Полный текст (3 567 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ، أَوْ سَمْعُهُ، أَوْ شَمُّهُ، فَإِنَّهُ يُوضِحُهُ، فَإِنْ ذَهَبَ ذَلِكَ وَإِلَّا اسْتَعْمَلَ فِيهِ مَا يُذْهِبُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى حَدَقَتِهِ، أَوْ أُذُنِهِ، أَوْ أَنْفِهِ، فَإِنْ لَمْ يُكِنْ إِلَّا بِالْجِنَايَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ سَقَطَ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَمْكَنَهُ أَخْذُهُ قِصَاصًا كَمَا لَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مِنَ الْكُوعِ، وَإِنْ قُطِعَتْ مِنَ الْعَضُدِ لَمْ يَمْلِكْ قَطْعَهَا مِنَ الْكُوعِ ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ الذِّرَاعِ قِصَاصًا كَمَا لَوْ قَطَعَ مِنَ الْمِرْفَقِ، وَفِي " الشَّرْحِ " وَجْهَانِ.
١ -
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قُطِعَ بَعْضُ أُذُنِهِ، فَالْتَصَقَ فَلَهُ أَرْشُ الْجُرْحِ، وَلَا قَوَدَ فِيهِ، وَإِنْ شَقَّهَا فَأَلْصَقَهَا صَاحِبُهَا، فَالْتَصَقَتْ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قَطَعَهَا فَأَبَانَهَا فَأَلْصَقَهَا صَاحِبُهَا، فَالْتَصَقَتْ فَلَهُ الْقَوَدُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْإِبَانَةِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا قَوَدَ فِيهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ عَلَى الدَّوَامِ، أَشْبَهَ الشَّقَّ، وَعَلَى هَذَا: لَهُ أَرْشُ الْجُرْحِ، فَإِنْ سَقَطَتْ بَعْدَ ذَلِكَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا - رَدَّ الْأَرْشَ وَمَلَكَ الْقَوَدَ، أَوِ الدِّيَةَ إِنِ اخْتَارَهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
١ -
(وَإِذَا أَوْضَحَ إِنْسَانًا) أَوْ شَجَّهُ دُونَ مُوضِحَةٍ، أَوْ لَطَمَهُ (فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ، أَوْ سَمْعُهُ، أَوْ شَمُّهُ، فَإِنَّهُ يُوضِحُهُ) أَيْ: فَعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقَوَدُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ ; لِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ (فَإِنْ ذَهَبَ ذَلِكَ وَإِلَّا اسْتَعْمَلَ فِيهِ مَا يُذْهِبُهُ) أَيْ: مَا يُذْهِبُ ضَوْءَ عَيْنِهِ إِلَى آخِرِهِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى حَدَقَتِهِ، أَوْ أُذُنِهِ، أَوْ أَنْفِهِ) لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَيَطْرَحُ فِي الْعَيْنِ كَافُورًا، أَوْ يُقَرِّبُ مِنْهُ مِرْآةً، أَوْ يَحْمِيَ لَهُ حَدِيدَةً، أَوْ مِرْآةً، ثُمَّ يُقَطِّرُ عَلَيْهَا مَاءً، ثُمَّ يُقَطِّرُ مِنْهُ فِي الْعَيْنِ لِيَذْهَبَ بَصَرُهَا، وَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُ مِثْلَ شَجَّتِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، وَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُ بِاللَّطْمَةِ ; لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ وَيُعَالِجُهُ بِمَا يُذْهِبُ بَصَرَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْلَعَ عَيْنَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ أَنْ يَلْطِمَهُ مِثْلَ لَطْمَتِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ وَإِلَّا أَذْهَبَهُ بِمَا ذُكِرَ، وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ اللَّطْمَةَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا مُنْفَرِدَةً، فَكَذَا إِذَا سَرَتْ إِلَى الْعَيْنِ كَالشَّجَّةِ دُونَ الْمُوضِحَةِ، وَلَا قَوَدَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ اللَّطْمَةُ تَذْهَبُ بِالْبَصَرِ غَالِبًا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ الْقَوَدُ بِكُلِّ حَالٍ (فَإِنْ لَمْ يُكِنْ إِلَّا بِالْجِنَايَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ سَقَطَ) الْقَوَدُ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ، وَلِأَنَّ تَوَهُّمَ الزِّيَادَةِ تُسْقِطُ الْقَوَدَ فَحَقِيقَتُهُ أَوْلَى وَتَتَعَيَّنُ الدِّيَةُ.
стр. 2907
فَصْلٌ: الثَّانِي: الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَوْضِعِ وَالِاسْمِ ، فَتُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، وَالْعُلْيَا، وَالسُّفْلَى مِنَ الشَّفَتَيْنِ، وَالْأَجْفَانِ بِمِثْلِهَا. وَالْإِصْبَعُ، وَالسِّنُّ، وَالْأُنْمُلَةُ بِمِثْلِهَا فِي الْمَوْضِعِ وَالِاسْمِ، وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا، وَقَطَعَ الْوُسْطَى مِنْ تِلْكَ الْإِصْبَعِ مِنْ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُلْيَا فَصَاحِبُ الْوُسْطَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ عَقْلِ أُنْمُلَتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَقْطَعَ الْعُلْيَا، ثُمَّ يَقْتَصُّ مِنَ الْوُسْطَى وَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الثَّانِي الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَوْضِعِ وَالِاسْمِ]
فَصْلٌ (الثَّانِي: الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَوْضِعِ، وَالِاسْمِ) قِيَاسًا عَلَى النَّفْسِ (فَتُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، وَالْعُلْيَا، وَالسُّفْلَى مِنَ الشَّفَتَيْنِ، وَالْأَجْفَانِ بِمِثْلِهَا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ، وَلِأَنَّهَا جَوَارِحُ مُخْتَلِفَةُ الْمَنَافِعِ، وَالْأَمَاكِنِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ كَالْعَيْنِ بِالْأَنْفِ، وَكَذَا كُلُّ مَا انْقَسَمَ إِلَى يَمِينٍ وَيَسَارٍ وَأَعْلَى وَأَسْفَلَ (وَالْإِصْبَعُ، وَالسِّنُّ، وَالْأُنْمُلَةُ بِمِثْلِهَا فِي الْمَوْضِعِ وَالِاسْمِ) لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمُمَاثَلَةُ فَتُؤْخَذُ الْإِبْهَامُ، وَالسَّبَّابَةُ، وَالْوُسْطَى بِمِثْلِهَا، وَكَذَا الْبِنْصَرُ، وَالْخِنْصَرُ، وَالثَّنِيَّةُ، وَالضَّاحِكُ، وَالنَّابُ، وَالْأُنْمُلَةُ الْعُلْيَا مِنَ الْإِصْبَعِ بِمِثْلِهِ ; لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَوْجُودَةٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا، وَقَطَعَ الْوُسْطَى مِنْ تِلْكَ الْإِصْبَعِ مِنْ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُلْيَا فَصَاحِبُ الْوُسْطَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ عَقْلِ أُنْمُلَتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَقْطَعَ الْعُلْيَا، ثُمَّ يَقْتَصُّ مِنَ الْوُسْطَى) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِي الْحَالِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَيْفِ وَأَخْذِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاجِبِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَأْخِيرِ حَقِّهِ حَتَّى يُمَكَّنَ مِنَ الْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ فَوَجَبَتِ الْخِيَرَةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنْ قَطَعَ مِنْ ثَالِثِ السُّفْلَى فَلِلْأَوَّلِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْعُلْيَا، ثُمَّ لِلثَّانِي أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْوُسْطَى، ثُمَّ لِلثَّالِثِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ السُّفْلَى، سَوَاءٌ جَاءُوا جَمِيعًا، أَوْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ (وَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَا يُخَالِفُهُ) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطٌ، وَلَمْ تُوجَدْ، فَلَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ، وَلَا عَكْسِهِ، وَلَا الْعُلْيَا مِنَ الشَّفَتَيْنِ وَالْأَجْفَانِ بِالْأَسْفَلِ، وَلَا عَكْسِهِ، وَلَا الْإِبْهَامُ بِالسَّبَّابَةِ، وَلَا الْوُسْطَى، وَالْخِنْصَرُ، وَالْبِنْصَرُ بِغَيْرِهَا، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ (وَلَا
стр. 2908
يُخَالِفُهُ وَلَا تُؤْخَذُ أَصْلِيَّةٌ بِزَائِدَةٍ وَلَا زَائِدَةٌ بِأَصْلِيَّةٍ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ فَعَلَا، أَوْ قَطَعَهَا تَعَدَّيَا، أَوْ قَالَ: أَخْرِجْ يَمِينَكَ، فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ فَقَطَعَهَا أَجْزَأَتْ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أَخْرَجَهَا عَمْدًا لَمْ يَجُزْ وَيُسْتَوْفَى مِنْ يَمِينِهِ بَعْدَ انْدِمَالِ الْيَسَارِ. وَإِنْ أَخْرَجَهَا دَهْشَةً، أَوْ ظَنًّا أَنَّهَا تُجْزِئُ، فَعَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تُؤْخَذُ أَصْلِيَّةٌ بِزَائِدَةٍ) لِأَنَّ الزَّائِدَةَ دُونَهَا (وَلَا زَائِدَةٌ بِأَصْلِيَّةٍ) لِأَنَّهَا لَا تُمَاثِلُهَا وَيُؤْخَذُ زَائِدٌ بِمِثْلِهِ مَوْضِعًا وَخِلْقَةً، وَلَوْ تَفَاوَتَا قَدْرًا (وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ قِصَاصًا، لَا يَجُوزُ بِتَرَاضِيهِمَا ; لِأَنَّ الدِّمَاءَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ (فَإِنْ فَعَلَا) ذَلِكَ بِلَا تَعَدٍّ مِثْلَ أَنْ يَأْخُذَ بِاخْتِيَارِ الْجَانِي فَيُجْزِئُ وَيَسْقُطُ الْقَوَدُ ; لِأَنَّ الْقَوَدَ سَقَطَ فِي الْأُولَى بِإِسْقَاطِ صَاحِبِهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا فِي قَطْعِهَا، وَدِيَتُهُمَا مُتَسَاوِيَةٌ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ (أَوْ قَطَعَهَا تَعَدِّيًا) لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الدِّيَةِ، وَالْأَلَمِ، وَالِاسْمِ، فَتَسَاقَطَا، وَلِأَنَّ إِيجَابَ الْقَوَدِ يُفْضِي إِلَى قَطْعِ يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِذْهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ وَكُلٌّ مِنَ الْقَطْعَيْنِ مَضْمُونَةٌ سِرَايَتُهُ ; لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ أَخَذَهَا عُدْوَانًا فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْقَوَدُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ بِتَرَاضِيهِمَا، فَلَا قَوَدَ فِي الثَّانِيَةِ لِرِضَا صَاحِبِهَا بِبَدَلِهَا، وَفِي وُجُوبِهِ فِي الْأَوَّلِ وَجْهَانِ:
أحْدَهُمَا: لَا يَسْقُطُ ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِتَرْكِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ سلعة بِخَمْرٍ، وَقَبَضَهُ إِيَّاهُ، فَعَلَى هَذَا لَهُ الْقَوَدُ بَعْدَ انْدِمَالِ الْأُخْرَى وَلِلْجَانِي دِيَةُ يَدِهِ (أَوْ قَالَ: أَخْرِجْ يَمِينَكَ، فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ فَقَطَعَهَا أَجْزَأَتْ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ) سَوَاءٌ قَطَعَهَا عَالِمًا بِهَا، أَوْ جَاهِلًا، وَكَمَا لَوْ قَطَعَ يَسَارَ السَّارِقِ بَدَلَ يَمِينِهِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أَخْرَجَهَا عَمْدًا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ تَرْكَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنَ الْقَطْعِ، فَلَمْ يُعْذَرْ فِي اسْتِيفَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى السَّارِقِ لِوُجُوهٍ ; لِأَنَّ الْحَدَّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِسْقَاطِ، وَيَسَارُهُ تُقْطَعُ إِذَا عُدِمَتْ يَمِينُهُ، وَلَوْ سَقَطَتْ يَدُهُ بِآكِلَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ سَقَطَ الْقَطْعُ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ (وَيُسْتَوْفَى مِنْ يَمِينِهِ) لِأَنَّ قَطْعَ الْيَسَارِ كَلَا قَطْعٍ فَيُوجِبُ ذَلِكَ قَطْعَ الْيَمِينِ ضَرُورَةَ اسْتِيفَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مَشْرُوطٌ (بَعْدَ
стр. 2909
الْقَاطِعِ دِيَتُهَا، وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَجْنُونًا، فَعَلَى الْقَاطِعِ الْقِصَاصُ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وَإِنْ جَهِلَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مَجْنُونًا وَالْآخَرُ عَاقِلًا ذَهَبَتْ هَدَرًا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
انْدِمَالِ الْيَسَارِ) لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَدَّى إِلَى هَلَاكِهِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ وَيَسَارَ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ أَحَدُهُمَا إِلَى انْدِمَالِ الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْقَطْعَيْنِ مُسْتَحَقَّانِ قِصَاصًا فَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَفِي هَذِهِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ.
تَتِمَّةٌ: فَإِنْ أَخْرَجَهَا عَمْدًا عَالِمًا أَنَّهَا يَسَارُهُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ فَهَدَرٌ وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إِذَا قَطَعَ يَدَ إِنْسَانٍ، وَهُوَ سَاكِتٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْبَدَلُ، فَإِنْ سَرَى قَطْعُ يَسَارِهِ إِلَى نَفْسِهِ فَهَدَرٌ، وَتَجِبُ فِي تَرِكَتِهِ دِيَةُ الْيَمِينِ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ (وَإِنْ أَخْرَجَهَا دَهْشَةً، أَوْ ظَنًّا أَنَّهَا تُجْزِئُ، فَعَلَى الْقَاطِعِ دِيَتُهَا) إِنْ عَلِمَ أَنَّهَا يَسَارٌ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وَيُعَزَّرُ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالدِّيَةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِهَا كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، وَمَا وَجَبَ ضَمَانُهُ فِي الْعَمْدِ وَجَبَ فِي الْخَطَأِ كَإِتْلَافِ الْمَالِ، وَالْقِصَاصُ بَاقٍ فِي الْيَمِينِ، وَلَا يَقْتَصُّ حَتَّى تَنْدَمِلَ الْيَسَارُ، فَإِنْ عَفَا وَجَبَ بَدَلُهَا وَيَتَقَاصَانِ، وَإِنْ سَرَتِ الْيَسَارُ إِلَى نَفْسِهِ، فَلِوَرَثَةِ الْجَانِي نِصْفُ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ الْيَسَارَ مَضْمُونَةٌ وَتَسَاقَطَا بِهِ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْجَانِي فِي الْعِلْمِ وَعَدَمِ إِبَاحَتِهَا ; لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ (وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَجْنُونًا) مِثْلَ أَنْ يُجَنَّ بَعْدَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ (فَعَلَى الْقَاطِعِ الْقِصَاصُ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ) لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مُتَعَدِّيًا (وَإِنْ جَهِلَ أَحَدُهُمَا: فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّ بَذْلَ الْمَجْنُونِ لَيْسَ بِشُبْهَةٍ (وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مَجْنُونًا، وَالْآخَرُ عَاقِلًا ذَهَبَتْ هَدَرًا) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الِاسْتِيفَاءُ، وَلَا يَجُوزُ الْبَذْلُ لَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا بِبَذْلِ صَاحِبِهَا، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ الْيُمْنَى فَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقَوَدِ فِيهَا لِتَلَفِهَا، فَيَكُونُ لِلْمَجْنُونِ دِيَتُهَا، وَإِنْ وَثَبَ الْمَجْنُونُ فَقَطَعَ يَمِينَهُ قَهْرًا سَقَطَ حَقُّهُ كَمَا لَوِ اقْتَصَّ مِمَّنْ لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَقِيلَ: لَا تَسْقُطُ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَدِيَةُ يَدِهِ عَلَى الْجَانِي، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الْجَانِي.
стр. 2910
فَصْلٌ: الثَّالِثُ: اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الصِّحَّةِ، وَالْكَمَالِ فَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِشَلَّاءَ، أنه أوجب ذلك، وَلَا كَاملةُ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ وَلَا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ وَلَا لِسَانٌ نَاطِقٌ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الثَّالِثُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ]
فَصْلٌ
(الثَّالِثُ: اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الصِّحَّةِ، وَالْكَمَالِ) لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ (فَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِشَلَّاءَ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُدَ (أنه أوجب ذلك) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْمِ كَالْأذنين، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الشَّلَّاءَ لَا نَفْعَ فِيهَا سِوَى الْجَمَالِ، فَلَا تُؤْخَذُ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ، وَإِذَا لَمْ يُؤْخَذِ الْقَوَدُ فِي الْعَيْنَيْنِ لِأَجْلِ تَفَاوُتِهِمَا فِي الصِّحَّةِ، وَالْعَمَى فَلَأَنْ لَا يُوجِبَ ذَلِكَ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ أَوْلَى (وَلَا كَاملةُ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ) لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا جُنِيَ عَلَيْهِ، فَلَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ يَدَ مَنْ لَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهَا فَوْقَ حَقِّهِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ أَصَابِعِ الْجَانِي بِعَدَدِ أَصَابِعِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ قَطَعَ ذُو الْيَدِ الْكَامِلَةِ يَدًا فِيهَا إِصْبَعٌ شَلَّاءُ وَبَاقِيهَا صِحَاحٌ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الصَّحِيحَةِ بِهَا، وَفِي الْقَوَدِ مِنَ الْأَصَابِعِ الصِّحَاحِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الْقَوَدُ، فَلَهُ الْحُكُومَةُ فِي الشَّلَّاءِ، وَأَرْشُ مَا تَحْتَهَا مِنَ الْكَفِّ، وَهَلْ يَدْخُلُ مَا تَحْتَ الْأَصَابِعِ الصَّحِيحَةِ فِي قِصَاصِهَا، أَوْ تَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَإِنْ كَانَتِ الزَّائِدَةُ مِنْ أَصَابِعِ الْجَانِي زَائِدَةً فِي الْخِلْقَةِ لَمْ يُمْنَعِ الْقَوَدُ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ ; لِأَنَّهَا عَيْبٌ وَنَقْصٌ فِي الْمَعْنَى كَالسِّلْعَةِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهَا تَمْنَعُ كَالْأَصْلِيَّةِ، وَلَا تُؤْخَذُ ذَاتُ أَظْفَارٍ بِمَا لَا أَظْفَارَ لَهَا (وَلَا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ) وَهِيَ صَحِيحَةٌ مَوْضِعِهَا، وَإِنَّمَا ذَهَبَ نُورُهَا وَإِبْصَارُهَا ; لِانْتِفَاءِ اسْتِوَائِهِمَا فِي الصِّحَّةِ وَتُؤْخَذُ الْقَائِمَةُ بِالصَّحِيحَةِ ; لِأَنَّهَا دُونَ حَقِّهِ، وَلَا أَرْشَ لَهُ مَعَهَا ; لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الصِّفَةِ (وَلَا لِسَانٌ نَاطِقٌ بِأَخْرَسَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُمَاثِلٍ لَهُ، وَلِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، أَشْبَهَتِ الْيَدَ الصَّحِيحَةَ بِالشَّلَّاءِ (وَلَا ذَكَرُ فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِيٍّ، وَلَا عِنِّينٍ) عَلَى
стр. 2911
بِأَخْرَسَ. وَلَا ذَكَرُ فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِيٍّ وَلَا عِنِّينٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِمَا إِلَّا مَارِنَ الْأَشَمِّ الصَّحِيحِ يُؤْخَذُ بِمَارِنِ الْأَخْشَمِ وَبِالْمَخْرُومِ وَالْمُسْتَحْشَفِ، وَأُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ الشَّلَّاءِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُؤْخَذُ الْمَعِيبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالصَّحِيحِ وَبِمِثْلِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمَا ; لِأَنَّ الْخَصِيَّ لَا يُولَدُ لَهُ، وَلَا يُنْزِلُ، وَلَا يَكَادُ الْعِنِّينُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْوَطْءِ فَهُمَا كَالْأَشَلِّ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِمَا) هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ يَنْقَبِضَانِ وَيَنْبَسِطَانِ فَيُؤْخَذُ بِهِمَا كَذَكَرِ الْفَحْلِ، وَعَنْهُ: يُؤْخَذُ بِذَكَرِ الْعِنِّينِ، لَا الْخَصِيِّ. اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ لِتَحَقُّقِ نَقْصِهِ وَالْإِيَاسِ مِنْ بُرْئِهِ، بِخِلَافِ الْعِنِّينِ، فَإِنَّ الْعِنَّةَ عِلَّةٌ فِي الظَّهْرِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الْقِصَاصَ كَأُذُنِ الْأَصَمِّ، وَمَارِنِ الْأَخْشَمِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُؤْخَذُ بِخَصِيٍّ، وَفِي أَخْذِهِ بِعِنِّينٍ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ بِهِ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ زَوَالِ عِنَّتِهِ، وَلِذَلِكَ يُؤَجَّلُ سَنَةً وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " الْأَوَّلَ ; لِأَنَّهُ إِذَا تَرَدَّدَ الْحَالُ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسَاوِيًا لِلْآخَرِ وَعَدَمِهِ لَمْ يَجِبْ قِصَاصٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (إِلَّا مَارِنَ الْأَشَمِّ الصَّحِيحِ يُؤْخَذُ بِمَارِنِ الْأَخْشَمِ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ رَائِحَةَ شَيْءٍ، وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الصِّحَّةِ، وَالْكَمَالِ، وَلَيْسَ هُوَ عَائِدًا إِلَى الِاحْتِمَالِ، وَإِنْ قَرُبَ مِنْهُ إِذِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، فَقَوْلُهُ يُؤْخَذُ بِهِمَا إِثْبَاتٌ، وَالْمُسْتَثْنَى نَفْيٌ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: اسْتِوَاؤُهُمَا شَرْطٌ إِلَّا فِي أَشْيَاءَ لِأَنَّ عَدَمَ الشَّمِّ عِلَّةٌ فِي الدِّمَاغِ، وَنَفْسُ الْأَنْفِ صَحِيحٌ فَوَجَبَ أَخْذُ الْأَخْشَمِ بِهِ ; لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ، قِيلَ: هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى فَوَاتِ الشَّمِّ غَيْرُهُ، وَالثَّانِي: لَا يُؤْخَذُ بِهِ ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّمِّ قَدْ زَالَتْ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاسْمِ كَالْيَدِ الصَّحِيحَةِ مَعَ الشَّلَّاءِ (وَ) يُؤْخَذُ الصَّحِيحُ (بِالْمَخْرُومِ) وَهُوَ الْمَقْطُوعُ وَتَرُ أَنْفِهِ (وَالْمُسْتَحْشَفُ) وَهُوَ الرَّدِيءُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ، وَلِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الصَّحِيحِ، وَالثَّانِي: لَا يُؤْخَذُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَعِيبٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ " (وَأُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ الشَّلَّاءِ فِي أَحَدِ
стр. 2912
إِذَا أُمِنَ مِنْ قَطْعِ الشَّلَّاءِ التَّلَفُ وَلَا يَجِبُ لَهُ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: لَهُ دِيَةُ الْأَصَابِعِ النَّاقِصَةِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ أَجْلِ الشَّلَلِ وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَجْهَيْنِ) وَكَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ الْمُؤَلِّفِ - يُؤْخَذُ بِهِ ; لِأَنَّ الْعُضْوَ صَحِيحٌ وَمَقْصُودُهُ الْجَمَالُ لَا السَّمْعُ، وَذَهَابُ السَّمْعِ لِنَقْصٍ فِي الرَّأْسِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْأُذُنِ.
وَالثَّانِي: لَا يُؤْخَذُ بِهِ ; لِأَنَّهُ عُضْوٌ ذَهَبَ نَفْعُهُ، فَهُوَ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَتُؤْخَذُ الْأُذُنُ الصَّحِيحَةُ بِالْمَثْقُوبَةِ (وَيُؤْخَذُ الْمَعِيبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالصَّحِيحِ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِدُونِ حَقِّهِ كَمَا لَوْ رَضِيَ الْمُسْلِمُ بِالْقَوَدِ مِنَ الذِّمِّيِّ، وَالْحُرُّ مِنَ الْعَبْدِ (وَبِمِثْلِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْقِصَاصِ عَدَمُ الِاسْتِوَاءِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا بِشَرْطٍ، وَهُوَ (إِذَا أُمِنَ مِنْ قَطْعِ الشَّلَّاءِ التَّلَفُ) وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْقَاطِعَ إِذَا كَانَ أَشَلَّ، وَالْمَقْطُوعَةُ سَالِمَةٌ، فَإِنْ شَاءَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَخْذَ الدِّيَةِ فَلَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ عَلَى الْكَمَالِ، وَإِنِ اخْتَارَ الْقِصَاصَ سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُ إِذَا قُطِعَ لَمْ تَفْسُدِ الْعُرُوقُ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْهَوَاءُ، أُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قَالُوا يَدْخُلِ الْهَوَاءُ فِي الْبَدَنِ فَيُفْسِدُهُ، سَقَطَ الْقِصَاصُ (وَلَا يَجِبُ لَهُ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الشَّلَّاءَ كَالصَّحِيحَةِ فِي الْخِلْقَةِ، وَإِنَّمَا نَقَصَتْ فِي الصِّفَةِ، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ لَا يُوجِبُ مَالًا، وَقَوَدًا (وَفِي الْآخَرِ لَهُ دِيَةُ الْأَصَابِعِ النَّاقِصَةِ) قَالَهُ الْقَاضِي وَشَيْخُهُ (وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ أَجْلِ الشَّلَلِ) لِأَنَّ الْجَمَالَ يَنْقُصُ بِنُقْصَانِ الْأَصَابِعِ، بِخِلَافِ الشَّلَّاءِ، فَإِنَّهَا كَامِلَةٌ صُورَةً، وَعَلَيْهِ مَبْنَى الْقِصَاصِ ; لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْمَعَانِي لَا تُعْتَبَرُ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُفْضِي إِلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ (وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ لَهُ أَرْشَهُ) لِأَنَّ لَهُ دِيَةَ الْأَصَابِعِ وَأَرْشَ الشَّلَلِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ إِذَا قُلِعَتْ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ تَكْمِيلًا لِحَقِّهِ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى بِالْقِصَاصِ بَعْضَ حَقِّهِ فَيَأْخُذُ دِيَةَ بَاقِيهِ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَقْطَعُ يَدَ الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ دِيَةَ الْيَدِ لِفَوَاتِ حَقِّهِ مِنْهَا، وَهَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: الشَّلَلُ مَوْتٌ، وَذَكَرَ فِي " الْفُنُونِ " أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْبُلْهِ الْمُدَّعِينَ لِلْفِقْهِ، قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ وَإِلَّا لَأَنْتَنَ وَاسْتَحَالَ كَالْحَيَوَانِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " إِنْ ثَبَتَ فَلَا قَوَدَ فِي مَيِّتٍ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي شَلَلِ الْعُضْوِ وَصِحَّتِهِ فَأَيُّهُمَا يُقْبَلُ
стр. 2913
لَهُ أَرْشَهُ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي شَلَلِ الْعُضْوِ وَصِحَّتِهِ فَأَيُّهُمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَصْلٌ وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ، أَوْ مَارِنَهُ، أَوْ شَفَتَهُ، أَوْ حَشَفَتَهُ، أَوْ أُذُنَهُ - أَخَذَ مِثْلَهُ، يُقَدَّرُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَوْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ) أَيْ: إِذَا ادَّعَى الْجَانِي نَقْصَ الْعُضْوِ بِشَلَلٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَأَنْكَرَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ قُبِلَ قَوْلُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ السَّلَامَةُ.
وَالثَّانِي: وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، يُقْبَلُ قَوْلُ الْجَانِي ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ دِيَةِ عُضْوٍ سَالِمٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سَالِمًا لَمْ يَخْفَ ; لِأَنَّهُ يَظْهَرُ فَيَرَاهُ النَّاسُ، وَاخْتَارَ فِي " التَّرْغِيبِ " عَكْسَهُ فِي أَعْضَاءٍ بَاطِنَةٍ لِتَعَذُّرِ الْبَيِّنَةِ، وَقُبِلَ قَوْلُ الْوَلِيِّ إن اتفقا عَلَى سَابِقَةِ السَّلَامَةِ وَإِلَّا فَقَوْلُ الْجَانِي.
١ -
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَطَعَ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَأُنْثَيَيْهِ وَشَفْرَهُ، فَلَا قَوَدَ لَهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْطُوعَ فَرْجٌ أَصْلِيٌّ. وَإِنْ طَلَبَ الدِّيَةَ، وَكَانَ يُرْجَى انْكِشَافُ حَالِهِ - أُعْطِيَ الْيَقِينَ، وَهُوَ دِيَةُ شَفْرَيِ امْرَأَةٍ، وَحُكُومَةً فِي الذَّكَرِ، وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَأْيُوسًا مِنَ انْكِشَافِ حَالِهِ أُعْطِيَ نِصْفَ دِيَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَحُكُومَةً فِي نِصْفِهِ الْبَاقِي، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، لَا حُكُومَةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ نَقْصٌ.
[فَصْلٌ: قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ أَوْ مَارِنَهُ أَوْ شَفَتَهُ أَوْ حَشَفَتَهُ أَوْ أُذُنَهُ]
فَصْلٌ (وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ، أَوْ مَارِنَهُ، أَوْ شَفَتَهُ، أَوْ حَشَفَتَهُ، أَوْ أُذُنَهُ - أَخَذَ مِثْلَهُ، يُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ كَالنِّصْفِ، وَالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ) لِلنَّصِّ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ ": لَا يُؤْخَذُ بَعْضُ اللِّسَانِ بِبَعْضٍ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ وَصَاحِبِ " الْوَجِيزِ " بَلَى كَالْأُذُنِ، وَلِأَنَّهُ يُؤْخَذُ جَمِيعُهُ بِجَمِيعِهِ، فَأُخِذَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَالْأَنْفِ، وَيُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ كَالنِّصْفِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِالْمِسَاحَةِ لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى أَخْذِ جَمِيعِ عُضْوِ الْجَانِي بِبَعْضِ عُضْوِ
стр. 2914
بِالْأَجْزَاءِ كَالنِّصْفِ، وَالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَإِنْ كُسِرَ بَعْضُ سِنِّهِ - بَرَدَ مِنْ سِنِّ الْجَانِي مِثْلَهَا إِذَا أَمِنَ قَلْعَهَا. وَلَا يَقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِيَاسِ مِنْ عَوْدِهَا فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا وَلَا قِصَاصَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَسَرَ بَعْضَ سِنِّهِ - بَرَدَ مِنْ سِنِّ الْجَانِي مِثْلَهَا) لِحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ. وَيُقَدَّرُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَيَتَعَيَّنُ الْقَوَدُ بِالْمِبْرَدِ لِتُؤْمَنَ الزِّيَادَةُ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِالْكَسْرِ لَأَدَّى إِلَى الصُّدَاعِ، أَوِ الْقَلْعِ، أَوِ الْكَسْرِ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْقِصَاصِ، وَشَرَطَ (إِذَا أَمِنَ قَلْعَهَا) أَيْ: لَا يَقْتَصُّ حَتَّى يَقُولَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ إِنَّهُ يُؤْمَنُ انْقِلَاعُهَا ; لِأَنَّ تَوَهُّمَ الزِّيَادَةِ يَمْنَعُ الْقَوَدَ كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ، لَا يُقَالُ: قَدْ أَجَزْتُمُ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ تَوَهُّمِ سِرَايَتِهَا إِلَى النَّفْسِ، فَلِمَ مَنَعْتُمْ مِنْهُ لِتَوَهُّمِ السِّرَايَةِ إِلَى بَعْضِ الْعُضْوِ ; لِأَنَّ تَوَهُّمَ السِّرَايَةِ إِلَى النَّفْسِ لَا سَبِيلَ إِلَى التَّحَرُّزِ مِنْهُ، فَلَوِ اعْتُبِرَ سَقَطَ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، وَأَمَّا السِّرَايَةُ إِلَى بَعْضِ الْعُضْوِ فَتَارَةً نَقُولُ: يَمْنَعُ الْقِصَاصَ إِذَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ فِي الْفَعَلِ، لَا فِي السِّرَايَةِ كَمَا إِذَا اسْتَوْفَى مِنْ بَعْضِ الذِّرَاعِ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَفْعَلَ أَكْثَرَ مِمَّا فُعِلَ بِهِ، فَلَوْ قَلَعَ سِنًّا زَائِدَةً، وَكَانَ لِلْجَانِي مِثْلُهَا فِي مَوْضِعِهَا فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، أَوْ حُكُومَةٌ فِي سَنِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلُهَا فِي مَحَلِّهَا فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْحُكُومَةُ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَكْبَرَ مِنَ الْأُخْرَى، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ ; لِأَنَّهُمَا سِنَّانِ مُتَسَاوِيَتانِ فِي الْمَوْضِعِ كَالْأَصْلِيَّتَيْنِ وَلِعُمُومِ النَّصِّ (وَلَا يَقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا) وَهِيَ سِنُّ مَنْ قَدْ ثُغِرَ، أَيْ: سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ، ثُمَّ نَبَتَتْ ; لِأَنَّ سِنَّ مَنْ لَمْ يُثْغَرْ تَعُودُ عَادَةً فَلَمْ تُضْمَنْ كَالشَّعْرِ، فَإِنْ عَادَ بَدَلَ السِّنِّ عَلَى صِفَتِهَا فِي مَوْضِعِهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) أَيْ: إِذَا مَضَى زَمَانُ عَوْدِهَا، وَلَمْ تَعُدْ - سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: قَدْ يُئِسَ مِنْ عَوْدِهَا - خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ دِيَةِ السِّنِّ (فَإِنْ مَاتَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (قَبْلَ الْإِيَاسِ مِنْ عَوْدِهَا فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا) لِأَنَّ الْقَلْعَ مَوْجُودٌ، وَالْعَوْدَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ كَحَلْقِ شَعْرِهِ وَمَوْتِهِ قَبْلَ نَبَاتِهِ (وَلَا قِصَاصَ فِيهَا) لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ غَيْرُ
стр. 2915
فِيهَا، وَإِنِ اقْتَصَّ مِنْ سِنٍّ فَعَادَتْ غَرِمَ سِنَّ الْجَانِي، ثُمَّ إِنْ عَادَتْ سِنُّ الْجَانِي رَدَّ مَا أَخَذَ، وَإِنْ عَادَتْ سِنُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَصِيرَةً، أَوْ مَعِيبَةً، فَعَلَى الْجَانِي أَرْشُ نَقْصِهَا.
فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي: الْجُرُوحُ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ كَالْمُوضِحَةِ وَجُرْحِ الْعَضُدِ، وَالسَّاعِدِ، وَالْفَخِذِ، وَالسَّاقِ، وَالْقَدَمِ وَلَا يَجِبُ فِي غَيْرِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُتَحَقِّقٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقَوَدِ (وَإِنِ اقْتَصَّ مِنْ سِنٍّ فَعَادَتْ غَرِمَ سِنَّ الْجَانِي) لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ، وَيَضْمَنُهَا بِالدِّيَةِ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ التَّعَدِّيَ (ثُمَّ إِنْ عَادَتْ سِنُّ الْجَانِي رَدَّ مَا أَخَذَ) وَلَمْ تُقْلَعْ فِي وَجْهٍ لِئَلَّا يَأْخُذَ سِنَّيْنِ بِسِنٍّ، وَقِيلَ: تُقْلَعُ، وَإِنْ بَرِئَتْ ; لِأَنَّهُ أُعْدِمَ سِنُّهُ بِالْقَلْعِ، فَكَانَ لَهُ إِعْدَامُ سِنِّهِ بِهِ، وَفِي الْمَذْهَبِ فِيمَنْ قَلَعَ سِنَّ كَبِيرٍ، ثُمَّ نَبَتَتْ - لَمْ يَرُدَّ مَا أَخَذَ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ (وَإِنْ عَادَتْ سِنُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَصِيرَةً، أَوْ مَعِيبَةً، فَعَلَى الْجَانِي أَرْشُ نَقْصِهَا) بِالْحِسَابِ فَفِي نِصْفِهَا نصف دِيَتُهَا، وَإِنْ عَادَتْ، وَالدَّمُ يَسِيلُ مِنْهَا، أَوْ مَائِلَةً عَنْ مَحَلِّهَا فَفِيهَا حُكُومَةٌ، وَإِنْ قَلَعَ سِنَّ كَبِيرٍ فَلَهُ الْقَوَدُ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ عَوْدِهَا، وَإِنْ قَلَعَ سِنًّا فَاقْتُصَّ مِنْهُ، ثُمَّ عَادَتْ سِنُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَلَعَهَا الْجَانِي ثَانِيَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ سِنَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَمَّا عَادَتْ وَجَبَ لِلْجَانِي عَلَيْهِ دِيَةُ سِنِّهِ، فَلَمَّا قَلَعَهَا وَجَبَ عَلَى الْجَانِي دِيَتُهَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَدْ وَجَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةُ سِنٍّ فَيَتَقَاصَّانِ.
مَسْأَلَةٌ: تُؤْخَذُ الْمَكْسُورَةُ بِالصَّحِيحَةِ، وَهَلْ لَهُ أَرْشُ الْبَاقِيَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
[النَّوْعُ الثَّانِي: الْجُرُوحُ]
فَصْلٌ (النَّوْعُ الثَّانِي: الْجُرُوحُ) لِلْآيَةِ، وَالْخَبَرِ (فَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ كَالْمُوضِحَةِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ، وَلَا زِيَادَةٍ ; لِانْتِهَائِهِ إِلَى عَظْمٍ، أَشْبَهَ قَطْعَ الْكَفِّ مِنَ الْكُوعِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلِأَنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلَى الْقِصَاصِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ لَسَقَطَ حُكْمُ الْآيَةِ (وَجُرْحِ الْعَضُدِ، وَالسَّاعِدِ، وَالْفَخِذِ، وَالسَّاقِ، وَالْقَدَمِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَكَالْمُوضِحَةِ، وَلَا يَسْتَوْفِي فِي ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَهُ عِلْمٌ وَخِبْرَةٌ كَالْجَرَائِحِيِّ، وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ عِلْمٌ بِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالِاسْتِنَابَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقِصَاصِ كَالنَّفْسِ (وَلَا يَجِبُ فِي غَيْرِ
стр. 2916
ذَلِكَ مِنَ الشِّجَاجِ، وَالْجُرُوحِ كَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، أَوْ أَعْظَمِ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْمُوضِحَةِ كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالْمَأْمُومَةِ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَهُ مَا بَيْنَ دِيَةِ مُوضِحَةٍ وَدِيَةِ تِلْكَ الشَّجَّةِ، فَيَأْخُذُ فِي الْهَاشِمَةِ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عَشْرًا وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْجُرْحِ بِالْمِسَاحَةِ، فَلَوْ أَوْضَحَ إِنْسَانًا فِي بَعْضِ رَأْسِهِ، مِقْدَارُ ذَلِكَ الْبَعْضِ جَمِيعُ رَأْسِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَلِكَ مِنَ الشِّجَاجِ، وَالْجُرُوحِ كَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، أَوْ أَعْظَمِ مِنْهَا) لِأَنَّهَا جِرَاحَةٌ لَا تَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ، وَلَا تُؤْمَنُ فِيهَا الزِّيَادَةُ، أَشْبَهَ الْجَائِفَةَ وَكَسْرَ الْعِظَامِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْمُوضِحَةِ كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالْمَأْمُومَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ، وَذَلِكَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ (فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً) بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ; لِأَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ وَيَقْتَصُّ مِنْ مَحَلِّ جِنَايَتِهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا وَضَعَ السِّكِّينَ فِي مَوْضِعٍ وَضَعَهَا الْجَانِي ; لِأَنَّ سِكِّينَ الْجَانِي وَصَلَتِ الْعَظْمَ، ثُمَّ تَجَاوَزَتْهُ، بِخِلَافِ قَاطِعِ السَّاعِدِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَضَعْ سِكِّينَهُ فِي الْكُوعِ (وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ) لِأَنَّهُ جُرْحٌ وَاحِدٌ لَمْ يُجْمَعْ فِيهِ بَيْنَ قِصَاصٍ وَأَرْشٍ كَالشَّلَّاءِ بِالصَّحِيحَةِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ) وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (لَهُ مَا بَيْنَ دِيَةِ مُوضِحَةٍ وَدِيَةِ تِلْكَ الشَّجَّةِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ فِيهِ الْقِصَاصُ فَوَجَبَ الْأَرْشُ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ فِي جَمِيعِهَا، وَفَارَقَ الشَّلَّاءَ بِالصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ ثَمَّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلَيْسَتْ مُتَمَيِّزَةً، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا (فَيَأْخُذُ فِي الْهَاشِمَةِ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عَشْرًا) لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْأُولَى خَمْسٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَشْرٌ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ بَعِيرًا وَثُلُثُ بَعِيرٍ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَإِذَا ذَهَبَ مِنْهَا دِيَةُ مُوضِحَةٍ بَقِيَ ذَلِكَ (وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْجُرْحِ بِالْمِسَاحَةِ) دُونَ كَثَافَةِ اللَّحْمِ لِيَعْلَمَ حَتَّى يَقْتَصَّ مِنَ الْجَانِي مِثْلَهُ (فَلَوْ أَوْضَحَ إِنْسَانًا فِي بَعْضِ رَأْسِهِ، مِقْدَارُ ذَلِكَ الْبَعْضِ جَمِيعُ رَأْسِ الشَّاجِّ وَزِيَادَةٌ - كَانَ لَهُ أَنْ يُوضِحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ) وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْمُوضِحَةِ قَدْرُهَا طُولًا وَعَرْضًا ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ الْمُمَاثَلَةُ، وَلَا يُرَاعَى الْعُمْقُ ; لِأَنَّ حَدَّهُ الْعَظْمُ، وَلَوْ رُوعِيَ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ، فَإِذَا كَانَتْ فِي الرَّأْسِ حُلِقَ مَوْضِعُهَا مِنْ رَأْسِ الْجَانِي وَعُلِّمَ الْقَدْرُ الْمُسْتَحَقُّ بِسَوَادٍ، أَوْ
стр. 2917
الشَّاجِّ وَزِيَادَةٌ - كَانَ لَهُ أَنْ يُوضِحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ. وَفِي الْأَرْشِ لِلزَّائِدِ وَجْهَانِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
غَيْرِهِ، ثُمَّ اقْتَصَّ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، أَوْ مُؤَخَّرِهِ، أَوْ وَسَطِهِ فَأَمْكَنَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ قَدْرَهَا مِنْ مَوْضِعِهَا لَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ زَادَ قَدْرُهَا عَلَى مَوْضِعِهَا مِنْ رَأْسِ الْجَانِي اسْتَوْفَى بِقَدْرِهَا، وَإِنْ جَاوَزَ الْمَوْضِعَ الَّذِي شَجَّهُ فِي مِثْلِهِ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ رَأْسٌ، وَإِنْ زَادَ قَدْرُهَا عَلَى رَأْسِ الْجَانِي كُلِّهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْزِلَهُ إِلَى الْوَجْهِ، وَالْقَفَا ; لِأَنَّهُ قِصَاصٌ فِي غَيْرِ الْعُضْوِ الْمَجْرُوحِ فَيَقْتَصُّ مِنْ رَأْسِ الْجَانِي كُلِّهِ (وَفِي الْأَرْشِ لِلزَّائِدِ وَجْهَانِ:) أَحَدُهُمَا: لَا أَرْشَ لَهُ فِيمَا بَقِيَ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ لِئَلَّا يُجْمَعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، لَهُ أَرْشُ مُوضِحَةِ مَا بَقِيَ، وَهُوَ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ جِنَايَتِهِ وَالْمُوضِحَةِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ ثُلُثِهَا فَلَهُ أَرْشُ ثُلُثِ مُوضِحَةٍ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى هَذَا، أَوْ نَقَصَتْ فَبِالْحِسَابِ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، وَلَا يَجِبُ لَهُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ كَامِلَةٍ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَوْضَحَ كُلَّ الرَّأْسِ، وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَدْرُ شَجَّتِهِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بَعْضَ حَقِّهِ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَبَعْضَهُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ زِيَادَةُ ضَرَرٍ، أَوْ شَيْنٌ فَيَمْتَنِعُ لِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ مَوْضِعَ الْجِنَايَةِ، وَلَا قَدْرَهَا، وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بِمُوضِحَةٍ، قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ، قَدْرُهُمَا جَمِيعُ رَأْسِ الْجَانِي فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُوضِحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ مُوضِحَةً وَاحِدَةً وَبَيْنَ أَنْ يُوضِحَهُ مُوضِحَتَيْنِ ويَقْتَصِرُ فِيهِمَا عَنْ قَدْرِ الْوَاجِبِ، وَلَا أَرْشَ لَهُ فِي الْبَاقِي وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِيفَاءَ مَعَ إِمْكَانِهِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مَعَ يَمِينِهِ فِي أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي الزِّيَادَةِ، فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ حَصَلَتْ بِاضْطِرَابِهِ، فَأَنْكَرَهُ الْجَانِي فَوَجْهَانِ.
стр. 2918
فَصْلٌ: وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَطْعِ طَرَفٍ، أَوْ جُرْحٍ وَتَسَاوَتْ أَفْعَالُهُمْ، مِثْلَ أَنْ يَضَعُوا الْحَدِيدَةَ عَلَى يَدِهِ وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْهَا جَمِيعًا حَتَّى تَبِينَ، فَعَلَى جَمِيعِهِمُ الْقِصَاصُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَفْعَالُهُمْ، أَوْ قَطَعَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ، فَلَا قِصَاصَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ بِالْقِصَاصِ، أَوِ الدِّيَةِ. فَلَوْ قَطَعَ إِصْبَعًا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ جُرْحٍ وَتَسَاوَتْ أَفْعَالُهُمْ]
فَصْلٌ (وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَطْعِ طَرَفٍ، أَوْ جُرْحٍ) مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ (وَتَسَاوَتْ أَفْعَالُهُمْ مِثْلَ أَنْ يَضَعُوا الْحَدِيدَةَ عَلَى يَدِهِ وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْهَا جَمِيعًا حَتَّى تَبِينَ) أَوْ يَدْفَعُوا حَائِطًا، وَنَحْوَهُ عَلَى شَخْصٍ، قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " (فَعَلَى جَمِيعِهِمُ الْقِصَاصُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهَ فِي " الْكَافِي "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِ عَلِيٍّ لِلشَّاهِدَيْنِ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا. فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لَوْ تَعَمَّدَ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقِصَاصِ فَيُؤْخَذُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ كَالنَّفْسِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَوْ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُقْطَعُ حَنِثَ بِذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِيهَا، فَإِنَّهُ لَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِشَلَّاءَ، وَلَا كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَتِهَا، وَلَا تَسَاوِيَ بَيْنَ الطَّرَفِ، وَالْأَطْرَافِ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي النَّفْسِ وَكَمَا لَوْ تَمَيَّزَتْ أَفْعَالُهُمْ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ: وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةُ الطَّرَفِ وَالْجُرْحِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ، أَوْ فِي وَقْتٍ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي دِيَتِهِ (فَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَفْعَالُهُمْ، أَوْ قَطَعَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ، فَلَا قِصَاصَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَقْطَعِ الْيَدَ، وَلَمْ يُشَارِكْ فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا (وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهَا أَثَرُ الْجِنَايَةِ، وَالْجِنَايَةُ مَضْمُونَةٌ، فَكَذَا أَثَرُهَا (بِالْقِصَاصِ، أَوِ الدِّيَةِ) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ، ثُمَّ إِنْ سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ وَمَا لَا تُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهُ بِالْإِتْلَافِ مِثْلَ أَنْ يُهَشِّمَهُ فِي رَأْسِهِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ عَيْنِهِ وَجَبَ الْقَوَدُ فِيهِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي النَّفْسِ، وَفِي ضَوْءِ الْعَيْنِ خِلَافٌ، وَإِنْ سَرَتْ إِلَى مَا تُمْكِنُ
стр. 2919
فَتَآكَلَتْ أُخْرَى إِلَى جَانِبِهَا وَسَقَطَتْ مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ تَآكَلَتِ الْيَدُ وَسَقَطَتْ مِنَ الْكُوعِ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ شُلَّ فَفِيهِ دِيَتُهُ دُونَ الْقِصَاصِ وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. فَلَوْ قَطَعَ الْيَدَ قِصَاصًا فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُبَاشَرَتُهُ بِالْإِتْلَافِ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ قَطَعَ إِصْبَعًا فَتَآكَلَتْ أُخْرَى إِلَى جَانِبِهَا وَسَقَطَتْ مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ تَآكَلَتِ الْيَدُ وَسَقَطَتْ مِنَ الْكُوعِ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ) فِي قَوْلِ إِمَامِنَا ; لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقَوَدُ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَ بِالسِّرَايَةِ كَالنَّفْسِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: لَا قَوَدَ فِي الثَّانِيَةِ وَتَجِبُ دِيَتُهَا ; لِأَنَّ مَا أَمْكَنَ مُبَاشَرَتُهُ بِالْجِنَايَةِ، لَا يَجِبُ الْقَوَدُ فِيهِ بِالسِّرَايَةِ كَمَا لَوْ رَمَى سَهْمًا إِلَى شَخْصٍ فَمَرَقَ مِنْهُ إِلَى آخَرَ، وَجَوَابُهُ: مَا سَبَقَ، وَبِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقِصَاصِ، وَفَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ، وَلَيْسَ بِسِرَايَةٍ، وَلَوْ قَصَدَ قَطْعَ إِبْهَامِهِ فَقَطَعَ سَبَّابَتَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ (وَإِنْ شَلَّ) بِفَتْحِ الشِّينِ، وَقِيلَ: بِضَمِّهَا (فَفِيهِ دِيَتُهُ دُونَ الْقِصَاصِ) إِذَا شُلَّ وَجَبَ الْقَوَدُ فِي الْأُولَى، وَالْأَرْشُ فِي الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ الشَّلَلَ حَصَلَ بِالسِّرَايَةِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقَوَدِ كَمَا لَوْ لَمْ تَسْرِ وَكَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ حُبْلَى فَسَرَى إِلَى جَنِينِهَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا قَوَدَ بِنَقْصِهِ بَعْدَ بُرْئِهِ وَيَجِبُ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ، فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ; لِأَنَّهُ جِنَايَةُ عَمْدٍ، وَإِذَا قَطَعَ لَهُ إِصْبَعًا فَشُلَّتْ أَصَابِعُهُ الْبَاقِيَةُ وَكَفُّهُ وَجَبَ لَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنِ اقْتَصَّ مِنَ الْإِصْبَعِ فَلَهُ فِي الْبَاقِيَةِ أَرْبَعُونَ مِنَ الْإِبِلِ وَيَتْبَعُهَا مَا حَاذَى الْكَفَّ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ فَيَدْخُلُ أَرْشُهُ فِيهَا وَيَبْقَى خُمْسٌ مِنْهَا لِلْكَفِّ، وَفِيهِ وَجْهَانِ (وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ; لِمَا رَوَى سَعِيدٌ أَنَّ عُمَرَ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: مَنْ مَاتَ مِنْ حَدٍّ، أَوْ قِصَاصٍ لَا دِيَةَ لَهُ، الْحَقُّ قَتْلُهُ، وَلِأَنَّهُ قَطْعٌ مُسْتَحَقٌّ مُقَدَّرٌ، فَلَا تُضْمَنُ سِرَايَتُهُ كَقَطْعِ السَّارِقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سِرَايَتِهِ إِلَى النَّفْسِ، أَوْ إِلَى مَا دُونَهَا (فَلَوْ قَطَعَ الْيَدَ قِصَاصًا فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ) لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ، بِخِلَافِ قِسْمِ الْخَطَأِ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَسْأَلَةِ: اقْتُلْنِي، أَوِ اجْرَحْنِي، مَعَ تَحْرِيمِ الْإِذْنِ وَالْقَطْعِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا اسْتَوْفَاهُ قَهْرًا مَعَ الْخَوْفِ مِنْهَا كَحَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ كُلُولِ آلَةٍ، أَوْ مَسْمُومَةٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بَقِيَّةَ
стр. 2920
وَلَا يُقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ إِلَّا بَعْدَ بُرْئِهِ. فَإِنِ اقْتَصَّ قَبْلَ ذَلِكَ بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ سِرَايَةِ جُرْحِهِ، فَإِنْ سَرَى إِلَى نَفْسِهِ كَانَ هَدَرًا، وَإِنْ سَرَى الْقِصَاصُ إِلَى نَفْسِ الْجَانِي كَانَ هَدَرًا أَيْضًا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الدِّيَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُ نِصْفَهَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَنْ لَهُ قَوَدٌ فِي نَفْسٍ، أَوْ طَرَفٍ فَقَطَعَ طَرَفَهُ فَسَرَى إِلَى أَوْصَالِ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فَدَفَعَهُ دَفْعًا جَائِرًا فَقَتَلَهُ، هَلْ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ كَمَا يُجْزِئُ إِطْعَامُ مُضْطَرٍّ مِنْ كَفَّارَةٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُهُ لَهُ، وَكَذَا مَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا فَصَلَّى قَضَاءً وَنَوَى كَفَاهُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ (وَلَا يَقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ إِلَّا بَعْدَ بُرْئِهِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَقَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرِجْتُ، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ وَبَطَلَ عَرَجُكَ " ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يُدْرَى أَيُؤَدِّي إِلَى الْقَتْلِ أَمْ لَا؟ فَيَجِبُ أَنْ يُنْتَظَرَ لِيُعْلَمَ حُكْمُهُ، وَفِي ثَانِيَةٍ وَحَكَاهَا فِي " الشَّرْحِ " تَخْرِيجًا يَجِبُ قَبْلَ الْبُرْءِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّهُ إِذَا سَرَى إِلَى النَّفْسِ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ لَا يَسْقُطُ بِالسِّرَايَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ فِي الْحَالِ، كَمَا لَوْ بَرِئَ، لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": لَوْ قَطَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدًا فَلَهُ أَخْذُ دِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْحَالِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ وَبَعْدَهُ، لَا الْقَوَدُ قَبْلَهُ (فَإِنِ اقْتَصَّ قَبْلَ ذَلِكَ بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ سِرَايَةِ جُرْحِهِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «لَيْسَ لَكَ شَيْءٌ إِنَّكَ عَجِلْتَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ مُرْسَلًا، وَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ حَقَّهُ فَبَطَلَ حَقُّهُ كَقَتْلِ مُوَرِّثِهِ (فَإِنْ سَرَى إِلَى نَفْسِهِ كَانَ هَدَرًا) أَيْ: سِرَايَةُ الْجُرْحِ إِلَى نَفْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ هَدَرٌ، إِذَا اقْتَصَّ مِنَ الْجَانِي قَبْلَ بُرْءِ جُرْحِهِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ بَطَلَ بِاسْتِعْجَالِهِ وَمَعَ بُطْلَانِهِ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ السِّرَايَةِ إِلَى نَفْسِهِ هَدَرًا (وَإِنْ سَرَى الْقِصَاصُ إِلَى نَفْسِ الْجَانِي كَانَ هَدَرًا أَيْضًا) قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ دَخَلَهُ الْعَفْوُ بِالْقِصَاصِ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِخَبَرٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّ سِرَايَةَ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا اقْتَصَّ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، ثُمَّ انْتَقَضَ جُرْحُ الْجِنَايَةِ فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ وَجَبَ
стр. 2921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْقَوَدُ بِهِ ; لِأَنَّهُ اقْتَصَّ بَعْدَ جَوَازِ الِاقْتِصَاصِ، فَإِنِ اخْتَارَ الدِّيَةَ فَلَهُ دِيَةٌ إِلَّا دِيَةَ الطَّرَفِ الْمَأْخُوذِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنْ كَانَ دِيَةُ الطَّرَفِ كَدِيَةِ النَّفْسِ فَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْجَانِي ذِمِّيًّا، فَقَطَعَ أَنْفَ مُسْلِمٍ، فَاقْتَصَّ مِنْهُ بَعْدَ الْبُرْءِ، ثُمَّ سَرَى إِلَى نَفْسِ الْمُسْلِمِ، فَلِوَلِيِّهِ قَتْلُ الذِّمِّيِّ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى نِصْفِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ فَيَبْقَى لَهُ النِّصْفُ، وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى بَدَلَ أَنْفِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا.
стр. 2922
كِتَابُ الدِّيَاتِ . كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ إِنْسَانًا، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ، أَوْ سَبَبٍ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ . فَإِنْ كَانَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الدِّيَاتِ] [مَنْ أَتْلَفَ إِنْسَانًا أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ]
الدِّيَاتُ وَاحِدَتُهَا دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ وَأَصْلُهَا وَدِيَ، وَالْهَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ كَالْعِدَةِ مِنَ الْوَعْدِ، وَالزِّنَةِ مِنَ الْوَزْنِ، يُقَالُ: وَدَيْتُ الْقَتِيلَ أَدِيهِ دِيَةً إِذَا أَعْطَيْتُ دِيَتَهُ، وَايْتَدَيْتُ إِذَا أَخَذْتُ الدِّيَةَ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الْمَالُ الْمُؤَدَّى إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أَوْ أَوْلِيَائِهِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وَفِي الْخَبَرِ: «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» .
(كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ إِنْسَانًا، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ، أَوْ سَبَبٍ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِي الْفَرَائِضِ، وَالسُّنَنِ، وَالدِّيَاتِ: «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَمَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بِشُهْرَتِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ، أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا مُسْتَأْمَنًا، أَوْ مُهَادِنًا فَقَوْلُهُ " أَوْ جُزْءًا مِنْهُ " هَذِهِ الزِّيَادَةُ انْفَرَدَ بِهَا الْمُؤَلِّفُ عَنِ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ مَا ضُمِنَتْ جُمْلَتُهُ ضُمِنَتْ أَجْزَاؤُهُ، وَقَوْلُهُ " بِمُبَاشَرَةٍ "
стр. 2923
عَمْدًا مَحْضًا، فَهِيَ فِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةٌ، وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ، أَوْ خَطَأً، أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَوْ أَلْقَى عَلَى إِنْسَانٍ أَفْعَى، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا فَقَتَلَتْهُ. أَوْ طَلَبَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِهَا فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ كَالنَّفْسِ إِذَا أُتْلِفَتْ بِهَا، وَقَوْلُهُ " أَوْ سَبَبٍ " ; لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ إِلَى تَلَفِهِ، أَشْبَهَ الْمُبَاشَرَةَ (فَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، فَهِيَ فِي مَالِ الْجَانِي) بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ بَدَلَ الْمُتْلَفِ يَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي، وَلِأَنَّ الْعَامِدَ لَا عُذْرَ لَهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْمُوَاسَاةِ فِي الْخَطَأِ (حَالَّةً) لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ كَانَ حَالًّا كَأَرْشِ أَطْرَافِ الْعَبْدِ وَدِيَةِ شِبْهِ الْعَامِدِ، وَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ الْقَاتِلُ فِيهَا مَعْذُورٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْلَ (وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ) فَعَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ قَتْلٍ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا فَأَوْجَبَ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَالْخَطَأِ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ مُؤَجَّلَةً بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي عَصْرِهِمَا، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ ; لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْجَانِي عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ تَخْفِيفَهَا عَنْهُمْ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ كَالْعَمْدِ (أَوْ خَطَأً، أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِذِ الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ تَكْثُرُ، وَدِيَةُ الْآدَمِيِّ كَثِيرَةٌ، فَإِيجَابُهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ تُجْحِفُ بِهِ، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ إِيجَابَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ، وَالْإِعَانَةِ لَهُ تَخْفِيفًا ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي فِعْلِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُلْزَمُ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْ دِيَةِ الْخَطَأِ، لَا أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْعَاقِلَةِ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ يُعْطَى حُكْمَهُ كَالْخَطَأِ (وَلَوْ أَلْقَى عَلَى إِنْسَانٍ أَفْعَى) وَهُوَ حَيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى صَرْفِهَا كَعَصًا، وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَشِبْهِهَا بِالْمُشْتَقِّ، وَهُوَ تَصَوُّرُ أَذَاهَا (أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا فَقَتَلَتْهُ) فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ،
стр. 2924
إِنْسَانًا بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ فَهَرَبَ مِنْهُ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ بَصِيرًا كَانَ، أَوْ ضَرِيرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي فِنَائِهِ، أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِي طَرِيقٍ، أَوْ بَالَتْ فِيهَا دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيهَا فَتَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ.
وَإِنْ حَفَرَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ تَلِفَ بِالسَّبَبِ فَوَجَبَ الضَّمَانُ كَالْمُبَاشَرَةِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا أَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ (أَوْ طَلَبَ إِنْسَانًا بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ فَهَرَبَ مِنْهُ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ بَصِيرًا كَانَ أَوْ ضَرِيرًا) عَاقِلًا كَانَ، أَوْ مَجْنُونًا، سَوَاءٌ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ، أَوِ انْخَرَقَ بِهِ سَقْفٌ، أَوْ خَرَّ فِي بِئْرٍ ; لِأَنَّهُ هَلَكَ بِسَبَبِ عُدْوَانِهِ فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ نَصَبَ لَهُ سِكِّينًا، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَعِنْدِي مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ إِلْقَاءَ نَفْسِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِتَلَفِهِ ; لِأَنَّهُ كَمُبَاشِرٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ، فَلَوْ طَلَبَهُ بِشَيْءٍ يُخَوِّفُهُ كَاللَّتِّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَبَهُ بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ، فَلَوْ شَهَرَ سَيْفًا فِي وَجْهِهِ، أَوْ دَلَّاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَمَاتَ مِنْ رَوْعَتِهِ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي فِنَائِهِ) حَيْثُ يَحْرُمُ، فَتَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَضَى بِهِ شُرَيْحٌ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ، وَكَذَا لَوْ حَفَرَهَا فِي مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ لِتَعَدِّيهِ بِالْحَفْرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إِذَا حَفَرَهَا فِي مِلْكِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُتَعَدِّيًا (أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِي طَرِيقٍ) ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ هَلَكَ بِسَبَبِهِ (أَوْ بَالَتْ فِيهَا دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا) فَزَلِقَ بِهِ حَيَوَانٌ فَمَاتَ بِهِ، فَعَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ رَاكِبًا، أَوْ قَائِدًا، أَوْ سَائِقًا كَمَا لَوْ جَنَتْ بِيَدِهَا، أَوْ فَمِهَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَفِي " الشَّرْحِ ": قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ وَكَمَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ أَمْسَكَ يَدَهُ حَتَّى مَاتَ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ بِرِجْلِهَا وَيُفَارِقُ مَا إِذَا أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا، أَوْ فَمِهَا ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا (أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيهَا فَتَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّ التَّلَفَ مَنْسُوبٌ إِلَى فَاعِلِهِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَالْمُتَسَبِّبِ إِلَى الْقَتْلِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْوَجِيزِ " إِذَا قَصَدَهُ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ وَإِلَّا فَهُوَ خَطَأٌ
[حَفَرَ بِئْرًا وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ]
(وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا
стр. 2925
بِئْرًا وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ.
وَإِنْ غَصَبَ صَغِيرًا فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ مَاتَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ) فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ الْأَشْهَرُ ; لِأَنَّهُ كَالدَّافِعِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْلَ عَادَةً لِمُعَيَّنٍ، بِخِلَافِ مُكْرَهٍ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ ; لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ قُطِعَ بِسَبَبِهِ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ضَمَانُ الْمُتَسَبِّبِ. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَجَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ كَقَاتِلٍ وَمُمْسِكٍ، وَإِنْ تَعَدَّى أَحَدُهُمَا اخْتَصَّ بِهِ الضَّمَانُ، وَإِنْ وَضَعَ حَجَرًا، ثُمَّ حَفَرَ آخَرُ عِنْدَهُ بِئْرًا، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا فَعَثَرَ بِالْحَجَرِ فَسَقَطَ عَلَيْهَا فَهَلَكَ، احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَ الْحَافِرُ وَنَاصِبُ السِّكِّينِ ; لِأَنَّ فِعْلَهُمَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ فِعْلِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَعْمَقَ بِئْرًا قَصِيرًا ضَمِنَ هُوَ وَحَافِرُ مَا تَلِفَ بِهَا. نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَعَا مَنْ يَحْفِرُ لَهُ بِدَارِهِ بِئْرًا، أَوْ مَعْدِنًا فَمَاتَ بِهَدْمٍ لَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ، فَهَدَرٌ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَإِنْ حَفَرَ بِبَيْتِهِ بِئْرًا، أَوْ سَتَرَهُ لِيَقَعَ فِيهَا أَحَدٌ فَمَنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ، فَالْقَوَدُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِلَّا فَلَا كَمَكْشُوفَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهَا، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ إِذْنِهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَلَوْ وَضَعَ فِيهَا آخَرُ سِكِّينًا فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ عَلَيْهَا فَمَاتَ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ السَّامِرِيُّ: الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنْ يَجِبَ الضَّمَانُ عَلَى جَمِيعِ الْمُتَسَبِّبِينَ
[غَصَبَ صَغِيرًا فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ]
(وَإِنْ غَصَبَ صَغِيرًا فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ نَارٌ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي رَعْدٍ شَدِيدٍ (فَفِيهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي يَدِهِ الْعَادِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَضْمَنُ إِذَا لَمْ تُعْرَفِ الْأَرْضُ بِذَلِكَ (وَإِنْ مَاتَ بِمَرَضٍ) أَوْ فُجَاءَةً (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِي " الْفُرُوعِ " رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَضْمَنُ، نَصَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ كَالْعَبْدِ الصَّغِيرِ.
وَالثَّانِي: لَا، وَنَقَلَهُ أَبُو الصَّقْرِ لِأَنَّهُ حُرٌّ، لَا تَثْبُتُ الْيَدُ
стр. 2926
بِمَرَضٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَ إِنِ اصْطَدَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا ، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَا رَاكِبَيْنِ فَمَاتَتِ الدَّابَّتَانِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةُ دَابَّةِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ، وَالْآخَرُ وَاقِفًا فَعَلَى السَّائِرِ ضَمَانُ الْوَاقِفِ وَدَابَّتِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ قَاعِدًا، أَوْ وَاقِفًا، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ فِي الْغَضَبِ، أَشْبَهَ الْكَبِيرَ، وَإِنْ قَرَّبَهُ مِنْ هَدَفٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ ضَمِنَهُ الْمُقَرِّبُ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَةٍ فَأَتْلَفَ مَالًا، أَوْ نَفْسًا، فَهُوَ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ مِنْ مُرْسِلِهِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا قَيَّدَ حُرًّا مُكَلَّفًا وَغَلَّهُ، فَتَلِفَ بِصَاعِقَةٍ، أَوْ حَيَّةٍ وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ أَحَدٌ ضَمِنَهُ مُرْسِلُهُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ تَعَذَّرَ تَضْمِينُ الْجَانِي.
[إِنِ اصْطَدَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا]
(وَإِنِ اصْطَدَمَ نَفْسَانِ) رَاجِلَانِ وَرَاكِبَانِ، أَوْ مَاشٍ وَرَاكِبٌ، قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": بَصِيرَانِ، أَوْ ضَرِيرَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا (فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ صَدْمَةِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ قَتْلُ خَطَأٍ، فَكَانَتْ دِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ، وَقِيلَ: بَلْ نِصْفُهَا، وَجَزَمَ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " إِنْ غَلَبَتِ الدَّابَّةُ رَاكِبَهَا بِلَا تَفْرِيطٍ، فَلَا ضَمَانَ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ فِي تَرِكَتِهِ، وَقِيلَ: بَلْ كَفَّارَتَانِ فِي الْخَطَأِ وَشَبَّهَهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ، وَخَرَجَ أَنَّ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ قَتِيلٍ نِصْفَ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ النِّصْفُ لَهُمْ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الْفُرُوعِ " إِنْ تَصَادَمَا عَمْدًا، وَذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَهَدَرٌ، وَإِلَّا شِبْهَ عَمْدٍ (وَإِنْ كَانَا رَاكِبَيْنِ فَمَاتَتِ الدَّابَّتَانِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةُ دَابَّةِ الْآخَرِ) فِي تَرِكَتِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَلِفَ بِصَدْمَةِ الْآخَرِ، وَقِيلَ: بَلْ نِصْفُهَا (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ، وَالْآخَرُ وَاقِفًا فَعَلَى السَّائِرِ ضَمَانُ الْوَاقِفِ) وَالْقَاعِدِ (وَدَابَّتِهِ) لِأَنَّهُمَا تَلِفَا بِصَدْمَةِ السَّائِرِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ فِي الْوُقُوفِ، وَضَمَانُ النَّفْسِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ; لِأَنَّهُ قَتْلُ خَطَأٍ، وَضَمَانُ الْمَالِ عَلَى الْمُتْلِفِ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُهُ صَرَّحَ بِهِ فِي " النِّهَايَةِ "، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفَ، هَذَا إِذَا وَقَفَ، أَوْ قَعَدَ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ، وَمَا تَلِفَ لِلسَّائِرِ فَهَدَرٌ. نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ قَاعِدًا، أَوْ وَاقِفًا، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ) لِأَنَّ السَّائِرَ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ، بَلِ الْوَاقِفُ وَالْقَاعِدُ هُوَ الْمُتَعَدِّي، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ مَمْلُوكًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ
стр. 2927
وَإِنْ أَرْكَبَ صَبِيَّيْنِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُمَا.
وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ الْحَجَرُ إِنْسَانًا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ دِيَتِهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَمْلُوكًا لَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِوُقُوفِهِ، بَلِ السَّائِرُ هُوَ الْمُتَعَدِّي بِسُلُوكِهِ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ) مِنَ السَّائِرِ، وَمَالِهِ ; لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِالْوُقُوفِ فِيهِ، أَشْبَهَ وَاضِعَ الْحَجَرِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا ضَمَانَ.
فَرْعٌ: إِذَا اصْطَدَمَ عَبْدَانِ مَاشِيَانِ فَمَاتَا فَهَدَرٌ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَقِيمَتُهُ فِي رَقَبَةِ الْآخَرِ كَسَائِرِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَا حُرًّا وَعَبْدًا، وَمَاتَا، ضُمِنَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ فِي تَرِكَةِ الْحُرِّ وَوَجَبَتْ دِيَةُ الْحُرِّ كَامِلَةً فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ، وَلَوْ تَجَاذَبَ حُرَّانِ حَبْلًا، وَنَحْوَهُ، فَانْقَطَعَ وَسَقَطَا، وَمَاتَا فَكَمُتَصَادِمَيْنِ مُطْلَقًا، لَكِنَّ نِصْفَ دِيَةِ الْمُنْكَبِّ مُغَلَّظَةٌ، وَالْمُسْتَلْقِي مُخَفَّفَةٌ (وَإِنْ أَرْكَبَ صَبِيَّيْنِ) وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: صَغِيرَيْنِ (لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا) أَيْ: لَيْسَ وَلِيَّهُمَا (فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُمَا) لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِرُكُوبِهِمَا وَتَصَادُمِهِمَا إِثْرَ رُكُوبِهِمَا، وَفِعْلُهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَوَجَبَ إِضَافَةُ الْقَتْلِ إِلَى مَنْ أَرْكَبَهُمَا، وَهُوَ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ، وَكَذَا قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَضْمَنُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " عَلَيْهِ مَا تَلِفَ بِصَدْمَتِهِمَا إِنْ كَانَ مَالًا وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ ; لِأَنَّهُ إِرْكَابٌ مَأْذُونٌ فِيهِ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُتَعَدِّي، وَقَيَّدَهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِمَا إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيَثْبُتَانِ بِأَنْفُسِهِمَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " إِنْ صَلَحَا لِلرُّكُوبِ وَأَرْكَبَهُمَا مَا يَصْلُحُ لِرُكُوبِ مِثْلِهِمَا، وَإِلَّا ضَمِنَ، وَإِنْ رَكِبَاهُ بِأَنْفُسِهِمَا فَكَبَالِغَيْنِ مُخْطِئَيْنِ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَكَذَا الْمَجْنُونُ، وَإِنْ كَانَا عَبْدَيْنِ ضَمِنَهُمَا مَنْ أَرْكَبَهُمَا.
فَرْعٌ: يَضْمَنُ كَبِيرٌ صَدَمَ صَغِيرًا، وَإِنْ مَاتَ الْكَبِيرُ ضَمِنَهُ الَّذِي أَرْكَبَ الصَّغِيرَ، نَقَلَ حَرْبٌ: إِنْ حَمَلَ رَجُلٌ صَبِيًّا عَلَى دَابَّةٍ فَسَقَطَ ضَمِنَ إِلَّا أَنْ يَأْمُرَ أَهْلَهُ بِحَمْلِهِ
[رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ الْحَجَرُ أَحَدَهُمْ]
(وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ الْحَجَرُ إِنْسَانًا) رَابِعًا (فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ دِيَتِهِ) إِنْ لَمْ يَقْصِدُوهُ، كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الثُّلُثَ فَمَا زَادَ، وَلَا قَوَدَ
стр. 2928
وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُلْغَى فِعْلُ نَفْسِهِ وَعَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ. وَالثَّالِثُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ، وَثُلُثَاهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْقَصْدِ غَالِبًا، وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالٌ: كَرَمْيَةٍ عَنْ قَوْسٍ وَمِقْلَاعٍ وَحَجَرٍ عَنْ يَدٍ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، فَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ، وَهُوَ قَتْلٌ خَطَأٌ (وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ) فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ غَيْرِهِ (فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُلْغِي فِعْلَ نَفْسِهِ) قِيَاسًا عَلَى الْمُتَصَادِمَيْنِ (وَعَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ) كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِمْ وَجِرَاحَةِ نَفْسِهِ، وَكَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ بَهِيمَةٍ، وَلِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ، فَلَمْ تَكْمُلِ الدِّيَةُ عَلَى شَرِكَتِهِ كَمَا لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِهِمُ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَهُوَ أَحْسَنُ وَأَصَحُّ فِي النَّظَرِ، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي مَسْأَلَةِ الْقَارِضَةِ، والقارصة وَالْوَاقِصَةِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعْنَ، فَرَكِبَتْ إِحْدَاهُنَّ عَلَى عُنُقِ الْأُخْرَى، وَقَرَصَتِ الثَّالِثَةُ الْمَرْكُوبَةَ، فَقَمَصَتْ، فَسَقَطَتِ الرَّاكِبَةُ فَوُقِصَتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَضَى بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا عَلَى عَوَاقِلِهِنَّ وَأَلْغَى الثُّلُثَ الَّذِي قَابَلَ فِعْلَ الْوَاقِصَةِ ; لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهَا وَهَذِهِ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَتِنَا (وَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ) قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَالْمُتَصَادِمَيْنِ (وَالثَّالِثُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ وَثُلُثَاهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِينَ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَارَكَ فِي قَتْلِ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ مُؤْمِنَةٍ خَطَأً، فَلَزِمَهُ دِيَتُهَا كَالْأَجَانِبِ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ جِنَايَةَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ أَهْلِهِ خَطَأً يَتَحَمَّلُ عَقْلَهَا الْعَاقِلَةُ (وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ) أَيْ: إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً فَقَتَلُوا أَحَدَهُمْ، أَوْ غَيْرَهُمْ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ كَالْخَمْسَةِ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ الْمَقْتُولَ يُلْغِي فِعْلَ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ هَدَرًا ; لِأَنَّهُ لَا
стр. 2929
وَإِذَا جَنَى إِنْسَانٌ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ طَرَفِهِ خَطَأً، فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ وَدِيَةُ طَرَفِهِ لِنَفْسِهِ.
وَإِنْ نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَجِبُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ شَيْءٌ، وَيَكُونُ بَاقِي الدِّيَةِ فِي أَمْوَالِهِمْ حَالَّةً ; لِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الدِّيَاتِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَهَذَا دُونَ الثُّلُثِ، وَلَكِنَّ هَذَا عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ ظَاهِرٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَا ; لِأَنَّ الرَّمْيَ لَوْ كَانَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَجُعِلَ فِعْلُ الْمَقْتُولِ هَدَرًا، بَقِيَتِ الدِّيَةُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ أَثْلَاثًا، وَعَنْهُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ لِاتِّحَادِ فِعْلِهِمْ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ إِنَّمَا شُرِعَ لِلتَّخْفِيفِ عَلى الْجَانِي فِيمَا يَشُقُّ وَيَكْثُرُ، وَمَا دُونَ الثُّلُثِ يَسِيرٌ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ فِعْلِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا مُوجِبُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ كُلُّ وَاحِدٍ جُرْحًا فَمَاتَتِ النَّفْسُ بِجَمِيعِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ مَدَّ الْحَبْلَ وَرَمَى الْحَجَرَ دُونَ مَنْ وَضَعَهُ فِي الْكِفَّةِ اعْتِبَارًا بِالْمُبَاشِرِ كَمَنْ وَضَعَ سَهْمًا فِي قَوْسٍ، أَوْ قَرَّبَهُ وَرَمَى بِهِ صَاحِبَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: يَتَوَجَّهُ رِوَايَتَا مُمْسِكٍ.
١ -
(وَإِذَا جَنَى إِنْسَانٌ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ طَرَفِهِ خَطَأً، فَلَا دِيَةَ لَهُ) بَلْ هُوَ هَدَرٌ كَالْعَمْدِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، قَالَ السَّامِرِيُّ: وَهُوَ الْأَقْيَسُ لِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ حِينَ رَجَعَ سَيْفُهُ عَلَيْهِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَمَاتَ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَبَيَّنَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَنُقِلَ ظَاهِرًا (وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ وَدِيَةُ طَرَفِهِ لِنَفْسِهِ) اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَذَكَرَ أَنَّهَا أَظْهَرُ عَنْهُ لِقَوْلِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ له مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ خَطَأٌ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ، فَعَلَيْهَا إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ قَتْلًا نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِلَةُ غَيْرَ الْوَرَثَةِ وَجَبَتْ دِيَةُ النَّفْسِ عَلَيْهِمْ لِوَرَثَةِ الْجَانِي وَإِنْ كَانُوا هُمُ الْوَرَثَةَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ شَيْءٌ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِ النَّفْسِ وَوَجَبَتْ دِيَةُ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِلْجَانِي، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ وَارِثًا سَقَطَ عَنِ الْوَرَثَةِ مَا يُقَابِلُ مِيرَاثَهُ، وَلَا يُحَمِّلُهُ دُونَ الثُّلُثِ فِي الْأَصَحِّ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَنَقَلَ حَرْبٌ: مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ لَا يُودَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ وَيُفَارِقُ مَا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ لَأَجْحَفَ بِهِ وُجُوبُ الدِّيَةِ لِكَثْرَتِهَا.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ شِبْهَ عَمْدٍ فَوَجْهَانِ
[نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ فَمَاتَ]
(وَإِنْ نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ) أَيْ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَاتَ مِنْ سَقْطَتِهِ،
стр. 2930
سَقْطَتِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ، وَإِنْ سَقَطَ ثَالِثٌ فَمَاتَ الثَّانِي بِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِمَا فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَذَبَ الثَّانِي وَجَذَبَ الثَّانِي الثَّالِثَ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّالِثِ، وَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَيَكُونُ هُوَ قَاتِلُهُ، فَوَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْقَتْلِ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ عَمْدًا، وَهُوَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِلَّا فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ (وَإِنْ سَقَطَ ثَالِثٌ فَمَاتَ الثَّانِي بِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ مِنْ سَقْطَتِهِ، فَإِنْ مَاتَ الثَّانِي بِوُقُوعِهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَدَمُ الثَّانِي هَدَرٌ ; لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ، وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُودُ أَعْمَى فَوَقَعَا فِي بِئْرٍ، وَقَعَ الْأَعْمَى فَوْقَ الْبَصِيرِ، فَقَتَلَهُ، فَقَضَى عُمَرُ بِعَقْلِ الْبَصِيرِ عَلَى الْأَعْمَى، فَكَانَ الْأَعْمَى يُنْشِدُ فِي الْمَوْسِمِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ رَأَيْتُ مُنْكَرًا ... هَلْ يَعْقِلُ الْأَعْمَى الصَّحِيحَ الْمُبْصِرَا
خَرَّا مَعًا كِلَاهُمَا تَكَسَّرَا
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَهُ الزُّبَيْرُ، وَشُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَوْ قَالَ قَائِلٌ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى ضَمَانُ الْبَصِيرِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي قَادَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَا فِيهِ، وَكَانَ سَبَبَ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ قَصْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْأَعْمَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمِعًا عَلَيْهِ (وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِمَا فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا) لِأَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِمَا عَلَيْهِ، وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ ; لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِالْوُقُوعِ عَلَيْهِ، فَانْفَرَدَ بِدِيَتِهِ (وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَذَبَ الثَّانِي وَجَذَبَ الثَّانِي الثَّالِثَ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّالِثِ) لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ (وَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ هُوَ جَذَبَهُ وَبَاشَرَهُ بِذَلِكَ، وَالْمُبَاشَرَةُ تَقْطَعُ حُكْمَ الْمُتَسَبِّبِ كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ (وَفِي) الْوَجْهِ (الثَّانِي: عَلَى الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ جَذَبَ الثَّانِيَ الْجَاذِبَ لِلثَّالِثِ، فَصَارَ مُشَارِكًا لِلثَّانِي فِي إِتْلَافِهِ، وَقِيلَ: بَلْ عَلَيْهِمَا ثُلُثَاهَا وَبَقِيَّتُهَا تُقَابِلُ جَذْبَتَهُ فَتَسْقُطُ، أَوْ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقِيلَ: دَمُهُ كُلُّهُ هَدَرٌ. اخْتَارَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " (وَدِيَةُ الثَّانِي
стр. 2931
هَلَكَ مِنْ وَقْعَةِ الثَّالِثِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ عَلَى الثَّانِي، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَلَى الثَّانِي، وَفِي نِصْفِهَا الْآخَرِ وَجْهَانِ، وَإِنْ خَرَّ رَجُلٌ فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ فَجَذَبَ آخَرَ، وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا، وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا، فَقَتَلَهُمُ الْأَسَدُ، فَالْقِيَاسُ: أَنَّ دَمَ الْأَوَّلِ هَدَرٌ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِي، وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي دِيَةُ الثَّالِثِ، وَعَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ هَلَكَ بِجَذْبَتِهِ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَالثَّالِثِ لِمُشَارَكَتِهِ إِيَّاهُ، وَقِيلَ: بَلْ عَلَيْهِمَا ثُلُثَاهَا، وَالْبَاقِي يُقَابِلُ نَفْسَهُ، وَفِيهِ الْوَجْهَانِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَعِنْدِي لَا شَيْءَ مِنْهَا عَلَى الْأَوَّلِ، بَلْ عَلَى الثَّالِثِ كُلُّهَا، أَوْ نِصْفُهَا، وَالْبَاقِي يُقَابِلُ فِعْلَ نَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ دِيَتِهِ، وَيُهْدَرُ نِصْفُهَا فِي مُقَابَلَةِ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ، وَهُوَ وُجُوبُ نِصْفِ دِيَتِهِ علَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ، كَمَا إِذَا رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ الْحَجَرُ أَحَدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ جَذَبَ رَابِعًا فَدِيَتُهُ عَلَى الثَّالِثِ فَقَطْ، وَقِيلَ: عَلَى الثَّلَاثَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا لَمْ يَسْقُطْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، بَلْ مَاتُوا بِسُقُوطِهِمْ، وَفِي " الْمُغْنِي ": أَوْ وَقَعَ وَشُكَّ فِي تَأْثِيرِهِ، أَوْ قَتَلَهُمْ فِي الْحُفْرَةِ أَسَدٌ، وَلَمْ يَتَجَاذَبُوا فَدِمَاؤُهُمْ مُهْدَرَةٌ (وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هَلَكَ مِنْ وَقْعَةِ الثَّالِثِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ عَلَى الثَّانِي) لِأَنَّ هَلَاكَهُ حَصَلَ بِجَذْبِهِ، وَجَذْبُ الثَّانِي وَفِعْلُهُ مُلْغًى كَالْمُتَصَادِمَيْنِ، فَتَعَيَّنَ إِضَافَةُ التَّلَفِ إِلَى الثَّانِي (وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَلَى الثَّانِي) لِأَنَّ الْهَلَاكَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ غَيْرِهِ (وَفِي نِصْفِهَا الْآخَرِ وَجْهَانِ) لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَلَى جِنَايَةِ نَفْسِهِ، وَفِي جِنَايَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ الرِّوَايَتَانِ (وَإِنْ خَرَّ رَجُلٌ فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ فَجَذَبَ آخَرَ وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا، فَقَتَلَهُمُ الْأَسَدُ، فَالْقِيَاسُ أَنَّ دَمَ الْأَوَّلِ هَدَرٌ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "،
стр. 2932
عَاقِلَةِ الثَّالِثَةِ دِيَةُ الرَّابِعِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ دِيَةَ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ، وَدِيَةُ الرَّابِعِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى لِلْأَوَّلِ بِرُبْعِ الدِّيَةِ، وَلِلثَّانِي بِثُلُثِهَا، وَلِلثَّالِثِ بِنِصْفِهَا، وَلِلرَّابِعِ بِكَمَالِهَا عَلَى مَنْ حَضَرَهُمْ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَجَازَ قَضَاءَهُ فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ تَوْقِيفًا.
وَمَنِ اضْطُرَّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لِأَحَدٍ فِي إِلْقَائِهِ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِي) لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي قَتْلِهِ (وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي دِيَةُ الثَّالِثِ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ دِيَةُ الرَّابِعِ) كَذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّابِعِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا (وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ دِيَةَ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ جَذْبَ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي سَبَبٌ فِي جَذْبِ الثَّالِثِ كَمَا لَوْ قَتَلَاهُ خَطَأً (وَدِيَةُ الرَّابِعِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا) لِأَنَّ جَذْبَ الثَّلَاثَةِ سَبَبُ إِتْلَافِهِ، وَكَذَا لَوْ تَدَافَعَ وَتَزَاحَمَ عِنْدَ الْحُفْرَةِ جَمَاعَةٌ فَسَقَطَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ مُتَجَاذِبِينَ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ: مَسْأَلَةُ الزُّبْيَةِ (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى لِلْأَوَّلِ بِرُبُعِ الدِّيَةِ وَلِلثَّانِي بِثُلُثِهَا وَلِلثَّالِثِ بِنِصْفِهَا وَلِلرَّابِعِ بِكَمَالِهَا عَلَى مَنْ حَضَرَهُمْ) رَوَى حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ حَفَرُوا زُبْيَةً لِلْأَسَدِ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى رَأْسِهَا فَهَوَى فِيهَا وَاحِدٌ فَجَذَبَ ثَانِيًا وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا، فَقَتَلَهُمُ الْأَسَدُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ فَقَضَى فِيهَا بِمَا ذُكِرَ، وَقَالَ: فَإِنِّي أَجْعَلُ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ حَضَرَ رَأْسَ الْبِئْرِ (ثُمَّ رَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَجَازَ قَضَاءَهُ) رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَنَشٍ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا (فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ تَوْقِيفًا) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: وَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى قَبَائِلِ الَّذِينَ ازْدَحَمُوا، أَيْ: عَوَاقِلِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الثُّلُثِ، وَالنِّصْفِ، وَأَمَّا الرُّبُعُ فَلَا يَتَوَجَّهُ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ لَهَا، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ، وَأَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالْقِيَاسُ مَا قُلْنَاهُ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ إِلَى مَا لَا يُدْرَى ثُبُوتُهُ، وَلَا مَعْنَاهُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
стр. 2933
إِلَى طَعَامِ إِنْسَانٍ، أَوْ شَرَابِهِ، وَلَيْسَ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ فَمَنَعَهُ حَتَّى مَاتَ ضَمِنَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَخَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ كُلُّ مَنْ أَمْكَنَهُ إِنْجَاءُ إِنْسَانٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ، فَلَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَنْبِيهٌ: نَقَلَ جَمَاعَةٌ أَنَّ سِتَّةً تَعَاطَوْا فِي الْفَوَاتِ فَمَاتَ وَاحِدٌ، فَرُفِعَ إِلَى عَلِيٍّ فَشَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، فَقَضَى بِخُمُسِ الدِّيَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ نَامَ عَلَى سَطْحِهِ فَهَوَى سَقْفُهُ مِنْ تَحْتِهِ عَلَى قَوْمٍ، لَزِمَهُ الْمُكْثُ، كَمَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ فِيمَنْ أُلْقِيَ فِي مَرْكَبِهِ نَارٌ، وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ ; لِأَنَّهُ مُلْجَأٌ لَمْ يَتَسَبَّبْ، وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ بِدَوَامِ مُكْثِهِ، أَوْ بِانْتِقَالِهِ - ضَمِنَهُ، وَاخْتَارَ فِي التَّائِبِ الْعَاجِزِ عَنْ مُفَارَقَةِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْحَالِ، أَوِ الْعَاجِزِ عَنْ إِزَالَةِ أَثَرِهَا كَمُتَوَسِّطِ الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ وَمُتَوَسِّطِ الْجَرْحَى تَصِحُّ تَوْبَتُهُ مَعَ الْعَزْمِ وَالنَّدَمِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ مِنَ الْغَصْبِ.
[مَنْ أَمْكَنَهُ إِنْجَاءُ إِنْسَانٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ]
(وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ إِنْسَانٍ، أَوْ شَرَابِهِ، وَلَيْسَ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ فَمَنَعَهُ حَتَّى مَاتَ ضَمِنَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَهْلَ أَبْيَاتٍ فَاسْتَسْقَاهُمْ، فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ فَأَغْرَمَهُمْ عُمَرُ ﵁ الدِّيَةَ. حَكَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَالَ: أَقُولُ بِهِ، قَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُؤُوسِ مَسَائِلِهِ: وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى هَلَاكِهِ بِمَنْعِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ مَنَعَهُ طَعَامَهُ حَتَّى هَلَكَ وَكَأَخْذِهِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ عَاجِزٌ، فَيَتْلَفُ، أَوْ دَابَّتُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى مَانِعِ الطَّعَامِ ; لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الْفِعْلَ الَّذِي يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ، وَشَرْطُهُ الطَّلَبُ مِنْ مَالِكِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إِلَى هَلَاكِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ فَطَلَبَ مِنْهُ فَمَنَعَهُ فَمَاتَ - لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ طَعَامِهِ فِي هَذَا الْحَالِ، وَمِثْلُ الْأَوَّلِ لَوْ أَخَذَ مِنْهُ تُرْسًا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ضَرْبًا، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " (وَخَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ) وَحَكَاهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " عَنِ الْأَصْحَابِ (كُلُّ مَنْ أَمْكَنَهُ إِنْجَاءُ إِنْسَانٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ) حَتَّى هَلَكَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دِيَتُهُ
стр. 2934
يَفْعَلْ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَهُ، وَمَنْ أَفْزَعَ إِنْسَانًا فَأَحْدَثَ بِغَائِطٍ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى سَلَامَتِهِ، وَخَلَاصِهِ مِنَ الْمَوْتِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَخَرَّجَ الْأَصْحَابُ ضَمَانَهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَدَلَّ أَنَّهُ مَعَ الطَّلَبِ وَفَرَّقَ الْمُؤَلِّفُ، فَقَالَ: (وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَهُ) لِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يَتَسَبَّبْ إِلَى هَلَاكِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ فَدَلَّ أَنَّ كَلَامَهُمْ عِنْدَهُ، وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ، فَإِنْ كَانَ مُرَادَهُمْ فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فِيمَنْ مَاتَ فَرَسُهُ فِي غَزَاةٍ: لَمْ يَلْزَمْ مَنْ مَعَهُ فَضْلُ حَمْلِهِ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يُذَكِّرُ النَّاسَ، فَإِنْ حَمَلُوهُ وَإِلَّا مَضَى مَعَهُمْ.
(وَمَنْ أَفْزَعَ إِنْسَانًا) أَوْ ضَرَبَهُ (فَأَحْدَثَ بِغَائِطٍ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ) قَضَى بِذَلِكَ عُثْمَانُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ تَعَدَّى فِيهِ، اقْتَضَى خُرُوجَ الْحَدَثِ فَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ كَمَا لَوِ اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً فَأَفْضَاهَا فَاسْتَطْلَقَ الْحَدَثُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى قَضِيَّةِ عُثْمَانَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فَدَلَّ عَلَى التَّوْقِيفِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَحْدَثَ بِغَيْرِ الْغَائِطِ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْبَوْلَ كَذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِمَا، وَزَادَ الْقَاضِي: وَالرِّيحُ، وَفَرَّقَ فِي " الشَّرْحِ " بَيْنَ الرِّيحِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُمَا أَفْحَشُ مِنْهُ (وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِإِزَالَةِ مَنْفَعَةٍ، أَوْ عُضْوٍ، أَوْ آلَةِ جَمَالٍ، وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهَذَا هُوَ قِيَاسُ، وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يَدُمْ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: إِنْ دَامَ فَثُلُثُ دِيَةٍ.
فَرْعٌ: إِذَا وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً كَبِيرَةً مُطَاوِعَةً، وَلَا شُبْهَةَ، أَوِ امْرَأَتَهُ، وَمِثْلُهَا تُوطَأُ لِمِثْلِهِ فَأَفْضَاهَا بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَالْمَنِيِّ، أَوْ بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ فَهَدَرٌ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُ، أَيْ: لَهُ طَلَبُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، بِخِلَافِ أَجِيرٍ مُشْتَرَكٍ.
стр. 2935
فَصْلٌ: وَمَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ، أَوِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، أَوِ الْمُعَلِّمُ صَبِيَّهُ، أَوِ السُّلْطَانُ رَعِيَّتَهُ، وَلَمْ يُسْرِفْ فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى مَا قَالَهُ فِيمَا إِذَا أَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيُحْضِرَهَا فَأَجْهَضَتْ جَنِينَهَا، أَوْ مَاتَتْ، فَعَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ: أَدَّبَ وَلَدَهُ أَوِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ أَوِ الْمُعَلِّمُ صَبِيَّهُ فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ، أَوِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، أَوِ الْمُعَلِّمُ صَبِيَّهُ، أَوِ السُّلْطَانُ رَعِيَّتَهُ، وَلَمْ يُسْرِفْ) أَيْ: فَوْقَ الضَّرْبِ الْمُعْتَادِ (فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ) لِأَنَّهُ أَدَبٌ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْحَدِّ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَسْرَفَ أَوْ زَادَ عَلَى الْمَقْصُودِ، أَوْ ضَرَبَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ مِنْ صَبِيٍّ وَغَيْرِهِ - ضَمِنَ (وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُ الضَّمَانِ) وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَلَا يَسْقُطُ بِإِذْنِ أَبِيهِ، وَهَلْ يَسْقُطُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ فَقَلَعَ عَيْنَهُ فَفِي ضَمَانِهَا وَجْهَانِ (عَلَى مَا قَالَهُ) أَيِ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ (فِيمَا إِذَا أَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيُحْضِرَهَا فَأَجْهَضَتْ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَجْهَضَتِ النَّاقَةُ: أَلْقَتْ وَلَدَهَا قَبْلَ تَمَامِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الْإِجْهَاضُ فِي غَيْرِ النَّاقَةِ (جَنِينَهَا، أَوْ مَاتَتْ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ) أَمَّا ضَمَانُ الْجَنِينِ فَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ إِلَى امْرَأَةٍ مُغَيَّبَةٍ كَانَ يُدْخَلُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا وَيْلَهَا مَا لَهَا وَلِعُمَرَ؟ ! فَبَيْنَا هِيَ فِي الطَّرِيقِ إِذْ فَزِعَتْ، فَضَرَبَهَا الطَّلْقُ، فَأَلْقَتْ وَلَدًا فَصَاحَ الصَّبِيُّ صَيْحَتَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ، فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ، إِنَّمَا أَنْتَ وَالٍ وَمُؤَدِّبٌ، وَصَمَتَ عَلِيٌّ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانُوا قَالُوا بِرَأْيِهِمْ، فَقَدْ أَخْطَأَ رَأْيُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا قَالُوا فِي هَوَاكَ، فَلَمْ يَنْصَحُوا لَكَ، إِنَّ دِيَتَهُ عَلَيْكَ ; لِأَنَّكَ أَفْزَعْتَهَا فَأَلْقَتْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ أَلَّا تَبْرَحَ حَتَّى تُقَسِّمَهَا عَلَى قَوْمِكَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِأَنَّهَا نَفْسٌ هَلَكَتْ بِإِرْسَالِ السُّلْطَانِ إِلَيْهَا فَضَمِنَهَا كَجَنِينِهَا، أَوْ نَفْسٌ هَلَكَتْ بِسَبَبِهِ فَوَجَبَ أَنْ تُضْمَنَ كَمَا لَوْ ضَرَبَهَا فَمَاتَتْ، وَقِيلَ: هَدَرٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبِ عَادَةٍ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ سَبَبٌ عَادِيٌّ، بِخِلَافِ الضَّرْبَةِ، وَالضَّرْبَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ فِي الْعَادَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَدَّبَ حَامِلًا فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا ضَمِنَ، وَكَذَا إِنْ شَرِبَتِ الْحَامِلُ دَوَاءً
стр. 2936
عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ. وَإِنْ سَلَّمَ وَلَدَهُ إِلَى السَّابِحِ لِيُعَلِّمَهُ فَغَرِقَ، لَمْ يَضْمَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَضْمَنَهُ الْعَاقِلَةُ، وَإِنْ أَمَرَ عَاقِلًا يَنْزِلُ بِئْرًا، أَوْ يَصْعَدُ شَجَرَةً فَهَلَكَ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِمَرَضٍ فَأَسْقَطَتْهُ، فَأَمَّا إِنْ طَلَبَ السُّلْطَانُ امْرَأَةً لِكَشْفِ حَقٍّ لِلَّهِ مِنْ حَدٍّ، أَوْ تَعْزِيرٍ، أَوِ اسْتَعْدَى عَلَيْهَا رَجُلٌ بِالشُّرْطَةِ فِي دَعْوَى لَهُ فَأَسْقَطَتْ، ضَمِنَهُ السُّلْطَانُ فِي الْأُولَى، وَالْمُسْتَعْدِي فِي الثَّانِيَةِ. نَصَّ عَلَيْهِمَا كَقَطْعٍ لَمْ يَأْذَنْ سَيِّدٌ فِيهَا، وَإِنْ مَاتَتْ فَزَعًا فَوَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": إِنِ اسْتَعْدَى إِنْسَانٌ عَلَى امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا، أَوْ مَاتَتْ فَزَعًا، فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَعْدِي الضَّمَانُ إِنْ كَانَ ظَالِمًا لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الظَّالِمَةُ فَأَحْضَرَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَضْمَنَهَا، وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ مُكْرَهَةٍ فَأَحْبَلَهَا، وَمَاتَتْ مِنَ الْوِلَادَةِ ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي " الْفُنُونِ ": إِنْ شَمَّتْ حَامِلٌ رِيحَ طَبِيخٍ فَاضْطَرَبَ جَنِينُهَا فَمَاتَتْ، أَوْ مَاتَ، فَقَالَ حَنْبَلِيٌّ وَشَافِعِيَّانِ: إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهَا، فَلَا إِثْمَ، وَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ عَلِمُوا، وَكَانَ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً الرَّائِحَةُ تَقْتُلُ - احْتُمِلَ الضَّمَانُ، أَوِ الْإِضْرَارُ، وَاحْتُمِلَ: لَا لِعَدَمِ تَضَرُّرِ بَعْضِ النِّسَاءِ، وَكَرِيحِ الدُّخَانِ يَتَضَرَّرُ بِهَا صَاحِبُ السُّعَالِ، وَضِيقِ نَفْسٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ (وَإِنْ سَلَّمَ وَلَدَهُ إِلَى السَّابِحِ) الْحَاذِقِ (لِيُعَلِّمَهُ فَغَرِقَ، لَمْ يَضْمَنْهُ) فِي الْأَصَحِّ، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ لِمَصْلَحَتِهِ، كَضَرْبِ الْمُعَلِّمِ الصَّبِيَّ الضَّرْبَ الْمُعْتَادَ، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ بَالِغٌ عَاقِلٌ نَفْسَهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَضْمَنَهُ الْعَاقِلَةُ) قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ لِيَحْتَاطَ فِي حِفْظِهِ، فَإِذَا غَرِقَ فَقَدْ نُسِبَ إِلَى التَّفْرِيطِ فِي حِفْظِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لَهُ: سَبِّحْ عَبْدِي هَذَا، فَسَبَّحَهُ، ثُمَّ رَقَّاهُ، ثُمَّ عَادَ وَحْدَهُ يَسْبَحُ، فَغَرِقَ، فَهَدَرٌ، وَإِنِ اسْتُؤْجِرَ لِيُسَبِّحَهُ وَيُعَلِّمَهُ، وَمِثْلُهُ لَا يَغْرَقُ غَالِبًا، وَإِنِ اسْتُؤْجِرَ لِحِفْظِهِ ضَمِنَهُ إِنْ غَفَلَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَشُدَّ مَا يُسَبِّحُهُ عَلَيْهِ شَدًّا جَيِّدًا، أَوْ جَعَلَهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ جَارٍ، أَوْ وَاقِفٍ لَا يَحْمِلُهُ، أَوْ عَمِيقٍ مَعْرُوفٍ بِالْغَرَقِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَإِنْ أَمَرَ عَاقِلًا يَنْزِلُ بِئْرًا، أَوْ يَصْعَدُ شَجَرَةً فَهَلَكَ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ،
стр. 2937
إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ السُّلْطَانَ، فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ وَضَعَ جَرَّةً عَلَى سَطْحِهِ فَرَمَتْهَا الرِّيحُ عَلَى إِنْسَانٍ فَتَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَمْ يَأْمُرْهُ، وَكَاسْتِئْجَارِهِ قَبْضُهُ الْأُجْرَةَ أَوَّلًا (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ السُّلْطَانَ، فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمُوهُ كَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَهُوَ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ، وَلِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ إِذَا خَالَفَهُ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِطَاعَتِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَأْمُورُ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ: صَاحِبُ " التَّرْغِيبِ " وَ " الرِّعَايَةِ " غَيْرَ مُكَلَّفٍ ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى إِتْلَافِهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّ مُرَادَ الشَّيْخِ مَا جَرَى بِهِ عُرْفٌ وَعَادَةٌ، كَقَرَابَةٍ وَصُحْبَةٍ وَتَعْلِيمٍ، وَنَحْوِهِ، فَهَذَا مُتَّجِهٌ وَإِلَّا ضَمِنَهُ، وَقَدْ «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مُعَاوِيَةَ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ فِي شَرْحِهِ: لَا يُقَالُ: هَذَا تَصَرُّفٌ فِي مَنْفَعَةِ الصَّبِيِّ ; لِأَنَّهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْمُسَامَحَةِ بِهِ لِلْحَاجَةِ، وَاطَّرَدَ بِهِ الْعُرْفُ وَعَمَلُ الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ وَضَعَ جَرَّةً عَلَى سَطْحِهِ) أَوْ حَائِطٍ، وَعِبَارَةُ " الْفُرُوعِ ": وَإِنْ وَضَعَ شَيْئًا عَلَى عُلُوٍّ فَهِيَ أَجْوَدُ، وَفِيهِ شَيْءٌ (فَرَمَتْهَا الرِّيحُ عَلَى إِنْسَانٍ فَتَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَوَضْعُهُ لِذَلِكَ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ إِذَا وَضَعَهَا مُتَطَرِّفَةً، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى إِلْقَائِهَا وَتَعَدَّى بِوَضْعِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَنَى حَائِطًا مَائِلًا، وَلَوْ تَدَحْرَجَ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَضْمَنْ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَانِ، وَأَنَّهُمَا فِي بَهِيمَةٍ حَالَتْ بَيْنَ مُضْطَرٍّ وَطَعَامِهِ لَا تَنْدَفِعُ إِلَّا بِقَتْلِهَا مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ.
١ -
مَسْأَلَةٌ: مَنْ نَزَلَ بِئْرًا فِي مَحَلٍّ عُدْوَانًا، أَوْ سَقَطَ فِيهِ فَسَقَطَ فَوْقَهُ آخَرُ فَمَاتَا ضَمِنَهُمَا عَاقِلَةُ الْحَافِرِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ، وَقِيلَ: عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي نِصْفُ دِيَةِ الْأَوَّلِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2938
بَابُ مَقَادِيرِ دِيَاتِ النَّفْسِ . دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالٍ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَهَذِهِ الْخَمْسُ أُصُولٌ فِي الدِّيَةِ إِذَا أَحْضَرَ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ شَيْئًا مِنْهَا لَزِمَ قَبُولُهُ، وَفِي الْحُلَلِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَيْسَتْ أَصْلًا فِي الدِّيَةِ. وَفِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابٌ: مَقَادِيرِ دِيَاتِ النَّفْسِ] [أُصُولُ الدِّيَةِ]
ِ الْمَقَادِيرُ: وَاحِدُهَا مِقْدَارٌ، وَهُوَ مَبْلَغُ الشَّيْءِ، وَقَدْرُهُ (دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالٍ) ذَهَبًا (أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) قَالَ الْقَاضِي: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ أُصُولَ الدِّيَةِ الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، وَالذَّهَبُ، وَالْوَرِقُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ ; لِمَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: «وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَلْفُ دِينَارٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وَهُوَ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ. وَعَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ مَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَمَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ (فَهَذِهِ الْخَمْسُ أُصُولٌ فِي الدِّيَةِ إِذَا أَحْضَرَ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ شَيْئًا مِنْهَا لَزِمَ قَبُولُهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ النَّوْعِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّهَا أُصُولٌ فِي قَضَاءِ الْوَاجِبِ يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنْهَا، فَكَانَتِ الْخِيَرَةُ إِلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ (وَفِي الْحُلَلِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَيْسَتْ أَصْلًا فِي الدِّيَةِ) وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "
стр. 2939
الْأُخْرَى: أَنَّهَا أَصْلٌ، وَقَدْرُهَا مِائَتَا حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ، كُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَانِ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْإِبِلَ هِيَ الْأَصْلُ خَاصَّةً، وَهَذِهِ أَبْدَالٌ عَنْهَا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْإِبِلِ وَإِلَّا انْتَقَلَ إِلَيْهَا
فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ وَجَبَتْ أَرْبَاعًا: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ، وَخَمْسُ وَعِشْرُونَ جَذَعَةٌ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِلْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ، وَلَا تَنْضَبِطُ (وَفِي الْأُخْرَى أَنَّهَا أَصْلٌ) نَصَرَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَصَحَّحَهَا السَّامِرِيُّ لِحَدِيثِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ: «أَهْلُ الْحُلَلِ مِائَتَا حُلَّةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَعَلَى هَذِهِ تَكُونُ الْأُصُولُ سِتَّةً (وَقَدْرُهَا مِائَتَا حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ) لِأَنَّهَا تُنْسَبُ إِلَيْهِ (كُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَانِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَعَارَفُ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَفِي الْمَذْهَبِ جَدِيدَانِ مِنْ جِنْسٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَلَا تُسَمَّى حُلَّةً حَتَّى تَكُونَ جَدِيدَةً تُحَلُّ عَنْ طَيِّهَا، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ جِنْسٍ (وَعَنْهُ: أَنَّ الْإِبِلَ هِيَ الْأَصْلُ خَاصَّةً) لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فِي قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» وَلِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ دِيَةِ الْعَمْدِ، وَالْخَطَأِ فَغَلَّظَ بَعْضَهَا وَخَفَّفَ بَعْضَهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا فِي غَيْرِ الْإِبِلِ (وَ) عَلَى (هَذِهِ) بَقِيَّةُ مَا ذُكِرَ (أَبْدَالٌ عَنْهَا) أَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ عَلَيْهِ، فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ تَسْلِيمُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ، وَمَنْ أَرَادَ الْعُدُولَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا فَلِلْآخَرِ مَنْعُهُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا فَاسْتُحِقَّتْ كَالْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ الْمُتْلَفَةِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ، قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ زَادَ ثَمَنُهَا انْتَقَلَ إِلَى الْبَاقِي (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْإِبِلِ) لَزِمَهُ إِخْرَاجُهَا ; لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا (وَإِلَّا انْتَقَلَ إِلَيْهَا) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْخِرَقِيُّ، وَهِيَ أَصَحُّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ.
[مَقَادِيرُ دِيَةِ الْعَمْدِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ]
(فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ وَجَبَتْ أَرْبَاعًا: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةٌ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِجِنْسِ الْحَيَوَانِ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَمْلُ كَالزَّكَاةِ، وَالْأُضْحِيَةِ (وَعَنْهُ: أَنَّهَا ثَلَاثُونَ
стр. 2940
وَعَنْهُ: أَنَّهَا ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، وَهَلْ يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا ثَنَايَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً وَجَبَتْ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ بِنْتُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً) نَصَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " (فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا رُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ هُشَيْمٍ، أَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهَا كَذَلِكَ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُ مَنْ حَمَلَ الْعَاقِلَةِ كَخَطَأٍ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " رِوَايَةُ الْعَمْدِ أَثْلَاثًا وَشِبْهِهِ أَرْبَاعًا (وَهَلْ يُعْتَبَرُ) فِي الْخَلِفَاتِ (كَوْنُهَا ثَنَايَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا لَا يُعْتَبَرُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ الْأَشْهَرُ ; لِأَنَّهُ ﵇ أَطْلَقَ الْخَلِفَاتِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهَا فَاعْتِبَارُ السِّنِّ تَقْيِيدٌ، لَا يُصَارُ إِلَيْهِ بِدَلِيلٍ، وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ " مِنْ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ سَائِرَ الْأَنْوَاعِ مُقَدَّرَةٌ بِالسِّنِّ، فَكَذَا الْخَلِفَاتُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يُجْزِئُ مِنْهَا مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ، وَهِيَ مَا لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَبَازِلِ عَامٍ، وَهُوَ مَا لَهُ سَبْعُ سِنِينَ، وَقَلَّمَا تَحْمِلُ الْأَثْنِيَةُ.
لَاحِقَةٌ: لَوْ أَحْضَرَهَا خَلِفَةً فَأَسْقَطَتْ قَبْلَ وَضْعِهَا فَعَلَيْهَا بَدَلُهَا، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي حَمْلِهَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ تَسَلَّمَهَا الْوَلِيُّ بِقَوْلِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ تَكُنْ حَامِلًا قُبِلَ قَوْلُ الْجَانِي.
[مَقَادِيرُ دِيَةِ الْخَطَأِ]
(وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً وَجَبَتْ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ ابْنُ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتُ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةٌ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ
стр. 2941
مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ ابْنُ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ، وَعِشْرُونَ جَذَعَةٌ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْبَقَرِ النِّصْفُ مُسِنَّاتٍ، وَالنِّصْفُ أَتْبِعَةً، وَفِي الْغَنَمِ النِّصْفُ ثَنَايَا، وَالنِّصْفُ أَجْذِعَةً، وَلَا تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ سَلِيمًا مِنَ الْعُيُوبِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي ذَلِكَ، وَقَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا كَذَلِكَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ: عَنِ الْحَجَّاجِ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ (وَيُؤْخَذُ مِنَ الْبَقَرِ النِّصْفُ مُسِنَّاتٍ، وَالنِّصْفُ أَتْبِعَةً) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعَدْلُ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْكُلَّ مُسِنَّاتٍ لَكَانَ فِيهِ إِجْحَافٌ عَلَى الْجَانِي وَبِالْعَكْسِ فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَفِي الْخَطَأِ يُؤْخَذُ مَعَهُمَا سِنٌّ ثَالِثٌ مِنْ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ عَلَى وَجْهِ التَّخْفِيفِ وَسِنٌّ خَامِسٌ لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ، وَهُوَ ابْنُ مَخَاضٍ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا مِنْ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ الْمَذْكُورَةِ، كَمَا جُعِلَ ابْنُ مَخَاضٍ عِوَضَ بِنْتِ مَخَاضٍ (وَفِي الْغَنَمِ النِّصْفُ ثَنَايَا، وَالنِّصْفُ أَجْذِعَةً) لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ دِيَةَ الْإِبِلِ مِنَ الْأَسْنَانِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الزَّكَاةِ، فَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ أَلَّا يَكُونَا مُنَاصَفَةً (وَلَا تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ سَلِيمًا مِنَ الْعُيُوبِ) الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْإِبِلِ، بَلْ مَتَى وُجِدَتْ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ وَجَبَ أَخْذُهَا، سَوَاءٌ قَلَّتْ قِيمَتُهَا، أَوْ كَثُرَتْ، نَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ ﵇ أَطْلَقَهَا، فَتَقْيِيدُهَا بِالْقِيمَةِ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ خَالَفَ بَيْنَ أَسْنَانِ دِيَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ تَخْفِيفًا كَدِيَةِ الْخَطَأِ عَنْ دِيَةِ الْعَمْدِ، وَاعْتِبَارُهَا بِقِيمَةٍ وَاحِدَةٍ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهُمَا، وَإِزَالَةُ التَّخْفِيفِ الْمَشْرُوعِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " لَا يُجْزِئُ مَرِيضٌ، وَلَا عَجِيفٌ، وَلَا مَعِيبٌ، وَلَا دُونَ دِيَةِ الْأَثْمَانِ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهَا مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَحُلَلٍ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا) ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ عُمَرَ قَوَّمَ الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ بِأَلْفِ مِثْقَالٍ، وَعَلَى أَهْلِ
стр. 2942
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا أَنْ تَبْلُغَ دِيَةَ الْأَثْمَانِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَيُؤْخَذُ فِي الْحُلَلِ الْمُتَعَارَفِ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهَا جُعِلَتْ قِيمَةُ كُلِّ حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا.
فَصْلٌ وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَتُسَاوِي جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلَى ثُلُثِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَرِقِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا أَبْدَالُ مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْتَوِيَ قِيمَتُهَا كَالْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمِيِّ مِنَ الْمُتْلَفَاتِ (فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا أَنْ تَبْلُغَ دِيَةَ الْأَثْمَانِ) وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا اعْتُبِرَتِ الْقِيمَةُ فِي الْإِبِلِ، وَهِيَ أَصْلٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً فَكَذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي غَيْرِهَا (وَالْأَوَّلُ أَوْلَى) لِأَنَّ تَقْوِيمَ عُمَرَ لِأَجْلِ أَخْذِ الدَّرَاهِمِ عِوَضًا عَنِ الْإِبِلِ، وَذَلِكَ لَا نِزَاعَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْإِبِلَ كَانَتْ تُؤْخَذُ عَلَى عَهْدِهِ ﵇، وَقِيمَتُهَا ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، ثُمَّ قَوَّمَهَا عُمَرُ لِغَلَائِهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِي حَالِ رُخْصِهَا أَقَلُّ قِيمَةً مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَتْ تُؤْخَذُ عَلَى عَهْدِهِ ﵇ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ مَعَ رُخْصِهَا، وَقِلَّةِ قِيمَتِهَا وَنَقْصِهَا عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَإِذَا لَمْ تُعْتَبَرِ الْقِيمَةُ فِي الْإِبِلِ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيمَا سِوَاهَا قِيَاسًا عَلَيْهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ إِبِلِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ إِبِلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلَ، أَوِ الْعَاقِلَةَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِبِلٌ فَمِنْ غَالِبِ إِبِلِ بَلَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِبِلٌ وَجَبَ مِنْ غَالِبِ إِبِلِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ إِبِلُهُ عِجَافًا، أَوْ مِرَاضًا كُلِّفَ تَحْصِيلَ صِحَاحٍ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ ; لِأَنَّهَا بَدَلٌ مُتْلَفٌ، فَلَا يُؤْخَذُ فِيهَا مَعِيبٌ كَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ، وَالْبَقَرُة وَالْغَنَمُ كَذَلِكَ (وَيُؤْخَذُ فِي الْحُلَلِ الْمُتَعَارَفُ) لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ، وَالْحِرْزِ (فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهَا جُعِلَتْ قِيمَةُ كُلِّ حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا) لِأَنَّ الْأَصْلَ تَسَاوِي الْأَبْدَالِ، وَلِتَبْلُغَ قِيمَةُ الْجَمِيعِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
فَرْعٌ: تُغَلَّظُ دِيَةُ طَرَفٍ كَقَتْلٍ، وَلَا تُغَلَّظُ فِي غَيْرِ إِبِلٍ.
[فَصْلٌ دِيَةُ الْمَرْأَةِ]
فَصْلٌ (وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ) إِجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ،، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ فِي كِتَابِهِ: «دِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ
стр. 2943
الدِّيَةِ، فَإِذَا زَادَتْ صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ. وَدِيَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكَلِ نِصْفُ دِيَةِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الرَّجُلِ» لَكِنْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَالْأَصَمِّ: أَنَّ دِيَتَهَا كَدِيَةِ الرَّجُلِ لِقَوْلِهِ ﵇: «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ يُخَالِفُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّهُمَا فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ مُفَسِّرًا وَمُخَصِّصًا لَهُ (وَتُسَاوِي جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ (فَإِذَا زَادَتْ صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا الشَّيْبَانِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَزَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدٍ لِمَا رَوَى رَبِيعَةُ، قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: كَمْ فِي إِصْبَعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، قُلْتُ: فَفِي إِصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ، قُلْتُ: فِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ، قُلْتُ: فَفِي أَرْبَعِ أَصَابِعَ؟ قَالَ: عِشْرُونَ، قُلْتُ: لَمَّا عَظُمَتْ مُصِيبَتُهَا قَلَّ عَقْلُهَا؟ ! ، قَالَ: هَكَذَا السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي. رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ عَلِيٍّ كَالزَّائِدِ، فَلَوْ بَلَغَ جِرَاحُهَا الثُّلُثَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْأَظْهَرُ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَقَدَّمَهَا السَّامِرِيُّ - أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ حَدَّ الْقِلَّةِ، وَلِهَذَا صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " - يَخْتَلِفَانِ فِيهِ لِقَوْلِهِ: حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ، وَ " حَتَّى " لِلْغَايَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، وَالثُّلُثُ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ لِقَوْلِهِ «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» وَلِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا دُونَهُ، فَأَمَّا دِيَةُ نِسَاءِ سَائِرِ الْأَدْيَانِ فَتُسَاوِي دَيَاتُهُنَّ
стр. 2944
ذَكَرٍ وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى، وَكَذَلِكَ أَرْشُ جِرَاحِهِ.
فَصْلٌ وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَعَنْهُ: ثُلُثُ دِيَتِهِ، وَكَذَلِكَ جِرَاحُهُمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
دِيَاتِ رِجَالِهِنَّ إِلَى الثُّلُثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُسَاوِيَ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ; لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ التَّنْصِيفُ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ دِيَةُ الْمُسْلِمِينَ.
(وَدِيَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكَلِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى) لِأَنَّ مِيرَاثَهُ كَذَلِكَ، فَكَذَا دِيَتُهُ، لَا يُقَالُ: الْوَاجِبُ دِيَةُ أُنْثَى لِتَيَقُّنِهَا ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الذُّكُورِيَّةَ وَالْأُنُوثِيَّةَ احْتِمَالًا وَاحِدًا فَيَجِبُ التَّوَسُّطُ بَيْنَهُمَا، وَالْعَمَلُ بِكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ (وَكَذَلِكَ أَرْشُ جِرَاحِهِ) لِأَنَّ الْجِرَاحَ كَالتَّابِعِ لِلْقَتْلِ، فَإِذَا كَانَ فِي الْقَتْلِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى فَلَأَنْ يَجِبُ أَرْشُ الْجِرَاحِ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لَكِنْ إِنْ كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَيَسْتَوِي الذَّكَرُ، وَالْخُنْثَى ; لِأَنَّ أَدْنَى حَالَاتِهِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَهِيَ تُسَاوِيهِ، وَفِيمَا زَادَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ جُرْحِ ذَكَرٍ.
[فَصْلٌ: دِيَةُ الْكِتَابِيِّ]
فَصْلٌ (وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ وَنَصَرَهُ الْأَكْثَرُ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، قَالَ: «دِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَعَنْهُ: ثُلُثُ دِيَتِهِ) اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا، قَالَ: «دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ» وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عُمَرَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ رَجَعَ أَحْمَدُ عَنِ الثَّانِيَةِ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَحَدِيثُ
стр. 2945
وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دَيَاتِهِمْ، وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِنْ كَانَ ذَا دِينٍ فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عُمَرَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حِينَ كَانَتِ الدِّيَةُ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَأَوْجَبَ فِيهَا نِصْفَهَا (وَكَذَلِكَ جِرَاحُهُمْ) مِنْ دِيَاتِهِمْ كَجِرَاحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَاتِهِمْ، وَهُوَ الثُّلُثُ، أَوِ النِّصْفُ عَلَى الْخِلَافِ (وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ (وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ، وَالْوَثَنِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْأَكْثَرِ، لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ» رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مَعَ قَوْلِهِ ﵇ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ دِيَتُهُ كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَحَقْنِ الدَّمِ، لَا فِي كُلِّ شَيْءٍ بِدَلِيلِ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، أَشْبَهَ الْمَجُوسِيَّ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ كَالذِّمِّيِّ، وَالْمُسْتَأْمِنِ، وَالْمُعَاهِدِ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ، وَجِرَاحُ كُلِّ أَحَدٍ مُعْتَبَرٌ مِنْ دِيَتِهِ كَالْمُسْلِمِ.
فَرْعٌ: عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَسَائِرُ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ، لَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا تُحْقَنُ دِمَاؤُهُمْ بِالْأَمَانِ، فَإِذَا قُتِلَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ مِنْهُمْ فَدِيَتُهُ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ ; لِأَنَّهَا أَقَلُّ الدِّيَاتِ، فَلَا تَنْقُصُ عَنْهَا (وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَمَانَ، أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ حَتَّى يُدْعَى (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِنْ كَانَ ذَا دِينٍ فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ) لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: كَدِيَةِ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْ يَتْبَعُهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَإِنَّ هَذَا يَنْتَقِضُ بِصِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَجَانِينِهِمْ ; لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا عَهْدَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ فَدِيَةُ مَجُوسِيٍّ ; لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَالزِّيَادَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا.
١ -
مَسْأَلَةٌ: نِسَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَذُرِّيَّتُهُمْ وَرَاهِبٌ يَتْبَعُونَ أَهْلَ الدَّارِ أَوِ الْآبَاءِ.
следующие страницы →