← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقًا، أَوْ يَمِينًا، فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا، أَوْ مَا نَوَاهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَصْلٌ وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا. وَالْأَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِيهِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ ظِهَارًا كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الظَّاهِرَةِ. فَلَوْ زَادَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ. نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقًا، أَوْ يَمِينًا فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا، أَوْ مَا نَوَاهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ ظِهَارٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. وَحَكَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ أَوْقَعَهُ فِي الزَّوْجَةِ، فَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ ظِهَارًا لِشَبَهِهَا بِظَهْرِ أُمِّهِ وَكَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَا نَوَاهُ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةً، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً. وَعَنْهُ: أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] . وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إِذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ الظِّهَارَ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ، وَالطَّلَاقَ مَعًا كَانَ ظِهَارًا ; لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ، لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، فَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ، تُجْزِئُهُ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا تُوجِبُ كَفَارَّتَيْنِ. وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ لِلظِّهَارِ وَلِتَحْرِيمِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ أَوْجَبَ بِذَلِكَ فَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَا. [مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الظِّهَارُ] فَصْلٌ (وَيَصِحُّ مَنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ) فَكُلُّ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَخْتَصُّ النِّكَاحَ أَشْبَهَ الطَّلَاقَ. قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": فَإِنَّ أَحْمَدَ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ، وَفِي " الْمُوجَزِ " مُكَلَّفٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ إِلَّا الْأَبُ، وَالسَّيِّدُ (مُسْلِمًا كَانَ، أَوْ ذِمِّيًّا) عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ

стр. 2662

لَا يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ ظِهَارٌ، وَلَا إِيلَاءٌ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّهِ. وَيَصِحُّ مَنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ، أَوْ أُمِّ وَلَده لَمْ يَصِحَّ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ ــ [المبدع في شرح المقنع] إِذَا حَنِثَ فَوَجَبَ صِحَّةُ ظُهَارِهِ كَالْمُسْلِمِ، وَكَجَزَاءِ صَيْدٍ، وَيُكَفِّرُ بِمَالٍ فَقَطْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُعْتِقُ بِلَا نِيَّةٍ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ مُرْتَدٍّ. وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": وَيُعْتِقُ ; لِأَنَّهُ مِنْ فَرْعِ النِّكَاحِ، أَوْ قَوْلٍ لَمُنْكَرٍ وَزَوْرٍ، وَالذِّمِّيُّ أَهْلٌ لِذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِكَفَّارَةِ الصَّيْدِ إِذَا قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ وَيَصِحُّ مِنْهُ الْعِتْقُ، لَا الصِّيَامُ، وَلَا تَمْتَنِعُ صِحَّةُ الظِّهَارِ بِامْتِنَاعِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ كَمَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ. وَالنِّيَّةُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَعْيِينِ الْفِعْلِ لِلْكَفَّارَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ كَالنِّيَّةِ فِي كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ. وَاقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّتَهُ مِنَ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ مِنَ الْعَبْدِ، وَإِنَّ مَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَهُوَ الطِّفْلُ وَزَائِلُ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، لَا يَصِحُّ مِنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (وَالْأَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ ظِهَارٌ، وَلَا إِيلَاءٌ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّهِ) كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزَّوْرِ، وَذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَنِ الصَّبِيِّ ; لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ. وَفِي " الْمَذْهَبِ " فِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " يُحْتَمَلُ أَلَّا يَصِحَّ ظِهَارُهُ ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الزُّورِ وَحُصُولِ التَّكْفِيرِ، وَالْمَأْثَمِ وَإِيجَابِ مَالٍ، أَوْ صَوْمٍ. قَالَ: وَأَمَّا الْإِيلَاءُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَصِحُّ رِدَّتُهُ وَإِسْلَامُهُ وَذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرِ اللَّهِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ لِرَفْعِ الدَّعْوَى. (وَيَصِحُّ مَنْ كُلِّ زَوْجَةٍ) كَبِيرَةً كَانَتْ، أَوْ صَغِيرَةً مُسْلِمَةً، أَوْ ذِمِّيَّةً، أَمْكَنَ وَطْؤُهَا أَوْ لَا ; لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ; لِأَنَّ الظِّهَارَ لِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ، وَجَوَابُهُ الْعُمُومُ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا كَغَيْرِهَا. (فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ، أَوْ أُمِّ وَلَدٍ لَمْ يَصِحَّ) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَمْرٍو،

стр. 2663

الْيَمِينِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ. وَإِنْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي لَمْ يَكُنْ مُظَاهَرَةً وَعَلَيْهَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ، وَعَلَيْهَا التَّمْكِينُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ. وَعَنْهُ: ــ [المبدع في شرح المقنع] وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] فَخَصَّهُنَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ تَعَلَّقَ بِهِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ، فَلَا تَحْرُمُ بِهِ الْأَمَةُ كَالطَّلَاقِ (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ) . نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " كَتَحْرِيمِ سَائِرِ مَالِهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، جَارِيَتَهُ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ» . (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ) وَنَقَلَهُ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمُنْكِرِ مِنَ الْقَوْلِ، وَالزُّورِ، وَلَكِنْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَتَوَجَّهُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ كَانَ مُظَاهِرًا، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي. وَفِي " عُمُدِ الْأَدِلَّةِ " وَ " التَّرْغِيبِ " رِوَايَةُ أَنَّهُ يَصِحُّ، قَالَ أَحْمَدُ: وَإِنْ أَعْتَقَهَا، فَهُوَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَيَتَزَوَّجُهَا إِنْ شَاءَ. ١ - (وَإِنْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي) أَوْ إِنْ تَزَوَّجْتُ فَلَانًا، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي (لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً) رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ الْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ كَالطَّلَاقِ. وَعَنْهُ: ظِهَارٌ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فَتُكَفِّرُ إِنْ طَاوَعَتْهُ، وَإِنِ اسْتَمْتَعَتْ بِهِ، أَوْ عَزَمَتْ فَكَمُظَاهِرٍ (وَعَلَيْهَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَصَحَّحَهُ الْحَلْوَانِيُّ ; لِأَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قَالَتْ: إِنْ تَزَوَّجْتُ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي، فَاسْتَفْتَتْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرُوهَا أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً وَتَتَزَوَّجَهُ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهَا زَوْجٌ أَتَى بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْلِ وَالزُّورِ كَالْآخَرِ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٍ فَاسْتَوَى فِيهَا الْمَرْأَةُ، وَالرَّجُلُ. قَالَهُ

стр. 2664

كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهَا. وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَطَأْهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلِيَّ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَحْمَدُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الظِّهَارُ مِنَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ سَوَاءٌ (وَعَلَيْهَا التَّمْكِينُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَلَا يَسْقُطُ بِيَمِينِهَا كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ كَالرَّجُلِ. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ. وَنَقَلَ صَالِحٌ لَهُ أَنْ يَطَأَ قَبْلَ أَنْ تُكَفِّرَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " يَحْرُمُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءٌ قَبْلَهُ، يَعْنِي: كَمُظَاهِرٍ. (وَعَنْهُ: كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ) وَأَشْبَهُ بِأُصُولِهِ ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِحَلَالٍ كَتَحْرِيمِ الْأَمَةِ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَوْجُودِ مِنْهَا لَيْسَ بِظَهِارٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ. إِنَّمَا قَالَ: الْأَحْوَطُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَحْوَطَ التَّكْفِيرُ بِأَغْلَظِ الْكَفَّارَاتِ لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلَافِ. (وَعَنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ، وَلَيْسَ بِظِهَارٍ، فَلَمْ تَجِبْ كَفَّارَةٌ كَالنَّسَبِ، وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا لَمْ تَجِبْ إِلَّا بِوَطْئِهَا مُطَاوَعَةً، فَإِنْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَطْئِهَا، أَوْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ، فَلَا كَفَّارَةَ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ، فَلَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ. ١ - فَرْعٌ: إِذَا عَلَّقَتْهُ بِتَزَوُّجِهَا لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ. وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ، إِنَّمَا سُئِلَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: ظِهَارٌ. وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقِيلَ لَهُ فِي " الْمُفْرَدَاتِ ": هَذَا ظِهَارٌ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَعِنْدَكُمْ لَا يَصِحُّ، قُلْنَا: يَصِحُّ عَلَى رِوَايَةٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ، فَالْخَبَرُ أَفَادَ الْكَفَّارَةَ، وَصِحَّتُهُ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْلَهُ، بَقِيَتِ الْكَفَّارَةُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ قِيَاسَهُ قَوْلُهَا: أَنَا عَلَيْكَ كَظَهْرِ أُمِّكَ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ عَلَيْهِ تَحْرِيمٌ عَلَيْهَا. (وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) فَهُوَ صَحِيحٌ مُطْلَقًا. نَصَرَهُ فِي

стр. 2665

حَرَامٌ يُرِيدُ فِي كُلِّ حَالٍ فَكَذَلِكَ. وَإِنْ أَرَادَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ. وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلًا وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ وَمُطْلَقًا وَمُؤَقَّتًا نَحْوَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ ــ [المبدع في شرح المقنع] " الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ فَصَحَّ عَقْدُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالطَّلَاقِ، وَالْإِيلَاءِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ حَلَّ قَيْدَ النِّكَاحِ. وَلَا يُمْكِنُ حَلُّهُ قَبْلَ عَقْدِهِ. وَالظِّهَارُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْعَقْدِ كَالْحَيْضِ، وَإِنَّمَا اخْتُصَّ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بِنِسَائِهِ لِكَوْنِهِ يَقْصِدُ الْإِضْرَارَ بِهِنَّ. وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ هُنَا لِقَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ، فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنِسَائِهِ. (لَمْ يَطَأْهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ) ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا إِذَا تَزَوَّجَهَا تَحَقَّقَ مَعْنَى الظِّهَارِ فِيهَا وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ وَطْؤُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ; لِأَنَّهُ شَأْنُ الْمُظَاهِرِ. فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ إِذَا تَزَوَّجَ نِسَاءً وَأَرَادَ الْعَوْدَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: لِكُلِّ عَقْدٍ كَفَّارَةٌ، فَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنَّ مِثْلَهَا فِي التَّحْرِيمِ فِي الْحَالِ - دُيِّنَ. وَفِي الْحُكْمِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ صَرِيحٌ لِلظِّهَارِ، وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ كَأُمِّهِ. (وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يُرِيدُ فِي كُلِّ حَالٍ فَكَذَلِكَ) أَيْ: فَهُوَ ظِهَارٌ ; لِأَنَّ لَفْظَةَ الْحَرَامِ إِذَا أُرِيدَ بِهَا، فَهُوَ ظِهَارٌ مِنَ الزَّوْجَةِ، فَكَذَا الْأَجْنَبِيَّةُ، فَعَلَيْهِ لَا يَطَؤُهَا إِذَا تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ (وَإِنْ أَرَادَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ) . وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهٌ. ١ - (وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلًا وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ) فَإِذَا وُجِدَ فَمُظَاهِرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَمُطْلَقًا)

стр. 2666

أُمِّي شَهْرَ رَمَضَانَ، أَوْ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَمَتَى انْقَضَى الْوَقْتُ زَالَ الظِّهَارُ، وَإِنْ أَصَابَهَا فِيهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] إِنْ قَصَدَ الْيَمِينَ وَاخْتَارَهُ، وَمَثَّلَ بِالْحِلِّ عَلَيَّ حَرَامٌ لَأَفْعَلَنَّ. (وَمُؤَقَّتًا نَحْوَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرَ رَمَضَانَ) «لِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، قَالَ: ظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي شَهْرَ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأَنَّهُ أَصَابَهَا فِي الشَّهْرِ فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ» ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ التَّقْيِيدَ وَلَمْ يَعِبْهُ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ فَصَحَّ تَوْقِيتُهَا كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ بِيَمِينٍ لَهَا كَفَّارَةٌ، فَصَحَّ أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً كَالْإِيلَاءِ. لَا يُقَالُ: الظِّهَارُ طَلَاقٌ فِي الْأَصْلِ، فَيَجِبُ أَلَّا يَصِحَّ تَقْيِيدُهُ كَالنِّكَاحِ ; لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي تَعْلِيقِهِ، وَلَا يَكُونُ عَائِدًا إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ. (أَوْ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ) لِأَنَّهُ يَمِينٌ فَجَازِ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَحْرُمُ بِهِ الزَّوْجَةُ فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالطَّلَاقِ (فَمَتَى انْقَضَى الْوَقْتُ زَالَ الظِّهَارُ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ صَادَفَ ذَلِكَ الزَّمَنَ دُونَ غَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْقَضِيَ بِانْقِضَائِهِ. (وَإِنْ أَصَابَهَا فِيهِ) أَيْ: فِي الْوَقْتِ (وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) لِأَنَّهُ ﵇ أَوْجَبَهَا عَلَى سَلَمَةَ. تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ مُظَاهِرٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحرَّرِ ". وَإِنْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَهُ أَهْلٌ، هِيَ يَمِينٌ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَكَذَا إِنْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ عَكْسُهُ، فَلَا ظِهَارَ. نَصَّ عَلَيْهِ خِلَافًا لِابْنِ شَاقِلَا، وَابْنِ بَطَّةَ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ زَيْدٌ فَشَاءَ زَيْدٌ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ; لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَيْئَيْنِ، فَلَا يَحْصُلُ بِأَحَدِهِمَا.

стр. 2667

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الظِّهَارِ يَحْرُمُ وَطْءُ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، وَهَلْ يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا دُونَ الْفَرْجِ؟ ــ [المبدع في شرح المقنع] [فَصْلٌ فِي حُكْمِ الظِّهَارِ] [وَطْءُ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ] فَصْلٌ فِي حُكْمِ الظِّهَارِ (يَحْرُمُ وَطْءُ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ) إِذَا كَانَ بِالْعِتْقِ، أَوِ الصِّيَامِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِلْآيَةِ. وَكَذَا إِنْ كَانَ بِالْإِطْعَامِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِمَا رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي ظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؛ فَقَالَ: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، فَقَالَ: لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: الْمُرْسَلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. (وَهَلْ يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا دُونَ الْفَرْجِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ مَا حَرُمَ الْوَطْءُ مِنَ الْقَوْلِ حَرُمَ دَوَاعِيهِ كَالطَّلَاقِ وَالْإِحْرَامِ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ. نَقَلَهَا الْأَكْثَرُ. وَفِي " التَّرْغِيبِ " هِيَ أَظْهَرُهُمَا ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ فِيهِ كَفَارَّةٌ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ التَّحْرِيمُ كَوَطْءِ الْحَائِضِ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْتَّمَاس فِي الْآيَةِ الْجِمَاعُ (وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا إِذَا كَانَ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ) وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرِ الْمَسِيسَ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ. وَجَوَابُهُ أَنْ يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِاتِّحَادِ الْوَاقِعَةِ. [وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ] (وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ) أَيْ: تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ (بِالْعَوْدِ، وَهُوَ الْوَطْءُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ) . اخْتَارَهُ

стр. 2668

عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا إِذَا كَانَ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ، وَهُوَ الْوَطْءُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ إِنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ، وَإِنْ مَاتَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الرِّعَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ ". وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَقِبَ الْعُوْدِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعَلُّقَهَا بِهِ فَمَتَى وَطِئَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَلَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْكَفَّارَةَ بِشَرْطَيْنِ: ظِهَارٌ وُعَوْدٌ، وَالْمُعَلَّقُ لَا وُجُودَ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ أَحَدِهِمَا إِلَّا أَنَّهَا شَرْطٌ لِحَلِّ الْوَطْءِ فَيُؤْمَرُ بِهَا مَنْ أَرَادَهُ لِيَسْتَحِلَّهُ بِهَا كَمَا يُؤْمَرُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ مَنْ أَرَادَ حَلَّهَا. ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَلِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْقَوْلِ هُوَ فِعْلٌ بضِدَّ مَا قَالَ كَمَا أَنَّ الْعَوْدَ فِي الْهِبَةِ اسْتِرْجَاعُ مَا وَهَبَ، وَيَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا بِعَزْمِهِ عَلَى الْوَطْءِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ قَبْلَهُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " فِي الطَّلَاقِ إِنْ عَزَمَ فَيَقِفُ مُرَاعًا. (وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ) لِمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ وَطِئَ، وَهِيَ عِنْدَهُ فِي حَقِّ من وَطِئَ كَمَنْ لَمْ يَطَأْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْعَوْدُ إِمْسَاكُهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنًا يُمْكِنُ طَلَاقُهَا فِيهِ، وَقَالَ دَاوُدُ: الْعَوْدُ تَكْرَارُ الظِّهَارِ مَرَّةً ثَانِيَةً. (وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ) وَغَيْرُهُمَا (هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ) ، وَذَكَرَهُ ابْنُ رَزِينٍ رِوَايَةً ; لِأَنَّهُ قَصَدَ تَحْرِيمَهَا، فَإِذَا عَزَمَ عَلَى الْوَطْءِ فَقَدْ عَادَ فِيمَا قَصَدَ، وَلِأَنَّ الْوَطْءَ

стр. 2669

أَحَدُهُمَا أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَإِنَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ أَثِمَ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَتُجْزِئُهُ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ. ــ [المبدع في شرح المقنع] تَحْرِيمٌ، فَإِذَا عَزَمَ عَلَى اسْتِبَاحَتِهَا فَقَدْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ، فَكَانَ عَائِدًا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالتَّكْفِيرِ عَقِبَ الْعَوْدِ قَبْلَ التَّمَاسِّ، وَكَلَامُهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْعَوْدَ لَيْسَ هُوَ إِمْسَاكَ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا عَقِبَ يَمِينِهِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ قَصَدَهُ وَفَعَلَ مَا حَرَّمَهُ دُونَ الْإِمْسَاكِ، وَلِأَنَّ الْعَوْدَ فِعْلٌ، وَالْإِمْسَاكُ تَرْكُ الطَّلَاقِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] وَ " ثُمَّ " لِلتَّرَاخِي، وَالْمُهْلَةِ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْإِمْسَاكَ عَقِبَ الظِّهَارِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْعَازِمِ عَلَى الْوَطْءِ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْوَطْءِ إِلَّا أَبَا الْخَطَّابِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْعَزْمِ، أَوْ طَلَّقَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنْكَرَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. حَكَاهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَطَعَ فِي " الْمُحَرَّرِ " بِالْكَفَّارَةِ، وَحَكَاهُ عَنِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ. (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ، لَا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ فَارَقَهَا قَبْلَ الْعَوْدِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُوجِبَ لَهَا هُوَ الْوَطْءُ، وَلَمْ يُوجَدْ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَأَيُّهُمَا مَاتَ وَرِثَهُ الْآخَرُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ مَنْ وَرِثَهَا إِذَا كَفَّرَ وَرِثَهَا، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ كَالْمُؤْلِي مِنْهَا (وَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ) سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ رَجَعَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ، أَوْ لَا. نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ لِلْآيَةِ. وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي امْرَأَتِهِ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَتَمَاسَّا حَتَّى يُكَفِّرَ كَالَّتِي لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُهَا بِالطَّلَاقِ كَالْإِيلَاءِ. (وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ أَثِمَ) مُكَلَّفٌ ; لِأَنَّهُ بِوَطْئِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَاصٍ رَبَّهُ لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَهُ (وَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) وَلَوْ مَجْنُونًا. نَصَّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْقُطُ بَعْدَ ذَلِكَ كَالصَّلَاةِ إِذَا غَفَلَ عَنْهَا فِي وَقْتِهَا وَتَحْرِيمُ زَوْجَتِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ حَتَّى يُكَفِّرَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا وَأَنَّهُ كَالْيَمِينِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَكَذَا فِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَانِ كَالْإِيلَاءِ. وَفِي " الِانْتِصَارِ "

стр. 2670

وَإِنْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ الْأَمَةَ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَبْطُلُ الظِّهَارُ وَتَحِلُّ لَهُ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَإِنْ كَرَّرَ الظِّهَارَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَغَيْرِهِ إِنْ أَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ نَائِمًا، فَلَا عَوْدَ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ. (وَتُجْزِئُهُ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ) لِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الظِّهَارَ، وَالْعَوْدَ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ. وَحُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَتَيْنِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ، وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَسْقُطُ ; لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ وَقْتُهَا لِكَوْنِهَا وَجَبَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ. [ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا] (وَإِنْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ) . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا ظَاهَرَ مَنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ، ثُمَّ مَلَكَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَحُكْمُ الظِّهَارِ بَاقٍ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ لَا يَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ الْمُزِيلِ لِلْمِلْكِ وَالْحِلِّ فَبِمَلِكِ الْيَمِينِ أَوْلَى. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) وَأَبُو الْخَطَّابِ (يُبْطِلُ الظِّهَارَ) لِأَنَّ شَرْطَهُ الزَّوْجِيَّةَ، وَقَدْ زَالَتْ فَوَجَبَ أَنْ يَزُولَ لِزَوَالِ شَرْطِهِ (وَتَحِلُّ لَهُ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لَا غَيْرُ كَمَا لَوْ كَانَ تَظَاهَرَ مِنْهَا، وَهِيَ أَمَتُهُ وَيَتَخَرَّجُ بِلَا كَفَّارَةٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمَا هُنَا أَنَّهَا تُبَاحُ لَهُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الظِّهَارَ وَجَعَلَهُ يَمِينًا لِتَحْرِيمِ أَمَتِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ كَفَّارَتِهِ أَجَزَأَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَلَّتْ لَهُ بِغَيْرِ كَفَّارَةٍ، وَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ [كَرَّرَ الظِّهَارَ] (وَإِنْ كَرَّرَ الظِّهَارَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَكَفَّارَتُهُ وَاحِدَةٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ مَجَالِسَ يَنْوِي بِهِ الِاسْتِئْنَافَ، أَوِ التَّأْكِيدَ، أَوْ يُطْلِقَ. نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ جَمْعٌ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يُؤْثِرْ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهَا أَثَبَتَتْ فِي الْمَحَلِّ تَحْرِيمًا أَشْبَهَتِ الْأُولَى، وَعَنْهُ: إِنْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ فَكَفَّارَاتٌ بِعَدَدِهِ، وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ. وَعَنْهُ: بِعَدَدِهِ. (وَعَنْهُ: إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ; لِأَنَّ

стр. 2671

فَكَفَّارَتُهُ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ: إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ، فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ كَانَ بِكَلِمَاتٍ فَلِكُلُّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ. فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ــ [المبدع في شرح المقنع] الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَوْلٌ مُسْتَأْنَفٌ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مِثْلَ مَا تَعَلَّقَ بِالْأَوَّلِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّأْكِيدَ. (فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ) بِأَنْ قَالَ أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، رَوَاهُ عَنْهُمَا الْأَثْرَمُ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْهُ: لِكُلِّ امْرَأَةٍ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ أَفْرَدَهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقْتَضِي كَفَّارَةً تَرْفَعُهَا وَتُكَفِّرُ إِثْمَهَا، وَالظِّهَارُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، الْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ تَرْفَعُ حُكْمَهَا وَتَمْحُو إِثْمَهَا، بِخِلَافِ الْكَلِمَاتِ (وَإِنْ كَانَ بِكَلِمَاتٍ فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ) ، قَالَهُ عُرْوَةُ وَعَطَاءٌ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي: هَذَا الْمَذْهَبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ فِي مَحَالَّ مُخْتَلِفَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَتْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وَعَنْهُ: تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ اتِّبَاعًا لِعُمْرَ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ ; لِأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ حَقُّ للَّهِ، فَلَمْ تَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهَا كَالْحَدِّ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ يُدْرَأَ بِالشُّبْهَةِ، وَعَنْهُ: إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ. قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ يُخْرِجُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، يَعْنِي: بِفِعْلٍ، أَوْ أَفْعَالٍ. [فَصْلٌ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا] فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا. الْكَفَّارَةُ مَأْخُوذٌ مَعْنَاهَا مِنَ الْكُفْرِ، وَهُوَ السَّتْرُ ; لِأَنَّهَا تَسْتُرُ الذَّنْبَ (كَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ. وَفِي " الْكَافِي ": غَيْرُ مَرْجُوٍّ زَوَالُهُ، أَوْ يَخَافُ زِيَادَتُهُ، أَوْ بُطْأهُ. وَذَكَرَ

стр. 2672

شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَكَفَّارَةُ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ مِثْلُهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ مِثْلُهُمَا إِلَّا فِي الْإِطْعَامِ فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِذا وَجَبَتْ، وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أَعْسَرَ لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا الْعِتْقُ، وَإِنْ وَجَبَتْ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَأَيْسَرَ لَمْ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْمُؤَلِّفَ وَغَيْرَهُ: أَوْ لِشَبَقٍ. وَفِي " التَّرْغِيبِ ": أَوْ لِضَعْفِهِ عَنْ مَعِيشَةٍ تَلْزَمُهُ. وَفِي " الرَّوْضَةِ " لِضَعْفٍ عَنْهُ، أَوْ كَثْرَةِ شُغْلٍ، أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ. ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ [المجادلة: ٣] الْآيَتَيْنِ «وَلِحَدِيثِ خُوَيْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ حِينَ ظَاهَرَ مِنْها، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : تُعْتِقُ رَقَبَةً قَالَتْ، يَعْنِي امْرَأَتَهُ: لَا يَجِدُ، قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَتْ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» وَهَذَا التَّرْتِيبُ لَا خِلَافَ فِيهِ إِذَا كَانَ الْمَظَاهِرُ حُرًّا وَيَأْتِي حُكْمُ الْعَبْدِ (وَكَفَّارَةُ الْوَطْءِ فِي) نَهَارِ (رَمَضَانَ مِثْلُهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَقَدْ سَبَقَ. (وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ مِثْلَهُمَا) لِأَنَّ التَّحْرِيرَ، وَالصِّيَامَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (إِلَّا فِي الْإِطْعَامِ فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ) أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ كَالْعِتْقِ، وَالصِّيَامِ. وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، اخْتَارَهَا فِي " التَّبْصِرَةِ " وَ " الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ " ; لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ فِيهَا عِتْقٌ وَصَوْمٌ، فَكَانَ فِيهَا إِطْعَامٌ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ. (وَالِاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرَةِ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ. نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَجَبَ، وَهُوَ عَبْدٌ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ. وَقَالَهُ الْأَثْرَمُ (فَإِذا وَجَبَتْ، وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أُعْسِرَ لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا الْعِتْقُ) ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا بِهِ. (وَإِنْ وَجَبَتْ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَأَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ) لِأَنَّه غَيْرَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: الصَّوْمُ بَدَلٌ عَنِ الْعِتْقِ، فَإِذَا وَجَدَ مَنْ يُعْتِقُهُ وَجَبَ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، أَوْ فِيهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْمَاءَ إِذَا وُجِدَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ بَطَلَ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْعِتْقَ لَوْ وُجِدَ بَعْدَ فِعْلِهِ لَمْ يَبْطُلْ. (وَلَهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ) لَأَنَّ الْعِتْقَ هُوَ الْأَصْلُ

стр. 2673

يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ وَلَهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ. وَعَنْهُ فِي الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ الصَّوْمِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الِاعْتِبَارُ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ فَمَنْ أَمْكَنَهُ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إِلَى حِينِ التَّكْفِيرِ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ، ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ كَسَائِرِ الْأُصُولِ (وَعَنْهُ فِي الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ الصَّوْمِ) بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إِنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ ; لِأَنَّهُ حَنِثَ، وَهُوَ عَبْدٌ، فَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُهُ إِلَّا الصَّوْمُ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ عَبْدٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ، فَإِنْ كَفَرَ بِهِ أَجْزَأَهُ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ فِي رِقِّهِ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِحُرِّيَّتِهِ كَالْحَدِّ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَعَلَى الْأُخْرَى هُوَ كَالْحُرِّ ; لِأَنَّ رِقَّهُ جَعَلَهُ كَالْمُعْسِرِ، فَإِذَا أَتَى بِالْعِتْقِ وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ. (وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الِاعْتِبَارُ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ) لِأَنَّهَا حَقٌّ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِوُجُودِ الْمَالِ فَاعْتُبِرَتْ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ كَالْحَجِّ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةُ الْعُمُرِ وَجَمِيعُهُ وَقْتٌ لَهَا، فَمَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهِ وَجَبَ بِخِلَافِهِ هُنَا، (فَمَنْ أَمْكَنَهُ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إِلَى حِينِ التَّكْفِيرِ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ) لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ (فَإِنْ شُرِعَ فِي الصَّوْمِ، ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ) . وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعِتْقِ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِالصِّيَامِ أَشْبَهُ مَا لَوِ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إِلَى مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ كَالْمُتَمَتِّعِ يَجِدُ الْهَدْيَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صِيَامِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ، وَيُفَارِقُ مَا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ قَضَاءَهَا يَسِيرٌ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: السُّنَّةُ فِيمَنْ صَامَ مِنَ الشَّهْرَيْنِ، ثُمَّ أَيْسَرَ أَنْ يَمْضِيَ. وَذَكَرَ فِي " الْمُبْهِجِ "، وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْأَدَاءِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ حَالَةُ الْأَدَاءِ كَالْوُضُوءِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ) الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ، وَقَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وَالْحَكَمُ ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، أَوْ فِيهَا. أَصْلٌ: إِذَا تَكَلَّفَ الْعِتْقَ مِمَّنْ فَرْضُهُ الصِّيَامُ أَجْزَأَهُ فِي الْأَصَحِّ وَإِذَا قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ فَوَقْتُهُ فِي الظِّهَارِ مِنْ حِينِ الْعَوْدِ لَا وَقْتَ الْمُظَاهَرَةِ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا

стр. 2674

فَصْلٌ فَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً، أَوْ أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُهَا بِمَا هُوَ فَاضِلٌ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ عَلَى الدَّوَامِ وَغَيْرِهَا مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ بِثَمَنِ مِثْلِهَا لَزِمَهُ الْعِتْقُ وَمَنْ لَهُ خَادِمٌ ــ [المبدع في شرح المقنع] تَجِبُ حَتَّى يَعُودَ وَوَقْتُهُ فِي الْيَمِينِ مِنِ الْحِنْثِ لَا وَقْتَ الْيَمِينِ، فَلَوْ كَانَ الْمُظَاهِرُ ذِمِّيًّا فَتَكْفِيرُهُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَيَتَعَيَّنُ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِذَا كَانَتْ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِرَائِهِ، وَيَتَعَيَّنُ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنْ كَفَّارَتِي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ، فَيَصِحُّ فِي رِوَايَةٍ، فَلَوْ ظَاهَرَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَصَامَ فِيهَا لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ كَفَرَ بِغَيْرِهِ. فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُجْزِئُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. [فَصْلٌ مَنْ مَلَكَ رَقَبَةً] [مَنْ مَلَكَ رَقَبَةً وَأَمْكَنَهُ تَحْصِيلُهَا] فَصْلٌ (فَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً) لَزِمَهُ، فَلَوِ اشْتَبَهَ عَبْدُهُ بِعَبِيدِ غَيْرِهِ أَمْكَنَهُ الْعِتْقُ بِأَنْ يُعْتِقَ الرَّقَبَةَ الَّتِي فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الرِّقَابِ فَيُعْتِقُ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ، هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. (أَوْ أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُهَا بِمَا هُوَ فَاضِلٌ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ عَلَى الدَّوَامِ) ، لِقَوْلِهِ ﵇ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِ الْمُفْلِسِ الْمُقْدِمِ عَلَى الْكَفَّارَةِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (وَغَيْرِهَا مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ) لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ كِفَايَتِهِ وَمُسَاوِيَةٌ لَهَا بِدَلِيلِ تَقْدِيمِهَا عَلَى غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ. (بِثَمَنِ مِثْلِهَا) لِأَنَّ مَا حَصَلَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ كَالتَّيَمُّمِ (لَزِمَهُ الْعِتْقُ) إِجْمَاعًا وَلَيْسَ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى الصِّيَامِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا حُرًّا مَعَ شَرْطٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يُكَفِّرَ فَاضِلًا عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ وَفِيهِ رِوَايَةٌ، لَا مَالَ يَحْتَاجُهُ لِأَكْلِ الطَّيِّبِ وَلُبْسِ النَّاعِمِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ لِعَدَمِ عِظَمِ الْمَشَقَّةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ [لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهِ] (وَمَنْ لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهِ) لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْدِمُ نَفْسَهُ عَادَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعْتَاقٌ ; لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ كَمَنْ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِعَطَشٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ يَخْدِمُ امْرَأَتَهُ، وَهُوَ مِمَّنْ عَلَيْهِ إِخْدَامُهَا، أَوْ كَانَ

стр. 2675

يَحْتَاجُ إِلَى خدمته، أَوْ دَارٌ يَسْكُنُهَا، أَوْ دَابَّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا، أَوْ ثِيَابٌ يَتَجَمَّلُ بِهَا، أَوْ كُتُبٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، أَوْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً إِلَّا بِزِيَادَةٍ عَنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا تُجْحِفُ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ. وَإِنْ وَجَدَهَا بِزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ به، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ وُهِبَتْ لَهُ رَقَبَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا وَأَمْكَنَهُ شِرَاؤُهَا بِنَسِيئَةٍ لَزِمَهُ. وَلَا تُجْزِئُهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] لَهُ رَقِيقٌ يَتَقَوَّتُ بِخَرَاجِهِمْ فَكَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لَهُ خَادِمٌ، وَهُوَ يَخْدِمُ نَفْسَهُ عَادَةً لَزِمَهُ الْإِعْتَاقُ ; لِأَنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُ سُرِّيَّةٌ لَمْ يَلْزَمْ إِعْتَاقُهَا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ سُرِّيَّةٍ غَيْرِهَا وَرَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا لَمْ يَلْزَمْهُ ; لِأَنَّ الْغرْضَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لَهُ رَقَبَةٌ يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ رَقَبَتَيْنِ بِثَمَنِهَا، يَسْتَغْنِي بِخِدْمَةِ إِحْدَاهُمَا وَيُعْتِقُ الْأُخْرَى. (أَوْ دَارٍ يَسْكُنُهَا، أَوْ دَابَّةٍ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ دَارٌ يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ لِسَكَنِ مِثْلِهِ، أَوْ رَقَبَةٍ، أَوْ ضَيْعَةٍ يَفْضُلُ مِنْهَا عَنْ كِفَايَتِهِ مَا يُمْكِنُهُ شِرَاءُ رَقَبَةٍ لَزِمَهُ، وَيُرَاعِي فِي ذَلِكَ الْكِفَايَةَ الَّتِي يَحْرُمُ مَعَهَا أَخْذُ الزَّكَاةِ. (أَوْ ثِيَابٍ يَتَجَمَّلُ بِهَا) لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْعِتْقِ لَكِنْ لَوْ كَانَ لَهُ مَلَابِسُ فَاخِرَةٌ تَزِيدُ عَلَى مَلَابِسِ مِثْلِهِ يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ فِي لِبَاسِهِ وَرَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا، لَزِمَهُ. (أَوْ كُتُبِ) عِلْمٍ (يَحْتَاجُ إِلَيْهَا) أَوْ عَقَارٍ يَحْتَاجُ إِلَى غَلَّتِهِ، أَوْ عَرَضٍ لِلتِّجَارَةِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ رِبْحِهِ فِي مُؤْنَتِهِ (أَوْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً إِلَّا بِزِيَادَةٍ عَنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا تُجْحِفُ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ) لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي ذَلِكَ، (وَإِنْ وَجَدَهَا بِزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَقَيَّدَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَةِ " بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا. أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ، وَهُوَ أَشْهَرُ ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا تُجْحِفُ بِهِ، أَشْبَهُ مَا لَوْ بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِهَا، وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّهُ يَجِدُ رَقَبَةً بِثَمَنِ مِثْلِهَا، أَشْبَهَ الْعَادِمَ وَأَصْلُهُمَا الْعَادِمُ لِلْمَاءِ إِذَا وَجَدَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ، فَإِنْ وَجَدَ رَقَبَةً رَفِيعَةً يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا رَقَبَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا لَزِمَهُ. لَا ضَرَرَ فِي الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا الضَّرَرُ فِي إِعْتَاقِهَا، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ كَمَا لَوْ كَانَ مَالِكًا لَهَا. (وَإِنْ وُهِبَتْ لَهُ رَقَبَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا) لِأَنَّ عَلَيْهِ مِنَّةً فِي قَبُولِهَا، وَذَلِكَ ضَرَرٌ فِي حَقِّهِ. (وَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا وَأَمْكَنَهُ شِرَاؤُهَا بِنَسِيئَةٍ) لِغَيْبَةِ مَالِهِ. وَفِي " الرِّعَايَةِ "، أَوْ لِكَوْنِهِ دَيْنًا (لَزِمَهُ) فِي الْأَصَحِّ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ

стр. 2676

فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَلَا ــ [المبدع في شرح المقنع] فَبُذِلَ لَهُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ فِي بَلَدِهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ بِمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، وَالثَّانِي: وَقَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ لَا ; لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَرُبَّمَا تَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ فَيَخْرُجُ هَاهُنَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَبِعْ نَسِيئَةً، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الصَّوْمُ. قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِلْحَاجَةِ وَكَالْعَادِمِ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: فِي غَيْرِ ظِهَارٍ لِلْحَاجَةِ لِتَحْرِيمِهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ. وَفِي " الشَّرْحِ " إِذَا كَانَ مَرْجُوَّ الْحُضُورِ قَرِيبًا لَمْ يَجُزِ الِانْتِقَالُ إِلَى الصِّيَامِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِانْتِظَارِ لِشِرَاءِ الرَّقَبَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا جَازَ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ. ١ - فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ قَبْلَهُ، فَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرُّ السَّاعَةَ عَنْ ظِهَارِي - عَتَقَ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْهُ، فَإِنْ قَالَ: إِنْ ظَاهَرْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي - عَتَقَ، وَفِي إِجْزَائِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ. [لَا تُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَاتِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ] (وَلَا تُجْزِئُهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ) رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] (وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ، وَالْأَكْثَرِ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ. وَلِقَوْلِهِ ﵇: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ. وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ قَتْلٍ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَقِيلَ: كَافِرَةٌ، وَقِيلَ: كِتَابِيَّةٌ، وَقِيلَ: ذِمِّيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالثَّوْرِيِّ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الرَّقَبَةَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ مَا تَنَاوَلَهُ الْإِطْلَاقُ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى

стр. 2677

تُجْزِئُهُ إِلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا كَالْعَمَى وَشَلَلَ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ، أَوْ قَطْعَهُمَا، أَوْ قَطْعِ إِبْهَامِ الْيَدِ أَوْ سَبَّابَتِهَا أَوِ الْوُسْطَى أَوِ الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصَرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ. وَلَا يُجْزِئُ الْمَرِيضُ الْمَأْيُوسُ مِنْهُ، وَلَا النَّحِيفُ الْعَاجِزُ عَنِ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْمُقَيَّدِ إِذَا اتَّحَدَ الْحُكْمُ، وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَضَمَّنُ تَفْرِيغَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ وَمَعُونَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَنَاسَبَ ذَلِكَ إِعْتَاقَهُ فِي الْكَفَّارَةِ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمْعٌ: مَنْعُ حَرْبِيَّةٍ وَمُرْتَدَّةٍ اتِّفَاقًا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ فِي نَذْرِ عِتْقٍ مُطْلَقٍ رِوَايَةٌ مُخْرَجَةٌ مِنْ فِعْلٍ مَنْذُورٍ فِي وَقْتِ نَهْيٍ وَمِنْ مَنْعَه زَوْجَةٍ مِنْ حَجَّةِ نَذْرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَالْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ (وَلَا تُجْزِئُهُ إِلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا) ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَمْلِيكُ الْعَبْدِ مَنْفَعَتَهُ وَتَمْكِينَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا مَعَ مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا (كَالْعَمَى) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ فِي أَكْثَرِ الصَّنَائِعِ لِفَقْدِهِ الْبَصَرَ الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ إِلَى الْعَمَلِ. (وَشَلَلِ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ، أَوْ قَطْعِهِمَا) لِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ الْبَطْشِ، وَالرِّجْلَ آلَةُ الْمَشْيِ، فَلَا يَتَهَيَّأُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَمَلِ مَعَ حُصُولِ ذَلِكَ. وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مُقْعَدٌ وَمَجْنُونٌ مُطْبِقٌ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ الْمَعِيبَانِ ذَهَابَ مَنْفَعَةِ الْحِسِّ وَحُصُولَ الضَّرَرِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِكِفَايَةِ نَفْسِهِ يَكُونُ كَلًّا عَلَى غَيْرِهِ. وَقَدْ نَظَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْعُيُوبِ مِنْ كُلِّ بَابٍ إِلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَاعْتَبَرَ هُنَا مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ. وَفِي الْأُضْحِيَّةِ مَا يَنْقُصُ اللَّحْمَ، وَفِي النِّكَاحِ مَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْجِمَاعِ، وَفِي الْبَيْعِ مَا يُخِلُّ بِالْمَالِيَّةِ (أَوْ قَطْعِ إِبْهَامِ الْيَدِ، أَوْ سَبَّابَتِهَا، أَوِ الْوُسْطَى، أَوِ الْخِنْصَرِ، وَالْبِنْصِرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّ نَفْعَ الْيَدِ يَزُولُ أَكْثَرُهُ بِذَلِكَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ خِنْصَرُهُ وَبِنْصِرُهُ مِنْ يَدَيْنِ جَازَ عِتْقُهُ. وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ نَفْعَ الْكَفَّيْنِ بَاقٍ، وَقَطْعَ أُنْمُلَةِ الْإِبْهَامِ كَقَطْعِهَا، وَإِنْ قُطِعَ مِنْ إِصْبَعٍ أُنْمُلَتَانِ، فَهُوَ كَقَطْعِهَا ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِمَنْفَعَتِهَا، وَإِنْ قُطِعَ مِنْ إِصْبَعٍ غَيْرِ الْإِبْهَامِ أُنْمُلَةٌ لَمْ يَمْنَعْ. وَفِي " الْوَاضِحِ " أَنَّ مَقْطُوعَ الْإِبْهَامَيْنِ، لَا يُجْزِئُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قُطِعَ أَحَدُهُمَا (. وَلَا يُجْزِئُ الْمَرِيضُ الْمَأْيُوسُ مِنْهُ) كَمَرَضِ السُّلِّ ; لِأَنَّ بُرْأَهُ يَنْدُرُ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْعَمَلِ مَعَ بَقَائِهِ. وَقِيلَ: أَوْ لَا، ثُمَّ مَاتَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْهُ كَالْحُمَّى، وَنَحْوِهَا لَمْ يَمْنَعْ. (وَلَا النَّحِيفُ الْعَاجِزُ عَنِ الْعَمَلِ) لِعَجْزِهِ عَمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الْعَمَلِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ. وَفِي مَعْنَاهُ الزَّمِنُ، وَالْمُقْعَدُ وَفِيهِمَا

стр. 2678

الْعَمَلِ، وَلَا غَائِبٌ لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، وَلَا مَجْنُونٌ مُطْبِقٌ، وَلَا أَخْرَسُ لَا تُفْهَمُ إِشَارَتُهُ، وَلَا عِتْقُ مَنْ عَلِقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَلَا مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، وَلَا مَنِ ــ [المبدع في شرح المقنع] رِوَايَةٌ (وَلَا غَائِبٌ، لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ) لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي حَيَاتِهِ. وَالْأَصْلُ بَقَاءُ شَغْلِ الذِّمَّةِ، فَلَا تَبْرَأُ بِالشَّكِّ. لَا يُقَالُ: الْأَصْلُ الْحَيَاةُ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ، لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ وُجِدَتْ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ انْقِطَاعُ خَبَرِهِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ كَمَا لَوْ عُلِمَ بَعْدُ. وَقِيلَ: يُعْتَقُ، وَلَا يُجْزِئُ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ خَبَرُهُ، أَجْزَأَ عِتْقُهُ ; لِأَنَّهُ عِتْقٌ صَحِيحٌ (وَلَا مَجْنُونٌ مُطْبِقٌ) لِأَنَّهُ مَعْدُومُ النَّفْعِ ضَرُورَةَ اسْتِغْرَاقِ زَمَانِهِ فِي الْجُنُونِ، وَقِيلَ: أَوْ أَكْثَرَ وَقْتُهُ. وَهُوَ أَوْلَى لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى تَمَامِ الْعَمَلِ. وَفِي مَعْنَاهُ الْهَرَمُ قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَلَا أَخْرَسُ لَا تُفْهَمُ إِشَارَتُهُ) لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ زَائِلَةٌ أَشْبَهَ زَوَالَ الْعَقْلِ، وَلِأَنَّ الْخَرَسَ نَقْصٌ كَثِيرٌ يَمْنَعُ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْكَامِ كَالْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا تَفْهَمُ إِشَارَتَهُ فَيَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ اسْتِعْمَالِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ أَجْزَأَ. صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " كَذَهَابِ الشَّمِّ، وَالْمَنْصُوصُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "، وَقِيلَ: يُجْزِئُ مُطْلَقًا حَكَاهُ فِي التَّعْلِيقِ وَأَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ. فَإِنْ كَانَ بِهِ صَمَمٌ لَمْ يُجْزِئْ وَإِلَّا أَجْزَأَ. وَفِي " الْمُغْنِي ": الْأَوْلَى أَنَّهُ مَتَى فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ وَفَهِمَ إِشَارَةَ غَيْرِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُ ; لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَقُومُ مُقَامَ الْكَلَامِ. وَفِي " الْوَاضِحِ ": الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْزِئُ الْأَصَمَّ ; لِأَنَّ الصَّمَمَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعَمَلِ (وَلَا عِتْقَ مَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ عِنْدَ وُجُودِهَا) أَيْ: إِذَا اشْتَرَى مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهُ يَنْوِي بِشِرَائِهِ عِتْقَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ عَتَقَ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يُجْزِئْ عِتْقُهُ كَالَّذِي يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ عِتْقَهُ لِلْكَفَّارَةِ، أَوْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُ ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَه الَّذِي يَمْلِكُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ ; لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحِقٌّ فِي غَيْرِ الْكَفَّارَةِ. (وَلَا مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، وَالتَّحْرِيرُ فِعْلُ الْعِتْقِ، وَلَمْ يَحْصُلْ هُنَا بِتَحْرِيرٍ مِنْهُ، وَلَا إِعْتَاقٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ كَمَا لَوْ وَرِثَهُ يَنْوِي بِهِ

стр. 2679

اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَلَا أُمَّ وَلَدِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ، وَلَا مَكَاتَبٌ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا فِي اخْتِيَارِ شُيُوخِنَا. وَعَنْهُ: يُجْزِئُ. وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ مَكَاتَبٌ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْعِتْقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَيُخَالِفُ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَائِعَ يُعْتِقُهُ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يُعْتِقْهُ، وَإِنَّمَا يُعْتَقُ بِإِعْتَاقِ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ. الثَّانِي أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إِعْتَاقَهُ، وَالْمُشْتَرِي بِخِلَافِهِ. (وَلَا مَنِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ قَوْلُ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ; لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَائِعَ نَقَصَهُ مِنَ الثَّمَنِ لِأَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ عَنِ الْعِتْقِ عِوَضًا، فَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ. وَعَنْهُ: بَلَى، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ مَالًا، أَوْ خِدْمَةً لَمْ يُجْزِئْهُ. (وَلَا أُمَّ وَلَدِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ) وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَكْثَرُ ; لِأَنَّ عِتْقَهَا مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَا لَوِ اشْتَرَى قَرِيبَةً، أَوْ عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَأَعْتَقَهُ. وَكَمَا لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ وَنَوَى عِتْقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يُجْزِئُ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَمُعْتِقُهَا قَدْ حَرَّرَهَا. وَجَوَابُهُ: الْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. (وَلَا مُكَاتَبٌ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا فِي اخْتِيَارِ شُيُوخِنَا) وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَدَّى شَيْئًا فَقَدْ حَصَلَ الْعِوَضُ عَنْ بَعْضِهِ، فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَ رَقَبَةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا أَنَّهُ يُجْزِئُ عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً سَالِمَةَ الْخَلْقِ تَامَّةَ الْمِلْكِ فَأَجْزَأَ كَالْمُدَبَّرِ. (وَعَنْهُ: يُجْزِئُ) وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَأَجْزَأَ عِتْقُهُ عَنْهَا كَالْمُدَبَّرِ، وَلِأَنَّهُ رَقَبَةٌ فَيَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْآيَةِ. (وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ مَكَاتَبٌ بِحَالٍ) قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَكْثَرُ ; لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ إِبْطَالَ كِتَابَتِهِ، أَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ مِنْ كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ جَازَ بَيْعُهُمَا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَبَّرِ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَمْ يَحْصُلْ فِي مُقَابَلَةٍ مِنْهُ عِوَضٌ، بِخِلَافِ مَكَاتَبٍ أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّ الْوَلَدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، بِخِلَافِ الْمَكَاتَبِ. ١ -

стр. 2680

بِحَالٍ. وَيُجْزِئُ الْأَعْرَجُ يَسِيرًا، وَالْمُجْدَعُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ، وَالْمَجْبُوبُ، وَالْخَصِيُّ، وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ، وَالْأَصَمُّ، وَالْأَخْرَسُ الَّذِي يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ وَتَفْهَمُ إِشَارَتُهُ، ــ [المبدع في شرح المقنع] فَرْعٌ: لَا يُجْزِئُ إِعْتَاقُ الْجَنِينِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمَلَّكُ إِلَّا بِالْإِرْثِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُمَا كَوْنُهُ آدَمِيًّا لِكَوْنِهِ يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ نُطْفَةٌ، أَوْ عَلَقَةٌ وَلَيْسَ بِآدَمِيٍّ فِي تِلْكَ الْحَالِ. ١ - تَنْبِيهٌ: إِذَا اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوِي إِعْتَاقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا، لَا يُمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ فَأَخَذَ أَرْشَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ عَنْهَا أَجْزَأَهُ. وَالْأَرْشُ لَهُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبِهِ وَأَخَذَ أَرْشَهُ، فَهُوَ لَهُ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ إِعْتَاقِهِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُصَرِّفُ الْأَرْشَ فِي الرِّقَابِ، فَإِنْ عَلِمَ الْعَيْبَ، وَلَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ كَانَ الْأَرْشُ لِلْمُعْتَقِ ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مَعِيبًا عَالِمًا بِعَيْبِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشٌ كَمَا لَوْ بَاعَهُ لِمَنْ يَعْلَمُ عَيْبَهُ، فَلَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنْ كَفَّارَتِكَ وَلَكَ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، فَفَعَلَ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْهَا ; لِأَنَّ الرَّقَبَةَ لَمْ تَقَعْ خَالِصَةً عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ عَنْ بَاذِلِ الْعِوَضِ وَلَهُ وَلَاؤُهُ (وَيُجْزِئُ الْأَعْرَجُ يَسِيرًا) لِأَنَّهُ قَلِيلُ الضَّرَرِ بِالْعَمَلِ، بِخِلَافِ الْفَاحِشِ الْكَثِيرِ، فَهُوَ كَقَطْعِ الرِّجْلِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ يَسِيرًا إِذَا كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الْمَشْيِ. (وَالْمُجْدَعُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ) الْجَدْعُ قَطْعُ الْأَنْفِ، وَالْأُذُنِ، وَالشَّفَةِ، وَهُوَ بِالْأَنْفِ أَخَصُّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَمَلِ، فَهُوَ كَمَقْطُوعِ الْأُذُنَيْنِ وَكَنَقْصِ السَّمْعِ (وَالْمَجْبُوبِ، وَالْخَصِيِّ، وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ، وَالْأَصَمُّ، وَالْأَخْرَسُ الَّذِي يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ وَتُفْهَمُ إِشَارَتُهُ) لِمَا ذَكَرْنَا. وَخَالَفَ فِي " الْمُوجَزِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " فِي الْأَصَمِّ لِنَقْصِهِ، وَتُجْزِئُ الرَّتْقَاءُ، وَالْكَبِيرَةُ الَّتِي تَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ لِأَنَّ مَا لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ لَا يَمْنَعُ تَمْلِيكَ الْعَبْدِ مَنَافِعَهُ وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ. ١ - مَسَائِلُ: يُجْزِئُ مُسْتَأْجِرٌ وَمَرْهُونٌ وَأَحْمَقُ، وَالْجَانِي مُطْلَقًا وَإِنْ قُتِلَ قِصَاصًا، وَالْأَمَةُ الزَّوْجَةُ، وَالْحَامِلُ، وَإِنِ اسْتَثْنَى حَمْلَهَا كَمَا لَا يَضُرُّ قَطْعُ أَصَابِعِ قَدَمِ وَكَذَهَابِ نُورِ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ، وَالْإِجْزَاءُ فِي

стр. 2681

وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَوَلَدُ الزِّنَا، وَالصَّغِيرُ. وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا صَلَّى ــ [المبدع في شرح المقنع] الْهَدْيِ أَشْبَهَ الْعَمَى، ١ - (وَالْمُدَبَّرُ) فِي قَوْلِ طَاوُسٍ ; لِأَنَّهُ عَبْدٌ كَامِلُ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَحْصُلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ عِوَضٌ كَالْقَنِّ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَإِنْ قِيلَ: بِعَدَمِ جَوازِهِ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ. قَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَكْثَرُ ; لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحِقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ أَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ. (وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ) قَبْلَ وُجُودِهَا ; لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ تَامٌّ (وَوَلَدِ الزِّنَا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِدُخُولِهِ فِي الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مُسْلِمٌ كَامِلُ الْعَقْلِ لَمْ يُعْتَقْ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا اسْتَحَقَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ أَشْبَهَ وَلَدَ الرَّشِيدَةِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: هُوَ الْمُلَازِمُ لِلزِّنَا كَمَا يُقَالُ: ابْنُ السَّبِيلِ الْمُلَازِمُ لَهَا وَوَلَدُ اللَّيْلِ يَسِيرُ فِيهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُجْزِئُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ ﵇ «وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ أَصْلًا وَعُنْصُرًا وَنَسَبًا ; لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءِ الزِّنَا، وَهُوَ خَبِيثٌ. وَأَنْكَرَ قَوْمٌ هَذَا التَّفْسِيرَ، وَقَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ وَالِدَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ شَرُّهُمْ إِذَا عَمِلَ عَمَلَهُمْ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ انْدَفَعَ الْإِشْكَالُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا أَحْكَامُ الدُّنْيَا فَهُوَ كَغَيْرِهِ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ وَبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ، وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ، فَكَذَا فِي عِتْقِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ وَيُجْزِئُ مَعَ كَمَالِ أَجْرِهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَشْفَعُ مَعَ صِغَرِهِ فِي أُمِّهِ، لَا أَبِيهِ (وَالصَّغِيرُ) كَذَا عَبَّرَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ: لَهُ سَبْعُ سِنِينَ إِنِ اشْتَرَطَ الْإِيمَانَ قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " لِدُخُولِهِ فِي الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ يُرْجَى مَنَافِعُهُ فَأَجْزَأَ كَالْمَرِيضِ. وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ الْإِسْلَامُ بِدَلِيلِ إِعْتَاقِ الْفَاسِقِ. قَالَ الثَّوْرِيُّ: الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُؤْمِنُونَ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ، وَلَا نَدْرِي مَا هُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَلِهَذَا تَعَلَّقَ حُكْمُهُ بِكُلِّ مُسْلِمٍ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا صَلَّى وَصَامَ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْفِعْلُ دُونَ السِّنِّ، فَمَنْ صَلَّى وَصَامَ مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ يَعْرِفُهُمَا وَيَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْآيَتَانِ بِنِيَّتِهِ وَأَرْكَانِهِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ السَّبْعَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا ; لِأَنَّهُ عَاجِزٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَشْبَهَ الزَّمَنَ. وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يُجْزِئُ ابْنُ سَبْعٍ إِذَا صَلَّى وَصَامَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا

стр. 2682

وَصَامَ، وَإِنْ أعَتَقَ نِصْفُ عَبْدٍ، وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيهِ فَأَعْتَقَهُ أَجَزْأَهُ إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِ الِاسْتِسْعَاءِ. وَإِنْ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ فَسَرَى إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] يُجْزِئُ إِعْتَاقُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعٍ ; لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْعِبَادَاتُ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِي إِعْتَاقِ الصَّغِيرِ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ إِلَّا كَفَّارَةَ الْقَتْلِ فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: يُعْتِقُ الصَّغِيرَ إِلَّا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، فَإِنَّهُ لَا تُجْزِئُ إِلَّا مُؤْمِنَةٌ فَأَرَادَ الَّتِي صَلَّتْ. وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ، وَالصِّحَّةِ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ، وَالْإِسْلَامَ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ تَبَعًا. (وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ، وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيَهُ فَأَعْتَقَهُ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً كَامِلَةً فِي وَقْتَيْنِ كَمَا لَوْ أَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ فِي وَقْتَيْنِ (إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِ الِاسْتِسْعَاءِ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُسْتَحِقُّ الْعِتْقَ، فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَالْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهَا. (وَإِنْ أَعْتَقَهُ) عَنْ كَفَّارَتِهِ (وَهُوَ مُوسِرٌ فَسَرَى إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ) عَتَقَ (لَمْ يُجْزِئْهُ نَصَّ عَلَيْهِ) اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ عِتْقَ نِصْفِهِ لَمْ يَحْصُلْ بِالْمُبَاشِرَةِ بَلْ بِالسِّرَايَةِ كَمَا لَوْ عَتَقَ نِصْفُ عَبْدٍ، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِأَهُ) إِذَا نَوَى إِعْتَاقَ جَمِيعِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَزَعَمَ أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا كَامِلَ الرِّقِّ سَلِيمَ الْخَلْقِ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِتْقِ نَاوِيًا بِهِ الْكَفَّارَةَ، فَأَجْزَأَ كَمَا لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ مِلْكَهُ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَأَعْتَقَ جُزْءًا مِنْهُ مُعَيَّنًا، أَوْ مُشَاعًا عَتَقَ كُلُّهُ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ نَوَى إِعْتَاقَ الْجُزْءِ الَّذِي بَاشَرَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ دُونَ غَيْرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ. وَهَلْ يُحْتَسَبُ لَهُ بِمَا نَوَى عَنِ الْكَفَّارَةِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. (وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفًا آخَرَ) أَيْ: نِصْفَ عَبْدَيْنِ، أَوْ أَمَتَيْنِ، أَوْ نِصْفَ عَبْدٍ وَنِصْفَ أَمَةٍ (أَجْزَأَهُ عِنْدَ

стр. 2683

لَمْ يُجْزِئْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِئَهُ، وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفًا آخَرَ أَجْزَأَهُ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ وَلَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ. فَصْلٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حُرًّا كَانَ، أَوْ عَبْدًا وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْخِرَقِيِّ) وَفِي " الرَّوْضَةِ " هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْأَشْقَاصَ كَالْأَشْخَاصِ فِيمَا لَا يَمْنَعُ الْعَيْبَ بالْيَسِيرَ دَلِيلُهُ الزَّكَاةُ إِذَا كَانَ نِصْفُ ثَمَانِينَ شَاةً مَشَاعًا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ كَمَا لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ مُنْفَرِدَةً وَكَالضَّحَايَا، وَالْهَدَايَا إِذَا اشْتَرَكُوا فِيهَا. (وَلَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، وَلَا تَحْصُلُ مِنْ إِعْتَاقِ نِصْفَيْنِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ " الرَّوْضَةِ " رِوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا أَجْزَأَهُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": إِذَا أَعْتَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ كَفَارَّتَيْنِ أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّ إِعْتَاقَ الرَّقَبَةِ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلَةِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنَ الشَّخْصَيْنِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الرَّقَبَةِ الْكَامِلَةِ فِي تَكْمِيلِ الْأَحْكَامِ وَتَخْلِيصِ الْآدَمِيِّ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ. وَيَمْتَنِعُ قِيَاسُ الشِّقْصَيْنِ عَلَى الرَّقَبَةِ الْكَامِلَةِ بِدَلِيلِ الشِّرَاءِ. فَرْعٌ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْمَغْصُوبُ وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَفِي مُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَبَدًا: مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَأَمَّا نِضْوُ الْخَلْقِ ضَعِيفُ التَّرْكِيبِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَضْعُفُ عَنِ الْعَمَلِ مَعَ بَقَائِهِ أَجْزَأَهُ. [فَصْلٌ مَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً] [مَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ] فَصْلٌ (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) رَقَبَةً يَشْتَرِيهَا، أَوْ وَجَدَهَا، وَلَمْ يَجِدْ ثَمَنَهَا، أَوْ وَجَدَهُ لَكِنْ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ تُجْحِفُ بِمَالِهِ، أَوْ وَجَدَهَا وَلَكِنِ احْتَاجَهَا لِخِدْمَةٍ، وَنَحْوِهِ (فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ، وَمَعْنَاهُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ صِيَامِ أَيَّامِهِمَا، فَلَا يُفْطِرُ فِيهِمَا، وَلَا يَصُومُ عَنْ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ. (حُرًّا كَانَ) الْمُكَفِّرُ (أَوْ عَبْدًا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ) بَلْ يَكْفِي فِعْلُهُ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ وَشَرَائِطُ

стр. 2684

التَّتَابُعِ، فَإِنْ تَخَلَّلَ صَوْمَهَا شَهْرُ رَمَضَانَ، أَوْ فِطْرٌ وَاجِبٌ كَفِطْرِ الْعِيدِ، أَوِ الْفِطْرُ لِحَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ مَرَضٍ مُخَوِّفٍ، أَوْ فِطْرُ الْحَامِلِ، وَالْمَوْضِعِ لِخَوْفِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا لَمْ يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ وَكَذَلِكَ إِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْعِبَادَاتِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ النِّيَّةُ لِأَفْعَالِهَا. وَقِيلَ: تَجِبُ النِّيَّةُ فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِاللَّيْلَةِ الْأَوْلَى، وَالتَّجْدِيدِ لِكُلِّ لَيْلَةٍ وَجْهَانِ وَيُبَيِّتُ النِّيَّةَ، وَفِي تَعْيِينِهَا جِهَةَ الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ. (فَإِنْ تَخَلَّلَ صَوْمَهَا شَهْرُ رَمَضَانَ) بِأَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ فَيَتَخَلَّلُهُ رَمَضَانُ (أَوْ فِطْرٌ وَاجِبٌ كَفِطْرِ الْعِيدِ) بِأَنْ يَبْتَدِئَ مَثَلًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَيَتَخَلَّلُهُ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهَذَا وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ ; لِأَنَّهُ زَمِنٌ مَنَعَهُ الشَّرْعُ عَنْ صَوْمِهِ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ. وَفِي " مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ ": فِي صَوْمِ الْعِيدِ يَقْطَعُ التَّتَابُعُ ; لِأَنَّهُ خَلَّلَهُ بِإِفْطَارٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُ، ثُمَّ سَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الصَّوْمَ كَاللَّيْلِ، وَيَتَخَرَّجُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنَّهُ يَصُومُهَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَفْطَرَهَا اسْتَأْنَفَ ; لِأَنَّهَا أَيَّامٌ أَمْكَنَهُ صِيَامُهَا فِي الْكَفَّارَةِ فَفِطْرُهَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَغَيْرِهَا. (أَوِ الْفِطْرُ بِحَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَةَ مُتَتَابِعًا إِذَا حَاضَتْ قَبْلَ إِتْمَامِهِ تَقْضِي إِذَا طَهُرَتْ وَتَبْنِي ; لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فِي الشَّهْرَيْنِ إِلَّا بِتَأْخِيرِهِ إِلَى الْإِيَاسِ، وَفِيهِ تَغْرِيرٌ بِالصَّوْمِ ; لِأَنَّهَا رُبَّمَا مَاتَتْ قَبْلَهُ، وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ فِي وَجْهٍ، وَفِي آخَرَ: يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ; لِأَنَّهُ فِطْرٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَلَا يَتَكَرَّرُ فِي الْعَامِ، أَشْبَهَ الْفِطْرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحَيْضِ ; لِأَنَّهُ أَنْدَرُ مِنْهُ. لَا يُقَالُ: الْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنَ النِّفَاسِ بِأَنْ لَا تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ فِي حَالِ الْحَمْلِ، وَفِي الْحَيْضِ إِذَا كَانَ طُهْرُهَا يَزِيدُ عَلَى الشَّهْرَيْنِ بِأَنْ تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ عَقِبَ طُهْرِهَا مِنَ الْحَيْضِ وَمَعَ هَذَا لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِهِ. (أَوْ جُنُونٌ) قَالَ جَمَاعَةٌ (أَوْ مَرَضٌ مُخَوِّفٌ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ ; لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِسَبَبٍ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ كَالْحَيْضِ. (أَوْ فِطْرِ الْحَامِلِ، وَالْمَرْضِعِ لِخَوْفِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا لَمْ يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ) لِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لِعُذْرٍ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا فَلَمْ

стр. 2685

يَنْقَطِعَ. وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ صَامَ تَطَوُّعًا، أَوْ قَضَاءً، أَوْ عَنْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ، وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ غَيْرِ ــ [المبدع في شرح المقنع] يَنْقَطِعْ كَالْمَرِيضِ. (وَكَذَلِكَ إِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا) لَمْ يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ، وَجَزَمَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لَهُمَا بِسَبَبٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِمَا كَمَا لَوْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْقَطِعَ) لَأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَلِهَذَا تَلْزَمُهُمَا الْفِدْيَةُ مَعَ الْقَضَاءِ. وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " الْخِلَافَ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إِبَاحَةِ الْفِطْرِ، وَالْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ فَقَطَعَ التَّتَابُعَ وَبِفِطْرِهِ نَاسِيًا، أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ مُخْطِئًا كَجَاهِلٍ بِهِ. [إِفْطَارُ الْمُظَاهِرِ فِي الْكَفَّارَةِ بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِ عُذْرٍ] (وَإِنْ أَفْطَرَ) أَيْ: تَعَمَّدَهُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ صَامَ تَطَوُّعًا، أَوْ قَضَاءً، أَوْ عَنْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِالتَّتَابُعِ الْمَشْرُوطِ، وَيَقَعُ صَوْمُهُ عَمَّا نَوَاهُ ; لِأَنَّ هَذَا الزَّمَانَ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ مُتَعَيِّنٍ لِلْكَفَّارَةِ، بِخِلَافِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ نَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَخَّرَهُ إِلَى فَرَاغِهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ مُتَعَيِّنًا أَخَّرَ الْكَفَّارَةَ عَنْهُ، أَوْ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ أَيَّامًا مِنَ الشَّهْرِ كَالْخَمِيسِ وَأَيَّامِ الْبَيْضِ قَدَّمَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ صَامَهُ، لَا تَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ فَيُفْضِي إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّكْفِيرِ بِحَالٍ. وَالنَّذْرُ يُمْكِنُهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ وَفِيهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ النَّذْرُ الْمُتَعَيِّنُ زَمَانُهُ مُتَعَيِّنٌ لِلصَّوْمِ، فَهُوَ كَرَمَضَانَ فَيَلْزَمُ عَدَمُ انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ بِهِ لِتَعَيُّنِهِ، أَوِ انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ ضَرُورَةَ مُسَاوَاةِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ فِي تَعْيِينِ الزَّمَانِ، بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: النَّذْرُ آكَدُ مِنْ رَمَضَانَ ; لِأَنَّ النَّذْرَ السَّابِقَ مُقَدَّمٌ بِخِلَافِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ التَّكْفِيرَ سَابِقٌ عَلَيْهِ. قَالَهُ ابْنُ الْمَنْجَا. (وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ غَيْرِ الْمُخَوِّفِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الثَّانِيَةِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ كَالْمَرَضِ الْمُخَوِّفِ، وَالثَّانِي: بَلَى كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ أَفْطَرَ لَسَفَرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَالْأَظْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ. وَقَالَهُ الْحَسَنُ ; لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ كَفِطْرِ

стр. 2686

الْمُخَوِّفِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ أَصَابَ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ. وَعَنْهُ: لَا يَنْقَطِعُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا، وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهَا لَيْلًا لَمْ يَنْقَطِعْ. ــ [المبدع في شرح المقنع] الْحَائِضِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّ السَّفَرَ حَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ فَقَطَعَهُ كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِنْ أَفْطَرَ لَعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَعِيدٍ بَنَى وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ. قِيلَ لِأَحْمَدَ: مُظَاهِرٌ أَفْطَرَ لِمَرَضٍ، يُعِيدُ؛ قَالَ: أَرْجُو أَنَّهُ فِي عُذْرٍ. ١ - فَرْعٌ: إِذَا أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وَكَانَ قَدْ طَلَعَ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ، وَلَمْ تَغِبْ أَفْطَرَ. وَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ وَجْهَانِ. [انْقِطَاعُ التَّتَابُعِ] (وَإِنْ أَصَابَ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ) وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] أَمَرَ بِهِمَا خَالِيَيْنِ مِنَ التَّمَاسِّ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ لَا يَخْتَصُّ الصِّيَامُ فَاسْتَوَى فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ كَالِاعْتِكَافِ. لَا يُقَالُ: الْوَطْءُ مَا بَقِيَ إِلَى كَفَّارَتِهِ سَبِيلٌ ; لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ أَلَّا يُوجَدَ التَّمَاسُّ قَبْلَ الشَّهْرَيْنِ، وَلَا فِيهَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ اشْتِرَاطُ أَحَدِهِمَا وَجَبَ الْآخَرُ لِإِمْكَانِهِ. (وَعَنْهُ: لَا يَنْقَطِعُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا) أَيْ: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِفِعْلِهِ لَيْلًا، وَلَا نَهَارًا نَاسِيًا وَرَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يُفْطِرُ بِهِ كَوَطْءِ غَيْرِهَا، وَعَنْهُ لَا يُفْطِرُ، وَلَا يَنْقَطِعُ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ الْفِطْرَ نَاسِيًا، وَإِنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ فَوَطِئَ غَيْرَهَا لَمْ يَنْقَطِعْ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ، لَا أَثَرَ لَهُ فِي قَطْعِ التَّتَابُعِ، وَإِنْ وَطِئَهَا كَانَ كَوَطْئِهَا لَيْلًا. وَهَلْ يُقْطَعُ التَّتَابُعَ؛ فِيهِ وَجْهَانِ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَطْأَهُ فِي أَثْنَاءِ إِطْعَامٍ - كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ - وَعَتَقَ، لَا يَقْطَعُهُ وَمَنَعَهُمَا فِي " الِانْتِصَارِ "، ثُمَّ سَلَّمَ الْإِطْعَامَ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ، وَالصَّوْمُ مُبْدَلٌ كَوَطْءِ مَنْ لَا تُطِيقُ الصَّوْمَ فِي الْإِطْعَامِ (وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهَا لَيْلًا لَمْ يَنْقَطِعْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ مُخِلٌّ بِاتِّبَاعِ الصَّوْمِ كَالْأَكْلِ. وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمَسَ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا، أَوْ بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ عَلَى وَجْهٍ يُفْطِرُ بِهِ قُطِعَ التَّتَابُعُ لِإِخْلَالِهِ بِمُوَالَاةِ الصِّيَامِ. وَفِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَتَانِ.

стр. 2687

فَصْلٌ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ لَزِمَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُسْلِمًا حُرًّا، صَغِيرًا كَانَ، أَوْ كَبِيرًا ــ [المبدع في شرح المقنع] [فَصْلٌ لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّوْمَ] [ لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّوْمَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ] فَصْلٌ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصَّوْمَ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، وَلَوْ رُجِيَ زَوَالُهُ، أَوْ يَخَافُ زِيَادَتَهُ، أَوْ بُطْأَهُ. قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ شَبِقَ (لَزِمَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَالْخَبَرُ، وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ لِأَجْلِ السَّفَرِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ عَنِ الصِّيَامِ وَلَهُ نِهَايَةٌ يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَهُوَ مِنْ أَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، بِخِلَافِ الْمَرَضِ. (مُسْلِمًا حُرًّا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ) . وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ الزَّكَاةَ لِحَاجَتِهِ جَازَ إِعْطَاؤُهُ مِنْ طَعَامِهَا. وَالْمَسَاكِينُ هُمُ الَّذِينَ تُدْفَعُ إِلَيْهِمُ الزَّكَاةُ لِحَاجَتِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْفُقَرَاءُ ; لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا صِنْفَيْنِ فَهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ. وَاقْتَصَرَ فِي " الْهَدْيِ " عَلَيْهِمَا لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَشَرْطُهُ الْإِسْلَامُ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ، وَالْكَفَّارَةُ جَارِيَةٌ مَجْرَاهَا. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ فِي ذَمِّيٍّ يَخْرُجُ مِنْ عِتْقِهِ، وَخَرَّجَ الْخَلَّالُ دَفْعَهَا إِلَى كَافِرٍ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَعَلَّهُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ، وَلِأَنَّهُ مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَجْزَأَ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ مِنْهَا كَالْمُسْلِمِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُعْطِيهِمْ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمْ. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُمْ كُفَّارٌ، فَلَمْ يَجُزْ إِعْطَاؤُهُمْ مِنْهَا كَمَسَاكِينِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِهَذَا، وَالْجِزْيَةُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى عَبْدٍ، وَلَا مُكَاتَبٍ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ عَلَى السَّيِّدِ. وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ ; لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ فَجَازَ إِطْعَامُهُ كَالْكَبِيرِ. وَهَذَا إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ، فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَهِيَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَهُ الْمَجْدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ كَزَكَاةٍ فِي رِوَايَةٍ نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ لَا، لَكِنْ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ يَقْبِضُ لِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلُهُ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ كَالصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونُ يَقْبِضُ لَهُ وَلَيُّهُ، وَالْأُخْرَى يَدْفَعُ إِلَى الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُطْعَمْ. ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ الْمَذْهَبُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حُرٌّ مُحْتَاجٌ، أَشْبَهَ الْكَبِيرَ.

стр. 2688

إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ. وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مُكَاتَبٍ وَلَا إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا فَبَانَ غَنِيًّا،، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ رَدَّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ فَيُجْزِئُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ. وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ، وَإِنْ دَفَعَ إِلَى مِسْكِينٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَارَّتَيْنِ أَجْزَأَهُ، وَعَنْهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] [مَنْ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْكَفَّارَةِ إِلَيْهِمْ] (وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مَكَاتَبٍ) لِأَنَّهُ عَبْدٌ. وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ جَوَازَ دَفْعِهَا إِلَيْهِ اخْتَارَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَتَخَرَّجُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إِعْتَاقِهِ ; لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنَ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ، أَشْبَهَ الْمُسْلِمِينَ. وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمِسْكِينِ ; لِأَنَّ حَاجَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَاجَتِهِمْ، وَالْكَفَّارَةُ إِنَّمَا هِيَ لِلْمَسَاكِينِ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْمِسْكِينَ يُدْفَعُ إِلَيْهِ لِيُتِمَّ كِفَايَتَهُ، وَالْمُكَاتَبُ إِنَّمَا يَأْخُذُ لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ وَكِفَايَتِهِ فِي كَسْبِهِ. (وَلَا إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُدْفَعُ إِلَيْهِمْ فَكَذَا الْكَفَّارَةُ. وَفِي دَفْعَهَا إِلَى الزَّوْجِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ، (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا) أَيْ: ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ (فَبَانَ غَنِيًّا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَفِي " الشَّرْحِ " وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الزَّكَاةِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا بَانَ كَافِرًا، أَوْ عَبْدًا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَجْهًا وَاحِدًا. (وَإِنْ رَدَّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَلَمْ يُطْعِمْ إِلَّا مِسْكِينًا وَاحِدًا، (إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ فَيُجْزِئُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الْوِجْدَانُ لِغَيْرِهِ مَعْذُورٌ. (وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ) مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ لِمَنِ احْتَجَّ لِعَدَمٍ بِزَكَاةٍ وَوَصِيَّةٍ لِلْفُقَرَاءِ وَخُمْسِ الْخُمْسِ بِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا. وَصَحَّحَهَا فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ". وَقَالَ: اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَاحْتَجَّ ابْنُ شِهَابٍ بِأَنَّهُ مَالٌ أُضِيفَ إِلَى عَدَدٍ مَحْصُورٍ، فَلَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إِلَى وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، أَوْ أُوصِيَ لَهُمْ. (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ) ، اخْتَارَهَا ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ ; لِأَنَّ هَذَا الْمِسْكِينَ لَمْ يَسْتَوْفِ قُوتَ يَوْمِهِ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ فَجَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ. (وَإِنْ دَفَعَ إِلَى مِسْكِينٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ أَجْزَأَهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ دَفَعَ

стр. 2689

لَا يُجْزِئُهُ. وَ الْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ، وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ قُوتُ بَلَدِهِ غَيْرَ ذَلِكَ أَجْزَأَ مِنْهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وَقَالَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْقَدْرَ الْوَاجِبَ إِلَى الْعَدَدِ الْوَاجِبِ فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ دَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فِي يَوْمَيْنِ. (وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ) ، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى قُوتَ يَوْمٍ مِنْ كَفَّارَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ ثَانِيًا كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَلَى هَذَا يُجْزِئُهُ عَنْ إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ وَيَرْجِعُ فِي الْأُخْرَى إِنْ كَانَ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَإِلَّا فَلَا، وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا يَرْجِعَ بِشَيْءٍ كَالزَّكَاةِ. وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ، فَإِنَّ اعْتِبَارَ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْأَيَّامِ. وَإِنْ دَفَعَ إِلَى السِتِّينَ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فَرِوَايَتَانِ [الْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ] (وَالْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ) وَهُوَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَنَحْوُهَا. وَإِخْرَاجُ الْحَبِّ أَفْضَلُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَهِيَ حَالَةُ كَمَالِهِ ; لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ وَيُهَيَّأُ لِمَنَافِعِهِ كُلِّهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: التَّمْرُ، وَالدَّقِيقُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا سِوَاهُمَا. وَفِي " التَّرْغِيبِ " التَّمْرُ أَعْجَبُ إِلَى أَحْمَدَ، فَإِنْ أَخْرَجَ دَقِيقًا جَازَ ; لِأَنَّهُ أَجْزَاءُ الْحَبِّ. وَقَدْ كَفَاهُمْ مُؤْنَتَهُ، وَهَيَّأَهُ لَهُمْ، بِخِلَافِ الْهَرِيسَةِ فَإِنَّهَا تَفْسَدُ عَنْ قُرْبٍ، وَفِي السَّوِيقِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، (وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ) . الْمَنْصُوصُ الْإِجْزَاءُ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . وَالْمُطْعِمُ لِلْخُبْزِ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ، وَلِأَنَّهُ مُهَيَّأٌ لِلْأَكْلِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَالِ الْكَمَالِ، وَالِادِّخَارِ، أَشْبَهَ الْهَرِيسَةَ. قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: الْأَوْلَى الْجَوَازُ، وَفِي " الْمُغْنِي " هُوَ أَحْسَنُ، وَهَذَا مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ وَلَيْسَ الِادِّخَارُ مَقْصُودًا فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمَا يُقَوِّتُ الْمِسْكِينَ فِي يَوْمِهِ، وَهَذَا مُهَيَّأٌ لِلْأَكْلِ الْمُعْتَادِ لِلِاقْتِيَاتِ بِهِ، وَأَمَّا الْهَرِيسَةُ، فَإِنَّهَا خَرَجَتْ عَنِ الِاقْتِيَاتِ الْمُعْتَادِ إِلَى خُبْزِ الْإِدَامِ. (وَإِنْ كَانَ قُوتُ بَلَدِهِ غَيْرَ ذَلِكَ) كَالذُّرَةِ، وَالْأَرُزِّ (أَجْزَأَهُ مِنْهُ) فِي قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفِ وَغَيْرِهِمَا، (لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وَهَذَا مِمَّا يُطْعِمُهُ أَهْلُهُ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ بِظَاهِرِ النَّصِّ، فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ قُوتِ بَلَدِهِ أَجْوَدَ مِنْهُ فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا. وَاعْتَبَرَ فِي " الْوَاضِحِ " غَالِبَ قُوتِ بَلَدِهِ.

стр. 2690

الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ أَقَلَّ مِنْ مُدَّيْنِ وَلَا ــ [المبدع في شرح المقنع] وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَسَطَهُ قَدْرًا ونوعا مُطْلَقًا بِلَا تَقْدِيرٍ، (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ) سَوَاءٌ كَانَ قُوتَ بَلَدِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ بِإِخْرَاجِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ فِي الْفِطْرَةِ، فَلَمْ يَجُزْ غَيْرُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قُوتَ بَلَدِهِ. وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ (وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ) أَوْ دَقِيقِهِ (أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ) . وَقَالَ زَيْدٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثَنَا أَيُّوبٌ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ، قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بِنِصْفِ وِسْقِ شَعِيرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُظَاهِرِ: أَطْعِمْ هَذَا، فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانُ مُدِّ بُرٍّ» ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا «رُوِيَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ مِكْتَلًا فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ: أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَذَلِكَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَهُوَ لِلتِّرْمِذِيِّ بِمَعْنَاهُ. (وَلَا مِنْ غَيْرِهِ أَقَلَّ مِنْ مُدَّيْنِ) لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ» وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ. وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: يَعْنِي بِالْعَرَقِ زِنْبِيلًا يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَإِذَنِ الْعِرْقَانِ ثَلَاثُونَ صَاعًا فَيَكُونُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ: الْعِرْقُ مِكْتَلٌ يَسَعُ ثَلَاثِينَ صَاعًا، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. وَعَنْهُ: مُدَّانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ لِحَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ أَوْسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: عَطَاءٌ لَمْ يُدْرِكْ أَوْسًا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ الْمَجَامِعِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ: خُذْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ» وَلِأَنَّهُ إِطْعَامٌ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْمُخْرَجِ كَالْفِطْرَةِ. وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ أَمَرَهُ بِأَكْلِهِ، وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ صَاعًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِأَحَدٍ. (وَلَا مِنَ الْخُبْزِ) إِذَا قُلْنَا بِإِجْزَائِهِ (أَقَلَّ مِنْ رِطْلَيْنِ بِالْعِرَاقِيِّ) أَيْ: مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُدٌّ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ مُدًّا ; لِأَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ الدِّمَشْقِيِّ، وَهُوَ بِهِ خَمْسُ أَوَاقٍ وَسَبْعُ أُوقِيَّةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنَ

стр. 2691

مِنَ الْخُبْزِ أَقَلَّ مِنْ رِطْلَيْنِ بِالْعِرَاقِيِّ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُدٌّ. وَإِنْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ، أَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ، أَوْ عَشَّاهُمْ لَمْ يُجْزِئْهُ. وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ. فَصْلٌ وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَكَذَلِكَ الْإِعْتَاقُ وَالصِّيَامُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ــ [المبدع في شرح المقنع] الشَّعِيرِ، فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا ضِعْفٌ (إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُدٌّ) مِنَ الْحِنْطَةِ فَيُجْزِئُ ; لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ. وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأُدُمُ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأُدْمِهِ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّمْلِيكُ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ كَزَوْجَةٍ، وَأَنَّ الْأُدْمَ يَجِبُ إِذَا كَانَ يُطْعِمُهُ أَهْلُهُ (وَإِنْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ) لَمْ يُجْزِئْهُ. نَقَلَهَا الْمَيْمُوِيُّ، وَالْأَثْرَمُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، مِنْهُمْ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْإِطْعَامُ، وَإِعْطَاءُ الْقِيمَةِ لَيْسَ بِإِطْعَامٍ، فَهُوَ بَاقٍ فِي عُهْدَةِ الْوَاجِبِ. (أَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ، أَوْ عَشَّاهُمْ لَمْ يُجْزِئْهُ) مُطْلَقًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الصَّحَابَةِ إِعْطَاؤُهُمْ، وَلِحَدِيثِ كَعْبٍ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى، وَلِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ لِلْفُقَرَاءِ شَرْعًا أَشْبَهَ الزَّكَاةَ. (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ) أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْمِسْكِينِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَأَمَا ثَانِيًا فَالْإِجْزَاءُ مَشْرُوطٌ، فَإِذَا أَطْعَمَهُمُ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ لَهُمْ، وَلَمْ يَقُلِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِالْوَاجِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَشْبِعْهُمْ، قَالَ: مَا أُطْعِمُهُمْ؛ قَالَ: خُبْزًا وَلَحْمًا إِنْ قَدَرْتَ، أَوْ مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِكُمْ. وَأَطْعَمَ أَنَسٌ فِي فِدْيَةِ الصِّيَامِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَطْعَمَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ قَدَّمَ إِلَيْهِمْ مُدًّا، وَقَالَ: هَذَا بَيْنَكُمْ فَقَبِلُوهُ، فَإِنْ قَالَ بِالسَّوِيَّةِ أَجْزَأَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرَ حَقِّهِ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا. [فَصْلُ وُجُودِ النِّيَّةِ شَرْطٌ لِإِجْزَاءِ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ وَالْإِعْتَاقِ] فَصْلٌ (وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ إِلَّا بِنِيَّةٍ) لَا نِيَّةِ التَّقَرُّبِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى سَبِيلِ الطُّهْرَةِ

стр. 2692

وَاحِدَةٌ فَنَوَى عَنْ كَفَارَتِي أَجْزَأَهُ. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَارَّاتٌ مِنْ جِنْسٍ فَنَوَى إِحْدَاها أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَعِنْدَ الْقَاضِي لَا ــ [المبدع في شرح المقنع] فَافْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ كَالزَّكَاةِ، (وَكَذَلِكَ الْإِعْتَاقُ، وَالصِّيَامُ) لِحَدِيثِ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِقَوْلِهِ «لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ» لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ مُتَبَرِّعًا بِهِ. وَعَنْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى، أَوْ نَذْرٍ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إِلَى هَذِهِ الْكَفَّارَةِ إِلَّا بِنِيَّةٍ. وَصَفَتُهَا أَنْ يَنْوِيَ الْعِتْقَ، أَوِ الصِّيَامَ، أَوِ الْإِطْعَامَ عَنِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنْ زَادَ " الْوَاجِبَةَ " فَتَأْكِيدٌ، وَإِنْ نَوَى وُجُوبَهَا وَلَمْ يَنْوِ الْكَفَّارَةَ، لَمْ يُجْزِئْهُ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ يَتَنَوَّعُ فَوَجَبَ تَمْيِيزُهُ. وَمَوْضِعُهَا مَعَ التَّكْفِيرِ أَوْ قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ صِيَامًا اشْتَرَطَ نِيَّةَ الصِّيَامِ عَنِ الْكَفَّارَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِلْخَبَرِ. (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ) لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْيِينُ سَبَبِهَا سَوَاءٌ عَلِمَهَا أَوْ جَهِلَهَا، فَإِنْ عَيَّنَهُ فَغَلِطَ أَجْزَأَهُ عَمَّا يَتَدَاخَلُ، وَهِيَ الْكَفَّارَاتُ عَنْ جِنْسٍ، (فَنَوَى عَنْ كَفَارَتِي أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ النِّيَّةَ تَعَيَّنَتْ لَهُ، وَلِأَنَّهُ نَوَى عَنْ كَفَّارَتِهِ، وَلَا مُزَاحِمَ لَهَا فَوَجَبَ تَعْلِيقُ النِّيَّةِ بِهَا. (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ) كَمَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ (فَنَوَى إِحْدَاهَا أَجْزَأَهُ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِذَا عَتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ أَجْزَأَهُ عَنْ إِحْدَاهُنَّ وَحَلَّتْ لَهُ وَاحِدَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ ; لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَأَجْزَأَتْهُ نِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، فَتَخْرُجُ الْمُحَلِّلَةُ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ. وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إِلَى أَيَّتِهِنَّ شَاءَ فَتَحِلُّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ كَانَ الظِّهَارُ مِنْ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ فَأَعْتَقَ، ثُمَّ صَامَ، ثُمَّ أَطْعَمَ حَلَّ الْجَمِيعُ مِنْ غَيْرِ قَرْعَةٍ ; لِأَنَّ التَّكْفِيرَ حَصَلَ عَنِ الثَّلَاثِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ عَنِ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً. (وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ) كَظِهَارٍ، وَقَتْلٍ، وَيَمِينٍ، فَأَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ إِحْدَاهَا، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ (فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) . وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى صِحَّةِ أَدَائِهَا إِلَى تَعْيِينِ سَبَبِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا مِنْ جِنْسٍ، وَلِأَنَّ آحَادَهَا لَا تَفْتَقِرُ إِلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ، بِخِلَافِ الصَّلَوَاتِ. (وَعِنْدَ

стр. 2693

يُجْزِئُهُ حَتَّى يُعَيِّنَ سَبَبَهَا، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ فَنَسِيَ سَبَبَهَا أَجْزَأَتْهُ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَعَلَى الثَّانِي يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ الْأَسْبَابِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] الْقَاضِي لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يُعَيِّنَ سَبَبَهَا) . قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَحَكَي عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ كَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ قَضَاءٍ وَنَذْرٍ، وَكَتَيَمُّمِهِ لِأَجْنَاسٍ، وَكَذَبْحِهِ فِي دَمِ نُسُكٍ وَدَمٍ مَحْظُورٍ، وَكَعِتْقِ نَذْرٍ وَعِتْقِ كَفَّارَةٍ فِي الْأَصَحِّ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ ". (فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَنَسِيَ سَبَبَهَا أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ تَعْيِينَ السَّبَبِ لَيْسَ شَرْطًا، فَإِذَا أَخْرَجَ كَفَّارَةً وَقَعَتْ عَنْ كَفَّارَتِهِ، فَتَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ. (وَعَلَى الثَّانِي) لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ السَّبَبِ (يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ الْأَسْبَابِ) كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةَ خَمْسٍ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ يَوْمًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ قَضَاءٌ، أَوْ نَذْرٌ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صَوْمُ يَوْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَدْرِي أَهِيَ مِنْ كَفَّارَةٍ، أَوْ نَذْرٍ، أَوْ قَضَاءٍ؛ لَزِمَهُ صَوْمُ تِسْعَةِ أَيَّامٍ، كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ. وَاخْتَارَ فِي " الِانْتِصَارِ " إِنِ اتَّحَدَ السَّبَبُ فَنَوْعٌ، وَإِلَّا فَجِنْسٌ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَوْ كَفَرَ مُرْتَدٌّ بِغَيْرِ الصَّوْمِ فَنَصُّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ. ١ - مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ فَأَعْتَقَ عَنْهُمَا عَبْدَيْنِ فَلَهُ أَقْسَامٌ: ١ - ـ أَنْ يَقُولَ: أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ، وَهَذَا عَنِ الْأُخْرَى، فَيُجْزِئُهُ إِجْمَاعًا. ٢ - ـ أَنْ يَقُولَ: أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ إِحْدَاهُمَا، وَهَذَا عَنِ الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، فَإِنْ كَانَا مَنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ السَّبَبِ. ٣ - ـ أَنْ يَقُولَ: أَعْتَقْهُمَا عَنِ الْكَفَّارَتَيْنِ أَجَزَآهُ إِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ. ٤ - ـ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَيَكُونُ مُعْتِقًا عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَفَّارَتَيْنِ

стр. 2694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] نِصْفَ الْعَبْدَيْنِ. وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ثَالِثًا: إِنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا جَازَ ; لِأَنَّهُ حَصَلَ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ وَالتَّصَرُّفِ. ١ - فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى سَبَبِهَا كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمِلْكِ. وَإِنْ كَفَّرَ بَعْدَ السَّبَبِ، وَقَبْلَ الشَّرْطِ جَازَ، فَلَوْ كَفَّرَ عَنِ الظِّهَارِ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الْعَوْدِ جَازَ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ فَجَازَ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ شَرْطِهِ كَالزَّكَاةِ. فَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ ظَاهَرْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، عَتَقَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.

стр. 2695

كِتَابُ اللِّعَانِ وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلَ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا فَلَهُ إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ . وَصِفَتُهُ أَنْ يَبْدَأَ ــ [المبدع في شرح المقنع] [كِتَابُ اللِّعَانِ] [إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ] ِ هُوَ مَصْدَرُ لَاعَنَ لِعَانًا إِذَا فَعَلَ مَا ذَكَرَ، أَوْ لَعَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّعْنِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْعَنُ نَفْسَهُ فِي الْخَامِسَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: سُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فَتَحْصُلُ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ، وَهِيَ الطَّرْدُ، وَالْإِبْعَادُ، يُقَالُ: لَعَنَهُ اللَّهُ، أَيْ: بَاعَدَهُ، وَالْتَعْنَ الرَّجُلُ: إِذَا لَعَنَ نَفْسَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ. وَاللِّعَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ، يُقَالُ: لَاعَنَ امْرَأَتَهُ لِعَانًا وَمُلَاعِنَةً وَتَلَاعُنًا بِمَعْنًى. وَلَاعَنَ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا، وَرَجُلٌ لُعَنَةٌ بِوَزْنِ هُمَزَةٍ إِذَا كَانَ يَلْعَنُ النَّاسَ كَثِيرًا، أَوْ لُعْنَةٌ بِسُكُونِ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ يَلْعَنُهُ النَّاسُ. وَشَرْعًا: شَهَادَاتٌ مُؤَكِّدَاتٌ بِأَيْمَانٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ، وَالْغَضَبِ قَائِمَةٌ مَقَامَ حَدِّ قَذْفٍ فِي جَانِبِهِ، وَحَدِّ زِنًا فِي جَانِبِهَا. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الْآيَاتُ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مُنْصَرَفَهُ ﵇ مِنْ تَبُوكَ فِي عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ، أَوْ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمَا، وَلَمْ يَقَعْ بَعْدَهَا بِالْمَدِينَةِ إِلَّا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ يُبْتَلَى بِقَذْفِ امْرَأَتِهِ لِنَفْيِ الْعَارِ، وَالنَّسَبِ الْفَاسِدِ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فَجُعِلَ اللِّعَانُ بَيِّنَةً لَهُ، وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَبْشِرْ يَا هِلَالُ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا» .

стр. 2696

الزَّوْجُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لِمَنِ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنَا، وَيُشِيرُ إِلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا وَنَسَبَهَا حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ) الْعَاقِلُ (امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا) وَلَوْ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ فِي قُبُلٍ، أَوْ دُبُرٍ فَكَذَّبَتْهُ لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ بِقَذْفِ أَجْنَبِيَّةٍ مِنْ إِيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَحُكِمَ بِفِسْقِهِ وَرَدِّ شَهَادَتِهِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ يُلَاعِنَ، وَلِهَذَا أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَهُ إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] الْآيَةَ. وَهُوَ عَامٌّ فِي الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الزَّوْجَ بِأَنْ أَقَامَ لِعَانَهُ مَقَامَ الشَّهَادَةِ فِي نَفْيِ الْحَدِّ، وَالْفِسْقِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ لِهِلَالٍ: «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» . وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، وَكَالْأَجْنَبِيِّ وَلَهُ إِسْقَاطُهُ بِلِعَانِهِ، وَلَوْ بَقِيَ سَوْطٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ زَنَتْ قَبْلَ الْحَدِّ، وَيَسْقُطُ بِلِعَانِهِ وَحْدَهُ. ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " التَّرْغِيبِ " [صِفَةُ اللِّعَانِ] (وَصِفَتُهُ أَنْ يَبْدَأَ الزَّوْجُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لِمَنِ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنَا، وَيُشِيرُ إِلَيْهَا) . وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الْحُضُورِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى تَسْمِيَةٍ وَنَسَبٍ كَمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا وَنَسَبَهَا) حَتَّى تَنْتَفِيَ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا. قُلْتُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُومَ وَصْفُهَا بِمَا هِيَ مَشْهُورَةٌ بِهِ مَقَامَ الرَّفْعِ فِي نَسَبِهَا (حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا) . وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُذْكَرَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ". (ثُمَّ تَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنِ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) ، وَتُشِيرُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَسْمَتْهُ وَنَسَبَتْهُ (ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا) لِلْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ هِيَ فِي الْخَامِسَةِ بِالْغَضَبِ ; لِأَنَّ النِّسَاءَ يُكْثِرْنَ اللَّعْنَ كَمَا وَرَدَ. [شُرُوطُ أَلْفَاظِ اللِّعَانِ] (فَإِنَّ) هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ شُرُوطِهِ وَهِيَ سِتَّةٌ:

стр. 2697

الزِّنَا، ثُمَّ تَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنِ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا. فَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ شَيْئًا، أَوْ بَدَأَتْ بِاللِّعَانِ قَبْلَهُ، أَوْ تَلَاعَنَا بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْحَاكِمِ، أَوْ نَائِبِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ، أَوِ الْغَضَبِ بِالسُّخْطِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] أَحَدُهَا: اسْتِعْمَالُهُ الْأَلْفَاظَ الْخَمْسَةَ، فَإِنْ (نَقَصَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ شَيْئًا) وَلَوْ قَلَّ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ، فَلَمْ يَجُزِ النَّقْصُ مَنْ عَدَدِهَا كَالشَّهَادَةِ، (أَوْ بَدَأَتْ بِاللِّعَانِ قَبْلَهُ) لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ، وَكَذَا إِنْ قَدَّمَ الرَّجُلُ اللَّعْنَةَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ، أَوْ قَدَّمَتْ هِيَ الْغَضَبَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ لِعَانَ الرَّجُلِ بَيِّنَةٌ لِإِثْبَاتٍ، وَلِعَانُهَا بَيِّنَةٌ لِإِنْكَارٍ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْإِثْبَاتِ (أَوْ تَلَاعَنَا بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْحَاكِمِ، أَوْ نَائِبِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) ، لِأَنَّهُ يَمِينٌ فِي دَعْوَى فَاعْتُبِرَ فِيهِ أَمْرُ الْحَاكِمِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى. الرَّابِعُ: أَنْ يَأْتِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاللِّعَانِ بَعْدَ إِلْقَائِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَادَرَ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ حَلَفَ قَبْلَ أَنْ يُحَلِّفَهُ الْحَاكِمُ. الْخَامِسُ: الْإِشَارَةُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ يُسَمِّيَهُ وَيَنْسُبَهُ إِنْ كَانَ غَائِبًا. وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمَا مَعًا بَلْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا عَنْ صَاحِبِهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَرْأَةُ عَلَى بَابِهِ لِعُذْرٍ جَازَ. (وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ، أَوِ الْغَضَبِ بِالسُّخْطِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) هَذَا هُوَ الشَّرْطُ السَّادِسُ لِصِحَّةِ اللِّعَانِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَلْفَاظِ عَلَى صُورَةِ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ ; لِأَنَّ اتِّبَاعَ لَفْظِ النَّصِّ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ فِي الْحُقُوقِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ. قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَالْآخَرُ يُعْتَدُّ بِهِ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَبْدَلَ: إِنِّي لِمَنِ الصَّادِقِينَ بِقَوْلِهِ لَقَدْ زَنَتْ. قَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقُولُ الرَّجُلُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ زَنَتْ، وَلَيْسَ هَذَا لَفْظَ النَّصِّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ ذِكْرَ اللَّفْظِ، وَلَكِنْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 2698

وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اللِّعَانِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِلَّا بِهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا فِي أحد الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ بِلِسَانِهِ. وَإِذَا فُهِمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ، أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَإِنْ أُبْدِلَتْ لَفْظَةُ الْغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ الْغَضَبَ أَبْلَغُ، وَلِهَذَا اخْتَصَّتِ الْمَرْأَةُ بِهِ ; لِأَنَّ إِثْمَهَا أَعْظَمُ، وَالْمَعَرَّةُ بِزِنَاهَا أَقْبَحُ. وَإِنْ أَبْدَلَهَا بِالسُّخْطِ خَرَجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا أَبْدَلَ لَفَظَّةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ، وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْغَضَبِ فَاحْتِمَالَانِ: الْجَوَازُ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغَ وَعَدَمُهُ لِمُخَالَفَةِ الْمَنْصُوصِ. وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَفِي " التَّرْغِيبِ ": تُشْتَرَطُ مُوَالَاةُ الْكَلِمَاتِ وَأَوْمَأَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ الْخَامِسَةَ لَا تُشْتَرَطُ فَيُنَفِّذُ حُكْمَهُ، لَا عَلَى الْأَوْلَى. قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ". [قَدَرَ عَلَى اللِّعَانِ بِالْعَرَبِيَّةِ] (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اللِّعَانِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِلَّا بِهَا) ، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِهَا كَأَذْكَارِ الصَّلَاةِ، (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا فِي الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا كَالْفَاتِحَةِ، (وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ بِلِسَانِهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. قَالَهُ فِي " الْوَاضِحِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَ " الْوَجِيزِ "، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ كَالنِّكَاحِ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ يُحْسِنُ لِسَانَهُمَا أَجْزَأَ ذَلِكَ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ أَرْبَعَةٌ يُحْسِنُونَ لِسَانَهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يُحْسِنُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تُرْجُمَانٍ، وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ عَدْلَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَإِذَا فُهِمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ، أَوْ كِتَابَتُهُ صَحَّ لِعَانُهُ بِهَا) ، قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَطَلَاقِهِ. وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ.

стр. 2699

كِتَابَتُهُ صَحَّ لِعَانُهُ بِهَا وَإِلَّا فَلَا. وَهَلْ يَصِحُّ لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ وَأَيِسَ مَنْ نُطْقِهِ بِالْإِشَارَةِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ خَرْسَاءَ لَمْ تُلَاعِنْ ; لِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ مُطَالَبَتُهَا، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يَفْتَقِرُ إِلَى الشَّهَادَةِ، أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَالْإِشَارَةِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً كَالنُّطْقِ، وَلَا يَخْلُو مِنِ احْتِمَالٍ وَتَرَدُّدٍ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ يُمْكِنُ حُصُولُهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِيهَا. وَاللِّعَانُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنْهُ فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى قَبُولِهِ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقَوْلُنَا أَحْسَنُ إِذِ الشَّهَادَةُ قَدْ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنْهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِرُؤْيَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، أَوْ سَمَاعِهِ إِيَّاهُ. وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ مُوجِبَ الْقَذْفِ وُجُوبُ الْحَدِّ، وَهُوَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ. وَمَقْصُودُ اللِّعَانِ نَفْيُ السَّبَبِ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالْإِمْكَانِ مَعَ ظُهُورِ انْتِفَائِهِ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ لَمْ يَصِحَّ. ١ - فَرْعٌ: إِذَا قَذَفَ الْأَخْرَسُ وَلَاعَنَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فَأَنْكَرَهُمَا لَمْ يُقْبَلْ إِنْكَارُهُ لِلْقَذْفِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، وَيُقْبَلُ إِنْكَارُهُ لِلِّعَانِ فِيمَا عَلَيْهِ فَيُطَالِبُ بِالْحَدِّ وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ، وَلَا تَعُودُ الزَّوْجَةُ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أُلَاعِنُ لِسُقُوطِ [لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ] الْحَدِّ وَنَفْيِ النَّسَبِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا، ثُمَّ أَنْكَرَ فَكَاللِّعَانِ. (وَهَلْ يَصِحُّ لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ وَأَيِسَ مَنْ نُطْقِهُ بِالْإِشَارَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ". أَحَدُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " يَصِحُّ كَالْأَخْرَسِ الْأَصْلِيِّ، وَالثَّانِي لَا ; لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ لِعَارِضٍ أَشْبَهَ غَيْرَ الْمَأْيُوسِ، فَإِنْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ قَذْفًا وَلِعَانًا قُبِلَ فِي لِعَانٍ فِي حَدٍّ وَنَسَبٍ فَقَطْ، وَيُلَاعِنُ لَهُمَا، فَإِنْ رُجِيَ نُطْقُهُ انْتُظِرَ. وَفِي " التَّرْغِيبِ " ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفَائِدَتُهُ صِحَّةُ قَذْفِ الْأَخْرَسِ وَلِعَانُهُ ; لِأَنَّا لَا نَأْمُرُهُ بِاللِّعَانِ وَنَحْبِسُهُ إِذَا نَكَلَ حَتَّى يُلَاعِنَ. ذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ". وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتضِي أَنَّهُ يُحَدُّ.

стр. 2700

فَصْلٌ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ فِي الْأَوْقَاتِ، وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ. وَإِذَا ــ [المبدع في شرح المقنع] [فَصْلُ السُّنَّةِ تُلَاعِنُ الزَّوْجَيْنِ قِيَامًا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ] فَصْلٌ (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا) لِقَوْلِهِ ﵇ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: «قُمْ فَاشْهَدْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ» وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الرَّدْعِ فَيَبْدَأُ الزَّوْجُ فَيَلْتَعِنُ، وَهُوَ قَائِمٌ، فَإِذَا فَرَغَ قَامَتِ الْمَرْأَةُ، فَالْتَعَنَتْ (بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ) ، لِحُضُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَعَ حَدَاثَةِ أَسْنَانِهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَ جَمْعٌ كَثِيرٌ، لِأَنَّ الصِّبْيَانَ إِنَّمَا يَحْضُرُونَ تَبَعًا لِلرِّجَالِ إِذِ اللِّعَانُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيظِ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ. وَفِعْلُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَبْلَغُ فِي ذَلِكَ. وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا يَنْقُصُوا عَنْ أَرْبَعَةٍ ; لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَا الَّتِي شُرِعَ اللِّعَانُ مِنْ أَجْلِ الرَّمْيِ بِهِ أَرْبَعَةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (فِي الْأَوْقَاتِ، وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ) هَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْمُحَرِّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "، فَفِي الزَّمَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] . وَالْمُرَادُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِي قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَبَيْنَ الْأَذَانَيْنِ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَهُمَا لَا يُرَدُّ. وَفِي الْمَكَانِ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَالْمَقَامُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَطِيمِ. وَلَوْ قِيلَ: بِالْحِجْرِ لَكَانَ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مِنَ الْبَيْتِ. وَبِالْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مِمَّا يَلِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» . وَبِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي جَوَامِعِهَا، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَقِيَا عَلَى الْمَنَابِرِ أَوْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ فِي النَّاسِ كَثْرَةٌ، فِيهِ احْتِمَالٌ، أَوْ وَجْهٌ، قَالَهُ فِي " الْوَاضِحِ ". وَحَائِضٌ وَنَحْوُهَا بِبَابِ الْمَسْجِدِ لِتَحْرِيمِ مُكْثِهَا فِيهِ، فَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ تَأْخِيرَهُ إِلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ وَغَسْلِهَا لَمْ يَبْعُدْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ مُطْلَقًا قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي
следующие страницы →