Полный текст (3 567 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
الْأَبُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الْخَالَةُ، ثُمَّ الْعَمَّةُ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ. وَعَنْهُ: الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَحِجْرِي لَهُ حَوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ لَهُ ; وَلِقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ، بِعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ، فَقَالَ: رِيحُهَا وَشَمُّهَا وَلُطْفُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَلِأَنَّهَا أَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَقْرَبُ، وَلَا يُشَارِكُهَا في القرب إِلَّا الْأَبُ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلُ شَفَقَتِهَا، وَلَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إِلَى مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِأُجْرَةٍ مِثْلٍ كَرَضَاعٍ، قَالَهُ فِي " الْوَاضِحِ " وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ "، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً، أَوْ كَانَتْ، وَلَمْ تَسْتَوْعِبِ الشُّرُوطَ انْتَقَلَ إِلَى مَنْ يَلِيهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ الْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا) لِأَنَّ وِلَادَتَهُنَّ مُتَحَقِّقَةٌ فَهُنَّ فِي مَعْنَى الْأُمِّ. (الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ) لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَكْمَلُ شَفَقَةً مِنَ الْأَبْعَدِ وَأَقْرَبُ شَبَهًا بِالْأُمِّ. (ثُمَّ الْأَبُ) فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ كَمَالُ شَفَقَتِهِ، يَتَرَجَّحُ بِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِهَا بَعْدَ مَنْ ذُكِرَ. (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ، فَإِنْ قِيلَ: الْجَدُّ يُدْلِي بِالْأَقْرَبِ فَسَاوَاهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يُقَدَّمْنَ عَلَيْهِ؟ قِيلَ: الْأَبَوِيَّةُ مَعَ التَّسَاوِي، فَوَجَبَ الرُّجْحَانُ. دَلِيلُهُ: الْأُمُّ مَعَ الْأَبِ، وَعَنْهُ: أَنَّ أُمَّ الْأَبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ ; لِأَنَّهَا تَدُلِي بِعَصَبَةٍ فَعَلَيْهَا يَكُونُ الْأَبُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ; لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ، فَيَكُونُ الْأَبُ بَعْدَ الْأُمِّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ (ثُمَّ الْجَدُّ) لِأَنَّهُ أَبٌ، أَوْ بِمَنْزِلَتِهِ، وَمُقْتَضَاهُ تَقْدِيمُهُ بَعْدَ الْأَبِ، تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فِي أُمَّهَاتِ الْأَبِ لِمَا ذُكِرَ مِنَ التَّرْجِيحِ بِالْأَبَوِيَّةِ (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) لِمَا ذُكِرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَبِ، فَإِنْ قِيلَ: الْأَخَوَاتُ يُدْلِينَ بِالْأَبِ، وَهُوَ أَحَقُّ مِنَ الْجَدِّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يُدْلِي بِهِ أَحَقَّ مِمَّنْ يُدْلِي بِالْجَدِّ، قِيلَ: أُمَّهَاتُ الْجَدِّ اجْتَمَعَ فِيهِنَّ الْإِدْلَاءُ بِالْجَدِّ وَكَوْنُ الطِّفْلِ بَعْضًا مِنْهُنَّ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْأَخَوَاتِ (ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ) قُدِّمْنَ عَلَى سَائِرِ الْقَرَابَاتِ ; لِأَنَّهُنَّ يُشَارِكْنَ فِي النَّسَبِ، وَقُدِّمْنَ فِي الْمِيرَاثِ، وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ لِقُوَّةِ قَرَابَتِهَا، ثُمَّ مَنْ كَانَتْ لِأَبٍ، ثُمَّ لِأُمٍّ. نَصَّ عَلَيْهِ (ثُمَّ الْخَالَةُ) لِأَنَّهَا تُدْلِي بِالْأُمِّ، وَلِأَنَّ الشَّارِعَ قَدَّمَ خَالَةَ ابْنَةِ حَمْزَةَ عَلَى عَمَّتِهَا صَفِيَّةَ ; لِأَنَّ صَفِيَّةَ لَمْ تَطْلُبْ، وَجَعْفَرٌ طَلَبَ نَائِبًا عَنْ خَالَتِهَا فَقَضَى
стр. 2837
وَالْخَالَةُ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ، وَيَكُونُ هَؤُلَاءِ أَحَقَّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ، ثُمَّ تَكُونُ لِلْعَصَبَةِ. إِلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ لَيْسَ لِابْنِ عَمِّهَا حَضَانَتُهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الشَّارِعُ بِهَا لَهَا فِي غَيْبَتِهَا (ثُمَّ الْعَمَّةُ) أَيْ: لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ لِأُمٍّ (فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ) كَالْأَخَوَاتِ. قَدْ تَبِعَ الْمُؤَلِّفُ الْقَاضِي وَأَصْحَابَهَ فِي تَقْدِيمِ الْخَالَةِ عَلَى الْعَمَّةِ، وَالْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: فَتَنَاقَضُوا، وَقُدِّمْنَ عَلَى الْأَعْمَامِ ; لِأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ فَقُدِّمْنَ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ كَتَقْدِيمِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، ثُمَّ خَالَاتُ أَبَوَيْهِ، ثُمَّ عَمَّاتُ أَبِيهِ، ثُمَّ بَنَاتُ الْأَعْمَامِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَنَاتُ الْإِخْوَةِ، وَالْأَخَوَاتِ عَلَى الْعَمَّاتِ، وَالْخَالَاتِ وَمَنْ بَعْدَهُنَّ، وَهَلْ تُقَدَّمُ أُمُّ أُمِّهِ عَلَى أُمِّ أَبِيهِ وَأُخْتُهُ لِأُمِّهِ عَلَى أُخْتِهِ لِأَبِيهِ، وَخَالَتُهُ عَلَى عَمَّتِهِ، وَخَالَةُ أُمِّهِ عَلَى خَالَةِ أَبِيهِ، وَخَالَاتُ أَبِيهِ عَلَى عَمَّاتِهِ، وَمَنْ أَدْلَى بِعَمَّةٍ وَخَالَةٍ بِأُمٍّ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَبٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ (وَعَنْهُ: الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ، وَالْخَالَةُ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ) لِأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ يُدْلِينَ بِالْأُمِّ فَكُنَّ أَوْلَى مِنَ الْأَبِ كَالْجَدَّاتِ (وَيَكُونُ هَؤُلَاءِ أَحَقَّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ) لِأَنَّهُنَّ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، وَالْأَبُ أَحَقُّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ، فَعَلَى هَذِهِ تُقَدَّمُ نِسَاءُ الْحَضَانَةِ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُدْلِينَ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ نِسَاءِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ وَجِهَتِهِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْعَصَبَةُ عَلَى امْرَأَةٍ مَعَ قُرْبِهِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فَوَجْهَانِ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ) فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْدِيمُ قَرَابَةِ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمِّ ; لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِعَصَبَةٍ فَقُدِّمْنَ كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ ; لِأَنَّ الْخَالَاتِ أَخَوَاتُ الْأُمِّ، فَيَجْرِينَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالتَّقْدِيمُ فِيمَا بَيْنَهُنَّ مَجْرَى الْأَخَوَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الْخَالَاتِ فَبِعْدَهُنَّ الْعَمَّاتُ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، فَإِذَا عُدِمْنَ انْتَقَلَتْ إِلَى خَالَةِ الْأَبِ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَعَلَى الصَّحِيحِ إِلَى خَالَةِ الْأُمِّ (ثُمَّ تَكُونُ لِلْعَصَبَةِ) وَأَقْرَبُهُمْ أَبٌ، ثُمَّ جَدُّ، ثُمَّ أَقْرُبُ عَصَبَةٍ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً وَتَعْصِيبًا بِالْقَرَابَةِ فَتَثْبُتُ لَهُمُ الْحَضَانَةُ كَالْأَبِ، بِخِلَافِ
стр. 2838
مَحَارِمِهَا، وَإِذَا امْتَنَعَتِ الْأُمُّ مِنْ حَضَانَتِهَا انْتَقَلَتْ إِلَى أُمِّهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى الْأَبِ. فَإِنْ عُدِمَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ، فَهَلْ لِلرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَضَانَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَهُمْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ أَبُو الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُ أَحَقَّ مِنَ الْخَالِ، وَفِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَجَانِبِ، فَإِنَّهُ لَا قَرَابَةَ لَهُمْ، وَلَا شَفَقَةَ (إِلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ لَيْسَ لِابْنِ عَمِّهَا حَضَانَتُهَا) وَعَلَّلَهُ (لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَارِمِهَا) وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِابْنِ الْعَمِّ، بَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي كُلِّ عَصَبَةٍ غَيْرِ ذِي مَحْرَمِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ مُمَيَّزَةً، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": إِذَا بَلَغَتْ سَبْعًا لَمْ تُسَلَّمْ إِلَيْهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " تُشْتَهَى، وَاخْتَارَ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ يُسَلِّمُهَا إِلَى ثِقَةٍ يَخْتَارُهَا هُوَ، أَوْ إِلَى مَحْرَمِهِ ; لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَحَاكِمٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ مُحَرَّمٌ، فَإِنْ كَانَ، فَيَجُوزُ لَهُ حَضَانَتُهَا، وَكَذَا قَالَ فِيمَنْ تَزَوَّجَتْ، وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ غَيْرُهَا، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ، وَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلْخَبَرِ لِعَدَمِ عُمُومِهِ (وَإِذَا امْتَنَعَتِ الْأُمُّ مِنْ حَضَانَتِهَا انْتَقَلَتْ إِلَى أُمِّهَا) فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْقَرِيبِ سَقَطَ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بِهِ، فَاخْتَصَّ السُّقُوطُ بِهِ كَمَا لَوْ سَقَطَ الْمَانِعُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى الْأَبِ) لِأَنَّ أُمَّهَاتِهَا فَرْعٌ عَلَيْهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا سَقَطَ فَرْعُهَا، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْأَبِ إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ بِخِلَافِ الْأُخْتِ لِلْأَبَوَيْنِ وَأَنَّهَا إِذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا لَمْ يُسْقِطْ حَقَّ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا، وَلَيْسَتْ فَرْعًا عَلَيْهَا (فَإِنَّ عُدِمَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ، فَهَلْ لِلرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَضَانَةٌ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَهُمْ ذَلِكَ) لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا، وَقَرَابَةً يَرِثُونَ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ، أَشْبَهَ الْبَعِيدَ مِنَ الْعَصَبَةِ (فَيَكُونُ أَبُو الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُ أَحَقَّ مِنَ الْخَالِ) لِأَنَّهُ يُسْقِطُهُ فِي الْمِيرَاثِ (وَفِي تَقْدِيمِهِمْ عَلَى الْأَخِ مِنَ الْأُمِّ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: يُقْدَّمُ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ ; لِأَنَّهُ يَرِثُ بِالْفَرْضِ، وَيَسْقُطُ ذَوِي الْأَرْحَامِ كُلُّهُمْ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فِي الْحَضَانَةِ، وَالثَّانِي: أَبُو الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُ أَوْلَى مِنْهُ ; لِأَنَّ أَبَا الْأُمِّ يُدْلِي إِلَيْهَا بِالْأُبُوَّةِ، وَالْأَخُ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ، وَالْأَبُ يُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ فِي الْوِلَايَةِ، فَيُقَدَّمُ فِي الْحَضَانَةِ ; لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهَا وَيَنْتَقِلُ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ يَحْضُنُ بِنَفْسِهِ، وَلَا لَهُمْ وِلَايَةٌ لِعَدَمِ تَعْصِيبِهِمْ، أَشْبَهُوا الْأَجَانِبَ
[الْغَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَضَانَةِ]
(وَلَا
стр. 2839
تَقْدِيمِهِمْ عَلَى الْأَخِ مِنَ الْأُمِّ وَجْهَانِ.
وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ وَلَا فَاسِقٍ وَلَا كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا امْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ لِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ. فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ رَجَعُوا إِلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ) لِعَجْزِهِ عَنْهَا بِخِدْمَةِ مَوْلَاهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ جُزْءٌ رَقِيقٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْعَهُ الَّذِي يَحْصُلُ الْكَفَالَةَ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " فِي مُعْتَقٍ بَعْضُهُ: قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ يَدْخُلُ فِي مُهَايَأَةٍ، أَيْ: لَهُ الْحَضَانَةُ فِي أَيَّامِهِ، وَفِي " الْفُنُونِ " لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِأُمِّ وَلَدٍ فَلَهَا حَضَانَةُ وَلَدِهَا مِنْ سَيِّدِهَا، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِزَوْجٍ وَسَيِّدٍ، وَقَالَ فِي " الْهَدْيِ ": لَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ (وَلَا فَاسِقٍ) لِأَنَّهُ لَا يُوَفِّي الْحَضَانَةَ حَقَّهَا، وَلَا حَضَانَةَ لِلْوَلَدِ ; لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَلَى طَرِيقَتِهِ، وَخَالَفَ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " ; لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ لِذَلِكَ وَأَقَرَّ النَّاسُ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ بَيَانًا وَاضِحًا عَامًّا، وَلِاحْتِيَاطِ الْفَاسِقِ وَشَفَقَتِهِ عَلَى وَلَدِهِ (وَلَا كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) بَلْ ضَرَرُهُ أَعْظَمُ ; لِأَنَّهُ يَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ وَيُخْرِجُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ بِتَعْلِيمِهِ الْكُفْرَ وَتَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ ضَرَرٌ، فَكَانَ مَنْفِيًّا (وَلَا امْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْحُلْوَانِيُّ، وَكَذَا أَطْلَقُهُ أَحْمَدُ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» فَجَعَلَ اسْتِحْقَاقَهَا مَشْرُوطًا بِعَدَمِ النِّكَاحِ، وَشَرْطُهُ أَنْ تَكُونَ مُزَوَّجَةً (لِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهَا تَشْتَغِلُ عَنِ الْحَضَانَةِ بِحُقُوقِ الزَّوْجِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَ الزَّوْجُ، قَالَ صَاحِبُ " الْهَدْيِ ": لَا تَسْقُطُ إِنْ رَضِيَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ سُقُوطَهَا لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الزَّوْجِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُزَوَّجَةً بِنَسِيبٍ لِلطِّفْلِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ الْحَضَانَةِ، وَقِيلَ: لَا حَضَانَةَ لَهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِنَسِيبٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَدًّا لِلطِّفْلِ، وَالْأَشْهَرُ: وَقَرِيبُهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: وَنَسِيبِهِ، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ " ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ "، وَعَنْهُ: لَهَا حَضَانَةُ الْجَارِيَةِ فَقَطْ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا، وَجَعْفَرًا، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ تَنَازَعُوا فِي حَضَانَةِ بِنْتِ حَمْزَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: بِنْتُ عَمِّي، وَقَالَ زَيْدٌ: بِنْتُ أَخِي ; لِأَنَّهُ ﵇ آخَى بَيْنَهُمَا، وَقَالَ جَعْفَرٌ: بِنْتُ عَمِّي
стр. 2840
حَقِّهِمْ مِنْهَا.
وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ النُّقْلَةَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ آمِنٍ لِيَسْكُنَهُ ، فَالْأَبُ أَحَقُّ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَخَالَتُهَا عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْخَالَةُ أُمٌّ وَسَلَّمَهَا إِلَى جَعْفَرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِنَحْوِهِ.
فَجَعَلَ لَهَا الْحَضَانَةَ، وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ ; لِأَنَّ الْحَاضِنَةَ إِذَا تَزَوَّجَتْ بِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ كَالْجَدَّةِ الْمُزَوَّجَةِ بِالْجَدِّ لَمْ تَسْقُطْ ; لِأَنَّهُ يُشَارِكُهَا فِي الْوَلَادِيَّةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ الْأُمَّ إِذَا كَانَتْ مُزَوَّجَةً بِالْأَبِ، وَظَاهِرُهُ: لَا يُعْتَبَرُ الدُّخُولُ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ مَلَكَ مَنَافِعَهَا وَاسْتَحَقَّ زَوْجُهَا مَنْعَهَا مِنَ الْحَضَانَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ بِهَا، وَالثَّانِي: لَا تَسْقُطُ إِلَّا بِالدُّخُولِ ; لِأَنَّهَا بِهِ تَشْتَغِلُ عَنِ الْحَضَانَةِ.
فَرْعٌ: كُلُّ عَصَبَتَيْنِ تَسَاوَيَا وَأَحَدُهُمَا مُتَزَوِّجٌ بِمَنْ هِيَ أَهْلٌ لِلْحَضَانَةِ قُدِّمَ بِذَلِكَ (فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ) فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ وَعَتَقَ الرَّقِيقُ وَعَدَلَ الْفَاسِقُ (رَجَعُوا إِلَى حَقِّهِمْ مِنْهَا) لِأَنَّ سَبَبَهَا قَائِمٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلَازِمِ كَالزَّوْجَةِ إِذَا طُلِّقَتْ، وَعَنْهُ: لَا يَعُودُ حَقُّهَا فِي طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ بَعْدَ الْعِدَّةِ. وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " ; لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ، فَلِذَلِكَ لَا تَعُودُ إِلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَجَوَابُهُ: أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فَعَادَ حَقُّهَا مِنَ الْحَضَانَةِ كَالْبَائِنِ، وَنَظِيرُهَا: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ فَمَنْ تَزَوَّجَ مِنَ الْبَنَاتِ، فَلَا حَقَّ لَهَا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهَا بِإِسْقَاطِهَا؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
١ -
فَائِدَةٌ: هَلِ الْحَضَانَةُ حَقٌّ لِلْحَاضِنِ، أَوْ عَلَيْهِ؛ فِيهِ قَوْلَانِ، وَهَلْ لِمَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ أَنْ يُسْقِطَهَا وَيَنْزِلَ عَنْهَا؛ فِيهِ قَوْلَانِ. وَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ الْوَلَدِ أَيَّامَ حَضَانَتِهِ إِلَّا بِأُجْرَةٍ ; إِنْ قُلْنَا: الْحَقُّ لَهُ، وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَيْهِ خِدْمَتُهُ مَجَّانًا، وَلِلْفَقِيرِ الْأُجْرَةُ؛ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ وَهَبَتِ الْحَضَانَةَ لِلْأَبِ، وَقُلْنَا: الْحَقُّ لَهَا، لَزِمَتِ الْهِبَةُ، وَلَمْ تَرْجِعْ فِيهَا، وَإِنْ قُلْنَا: الْحَقُّ عَلَيْهَا، فَلَهَا الْعَوْدُ إِلَى طَلَبِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْهَدْيِ " وَنَسَبَهُ إِلَى أَنَّهُ كَلَامُ أَصْحَابِ مَالِكٍ
[أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ النُّقْلَةَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ آمِنٍ لِيَسْكُنَهُ]
(وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ النُّقْلَةَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ آمِنٍ لِيَسْكُنَهُ، فَالْأَبُ أَحَقُّ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُقِيمُ هُوَ الْأَبَ، أَوِ الْمُنْتَقِلُ ; لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي مَسْكَنِهِمَا، فَكَانَ الْأَبُ أَحَقَّ كَمَا لَوِ انْتَقَلْتَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى قَرْيَةٍ (وَعَنْهُ: الْأُمُّ أَحَقُّ) وَقَيَّدَهَا فِي " التَّرْغِيبِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "
стр. 2841
وَعَنْهُ: الْأُمُّ أَحَقُّ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ، فَالْمُقِيمُ مِنْهُمَا أَحَقُّ.
فَصْلٌ وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا. فَإِنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِإِقَامَتِهَا ; لِأَنَّهَا أَتَمُّ شَفَقَةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: لِلْمُقِيمِ مِنْهُمَا، وَقَالَ فِي " الْهَدْيِ ": إِنْ أَرَادَ الْمُنْتَقِلُ مَضَارَّةَ الْآخَرِ، وَانْتِزَاعَ الْوَلَدِ لَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ، بَلْ يُعْمَلُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْوَلَدِ، وَهُوَ مُرَادُ الْأَصْحَابِ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَأْدِيبِ وَلَدِهِ وَتَخْرِيجِهِ وَحِفْظِ نَسَبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ ضَاعَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ، وَالْبَعِيدُ هُوَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّ مَا دَوَّنَهُ فِي حُكْمِ الْقَرِيبِ، وَنَصُّهُ: مَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْعَوْدُ فِي يَوْمِهِ. اخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْأَبِ لَهُ مُمْكِنَةٌ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا زَادَ (فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ، فَالْمُقِيمُ مِنْهُمَا أَحَقُّ) لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِي انْتِزَاعِهِ، وَهُوَ صُوَرٌ، مِنْهَا إِذَا كَانَ السَّفَرُ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ يَعُودُ، فَالْمُقِيمُ أَوْلَى ; لِأَنَّ فِي الْمُسَافَرَةِ بِالطِّفْلِ إِضْرَارًا بِهِ، وَقِيلَ: لِلْأُمِّ، وَقِيلَ: مَعَ قُرْبِهِ، وَمِنْهَا إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ، أَوِ الْبَلَدُ الَّذِي يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ مَخُوفًا، فَالْمُقِيمُ أَحَقُّ ; لِأَنَّ فِي السَّفَرِ خَطَرًا، أَوْ تَغْرِيرًا بِالْوَلَدِ، وَمِنْهَا إِذَا كَانَ لِلسُّكْنَى مَعَ قُرْبِهِ، فَكَذَا، وَقِيلَ: لِلْأُمِّ، فَلَوْ انْتَقَلَا جَمِيعًا إِلَى بَلَدٍ وَاحِدٍ، فَالْأُمُّ عَلَى حَضَانَتِهَا وَكَمَا لَوْ أَخَذَهُ الْأَبُ، ثُمَّ اجْتَمَعَا، فَإِنَّهُ يَعُودُ حَقُّهَا.
١ -
فَرْعٌ: غَيْرُ الْأَبِ مِنَ الْعَصَبَاتِ وَغَيْرُ الْأُمِّ مِمَّنْ لَهُ الْحَضَانَةُ يَقُومُ مَقَامَهَمَا فِي ذَلِكَ.
[فَصْلٌ: تَخْيِيرُ الْغُلَامِ بَيْنَ أَبَوَيْهِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ]
فَصْلٌ (وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ) وَهُوَ عَاقِلٌ (خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ (فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا) قَضَى بِهِ عُمَرُ، رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعَلِيٌّ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَعَنْهُ: أَبُوهُ أَحَقُّ، وَعَنْهُ: أُمُّهُ، وَقِيلَ: حَتَّى يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيَتَوَضَّأَ وَيَلْبَسَ
стр. 2842
اخْتَارَ أَبَاهُ كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ وَلَا تُمْنَعُ هِيَ تَمْرِيضَهُ، وَإِنِ اخْتَارَ أُمَّهُ كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا وَعِنْدَ أَبِيهِ نَهَارًا لِيُعَلِّمَهُ الصِّنَاعَةَ، وَالْكِتَابَةَ وَيُؤَدِّبَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الْآخَرَ، نُقِلَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنِ اخْتَارَ الْأَوَّلَ رُدَّ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَحْدَهُ، فَيَكُونُ أَبُوهُ أَحَقَّ بِهِ بِلَا تَخْيِيرٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُورُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ وَنَفَعَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَنَّهُ إِذَا مَالَ إِلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَقُيِّدَ بِالسَّبْعِ ; لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالٍ أَمَرَ الشَّرْعُ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْأُمِّ، فَإِنَّهَا قُدِّمَتْ فِي حَالِ الصِّغَرِ لِحَاجَتِهِ إِلَى حَمْلِهِ وَمُبَاشَرَةِ خِدْمَتِهِ ; لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِذَلِكَ، وَهَذَا إِذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَإِنْ كَانَا مَعْدُومَيْنِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا فَإِلَى امْرَأَةٍ كَأُخْتِهِ، أَوْ عَمَّتِهِ، فَإِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْأُمِّ، فَلَوْ بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ مَعْتُوهًا فَأُمُّهُ، فَلَوْ اخْتَارَ الصَّبِيُّ أَبَاهُ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ، رُدَّ إِلَى الْأُمِّ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا حَضَانَةَ عَلَى الْبَالِغِ الرَّشِيدِ، وَيُقِيمُ أَيْنَ شَاءَ وَأَحَبَّ، وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا يَنْفَرِدَ عَنْهُمَا، فَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ وَلِأَبِيهَا مَنْعُهَا مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ قَامَ الْوَلِيُّ مَقَامَهُ (فَإِنِ اخْتَارَ أَبَاهُ كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ) لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِغْرَاءِ بِالْعُقُوقِ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ (وَلَا تُمْنَعُ هِيَ تَمْرِيضَهُ) لِأَنَّهُ صَارَ بِالْمَرَضِ كَالصَّغِيرِ فِي الْحَاجَّةِ (وَإِنِ اخْتَارَ أُمَّهُ كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا) لِأَنَّهُ مُسْتَحَقُّ الْحَضَانَةِ (وَعِنْدَ أَبِيهِ نَهَارًا لِيُعَلِّمَهُ الصِّنَاعَةَ، وَالْكِتَابَةَ وَيُؤَدِّبَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقَصْدُ مِنْ حِفْظِ الْوَلَدِ (فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الْآخَرَ، نُقِلَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنِ اخْتَارَ الْأَوَّلَ رُدَّ إِلَيْهِ) هَكَذَا أَبَدًا ; لِأَنَّ هَذَا اخْتِيَارُ تَشَهٍّ، وَقَدْ يَشْتَهِي أَحَدَهُمَا فِي وَقْتٍ دُونَ آخَرَ، فَأُتْبِعَ بِمَا يَشْتَهِيهِ، وَقِيلَ: إِنْ أَسْرَفَ تَبَيُّنَ قِلَّةِ تَمْيِيزِهِ أَخَذَتْهُ أُمُّهُ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَقَرُّ بِيَدِ مَنْ لَا يَصُونُهُ وَيُصْلِحُهُ
стр. 2843
أَحَدَهُمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنِ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْحَضَانَةِ كَالْأُخْتَيْنِ قُدِّمُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ. وَإِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعًا كَانَتْ عِنْدَ أَبِيهَا وَلَا تُمْنَعُ الْأُمُّ مِنْ زِيَارَتِهَا وَتَمْرِيضِهَا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَحَدَهُمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " احْتِمَالُ أُمِّهِ أَحَقُّ كَبُلُوغِهِ غَيْرِ رَشِيدٍ، وَإِذَا قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقَرْعَةِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، نُقِلَ إِلَيْهِ (وَإِنِ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْحَضَانَةِ كَالْأُخْتَيْنِ قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقَرْعَةِ) أَيْ: قَبْلَ السَّبْعِ، وَيَكُونُ لِمَنِ اخْتَارَهُ الطِّفْلُ بَعْدَهَا إِنْ خُيِّرَ.
١ -
فَرْعٌ: سَائِرُ الْعَصَبَةِ كَالْأَبِ فِي التَّخْيِيرِ، وَالْإِقَامَةِ، وَالنُّقْلَةِ بِالطِّفْلِ إِنْ كَانَ مَحْرَمًا، وَذُو الْحَضَانَةِ مِنْ عَصَبَةٍ وَذَوِي رَحِمٍ فِي التَّخْيِيرِ مَعَ الْأُمِّ كَالْأَبِ، وَحَضَانَةِ رَقِيقٍ لِسَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا تَهَايَأَ فِيهِ سَيِّدُهُ، وَقَرِيبُهُ
١ -
(وَإِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعًا كَانَتْ عِنْدَ أَبِيهَا) لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْحَضَانَةِ الْحَضْنُ، وَهُوَ لَهَا بَعْدَ السَّبْعِ ; لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى الْحِفْظِ، وَإِنَّمَا تُخْطَبُ مِنْ أَبِيهَا، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَعَنْهُ: الْأُمُّ أَحَقُّ، قَالَ فِي " الْهَدْيِ ": وَهِيَ الْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ وَأَصَحُّ دَلِيلًا، وَعَنْهُ: تُخَيَّرُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهَا فِيهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ تَبَرَّعَتْ بِحَضَانَتِهِ أَمْ لَا، وَعَنْهُ: بَعْدَ تِسْعٍ، فَإِنْ بَلَغَتْ فَهِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يَتَسَلَّمَهَا زَوْجٌ، وَعَنْهُ: عِنْدَهَا، وَقِيلَ: إِنْ حُكِمَ بِرُشْدِهَا فَحَيْثُ أَحَبَّتْ كَغُلَامٍ، وَقَالَهُ فِي " الْوَاضِحِ " وَخَرَّجَهُ عَلَى عَدَمِ إِجْبَارِهَا، وَالْمُرَادُ بِشَرْطِ كَوْنِهَا مَأْمُونَةً (وَلَا تُمْنَعُ الْأُمُّ مِنْ زِيَارَتِهَا وَتَمْرِيضِهَا) لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَهِيَ أَحَقُّ بِالسَّهَرِ وَالصِّيَانَةِ ; لِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ، بِخِلَافِ أُمِّهَا، فَإِنْ تَخَرَّجَتْ وَعَرَفَتْ وَعَقَلَتْ، فَلَا يُخَافُ عَلَيْهَا.
فَرْعٌ: لَمْ أَقِفْ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى نَقْلٍ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْبِنْتِ الْبِكْرِ حَتَّى يَجِيءَ فِي جَوَازِ اسْتِقْلَالِهِ، وَانْفِرَادِهِ عَنْ أَبَوَيْهِ الْخِلَافُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2844
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةٍ أَضْرُبٍ: عَمْدٍ، وَشِبْهِ عَمْدٍ، وَخَطَأٍ، وَمَا أُجْرِي مَجْرَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ] [أَنْوَاعُ الْقَتْلِ] [ النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْعَمْدُ وَهُوَ أَقْسَامٌ] [ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَجْرَحُهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ فِي الْبَدَنِ]
ِ وَهِيَ جَمْعُ جِنَايَةٍ وَجُمِعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مَصْدَرًا لِتَنَوُّعِهَا إِلَى عَمْدٍ وَخَطَأٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا جِنَايَاتُ الْجِرَاحَةِ، وَنَحْوُهَا، وَهِيَ كُلُّ فِعْلِ عُدْوَانٍ عَلَى نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ، لَكِنَّهَا فِي الْعُرْفِ مَخْصُوصَةٌ بِمَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّعَدِّي عَلَى الْأَبْدَانِ بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا، أَوْ نَحْوَهُ وَسَمَّوُا الْجِنَايَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ غَصْبًا وَنَهْبًا وَسَرِقَةً وَإِتْلَافًا وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِذَا فَعَلَ، ثُمَّ تَابَ قُبِلَتْ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِلْآيَةِ، وَالْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَكَالْكَافِرِ، وَعَنْهُ: لَا تُقْبَلُ، ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي " انْتِصَارِهِ "، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الْآيَةَ، وَحُمِلَتْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مُسْتَحِلًّا، وَلَمْ يَتُبْ، أَوْ عَلَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ إِنْ جَازَاهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ، وَمَا أُجْرِي مَجْرَى الْخَطَأِ) كَذَا
стр. 2845
الْخَطَأِ. فَالْعَمْدُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ عَالِمًا بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، وَهُوَ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ فِي الْبَدَنِ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَجْرَحَهُ بِسِكِّينٍ، أَوْ يَغْرِزَهُ بِمِسَلَّةٍ فَيَمُوتَ إِلَّا أَنْ يَغْرِزَهُ بِإِبْرَةٍ، أَوْ شَوْكَةٍ، وَنَحْوِهِمَا فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ فَيَمُوتَ فِي الْحَالِ، فَفِي كَوْنِهِ عَمْدًا وَجْهَانِ. وَإِنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ضِمْنًا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ قَتْلَهُ بِمَا يَصْلُحُ غَالِبًا عُرْفًا، فَهُوَ عَمْدٌ، وَإِنْ كَانَ بِمَا لَا يَصْلُحُ لِلْقَتْلِ غَالِبًا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْلَ، فَهُوَ خَطَأٌ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ كَالْقَتْلِ بِالسَّبَبِ وَكَالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةٍ: عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ. صَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَالْمُجِدُّ فِي " مُحَرَّرِهِ "، وَالْجَدُّ فِي " فُرُوعِهِ " ; لِأَنَّ مَا أُجْرِي مَجْرَى الْخَطَأِ خَطَأٌ ; لِأَنَّ فَاعِلَهُ لَمْ يَقْصِدْهُ إِذْ هُوَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا يَصِحُّ قَصْدُهُ. (فَالْعَمْدُ) يَخْتَصُّ الْقَوَدُ بِهِ (أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ عَالِمًا بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا) هَذَا بَيَانٌ لِلْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ شَرْعًا، فَالْأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنْ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَالثَّانِي احْتِرَازٌ مِنَ الْخَطَأِ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ " مَعْصُومًا " احْتِرَازٌ مِنَ الْحَرْبِيِّ، وَنَحْوَهُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ (وَهُوَ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا (أَحَدُهَا: أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ) أَيْ: نُفُوذٌ (فِي الْبَدَنِ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ غَيْرِهِ) كَرَصَاصٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، فَهَذَا كُلُّهُ إِذَا جَرَحَهُ جَرْحًا كَبِيرًا فَمَاتَ، فَهُوَ عَمْدٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَلَوْ طَالَتْ عِلَّتُهُ مِنْهُ (مِثْلَ أَنْ يَجْرَحَهُ بِسِكِّينٍ، أَوْ يَغْرِزَهُ بِمِسَلَّةٍ فَيَمُوتَ) فَهَذَا عَمْدٌ مَحْضٌ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَقَالَ (إِلَّا أَنْ يَغْرِزَهُ بِإِبْرَةٍ، أَوْ شَوْكَةٍ، وَنَحْوِهِمَا) كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ (فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ فَيَمُوتَ فِي الْحَالِ فَفِي كَوْنِهِ عَمْدًا وَجْهَانِ) وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ إِذَا جَرَحَهُ جَرْحًا صَغِيرًا فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ فَمَاتَ فِي الْحَالِ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا قَوَدَ فِيهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ كَالْعَصِيِّ، وَالثَّانِي، وَهُوَ الْأَشْهَرُ: فِيهِ الْقِصَاصُ، وَهُوَ
стр. 2846
حَتَّى مَاتَ، أَوْ كَانَ الْغَرْزُ بِهَا فِي مَقْتَلٍ كَالْفُؤَادِ، وَالْخِصْيَتَيْنِ فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ، وَإِنْ قَطَعَ سِلْعَةً مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوْدُ، وَإِنْ قَطَعَهَا حَاكِمٌ مِنْ صَغِيرٍ، أَوْ وَلِيَهُ فَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ.
الثَّانِي: أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ ، أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ ; لِأَنَّ الْمُحَدَّدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ شَحْمَةَ أُذُنِهِ، أَوْ أُنْمُلَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ إِدَارَةُ الْحُكْمِ وَضَبْطُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ - وَجَبَ رَبْطُهُ بِكَوْنِهِ مُحَدَّدًا، وَلِأَنَّ فِي الْبَدَنِ مَقَاتِلَ خَفِيَّةً، وَهَذَا لَهُ سَرَايَةٌ وَمَوْرٌ، أَشْبَهَ الْجُرْحَ الْكَبِيرَ (وَإِنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنًا) أَيْ: مُتَأَلِّمًا، وَهُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الَّذِي بِهِ الزَّمَانَةُ فِي جَسَدِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَزِمَتْهُ عِلَّةٌ (حَتَّى مَاتَ) فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فِيهِ الْقَوَدَ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " التَّرْغِيبِ " ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ حُصُولَ الْمَوْتِ بِغَيْرِهِ ظَاهِرًا كَانَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ (أَوْ كَانَ الْغَرْزُ بِهَا فِي مَقْتَلٍ كَالْفُؤَادِ، وَالْخِصْيَتَيْنِ) وَالْعَيْنِ، وَالْخَاصِرَةِ، وَالصَّدْغِ وَأَصْلِ الْأُذُنِ (فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ) لِأَنَّ الْإِصَابَةَ بِذَلِكَ فِي مَقْتَلٍ كَالْإِصَابَةِ بِالسِّكِّينِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، وَكَذَا إِنْ بَالَغَ فِي إِدْخَالِ الْإِبْرَةِ، وَنَحْوِهَا فِي الْبَدَنِ ; لِأَنَّهُ يَشْتَدُّ أَلَمُهُ وَيُؤَدِّي إِلَى الْقَتْلِ كَالْكَبِيرِ (وَإِنْ قَطَعَ سِلْعَةً) خَطِرَةً، أَوْ بَطَّهَا (مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِفِعْلِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ (وَإِنْ قَطَعَهَا حَاكِمٌ مِنْ صَغِيرٍ) أَوْ مَجْنُونٍ (أَوْ وَلَيِّهِ فَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ فَعَلَهُ لِمَصْلَحَتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ خَتَنَهُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: إِنْ قَطَعَهَا مِنْ صَغِيرٍ وَنَحْوِهِ وَلِيُّهُ لَكَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ الْحَاكِمَ وَغَيْرَهُ
[الثَّانِي أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ]
(الثَّانِي: أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ) وَهُوَ بَيْتٌ مِنْ شَعَرٍ وَعَمُودُهُ الْخَشَبَةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مَا فِيهِ دِقَّةٌ وَرَشَاقَةٌ،
стр. 2847
بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَمُوتُ بِهِ كَاللُّتِّ وَالْكُوذَيْنِ وَالسَّنَدَانِ، أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ، أَوْ يُلْقِي عَلَيْهِ حَائِطًا، أَوْ سَقْفًا، أَوْ يُلْقِيهِ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ يُعِيدُ الضَّرْبَ بِصَغِيرٍ، أَوْ يَضْرِبُهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَهُ بِمُثْقَلٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ الزُّهُوقِ بِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ، فَهُوَ عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ، وَلِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوَضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ الْمُثْقَلَ يَقْتُلُ غَالِبًا فَوَجَبَ الْقِصَاصُ بِهِ كَالْمُحَدَّدِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا ضَرَبَهُ بِمِثْلِ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ. نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ ﵇ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ جَارَتَهَا بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا فَقَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ، وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحَمِلُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَنَقَلَ ابْنُ مُشَيْشٍ عَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ، وَلَعَلَّهُ ضَرَبَهُ بِالْعَمُودِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ التُّرْكُ لِخَيْمَهِمْ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا (أَوْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَمُوتُ بِهِ كَاللُّتِّ) وَهُوَ بِضَمِّ اللَّامِ نَوْعٌ مِنْ آلَةِ السِّلَاحِ مَعْرُوفٌ فِي زَمَانِنَا، وَهُوَ لَفْظٌ مُوَلَّدٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ (وَالْكَوْذَيْنِ) وَهُوَ لَفْظٌ مُوَلَّدٌ أَيْضًا، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْخَشَبَةِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي يَدُقُّ بِهَا الدَّقَّاقُ الثِّيَابَ (وَالسِنْدَانِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُوَلَّدٌ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْآلَةِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْحَدِيدِ الثَّقِيلَةِ يَعْمَلُ عَلَيْهَا الْحَدَّادُ صِنَاعَتَهُ (أَوْ حَجَرٌ كَبِيرٌ) لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي كَوْنِهِ يَقْتُلُ غَالِبًا، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ هُنَا لِكَوْنِهِ مُثْقَلًا، فَلَا أَثَرَ لِلْفَرْقِ (أَوْ يُلْقِي عَلَيْهِ حَائِطًا، أَوْ سَقْفًا، أَوْ يُلْقِيهِ مِنْ شَاهِقٍ) لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي الْقَتْلِ (أَوْ يُعِيدُ الضَّرْبَ بِصَغِيرٍ) كَالْعِصِيِّ، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ ; لِأَنَّ الْإِعَادَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْمُثْقَلِ الْكَبِيرِ كَذَا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ (أَوْ يَضْرِبُهُ بِهِ) مَرَّةً (فِي مَقْتَلٍ) لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِهِ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ فِي " الْوَاضِحِ "، وَفِي
стр. 2848
بِهِ فِي مَقْتَلٍ، أَوْ فِي حَالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ مِنْ مَرِيضٍ، أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، ونَحْوِهِ.
الثَّالِثُ: أَلْقَاهُ فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ، أَوْ أَنْهَشَهُ كَلْبًا ، أَوْ سَبْعًا، أَوْ حَيَّةً، أَوْ أَلْسَعَهُ عَقْرَبًا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأُولَى فِي " الِانْتِصَارِ " هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ (أَوْ فِي حَالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ مِنْ مَرِيضٍ أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، ونَحْوِهِ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، أَشْبَهَ الْمُثْقَلَ الْكَبِيرَ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَتَلَهُ بِلَكْمَةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَعْلَمُهُ، وَقِيلَ: أَوْ يَجْهَلُهُ، فَإِنْ، قَالَ لَمْ أَقْصِدْ قَتْلَهُ لَمْ يُصَدَّقْ
[الثَّالِثُ أَلْقَاهُ فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ أَوْ أَنْهَشَهُ كَلْبًا]
(الثَّالِثُ أَلْقَاهُ فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ) الزُّبْيَةُ: بِوَزْنِ غُرْفَةٍ، وَهِيَ الرَّابِيَةُ الَّتِي لَا يَعْلُوهَا الْمَاءُ (أَوْ أَنْهَشَهُ) بِالْمُعْجَمَةِ، وَالْمُهْمَلَةِ سَوَاءٌ، وَقِيلَ: بِالْمُهْمَلَةِ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ وَبِالْمُعْجَمَةِ بِالْأَضْرَاسِ (كَلْبًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ حَيَّةً، أَوْ أَلْسَعَهُ عَقْرَبًا مِنَ الْقَوَاتِلِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ) نَقُولُ: إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَبْعٍ، أَوْ نَمِرٍ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ كَزُبْيَةٍ، وَنَحْوِهَا، فَقَتَلَهُ، فَهُوَ عَمْدٌ فِيهِ الْقَوَدُ ; لِأَنَّهُ إِذَا تَعَمَّدَ الْإِلْقَاءَ فَقَدْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَإِنْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا لَوْ فَعَلَهُ الْآدَمِيُّ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا لَمْ يَجِبِ الْقَوَدُ ; لِأَنَّ السَّبْعَ صَارَ آلَةً لِلْآدَمِيِّ، فَكَانَ فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ، فَإِنْ أَلْقَاهُ مَكْتُوفًا فِي فَضَاءٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَكَذَا إِنْ جَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَيَّةٍ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ فَنَهَشَتْهُ وَقَتَلَتْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ الضَّمَانُ فِي الصُّورَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَسَدَ، وَالْحَيَّةَ يَهْرَبَانِ مِنَ الْآدَمِيِّ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَكَانَ عَمْدًا مَحْضًا، وَالْأَسَدُ يَأْخُذُ الْآدَمِيَّ الْمُطْلَقَ فَكَيْفَ يَهْرُبُ مِنْ مَكْتُوفٍ؟ وَالْحَيَّةُ إِنَّمَا تَهْرُبُ فِي مَكَانٍ وَاسِعٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ أُلْقِيَ مَكْتُوفًا فِي أَرْضٍ مُسْبِعَةٍ، أَوْ ذَاتِ حَيَّاتٍ فَقَتَلَتْهُ أَنَّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ رِوَايَتَيْنِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ، فَإِنَّهُ نَفَى الضَّمَانَ بِالْكُلِّيَّةِ فِي صُورَةٍ كَانَ الْقَتْلُ فِيهَا أَغْلَبَ وَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي صُورَةٍ كَانَ فِيهَا أَنْدَرَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ هُنَا وَيَجِبُ الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا تَلِفَ بِهِ، وَهُوَ لَا يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا، وَقَوْلُهُ: مِنَ الْقَوَاتِلِ يَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ حَيَّةِ الْمَاءِ وَثُعْبَانِ الْحِجَازِ، أَوْ سَبْعٍ صَغِيرٍ، فَقِيلَ: هُوَ شِبْهُ عَمْدٍ كَالسَّوْطِ، وَكَمَا لَوْ كَتَّفَهُ وَطَرَحَهُ فِي أَرْضٍ
стр. 2849
مِنَ الْقَوَاتِلِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ.
الرَّابِعُ: أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يُغْرِقُهُ، أَوْ نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا .
الْخَامِسُ: خَنْقُهُ بِحَبْلِ، أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ سَدُّ أَنْفِهِ وَفَمِهِ، أَوْ عَصْرُ خَصْيَتَيْهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُسْبِعَةٍ فَقَتَلَهُ سَبْعٌ، أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ، وَقِيلَ: عَمْدٌ.
١ -
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِذَا أَغْرَى كَلْبَهُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَقَرَهُ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبَهُ
[الرَّابِعُ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يُغْرِقُهُ أَوْ نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصَ مِنْهَا]
(الرَّابِعُ: أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يُغْرِقُهُ، أَوْ نَارٍ، لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصَ مِنْهَا) فَمَاتَ بِهِ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بَعْدَ فِعْلٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إِسْنَادُ الْقَتْلِ إِلَيْهِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ عَمْدًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ فَلَبِثَ فِيهِ اخْتِيَارًا حَتَّى مَاتَ فَهَدَرٌ، وَإِنْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمَكِنُهُ التَّخَلُّصَ مِنْهَا، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ، فَلَا قَوَدَ، وَلَا يَضْمَنُ فِي وَجْهٍ ; لِأَنَّهُ مُهْلِكٌ لِنَفْسِهِ بِإِقَامَتِهِ كَمَاءٍ يَسِيرٍ فِي الْأَصَحِّ، لَكِنْ يَضْمَنُ مَا أَصَابَتِ النَّارُ مِنْهُ وَيَضْمَنُهُ فِي آخِرَ ; لِأَنَّهُ جَانٍ بِالْإِلْقَاءِ الْمُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ ; لِأَنَّ يَسِيرَ النَّارِ مُهْلِكٌ، بِخِلَافِ يَسِيرِ الْمَاءِ، وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ أَنْ يَنْجُوَ مِنْهُمَا، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ وَجَبَتِ الدِّيَةُ.
١ -
مَسْأَلَةٌ: إِذَا حَفَرَ فِي بَيْتِهِ بِئْرًا وَسَتَرَهُ لِيَقَعَ فِيهِ أَحَدٌ فَوَقَعَ فَمَاتَ، وَقَدْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ، فَهُوَ عَمْدٌ، وَقِيلَ: لَا كَمَا لَوْ دَخَلَ بِلَا إِذْنِهِ، أَوْ كَانَتْ مَكْشُوفَةً بِحَيْثُ يَرَاهَا الدَّاخِلُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمَالِكِ فِي عَدَمِ الْإِذْنِ
[الْخَامِسُ خَنْقُهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ]
(الْخَامِسُ: خَنْقُهُ بِحَبْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ) وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْنُقَهُ بِحَبْلٍ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ يُعَلِّقَهُ فِي خَشَبَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا، فَيَمُوتَ، فَهُوَ عَمْدٌ، سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْحَالِ، أَوْ بَقِيَ زَمَنًا ; لِأَنَّ هَذَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ اللُّصُوصِ، وَالْمُفْسِدِينَ.
الثَّانِي: أَنْ يَخْنُقَهُ، وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ (أَوْ سَدَّ أَنْفَهُ وَفَمَهُ) حَتَّى مَاتَ، أَيْ: فَعَلَ ذَلِكَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا، فَهُوَ عَمْدٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَإِنْ كَانَ فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا، فَهُوَ عَمْدٌ خَطَأٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "،
стр. 2850
حَتَّى مَاتَ.
السَّادِسُ حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ حَتَّى مَاتَ جُوعًا وَعَطَشًا فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا.
السَّابِعُ: سَقَاهُ سُمًّا لَا يَعْلَمُ بِهِ ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ فَأَطْعَمَهُ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ فَأَكَلَهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَمَاتَ، فَإِنْ عَلِمَ آكِلُهُ بِهِ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ نَفْسِهِ فَأَكَلَهُ إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَإِنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ سَدُّهُمَا جَمِيعًا ; لِأَنَّ الْحَيَاةَ فِي الْغَالِبِ لَا تَفُوتُ إِلَّا بِسَدِّهِمَا، نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ إِذَا غَمَّهُ حَتَّى يَقْتُلَهُ قُتِلَ بِهِ (أَوْ عَصَرَ خِصْيَتَيْهِ حَتَّى مَاتَ) أَيْ: عَصَرَهُمَا عَصْرًا يَقْتُلُهُ غَالِبًا فَمَاتَ، أَوْ بَقِيَ سَالِمًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مُدَّةً يَمُوتُ فِيهَا غَالِبًا، فَالْقَوَدُ، وَإِنْ صَحَّ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَرِئَ الْجُرْحُ، ثُمَّ مَاتَ
[السَّادِسُ حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ حَتَّى مَاتَ]
(السَّادِسُ: حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ، وَالشَّرَابَ) وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ (حَتَّى مَاتَ جُوعًا وَعَطَشًا فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِالْمَوْتِ عِنْدَهُ، فَإِذَا تَعَمَّدَهُ الْإِنْسَانُ فَقَدْ تَعَمَّدَ الْقَتْلَ، وَقَوْلُهُ: فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا ; لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الزَّمَانَ إِذَا كَانَ شَدِيدَ الْحَرَارَةِ، وَكَانَ الشَّخْصُ جَائِعًا مَاتَ فِي الزَّمَانِ الْقَلِيلِ، وَإِنْ كَانَ شَبْعَانَ، وَالزَّمَنُ مُعْتَدِلٌ، أَوْ بَارِدٌ لَمْ يَمُتْ إِلَّا فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ، وَإِنْ شَكَكْنَا فِيهَا لَمْ يَجِبِ الْقَوَدُ، أَوْ تَرَكَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَعَ الْقُدْرَةِ فَمَاتَ فَهَدَرٌ
[السَّابِعُ سَقَاهُ سُمًّا لَا يَعْلَمُ بِهِ]
(السَّابِعُ: سَقَاهُ سُمًّا، لَا يَعْلَمُ بِهِ) فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، فَكَانَ عَمْدًا كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ بِمُحَدَّدٍ (أَوْ خَلَطَهُ) سُمًّا (بِطَعَامٍ فَأَطْعَمَهُ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ فَأَكَلَهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَمَاتَ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَأَطْلَقَ ابْنُ رَزِينٍ فِيمَا إِذَا أَلْقَمَهُ سُمًّا، أَوْ خَلَطَهُ بِهِ قَوْلَيْنِ (فَإِنْ عَلِمَ آكِلُهُ بِهِ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ) فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قُدِّمَ إِلَيْهِ سِكِّينًا فَقَتَلَ بِهَا نَفْسَهُ وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِنَفْيِ الضَّمَانِ أَمْرَانِ: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا عِبْرَةَ بِفِعْلِهِمَا
стр. 2851
ادَّعَى الْقَاتِلُ بِالسُّمِّ أَنَّنِي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَيُقْبَلُ فِي الْآخَرِ وَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ.
الثَّامِنُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا .
التَّاسِعُ: أَنْ يَشْهَدَا عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلِ عَمْدٍ أَوْ رِدَّةٍ أَوْ زِنًا فُيَقْتَلُ بِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيُشْتَرَطُ لَهُ أَيْضًا شَرْطٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِكَوْنِ السُّمِّ قَاتِلًا ; لِأَنَّ مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: عَلِمَ بِكَوْنِهِ قَاتِلًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا إِذْ هُوَ شَيْءٌ يُضَادُّ الْقُوَّةَ الْحَيَوَانِيَّةَ (أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ نَفْسِهِ فَأَكَلَهُ إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ قَتَلَ نَفْسَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا لِيَقَعَ فِيهَا اللِّصُّ إِذَا دَخَلَ يَسْرِقُ مِنْهَا، وَكَذَا لَوْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ فَأَكَلَ الطَّعَامَ الْمَسْمُومَ بِلَا إِذْنِهِ (فَإِنِ ادَّعَى الْقَاتِلُ بِالسُّمِّ أَنَّنِي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ السُّمَّ يَقْتُلُ غَالِبًا أَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ بِهِ (وَيَقْبَلُ فِي الْآخَرِ) وَقِيلَ: وَيَجْهَلُهُ مِثْلُهُ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَاتِلٌ، وَهَذَا شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْقَوَدَ (وَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ) لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَصَدَ فِعْلَ الشَّيْءِ الدَّاعِي إِلَى الْقَتْلِ بِشِبْهِ الْعَمْدِ كَمَا لَوْ كَانَ لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا
[الثَّامِنُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا]
(الثَّامِنُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا) إِذَا كَانَ السَّاحِرُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، أَشْبَهَ الْمُحَدَّدَ، وَكَذَا إِذَا بَقِيَ مُدَّةً يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا أَنَّهُ خَطَأُ الْعَمْدِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوِ ادَّعَى الْجَهْلَ بِكَوْنِهِ يَقْتُلُ، وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ، أَوْ كَانَ غَيْرَ قَاتِلٍ، أَوِ ادَّعَى قَاتِلُ الْمَرِيضِ الْجَهْلَ بِمَرَضِهِ فِي وَجْهٍ، فَشِبْهُ عَمْدٍ
[التَّاسِعُ أَنْ يَشْهَدَا عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلِ عَمْدٍ أَوْ رِدَّةٍ أَوْ زِنًا فَيُقْتَلُ بِذَلِكَ]
(التَّاسِعُ: أَنْ يَشْهَدَا عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلِ عَمْدٍ، أَوْ رِدَّةٍ أَوْ زِنًا) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَعِبَارَةُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ ": وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، وَهِيَ أَحْسَنُ (فَيُقْتَلُ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعَا) أَوْ يَرْجِعُ وَاحِدٌ مِنْ سِتَّةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " (وَيَقُولَا: عَمَدْنَا قَتْلَهُ) وَفِي " الْكَافِي " وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَمْ يَجُزْ
стр. 2852
وَيَقُولَا: عَمَدْنَا قَتَلَهُ، أَوْ يَقُولُ الْحَاكِمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهُمَا وَعَمَدْتُ قَتْلَهُ، أَوْ يَقُولُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
جَهْلُهُمَا بِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " و " الرِّعَايَةِ ": وَكَذَّبَتْهُمَا قَرِينَةٌ، فَعَلَيْهِمَا الْقَوَدُ لِمَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُ أَيْدِيَكُمَا، وَلِأَنَّهُمَا تَوَصَّلَا إِلَى قَتْلِهِ بِسَبَبٍ يَقْتُلُ غَالِبًا، أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ (أَوْ يَقُولُ الْحَاكِمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهُمَا وَعَمَدْتُ قَتْلَهُ، أَوْ يَقُولُ الْوَلِيُّ ذَلِكَ) لَزِمَ الْقَوَدُ ; لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الشُّهُودِ، فَكَانَ الْحَاصِلُ بِسَبَبِهِمَا عَمْدًا كَالْقَتْلِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الشَّاهِدَيْنِ، فَلَوْ أَقَرَّ الشَّاهِدَانِ وَالْحَاكِمُ وَالْوَلِيُّ جَمِيعًا بِذَلِكَ، فَعَلَى الْوَلِيِّ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْقَتْلَ عَمْدًا وَعُدْوَانًا، وَقَالَ فِي " الشَّرْحِ ": يَنْبَغِي أَلَّا يَجِبَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُمْ مُتَسَبِّبُونَ، وَالْمُبَاشَرَةُ تُبْطِلُ حُكْمَ التَّسَبُّبِ كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهٌ: هُمَا كَمُمْسِكٍ مَعَ مُبَاشِرٍ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ الْوَلِيُّ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الشُّهُودِ وَالْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُمْ مُتَسَبِّبُونَ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمُبَاشِرِ الْعَالِمِ ثُمَّ وَلِيًّا ثُمَّ الْبَيِّنَةُ وَالْحَاكِمُ، وَقِيلَ: ثُمَّ حَاكِمًا ; لِأَنَّ سَبَبَهُ أَخَصُّ مِنَ الْبَيِّنَةِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ شَهَادَتِهِمْ وَقَتْلِهِ، فَلَوْ بَاشَرَ الْقَتْلَ وَكِيلُ الْوَلِيِّ وَأَقَرَّ بِالْعِلْمِ وَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ ظُلْمًا، فَهُوَ الْقَاتِلُ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِالْوَلِيِّ، وَقِيلَ: فِي قَتْلِ حَاكِمٍ وَجْهَانِ كَمُزَكٍّ، فَإِنَّ الْمُزَكِّيَ لَا يُقْتَلُ عِنْدَ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْجِئٍ وَيُقْتَلُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ عَلَى الْبَيِّنَةِ وَالْحَاكِمِ، فَقِيلَ: عَلَى عَدَدِهِمْ، وَقِيلَ: نِصْفَيْنِ، وَلَوْ رَجَعَ الْوَلِيُّ وَالْبَيِّنَةُ ضَمِنَهُ الْوَلِيُّ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ عَمَدْتُ قَتْلَهُ وَبَعْضُهُمْ أَخْطَأْتُ، فَلَا قَوَدَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ عَلَى الْأَصَحِّ وَعَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ، وَالْمُخْطِئِ مِنَ الْمُخَفَّفَةِ، وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ تَعَمَّدْتُ وَأَخْطَأَ شَرِيكِي فَوَجْهَانِ فِي الْقَوَدِ، وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَدْنَا وَالْآخَرُ أَخْطَأْنَا لَزِمَ الْمُقِرَّ بِالْعَمْدِ الْقَوَدُ، وَالْآخَرَ نِصْفُ الدِّيَةِ (فَهَذَا كُلُّهُ) أَيْ: الْأَقْسَامُ
стр. 2853
الْوَلِيُّ ذَلِكَ. فَهَذَا كُلُّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُهُ.
فَصْلٌ وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَقْصِدَ الْجِنَايَةَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا؛ فَيُقْتَلُ إِمَّا لِقَصْدِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ، أَوْ لِقَصْدِ التَّأْدِيبِ لَهُ فَيُسْرِفُ فِيهِ. نَحْوُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا أَوْ حَجَرٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
التِّسْعَةُ، وَشِبْهُهُ (عَمْدٌ مَحْضٌ) أَيْ: لَا شُبْهَةَ فِيهِ (مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُهُ) أَيْ: بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ.
[النَّوْعُ الثَّانِي شِبْهُ الْعَمْدِ]
فَصْلٌ (وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَقْصِدَ الْجِنَايَةَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا) هَذَا بَيَانٌ لِشِبْهِ الْعَمْدِ سُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ الْفِعْلَ وَأَخْطَأَ فِي الْقَتْلِ وَسُمِّيَ خَطَأَ الْعَمْدِ وَعَمْدَ الْخَطَأِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ، فَقَوْلُهُ " يَقْصِدُ الْجِنَايَةَ " يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْخَطَأِ. وَبِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ، زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ ": وَلَمْ يَجْرَحْهُ بِهَا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ (فَيُقْتَلُ إِمَّا لِقَصْدِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ، أَوْ لِقَصْدِ التَّأْدِيبِ لَهُ فَيُسْرَفُ فِيهِ) فَهَذَا لَا قَوَدَ فِيهِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، قَالَ: " «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: " «أَلَا إِنَّ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا - فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلَهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ، وَرَوَاهُمَا النَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا سَمَّاهُ خَطَأَ الْعَمْدِ وَأَوْجَبَ فِيهِ الدِّيَةَ لَا الْقَصَّاصَ، وَهَذَا قِسْمٌ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَالْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ ثَبَتَا بِالْكِتَابِ (نَحْوُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ) لِأَنَّ
стр. 2854
صَغِيرٍ أَوْ يَلْكُزُهُ، أَوْ يُلْقِيَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، أَوْ يَسْحَرَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، أَوْ يَصِيحَ بِصَبِيٍّ، أَوْ مَعْتُوهٍ وَهُمَا عَلَى سَطْحٍ فَيَسْقُطَانِ، أَوْ يَغْتَفِلَ عَاقِلًا فَيَصِيحَ بِهِ فَيَسْقُطَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
فَصْلٌ وَالْخَطَأُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْمِيَ الصَّيْدَ، أَوْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ فَيَقْتُلُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِقَتْلِهِ بِذَلِكَ (أَوْ يَلْكُزَهُ) اللَّكْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ الْكَفِّ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ جَسَدِهِ، وَقَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": هُوَ الضَّرْبُ بِالْكَفِّ فِي الصَّدْرِ (أَوْ يُلْقِيَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ يَسْحَرَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا) وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ ; لِأَنَّ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا هُوَ عَمْدٌ (أَوْ يَصِيحَ بِصَبِيٍّ أَوْ مَعْتُوهٍ) وَفِي " الْوَاضِحِ ": أَوِ امْرَأَةٍ، وَقِيلَ: أَوْ مُكَلَّفٍ (وَهُمَا عَلَى سَطْحٍ فَيَسْقُطَانِ) لِأَنَّ الصِّيَاحَ فِي الْعَادَةِ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَإِذَا تَعَقَّبَهُ الْمَوْتُ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ (أَوْ يَغْتَفِلَ عَاقِلًا فَيَصِيحَ بِهِ فَيَسْقُطَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ) كَذَهَابِ عَقْلِهِ، فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَأَوْجَبَ دِيَتَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَهِيَ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ.
نَقَلَ الْفَضْلُ فِي رَجُلٍ بِيَدِهِ سِكِّينٌ فَصَاحَ بِهِ رَجُلٌ فَرَمَى بِهَا فَعَقَرَتْ رَجُلًا هَلْ عَلَى مَنْ صَاحَ بِهِ شَيْءٌ؛ قَالَ: هَذَا أَخْشَى عَلَيْهِ قَدْ صَاحَ بِهِ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا أَمْسَكَ الْحَيَّةَ كَمُدَّعِي الْمَشْيَخَةَ فَقَتَلَتْهُ فَقَاتِلُ نَفْسِهِ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَقْتُلُ فَشِبْهُ عَمْدٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكَلَ حَتَّى بَشَمَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ نَفْسِهِ، وَإِمْسَاكُ الْحَيَّاتِ جِنَايَةٌ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيِّ الدِّينِ.
[النَّوْعُ الثَّالِثُ الْقَتْلُ الْخَطَأُ وَهُوَ أَقْسَامٌ]
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَرْمِي الصَّيْدَ أَوْ يَفْعَلُ مَا لَهُ فِعْلُهُ فَيَقْتُلُ إِنْسَانًا]
فَصْلٌ (وَالْخَطَأُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْمِيَ الصَّيْدَ، أَوْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ فَيَقْتُلُ إِنْسَانًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأِ أَنْ يَرْمِيَ شَيْئًا فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ
стр. 2855
إِنْسَانًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَقْتُلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، وَيَكُونُ مُسْلِمًا، أَوْ يَرْمِيَ إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ فَيُصِيبُ مُسْلِمًا، أَوْ يَتَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِمُسْلِمٍ وَيَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِنْ لَمْ يَرْمِهِمْ فَيَرْمِيهِمْ فَيَقْتُلُ الْمُسْلِمَ فَهَذَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ. وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ رِوَايَتَانِ.
وَالَّذِي أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ كَالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْتُلُ بِالسَّبَبِ مِثْلُ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا، أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى الْقَاتِلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ; لِأَنَّهَا إِذَا وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَيْهَا فِي شِبْهِ الْعَمْدِ فَلِأَنْ تَجِبَ فِي الْخَطَأِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِأَنَّ الْخَطَأَ يَكْثُرُ، فَلَوْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ لَأَجْحَفَ بِهِ فَنَاسَبَ تَعْلِيقِهَا بِالْعَاقِلَةِ لِتَحْصِيلِ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ إِيفَاءِ الْمَجْنِي عَلَيْهِ حَقَّهُ مَعَ عَدَمِ الْإِجْحَافِ بِالْجَانِي.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ قَتْلِهِ صَغِيرًا، أَوْ مَجْنُونًا وَأَمْكَنَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَقْتُلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا وَيَكُونُ مُسْلِمًا]
(الثَّانِي: أَنْ يَقْتُلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا وَيَكُونُ مُسَلَّمًا أَوْ يَرْمِيَ إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ فَيُصِيبَ مُسْلِمًا، أَوْ يَتَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِمُسْلِمٍ وَيَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِنْ لَمْ يَرْمِهِمْ فَيَرْمِيهِمْ فَيَقْتُلُ الْمُسْلِمَ فَهَذَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]
١ -
(وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: تَجِبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] الْآيَةَ، وَلِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً فَوَجَبَتْ كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تُجِبُ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] الْآيَةَ، فَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَذَكَرَهَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَبِهَا يَحُضُّ عُمُومَ مَا ذُكِرَ، وَعَنْهُ: تَجِبُ فِي الْأَخِيرَةِ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " عَكْسُهَا ; لِأَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ هُنَا
[الرَّابِعُ الَّذِي أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ]
(وَالَّذِي أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ كَالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْتُلُ بِالسَّبَبِ مِثْلُ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا، أَوْ يَنْصُبَ سِكِّينًا أَوْ حَجَرًا) تَعَدِّيًا، وَلَمْ يَقْصِدْ جِنَايَةً (فَيُؤَوَّلُ إِلَى إِتْلَافِ
стр. 2856
يَنْصُبَ سِكِّينًا أَوْ حَجَرًا فَيُؤَوَّلُ إِلَى إِتْلَافِ إِنْسَانٍ، وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَهَذَا كُلُّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
فَصْلٌ وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ، وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُونَ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ جَرَحَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِنْسَانٍ) لِأَنَّهُ يُشَارِكُ الْخَطَأَ فِي الْإِتْلَافِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ خَطَأً لِعَدَمِ الْقَصْدِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ، فَيَكُونُ مَا ذِكْرُ خَطَأً، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَالْقَتْلُ بِالسَّبَبِ مُلْحَقٌ بِالْخَطَأِ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْجِنَايَةَ، فَإِنْ قَصْدَهَا فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَقَدْ يَقْوَى فَيَلْحَقُ بِالْعَمْدِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِكْرَاهِ وَالشَّهَادَةِ (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَهَذَا كُلُّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِبْ بِالْخَطَأِ فَهَذَا أَوْلَى (وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِأَنَّهَا تَحْمِلُ دِيَةَ الْخَطَأِ فَمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ كَذَلِكَ (وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ) لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي الْخَطَأِ كَذَلِكَ فِي الَّذِي أُجْرِيَ مَجْرَاهُ.
[فَصْلٌ: قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ]
فَصْلٌ (وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ) عَلَى الْأَشْهَرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ غُلَامًا قُتِلَ غِيلَةً فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا إِذَا كَانَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَالِحًا لِلْقَتْلِ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا مَا لَمْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى ذَلِكَ (وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُونَ) نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ أَكْثَرُ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ مُكَافِئٌ لِلْمَقْتُولِ، فَلَا يُؤْخَذُ أَبْدَالٌ بِمُبْدَلٍ وَاحِدٍ كَمَا لَا تُؤْخَذُ دِيَاتٌ بِمَقْتُولٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْأَوْصَافِ يُمْنَعُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُؤْخَذُ بِالْعَبْدِ، فَالتَّفَاوُتُ فِي الْعَدَدِ أَوْلَى وَعَلَيْهَا تَلْزَمُهُمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ أَوْجَبَ قَتْلَ الْجَمَاعَةَ بِوَاحِدٍ، وَعَلَى الْأُولَى تَلْزَمُهُمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَشْهَرُ كَخَطَأٍ، وَنَقَلَ ابْنُ مَاهَانَ تَلْزَمُهُمْ دِيَاتٌ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ،
стр. 2857
أَحَدُهُمَا جُرْحًا وَالْآخَرُ مِائَةً فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، وَإِنْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَهُ الْآخَرُ مِنَ الْمِرْفَقِ فَهُمَا قَاتِلَانِ. وَإِنْ فَعَلَ أَحَدُهُمَا فِعْلًا لَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْفَضْلُ: إِنْ قَتَلَهُ ثَلَاثَةٌ فَلَهُ قَتْلُ أَحَدِهِمْ، وَالْعَفْوُ عَنْ آخَرَ وَأَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَةً مِنْ أَحَدِهِمْ (وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ; لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى قَتَلَ قُتِلَ بِهِ انْكَفَّ عَنْهُ، فَلَوْ لَمْ يُشْرَعِ الْقِصَاصُ فِي الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ لَبَطَلَتِ الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ، وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَجِبُ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ، فَوَجَبَتْ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ وَالدِّيَةِ أَنَّ الدَّمَ لَا يَتَبَعَّضُ، بِخِلَافِ الدِّيَةِ، وَهَذَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ، فَمَتَى عَفَا عَنِ الْقَوَدِ تَعَيَّنَتِ الدِّيَةُ، وَإِنْ قُلْنَا: مُوجِبُهُ الْقَوَدُ فَقَطْ فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَعْفُوا عَنِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ
١ -
(وَإِنْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا جُرْحًا وَالْآخَرُ مِائَةَ) جُرْحٍ، أَوْ أَوْضَحَهُ أَحَدُهُمَا، أَوْ شَجَّهُ الْآخَرُ آمَّةً، أَوْ أَحَدُهُمَا جَائِفَةً، وَالْآخَرُ غَيْرَ جَائِفَةٍ (فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ) لِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي يُفْضِي إِلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَنِ الْمُشْتَرِكِينَ إِذْ لَا يَكَادُ جُرْحَانِ يَتَسَاوَيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَوِ احْتَمَلَ التَّسَاوِيَ لَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ، وَلَا يُكْتَفَى بِاحْتِمَالِ الْوُجُودِ، بَلِ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فِي انْتِفَاءِ الْحُكْمِ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ الْوَاحِدَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَمُوتَ بِهِ دُونَ الْمِائَةِ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فَقَطَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ، وَالْآخَرُ رِجْلَهُ، وَالثَّالِثُ أَوْضَحَهُ فَمَاتَ فَلِلْوَلِيِّ قَتْلُ جَمِيعِهِمْ، وَالْعَفْوُ عَنْهُمْ إِلَى الدِّيَةِ وَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهَا، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ وَاحِدٍ فَيَأْخُذُ مِنْهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَيَقْتُلَ الْآخَرَيْنِ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنِ اثْنَيْنِ فَيَأْخُذُ مِنْهُمَا ثُلُثَيِ الدِّيَةِ، وَيَقْتُلَ الثَّالِثَ.
(وَإِنْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَهُ الْآخَرُ مِنَ الْمِرْفَقِ فَهُمَا قَاتِلَانِ) أَيْ: فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ، أَوِ الدِّيَةِ إِذَا قَطَعَ الثَّانِي قَبْلَ بُرُوءِ جِرَاحَةِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَذْهَبِ
стр. 2858
تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ كَقَطْعِ حُشْوَتِهِ أَوْ مَرِّيئِهِ أَوْ وَدَجَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ وَيُعَزَّرُ الثَّانِي، وَإِنْ شَقَّ الْأَوَّلُ بَطْنَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي وَعَلَى الْأَوَّلِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ. وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُمَا قَطْعَانِ، فَإِذَا مَاتَ بَعْدَهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ كَمَا لَوْ كَانَا فِي يَدَيْنِ، وَقِيلَ: الْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي فَيُقَادُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ قَطْعَ الثَّانِي قَطْعُ سَرَايَةٍ، قَطَعَهُ وَمَاتَ بَعْدَ زَوَالِ جِنَايَتِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ سَقَطَ الْقَوَدُ بِعَفْوٍ - غَرَمَا دِيَتَهُ نِصْفَيْنِ، وَإِنِ انْدَمَلَ الْجُرْحَانِ، فَعَلَى مَنْ قَطَعَ مِنَ الْكُوعِ الْقَوَدُ، وَعَلَى الْآخَرِ حُكُومَةٌ، وَعَنْهُ: ثُلْثُ دِيَةِ الْيَدِ، وَلَوْ قَتَلُوهُ بِأَفْعَالٍ لَا يَصْلُحُ وَاحِدٌ لِقَتْلِهِ نَحْوُ أَنْ يَضْرِبَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ سَوْطًا فِي حَالِهِ أَوْ مُتَوَالِيًا، فَلَا قَوَدَ، وَفِيهِ عَنْ تَوَاطُئٍ وَجْهَانِ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "
١ -
(وَإِنْ فَعَلَ أَحَدُهُمَا فِعْلًا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ كَقَطْعِ حُشْوَتِهِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا: أَمْعَاؤُهُ (أَوْ مَرِّيئِهِ) بِالْهَمْزِ، وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْحَلْقِ (أَوْ وَدَجَيْهِ) بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْرِهَا، وَالْوَدَجَانِ هُمَا عِرْقَانِ فِي الْعُنُقِ (ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ) لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَبْقَى مَعَ جِنَايَتِهِ (وَيُعَزَّرُ الثَّانِي) كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَيِّتٍ، فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُهُ وَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ فِيهِ كَمَيِّتٍ لَوْ كَانَ عَبْدًا، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَذَا جَعَلُوا الضَّابِطَ: مَنْ يَعِيشُ مِثْلُهُ، وَمَنْ لَا يَعِيشُ، وَكَذَا عَلَّلَ الْخِرَقِيُّ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي لَا يَعِيشُ: خَرَقَ بَطْنَهُ وَأَخْرَجَ حُشْوَتَهُ فَقَطَعَهَا فَأَبَانَهَا مِنْهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُبْنِهَا لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ بِقَطْعِهَا لَا يَعِيشُ، فَاعْتُبِرَ كَوْنُهُ لَا يَعِيشُ فِي مَوْضِعٍ خَاصٍّ، فَتَعْمِيمُ الْأَصْحَابِ فِيهِ نَظَرٌ
١ -
(وَإِنْ شَقَّ الْأَوَّلُ بَطْنَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي) لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفَوِّتُ لِلنَّفْسِ جزْما، فَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَالدِّيَةُ إِنْ عَفَا عَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِجُرْحِ الْأَوَّلِ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ (وَعَلَى الْأَوَّلِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ) لِأَنَّهُ حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ (بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْحَيَاةَ تَارَةً تَكُونُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ كَقَطْعِ الْيَدِ عَمْدًا، وَتَارَةً لَا تَكُونُ كَذَلِكَ كَقَطْعِهَا خَطَأً، لَكِنَّ جُرْحَ الْأَوَّلِ إِنْ كَانَ مُوجَبًا لِلْقِصَاصِ خُيِّرَ بَيْنَ قَطْعِ طَرَفِهِ وَالْعَفْوِ عَنْ دِيَتِهِ وَالْعَفْوِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ قَوَدًا كَالْجَائِفَةِ فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا عَلَيْهِ الْقِصَاصَ ; لِأَنَّ الثَّانِيَ بِفِعْلِهِ قَطَعَ سَرَايَةَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ وَتَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي ; لِأَنَّ
стр. 2859
شَاهِقٍ فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ فَقَدَّهُ فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي، وَإِنْ رَمَاهُ فِي لُجَّةٍ فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ فَابْتَلَعَهُ، فَالْقَوَدُ عَلَى الرَّامِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ أَكْرَهَ إِنْسَانًا عَلَى الْقَتْلِ فَقَتَلَ فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لَا يُمَيِّزُ أَوْ مَجْنُونًا أَوْ عَبْدَهُ الَّذِي لَا يَعْلَمُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عُمَرَ لَمَّا جُرِحَ وَسُقِيَ لَبَنًا فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ، فَعَلَمَ أَنَّهُ مَيِّتٌ وَعَهَدَ إِلَى النَّاسِ وَجَعَلَ الْخِلَافَةِ فِي أَهْلِ الشُّورَى فَقَبِلَ الصَّحَابَةُ عَهْدَهُ وَعَمِلُوا بِهِ
(وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ فَقَدَّهُ فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي) لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاتَهُ قَبْلَ الْمَصِيرِ إِلَى حَالٍ يُيْأَسُ فِيهَا مِنْ حَيَاتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَبَادَرَهُ آخَرُ فَقَطَعَ عُنُقَهُ قَبْلَ وُصُولِ السَّهْمِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ الرَّمْيَ سَبَبٌ، وَالْقَتْلَ مُبَاشَرَةٌ (وَإِنْ رَمَاهُ فِي لُجَّةٍ فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ فَابْتَلَعَهُ، فَالْقَوَدُ عَلَى الرَّامِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى قَتْلِهِ، وَلَمْ تُوجَدْ مُبَاشَرَةٌ فَصَلُحَ إِسْنَادُ الْقَتْلِ إِلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَعْمَلَ السَّبَبُ عَمَلَهُ وَبِهِ فَارِقٌ مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ، وَالْإِتْلَافَ حَصَلَ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَهُوَ يُوجِبُ بقَطْعُ التَّسَبُّبِ وَكَمَا لَوْ مَنَعَهُ مَوْجٌ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ كَانَ الْمَاءُ غَيْرَ مُغْرِقٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ قَطْعَ التَّسَبُّبِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِشَرْطِ صَلَاحِيَةِ إِسْنَادِ التَّلَفِ إِلَى الْمُبَاشَرَةِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا، وَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَلْتَقِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ الْمَاءَ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْغَرَقِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: إِنِ الْتَقَمَهُ بَعْدَ حُصُولِهِ فِيهِ قَبْلَ غَرَقِهِ، وَقِيلَ: شِبْهُ عَمْدٍ وَمَعَ قِلَّةٍ، فَإِنْ عَلِمَ بِالْحُوتِ فَالْقَوَدُ وَإِلَّا دِيَةٌ
١ -
(وَإِنْ أَكْرَهَ إِنْسَانًا) مُكَلَّفًا (عَلَى الْقَتْلِ) أَيْ: عَلَى قَتْلِ مُكَافِئِهِ (فَقَتَلَ فَالْقِصَاصُ) أَوِ الدِّيَةُ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " (عَلَيْهِمَا) لِأَنَّ الْمُكْرَهَ تَسَبَّبَ إِلَى قَتْلِهِ بِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ غَالِبًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً، وَالْمُكْرَهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا لِاسْتِبْقَاءِ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ فِي الْمَجَاعَةِ لِيَأْكُلَهُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ صَارَ الْأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ فَهِيَ عَلَيْهِمَا كَالشَّرِيكَيْنِ، وَفِي " الْمُوجَزِ " إِذَا قُلْنَا: تُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِمُكْرَهٍ وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ، لَا يُقَالُ: الْمُكْرَهُ مُلْجَأٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الِامْتِنَاعِ، وَلِهَذَا يَأْثَمُ بِالْقَتْلِ، وَقَوْلُهُ ﵇ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَمَّا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْقَتْلِ
١ -
(وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لَا يُمَيِّزُ أَوْ مَجْنُونًا) أَوْ أَعْجَمِيًّا، لَا يَعْلَمُ خَطَرَ الْقَتْلِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ ": أَوْ كَبِيرًا يَجْهَلُ
стр. 2860
أَنَّ الْقَتْلَ مُحَرَّمٌ فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ، وَإِنْ أَمَرَ كَبِيرًا عَاقِلًا عالما بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ فَقَتَلَ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ. وَإِنْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ إِنْسَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ مَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَحْرِيمَهُ (أَوْ عَبْدَهُ الَّذِي لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَتْلَ مُحَرَّمٌ) كَمَنْ نَشَأَ فِي غَيْرِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ (فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ) لِأَنَّ الْقَاتِلَ هُنَا كَالْآلَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً، وَنَقَلَ مُهَنَّا: إِذَا أَمَرَ صَبِيًّا أَنْ يَضْرِبَ رَجُلًا فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَعَلَى الْآمِرِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِدَفْعِ سِكِّينٍ إِلَيْهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " إِنْ أَمَرَ صَبِيًّا وَجَبَ عَلَى آمِرِهِ وَشَرِيكِهِ فِي رِوَايَةٍ، وَإِنْ سَلِمَ لَا يَلْزَمُهُمَا فَلِعَجْزِهِ غَالِبًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَقَامَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ أَهْلِهِ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ، وَلَا يُعْذَرُ فِيهِ إِذَا كَانَ عَالِمًا، وَحِينَئِذٍ يُقْتَلُ الْعَبْدُ وَيُؤَدَّبُ سَيِّدُهُ الْآمِرُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُقْتَلُ الْآمِرُ وَيُحْبَسُ الْعَبْدُ حَتَّى يَمُوتَ كَمُمْسِكِهِ، وَعَلَم أَنَّهُ إِذَا أَمَرَهُ بِزِنًا أَوْ سَرِقَةٍ فَعَلَى الْمُبَاشِرِ
(وَإِنْ أَمَرَ كَبِيرًا عَاقِلًا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ ظُلْمًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَمَا لَوْ لَمْ يُؤْمَرْ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: الْمُرَادُ بِالْكَبِيرِ هُنَا مَنْ يُمَيِّزُ، وَلَيْسَ بِكَبِيرٍ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى الْآمِرِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلِأَنَّ تَمْيِيزَهُ يَمْنَعُ كَوْنَهُ كَالْآلَةِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: اقْتُلْنِي، أَوِ اجْرَحْنِي. فَفَعَلَ غَيْرَ مُكْرَهٍ وَهُمَا مُكَلَّفَانِ فَهَدْرٌ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: تَلْزَمُ الدِّيَةُ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ دِيَةُ نَفْسِهِ إِرْثًا، وَيُحْتَمَلُ الْقَوَدُ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ عَبْدٌ لِمَنْ يُقْتَلُ بِهِ فَقَتَلَهُ ضَمِنَهُ لِسَيِّدِهِ بِمَالٍ فَقَطْ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: اقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ فَخِلَافٌ كَإِذْنِهِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": لَا إِثْمَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " اقْتُلْ نَفْسَكَ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ إِكْرَاهٌ كَاحْتِمَالٍ فِي: اقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا
١ -
(وَإِنْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ إِنْسَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي فِعْلِهِ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» وَلِأَنَّ غَيْرَ السُّلْطَانِ لَوْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ
стр. 2861
يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى الْآمِرِ. وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَانًا لِآخَرَ لِيَقْتُلَهُ فَقَتَلَهُ قُتِلَ الْقَاتِلُ وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَانَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُبَاشِرِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَيُحْتَمَلُ إِنْ خَافَ السُّلْطَانَ، قَتَلَ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَعَلَى الْآمِرِ) لِأَنَّ الْمَأْمُورَ مَعْذُورٌ لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِالْحَقِّ.
فَرْعٌ: إِذَا أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَالْقَوَدُ، أَوِ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الْقَتْلِ دُونَ الْمَأْمُورِ كَمُسْلِمٍ قَتَلَ ذِمِّيًّا، فَقَالَ الْقَاضِي: الضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ، وَالْمُقَلِّدِ، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ لَهُ تَقْلِيدَ الْإِمَامِ فِيمَا رَآهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، وَالْمَأْمُورُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ كَمَا لَوْ أَمَرَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ بِهِ
١ -
(وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَانًا لِآخَرَ لِيَقْتُلَهُ فَقَتَلَهُ، قُتِلَ الْقَاتِلُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) نَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الْآخَرُ، قُتِلَ الْقَاتِلُ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ نَحْوَهُ مِنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ ﵁، وَلِأَنَّهُ حَبَسَهُ إِلَى الْمَوْتِ، فَيُحْبَسُ الْآخَرُ عَنِ الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ حَتَّى يَمُوتَ (وَالْأُخْرَى يُقْتَلُ أَيْضًا) اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَادَّعَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى إِجْمَاعًا ; لِأَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا كَمَا لَوْ جَرَحَاهُ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُمْسِكُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ، إِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ فَتَحَ وَاحِدٌ فَمَهُ وَسَقَاهُ آخَرُ سُمًّا قَاتِلًا فَمَاتَ، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " بِقَتْلِهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ أَمْسَكَهُ لِيَقْطَعَ طَرَفَهُ، ذَكَرَهُ
стр. 2862
وَالْأُخْرَى يُقْتَلُ أَيْضًا، وَإِنْ كَتَّفَ إِنْسَانًا وَطَرَحَهُ فِي أَرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أَوْ ذَاتِ حَيَّاتٍ فَقَتَلَتْهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُمْسِكِ.
فَصْلٌ إِنِ اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ اثْنَانِ، لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى أَحَدِهِمَا: كَالْأَبِ وَأَجْنَبِيٍّ فِي قَتْلِ الْوَلَدِ. وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ. وَالْخَاطِئِ وَالْعَامِدِ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشَّرِيكِ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا: وُجُوبُهُ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ وَالْعَبْدِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الِانْتِصَارِ "، أَوْ تَبِعَ رَجُلًا لِيَقْتُلَهُ فَهَرَبَ فَأَدْرَكَهُ آخَرُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ حَبَسَهُ بِالْقَطْعِ لِيَقْتُلَهُ الثَّانِي فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الْقَطْعِ، وَحُكْمُهُ فِي النَّفْسِ حُكْمُ الْمُمْسِكِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ حَبْسَهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ دُونَ الْقَتْلِ كَالَّذِي أَمْسَكَهُ غَيْرُ عَالِمٍ
١ -
(وَإِنْ كَتَّفَ إِنْسَانًا وَطَرَحَهُ فِي أَرْضٍ مُسْبِعَةٍ، أَوْ ذَاتِ حَيَّاتٍ فَقَتَلَتْهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُمْسِكِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا وَتَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا مُتَعَمَّدًا، لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ.
فَرْعٌ: إِذَا أَمْسَكَ زَيْدٌ عَبْدًا فَقَتَلَهُ آخِرُ ضَمِنَهُ زَيْدٌ وَرَجَعَ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَهُ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ أَمْسَكَهُ لِغَيْرِ قَتْلِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُمْسِكُ بِحَالٍ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَمَنْ تَعَرَّضَ لِقَتْلِ زَيْدٍ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ عَنْ نَفْسِهِ وَسَكَتَ، فَقَتَلَهُ، ضَمِنَهُ إِنْ قُلْنَا: الدِّيَةُ إِرْثٌ، وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ، فَوَجْهَانِ.
[فَصْلٌ: اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ اثْنَانِ]
فَصْلٌ (إِنِ اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ اثْنَانِ، لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى أَحَدِهِمَا: كَالْأَبِ وَأَجْنَبِيٍّ فِي قَتْلِ الْوَلَدِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ، وَالْخَاطِئِ وَالْعَامِدِ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشَّرِيكِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ تَرَكَّبَ مِنْ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ، فَلَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ لِكَوْنِ الْقَتْلِ لَمْ يَتَمَحَّضْ مُوجِبًا، وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ عَلَى الشَّرِيكِ. قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَاخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ ; لِأَنَّ سُقُوطَهُ عَنْ شَرِيكِهِ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِهِ، فَلَمْ يَنْفُذْ إِلَى غَيْرِهِ وَكَمَا لَوْ أَكْرَهَ أَبًا عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ (أَظْهَرُهُمَا وُجُوبُهُ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ وَالْعَبْدِ) لِأَنَّ قَتْلَهُمَا مَحْضُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ، وَلِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ، فَيُقْتَلُ بِهِ
стр. 2863
وَسُقُوطُهُ عَنْ شَرِيكِ الْخَاطِئِ. وَفِي شَرِيكِ السَّبْعِ وَشَرِيكِ نَفْسِهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ جَرَحَهُ إِنْسَانٌ عَمْدًا فَدَاوَى جُرْحَهُ بِسُمٍّ، أَوْ خَاطَهُ فِي اللَّحْمِ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلِيُّهُ، أَوِ الْإِمَامُ فَفِي وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ وَجْهَانِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَشَرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِعْلُ الْأَبِ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لِكَوْنِهِ تَمَحَّضَ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَالْجِنَايَةُ بِهِ أَعْظَمُ إِثْمًا. وَلِذَلِكَ خَصَّهُ اللَّهُ بِالنَّهْيِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْأَبِ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِالْمَحَلِّ، لَا لِقُصُورٍ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ شَرِيكَيْنِ امْتَنَعَ الْقَوَدُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا ; لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ غَيْرِ قُصُورٍ فِي السَّبَبِ كَمُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فِي قَتْلِ ذِمِّيٍّ (وَسُقُوطُهُ عَنْ شَرِيكِ الْخَاطِئِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ عَمْدًا، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ قَوَدٌ كَشِبْهِ الْعَمْدِ وَكَمَا لَوْ قَتَلَهُ وَاحِدٌ بِجُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً، وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ اشْتَرَكَ مُكَلَّفٌ وَغَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَالْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى الْبَالِغِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ; لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ كَشَرِيكٍ خَاطِئٍ (وَفِي شَرِيكِ السَّبْعِ وَشَرِيكِ نَفْسِهِ وَجْهَانِ) وَصُورَتُهُ أَنْ يَجْرَحَهُ أَسَدٌ، أَوْ نَمِرٌ، أَوْ يَجْرَحَهُ إِنْسَانٌ، ثُمَّ يَجْرَحُ نَفْسَهُ مُتَعَمِّدًا وَهُمَا فِي شَرِيكِ الْوَلِيِّ الْمُقْتَصِّ، وَشَرِيكِ الْقَاطِعِ حَدًّا، وَشَرِيكِ دَفْعِ الصَّائِلِ، أَحَدُهُمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ، بَلْ أَوْلَى، وَالثَّانِي: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ; لِأَنَّهُ قَتْلُ عَمْدٍ مُتَمَحِّضٌ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّرِيكِ كَشَرِيكِ الْأَبِ، فَأَمَّا إِنْ جَرَحَ نَفْسَهُ خَطَأً، فَلَا قِصَاصَ عَلَى شَرِيكِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، أَوْ عَدَلَ إِلَى طَلَبِ الْمَالِ مِنْهُ - لَزِمَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ كَمَالُهَا فِي شَرِيكِ السَّبْعِ خَاصَّةً، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ كَمَالُهَا فِي شَرِيكِهِ الْمُقْتَصِّ، وِدِيَةُ شَرِيكٍ مُخْطِئٍ فِي مَالِهِ، لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَهُ الْقَاضِي. (وَلَوْ جَرَحَهُ إِنْسَانٌ عَمْدًا فَدَاوَى جُرْحَهُ بِسُمٍّ، أَوْ خَاطَهُ فِي اللَّحْمِ) الْحَيِّ (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلِيُّهُ، أَوِ الْإِمَامُ) فَمَاتَ (فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَشْهَرُ ; لِأَنَّ الْمُدَاوِيَ قَصَدَ مُدَاوَاةَ النَّفْسِ،
стр. 2864
بَابُ شُرُوطِ الْقِصَاصِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْجَانِي مُكَلَّفًا، فَأَمَّا الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا، وَفِي السَّكْرَانِ وَشِبْهِهِ رِوَايَتَانِ: أَصَحُّهُمَا: وُجُوبُهُ عَلَيْهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَكَانَ فِعْلُهُ عَمْدَ خَطَأٍ كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ، وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الْقَتْلِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ سُمَّ سَاعَةٍ، يَقْتُلُ فِي الْحَالِ، فَقَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَقَطَعَ سَرَايَةِ الْجُرْحِ وَجَرَى مَجْرَى مَنْ ذَبْحَ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ جُرِحَ، وَيُنْظَرُ فِي الْجُرْحِ، فَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ، فَلِوَلِيِّهِ اسْتِيفَاؤُهُ، وَإِلَّا أَخَذَ الْأَرْشَ، وَإِنْ كَانَ السُّمُّ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَفَعَلَ الرَّجُلُ فِي نَفْسِهِ عَمْدَ الْخَطَأِ وَشَرِيكُهُ كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ، وَإِنْ خَاطَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كُرْهًا فَهُمَا قَاتِلَانِ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ.
[بَابُ شُرُوطِ الْقِصَاصِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي مُكَلَّفًا]
بَابُ شُرُوطِ الْقِصَاصِ (وَهِيَ أَرْبَعَةٌ) وَسَيَذْكُرُهَا الْمُؤَلِّفُ (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْجَانِي مُكَلَّفًا) لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا (فَأَمَّا الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مِنْ شُرُوطِهِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ، وَكَذَا إِذَا كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ كَالنَّائِمِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُمْ صَحِيحٌ، فَلَوْ قَالَ الْقَاتِلُ: كُنْتُ يَوْمَ الْقَتْلِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا صَدَقَ مَعَ الْإِمْكَانِ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا الْآنَ صَغِيرٌ، فَلَا قَوَدَ، وَلَا يَمِينَ (وَفِي السَّكْرَانِ وَشِبْهِهِ) كَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَعْذُورٍ فِيهِ كَمَنْ يَشْرَبُ الْأَدْوِيَةَ الْمُخْبَثَةَ (رِوَايَتَانِ) وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى طَلَاقِهِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ ; وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، أَشْبَهَ الصَّبِيَّ (أَصَحُّهُمَا وُجُوبُهُ عَلَيْهِ) نَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ، وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ فَالْقِصَاصُ الْمُتَمَحِّضُ حَقَّ آدَمِيٍّ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَصِيرَ عِصْيَانُهُ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْعُقُوبَةِ عَنْهُ، وَالطَّلَاقُ قَوْلٌ يُمْكِنُ إِلْغَاؤُهُ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ.
стр. 2865
فَصْلٌ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ حَرْبِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ذِمِّيًّا، وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ، أَوْ حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ رَمَى حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهِ السَّهْمُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا]
فَصْلٌ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا) أَيْ: مَعْصُومَ الدَّمِ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ إِنَّمَا شُرِعَ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ الْمَعْصُومَةِ وَزَجْرًا عَنْ إِتْلَافِ الْبِنْيَةِ الْمَطْلُوبِ بَقَاؤُهَا، وَذَلِكَ مَعْدُومُ في غير الْمَعْصُومِ (فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ حَرْبِيٍّ) لَا نَعْلَمُ فيهِ خِلَافًا، وَلَا تَجِبُ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ، وَلَا كَفَّارَةٌ ; لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَالْخِنْزِيرِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا (وَلَا مُرْتَدٍّ) لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ، أَشَبَهَ الْحَرْبِيَّ. (وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ) أَيْ: لَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ قِصَاصٌ، وَلَا دِيَةٌ، وَلَا كَفَّارَةٌ كَالْمُرْتَدِّ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ وَجْهًا أَنَّ عَلَى عَاقِلَتِهِ الْقَوَدَ ; لِأَنَّ قَتْلَهُ إِلَى الْإِمَامِ كَمَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إِذَا قَتَلَهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ مُتَحَتِّمٌ قَتْلُهُ، فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْحَرْبِيِّ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبْلَ ثُبُوتِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ ": وَالْمُرَادُ قَبْلَ التَّوْبَةِ فَهَدَرٌ، وَإِنْ بَعْدَهَا إِنْ قُبِلَتْ ظَاهِرًا فَكَإِسْلَامٍ طَارِئٍ فَدَلَّ أَنْ طَرَفَ مُحْصَنٍ كَمُرْتَدٍّ لَا سِيَّمَا وَقَوْلُهُمْ: عُضْوٌ مِنْ نَفْسٍ، وَجَبَ قَتْلُهَا، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ لِلِافْتِئَاتِ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ كَمَنْ قَتَلَ حَرْبِيًّا (وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ذِمِّيًّا) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى مُسَاوَاةِ الذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقَتْلَ مِنْهُمَا صَادَفَ مَحَلَّهُ، وَيُحْتَمَلُ فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ بِالزَّانِي الْمُحْصَنِ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " ; لِأَنَّ الْحَدَّ لَنَا، وَالْإِمَامُ نَائِبٌ، قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": إِنْ أَسْرَعَ وَلِيُّ قَتِيلٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ فَقَتَلَ قَاطِعَ طَرِيقٍ قَبْلَ وُصُولِهِ الْإِمَامَ، فَلَا قَوَدَ ; لِأَنَّهُ انْهَدَرَ دَمُهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَا دِيَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ، أَوْ حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ رَمَى حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهِ السَّهْمُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَى مَعْصُومٍ، وَلِأَنَّهُ رَمَى مَنْ هُوَ مَأْمُورٌ بِرَمْيِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ ; لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي التَّضْمِينِ بِحَالِ ابْتِدَاءِ الْحَيَاةِ ; لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ وَحَالُهَا لَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِنَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ أَهْلًا لِأَنَّ يَضْمَنَ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى
стр. 2866
رَمَى مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، فَلَا قِصَاصَ، وَفِي الدِّيَةِ وَجْهَانِ، وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ، وَمَاتَ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِي الْآخَرِ: يَجِبُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجَانِي شَيْءٌ لِفَوَاتِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُشْتَرِطَةِ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " كَمَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ (وَإِنْ رَمَى مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، فَلَا قِصَاصَ) لِأَنَّهُ رَمَى مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ (وَفِي الدِّيَةِ وَجْهَانِ:) أَحَدُهُمَا: لَا تَجِبُ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ كَرِدَّةِ مُسْلِمٍ وَكَالْحَرْبِيِّ، وَالثَّانِي: تَجِبُ ; لِأَنَّ الرَّمْيَ هَنَا مُحَرَّمٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الِافْتِئَاتِ عَلَى الْإِمَامِ وَكَتَلَفِهِ بِبِئْرٍ حُفِرَتْ، وَقِيلَ: كَمُرْتَدٍّ لِتَفْرِيطِهِ إِذْ قَتْلُهُ لَيْسَ إِلَيْهِ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ، قَالَهُ الْحُلْوَانِيُّ.
١ -
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَإِنْ رَمَى مُرْتَدًّا، أَوْ حَرْبِيًّا فَأَصَابَهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَمَاتَ فَهَدَرٌ كَمَا لَوْ بَانَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَكَتَمَ إِسْلَامَهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ الدِّيَةُ، وَقِيلَ: لِلْمُرْتَدِّ فَقَطْ، وَهِيَ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ مُخَفَّفَةٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقِيلَ: يُقْتَلُ بِهِ
١ -
(وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ، وَمَاتَ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّهَا نَفْسُ مُرْتَدٍّ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَلَا مَضْمُونٍ بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَ ذِمِّيٍّ فَصَارَ حَرْبِيًّا، ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ، وَأَمَّا الْيَدُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهَا أَصْلُهُمَا هَلْ يَفْعَلُ بِهِ كَفِعْلِهِ أَمْ فِي النَّفْسِ فَقَطْ، وَهَلْ يَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ أَمْ قَرِيبُهُ؛ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصْلُهُمَا هَلْ مَالُهُ فَيْءٌ أَمْ لِوَرَثَتِهِ؛ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ كَمَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ قَطْعٌ صَارَ قَتْلًا لَمْ يَجِبْ بِهِ الْقَتْلُ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْقَطْعُ كَمَا لَوْ قَطَعَ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ دِيَةُ الطَّرَفِ فِي وَجْهٍ ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ لِغَيْرِ مَعْصُومٍ وَتَجِبُ فِي آخَرَ ; لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ سَرَايَةِ الْجُرْحِ لَا يُسْقِطُ ضَمَانَهُ كَمَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَ رَجُلٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ ضَمَانُهُ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَمَاتَ فَفِيهِ دِيَتَانِ ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ قَطَعَتْ حُكْمَ السَّرَايَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ دِيَةِ
стр. 2867
الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ زَمَنُ الرِّدَّةِ مِمَّا تَسْرِي فِيهِ الْجِنَايَةُ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
النَّفْسِ أَوِ الطَّرَفِ، يَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ (وَفِي الْآخَرِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ) لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ حَالَ الْقَطْعِ كَانَ مُكَافِئًا، وَالْقَتْلُ بِسَبَبِ الْقَطْعِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ هُنَا فَوَجَبَ الْقَطْعُ لِانْتِفَاءِ إِفْضَائِهِ إِلَى الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ (أَوْ نِصْفِ الدِّيَةِ) لِمَا سَبَقَ، وَقِيلَ: لَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ فِي عَمْدِ ذَلِكَ، وَلَا خَطَئِهِ ; لِأَنَّ الْجُرْحَ صَارَ بِالسَّرَايَةِ نَفْسًا فَيَدْخُلُ الْقَطْعُ فِيهِ تَبَعًا، وَلَوْ قَتَلَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَمْ يَضْمَنْهُ، فَكَذَا إِذَا مَاتَ بِالسَّرَايَةِ (وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ) مَعَ الْعَمْدِ، أَوِ الدِّيَةُ مَعَ الْخَطَأِ (فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ ; لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حَالَ الْجِنَايَةِ وَالْمَوْتِ فَوَجَبَ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَتَجِبُ كَامِلَةً، وَقِيلَ: نَصِفُهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ جُرْحٍ مَضْمُونٍ وَسَرَايَةٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ إِنْسَانٌ وَجَرَحَ نَفْسَهُ، وَمَاتَ مِنْهُمَا (وَقَالَ الْقَاضِي:) يَتَوَجَّهُ عِنْدِي، وَاخْتَارَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " (إِنْ كَانَ زَمَنَ الرِّدَّةِ مِمَّا تَسْرِي فِيهِ الْجِنَايَةُ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ) كَمَا لَوْ عَفَى بَعْضُ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَلِهَذَا لَوْ وُجِدَتِ الرِّدَّةُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ وَيَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقِيلَ: كُلُّهَا، وَهَلْ تَجِبُ فِي الطَّرَفِ الَّذِي قَطَعَ فِي إِسْلَامِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا رَمَى مُسْلِمًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَفِي دِيَةِ الْجُرْحِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: حَالَ الْإِصَابَةِ، وَالثَّانِيَةُ: حَالَ السَّرَايَةِ، وَهَلِ الِاعْتِبَارُ فِي الْقَتْلِ بِحَالِ الرَّامِي، أَوْ بِحَالِ الْإِصَابَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَالْأُولَى أَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ تُهْدِرُ ابْتِدَاءً تُهْدِرُ دَوَامًا، وَإِنْ تَغَيَّرَ الْحَالُ بَعْدُ، وَمَا ضَمِنَ ابْتِدَاءً ضَمِنَ دَوَامًا وَيُعْتَبَرُ الْمِقْدَارُ بِالْآخِرَةِ، فَلَوْ تَبَدَّلَ حَالُ الرَّامِي، وَالْمَرْمِيِّ بَيْنَ الْإِصَابَةِ، وَالرَّمْيِ، فَلَا قَوَدَ حَتَّى يَكْمُلَ حَالُهَا فِي الطَّرَفَيْنِ، وَفِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ يُعْتَبَرُ الطَّرَفَانِ، وَالْوَاسِطَةُ، وَإِذَا كَانَ الْمَرْمِيُّ مَضْمُونَ الدَّمِ فِي الطَّرَفَيْنِ اعْتُبِرَ الضَّمَانُ بِالْآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا حِينَ الرَّمْيِ دُونَ الْإِصَابَةِ فَهَدَرٌ، وَإِنِ انْعَكَسَ ضَمِنَ حَالَ الْإِصَابَةِ.
стр. 2868
فَصْلٌ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِي وَهُوَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الدِّينِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ فَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ، أَوِ الْعَبْدِ، وَالذِّمِّيِّ الْحُرِّ، أَوِ الْعَبْدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِي]
فَصْلٌ (الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِي) لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا لِلْجَانِي، فَيَكُونُ آخِذُهُ آخِذًا بِهِ لِأَكْثَرَ مِنَ الْحَقِّ (وَهُوَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الدِّينِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ «وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» ، «وَعَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَلَّا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ مَنْقُوصٌ بِالْكُفْرِ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَالْمُسْتَأْمَنِ، لَا يُقَالُ: الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِمِثْلِهِ شَامِلَةٌ لِقَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ تَخْصِيصُهَا بِمَا ذَكَرَ، وَقَدْ رَوَى الْسلمَانِيِّ «أَقَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ قُتِلَ» ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ، وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ مُرْسَلٌ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الْسلَمَانِيُّ ضَعِيفٌ إِذَا أَسْنَدَ فَكَيْفَ إِذَا أَرْسَلَ (وَالْحُرِّيَّةُ، وَالرِّقُّ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ السَّلِيمَةِ، فَلَمْ يَجِبْ فِي النَّفْسِ كَالْأُبُوَّةِ، وَلِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ، فَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ الْحُرُّ لِرُجْحَانِهِ عَلَيْهِ بِوَصْفِ الْحُرِّيَّةِ (فَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ، أَوِ الْعَبْدِ، وَالذِّمِّيِّ الْحُرِّ، أَوِ الْعَبْدِ بِمِثْلِهِ) لِحُصُولِ الْمُكَافَأَةِ بَيْنَهُمَا وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِمِثْلِهِ، اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ، أَوِ اخْتَلَفَتْ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي النَّصْرَانِيِّ يُقْتَلُ بِالْمَجُوسِيِّ وَذِمِّيٍّ بِمُسْتَأْمَنٍ وَعَكْسِهِ، وَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ بِمِثْلِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَةَ، وَكَتَفَاوُتِ الْفَضَائِلِ كَالْعِلْمِ، وَالشَّرَفِ، لَا مُكَاتِبٌ بِعَبْدِهِ، وَيُقْتَلُ بِعَبْدِهِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فِي الْأَشْهَرِ، فَإِنْ قَتَلَ رَقِيقٌ مُسْلِمٌ رَقِيقًا مُسْلِمًا لِذِمِّيٍّ فَفِي جَوَازِ الْقَوَدِ وَجْهَانِ، وَإِنْ تَسَاوَتِ الْقِيمَةُ، وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ ذِمِّيٌّ عَبْدًا مُسْلِمًا قُتِلَ بِهِ وَيُقْتَلُ
стр. 2869
بِمِثْلِهِ. وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ، وَعَنْهُ: يُعْطَى الذَّكَرُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِذَا قُتِلَ بِالْأُنْثَى، وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ إِلَّا أَنْ تَسْتَوِيَ قِيمَتُهُمَا وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ وَالْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ، وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ. نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ، وَهُوَ مِثْلُهُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قِنٌّ بِمَكَاتَبٍ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ كَانَا لِسَيِّدٍ، فَلَا قَوَدَ فِي وَجْهٍ وَيُقْتَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَبِالْعَكْسِ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا قَتَلَ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ - مِثْلَهُ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ حُرِّيَّةً، قُتِلَ بِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ، وَلَا يُقْتَلُ بِهِ حُرٌّ
١ -
(وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى) بِغَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَلِأَنَّهُ ﵇ قَتَلَ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ يُحَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَذْفِ الْآخَرِ فَقُتِلَ بِهِ كَالرَّجُلِ بِالرَّجُلِ (وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ ; لِأَنَّهَا دُونَهُ (وَعَنْهُ: يُعْطَى الذَّكَرُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِذَا قُتِلَ بِالْأُنْثَى) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَيُعْطَى أَوْلِيَاؤُهُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَلِأَنَّ دِيَتَهَا نِصْفُ دِيَتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْطَى ذَلِكَ لِيَحْصُلَ التَّسَاوِي (وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ إِلَّا أَنْ تَسْتَوِيَ قِيمَتُهُمَا) لِأَنَّهُ بَدَلُ مَالٍ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ التَّسَاوِي كَالْقِيمَةِ (وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ) وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِلنَّصِّ، وَلِأَنَّهُ قِصَاصٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّسَاوِي فِي الْقِيمَةِ كَالْأَحْرَارِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلْخُنْثَى، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالْخُنْثَى وَيُقْتَلُ بِهِمَا ; لِأَنَّهُ إِمَّا رَجُلٌ، أَوِ امْرَأَةٌ (وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ) لِأَنَّهُ ﵇ قَتَلَ يَهُودِيًّا بِجَارِيَةٍ، وَلِأَنَّهُ إِذَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ فَمَنْ فَوْقَهُ أَوْلَى (وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُ، أَشْبَهَ قَتْلَ الْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ (وَالْمُرْتَدِّ بِالذِّمِّيِّ) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ كَافِرٌ فَيُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ كَالْأَصْلِيِّ ; لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الذِّمِّيِّ ; لِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبْقَى عَلَى رِدَّتِهِ، أَوْ يَعُودَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ. نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْقِصَاصِ بِحَالِ الْجِنَايَةِ وَحَالَةِ الْمُرْتَدِّ وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفْسِ الْكُفْرِ (وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) مُطْلَقًا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ،
стр. 2870
أَوْ يَجْرَحَهُ، ثُمَّ يُسْلِمَ الْقَاتِلُ، أَوِ الْجَارِحُ، أَوْ يَعْتَقَ وَيَمُوتَ الْمَجْرُوحُ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَزَيْدٌ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَظَاهِرُهُ وَلَوِ ارْتَدَّ، وَلِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِالْكُفْرِ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَالْمُسْتَأْمَنِ، وَقِيلَ: يُقْتَلُ بِهِ لِلْعُمُومَاتِ، وَإِنَّ الْخَبَرَ فِي الْحَرْبِيِّ كَمَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: حُكْمُ الْمَالِ غَيْرُ حُكْمِ النَّفْسِ بِدَلِيلِ الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ مَالِ زَانٍ مُحْصَنٍ، وَقَاتِلٍ فِي مُحَارَبَةٍ، وَلَا يُقْتَلُ قَاتِلُهُمَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ مَالَهُمَا بَاقٍ عَلَى الْعِصْمَةِ كَمَالِ غَيْرِهِمَا وَعِصْمَةُ دَمِهِمَا زَالَتْ، وَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ: إِنَّهُ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْمَجُوسِيِّ وَاسْتَشْنَعَهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْقُونِ الدَّمِ. (وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ، وَلِمَا رَوَى أَحْمَدُ «عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ مَعَ التَّسَاوِي فِي السَّلَامَةِ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَعْصُومٌ أَشْبَهَ الْحُرَّ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ، فَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ الْحُرُّ كَالْمَكَاتَبِ إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي (إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ، وَهُوَ مِثْلُهُ، أَوْ يَجْرَحَهُ، ثُمَّ يُسْلِمُ الْقَاتِلُ، أَوِ الْجَارِحُ، أَوْ يَعْتِقُ وَيَمُوتُ الْمَجْرُوحُ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي التَّكَافُؤِ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ، فَعَلَى هَذَا إِذَا قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، أَوْ جَرَحَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ، وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ، أَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا، أَوْ جَرَحَهُ، ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ، أَوِ الْجَارِحُ، وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ - وَجَبَ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهُمَا مُتَكَافِئَانِ حَالَ الْجِنَايَةِ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ وَجَبَ، فَلَا يَسْقُطُ بِمَا طَرَأَ كَمَا لَوْ جُنَّ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ: لَا يُقْتَلُ بِهِ، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ كَمَا لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا حَالَ قَتْلِهِ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ، لَا يُقَالُ: لِمَ اعْتُبِرَتِ الْمُكَافَأَةُ عِنْدَ ذَلِكَ؟ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِحَالِ الْوُجُوبِ دُونَ الِاسْتِيفَاءِ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ وَعِتْقِهِ، فَلَمْ يُسْقِطْهُ الْإِسْلَامُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوْ جَرَحَ حُرٌّ عَبْدًا،
стр. 2871
وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوْ جَرَحَ حُرٌّ عَبْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ وَعَتَقَ، وَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهِ فِي الذِّمِّيِّ دِيَةُ ذِمِّيٍّ، وَفِي الْعَبْدِ قِيَمَتُهُ لِسَيِّدِهِ. وَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ، فَلَا قَوَدَ وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ إِذَا مَاتَ مِنَ الرَّمْيَةِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ وَعَتَقَ، وَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ) لِأَنَّ الْمُكَافَأَةَ مَعْدُومَةٌ حَالَةَ الْجِنَايَةِ (وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْأَرْشِ بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ وَرِجْلَيْهِ فَسَرَى إِلَى نَفْسِهِ فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ اعْتِبَارًا بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ، وَلَوِ اعْتَبَرَ حَالَ الْجِنَايَةِ وَجَبَتْ دِيَتَانِ وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ، أَوْ نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ، وَقِيلَ: الدِّيَةُ لِسَيِّدِهِ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَمَا زَادَ مِنْهَا عَلَى أَرْشِ الْجِنَايَةِ إِرْثٌ (وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ) وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَابْنِ حَامِدٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْهُ فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ (عَلَيْهِ فِي الذِّمِّيِّ دِيَةُ ذِمِّيٍّ، وَفِي الْعَبْدِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ) وَدِيَةُ مُسْلِمٍ لِوَارِثٍ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْقِصَاصِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْجِنَايَةِ، فَكَذَا إِذَا أَسْلَمَ، أَوْ عَتَقَ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: يَأْخُذُ قِيمَتَهُ وَقْتَ جِنَايَتِهِ، وَكَذَا دِيَتَهُ، نَقَلَهُ حَرْبٌ إِلَّا أَنْ يُجَاوِزَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ، فَالزِّيَادَةُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ وَجَبَ بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ قَوَدٌ فَطَلَبَهُ لِلْوَرَثَةِ عَلَى هَذِهِ، وَعَلَى الْأُخْرَى لِلسَّيِّدِ.
فَرْعٌ: قَتَلَ أَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، أَوْ عَبْدٌ عَبْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، أَوْ عَتَقَ مُطْلَقًا قُتِلَ بِهِ فِي الْمَنْصُوصِ كَجُنُونِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَعَدَمُ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ ظَاهِرُ نَقْلِ بَكْرٍ كَإِسْلَامِ حَرْبِيٍّ قَاتِلٍ، وَكَذَا إِنْ جَرَحَ مُرْتَدٌّ ذِمِّيًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ بَعْدَ الْجَرْحِ، أَوْ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ مَانِعَةً مِنَ الْقَوَدِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ شَيْخُنَا كَمَا بَعْدَ الزُّهُوقِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ١
(وَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ، فَلَا قَوَدَ) لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ (وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ) لِلْوَرَثَةِ، وَلَا شَيْءَ لِلسَّيِّدِ (إِذَا مَاتَ مِنَ الرَّمْيَةِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) لَا نِزَاعَ فِي وُجُوبِ دِيَةِ حُرٍّ مُسْلِمٍ إِذَا مَاتَ مِنَ الرَّمْيَةِ ; لِأَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ لِنَفْسِ حُرٍّ مُسْلِمٍ فَتَعَيَّنَ أَلَا قَوَدَ، قَالَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَابْنُ حَامِدٍ إِذِ الرَّمْيُ جُزْءٌ مِنَ الْجِنَايَةِ، وَلَا
стр. 2872
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ. وَلَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ ذِمِّيًّا عَبْدًا فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ مُرْتَدًّا فَكَذَلِكَ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَلْزَمَهُ إِلَّا الدِّيَةُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رَيْبَ فِي انْتِفَاءِ الْمُكَافَأَةِ حَالَ الرَّمْيِ، وَإِذَا عُدِمَتِ الْمُكَافَأَةُ فِي بَعْضِ الْجِنَايَةِ عُدِمَتْ فِي كُلِّهَا إِذِ الْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهِ وَكَمَا لَوْ رَمَى مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ (عَلَيْهِ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ قَتَلَ مُكَافِئًا لَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا فَوَجَبَ الْقَوَدُ كَمَا لَوْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا حَالَ الرَّمْيِ، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْإِصَابَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَمَى، فَلَمْ يُصِبْهُ حَتَّى ارْتَدَّ وَكَقَتْلِهِ مَنْ عَلِمَهُ أَوْ ظَنَّهُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا، فَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ، أَوْ عَتَقَ، أَوْ قَاتِلَ أَبِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِذَا رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا هَلْ تَلْزَمُهُ دِيَةُ مُسْلِمٍ أَوْ دِيَةُ كَافِرٍ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِصَابَةِ، أَوِ الرَّمْيَةِ، ثُمَّ بَنَى مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ضَمَانِهِ بِدِيَةٍ أَوْ قِيمَةٍ، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِمَا مَنْ رَمَى مُرْتَدًّا، أَوْ حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِهِ هَلْ يَلْزَمُهُ دِيَةُ مُسْلِمٍ، أَوْ هَدَرٌ؟ .
١ -
فَرْعٌ: إِذَا رَمَى كَافِرًا فَأَصَابَهُ السَّهْمُ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ كَانَتْ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي " الشَّرْحِ " وُجُوبُ الْمَالِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْإِصَابَةِ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الْمَحَلِّ فَيُعْتَبَرُ عَنِ الْمَحَلِّ الَّذِي فَاتَ بِهَا فَيَجِبُ بِقَدْرِهِ، وَقَدْ فَاتَ بِهَا نَفْسُ مُسْلِمٍ حُرٍّ، وَالْقِصَاصُ جَزَاءُ الْفِعْلِ فَيُعْتَبَرُ الْفِعْلُ فِيهِ وَالْإِصَابَةُ مَعًا ; لِأَنَّهُمَا طَرَفَاهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي الْأَصَحِّ
(وَلَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ ذِمِّيًّا عَبْدًا فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ حَالَهُ (وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ مُرْتَدًّا) فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ (فَكَذَلِكَ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ) لِأَنَّهُ قَتَلَ مُكَافِئًا عُدْوَانًا عَمْدًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُخَلَّى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَّا بَعْدَ إِسْلَامِهِ، بِخِلَافِ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَلْزَمَهُ) الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ مَعْصُومٍ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قِصَاصٌ كَمَا لَوْ قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَعْتَقِدُهُ حَرْبِيًّا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ، وَلَا يَلْزَمُهُ (إِلَّا الدِّيَةُ) لِأَنَّ الِارْتِدَادَ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ لِئَلَّا يَفُوتَ الْقِصَاصُ إِلَى بَدَلٍ.
١ -
تَنْبِيهٌ: يُقْتَلُ الْمُكَلَّفُ بِطِفْلٍ وَمَجْنُونٍ، وَالْعَالِمُ وَالشَّرِيفُ بِضِدِّهِمَا، وَالصَّحِيحُ
стр. 2873
فَصْلٌ الرَّابِعُ: أَلَّا يَكُونَ أَبًا لِلْمَقْتُولِ فَلَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ، وَإِنْ سَفَلَ وَالْأَبُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْمَرِيضِ، وَلَوْ قَارَبَ الْمَوْتَ، وَالسَّمِينُ بِالْهَزِيلِ، وَكَذَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
١ -
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَتَلَ حُرٌّ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ عَلِمَهُ أَوْ ظَنَّهُ حَرْبِيًّا فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ فَهَدَرٌ، فَلَوْ دَخَلَهَا مُسْلِمٌ بِأَمَانٍ فَقَتَلَ بِهَا حَرْبِيًّا قَدْ أَسْلَمَ وَكَتَمَ إِيمَانَهُ فَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ قَتَلَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا قَدْ دَخَلَهَا بِأَمَانٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ إِسْلَامَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمِنِ دِيَةُ ذِمِّيٍّ.
[الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَلَّا يَكُونَ أَبَا لِلْمَقْتُولِ]
فَصْلٌ (الرَّابِعُ: أَلَّا يَكُونَ أَبًا لِلْمَقْتُولِ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُرُوطِهِ لَقُتِلَ بِهِ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ (فَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ يُسْتَغْنَى بِشُهْرَتِهِ، وَقَبُولِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ عَنِ الْإِسْنَادِ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْنَادُ فِي مِثْلِهِ مَعَ شُهْرَتِهِ تَكَلُّفًا، وَقَالَ ﵇: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فَمُقْتَضَى هَذِهِ الْإِضَافَةِ تَمْلِيكُهُ إِيَّاهُ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَةُ الْمِلْكِيَّةِ تُثْبِتُ الْإِضَافَةُ شُبْهَةً فِي إِسْقَاطِ الْقِصَاصِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوِ اخْتَلَفَا دِينًا وَحُرِّيَّةً ; لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا فِي إِيجَادِهِ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا فِي إِعْدَامِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ مِنْ رَضَاعٍ، أَوْ زِنًا، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": وَلَا يَلْزَمُ الزَّاهِدَ الْعَابِدَ، فَإِنَّ مَعَهُ مِنَ الدِّينِ، وَالشَّفَقَةِ مَا يَرْدَعُهُ عَنِ الْقَتْلِ; لِأَنَّ رَادِعَهُ حُكْمِيٌّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَرَادِعُ الْأَبِ طَبْعِيٌّ، وَهُوَ أَقْوَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إِزَالَتُهُ (وَإِنْ سَفَلَ) أَيْ: لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ، وَإِنْ نَزَلَ ; لِأَنَّ الْجَدَّ وَإِنْ عَلَا وَالِدٌ فَيَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ
стр. 2874
وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. وَمَتَى وَرِثَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ كَالْمَحْرَمِيَّةِ، وَالْمُعْتَقِ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهُ فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْحُكْمِ (وَالْأَبُ وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) لِأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ فَيَشْمَلُهَا الْخَبَرُ، وَلِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْبِرِّ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا الْجَدَّةُ، وَإِنْ عَلَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ كَالْأُمِّ، وَلَوْ قَالَ: وَأُمٌّ كَأَبٍ فِي ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى، وَعَنْهُ: تُقْتَلُ أُمٌّ بِهِ، نَقَلَهَا مُهَنَّا فِي أُمِّ الْوَلَدِ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا تُقْتَلُ، قَالَ: مَنْ يَقْتُلُهَا؟ قَالَ: وَلَدُهَا وَكَالْأَخِ، وَعَنْهُ: يُقْتَلُ أَبٌ بِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لِلْعُمُومَاتِ وَكَالْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ قَتَلَهُ حَذْفًا بِالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وَإِنْ أَضْجَعَهُ وَذَبَحَهُ قُتِلَ بِهِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْأَبَ يُفَارِقُ سَائِرَ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ قَتَلُوا بِالْحَذْفِ بِالسَّيْفِ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ، وَالْأَبُ بِخِلَافِهِ، وَقِيلَ: يُقْتَلُ أَبُو أُمٍّ بِوَلَدِ بِنْتِهِ وَعَكْسِهِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": لَا تُقْتَلُ أُمٌّ، وَالْأَصَحُّ وَجَدَّةٌ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": وَلَا يَجُوزُ لِلِابْنِ قَتْلُ أَبِيهِ بِرِدَّةٍ وَكُفْرٍ بِدَارِ حَرْبٍ، وَلَا رَجْمُهُ بِزِنًا، وَلَوْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِرَجْمٍ، وَعَنْهُ لَا قَوَدَ بِقَتْلٍ فِي دَارِ حَرْبٍ فَتَجِبُ دِيَةٌ إِلَّا لِغَيْرِ مُهَاجِرٍ.
تَذْنِيبٌ: ادَّعَى اثْنَانِ نَسَبَ لَقِيطٍ، ثُمَّ قَتَلَاهُ قَبْلَ لُحُوقِهِ بِأَحَدِهِمَا، فَلَا قَوَدَ، فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنِ الدَّعْوَى، أَوْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِغَيْرِهِ انْقَطَعَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ رَجَعَا عَنْهُا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمَا; لِأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ لِلْوَلَدِ، فَإِنْ بَلَغَ انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَقُلْنَا: يَصِحُّ انْتِسَابُهُ، فَهَلْ يُقْتَلُ الْآخَرُ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا فَقَتَلَاهُ قَبْلَ لُحُوقِهِ بِأَحَدِهِمَا، فَلَا قَوَدَ، وَلَوْ أَنْكَرَ أَحَدُهُمَا النَّسَبَ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ لِبَقَاءِ فِرَاشِهِ مَعَ إِنْكَارِهِ (وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِلْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ وَمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْتَلُ بِهِ ; لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِحَقِّ النَّسَبِ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ
стр. 2875
وَلَدُهُ الْقِصَاصَ، أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ سَقَطَ الْقِصَاصُ، فَلَوْ قَتَلَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، أَوْ قَتَلَ أَخَاهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثَهَا، أَوْ وَلَدُهُ - سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ. وَلَوْ قَتَلَ أَبَاهُ، أَوْ أَخَاهُ فَوَرِثَهُ أَخَوَاهُ، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ، وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ أَبَاهُ، وَالْآخَرُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قِيَاسَهُ عَلَى الْأَبِ مُمْتَنِعٌ لِتَأَكُّدِ حُرْمَتِهِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا قُتِلَ بِالْأَجْنَبِيِّ فَبِأَبِيهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ يُحَدُّ بِقَذْفِهِ فَيُقْتَلُ بِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ لَا يُقَالُ قَدْ رَوَى سُرَاقَةُ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُقَادُ الْأَبُ مِنَ ابْنِهِ، وَلَا الِابْنُ مِنْ أَبِيهِ» . وَرُوِيَ عَنْهُ: " أَنَّهُ كَانَ يُقِيدُ الِابْنَ مِنْ أَبِيهِ " لِأَنَّهُمَا خَبَرَانِ لَا يُعْرَفَانِ، وَلَا يُوجَدَانِ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا أَصْلٌ فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ فَيَتَعَيَّنُ سُقُوطُهُمَا، وَالْعَمَلُ بِالنُّصُوصِ الْوَاضِحَةِ غَيْرِهِمَا (وَمَتَى وَرِثَ وَلَدُهُ الْقِصَاصَ، أَوْ شَيْئًا مِنْهُ) سَقَطَ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ لَوَجَبَ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (أَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ سَقَطَ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ لَوَجَبَ الْقِصَاصُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ (فَلَوْ قَتَلَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ) فَلَا قَوَدَ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِوَلَدِهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ لِلْوَلَدِ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى، أَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ أو لم يكن ; لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْقَوَدُ لَوَجَبَ لَهُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ وُجُوبُهُ، وَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ سَقَطَ كُلُّهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ كَمَا لَوْ عَفَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ (أَوْ قَتَلَ أَخَاهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثَهَا، أَوْ وَلَدُهُ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهَا تَرِثُ النِّصْفَ إِنْ كَانَ الْأَخُ لِأَبَوَيْهَا، أَوْ أَبِيهَا، وَالسُّدُسَ إِنْ كَانَ لِأُمِّهَا إِذَا كَانَ مَعَهَا مَنْ يَرِثُ بَقِيَّةَ الْمَالِ، وَالْجَمِيعَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، فَلَمَّا مَاتَتْ وَرِثَ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ، أَوْ وَرِثَ وَلَدُهُ ذَلِكَ وَهُوَ مُقْتَضَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ، وَعَنْهُ: لَا يَسْقُطُ بِإِرْثِ الْوَلَدِ، اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وَلَدٌ مِنْهَا وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ مُتَكَافِئَانِ يُحَدُّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِقَذْفِ الْآخَرِ فَيُقْتَلُ بِهِ كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ (وَلَوْ قَتَلَ أَبَاهُ، أَوْ أَخَاهُ فَوَرِثَهُ أَخَوَاهُ، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ) لِأَنَّ أَخَوَيْهِ
следующие страницы →