← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

فَصْلٌ وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَكِسْوَتُهَا وَمَسْكَنُهَا كَالزَّوْجَةِ سَوَاءٌ وَأَمَّا الْبَائِنُ بِفَسْخٍ، أَوْ طَلَاقٍ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَالسُّكْنَى. وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَعَنْهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الْكِفَايَةَ تَحْصُلُ بِهِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَهُ ذَلِكَ فِيمَا يَتَوَلَّاهُ مِثْلُهُ لِمَنْ يَكْفِيهَا خَادِمٌ وَاحِدٌ، وَلَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مَنْ يُوَضِّئُ مَرِيضَةً، بِخِلَافِ رَقِيقَةٍ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. [فَصْلٌ: نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ وَالْبَائِنِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا] [نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ] فَصْلٌ (وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَكِسْوَتُهَا وَمَسْكَنُهَا كَالزَّوْجَةِ سَوَاءٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ، أَشْبَهَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ (وَأَمَّا الْبَائِنُ بِفَسْخٍ، أَوْ طَلَاقٍ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَالسُّكْنَى) إِجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وَفِي بَعْضِ أَخْبَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» وَلِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ، وَالِإنفَاقُ عَلَيْهِ دُونَهَا مُتَعَذِّرٌ فَوَجَبَ كَمَا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ، وَفِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ، ذَكَرَهَا الْخَلَّالُ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ دُونَ السُّكْنَى، وَفِي " الْمُوجَزِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " رِوَايَةٌ: لَا يَلْزَمُهُ، وَهِيَ سَهْوٌ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ، وَفِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ (وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا) إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَنَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ «لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَزَادَ: وَلَا سُكْنَى وَفِي لَفْظٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «انْظُرِي يَا ابْنَةَ قَيْسٍ، إِنَّمَا النَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، فَلَا نَفَقَةَ، وَلَا سُكْنَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحُمَيْدِيُّ (وَعَنْهُ: لَهَا السُّكْنَى) وَهِيَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ،

стр. 2802

لَهَا السُّكْنَى. فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَائِلًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى، وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَامِلًا فَبَانَتْ حَائِلًا، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنَّفَقَةِ؛ عَلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] وَعَائِشَةَ، وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ فَأَوْجَبَتْ لَهَا السُّكْنَى مُطْلَقًا، ثُمَّ خَصَّ الْحَامِلَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": لَا يَسْقُطُ بِتَرَاضِيهِمَا كَعِدَّةٍ، وَعَنْهُ: وَلَهَا النَّفَقَةُ أَيْضًا، قَالَهُ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقَ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى كَالرَّجْعِيَّةِ. وَرَدُّوا خَبَرَ فَاطِمَةَ بِقَوْلِ عُمَرَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَنْكَرَهُ أَحْمَدُ، قَالَ عُرْوَةُ: لَقَدْ عَابَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَقَالَتْ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَوْلُ أَحْمَدَ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ وَأَرْجَحُ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَصًّا صَرِيحًا فَأَيُّ شَيْءٍ يُعَارِضُ هَذَا، وَقَوْلُ عُمَرَ وَمَنْ وَافَقَهُ فَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَقَوْلُ عُمَرَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا إِلَّا لِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا، وَلَا قُوتَ» ، وَلِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا، لَا تُزِيلُهُ الرَّجْعَةُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ كَالْمُلَاعَنَةِ وَتُفَارِقُ الرَّجْعِيَّةَ، فَإِنَّهَا زَوْجَةٌ. (فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَائِلًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى) عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَا اسْتِحْقَاقُهَا لَهُ فَرَجَعَتْ بِهِ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لَهَا، رَجَعَتْ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَامِلًا فَبَانَتْ حَائِلًا فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنَّفَقَةِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . أَصَحُّهُمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَاهَا دَيْنًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ بَرَاءَتُهُ مِنْهَا، وَالثَّانِيَةُ: لَا رُجُوعَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِحُكْمِ آثَارِ

стр. 2803

رِوَايَتَيْنِ. وَ هَلْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ لِحَمْلِهَا، أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا لَهَا فَتَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا وَلَا تَجِبُ لِلنَّاشِزِ وَلَا لِلْحَامِلِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لِلْحَمْلِ فَتَجِبُ لِهَؤُلَاءِ ــ [المبدع في شرح المقنع] النِّكَاحِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ كَالنَّفَقَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إِذَا تَبَيَّنَ فَسَادَهُ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ ": إِنْ نُفِيَ الْحَمْلُ فَفِي رُجُوعِهِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ عُلِمَتْ بَرَاءَتُهَا مِنَ الْحَمْلِ بِالْحَيْضِ فَكَتَمَتْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ قَوْلًا وَاحِدًا. فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَتْ حَمْلًا مُمْكِنًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: إِنْ شَهِدَ بِهِ النِّسَاءُ، فَإِنْ مَضَتْ، وَلَمْ يَبْنِ رَجْعَ بِمَا أَنْفَقَ، وَعَنْهُ: لَا، كَنِكَاحٍ تَبَيَّنَ فَسَادَهُ لِتَفْرِيطِهِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُلْنَا: يَجِبُ تَعْجِيلُ النَّفَقَةِ - رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا إِنْ ظَنَّهَا حَامِلًا فَبَانَتْ حَائِلًا، أَوْ وَلَدَتْ بَعْدَ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ فَأَنْكَرَهُ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِنَفَقَةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَقَطْ. [هَلْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ لِحَمْلِهَا أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ] (وَهَلْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ لِحَمْلِهَا، أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " (إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا لَهَا) أَيْ: مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ. اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ الْإِعْسَارِ، وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ (فَتَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا) لِأَنَّ الزَّوْجَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ (وَلَا تَجِبُ لِلنَّاشِزِ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ تَمْكِينِهَا وَمَعَ النُّشُوزِ لَا تَمْكِينَ (وَلَا لِلْحَامِلِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا (وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لِلْحَمْلِ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ أَشْهَرُهُمَا ; لِأَنَّهَا تَجِبُ بِوُجُودِهِ وَتَسْقُطُ بِعَدَمِهِ (فَتَجِبُ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ) لِأَنَّهُ وَلَدُهُ فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ (وَلَا تَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ، وَالْأَمَةُ نَفَقَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا ; لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَوْجَبَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَهُ وَلَهَا لِأَجْلِهِ وَجَعَلَهَا كَمُرْضِعَةٍ بِأُجْرَةٍ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": فِي مَسْأَلَةِ الرِّقِّ رِوَايَتَانِ كَحَمْلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا:

стр. 2804

الثَّلَاثَةِ وَلَا تَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا. وَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] هِيَ لَهَا، فَلَا نَفَقَةَ، وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا، أَوْ مُعْسِرًا، فَعَلَى الْأَولَى لَا شَيْءَ لَهَا إِذْ نَفَقَةُ الْغَائِبِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَبِالْإِعْسَارِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: تَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْغَائِبِ وَيَلْزَمُ الْمُعْسِرَ، فَإِنْ وُطِئَتْ زَوْجَتُهُ فَحَمَلَتْ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَاطِئِ إِنْ وَجَبَتْ لِلْحَمْلِ وَلَهَا عَلَى الْأَصَحِّ إِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، أَوْ نَائِمَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُطَاوَعَةً تَظُنُّهُ زَوْجَهَا فَلَا. ١ - مَسْأَلَةٌ: إِذَا بَانَ الْحَمْلُ دَفَعَ النَّفَقَةَ إِلَيْهَا يَوْمًا فَيَوْمًا. نَصَّ عَلَيْهِ لِلنَّصِّ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ يَتَحَقَّقُ حُكْمًا فِي مَنْعِ النِّكَاحِ، وَالْأَخْذِ مِنَ الزَّكَاةِ وَوُجُوبِ الدَّفْعِ فِي الدِّيَةِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَكَذَا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجِبُ دَفْعُ النَّفَقَةِ حَتَّى تَضَعَ الْحَمْلَ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ، وَلِهَذَا وَقَفْنَا الْمِيرَاثَ، وَلَا يَصِحُّ اللِّعَانُ عَلَيْهِ قَبْلَ وَضْعِهِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا أَرْضَعَتِ اسْتَحَقَّتْ نَفَقَةَ الْحَمْلِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَالْمِيرَاثُ يُشْتَرَطُ لَهُ الْوَضْعُ وَالِاسْتِهْلَالُ، فَإِنْ أَنْكَرَ حَمْلَهَا قَبْلَ قَوْلِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ [نَفَقَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا] (وَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى) رِوَايَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ فَاتَ، وَكَزَانِيَةٍ، وَعَنْهُ: لَهَا السُّكْنَى. اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فَهِيَ كَغَرِيمٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " إِنْ مَاتَ، وَهِيَ فِي مَسْكَنِهِ قَدَّمَتْ بِهِ وَيَسْتَدِلُّ لَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةَ تُبِيحُ بَعْضَ الْمُدَّةِ وَبَقِيَ بَاقِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَوْ لَمْ تَجِبِ السُّكْنَى لِفُرَيْعَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَسْكُنَ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَقِصَّةُ فُرَيْعَةَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ (وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا شَيْءَ لَهَا صَحَّحَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ لِلْوَرَثَةِ، وَنَفَقَةُ الْحَامِلِ وَسُكْنَاهَا إِنَّمَا هُوَ لِلْحَمْلِ أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مِيرَاثٌ فَنَفَقَةُ الْحَمْلِ فِي نَصِيبِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ وَارِثَ الْمَيِّتِ الْإِنْفَاقُ عَلَى حَمْلِ امْرَأَتِهِ كَمَا بَعْدَ

стр. 2805

فَصْلٌ وَعَلَيْهِ دَفْعُ النَّفَقَةِ إِلَيْهَا فِي صَدْرِ كُلِّ يَوْمٍ إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا، أَوْ تَعْجِيلِهَا ــ [المبدع في شرح المقنع] الْوِلَادَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَهَا ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، أَشْبَهَتِ الْبَائِنَ فِي الْحَيَاةِ، وَعَنْهُ: يَجِبَانِ لَهَا مَعَ الْحَمْلِ، لَهَا أَوْ لَهُ، وَعَنْهُ: بَلْ حَقُّهُ مِنْهَا فَقَطْ، سَوَاءٌ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لَهُ أَوْ لَهَا، وَقِيلَ: تَجِبُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ مِنْ حَقِّهِ، وَحُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَنَقَلَ الْكَحَّالُ يُنْفِقُ مِنْ مَالِ حَمْلِهَا، وَنَقَلَ جَعْفَرٌ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِذَا قُلْنَا: لَهَا السُّكْنَى فَهِيَ أَحَقُّ بِسُكْنَى الْمَسْكَنِ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ، وَلَا تُبَاعُ فِي دِينِهِ بَيْعًا يَمْنَعُهَا السُّكْنَى حَتَّى تَقْضِيَ الْعِدَّةَ، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ اكْتَرَى الْوَارِثُ لَهَا مَسْكَنًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ. [فَصْلٌ: مَتَى تُدْفَعُ النَّفَقَةُ] فَصْلٌ (وَعَلَيْهِ دَفْعُ النَّفَقَةِ إِلَيْهَا) وَهُوَ دَفْعُ الْقُوتِ، لَا بَدَلِهِ، وَلَا حَبَّ (فِي صَدْرِ كُلِّ يَوْمٍ) بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ: وَقْتُ الْفَجْرِ (إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا، أَوْ تَعْجِيلِهَا لِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، أَوْ كَثِيرَةٍ، فَيَجُوزُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا كَالدَّيْنِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، وَتَمْلِكُهُ بِقَبْضِهِ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " (وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا دَفْعَ الْقِيمَةِ لَمْ يَلْزَمِ الْآخَرَ ذَلِكَ) لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا كَالْبَيْعِ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ جَازَ ; لِأَنَّهُ طَعَامٌ وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ فَجَازَتِ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهُ كَالطَّعَامِ فِي الْفَرْضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَمْلِكُ فَرْضَ غَيْرِ الْوَاجِبِ كَدَرَاهِمَ مَثَلًا إِلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا، فَلَا يُجْبَرُ مَنِ امْتَنَعَ، قَالَ فِي " الْهَدْيِ ": لَا أَصْلَ لَهُ فِي كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ; لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ بِغَيْرِ الرِّضَا عَنْ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ مَعَ عَدَمِ الشِّقَاقِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ، فَأَمَّا مَعَ الشِّقَاقِ وَالْحَاجَةِ كَالْغَائِبِ مَثَلًا فَيَتَوَجَّهُ الْفَرْضُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَلَا يَقَعُ الْغَرَضُ بِدُونِ ذَلِكَ بِغَيْرِ الرِّضَا. (وَعَلَيْهِ كِسْوَتُهَا فِي كُلِّ عَامٍ) لِأَنَّهُ الْعَادَةُ، وَيَكُونُ الدَّفْعُ فِي أَوَّلِهِ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ، وَقَالَ الْحُلْوَانِيُّ، وَابْنُهُ، وَابْنُ حَمْدَانَ: فِي أَوَّلِ الصَّيْفِ كِسْوَةٌ، وَفِي أَوَّلِ الشِّتَاءِ كِسْوَةٌ، وَفِي " الْوَاضِحِ "

стр. 2806

لِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، أَوْ كَثِيرَةٍ، فَيَجُوزُ، وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا دَفْعَ الْقِيمَةِ لَمْ يَلْزَمِ الْآخَرَ ذَلِكَ. وَعَلَيْهِ كِسْوَتُهَا فِي كُلِّ عَامٍ، فَإِنْ قَبَضَتْهَا فَسُرِقَتْ، أَوْ تَلِفَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا، وَإِنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَعَلَيْهِ كِسْوَةُ السَّنَةِ الْأُخْرَى وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَلْزَمَهُ، وَإِنْ مَاتَتْ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِسْطِ بَقِيَّةِ السَّنَةِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] كُلَّ نِصْفِ سَنَةٍ وَتَمْلِكُهَا فِي الْأَصَحِّ بِقَبْضِهَا (فَإِنْ قَبَضَتْهَا فَسُرِقَتْ، أَوْ تَلِفَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا) لِأَنَّهَا قَبَضَتْ حَقَّهَا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ كَالدَّيْنِ إِذَا وَفَّاهَا إِيَّاهُ، ثُمَّ ضَاعَ مِنْهَا، لَكِنْ لَوْ بَلِيَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَبْلَى فِيهِ مِثْلُهَا لَزِمَهُ بَدَلُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامٍ كِسْوَتِهَا وَإِنْ بَلِيَتْ قَبْلَهُ لِكَثْرَةِ خُرُوجِهَا وَدُخُولِهَا، فَلَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَتْهَا، وَإِنْ مَضَى زَمَنٌ يَبْلَى فِيهِ مِثْلُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ، وَلَمْ تَبْلَ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إِلَى الْكِسْوَةِ، وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ دُونَ حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ، فَلَوْ أَهْدَي إِلَيْهَا كُسْوَةً لَمْ تَسْقُطْ كِسْوَتُهَا (وَإِنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَعَلَيْهِ كِسْوَةُ السَّنَةِ الْأُخْرَى) قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ دُونَ بَقَائِهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَلِفَتْ (وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَلْزَمَهُ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إِلَى الْكِسْوَةِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " فَإِنْ كَسَاهَا السَّنَةَ أَوْ نَصِفَهَا، فَسُرِقَتْ، أَوْ تَلِفَتْ فِيهَا، وَقِيلَ: فِي وَقْتٍ يَبْلَى مِثْلُهَ، أَوْ تَلِفَتْ، فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: هِيَ إِمْتَاعٌ فَيَلْزَمُهُ بَدَلُهَا كَكُسْوَةِ الْقَرِيبِ، وَإِنْ بَقِيَتْ صَحِيحَةً لَزِمَهُ كُسْوَةُ سَنَةٍ أُخْرَى إِنْ قُلْنَا: هِيَ مِلْكٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إِمْتَاعٌ، فَلَا، كَالْمَسْكَنِ وَأَوْعِيَةِ الطَّعَامِ، وَالْمَاعُونِ، وَالْمُشْطِ، وَنَحْوِهَا. وَفِي غِطَاءٍ وَوِطَاءٍ، وَنَحْوِهِمَا الْوَجْهَانِ (وَإِنْ مَاتَتْ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِسْطِ بَقِيَّةِ السَّنَةِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهِ. قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ دَفَعَ لِمُدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ كَمَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهَا نَفَقَةَ مُدَّةٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا. وَالثَّانِي: لَا رُجُوعَ ; لِأَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهَا الْكِسْوَةَ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهَا النَّفَقَةَ بَعْدَ وُجُوبِهَا،

стр. 2807

وَإِذَا قَبَضَتِ النَّفَقَةَ فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يَنْهِكُ بَدَنَهَا، وَإِنْ غَابَ مُدَّةً وَلَمْ يُنْفِقْ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى، وَعَنْهُ: لَا نَفَقَةَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا. ــ [المبدع في شرح المقنع] ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ إِكْمَالِهَا، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَكَنَفَقَةِ الْيَوْمِ، وَقِيلَ: تَرْجِعُ بِالنَّفَقَةِ، وَقِيلَ: بِالْكِسْوَةِ، وَقِيلَ: كَزَكَاةٍ مُعَجَّلَةٍ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُنْتَخَبِ "، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَا يَرْجِعُ فِيهِمَا إِنْ بَانَتْ وَيَرْجِعُ إِنْ أَبَانَهَا بِطَلَاقٍ، أَوْ فَسْخٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ إِلَّا يَوْمَ الْفُرْقَةِ وَالسَّلَفِ وَهُوَ أَصَحُّ إِلَّا عَلَى النَّاشِزِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا فِي الْأَصَحِّ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَا تَرْجِعُ بِمَا وَجَبَ كَيَوْمٍ وَكِسْوَةِ سَنَةٍ، بَلْ بِمَا لَمْ يَجِبْ، وَيَرْجِعُ بِنَفَقَتِهَا مِنْ مَالٍ غَائِبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِظُهُورِهِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَإِذَا قَبَضَتِ النَّفَقَةَ فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا) مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا حَقُّهَا فَمَلَكَتِ التَّصَرُّفَ فِيهَا كَسَائِرِ مَالِهَا، لَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِقَوْلِهِ (عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يَنْهِكُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يُجْهِدُهُ (بَدَنَهَا) فَإِنْ عَادَ عَلَيْهَا ضَرَرٌ فِي بَدَنِهَا، أَوْ نَقْصٌ مِنِ اسْتِمْتَاعِهَا لَمْ تَمْلِكْهُ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ بِذَلِكَ، وَالْكِسْوَةُ كَالنَّفَقَةِ فِي ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ ; لِأَنَّ لَهُ اسْتِرْجَاعَهَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي وَجْهٍ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ. فَرْعٌ: إِذَا أَكَلَتْ مَعَهُ عَادَةً، أَوْ كَسَاهَا بِلَا إِذْنٍ، وَلَمْ يَتَبَرَّعْ سَقَطَتْ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُغْنِي " إنْ نَوَى أَنْ يَعْتَدَّ بِهَا (وَإِنْ غَابَ مُدَّةً، وَلَمْ يُنْفِقْ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى) وَلَمْ تَسْقُطْ، بَلْ تَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا، أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْعِوَضِ فَرَجَعَتْ بِهِ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذِهِ نَفَقَةٌ وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَزُولُ مَا وَجَبَ بِهَذِهِ الْحُجَجِ إِلَّا بِمِثْلِهَا، وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى كَالنَّفَقَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " (وَعَنْهُ: لَا نَفَقَةَ لَهَا) اخْتَارَهُ فِي " الْإِرْشَادِ "، وَفِي " الرِّعَايَةِ "، أَوِ الزَّوْجِ بِرِضَاهَا ; لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبُ يَوْمًا فَيَوْمًا فَتَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهَا إِذَا لَمْ يَفْرِضْهَا الْحَاكِمُ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ وَصَلْةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَسَارُ مِنَ الْمُنْفِقِ وَالْإِعْسَارُ مِمَّنْ تَجِبُ لَهُ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَتَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ حَسْبَمَا وَجَبَتْ لَهَا، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَيَصِحُّ ضَمَانُهَا عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مَآلَهُ

стр. 2808

فَصْلٌ وَإِذَا بَذَلَتِ الْمَرْأَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا إِلَيْهِ، وَهِيَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا، أَوْ يَتَعَذَّرُ وَطْؤُهَا لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ رَتْقٍ، أَوْ نَحْوِهِ لَزِمَ زَوْجَهَا نَفَقَتُهَا سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيرًا، أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] إِلَى الْوُجُوبِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا) فَيَلْزَمُ بِحُكْمِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّ فَرْضَهُ حُكْمٌ، وَحُكْمُهُ لَا يُنْقَضُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " أَنَّ أَحْمَدَ أَسْقَطَهَا بِالْمَوْتِ وَعَلَّلَ فِي " الْفُصُولِ " الثَّانِيَةِ بِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، فَلَوِ اسْتَدَانَتْ وَأَنْفَقَتْ، رَجَعَتْ. نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْإِرْشَادِ ". تَتِمَّةٌ: الذِّمِّيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ النَّصِّ، وَالْمَعْنَى. [فَصْلٌ بَذْلُ الْمَرْأَةِ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا لِزَوْجِهَا] فَصْلٌ (وَإِذَا بَذَلَتِ الْمَرْأَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا إِلَيْهِ، وَهِيَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا) كَذَا أَطْلَقَهُ الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِلْخِرَقِيِّ، وَأَبَى الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيِّ وَأَنَاطَ الْقَاضِي ذَلِكَ بِابْنَةِ تِسْعٍ سنين وتبعه فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَسُئِلَ: مَتَى يُؤْخَذُ مِنَ الرَّجُلِ نَفَقَةَ الصَّغِيرَةِ؛ فَقَالَ: إِذَا كَانَ مِثْلُهَا يُوطَأُ كَبِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى هَذَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعًا فَهِيَ امْرَأَةٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ، أَوْ بَذَلَتْ لَهُ بَذْلًا يُلْزِمُهُ قَبُولُهُ فِي الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ مِنْهُ، وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ بِالْعَقْدِ مَعَ عَدَمِ مَنْعٍ كَمَنْ يَلْزَمُهُ تَسَلُّمُهَا لَوْ بَذَلَتْهُ، وَقِيلَ: وَلِصَغِيرَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، فَعَلَيْهَا لَوْ تَشَاكَتَا بَعْدَ الْعَقْدِ مُدَّةً لَزِمَهُ (أَوْ يَتَعَذَّرُ وَطْؤُهَا لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ رَتْقٍ، أَوْ نَحْوِهِ) كَكَوْنِهَا نِضْوَةَ الْخَلْقِ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا (لَزِمَ زَوْجَهَا نَفَقَتُهَا) لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ حَدَثَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَسْقُطْ ; لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ مُمْكِنٌ، وَلَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهَا، فَلَوْ بَذَلَتِ الصَّحِيحَةُ الِاسْتِمْتَاعَ بِمَا دُونَ الْوَطْءِ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا، فَلَوْ ادَّعَتْ أَنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي وَطْئِهِ لِضِيقِ فَرْجِهَا، أَوْ قُرُوحٍ بِهِ، أُرِيَتِ امْرَأَةً ثِقَةً وَيُعْمَلُ بِقَوْلِهَا، وَإِنَّ ادَّعَتْ عَبَالَةَ ذَكَرِهِ وَعِظَمَهُ جَازَ أَنْ تَنْظُرَ الْمَرْأَةُ إِلَيْهِمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَيَجُوزُ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ لِلْحَاجَةِ،

стр. 2809

صَغِيرًا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ كَالْعِنِّينِ وَالْمَرِيضِ، وَالْمَجْبُوبِ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا وَلَا تُسَلِّمُهَا، وَلَا تَسْلِيمُهَا إِذَا طَلَبَهَا، فَإِنْ بَذَلَتْهُ، وَالزَّوْجُ غَائِبٌ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا حَتَّى يُرَاسِلَهُ الْحَاكِمُ وَيَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالشَّهَادَةِ (سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيرًا) إِجْمَاعًا (أَوْ صَغِيرًا) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ; لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ كَمَا لَوْ كَانَ كَبِيرًا فَهَرَبَ، وَيُجْبَرُ الْوَلِيُّ عَلَى نَفَقَتِهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ ; لِأَنَّهَا عَلَيْهِ، وَالْوَلِيُّ يَنُوبُ عَنْهُ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ كَالزَّكَاةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ صِغَرِهِ ; لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَلَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَجَوَابُهُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ لَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا تَسْلِيمًا صَحِيحًا، وَلَمْ تَبْذُلْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ كَالْمَرِضِ، وَالْمَجْبُوبِ ; لِأَنَّ التَّمْكِينَ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهَا، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ مِنْ جِهَتِهِ فَوَجَبَتِ النَّفَقَةُ (يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ كَالْعِنِّينِ، وَالْمَرِيضِ وَالْمَجْبُوبِ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ التَّمْكِينُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ لِأَمْرٍ مِنْ جِهَتِهَا، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": لَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مَنْ لَا يَطَأُ مِثْلُهُ بِمَنْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فِي الْأَصَحِّ لِعَدَمِ الْمُوجِبِ (وَلَا) يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ (تَسَلُّمُهَا، وَلَا تَسْلِيمُهَا) إِلَيْهِ (إِذَا طَلَبَهَا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْهَا، وَلِأَنَّ وُجُوبَ التَّسْلِيمِ إِنَّمَا كَانَ لِضَرُورَةِ تَمْكِينِهِ مِنْ تَسْلِيمِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالزَّوْجِيَّةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي يُمْكِنُ وَطْؤُهَا إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا كَالْكَبِيرَةِ، وَإِنْ غَابَ الزَّوْجُ فَبَذَلَ وَلِيُّهَا تَسْلِيمَهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَذَلَتِ الْمُكَلَّفَةُ التَّسْلِيمَ ; لِأَنَّ وَلَيَّهَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَإِنْ بَذَلَتْ هِيَ دَون وَلِيِّهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ; لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (فَإِنْ بَذَلَتْهُ، وَالزَّوْجُ غَائِبٌ لَمْ يُفْرَضْ لَهَا) لِأَنَّهَا بَذَلَتْ فِي حَالٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّسْلِيمُ فِيهِ (حَتَّى يُرَاسِلَهُ الْحَاكِمُ) أَيْ: يَكْتُبَ الْحَاكِمُ إِلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِيَسْتَدْعِيَهُ وَيُعْلِمَهُ بِذَلِكَ (وَيَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقْدَمَ فِي مِثْلِهِ) لِأَنَّ الْبَذْلَ قَبْلَ ذَلِكَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَإِذَا سَارَ إِلَيْهَا، أَوْ وُكِلَ فِي تَسْلِيمِهَا وَجَبَتِ النَّفَقَةُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا وَتَسَلُّمُهَا فِيهِ،

стр. 2810

يَقْدَمَ فِي مِثْلِهِ، وَإِنْ مَنَعَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا، أَوْ مَنَعَهَا أَهْلُهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا إِلَّا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَ فَلَهَا ذَلِكَ وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. بِخِلَافِ الْآجِلِ، وَإِنْ سَلَّمَتِ الْأَمَةُ نَفْسَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ــ [المبدع في شرح المقنع] ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا، لِإِمْكَانِ ذَلِكَ وَبَذْلِهَا لَهُ، فَلَزِمَهُ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا (وَإِنْ مَنَعَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا، أَوْ مَنَعَهَا أَهْلُهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّ الْبَذْلَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَفِي " الْفُرُوعِ " إِذَا بَذَلَتِ التَّسْلِيمَ فَحَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَوْلِيَاؤُهَا فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَهَا النَّفَقَةُ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " لَا، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَكَذَا إِذَا بَذَلَتْ تَسْلِيمًا غَيْرَ تَامٍّ كَتَسْلِيمِهَا فِي مَنْزِلٍ، أَوْ فِي بَلَدٍ دُونَ آخَرَ مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ (إِلَّا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ فَلَهَا ذَلِكَ) لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا قَبْلَ تَسْلِيمِ صَدَاقِهَا يُفْضِي إِلَى تَسْلِيمِ مَنْفَعَتِهَا الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِالْوَطْءِ، ثُمَّ لَا تُسَلَّمُ صَدَاقَهَا، فَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيمَا اسْتَوْفَى مِنْهَا، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إِذَا تَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَعْسَرَ بِثَمَنِهِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ (وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا) لِأَنَّهَا فَعَلَتْ مَا لَهَا أَنْ تَفْعَلَهُ، فَلَوْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا لِمَرَضٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَهَا لِقَبْضِ صَدَاقِهَا امْتِنَاعٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، فَهُوَ يُشْبِهُ تَعَذُّرَ الِاسْتِمْتَاعِ كَصِغَرِ الزَّوْجِ، بِخِلَافِ الِامْتِنَاعِ لِمَرَضِهَا ; لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنْ جِهَتِهَا، فَهُوَ يُشْبِهُ تَعَذُّرَ الِاسْتِمْتَاعِ لِصِغَرِهَا (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَهَا النَّفَقَةُ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ، ثُمَّ أَرَادَ مَنْعَهُ مِنْهُ (بِخِلَافِ الْآجِلِ) أَيْ: إِذَا مَنَعَتْ نَفْسَهَا لِقَبْضِ صَدَاقِهَا الْآجِلِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَقْبِضَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ قَبْضَهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، فَيَكُونُ مَنْعُهَا مَنْعًا لِلتَّسْلِيمِ الْمُوجِبِ لِلنَّفَقَةِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الدُّخُولِ وَعَدِمِهِ (وَإِنْ سَلَّمَتِ الْأَمَةُ نَفْسَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا فَهِيَ كَالْحُرَّةِ) فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْحُرِّ، وَلَوْ أَبَى لِلنَّصِّ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ مُمَكَّنَةٌ مِنْ نَفْسِهَا فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا

стр. 2811

فَهِيَ كَالْحُرَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ تَأْوِي إِلَيْهِ لَيْلًا وَعِنْدَ السَّيِّدِ نَهَارًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ. وَإِذَا نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ تَطَوَّعَتْ بِصَوْمٍ، ــ [المبدع في شرح المقنع] كَالْحُرَّةِ، فَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لِزَوْجَتِهِ إِجْمَاعًا إِذَا بَوَّأَهَا بَيْتًا، وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ ; لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي النِّكَاحِ الْمُفْضِي إِلَى إِيجَابِهَا، وَعَنْهُ: فِي كَسْبِ الْعَبْدِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إِيجَابُهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا رَقَبَتِهِ، وَلَا ذِمَّةِ السَّيِّدِ، وَلَا إِسْقَاطِهَا فَتَعَلَّقَتْ بِكَسْبِهِ، فَإِنَّ عَدِمَ، أَوْ تَعَذَّرَ، فَعَلَى سَيِّدِهِ، وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": تَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ كَالْجِنَايَةِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ دَيْنٌ أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ فَلَزِمَهُ كَاسْتِدَانَةِ وَكِيَلِهِ، وَالنَّفَقَةُ تَجِبُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ كَالرَّتْقَاءِ، وَنَحْوِهَا، وَلَيْسَ هُوَ بِجِنَايَةٍ، وَلَا قَائِمٍ مَقَامَهَا (فَإِنْ كَانَتْ تَأْوِي إِلَيْهِ لَيْلًا وَعِنْدَ السَّيِّدِ نَهَارًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ مَقَامِهَا عِنْدَهُ) أَيْ: يَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَتُهَا لَيْلًا مِنَ الْعَشَاءِ وَتَوَابِعِهِ مِنْ غِطَاءٍ وَوَطَاءٍ وِدِهْنٍ لِلْمِصْبَاحِ، وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي حَقِّهِ التَّمْكِينُ لَيْلًا فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ، وَعَلَى السَّيِّدِ نَفَقَتُهَا نَهَارًا بِحُكْمٍ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى غَيْرِهِ فِي هَذَا الزَّمَنِ، وَقِيلَ: كُلُّ النَّفَقَةِ إِذَنْ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ قَطْعًا لِلتَّنَازُعِ، وَلَوْ سَلَّمَهَا نَهَارًا فَقَطْ لَمْ يَجُزْ. تَذْنِيبٌ: الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، وَبَاقِيهَا عَلَى سَيِّدِهِ، أَوْ فِي ضَرِيبَتِهِ، أَوْ رَقَبَتِهِ، وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْحُرِّيَّةِ يُعْتَبَرُ فِيهِ حَالُهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا فَنَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ، وَالْبَاقِي تَجِبُ فِيهِ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ. ١ - (وَإِذَا نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَلَوْ بِنِكَاحٍ فِي عِدَّةٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ إِلَّا الْحَكَمَ وَلَعَلَّهُ قَاسَهُ عَلَى الْمَهْرِ، وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَجَبَتْ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ، وَالْمَهْرُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ بِدَلِيلِ الْمَوْتِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": مَنْ مَكَّنَتْهُ مِنَ الْوَطْءِ، لَا مِنْ بَقِيَّةِ الِاسْتِمْتَاعِ فَسُقُوطُ النَّفَقَةِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، فَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ دَفَعَ نَفَقَتَهُ إِلَيْهَا إِذَا كَانَتْ هِيَ الْحَاضِنَةَ وَالْمُرْضِعَةَ وَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ أُجْرَةِ رَضَاعِهَا وَيَشْطُرُ لِنَاشِزٍ لَيْلًا فَقَطْ، أَوْ نَهَارًا فَقَطْ، لَا بِقَدْرِ الْأَزْمِنَةِ وَيَشْطُرُ لَهَا بَعْضَ يَوْمٍ، فَإِنْ

стр. 2812

أَوْ حَجٍّ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مَنْذُورٍ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ بَعَثَهَا فِي حَاجَةٍ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ فِي وَقْتِهِ، فَعَلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] أَطَاعَتْ فِي حُضُورِهِ، أَوْ غَيْبَتِهِ فَعَلِمَ وَمَضَى زَمَنٌ يَقْدَمُ فِي مِثْلِهِ عَادَتْ، وَفِي " الشَّرْحِ ": لَا تَعُودُ إِلَّا بِحُضُورِهِ، أَوْ وَكِيلِهِ، أَوْ حُكْمِ حَاكِمٍ بِالْوُجُوبِ وَمُجَرَّدِ إِسْلَامِ مُرْتَدَّةٍ، أَوْ مُتَخَلِّفَةٍ عَنِ الْإِسْلَامِ فِي غَيْبَتِهِ تَلْزَمُهُ، فَإِنْ صَامَتْ لِكَفَّارَةٍ، أَوْ نَذْرٍ، أَوْ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَوَقْتُهُ مُتَّسِعٌ فِيهِمَا بِلَا إِذْنِهِ، أَوْ حَبَسَتْ، وَلَوْ ظُلْمًا فِي الْأَصَحِّ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) سَقَطَتْ ; لِأَنَّهَا نَاشِزٌ، وَكَذَا إِنِ انْتَقَلَتْ مِنْ مَنْزِلِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ (أَوْ تَطَوَّعَتْ بِصَوْمٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مَنْذُورٍ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسَافِرَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ لِلزَّوْجِ، فَإِنْ أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهَا النَّفَقَةُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالْمُسَافِرَةِ ; لِأَنَّهَا بِإِحْرَامِهَا مَانِعَةٌ لَهُ مِنَ التَّمْكِينِ (وَإِنْ بَعَثَهَا فِي حَاجَةٍ) فَهِيَ عَلَى نَفَقَتِهَا ; لِأَنَّهَا سَافَرَتْ فِي شُغْلِهِ وَمُرَادِهِ (أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ) أَوِ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِفَرِيضَةٍ، أَوْ مَكْتُوبَةٍ فِي وَقْتِهَا (فَلَهَا النَّفَقَةُ) لِأَنَّهَا فَعَلَتِ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَكَانَ كَصِيَامِ رَمَضَانَ، فَإِنْ قَدَّمَتِ الْإِحْرَامَ عَلَى الْمِيقَاتِ، أَوْ قَبْلَ الْوَقْتِ خَرَجَ فِيهَا مِنَ الْقَوْلِ مَا فِي الْمُحْرِمَةِ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ. فَرْعٌ: إِذَا اعْتُقِلَتْ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَسَفَرِهَا، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِخُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا فِيمَا لَيْسَ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَوَجْهَانِ. (وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ فِي وَقْتِهِ) أَوْ صَامَتْ نَذْرًا مُعِينًا فِي وَقْتِهِ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَهَا النَّفَقَةُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا، وَلِأَنَّ النَّذْرَ الْمُعَني، وَقْتُهُ مُتَيَقَّنٌ، أَشْبَهَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَالثَّانِي: تَسْقُطُ ; لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَى زَوْجِهَا حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِاخْتِيَارِهَا، وَلِأَنَّ النَّذْرَ صَدَرَ مِنْ جِهَتِهَا، بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَقِيلَ: إِنْ نَذَرَتْ بِإِذْنِهِ، أَوْ قَبْلَ النِّكَاحِ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ كَانَ فِي نِكَاحِهِ

стр. 2813

وَجْهَيْنِ، وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نُشُوزِهَا، أَوْ تَسْلِيمِ النَّفَقَةِ إِلَيْهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي بَذْلِ التَّسْلِيمِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. فَصْلٌ وَإِنْ أُعْسِرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا، أَوْ بِبَعْضِهَا، أَوْ بِالْكِسْوَةِ خُيِّرَتْ بَيْنَ فَسْخِ النِّكَاحِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] بِلَا إِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ; لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِاخْتِيَارِهَا، وَنَقَلَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ تَصُومُ النَّذْرَ بِلَا إِذْنٍ، وَفِي " الْوَاضِحِ " فِي حَجِّ نَفْلٍ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهَا وَتَحْلِيلَهَا لَمْ تَسْقُطْ، وَإِنَّ فِي صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ مَنْذُورٍ فِي الذِّمَّةِ وَجْهَيْنِ، وَفِي بَقَائِهَا فِي نُزْهَةٍ، أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ زِيَارَةِ أَهْلِهَا احْتِمَالٌ (وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) لِأَنَّهَا فَوَّتَتِ التَّمْكِينَ لِأَجْلِ نَفْسِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوِ اسْتَنْظَرَتْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مُدَّةً فَأَنْظَرَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنِ اسْتِمْتَاعِهَا، فَلَا تَسْقُطُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَهَا النَّفَقَةَ) لِأَنَّ السَّفَرَ بِإِذْنِهِ فَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَتَبَقَى النَّفَقَةُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ كَالثَّمَنِ، وَحَكَي فِي " الْمُغْنِي " عَنِ الْقَاضِي أَنَّ الزَّوْجَ إِنْ كَانَ مَعَهَا فَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً فَلَا ; لِأَنَّهَا فَوَّتَتِ التَّمْكِينَ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا هُنَا بِحَالٍ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نُشُوزِهَا، أَوْ تَسْلِيمِ النَّفَقَةِ) وَالْكِسْوَةِ (إِلَيْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي النُّشُوزِ، فَإِنْ وَجَبَ بِالتَّمْكِينِ صَدَقَ، وَعَلَيْهَا إِثْبَاتُهُ، وَإِنْ وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ صَدَقَتْ وَعَلَيْهِ إِثْبَاتُ الْمَنْعِ، وَلَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ التَّمْكِينِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " يُقْبَلُ قَوْلُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقَوْلُهَا بَعْدَهُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الْعُرْفُ ; لِأَنَّهُ يُعَارِضُ الْأَصْلَ، وَالظَّاهِرُ وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَكُونُ رَاضِيَةً، وَإِنَّمَا تُطَالِبُهُ عِنْدَ الشِّقَاقِ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ شَيْءٍ فَادَّعَتْ أَنَّ غَيْرَهُ عَلَّمَهَا، وَأَوْلَى لِأَنَّ هُنَا تَعَارُضَ أَصْلَانِ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي بَذْلِ التَّسْلِيمِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّسْلِيمِ، وَكَذَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِهِ، فَقَالَتْ: كَانَ مِنْ شَهْرٍ، قَالَ: بَلْ مِنْ يَوْمٍ. [فَصْلٌ: إِعْسَارُ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ أَوِ الْكِسْوَةِ] فَصْلٌ (وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا، أَوْ بِبَعْضِهَا، أَوْ بِالْكُسْوَةِ) أَوْ بِبَعْضِهَا (خُيِّرَتْ بَيْنَ فَسْخِ

стр. 2814

وَالْمُقَامِ. وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا اخْتَارَتِ الْمُقَامَ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ فَلَهَا ــ [المبدع في شرح المقنع] النِّكَاحِ، وَالْمُقَامِ) عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَلَيْسَ الْإِمْسَاكُ مَعَ تَرْكِ الْإِنْفَاقِ إِمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ فَتَعَيَّنَ التَّسْرِيحُ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «امْرَأَتُكَ تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَارِقْنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، وَسَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنِ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ، قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، لِسَعِيدٍ: سُنَّةٌ؟ قَالَ سَعِيدٌ: سُنَّةٌ، وَلِأَنَّ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنَ الْعَجْزِ بِالْوَطْءِ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي، أَوِ الْفَوْرِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا وَجْهًا: يُؤَجَّلُ ثَلَاثًا وَلَهَا الْمُقَامُ، وَلَا تُمَكِّنُهُ، وَلَا يَحْبِسُهَا، فَلَوْ وَجَدَ نَفَقَةَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، أَوْ وَجَدَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَا يُغَدِّيهَا، وَفِي آخِرِهِ مَا يُعَشِّيهَا، أَوْ كَانَ صَانِعًا يَعْمَلُ فِي الْأُسْبُوعِ مَا يَبِيعُهُ فِي يَوْمٍ بِقَدْرِ كِفَايَتِهَا فِي الْأُسْبُوعِ كُلِّهِ، فَلَا فَسْخَ، وَكَذَا إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْكَسْبُ فِي بَعْضِ زَمَانِهِ، أَوِ الْبَيْعُ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِرَاضُ إِلَى زَوَالِ الْمَانِعِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أَيَّامًا يَسِيرَةً، أَوْ مَرِضَ مَرَضًا يُرْجَى زَوَالُهُ فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، فَلَا فَسْخَ وَإِنْ كَثُرَ فَلَهَا الْفَسْخُ (وَتَكُونُ النَّفَقَةُ) أَيْ: نَفَقَةُ فَقِيرٍ وَكِسْوَتُهُ وَمَسْكَنٌ (دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ) مَا لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ حَقِّهَا، فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ مَهْرِهَا ويجبر قَادِر عَلَى التَّكَسُّبِ عَلَى الْأَصَحِّ (فَإِذَا اخْتَارَتِ الْمُقَامَ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ فَلَهَا ذَلِكَ) عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ كُلَّ يَوْمٍ فَيَتَجَدَّدُ لَهَا الْفَسْخُ، وَلَا يَصِحُّ إِسْقَاطُهَا حَقَّهَا فِيمَا لَمْ يَجِبْ لَهَا كَإِسْقَاطِ شُفْعَتِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِعُسْرَتِهِ، أَوْ شَرَطَ أَلَّا يُنْفِقَ، ثُمَّ عَنَّ لَهَا الْفَسْخُ مَلَّكَتْهُ، فَلَوْ أَسْقَطَتِ النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَسْقُطْ، وَقَالَ

стр. 2815

ذَلِكَ. وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، أَوْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ، أَوِ الْمُتَوَسِّطِ، أَوِ الْأُدْمِ، أَوْ نَفَقَةِ الْخَادِمِ، فَلَا فَسْخَ لَهَا وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَسْقُطُ، وَإِنْ أَعْسَرَ بِالسُّكْنَى، أَوِ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ ; لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِعَيْبِهِ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهَا التَّمْكِينُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْهَا عِوَضَهُ كَالْمُشْتَرِي إِذَا أَعْسَرَ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ وَعَلَيْهِ تَخْلِيَتُهَا لِتَكْتَسِبَ وَتُحَصِّلَ مَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَمْلِكُ حَبْسَهَا إِذَا كَفَاهَا الْمَؤُونَةَ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ) وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ ; لِأَنَّهُ إِعْسَارٌ عَنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ، فَلَمْ تَمْلِكِ الْفَسْخَ كَمَا لَوْ أَعْسَرَ عَنْ دَيْنٍ لَهَا عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَمْلِكُ فِرَاقَهُ وَيَرْفَعُ يَدَهُ عَنْهَا لِتَكْتَسِبَ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا عَلَيْهِ (وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَإِنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ) فَلَا فَسْخَ ; لِأَنَّ الْبَدَنَ قَدْ قَامَ بِدُونِهَا، وَالنَّفَقَةُ الْمَاضِيَةُ دَيْنٌ (أَوْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ، أَوِ الْمُتَوَسِّطِ، أَوِ الْأُدْمِ) فِي الْأَصَحِّ فِيهِ (أَوْ نَفَقَةِ الْخَادِمِ، فَلَا فَسْخَ لَهَا) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَسْقُطُ بِاعْتِبَارِهِ وَيُمْكِنُ الصَّبْرُ عَنْهَا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " احْتِمَالٌ فِي الْكُلِّ مَعَ ضَرَرِهَا (وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ) لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ فَتَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لِلْمَرْأَةِ قُوتًا، وَهَذَا فِيمَا عَدَا الزَّائِدَ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ (وَقَالَ الْقَاضِي: تَسْقُطُ) أَيْ: زِيَادَةُ يَسَارٍ وَتَوَسُّطٍ ; لِأَنَّهُ مِنَ الزَّوَائِدِ، فَلَمْ تَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ كَالزَّائِدِ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: غَيْرُ الْأُدْمِ. تَتِمَّةٌ: إِذَا اعْتَادَتِ الطِّيبَ، وَالنَّاعِمَ فَعَجَزَ عَنْهَا فَلَهَا الْفَسْخُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: فَبِالْأُدْمِ أَوْلَى. (وَإِنْ أَعْسَرَ بِالسُّكْنَى) أَيْ: بِأُجْرَتِهِ (أَوِ الْمَهْرِ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّدَاقِ (فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا فَسْخَ، وَقَالَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ الْبَيْتِيَّةَ تَقُومُ بِدُونِهِ، وَالثَّانِي: لَهَا الْفَسْخُ، وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ أَشْهَرُ ; لِأَنَّ الْمَسْكَنَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالنَّفَقَةِ

стр. 2816

الْمَهْرِ، فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ أَعْسَرَ زَوْجُ الْأَمَةِ فَرَضِيَتْ، أَوْ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ، أَوِ الْمَجْنُونَةِ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِنَّ الْفَسْخُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ. فَصْلٌ وَإِنْ مَنَعَهَا النَّفَقَةَ، أَوْ بَعْضَهَا مَعَ الْيَسَارِ، وَقَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ أَخَذَتْ مِنْهُ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ بِلَا إِذْنِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ حِينَ قَالَتْ لَهُ: «إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَإِنْ أَعْسَرَ زَوْجُ الْأَمَةِ فَرَضِيَتْ) بِهِ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهَا الْفَسْخُ نَقُولُ: نَفَقَةُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ حَقٌّ لَهَا وَلِسَيِّدِهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلَبُهَا، وَلَا يَمْلِكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِسْقَاطَهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِضْرَارِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِهَا فَلَهَا الْفَسْخُ كَالْحُرَّةِ، وَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ، فَقَالَ الْقَاضِي: لِسَيِّدِهَا الْفَسْخُ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي عَدَمِهَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِفَوَاتِهَا مِنْ فَوَاتِ مُلْكِهِ وَتَلَفِهِ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ رَجَعَ عَلَى الزَّوْجِ رَضِيَتْ، أَوْ كَرِهَتْ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لَيْسَ لِسَيِّدِهَا الْفَسْخُ إِذَا كَانَتْ رَاضِيَةً ; لِأَنَّهَا حَقُّ لَهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهَا الْفَسْخَ كَالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ (أَوْ) أَعْسَرَ (زَوْجُ الصَّغِيرَةِ، أَوِ الْمَجْنُونَةِ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِنَّ الْفَسْخُ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِنِكَاحِهَا، فَلَمْ يَمْلِكْهُ الْوَلِيُّ كَالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ (وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِفَوَاتِ الْعِوَضِ فَمَلَكَهُ كَفَسْخِ الْبَيْعِ لِتَعَذُّرِ الثَّمَنِ. [فَصْلٌ: مَنْعُ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ عَنِ الزَّوْجَةِ] فَصْلٌ (وَإِنْ مَنَعَهَا النَّفَقَةَ، أَوْ بَعْضَهَا) أَوِ الْكِسْوَةَ، أَوْ بَعْضَهَا (مَعَ الْيَسَارِ، وَقَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ أَخَذَتْ مِنْهُ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا) الصَّغِيرَ (بِالْمَعْرُوفِ بِلَا إِذْنِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ حِينَ قَالَتْ لَهُ: «إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعْطِيهَا بَعْضَ الْكِفَايَةِ، وَلَا يُتِمُّهَا لَهَا، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَخْذِ تَمَامِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا غِنَى عَنْهَا، وَلَا

стр. 2817

رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ وَحَبَسَهُ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ دَفَعَ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ. فَإِنْ غَيَّبَهُ وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ فَلَهَا الْفَسْخُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهَا ــ [المبدع في شرح المقنع] قِوَامَ إِلَّا بِهَا، وَلِأَنَّهَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَتَشُقُّ الْمُرَافَعَةُ إِلَى الْحَاكِمِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِهَا فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهَا تَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا عِنْدَ جَمْعِ مَا لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عِنْدَ أَحَدٍ بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " الْقِيَاسُ مَنْعُهَا تَرَكْنَاهُ لِلْخَبَرِ، وَفِي وَلَدِهَا وَجْهٌ فِي " التَّرْغِيبِ "، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ ﵇ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنَ الْأَخْذِ مُطْلَقًا، وَجَوَابُهُ: حَدِيثُ هِنْدٍ ; لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالنَّفَقَةِ فَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ. فَرْعٌ: لَا تَقْتَرِضُ عَلَى الْأَبِّ، وَلَا تُنْفِقُ عَلَى الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ (فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ) أَيْ: عَلَى الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ رَافَعَتْهُ إِلَى الْحَاكِمِ فَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ (أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ) أَيْ: عَلَى الْإِنْفَاقِ (وَ) إِنْ أَبَى (حَبَسَهُ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ وُضِعَ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ، وَالْحَبْسُ طَرِيقٌ إِلَى الْفَصْلِ فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ دَفَعَ) الْحَاكِمُ (النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ) لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مَنْ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ أَدَائِهِ وَجَبَ الدَّفْعُ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْ مَالِ خَصْمِهِ كَالدَّيْنِ، بَلْ أَوْلَى ; لِأَنَّهَا آكَدُ مِنَ الدَّيْنِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الْأَخْذِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا عَرُوضًا، أَوْ عَقَارًا بَاعَهُ وَدَفَعَ إِلَيْهَا مِنْ ثَمَنِهِ كَالنَّقْدَيْنِ وَيَدْفَعُهَا مِنْهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ. تَنْبِيهٌ: حُكْمُ وَكِيلِهِ حُكْمُهُ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَالْأَخْذِ مِنَ الْمَالِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، فَإِنِ ادَّعَتْ يَسَارَهُ فَأَنْكَرَ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ قُبِلَ قَوْلُهَا، وَإِلَّا قَوْلُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي فَرْضِ الْحَاكِمِ لَهَا، أَوْ فِي وَقْتِهَا، فَقَالَ: فَرَضَهَا مُنْذُ شَهْرٍ، فَقَالَتْ: بَلْ مُنْذُ عَامٍ قُبِلَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ (فَإِنْ غَيَّبَهُ وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ فَلَهَا الْفَسْخُ) إِذَا غَيَّبَ الزَّوْجُ مَالَهُ وَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْ جِهَتِهِ وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ فَلَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ كَانَ مُعْسِرًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ،

стр. 2818

ذَلِكَ، وَإِنْ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى مَالٍ لَهُ، وَلَا الِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمُهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " لِحَدِيثِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَتَبَ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا، أَوْ يُطَلِّقُوا. وَهَذَا إِجْبَارٌ عَلَى الطَّلَاقِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنَ الْإِنْفَاقِ ; لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ مُتَعَذِّرٌ، فَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ كَحَالِ الْإِعْسَارِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ، فَإِنَّهُ إِذَا جَازَ الْفَسْخُ عَلَى الْمَعْذُورِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى (وَقَالَ الْقَاضِي) وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " (لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ) أَيْ: لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ لِعَيْبِ الْمُعْسِرِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا، وَلِأَنَّ الْمُوسِرَ فِي مَظِنَّةِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ، وَلِأَنَّ الْحَاضِرَ قَدْ يُنْفِقُ لِطُولِ الْحَبْسِ. (وَإِنْ غَابَ) مُوسِرٌ (وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى مَالٍ لَهُ، وَلَا الِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ فَلَهَا الْفَسْخُ) لِأَنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى نَفَقَتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ إِعْسَارُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً، أَوْ قَدَرَتْ عَلَى مَالٍ لَهُ، أَوْ عَلَى الِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ - أَنَّهُ لَا فَسْخَ لَهَا ; لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا مِنْ جِهَتِهِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ (إِلَّا عِنْدَ الْقَاضِي فِيمَا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ) لِأَنَّ الْفَسْخَ ثَبَتَ لِعَيْبِ الْإِعْسَارِ، وَلَمْ يَثْبُتِ الْإِعْسَارُ هُنَا وَهَذِهِ مِثْلُ الْأُولَى فِي الْفَسْخِ، بَلْ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْحَاضِرَ رُبَّمَا إِذَا طَالَ عَلَيْهِ الْحَبْسُ أَنْفَقَ، وَهَذَا قَدْ تَكُونُ غَيْبَتُهُ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، فَيَكُونُ الضَّرَرُ فِيهِ أَكْثَرَ، وَعُلِمَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُهُ أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ مُطْلَقًا. تَذْنِيبٌ: إِذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهَا دَيْنٌ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ لَهَا مِنَ النَّفَقَةِ فَأَرَادَ أَنْ يَحْتَسِبَ عَلَيْهَا، وَهِيَ مُوسِرَةٌ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً فَلَا ; لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ فِي الْفَاضِلِ عَنِ الْكِفَايَةِ، وَلَا فَضْلَ لَهَا، فَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ إِنْفَاقِهِ حُسِبَ عَلَيْهَا، أَنْفَقَتْهُ بِنَفْسِهَا، أَوْ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: إِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ صِحَّةُ النِّكَاحِ وَمَبْلَغُ الْمَهْرِ، فَإِنْ عُلِمَ مَكَانُهُ، كَتَبَ: إِنْ

стр. 2819

فَلَهَا الْفَسْخُ إِلَّا عِنْدَ الْقَاضِي فِيمَا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ. وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ. بَابُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ تَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَلَهُ مَا ــ [المبدع في شرح المقنع] سَلَّمْتَ إِلَيْهَا حَقَّهَا، وَإِلَّا بُعِثَ عَلَيْكَ بِقَدْرِهِ، فَإِنْ أَبَى، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ بِمَكَانِهِ بَاعَ بِقَدْرِ نَصِفِهِ لِجَوَازِ طَلَاقِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ (وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَافْتَقَرَ إِلَى الْحَاكِمِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ، وَلَا يُفْسَخُ إِلَّا بِطَلَبِهَا ; لِأَنَّهُ لَحِقَهَا، أَوْ تَفْسَخُ هِيَ بِأَمْرِهِ، فَإِذَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ فَسْخٌ، لَا رَجْعَةَ لَهُ فِيهِ، فَإِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُهُ فَسَخَ بِطَلَبِهَا، أَوْ فَسَخَتْ بِأَمْرِهِ، وَلَا يُنَفَّذُ بِدُونِهِ، وَقِيلَ: ظَاهِرًا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " يُنَفَّذُ مَعَ تَعَذُّرِهِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": مُطْلَقًا، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ طَلَاقٌ لِأَمْرِهِ بِطَلَبِهَا بِطَلَاقٍ، أَوْ نَفَقَةٍ، فَإِنْ أَبَى طَلَّقَ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، فَإِنْ رَاجَعَ، فَقِيلَ: لَا تَصِحُّ مَعَ عُسْرَتِهِ، وَقِيلَ: بَلِيَ فَيُطَلِّقُ ثَانِيَةً، ثُمَّ ثَالِثَةً، وَقِيلَ: إِنْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أُجِيبَ، فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ فَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: إِلَى آخَرِ الْيَوْمِ الْمُتَخَلِّفَةِ نَفَقَتُهُ، وَفِي " الْمُغْنِي " يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ فَسْخٌ، فَإِنْ أَجْبَرَهُ عَلَى الطَّلَاقِ فَطَلَّقَ فَرَاجَعَ، وَلَمْ يُنْفِقْ فَلِلْحَاكِمِ الْفَسْخُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ الْحَاكِمَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ، وَالْفَسْخَ، وَإِنْ أَيْسَرَ فِي الْعِدَّةِ فَلَهُ ارْتِجَاعُهَا ; لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ لِامْتِنَاعِهِ مِنَ الْوَاجِبِ، أَشْبَهَ تَفْرِيقَهُ بَيْنَ الْمُؤْلِي وَامْرَأَتِهِ. [بَابُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ] ِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ مَعَ الْيَسَارِ فَقَطْ (تَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَمِنَ الْإِحْسَانِ الْإِنْفَاقُ

стр. 2820

يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ. وَكَذَلِكَ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ سَائِرِ آبَائِهِ، وَإِنَّ عَلَوْا وَأَوْلَادِهِ، وَإِنْ سَفَلُوا وَتَلْزَمُهُ نَفَقَةُ كُلِّ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ، أَوْ تَعْصِيبٍ مِمَّنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَمِنَ الْمَعْرُوفِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهَا وَلِقَوْلِهِ ﵇ «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا، وَلَا مَالَ - وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَكَذَا عَلَى بَعْضِهِ وَأَصْلِهِ (وَوَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ) . الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ " تَجِبُ "، أَوْ بَعْضِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] (إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ) أَيْ: لَا مَالَ لَهُمْ، وَلا كَسْبَ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى كَالنَّفَقَةِ. وَشَرْطُهُ الْحُرِّيَّةُ فَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا، فَلَا نَفَقَةَ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَجَزَمَ فِي الْخِرَقِيِّ، وَ " الْمُغْنِي " أَنَّ الْوَلَدَ الرَّقِيقَ، لَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَى أَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ حُرًّا (وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ فَاضِلًا، عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ) وَرَقِيقِهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ مِنْ كَسْبِهِ وَأُجْرَةِ مِلْكِهِ لِقَوْلِهِ ﵇ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْمُحْتَاجِ كَالزَّكَاةِ (وَكَذَلِكَ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ سَائِرِ آبَائِهِ، وَإِنْ عَلَوْا وَأَوْلَادِهِ، وَإِنْ سَفَلُوا) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِدُخُولِهِمْ فِي اسْمِ الْآبَاءِ، وَالْأَوْلَادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَيَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ، وَقَالَ: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] وَقَالَ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] ، وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً فَوَجَبَ الْعِتْقُ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ، أَشْبَهَ الْوَلَدَ، وَالْوَالِدَيْنِ الْقَرِيبَيْنِ (وَتَلْزَمُهُ نَفَقَةُ كُلِّ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ، أَوْ تَعْصِيبٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ لِمُوَروثِهِ بِشَرْطِ إِرْثِ الْمُنْفِقِ وَغِنَاهُ وَفَقْرِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ (سَوَاءٌ وِرْثَهُ الْآخَرُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِّ، ثُمَّ عَطَفَ الْوَارِثُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْوُجُوبِ (أَوْ لَا) يَرِثُهُ (كَعَمَّتِهِ

стр. 2821

سِوَاهُمْ سَوَاءٌ وِرْثَهُ الْآخَرُ، أَوْ لَا كَعَمَّتِهِ وَعَتِيقِهِ، وَحُكِيَ عَنْهُ إِنْ لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ. فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَعَتِيقِهِ) أَيْ: كَابْنِ الْأَخِ مَعَ عَمَّتِهِ، وَالْمُعْتِقِ مَعَ عَتِيقِهِ لِلْآيَةِ (وَحُكِيَ عَنْهُ إِنْ لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ) لِأَنَّ الْوَارِثَ أَحَدُ الْقَرَابَتَيْنِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ كَالْآخَرِ، وَعَنْهُ: تَخْتَصُّ الْعَصَبَةُ مُطْلَقًا، نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَرِثَهُمْ بِفَرْضٍ، أَوْ تَعْصِيبٍ فِي الْحَالِ لِقَضَاءِ عُمَرَ عَلَى بَنِي عَمِّ مَنْفُوسٍ بِنَفَقَتِهِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَكَالْعَقْلِ، فَلَا يَلْزَمُ بَعِيدًا مُوسِرًا يَحْجُبُهُ قَرِيبٌ مُعْسِرٌ، وَعَنْهُ: بَلَى إِنْ وَرِثَهُ وَحْدَهُ لَزِمَتْهُ مَعَ يَسَارِهِ وَمَعَ فَقْرِهِ تَلْزَمُ بَعِيدًا مُوسِرًا، فَلَا تَلْزَمُ جَدًّا مُوسِرًا مَعَ أَبٍ فَقِيرٍ، وَأَخَا مُوسِرًا مَعَ ابْنٍ فَقِيرٍ عَلَى الْأُولَى، وَتَلْزَمُ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَإِنِ اعْتُبِرَ إِرْثٌ فِي غَيْرِ عَمُودَيِ نَسَبِهِ لَزِمَتِ الْجَدَّ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ وَأَطْلَقَ فِي " التَّرْغِيبِ " ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ تَوَارُثُهُمَا اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَنْ أَبِرُّ؛ قَالَ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَاكَ، حَقٌّ وَاجِبٌ وَرَحِمٌ مَوْصُولَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَرِيبِهِ ; لِأَنَّهُ يَرِثُهُ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ. ١ - (فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ) وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ بِفَرْضٍ، وَلَا تَعْصِيبٍ (فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ الْقَاضِي) لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمْ، وَلِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ ضَعِيفَةٌ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ مَالَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ فَهُمْ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الْمَالَ يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ بِدَلِيلِ تَقْدِيمِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَخْرُجُ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: مَا سَبَقَ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَالثَّانِيَةُ: تَجِبُ لِكُلِّ وَارِثٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ; لِأَنَّهُ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَهُوَ عَامٌّ لِعُمُومِ الْمِيرَاثِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، بَلْ أَوْلَى، قَالَ: وَعَلَى هَذَا مَا وَرَدَ مِنْ حَمْلِ الْخَالِ لِلْعَقْلِ فِي قَوْلِهِ «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» ، وَقَوْلُهُ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» ،

стр. 2822

أَبُو الْخَطَّابِ: يَخْرُجُ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيرِ وَارِثٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ أُمٌّ وَجَدٌّ، فَعَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ. وَإِنْ كَانَتْ لَهُ جَدَّةٌ وَأَخٌ، فَعَلَى الْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْأَخِ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حِسَابُ النَّفَقَاتِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَمَنْ لَهُ ابْنٌ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَكَانَ مِسْطَحٌ ابْنَ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَيَدْخُلُونَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] وَأَوْجَبَهَا جَمَاعَةٌ لِعَمُودَيِ نَسَبِهِ فَقَطْ (وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيرِ وَارِثٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ مِنْهُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْإِرْثِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْمِقْدَارِ عَلَيْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّغِيرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى وَارِثِهِ مُطْلَقًا (فَإِذَا كَانَ أُمٌّ وَجَدٌّ، فَعَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ) لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ. ١ - مَسَائِلُ: ابْنٌ وَبِنْتٌ: النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا. أُمٌّ، وَابْنٌ: عَلَى الْأُمِّ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي عَلَى الِابْنِ، فَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ، وَابْنُ ابْنٍ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ. أُمٌّ وَبِنْتٌ: النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَرْبَاعًا كَمِيرَاثِهِمَا مِنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ، وَابْنُ بِنْتٍ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ. (وَإِنْ كَانَتْ لَهُ جَدَّةٌ وَأَخٌ، فَعَلَى الْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْأَخِ) لِأَنَّ مِيرَاثَهُمَا مِنْهُ كَذَلِكَ (وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حِسَابُ النَّفَقَاتِ) يَعْنِي: أَنَّ تَرْتِيبَ النَّفَقَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، فَكَمَا أَنَّ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ مِنَ الْمِيرَاثِ كَذَلِكَ عَلَيْهَا سُدُسُ النَّفَقَةِ، وَالْبَاقِي عَلَى الْأَخِ ; لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَهُ، وَلَوِ اجْتَمَعَ بِنْتٌ وَأُخْتٌ، أَوْ بِنْتٌ وَأَخٌ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِّقَاتٍ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رَدٌّ، أَوْ عَوْلٌ، أَوْ لَا. وَلَوِ اجْتَمَعَ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي النَّفَقَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:

стр. 2823

فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا. وَمَنْ لَهُ أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا. وَمَنْ كَانَ صَحِيحًا مُكَلَّفًا لَا حِرْفَةَ لَهُ سِوَى الْوَالِدَيْنِ، فَهَلْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ؛ عَلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": مَا دَامَتْ أُمُّهُ أَحَقَّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَمِثْلُهُ الْوَلَدُ، أَيْ: يَخْتَصُّ الْوَلَدُ بِنَفَقَةِ وَالِدِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: الْقِيَاسُ فِي أَبٍ، وَابْنٍ أَنْ يَلْزَمَ الْأَبَ سُدُسٌ فَقَطْ، لَكِنْ تَرَكَهُ أَصْحَابُنَا لِظَاهِرِ الْآيَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " ١ - (وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا) الِابْنُ لِعُسْرَتِهِ، وَالْأَخُ لِعَدَمِ مِيرَاثِهِ وَيَتَخَرَّجُ فِي كُلِّ وَارِثٍ لَوْلَا الْحَجْبُ إِذَا كَانَ مَنْ يَحْجُبُهُ مُعْسِرًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالثَّانِي: عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِوُجُودِ الْقَرَابَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِرْثِ، وَالْإِنْفَاقِ. صَحَّحَهُ السَّامِرِيُّ وَصَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ بِذَلِكَ، وَالْمَانِعُ مِنَ الْإِرْثِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِنْفَاقِ ; لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ، لَا يُمْكِنُهُ الْإِنْفَاقُ فَوُجُودُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْفَاقِ كَعَدَمِهِ (وَمَنْ لَهُ أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْجَدَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَارِثَ الْقَرِيبَ الْمُعْسِرَ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ بَعِيدٍ مُوسِرٍ مِنْ عَمُودَيِ النَّسَبِ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُوسِرِ، فَأَبٌ مُعْسِرٌ مَعَ جَدٍّ مُوسِرٍ، النَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إِلَى وَلَدِ ابْنَتِهِ «لِقَوْلِهِ ﵇ لِلْحَسَنِ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» فَسَمَّاهُ ابْنَهُ، وَهُوَ ابْنُ بِنْتِهِ، فَإِذَا مَنَعَ مَنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَيْهِمْ لِقَرَابَتِهِمْ وَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ نَفَقَتُهُمْ مَعَ حَاجَتِهِمْ، وَبَنَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الرِّوَايَاتِ (وَمَنْ كَانَ صَحِيحًا مُكَلَّفًا، لَا حِرْفَةَ لَهُ سِوَى الْوَالِدَيْنِ، فَهَلْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) لَا يُشْتَرَطُ فِي نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ نَقْصُ الْخِلْقَةِ، وَلَا نَقْصُ الْأَحْكَامِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ ﵇ لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا

стр. 2824

رِوَايَتَيْنِ. وَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ إِلَّا نَفَقَةَ وَاحِدٍ بَدَأَ بِالْأَقْرَبِ، فَالْأَقْرَبِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] يَكْفِيكِ وَوَلَدَكَ بِالْمَعْرُوفِ» وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ بَالِغًا، وَلَا صَحِيحًا، وَلِأَنَّهُ وَلَدٌ فَقِيرٌ فَاسْتَحَقَّ النَّفَقَةَ عَلَى وَالِدِهِ الْغَنِيِّ كَالزَّمِنِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْوَالِدَيْنِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْوَلَدِ، فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: يَلْزَمُ ; لِأَنَّهُ فَقِيرٌ، وَالثَّانِيَةُ: إِنْ كَانَ يَكْتَسِبُ فَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ تَلْزَمْ نَفَقَتُهُ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِ مَا يَقُومُ بِهِ فَتَلْزَمُ نَفَقَتُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ كَانَ نَاقِصَ الْأَحْكَامِ، أَوِ الْخِلْقَةِ، وَظَاهِرُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، أَوَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ، بَلْ أَوْلَى ; لِأَنَّ عَجْزَهُمَا أَبَلَغُ مِنْ عَجْزِ غَيْرِ الصَّحِيحِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ لَهُ حِرْفَةٌ، فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ الْحِرْفَةَ تُغْنِيهِ وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ لَا تَجِبُ إِلَّا مَعَ الْفَقْرِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْحِرْفَةُ يَحْصُلُ بِهَا غِنَاهُ، فَإِنْ لَمْ تُغْنِهِ، فَالْخِلَافُ. وَعَنْهُ لَا نَفَقَةَ لِفَقِيرٍ غَيْرُ عَمُودَيِ النَّسَبِ، وَهَلْ يَلْزَمُ الْمُعْدِمَ الْكَسْبُ لِنَفَقَةِ قَرِيبِهِ؛ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْأُولَةِ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ: يَلْزَمُهُ. ١ - (وَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ إِلَّا نَفَقَةُ وَاحِدٍ بَدَأَ) بِامْرَأَتِهِ ; لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، ثُمَّ بِرَقِيقِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ، وَالْإِعْسَارِ وَيُقَدَّمُ مَنْ يَخْدُمُهُ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ (بِالْأَقْرَبِ، فَالْأَقْرَبِ) لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، ثُمَّ الْعَصَبَةِ، ثُمَّ التَّسَاوِي، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ وَارِثٌ، ثُمَّ التَّسَاوِي، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": فَإِنِ اسْتَوَيَا قَدَّمَ الْعَصَبَةَ عَلَى غَيْرِهِ وَإِلَّا فُهِمَا سَوَاءٌ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ مَنِ امْتَازَ بِفَرْضٍ، أَوْ تَعْصِيبٍ، فَإِنْ تَعَارَضَتِ الْمَزِيَّتَانِ، أَوْ فُقِدَتَا فَهُمَا سَوَاءٌ (فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا) هَذَا هُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ لِتَسَاوِيهِمَا، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْأُمُّ ; لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْبِرِّ وَلَهَا فَضِيلَةُ الْحَمْلِ، وَالرَّضَاعِ، وَالتَّرْبِيَةِ، فَهُوَ أَضْعَفُ مِنْهَا، وَالْمَذْهَبُ يُقَدِّمُ الْأَبَ عَلَيْهَا لِفَضِيلَتِهِ، وَانْفِرَادِهِ

стр. 2825

أَبَوَانِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا ابْنٌ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُقَسِّمُهُ بَيْنَهُمْ، وَالثَّانِي: يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِمَا، وَالثَّالِثُ: يُقَدِّمُهُمَا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوِ ابْنٌ، ــ [المبدع في شرح المقنع] بِالْوِلَايَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا ابْنٌ) وَهُمَا صَحِيحَانِ (فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُقَسِّمُهُ بَيْنَهُمْ) لِتُسَاوِيهِمْ فِي الْقُرْبِ (وَالثَّانِي: يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِمَا) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِالنَّصِّ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: الِابْنُ أَحَقُّ بِالنَّفَقَةِ مِنْهَا، وَهِيَ أَحَقُّ بِالْبِرِّ (وَالثَّالِثُ: يُقَدِّمُهُمَا عَلَيْهِ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُمَا آكَدُ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا، أَوْ مَجْنُونًا قُدِّمَ ; لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَجَبَتْ بِالنَّصِّ مَعَ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الْكَسْبِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، وَالْأَبُ زَمِنٌ، فَهُوَ أَحَقُّ ; لِأَنَّ حُرْمَتَهُ آكَدُ، وَحَاجَتَهُ أَشَدُّ. مَسْأَلَةٌ: أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، أَبُو أَبٍ أَوْلَى مِنْ أَبِي الْأُمِّ لِامْتِيَازِهِ بِالتَّعْصِيبِ، وَمَعَ أَبِي أَبِي أَبٍ يَسْتَوِيَانِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ أَبُو أُمٍّ، وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالُ عَكْسِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يُقَدَّمُ الْأَحْوَجُ فِي الْكُلِّ. وَاعْتُبِرَ فِي " التَّرْغِيبِ " بِإِرْثٍ، وَأَنَّ مَعَ الِاجْتِمَاعِ يُوَزَّعُ لَهُمْ بِقَدْرِ إِرْثِهِمْ. ١ - فَرْعٌ: إِذَا كَانَ مَنْ تُجِبُ عَلَيْهِ خُنْثَى مُشْكِلٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ، فَإِنِ انْكَشَفَ حَالُهُ فَبَانَ أَنَّهُ أَنْفَقَ أَكْثَرَ رَجَعَ بِالزِّيَادَةِ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَنْفَقَ أَقَلَّ رَجَعَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مُوسِرًا لَزِمَهُ بِقَدْرِ إِرْثِهِ، وَعَنْهُ: الْكُلُّ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَمِثْلُهُ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَاضِرًا، وَتَعَذَّرَ أَخْذُ نَصِيبِ الْغَائِبِ. ١ (وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوِ ابْنٌ، وَابْنُ ابْنٍ، فَالْأَبُ وَالِابْنُ أَحَقُّ) لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ وَأَحَقُّ بِمِيرَاثِهِ كَالْأَبِ مَعَ الْأَخِ، وَقِيلَ: بِالتَّسَاوِي، أَيْ: يَسْتَوِي الْجَدُّ، وَالْأَبُ، وَالِابْنُ، وَابْنُهُ لِتُسَاوِيهِمَا فِي الْوِلَادَةِ، وَالتَّعْصِيبِ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ سَهْوٌ مِنَ الْقَاضِي، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إِذَا اجْتَمَعَ ابْنٌ وَجَدٌّ، أَوْ أَبٌ، وَابْنُ ابْنٍ - احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: تَقْدِيمُ الِابْنِ، وَالْأَبِ لِقُرْبِهِمَا، وَلَا يَسْقَطُ إِرْثُهُمَا بِحَالٍ،

стр. 2826

وَابْنُ ابْنٍ، فَالْأَبُ وَالِابْنُ أَحَقُّ وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ. وَقِيلَ فِي عَمُودَيِ النَّسَبِ: رِوَايَتَانِ، وَإِنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ مُدَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ وَمَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَيُحْتَمَلُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْإِرْثِ، وَالتَّعْصِيبِ، وَالْوِلَادَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ) أَيْ: إِذَا كَانَ دِينُ الْقَرِيبَيْنِ مُخْتَلِفًا، فَلَا نَفَقَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ; لِأَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا، وَلَا وِلَايَةَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا (وَقِيلَ فِي عَمُودَيِ النَّسَبِ: رِوَايَتَانِ) ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، إِحْدَاهُمَا: تَجِبُ ; لِأَنَّ نَفَقَتَهُ مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ، فَتَجِبُ مَعَ اخْتِلَافِهِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ، وَنَصَرَهَا فِي " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ، وَالصِّلَةِ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ كَأَدَاءِ زَكَاتِهِ إِلَيْهِ وَعَقْلِهِ عَنْهُ وَإِرْثِهِ مِنْهُ. (وَإِنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ مُدَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ) كَذَا أَطْلَقَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ " لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ وَجَبَتْ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ وَإِحْيَاءِ النَّفْسِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فِي الْمَاضِي بِدُونِهَا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ، لَا بِفَرْضِ حَاكِمٍ ; لِأَنَّهُ تَأَكَّدَ بِفَرْضِهِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": لَا تَلْزَمُهُ، وَإِنْ فُرِضَتْ إِلَّا أَنْ يُسْتَدَانَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، وَظَاهِرُ مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَتَسْتَدِينُ عَلَيْهِ، فَلَا تَرْجِعُ إِنِ اسْتَغْنَى بِكَسْبٍ، أَوْ نَفَقَةِ مُتَبَرِّعٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَأْخُذُ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّفَقَةُ بِلَا إِذْنٍ كَزَوْجَةٍ، نَقَلَ ابْنَاهُ يَأْخُذُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ بِلَا إِذْنِهِ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا احْتَاجَ، وَلَا يَتَصَدَّقُ (وَمَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ رَجُلٍ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا وَخَادِمٌ تَحْتَاجُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْإِعْفَافِ إِلَّا بِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ بِنْيَتَهُ تَقُومُ بِدُونِ الْمَرْأَةِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ نَفْسِهِ. وَحَمَلَهَا فِي " الشَّرْحِ " عَلَى أَنَّ الِابْنَ كَانَ يَجِدُ نَفَقَتَهَا، وَعَنْهُ: تَجِبُ كَزَوْجَةِ الْأَبِ فَقَطْ، وَعَنْهُ: تَجِبُ فِي عَمُودَيِ النَّسَبِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْإِعْفَافِ، وَيَلْزَمُهُ إِعْفَافُ أَبِيهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، وَكَذَا ابْنُهُ إِذَا لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ حُرَّةً

стр. 2827

لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ رَجُلٍ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَصْلٌ وَتَجِبُ نَفَقَةُ ظِئْرِ الصَّبِيِّ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلَيْسَ لِلْأَبِ مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا إِذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا وَوَجَدَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِرَضَاعِهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] تُعِفُّهُ، أَوْ بِسِرِّيَّةٍ، وَلَا يَمْلِكُ اسْتِرْجَاعَ أَمَةٍ أَعَفَّهُ بِهَا مَعَ غِنَاهُ فِي الْأَصَحِّ، وَيُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ تَائِقٌ بِلَا يَمِينٍ وَيُعْتَبَرُ عَجْزُهُ، وَيَكْفِي إِعْفَافُهُ بِوَاحِدَةٍ، وَيُعِفُّهُ ثَانِيًا إِنْ مَاتَتْ، وَقِيلَ: لَا كَمُطَلِّقٍ لِعُذْرٍ فِي الْأَصَحِّ، وَيَلْزَمُهُ إِعْفَافُ أُمِّهِ كَالْأَبِ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ سَلَّمَ، فَالْأَبُ آكَدُ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ وِلَايَةً بِالتَّزْوِيجِ وَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إِعْفَافُ كُلِّ إِنْسَانٍ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. [فَصْلٌ: نَفَقَةُ ظِئْرِ الصَّبِيِّ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ] فَصْلٌ (وَتَجِبُ نَفَقَةُ ظِئْرِ الصَّبِيِّ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَعَبَّرَ فِي " الْفُرُوعِ " صَغِيرٌ، وَهُوَ أَوْلَى: حَوْلَيْنِ (عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) لِأَنَّ نَفَقَةَ ظِئِرَ الصَّغِيرِ كَنَفَقَةِ الْكَبِيرِ، وَيَخْتَصُّ وَجُوبُهَا بِالْأَبِ وَحْدَهُ (وَلَيْسَ لِلْأَبِ مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا إِذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ) أَيْ: إِذَا طَلَبَتِ الْأُمُّ رَضَاعَ وَلَدِهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، وَلَوْ أَرْضَعَهُ غَيْرُهَا مَجَّانًا فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ تَحْتَهُ، أَوْ بَائِنًا مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْآيَةَ، وَهُوَ خَبَرٌ يُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَلِأَنَّهَا أَشْفَقُ وَأَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ وَلَبَنُهَا أَمْرَأُ، وَقِيلَ: بَلَى فِي حِبَالِهِ كَخِدْمَتِهِ. نَصَّ عَلَيْهَا (وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا وَوُجِدَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِرَضَاعِهِ فَهِيَ أَحَقُّ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ فِي إِرْضَاعِ غَيْرِهَا تَفْوِيتًا لِحَقِّ الْأُمِّ مِنَ الْحَضَانَةِ وَإِضْرَارًا بِالْوَلَدِ، فَإِنْ طَلَبَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهَا، وَوُجِدَ مَنْ تُرْضِعُهُ مُتَبَرِّعَةً، أَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا جَازَ انْتِزَاعُهُ مِنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: هِيَ أَحَقُّ بِمَا يَطْلُبُ بِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ، لَا بِأَكْثَرَ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ ": إِنِ اسْتَأْجَرَهَا مَنْ هِيَ تَحْتَهُ لِرَضَاعِ

стр. 2828

فَهِيَ أَحَقُّ. (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنْ رَضَاعِهِ لَمْ تُجْبَرْ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا وَيُخْشَى عَلَيْهِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الظِّئْرِ لِمَا زَادَ عَلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] وَلَدِهِ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ نَفْعَهَا كَاسْتِئْجَارِهَا لِلْخِدْمَةِ شَهْرًا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُرْضِعَةً إِلَّا بِتِلْكَ الْأُجْرَةِ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ (وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنْ رَضَاعِهِ لَمْ تُجْبَرْ) إِذَا كَانَتْ مُفَارِقَةً، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ وَإِنِ اخْتَلَفَا فَقَدْ تَعَاسَرَا، وَلِأَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الرَّضَاعِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ، أَوِ الزَّوْجِ، أَوْ لَهُمَا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِجْبَارَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا عَلَى خِدْمَتِهِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَلَا لِحَقِّ الْوَلَدِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ لَلَزِمَهَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَلْزَمُ الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ كَالنَّفَقَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمَا لَثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالِ الْإِنْفَاقِ وَعَدَمِ التَّعَاسُرِ (إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِلَيْهَا وَيُخْشَى عَلَيْهِ) بِأَنْ لَا تُوجَدَ مُرْضِعَةٌ سِوَاهَا، أَوْ لَا يَقْبَلُ الصَّغِيرُ الِارْتِضَاعَ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ مِنْ رَضَاعِهِ ; لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ وَحَفِظٌ لِنَفْسِ وَلَدِهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ غَيْرُهَا (وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الظِّئْرِ لِمَا زَادَ عَلَى الْحَوْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَلَمْ تَلْزَمْهُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْكَمَالِ، أَشْبَهَ الْحَلْوَى وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُفْطَمُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ إِلَّا بِرِضَا أَبَوَيْهِ مَا لَمْ يَنْضَرَّ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " هُنَا يَحْرُمُ رَضَاعُهُ بَعْدَهُمَا، وَلَوْ رَضِيَا، وَظَاهِرُ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " إِبَاحَتُهُ مُطْلَقًا (وَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا) مُطْلَقًا ; لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الزَّوْجِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ فِي كُلِّ الزَّمَانِ سِوَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، فَالرَّضَاعُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَكَانَ لَهُ مَنْعُهَا كَالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ (إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا) فَإِنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ وَحَفِظٌ لِنَفْسِ وَلَدِهَا، فَقَدَّمَ عَلَى الزَّوْجِ كَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الْمَالِكِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ. فَرْعٌ: إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِلرَّضَاعِ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَمْلِكِ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ، وَلَا مَنْعَهَا مِنَ الرَّضَاعِ حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ ; لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ، أَشْبَهَ مَا

стр. 2829

الْحَوْلَيْنِ، وَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا. فَصْلٌ وَعَلَى السَّيِّدِ الْإِنْفَاقُ عَلَى رَقِيقِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَتَزْوِيجِهِمْ إِذَا طَلَبُوا ــ [المبدع في شرح المقنع] لَوِ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَلِلزَّوْجِ الثَّانِي وَطْؤُهَا مَا لَمْ يَفْسَدِ اللَّبَنُ، فَإِنْ فَسَدَ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ، وَالْأَشْهَرُ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ، فَإِنْ شَرَطَتْ قِي عَقْدِ النِّكَاحِ أَنَّهَا تُرْضِعُهُ فَلَهَا شَرْطُهَا. [فَصْلٌ إِنْفَاقُ السَّيِّدِ عَلَى رَقِيقِهِ] فَصْلٌ (وَعَلَى السَّيِّدِ الْإِنْفَاقُ عَلَى رَقِيقِهِ) عُرْفًا، وَلَوْ آبِقٌ وَأَمَةٌ نَاشِزٌ (قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ) مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ قُوتَ سَيِّدِهِ، أَوْ دُونَهُ، أَوْ فَوْقَهُ، وَأُدْمٌ مِثْلُهُ بِالْمَعْرُوفِ (وَكِسَوْتُهُمْ) مُطْلَقًا، أَيْ: لِأَمْثَالِ الرَّقِيقِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَكَذَا الْمَسْكَنُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ ; لِأَنَّهُ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ كَبَهِيمَتِهِ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِلرَّقِيقِ صَنْعَةٌ يَتَكَسَّبُ بِهَا (وَ) لَهُ (تَزْوِيجُهُمْ إِذَا طَلَبُوا ذَلِكَ) كَالنَّفَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِأَنَّهُ يَخَافُ مَنْ تَرَكَ إِعْفَافَهُ الْوُقُوعَ فِي الْمَحْظُورِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَزْوِيجِهِ، أَوْ تَمْلِيكِهِ أَمَةً، وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ إِذَا كَانَ كَبِيرًا (إِلَّا الْأَمَةَ إِذَا كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ وَإِزَالَةُ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ، وَإِنْ شَاءَ زَوْجُهَا إِذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُكَاتَبَةً بِشَرْطِهِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يَلْزَمُهُ تَزْوِيجُ الْمُكَاتَبَةِ بِطَلَبِهَا، وَلَوْ وَطِئَهَا وَأُبِيحَ بِالشَّرْطِ،

стр. 2830

ذَلِكَ. إِلَّا الْأَمَةَ إِذَا كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا، وَلَا يُكَلِّفُهُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ. وَيُرِيحُهُمْ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ وَالنَّوْمِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَيُدَاوِيهِمْ إِذَا مَرِضُوا وَيُرْكِبُهُمْ عُقْبَةً إِذَا ــ [المبدع في شرح المقنع] ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا لِمَا فِيهِ مِنِ اكْتِسَابِ الْمَهْرِ فَمَلَكَتْهُ كَأَنْوَاعِ التَّكَسُّبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّ السَّيِّدِ وَإِلْغَاءِ الشَّرْطِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ أَبَى أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَتَصَدَّقَ فِي أَنَّهُ لَا يَطَأُ عَلَى الْأَصَحِّ. فَرْعٌ: مَنْ غَابَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ، زُوِّجَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ لِحَاجَةِ نَفَقَةٍ، وَكَذَا أَوْ وَطْءٍ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ كَنَفَقَةٍ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " يُزَوِّجُهَا مَنْ يَلِي مَالَهُ أَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ بَكْرٍ، وَتَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِ أَمَتِهِ الرَّقِيقِ دُونَ زَوْجِهَا، وَيَلْزَمُ حُرَّةً نَفَقَةُ وَلَدِهَا مِنْ عَبْدٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمُكَاتَبَةً نَفَقَةُ وَلَدِهَا وَكَسْبُهُ لَهَا وَيُنْفِقُ عَلَى مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ بِقَدْرِ رِقِّهِ وَبَقِيَّتُهَا عَلَيْهِ (وَلَا يُكَلِّفُهُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ) لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ مَشَقَّةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْأَمَةِ بِالرَّعْيِ ; لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ لِبُعْدِهَا عَنْ مَنْ يَذُبُّ عَنْهَا، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " عَنْ نَقْلِ أَسْمَاءَ النَّوَى عَلَى رَأْسِهَا لِلزُّبَيْرِ مِنْ نَحْوِ ثُلْثَيْ فَرْسَخٍ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي سَفَرِ الْمَرْأَةِ الْقَصِيرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَرَعْيِ جَارِيَةِ ابْنِ الْحَكَمِ - فِي مَعْنَاهُ، وَأَوْلَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ شَرْعًا، وَلَا عُرْفًا، وَلَا يَتَأَهَّبُ لَهُ أُهْبَتُهُ. ١ - (وَيُرِيحُهُمْ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ وَالنَّوْمِ، وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ) لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ (وَيُدَاوِيهِمْ إِذَا مَرِضُوا) وُجُوبًا، قَالَهُ جَمَاعَةٌ: لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَلِهَذَا تَجِبُ مَعَ الصِّغَرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ آخَرِينَ: يُسْتَحَبُّ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ: الْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ، فَالسَّيِّدُ أَحَقُّ بِنَفَقَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ، وَلِهَذَا النَّفَقَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالْمَرَضِ تَلْزَمُهُ مِنَ الدَّوَاءِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ (وَيُرْكِبُهُمْ عُقْبَةً) بِوَزْنِ

стр. 2831

سَافَرَ بِهِمْ، وَإِذَا وَلِيَ أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ أَطْعَمَهُ مَعَهُ، فَإِنْ أَبَى أَطْعَمَهُ مِنْهُ، وَلَا يَسْتَرْضِعُ الْأَمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رِيِّهِ، وَلَا يُجْبَرُ الْعَبْدُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ. فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهَا جَازَ، وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَطَلَبَ الْعَبْدُ ــ [المبدع في شرح المقنع] غُرْفَةٍ، وَهِيَ النَّوْبَةُ (إِذَا سَافَرَ بِهِمْ) لِئَلَّا يُكَلِّفَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَعْنَاهُ يُرْكِبُهُ تَارَةً وَيُمْشِيهِ أُخْرَى (وَإِذَا وَلِيَ أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ أَطْعَمَهُ مَعَهُ، فَإِنْ أَبَى أَطْعَمَهُ مِنْهُ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إِذَا كَفَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ حَرَّهُ وَدُخَّانَهُ فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُرَوِّغْ لَهُ اللُّقْمَةَ، وَاللُّقْمَتَيْنِ» وَمَعْنَى التَّرْوِيغِ غَمْسُهَا فِي الْمَرَقِ، وَالدَّسَمِ وَدَفَعُهَا إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْحَاضِرَ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَأْكُلُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يَسْتَرْضِعُ الْأَمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِهَا) لِأَنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِوَلَدِهَا لِلنَّقْصِ مِنْ كِفَايَتِهِ وَصَرْفِ اللَّبَنِ الْمَخْلُوقِ لَهُ إِلَى غَيْرِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ كَنَقْصِ الْكَبِيرِ عَنْ كِفَايَتِهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رِيِّهِ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَقَدِ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْوَلَدُ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا وَبَقِيَ لَبَنُهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ إِجَارَتُهَا بِلَا إِذْنِ زَوْجٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لِاشْتِغَالِهَا عَنْهُ بِرَضَاعٍ وَحَضَانَةٍ، وَهَذَا إِنَّمَا يَجِيءُ إِذَا آجَرَهَا فِي مُدَّةِ حَقِّ الزَّوْجِ، فَلَوْ آجَرَهَا فِي غَيْرِهِ تَوَجَّهَ الْجَوَازُ وَإِطْلَاقُهُ مُقَيَّدٌ بِتَعْلِيلِهِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَلَّا يَلْزَمَ تَقْيِيدُهُ بِهِ، فَأَمَّا إِنْ ضَرَّ ذَلِكَ بِهَا لَمْ يَجُزْ (وَلَا يُجْبَرُ الْعَبْدُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِ خَرَاجًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيَهُ إِلَى سَيِّدِهِ، وَمَا فَضَلَ لِلْعَبْدِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَالْكِتَابَةِ (فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهَا جَازَ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ كَسْبِهِ فَأَقَلَّ بَعْدَ نَفَقَتِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ أَبَا طَيِّبَةَ حَجَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ وَأَمَرَ مُوَالِيَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَضْرِبُونَ عَلَى رَقِيقِهِمْ خَرَاجًا، وَرُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمٌ كُلَّ يَوْمٍ، وَجَاءَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَنْ

стр. 2832

الْبَيْعَ لَزِمَهُ بَيْعُهُ وَلَهُ تَأْدِيبُ رَقِيقِهِ بِمَا يُؤَدِّبُ بِهِ وَلَدَهُ وَامْرَأَتَهُ. وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ ــ [المبدع في شرح المقنع] يُخَفِّفَ عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ، أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَسْبِهِ لَمْ يَجُزْ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِنَّ قَدَّرَ خَرَاجًا بِقَدْرِ كَسْبِهِ لَمْ يُعَارَضْ، وَهُوَ كَعَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي هَدِيَّةِ طَعَامٍ وَإِعَارَةِ مَتَاعٍ وَعَمَلِ دَعْوَةٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَإِنَّ فَائِدَةَ الْمُخَارَجَةِ تَرْكُ الْعَمَلِ بَعْدَ الضَّرِيبَةِ ١ - (وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ لَزِمَهُ بَيْعُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ كَزَوْجَةٍ، وَقَالَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَغَيْرِهَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، سَوَاءٌ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ ذَلِكَ لِعَجُزٍ، أَوْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ عَلَيْهِ مَعَ الْإِخْلَالِ بِسَدِّ أَمْرِهِ إِضْرَارٌ بِهِ، وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ وَاجِبَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «جَارِيَتُكَ تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي إِلَى مَنْ تَتْرُكُنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ: أَتُبَاعُ الْجَارِيَةُ وَهُوَ يَكْسُوهَا وَيُطْعِمُهَا؛ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَحْتَاجَ إِلَى زَوْجٍ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إِزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ مَعَ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لَهَا، وَلَا عَلَى بَيْعِ بَهِيمَةٍ مَعَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا. (وَلَهُ تَأْدِيبُ رَقِيقِهِ) عَبْدًا كَانَ، أَوْ أَمَةً (بِمَا يُؤَدِّبُ بِهِ وَلَدَهُ وَامْرَأَتَهُ) أَيْ: لَهُ تَأْدِيبُهُمَا بِالتَّوْبِيخِ، وَالضَّرْبِ كَمَا يُؤَدِّبُ وَلَدَهُ وَامْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ وَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهُ عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ، وَلَا أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا إِنْ أَذْنَبَ، وَلَا لَطْمُهُ فِي وَجْهِهِ ; لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَطَمَ غُلَامَهُ فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: لَا يَضْرِبُ إِلَّا فِي ذَنْبٍ بَعْدَ عَفْوِهِ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَلَا يَضْرِبُهُ شَدِيدًا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَضْرِبُهُ إِلَّا فِي ذَنْبٍ عَظِيمٍ لِقَوْلِهِ ﵇ «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا» وَيُقَيِّدُهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ، وَيَضْرِبُهُ غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ وَافَقَهُ، وَإِلَّا بَاعَهُ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ

стр. 2833

سَيِّدِهِ. وَقِيلَ: يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ سَيِّدُهُ أَمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] اللَّهِ» . ١ - (وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ عَلَى رِوَايَتَيِ الْمِلْكِ وَعَدَمِهِ، بَلِ الْخِرَقِيُّ وَجَمَاعَةٌ قَالُوا: إِنَّهُ لَا يُمَلَّكُ وَيُبَاحُ لَهُ التَّسَرِّي، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: أَيَتَسَرَّى الْعَبْدُ؛ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى هَذَا، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَمَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] الْآيَةَ، فَأَيُّ مِلْكٍ لِلْعَبْدِ؛ قَالَ: إِذَا مَلَكَهُ مَلَكَ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنِ اشْتَرَى عَبْدَا وَلَهُ مَالٌ فَقَدْ جَعَلَ لَهُ مِلْكًا» وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِمَّنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ فِي النِّكَاحِ فَمَلَكَ التَّسَرِّي كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ فَيَمْلِكُ الْمَالَ كَالْحُرِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِآدَمِيَّتِهِ يَتَمَهَّدُ لِأَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ إِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَمْوَالَ لِلْآدَمِيِّينَ لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ التَّكَالِيفِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْجَنِينِ مَعَ كَوْنِهِ نُطْفَةً لَا حَيَاةَ فِيهَا - بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ إِلَى الْآدَمِيَّةِ، فَالْعَبْدُ الَّذِي هُوَ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا تَسَرَّى بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَنَّ الْوَلَدَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَأَطْلَقَ تَسَرَّى بِوَاحِدَةٍ فَقَطْ كَالتَّزْوِيجِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَهُ التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ. نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ التَّسَرِّي جَازَ لَهُ بِغَيْرِ حَصْرٍ كَالْحُرِّ (وَقِيلَ: يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ) كَذَا بَنَاهُ الْقَاضِي وَعَامَّةُ مَنْ بَعْدَهُ. احْتَجَّ الْمَانِعُ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ، وَالْوَطْءُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي نِكَاحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ لِلنَّصِّ. وَاحْتَجَّ الْمُجِيزُ بِمَا سَلَفَ إِذِ الشَّارِعُ يُثْبِتُ مِنَ الْمِلْكِ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْعِبَادِ وَيَمْنَعُ مَا فِيهِ فَسَادُهُمْ، وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إِلَى النِّكَاحِ، فَالْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِي ثُبُوتَ مِلْكِ الْبِضْعِ لَهُ، وَإِلَّا فَكَوْنُ الْعَبْدِ يَمْلِكُ مُطْلَقًا إِضْرَارٌ بِالسَّيِّدِ، وَمَنْعُهُ مُطْلَقًا إِضْرَارٌ بِهِ، فَالْعَدْلُ ثُبُوتُ قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ - مَمْنُوعٌ (وَلَوْ وَهَبَ لَهُ سَيِّدُهُ أَمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ) لِأَنَّ

стр. 2834

فَصْلٌ وَعَلَيْهِ إِطْعَامُ بَهَائِمِهِ وَسَقْيُهَا. وَأَلَّا يُحَمِّلَهَا مَا لَا تُطِيقُ وَلَا يَحْلِبُ مِنْ لَبَنِهَا مَا ــ [المبدع في شرح المقنع] الْهِبَةَ إِنْ لَمْ تَصِحَّ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ صَحَّتْ فَالْعَبْدُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ هِبَةَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَالِ مَرَّةً، وَإِلَى الْإِعْدَامِ أُخْرَى ; لِأَنَّهَا رُبَّمَا حَمَلَتْ، وَذَلِكَ تَنْقِيصٌ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ عَيْبًا فِي الْمَبِيعِ، وَرُبَّمَا مَاتَتْ مِنْهُ، وَذَلِكَ إِعْدَامٌ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ فِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَاهَانَ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ كَالنِّكَاحِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: حَيْثُ يَجِبُ إِعْفَافُهُ، وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِضْعًا أُبِيحَ لَهُ وَطْؤُهُ كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ. فَرْعٌ: إِذَا مَلَكَ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ فَلَهُ وَطْؤُهَا بِلَا إِذْنِ سَيِّدِهِ فِي الْأَقْيَسِ، وَلَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. [فَصْلٌ: إِطْعَامُ الْبَهَائِمِ وَسَقْيُهَا] فَصْلٌ (وَعَلَيْهِ إِطْعَامُ بَهَائِمِهِ وَسَقْيُهَا) وَإِقَامَةُ مَنْ يَرْعَاهَا لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الْغُنْيَةِ ": وَيُكْرَهُ لَهُ إِطْعَامُهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَإِكْرَاهُهُ عَلَى الْأَكْلِ عَلَى مَا اتَّخَذَهُ النَّاسُ عَادَةً لِأَجْلِ التَّسْمِينِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ عَبَثًا، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ (وَأَلَّا يُحَمِّلَهَا مَا لَا تُطِيقُ) لِأَنَّ الشَّارِعَ مَنَعَ تَكْلِيفَ الْعَبْدِ مَا لَا يُطِيقُ، وَالْبَهِيمَةُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ وَإِضْرَارًا بِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ (وَلَا يَحْلِبُ مِنْ لَبَنِهَا مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا) لِأَنَّ كِفَايَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ، أَشْبَهَ وَلَدَ الْأَمَةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَيْهَا جَرَسًا، أَوْ وَتَرًا، أَوْ جَزَّ مَعْرِفَةٍ وَنَاصِيَةٍ، وَفِي جَزِّ ذَنَبِهَا رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا الْكَرَاهَةُ (وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، أَوْ إِجَارَتِهَا،

стр. 2835

يَضُرُّ بِوَلَدِهَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، أَوْ إِجَارَتِهَا، أَوْ ذَبْحِهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُبَاحُ أَكْلُهُ. بَابُ الْحَضَانَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ ، وَالْمَعْتُوهِ أُمُّهُ. ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا، الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، ثُمَّ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَوْ ذَبْحِهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُبَاحُ أَكْلُهُ) لِأَنَّهَا نَفَقَةُ حَيَوَانٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ لِلْحَاكِمِ إِجْبَارُهُ عَلَيْهَا كَنَفَقَةِ الْعَبْدِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعِ بِيعَتْ عَلَيْهِ كَمَا يُبَاعُ الْعَبْدُ إِذَا طَلَبَهُ بِإِعْسَارِ سَيِّدِهِ بِنَفَقَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ أُجْبِرَ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا كَالْعَبْدِ الزَّمِنِ، وَذَكَرَ فِي " الْكَافِي " أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، فَإِنْ أَبَى أُكْرِيَتْ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا بِيعَتْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَلَّا يُجْبَرَ وَيَأْمُرُهُ بِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ; لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا يَثْبُتُ لَهَا حَقٌّ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الدَّعْوَى، وَلَا يَنْصَبُ عَنْهَا خَصْمٌ فَصَارَتْ كَالزَّرْعِ، وَالشَّجَرِ. وَجِيفَتُهَا لَهُ، وَنَقْلُهَا عَلَيْهِ، قَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ. [بَابُ الْحَضَانَةِ] [أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ] بَابُ الْحَضَانَةِ الْحَضَانَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ مَصْدَرُ حَضَنْتُ الصَّغِيرَ حَضَانَةً، أَيْ: تَحَمَّلْتُ مُؤْنَتَهُ وَتَرْبِيَتَهُ، وَالْحَاضِنَةُ الَّتِي تُرَبِّي الطِّفْلَ، سُمِّيَتْ بِهِ ; لِأَنَّهَا تَضُمُّ الطِّفْلَ إِلَى حُضْنِهَا، وَهِيَ وَاجِبَةٌ ; لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِتَرْكِهِ فَوَجَبَ حِفْظُهُ عَنِ الْهَلَاكِ كَمَا يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَإِنْجَاؤُهُ مِنَ الْمَهَالِكِ. وَمُسْتَحَقُّهَا رَجُلٌ عَصَبَةٌ وَامْرَأَةٌ وَارِثَةٌ، أَوْ مُدْلِيَةٌ بِوَارِثٍ كَخَالَةٍ وَبَنَاتِ أَخَوَاتٍ، أَوْ مُدْلِيَةٌ بِعَصَبَةٍ كَبَنَاتِ إِخْوَةٍ وَأَعْمَامٍ، ثُمَّ هَلْ تَكُونُ لِحَاكِمٍ، أَوْ لِبَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، ثُمَّ لِحَاكِمٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. (أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ، وَالْمَعْتُوهِ) وَهُوَ الْمُخْتَلُّ الْعَقْلَ (أُمُّهُ) أَيْ: إِذَا كَانَتْ حُرَّةً عَاقِلَةً عَدْلًا فِي الظَّاهِرِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً

стр. 2836

الْأَبُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الْخَالَةُ، ثُمَّ الْعَمَّةُ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ. وَعَنْهُ: الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ، ــ [المبدع في شرح المقنع] وَحِجْرِي لَهُ حَوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ لَهُ ; وَلِقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ، بِعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ، فَقَالَ: رِيحُهَا وَشَمُّهَا وَلُطْفُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَلِأَنَّهَا أَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَقْرَبُ، وَلَا يُشَارِكُهَا في القرب إِلَّا الْأَبُ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلُ شَفَقَتِهَا، وَلَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إِلَى مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِأُجْرَةٍ مِثْلٍ كَرَضَاعٍ، قَالَهُ فِي " الْوَاضِحِ " وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ "، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً، أَوْ كَانَتْ، وَلَمْ تَسْتَوْعِبِ الشُّرُوطَ انْتَقَلَ إِلَى مَنْ يَلِيهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ الْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا) لِأَنَّ وِلَادَتَهُنَّ مُتَحَقِّقَةٌ فَهُنَّ فِي مَعْنَى الْأُمِّ. (الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ) لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَكْمَلُ شَفَقَةً مِنَ الْأَبْعَدِ وَأَقْرَبُ شَبَهًا بِالْأُمِّ. (ثُمَّ الْأَبُ) فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ كَمَالُ شَفَقَتِهِ، يَتَرَجَّحُ بِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِهَا بَعْدَ مَنْ ذُكِرَ. (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ، فَإِنْ قِيلَ: الْجَدُّ يُدْلِي بِالْأَقْرَبِ فَسَاوَاهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يُقَدَّمْنَ عَلَيْهِ؟ قِيلَ: الْأَبَوِيَّةُ مَعَ التَّسَاوِي، فَوَجَبَ الرُّجْحَانُ. دَلِيلُهُ: الْأُمُّ مَعَ الْأَبِ، وَعَنْهُ: أَنَّ أُمَّ الْأَبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ ; لِأَنَّهَا تَدُلِي بِعَصَبَةٍ فَعَلَيْهَا يَكُونُ الْأَبُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ; لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ، فَيَكُونُ الْأَبُ بَعْدَ الْأُمِّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ (ثُمَّ الْجَدُّ) لِأَنَّهُ أَبٌ، أَوْ بِمَنْزِلَتِهِ، وَمُقْتَضَاهُ تَقْدِيمُهُ بَعْدَ الْأَبِ، تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فِي أُمَّهَاتِ الْأَبِ لِمَا ذُكِرَ مِنَ التَّرْجِيحِ بِالْأَبَوِيَّةِ (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) لِمَا ذُكِرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَبِ، فَإِنْ قِيلَ: الْأَخَوَاتُ يُدْلِينَ بِالْأَبِ، وَهُوَ أَحَقُّ مِنَ الْجَدِّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يُدْلِي بِهِ أَحَقَّ مِمَّنْ يُدْلِي بِالْجَدِّ، قِيلَ: أُمَّهَاتُ الْجَدِّ اجْتَمَعَ فِيهِنَّ الْإِدْلَاءُ بِالْجَدِّ وَكَوْنُ الطِّفْلِ بَعْضًا مِنْهُنَّ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْأَخَوَاتِ (ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ) قُدِّمْنَ عَلَى سَائِرِ الْقَرَابَاتِ ; لِأَنَّهُنَّ يُشَارِكْنَ فِي النَّسَبِ، وَقُدِّمْنَ فِي الْمِيرَاثِ، وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ لِقُوَّةِ قَرَابَتِهَا، ثُمَّ مَنْ كَانَتْ لِأَبٍ، ثُمَّ لِأُمٍّ. نَصَّ عَلَيْهِ (ثُمَّ الْخَالَةُ) لِأَنَّهَا تُدْلِي بِالْأُمِّ، وَلِأَنَّ الشَّارِعَ قَدَّمَ خَالَةَ ابْنَةِ حَمْزَةَ عَلَى عَمَّتِهَا صَفِيَّةَ ; لِأَنَّ صَفِيَّةَ لَمْ تَطْلُبْ، وَجَعْفَرٌ طَلَبَ نَائِبًا عَنْ خَالَتِهَا فَقَضَى

стр. 2837

وَالْخَالَةُ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ، وَيَكُونُ هَؤُلَاءِ أَحَقَّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ، ثُمَّ تَكُونُ لِلْعَصَبَةِ. إِلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ لَيْسَ لِابْنِ عَمِّهَا حَضَانَتُهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] الشَّارِعُ بِهَا لَهَا فِي غَيْبَتِهَا (ثُمَّ الْعَمَّةُ) أَيْ: لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ لِأُمٍّ (فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ) كَالْأَخَوَاتِ. قَدْ تَبِعَ الْمُؤَلِّفُ الْقَاضِي وَأَصْحَابَهَ فِي تَقْدِيمِ الْخَالَةِ عَلَى الْعَمَّةِ، وَالْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: فَتَنَاقَضُوا، وَقُدِّمْنَ عَلَى الْأَعْمَامِ ; لِأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ فَقُدِّمْنَ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ كَتَقْدِيمِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، ثُمَّ خَالَاتُ أَبَوَيْهِ، ثُمَّ عَمَّاتُ أَبِيهِ، ثُمَّ بَنَاتُ الْأَعْمَامِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَنَاتُ الْإِخْوَةِ، وَالْأَخَوَاتِ عَلَى الْعَمَّاتِ، وَالْخَالَاتِ وَمَنْ بَعْدَهُنَّ، وَهَلْ تُقَدَّمُ أُمُّ أُمِّهِ عَلَى أُمِّ أَبِيهِ وَأُخْتُهُ لِأُمِّهِ عَلَى أُخْتِهِ لِأَبِيهِ، وَخَالَتُهُ عَلَى عَمَّتِهِ، وَخَالَةُ أُمِّهِ عَلَى خَالَةِ أَبِيهِ، وَخَالَاتُ أَبِيهِ عَلَى عَمَّاتِهِ، وَمَنْ أَدْلَى بِعَمَّةٍ وَخَالَةٍ بِأُمٍّ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَبٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ (وَعَنْهُ: الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ، وَالْخَالَةُ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ) لِأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ يُدْلِينَ بِالْأُمِّ فَكُنَّ أَوْلَى مِنَ الْأَبِ كَالْجَدَّاتِ (وَيَكُونُ هَؤُلَاءِ أَحَقَّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ) لِأَنَّهُنَّ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، وَالْأَبُ أَحَقُّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ، فَعَلَى هَذِهِ تُقَدَّمُ نِسَاءُ الْحَضَانَةِ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُدْلِينَ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ نِسَاءِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ وَجِهَتِهِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْعَصَبَةُ عَلَى امْرَأَةٍ مَعَ قُرْبِهِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فَوَجْهَانِ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ) فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْدِيمُ قَرَابَةِ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمِّ ; لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِعَصَبَةٍ فَقُدِّمْنَ كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ ; لِأَنَّ الْخَالَاتِ أَخَوَاتُ الْأُمِّ، فَيَجْرِينَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالتَّقْدِيمُ فِيمَا بَيْنَهُنَّ مَجْرَى الْأَخَوَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الْخَالَاتِ فَبِعْدَهُنَّ الْعَمَّاتُ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، فَإِذَا عُدِمْنَ انْتَقَلَتْ إِلَى خَالَةِ الْأَبِ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَعَلَى الصَّحِيحِ إِلَى خَالَةِ الْأُمِّ (ثُمَّ تَكُونُ لِلْعَصَبَةِ) وَأَقْرَبُهُمْ أَبٌ، ثُمَّ جَدُّ، ثُمَّ أَقْرُبُ عَصَبَةٍ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً وَتَعْصِيبًا بِالْقَرَابَةِ فَتَثْبُتُ لَهُمُ الْحَضَانَةُ كَالْأَبِ، بِخِلَافِ

стр. 2838

مَحَارِمِهَا، وَإِذَا امْتَنَعَتِ الْأُمُّ مِنْ حَضَانَتِهَا انْتَقَلَتْ إِلَى أُمِّهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى الْأَبِ. فَإِنْ عُدِمَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ، فَهَلْ لِلرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَضَانَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَهُمْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ أَبُو الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُ أَحَقَّ مِنَ الْخَالِ، وَفِي ــ [المبدع في شرح المقنع] الْأَجَانِبِ، فَإِنَّهُ لَا قَرَابَةَ لَهُمْ، وَلَا شَفَقَةَ (إِلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ لَيْسَ لِابْنِ عَمِّهَا حَضَانَتُهَا) وَعَلَّلَهُ (لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَارِمِهَا) وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِابْنِ الْعَمِّ، بَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي كُلِّ عَصَبَةٍ غَيْرِ ذِي مَحْرَمِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ مُمَيَّزَةً، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": إِذَا بَلَغَتْ سَبْعًا لَمْ تُسَلَّمْ إِلَيْهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " تُشْتَهَى، وَاخْتَارَ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ يُسَلِّمُهَا إِلَى ثِقَةٍ يَخْتَارُهَا هُوَ، أَوْ إِلَى مَحْرَمِهِ ; لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَحَاكِمٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ مُحَرَّمٌ، فَإِنْ كَانَ، فَيَجُوزُ لَهُ حَضَانَتُهَا، وَكَذَا قَالَ فِيمَنْ تَزَوَّجَتْ، وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ غَيْرُهَا، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ، وَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلْخَبَرِ لِعَدَمِ عُمُومِهِ (وَإِذَا امْتَنَعَتِ الْأُمُّ مِنْ حَضَانَتِهَا انْتَقَلَتْ إِلَى أُمِّهَا) فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْقَرِيبِ سَقَطَ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بِهِ، فَاخْتَصَّ السُّقُوطُ بِهِ كَمَا لَوْ سَقَطَ الْمَانِعُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى الْأَبِ) لِأَنَّ أُمَّهَاتِهَا فَرْعٌ عَلَيْهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا سَقَطَ فَرْعُهَا، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْأَبِ إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ بِخِلَافِ الْأُخْتِ لِلْأَبَوَيْنِ وَأَنَّهَا إِذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا لَمْ يُسْقِطْ حَقَّ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا، وَلَيْسَتْ فَرْعًا عَلَيْهَا (فَإِنَّ عُدِمَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ، فَهَلْ لِلرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَضَانَةٌ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَهُمْ ذَلِكَ) لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا، وَقَرَابَةً يَرِثُونَ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ، أَشْبَهَ الْبَعِيدَ مِنَ الْعَصَبَةِ (فَيَكُونُ أَبُو الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُ أَحَقَّ مِنَ الْخَالِ) لِأَنَّهُ يُسْقِطُهُ فِي الْمِيرَاثِ (وَفِي تَقْدِيمِهِمْ عَلَى الْأَخِ مِنَ الْأُمِّ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: يُقْدَّمُ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ ; لِأَنَّهُ يَرِثُ بِالْفَرْضِ، وَيَسْقُطُ ذَوِي الْأَرْحَامِ كُلُّهُمْ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فِي الْحَضَانَةِ، وَالثَّانِي: أَبُو الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُ أَوْلَى مِنْهُ ; لِأَنَّ أَبَا الْأُمِّ يُدْلِي إِلَيْهَا بِالْأُبُوَّةِ، وَالْأَخُ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ، وَالْأَبُ يُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ فِي الْوِلَايَةِ، فَيُقَدَّمُ فِي الْحَضَانَةِ ; لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهَا وَيَنْتَقِلُ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ يَحْضُنُ بِنَفْسِهِ، وَلَا لَهُمْ وِلَايَةٌ لِعَدَمِ تَعْصِيبِهِمْ، أَشْبَهُوا الْأَجَانِبَ [الْغَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَضَانَةِ] (وَلَا

стр. 2839

تَقْدِيمِهِمْ عَلَى الْأَخِ مِنَ الْأُمِّ وَجْهَانِ. وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ وَلَا فَاسِقٍ وَلَا كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا امْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ لِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ. فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ رَجَعُوا إِلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ) لِعَجْزِهِ عَنْهَا بِخِدْمَةِ مَوْلَاهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ جُزْءٌ رَقِيقٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْعَهُ الَّذِي يَحْصُلُ الْكَفَالَةَ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " فِي مُعْتَقٍ بَعْضُهُ: قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ يَدْخُلُ فِي مُهَايَأَةٍ، أَيْ: لَهُ الْحَضَانَةُ فِي أَيَّامِهِ، وَفِي " الْفُنُونِ " لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِأُمِّ وَلَدٍ فَلَهَا حَضَانَةُ وَلَدِهَا مِنْ سَيِّدِهَا، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِزَوْجٍ وَسَيِّدٍ، وَقَالَ فِي " الْهَدْيِ ": لَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ (وَلَا فَاسِقٍ) لِأَنَّهُ لَا يُوَفِّي الْحَضَانَةَ حَقَّهَا، وَلَا حَضَانَةَ لِلْوَلَدِ ; لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَلَى طَرِيقَتِهِ، وَخَالَفَ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " ; لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ لِذَلِكَ وَأَقَرَّ النَّاسُ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ بَيَانًا وَاضِحًا عَامًّا، وَلِاحْتِيَاطِ الْفَاسِقِ وَشَفَقَتِهِ عَلَى وَلَدِهِ (وَلَا كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) بَلْ ضَرَرُهُ أَعْظَمُ ; لِأَنَّهُ يَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ وَيُخْرِجُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ بِتَعْلِيمِهِ الْكُفْرَ وَتَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ ضَرَرٌ، فَكَانَ مَنْفِيًّا (وَلَا امْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْحُلْوَانِيُّ، وَكَذَا أَطْلَقُهُ أَحْمَدُ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» فَجَعَلَ اسْتِحْقَاقَهَا مَشْرُوطًا بِعَدَمِ النِّكَاحِ، وَشَرْطُهُ أَنْ تَكُونَ مُزَوَّجَةً (لِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهَا تَشْتَغِلُ عَنِ الْحَضَانَةِ بِحُقُوقِ الزَّوْجِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَ الزَّوْجُ، قَالَ صَاحِبُ " الْهَدْيِ ": لَا تَسْقُطُ إِنْ رَضِيَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ سُقُوطَهَا لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الزَّوْجِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُزَوَّجَةً بِنَسِيبٍ لِلطِّفْلِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ الْحَضَانَةِ، وَقِيلَ: لَا حَضَانَةَ لَهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِنَسِيبٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَدًّا لِلطِّفْلِ، وَالْأَشْهَرُ: وَقَرِيبُهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: وَنَسِيبِهِ، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ " ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ "، وَعَنْهُ: لَهَا حَضَانَةُ الْجَارِيَةِ فَقَطْ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا، وَجَعْفَرًا، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ تَنَازَعُوا فِي حَضَانَةِ بِنْتِ حَمْزَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: بِنْتُ عَمِّي، وَقَالَ زَيْدٌ: بِنْتُ أَخِي ; لِأَنَّهُ ﵇ آخَى بَيْنَهُمَا، وَقَالَ جَعْفَرٌ: بِنْتُ عَمِّي

стр. 2840

حَقِّهِمْ مِنْهَا. وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ النُّقْلَةَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ آمِنٍ لِيَسْكُنَهُ ، فَالْأَبُ أَحَقُّ، ــ [المبدع في شرح المقنع] وَخَالَتُهَا عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْخَالَةُ أُمٌّ وَسَلَّمَهَا إِلَى جَعْفَرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِنَحْوِهِ. فَجَعَلَ لَهَا الْحَضَانَةَ، وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ ; لِأَنَّ الْحَاضِنَةَ إِذَا تَزَوَّجَتْ بِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ كَالْجَدَّةِ الْمُزَوَّجَةِ بِالْجَدِّ لَمْ تَسْقُطْ ; لِأَنَّهُ يُشَارِكُهَا فِي الْوَلَادِيَّةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ الْأُمَّ إِذَا كَانَتْ مُزَوَّجَةً بِالْأَبِ، وَظَاهِرُهُ: لَا يُعْتَبَرُ الدُّخُولُ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ مَلَكَ مَنَافِعَهَا وَاسْتَحَقَّ زَوْجُهَا مَنْعَهَا مِنَ الْحَضَانَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ بِهَا، وَالثَّانِي: لَا تَسْقُطُ إِلَّا بِالدُّخُولِ ; لِأَنَّهَا بِهِ تَشْتَغِلُ عَنِ الْحَضَانَةِ. فَرْعٌ: كُلُّ عَصَبَتَيْنِ تَسَاوَيَا وَأَحَدُهُمَا مُتَزَوِّجٌ بِمَنْ هِيَ أَهْلٌ لِلْحَضَانَةِ قُدِّمَ بِذَلِكَ (فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ) فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ وَعَتَقَ الرَّقِيقُ وَعَدَلَ الْفَاسِقُ (رَجَعُوا إِلَى حَقِّهِمْ مِنْهَا) لِأَنَّ سَبَبَهَا قَائِمٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلَازِمِ كَالزَّوْجَةِ إِذَا طُلِّقَتْ، وَعَنْهُ: لَا يَعُودُ حَقُّهَا فِي طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ بَعْدَ الْعِدَّةِ. وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " ; لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ، فَلِذَلِكَ لَا تَعُودُ إِلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَجَوَابُهُ: أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فَعَادَ حَقُّهَا مِنَ الْحَضَانَةِ كَالْبَائِنِ، وَنَظِيرُهَا: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ فَمَنْ تَزَوَّجَ مِنَ الْبَنَاتِ، فَلَا حَقَّ لَهَا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهَا بِإِسْقَاطِهَا؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ. ١ - فَائِدَةٌ: هَلِ الْحَضَانَةُ حَقٌّ لِلْحَاضِنِ، أَوْ عَلَيْهِ؛ فِيهِ قَوْلَانِ، وَهَلْ لِمَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ أَنْ يُسْقِطَهَا وَيَنْزِلَ عَنْهَا؛ فِيهِ قَوْلَانِ. وَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ الْوَلَدِ أَيَّامَ حَضَانَتِهِ إِلَّا بِأُجْرَةٍ ; إِنْ قُلْنَا: الْحَقُّ لَهُ، وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَيْهِ خِدْمَتُهُ مَجَّانًا، وَلِلْفَقِيرِ الْأُجْرَةُ؛ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ وَهَبَتِ الْحَضَانَةَ لِلْأَبِ، وَقُلْنَا: الْحَقُّ لَهَا، لَزِمَتِ الْهِبَةُ، وَلَمْ تَرْجِعْ فِيهَا، وَإِنْ قُلْنَا: الْحَقُّ عَلَيْهَا، فَلَهَا الْعَوْدُ إِلَى طَلَبِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْهَدْيِ " وَنَسَبَهُ إِلَى أَنَّهُ كَلَامُ أَصْحَابِ مَالِكٍ [أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ النُّقْلَةَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ آمِنٍ لِيَسْكُنَهُ] (وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ النُّقْلَةَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ آمِنٍ لِيَسْكُنَهُ، فَالْأَبُ أَحَقُّ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُقِيمُ هُوَ الْأَبَ، أَوِ الْمُنْتَقِلُ ; لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي مَسْكَنِهِمَا، فَكَانَ الْأَبُ أَحَقَّ كَمَا لَوِ انْتَقَلْتَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى قَرْيَةٍ (وَعَنْهُ: الْأُمُّ أَحَقُّ) وَقَيَّدَهَا فِي " التَّرْغِيبِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "
следующие страницы →