الْوَاضِحِ ": يَتَحَالَفَانِ كَبَيْعٍ، وَلَهَا الْأَقَلُّ مِمَّا ادَّعَتْهُ أَوْ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِ جِنْسِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ: قِيمَةُ مَا يَدَّعِيهِ هُوَ. فَرْعٌ: اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَأَبُو الصَّغِيرَةِ أَوِ الْمَجْنُونَةِ قَامَ الْأَبُ مَقَامَهَا فِي الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ كَالْوَكِيلِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " و" الشَّرْحِ "، وَفِي الْوَاضِحِ تُوقَفُ الْيَمِينُ إِلَى حِينِ بُلُوغِهَا، وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ دَفْعُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى بَلَغَتِ الصَّغِيرَةُ وَعَقَلَتِ الْمَجْنُونَةُ، فَالْيَمِينُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَلَفَ لِتَعَذُّرِ الْيَمِينِ مِنْهُمَا، فَإِذَا أَمْكَنَ، لَزِمَهُمَا كَالْوَصِيِّ إِذَا بَلَغَ الطِّفْلُ، فَأَمَّا أَبُو الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ فَلَا تَسْمَعُ مُخَالَفَةَ الْأَبِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ، وَالْحَقُّ لَهَا، وَأَمَّا سَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ فَلَيْسَ لَهُنَّ أَنْ يُزَوِّجُوا بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ فَعَلُوا ثَبَتَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ زَوَّجَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، فَالْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ. (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَهْرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) مَعَ يَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ بِنَاءً عَلَى: " كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْتُهُ " (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ) مِنَ الْمَسِيسِ وَالْخَلْوَةِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى صَدَاقَيْنِ - سِرًّا وَعَلَانِيَةً - أُخِذَ بِالْعَلَانِيَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ انْعَقَدَ بِالسِّرِّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ وُجِدَ مِنْهُ بَذَلُ الزَّائِدِ عَلَى مَهْرِ السِّرِّ، فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ زَادَهَا فِي صَدَاقِهَا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِأَزْيَدِهِمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ تَصَادَقَا عَلَى السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ) أَيِ: الْوَاجِبُ الْمَهْرُ

стр. 2422

أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ، وَقَالَتْ: بَلْ هُوَ عَقْدَانِ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا. فَصْلٌ في المفوضة وَالتَّفْوِيضُ، عَلَى ضَرْبَيْنِ: تَفْوِيضُ الْبُضْعِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ النِّكَاحُ - سِرًّا كَانَ أَوْ عَلَانِيَةً - لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ النِّكَاحُ وَالْعَلَانِيَةُ لَيْسَ بِعَقْدِ حَقِيقَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَقْدُ صُورَةٍ، وَالزِّيَادَةُ فِيهِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُقِرَّ بِنِكَاحِ السِّرِّ، وَإِذًا الْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ نِكَاحِ السِّرِّ، فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفٌ، وَأَنَّهُمَا عَقَدَا بِأَلْفَيْنِ تَجَمُّلًا فَالْمَهْرُ أَلْفَانِ، أَيْ: مَا عُقِدَ بِهِ فِي الْأَصَحِّ، كَعَقْدِهِ هَزْلًا وَتَلْجِئَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ مِنْ جِنْسِ الْعَلَانِيَةِ أَوْ يَكُونَا مِنْ جِنْسَيْنِ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ فِي بَيْعِ مِثْلِهِ (وَإِنْ قَالَ: هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ، أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ، وَقَالَتْ: بَلْ هُوَ عَقْدَانِ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّانِيَ عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالْأَوَّلِ، وَلَهَا الْمَهْرَانِ وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ سُئِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا حَلَفَتْ، وَاسْتَحَقَّتْ وَإِنْ أَقَرَّتْ بِمَا يَسْقُطُ جَمِيعُهُ أَوْ نِصْفُهُ لَزِمَهَا مَا أَقَرَّتْ بِهِ. فَرْعٌ: يَلْحَقُ الزِّيَادَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِالْمَهْرِ عَلَى الْأَصَحِّ فِيمَا يُقَرِّرُهُ وَيُنْصِفُهُ، وَتَمْلِكُ الزِّيَادَةَ مِنْ حِينِهَا، نَقَلَهُ مُهَنَّا فِي أَمَةٍ عَتَقَتْ فَزِيدَ مَهْرُهَا، وَجَعَلَهَا الْقَاضِي لِمَنِ الْأَصْلُ لَهُ فَأَمَّا هَدِيَّتُهُ فَلَيْسَتْ مِنَ الْمَهْرِ نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَقَدْ وَعَدَ بِهِ فَزَوَّجُوا غَيْرَهُ رَجَعَ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: مَا قُبِضَ بِسَبَبِ نِكَاحٍ فَكَمَهْرٍ، وَقَالَ فِيمَا كُتِبَ فِيهِ الْمَهْرُ: لَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِطَلَاقِهَا إِذَا كَانَ مِنْهُ. [فَصْلٌ فِي الْمُفَوَّضَةِ] ِ يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الْوَاوِ وَكَسْرُهَا (وَالتَّفْوِيضُ) مَعْنَاهُ: الْإِهْمَالُ، كَأَنَّهَا أَهْمَلَتِ الْمَهْرَ حَيْثُ لَمْ يُسَمِّهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ... وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا

стр. 2423

تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ، وَتَفْوِيضُ الْمَهْرِ وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ شَاءَ أَجْنَبِيٌّ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَالنِّكَاحٌ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ، فَإِنْ فَرْضَهُ الْحَاكِمُ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمِقْدَارِهِ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى فَرْضِهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] (عَلَى ضَرْبَيْنِ: تَفْوِيضُ الْبُضْعِ) وَهُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ إِطْلَاقُ التَّفْوِيضِ إِلَيْهِ (وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، أَوْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا بِلا مَهْرٍ) أَوْ مُطْلَقًا، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فعلم مِنْهُ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] ؛ وَلِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَيَأْتِي؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الْوُصْلَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ، فَصَحَّ ذِكْرُهُ كَالنَّفَقَةِ، وَسَوَاءٌ شَرَطَا نَفْيَ الْمَهْرِ أَوْ تَرْكَا ذِكْرَهُ، فَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الثَّانِي صَحَّ (وَتَفْوِيضُ الْمَهْرِ وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ شَاءَ أَجْنَبِيٌّ وَنَحْوَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُزَوِّجْ نَفْسَهَا إِلَّا بِصَدَاقٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، فَسَقَطَ لِجَهَالَتِهِ (فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ) ؛ «لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا صَدَاقُ نَسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعُدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ، فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بِرَوْعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - امْرَأَةٌ مِنَّا بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ بِهِ» ، فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ؛ وَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْمُسَمَّى؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ لَمَا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ، كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَنَصَّفْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَقَلَ غَيْرَ الْمُسَمَّى لَهَا بِالطَّلَاقِ إِلَى الْمُتْعَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ فَرَضَ الرَّجُلُ مَهْرَ أَمَتِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا، أَوْ بَاعَهَا ثُمَّ فَرَضَ لَهَا كَانَ لِمُعْتِقِهَا أَوْ بَائِعِهَا وَإِنْ طُلِّقَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَالْمُتْعَةُ لَهَا (وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ) قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنِ امْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنَ الْمَهْرِ فَوَجَبَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِبَيَانِ قَدْرِهِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إِذِ الْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ، بِالْعَقْدِ يُفْضِي إِلَى خُلُوِّهِ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ يَقَعُ صَحِيحًا، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ، وَيَصِحُّ إِبْرَاؤُهَا مِنْهُ قَبْلَ فَرْضِهِ، وَعَنْهُ: لَا، لِجَهَالَتِهِ، وَإِنْ وَقَفَ وُجُوبُهُ عَلَى الدُّخُولِ، فَكَالْعَفْوِ عَمَّا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ (فَإِنِ) امْتَنَعَ مِنْ بَيَانِ قَدْرِهِ (فَرَضَهُ الْحَاكِمُ) ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَرَضَهُ أَجْنَبِيٌّ لَهَا

стр. 2424

جَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْإِصَابَةِ، وَرِثَهُ صَاحِبُهُ، وَلَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالْمَوْتِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَضَهُ لَهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا ــ [المبدع في شرح المقنع] لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ رَضِيَتْهُ وَفِيهِ وَجْهٌ بِالصِّحَّةِ، فَإِنْ سَلَّمَ إِلَيْهَا مَا فَرَضَ لَهَا فَرَضِيَتْهُ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ فَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ فَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ نَصِفُهُ إِلَى الزَّوْجِ و (لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمِقْدَارِهِ) ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَيْلٌ عَلَيْهِ، وَالنُّقْصَانُ مَيْلٌ عَلَيْهَا، وَالْعَدْلُ الْمِثْلُ؛ وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْرَضُ بَدَلَ الْبُضْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِهِ كَالسِّلْعَةِ، إِذَا تَلَفَتْ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهَا فَرْضُهُ بِحُكْمِهِ، فَدَلَّ أَنَّ ثُبُوتَ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ كَتَقْدِيرِهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَالنَّفَقَةَ وَنَحْوَهُ، حُكْمٌ، فَلَا يُغَيِّرُ حَاكِمٌ آخَرُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرِ السَّبَبُ، كَيُسْرِهِ فِي النَّفَقَةِ، أَوْ عُسْرِهِ. (وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى فَرْضِهِ جَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ) سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا فَقَدْ بَذَلَ لَهَا مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ رَضِيَتْ بِالْيَسِيرِ فَقَدْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَا يَجِبُ لَهَا، وَيَصِيرُ مَا فَرَضَاهُ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فِي أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ، وَلَا تَجِبُ لَهَا الْمُتْعَةُ. تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ الدُّخُولُ بِالْمَرْأَةِ قَبْلَ إِعْطَائِهَا شَيْئًا؛ لِلْخَبَرِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ: لَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا؛ لِلْخَبَرِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَيَجِبُ الْمُسَمَّى بِوَطْءٍ أَوْ خَلْوَةِ مَنْ يَطَأُ مِثْلَهُ بِمَنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا بِدُونِ مَانِعٍ عُرْفًا، وَفِي الْمَانِعِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا رِوَايَتَانِ. (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْإِصَابَةِ) وَقَبْلَ الْفَرْضِ (وِرْثَهُ صَاحِبُهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الزَّوْجِيَّةِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، فَيُورَثُ بِهِ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّصِّ (وَلَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِحَدِيثِ؛ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْتَ يَكْمُلُ بِهِ الْمُسَمَّى، فَكَمُلَ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ كَالدُّخُولِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالْمَوْتِ) ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ لَهَا يُخَالِفُ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا فِي الطَّلَاقِ، فَجَازَ أَنْ يُخَالِفَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ وَرَدَتْ عَلَى تَفْوِيضٍ صَحِيحٍ قَبْلَ فَرْضٍ وَمَسِيسٍ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ كَفُرْقَةِ الطَّلَاقِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَضَهُ لَهَا) الْحَاكِمُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَنَصَّفُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَجْعَلُهُ كَالْمُسَمَّى، وَلَوْ سَمَّى ثُمَّ مَاتَ لَوَجَبَ كُلُّهُ، فَكَذَا إِذَا فَرَضَهُ.

стр. 2425

قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إِلَّا الْمُتْعَةُ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ، فَأَعْلَاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كُسْوَةٌ تُجْزِئُهَا فِي صَلَاتِهَا، وَعَنْهُ: يَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِهَا إِلَى الْحَاكِمِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا اسْتَقَرَّ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا تَجِبُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إِلَّا الْمُتْعَةُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحٍ يَقْتَضِي عِوَضًا، فَلَمْ يُعَرَّ عَنْ ذِكْرِ الْعِوَضِ كَمَا لَوْ سَمَّى مَهْرًا ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أَيِ الْمُتْعَةُ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَقِيلَ: بِحَالِهَا، وَقِيلَ بِحَالِهِمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ (فَأَعْلَاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كُسْوَةٌ تُجْزِئُهَا فِي صَلَاتِهَا) ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَعَلَى الْمُتْعَةِ خَادِمٌ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكُسْوَةُ، وَقُيِّدَتْ بِمَا يُجْزِئُهَا فِي صَلَاتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلَّ الْكُسْوَةِ (وَعَنْهُ: يَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِهَا إِلَى الْحَاكِمِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ (وَعَنْهُ: يَجِبُ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِهِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ، يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَوَجَبَ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ كَالَّتِي سَمَّى لَهَا، وَكَمَا لَوْ سَمَّى لَهَا مُحْرِمًا. (فَإِنْ دَخَلَ بِهَا اسْتَقَرَّ مَهْرُ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ يُوجِبُ اسْتِقْرَارَ الْمُسَمَّى، فَكَذَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَهْرِ فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلِاسْتِقْرَارِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا تَجِبُ) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لَمْ يَجِبْ لَهَا مُتْعَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا أَوْ لَا؛ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا الْمُتْعَةُ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَدَلِ مَعَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالثَّانِيَةُ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ، رَوَي عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ - لِلْآيَةِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ

стр. 2426

فَصْلٌ وَ مَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ نِسَاءِ عَصَبَتِهَا ، كَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَبِنْتِ أَخِيهَا، وَعَمِّهَا، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ جَمِيعُ أَقَارِبِهَا كَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا، وَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَالِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] الْمُتْعَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا لِحُرَّةٍ، أَوْ سَيِّدِ أَمَةٍ عَلَى زَوْجٍ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، كَمَنْ لَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - قَسَّمَ الْمُطَلَّقَاتِ قِسْمَيْنِ، وَأَوْجَبَ الْمُتْعَةَ لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ، وَنِصْفَ الْمُسَمَّى لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ قَسَمٍ بِحُكْمِهِ، مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: الْعَمَلُ عِنْدِي عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِتَوَاتُرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ بِخِلَافِهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ هَذَا إِلَّا حَنْبَلٌ، وَعَنْهُ: تَجِبُ الْمُتْعَةُ إِلَّا لِمَنْ دَخَلَ بِهَا وَسَمَّى لَهَا. فَرْعٌ: لَا مُتْعَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُطَلَّقَاتِ؛ وَلِأَنَّهَا أَخَذَتِ الْعِوَضَ الْمُسَمَّى لَهَا فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا بِهِ سِوَاهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ. [مَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ نِسَاءِ عَصَبَتِهَا] فَصْلٌ (وَمَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ نِسَاءِ عَصَبَتِهَا) مِنْ جِهَةِ أَبِيهَا وَجَدِّهَا (كَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَبِنْتِ أَخِيهَا، وَعَمِّهَا) قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هُوَ الْأَوْلَى؛ «لِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بِرَوْعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ مَهْرِ قَوْمِهَا» ؛ وَلِأَنَّ شَرَفَ الْمَرْأَةِ مُعْتَبَرٌ فِي مَهْرِهَا، وَشَرَفُهَا بِعَصَبَاتِهَا؛ لِأَنَّهُمْ نُسَبَاؤُهَا، وَأُمُّهَا وَخَالَتُهَا لَا يُسَاوِيَانِهَا فِي شَرَفِهَا، وَقَدْ تَكُونُ أُمُّهَا مَوْلَاةً وَهِيَ شَرِيفَةٌ، وَبِالْعَكْسِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ نِسَاءِ عَصَبَاتِهَا، كَأُخْتِهَا لِأَبِيهَا، ثُمَّ عَمَّاتِهَا (وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ جَمِيعُ أَقَارِبِهَا كَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا) جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْمُسْتَوْعِبِ " و" الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ لَهُ أَثَرٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمُّهَا وَخَالَتُهَا يَشْمَلُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا» وَحِينَئِذٍ يَعْتَبِرُ بِمَنْ يُسَاوِيهَا فِي الصِّفَاتِ الْحَسَنَةِ وَالْمَالِ وَالْبَلَدِ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْهُنَّ. (وَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، وَالْعَقْلِ، وَالْأَدَبِ، وَالسِّنِّ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثُّيُوبَةِ، وَالْبَلَدِ) ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ بَدَلٌ مُتْلَفٌ، فَاعْتُبِرَتِ الصِّفَاتُ الْمَفْقُودَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِسَائِهَا

стр. 2427

وَالْجَمَالِ، وَالْعَقْلِ، وَالْأَدَبِ، وَالسِّنِّ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثُّيُوبَةِ، وَالْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِسَائِهَا إِلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَوْقَهَا نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا، وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّخْفِيفَ عَلَى عَشِيرَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، اعْتُبِرَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ من عَادَتهمُ التَّأْجِيلَ، فُرِضَ مُؤَجَّلًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ، اعْتُبِرَتْ بِنِسَاءِ بَلَدِهَا، ثُمَّ بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا، وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ، فَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ الدُّخُولِ ــ [المبدع في شرح المقنع] مَنْ هُوَ مِثْلُ حَالِهَا، فَمِنْ نِسَاءِ أَرْحَامِهَا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِسَائِهَا إِلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا) ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ فَضِيلَتِهَا تَقْتَضِي زِيَادَةَ الْمَهْرِ (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَوْقَهَا نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا) كَأَرْشِ الْعَيْبِ، مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ نَقْصِ الْمَبِيعِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي تَنْقِيصِ الْمَهْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ بِحَسَبِهِ (وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّخْفِيفَ عَلَى عَشِيرَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، اعْتُبِرَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي الْمِقْدَارِ، فَكَذَا فِي التَّخْفِيفِ، لَا يُقَالُ: مَهْرُ الْمِثْلِ بَدَلٌ مُتْلَفٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَعْيَانُ الزَّوْجَيْنِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمُتْلَفَاتِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمَالِيَّةُ خَاصَّةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ، وَالْمَهْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ (وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّأْجِيلَ، فُرِضَ مُؤَجَّلًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ مَهْرُ نِسَائِهَا، وَالثَّانِي: يُفْرَضُ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مُتْلَفٌ، فَوَجَبَ الْحُلُولُ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَادَةٌ بِالتَّأْجِيلِ، فَلَوِ اخْتَلَفَتْ مُهُورُهُنَّ أَخَذَ بِالْوَسَطِ الْحَالِّ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ اعْتُبِرَتْ بِنِسَاءِ بَلَدِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ (ثُمَّ بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْأَقَارِبُ اعْتَبَرَ أَقْرَبَ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ غَيْرِهِنَّ، كَمَا اعْتَبَرَ قَرَابَتَهَا الْبَعِيدَ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الْقَرِيبُ. (وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ، فَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا مَهْرَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لِمَوْتٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ بِهِ، وَتُقَرِّرُهُ بِالْخَلْوَةِ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يَسْتَقِرُّ بِهِ وَفِي الرِّعَايَةِ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا يَقَعُ، فَفِي

стр. 2428

بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا مَهْرَ فِيهِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى، وَعَنْهُ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهِيَ أَصَحُّ، وَلَا يَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَسْتَقِرُّ. وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ــ [المبدع في شرح المقنع] سُقُوطِ الْمَهْرِ وَإِيجَابِهِ احْتِمَالَانِ (فَإِنْ دَخَلَ بِهَا) وَوَطِئَهَا (اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى) فِي الْمَنْصُوصِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «وَلَهَا الَّذِي أَعْطَاهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِمَا (وَعَنْهُ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهِيَ أَصَحُّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» فَجُعِلَ لَهَا الْمَهْرُ بِالْإِصَابَةِ، وَالْإِصَابَةُ إِنَّمَا تُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ، بِدَلِيلِ الْخَبَرِ، وَأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مَسِيسِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَكَوَطْءِ الشُّبْهَةِ؛ وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَوْ فَسَدَتْ لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَكَذَا إِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ (وَلَا يَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَنْ مَنَعَتْهُ الْوَطْءَ أَوِ افْتَرَقَا بِلَا وَطْءٍ وَلَا خَلْوَةٍ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا يَسْتَقِرُّ) نَصَّ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ إِنَّمَا أَوْجَبَهُ الْوَطْءُ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَشْبَهَ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ ﵇ جَعَلَ الْمَهْرَ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ، وَقِيلَ: لَا يَكْمُلُ بِهَا. فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مَنْ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ قَبْلَ طَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ، فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ فَسَخَهُ الْحَاكِمُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: لَوْ زَوَّجَهَا قَبْلَ فَسْخِهِ لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقًا، فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا شُهُودٍ، فَفِي تَزْوِيجِهَا قَبْلَ فُرْقَةٍ رِوَايَتَانِ فِي " الْإِرْشَادِ "، وَهُمَا فِي " الرِّعَايَةِ " بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِدُونِهِمَا. [وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ] (وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، كَبَدَلِ مُتْلَفٍ (وَالْمُكْرَهَةُ عَلَى الزِّنَا) أَيْ: يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِوَطْءٍ فِي قُبُلٍ وَلَوْ مِنْ مَجْنُونٍ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،

стр. 2429

لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَالْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَا، وَلَا يَجِبُ مَعَهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ لِلْمُكْرَهَةِ، وَإِذَا دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ بِكَارَتِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الزَّوْجُ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَكُنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَعَنْهُ: الْمَهْرُ لِلْبِكْرِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ لِمُكْرَهَةٍ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ خَبِيثٌ، وَظَاهِرُهُ لَا يَجِبُ لِمُطَاوَعَةٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي "؛ لِأَنَّهَا بَاذِلَةٌ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ طَرَفِهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْأَمَةُ، وَفِي وَطْءِ دُبُرٍ وَأَمَةٍ أَذِنَتْ وَجْهَانِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": لِمُطَاوَعَةٍ، وَيَسْقُطُ، وَعَنْهُ: لَا مَهْرَ لِذَاتِ رَحِمٍ، وَعَنْهُ: تَحْرُمُ بِنْتُهَا كَلِوَاطٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: بِخِلَافِ مُصَاهَرَةٍ؛ لِأَنَّهُ طَارِئٌ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَرَضَاعٌ (وَلَا يَجِبُ مَعَهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ) كَالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ لِلْمُكْرَهَةِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافُ جُزْءٍ، فَوَجَبَ عِوَضُهُ، كَمَا لَوْ جَرَحَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ بَدْلُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَوْفَاةِ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ يَدْخُلُ فِي الْمَهْرِ؛ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ، وَمَهْرُ الْبِكْرِ عَلَى مَهْرِ الثَّيِّبِ بِبَكَارَتِهَا، وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ مُقَابِلَةً لِمَا أَتْلَفَ مِنَ الْبَكَارَةِ وَلَا يَجِبُ عِوَضُهُمَا مَرَّةً ثَانِيَةً. تَنْبِيهٌ: يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ الشُّبْهَةِ وَالزِّنَا لَا بِتَكَرُّرِ الْوَطْءِ فِي الشُّبْهَةِ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْوَطْءِ فِي الشُّبْهَةِ، لَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" النِّهَايَةِ " يَتَعَدَّدُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَوَطْئِهِ مُكَاتَبَتِهِ إِنِ اسْتَوْفَتْ مَهْرًا عَنِ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَا، وَمَنْ نِكَاحُهَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ كَالْمُزَوَّجَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ، فَهِيَ كَالْمُكْرَهَةِ، جَزَمَ بِهِ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ الْمُسَمَّى، وَعَنْهُ: لَا مَهْرَ لِمُحَرَّمَةٍ بِنَسَبٍ ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ. (وَإِذَا دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا) أَوْ أَزَالَهَا بِأُصْبُعٍ أَوْ غَيْرِهَا (فَعَلَيْهِ أَرْشُ بِكَارَتِهَا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافُ جُزْءٍ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِ دِيَتِهِ فَرَجَعَ فِيهَا إِلَى الْحُكُومَةِ كَسَائِرِ مَا لَمْ يُقَدَّرْ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكْمُلِ الصَّدَاقُ بِهِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، فَفِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ أَوْلَى (وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، ثَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ عِنْدَهُ يَتِيمَةٌ، فَخَافَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَاسْتَعَانَتْ بِنِسْوَةٍ، فَأَذْهَبْنَ عُذْرَتَهَا، وَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: فَجَرَتْ، فَأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ

стр. 2430

عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ الْمُسَمَّى. وَ لِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ ، فَإِنْ تَبَرَّعَتْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالنِّسْوَةِ، فَلَمَّا أَتَيْنَ لَمْ يَلْبَثْنَ أَنِ اعْتَرَفْنَ بِمَا صَنَعْنَ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: اقْضِ فِيهَا، فَقَالَ: الْحَدُّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا، وَالْعُقْرُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْمُمْسِكَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ إِتْلَافٌ يُسْتَحَقُّ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْعَقْدِ فَإِذَا أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ تَزَوَّجَ بِكْرًا، فَدَفَعَهَا هُوَ وَأَخُوهُ، فَأَذْهَبَا عُذْرَتَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ إِنَّ عَلَى الزَّوْجِ نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَعَلَى الْأَخِ نِصْفُ الْعُقْرِ، رَوَي عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهَذِهِ قِصَصٌ مُشْتَهِرَةٌ، وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ كَالْإِجْمَاعِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْقِيَاسُ، لَوْلَا مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ مَا بَيْنَ مَهْرِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الزَّوْجُ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ الْمُسَمَّى) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الْآيَةَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا يَسْتَحِقُّ إِتْلَافَهُ بِالْعَقْدِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ عُذْرَةَ أَمَتِهِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَجِبَ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ فَعَلَيْهِ الصَّدَاقُ، فَفِيمَا إِذَا فَعَلَهُ الزَّوْجُ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَقِيلَ: بَلَى، إِنْ قِيلَ: يَجِبُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَرْشُهَا، فَيُعْطَى حُكْمَهُ مِنْ حِينِ الْإِتْلَافِ، وَيَمْتَازُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمُسَمَّى؛ لِكَوْنِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ. فَرْعٌ: لَوْ وَطِئَ مَيِّتَةً لَزِمَهُ الْمَهْرُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ مَنْ دَخَلَ بِهَا فَوَضَعَتْ فِي يَوْمِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فِيهِ، وَطَلَّقَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فِي يَوْمِهَا مَنْ دَخَلَ بِهَا، فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِالنِّكَاحِ مَهْرَيْنِ وَنِصْفَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَتَاوِيهِ. [لِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ] (وَلِلْمَرْأَةِ) سُمِّيَ لَهَا أَوْ مُفَوِّضَةً (مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ فِي إِجْبَارِهَا أَوَّلًا عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا خَطَرًا بِإِتْلَافِ الْبُضْعِ، وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ، وَقِيلَ: أَوْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَسَافَرَ بِلَا إِذْنِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَهَا النَّفَقَةُ إِذَا امْتَنَعَتْ - وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا - وَالسَّفَرُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ بِحَقٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوِ امْتَنَعَتْ لِلْإِحْرَامِ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَّلَ أَحْمَدُ وُجُوبَ النَّفَقَةِ بِأَنَّ الْحَبْسَ مِنْ

стр. 2431

بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا، ثُمَّ أَرَادَتِ الْمَنْعَ، فَهَلْ لَهَا ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ أَعْسَرَ بِالْمَهْرِ قَبْلَ ــ [المبدع في شرح المقنع] قِبَلِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا نَفَقَةَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُؤَجَّلًا فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ رِضَاهَا بِتَأْجِيلِهِ رِضًا مِنْهَا بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِهِ كَتَأْجِيلِ الثَّمَنِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا، فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَاجِلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حُلُولِهِ بَعْدَ تَأْجِيلِهِ وَعَدَمِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقَرَّ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً أَوْ لَهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ كَمَهْرِ الصَّغِيرَةِ فِي الْأَصَحِّ. (فَإِنْ تَبَرَّعَتْ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا ثُمَّ أَرَادَتِ الْمَنْعَ، فَهَلْ لَهَا ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَبَرُّعًا، فَدَخَلَ أَوْ خَلَا، ثُمَّ أَرَادَتِ الْمَنْعَ فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْجَوَابِ عَنْهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَمْلِكُهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ اسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ بِرِضَا الْمُسَلِّمِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ كَتَسْلِيمِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَبَرِّعِ بِالتَّسْلِيمِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ قَادِحٌ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ، وَالثَّانِي - وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ -: عَلَى أَنَّ لَهَا الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ يُوجِبُهُ الْعَقْدُ، فَكَانَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ قَبْلَ صَدَاقِهَا، كَمَا لَوْ تَتَبَرَّعُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا، فَأَمَّا إِنْ وَطِئَهَا مُكْرَهَةً لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ الِامْتِنَاعِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " كَالْبَائِعِ الْمُكْرَهِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا أَظْهَرَ مَعِيبًا بَعْدَ قَبْضِهِ وَتَسْلِيمِ نَفْسِهَا أَنَّ لَهَا الْمَنْعَ. فَرْعٌ: إِذَا أَبَى كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ، أُجْبِرَ زَوْجٌ، ثُمَّ زَوْجَةٌ، وَإِنْ بَادَرَ بِهِ أَحَدُهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَبَتِ التَّسْلِيمَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَلَهُ اسْتِرْجَاعُ الصَّدَاقِ. [إِنْ أَعْسَرَ بِالْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ] (وَإِنْ أَعْسَرَ بِالْمَهْرِ) الْحَالِّ (قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْفَسْخُ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَقِيلَ: لَا يُفْسَخُ، اخْتَارَهُ

стр. 2432

الدُّخُولِ فَلَهَا الْفَسْخُ، وَإِنْ أَعْسَرَ بَعْدَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ. بَابُ الْوَلِيمَةِ وَهِيَ اسْمٌ لِدَعْوَةِ الْعُرْسِ خَاصَّةً، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ، إِذَا عَيَّنَهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] ابْنُ حَامِدٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْإِعْسَارِ كَالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، وَالثَّمَنُ كُلُّ مَقْصُودِ الْبَائِعِ، وَالْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ، وَالصَّدَاقُ فَضْلَةٌ، وَالْعَادَةُ تَأْخِيرُهُ (وَإِنْ أَعْسَرَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الدُّخُولِ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهَا، إِنْ قُلْنَا: لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْفَسْخُ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا، فَلَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ أَفْلَسَ بِدَيْنٍ آخَرَ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْحُرَّةَ مُكَلَّفَةُ الْفَسْخِ بَعْدَهُ مَا لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً بِعُسْرَتِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ تَزَوَّجَ مُفْلِسًا وَلَمْ تَعْلَمِ الْمَرْأَةُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ: عِنْدِي عِوَضٌ، وَمَالٌ، وَغَيْرُهُ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمَقَامِ فَلَا فَسْخَ فِي الْأَصَحِّ، لَكِنَّ لَهَا مَنْعَ نَفْسِهَا. فَرْعٌ: الْمَنْعُ وَالْفَسْخُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ أَوْلَى كَوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ. (وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ، وَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يُفْضِي أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ زَوْجَانِ كُلُّ وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ حِلَّهَا لَهُ وَتَحْرِيمَهَا عَلَى الْآخَرِ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ بِغَيْرِ حُكْمٍ كَخِيَارِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ؛ إِذِ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُعْتَقَةِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْوَلِيمَةِ] [تَعْرِيفُ الْوَلِيمَةِ وَحُكْمُهَا] بَابُ الْوَلِيمَةِ قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": وَلِيمَةُ الشَّيْءِ كَمَالُهُ وَجَمْعُهُ، وَسُمِّيَتْ دَعْوَةُ الْعُرْسِ وَلِيمَةً؛ لِاجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ، يُقَالُ: أَوْلَمَ، إِذَا صَنَعَ وَلِيمَةً. (وَهِيَ اسْمٌ لِدَعْوَةِ الْعُرْسِ خَاصَّةً) لَا تَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ثَعْلَبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، إِلَّا أَنَّ

стр. 2433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] اسْتِعْمَالَهَا فِي طَعَامِ الْعُرْسِ أَكْثَرُ، وَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّأْنِ، وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَوْضُوعَاتِ اللُّغَةِ، وَأَعْلَمُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ. وَالْأَطْعِمَةُ الَّتِي يُدْعَى إِلَيْهَا النَّاسُ عَشَرَةٌ: الْأُولَى: وَلِيمَةُ الْعُرْسِ، وَالثَّانِيَةُ: عُذْرَةٌ وَإِعْذَارٌ لِلْخِتَانِ، وَالثَّالِثَةُ: خُرْسَةٌ وَخُرْسٌ لِلْوِلَادَةِ، وَالرَّابِعَةُ: وَكِيرَةٌ لِدَعْوَةِ الْبِنَاءِ، وَالْخَامِسَةُ: نَقِيعَةٌ لِقُدُومِ الْغَائِبِ، وَالسَّادِسَةُ: عَقِيقَةُ الذَّبْحِ لِأَجْلِ الْوَلَدِ، وَالسَّابِعَةُ: حَذَاقٌ لِأَجْلِ حَذَاقِ الصَّبِيِّ، وَالثَّامِنَةُ: مَأْدُبَةٌ وَهِيَ كُلُّ دَعْوَةٍ بِسَبَبٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: وَالتَّاسِعَةُ: وَضِيمَةٌ وَهِيَ طَعَامُ الْمَأْتَمِ، نَقَلَهُ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ الْفَرَّاءِ، وَالْعَاشِرَةُ: تُحْفَةٌ لِقُدُومِ الْغَائِبِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، وَشَدْخِيَّةٌ: لِطَعَامِ إِمْلَاكٍ عَلَى زَوْجَةٍ، وَشَدَاخٌ: لِمَأْكُولٍ فِي خَتْمَةِ الْقَارِئِ. (وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ) بِالْعَقْدِ قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ سُنَّةٌ مَشْرُوعَةٌ؛ لِأَنَّهُ ﵇ أَمَرَ بِهَا وَفَعَلَهَا، قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: «تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَوْلِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ بِشَاةٍ فَأَقَلَّ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَكَوْنُهَا لِلْأَمْرِ، وَقَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يُكْثِرَ لِلْبِكْرِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ طَعَامٌ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ بِشَاةٍ لِلتَّقْلِيلِ أَيْ: وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ كَشَاةٍ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْوَلِيمَةَ جَائِزَةٌ بِدُونِهَا؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» (وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ) فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُ قَالَهُ فِي " الْإِفْصَاحِ "، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَهْوٌ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ ﵇: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ،

стр. 2434

الدَّاعِي الْمُسْلِمُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ دَعَى الْجَفْلَى كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَالَوْا إِلَى الطَّعَامِ، أَوْ دَعَاهُ فِيمَا بَعْدَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ، لَمْ تَجِبِ الْإِجَابَةُ، وَسَائِرُ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَيُتْرَكُ لَهَا الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كُلَّ طَعَامِ الْوَلَائِمِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمَا أَمَرَ بِهَا وَلَا نَدَبَ إِلَيْهَا، وَاسْتَحَبَّ فِي " الْغُنْيَةِ " إِجَابَةَ وَلِيمَةِ عُرْسٍ، وَكَرِهَ حُضُورَ غَيْرِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّهَا إِكْرَامٌ وَمُوَالَاةٌ، أَشْبَهَ رَدَّ السَّلَامِ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبَّةٌ لِفِعْلِهَا، وَعَنْهُ: إِنْ دَعَاهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ فَإِجَابَتُهُ أَفْضَلُ (إِذَا عَيَّنَهُ الدَّاعِي الْمُسْلِمُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ) فَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ إِلَيْهَا شُرُوطٌ مِنْهَا: أَنْ يُعَيِّنَ الدَّاعِي الْمَدْعُوَّ بِالدَّعْوَى، فَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا إِلَى الْوَلِيمَةِ لَمْ يُجِبْ؛ لِعَدَمِ كَسْرِ الْقَلْبِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُسْلِمًا، فَلَا تَجِبُ بِدَعْوَى الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلْإِكْرَامِ وَالْمُوَالَاةِ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّهِ، وَعَنْهُ: فِي جَوَازِ تَهْنِئَتِهِمْ وَتَعْزِيَتِهِمْ وَعِيَادَتِهِمْ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا يُخَرَّجُ فِي إِجَابَتِهِمْ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَلَّا يَجُوزَ هَجْرُهُ، فَإِنْ جَازَ كَمُبْتَدِعٍ وَنَحْوِهِ لَمْ تَجِبْ، وَمَنَعَ فِي " الْمِنْهَاجِ " مِنْ فَاسِقٍ وَمُبْتَدَعٍ وَمُفَاخِرٍ بِهَا، أَوْ فِيهَا مُبْتَدِعٌ يَتَكَلَّمُ بِبِدْعَتِهِ إِلَّا لِرَادٍّ عَلَيْهِ، وَكَذَا مُضْحِكٌ بِفُحْشٍ أَوْ كَذِبٍ، وَإِلَّا أُبِيحَ الْقَلِيلُ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِنْ عَلِمَ حُضُورَ الْأَرَاذِلِ، وَمَنْ مُجَالَسَتُهُمْ تُزْرِي بِمِثْلِهِ لَمْ يُجِبْ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِي لَمْ يُجِبْ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِي سُنَّةٌ، وَالثَّالِثُ سُمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْغَرَائِبِ، وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَكْسَبُهُ طَيِّبًا فِي الْمَنْصُوصِ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا مُنْكَرًا، وَسَيَأْتِي. (فَإِنْ دَعَى الْجَفْلَى كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَالَوْا إِلَى الطَّعَامِ) أَوْ يَقُولُ الرَّسُولُ أُمِرْتُ أَنْ أَدْعُوَ مَنْ لَقِيتُ أَوْ شِئْتُ، فَهَذِهِ دَعْوَةٌ عَامَّةٌ لَا يُخَصُّ فِيهَا أَحَدٌ (أَوْ دَعَاهُ فِيمَا بَعْدَ

стр. 2435

الدَّعَوَاتِ وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. وَإِذَا حَضَرَ وَهُوَ صَائِمٌ صَوْمًا وَاجِبًا لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ كَانَ نَفْلًا أَوْ كَانَ مُفْطِرًا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْأَكْلُ، فَإِنْ أَحَبَّ، دَعَا ــ [المبدع في شرح المقنع] الْيَوْمِ الْأَوَّلِ) أَيْ: إِذَا تَكَرَّرَ فِعْلُ الْوَلِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ جَازَ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ عَرَّسَ الْأَنْصَارُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي الثَّانِي فَيُسْتَحَبُّ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَيُكْرَهُ فِي الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ مَرَّتَيْنِ فَأَجَابَ، فَلَمَّا دُعِيَ الثَّالِثَةَ حَصَبَ الرَّسُولَ رَوَاهُ الْخَلَّالُ (أَوْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ لَمْ تَجِبِ الْإِجَابَةُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ اخْتِلَاطَ طَعَامِهِمْ بِالْحَرَامِ وَالنَّجَاسَةِ، وَدَعْوَاهُ الْجَفْلَى وَإِجَابَةُ الذِّمِّيِّ قِيلَ بِجَوَازِهَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الذِّمِّيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: يَأْكُلُ عِنْدَ الْمَجُوسِيِّ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، مَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْ قُدُورِهِمْ. (وَسَائِرُ الدَّعَوَاتِ وَالْإِجَابَةِ إِلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ) قَطَعَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي كُتُبِهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَجَبْرِ الْقُلُوبِ؛ وَلِأَنَّ فِي فِعْلِهَا شُكْرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِظْهَارًا لِإِحْسَانِهِ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَمُثَنَّى: يَجِبُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عُرْسٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَجَوَابُهُ بِحَمْلِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى إِبَاحَةِ بَقِيَّةِ الدَّعَوَاتِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْعَقِيقَةُ، فَإِنَّهَا تُسَنُّ، وَعَنْهُ: تُكْرَهُ دَعْوَةُ الْخِتَانِ؛ لِقَوْلِ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: «كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا نُدْعَى إِلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَكَالْمَأْتَمِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الْإِجَابَةَ إِلَى دَعْوَةِ الْخِتَانِ مُبَاحَةٌ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ كَعَمَلِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِجَابَةِ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الْغُنْيَةِ ": يُكْرَهُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى إِجَابَةِ الطَّعَامِ وَالتَّسَامُحِ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً وَشَرَهًا لَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ. [إِذَا حَضَرَ الْوَلِيمَةَ وَهُوَ صَائِمٌ صَوْمًا وَاجِبًا] (وَإِذَا حَضَرَ وَهُوَ صَائِمٌ صَوْمًا وَاجِبًا لَمْ يُفْطِرْ) يَعْنِي: أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا دُعِيَ تَسْقُطُ الْإِجَابَةُ، فَإِذَا حَضَرَ وَكَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا لَمْ يُفْطِرْ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

стр. 2436

وَانْصَرَفَ، وَإِنْ دَعَاهُ اثْنَانِ، أَجَابَ أَوَّلَهُمَا، فَإِنِ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا، ثُمَّ أَقْرَبَهُمَا ــ [المبدع في شرح المقنع] «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيَدْعُ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ: «إِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» ؛ وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ؛ وَلِأَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ يَعْذُرُهُ فَلَا يُؤَدِّي إِلَى كَسْرِ قَلْبِهِ (وَإِنْ كَانَ نَفْلًا) أَفْطَرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَقِيلَ: إِنْ جَبَرَ قَلْبَ دَاعِيهِ، وَقِيلَ: يَدْعُو أَوْ يَنْصَرِفُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِعْلَامُهُمْ بِصَوْمِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ تَزُولُ وَيَتَمَهَّدُ عُذْرُهُ (أَوْ كَانَ مُفْطِرًا اسْتُحِبَّ لَهُ الْأَكْلُ) إِنْ شَاءَ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وُجُوبُهُ، وَفِي مُنَاظَرَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ: لَوْ غَمَسَ أُصْبُعَهُ فِي مَاءٍ وَمَصَّهَا حَصَلَ بِهِ إِرْضَاءُ الشَّرْعِ، وَإِزَالَةُ الْمَأْثَمِ بِإِجْمَاعِنَا، وَمِثْلُهُ لَا يُعَدُّ إِجَابَةً عُرْفًا بَلِ اسْتِخْفَافًا بِالدَّاعِي (فَإِنْ أَحَبَّ دَعَا وَانْصَرَفَ) ؛ لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ ﵇: «وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ» ؛ وَلِأَنَّ الْأَكْلَ غَيْرُ وَاجِبٍ نَصًّا؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَوْلُهُ: فَلْيَطْعَمْ، مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْأَكْلُ لَوَجَبَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ بِالصَّوْمِ، بَلِ الْمَقْصُودُ الْإِجَابَةُ (وَإِنْ دَعَاهُ اثْنَانِ أَجَابَ أَوَّلَهُمَا) ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ؛ وَلِأَنَّ إِجَابَتَهُ وَجَبَتْ بِدَعْوَتِهِ فَلَمْ تَزُلْ بِدَعْوَةِ الثَّانِي، وَالسَّبْقُ بِالْقَوْلِ وَقِيلَ بِالْبَابِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُجِيبُ الثَّانِي، وَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِإِجَابَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إِجَابَةُ الثَّانِي مَعَ عَدَمِ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ، لَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ إِلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ مِثْلِهِ، بَلْ أَرْجَحُ فَإِنِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لَهُمَا وَجَبَا لِلْأَخْبَارِ (فَإِنِ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الدِّينِ لَهَا أَثَرٌ فِي التَّقْدِيمِ بِدَلِيلِ الْأَمَانَةِ (ثُمَّ أَقْرَبَهُمَا جِوَارًا) وَكَذَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «إِذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ

стр. 2437

جِوَارًا. وَ إِنْ عَلِمَ أَنَّ فِي الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا كَالزَّمْرِ وَالْخَمْرِ، وَأَمْكَنَهُ الْإِنْكَارُ، حَضَرَ وَأَنْكَرَ، وَإِلَّا لَمْ يَحْضُرْ، وَإِنْ حَضَرَ فَشَاهَدَ الْمُنْكَرَ، أَزَالَهُ وَجَلَسَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ انْصَرَفَ، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ، فَلَهُ الْجُلُوسُ، وَإِنْ شَاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فِيهَا صُوَرُ الْحَيَوَانِ، لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا أَنْ تُزَالَ، فَإِنْ كَانَتْ مَبْسُوطَةً أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبَهُمَا جِوَارًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": يُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا ثُمَّ أَقْرَبُهُمَا، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الْكَافِي ": يُقَدَّمُ أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا ثُمَّ رَحِمًا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " و" الرِّعَايَةِ " و" الْوَجِيزِ " عَكْسُهُ ثُمَّ الْقُرْعَةُ بَعْدَ الْكُلِّ. [إِنْ عَلِمَ أَنَّ فِي الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا] (وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِي الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا كَالزَّمْرِ وَالْخَمْرِ، وَأَمْكَنَهُ الْإِنْكَارُ، حَضَرَ وَأَنْكَرَ) ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضَيْنِ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ وَإِزَالَةَ الْمُنْكَرِ (وَإِلَّا) إِذَا لَمْ يُمْكِنُهُ الْإِنْكَارُ (لَمْ يَحْضُرْ) لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الْحُضُورِ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدُ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا خَمْرٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ؛ وَلِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْمُنْكَرَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ، فَمُنِعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ شَاهَدَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِزَالَتِهِ (وَإِنْ حَضَرَ فَشَاهَدَ الْمُنْكَرَ، أَزَالَهُ وَجَلَسَ) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ مَصْلَحَتَيِ الْإِنْكَارِ وَمَقْصُودِ الْإِجَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ انْصَرَفَ) ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ مَعَ مُشَاهَدَةِ التَّحْرِيمِ حَرَامٌ، وَقَدْ خَرَجَ أَحْمَدُ مِنْ وَلِيمَةٍ فِيهَا آنِيَةٌ فِضَّةٌ، فَقَالَ الدَّاعِي: نُحَوِّلُهَا فَلَمْ يَرْجِعْ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ (وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ فَلَهُ الْجُلُوسُ) ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ رُؤْيَةُ الْمُنْكَرِ وَسَمَاعِهِ، وَلَوْ يُوجَدُ وَاحِدٌ مِنْهَا، وَلَهُ الْأَكْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَهُ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْحُضُورِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، كَإِسْقَاطِ الدَّاعِي حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِاتِّخَاذِ الْمُنْكَرِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ، وَفِي الْمَذْهَبِ، و" الْمُسْتَوْعِبِ ": لَا يَنْصَرِفُ، وَقَالَهُ أَحْمَدُ، وَإِنْ وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَى رِوَايَةٍ أَوْ قَوْلٍ (وَإِنْ شَاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فِيهَا صُوَرُ الْحَيَوَانِ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا أَنْ تُزَالَ) أَيْ: إِذَا كَانَتْ صُورَةُ الْحَيَوَانِ عَلَى السُّتُورِ وَالْحِيطَانِ وَمَا لَا يُوطَأُ، وَأَمْكَنَهُ حَطُّهَا أَوْ قَطْعُ

стр. 2438

عَلَى وِسَادَةٍ، فَلَا بَأْسَ بِهَا، وَإِنْ سُتِرَتِ الْحِيطَانُ بِسُتُورٍ لَا صُوَرَ فِيهَا أَوْ فِيهَا صُوَرُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، فَهَلْ يُبَاحُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَا يُبَاحُ الْأَكْلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَالدُّعَاءُ ــ [المبدع في شرح المقنع] رَأْسِهَا، فَعَلَ ذَلِكَ وَجَلَسَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، انْصَرَفَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ؛ «لِأَنَّ عَائِشَةَ نَصَبَتْ سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَعَهُ، قَالَتْ: فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنِ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا دُخُولُ مَنْزِلٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجْلِهِ عُقُوبَةً لِلدَّاعِي بِإِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ لِاتِّخَاذِهِ الْمُنْكَرَ فِي دَارِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ رَآهُ فِي مَنْزِلِ الدَّاعِي الْخُرُوجُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَفِيهِ وَجْهٌ. فَائِدَةٌ: إِذَا قُطِعَ رَأْسُ الصُّورَةِ، أَوْ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ ذَهَابِهِ أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عَنِ الْبَدَنِ، لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَهُ كَالْيَدِ وَالْعَيْنِ، فَهُوَ صُورَةٌ وَصَنْعَةُ التَّصَاوِيرِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى فَاعِلِهَا؛ لِلْإخْبَارِ، وَالْأَمْرُ بِعَمَلِهَا مُحَرَّمٌ كَعَمَلِهَا. (فَإِنْ كَانَتْ مَبْسُوطَةً أَوْ عَلَى وِسَادَةٍ، فَلَا بَأْسَ بِهَا) ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِهَانَةً لَهَا؛ وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ تَعْلِيقِهَا إِنَّمَا كَانَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالْإِغْرَارِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي تُعْبَدُ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْبُسُطِ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى نُمْرُقَةٍ فِيهَا تَصَاوِيرُ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إِهَانَةً كَالْبُسُطِ (وَإِنْ سُتِرَتِ الْحِيطَانُ بِسُتُورٍ) غَيْرِ حَرِيرٍ (لَا صُوَرَ فِيهَا أَوْ فِيهَا صُوَرُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، فَهَلْ يُبَاحُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا يُكْرَهُ، وَهُوَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ خَرَجَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ دَعَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَرَأَى الْبَيْتَ قَدْ سُتِّرَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَابْنُ عُمَرَ أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: دُعِيَ حُذَيْفَةُ، فَخَرَجَ، وَإِنَّمَا رَأَى شَيْئًا مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ وَكَرَاهَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ فِي ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ بِهِ التَّحْرِيمَ، وَالْأُخْرَى: يَحْرُمُ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسْتُرَ الْجُدُرُ» وَكَمَا لَوْ كَانَتِ السُّتُرُ حَرِيرًا، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في تحريمه حَدِيثٌ، وَلَوْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ كَانَ ضَرُورَةً مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ

стр. 2439

إِلَى الْوَلِيمَةِ إِذْنٌ فِيهَا، وَالنُّثَارُ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهٌ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ وَمَنْ حَصَلَ فِي ــ [المبدع في شرح المقنع] لِحَاجَةٍ، أَشْبَهَ السُّتُرَ عَلَى الْبَابِ، وَفِي جَوَازِ خُرُوجِهِ لِأَجْلِهِ وَجْهَانِ، فَلَوْ كَانَ فِيهَا آنِيَةٌ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، فَهُوَ مُنْكَرٌ يَخْرُجُ مِنْ أَجْلِهِ، وَكَذَا مَا كَانَ مِنِ الْفِضَّةِ مُسْتَعْمَلًا كَالْمُكْحُلَةِ. (وَلَا يُبَاحُ الْأَكْلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ) صَرِيحٍ أَوْ قَرِينَةٍ، كَدُعَائِهِ إِلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُحَرَّمٌ، كَلُبْسِ ثَوْبِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ (وَالدُّعَاءُ إِلَى الْوَلِيمَةِ إِذْنٌ فِيهَا) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا دُعِيتَ فَقَدْ أُذِنَ لَكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ بَيْتِ قَرِيبِهِ وَصَدِيقِهِ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ عَنْهُ، نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": لَيْسَ الدُّعَاءُ إِذْنًا لِلدُّخُولِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَابْنُ عَقِيلٍ، فِيمَنْ كَتَبَ مِنْ مَحْبَرَةِ غَيْرِهِ يَجُوزُ فِي حَقِّ مَنْ تَنْبَسِطُ إِلَيْهِ، وَيَأْذَنُ لَهُ عُرْفًا. (وَالنُّثَارُ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنِ النُّهْبَة وَالْمُثْلَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَزَاحُمًا وَقِتَالًا، وَقَدْ يَأْخُذُهُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِهِ، وَرُبَّمَا دَلَّ عَلَى دَنَاءَةِ نَفْسِ الْمُنْتَهِبِ، لَا يُقَالُ: ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إِبَاحَةٍ لِمَالٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا كَسَائِرِ الْإِبَاحَاتِ (وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ قَالَ: «قُرِّبَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَمْسُ بَدَنَاتٍ أَوْ سِتٌّ، فَقَالَ: مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا جَارٍ مَجْرَى النُّثَارِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَجَعَلَ يُزَاحِمُ النَّاسَ عَلَى النُّهْبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَمَا نَهَيْتَنَا عَنِ النُّهْبَةِ؟ قَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْعَسَاكِرِ، وَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْوَلَائِمِ» رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إِبَاحَةٍ، أَشْبَهَ إِبَاحَةَ الطَّعَامِ لِلضِّيفَانِ، وَعَنْهُ: لَا

стр. 2440

حِجْرِهِ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ إِعْلَانُ النِّكَاحِ، وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ. ــ [المبدع في شرح المقنع] يُعْجِبُنِي، هَذِهِ نُهْبَةٌ لَا تُؤْكَلُ، وَفَرَّقَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ بِذَبْحِهِ زَالَ مِلْكُهُ، وَالْمَسَاكِينُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، وَالنَّثَرُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ (وَمَنْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَهُوَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَمَلَكَهُ كَمَا لَوْ وَثَبَتْ إِلَيْهِ سَمَكَةٌ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " يَمْلِكُهُ مَعَ الْقَصْدِ، وَبِدُونِ الْقَصْدِ وَجْهَانِ. فَرْعٌ: إِذَا قَسَّمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ فَلَا بَأْسَ؛ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «قَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا» ، وَقَدْ روي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ حَذَقَ بَعْضُ وَلَدِهِ، فَقَسَّمَ عَلَى الصِّبْيَانِ الْجَوْزَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ؛ وَلِأَنَّ بِذَلِكَ تَنْتَفِي الْمَفْسَدَةُ، مَعَ أَنَّ فِيهِ إِطْعَامَ الطَّعَامِ، وَجَبْرَ الْقُلُوبِ وَانْبِسَاطَهَا، وَهُوَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ. ١ - (وَيُسْتَحَبُّ إِعْلَانُ النِّكَاحِ، وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ) ؛ لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: الصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَظْهَرَ النِّكَاحُ، وَيُضْرَبَ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ، حَتَّى يُشْتهَرَ وَيُعْرَفَ، قِيلَ: مَا الدُّفُّ؟ قَالَ: هَذَا الدُّفُّ، قِيلَ لَهُ - فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ -: يَكُونُ فِيهِ جَرَسٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ، وَالصَّوْتُ فِي الْأمْلَاكِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ، وَيَتَحَدَّثُ، وَيَظْهَرُ، وَلَا بَأْسَ بِالْغَزَلِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ ﵇ لِلْأَنْصَارِ «أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ» . وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الضَّرْبُ بِهِ لِلنِّسَاءِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَظَاهِرُ نَصِّهِ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَدُلُّ عَلَى التَّسْوِيَةِ، قِيلَ لَهُ: فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ مَا تَرَى لِلنَّاسِ الْيَوْمَ تُحَرِّكُ

стр. 2441

فَصْلٌ يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] الدُّفَّ فِي إِمْلَاكٍ أَوْ بِنَاءٍ بِلَا غِنَاءٍ فَلَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ، وَخِتَانٌ وَقُدُومُ غَائِبٍ مِثْلُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ تَحْرِيمُ كُلِّ مَلْهَاةٍ سِوَاهُ، كَمِزْمَارٍ وَطُنْبُورٍ، وَرَبَابٍ، وَجُنْكٍ، سَوَاءٌ اسْتُعْمِلَ لِحُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ، وَسَأَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ عَنِ النَّفْخِ فِي الْقَصَبَةِ كَالْمِزْمَارِ، قَالَ: أَكْرَهُهُ، وَفِي الْقِصَصِ وَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": لَا يُكْرَهُ إِلَّا مَعَ تَصْفِيقٍ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ رَقْصٍ وَنَحْوِهِ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الطَّبْلَ لِغَيْرِ حَرْبٍ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِتَنْهِيضِ طِبَاعِ الْأَوْلِيَاءِ، وَكَشْفِ صُدُورِ الْأَعْدَاءِ، وَلَيْسَ عَبَثًا. [فَصْلٌ يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ] فَصْلٌ يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ الْأَوَّلُ: يُسْتَحَبُّ غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدِهِ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ قَبْلَهُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَاسْتَحَبَّهُ فِي الْمُذْهَبِ بَعْدَ أَنْ قَالَهُ عُمَرُ، وَيُكْرَهُ بِطَعَامٍ، وَلَا بَأْسَ بِنُخَالَةٍ، وَغَسْلُهُ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي أُكِلَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُكْرَهُ بِدَقِيقِ حِمَّصٍ، وَعَدَسٍ، وَبَاقِلٍ، وَنَحْوِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَخْذُهُ، فَإِنْ عِلِمَ بِهِ بِقَرِينَةٍ رِضَا مَالِكِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": يُكْرَهُ، وَقِيلَ يُبَاحُ، وَإِنَّهُ يُكْرَهُ مَعَ ظَنِّهِ رِضَاهُ، وَلَا يُمَلَّكُهُ بِتَقْدِيمِهِ إِلَيْهِ، بَلْ يَهْلَكُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ. الثَّالِثُ: يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ قَبْلَ غَسْلِهَا أَوْ يَلْعَقُهَا، وَيَعْرِضُ الْمَاءُ لِغَسْلِهِمَا، وَيُقَدِّمُهُ بِقُرْبِ الطَّعَامِ وَبُعْدِهِ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ وَلَا يَعْرِضُهُ - ذَكَرَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ ". الرَّابِعُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّسْمِيَةُ فِي ابْتِدَائِهِ، وَيَأْكُلُ بِيَمِينِهِ، وَيَحْمَدُ إِذَا فَرَغَ، وَقِيلَ: يَجِبُ ذَلِكَ، قَالَ الْأَصْحَابُ: يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ زَادَ " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " كَانَ بِخِلَافِ الذَّبْحِ، وَنَقَلَ

стр. 2442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] ابْنُ هَانِئٍ أَنَّهُ جَعَلَ عِنْدَ كُلِّ لُقْمَةٍ يُسَمِّي وَيَحْمَدُ، قَالَ أَحْمَدُ: يَأْكُلُ بِالسُّرُورِ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَبِالْإِيثَارِ مَعَ الْفُقَرَاءِ، وَبِالْمُرُوءَةِ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، وَأَكْلٌ وَحَمْدٌ خَيْرٌ مِنْ أَكْلٍ وَصَمْتٍ. الْخَامِسُ: يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مِمَّا يَلِيهِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالطَّعَامُ نَوْعٌ وَاحِدٌ، قَالَ الْآمِدِيُّ: لَا بَأْسَ، وَهُوَ وَحْدَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَيَخْلَعُ نَعْلَيْهِ. السَّادِسُ: يُكْرَهُ عَيْبُ الطَّعَامِ، وَحَرَّمَهُ فِي " الْغُنْيَةِ "، وَنَفْخُهُ فِيهِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ حَارٌّ. وَأَكْلُهُ حَارًّا، أَوْ فِعْلُ مَا يَسْتَقْذِرُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَرَفْعٌ قَبْلَهُمْ بِلَا قَرِينَةٍ، وَمَدْحُ طَعَامِهِ وَتَقْوِيمِهِ، وَحَرَّمَهُمَا فِي " الْغُنْيَةِ "، وَتَنَفُّسُهُ فِي إِنَائِهِ، وَأَكْلُهُ مِنْ وَسَطِهِ وَأَعْلَاهُ، قَالَ أَحْمَدُ وَمُتَّكِئًا وَعَلَى الطَّرِيقِ قَالَهُ فِي الْغُنْيَةِ. السَّابِعُ: يُكْرَهُ قِرَانُهُ فِي التَّمْرِ، وَقِيلَ: مَعَ شَرِيكٍ لَمْ يَأْذَنْ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَا قِرَانُ مَا الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِتَنَاوُلِهِ مُفْرَدًا، وَنَقَلَ مُهَنَّا: أَكْرَهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْخُبْزُ عَلَى الْمَائِدَةِ، وَلَا بَأْسَ بِتَكْسِيرِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: لِئَلَّا يَعْرِفَ مَا يَأْكُلُونَ. الثَّامِنُ: لَهُ قَطْعُ لَحْمٍ بِسِكِّينٍ، وَالنَّهْيِ عَنْهُ لَا يَصِحُّ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجُّوا بِنَهْيٍ ضَعِيفٍ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ عَلَى قَوْلٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ هُنَا مِثْلُهُ بِلَا حَاجَةٍ. التَّاسِعُ: يَجُوزُ أَكْلُهُ كَثِيرًا حَيْثُ لَا يُؤْذِيهِ، وَفِي " الْغُنْيَةِ ": يُكْرَهُ مَعَ خَوْفِ تُخَمَةٍ، وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَكَذَا الْإِسْرَافُ فِيهِ إِلَى مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ، وَلَا بَأْسَ بِإِطْعَامِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، كَسَائِلٍ، وَسِنَّوْرٍ، وَتَلْقِيمٍ، وَفِي تَقْدِيمِ الْأَظْهَرِ جَوَازُهُ. الْعَاشِرُ: لَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ قَائِمًا، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَسَأَلَهُ صَالِحٌ عَنْ شُرْبِهِ قَائِمًا فِي نَفَسٍ، قَالَ: أَرْجُو، وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ كَأَكْلٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ قَائِمًا، وَيَتَوَجَّهُ كَشُرْبٍ، قَالَهُ شَيْخُنَا: وَكَرِهَ أَحْمَدُ الشُّرْبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ، وَالْجُلُوسَ بَيْنَ ظِلٍّ وَشَمْسٍ، وَالنَّوْمَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَعَلَى سَطْحٍ غَيْرِ مُحَجَّرٍ، وَاسْتَحَبَّ الْقَائِلَةَ نِصْفَ النَّهَارِ وَالنَّوْمَ إِذَنْ.

стр. 2443

بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ لَا يَمْطُلَهُ بِحَقِّهِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] الْحَادِي عَشَرَ: لَا بَأْسَ بِالتَّخْلِيلِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: تَرْكُ الْخُلَالِ يُوهِنُ الْأَسْنَانَ، قَالَ الْأَطِبَّاءُ: هُوَ نَافِعٌ لِلَّثَةِ وَتَغَيُّرٌ لِلنَّكْهَةِ. الثَّانِي عَشَرَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَخْلِطَ الْمُسَافِرُونَ أَزْوَادَهُمْ وَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ السَّلَفِ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَاهَدَ فِي الطَّعَامِ وَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ، لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ، وَيَتَوَجَّهُ رِوَايَةُ: لَا يَتَصَدَّقُ مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنٍ. مَسْأَلَةٌ: لَهُ دُخُولُ بَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ وَالصَّلَاةُ فِيهِمَا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: مَعَ صُورَةٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: تَحْرِيمُ دُخُولِهِ مَعَهَا، وَيَحْرُمُ شُهُودُ عِيدٍ لِيَهُودٍ أَوْ نَصَارَى، نَقَلَهُ مُهَنَّا، وَكَرِهَهُ الْخَلَّالُ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ أَنْ يَفْعَلَ كَفِعْلِهِمْ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - لَا الْبَيْعُ لَهُمْ فِيهَا - نَقَلَهُ مُهَنَّا، وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَخَرَّجَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي حَمْلِ التِّجَارَةِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ وَإِنَّ مِثْلَهُ مُهَادَاتُهُمْ لِعِيدِهِمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ] [الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ] بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَهِيَ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالِانْضِمَامِ (يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ) وَالْمُرَادُ هُنَا: النَّصَفَةُ، وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ مَعَ الْأَهْلِ (وَأَنْ لَا يَمْطُلَهُ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ، وَالْمَطْلُ الدَّفْعُ عَنِ الْحَقِّ بِوَعْدٍ (بِحَقِّهِ، وَلَا يُظْهِرُ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] ، ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ، كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيكُمْ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ: هُوَ الْمُعَاشَرَةُ الْحَسَنَةُ، وَالصُّحْبَةُ الْجَمِيلَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ، كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي؛ لِهَذِهِ الْآيَةِ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ تَحْسِينُ الْخَلْقِ وَالرِّفْقِ، وَاسْتَحَبَّهُمَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " كَاحْتِمَالِ أَذَاهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] .

стр. 2444

وَلَا يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِهِ، وَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ، إِذَا طَلَبَهَا، وَكَانَتْ حُرَّةً يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَلَمْ يشْتَرِطْ دَارَهَا، وَإِنْ سَأَلَتِ الْإِنْظَارَ، وَأُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِصْلَاحِ أَمْرِهَا فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا إِلَّا ــ [المبدع في شرح المقنع] قِيلَ: هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رُبَّمَا رُزِقَ مِنْهَا وَلَدٌ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ ماتَتْ وَزَوْجُهَا رَاضٍ عَنْهَا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ عَلَيْهَا آكَدُ مِنْ حَقِّهَا عَلَيْهِ. (وَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ) ؛ لِأَنَّ بِالْعَقْدِ يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ تَسْلِيمَ الْمُعَوَّضِ، كَمَا تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ تَسْلِيمَ الْعِوَضِ، وَكَالْإِجَارَةِ (فِي بَيْتِ الزَّوْجِ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَمَلَكَ تَعْيِينَ مَوْضِعِهِ، وَلَهُ شُرُوطٌ (إِذَا طَلَبَهَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَلَا يَجِبُ بِدُونِ الطَّلَبِ (وَكَانَتْ حُرَّةً) ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُهَا مُطْلَقًا، بَلْ لَيْلًا؛ لِأَنَّ النَّهَارَ تَكُونُ فِي خِدْمَةِ سَيِّدِهَا (يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ إِنَّمَا وَجَّبَ ضَرُورَةَ اسْتِيفَاءِ الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ نِضْوَةَ الْخِلْقَةِ وَهُوَ جَسِيمٌ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ مَرِيضَةً مَرَضًا مُزْمِنًا، وَيَقْبَلُ قَوْلَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ فِي ضِيقِ فَرْجِهَا، وَعِبَالَةِ ذَكَرِهِ وَنَحْوِهِ، وَتَنْظُرُهُمَا وَقْتَ اجْتِمَاعِهِمَا لِلْحَاجَةِ، وَلَوْ أَنْكَرَ أَنَّ وَطْأَهُ يُؤْذِيهَا لَزِمَهَا الْبَيِّنَةُ، وَنُصَّ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بِنْتَ تِسْعٍ، قَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ هَذَا عِنْدِي عَلَى سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، وَلَا يَلْزَمُ ابْتِدَاءُ تَسْلِيمِ مُحَرَّمَةٍ، وَمَرِيضَةٍ، وَصَغِيرَةٍ، وَحَائِضٍ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَطَأُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ (وَلَمْ يشْتَرِطْ دَارَهَا) فَإِنْ شَرَطَتْهُ لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا فِي دَارِهَا (وَإِنْ سَأَلَتِ الْإِنْظَارَ أُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِصْلَاحِ أَمْرِهَا فِيهَا) ؛ لِأَنَّ

стр. 2445

بِاللَّيْلِ. وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِضِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِهَا، وَلَهُ السَّفَرُ ــ [المبدع في شرح المقنع] ذَلِكَ يَسِيرٌ جَرَتِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇: «لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا، حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمَغِيبَةُ» فَمَنَعَ مِنَ الطُّرُوقِ، وَأَمَرَ بِإِمْهَالِهَا لِتُصْلِحَ أَمْرَهَا مَعَ تَقَدُّمِ صُحْبَتِهَا لَهُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الْكَافِي " و" الشَّرْحِ " بِالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ لَا لِعَمَلِ جِهَازِهَا، وَكَذَا لَوْ سَأَلَ هُوَ الْإِنْظَارَ، وَفِي " الْغُنْيَةِ ": إِنِ اسْتَمْهَلَتْ هِيَ أَوْ أَهْلُهَا اسْتُحِبَّ لَهُ إِجَابَتُهُمْ مَا يُعْلَمُ بِهِ التَّهَيُّؤُ مِنْ شِرَاءِ جِهَازٍ، وَتَزَيُّنٍ، وَوَلِيُّ مَنْ بِهِ صِغَرٌ أَوْ جُنُونٌ مِثْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا إِلَّا بِاللَّيْلِ) مَعَ الْإِطْلَاقِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةُ عَقْدٍ عَلَى إِحْدَى مَنْفَعَتِهَا، فَلَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَمَا لَوْ آجَرَهَا لِخِدْمَةِ النَّهَارِ، فَلَوْ شَرَطَهُ نَهَارًا أَوْ بَذَلَهُ سَيِّدٌ وَجَبَ حَتَّى وَلَوْ شَرَطَهَا كَوْنَهَا عِنْدَ السَّيِّدِ، فَإِنْ بَذَلَهُ وَقَدْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ فَوَجْهَانِ. [لِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِزَوْجَتِهِ مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِضِ] (وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِضِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِهَا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] ؛ وَلِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ بَاتَتْ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعْنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ الِاسْتِمْتَاعُ، فَإِذَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِضِ، وَلَمْ يَضُرَّ بِهَا، وَجَبَ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ: لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِي قُبُلٍ وَلَوْ مِنْ جِهَةِ الْعَجُزِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَرِهَ الْعُلَمَاءُ الْوَطْءَ بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى تَنُّورٍ أَوْ ظَهْرِ قَتَبٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، وَلَا تتَطَوَّعَ بِصَلَاةٍ وَصَوْمٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، وَأَنَّهَا تُطِيعُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَهَا بِهِ مِنْ الطَّاعَةِ (وَلَهُ السَّفَرُ بِهَا) حَتَّى لَوْ كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُسَافِرُ بِنِسَائِهِ؛ وَلِأَنَّهُ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ وَهُوَ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ بِلَا إِذْنٍ، بِشَرْطِ أَمْنِ الطَّرِيقِ (إِلَّا أَنْ تَشْتَرِطَ بَلَدَهَا) ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» أَوْ تَكُونَ أَمَةً، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ السَّفَرَ بِهَا فَقَدْ

стр. 2446

بِهَا إِلَّا أَنْ تَشْتَرِطَ بَلَدَهَا. وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا فِي الْحَيْضِ، وَلَا الدُّبُرِ. وَ لَا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَلَا عَنِ الْأَمَةِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا، وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غُسْلِ الْحَيْضِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ ذَلِكَ، وَفِي مِلْكِ السَّيِّدِ لَهُ بِلَا إِذْنِ زَوْجٍ صَحِبَهُ أَمْ لَا، وَجْهَانِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا لَوْ بَوَّأَهَا مَسْكَنًا لِيَأْتِيَهَا الزَّوْجُ فِيهِ هَلْ يَلْزَمُهُ؟ قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ ". فَرْعٌ: لَهُ السَّفَرُ بِعَبْدِهِ الْمُزَوَّجِ بِدُونِ إِذْنِ زَوْجَتِهِ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَاسْتِخْدَامُهُ نَهَارًا، وَإِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ وَالْمَهْرُ مِنْ كَسْبِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ قَالَ سَيِّدٌ: بِعْتُكَهَا، قَالَ: زَوَّجْتَنِيهَا - وَجَبَ تَسْلِيمُهَا لِلزَّوْجِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لَهَا، وَيَلْزَمُهُ الْأَقَلُّ مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ مَهْرِهَا، وَيَحْلِفُ لِثَمَنٍ زَائِدٍ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا مَهْرَ وَلَا ثَمَنَ وَلَا يَمِينَ عِنْدَهُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَاهَا فِي نِكَاحٍ، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ كَذَلِكَ إِلَّا فِي الْيَمِينِ، قَالَ: وَلَا تُرَدُّ الْأَمَةُ إِلَيْهِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ، وَنَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ، وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: إِنْ قُلْنَا لَا يَحِلُّ لَهُ، فَهَلْ هِيَ عَلَى مَالِكِهَا السَّابِقِ أَمْ فِي كَسْبِهَا؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ. [وَطْءُ الزَّوْجَةِ فِي الْحَيْضِ وَالدُّبُرِ] (وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا فِي الْحَيْضِ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ الْآيَةُ (وَلَا الدُّبُرِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أَيْ: كَيْفَ شِئْتُمْ إِلَّا الدُّبُرَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: كَانَ الْيَهُودُ يَقُولُونَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، أَيْ: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا وَمِنْ خَلْفِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا إِلَّا فِي الْمَأْتَى، فَإِنْ تَطَاوَعَا عَلَيْهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَيُعَزَّرُ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهِ بِخِلَافِ وَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَلَيْسَ لَهَا اسْتِدْخَالُ ذَكَرِهِ وَهُوَ نَائِمٌ بِلَا إِذْنِهِ، بَلِ الْقُبْلَةُ وَاللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ". [لَا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا] (وَلَا يَعْزِلُ) أَيْ: يَنْزِعُ قُرْبَ الْإِنْزَالِ فَيَنْزِلُ خَارِجَ الْفَرْجِ (عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا) ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ:

стр. 2447

وَالْجَنَابَةِ، وَالنَّجَاسَةِ، وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَخْذِ الشَّعْرِ الَّذِي تَعَافُهُ النَّفْسُ إِلَّا الذِّمِّيَّةَ، فَلَهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَعْزِلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّهُ يَقْطَعُ اللَّذَّةَ عَنِ الْمَوْطُوءَةِ، وَلَهَا حَقٌّ فِي الْوَلَدِ عَلَيْهَا ضَرَرٌ، فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِهَا، إِلَّا بِدَارِ حَرْبٍ، فَيُسَنُّ عَزْلُهُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ (وَلَا عَنِ الْأَمَةِ) الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا (إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، فَاشْتُرِطَ إِذْنُهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ حُرِّيَّتُهُ، وَقِيلَ: وَإِذْنُهَا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ فِي الْفَيْئةِ وَالْفَسْخِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْعُنَّةِ، وَتَرْكُ الْعَزْلِ مِنْ تَمَامِهِ، فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِهَا كَالْحُرَّةِ، وَقِيلَ: يُبَاحُ الْعَزْلُ مُطْلَقًا، روي عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، اسْتِدْلَالًا بِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْحُرَّةِ؛ وَلِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ دُونَ الْإِنْزَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْفَيْئَةِ وَالْعُنَّةِ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ أَمَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ وَلَا فِي الْوَلَدِ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْمُطَالَبَةَ بِالْقَسْمِ وَالْفَيْئَةِ، فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ الْمَنْعَ مِنَ الْعَزْلِ أَوْلَى، وَفِي أُمِّ الْوَلَدِ وَجْهَانِ (وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِ الْحَيْضِ) وَالنِّفَاسِ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَمْ ذِمِّيَّةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لَهُ، فَمَلَكَ إِجْبَارَهَا عَلَى إِزَالَةِ مَا يَمْنَعُ حَقَّهُ، فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى شِرَاءِ مَاءٍ، فَثَمَنُهُ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ (وَالْجَنَابَةُ) أَيْ: لَهُ إِجْبَارُ الْمُسْلِمَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَفِي " الْوَاضِحِ ": ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: لَا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " رِوَايَتَانِ (وَالنَّجَاسَةُ) فَإِنْ كَانَتْ فِي فِيهَا فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِفِيهَا، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمَةً تَعْتَقِدُ إِبَاحَةَ يَسِيرِ النَّبِيذِ (وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ) كَالسُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا لَا مَا دُوَنَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتُمْنَعُ مِنْ دُخُولِ كَنِيسَةٍ وَبَيْعَةٍ، وَشَدِّ الزُّنَّارِ، وَلَا يَشْتَرِيهِ لَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَأَخْذُ الشَّعْرِ الَّذِي تَعَافُهُ النَّفْسُ) كَشَعْرِ الْعَانَةِ إِذَا طَالَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا الْأَظْفَارُ، فَإِنْ طَالَا قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا تَعَافُهُ النَّفْسُ فَوَجْهَانِ، وَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ أَكْلِ ذِي رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ كَبَصَلٍ وَكُرَّاثٍ؛ فِيهِ وَجْهَانِ،

стр. 2448

إِجْبَارُهَا عَلَى الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ، وَفِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ رِوَايَتَانِ. فَصْلٌ وَلَهَا عَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ، ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالصَّحِيحُ تُمْنَعُ (إِلَّا الذِّمِّيَّةُ، فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ) وَالنِّفَاسِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ إِبَاحَةَ الْوَطْءِ تَقِفُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَعَلَى ذَلِكَ يَطَأُ بِدُونِهِ (وَفِي سَائِرِ) أَيْ: بَاقِي (الْأَشْيَاءِ رِوَايَتَانِ) أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا تُجْبَرُ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ يَقِفُ عَلَيْهِ، إِذِ النَّفْسُ تَعَافُ وَطْءَ مَنْ عَلَيْهَا غُسْلٌ أَوْ شَرِبَتْ مُسْكِرًا أَوْ لَهَا شِعْرَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تُجْبَرُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَاجْتِنَابَ الْمُحَرَّمِ عِنْدَنَا غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَإِزَالَةُ الشَّعَرِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ عِنْدَنَا إِلَّا شَعَرَ الْعَانَةِ إِذَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ، فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَيْهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ "، وَفِي التَّنْظِيفِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَجْهَانِ، قَالَ الْقَاضِي: لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى الِاسْتِحْدَادِ إِذَا طَالَ الشَّعَرُ. [لِلزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ] فَصْلٌ (وَلَهَا عَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ) إِذَا كَانَتْ حُرَّةً بِطَلَبِهَا؛ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ سُورٍ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَبِيتُ لَيْلَهُ قَائِمًا، وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا، فَاسْتَغْفَرَ لَهَا، وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَاسْتَحْيَتِ الْمَرْأَةُ، وَقَامَتْ رَاجِعَةً، فَقَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلَّا أَعَدَّيْتَ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: إِنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ، إِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُ فِي الْعِبَادَةِ، فَمَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا؟! فَبَعَثَ عُمَرُ إِلَى زَوْجِهَا وَقَالَ لِكَعْبٍ: اقْضِ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّكَ فَهِمْتَ مِنْ أَمْرِهَا مَا لَمْ أَفْهَمْهُ، قَالَ: فَإِنِّي أَرَى كَأَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلَاثُ نِسْوَةٍ هِيَ رَابِعَتُهُنَّ، فَأَقْضِي لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا رَأْيُكَ الْأَوَّلُ بِأَعْجَبَ إِلَيَّ مِنَ الْآخَرِ، اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَفِي لَفْظٍ، قَالَ عُمَرُ: الْقَاضِي أَنْتَ، رَوَاهُ سَعِيدٌ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَصِينٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ كَالْإِجْمَاعِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵇ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ

стр. 2449

وَقَالَ أَصْحَابُنَا: مِنْ كُلِّ سَبْعٍ، وَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ فِيمَا بَقِيَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَإِنْ سَافَرَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَطَلَبَتْ ــ [المبدع في شرح المقنع] يَجِبْ لَهَا حَقٌّ لَمَلَكَ الزَّوْجُ تَخْصِيصَ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ بِهِ، كَالزِّيَادَةِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ "؛ لِأَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ زِيَادَتَهَا عَلَى ذَلِكَ تَحِلُّ بِالتَّنْصِيفِ، وَزِيَادَةَ الْحُرَّةِ عَلَى لَيْلَةٍ مِنْ أَرْبَعٍ زِيَادَةٌ عَلَى الْوَاجِبِ، فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا (وَقَالَ أَصْحَابُنَا) مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (مِنْ كُلِّ سَبْعٍ) ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَ مَعَهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ لَهُنَّ سِتٌّ، وَلَهَا السَّابِعَةُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، أَيْ: لَهَا لَيْلَةٌ مِنْ ثَمَانٍ لِتَكُونَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرَّةِ، فَإِنَّ حَقَّهَا مِنْ كُلِّ ثَمَانٍ لَيْلَتَانِ، فَلَوْ كَانَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ مِنْ سَبْعٍ لَزَادَ عَلَى النِّصْفِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ، وَلَهَا لَيْلَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَلَاثُ حَرَائِرَ وَأَمَةٌ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَزِيدَ لَهُنَّ عَلَى الْوَاجِبِ فَقَسَّمَ بَيْنَهُنَّ سَبْعًا، فَمَا يَصْنَعُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّامِنَةِ إِنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَبِيتَهَا عِنْدَ الْحُرَّةِ، فَقَدْ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ، وَإِنْ بَاتَهَا عِنْدَ الْأَمَةِ جَعَلَهَا كَالْحُرَّةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ تَكُونُ هَذِهِ اللَّيْلَةُ الثَّامِنَةُ لَهُ، إِنْ أَحَبَّ انْفَرَدَ بِهَا فِيهَا، وَإِنْ أَحَبَّ بَاتَ عِنْدَ الْأُولَى سِتًّا إِبْقَاءً لِلْقَسْمِ (وَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ فِيمَا بَقِيَ) فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ، قَسَّمَ لَهُنَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنْ ثَمَانٍ، وَلَهُ الِانْفِرَادُ فِي خَمْسٍ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَةٌ فَلَهُنَّ خَمْسٌ وَلَهُ ثَلَاثٌ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ، فَلَهُنَّ سِتٌّ وَلَهُ لَيْلَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَلَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سَبْعٌ، وَعَلَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ: لَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سِتٌّ، وَلَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَبِيتَ وَحْدَهُ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ، وَقَالَهُ فِي سَفَرِهِ وَحْدَهُ، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي، «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ لُعِنَ رَاكِبُ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ وَالْبَائِتُ وَحْدَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ طَيِّبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قِيلَ: لَا يَكَادُ يُعْرَفُ، وَلَهُ مَنَاكِيرُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانٍ فِي الثِّقَاتِ. (و) يَجِبُ (عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛

стр. 2450

قُدُومَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَإِنْ أَبَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَطَلَبَتِ الْفُرْقَةَ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضُرِبَتْ لَهُ الْمُدَّةَ لِذَلِكَ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَكُنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَصِرْ بِالْيَمِينِ عَلَى تَرْكِهِ وَاجِبًا كَسَائِرِ مَا لَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ وَرَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُفْضٍ إِلَى دَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنِ الْمَرْأَةِ، كَإِفْضَائِهِ إِلَى رَفْعِهِ عَنِ الرَّجُلِ، وَيَكُونُ الْوَطْءُ حَقًّا لَهُمَا جَمِيعًا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ حَقٌّ لَمَا وَجَبَ اسْتِئْذَانُهَا فِي الْعَزْلِ كَالْأَمَةِ، وَشَرْطُ الْمُدَّةِ ثُلُثُ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ فِي حَقِّ الْمُؤْلِي ذَلِكَ، فَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عُذْرٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ عُذْرِهِ (وَإِنْ سَافَرَ عَنْهَا) لِعُذْرٍ وَحَاجَةٍ سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ، وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ نِكَاحُ الْمَفْقُودِ إِذَا تَرَكَ لِامْرَأَتِهِ نَفَقَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنَ الرُّجُوعِ فَإِنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إِلَى تَوْقِيتِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قُدُومَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) ؛ لِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ: تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ ... وَطَالَ عَلَي أَنْ لَا خَلِيلَ أُلَاعِبُهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا خَشْيَةُ اللَّهِ وَالْحَيَا ... لَحَرَّكَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ لَهُ: فُلَانَةٌ زَوْجُهَا غَائِبٌ عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا امْرَأَةً تَكُونُ مَعَهَا، وَبَعَثَ إِلَى زَوْجِهَا، فَأَقْفَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةَ، كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مِثْلُكَ يَسْأَلُ مِثْلِي عَنْ هَذَا؛ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُكِ، فَقَالَتْ: خَمْسَةُ أَشْهُرٍ، سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَوَقَّتَ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يَسِيرُونَ شَهْرًا، وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَيَرْجِعُونَ فِي شَهْرٍ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ: كَمْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَغِيبَ عَنْ أَهْلِهِ؟ قَالَ: يُرْوَى سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقَدْ يَغِيبُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِأَمْرٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الْحَجُّ وَطَلَبُ رِزْقٍ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) يَعْنِي: إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ لَا يَلْزَمُهُ الْقُدُومُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْعُذْرِ يُعْذَرُ مِنْ أَجْلِ عُذْرِهِ (فَإِنْ أَبَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عُذْرٌ فَطَلَبَتِ الْفُرْقَةَ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنًى مُؤَّلٍ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا - هَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَذْهَبُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إِنْ دَخَلَ بِهَا، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَعَنْهُ: لَا يُفَرَّقُ، وَفِي " الْمُغْنِي ": هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ؛ (لِأَنَّهُ لَوْ ضُرِبَتْ

стр. 2451

لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَيَكُونُ هَذَا كُلُّهُ غَيْرَ وَاجِبٍ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْجِمَاعِ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتْنَا، وَلَا يُكْثِرُ الْكَلَامَ حَالَ الْوَطْءِ، وَلَا يَنْزِعُ إِذَا فَرَغَ حَتَّى تَفْرُغَ، ــ [المبدع في شرح المقنع] لَهُ الْمُدَّةَ لِذَلِكَ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ) وَقِيلَ: إِنْ غَابَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ رَاسَلَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَقْدَمَ فَسَخَ نِكَاحَهُ، وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَيَكُونُ هَذَا كُلُّهُ غَيْرَ وَاجِبٍ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَالْأَوْلَى خِلَافُهَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " ذَكَرَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْبَيْتُوتَةِ بِمَا يَزُولُ مَعَهُ ضَرَرُ الْوَحْشَةِ، وَيَحْصُلُ مَعَهُ الْأُنْسُ الْمَقْصُودُ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَلَا تَوْقِيتَ، فَيَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ، وَفِي " الْمُغْنِي " فِي امْرَأَةِ مَنْ عُلِمَ خَبَرُهُ كَأَسِيرٍ وَمَحْبُوسٍ - لَهَا الْفَسْخُ بِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِهِ إِجْمَاعًا، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْوَطْءُ لِعَجْزٍ كَالنَّفَقَةِ، وَأَوْلَى لِلْفَسْخِ يَتَعَذَّرُ فِي الْإِيلَاءِ، وَقَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ. [مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْجِمَاعِ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتْنَا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْجِمَاعِ؛ وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتْنَا، فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ تَخَلِّيهِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَأَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهَا، قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ عَطَاءً كَرِهَ ذَلِكَ (وَلَا يُكْثِرُ الْكَلَامَ حَالَ الْوَطْءِ) ؛ لِمَا رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ عِنْدَ مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ الْخَرَسُ وَالْفَأْفَاءُ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، وَبِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْكَلَامُ حَالَةَ الْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ فِي مَعْنَاهُ، بَلْ أَوْلَى مِنْهُ (وَلَا يَنْزِعُ إِذَا فَرَغَ قبلها حَتَّى تَفْرُغَ) ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَلْيَصْدُقْهَا، ثُمَّ إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ فَلَا يُعْجِلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا» . رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبُرِيُّ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ

стр. 2452

وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ وَطْءِ نِسَائِهِ وَإِمَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ عِنْدَ مُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، وَلَا يُجَامِعُ ــ [المبدع في شرح المقنع] ضَرَرًا عَلَيْهَا وَمَنْعًا لَهَا مِنْ قَضَاءِ شَهْوَتِهَا، وَكَمَا يُكْرَهُ مُتَجَرِّدَيْنِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": لَا سُتْرَةَ بَيْنَهُمَا. فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُلَاعِبَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ؛ لِتَنْهَضَ شَهْوَتُهَا، فَتَنَالُ مِنْ لَذَّةِ الْجِمَاعِ مِثْلَ مَا نَالَهُ، وَأَنْ تُنَاوِلَهُ خِرْقَةً بَعْدَ فَرَاغِهِ؛ لِيَتَمَسَّحَ بِهَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ. ١ - (وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ وَطْءِ نِسَائِهِ وَإِمَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ؛ وَلِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ بِدَلِيلِ إِتْمَامِ الْجِمَاعِ (وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ عِنْدَ مُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَزَادَا: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» فَإِنِ اغْتَسَلَ بَيْنَ الْوَطْأَيْنِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «هُوَ أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ. (وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ) صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا يُثِيرُ الْعَدَاوَةَ وَالْغَيْرَةَ، وَيَنْشُرُ الْخُصُومَةَ وَالْمُقَاتَلَةَ (إِلَّا بِرِضَاهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَلَهُمَا حَقُّ الْمُسَامَحَةِ بِتَرْكِهِ كَبَيْتُوتَتِهِ بَيْنَهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَجَوَّزَ فِي " الْمُغْنِي " و" التَّرْغِيبِ " جَعْلَ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي بَيْتِ مَسْكَنِ مِثْلِهَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَقِيلَ: يَحْرُمُ مَعَ

стр. 2453

إِحْدَاهُمَا بِحَيْثُ تَرَاهُ الْأُخْرَى أَوْ غَيْرُهَا، وَلَا يُحَدِّثُهُمَا بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا. وَلَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ مَنْزِلِهِ فَإِنْ مَرِضَ بَعْضُ مَحَارِمِهَا أَوْ مَاتَ، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا ــ [المبدع في شرح المقنع] اتِّحَادِ الْمَرَافِقِ، وَأَمَّا جَمْعُ زَوْجَتِهِ وَسَرِيَّتِهِ فِيهِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ إِلَّا بِرِضَا الزَّوْجَةِ فَقَطْ؛ لِثُبُوتِ حَقِّهَا كَالْجِمَاعِ، وَالسَّرِيَّةُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ. خر مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ نَوْمُ الرَّجُلِ مَعَ زَوْجَتِهِ بِلَا جِمَاعٍ بِحَضْرَةِ مَحْرَمِهَا؛ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ (وَلَا يُجَامِعُ إِحْدَاهُمَا بِحَيْثُ تَرَاهُ الْأُخْرَى أَوْ غَيْرِهَا) غَيْرَ طِفْلٍ لَا يَعْقِلُ أَوْ يَسْمَعُ حِسَّهُمَا، وَلَوْ رَضِيَتَا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً وَسُقُوطَ مُرُوءَةٍ، وَرُبَّمَا كَانَ وَسِيلَةً إِلَى وُقُوعِ الرَّائِيَةِ فِي الْفَاحِشَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَثُورُ شَهْوَتُهَا بِذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الَّذِي يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ وَالْأُخْرَى تَسْمَعُ، قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الرِّجْسَ، وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ (وَلَا يُحَدِّثُهُمَا بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِثَارَةِ الْغَيْرَةِ وَبُغْضِ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَحَرَّمَهُ فِي " الْغُنْيَةِ " وَالْآدَمِيُّ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ وَحُرِّمَ فِي " أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ " إِفْشَاءُ السِّرِّ، وَقَيَّدَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " بِالْمُضِرِّ، وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ أَحَدُهُمَا سِرَّ صَاحِبِهِ» . [لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ مَنْزِلِهِ] (وَلَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ مَنْزِلِهِ) إِلَى مَا لهَا مِنْهُ بُدٌّ، سَوَاءٌ أَرَادَتْ زِيَارَةَ وَالِدَيْهَا، أَوْ حُضُورَ جِنَازَةِ أَحَدِهِمَا؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ رَجُلًا مَنَعَ زَوْجَتَهُ الْخُرُوجَ، فَمَرِضَ أَبُوهَا، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ وَلَا تُخَالِفِي زَوْجَكِ، فَمَاتَ أَبُوهَا، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي حُضُورِ جِنَازَتِهِ، فَقَالَ لَهَا كَالْأَوَّلِ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهَا بِطَاعَةِ زَوْجِهَا» رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ وَاجِبٌ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَلَوْ خَرَجَتْ بِلَا إِذْنِهِ حَرُمَ، وَلَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةً، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إِذَا قَامَ بِحَوَائِجِهَا وَإِلَّا لَابُدَّ لَهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ

стр. 2454

فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ إِجَارَةَ نَفْسِهَا لِلرَّضَاعِ وَالْخِدْمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَلَهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] حَبَسَتْهُ بِحَقِّهَا: إِنْ خَافَ خُرُوجَهَا بِلَا إِذْنِهِ أَسْكَنَهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْفَظُهَا غَيْرُ نَفْسِهِ، حُبِسَتْ مَعَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا أَوْ خِيفَ حُدُوثُ شَرٍّ أُسْكِنَتْ فِي رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ، وَمَتَى كَانَ خُرُوجُهَا مَظِنَّةً لِلْفَاحِشَةِ صَارَ حَقًّا لِلَّهِ، يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ رِعَايَتُهُ. (فَإِنْ مَرِضَ بَعْضُ مَحَارِمِهَا أَوْ مَاتَ اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ) ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَفِي مَنْعِهَا قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَحَمْلٌ لَهَا عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَأَوْجَبَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِلْعِيَادَةِ، وَقِيلَ: أَوْ نَسِيبٍ، وَقِيلَ: لَهَا زِيَارَةُ أَبَوَيْهَا كَكَلَامِهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ مَنْعَهُمَا مِنْ زِيَارَتِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهَا طَاعَةُ أَبَوَيْهَا فِي فِرَاقٍ وَزِيَارَةٍ وَنَحْوِهِ، بَلْ طَاعَةُ زَوْجِهَا أَحَقُّ. فَرْعٌ: لَيْسَ عَلَيْهَا طَحْنٌ وَعَجْنٌ وَخَبْزٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِلْجُوزَجَانِيِّ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ «قَضَى عَلَى فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مَا كَانَ خَارِجَ الْبَيْتِ» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهَا الِاسْتِمْتَاعُ، فَلَا يَلْزَمُهَا غَيْرُهُ كَسَقْيِ دَوَابِّهِ، وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمَعْرُوفُ مِثْلَهَا لِمِثْلِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي " الْوَاضِحَةِ ": «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ عَلَى فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ» ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهَا أَنْ تَخْدِمَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. (وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ إِجَارَةَ نَفْسِهَا لِلرَّضَاعِ وَالْخِدْمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَكَوْنُهَا تَمْلِكُ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ حَقِّهِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ كَمَا لَا تَمْلِكُ مَنْعَهُ مِنَ الْوَطْءِ، فَلَوْ فَعَلَهُ بِإِذْنِهِ جَازَ، فَإِنْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، صَحَّ الْعَقْدُ، وَلَمْ يَمْلِكِ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ وَلَا مَنْعَهَا مِنَ الرَّضَاعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِهِ، أَشْبَهَ بَيْعَ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَقِيلَ: لَهُ الْفَسْخُ إِنْ جَهِلَهُ، وَلَهُ الْوَطْءُ، وَقِيلَ: لَا، إِنْ ضَرَّ بِلَبَنٍ (وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا) ؛ لِأَنَّ إِرْضَاعَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَحَقُّ الزَّوْجِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي مِلْكَهُ لِلِاسْتِمْتَاعِ فِي كُلِّ زَمَانٍ سِوَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَالرَّضَاعُ يُفَوِّتُهُ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا كَانَ مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِاسْتِمْتَاعِهِ. وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي النَّفَقَاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدَةٍ، وَحُكْمُ وَلَدِ

стр. 2455

أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا، إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِلَيْهَا وَتَخْشَى عَلَيْهِ. فَصْلٌ فِي الْقَسْمِ وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقَسْمِ، وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ، إِلَّا لِمَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] غَيْرِهَا كَذَلِكَ (إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا وَتَخْشَى عَلَيْهِ) بِأَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ تُرْضِعُهُ، أَوْ لَا يَقْبَلُهُ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ، وَحِفْظٌ لِنَفْسِ الْوَلَدِ، فَقُدِّمَ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ كَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الْمَالِكِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ. [فَصْلٌ فِي الْقَسْمِ] [حُكْمُ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ] فَصْلٌ فِي الْقَسْمِ الْقَسْمُ - بِفَتْحِ الْقَافِ - مَصْدَرُ قَسَمْتُ الشَّيْءَ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ النَّصِيبُ (و) وَاجِبٌ (عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقَسْمِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وَلَيْسَ مَعَ الْمَيْلِ مَعْرُوفٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ، فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» يَعْنِي: الْقَلْبَ رَوَاهُمَا الْخَمْسَةُ، وَلَفَظُهُمَا لِأَبِي دَاوُدَ، وَخَرَجَ مِنْهُ الطِّفْلُ. (وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ
следующие страницы →