Полный текст (3 567 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
فِي نَقْصِ بَصَرِهِ، أَوْ سَمْعِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ بَصَرِهِ، أُرِيَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ به، وَقُرِّبَ الشَّيْءُ إِلَى عَيْنِهِ فِي وَقْتِ غَفْلَتِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ سَمْعِهِ، أَوْ شَمِّهِ، أَوْ ذَوْقِهِ صِيحَ بِهِ فِي أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ، وَتُتُبِّعَ بِالرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ، وَأُطْعِمَ الْأَشْيَاءَ الْمُرَّةَ، فَإِنْ فَزِعَ مِمَّا يَدْنُو مِنْ بَصَرِهِ، أَوِ انْزَعَجَ لِلصَّوْتِ، أَوْ عَبَسَ لِلرَّائِحَةِ، أَوِ الطَّعْمِ الْمُرِّ سَقَطَتْ دَعْوَاهُ. وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَصْلٌ وَلَا تَجِبُ دِيَةُ الْجُرْحِ حَتَّى يَنْدَمِلَ، وَلَا دِيَةُ سِنٍّ، وَلَا ظُفُرٍ، وَلَا مَنْفَعَةٍ حَتَّى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بَصَرِهِ، أَوْ سَمْعِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ كَقَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي الْحَيْضِ وَتَجِبُ بِقَدْرِ نَقْصِهِ، وَقِيلَ: حُكُومَةٌ كَمَا لَوْ جَهِلَ قَدْرَ نَقْصِهِ، فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إِنَّهُ يُرْجَى عَوْدُهُ إِلَى مُدَّةٍ، انْتَظَرَ إِلَيْهَا (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ بَصَرِهِ أُرِيَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ به) بِأَنْ يُمْتَحَنَ فِي ذَلِكَ (وَقُرِّبَ الشَّيْءُ إِلَى عَيْنِهِ فِي وَقْتِ غَفْلَتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ مِنْهُمْ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ كَالْبَيِّنَةِ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ سَمْعِهِ، أَوْ شَمِّهِ، أَوْ ذَوْقِهِ صِيحَ بِهِ فِي أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ، وَتُتُبِّعَ بِالرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ وَأُطْعِمَ الْأَشْيَاءَ الْمُرَّةَ، فَإِنْ فَزِعَ مِمَّا يَدْنُو مِنْ بَصَرِهِ، أَوِ انْزَعَجَ لِلصَّوْتِ، أَوْ عَبَسَ لِلرَّائِحَةِ، أَوِ الطَّعْمِ الْمُرِّ سَقَطَتْ دَعْوَاهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْجَانِي ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَيَحْلِفُ لِئَلَّا يَكُونَ مَا ظَهَرَ مِنْ أَمَارَاتِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا (وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ (مَعَ يَمِينِهِ) لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ تَحَفُّظِهِ وَمَتَى حُكِمَ لَهُ بِالدِّيَةِ، ثُمَّ انْزَعَجَ عِنْدَ صَوْتٍ، أَوْ غَطَّى أَنْفَهُ عِنْدَ رَائِحَةٍ مُنْتِنَةٍ فَطُولِبَ بِالدِّيَةِ فَادَّعَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا قُبِلَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالِاحْتِمَالِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ يُعْلَمُ صِحَّةُ سَمْعِهِ وَشَمِّهِ رَدَّ مَا أَخَذَ ; لِأَنَّا تَبَيَّنَّا كَذِبَهُ، فَإِنِ ادَّعَى الْجَانِي أَنَّهُ وُلِدَ أَبْكَمَ، وَلَا بَيِّنَةَ تُكَذِّبُهُ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَقِيلَ: تُرَدُّ كَمَا لَوْ وُلِدَ نَاطِقًا، ثُمَّ خُرِسَ.
[فَصْلٌ: لَا تَجِبُ دِيَةُ الْجُرْحِ حَتَّى يَنْدَمِلَ]
فَصْلٌ (وَلَا تَجِبُ دِيَةُ الْجُرْحِ حَتَّى يَنْدَمِلَ) لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَقَتْلٌ هُوَ أَمْ لَيْسَ بِقَتْلٍ؟ فَيُنْتَظَرُ لِيُعْلَمَ حُكْمُهُ، وَمَا الْوَاجِبُ فِيهِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِيفَاءُ فِي الْعَمْدِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَكَذَا
стр. 2977
يُيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا، وَلَوْ قُلِعَ سِنٌّ كَبِيرٌ، أَوْ ظُفُرٌ، ثُمَّ نَبَتَتْ، أَوْ رَدَّهُ فَالْتَحَمَ، أَوْ ذَهَبَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ شَمُّهُ، أَوْ ذَوْقُهُ، أَوْ عَقْلُهُ، ثُمَّ عَادَ سَقَطَتْ دِيَتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا رَدَّهَا، وَإِنْ عَادَ نَاقِصًا، أَوْ عَادَتِ السِّنُّ، أَوِ الظُّفُرُ قَصِيرًا، أَوْ مُتَغَيِّرًا فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ، وَإِنْ قُلِعَ سِنٌّ صَغِيرٌ وَيُئِسَ مِنْ عَوْدِهَا وَجَبَتْ دِيَتُهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الْخَطَأِ (وَلَا) تَجِبُ (دِيَةُ سِنٍّ، وَلَا ظُفُرٍ، وَلَا مَنْفَعَةٍ حَتَّى يُيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا) لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَمَلُ الْعَوْدُ، فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مَعَ الِاحْتِمَالِ كَالشَّعْرِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ: إِنَّهَا لَا تَعُودُ أَبَدًا، لَكِنْ إِنْ مَاتَ قَبْلَهُ وَجَبَتْ (وَلَوْ قُلِعَ سَنٌّ كَبِيرٌ، أَوْ ظُفُرٌ، ثُمَّ نَبَتَتْ، أَوْ رَدَّهُ فَالْتَحَمَ) لَمْ تَجِبْ دِيَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي السِّنِّ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَالظُّفُرُ فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَجِبُ دِيَتُهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فِيهَا حُكُومَةٌ إِنْ نَقَصَتْ، أَوْ ضَعُفَتْ، وَإِنْ قَلَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَتْ دِيَتُهَا، وَعَلَى الثَّانِي: نَبْنِي حُكْمَهَا عَلَى وُجُوبِ قَلْعِهَا، فَإِذَا قَبِلَ بِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى قَالِعِهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِهِ فَاحْتِمَالَانِ، فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَهَا سِنًّا أُخْرَى، أَوْ عَظْمًا فَنَبَتَ وَجَبَتْ دِيَتُهَا وَجْهًا وَاحِدًا كَمَا لَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَكَانَهَا شَيْئًا، وَإِنْ قُلِعَتِ الثَّانِيَةُ فَحُكُومَةٌ فِي الْأَشْهَرِ (أَوْ ذَهَبَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ شَمُّهُ، أَوْ ذَوْقُهُ، أَوْ عَقْلُهُ، ثُمَّ عَادَ سَقَطَتْ دِيَتُهُ) لِزَوَالِ سَبَبِهَا (وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا رَدَّهَا) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَإِنْ عَادَ نَاقِصًا، أَوْ عَادَتِ السِّنُّ، أَوِ الظُّفُرُ قَصِيرًا، أَوْ مُتَغَيِّرًا فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ) خَاصَّةً. نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ كَمَا لَوْ نَقَّصَهُ مَعَ بَقَائِهِ (وَإِنْ قُلِعَ سِنٌّ صَغِيرٌ وَيُئِسَ مِنْ عَوْدِهَا) وَحَدُّ الْإِيَاسِ سَنَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ فِي نَبَاتِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا سَقَطَتْ أَخَوَاتُهَا، وَلَمْ تَنْبُتْ (وَجَبَتْ دِيَتُهَا) لِأَنَّهُ أَذْهَبَهَا بِجِنَايَتِهِ إِذْهَابًا مُسْتَمِرًّا كَسِنِّ الْكَبِيرِ (وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهَا حُكُومَةٌ) لِأَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُهَا، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهَا كَالشَّعْرِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ الشَّعْرَ لَوْ لَمْ يَعُدْ وَجَبَ دِيَتُهُ مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُهُ (وَعَنْهُ: فِي قَلْعِ الظُّفُرِ إِذَا نَبَتَ عَلَى صِفَتِهِ فَفِيهِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ نَبَتَ أَسْوَدَ فَفِيهِ عَشَرَةٌ) إِذِ التَّقْدِيرَاتُ بَابُهَا التَّوْقِيفُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ تَوْقِيفًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ إِذَا عَادَ عَلَى صِفَتِهِ، وَإِنْ نَبَتَ مُتَغَيِّرًا
стр. 2978
حُكُومَةٌ، وَعَنْهُ: فِي قَلْعِ الظُّفُرِ إِذَا نَبَتَ عَلَى صِفَتِهِ فَفِيهِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ نَبَتَ أَسْوَدَ فَفِيهِ عَشَرَةٌ، وَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَادَّعَى الْجَانِي عَوْدَ مَا أَذْهَبَهُ فَأَنْكَرَهُ الْوَلِيُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ، وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ اثْنَانِ وَاخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي قَدْرِ مَا أَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَصْلٌ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَهِيَ شَعْرُ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ، وَفِي كُلِّ حَاجِبٍ نِصْفُهَا، وَفِي كُلِّ هُدْبٍ رُبُعُهَا، وَفِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَفِيهِ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِيهَا فِي كُلِّ الْجُرُوحِ، خُولِفَ ذَلِكَ فِيمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ (وَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَادَّعَى الْجَانِي عَوْدَ مَا أَذْهَبَهُ) فِي نَقْصِ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ (فَأَنْكَرَهُ الْوَلِيُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَوْدِ (وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ اثْنَانِ وَاخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي قَدْرِ مَا أَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ادَّعَى نَقْصَ سَمْعِهِ.
[فَصْلٌ: الدِّيَةُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ أَوِ الْحَاجِبَيْنِ أَوِ الْأَهْدَابِ]
فَصْلٌ (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَهِيَ شَعْرُ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدٍ أَنَّهُمَا قَالَا: فِي الشَّعْرِ الدِّيَةُ. رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ، وَعَنْهُ: فِيهِ حُكُومَةٌ كَالشَّارِبِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُهُمْ، لأنه إِتْلَافُ جَمَالٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ فَوَجَبَ فِيهِ دِيَةٌ كَأُذُنِ الْأَصَمِّ وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ، وَالْحَاجِبُ يَرُدُّ الْعَرَقَ عَنِ الْعَيْنِ وَيُفَرِّقُهُ، وَهُدْبُ الْعَيْنِ يَرُدُّ عَنْهَا وَيَصُونُهَا فَجَرَى مَجْرَى أَجْفَانِهَا، وَالْيَدُ الشَّلَّاءُ لَيْسَ جَمَالُهَا كَامِلًا، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ كَوْنِهَا كَثِيفَةً أَوْ خَفِيفَةً، جَمِيلَةً أَوْ قَبِيحَةً، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ; لِأَنَّ سَائِرَ مَا فِيهِ الدِّيَةُ مِنَ الْأَعْضَاءِ لَا يُفَرَّقُ الْحَالُ فِيهِ بِذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَفِي كُلِّ حَاجِبٍ نِصْفُهَا) كَالْيَدَيْنِ (وَفِي كُلِّ هُدْبٍ رَبُعُهَا) كَالْأَجْفَانِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ فِيهِ أَرْبَعَةٌ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَطَرَدَهُ الْقَاضِي فِي جِلْدَةِ وَجْهٍ (وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ بِقِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ) يُقَدَّرُ بِالْمِسَاحَةِ كَالْأُذُنَيْنِ، وَمَارِنِ الْأَنْفِ،
стр. 2979
بَعْضِ ذَلِكَ بِقِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ دِيَتُهُ إِذَا أَزَالَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ، فَإِنْ عَادَ سَقَطَتِ الدِّيَةُ، وَإِذَا أَبْقَى مِنْ لِحْيَتِهِ مَا لَا جَمَالَ فِيهِ احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ بِقِسْطِهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ. وَإِنْ قَلَعَ الْجَفْنَ بِهُدْبِهِ لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْجَفْنِ، وَإِنْ قَلَعَ اللَّحْيَيْنِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ الْأَسْنَانِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَدِيَةُ الْأَسْنَانِ، وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْأَصَابِعِ، وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصَابِعِ دَخَلَ مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالًا: تَجِبُ حُكُومَةٌ (وَإِنَّمَا تَجِبُ دِيَتُهُ إِذَا أَزَالَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ) لِأَنَّ احْتِمَالَ الْعَوْدِ يَمْنَعُ مِنَ الْوُجُوبِ كَالسِّنِّ الصَّغِيرِ (فَإِنْ عَادَ) بِصِفَتِهِ (سَقَطَتِ الدِّيَةُ) نَصَّ عَلَيْهِ كَالسِّنِّ (وَإِذَا أَبْقَى مِنْ لِحْيَتِهِ) أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الشُّعُورِ (مَا لَا جَمَالَ فِيهِ احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ بِقِسْطِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَمَا لَوْ أَبْقَى مِنْ أُذُنِهِ يَسِيرًا (وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْمَقْصُودَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذْهَبَ ضَوْءَ الْعَيْنِ، وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُ رُبَّمَا أَحْوَجَتْ إِلَى ذَهَابِ الْبَاقِي لِزِيَادَته فِي الْقُبْحِ عَلَى ذَهَابِ الْكُلِّ، فَتَكُونُ جِنَايَتُهُ سَبَبًا لِذَهَابِ الْكُلِّ، وَقِيلَ: تَجِبُ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنَ الشُّعُورِ ; لِأَنَّ إِتْلَافَهَا إِنَّمَا يَكُونُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى مَحَلِّهَا، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ، وَلَا يُمْكِنُ الْمُسَاوَاةُ فِيهَا، فَلَا تَجِبُ (وَإِنْ قَلَعَ الْجَفْنَ بِهُدْبِهِ لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْجَفْنِ) لِأَنَّ الشُّعُورَ تَزُولُ تَبَعًا كَالْأَصَابِعِ إِذَا قَطَعَ الْكَفَّ، وَهِيَ عَلَيْهِ (وَإِنْ قَلَعَ اللَّحْيَيْنِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ الْأَسْنَانِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَدِيَةُ الْأَسْنَانِ) أَيْ: عَلَيْهِ دِيَةُ الْكُلِّ، وَلَمْ تَدْخُلْ دِيَةُ الْأَسْنَانِ فِي اللَّحْيَيْنِ كَمَا تَدْخُلُ دِيَةُ الْأَصَابِعِ فِي الْيَدِ لِوُجُوهٍ:
أَوَّلُهَا: أَنَّ الْأَسْنَانَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِاللَّحْيَيْنِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُفْرَدَةٌ فِيهَا، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ.
ثَانِيهَا: أَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ عَنِ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ.
ثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّحْيَيْنِ يُوجَدَانِ مُنْفَرِدَيْنِ عَنِ الْأَسْنَانِ لِوُجُودِهِمَا قَبْلَ وُجُودِ الْأَسْنَانِ وَيَبْقَيَانِ بَعْدَ قَلْعِهَا، بِخِلَافِ الْكَفِّ مَعَ الْأَصَابِعِ.
(وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْأَصَابِعِ) لِدُخُولِ الْجَمِيعِ فِي مُسَمَّى الْيَدِ، وَكَمَا لَوْ قَطَعَ ذَكَرًا بِحَشَفَتِهِ لَمْ تَجِبْ دِيَةُ الْحَشَفَةِ لِدُخُولِهَا فِي مُسَمَّى الذَّكَرِ، وَظَاهِرُهُ: يَقْتَضِي سُقُوطَ مَا يَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ الْكَفِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ نَقُولَ: لَمْ
стр. 2980
فِي دِيَتِهَا وَعَلَيْهِ أَرْشُ بَاقِي الْكَفِّ. وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةً بِظُفُرِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دِيَتُهَا.
فَصْلٌ وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ مُمَاثِلَةً
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْيَدِ (وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصَابِعِ دَخَلَ مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ فِي دِيَتِهَا) لِأَنَّ حُصُولَ الْكُلِّ فِي الْيَدِ يَقْتَضِي دُخُولَ الْبَعْضِ (وَعَلَيْهِ أَرْشُ بَاقِي الْكَفِّ) لِأَنَّ الْأَصَابِعَ لَوْ كَانَتْ سَالِمَةً كُلَّهَا لَدَخَلَ أَرْشُ الْكَفِّ كُلِّهِ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ، وَكَذَا مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ السَّالِمَةَ يَدْخُلُ فِي دِيَتِهَا، وَمَا حَاذَى الْمَقْطُوعَاتِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي دِيَتِهِ فَوَجَبَ أَرْشُهُ كَمَا لَوْ كَانَتِ الْأَصَابِعُ كُلُّهَا مَقْطُوعَةً، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى يَلْزَمُهُ دِيَةُ الْيَدِ كَامِلَةً يُنْقَصُ مِنْهَا دِيَةُ الْأَصَابِعِ الْمَعْدُومَةِ (وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةً بِظُفُرِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دِيَتُهَا) كَمَا لَوْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَطَعَ كَفًّا بِلَا أَصَابِعَ وَذِرَاعًا بِلَا كَفٍّ فَثُلُثُ دِيَتِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: كَعَيْنٍ قَائِمَةٍ، وَعَنْهُ: حُكُومَةٌ، ذَكَرَهُمَا فِي " الْمُنْتَخَبِ " وَغَيْرِهِ، وَكَذَا الْعَضُدُ وَمَفْصِلُ الرِّجْلِ.
[فَصْلٌ: دِيَةُ عَيْنِ الْأَعْوَرِ]
فَصْلٌ (وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَاللَّيْثِ وَجَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ ﵇: «وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ مَعَ نَظِيرِهِ ضُمِنَ مَعَ ذَهَابِهِ كَالْأُذُنِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَابْنَ عُمَرَ قَضَوْا فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ بِالدِّيَةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَأَخَذَ بِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا مَا يَحْصُلُ بِالْعَيْنَيْنِ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ الْبَعِيدَةِ وَإِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ اللَّطِيفَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا وَيُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَكَكَمَالِ قِيمَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ الْأَعْوَرِ، لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ فِي ذَهَابِ أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِعَدَمِ نُقْصَانِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ شَيْءٍ فِي دِيَةِ الْعَيْنَيْنِ نَقْصُ دِيَةِ الْبَاقِي، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَعُمِشَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَرْشُ النَّقْصِ، وَلَا تَنْقُصُ دِيَتُهَا بِذَلِكَ، فَإِنْ قَلَعَهَا صَحِيحٌ عَمْدًا فَلَهُ نَظِيرَتُهَا مِنْهُ، وَأَخْذُ نِصْفِ الدِّيَةِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ لَهُ مَعَ الْقَلْعِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": إِنْ قَلَعَهَا خَطَأً فَنِصْفُ الدِّيَةِ (وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ
стр. 2981
لِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ عَمْدًا فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا قِصَاصَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ وَيُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ قَلَعَهَا خَطَأً فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَيْ صَحِيحٍ عَمْدًا خُيِّرَ بَيْنَ قَلْعِ عَيْنِهِ - وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا - وَبَيْنَ الدِّيَةِ. وَفِي يَدِ الْأَقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ فِي رِجْلِهِ، وَعَنْهُ: فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُمَاثِلَةً لِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ عَمْدًا فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا قِصَاصَ) قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٌ، نَقَلَ مُهَنَّا: عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ قَالُوا: الْأَعْوَرُ إِذَا فُقِئَتْ عَيْنُهُ لَهُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إِذَا فَقَأَ عَيْنَ صَحِيحٍ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِخِلَافِهِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ، وَلِأَنَّهُ مَنَعْنَاهُ مِنْ إِتْلَافِ ضَوْءٍ، يَضْمَنُ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ وَكَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنَيْ سَلِيمٍ، ثُمَّ عَمِيَ، وَلِأَنَّهُ مَنَعَ الْقِصَاصَ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ فَأُضْعِفَتِ الدِّيَةُ كَقَاتِلِ الذِّمِّيِّ عَمْدًا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ) لِأَثَرٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ، وَكَقَتْلِ الرَّجُلِ بِامْرَأَةٍ وَالْأَشْهَرُ (يُعْطَى نِصْفُ الدِّيَةِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَضَى فِي رَجُلٍ قَتَلَ امْرَأَتَهُ يُقْتَلُ بِهَا، وَيُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ، وَخَرَّجَهُ فِي " التَّعْلِيقِ "، وَ " الِانْتِصَارِ " مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ (وَإِنْ قَلَعَهَا خَطَأً فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ يَجِبُ فِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ كَمَا لَوْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنًا لَا تُمَاثِلُ عَيْنَهُ الصَّحِيحَةَ (وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَيْ صَحِيحٍ عَمْدًا خُيِّرَ بَيْنَ قَلْعِ عَيْنِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَبَيْنَ الدِّيَةِ) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ ; لِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَضَاءِ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّهُ أَذْهَبَ بَصَرَهُ كُلَّهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ إِذْهَابِ بَصَرِهِ، وَإِنَّ عَيْنَ الْأَعْوَرِ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنَيْنِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ لَهُ الْقِصَاصَ وَنِصْفَ الدِّيَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ دِيَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: فِي الْعَيْنِ الَّتِي اسْتُحِقَّ بِهَا قَلْعُ عَيْنِ الْأَعْوَرِ، وَالْأُخْرَى: فِي الْأُخْرَى عَيْنُ الْأَعْوَرِ، وَجَوَابُهُ: قَوْلُهُ ﵇ «وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» كَمَا لَوْ كَانَ الْقَالِعُ صَحِيحًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خَطَأً فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الدِّيَةُ كَمَا لَوْ قَلَعَهُمَا صَحِيحُ الْعَيْنَيْنِ (وَفِي يَدِ الْأَقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ فِي رِجْلِهِ) إِذَا أُزِيلَتْ عَمْدًا ; لِأَنَّ فِيهِمَا دِيَةً وَاحِدَةً، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا كَمَا لَوْ قَلَعَ أُذُنَ مَنْ لَهُ أُذُنٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ هَذَا أَحَدُ الْعُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ تَحْصُلُ بِهِمَا مَنْفَعَةُ الْجِنْسِ، لَا يَقُومُ مَقَامَ
стр. 2982
بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ ، الشَّجَّةُ اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً، وَهِيَ عَشْرٌ، خَمْسٌ لَا مِقْدَارَ فِيهَا، أَوَّلُهَا: الْحَارِصَةُ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ، أَيْ: تَشُقُّهُ قَلِيلًا وَلَا تُدْمِيهِ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ الَّتِي بَيْنَهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعُضْوَيْنِ، وَكَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ الْقَوَدَ فَلَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عُضْوٌ أَمْكَنَ الْقَوَدُ فِي مِثْلِهِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ (وَعَنْهُ: فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ) قِيَاسًا عَلَى عَيْنِ الْأَعْوَرِ، وَعَنْهُ: إِنْ ذَهَبَتِ الْأُولَى هَدَرًا فَفِي الثَّانِيَةِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِلَّا فَنِصْفُهَا ; لِأَنَّهُ عَطَّلَ مَنَافِعَهُ مِنَ الْعُضْوَيْنِ جُمْلَةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَعَ عَيْنَ أَعْوَرٍ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِنْ ذَهَبَتْ بِحَدٍّ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ذَهَبَتْ بِجِهَادٍ فَرِوَايَتَانِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى عَيْنِ الْأَعْوَرِ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا مَا يَحْصُلُ بِالْعَيْنَيْنِ، وَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْأَحْكَامِ إِلَّا اخْتِلَافًا يَسِيرًا، بِخِلَافِ أَقْطَعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا، فَلَوْ قَطَعَ يَدَ صَحِيحٍ قُطِعَتْ يَدُهُ.
[بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ]
[الشِّجَاجُ الَّتِي لَا مُقَدَّرَ فِيهَا]
بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ (الشَّجَّةُ) وَاحِدَةُ الشِّجَاجِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَهِيَ (اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً) وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْضَاءِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ، (وَهِيَ عَشْرٌ، خَمْسٌ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا.
(أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ) بِالْحَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ، أَيْ: تَشُقُّهُ قَلِيلًا وَلَا تُدْمِيهِ) وَمِنْهُ: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ إِذَا شَقَّهُ قَلِيلًا، وَهِيَ الْقَاشِرَةُ وَالْمُقَشِّرَةُ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ تَبَعًا لِلْقَاضِي: وَتُسَمَّى الْمِلْطَا (ثُمَّ الْبَازِلَةُ) وَهِيَ (الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ) وَتُسَمَّى الدَّامِيَةَ وَالدَّامِعَةَ ; لِقِلَّةِ سَيَلَانِ دَمِهَا، تَشْبِيهًا لَهَا بِخُرُوجِ الدَّمْعِ مِنَ الْعَيْنِ، وَقُدِّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّ الْبَازِلَةَ مَا سَالَ دَمُهَا ; لِأَنَّهَا تَنْضَحُ اللَّحْمَ وَتَقْطَعُ فِيهِ عُرُوقًا، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُدْمِي وَلَا تَشُقُّ اللَّحْمَ (ثُمَّ الْبَاضِعَةُ) وَقَدَّمَهَا السَّامِرِيُّ وَابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى
стр. 2983
وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ، فَهَذِهِ الْخَمْسُ فِيهَا حُكُومَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: فِي الْبَازِلَةِ بَعِيرٌ، وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَانِ، وَفِي الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَةٌ، وَفِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعَةٌ.
فَصْلٌ وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ، أَوَّلُهَا الْمُوَضِّحَةُ الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ، أَيْ: تُبْرِزُهُ، وَفِيهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْبَازِلَةِ، وَهِيَ (الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ) أَيْ: تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ، وَقِيلَ: وَلَمْ يَسِلْ دَمُهَا (ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ) وَهِيَ (الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ) أَيْ: دَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا كَثِيرًا، تَزِيدُ عَلَى الْبَاضِعَةِ (ثُمَّ السِّمْحَاقُ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ) فَوْقَ الْعَظْمِ تُسَمَّى الْقِشْرَةُ سِمْحَاقًا، فَسُمِّيَتِ الْجِرَاحُ الْوَاصِلَةُ إِلَيْهَا بِهَا، وَيُسَمِّيهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْمِلْطَا وَالْمِلْطَاةَ (فَهَذِهِ الْخَمْسُ فِيهَا حُكُومَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهَا الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهَا جِرَاحَاتٌ لَمْ يَرِدْ فِيهَا تَوْقِيتٌ مِنَ الشَّرْعِ، أَشْبَهَ جِرَاحَاتِ الْبَدَنِ، وَكَالْحَارِصَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْجِرَاحَاتِ مِنَ الْمُوَضِّحَةِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُوَضِّحَةٌ إِلَى جَانِبِهَا قُدِّرَتْ هَذِهِ الْجِرَاحَاتُ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ تُقَدَّرُ النِّصْفَ وَجَبَ نِصْفُ أَرْشِ الْمُوَضِّحَةِ إِلَّا أَنْ تَزِيدَ الْحُكُومَةُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ هَذَا اللَّحْمَ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَكَانَ فِي بَعْضِهِ بِقَدْرِهِ مِنْ دِيَتِهِ كَالْمَارِنِ وَالْحَشَفَةِ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُهُ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ، وَلَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ، وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ تَجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ لِجِرَاحَةِ الْبَدَنِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ، وَلَا نَعْلَمُ لِمَا ذَكَرُوهُ نَظِيرًا (وَعَنْهُ: فِي الْبَازِلَةِ بَعِيرٌ، وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَانِ، وَفِي الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَةٌ، وَفِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعَةٌ) رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ زَيْدٍ، وَهَذِهِ نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ، وَقَالَ أَنَا أَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَقَدِ اعْتَمَدَ أَصْحَابُنَا عَلَى قَوْلِ زَيْدٍ فِي تَقْدِيرِ أَرْشِ الْهَاشِمَةِ بِعَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلَمْ يَعْتَمِدُوا عَلَيْهِ هُنَا.
[الشِّجَاجُ الَّتِي فِيهَا مُقَدَّرٌ]
[الْمُوَضِّحَةُ]
فَصْلٌ
(وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ) مِنَ الشَّرْعِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ (أَوَّلُهَا الْمُوَضِّحَةُ) وَالْجَمْعُ الْمَوَاضِحُ (الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ، أَيْ: تُبْرِزُهُ) وَلَوْ بِقَدْرِ إِبْرَةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي، وَالْوَضِحُ: الْبَيَاضُ، يَعْنِي: أَنَّهَا أَبْدَتْ وَضَحَ الْعَظْمِ، أَيْ: بَيَاضَهُ (وَفِيهَا خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ)
стр. 2984
خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ. وَعَنْهُ: فِي مُوَضِّحَةِ الْوَجْهِ عَشْرَةٌ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ. فَإِنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ وَنَزَلَتْ إِلَى الْوَجْهِ، فَهَلْ هِيَ مُوَضِّحَةٌ أَوْ مُوَضِّحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ أَوْضَحَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَيْ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْمُوَضِّحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، مَرْفُوعًا، قَالَ: «وَفِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مُوَضِّحَةُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُوَضِّحَةَ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِلْعُمُومِ، وَيَشْمَلُ: الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ، وَالْبَارِزَةَ وَالْمُسْتَتِرَةَ بِالشَّعْرِ ; لِأَنَّ اسْمَ الْمُوَضِّحَةِ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ (وَعَنْهُ: فِي مُوَضِّحَةِ الْوَجْهِ عَشَرَةٌ) مِنَ الْإِبِلِ، وَهِيَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; لِأَنَّها شَيْنَهَا أَكْثَرُ، وَمُوَضِّحَةُ الرَّأْسِ يَسْتُرُهَا الشَّعْرُ وَالْعِمَامَةُ (وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ) لِأَنَّهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلِأَنَّ مُوَضِّحَةَ الْوَجْهِ مُوَضِّحَةٌ فَكَانَ أَرْشُهَا خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ كَغَيْرِهَا، وَكَثْرَةُ السِّتْرِ لَا عِبْرَةَ بِهِ بِدَلِيلِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مُقَدَّرٌ فِي موضحة غير الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّ اسْمَ الْمُوَضِّحَةِ إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِرَاحَةِ الْمَخْصُوصَةِ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَقَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ: الْمُوَضِّحَةُ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الشَّيْنَ فِيهِمَا أَكْثَرُ وَأَخْطَرُ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِمَا غَيْرُهُمَا (فَإِنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ وَنَزَلَتْ إِلَى الْوَجْهِ، فَهَلْ هِيَ مُوَضِّحَةٌ أَوْ مُوَضِّحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، أَحَدُهُمَا: وَاحِدَةٌ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِأَنَّهُ أَوْضَحَهُ فِي عُضْوَيْنِ، فَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ
стр. 2985
مُوَضِّحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ، فَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ، صَارَا مُوَضِّحَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ خَرَقَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ أَجْنَبِيٌّ، فَهِيَ ثَلَاثُ مَوَاضِحَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَنْ خَرَقَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعِ امْرَأَةٍ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ عَادَ إِلَى عِشْرِينَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَاطِعِهَا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فِي الرَّأْسِ وَنَزَلَ إِلَى الْقَفَا، وَأَطْلَقَ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي: إِذَا كَانَ بَعْضُهَا فِي الرَّأْسِ وَبَعْضُهَا فِي الْوَجْهِ وَإِنْ لَمْ تَعُمَّ الرَّأْسَ فِيهَا الْوَجْهَانِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ (وَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوَضِّحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ مِنْ الإِبِلٍ) لِأَنَّهُمَا مُوَضِّحَتَانِ (فَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا) صَارَا مُوَضِّحَةً وَاحِدَةً كَمَا لَوْ أَوْضَحَ الْكُلَّ مِنْ غَيْرِ حَاجِزٍ يَبْقَى بَيْنَهُمَا (أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ) قَبْلَ الِانْدِمَالِ (صَارَا مُوَضِّحَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ لَهَا حُكْمُ أَصْلِ الْجِنَايَةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَتْلَفَ مَا بَيْنَهُمَا بِنَفْسِهِ (وَإِنْ خَرَقَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ) أَيِ: الْمَجْرُوحُ (أَوْ أَجْنَبِيٌّ، فَهِيَ ثَلَاثُ مَوَاضِحَ) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأَوَّلَتَيْنِ بِالِانْدِمَالِ، ثُمَّ لَزِمَتْهُ الثَّالِثَةُ بِالْخَرْقِ، فَإِنِ انْدَمَلَتْ إِحْدَاهُمَا وَزَالَ الْحَاجِزُ بِفِعْلِهِ أَوْ سِرَايَةِ الْأُخْرَى فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوَضِّحَتَيْنِ ; لِأَنَّ سِرَايَةَ فِعْلِهِ كَالْفِعْلِ وَأَمَّا إِذَا خَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوَضِّحَتَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مُوَضِّحَةٍ، لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجِنَايَتِهِ (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَنْ خَرَقَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ سَبَبَ أَرْشِ مُوَضِّحَتَيْنِ قَدْ وُجِدَ وَالْجَانِي يَدَّعِي زَوَالَهُ وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: يُصَدَّقُ مَنْ يُصَدِّقُهُ الظَّاهِرُ بِقُرْبِ زَمَنٍ وَبُعْدِهِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فَالْمَجْرُوحُ، قَالَ: وَلَهُ أَرْشَانِ، وَفِي ثَالِثٍ وَجْهَانِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ مَا إِذَا أَوْضَحَهُ مُوَضِّحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، ثُمَّ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا (لَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعِ امْرَأَةٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ عَادَ إِلَى عِشْرِينَ) لِأَنَّ جِرَاحَ الْمَرْأَةِ تُسَاوِي جِرَاحَ الرَّجُلِ إِلَى الثُّلْثِ، فَإِذَا زَادَتْ صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَاطِعِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ
стр. 2986
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَ الْمُوَضِّحَتَيْنِ فِي الْبَاطِنِ، فَهَلْ هِيَ مُوَضِّحَةٌ أَوْ مُوَضِّحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِهِ سِمْحَاقًا إِلَّا مَوْضِعًا مِنْهُ أَوْضَحَهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوَضِّحَةٍ.
ثُمَّ الْهَاشِمَةُ ، وَهِيَ: الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ، فَفِيهَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثْقَلٍ فَهَشَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَضِّحَهُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ) أَيْ: فِي بَقَاءِ الثُّلْثَيْنِ عَلَيْهِ (وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَ الْمُوَضِّحَتَيْنِ فِي الْبَاطِنِ، فَهَلْ هِيَ مُوَضِّحَةٌ أَوْ مُوَضِّحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ أَرْشُ مُوَضِّحَتَيْنِ لِانْفِصَالِهِمَا فِي الظَّاهِرِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ أَرْشُ وَاحِدَةٍ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِاتِّصَالِهِمَا فِي الْبَاطِنِ، فَإِنْ أَوْضَحَهُ جَمَاعَةٌ مُوَضِّحَةً، فَهَلْ يُوَضِّحُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِهَا أَوْ يُوَزِّعُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ.
فَرْعٌ: لَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ وَمَدَّ السِّكِّينَ إِلَى قَفَاهُ فَدِيَةُ مُوَضِّحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لَجُرْحِ الْقَفَا، وَيُرَاعَي نِسْبَةُ الْمُوَضِّحَةِ فِي الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ، وَيَتَعَدَّدُ الْأَرْشُ بِتَعَدُّدِ مُوَضِّحَةٍ (وَإِنْ شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِهِ سِمْحَاقًا إِلَّا مَوْضِعًا مِنْهُ أَوْضَحَهُ؟ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوَضِّحَةٍ) لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَ الْجَمِيعَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوَضِّحَةٍ، فَلَأَنْ لَا يَلْزَمَهُ فِي الْإِيضَاحِ فِي الْبَعْضِ وَشَجِّ الْبَاقِي - أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؟ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَكَذَا لَوْ شَجَّهُ شَجَّةً بَعْضُهَا هَاشِمَةٌ وَبَاقِيهَا دُونَهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
[الْهَاشِمَةُ]
(ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ: الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ) سُمِّيَتْ بِهِ لِهَشْمِهَا الْعَظْمَ (فَفِيهَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ) وَهُوَ قَوْلُ زَيْدٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِ، وَلِأَنَّهَا شَجَّةٌ فَوْقَ الْمُوَضِّحَةِ، تَخْتَصُّ بِاسْمٍ، فَكَانَ فِيهَا مُقَدَّرٌ كَالْمَأْمُومَةِ (فَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثَقَّلٍ فَهَشَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَضِّحَهُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ كَسْرُ عَظْمٍ لَا جُرْحَ مَعَهُ، أَشْبَهَ قَصَبَةَ الْأَنْفِ (وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ خَمْسٌ مِنَ
стр. 2987
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ.
ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ ، وَهِيَ: الَّتِي تُوَضِّحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، فَفِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الْإِبِلِ.
ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ ، وَهِيَ: الَّتِي تَصِلُ إِلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى أُمَّ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى الْمَأْمُومَةُ آمَّةً، فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.
ثُمَّ الدَّامِعَةُ ، وَهِيَ: الَّتِي تَخْرِقُ الْجِلْدَةَ، فَفِيهَا مَا فِي الْمَأْمُومَةِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْإِبِلِ) لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَ وَهَشَمَ لَوَجَبَ عَشْرٌ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ خَمْسٌ كَالْإِيضَاحِ وَحْدَهُ، وَكَمَا لَوْ هَشَمَهُ عَلَى مُوَضِّحَةٍ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَرْشُ الْهَاشِمَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّ الْأَرْشَ الْمُقَدَّرَ وَجَبَ فِي هَاشِمَةٍ مَعَهَا مُوَضِّحَةٌ.
أَصْلٌ: إِذَا هَشَمَهُ هَاشِمَةً لَهَا مَخْرَجَانِ فَثِنْتَانِ، فَلَوْ أَوْضَحَ إِنْسَانًا فِي رَأْسِهِ ثُمَّ أَخْرَجَ رَأْسَ السِّكِّينِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَمُوَضِّحَتَانِ، وَكَذَا إِذَا أَوْضَحَهُ مُوَضِّحَتَيْنِ، هَشَمَ الْعَظْمَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَاتَّصَلَ الْهَشْمُ فِي الْبَاطِنِ، فَهُمَا هَاشِمَتَانِ، لِأَنَّ الْهَشْمَ يَكُونُ تَبَعًا لِلْإِيضَاحِ، فَإِذَا كَانَتَا مُوَضِّحَتَيْنِ كَانَ الْهَشْمُ هَاشِمَتَيْنِ، بِخِلَافِ الْمُوَضِّحَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا
[الْمُنَقِّلَةُ]
(ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ، وَهِيَ: الَّتِي تُوَضِّحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَهِيَ: زَائِدَةٌ عَلَى الْهَاشِمَةِ، وَقِيلَ: تَنْقُلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ (فَفِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الْإِبِلِ) بِالْإِجْمَاعِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَسَنَدُهُ: مَا رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ.
[الْمَأْمُومَةُ]
(ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ، وَهِيَ: الَّتِي تَصِلُ إِلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى أُمَّ الدِّمَاغِ) لِأَنَّهَا تُحَوِّطُهُ وَتَجْمَعُهُ (وَتُسَمَّى الْمَأْمُومَةُ آمَّةً) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ لَهَا الْآمَّةَ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ: الْمَأْمُومَةَ، وَهِيَ: الْجِرَاحَةُ الْوَاصِلَةُ إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ، وَهِيَ جِلْدَةُ فِيهَا الدِّمَاغُ، يُقَالُ: أَمَّ الرَّجُلُ آمَّةً وَمَأْمُومَةً (فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِمَا فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «فِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَوَافَقَ مَكْحُولٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَفِيهَا ثُلُثَاهَا، وَجَوَابُهُ: أَنَّهَا شَجَّةٌ فَلَا يَخْتَلِفُ أَرْشُهَا بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَسَائِرِ الشِّجَاجِ
[الدَّامِعَةُ]
(ثُمَّ الدَّامِعَةُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (وَهِيَ: الَّتِي تَخْرِقُ الْجِلْدَةَ) أَيْ: جِلْدَةَ الدِّمَاغِ (فَفِيهَا مَا فِي الْمَأْمُومَةِ) قَالَ الْقَاضِي: لَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا الدَّامِعَةَ لِمُسَاوَاتِهَا الْمَأْمُومَةَ فِي أَرْشِهَا، وَيُحْتَمَلُ
стр. 2988
فصل
وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ: الَّتِي تَصِلُ إِلَى بَاطِنِ الْجَوْفِ، مِنْ بَطْنٍ، أَوْ ظَهْرٍ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ نَحْرٍ، فَإِنْ خَرَقَهُ مِنْ جَانِبٍ فَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ، وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنَّهُمْ تَرَكُوا ذِكْرَهَا لِكَوْنِهَا لَا يَسْلَمُ صَاحِبُهَا فِي الْغَالِبِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: بَلْ يَجِبُ فِيهَا كُلُّ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَعِيشُ، وَقِيلَ: فِيهَا مَعَ مَا ذُكِرَ حُكُومَةٌ لِخَرْقِ جِلْدَةِ الدِّمَاغِ.
مَسْأَلَةٌ: أَوْضَحَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ هَشَّمَهُ آخَرُ، ثُمَّ جَعَلَهَا ثَالِثٌ مُنَقِّلَةً، ثُمَّ جَعَلَهَا رَابِعٌ مَأْمُومَةً، فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوَضِّحَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي خَمْسٌ تَمَامَ أَرْشِ الْهَاشِمَةِ، وَعَلَى الثَّالِثِ خَمْسٌ تَمَامَ أَرْشِ الْمُنَقِّلَةِ، وَعَلَى الرَّابِعِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وثلث تَمَامَ أَرْشِ الْمَأْمُومَةِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَقِيلَ: عَلَى مَنْ هَشَّمَ خَمْسٌ أُخْرَى، وَعَلَى مَنْ نَقَّلَهُ عَشْرٌ أُخْرَى، وَعَلَى مَنْ أَمَّهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَعِيرًا وَثُلُثُ بَعِيرٍ، وَكَمَنْ أَوْضَحَهُ إِيضَاحَةً فَقَطْ.
[الْجَائِفَةُ]
فَصْلٌ (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، لِقَوْلِهِ ﵇ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» ، وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَلِأَنَّهَا جِرَاحَةٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَرْشُهَا بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَالْمُوَضِّحَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي جِرَاحِ الْبَدَنِ الْخَالِيَةِ عَنْ قَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ مُقَدَّرًا غَيْرَ الْجَائِفَةِ (وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى بَاطِنِ الْجَوْفِ) وَلَوْ لَمْ يَخْرِقِ الْأَمْعَاءَ (مِنْ: بَطْنٍ، أَوْ ظَهْرٍ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ نَحْرٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَحَلْقٍ، وَمَثَانَةٍ، وَبَيْنَ خُصْيَتَيْنِ، وَدُبُرٍ. وَفِي الرِّعَايَةِ: وَهِيَ مَا وَصَلَ جَوْفًا فِيهِ قُوَّةٌ مُحِيلَةٌ لِلْغِذَاءِ، مِنْ: ظَهْرٍ، أَوْ بَطْنٍ، وَإِنْ لَمْ يَخْرِقِ الْأَمْعَاءَ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ نَحْرٍ، أَوْ دِمَاغٍ، وَإِنْ لَمْ يَخْرِقِ الْخَرِيطَةَ، أَوْ مَثَانَةٍ، أَوْ مَا بَيْنَ وِعَاءِ الْخُصْيَتَيْنِ وَالدُّبُرِ.
стр. 2989
طَعَنَهُ فِي خَدِّهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى فَمِهِ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ جَائِفَةً، فَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا أَجَافَهُ جَائِفَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فَثُلُثَا الدِّيَةِ وَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ فَجَائِفَةٌ، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ لَا غَيْرُ، فَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا أَجْنَبِيٌّ أَوِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الثَّانِي ثُلُثُهَا، وَيَسْقُطُ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى خَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا لِلْمُدَاوَاةِ فَخَرَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، أَوْ خَرَقَهَا وَلِيُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الطَّبِيبُ بِأَمْرِهِ، فَلَا شَيْءَ فِي خَرْقِ الْحَاجِزِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثُ الدِّيَةِ (فَإِنْ خَرَقَهُ مِنْ جَانِبٍ فَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ: ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى فِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ بِثُلُثَيِ الدِّيَةِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي الْجَائِفَةِ إِذَا نَفَذَتْ بِأَرْشِ جَائِفَتَيْنِ. وَكَمَا لَوْ طَعَنَهُ مِنْ جَانِبَيْنِ فَالْتَقَيَا، وَلِأَنَّهُ أَنْفَذَهُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، كَمَا لَوْ أَنْفَذَهُ بِضَرْبَتَيْنِ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْجَائِفَةَ هِيَ الَّتِي تَنْفُذُ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ إِلَى الْجَوْفِ، وَهَذِهِ أَيِ: الثَّانِيَةُ إِنَّمَا نَفَذَتْ مِنَ الْبَاطِنِ إِلَى الظَّاهِرِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُصُولِ الْجُرْحِ إِلَى الْجَوْفِ لَا بِكَيْفِيَّةِ إِيصَالِهِ، إِذْ لَا أَثَرَ لِصُورَةِ الْفِعْلِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى (وَإِنْ طَعَنَهُ فِي خَدِّهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى فَمِهِ) أَوْ نَفَذَ أَنْفًا، أَوْ ذَكَرًا، أَوْ جَفْنًا إِلَى بَيْضَةِ الْعَيْنِ (فَفِيهِ حُكُومَةٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ بَاطِنَ الْفَمِ حُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ لَا الْبَاطِنِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ جَائِفَةً) لِأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى جَوْفِ مَخُوفٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَلَتْ إِلَى الْبَاطِنِ.
فَرْعٌ: إِذَا وَطِئَ زَوْجَةً صَغِيرَةً، أَوْ نَحِيفَةً لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَخَرَقَ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ، فَالدِّيَةُ إِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بَوْلٌ وَإِلَّا فَجَائِفَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تُوطَأُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ كَبِيرَةٌ مُطَاوِعَةٌ، وَلَا شُبْهَةَ فِيهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَهَدَرٌ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُ، أَيْ: لَهُ طَلَبُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِخِلَافِ أَجِيرٍ مُشْتَرَكٍ، وَلَهَا مَعَ الشُّبْهَةِ وَالْإِكْرَاهِ الدِّيَةُ إِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بَوْلٌ، وَإِلَّا ثُلُثُهَا، وَيَجِبُ أَرْشُ بَكَارَةٍ مَعَ الْفَتْقِ، وَلَا يَنْدَرِجُ
стр. 2990
جَرَحَهُ فِي وِرْكِهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوْ أَوْضَحَهُ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى قَفَاهُ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ وَمُوَضِّحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا وَالْوِرْكِ، وَإِنْ أَجَافَهُ وَوَسَّعَ آخَرُ الْجُرْحَ، فَهِما جَائِفَتَانِ، وَإِنْ وَسَّعَ ظَاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ، أَوْ بَاطِنَهُ دُونَ ظَاهِرِهِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ، وَإِنِ الْتَحَمَتِ الْجَائِفَةُ فَفَتَحَهَا آخَرُ، فَهِيَ جَائِفَةٌ أُخْرَى.
فَصْلٌ وَ فِي الضِّلْعِ بَعِيرٌ، وَفِي التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرَانِ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ: الذِّرَاعِ، وَالزَّنْدِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي دِيَةِ إِفْضَاءٍ عَلَى الْأَصَحِّ (فَإِنْ جَرَحَهُ فِي وِرْكِهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوْ أَوْضَحَهُ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى قَفَاهُ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ وَمُوَضِّحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا وَالْوِرْكِ) لِأَنَّ الْجِرَاحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجَائِفَةِ، فَانْفَرَدَ فِيهِ بِالضَّمَانِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا جَائِفَةٌ، وَأَمَّا الْحُكُومَةُ فَلِأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِيهِ، وَقَدْ جَرَحَ قَفَاهُ، وَكَمَا لَوِ انْفَرَدَ (وَإِنْ أَجَافَهُ وَوَسَّعَ آخَرُ الْجُرْحَ، فَهِما جَائِفَتَانِ) لِأَنَّ فِعْلَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ كَانَ جَائِفَةً، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِانْضِمَامِهِ إِلَى فِعْلِ غَيْرِهِ (وَإِنْ وَسَّعَ ظَاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ، أَوْ بَاطَنَهُ دُونَ ظَاهِرِهِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ) لِتَوْسِيعِهِ، لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَبْلُغِ الْجَائِفَةَ، وَفِي التَّرْغِيبِ وَجْهٌ: عَلَيْهِ حَقُّ جَائِفَةٍ (وَإِنِ الْتَحَمَتِ الْجَائِفَةُ فَفَتَحَهَا آخَرُ، فَهِيَ جَائِفَةٌ أُخْرَى) عَلَيْهِ أَرْشُهَا، لِأَنَّهُ عَادَ إِلَى الصِّحَّةِ فَصَارَ كَالَّذِي لَمْ يُجْرَحْ، وَحَاصِلُهُ: إِنْ فَتَقَ مُوَضِّحَةً نَبَتَ شَعْرُهَا فَجَائِفَةٌ، وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنِ انْدَمَلَتْ فَأَوْضَحَهَا آخَرُ، فَقِيلَ: مُوَضِّحَةٌ، فَحُكُومَةٌ، وَذَكَرَ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ رِوَايَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ: إِنْ أَوْضَحَهُ فَبَرِئَ وَلَمْ يَنْبُتِ الشَّعْرُ، ثُمَّ أَوْضَحَهُ آخَرُ فَحُكُومَةٌ، وَإِنِ الْتَحَمَ مَا أَرْشُهُ مُقَدَّرٌ لَمْ يَسْقُطْ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَدْخَلَ خَشَبَةً فِي دُبُرِهِ وَفَتَحَ جِلْدَهُ فِي الْبَاطِنِ فَوَجْهَانِ.
[فِي الضِّلْعِ بَعِيرٌ وَفِي التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرَانِ]
فَصْلٌ (وَفِي الضِّلْعِ) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالنَّظْمِ وَالْحَاوِي وَالْفُرُوعِ
стр. 2991
وَالْعَضُدِ، وَالْفَخْذِ، وَالسَّاقِ بَعِيرَانِ. وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجُرُوحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ، مِثْلُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَغَيْرِهِمْ: إِنْ جُبِرَ مُسْتَقِيمًا (بَعِيرٌ) وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ (وَفِي التَّرْقُوَتَيْنِ) وَاحِدُهُمَا تَرْقُوَةٌ، وَهُوَ الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ الْعُنُقِ مِنَ النَّحْرِ إِلَى الْكَتِفِ (بَعِيرَانِ) وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَعِيرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ جُنْدَبٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ، قَالَ عُمَرُ: فِي الضِّلْعِ جَمَلٌ وَالتَّرْقُوَةُ جَمَلٌ. وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ: أَنَّ فِي الْوَاحِدَةِ بَعِيرَيْنِ، فَيَكُونُ فِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ زَيْدٍ، لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ التَّرْقُوتَانِ مَعًا، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِإِدْخَالِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَيَكُونُ فِي كُلِّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرٌ (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ: الذِّرَاعِ، وَالزَّنْدِ، وَالْعَضُدِ، وَالْفَخْذِ، وَالسَّاقِ بَعِيرَانِ) فِي رِوَايَةٍ نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ فِي أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ إِذَا كُسِرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنَّ فِيهِ بَعِيرَيْنِ، وَإِذَا كُسِرَ الزَّنْدَانِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ. وَالثَّانِيَةُ، وَقَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، أَنَّ الْوَاجِبَ بَعِيرٌ، نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَرَوَاهُ عَنْ عُمَرَ وَعَنْ أَحْمَدَ، فِي الزَّنْدِ الْوَاحِدِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، لِأَنَّهُمَا عَظْمَانِ، وَفِيمَا سِوَاهُ بَعِيرَانِ، وَزَادَ أَبُو الْخَطَّابِ فَجَعَلَ فِي عَظْمِ الْقَدَمِ بَعِيرَيْنِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَالزَّنْدُ هُوَ الذِّرَاعُ، وَيُسَمَّى السَّاعِدَ أَيْضًا، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي غَيْرِ الضِّلْعِ وَالتَّرْقُوَتَيْنِ وَالزَّنْدَيْنِ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ الْحُكُومَةِ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُ فِي هَذِهِ الْعِظَامِ لِقَضَاءِ عُمَرَ، فَفِيمَا عَدَاهَا يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهَا: وَفِي ضِلْعٍ حُكُومَةٌ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ كُسِرَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ: فِيهَا حُكُومَةٌ وَإِنِ انْجَبَرَتْ (وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجُرُوحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ مِثْلُ خَرَزَةِ الصُّلْبِ
стр. 2992
خَرَزَةِ الصُّلْبِ وَالْعُصْعُصِ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَالْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرِئَتْ، فَمَا نَقَصَ فَلَهُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ وَبِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ فِي شَيْءٍ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يَبْلُغَ بِهَا أَرْشَ الْمُقَدَّرِ. وَإِذَا كَانَتْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْعُصْعُصِ) وَالْعَانَةِ (فَفِيهِ حُكُومَةٌ) لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى ذَلِكَ لَا تَوْقِيتَ فِيهَا، أَشْبَهَ الْجِرَاحَ الَّتِي لَا تَوْقِيتَ فِيهَا، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ أَحَدٌ فَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: خَرَزَةُ الصُّلْبِ فَقَارُهُ، إِنْ أُرِيدَ بِهَا كَسْرُ الصُّلْبِ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ حُكُومَةٌ. وَالْعُصْعُصُ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي أَسْفَلِ الصُّلْبِ (وَالْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرِئَتْ، فَمَا نَقَصَ) مِنَ الْقِيمَةِ (فَلَهُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ) هَذَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ بِالدِّيَةِ، فَأَجْزَاؤُهُ مَضْمُونَةٌ مِنْهَا، كَمَا أَنَّ الْمَبِيعَ لَمَّا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، كَانَ أَرْشُ عَيْبِهِ مُقَدَّرًا مِنَ الثَّمَنِ، وَلَا يُقْبَلُ الْحُكُومَةُ إِلَّا مِنْ عَدْلَيْنِ خَبِيرَيْنِ بِالْقِيمَةِ، وَلَا تَقْوِيمَ إِلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ، لِأَنَّ أَرْشَ الْجُرْحِ الْمُقَدَّرِ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا بَعْدَ بُرْئِهِ (فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ وَبِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ) لِأَنَّ النَّاقِصَ بِالتَّقْوِيمِ دِرْهَمٌ مِنْ عِشْرِينَ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِهَا، فَيَكُونُ فِيهِ هُنَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الدِّيَةِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ فِي شَيْءٍ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يَبْلُغُ بِهَا أَرْشَ الْمُقَدَّرِ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْحُكُومَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، وَحُكْمُهُ سَبَقَ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ هُوَ بَعْضُ الْمُقَدَّرِ، فَهَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ فِيهِ عَدَمُ مُجَاوَزَةِ أَرْشِ الْمُؤَقَّتِ، مِثْلُ أَنْ يَشُجَّهُ سِمْحَاقًا، وَهُوَ دُونَ الْمُوَضِّحَةِ، فَإِنْ بَلَغَ بِالتَّقْوِيمِ أَرْشُهَا أَكْثَرَ مِنْ مُوَضِّحَةٍ مِثْلُ أَنْ تَنْقُصَ
стр. 2993
فِي الشِّجَاجِ الَّتِي دُونَ الْمُوَضِّحَةِ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا أَرْشَ الْمُوَضِّحَةِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أُصْبُعٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَةَ الْأُصْبُعِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أُنْمُلَةٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَتَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ الِانْدِمَالِ قُوِّمَتْ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ، فَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ شَيْئًا بِحَالٍ أَوْ زَادَتْهُ حُسْنًا، فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ قِيمَتِهِ، لَمْ يَجِبُ الزَّائِدُ، لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَكَانَ قَدْ وَجَبَ فِي شَيْءٍ لَا يَبْلُغُ مُوَضِّحَةً أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ الْمُوَضِّحَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ الْمُوَضِّحَةَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَالشَّيْنَ بِهَا أَعْظَمُ، وَالْمَحَلَّ وَاحِدٌ (وَإِذَا كَانَتْ فِي الشِّجَاجِ الَّتِي دُونَ الْمُوَضِّحَةِ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا أَرْشَ الْمُوَضِّحَةِ) وَهَلْ يَبْلُغُ بِهَا أَرْشَ الْمُؤَقَّتِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِهِ أَرْشَ الْمُؤَقَّتِ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَالنَّقْصُ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَلَا يُزَادُ بِحُكُومَةٍ فِي مُقَدَّرٍ عَلَى دِيَتِهِ، وَفِي جَوَازِ مُسَاوَاتِهِ وَجْهَانِ، وَعَلَى الْمَنْعِ يُنْقِصُ الْحَاكِمُ مَا شَاءَ، لَا يُقَالُ: قَدْ وَجَبَ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ أَكْثَرُ مِمَّا وَجَبَ فِي جَمِيعِهِ، وَوَجَبَ فِي مَنَافِعِ الْإِنْسَانِ أَكْثَرُ مِنَ الْوَاجِبِ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ دِيَةُ النَّفْسِ دِيَةً عَنِ الرُّوحِ، وَلَيْسَتِ الْأَطْرَافُ بَعْضُهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (وَإِنْ كَانَتْ فِي أُصْبُعٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَةَ الْأُصْبُعِ) لِأَنَّهُ إِذَا جَرَحَ أُصْبُعًا فَبَلَغَ أَرْشُهُ أَكْثَرَ مِنْ عُشْرِ الدِّيَةِ لَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ عُشْرِهَا (وَإِنْ كَانَتْ فِي أُنْمُلَةٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَتَهَا) أَيْ: إِذَا كَانَتِ الْجِرَاحُ فِي أُنْمُلَةٍ فَبَلَغَ أَرْشُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَثُلُثٍ مِنَ الْأَوَّلِ، لَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَثُلُثٍ، لِأَنَّهُ دِيَةُ الْأُنْمُلَةِ (وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ الِانْدِمَالِ، قُوِّمَتْ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْصٍ لِأَجْلِ الْجِنَايَةِ، فَإِذَا كَانَ التَّقْوِيمُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ يَبْقَى ذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَ فِي حَالِ انْدِمَالِ جَرَيَانِ الدَّمِ لِيَحْصُلَ النَّقْصُ (فَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ شَيْئًا بِحَالٍ أَوْ زَادَتْهُ حُسْنًا، فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ) إِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِالْجِنَايَةِ نَقْصٌ فِي جَمَالٍ وَلَا نَفْعٍ، كَقَطْعِ أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ، أَوْ قَلْعِ سِنٍّ زَائِدَةٍ، وَلِحْيَةِ امْرَأَةٍ، فَانْدَمَلَ الْمَوْضِعُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، أَوْ زَادَ جَمَالًا أَوْ قِيمَةً فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِفِعْلِهِ نَقْصٌ، فَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ لَكَمَهُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ، وَالثَّانِي: يَجِبُ ضَمَانُهُ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ مَضْمُونٍ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَغَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِذَا قَطَعَ لِحْيَةَ امْرَأَةٍ، فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ كَأَنَّهَا رَجُلٌ لَهُ لِحْيَةٌ، ثُمَّ
стр. 2994
بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ
عَاقِلَةُ الْإِنْسَانِ عَصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ قَرِيبُهُمْ وَبِعِيدُهُمْ مِنَ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، إِلَّا عَمُودَيْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يُقَوَّمُ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَتْ، فَمَا نَقَصَ وَجَبَ بِقِسْطِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ لِحْيَةَ الرَّجُلِ زَيْنٌ لَهُ وَعَيْبٌ فِي الْمَرْأَةِ، وَتَقْدِيرُ الْعَيْبِ بِالزَّيْنِ لَا يَصِحُّ.
فَرْعٌ: إِذَا جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً لَهَا أَرْشٌ ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ دَخَلَ أَرْشُهُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ الْجُرْحِ، وَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ وَجَبَ أَرْشُ الْجُرْحِ كَمَا لَوِ انْدَمَلَ، وَإِنْ لَطَمَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ، كَمَا لَوْ شَتَمَهُ.
[بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ]
[عَاقِلَةُ الْإِنْسَانِ عَصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ]
بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ جَمْعُ عَاقِلٍ، وَهُوَ الْمُؤَدِّي لِلدِّيَةِ، يُقَالُ: عَقَلْتُ فُلَانًا إِذَا أَعْطَيْتُهُ دِيَتَهُ، وَعَقَلْتُ عَنْ فُلَانٍ إِذَا عَزَمْتُ عَنْهُ دِيَتَهُ، وَأَصْلُهُ مِنْ عَقْلِ الْإِبِلِ بِالْعَقْلِ، وَهِيَ: الْحِبَالُ الَّتِي تُثْنَى بِهَا أَيْدِيهَا إِلَى رُكَبِهَا، وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعَقْلِ، وَهُوَ الْمَنْعُ، لِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ عَنِ الْقَاتِلِ، وَالْعَقْلُ الْمَنْعُ، وَيُسَمَّى بَعْضُ الْعُلُومِ عَقْلًا، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَضَارِّ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ يَحَمَّلُونَ الْعَقْلَ، وَهُوَ الدِّيَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا تَعْقِلُ لِسَانَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، وَهِيَ: مَنْ غُرِّمَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ بِسَبَبِ جِنَايَةِ غَيْرِهِ، وَمَا تَحْمِلُهُ، أَيْ: مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً؟ أَوْ عَلَى الْقَاتِلِ ثُمَّ تَحْمِلُهَا عَنْهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، كَمَا قِيلَ فِي فِطْرَةِ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَخْرُجُ عَنْهُ غَيْرُهُ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، أَوْ عَلَى الْمُخْرِجِ؟
وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ هَلْ تَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ الدِّيَةُ أَوْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
(عَاقِلَةُ الْإِنْسَانِ عِصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ قَرِيبُهُمْ وَبِعِيدُهُمْ مِنَ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ) وَهُمُ: الْأَحْرَارُ، الْعَاقِلُونَ، الْبُلَّغُ، الْأَغْنِيَاءُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَصَبَتِهَا مَنْ كَانُوا لَا يَرِثُونَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا، وَإِنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ أَشْبَهُوا سَائِرَ
стр. 2995
نَسَبِهِ، آبَاؤُهُ وَأَبْنَاؤُهُ. وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَيْضًا، وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ، وَلَا صَبِيٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَا رَقِيقٍ، وَلَا مُخَالِفٍ لِدِينِ الْجَانِي - حَمْلُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعَصَبَاتِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعَقْلَ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّنَاصُرِ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ، وَلِأَنَّ الْعَصَبَةَ فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ كَـ (هُمْ) فِي الْمِيرَاثِ فِي تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَكَوْنُ الْبَعِيدِ عَصَبَةً لِأَنَّهُ يَرِثُ الْمَالَ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ أَقْرَبَ مِنْهُ، فَهُوَ كَالْقَرِيبِ، وَكَوْنُ عَصَبَاتِ الْإِنْسَانِ فِي الْوَلَاءِ مِنَ الْعَاقِلَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (إِلَّا عَمُودَيْ نَسَبِهِ، آبَاؤُهُ وَأَبْنَاؤُهُ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ قَتَلَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ، وَبَرَّأَ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا، فَقَالَ: عَاقِلَةُ الْمَقْتُولَةِ مِيرَاثُهَا لَنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا، مِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوْلَادَ لَيْسُوا مِنَ الْعَاقِلَةِ وَكَذَا الْآبَاءُ قِيَاسًا لِإِحْدَى الْعَمُودَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَلِأَنَّ مَالَ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ كَمَالِهِ، وَخَرَجَ مِنْهُ الْإِخْوَةُ بِدَلِيلٍ، لِأَنَّ الْخِرَقِيَّ خَصَّ الْعَاقِلَةَ بِالْعُمُومَةِ وَأَوْلَادَهُمْ (وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَيْضًا) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالشَّرِيفُ، بَلْ وَالْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ مِنَ الْعَصَبَاتِ بِمِيرَاثِهِ فَكَانُوا أَوْلَى بِتَحَمُّلِ عَقْلِهِ، وَعَنْهُ: هُمْ عَصَبَتُهُ إِلَّا أَبْنَاءَهُ إِذَا كَانَ امْرَأَةً، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، نَقَلَ حَرْبٌ: الِابْنُ لَا يَعْقِلُ عَنْ أُمِّهِ، لِأَنَّهُ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ الِابْنُ مِنْ عَصَبَةِ أُمِّهِ فَيَكُونَ مِنْ عَاقِلَتِهَا، وَكَذَا فِي الْبُلْغَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعَصَبَاتِ مِنَ الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ وَذَوِي الْأَرْحَامِ وَالنِّسَاءِ، لَيْسُوا مِنَ الْعَاقِلَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، وَعُمْدَةُ الْعَقْلِ النُّصْرَةُ، وَلَيْسُوا مِنْهَا كَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَالدِّيوَانِ (وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَنِ الْقَاتِلِ، فَلَا يَجُوزُ التَّثْقِيلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ (وَلَا صَبِيٍّ وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ) حَمْلُ شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّ الْحَمْلَ لِلتَّنَاصُرِ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا، وَقِيلَ: يَحْمِلُ الْمُمَيِّزُ، لِأَنَّهُ قَارَبَ الْبُلُوغَ (وَلَا امْرَأَةٍ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ) لِاحْتِمَالِ
стр. 2996
شَيْءٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْفَقِيرَ يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ، وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ.
وَخَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَهَلْ يَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَلَا يَعْقِلُ ذِمِّيٌّ عَنْ حَرْبِيٍّ، وَلَا حَرْبِيٌّ عَنْ ذَمِّيٍّ. وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَوْنِهِ امْرَأَةً، فَيَحْمِلُ جِنَايَةَ عَتِيقِهِمَا مَنْ تَحَمَّلَ جِنَايَتَهُمَا، وَعَنْهُ: تَعْقِلُ امْرَأَةٌ وَخُنْثَى بِوَلَاءٍ (وَلَا رَقِيقٍ) لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ (وَلَا مُخَالِفٍ لِدِينِ الْجَانِي - حَمْلُ شَيْءٍ) لِأَنَّ حَمْلَهَا لِلنُّصْرَةِ، وَلَا نُصْرَةَ لِمُخَالِفٍ لَهُ فِي دِينِهِ (وَعَنْهُ أَنَّ الْفَقِيرَ الْمُعْتَمِلَ) أَيِ: الْمُحْتَرِفَ (يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ) حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ فَكَانَ مِنَ الْعَاقِلَةِ كَالْغَنِيِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ وَالشَّيْخَ يَحْمِلَانِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَفِي: هَرِمٍ، وَزَمِنٍ، وَأَعْمَى وَجْهَانِ، فَلَوْ عُرِفَ نَسَبُ قَاتِلٍ مِنْ قَتِيلِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ بُطُونِهَا لَمْ يَعْقِلُوا عَنْهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ (وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُمُ اسْتَوَوْا فِي التَّعْصِيبِ وَالْإِرْثِ، فَاسْتَوَوْا فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ كَالْحَاضِرِينَ.
[الْإِمَامُ وَالْحَاكِمُ خَطَؤُهُمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ]
(وَخَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ فَيُجْحِفُ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ اللَّهِ، فَكَانَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ فِي مَالِ اللَّهِ، وَكَخَطَأِ وَكِيلٍ، وَعَلَيْهَا لِلْإِمَامِ عَزْلُ نَفْسِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ: عَلَى عَاقِلَتِهِمَا، قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ لِعُمَرَ: دِيَتُهُ عَلَيْكَ، لِأَنَّكَ أَفْزَعْتَهَا، وَلِأَنَّهُ جَانٍ. فَكَانَ خَطَؤُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَغَيْرِهِ، وَكَخَطَئِهِمَا فِي غَيْرِ حُكْمٍ، وَكَذَا الْخِلَافُ إِنْ زَادَ سَوْطًا كَخَطَأٍ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ، أَوْ جَهْلًا حَمْلًا، أَوْ بَانَ مَنْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِ غَيْرَ أَهْلٍ (وَهَلْ يَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) الْأَصَحُّ أَنَّهُمْ يَتَعَاقَلُونَ، لِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ تَقْتَضِي التَّوْرِيثَ فَاقْتَضَتِ التَّعَاقُلَ، وَلِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ كَالْمُسْلِمِينَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ يَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِحُرْمَةِ قَرَابَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحُرْمَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْمِلَّةُ كَالْيَهُودِ
стр. 2997
أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَحَمَّلَ الْجَمِيعَ، فَالدِّيَةُ، أَوْ بَاقِيهَا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُمَكَّنْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالنَّصَارَى فَوَجْهَانِ، وَفِي التَّرْغِيبِ رِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى تَوْرِيثِهِمْ وَعَدَمِهِ (وَلَا يَعْقِلُ ذَمِّيٌّ عَنْ حَرْبِيٍّ وَلَا حَرْبِيٌّ عَنْ ذَمِّيٍّ) لِعَدَمِ التَّوَارُثِ، وَكَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَقِيلَ: بَلَى، إِنْ تَوَارَثَا، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَعْقِلُ الْمُعَاهَدُ إِنْ بَقِيَ عَهْدُهُ إِلَى أَصْلِ الْوَاجِبِ، وَإِلَّا فَلَا.
تَذْنِيبٌ: الْمُرْتَدُّ لَا يُعْقَلُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ فَيَعْقِلُ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَا ذِمِّيٌّ فَيَعْقِلُ عَنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، فَتَكُونُ جِنَايَتُهُ فِي مَالِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ (وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَحَمَّلَ الْجَمِيعَ، فَالدِّيَةُ أَوْ بَاقِيهَا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لَا يَعْقِلُ عَنْهُ، وَكَمَنَ رَمَى سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ كَفَرَ قَبْلَ إِصَابَتِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَمُسْلِمٍ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي الْفُرُوعِ شَيْئًا (وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَيَعْقِلُونَ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ عَاقِلَتِهِ كَعَصَبَاتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْمِلُ الْعَقْلَ بِحَالٍ، رَجَّحَهَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ فِيهِ حَقٌّ لِلصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَالْمَجَانِينِ وَمَنْ لَا عَقْلَ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ فِيمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ حَالَّةً تُؤْخَذُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ ﵇ أَدَّى دِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا عُمَرُ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتْلَفٍ، وَإِنَّمَا أَجَّلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقِيلَ: تُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ كَالْعَاقِلَةِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) أَيْ: إِذَا تَعَذَّرَ سَقَطَتْ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ) لِأَنَّ الدِّيَةَ لَزِمَتِ الْعَاقِلَةَ ابْتِدَاءً، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا يُطَالَبُ بِهَا غَيْرُهُمْ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهُمْ وَلَا رِضَاهُمْ بِهَا، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ وَجَبَتْ
стр. 2998
تَجِبَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَهُوَ أَوْلَى، كَمَا قَالُوا فِي الْمُرْتَدِّ: يَجِبُ أَرْشُ خَطَئِهِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَمْ يُصِبِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ، كَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إِنْسَانًا، فَدِيَتُهُ فِي مَالِهِ، وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ، ثُمَّ انْجَر وَلَاؤُهُ، ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ، لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ، فَكَذَا هَذَا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ عُدِمَ الْقَاتِلُ فَإِنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُهَا عَلَى الْجَانِي جَبْرًا لِلْمَحَلِّ الَّذِي فَوَّتَهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ لِقِيَامِ الْعَاقِلَةِ مَقَامَهُ فِي جَبْرِ الْمَحَلِّ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ بَقِيَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ تَرَدَّدَ بَيْنَ إِبْطَالِ دَمِ الْمَقْتُولِ وَبَيْنَ إِيجَابِ دِيَتِهِ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَلَا يَجُوزُ الْأَوَّلُ لِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَلِأَنَّ إِهْدَارَ الدَّمِ الْمَضْمُونِ لَا نَظِيرَ لَهُ وَإِيجَابَ الدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ لَهُ نَظَائِرُ (وَهُوَ أَوْلَى) مِنْ إِهْدَارِ دَمِ الْأَحْرَارِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّهُ لَا تَكَادُ تُوجَدُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كُلَّهَا، ولَا سَبِيلَ إِلَى الْأَخْذِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَتَضِيعُ الدِّمَاءُ، وَالدِّيَةُ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ ثُمَّ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهَا عَلَيْهِمُ ابْتِدَاءً لَكِنْ مَعَ وُجُودِهِمْ (كَمَا قَالُوا فِي الْمُرْتَدِّ يَجِبُ أَرْشُ خَطَئِهِ فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ تَحْمِلُهَا (وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ فَلَمْ يُصِبِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ كَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إِنْسَانًا، فَدِيَتُهُ فِي مَالِهِ) إِذَا تَغَيَّرَ دِينُ جَارِحٍ حَالَتَيْ جُرْحٍ وَزُهُوقٍ، فَالْمَذْهَبُ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ حَالَ الْجُرْحِ، وَقِيلَ: أَرْشُ الْجُرْحِ وَالزِّيَادَةِ بِالسِّرَايَةِ فِي مَالِهِ، وَقِيلَ: الْكُلُّ فِي مَالِهِ، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ هُنَا، لِأَنَّهُ قَتِيلٌ قُتِلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَعْصُومٌ، فَتَعَذَّرَ حَمْلُ عَاقِلَتِهِ عَقْلَهُ فَوَجَبَ عَلَى قَاتِلِهِ (وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ ثُمَّ انْجَر وَلَاؤُهُ ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ، لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ، فَكَذَا هَذَا) وَصُورَتُهَا: إِذَا رَمَى مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِمَوَالِي أُمِّهِ فَانْجَرَّ وَلَاؤُهُ إِلَى مَوَالِي أَبِيهِ، ثم وَقَعَ سَهْمُهُ فِي شَخْصٍ فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ: فَهُوَ كَتَغَيُّرِ دِينٍ.
стр. 2999
فَصْلٌ وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الْعَمْدُ وَالْعَبْدُ وَالصُّلْحُ وَالِاعْتِرَافُ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ]
فَصْلٌ (وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا) سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَصَاصُ أَوْ لَا، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ: عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا» . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَيَكُونُ كَالْإِجْمَاعِ، وَعَنْ عُمَرَ، قَالَ: الْعَمْدُ، وَالْعَبْدُ، وَالصُّلْحُ، وَالِاعْتِرَافُ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَحَكَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا. رَوَاهُ مَالِكٌ. وَلِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ إِنَّمَا ثَبَتَ فِي الْخَطَأِ لِكَوْنِ الْجَانِي مَعْذُورًا، تَخْفِيفًا عَنْهُ وَمُوَاسَاةً لَهُ، وَالْعَامِدُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ، فَإِنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، فَلَوْ قَتَلَهُ بِحَدِيدَةٍ مَسْمُومَةٍ، فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ قَتَلَ بِمَا لَمْ يَقْتُلْ مِثْلُهَا غَالِبًا، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ الْقَصَاصُ (وَلَا عَبْدًا) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَعْنَاهُ: إِذَا قَتَلَ الْعَبْدَ قَاتِلٌ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، خَطَأً كَانَ أَوْ عَمْدًا (وَلَا صُلْحًا) لِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ أَدَّى إِلَى أَنْ يُصَالِحَ بِمَالِ غَيْرِهِ، وَيُوجِبَ عَلَيْهِ حَقًّا بِقَوْلِهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَيُنْكِرَهُ، وَيُصَالِحَ الْمُدَّعِي عَلَى مَالٍ فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ بِمُصَالَحَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ كَالَّذِي ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ بِأَنْ يُصَالِحَ الْأَوْلِيَاءَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ إِلَى الدِّيَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ هَذَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِذِكْرِ الْعَمْدِ، بَلْ مَعْنَاهُ صَالَحَ عَنْهُ صُلْحَ إِنْكَارٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ (وَلَا اعْتِرَافًا) أَيْ: لَمْ تُصَدِّقْهُ بِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَنْ يُوَاطِئَ مَنْ يُقِرُّ لَهُ بِذَلِكَ لِيَأْخُذَ الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَتِهِ فَيُقَاسِمَهُ إِيَّاهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ شَخْصٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ مَا اعْتَرَفَ، وَمَعْنَاهُ بِأَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ فَوَجَبَ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَأَكْثَرُ إِنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ الْعَاقِلَةُ (وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ) كَأَرْشِ الْمُوَضِّحَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِقَضَاءِ عُمَرَ أَنَّهَا لَا
стр. 3000
الدِّيَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي حَالًّا، إِلَّا غُرَّةَ الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ مَاتَا مُنْفَرِدَيْنِ لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ، لِنَقْصِهَا عَنِ الثُّلْثِ، وَتَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْحُرِّ إِذَا بَلَغَتِ الثُّلْثَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تَحْمِلُ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَيَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
وَمَا يَحْمِلُهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَحْمِلُ شَيْئًا حَتَّى يَبْلُغَ عَقْلَ الْمَأْمُومَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْجَانِي، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ، فَكَانَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمَتْلَفَاتِ، لَكِنْ خُولِفَ فِي الثُّلْثِ لِإِجْحَافِهِ بِالْجَانِي لِكَثْرَتِهِ، فَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَالثُّلْثُ حَدُّ الْكَثِيرِ لِلْخَبَرِ (وَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ: دِيَةُ الْعَمْدِ وَمَا بَعْدَهُ (فِي مَالِ الْجَانِي) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مُقْتَضَى الْأَصْلِ وُجُوبُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي (حَالًّا) لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَكَانَ حَالًّا كَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ مِنَ الْمَتَاعِ (إِلَّا غِرَّةَ الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ دِيَتَهُمَا وَجَبَتْ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، مَعَ زِيَادَتِهَا عَلَى الثُّلْثِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ سَبَقَتْهُ بِالزُّهُوقِ أَوْ سَبَقَهَا بِهِ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ بَعْضُ أَثَرِهَا عَنْ بَعْضٍ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ: الْجِنَايَةُ عَلَيْهِمَا وَاحِدَةٌ، فَقِيلَ لَهُ: النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَعَلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةً، فَقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ خَبَرُ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَتَلَتِ الْمَرْأَةَ وَجَنِينَهَا، قَالَ: فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ قَضَى بِدِيَةِ الْجَنِينِ عَلَى الْجَانِيَةِ حَيْثُ لَمْ تَبْلُغُ الثُّلْثَ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا شَرِبَتْ دَوَاءً عَمْدًا فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ احْتِمَالُ تَحَمُّلِ الْقَلِيلِ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مُخْتَصٌّ بِالْجَنِينِ، لِكَوْنِ دِيَتِهِ دِيَةَ نَفْسٍ، فَيَكُونُ مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الثُّلْثِ لِكَوْنِهِ دِيَةَ نَفْسٍ (وَإِنْ مَاتَا مُنْفَرِدَيْنِ) بِجِنَايَتَيْنِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ) نَصَّ عَلَيْهِ (لِنَقْصِهَا عَنِ الثُّلْثِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ غِرَّةٌ قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَهِيَ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ (وَتَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْحُرِّ إِذَا بَلَغَتِ الثُّلْثَ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي تَقْيِيدِهِ بِالْخَطَأِ وَالْحُرِّ وَبُلُوغِ الثُّلْثِ احْتِرَازٌ عَنِ: الْعَمْدِ، وَالْعَبْدِ، وَمَا دُونَ الثُّلْثِ.
[لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ شِبْهَ الْعَمْدِ]
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تَحْمِلُ شِبْهَ الْعَمْدِ) هَذَا رِوَايَةٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَقَالَهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، لِأَنَّهَا مُوجَبُ فِعْلٍ قَصَدَهُ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ، وَهِيَ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَشْبَهَتْ دِيَةَ الْعَمْدِ (وَيَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا نَعْلَمُ
стр. 3001
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَلَكِنْ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَيُحَمِّلُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَشُقُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجْعَلُ عَلَى الْمُوسِرِ نِصْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعًا، وَهَلْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
خِلَافًا فِي أَنَّهَا تَجِبُ مُؤَجَّلَةً رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً: هُوَ فِي مَالِ الْجَانِي حَالًّا، وَحَكَاهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ قَوْمٍ لِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهَا تُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ، وَاقْتَضَى تَغْلِيظَهَا مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ الْأَسْنَانُ، وَتَخْفِيفَهَا مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ لَهَا وَتَأْجِيلُهَا (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ» الْحَدِيثَ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا كَالْخَطَأِ، وَعَنْهُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا كَذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي، وَقِيلَ: حَالًّا، قَدَّمَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَالرِّعَايَةِ كَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ حَالًّا، وَفِي التَّبْصِرَةِ: لَا تَحْمِلُ عَمْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا مَا دُونَ الثُّلْثِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي مَالِ جَانٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَفِي الرَّوْضَةِ دِيَةُ الْخَطَأِ فِي خَمْسِ سِنِينَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ خُمْسُهَا
[مَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ]
(وَمَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ (وَلَكِنْ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ) لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِي تَقْدِيرِهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ كَتَقْدِيرِ النَّفَقَاتِ (فَيَحْمِلُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَشُقُّ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ، وَلَا يُخَفَّفُ عَنِ الْجَانِي مَا يَثْقُلُ عَلَى غَيْرِهِ وَيُجْحِفُ بِهِ كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ الْإِجْحَافَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا كَانَ الْجَانِي أَحَقَّ بِهِ، فَإِذَا لَمْ يُشْرَعْ فِي حَقِّهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجْعَلُ عَلَى الْمُوسِرِ) وَهُوَ مَالِكُ نِصَابٍ عِنْدَ حُلُولِ الْحَوْلِ فَاضِلًا عَنْهُ كَحَجٍّ وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ (نِصْفَ دِينَارٍ) لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَتَقَدَّرُ فِي الزَّكَاةِ (وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعًا) قَوْلُهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ تَافِهٌ
стр. 3002
وَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، فَمَتَى اتَّسَعَتْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا، لَمْ يَتَجَاوَزْهُمْ، وَإِلَّا انْتَقَلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِمْ، وَإِنْ تَسَاوَى جَمَاعَةٌ فِي الْقُرْبِ وُزِّعَ الْقَدْرُ الَّذِي يَلْزَمُهُمْ بَيْنَهُمْ.
فَصْلٌ وَ مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ إِنْ كَانَ دِيَةً كَامِلَةً، وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِيهِ (وَهَلْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، أَحَدُهُمَا: يَتَكَرَّرُ، لِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْحَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَيَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الْحَوْلِ كَالزَّكَاةِ، وَالثَّانِي: لَا، لأنه يفضي إِلَى إِيجَابِ أَكْثَرِ مِنْ أَقَلِّ الزَّكَاةِ، فَيَكُونُ مُضِرًّا، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ دِينَارٌ وَنِصْفٌ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ لِتَكَرُّرِهِ، وَعَلَى الثَّانِي نِصْفٌ عَلَى الْمُوسِرِ وَرُبْعٌ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ (وَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ) كَالْمِيرَاثِ سَوَاءٌ (فَمَتَى اتَّسَعَتْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا، لَمْ يَتَجَاوَزْهُمْ) لِأَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَحَقُّ بِالتَّعْصِيبِ، فَقُدِّمَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَيُقَدَّمُ مَنْ يُدْلِي بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِأَبٍ فِي الْأَشْهَرِ كَالْمِيرَاثِ، وَفِي الْآخَرِ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ بِالتَّعْصِيبِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُسَاوَاةِ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ رِوَايَتَيْنِ، وَخَرَجَ مِنْهَا مُسَاوَاةُ بِعِيدٍ لِقَرِيبٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ بَعِيدٍ لِغَيْبَةِ قَرِيبٍ، وَقِيلَ: يَكْتُبُ الْإِمَامُ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ لِيُطَالِبَهُ بِهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَتَّسِعْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا (انْتَقَلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِمْ) لِأَنَّ الْأَقْرَبِينَ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ فَعُلِّقَتِ الدِّيَةُ بِمَنْ يَلِيهِمْ، وَكَذَا إِذَا تَحَمَّلَ الْأَقْرَبُونَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ (وَإِنْ تَسَاوَى جَمَاعَةٌ في القرب وُزِّعَ الْقَدْرُ الَّذِي يَلْزَمُهُمْ بَيْنَهُمْ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمُ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ، فَكَانُوا سَوَاءً كَمَا لَوْ قَتَلُوا، وَكَالْمِيرَاثِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْخُذَ الْإِمَامُ مِمَّنْ شَاءَ.
[مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجِّلًا]
فَصْلٌ
(وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ دِيَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ (إِنْ كَانَ دِيَةً كَامِلَةً) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِبَعْضِ السِّنِينَ عَلَى بَعْضٍ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ
стр. 3003
كَانَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَأَرْشِ الْجَائِفَةِ، وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ، وَإِنْ كَانَ نِصْفَهَا كَدِيَةِ الْيَدِ وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوَلِ الْأَوَّلِ الثُّلْثُ، وَبَاقِيهِ فِي رَأْسِ الْحَوَلِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ دِيَةَ امْرَأَةٍ أَوْ كِتَابِيٍّ فَكَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقَسَّمَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى الثُّلْثِ وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ فِي الْجُرْحِ مِنَ الِانْدِمَالِ، وَقَالَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُوَاسَاةِ، فَلَمْ يَجِبْ حَالًّا كَالزَّكَاةِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ ثُلُثُهَا، وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ السَّنَةِ مِنْ حِينِ وُجُوبِ الدِّيَةِ (وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَأَرْشِ الْجَائِفَةِ، وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ) أَيْ: فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى، وَلَمْ يَجِبْ مِنْهُ شَيْءٌ حَالًّا، لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ حَالًّا (وَإِنْ كَانَ نِصْفَهَا كَدِيَةِ الْيَدِ وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ الثُّلْثُ) لِأَنَّهُ قَدْرُ مَا يُؤَدَّى مِنَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، فَوَجَبَ لِتَسَاوِيهِمَا فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ (وَبَاقِيهِ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ الثَّانِي) لِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ الْقِسْطِ الثَّانِي مِنَ الْكَامِلَةِ (وَإِنْ كَانَ دِيَةَ امْرَأَةٍ أَوْ كِتَابِيٍّ) لَمْ يَقْتُلْ عَمْدًا، قَالَهُ فِي الْوَجِيزِ وَفِيهِ شَيْءٌ (فَكَذَلِكَ) لِأَنَّ هَذَا يَنْقُصُ عَنْ دِيَةٍ كَامِلَةٍ أَشْبَهَتْ أَرْشَ الطَّرَفِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقَسَّمَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) لِأَنَّ ذَلِكَ دِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةٍ، أَشْبَهَ دِيَةَ الْمُسْلِمِ (وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى الثُّلْثِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ كَانَ دُونَ الدِّيَةِ لَمْ يَنْقُصْ فِي السَّنَةِ عَنِ الثُّلْثِ، فَكَذَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ إِذَا زَادَ عَلَى الثُّلْثِ، وَكَذَا إِذَا قُتِلَتِ الْمَرْأَةُ وَجَنِينُهَا بِضَرْبَةٍ بَعْدَ مَا اسْتَهَلَّ، لَمْ تَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى قَدْرِ الثُّلْثِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: دِيَةُ نَفْسٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقِيلَ: الْكُلُّ، فَلَوْ قَتَلَ اثْنَيْنِ فَدِيَتُهُمَا فِي ثَلَاثٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ دِيَةٌ فَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَهَا كَمَا لَوِ انْفَرَدَ حَقُّهُ، وَقِيلَ: فِي سِتِّ سِنِينَ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ الثُّلْثِ كَدِيَةِ الْأُصْبُعِ لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ، وَيَجِبْ حَالًّا لِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ (وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ فِي الْجُرْحِ مِنَ الِانْدِمَالِ) لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالْبُرْءِ (وَفِي الْقَتْلِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ)
стр. 3004
الْقَاضِي: إِنْ لَمْ يَسْرِ الْجُرْحُ إِلَى شَيْءٍ فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ الْقَطْعِ، وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ، أَوِ افْتَقَرَ، سَقَطَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يَسْقُطْ مَا عَلَيْهِ، وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَعَنْهُ فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ: أَنَّ عَمْدَهُ فِي مَالِهِ.
بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً خَطَأً أَوْ مَا أُجْرِيَ مُجْرَاهُ، أَوْ شَارَكَ فِيهَا، أَوْ ضَرَبَ بَطْنَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ حَالَةُ الْوُجُوبِ، سَوَاءٌ كَانَ قَتْلًا مُوجَبًا، أَوْ عَنْ سِرَايَةِ جُرْحٍ (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ لَمْ يَسْرِ الْجُرْحُ إِلَى شَيْءٍ فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ الْقَطْعِ) لِأَنَّ تِلْكَ حَالَةُ الْوُجُوبِ، وَلِهَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ، وَهُوَ ذِمِّيٌّ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ انْدَمَلَتْ وَجَبَ نِصْفُ دِيَةِ ذِمِّيٍّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ فِي الْقَتْلِ الْمُوحِي وَالْجُرْحِ الَّذِي لَمْ يَسْرِ عَنْ مَحَلِّهِ مِنْ حِينِ الْجِنَايَةِ، وَقِيلَ: فِي الْكُلِّ عند التَّرَافُعِ إِلَى الْحَاكِمِ (وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَوِ افْتَقَرَ) قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ (سَقَطَ مَا عَلَيْهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، أَشْبَهَ الزَّكَاةَ، (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يَسْقُطْ مَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ لَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ فِي حَيَاتِهِ، أَشْبَهَ الدَّيْنَ، وَلِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ لِحَوَلَانِ الْحَوْلِ، فَلَمْ يَسْقُطْ كَالزَّكَاةِ (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُمَا كَمَالُ الْقَصْدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَخَطَأِ الْبَالِغِ (تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ) لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ، فَحَمَلَتْهُ غَيْرُهُ (وَعَنْهُ فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ: أَنَّ عَمْدَهُ فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ عَمْدٌ يَجُوزُ تَأْدِيبُهُ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ الْعَاقِلَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُمَيِّزُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْحَلْوَانِيُّ: تَجِبُ مُغَلَّظَةً، وَفِي الْوَاضِحِ رِوَايَةٌ: فِي مَالِهِ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: مَا أَصَابَ الصَّبِيُّ مِنْ شَيْءٍ فَعَلَى الْأَبِ إِلَى قَدْرِ ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِذَا جَاوَزَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ، فَهَذَا رِوَايَةٌ لَا تَحْمِلُ الثُّلْثَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ.
[بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ]
[كَفَّارَةُ قَتْلِ الْخَطَأِ]
بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ الْكَفَّارَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْكُفْرِ، وَهُوَ: السَّتْرُ، لِأَنَّهَا تُغَطِّي الذَّنْبِ وَتَسْتُرُهُ، وَالْأَصْلُ فِيهَا
стр. 3005
امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، مُسْلِمًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ كَافِرًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ: كَبِيرًا عَاقِلًا، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، حُرًّا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْإِجْمَاعُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فَذَكَرَ فِي الْآيَةِ ثَلَاثَ كَفَّارَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَطَأً، الثَّانِي: يُقْتَلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ لَا يُعْرَفُ إِيمَانُهُ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، الثَّالِثُ: يُقْتَلُ الْمُعَاهَدُ، وَهُوَ: الذِّمِّيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِالْقَتْلِ فِي الْجُمْلَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً خَطَأً لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، سَوَاءٌ قَتَلَهَا بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ بِسَبَبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوْ مُسْتَأْمَنًا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ قَتَلَ نَفْسَهُ (أَوْ مَا أُجْرِيَ مُجْرَاهُ) لِأَنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرَاهُ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ، فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَاهُ فِي الْكَفَّارَةِ (أَوْ شَارَكَ فِيهَا) أَيْ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ كَفَّارَةٌ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ كَالْقِصَاصِ (أَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً، أَشْبَهَ قَتْلَ الْآدَمِيِّ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَفِي الْإِرْشَادِ: إِنْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَلْقَتْ جَنِينَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَقِيلَ: كَفَّارَةٌ، وَقِيلَ: تَتَعَدَّدُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَخْرُجُ مِثْلُهُ فِي جَنِينٍ وَأُمِّهِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِلْقَاءِ جَنِينٍ كَامِلٍ، لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَكَانَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمَوْلُودِ، وَقِيلَ: تَجِبُ وَلَوْ بِإِلْقَاءِ مُضْغَةٍ لَمْ تَتَصَوَّرْ (مُسْلِمًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ كَافِرًا) لِأَنَّ الْكَافِرَ آدَمِيٌّ مَقْتُولٌ ظُلْمًا، فَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ كَالْمُسْلِمِ (حُرًّا أَوْ عَبْدًا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] وَلِأَنَّهُ يَجِبُ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ فِي الْجُمْلَةِ، فَوَجَبَ بِقَتْلِهِ الْكَفَّارَةُ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ أَشْبَهَ الْحُرَّ (وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ: كَبِيرًا عَاقِلًا، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، حُرًّا، أَوْ عَبْدًا) مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا، لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ، فَتَعَلَّقَتْ بِهِمْ كَالدِّيَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ، وَهَذِهِ مَالِيَّةٌ أَشْبَهَتْ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ تَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ، وَلَا قَوْلَ لَهُمَا، وَهَذِهِ تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، وَفِعْلُهُمَا مُتَحَقِّقٌ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ، بِدَلِيلِ إِحْبَالِهِمَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَكُونُ عُقُوبَةً لَهُ
стр. 3006
أَوْ عَبْدًا. وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالصِّيَامِ، وَعَنْهُ: عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ. فَأَمَّا الْقَتْلُ الْمُبَاحُ كَالْقِصَاصِ، وَالْحَدِّ، وَقَتْلِ الْبَاغِي، وَالصَّائِلِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
فَصْلٌ وَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي، وَالْأُخْرَى: فِيهِ الْكَفَّارَةُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْحُدُودِ، وَعَنْهُ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، نَقَلَهَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ تَجِبُ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ كَالصَّوْمِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ (وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالصِّيَامِ) لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ (وَعَنْهُ: عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] الْآيَةَ، وَ " مَنْ " تَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَتَعَدَّدُ، فَكَذَا الْكَفَّارَةُ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ فَلَمْ تَتَعَدَّدْ بِتَعَدُّدِ الْقَاتِلِينَ مَعَ اتِّحَادِ الْمَقْتُولِ كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ (فَأَمَّا الْقَتْلُ الْمُبَاحُ كَالْقِصَاصِ، وَالْحَدِّ، وَقَتْلِ الْبَاغِي، وَالصَّائِلِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ قَتْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وَالْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ لِمَحْوِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْخَطَأُ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا إِبَاحَةٍ، لِأَنَّهُ كَقَتْلِ الْمَجْنُونِ، لَكِنَّ النَّفْسَ الذَّاهِبَةَ بِهِ مَعْصُومَةٌ مُحَرَّمَةٌ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ فِيهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: الْخَطَأُ مُحَرَّمٌ وَلَا إِثْمَ فِيهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ مَا أَثِمَ فَاعِلُهُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ مُنْقَطِعٌ، " وَإِلَّا " فِي مَوْضِعِ " لَكِنْ "، وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ لَا، أَيْ: وَلَا خَطَأَ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الْخَطَأَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ النَّهْيُ لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
[قَتْلُ الْعَمْدِ هَلْ فِيهِ كَفَّارَةٌ]
فَصْلٌ لَا تَلْزَمُ قَاتِلًا حَرْبِيًّا، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ، وَلَا قَاتِلًا نِسَاءَ حَرْبٍ وَذُرِّيَّتِهِمْ، وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ. وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ وَلَا أَمَانَ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ قَتْلِهِمْ لِانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ بِصَيْرُورَتِهِمْ أَرِقَّاءَ (وَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ) وَشِبْهُ الْعَمْدِ (رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي، وَالْأُخْرَى: فِيهِ
стр. 3007
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْكَفَّارَةُ) أَمَّا الْعَمْدُ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يَسْقُطُ بِالتَّكْفِيرِ احْتَاجَ دَلِيلًا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ نَسْخُ الْقُرْآنِ، زَادَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: وَأَيْنَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَابَ أَوْ كَفَّرَ قَدْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ. وَالثَّانِيَةُ: تَجِبُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِصَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَوْجَبَ الْقَتْلَ، فَقَالَ: أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً، يُعْتِقُ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَلِأَنَّهَا إِذَا وَجَبَتْ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ فَلَأَنْ تَجِبَ فِي الْعَمْدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالْأُولَى أَصَحُّ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: ذَكَرَ قَتْلَ الْخَطَأِ وَأَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَتْلَ الْعَمْدِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ كَفَّارَةٍ فِيهِ، مَعَ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ الصَّامِتِ قَتَلَ رَجُلًا فَأَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَوَدَ وَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ خَطَأً، وَسَمَّاهُ مُوجِبًا لِأَنَّهُ فَوَّتَ النَّفْسَ بِالْقَتْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ تَبَرُّعًا، وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَجِبُ بِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي الْمُغْنِي: تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَا أَعْلَمُ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا، لِأَنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرَى
стр. 3008
بَابُ الْقَسَامَةِ وَهِيَ الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ.
وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخَطَأِ فِي نَفْسِ الْقِصَاصِ، وَحَمْلِ الْعَاقِلَةِ دِيَتَهُ وَتَأْجِيلِهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَجَرَى مَجْرَاهُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ، وَبَعَّدَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِأَنَّ دِيَتَهُ مُغَلَّظَةٌ.
تَذْنِيبٌ:
مَنْ لَزِمَتْهُ فَفِي مَالِهِ، وَقِيلَ: مَا حَمَلَهُ بَيْتُ الْمَالِ مِنْ خَطَأِ إِمَامٍ وَحَاكِمٍ فَفِيهِ، وَيُكَفِّرُ عَنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَلِيُّهُ، نَقَلَ مُهَنَّا: الْقَتْلُ لَهُ كَفَّارَةٌ وَكَذَا الزِّنَا، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَيْسَ بَعْدَ الْقَتْلِ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا.
[بَابُ الْقَسَامَةِ]
[تَعْرِيفُ القسامة وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا]
بَابُ الْقَسَامَةِ الْقَسَامَةُ اسْمٌ لِلْقَسَمِ، أُقِيمَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ مِنْ: أَقْسَمَ إِقْسَامًا وَقَسَامَةً، هِيَ الْحَلِفُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يُقْسِمُونَ فِي دَعْوَاهُمْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ صَاحِبَهُمْ، سُمُّوا قَسَامَةً بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَعَدْلٍ وَرِضًا، وَإِنَّمَا هِيَ الْأَيْمَانُ إِذَا كَثُرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالِغَةِ (وَهِيَ الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ) أَيْ: فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ بِهِ، فَجَاءَهُ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، فَقَالَ: كَبِّرْ كَبِّرْ، فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا، فَقَالَ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ قَاتِلِكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا، قَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، قَالَ: فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فِي الْمَعَارِفِ
стр. 3009
دَعْوَى الْقَتْلِ، ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ.
الثَّانِي: اللَّوْثُ، وَهُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ، كَنَحْوِ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ، وَكَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الْإِسْلَامِ.
[شُرُوطُ ثُبُوتِ الْقَسَامَةِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ دَعْوَى الْقَتْلِ]
(وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا: دَعْوَى الْقَتْلِ) عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ لَا يَثْبُتُ لِشَخْصٍ إِلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَهُ، وَالْقَتْلُ مِنَ الْحُقُوقِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا قَسَامَةَ فِي خَطَأٍ (ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِيهَا، فَشُرِعَتِ الْقَسَامَةُ فِيهَا كَذَلِكَ (حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا) وَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَالذِّمِّيَّ يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي الْمُمَاثِلِ لَهُ، فَأَوْجَبَ الْقَسَامَةَ فِي ذَلِكَ كَالْحُرِّ وَالْمُسْلِمِ، أَمَّا الْمَقْتُولُ إِذَا كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا فَلَا خِلَافَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، لِقَضِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ. وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمَكَاتَبُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ كَالْقِنِّ، وَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا، أَوْ حُرٌّ عَبْدًا فَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ، وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ قَوْلًا، لِأَنَّ الْقَسَامَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ، وَكَقَتْلِ الْبَهِيمَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ وَكَلَامِ الْأَكْثَرِ تُشْرَعُ، لِأَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فَشُرِعَتِ الْقَسَامَةُ فِيهِ كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ (وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لِأَنَّ الْقَسَامَةَ ثَبَتَتْ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا، فَاخْتَصَّتْ بِهَا كَالْكَفَّارَةِ وَكَالْأَطْرَافِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَالدَّعْوَى فِيهِ كَالدَّعْوَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً، لِأَنَّهَا دَعْوَى لَا قَسَامَةَ فِيهَا فَلَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ، كَالدَّعْوَى فِي الْمَالِ.
[الشَّرْطُ الثَّانِي اللَّوْثُ]
(الثَّانِي: اللَّوْثُ، وَهُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ وَلَوْ مَعَ سَيِّدِ عَبْدٍ) قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَصَبَةُ مَقْتُولٍ (كَنَحْوِ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ، وَكَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ فِي ظَاهِرِ
стр. 3010
وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى بِهِ، كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ، وَوُجُودِ قَتِيلٍ عِنْدَ مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ، وَشَهَادَةِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمْ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَأَمَّا قَوْلُ الْقَتِيلِ: فُلَانٌ قَتَلَنِي، فَلَيْسَ بِلَوْثٍ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَذْهَبِ) وَكَمَا بَيْنَ الْبُغَاةِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ، وَبَيْنَ الشُّرْطَةِ وَاللُّصُوصِ عَلَى الْأَشْهَرِ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنْ لَا تُشْرَعَ الْقَسَامَةُ، تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ فِي الْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ، وَنَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: أَوْ عَصَبِيَّةٌ لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَعَ الْعَدَاوَةِ أَلَّا يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ القتل غير الْعَدُوُّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَسْأَلِ الْأَنْصَارَ: هَلْ كَانَ بِخَيْبَرَ غَيْرُ الْيَهُودِ أَمْ لَا؟ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ فِيهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمْلَاكًا لِلْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَهَا لِأَخْذِ غِلَالِ أَمْلَاكِهِمْ، وَشَرَطَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ الْأَنْصَارِيَّ قُتِلَ فِي خَيْبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا إِلَّا الْيَهُودُ، وَهُمْ أَعْدَاءٌ، ثُمَّ نَاقَضَ قَوْلَهُ بِأَنْ قَالَ: فِي قَوْمٍ ازْدَحَمُوا فِي مَضِيقٍ وَتَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَتَلَهُ فَهُوَ لَوْثٌ، فَجَعَلَ الْعَدَاوَةَ لَوْثًا مَعَ وُجُودِ غَيْرِ الْعَدُوِّ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى بِهِ كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ، وَوُجُودُ قَتِيلٍ عِنْدَ مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ، وَشَهَادَةُ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمْ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ) وَيُعْتَبَرُ مَجِيئُهُمْ مُتَفَرِّقِينَ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وابن رزين وَالشيخ تَقِيِّ الدِّينِ، لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي، أَشْبَهَتِ الْعَدَاوَةَ، وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَوْثٍ لِقَوْلِهِ فِي الَّذِي قُتِلَ فِي الزِّحَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: دِيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ فِيمَنْ وُجِدَ مَقْتُولًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: يُنْظَرُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِي حَيَاتِهِ عَدَاوَةٌ، لِأَنَّ اللَّوْثَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْعَدَاوَةِ، لِقَضِيَّةِ الْأَنْصَارِيِّ، وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِالْمَظِنَّةِ وَلَا يُقَاسُ فِي الْمَظَانِّ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِتَعَدِّي سَبَبِهِ، وَالْقِيَاسُ فِي الْمَظَانِّ جَمْعٌ بِمُجَرَّدِ الْحِكْمَةِ وَغَلَبَةِ الظُّنُونِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْقَتِيلَيْنِ لَمْ تَثْبُتِ الشَّهَادَةُ وَلَمْ يَكُنْ لَوْثًا بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا الْقَتِيلَ قَتَلَهُ أَحَدُ هَذَيْنِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا قَتَلَهُ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسِكِّينٍ
стр. 3011
مالك والليث وَمَتَى ادَّعَى الْقَتْلَ مَعَ عَدَمِ اللَّوْثِ عَمْدًا، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يُحْكَمُ لَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ وَلَمْ يَكُنْ لَوْثًا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِقَتْلِهِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِقَتْلِهِ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْقَتْلُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ هُنَا، وَفِيمَا إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ وَالْآخَرُ بِسِكِّينٍ، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْقَتْلِ، وَاخْتَلَفَا فِي صِيغَتِهِ (فَأَمَّا قَوْلُ الْقَتِيلِ: فُلَانٌ قَتَلَنِي، فَلَيْسَ بِلَوْثٍ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِقَوْلِهِ ﵇: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمُ» الْخَبَرَ. وَكَالْوَلِيِّ، وَقَالَ: مالك والليث هُوَ لَوْثٌ، لِأَنَّ قَتِيلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: فُلَانٌ قَتَلَنِي فَكَانَ حُجَّةً، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُعْجِزَاتِ نَبِيِّهِ مُوسَى ﵇، ثُمَّ ذَاكَ فِي تَبْرِئَةِ الْمُتَّهَمِينَ فَلَا يَجُوزُ تَعْدِيَتُهُ إِلَى تُهْمَةِ الْبَرِيئِينَ، لَكِنْ نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: أَذْهَبُ إِلَى الْقَسَامَةِ إِذَا كَانَ ثَمَّ لَطْخٌ، إِذَا كَانَ سَبَبٌ بَيِّنٌ، إِذَا كَانَ ثَمَّ عَدَاوَةٌ، إِذَا كَانَ مِثْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَوْضِعٍ فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى رَجُلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَا لَوْثٌ فَهِيَ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا، وَإِلَّا قُبِلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَخْتَارَ مِنَ الْمَوْضِعِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلَهُ، فَإِنْ نَقَصُوا عَنِ الْخَمْسِينَ كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَتِمَّ، فَإِنْ حَلَفُوا وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى بَانِي الْخُطَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، وَجَبَتْ عَلَى سُكَّانِ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا حُبِسُوا حَتَّى يُقِرُّوا أَوْ يَحْلِفُوا، لِأَثَرٍ عَنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: سَنَّ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي وُجِدَ بِخَيْبَرَ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِالْقَتِيلِ أَثَرٌ فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَسْأَلِ الْأَنْصَارَ
стр. 3012
بِيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ خَطَأً حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً.
الثَّالِثُ: اتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الدَّعْوَى، فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ بَعْضٌ، لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ، وَلَا مَدْخَلَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
هَلْ بِقَتِيلِهِمْ أَثَرٌ أَمْ لَا؟ مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ يَحْصُلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ كَغَمِّ الْوَجْهِ، وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ احْتُمِلَ أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، فَعَلَى هَذِهِ إِنْ خَرَجَ دَمٌ مِنْ أُذُنِهِ فَهُوَ لَوْثٌ، وَكَذَا إِنْ خَرَجَ مِنْ أَنْفِهِ فِي وَجْهٍ، وَقِيلَ: أَوْ شَفَتِهِ، وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ (وَمَتَى ادَّعَى الْقَتْلَ مَعَ عَدَمِ اللَّوْثِ عَمْدًا، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يُحْكَمُ لَهُ بِيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا) هَذَا رِوَايَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَهِيَ أَشْهَرُ، سَوَاءٌ كَانَتِ الدَّعْوَى خَطَأً أَوْ عَمْدًا، لِأَنَّهَا دَعْوَى فِيمَا لَا يَجُوزُ بَذْلُهُ، أَشْبَهَ الْحُدُودَ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْقَسَامَةِ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا الْقَتْلُ أَوِ الدِّيَةُ وَوُجُودُ اللَّوْثِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا (وَعَنْ أَحْمَدَ: يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِقَوْلِهِ ﵇: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَكَدَعْوَى الْمَالِ (وَهِيَ الْأَوْلَى) وَالْأَصَحُّ، فَعَلَى هَذِهِ: إِنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَظَاهِرٌ، وَإِنِ امْتَنَعَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِقَوَدٍ، بَلْ بِدِيَةٍ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ وَيُخْلَى سَبِيلُهُ، وَعَنْهُ: يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا، لِأَنَّهُ دَعْوَى فِي قَتْلٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ لَوْثٌ (وَإِنْ كَانَ خَطَأً حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً) لِأَنَّ النُّكُولَ هُنَا يُقْضَى بِهِ، لِأَنَّ مُوجِبَهُ مَالٌ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ اتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الدَّعْوَى]
(الثَّالِثُ: اتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الدَّعْوَى) لِأَنَّهَا دَعْوَى قَتْلٍ فَاشْتُرِطَ اتِّفَاقُ جَمِيعِهِمْ فِيهَا كَالْقِصَاصِ (فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ بَعْضٌ) بِأَنْ قَالَ: قَتَلَهُ هَذَا، أَوْ قَالَ الْآخَرُ: لَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا، أَوْ قَالَ: بَلْ قَتَلَهُ هَذَا الْآخَرُ (لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ)
стр. 3013
لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فِي الْقَسَامَةِ، عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَهَلْ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُكَذِّبُ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِتَبْرِئَةِ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ بِقَتْلٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَيَا دَيْنًا لَهُمَا.
[الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ]
(الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ) لِقَوْلِهِ ﵇: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ» . وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا قَتْلُ الْعَمْدِ، فَاعْتُبِرَ كَوْنُهَا مِنْ رِجَالٍ عُقَلَاءَ كَالشَّهَادَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُرْتَدُّ وَقْتَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ الْحُرِّ، لِعَدَمِ إِرْثِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ، بَلْ بَعْدَ مَوْتِهِ (وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ) فِي الْقَسَامَةِ أَيْ: لَمْ يُسْتَحْلَفْنَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُدَّعَاةَ الَّتِي تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهَا هِيَ الْقَتْلُ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِي إِثْبَاتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تُقْسِمُ فِي الْخَطَأِ فَلَوْ كَانَ جَمِيعُ الذُّرِّيَّةِ نِسَاءً فَاحْتِمَالَانِ، وَفِي الْخُنْثَى وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُقْسِمُ، لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ وُجِدَ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ الِاسْتِحْقَاقُ مِنَ الدِّيَةِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَانِعُ مِنْ يَمِينِهِ، وَالثَّانِي: لَا يُقْسِمُ، كَالْمَرْأَةِ (وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فِي الْقَسَامَةِ) لِأَنَّ قَوْلَهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ أَقَرَّا عَلَى أَنْفُسِهِمَا لَمْ يُقْبَلْ، فَكَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً) لِأَنَّ الْخَطَأَ أَحَدُ الْقَتْلَيْنِ أَشْبَهَ الْآخَرَ، لَا يُقَالُ: الْخَطَأُ يُثْبِتُ الْمَالَ وَلِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِيهِ، لِأَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ ضِمْنًا لِثُبُوتِ الْقَتْلِ، وَمِثْلُهُ لَا يَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ بَعْدَ مَوْتِهَا لِيَرِثَهَا، وَأَقَامَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ (فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ) أَوْ أَكْثَرَ (أَحَدُهُمَا غَائِبٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ) أَوْ نَاكِلٌ عَنِ الْيَمِينِ، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ (فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ حَقٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فَقِيَامُ الْمَانِعِ بِصَاحِبِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ حَلِفِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ نَصِيبَهُ كَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا (وَهَلْ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ خَمْسًا
стр. 3014
أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَلَهُ بَقِيمتُهَا، وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَلَّا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى يَحْلِفَ الْآخَرُ وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ مِنْ شُرُوطِ الْقَسَامَةِ: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَمْدًا تُوجِبُ الْقِصَاصَ إِذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ، وَأَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعِشْرِينَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ: أَحَدُهُمَا يَحْلِفُ خَمْسِينَ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ، وَالْبَيِّنَةُ هُنَا هِيَ الْأَيْمَانُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدَهُمَا دَيْنًا لِأَبِيهِمَا.
الثَّانِي: يَحْلِفُ بِقِسْطِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَهُوَ أَشْهَرُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِ مِنَ الْأَيْمَانِ، فَكَذَا مَعَ الْمَانِعِ، لَكِنْ لَا قَسَامَةَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ وَيَبْلُغَ الصَّبِيُّ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَهِيَ الْأَيْمَانُ هُنَا، وَلِأَنَّ الْحَقَّ إِنْ كَانَ قِصَاصًا فَلَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ، وَغَيْرُهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ ثُبُوتِ الْقَتْلِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْمَالِ فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُقْسِمُ بِقِسْطِهِ مِنَ الْأَيْمَانِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ قِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ (وَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ) وَجْهًا وَاحِدًا (وَلَهُ بَقِيَّتُهَا) لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَيْمَانِ صَاحِبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي: يَحْلِفُ خَمْسِينَ كَصَاحِبِهِ، فَكَذَا هُوَ، فَلَوْ قَدِمَ ثَالِثٌ أَوْ بَلَغَ فَعَلَى قَوْلِهِمَا يَحْلِفُ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا، وَعَلَى الْآخَرِ خَمْسِينَ، وَإِذَا قَدِمَ رَابِعٌ، فَهَلْ يَحْلِفُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا، أَوْ خَمْسِينَ؟ فِيهِ الْخِلَافُ (وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَلَّا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى يَحْلِفَ الْآخَرُ لِأَنَّ) ذَلِكَ مُوجِبُ أَيْمَانِهِ (وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ مِنْ شُرُوطِ الْقَسَامَةِ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَمْدًا) لِأَنَّ اللَّوْثَ مِنْ شُرُوطِهَا وِفَاقًا، وَلَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي الْعَمْدِ، لِأَنَّ الْخَطَأَ يَصْدُرُ عنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَدُوُّ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ الْخَطَأُ فِي الْمَعْنَى كَالْعَمْدِ الَّذِي لَا لَوْثَ فِيهِ وَلَا قَسَامَةَ (تُوجِبُ الْقِصَاصَ إِذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ) لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْقَسَامَةِ فِي الْعَمْدِ
стр. 3015
بِشَرْطٍ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَمْدًا مَحْضًا، لَمْ يُقْسِمُوا إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، وَيَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، فَلَهُمُ الْقَسَامَةُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ.
فَصْلٌ وَيَبْدَأُ فِي الْقَسَامَةِ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ، فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْقِصَاصُ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةً لَهُ كَدَعْوَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ لَمْ يُوجَدِ الْغَرَضُ (وَأَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ، لِقَوْلِهِ ﵇: «فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَةٌ خُولِفَ بِهَا الْأَصْلُ مِنْ قَتْلِ الْوَاحِدِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ مَا عَدَاهُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاتِلِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا لِتَصِحَّ الدَّعْوَى، وَإِمْكَانُ الْقَتْلِ وَصِفَةُ الْقَتْلِ، فَلَوِ اسْتَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ تَفْصِيلِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِعَدَمِ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى وَطَلَبِ الْوَرَثَةِ (وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ (لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَمْدًا مَحْضًا لَمْ يُقْسِمُوا إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، وَيَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ) لِخَبَرِ سَهْلٍ (وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ فَلَهُمُ الْقَسَامَةُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ) لِأَنَّهَا حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا الْعَمْدُ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ، فَيَثْبُتُ بِهَا غَيْرُهُ وَهُوَ الْمَالُ كَالْبَيِّنَةِ.
[أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ يَبْدَؤُهَا الْمُدَّعُونَ]
فَصْلٌ (وَيُبْدَأُ فِي الْقَسَامَةِ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ) أَيْ: ذُكُورِ الْعَصَبَةِ الْعُدُولِ أَوَّلًا، نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵇: «فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ» (فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا) أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ خَمْسُونَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ، فَإِذَا حَلَفَ ثَبَتَ الْحَقُّ فِي قِبَلِهِ لِحَدِيثِ سَهْلٍ، وَلِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ، وَذُكِرَ أَنَّهُ رُوِيَ مُرْسَلًا، وَرُوِيَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا كَذَلِكَ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهَا، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ،
следующие страницы →