Полный текст (3 567 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
فَصْلٌ وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَيَطَؤُهَا فِي الْقُبُلِ، وَأَدْنَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَصْلٌ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ، فَقَالَ: قَدْ أَصَبْتُكِ فَلِيَ الرَّجْعَةُ، فَأَنْكَرَتْهُ أَوْ قَالَتْ: قَدْ أَصَابَنِي فَلِيَ الْمَهْرُ - قُبِلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، فَلَا يَزُولُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَلَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ قَبْضِ الْمَهْرِ، وَادَّعَى إِصَابَتَهَا، فَأَنْكَرَتْهُ - لَمْ يُرْجَعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ لَهَا بِهِ وَلَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُنْكِرُ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ، وَالْخُلْوَةُ كَالْإِصَابَةِ فِي إِثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي خَلَا بِهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يُصِيبَهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُصَابَةٍ، فَلَا تُسْتَحَقُّ رَجْعَتُهَا كَالَّتِي لَمْ يَخْلُ بِهَا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، فَمَلَكَ رَجْعَتَهَا كَالَّتِي أَصَابَهَا.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى زَوْجُ الْأَمَةِ بَعْدَ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْهُ، وَصَدَّقَهُ مَوْلَاهَا - قُبِلَ قَوْلُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: قَوْلُهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ عَلِمَ مَوْلَاهَا صِدْقَ الزَّوْجِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا تَزْوِيجُهَا، وَإِنْ عَلِمَتْ هِيَ صِدْقَ الزَّوْجِ فِي رَجَعْتِهَا، فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى سَيِّدِهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْ وَطْئِهَا إِلَّا مُكْرَهَةً كَمَا قُبِلَ الطَّلَاقُ.
[إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ]
فَصْلٌ
(وَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيِ: الْحُرُّ (ثَلَاثًا) وَالْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ، وَلَوْ عَبَّرَ كَـ " الْفُرُوعِ " بِقَوْلِهِ: مَنْ طَلَّقَ عَدَدَ طَلَاقِهِ لَكَانَ أَوْلَى (لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، وَحَدِيثُ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِذَا تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا لَا يُرِيدُ بِهِ إِحْلَالًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذَا إِلَّا الْخَوَارِجُ، وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي الْآيَةِ: الْجِمَاعُ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ حِلَّهَا لِلْأَوَّلِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوَطِئَهَا
стр. 2627
مَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، فَأَوْلَجَهُ، أَوْ وَطِئَهَا زَوْجٌ مُرَاهِقٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ - أَحَلَّهَا، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ، أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ - لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
السَّيِّدُ فَلَا، وَأَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا عَلَى الْمَذْهَبِ، فَلَوْ كَانَ فَاسِدًا فَلَا، وَأَنْ يَطَأَهَا فِي الْفَرْجِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَطَؤُهَا فِي الْقُبُلِ) ؛ لِأَنَّهُ ﵇ عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى ذَوَاقِ الْعُسَيْلَةِ، وَلَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ (وَأَدْنَى مَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) مَعَ الِانْتِشَارِ (فِي الْفَرْجِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلَوْ أَوْلَجَ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ لَمْ يُحِلَّهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِذَوَاقِ الْعُسَيْلَةِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ، وَلَيْسَ الْإِنْزَالُ شَرْطًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ جَعَلَ ذَوَاقَ الْعُسَيْلَةِ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِدُونِ الْإِنْزَالِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا فِي الثَّيِّبِ، فَأَمَّا الْبِكْرُ فَأَدْنَاهُ أَنْ يَفْتَضَّهَا بِآلَتِهِ (وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، فَأَوْلَجَهُ) أَحَلَّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشَفَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهٌ: بَقِيَّتُهُ (أَوْ وَطِئَهَا زَوْجٌ مُرَاهِقٌ) أَحَلَّهَا فِي قَوْلِهِمْ، إِلَّا الْحَسَنَ؛ لِظَاهِرِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ، وَبِخِلَافِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ، وَلَا تُذَاقُ عُسَيْلَتُهُ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ فَصَاعِدًا، وَقَالَ الْقَاضِي: يُشْتَرَطُ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَنَقَلَهُ مُهَنَّا؛ لِأَنَّ مَنْ دُونَ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ الْمُجَامَعَةُ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُجَامِعِ، وَمَتَى أَمْكَنَهُ الْجِمَاعُ فَقَدَ وُجِدَ مِنْهُ الْمَقْصُودُ (أَوْ ذِمِّيٌّ، وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ، أَحَلَّهَا) لِمُطَلِّقِهَا الْمُسْلِمِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هُوَ زَوْجٌ، وَبِهِ تَجِبُ الْمُلَاعَنَةُ وَالْقَسَمُ؛ وَلِظَاهِرِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، أَشْبَهَ وَطْءَ الْمُسْلِمِ (وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ، أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ - لَمْ تَحِلَّ) ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ لَا تَذُوقُ بِهِ الْعُسَيْلَةَ، وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ وَطْءُ من
стр. 2628
وُطِئَتْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، لَمْ تَحِلَّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا فِي حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ إِحْرَامٍ - أَحَلَّهَا وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُحِلُّهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَاشْتَرَاهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
غير زَوْجٍ، فَلَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ، فَيَبْقَى عَلَى الْمَنْعِ (وَإِنْ وَطِئَتْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، لَمْ تَحِلَّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْمُطْلَقَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا يُحِلُّهَا؛ لِأَنَّهُ زَوْجٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَسَمَّاهُ ﵇ مُحَلِّلًا مَعَ فَسَادِ نِكَاحِهِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِدَلِيلِ مَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَتَزَوَّجُ، فَتَزَوَّجَ تَزْوِيجًا فَاسِدًا - لَا يَحْنَثُ؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ التَّزْوِيجِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِيهِ مِنَ الْإِحْصَانِ، وَاللِّعَانِ، وَالظِّهَارِ وَنَحْوِهَا، وَسَمَّاهُ مُحَلِّلًا لِقَصْدِهِ التَّحْلِيلَ فِيمَا لَا يَحِلُّ، وَلَوْ أَحَلَّ حَقِيقَةً لَمَا لُعِنَ، وَلَا لُعِنَ الْمُحَلَّلُ لَهُ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ (وَإِنْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا فِي حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ إِحْرَامٍ) أَوْ صَوْمٍ وَاجِبٍ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (أَحَلَّهَا) فِي اخْتِيَارِ الْمُؤَلِّفِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِدُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ تَامٌّ فِي نِكَاحٍ تَامٍّ، فَأَحَلَّهَا، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا مَرِيضَةً يَضُرُّ بِهَا وَطْؤُهُ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي حِلِّهَا، قَالَهُ فِي " الْكَافِي "، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مَمْلُوكٌ وَوَطِئَهَا، وَكَمَا لَوْ وَطِئَهَا وَقَدْ ضَاقَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَمَسْجِدٍ، وَكَقَبْضِ مَهْرٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا لِمَعْنًى فِيهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ وَطْئِهَا فِي إِحْرَامٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ هُنَاكَ لِمَعْنًى فِيهَا، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " و" الْمُفْرَدَاتِ ": مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُحِلُّهَا) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ حُرِّمَ لِحَقِّ اللَّهِ، فَلَمْ يُحِلُّهَا، كَوَطْءِ الْمُرْتَدَّةِ، أَوْ نِكَاحٍ بَاطِلٍ.
١ -
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا وَطِئَهَا فِي رِدَّتِهَا أَوْ رِدَّتِهِ لَمْ يُحِلَّهَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ وَقَعَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ غَيْرِ تَامٍّ؛ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْبَيْنُونَةِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فِي الْعِدَّةِ، فَلَمْ يُصَادِفِ الْوَطْءُ نِكَاحًا، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَوَطِئَهَا قَبْلَ إِسْلَامِ الْآخَرِ.
стр. 2629
مُطَلِّقُهَا - لَمْ تَحِلَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَحِلَّ، وَإِنْ طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ طَلْقَتَيْنِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، سَوَاءٌ عُتِقَا، أَوْ بَقِيَا عَلَى الرِّقِّ، وَإِذَا غَابَ عَنْ مُطَلَّقَتِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَا مَجْنُونَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، فَوَطِئَهَا، أَحَلَّهَا عَلَى المذهب لظاهر النَّصِّ، وَكَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُحِلُّهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَذُوقُ الْعُسَيْلَةَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الشَّهْوَةِ بِدَلِيلِ الْبَهَائِمِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَجْنونُ ذَاهِبُ الْحِسِّ كَالْمَصْرُوعِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَحْصُلِ الْحِلُّ بِوَطْئِهِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا وَطِئَ مُغْمًى عَلَيْهَا، أَوْ نَائِمَةً لَا تُحِسُّ بِوَطْئِهِ - لَمْ تَحِلَّ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَيُحْتَمَلُ حُصُولُ الْحِلِّ لِلْعُمُومِ، وَلَوْ وَطِئَهَا يَعْتَقِدُهَا أَجْنَبِيَّةً، فَإِذَا هِيَ امْرَأَتُهُ - حَلَّتْ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ نِكَاحًا صَحِيحًا.
الرَّابِعَةُ: إِذَا اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ حَلَّتْ، وَقَدَّمَ فِي " الشَّرْحِ " خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذُقْ عُسَيْلَتَهَا، وَإِنْ وَطِئَهَا مَعَ إِغْمَائِهِ - فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ خَصْيًا، أَوْ مَسْلُولًا، أَوْ مَوْجُوءًا - حَلَّتْ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَعَنْهُ: لَا لِعَدَمِ ذَوَقَانِ الْعُسَيْلَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَطَأُ كَالْفَحْلِ، وَلَمْ يَفْقِدْ إِلَّا الْإِنْزَالَ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْإِحْلَالِ.
١ -
(وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَاشْتَرَاهَا مُطَلِّقُهَا - لَمْ تَحِلَّ) نَصَّ عَلَيْهِ، رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ لِلْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا مُبَاحًا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَحِلَّ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَخْتَصُّ الزَّوْجِيَّةَ، فَأَثَّرَ فِي التَّحْرِيمِ.
(وَإِنْ طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ طَلْقَتَيْنِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ: أَنَّ الطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (سَوَاءً عُتِقَا، أَوْ بَقِيَا عَلَى الرِّقِّ) ؛ لِاسْتِوَاءِ حَالَيْنِ فِي السَّبَبِ الْمُقْتَضِي
стр. 2630
ثَلَاثًا، فَأَتَتْهُ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، فَلَهُ نِكَاحُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، وَإِلَّا فَلَا..
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِلتَّحْرِيمِ قَبْلَ نِكَاحِ زَوْجٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ اسْتِكْمَالُ الْعَدَدِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَالَتَيِ الْعِتْقِ بَعْدَ الرِّقِّ وَبَقَاءِ الرِّقِّ.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِذَا عَتَقَ بَعْدَ طَلْقَةٍ، مَلَكَ تَمَامَ الثَّلَاثِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُبَالِي فِي الْعِدَّةِ عِتْقًا، أَوْ بَعْدَ الْعِدَّةِ، وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَفْتَى بِهِ، وَقَالَ: قَضَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ: لَا أَرَى شَيْئًا يَدْفَعُهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ مُعْتَبٍ، عَنْ أَبِي حَسَنٍ مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ، وَلَا يُعْرَفَانِ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي عُمَرَ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَمَعْمَرٌ: لَقَدْ تَحَمَّلَ أَبُو حَسَنٍ هَذَا صَخْرَةً عَظِيمَةً، وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ جَيِّدٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ عُمَرُ بْنُ مُعْتَبٍ، وَلَا أَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَبُو حَسَنٍ فَهُوَ عِنْدِي مَعْرُوفٌ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ، فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ، وَبِهِ أَقُولُ.
فَرْعٌ: إِذَا عَلَّقَ ثَلَاثًا فِي الرِّقِّ بِشَرْطٍ، فَوُجِدَ بَعْدَ عِتْقِهِ - لَزِمَتْهُ الثَّلَاثُ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ، وَيَبْقَى لَهُ وَاحِدَةٌ، كَتَعْلِيقِهَا بِعِتْقِهِ فِي الْأَصَحِّ.
١ -
(وَإِذَا غَابَ عَنْ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا، فَأَتَتْهُ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، فَلَهُ نِكَاحُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا) الْمُطَلَّقَةُ الْمَبْتُوتَةُ إِذَا مَضَى بَعْدَ طَلَاقِهَا زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ انْقِضَاءُ عِدَّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ وَوَطْءٌ، وَلَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، مِثْلُ أَنْ يَعْرِفَ أَمَانَتَهَا، أَوْ بِخَبَرِ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهٌ: إِنْ كَانَتْ ثِقَةً، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا، وَعَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْحَالِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا، فَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهَا، كَمَا لَوْ أَخْبَرَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا ذُكِرَ، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ
стр. 2631
..
....
....
....
..
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
التَّحْرِيمُ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ، وَكَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَنْ حَالِهَا فَاسْقٌ، فَلَوْ كَذَّبَهَا الثَّانِي فِي وَطْءٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي تَنْصِيفِ مَهْرٍ، وَقَوْلُهَا فِي إِبَاحَتِهَا لِلْأَوَّلِ، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ حَاضِرًا، وَفَارَقَهَا، وَادَّعَتْ إِصَابَتَهُ وَهُوَ مُنْكِرُهَا. وَمِثْلُ الْأَوَّلَةِ، لَوْ جَاءَتْ حَاكِمًا، وَادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا إِنْ ظَنَّ صِدْقَهَا بِمُعَامَلَةٍ، وَعَبْدٌ لَمْ يَثْبُتْ عِتْقُهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الزَّوْجُ لَا يُعْرَفُ، وَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ لو اتفقا أَنَّهُ طَلَّقَهَا، وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ، فَإِنَّهَا تُزَوَّجُ.
فَرْعٌ: لَوْ شَهِدَا بِأَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَوُجِدَ مَعَهَا بَعْدُ، وَادَّعَى الْعَقْدَ ثَانِيًا بِشُرُوطِهِ - يُقْبَلُ مِنْهُ، وَسُئِلَ عَنْهَا الْمُؤَلِّفُ، فَلَمْ يُجِبْ، وَلَوْ وَطِئَ مَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، حُدَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَحَدَ طَلَاقَهَا وَوَطِئَهَا، فَشَهِدَ بِطَلَاقِهِ، فَلَا؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَعْرِفَتَهُ بِهِ وَقْتَ وَطْئِهِ إِلَّا بِإِقْرَارِهِ بِهِ.
стр. 2632
كِتَابُ الْإِيلَاءِ وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ.
وَيُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الْإِيلَاءِ] [تَعْرِيفُ الْإِيلَاءِ]
الْإِيلَاءُ بِالْمَدِّ الْحَلِفُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ لِـ: يُولِي إِيلَاءً، وَيُقَالُ: تَأَلَّى يَتَأَلَّى. وَفِي الْخَبَرِ: " مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكَذِّبْهُ ". وَالْأَلِيَّةُ بِوَزْنِ فَعِيلَةِ: الْيَمِينُ، وَجَمْعُهَا أَلَايَا، بِوَزْنِ خَطَايَا، قَالَ كُثَيِّرٌ:
قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتِ
وَكَذَلِكَ الْأَلْوَةُ بِسُكُونِ اللَّامِ وَتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] . وَكَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَآنِ: " يُقْسِمُونَ ". الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الَّذِينَ يُؤْلُونَ: يَحْلِفُونَ. حَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا طَلَبَ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ شَيْئًا فَأَبَتْ أَنْ تُطِيعَهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَيَدَعُهَا لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، وَكَانَ الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي الظِّهَارِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَقَتَادَةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّرْعَ غَيَّرَ حُكْمَهُ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ.
(وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى الْإِيلَاءِ شَرْعًا وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِحَلِفِ الزَّوْجِ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الزَّوْجَةِ فِي الْقُبُلِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْمُدَّةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي حَقِيقَتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ شُرُوطٌ، وَالْأَوْلَى
стр. 2633
الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ، فَإِنْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا، لَكِنْ إِنْ تَرَكَهُ مُضِرًّا بِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَهَلْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ، وَيُحْكَمُ بِحُكْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا. وَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يُجَامِعَهَا إِلَّا جِمَاعَ سُوءٍ، يُرِيدُ جِمَاعًا ضَعِيفًا، لَا يَزِيدُ عَلَى الْتِقَاءِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِيهِ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ زَوْجٍ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ إِيلَاؤُهُ، فَهُوَ إِذَنْ حَلِفُ زَوْجٍ - يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ - بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْقُبُلِ، فَالزَّوْجُ يَحْتَرِزُ بِهِ عَمَّا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ أَبَدًا، وَيُمْكِنُهُ الْوَطْءُ احْتِرَازًا مِنَ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَقَوْلُهُ: فِي الْقُبُلِ - يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الرَّتْقَاءِ، وَنَحْوِهَا.
[شُرُوطُ الْإِيلَاءِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ]
(وَيُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ) لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الضَّرَرُ، وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ فِعْلُهُ، وَيَضُرُّ الزَّوْجَةَ فَقْدُهُ. (فَإِنْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا) لِأَنَّ الْإِيلَاءَ هُوَ الْحَلِفُ، وَلَمْ يُوجَدْ (لَكِنْ إِنْ تَرَكَهُ مُضِرًّا بِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَهَلْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ، وَيُحْكَمُ بِحُكْمِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، أَشْهَرُهُمَا نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِوَطْئِهَا ضِرَارًا بِهَا أَشْبَهَ الْمُؤْلِي، وَلِأَنَّ مَا لَا يَجِبُ إِذَا لَمْ يَحْلِفْ لَا يَجِبُ إِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاجِبِ. وَثُبُوتُ حُكْمِ الْإِيلَاءِ لَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ قِيَاسِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِالْقِيَاسِ.
الثَّانِيَةُ: لَا تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْلٍ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَهُ لَعُذْرٍ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ الْإِيلَاءِ بِحُكْمٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِهِ، وَكَذَا حُكْمُ مَنْ ظَاهَرَ، وَلَمْ يُكَفِّرْ، وَقَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا.
(وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا) أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْوَطْءَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَلَا تَتَضَرَّرُ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، وَقَدْ أَكَّدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ بِيَمِينِهِ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْوَطْءِ الَّذِي يُطَالِبُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي تَرْكِهِ.
(وَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يُجَامِعَهَا إِلَّا جِمَاعَ سُوءٍ، يُرِيدُ جِمَاعًا ضَعِيفًا، لَا يَزِيدُ عَلَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا) لِأَنَّ الضَّعِيفَ كَالْقَوِيِّ فِي الْحُكْمِ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ وَطْئًا لَا أَبْلُغُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ، فَهُوَ مُؤْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي الْفَيْئَةِ بِغَيْرِ حِنْثٍ.
стр. 2634
الْخِتَانَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ صَارَ مُؤْلِيًا. وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ بِلَفْظٍ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ كَلَفْظِهِ الصَّرِيحِ، وَقَوْلِهِ: لَا أَدْخَلْتُ ذَكَرِي فِي فَرْجِكِ وَلِلْبِكْرِ خَاصَّةً لَا اقْتَضَضْتُكِ. لَمْ يُدَيَّنْ فِيهِ، وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ، أَوْ لَا جَامَعْتُكِ، أَوْ لَا بَاضَعْتُكِ، أَوْ لَا بَاشَرْتُكِ، أَوْ لَا بَاعَلْتُكِ، أَوْ لَا قَرُبْتُكِ، أَوْ لَا مَسِسْتُكِ، أَوْ لَا أَتَيْتُكِ، أَوْ لَا اغْتَسَلْتُ مِنْكِ، فَهُوَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَيْسَ بِمُؤْلٍ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ. وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا جَامَعْتُكِ جِمَاعَ سُوءٍ. لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، إِنَّمَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ صِفَتِهِ الْمَكْرُوهَةِ. (وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ صَارَ مُؤْلِيًا) لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ؛ لِأَنَّ حَلِفَهُ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا، يَشْتَمِلُ الْمُجَامَعَةَ فِي الْفَرْجِ، فَإِذَا قَصَدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ بَقِيَ الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ تَحْتَ الْحَلِفِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ إِلَى الْيَمِينِ إِذَا خَلَتْ عَنِ الْإِرَادَةِ. وَفِي " الْمُغْنِي ": إنَّهُ لَيْسَ بِإِيلَاءٍ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ، فَلَا يَتَعَيَّنُ لِكَوْنِهِ مُؤْلِيًا بِهِ.
(وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ بِلَفْظٍ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ كَلَفْظِهِ الصَّرِيحِ) نَحْوَ لَا أَنِيكُكِ (وَقَوْلُهُ: لَا أَدْخَلْتُ ذَكَرِي فِي فَرْجِكِ) أَوْ لَا أُغَيِّبُ، أَوْ أُولِجُ ذَكَرِي فِي فَرْجِكِ؛ لِأَنَّهُ مُحَصِّلٌ مَعْنَاهُ. (وَلِلْبِكْرِ خَاصَّةً لَا اقْتَضَضْتُكِ) هُوَ بِالْقَافِ، وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ. وَاقْتِضَاضُ الْبِكْرِ وَافْتِرَاعُهَا بِالْفَاءِ بِمَعْنًى، وَهُوَ وَطْؤُهَا وَإِزَالَةُ بَكَارَتِهَا بِالذَّكَرِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَضِضْتُ اللُّؤْلُؤَةَ إِذَا ثَقَبْتُهَا، وَمِثْلُهُ مَا ذكرَه فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الرِّعَايَةِ " لَا أَبْتَنِي بِكِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " مِنَ الْعَرَبِيِّ (لَمْ يُدَيَّنْ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْإِيلَاءِ، وَمِثْلُهُ لَا أَدْخَلْتُ حَشَفَتِي فِي فَرْجِكِ؛ لِأَنَّ الْفَيْئَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ لَا أَدْخَلْتُ كُلَّ ذَكَرِي فِي فَرْجِكِ.
(وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ، أَوْ لَا جَامَعْتُكِ، أَوْ لَا بَاضَعْتُكِ، أَوْ لَا بَاشَرْتُكِ، أَوْ لَا بَاعَلْتُكِ، أَوْ لَا قَرُبْتُكِ، أَوْ لَا مَسِسْتُكِ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ الْأُولَى وَفَتْحُهَا لُغَةٌ، أَيْ: لَا وَطِئْتُكِ (أَوْ لَا أَتَيْتُكِ، أَوْ لَا اغْتَسَلْتُ مِنْكِ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَطْءِ عُرْفًا، زَادَ فِي " الْكَافِي "، و" الشَّرْحِ ": وَلَا أَصَبْتُكِ، زَادَ جَمَاعَةٌ: وَلَا
стр. 2635
صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَسَائِرُ الْأَلْفَاظِ لَا يَكُونُ مُؤْلِيًا فِيهَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
افْتَرَشْتُكِ، وَالْمَنْصُوصُ: وَلَا غَشِيتُكِ. وَالْأَصَحُّ: لَا أَفْضَيْتُ إِلَيْكِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَرَدَ بِبَعْضِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] و ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وَأَمَّا الْوَطْءُ، وَالْجِمَاعُ فَهُمَا أَشْهَرُ الْأَلْفَاظِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا عَلَيْهَا، فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالْوَطْءِ الْوَطْءَ بِالْقَدَمِ، وَبِالْجِمَاعِ اجْتِمَاعَ الْأَجْسَامِ، وَبِالْإِصَابَةِ الْإِصَابَةَ بِالْيَدِ، وَبِالْمُبَاضَعَةِ الْتِقَاءَ بِضْعَةٍ مِنَ الْبَدَنِ بِالْبِضْعَةِ مِنْهُ، وَبِالْمُبَاشِرَةِ مَسَّ الْمُبَاشِرَةِ، وَبِالْمُبَاعَلَةِ الْمُلَاعَبَةَ وَالِاسْتِمْتَاعَ دُونَ الْفَرْجِ، وَبِالْمُقَارَبَةِ وَيُرِيدُ قُرْبَ بَدَنِهِ مِنْهَا، وَالْمُمَاسَّةِ وَيُرِيدُ بِهَا مَسَّ بَدَنِهَا، وَبِالْإِتْيَانِ وَيُرَادُ بِهِ الْمَجِيءَ، وَبِالِاغْتِسَالِ وَيُرِيدُ بِهِ الِاغْتِسَالَ مِنَ الْإِنْزَالِ عَنْ مُبَاشَرَةٍ مِنْ قبله، أَوْ جِمَاعٍ دُونَ الْفَرْجِ. (وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى) مَعَ عَدَمِ قَرِينَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ صِدْقَهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالْعُرْفِ. وَفِي " الِانْتِصَارِ ": لَمَسْتُمْ ظَاهِرٌ فِي الْجَسِّ بِالْيَدِ، وَلَامَسْتُمْ ظَاهِرٌ فِي الْجِمَاعِ، فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ كَالْآيَتَيْنِ، وَظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ فِي " لَا اغْتَسَلْتُ مِنْكِ " أَنَّهُ كِنَايَةٌ تَقِفُ عَلَى نِيَّةٍ، أَوْ قَرِينَةٍ.
(وَسَائِرُ الْأَلْفَاظِ) أَيْ: بَاقِيهَا، وَهِيَ الْكِنَايَةُ (لَا يَكُونُ مُؤْلِيًا فِيهَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَرِيحٍ فِي الْجِمَاعِ، وَلَا ظَاهِرٍ فَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ. وَفِي " الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ ": أَوِ الْقَرِينَةُ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا جَمَعَتْنَا مِخَدَّةٌ، وَلَا اجْتَمَعْنَا تَحْتَ سَقْفٍ لِأُضَاجِعَكِ، لَا دَخَلْتُ عَلَيْكِ، لَا دَخَلْتِ عَلَيَّ، لَا مَسَّ جِلْدِي جِلْدَكِ، وَنَحْوَهُ، وَتَكْفِي نِيَّةُ تَرْكِ الْوَطْءِ فِيهَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ: لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِكِ، فَتَكْفِي نِيَّةُ الْمُدَّةِ. وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْوَطْءِ وَالْمُدَّةُ فِي قَوْلِهِ: لَتَطُولَنَّ غَيْبَتِي عَنْكِ.
стр. 2636
فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ]
فَصْلٌ (الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَحْلِفَ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ) لَا خِلَافَ أَنَّ الْحَلِفَ بِذَلِكَ إِيلَاءٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ، أَيْ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى، يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ؛ لِأَنَّ الْغُفْرَانَ، إِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى. (فَإِنْ حَلَفَ بِنَذْرٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ طَلَاقٍ) أَوْ صَدَقَةِ مَالٍ، أَوِ الْحَجِّ، أَوِ الظِّهَارِ (لَمْ يُصِرْ مُؤْلِيًا فِي الظَّاهِرِ عَنْهُ) . وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] . وَالْمَغْفِرَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ بِالْكَعْبَةِ. وَلِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ، وَلِهَذَا لَا يُؤْتَى فِيهِ بِحَرْفِ الْقَسَمِ، وَلَا يُجَابُ بِجَوَابِهِ، وَلَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي بَابِ الْقَسَمِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى حَلِفًا تَجَوُّزًا لِمُشَارَكَتِهِ الْقَسَمَ فِي الْحَثِّ عَلَى الْفِعْلِ، أَوِ الْمَنْعِ مِنْهُ. (وَعَنْهُ يَكُونُ مُؤْلِيًا) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ يَمِينٍ مَنَعَتْ جِمَاعَ الْمَرْأَةِ فَهِيَ إِيلَاءٌ. وَقَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مَنَعَتْ جِمَاعها، فَكَانَتْ إِيلَاءً كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ. وَعَنْهُ: بِيَمِينٍ مُكَفِّرَةٍ كَنَذْرٍ وَظِهَارٍ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَعَنْهُ: وَبِعِتْقٍ وَطَلَاقٍ بِأَنْ يَحْلِفَ بِهِمَا لِنَفْعِهِمَا، أَوْ عَلَى رِوَايَةٍ: تَرَكَهُ ضِرَارًا لَيْسَ كَمُؤْلٍ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَأَلْزَمَ عَلَيْهِ كَوْنَهُ يَمِينًا مُكَفِّرَةً، يَدْخُلُهَا الِاسْتِثْنَاءُ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِذَا اسْتَثْنَى فِي يَمِينٍ مُكَفِّرَةٍ لَا يَكُونُ مُؤْلِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بِالْحِنْثِ، فَلَمْ يَكُنِ الْحِنْثُ مُوجِبًا لِحَقٍّ عَلَيْهِ وَخَرَجَ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَصِفَتَهُ لَغْوٌ.
فَرْعٌ: إِذَا عُلِّقَ طَلَاقُ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا بِوَطْئِهَا، فَرِوَايَتَانِ، فَلَوْ وَطِئَهَا، وَقَعَ رَجْعِيًّا، وَهُمَا فِي " إِنْ وَطِئْتُكِ فَضُرَّتُكِ طَالِقٌ "، فَإِنْ صَحَّ إِيلَاءٌ فَأَبَانَ الضُّرَّةَ انْقَطَعَ، فَإِنْ نَكَحَهَا، وَقُلْنَا: تَعُودُ الصِّفَةُ - عَادَ الْإِيلَاءُ، وَتُبْنَى عَلَى الْمُدَّةِ.
١ -
стр. 2637
صِفَاتِهِ، فَإِنْ حَلَفَ بِنَذْرٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ طَلَاقٍ لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا فِي الظَّاهِرِ عَنْهُ. وَعَنْهُ يَكُونُ مُؤْلِيًا، وَإِنْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ زَانِيَةٌ، أَوْ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا.
فَصْلٌ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ يُعَلِّقَهُ عَلَى شَرْطٍ يَغْلِبُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ زَانِيَةٌ، أَوْ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْقَذْفِ بِشَرْطٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ حَقٌّ فَلَا يَكُونُ مُؤْلِيًا، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ، أَوْ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ عِنْدَ وُجُوبِ الْفَيْئَةِ مَاضِيًا، وَلَا يَصِحُّ نَذْرُ الْمَاضِي، فَلَوْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ الشَّهْرِ الَّذِي أَطَؤُكِ فِيهِ فَكَذَلِكَ، فَإِذَا وَطِئَ صَامَ بَقِيَّتَهُ، وَفِي قَضَاءِ يَوْمٍ وَطِئَ فِيهِ وَجْهَانِ. وَمِثْلُهُ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ فِي هَذَا الْبَلَدِ، أَوْ مَخْضُوبَةً. نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ حَتَّى تَصُومِي نَفْلًا، أَوْ تَقُومِي، أَوْ بِإِذْنِ زَيْدٍ فَيَمُوتُ زَيْدٌ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، وَكَانَ ظَاهَرَ فَوَطِئَ - عَتَقَ بِالظِّهَارِ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِمُؤْلٍ، فَلَوْ وَطِئَ لَمْ يَعْتِقْ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ، فَهُوَ حُرٌّ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ، فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ بَعْدَ مُضِيِّهِ، فَلَوْ وَطِئَ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يَعْتِقْ، وَالْمُطَالَبَةُ فِي شَهْرٍ سَادِسٍ.
[فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ]
(الثَّالِثُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ نَفْسَهُ مِنَ الْوَطْءِ بِالْيَمِينِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ قُبُلِهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُ تَرَبُّصَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَهَا، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرَبُّصِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ تَنْقَضِي قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ مَعَ انْقِضَائِهِ. وَتَقْدِيرُ التَّرَبُّصِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَقْتَضِي كَوْنَهُ فِي مُدَّةِ تَنَاوُلِهَا الْإِيلَاءُ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهَا فَمَا دُونَ لَمْ تَصِحَّ الْمُطَالَبَةُ مِنْ غَيْرِ إِيلَاءٍ، فَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ، كَانَ مُؤْلِيًا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَانَ مُؤْلِيًا. ذَكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو
стр. 2638
عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى، أَوْ يَخْرُجَ الدَّجَّالُ، أَوْ مَا عِشْتُ، أَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ حَتَّى تَحْبَلِي؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْبَلُ إِذَا لَمْ يَطَأْهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا قَالَ حَتَّى تَحْبَلِي، وَهِيَ مِمَّنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْحُسَيْنِ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنِ الْوَطْءِ بِالْيَمِينِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَكَانَ مُؤْلِيًا كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى مَا زَادَ. (أَوْ يُعَلِّقُهُ عَلَى شَرْطٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى، أَوْ يَخْرُجَ الدَّجَّالُ، أَوْ مَا عِشْتُ) أَوْ حَتَّى أَمُوتَ، أَوْ تَمُوتِي، أَوْ يَمُوتَ زَيْدٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ظَاهِرًا أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ فِي نِكَاحِي هَذَا، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْغَالِبِ حُكْمُ الْقَطْعِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصُّوَرِ فَكَذَا هُنَا، وَكَذَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَرَضِهَا، أَوْ مَرَضِ إِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ قِيَامِ السَّاعَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا عَلَّقَ الْإِيلَاءَ بِشَرْطٍ مُسْتَحِيلٍ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ حَتَّى تَصْعَدِي السَّمَاءَ، وَنَحْوَهُ، فَهُوَ مُؤْلٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَرْكَ وَطْئِهَا، فَإِنَّ مَا يُرَادُ حَالَةَ وُجُودِهِ تَعَلَّقَ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْكُفَّارِ ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي ... وَصَارَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ
(أَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ حَتَّى تَحْبَلِي) فَهُوَ مُؤْلٍ، (لِأَنَّهَا لَا تَحْبَلُ إِذَا لَمْ يَطَأْهَا) لِأَنَّ حَبْلَهَا بِغَيْرِ وَطْءٍ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً كَصُعُودِ السَّمَاءِ. وَفِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ ": إِذَا قَالَ حَتَّى تَحْبَلِي، وَلَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا، أَوْ وَطِئَ وَنِيَّتُهُ حَبْلٌ مُتَجَدِّدٌ فَمُؤْلٍ، وَإِلَّا فَالرِّوَايَتَانِ (وَقَالَ الْقَاضِي) وَأَبُو الْخَطَّابِ (إِذَا قَالَ حَتَّى تَحْبَلِي، وَهِيَ مِمَّنْ يَحْبَلُ مِثْلُهَا لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَحْبَلُ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، قَالَ: لَا أَعْلَمُ لِهَذَا وَجْهًا، وَهُوَ صَحِيحٌ إِنْ كَانَ مَقْصُودُ الْحَالِفِ حَتَّى تَحْبَلِي مِنْ وَطْءٍ، فَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً،
стр. 2639
يَحْبَلُ مِثْلُهَا لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا. وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ مُدَّةً، أَوْ لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِكِ - لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا حَتَّى يَنْوِيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ، وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ لَا وَطِئْتُكِ فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَوْ آيِسَةً، فَهُوَ مُؤْلٍ. فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ بِـ " حَتَّى " السَّبَبِيَّةَ، أَيْ: لَا أَطَؤُكِ لِتَحْبَلِي قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَالِفٍ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُ وُجُودَهُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَجَفَافِ بَقْلٍ، أَوْ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُهُ قَبْلَهَا كَنُزُولِ الْغَيْثِ فِي أَوَانِهِ، أَوْ مَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ كَقُدُومِ زِيدٍ مِنْ سَفَرٍ قَرِيبٍ، لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا؛ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُ الشَّرْطِ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى أُعْطِيَكِ مَالًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ طَاهِرًا، أَوْ وَطْئًا مُبَاحًا، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُؤْلِيًا.
(وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ مُدَّةً، أَوْ لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِكِ - لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا) ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ، فَلَا يَصِيرُ مُؤْلِيًا بِهِ (حَتَّى يَنْوِيَ) أَكْثَرَ مِنْ (أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) لِيَتَمَحَّضَ الْيَمِينُ لِلْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ. وَفِي قَوْلِ الْمُصَنَّفِ " لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِكِ " صَرِيحٌ فِي الْإِيلَاءِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ نَصٌّ فِي إِدْخَالِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْكِنَايَاتِ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ دُونَ الْفَرْجِ، فَعَلَى هَذَا تعتبر فِيهِ نِيَّةُ إِدْخَالِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ كَمَا تعتبر نِيَّةُ الْمُدَّةِ.
١ -
(وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ، وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ لَا وَطِئْتُكِ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ - لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا) لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَلِفَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا فِي غَيْرِ الْبَلْدَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِسْحَاقُ: هُوَ مُؤْلٍ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا بِغَيْرٍ حِنْثٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا كَمَا لَوِ اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ، لَا مَشَقَّةَ فِيهِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تَدْخُلِي الدَّارَ - لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مُحَرَّمٍ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى
стр. 2640
هَذِهِ الْبَلْدَةِ - لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا. فَإِنْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَوَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ، أَوْ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَوَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا حَتَّى يُوجَدَ الشَّرْطُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَشْرَبِي الْخَمْرَ، أَوْ أَقْتُلُ زَيْدًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِمُمْتَنِعٍ شَرْعًا أَشْبَهَ الْمُمْتَنِعَ حِسًّا، فَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى مَا عَلَى فَاعِلِهِ فِيهِ مَضَرَّةٌ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تُسْقِطِي صَدَاقَكِ عَنِّي، أَوْ حَتَّى تَكْفُلِي وَلَدِي، فَهُوَ مُؤْلٍ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ لِمَالِهَا، أَوْ مَالِ غَيْرِهَا عَنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ مُحَرَّمٌ أَشْبَهَ شُرْبَ الْخَمْرِ.
(فَإِنْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَوَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ، أَوْ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَوَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا) فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْوَطْءِ حَقٌّ (حَتَّى يُوجَدَ الشَّرْطُ) وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُؤْلِيًا بِالْوَطْءِ، أَوْ دُخُولِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى يَمِينًا بِمَنْعِ الْوَطْءِ عَلَى التَّأْبِيدِ. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ مُؤْلِيًا فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ إِلَّا بِأَنْ يَصِيرَ مُؤْلِيًا بِالْوَطْءِ، أَوْ دُخُولِ الدَّارِ فَيَلْحَقُهُ بِالْوَطْءِ ضَرَرٌ أَشْبَهُ مَا لَوْ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ وَطْئِهَا فِي الْحَالِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وَإِنْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَوَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ فَأَوْلِجُ الْحَشَفَةَ، ثُمَّ زَادَ حَنِثَ بِالزِّيَادَةِ، وَقِيلَ: لَا كَمَنْ نَوَى.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ إِلَّا بِرِضَاكِ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا لِإِمْكَانِ وَطْئِهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ. وَكَذَا إِنْ قَالَ، وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ مَرِيضَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ، لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُؤْلِيًا؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَمَرِضَتْ مَرَضًا يُمْكِنُ بُرْؤُهُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لَمْ يُصِرْ مُؤْلِيًا وَإِلَّا فَلَا.
١ -
(وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا) فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِغَيْرٍ حِنْثٍ، فَلَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِنَ الْوَطْءِ بِحُكْمِ يَمِينِهِ (حَتَّى يَطَأَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فَيَكُونُ مُؤْلِيًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَمْنُوعًا مَنْ وَطْئِهَا بِيَمِينِهِ. وَفِيهِ وَجْهٌ يَصِيرُ مُؤْلِيًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إِلَّا بِأَنْ يَصِيرَ مُؤْلِيًا فَيَلْحَقُهُ بِالْوَطْءِ ضَرَرٌ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِيمَا إِذَا وَطِئَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ السَّنَةِ ثُلُثُهَا فَأَقَلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ
стр. 2641
مُؤْلِيًا فِي الْحَالِ. وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا حَتَّى يَطَأَهَا، وَقَدْ بَقِيَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنْ قَالَ: إِلَّا يَوْمًا، فَكَذَلِكَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِي الْآخَرِ يَصِيرُ مُؤْلِيًا فِي الْحَالِ. وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ فَوَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَبْقَ الْمُدَّةُ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْوَطْءِ فِيهَا الْمُدَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْإِيلَاءِ.
(وَإِنْ قَالَ: إِلَّا يَوْمًا فَكَذَلِكَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ يَتَنَكَّرُ، فَلَا يَخْتَصُّ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمُ الْمُسْتَثْنَى فِي الْحَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَآلِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِيلَاءُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، فَعَلَيْهِ إِنْ وَطِئَهَا. وَقَدْ بَقِيَ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِهَا صَارَ مُؤْلِيًا وَإِلَّا فَلَا، وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ صُمْتُ رَمَضَانَ إِلَّا يَوْمًا، أَوْ لَا كَلَّمْتُكِ فِي السَّنَةِ إِلَّا يَوْمًا، فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِيَوْمٍ. (وَفِي الْآخَرِ يَصِيرُ مُؤْلِيًا فِي الْحَالِ) وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الْمُسْتَثْنَى يَكُونُ فِي آخِرِ الْمُدَّةِ كَالتَّأْجِيلِ. وَمُدَّةُ الْخِيَارِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ الْمُدَّةَ لَا تَخْتَصُّ وَقْتًا بِعَيْنِهِ وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ قَالَ: التَّأْجِيلُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ تَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ لَزِمَ قَضَاءُ الدَّيْنِ فَيَسْقُطُ التَّأْجِيلُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْجَوَازِ. وَجَوَازُ الْوَطْءِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ وَأَوْسَطِهَا، لَا يَمْنَعُ حُكْمَ الْيَمِينِ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا.
(وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ فَوَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، و" الْمُسْتَوْعِبِ " و" الرِّعَايَةِ " و" الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّمَانَيْنِ لَا تَزِيدُ مُدَّتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ مُؤْلِيًا) صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ بِيَمِينِهِ مَنْ وَطِئَهَا مُدَّةً مُتَوَالِيَةً أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَأَطْلَقَ فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مُدَّتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ يَزِيدُ مَجْمُوعُهُمَا عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَشَهْرَيْنِ.
١ -
(وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ إِنْ شِئْتُ فَشَاءَتْ صَارَ مُؤْلِيًا) بِوُجُودِهِ فِي قَوْلِ
стр. 2642
مُؤْلِيًا. وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ إِنْ شِئْتِ، فَشَاءَتْ صَارَ مُؤْلِيًا، وَإِنْ قَالَ: إِلَّا أَنْ تَشَائِي، أَوْ إِلَّا بِاخْتِيَارِكِ، أَوْ إِلَّا أَنْ تَخْتَارِي لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ لَمْ تَشَأْ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ مُؤْلِيًا، وَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَكْثَرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُمْتَنِعًا مِنَ الْوَطْءِ حَتَّى تَشَاءَ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى الْمَشِيئَةِ بِحَرْفِ " إِنْ " أَشْبَهَ مَشِيئَةَ غَيْرِهَا، فَإِنْ حَنِثَ فَهَلْ لَا يَكُونُ مُؤْلِيًا كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ إِلَّا بِرِضَاكِ، فَالْجَوَابُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا إِذَا شَاءَتِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِغَيْرِ حِنْثٍ: بِخِلَافِ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ إِلَّا بِرِضَاكِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ إِلَّا عَلَى وَطْئِهَا حَالَ سُخْطِهَا، فَيُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا فِي حَالِ رِضَاهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ. فَإِنْ قَالَتْ: مَا أَشَاءُ، أَوْ سَكَتَتْ لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ".
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَبُوكِ، أَوْ فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِوُجُودِ فِعْلٍ يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي ثُلُثِ سَنَةٍ إِمْكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَلَا فِيهِ مَضَرَّةٌ، أَشْبَهُ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى دُخُولِهَا الدَّارَ. (وَإِنْ قَالَ: إِلَّا أَنْ تَشَائِي، أَوْ إِلَّا بِاخْتِيَارِكِ، أَوْ إِلَّا أَنْ تَخْتَارِي لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا) . اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْكَافِي " وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ وَطْئِهَا بِيَمِينِهِ إِلَّا عِنْدَ إِرَادَتِهَا. أَشْبَهُ مَا لَوْ قَالَ: إِلَّا بِرِضَاكِ، أَوْ حَتَّى تَشَائِي، وَكَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، فَإِنْ شَاءَتِ انْحَلَّتْ وَإِلَّا فَهِيَ مُنْعَقِدَةٌ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " (إِنْ لَمْ تَشَأْ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ مُؤْلِيًا) لِأَنَّهُ يَصْدُقُ بِمُضِيِّ الْمَجْلِسِ أَنَّهَا مَا شَاءَتْ فَوَجَبَ تَحَقُّقُ ذَلِكَ لِفَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَظَاهِرُهُ بَلْ صَرِيحُهُ يَعْتَمِدُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ تُعْتَبَرُ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْمَذْهَبِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِهَا فِي الْحَالِ، أَوِ التَّرَاخِي.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا، أَوْ تُرْضِعَهُ كَانَ مُؤْلِيًا، إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُدَّةِ الْفِطَامِ وَالرَّضَاعِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ سَقَطَ الْإِيلَاءُ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَتِهِ عَامًا، ثُمَّ كَفَّرَ يَمِينَهُ انْحَلَّ الْإِيلَاءُ، فَإِنْ كَانَ تَكْفِيرُهُ قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ حِينَ التَّكْفِيرِ، وَإِنْ كَفَّرَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَ
стр. 2643
صَارَ مُؤْلِيًا مِنْهُنَّ. إِلَّا أَنْ يُرِيدَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا فَيَكُونُ مُؤْلِيًا مِنْهَا وَحْدَهَا، وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً مُبْهَمَةً، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ كَانَ مُؤْلِيًا مِنْ جَمِيعِهِنَّ وَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَقْتِ صَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا إِذَا مَضَتْ يَمِينُهُ عَلَى وَفْقِهِ.
(وَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ صَارَ مُؤْلِيًا مِنْهُنَّ) . جَزَمَ بِهِ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَإِنَّهَا تَعُمُّ، وَلَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَّا بِالْحِنْثِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ مُؤْلِيًا مِنْ وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ تَنَاوَلَ وَاحِدَةً مُنْكِرَةً، فَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ. وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] فَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى مُقْتَضَاهُ فِي الْعُمُومِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، أَوْ مَاتَتْ كَانَ مُؤْلِيًا مِنَ الْبَوَاقِي؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مُنْفَرِدَةً، وَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَنِثَ وَسَقَطَ الْإِيلَاءُ مِنَ الْبَاقِيَاتِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ. (إِلَّا أَنْ يُرِيدَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا فَيَكُونُ مُؤْلِيًا مِنْهَا وَحْدَهَا) ، لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، (وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً مُبْهَمَةً) قُبِلَ مِنْهُ، وَلَا يَصِيرُ مُؤْلِيًا مِنْهُنَّ فِي الْحَالِ، فَإِذَا وَطِئَ ثَلَاثًا كَانَ مُؤْلِيًا مِنَ الرَّابِعَةِ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الرِّعَايَةِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَفِي " الْكَافِي " هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. كَمَا إِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ، لَا بِعَيْنِهَا وَكَالْعِتْقِ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ إِلَى تَعْيِينِهِ.
(وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ كَانَ مُؤْلِيًا مِنْ جَمِيعِهِنَّ) لِأَنَّ لَفْظَهُ صَرِيحٌ فِي التَّعْمِيمِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: نَوَيْتُ وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً، أَوْ مُبْهَمَةً، وَلَفْظَةُ " كُلَّ " أَزَالَتِ الْخُصُوصَ. (وَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ تَعَلَّقَتْ بِأَشْيَاءَ، فَإِذَا حَنِثَ فِيهَا لَمْ تَتَبَعَّضْ. وَيَسْقُطُ حُكْمُ الْمَهْرِ فِي
стр. 2644
تَنْحَلُّ فِي الْبَوَاقِي. وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكُنَّ فَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِي الْآخَرِ: لَا يَصِيرُ مُؤْلِيًا حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا فَيَصِيرُ مُؤْلِيًا مِنَ الرَّابِعَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، أَوْ مَاتَتِ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ هَاهُنَا، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا لَا تَنْحَلُّ فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْبَاقِي (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَنْحَلُّ فِي الْبَوَاقِي) قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " كَمَا لَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ، أَوْ مَاتَتْ، وَلِأَنَّهُ صَرح بِمَنْعِ نَفْسِهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ يَمِينًا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ كُلَّمَا وَطِئْتُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقٌ، وَقُلْنَا: هُوَ إِيلَاءٌ، فَهُوَ مُؤْلٍ مِنْهُنَّ.
(وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهُ لَا أَطَؤُكُنَّ فَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ. وَهُوَ هَلْ يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَحْنَثُ فَيَكُونُ مُؤْلِيًا فِي الْحَالِ مِنْهُنَّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَّا بِحِنْثٍ، فَإِذَا وَطِئَ وَاحِدَةً انْحَلَّتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٍ فَتَنْحَلُّ بِالْحِنْثِ فِيهَا كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَلَا يَكُونُ مُؤْلِيًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْءُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ حِنْثٍ. (وَفِي الْآخَرِ: لَا يَصِيرُ مُؤْلِيًا حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا فَيَصِيرُ مُؤْلِيًا مِنَ الرَّابِعَةِ) ، لِأَنَّ الْمَنْعَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ فِي الرَّابِعَةِ مُحَقَّقًا ضَرُورَةَ الْحِنْثِ بِوَطْئِهَا وَابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ حِينَئِذٍ، (فَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، أَوْ مَاتَتِ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ هَاهُنَا) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْءُ الْبَاقِيَاتِ بِغَيْرِ حِنْثٍ، (وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا، لَا تَنْحَلُّ فِي الْبَوَاقِي) لِأَنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَطَلَاقَ وَاحِدَةٍ، أَوْ مَوْتِهَا، لَا يُوجِبُ انْحِلَالَ الْيَمِينِ فِي غَيْرِهَا كَمَا لَوْ حَلَفَ بِاللَّهِ: لَا وَطِئْتُ هَذِهِ، ثُمَّ حَلَفَ: لَا وَطِئْتُ هَذِهِ، ثُمَّ مَاتَتْ إِحْدَاهُمَا، أَوْ طَلَّقَهَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إِذَا قُلْنَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ فَوَطِئَ وَاحِدَةً حَنِثَ، وَلَمْ يَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْبَوَاقِي وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " خِلَافَ قَوْلِهِ، وَقِيلَ: إِنْ مَاتَتْ لَمْ تَبْقَ يَمِينٌ، وَلَا إِيلَاءٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا قُلْنَا صَارَ مُؤْلِيًا مِنْهُنَّ، فَإِذَا طَالَبْنَ
стр. 2645
الْبَوَاقِي. وَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ لِلْأُخْرَى: شَرَكْتُكِ مَعَهَا لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا مِنَ الثَّانِيَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِيرُ مُؤْلِيًا مِنْهُمَا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْفَيْئَةِ، وَقَفَ لَهُنَّ كُلُّهُنَّ، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ مُطَالَبَتُهُنَّ، وَقَفَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عِنْدَ طَلَبِهَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِحَقِّهَا قَبْلَ طَلَبِهَا، وَعَنْهُ: يُوقِفُ لِلْجَمِيعِ وَقْتَ مُطَالَبَةِ أُولَاهُنَّ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَكَانَ الْوَقْفُ لَهَا وَاحِدًا، وَالْكَفَّارَةُ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: تَجِبُ بِفَيْئَتِهِ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ.
(وَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ لِلْأُخْرَى: شَرَكْتُكَ مَعَهَا لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا مِنَ الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاللَّهِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظٍ صَرِيحٍ مِنَ اسْمٍ، أَوْ صِفَةٍ، وَالتَّشْرِيكُ بَيْنَهُمَا كِنَايَةٌ، فَلَمْ تَصِحَّ بِهِ الْيَمِينُ. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِيرُ مُؤْلِيًا مِنْهُمَا) كَالطَّلَاقِ لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّلَاقَ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْيَمِينُ، فَلَوْ آلَى رَجُلٌ مِنْ زَوْجَتِهِ، فَقَالَ آخَرُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتَ مِثْلُ فُلَانَةٍ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا. وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ زَوْجَةٍ، فَلَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ أَمَتِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا لِلنَّصِّ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ، ثُمَّ نَكَحَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْإِيلَاءَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ كَالطَّلَاقِ، وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: قَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ الظِّهَارُ قَبْلَ النِّكَاحِ فَكَذَا الْإِيلَاءُ، وَقِيلَ: بِشَرْطِ إِضَافَتِهِ إِلَى النِّكَاحِ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجَتْ فُلَانَةُ فَوَاللَّهِ لَا وَطِئْتُهَا، وَمِثْلُهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ.
تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ الْإِيلَاءُ بِكُلِّ لُغَةٍ مُطْلَقًا، فَإِنْ آلَى بِالْعَجَمِيَّةِ، أَوِ الْعَرَبِيَّةِ مَنْ لَا يَدْرِي مَعْنَاهَا لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا، وَإِن نَوَى مُوجِبَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فَإِنْ آلَى عَرَبِيٌّ، أَوْ عَجَمِيٌّ بِلُغَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: جَرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
стр. 2646
فَصْلٌ الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، حُرًّا أَوْ عَبَدَا، سَلِيمًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ مَرِيضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَأَمَّا الْعَاجِزِ عَنِ الْوَطْءِ بِجَبٍّ، أَوْ شَلَلٍ، فَلَا يَصِحُّ إِيلَاؤُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَفَيْئَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لَوْ قَدَرْتُ لِجَامَعْتُكِ. وَلَا يَصِحُّ إِيلَاءُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَفِي إِيلَاءِ السَّكْرَانِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ]
فَصْلٌ (الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ) نَصَّ عَلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الزَّوْجِ مَوْطُوءَتُهُ أَمَتُهُ، وَالْأُمَةُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ كَالْأَجْنَبِيَّةِ. وَالذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يَنْقَطِعْ إِيلَاؤُهُ، وَيَتَخَرَّجْ: وَأَجْنَبِيٌّ كَلُزُومِهِ الْكَفَّارَةَ. (يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْجِمَاعُ كَالْمَجْبُوبِ فَيَمِينُهُ يَمِينٌ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ. كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَيَقْلِبَ الْحَجَرَ ذَهَبًا. وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْيَمِينُ الْمَانِعَةُ مِنِ الْجِمَاعِ، وَيَمِينُ مَنْ شَأْنُهُ مَا ذُكِرَ لَا يَمْنَعُهُ، بَلْ فِعْلُ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ مِنْهُ. (وَتَلْزَمُهُ) أَيِ: الزَّوْجُ (الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ) لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ، وَلَا يَمِينُهُ ضَرُورَةَ عَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ. (مُسْلِمًا كَانَ، أَوْ كَافِرًا، حُرًّا، أَوْ عَبْدًا، سَلِيمًا، أَوْ خَصِيًّا، أَوْ مَرِيضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ) أَوْ مَرْضُوضًا، أَوْ مَجْبُوبًا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ مَا يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ بِهِ. وَكَذَا إِنْ كَانَ لِعَارِضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَحَبْسٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْوَطْءِ فَصَحَّ مِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ. وَعَنْهُ: أَوْ لَا كَرَتْقٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. (فَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنِ الْوَطْءِ بِجَبٍّ، أَوْ شَلَلٍ، فَلَا يَصِحُّ إِيلَاؤُهُ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ إِمْكَانُ الْجِمَاعِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَ لِعَارِضٍ غَيْرِ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ مُسْتَحِيلٍ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الطَّيَرَانِ. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ) كمَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، وَالْأُولَى أَوْلَى. وَعَلَيْهِ لَوْ حَلَفَ، ثُمَّ جُبَّ فَفِي بُطْلَانِهِ وَجْهَانِ. قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ (وَفَيْئَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لَوْ قَدَرْتُ لِجَامَعْتُكِ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَعَنْهُ: فَيْئَةُ كُلِّ مَعْذُورٍ فِئْتُ إِلَيْكِ، وَلَا حِنْثَ بِفَيْئَةِ اللِّسَانِ.
(وَلَا يَصِحُّ إِيلَاءُ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ) لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا. وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ إِيلَاءِ
стр. 2647
وَجْهَانِ. وَمُدَّةُ الْإِيلَاءِ فِي الْأَحْرَارِ، وَالرَّقِيقِ سَوَاءٌ. وَعَنْهُ: أَنَّهَا فِي الْعَبْدِ عَلَى النِّصْفِ، وَلَا حَقَّ لِسَيِّدِ الْأمَةِ فِي طَلَبِ الْفَيْئَةِ، وَالْعَفْوِ عَنْهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِلَيْهَا.
فَصْلٌ وَ إِذَا صَحَّ الْإِيلَاءُ ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ كَانَ بِالرَّجُلِ عُذْرٌ يَمْنَعُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُمَيِّزِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ (وَفِي إِيلَاءِ السَّكْرَانِ وَجْهَانِ) بِنَاءً عَلَى طَلَاقِهِ، وَالْأَشْهُرُ صِحَّتُهُ.
(وَمُدَّةُ الْإِيلَاءِ فِي الْأَحْرَارِ وَالرَّقِيقِ سَوَاءٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِعُمُومِ النَّصِّ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِلْوَطْءِ أَشْبَهَتْ مُدَّةَ الْعُنَّةِ، (وَعَنْهُ: أَنَّهَا فِي الْعَبْدِ عَلَى النِّصْفِ) . نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ قَوْلُ التَّابِعِينَ كُلِّهِمْ إِلَّا الزُّهْرِيَّ وَحْدَهُ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ كَالطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ ثَبَتَ ابْتِدَاؤُهَا بِقَوْلِ الزَّوْجِ، فَوَجَبَ أَنْ تَخْتَلِفَ كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ الْغَضَبُ وَلَا قَصْدُ الْإِضْرَارِ. وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا الْإِيلَاءُ فِي الْغَضَبِ (وَلَا حَقَّ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ فِي طَلَبِ الْفَيْئَةِ، وَالْعَفْوِ عَنْهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِلَيْهَا) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُرَّةَ، وَالْأَمَةَ سَوَاءٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ، عَفَا السَّيِّدُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا لِكَوْنِ الِاسْتِمْتَاعِ يَحْصُلُ لَهَا. فَإِنْ تَرَكَتِ الْمُطَالَبَةَ لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ. لَا يُقَالُ: حَقُّهُ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْزَلُ عَنْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الزَّوْجِ اسْتِيلَادُ الْمَرْأَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لِيُعْزَلَنَّ عَنْهَا أَوْ لَا يَسْتَوْلِدُهَا - لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا.
[الْمُدَّةُ الَّتِي تُضْرَبُ لِلْإِيلَاءِ]
[إِذَا صَحَّ الْإِيلَاءُ ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ]
فَصْلٌ (وَإِذَا صَحَّ الْإِيلَاءُ ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) فَالْمُؤْلِي يَتَرَبَّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يُطَالِبُ بِالْوَطْءِ فِيهِنَّ، فَإِذَا مَضَتْ وَرَافَعَتْهُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْحَاكِمِ أَمَرَهُ بِالْفَيْئَةِ، فَإِنْ أَبَى أُمِرَ بِالطَّلَاقِ، وَلَا تُطَلَّقُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ. قَالَ أَحْمَدُ: يُوقَفُ عَنْ أَكَابِرِ
стр. 2648
الْوَطْءَ احْتَسَبَ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِهَا لَمْ تُحْتَسَبْ عَلَيْهِ. وَإِنْ طَرَأَ بِهَا اسْتُؤْنِفَتِ الْمَدَّةُ عِنْدَ زَوَالِهِ إِلَّا الْحَيْضَ، فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ، وَفِي النِّفَاسِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الصَّحَابَةِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَعَلَ يُثْبِتُ حَدِيثَ عَلِيٍّ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يُوقِفُ الْمُؤْلِي. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، وَقَالَ مَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ: تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ ضُرِبَتْ لِاسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ مِنْهُ أَشْبَهَ مَدُّةَ الْعُنَّةِ، وَجَوَابُهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] . وَلَوْ وَقَعَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى عَزْمٍ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَاقَ مَسْمُوعٌ، وَلَا يَكُونُ الْمَسْمُوعُ إِلَّا كَلَامًا، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ تَأْجِيلًا، فَلَمْ تَسْتَحِقَّ الْمُطَالَبَةَ فِيهَا كَسَائِرِ الْآجَالِ. وَمُدَّةُ الْعُنَّةِ حُجَّةٌ لَنَا، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِمُضِيِّهَا، وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْعُنَّةِ ضُرِبَتْ لِيُخْتَبَرَ فِيهَا، وَيُعْرَفَ عَجْزُهُ عَنِ الْوَطْءِ بِتَرْكِهِ فِي مُدَّتِهَا. وَهَذِهِ ضُرِبَتْ تَأْخِيرًا لَهُ وَتَأْجِيلًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ إِلَّا بِمُضِيِّ الْأَجَلِ كَالدَّيْنِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " تُضْرَبُ لِلْكَافِرِ الْمُدَّةُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ حِينِ الْيَمِينِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى ضَرْبٍ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ، (فَإِنْ كَانَ بِالرَّجُلِ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ) كَمَرَضٍ وَصَوْمٍ. (احْتُسِبَ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ، وَقَدْ وَجَدَ التَّمْكِينَ الَّذِي عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا وَامْتَنَعَ وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ طَرَأَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ بَعْدَ الْإِيلَاءِ، أَوْ جُنَّ لَمْ تَنْقَطِعِ الْمُدَّةُ. (وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِهَا) كَصِغَرِهَا وَمَرَضِهَا وَصِيَامِهَا وَاعْتِكَافِهَا الْمَفْرُوضَيْنِ وَإِحْرَامِهَا. (لَمْ تُحْتَسَبْ عَلَيْهِ) أَيْ إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ حَالَ الْإِيلَاءِ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ الْمُدَّةُ حَتَّى تَزُولَ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لِامْتِنَاعِهِ مَنْ وَطْئِهَا، وَالْمَنْعُ هُنَا مِنْ قِبَلِهَا. (وَإِنْ طَرَأَ بِهَا) هُوَ بِالْهَمْزِ، وَقَدْ يُتْرَكُ. (اسْتُؤْنِفَتِ الْمُدَّةُ عِنْدَ زَوَالِهِ) وَلَمْ تُبْنَ عَلَى مَا مَضَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] يَقْتَضِي أَنَّهَا مُتوَالِيَةٌ، فَإِذَا قَطَعَهَا وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا كَمُدَّةِ الشَّهْرَيْنِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ،
стр. 2649
وَجْهَانِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ انْقَطَعَتْ، فَإِنْ رَاجَعَهَا، أَوْ نَكَحَهَا إِذَا كَانَتْ بَائِنًا اسْتُؤْنِفَتِ الْمُدَّةُ.
وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَبِهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ لَمْ تَمْلِكْ طَلَبَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: تُبْنَى كَحَيْضٍ (إِلَّا الْحَيْضُ، فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ) وَلَا يُمْنَعُ ضَرْبُ الْمُدَّةِ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مُنِعَ لَمْ يُمْكِنْ ضَرْبُ الْمُدَّةِ؛ لَأَنَّ الْحَيْضَ فِي الْغَالِبِ لَا يَخْلُو مِنْهُ شَهْرٌ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى إِسْقَاطِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ. (وَفِي النِّفَاسِ وَجْهَانِ) وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ أَحَدُهُمَا هُوَ كَالْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي أَحْكَامِهِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَشْهَرُ: إنَّهُ كَالْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ. وَقِيلَ: مَجْنُونَةٌ لَهَا شَهْوَةٌ كَعَاقِلَةٍ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": فَإِنْ تَعَذَّرَ الْوَطْءُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا كَحَيْضٍ وَحَبْسٍ وَمَرَضٍ وَصِغَرٍ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ. وَقِيلَ: بَلَى، إِنْ طَرَأَ بَعْضُ ذَلِكَ فِيهَا، ثُمَّ زَالَ اسْتُؤْنِفَتْ، وَقِيلَ: لَا كَحَيْضٍ، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": فَيَخْرُجُ أَنْ يُسْقِطَ أَوْقَاتَ الْمَنْعِ مِنْهَا، وَيَبْنِيَ عَلَى مَا مَضَى (وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ انْقَطَعَتْ) لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْنُوعَةً بِغَيْرِ الْيَمِينِ، فَانْقَطَعَتِ الْمُدَّةُ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا سَوَاءٌ بَانَتْ بِفَسْخٍ، أَوْ خُلْعٍ، أَوْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ نِكَاحِهَا (فَإِنْ رَاجَعَهَا، أَوْ نَكَحَهَا إِذَا كَانَتْ بَائِنًا اسْتُؤْنِفَتِ الْمُدَّةُ) لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَعُودُ حُكْمُهُ بِذَلِكَ، وَالتَّرَبُّصُ وَاجِبٌ فَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا ضَرُورَةَ الْوَفَاءِ بِالْوَاجِبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيِّ كَالْبَائِنِ فِي انْقِطَاعِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، وَفِي اسْتِئْنَافِهَا بِالرُّجُوعِ إِلَى زَوْجَتِهِ. وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَأَنَّهُ لَا يَحْتَسِبُ الْمُدَّةَ عَلَى الزَّوْجَةِ مِنَ الرَّجْعَةِ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْنُوعَةً مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، فَانْقَطَعَتْ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِذَا طَلَّقَ اسْتُؤْنِفَتْ مُدَّةٌ أُخْرَى مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ وَتُحْتَسَبُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ فِي زَمَنِ عِدَّةِ الرَّجْعَةِ، فَإِذَا تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَقَفَ، فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا أُمِرَ بِالطَّلَاقِ، وَإِنِ انْقَضَتِ الْعُدَّةُ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ تَرَبَّصَ بِهِ تَمَامَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ طَلَّقَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ رَجْعِيًّا فِي الْمُدَّةِ لَمْ تَنْقَطِعْ قَبْلَ فَرَاغِ عِدَّتِهَا، وَقِيلَ: تَنْقَطِعُ وَتُسْتَأْنَفُ كَمَا لَوِ ارْتَدَّا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، أَوْ أَسْلَمَا فِي الْعِدَّةِ.
[انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَبِهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ لَمْ تَمْلِكْ طَلَبَ الْفَيْئَةِ]
(وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَبِهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ) كَمَرَضٍ
стр. 2650
الْفَيْئَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ بِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَعْجِزُ بِهِ عَنِ الْوَطْءِ أُمِرَ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ فَيَقُولُ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُكِ، ثُمَّ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، أَوْ يُطَلِّقُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِحْرَامٍ (لَمْ تَمْلِكْ طَلَبَ الْفَيْئَةِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِهَتِهَا، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مَعَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّ الْوَطْءَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَسْتَحِقُّ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَكِنْ تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إِلَى زَوَالِ الْعُذْرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا لِلْمُدَّةِ كَالْحَيْضِ، أَوْ كَانَ الْعُذْرُ حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. وَفِي " الرِّعَايَةِ " لَمْ تُطَالِبْ بِفَيْئَةِ الْوَطْءِ حَتَّى يَزُولَ ذَلِكَ. وَفِي فَيْئَةِ الْقَوْلِ وَجْهَانِ (وَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ بِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَعْجِزُ بِهِ عَنِ الْوَطْءِ) كَمَرَضٍ وَحَبْسٍ مُطْلَقًا، (أُمِرَ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ) وَلَا يُمْهَلَ لِفَيْئَةِ اللِّسَانِ (فَيَقُولُ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُكِ) ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمْعٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْفَيْئَةِ تَرْكُ مَا قَصَدَهُ مِنِ الْإِضْرَارِ. وَقَدْ تَرَكَ قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِمَا أَتَى بِهِ مِنَ الِاعْتِذَارِ. وَالْقَوْلُ مَعَ الْعُذْرِ يَقُومُ مُقَامَ فِعْلِ الْقَادِرِ بِدَلِيلِ إِشْهَادِ الشَّفِيعِ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا. وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: نَدِمْتُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنْ يُظْهِرَ رُجُوعَهُ عَنِ الْمَقَامِ عَنِ الْيَمِينِ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ أَنْ يَقُولَ فِئْتُ إِلَيْكَ، وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَاخْتَارَهُ الْخُرْقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْحُلْوَانِيُّ؛ لِأَنَّ وَعْدَهُ بِالْفِعْلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ قَصْدِ الْإِضْرَارِ. (ثُمَّ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، أَوْ يُطَلِّقُ) . صَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ حَقَّهَا لِعَجْزِهِ عَنْهُ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ أَنْ يُوَفِّيَهَا إِيَّاهُ كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهُ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فَاءَ مَرَّةً، فَلَا يَلْزَمُهُ أُخْرَى كَالْوَطْءِ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فَيْئَتَهُ بِالْقَوْلِ لَيْسَ عَيْنَ حَقِّهَا، وَإِنَّمَا هُوَ وَعْدٌ بِإِيفَاءِ حَقِّهَا، فَحَقُّهَا الْأَصْلِيُّ بَاقٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ فِعْلِهِ فَلَزِمَهُ كَمَا لو لَمْ يَفِءْ بِلِسَانِهِ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَ الْعَاجِزِ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ مِنْ أَفَاءَ بِلِسَانِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا حِنْثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ
стр. 2651
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ كَانَ مُظَاهِرًا فَقَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَطْلُبَ رَقَبَةً أُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِي، أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتِي، أَوْ أَتَغَدَّى، أَوْ حَتَّى يَنْهَضِمَ الطَّعَامُ، أَوْ أَنَامَ، فَإِنِّي نَاعِسٌ أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَفْعَلِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَعَدَ بِفِعْلِهِ كَالْمَدِينِ إِذَا أَعْسَرَ (وَإِنْ كَانَ مُظَاهِرًا) لَمْ يَطَأْ حَتَّى يُكَفِّرَ، فَإِذَا وَطِئَ صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهَا وَزَالَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ. (فَقَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَطْلُبَ رَقَبَةً أُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِي، أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّهَا مُدَّةَ قَرِيبَةٌ. فَالظِّهَارُ كَالْمَرَضِ عِنْدَ الْخرْقِيِّ، وَكَذَا الِاعْتِكَافُ الْمَنْذُورُ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُظَاهِرَ لَا يُمْهَلُ وَيُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ عُذْرِ مَنْ فِعْلِهِ يَمْنَعُ الْوَطْءَ، لَا يُمْهِلُ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ بِسَبَبٍ مِنْهُ، فَلَا يُسْقِطُ حُكْمًا وَاجِبًا وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الْوَطْءِ بِأَمْرٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْمَرِيضَ، فَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَطْلُبَ رَقَبَةً، أَوْ أُطْعِمَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّكْفِيرِ فِي الْحَالِ لَمْ يُمْهَلْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُمْهَلُ لِلْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ هُنَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أُمْهِلَ. ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَلَا يُمْهَلُ لِصَوْمِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ. وَقِيلَ: بَلَى، فَإِنْ وَطِئَهَا فَقَدْ عَصَى، وَانْحَلَّ إِيلَاؤُهُ وَلَهَا مَنْعُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي يَلْزَمُهَا التَّمْكِينُ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُّهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ. وَقَدْ بَذَلَهُ لَهَا وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ، فَلَا يَلْزَمُ التَّمْكِينُ مِنْهُ كَالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ (وَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتِي، أَوْ أَتَغَدَّى، أَوْ حَتَّى يَنْهَضِمَ الطَّعَامُ، أَوْ أَنَامُ، فَإِنِّي نَاعِسٌ أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ زَمَنٌ يَسِيرٌ، وَلَا يُمْهَلُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ كَالدَّيْنِ الْحَالِّ، وَإِنْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ حَتَّى يَنْظُرَ فِي صَوْمِهِ، أَوْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، أَوْ يَحُلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ أُمْهِلَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِيهِ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً، أَوْ مَجْنُونَةً فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَا لِوَلِيِّهَا؛ لِأَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ، وَإِنْ كَانَتَا مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُمَا لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جِهَتِهَا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَأَفَاقَتِ الْمَجْنُونَةُ وَبَلَغَتِ الصَّغِيرَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَهُ تَمَّمَتْ، ثُمَّ لَهُمَا الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَلَهُمَا الْمُطَالَبَةُ
стр. 2652
عُذْرٌ وَطَلَبَتِ الْفَيْئَةَ، وَهِيَ الْجِمَاعُ فَجَامَعَ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَتُهَا. وَأَدْنَى مَا يَكْفِيهِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، وَإِنْ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ أَوْ فِي الدُّبُرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْفَيْئَةِ، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْفَرْجِ وَطْئًا مُحَرَّمًا - مِثْلَ أَنْ يَطَأَ حَالَةَ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ أَوْ صِيَامِ فَرْضٍ - مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَدْ فَاءَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ بِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَوْمَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ثَابِتٌ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْمُطَالَبَةِ.
[لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْرٌ وَطَلَبَتِ الْفَيْئَةَ]
(وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْرٌ وَطَلَبَتِ الْفَيْئَةَ، وَهِيَ الْجِمَاعُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ إِلَى فِعْلِ مَا تَرَكْتَهُ، وَالْفَيْئَةُ بِكَسْرِ الْفَاءِ مِثْلُ الصِّيغَةِ ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ (فَجَامَعَ) الْقَادِرُ عَلَيْهِ إِنْ حَلَّ وَطْؤُهَا، وَقِيلَ - ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً - وَطْئًا مُبَاحًا، لَا فِي حَيْضٍ وَنَحْوِهِ، (انْحَلَّتْ يَمِينُهُ) لِتَحَقُّقِ حِنْثِهِ (وَعَلَيْهِ كَفَّارَتُهَا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ النَّصِّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. قَالَ قَتَادَةُ: الْحَسَنُ قَدْ خَالَفَ النَّاسَ.
فَرْعٌ: إِذَا كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ بَعْدَ الْمُدَّةِ قَبْلَ الْوَطْءِ، أَوِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ، أَوْ وَطِئَهَا نَاسِيًا يَمِينَهُ أَوْ فِي حَالِ جُنُونِهِ، وَقُلْنَا لَا يَحْنَثُ، فَهَلْ يَنْحَلُّ إِيلَاؤُهُ؛، عَلَى وَجْهَيْنِ وَفِي الْمَذْهَبِ يَفِي بِمَا يُبِيحُهَا لِزَوْجٍ أَوَّلٍ، وَالْجَاهِلُ كَالنَّاسِي فِي الْحِنْثِ. (وَأَدْنَى مَا يَكْفِيهِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) أَوْ قَدْرُهَا (فِي الْفَرْجِ) لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ مُكْرَهٍ وَنَاسٍ وَنَحْوِهِمَا. (وَإِنْ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْفَيْئَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْلُوفٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ بِفِعْلِهِ. وَفِي " الرِّعَايَةِ " فَمَا فَاءَ، وَلَوْ حَنِثَ بِهِمَا فِي وَجْهٍ لِدُخُولِهِ فِي يَمِينِهِ. (وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْفَرْجِ وَطْئًا مُحَرَّمًا مِثْلَ أَنْ يَطَأَ حَالَةَ الْحَيْضِ، أَوِ النِّفَاسِ، أَوْ صِيَامِ فَرْضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَدْ فَاءَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ بِهِ) فَزَالَ حُكْمُهَا وَزَالَ الضَّرَرُ عَنْهَا، وَكَانَ كَالْوَطْءِ الْحَلَالِ، وَكَمَا لَوْ وَطِئَهَا مَرِيضَةً. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْأَصَحُّ) وَحَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " قِيَاسَ الْمَذْهَبِ (أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِيلَاءِ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنِ الْإِيلَاءِ كَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ. وَالَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ، وَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنَ الْوَطْءِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ كَمَا لَوْ كَفَّرَ يَمِينَهُ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ حَلَفَ، ثُمَّ كَفَّرَ يَمِينَهُ، لَا يَبْقَى
стр. 2653
الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الإيلاء. وَإِنْ لَمْ يَفِئْ وَأَعْفَتْهُ الْمَرْأَةُ سَقَطَ حَقُّهَا وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَسْقُطَ وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدُ، وَإِنْ لَمْ تُعْفِهِ أُمِرَ بِالطَّلَاقِ، فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً فَلَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُؤْلِيًا لِعَدَمِ حُكْمِ الْيَمِينِ فَهَذَا أَوْلَى، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُحْرِمِ وَالْمَظَاهِرِ أَنَّهُمَا إِذَا وَطِئَا فَقَدْ وَفَّيَاهَا حَقَّهَا، بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوَطْءِ.
١ -
مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: إِذَا آلَى بِعِتْقٍ، أَوْ طَلَاقٍ، وَقَعَ بِنَفْسِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ آلَى بِنَذْرٍ، أَوْ صَوْمٍ، أَوْ صَلَاةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطَّاعَاتِ، أَوِ الْمُبَاحَاتِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِهِ وَبَيْنَ التَّكْفِيرِ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ لُجَاجٍ وَغَضَبٍ، وَهَذَا حُكْمُهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا آلَى بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ أُمِرَ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ مِنْهُ بِإِيلَاجِ الْحَشَفَةِ فَيَصِيرُ مُسْتَمْتِعًا بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ الْأَلْيَقَ بِالْمَذْهَبِ تَحْرِيمُهُ. وَعَنْهُ لَا، وَمَتَى أَوْلَجَ وَتَمَّمَ، أَوْ لَبِثَ لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَفِي الْمَهْرِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْحَدُّ. جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَفِيهِ وَيُعَزَّرُ جَاهِلٌ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ " فَلَا مَهْرَ، وَلَا نَسَبَ، وَإِنْ نَزَعَ فَلَا حَدَّ، وَلَا مَهْرَ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ، وَإِنَّ نَزَعَ، ثُمَّ أَوْلَجَ. فَإِنْ جَهِلَا التَّحْرِيمَ، فَالْمَهْرُ، وَالنَّسَبُ، وَلَا حَدَّ. وَالْعَكْسُ بِعَكْسِهِ، وَإِنْ عَلِمَهُ لَزِمَهُ الْمَهْرُ، وَالْحَدُّ، وَلَا نَسَبَ. وَإِنْ عَلِمَتْهُ، فَالْحَدُّ، وَالنَّسَبُ، وَلَا مَهْرَ، وَكَذَا إِنْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا. (وَإِنْ لَمْ يَفِئْ وَأَعْفَتْهُ الْمَرْأَةُ سَقَطَ حَقُّهَا) وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مِنَ الْفَسْخِ فَسَقَطَ حَقُّهَا مِنْهُ كَامْرَأَةِ الْعِنِّينِ إِذَا رَضِيَتْ مِنْهُ. (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَسْقُطَ وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدُ)
стр. 2654
رَجْعَتُهَا. وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَةً، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ حُبِسَ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ حَتَّى يُطَلِّقَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى يُطَلِّقُ عَلَيْها الْحَاكِمُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَهُوَ كَطَلَاقِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَيْ: مَتَى شَاءَتْ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِتَرْكِ مَا يَتَجَدَّدُ مَعَ الْأَحْوَالِ كَمَا لَوْ أُعْسِرَ بِالنَّفَقَةِ فَعَفَّتْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، ثُمَّ طَالَبَتْ، وَفَارَقَ الْفَسْخَ لِلْعُنَّةِ، فَإِنَّهُ فَسْخٌ لِعَيْبِهِ، فَمَتَى رَضِيَتْ بِالْعَيْبِ سَقَطَ حَقُّهَا كَمَا لَوْ عَفَى الْمُشْتَرِي عَنْ عَيْبِ الْمَبِيعِ، وَإِنْ سَكَتَتْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، ثُمَّ طَالَبَتْ فَلَهَا ذَلِكَ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا ثَبَتَ عَلَى التَّرَاخِي، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ كَاسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ. (وَإِنْ لَمْ تُعْفِهِ أُمِرَ بِالطَّلَاقِ) إِنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ فَقَدِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ فَيُؤْمَرُ بِالتَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ. (فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً فَلَهُ رَجْعَتُهَا) سَوَاءٌ كَانَ الْمُؤْلِي أَوِ الْحَاكِمُ فِي الْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَلَا اسْتِيفَاءِ عِدَدٍ، فَكَانَ رَجْعِيًّا كَالطَّلَاقِ فِي غَيْرِ الْإِيلَاءِ وَيُفَارِقُ فُرْقَةَ الْعُنَّةِ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ لِعَيْبٍ. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَةً) وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَكَانَتْ بَائِنَةً كَالْمُخْتَلِعَةِ. وَعَنْهُ مِنْ حَاكِمٍ، لَا مِنْهُ. قَالَ الْقَاضِي: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي فُرْقَةِ الْحَاكِمِ أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنًا، وَقَالَ الْأَثْرَمُ: فَأَمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطَانِ فَلَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ كَاللِّعَانِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الزَّوْجَ أَوِ الْحَاكِمَ إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ.
فَرْعٌ: إِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ، ثُمَّ ارْتَجَعَهَا، أَوْ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَقَفَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ وَطْئِهَا بِيَمِينٍ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَاجَعَهَا. وَإِنْ بَقِيَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْإِيلَاءِ لِقُصُورِهِ عَنْ مُدَّتِهِ (وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ حُبِسَ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ حَتَّى يُطَلِّقَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) . قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى زَوَالِ ضَرَرِ الْمَرْأَةِ الْمَطْلُوبِ زَوَالُهُ، فَعَلَيْهَا لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إِذَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ كَاخْتِيَارِهِ لِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ. (وَالْأُخْرَى يُطَلِّقُ عَلَيْها الْحَاكِمُ) قَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي "
стр. 2655
الْمُؤْلِي، وَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ فَسَخَ صَحَّ ذَلِكَ، وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ الْمُدَّةَ لَمْ تَنْقَضِ أَوْ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَكَانَتْ ثَيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِن كَانَتْ بِكْرًا وَادَّعَتْ أَنَّهَا عَذْرَاءُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَصَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ ". قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ فَدَخَلَتِ النِّيَابَةُ فِيهِ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ طَلَاقِ الْحَاكِمِ، وَالتَّخْيِيرِ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنَ النِّسْوَةِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، بِخِلَافِ الْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّهَا خِيرَةُ تَشَهٍّ، بِخِلَافِ الْخِيرَةِ هُنَا، وَلَيْسَ هُوَ خِيرَةٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْفَيْئَةِ، ثُمَّ بِالطَّلَاقِ. (فَإِنْ طَلَّقَهَا) الْحَاكِمُ (وَاحِدَةً، فَهُوَ كَطَلَاقِ الْمُؤْلِي) لِأَنَّهُ نَائِبُهُ، وَقَائِمٌ مَقَامَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَحُكْمِهِ. (وَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا، أَوْ فَسَخَ صَحَّ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَائِمٌ مَقَامَ الزَّوْجِ فَمَلَكَ مَا يَمْلِكُهُ. وَقَدَّمَ فِي " التَّبْصِرَةِ " أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ثَلَاثًا لِلْمُسَاوَاةِ. وَعَنْهُ: يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ. وَعَنْهُ: الْفَسْخُ، فَإِنْ قَالَ الْحَاكِمُ: فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا فَرِوَايَتَانِ أَنَصُّهُمَا أَنَّهُ فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ. وَالْأُخْرَى تَقَعُ عَلَيْهِ طَلْقَةً.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى عَجْزَهُ عَنِ الْوَطْءِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ أَنَّهُ عِنِّينٌ، فَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. صَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَتُهُ فَيُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ. وَقِيلَ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ. (وَإِن ادَّعَى أَنَّ الْمُدَّةَ لَمْ تَنْقَضِ) وَادَّعَتْ هِيَ انْقِضَاءَهَا (أَوْ أَنَّهُ وَطْئِهَا، وَكَانَتْ ثَيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِي رَفْعَهُ، فَهُوَ يَدَّعِي مَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ كَمَا لَوِ ادَّعَى الْوَطْءَ مِنَ الْعُنَّةِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ. وَفِي الْيَمِينِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَحْلِفُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ لِلْخَبَرِ وَكَالدَّيْنِ، وَلِأَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الْمَرْأَةُ مُحْتَمَلٌ فَوَجَبَ نَفْيُهُ بِالْيَمِينِ، وَالثَّانِيَةُ: وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يقْضي فِيهَا بِالنُّكُولِ. (وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا وَادَّعَتْ أَنَّهَا عَذْرَاءُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ عَدْلٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) لِأَنَّ قَوْلَهَا اعْتُضِدَ بِالْبَيِّنَةِ إِذْ لَوْ وَطِئَهَا زَالَتْ بَكَارَتُهَا. وَعَنْهُ لَا يُقْبَلُ
стр. 2656
فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ عَدْلٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَهَلْ يَحْلِفُ مَنِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِيهِ إِلَّا امْرَأَتَانِ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهَا أَحَدٌ بِذَلِكَ (وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) كَمَا لَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا. (وَهَلْ يَحْلِفُ مَنِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ؟) مِنَ الزَّوْجِ، وَالزَّوْجَةِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) حَكَاهُمَا فِي " التَّرْغِيبِ " فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2657
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الظِّهَارِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ وَهُوَ أَنْ يُشْبِهَ امْرَأَتَهُ، أَوْ عُضْوًا مِنْهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ - بِهَا، أَوْ بِعُضْوٍ مِنْهَا فَيَقُولُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ كَيَدِ أُخْتِي، أَوْ كَوَجْهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[تَعْرِيفُ الظِّهَارِ]
كِتَابُ الظِّهَارِ
هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ بِظَهْرِ الْأُمِّ، وَإِنَّمَا خَصُّوا الظَّهْرَ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الرُّكُوبِ إِذِ الْمَرْأَةُ مَرْكُوبَةٌ إِذَا غُشِيَتْ، فَقَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَيْ: رُكُوبُكِ لِلنِّكَاحِ حَرَامٌ عَلَيَّ كَرُكُوبِ أُمِّي لِلنِّكَاحِ فَأَقَامَ الظَّهْرَ مَقَامَ الرُّكُوبِ ; لِأَنَّهُ مَرْكُوبٌ، وَأَقَامَ الرُّكُوبَ مَقَامَ النِّكَاحِ ; لِأَنَّ النَّاكِحَ رَاكِبٌ. وَيُقَالُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِالظِّهَارِ تَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا، وَلَا تُبَاحُ لِغَيْرِهِ فَنَقَلَ الشَّارِعُ حُكْمَهُ لَا تَحْرِيمَهَا. وَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْعَوْدِ وَأَبْقَى مَحَلَّهُ، وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ (وَهُوَ مُحَرَّمٌ) إِجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] . وَقَوْلُ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ لِلْخَبَرِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَتْ كَالْأُمِّ فِي التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] ، وَالسُّنَّةُ حَدِيثُ «أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ حِينَ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْتَكِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَوَّلَ سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَفِيهِ أَحَادِيثُ أُخَرُ سَتَأْتِي (وَهُوَ أَنْ يُشَبِّهَ امْرَأَتَهُ، أَوْ عُضْوًا مِنْهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ - بِهَا، أَوْ بِعُضْوٍ مِنْهَا) إِذَا شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَهُوَ مَظَاهِرٌ إِجْمَاعًا، وَإِنْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ مِنْ ذَوِي رَحِمَهُ كَجَدَّتِهِ وَخَالَتِهِ فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ بِالْقَرَابَةِ أَشْبَهْنَ الْأُمَّ، (فَيَقُولُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ كَيَدِ أُخْتِي، أَوْ كَوَجْهِ
стр. 2658
حَمَاتِي، أَوْ ظَهْرُكِ أَوْ يَدُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَيْدِ أُخْتِي أَوْ خَالَتِي مِنْ نَسَبٍ أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَمَاتِي) الْأَحْمَاءُ فِي اللُّغَةِ أَقَارِبُ الزَّوْجِ، وَالْأُخْتَانِ أَقَارِبُ الْمَرْأَةِ، وَالْأَصْهَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَنَقَلَ ابْنُ فَارِسٍ أَنَّ الْأَحْمَاءَ كَالْأَصْهَارِ، فَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ هَذِهِ حَمَاةُ زَيْدٍ وَحَمَاةُ هِنْدٍ. (أَوْ ظَهْرِكِ، أَوْ يَدِكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ (أَوْ كَيْدِ أُخْتِي، أَوْ خَالَتِي) لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِعُضْوٍ مِنْهَا بِعُضْوِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ ظِهَارًا ; لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْلِ، وَالزُّورِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي تَشْبِيهِ عُضْوٍ مِنْهَا بِذَلِكَ. (مِنْ نَسَبٍ) كَالْأُمَّهَاتِ، وَالْجَدَّاتِ (أَوْ رَضَاعٍ) كَالْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الرَّضَاعَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَعَنْهُ لَا يَكُونُ ظِهَارًا. قَالَهُ الْحُلْوَانِيُّ حَتَّى يُشْبِهَ جُمْلَةَ امْرَأَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِاللَّهِ، لَا يَمَسُّ عُضْوًا مِنْهَا لَمْ يَسِرْ إِلَى غَيْرِهِ. وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ النَّسَبِ، وَالرَّضَاعِ، إِنَّمَا كَانَ لَمَعَانٍ نَظَرَ إِلَيْهَا الشَّارِعُ فِيهِنَّ فَحَرَّمَهُنَّ لِتِلْكَ الْمَعَانِي وَأَبَاحَ الزَّوْجَةَ لِمَعْنًى فِيهَا فَإِلْحَاقُهَا فِي التَّحْرِيمِ بِمَنْ حَرَّمَهُ اللَّهُ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَتَحْرِيمٌ لِمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ مِنْهُنَّ. وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ وَقَعَ مِنْهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ قَالَ كَشَعَرِ أُمِّي، أَوْ سِنَّهَا، أَوْ ظُفْرَهَا فَلَغْوٌ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأَعْضَاءِ الثَّابِتَةُ وَكَذَا الرِّيقُ وَالدَّمُ وَالرُّوحُ. وَكَوَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرَامٌ وَلَيْسَ بِظِهَارٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَأُمِّي امْرَأَتِي، أَوْ مِثْلُهَا. وَفِي " الْمُبْهِجِ " أَنَّهُ كَطَلَاقٍ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ، أَوْ عِنْدِي، أَوْ مِنِّي، أَوْ مَعِي كَأُمِّي، أَوْ مِثْلَ أُمِّي، وَأَطْلَقَ. فَهُوَ ظِهَارٌ وَعَنْهُ لَا، اخْتَارَهُ فِي " الْإِرْشَادِ " وَ " الْمُغْنِي "، وَإِنْ نَوَى فِي الْكَرَامَةِ، وَنَحْوِهَا دُيِّنَ، وَفِي الْحُكْمِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ قَالَ: جُمْلَتُكِ، أَوْ بَدَنُكِ، أَوْ جِسْمُكِ، أَوْ ذَاتُكِ، أَوْ كُلُّكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ ظِهَارًا كَقَوْلِهِ: أَنْتِ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ، فَانْصَرَفَ الْحُكْمُ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ، أَوْ عَكْسُهُ لَزِمَا.
стр. 2659
رَضَاعٍ. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي، كَانَ مُظَاهِرًا. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ كَأُمِّي فِي الْكَرَامَةِ، وَنَحْوُهُ دُيِّنَ. وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ كَأُمِّي، أَوْ مِثْلَ أُمِّي فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ، وَالْأَوْلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِظِهَارٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ أَنْ يُسَمِّيَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَهْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُخْتُكَ هِيَ» فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يُشْبِهُ الظِّهَارَ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ.
(وَإِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا) ; لِأَنَّهُ يشَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِأُمِّهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، وَهَذَا إِذَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَرِوَايَتَانِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي أَنَّهُ إِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الظِّهَارِ مِثْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْحَلِفِ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ حَالَ الْخُصُومَةِ، وَالْغَضَبِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ كَأُمِّي فِي الْكَرَامَةِ، وَنَحْوِهِ دُيِّنَ) ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. (وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، أَصَحُّهُمَا، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الظِّهَارَ وَغَيْرَهُ تَرَجَّحَ عَدَمُ الظِّهَارِ بِدَعْوَى الْإِرَادَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فِيهَا تَحْرِيمٌ أَشْبَهُ مَا لَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
١ -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ كَأُمِّي، أَوْ مِثْلَ أُمِّي) بِإِسْقَاطِ عَلَيَّ، أَوْ عِنْدِي. فَهُوَ مُظَاهِرٌ إِنْ نَوَاهُ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ) مِثْلَ قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي، وَكَذَا يَتَخَرَّجُ فِي قَوْلِهِ: رَأْسُكَ كَرَأْسِ أُمِّي، أَوْ يَدُكَ كَيَدِهَا وَمَا أَشْبَهَهَ، فَلَوْ قَالَ: أُمِّيُّ امْرَأَتِي، أَوْ مِثْلَ امْرَأَتِي لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ; لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِأُمِّهِ وَوَصْفٌ لَهَا وَلَيْسَ بِوَصْفٍ لِامْرَأَتِهِ. (وَالْأَوْلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِظِهَارٍ) ، لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي الْكَرَامَةِ فَتَعَيَّنَ
стр. 2660
إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ أَوْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي، أَوْ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ أُخْتِ زَوْجَتِي، أَوْ عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَهُوَ مَظَاهِرٌ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَمْلُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ كَبِيرَةٌ مِثْلُ أُمِّي (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، أَوْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ) ، لِأَنَّ النِّيَّةَ تُعِينُ اللَّفْظَ فِي الْمَنْوِيِّ، وَالْقَرِينَةُ شَبِيهَةٌ بِهَا. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي) أَوْ كَأَبِي، أَوْ مِثْلَ أَبِي (أَوْ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ أُخْتِ زَوْجَتِي، أَوْ عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي فَعَنْهُ ظِهَارٌ ; لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدُ أَشْبَهَ الْأُمَّ، وَكَذَا إِنْ شَبَّهَهَا بِالْمَيْتَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِظِهَارٍ، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِمَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتَاعِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَمَا لَزِيدٍ، فَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيمٍ أَشْبَهُ مَا لَوْ حَرَّمَ مَالَهُ. وَعَنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ التَّشْبِيهَ بِمَالِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا إِذَا شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ وَعَمَّتِهَا، أَوِ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ ظِهَارٌ. اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَرَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمُحَرَّمَةٍ أَشْبَهَ تَشْبِيهَهَا بِالْأُمِّ.
وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِظِهَارٍ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِهَا كَافِيًا كَالْحَائِضِ.
١ -
(وَإِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتَاعِ، وَفِيهِ وَجْهٌ كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ أَبِيهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ". وَذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ " إِذَا نَوَى الظِّهَارَ فَلَيْسَ مُظَاهِرًا. وَقِيلَ: بَلَى (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَهُوَ مَظَاهِرٌ) إِذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا، وَلَا يَمِينًا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ;
стр. 2661
إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقًا، أَوْ يَمِينًا، فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا، أَوْ مَا نَوَاهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَصْلٌ وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا. وَالْأَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِيهِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ ظِهَارًا كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الظَّاهِرَةِ. فَلَوْ زَادَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ. نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقًا، أَوْ يَمِينًا فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا، أَوْ مَا نَوَاهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ ظِهَارٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. وَحَكَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ أَوْقَعَهُ فِي الزَّوْجَةِ، فَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ ظِهَارًا لِشَبَهِهَا بِظَهْرِ أُمِّهِ وَكَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَا نَوَاهُ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةً، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً. وَعَنْهُ: أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] . وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إِذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ الظِّهَارَ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ، وَالطَّلَاقَ مَعًا كَانَ ظِهَارًا ; لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ، لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، فَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ، تُجْزِئُهُ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا تُوجِبُ كَفَارَّتَيْنِ. وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ لِلظِّهَارِ وَلِتَحْرِيمِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ أَوْجَبَ بِذَلِكَ فَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَا.
[مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الظِّهَارُ]
فَصْلٌ (وَيَصِحُّ مَنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ) فَكُلُّ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَخْتَصُّ النِّكَاحَ أَشْبَهَ الطَّلَاقَ. قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": فَإِنَّ أَحْمَدَ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ، وَفِي " الْمُوجَزِ " مُكَلَّفٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ إِلَّا الْأَبُ، وَالسَّيِّدُ (مُسْلِمًا كَانَ، أَوْ ذِمِّيًّا) عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ
стр. 2662
لَا يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ ظِهَارٌ، وَلَا إِيلَاءٌ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّهِ. وَيَصِحُّ مَنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ، أَوْ أُمِّ وَلَده لَمْ يَصِحَّ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِذَا حَنِثَ فَوَجَبَ صِحَّةُ ظُهَارِهِ كَالْمُسْلِمِ، وَكَجَزَاءِ صَيْدٍ، وَيُكَفِّرُ بِمَالٍ فَقَطْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُعْتِقُ بِلَا نِيَّةٍ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ مُرْتَدٍّ. وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": وَيُعْتِقُ ; لِأَنَّهُ مِنْ فَرْعِ النِّكَاحِ، أَوْ قَوْلٍ لَمُنْكَرٍ وَزَوْرٍ، وَالذِّمِّيُّ أَهْلٌ لِذَلِكَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِكَفَّارَةِ الصَّيْدِ إِذَا قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ وَيَصِحُّ مِنْهُ الْعِتْقُ، لَا الصِّيَامُ، وَلَا تَمْتَنِعُ صِحَّةُ الظِّهَارِ بِامْتِنَاعِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ كَمَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ. وَالنِّيَّةُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَعْيِينِ الْفِعْلِ لِلْكَفَّارَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ كَالنِّيَّةِ فِي كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ. وَاقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّتَهُ مِنَ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ مِنَ الْعَبْدِ، وَإِنَّ مَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَهُوَ الطِّفْلُ وَزَائِلُ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، لَا يَصِحُّ مِنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(وَالْأَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ ظِهَارٌ، وَلَا إِيلَاءٌ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّهِ) كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزَّوْرِ، وَذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَنِ الصَّبِيِّ ; لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ. وَفِي " الْمَذْهَبِ " فِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " يُحْتَمَلُ أَلَّا يَصِحَّ ظِهَارُهُ ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الزُّورِ وَحُصُولِ التَّكْفِيرِ، وَالْمَأْثَمِ وَإِيجَابِ مَالٍ، أَوْ صَوْمٍ. قَالَ: وَأَمَّا الْإِيلَاءُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَصِحُّ رِدَّتُهُ وَإِسْلَامُهُ وَذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرِ اللَّهِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ لِرَفْعِ الدَّعْوَى. (وَيَصِحُّ مَنْ كُلِّ زَوْجَةٍ) كَبِيرَةً كَانَتْ، أَوْ صَغِيرَةً مُسْلِمَةً، أَوْ ذِمِّيَّةً، أَمْكَنَ وَطْؤُهَا أَوْ لَا ; لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ; لِأَنَّ الظِّهَارَ لِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ، وَجَوَابُهُ الْعُمُومُ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا كَغَيْرِهَا.
(فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ، أَوْ أُمِّ وَلَدٍ لَمْ يَصِحَّ) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَمْرٍو،
стр. 2663
الْيَمِينِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ. وَإِنْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي لَمْ يَكُنْ مُظَاهَرَةً وَعَلَيْهَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ، وَعَلَيْهَا التَّمْكِينُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ. وَعَنْهُ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] فَخَصَّهُنَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ تَعَلَّقَ بِهِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ، فَلَا تَحْرُمُ بِهِ الْأَمَةُ كَالطَّلَاقِ (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ) . نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " كَتَحْرِيمِ سَائِرِ مَالِهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، جَارِيَتَهُ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ» .
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ) وَنَقَلَهُ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمُنْكِرِ مِنَ الْقَوْلِ، وَالزُّورِ، وَلَكِنْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَتَوَجَّهُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ كَانَ مُظَاهِرًا، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي. وَفِي " عُمُدِ الْأَدِلَّةِ " وَ " التَّرْغِيبِ " رِوَايَةُ أَنَّهُ يَصِحُّ، قَالَ أَحْمَدُ: وَإِنْ أَعْتَقَهَا، فَهُوَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَيَتَزَوَّجُهَا إِنْ شَاءَ.
١ -
(وَإِنْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي) أَوْ إِنْ تَزَوَّجْتُ فَلَانًا، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي (لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً) رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ الْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ كَالطَّلَاقِ. وَعَنْهُ: ظِهَارٌ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فَتُكَفِّرُ إِنْ طَاوَعَتْهُ، وَإِنِ اسْتَمْتَعَتْ بِهِ، أَوْ عَزَمَتْ فَكَمُظَاهِرٍ (وَعَلَيْهَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَصَحَّحَهُ الْحَلْوَانِيُّ ; لِأَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قَالَتْ: إِنْ تَزَوَّجْتُ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي، فَاسْتَفْتَتْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرُوهَا أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً وَتَتَزَوَّجَهُ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهَا زَوْجٌ أَتَى بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْلِ وَالزُّورِ كَالْآخَرِ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٍ فَاسْتَوَى فِيهَا الْمَرْأَةُ، وَالرَّجُلُ. قَالَهُ
стр. 2664
كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهَا. وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَطَأْهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلِيَّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحْمَدُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الظِّهَارُ مِنَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ سَوَاءٌ (وَعَلَيْهَا التَّمْكِينُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَلَا يَسْقُطُ بِيَمِينِهَا كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ كَالرَّجُلِ. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ. وَنَقَلَ صَالِحٌ لَهُ أَنْ يَطَأَ قَبْلَ أَنْ تُكَفِّرَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " يَحْرُمُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءٌ قَبْلَهُ، يَعْنِي: كَمُظَاهِرٍ. (وَعَنْهُ: كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ) وَأَشْبَهُ بِأُصُولِهِ ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِحَلَالٍ كَتَحْرِيمِ الْأَمَةِ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَوْجُودِ مِنْهَا لَيْسَ بِظَهِارٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ. إِنَّمَا قَالَ: الْأَحْوَطُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَحْوَطَ التَّكْفِيرُ بِأَغْلَظِ الْكَفَّارَاتِ لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلَافِ. (وَعَنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ، وَلَيْسَ بِظِهَارٍ، فَلَمْ تَجِبْ كَفَّارَةٌ كَالنَّسَبِ، وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا لَمْ تَجِبْ إِلَّا بِوَطْئِهَا مُطَاوَعَةً، فَإِنْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَطْئِهَا، أَوْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ، فَلَا كَفَّارَةَ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ، فَلَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا عَلَّقَتْهُ بِتَزَوُّجِهَا لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ. وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ، إِنَّمَا سُئِلَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: ظِهَارٌ. وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقِيلَ لَهُ فِي " الْمُفْرَدَاتِ ": هَذَا ظِهَارٌ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَعِنْدَكُمْ لَا يَصِحُّ، قُلْنَا: يَصِحُّ عَلَى رِوَايَةٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ، فَالْخَبَرُ أَفَادَ الْكَفَّارَةَ، وَصِحَّتُهُ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْلَهُ، بَقِيَتِ الْكَفَّارَةُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ قِيَاسَهُ قَوْلُهَا: أَنَا عَلَيْكَ كَظَهْرِ أُمِّكَ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ عَلَيْهِ تَحْرِيمٌ عَلَيْهَا.
(وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) فَهُوَ صَحِيحٌ مُطْلَقًا. نَصَرَهُ فِي
стр. 2665
حَرَامٌ يُرِيدُ فِي كُلِّ حَالٍ فَكَذَلِكَ. وَإِنْ أَرَادَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ. وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلًا وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ وَمُطْلَقًا وَمُؤَقَّتًا نَحْوَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ فَصَحَّ عَقْدُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالطَّلَاقِ، وَالْإِيلَاءِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ حَلَّ قَيْدَ النِّكَاحِ. وَلَا يُمْكِنُ حَلُّهُ قَبْلَ عَقْدِهِ. وَالظِّهَارُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْعَقْدِ كَالْحَيْضِ، وَإِنَّمَا اخْتُصَّ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بِنِسَائِهِ لِكَوْنِهِ يَقْصِدُ الْإِضْرَارَ بِهِنَّ. وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ هُنَا لِقَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ، فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنِسَائِهِ. (لَمْ يَطَأْهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ) ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا إِذَا تَزَوَّجَهَا تَحَقَّقَ مَعْنَى الظِّهَارِ فِيهَا وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ وَطْؤُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ; لِأَنَّهُ شَأْنُ الْمُظَاهِرِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ إِذَا تَزَوَّجَ نِسَاءً وَأَرَادَ الْعَوْدَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: لِكُلِّ عَقْدٍ كَفَّارَةٌ، فَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنَّ مِثْلَهَا فِي التَّحْرِيمِ فِي الْحَالِ - دُيِّنَ. وَفِي الْحُكْمِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ صَرِيحٌ لِلظِّهَارِ، وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ كَأُمِّهِ.
(وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يُرِيدُ فِي كُلِّ حَالٍ فَكَذَلِكَ) أَيْ: فَهُوَ ظِهَارٌ ; لِأَنَّ لَفْظَةَ الْحَرَامِ إِذَا أُرِيدَ بِهَا، فَهُوَ ظِهَارٌ مِنَ الزَّوْجَةِ، فَكَذَا الْأَجْنَبِيَّةُ، فَعَلَيْهِ لَا يَطَؤُهَا إِذَا تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ (وَإِنْ أَرَادَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ) . وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهٌ.
١ -
(وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلًا وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ) فَإِذَا وُجِدَ فَمُظَاهِرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَمُطْلَقًا)
следующие страницы →