← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

فَصْلٌ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ له، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدَرَ حَقِّهِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ أَخَذَ بِقَدْرِه، وَإِلَّا قَوَّمَهُ وَأَخَذَ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَرْعٌ: إِذَا أُخْبِرَ حَاكِمٌ آخَرُ بِحُكْمٍ أَوْ ثُبُوتٍ عَمِلَ بِهِ مَعَ غَيْبَةِ الْمُخْبِرِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: عَنِ الْمَجْلِسِ وَيَقْبَلُ خَبَرَهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، أَوْ فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا. وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا يُقْبَلُ، إِلَّا أَنْ يُخْبِرَ فِي عَمَلِهِ حَاكِمًا فِي غَيْرِ عَمَلِهِ، فَيَعْمَلُ بِهِ إِذَا بُلِّغَ عَمَلَهُ وَجَازَ حُكْمُهُ بِعِلْمِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَا فِي وِلَايَةِ الْمُخْبِرِ فَوَجْهَانِ. وَفِيهِ إِذَا قَالَ: سَمِعْتُ الْبَيِّنَةَ، فَاحْكُمْ. لَا فَائِدَةَ فِيهِ مَعَ حَيَاةِ الْبَيِّنَةِ، بَلْ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا. [مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ هَلْ يَأْخُذُهُ بِنَفْسِهِ] فَصْلٌ (مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ له، لَمْ يَجُزْ) أَيْ: يَحْرُمُ. (أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، لِقَوْلِهِ ﵇: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» . وَقَوْلُهُ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ وَالْمُعَارَضَةَ بِغَيْرِ رِضَا الْمَالِكِ، إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ عَلَى ضَيْفٍ أَخْذُ حَقِّهِ بِحَاكِمٍ فَلَهُ ذَلِكَ. فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ: لَوْ أَخَذَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ تَسَاقَطَا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ غَرِمَهُ. وَتَقَدَّمَ لَوْ غَصَبَهُ مَالًا، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَيْنُ مَالِهِ أَخَذَهُ قَهْرًا، زَادَ فِي التَّرْغِيبِ: مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى فِتْنَةٍ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا دَيْنٌ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَجَحَدَ أَحَدُهُمَا، فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَجْحَدَ. وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ كَبَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ رَضِيَا. (وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ) هَذا رِوَايَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَتَحَرَّيَا الْأَخْذَ بِالْعَدْلِ. (فَإِنْ قَدَرَ

стр. 3362

بِقَدْرِه مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ، لِحَدِيثِ هِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» . وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ أَخَذَ بِقَدْرِه) مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ. (قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِه) لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى ذَلِكَ لَا مُقَابِلَ لَهُ. (مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ، لِحَدِيثِ هِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . وَلِقَوْلِهِ ﵇: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ حَدِيثَ هِنْدَ قَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إِلَى الْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِيَّةِ وَاجِبٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالْمُحَاكَمَةُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ تَشُقُّ، بِخِلَافِ مَنْ لَهُ دَيْنٌ. وَفَرَّقَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ أَنَّ قِيَامَ الزَّوْجِيَّةِ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا مِنَ الْبَسْطِ فِي مَالِهِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ مَا يُؤَثِّرُ فِي أَخْذِ الْحَقِّ، وَبَذْلِ الْيَدِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ. وَعَلَى الْجَوَازِ، لَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا يَبِيعُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَلْحَقُهُ فِيهِ تُهْمَةٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ، كَمَا قَالُوا فِي الرَّهْنِ يُرْكَبُ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ. فَأَمَّا إِنْ كَانَ مُقِرًّا بِهِ بَاذِلًا لَهُ، أَوْ كَانَ مَانِعًا لَهُ لِأَمْرٍ يُبِيحُ الْمَنْعَ كَالتَّأْجِيلِ وَالْإِعْسَارِ، أَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ بِالْحَاكِمِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَخْذُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. فَرْعٌ: نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنَيْهِ وَحَرْبٌ: عَلَى أَنَّ لِابْنِ الابن أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَبِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ. ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ. وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُهُ بِنَاءً عَلَى تَنْفِيذِ الْوَصِيِّ الْوَصِيَّةَ مَا فِي يَدِهِ إِذَا كَتَمَ الْوَرَثَةُ تَعْيِينَ التَّرِكَةِ. (وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِي الْبَاطِنِ) وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ; لِقَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ

стр. 3363

صِفَتِهِ فِي الْبَاطِنِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أَنَّهُ يُزِيلُ الْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ. ــ [المبدع في شرح المقنع] حُكْمٌ بِشَهَادَةِ زُورٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، كَالْمَالِ الْمُطْلَقِ. (وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أَنَّهُ يُزِيلُ الْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا، فَرُفِعَا إِلَى عَلِيٍّ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِذَلِكَ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَنِي، اعْقِدْ بَيْنَنَا عَقْدًا حَتَّى أَحِلَّ لَهُ. فَقَالَ: شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ. فَعَلَى هَذَا: يَحِلُّ لِمُدَّعِي النِّكَاحِ وَطْءُ الْمَرْأَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا. وَالتَّصَرُّفُ فِي الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ. وَلِمَنْ عَلِمَ كَذِبَ شُهُودِ الطَّلَاقِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْمَرْأَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَحَدِيثُ عَلِيٍّ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَضَافَ التَّزْوِيجَ إِلَى الشَّاهِدَيْنِ لَا إِلَى حُكْمِهِ. لَكِنَّ اللِّعَانَ يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا فَالْبَيِّنَةُ أَوْلَى. وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ اللِّعَانَ حَصَلَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ لَا بِصِدْقِ الزَّوْجِ. وَلِهَذَا لَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ. لَكِنْ أَجَابَ حَنْبَلِيٌّ بِأَنَّ اللِّعَانَ وَضَعَهُ الشَّرْعُ لِسَتْرِ الزَّانِيَةِ وَصِيَانَةِ النَّسَبِ، فَتَعَقَّبَ الْفَسْخُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ إِلَّا بِهِ، وَمَا وَضَعَهُ الشَّرْعُ لِلْفَسْخِ بِهِ زَوَالُ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ مِنْ مَسْأَلَتِنَا إِلَّا جَهْلُ الْحَاكِمِ بِبَاطِنِ الْأَمْرِ، وَعِلْمُهُمَا وَعِلْمُ الشُّهُودِ أَكْثَرُ مِنَ النَّصِّ فِي الدَّلَالَةِ ; لِأَنَّ النَّصَّ مَعْلُومٌ وَهَذَا مَحْسُوسٌ. وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ كَالْمُقْنِعِ ثُمَّ اسْتَثْنَى: إِلَّا فِي أَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. قَطَعَ فِي الْوَاضِحِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يُحِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ قَبْلَ الْحُكْمِ. فَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ لِحَنْبَلِيٍّ شُفْعَةَ جِوَارٍ، زَالَ بَاطِنًا فِي الْأَعْرَفِ. وَلَوْ حَكَمَ لِمُجْتَهِدٍ أَوْ عَلَيْهِ بِمَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ، عَمِلَ بَاطِنًا بِالْحُكْمِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَقِيلَ: بِاجْتِهَادِهِ. وَإِنْ بَاعَ حَنْبَلِيٌّ - مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ - فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ شَافِعِيٌّ، نَفَذَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِلَّا أَبَا الْخَطَّابِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ، مَنْ حُكِمَ لَهُ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ بِبَيِّنَةِ زُورٍ، حَلَّتْ لَهُ حُكْمًا، ثُمَّ إِنْ وَطَأَ مَعَ الْعِلْمِ فَكَزِنًى، وَيُصْبِحُ نِكَاحُهَا غَيْرَهُ، خِلَافًا لِلْمُؤَلِّفِ. وَإِنْ حَكَمَ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا بِشُهُودٍ زُورٍ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ بَاطِنًا، نَصَّ عَلَيْهِ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهَا ظَاهِرًا، وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ الْحَالَ، نَصَّ عَلَيْهِ. فَإِنْ وَطِئَهَا فَهَلْ يُحَدُّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

стр. 3364

بَابُ حكم كِتَابِ الْقَاضِي إلى القاضي يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، كَالْقَرْضِ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ النِّكَاحُ. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَطْءِ لِلْمَرْأَةِ مِنِ اثْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَطَأُهَا بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، وَالْآخَرُ بِحُكْمِ الْبَاطِنِ. وَهَذَا فَسَادٌ. وَكَالْمُتَزَوِّجِ بِلَا وَلِيٍّ. مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا رَدَّ حَاكِمٌ شَهَادَةَ وَاحِدٍ بِرَمَضَانَ، لَمْ يُؤَثِّرْ كَمِلْكٍ مُطْلَقٍ، وَأَوْلَى، لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِحُكْمِهِ فِي عِبَادَةٍ وَوَقْتٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَتْوَى، فَلَا يُقَالُ: حَكَمَ بِكَذِبِهِ، أَوْ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ. وَفِي الْمُغْنِي: أَنَّ رَدَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ هُنَا، لِتَوَقُّفِهِ فِي الْعَدَالَةِ، وَلِهَذَا لَوْ ثَبَتَتْ حُكِمَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أُمُورُ الدِّينِ وَالْعِبَادَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحْكُمُ فِيهَا إِلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِجْمَاعًا. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِثْبَاتَ سَبَبِ الْحُكْمِ كَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالزَّوَالِ لَيْسَ بِحُكْمٍ. فَمَنْ لَمْ يَرَهُ سَبَبًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّهُ حُكْمٌ. الثَّانِيَةُ: إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمٌ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لِيُنَفِّذَهُ، لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: مَعَ عَدَمِ نَصٍّ يُعَارِضُهُ. وَكَذَا إِنْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، كَحُكْمِهِ بِعِلْمِهِ وَنُكُولِهِ وَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ. وَفِي الْمُحَرَّرِ: لَا يَلْزَمُهُ، إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ آخَرُ قَبْلَهُ. الثَّالِثَةُ: إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ خَصْمَانِ عَقْدًا فَاسِدًا عِنْدَهُ فَقَطْ، وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ نَافِذُ الْحُكْمِ، حُكِمَ بِصِحَّتِهِ، فَلَهُ إِلْزَامُهُمَا ذَلِكَ، وَرَدُّهُ وَالْحُكْمُ بِمَذْهَبِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنَّهُ كَالْبَيِّنَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، كَبَيِّنَتِهِ إِنْ عَيَّنَا الْحَاكِمَ. الرَّابِعَةُ: مَنْ قَلَّدَ فِي صِحَّةِ نِكَاحٍ لَمْ يُفَارِقْ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، كَحُكْمٍ بِخِلَافِ مُجْتَهِدٍ نَكَحَ ثُمَّ رَأَى بُطْلَانَهُ، فِي الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: مَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ، وَلَا يَلْزَمُ إِعْلَامُ الْمُقَلِّدِ بِتَغَيُّرِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ بَانَ خَطَؤُهُ فِي إِتْلَافٍ بِمُخَالَفَةِ قَاطِعٍ ضَمِنَ، لَا مُسْتَفْتِيهِ، وَفِي تَضْمِينِ مُفْتٍ لَيْسَ أَهْلًا وَجْهَانِ. [بَابُ حُكْمِ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي] [الْأَحْوَالُ الَّتِي يُقْبَلُ فِيهَا كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي] بَابُ حُكْمِ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] ،

стр. 3365

وَالْغَصْبِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالصُّلْحِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ وَلَا يُقْبَلُ فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى. وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، كالْقِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالْعِتْقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَأَمَّا حَدُّ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَكُتُبُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ وَمُلُوكِ الْأَطْرَافِ، وَكَانَ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ وَسُعَاتِهِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى قَبُولِهِ. فَإِنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ لَا يُمْكِنُهُ إِتْيَانُهُ وَلَا مُطَالَبَتُهُ إِلَّا بِكِتَابِ الْقَاضِي، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ قَبُولِهِ. (يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، كَالْقَرْضِ، وَالْغَصْبِ، وَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالصُّلْحِ، وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. (وَلَا يُقْبَلُ فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ ; لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى السَّتْرِ، وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ، وَالْإِسْقَاطِ بِالرُّجُوعِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ فِي الرِّعَايَةِ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ. (وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، كالْقِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالْعِتْقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) : إِحْدَاهُمَا: يُقْبَلُ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ لَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا، كَقَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلا بِشَاهِدَيْنِ كَحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى -. وَعَنْهُ: يُقْبَلُ إِلَّا فِي الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ. وَفِي الشَّرْحِ: أَنَّ الْمَذْهَبَ: لَا يُقْبَلُ فِي الْقِصَاصِ كَالْحَدِّ. وَقِيلَ: يُقْبَلُ فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْفَرْعِ، وَمَا لَا فَلَا، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي ; لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. (فَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ، فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لِلَّهِ

стр. 3366

الْقَذْفِ، فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ. وَإِنْ قُلْنَا: هو لِآدَمِيِّ فَهُوَ كَالْقِصَاصِ. وَيَجُوزُ كِتَابُه فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنَفِّذَهُ فِي الْمَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ، وَمَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَيَجُوزُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ دُونَ الْقَرِيبَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ ــ [المبدع في شرح المقنع] - تَعَالَى - فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ) كَحُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى. (وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لِآدَمِيٍّ فَهُوَ كَالْقِصَاصِ) جَزَمَ فِي الْوَجِيزِ بِثُبُوتِهِ فِيهِ. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْحَابَ ذَكَرُوا أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي حُكْمُهُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ. وَذَكَرُوا فِيمَا إِذَا تَغَيَّرَتْ حَالُهُ أَنَّهُ أَصْلٌ، وَمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَرْعٌ، فَلَا يُسَوَّغُ نَقْضُ الْحُكْمِ بِإِنْكَارِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ. وَلَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَةِ الْبَيِّنَةِ، بَلْ يَمْنَعُ إِنْكَارَهُ الْحُكْمَ، كَمَا يَمْنَعُ رُجُوعَ شُهُودِ الْأَصْلِ الْحُكْمَ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ فَرْعٌ لِمَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ، وَأَصْلٌ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ. [كِتَابُ الْقَاضِي فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنَفِّذَهُ] (وَيَجُوزُ كِتَابُهُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ) مِثْلُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى إِنْسَانٍ بِحَقٍّ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَفَاؤُهُ. أَوْ يَدَّعِيَ حَقًّا عَلَى غَائِبٍ، وَيُقِيمَ بَيِّنَةً عِنْدَهُ، وَيَسْأَلَ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ، فَيَحْكُمَ عَلَيْهِ، وَيَسْأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِحُكْمِهِ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْغَائِبُ، فَيَكْتُبَ لَهُ إِلَيْهِ. أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ، فَيَهْرُبَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِحُكْمِهِ، فَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ إِجَابَتُهُ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ. (لِيُنَفِّذَهُ فِي الْمَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ، وَمَسَافَةِ الْقَصْرِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ. وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَا بِبَلَدٍ وَاحِدٍ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ، يَجِبُ إِمْضَاؤُهُ عَلَى كُلِّ حَاكِمٍ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَفِي حَقٍّ للَّهِ - تَعَالَى -. (وَيَجُوزُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ دُونَ الْقَرِيبَةِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ نَقْلُ شَهَادَةٍ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَكِتَابُهُ بِالْحُكْمِ لَيْسَ هُوَ نَقْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ. وَعَنْهُ: فَوْقَ يَوْمٍ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: خَرَّجْتُهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَقَلَّ كَخَبَرٍ. وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَكُونُ فِي كِتَابِهِ: شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ بِكَذَا. لِيَكُونَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقْضِي، وَلَا يَكْتُبُ: ثَبَتَ عِنْدِي. لِأَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا كَبَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.

стр. 3367

مُعَيَّنٍ، وَإِلَى مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ كِتَابِي هَذَا مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ، وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ يُحْضِرُهُمَا الْقَاضِي الْكَاتِبُ فَيَقْرَأُهُ عَلَيْهِمَا ثُمَّ يَقُولُ: ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ; لِأَنَّهُ خَبَرٌ بِالثُّبُوتِ كَشُهُودِ الْفَرْعِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ أَمْر وَنَهْي يَتَضَمَّنُ إِلْزَامًا. فَرْعٌ: لَوْ أَثْبَتَ مَالِكِيٌّ وَقْفًا لَا يَرَاهُ، كَوَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، فَإِنْ حَكَمَ لِلْخِلَافِ فِي الْعَمَلِ بِالْخَطِّ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ، فَلِحَنْبَلِيٍّ يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ أَنْ يُنَفِّذَهُ مَسَافَةً قَرِيبَةً. وَإِنْ لَمْ يَحْكُمِ الْمَالِكِيُّ، بَلْ قَالَ: ثَبَتَ كَذَا. فَكَذَلِكَ ; لِأَنَّ الثُّبُوتَ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ حُكْمٌ. ثُمَّ إِنْ رَأَى الْحَنْبَلِيُّ الثُّبُوتَ حُكْمًا نَفَّذَهُ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِي قُرْبِ الْمَسَافَةِ وَلُزُومِ الْحَنْبَلِيِّ تَنْفِيذَهُ، يَنْبَنِي عَلَى لُزُومِ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَحُكْمُ الْمَالِكِيِّ مَعَ عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْخَطِّ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ. وَلِهَذَا لَا يُنَفِّذُهُ الْحَنَفِيُّ حَتَّى يُنَفِّذَهُ آخَرُ. وَلِلْحَنْبَلِيِّ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ وَمَعَ قُرْبِهَا، الْخِلَافُ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ) كَكِتَابِهِ ﵇ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ. (وَإِلَى مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ كِتَابِي هَذَا مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ كَمَا لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا. (وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ) عَدْلَانِ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَيُعْتَبَرُ ضَبْطُهُمَا لِمَعْنَاهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ فَقَطْ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: عِنْدَ الْكَاتِبِ. وَيَتَوَجَّهُ لَنَا: أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَخَتْمَهُ اكْتَفَى بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَسَوَّارٍ وَالْعَنْبَرِيِّ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ أَشْبَهَ شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ مَا أَمْكَنَ إِتْيَانُهُ بِالشَّهَادَةِ لَمْ يَجُزِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الظَّاهِرِ، كَإِثْبَاتِ الْعُقُودِ، وَلِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ، وَالْخَتْمُ يُمْكِنُ التَّزْوِيرُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ نَقْلُ حُكْمٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ بُدٌّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. (يُحْضِرُهُمَا الْقَاضِي الْكَاتِبُ) لِأَنَّ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ بِغَيْرِ مَعْرِفَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ غَيْرُ جَائِزٍ. (فَيَقْرَأُهُ عَلَيْهِمَا) وَهَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْقَبُولِ، بَلْ قِرَاءَتُهُ هِيَ الْوَاجِبَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَهُ الْحَاكِمُ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ. وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْظُرَا مَعَهُ فِيمَا يَقْرَؤُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْظُرَا جَازَ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا ثِقَةٌ. (ثُمَّ يَقُولُ:

стр. 3368

أُشْهِدُكُمَا أَنَّ هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، فَإِذَا وَصَلَا إِلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، دَفَعَا إِلَيْهِ الْكِتَابَ، وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إِلَيْكَ، مِنْ عَمَلِهِ وَأَشْهَدَنَا عَلَيْهِ. وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا فِيهِ وَبخْتمه، وَلَا يُشْتَرَطُ خَتْمُهُ. وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] أُشْهِدُكُمَا أَنَّ هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ) لِأَنَّهُ يُحَمِّلُهُمَا الشَّهَادَةَ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ إِشْهَادُهُ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَإِنْ قَالَ: اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ. كَانَ أَوْلَى. فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ. فَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ حَتَّى يَقُولَ: اشْهَدَا عَلَيَّ. كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُ. ثُمَّ إِنْ قَلَّ مَا فِي الْكِتَابِ اعْتَمَدَا عَلَى حِفْظِهِ، وَإِلَّا كَتَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا نُسْخَةً بِهِ. وَيَقْبِضَانِ الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَا ; لِئَلَّا يَدْفَعَ إِلَيْهِمَا غَيْرَهُ. (فَإِذَا وَصَلَا إِلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، دَفَعَا إِلَيْهِ الْكِتَابَ) ثُمَّ يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ شَهِدَا بِهِ. (وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إِلَيْكَ، كَتَبَهُ مِنْ عَمَلِهِ وَأَشْهَدَنَا عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا مِنْ قَاضٍ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ الْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِ قَضَائِهِ. وَفِي كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ: كَتَبَهُ بِحَضْرَتِنَا، وَقَالَ لَنَا: اشْهَدَا عَلَيَّ، كَتَبْتُهُ فِي عَمَلِي، فَثَبَتَ عِنْدِي وحَكَمْتُ بِهِ مِنْ كَذَا وَكَذَا. فَيَشْهَدَانِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا إِذَا وَصَلَ فِي مَجْلِسِ عَمَلِهِ. (وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا فِيهِ، وَبختمه) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ. (وَلَا يُشْتَرَطُ خَتْمُهُ) لِأَنَّهُ ﵇ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ وَلَمْ يَخْتِمْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ لَا يَقْرَأُ كِتَابًا غَيْرَ مَخْتُومٍ. فَاتَّخَذَ الْخَاتَمَ. [الْكِتَابُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ] وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ يُقْبَلُ سَوَاءٌ كَانَ مَخْتُومًا أَوْ غَيْرَ مَخْتُومٍ، وَمَفْتُولًا أَوْ غَيْرَ مَفْتُولٍ ; لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا لَا عَلَى الْخَطِّ وَالْخَتْمِ. فَإِنِ انْمَحَى الْخَطُّ وَكَانَا يَحْفَظَانِ مَا فِيهِ، جَازَ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ. فَائِدَةٌ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ اسْمَهُ فِي الْعُنْوَانِ، وَلَا ذِكْرُ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ فِي بَاطِنِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّ الْكِتَابَ إِلَيْهِ.

стр. 3369

وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ، اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ. لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِيمَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً وَخَتَمَهَا ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى مَا فِيهَا: فَلَا، حَتَّى يُعْلِمَهُ مَا فِيهَا. وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ لِقَوْلِهِ: إِذَا وُجِدَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةً عِنْدَ رَأْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ أَشْهَدَ أَوْ أَعْلَمَ بِهَا أَحَدًا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَعُرِفَ خَطُّهُ، وَكَانَ مَشْهُورًا، فَإِنَّهُ يُنَفَّذُ مَا فِيهَا. وَعَلَى هَذَا إِذَا عَرَفَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَخَتْمُهُ، جَازَ قَبُولُهُ، وَالْعَمَلُ عَلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] وَلَا يَكْفِي ذِكْرُ اسْمِهِ فِي الْعُنْوَانِ دُونَ بَاطِنِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ. (وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ، اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ. لَمْ يَصِحَّ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَجْهُولٍ لَا يَعْلَمَانِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ. كَمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مَالًا. (لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِيمَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً وَخَتَمَهَا ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى مَا فِيهَا: فَلَا حَتَّى يُعْلِمَهُ بِمَا فِيهَا) هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى جِهَةِ الْأَصْلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ. (وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ) هَذا رِوَايَةٌ، كَمَا لَوْ شَهِدَا مَا فِي هَذَا الْكِيسِ مِنَ الدَّرَاهِمِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا قَدْرَهَا. (لِقَوْلِهِ: إِذَا وُجِدَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةً عِنْدَ رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ أَشْهَدَ أَوْ أَعْلَمَ بِهَا أَحَدًا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَعُرِفَ خَطُّهُ، وَكَانَ مَشْهُورًا، فَإِنَّهُ يُنَفَّذُ مَا فِيهَا) لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى. فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا. (وَعَلَى هَذَا إِذَا عَرَفَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَخَتْمُهُ، جَازَ قَبُولُهُ) لِأَنَّ الْقَبُولَ هُنَا كَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ عُرِفَ خَطُّهُ بِإِقْرَارٍ وَإِنْشَاءٍ، أَوْ عَقْدٍ أَوْ شَهَادَةٍ، عُمِلَ بِهِ كَمَيِّتٍ. فَإِنْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ مَضْمُونَهُ، فَكَاعْتِرَافِهِ بِالصَّوْتِ وَإِنْكَارِ مَضْمُونِهِ. وَذَكَرَ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُحْكَمُ بِخَطِّ شَاهِدٍ مَيِّتٍ. وَقَالَ: الْخَطُّ كَاللَّفْظِ إِذَا عُرِفَ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَأَنَّهُ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا خَطُّهُ كَمَا يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا صَوْتُهُ. (وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى. فَرْعٌ: إِذَا تَرَافَعَ إِلَيْهِ خَصْمَانِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ وِلَايَتِهِ، إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا بِهِ. فَيَكُونُ حُكْمُ غَيْرِ الْقَاضِي إِذَا تَرَاضَيَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَصْمَانِ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ أَوْ لَمْ يَكُونَا. وَلَوْ تَرَافَعَ إِلَيْهِ اثْنَانِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ، كَانَ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ أَذِنَ الْإِمَامُ لِقَاضٍ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُ كَانُوا، أَوْ مَنَعَهُ مِنَ

стр. 3370

الْأَوَّلِ، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ، فَأَحْضَرَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ الْخَصْمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: لَسْتُ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، إِلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ. وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، فَقَالَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ: غَيْرِي. لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ فِي الْبَلَدِ مَنْ يُسَاوِيهِ فِيمَا سُمِّيَ وَوُصِفَ بِهِ، فَيَتَوَقَّفُ حَتَّى يَعْلَمَ مَنِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا. وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِعَزْلٍ أَوْ مَوْتٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِي ــ [المبدع في شرح المقنع] الْحُكْمِ فِي غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُ مَا كَانَ، كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَذِنَ فِيهِ، أَوْ مَنَعَ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْوِلَايَةَ بِتَوْلِيَتِهِ، فَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا. (فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ، فَأَحْضَرَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ الْخَصْمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: لَسْتُ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ. وَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ. وَكَذَا إِنْ رَدَّ الْيَمِينَ، عَلَى الْخِلَافِ. (إِلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ) لِأَنَّ قَوْلَهُ مُعَارَضٌ بِالْبَيِّنَةِ، وَهِيَ رَاجِحَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا. (وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، فَقَالَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ: غَيْرِي. لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْمُشَارَكَةِ فِي ذَلِكَ (إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ فِي الْبَلَدِ مَنْ يُسَاوِيهِ فِيمَا سُمِّيَ وَوُصِفَ بِهِ، فَيَتَوَقَّفُ حَتَّى يَعْلَمَ مَنِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عَلَى الْمُشَارِكِ لَهُ فِي الِاسْمِ، وَهُوَ يُشَاكُّ فِيهِ. وَحِينَئِذٍ يَكْتُبُ إِلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ يُعْلِمُهُ بِالْحَالِ حَتَّى يَحْضُرَ الشَّاهِدَانِ، فَيَشْهَدَانِ عِنْدَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا. فَإِنِ ادَّعَى الْمُسَمَّى أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ وَقَدْ مَاتَ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَ الْمُعَامَلَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ أَمْكَنَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْكُومِ لَهُ مُعَامَلَةٌ، فَقَدْ وَقَعَ الْإِشْكَالُ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عَلَى الَّذِي مَاتَ، وَإِلَّا فَلَا إِشْكَالَ. فَرْعٌ: يُقْبَلُ كِتَابَهُ فِي حَيَوَانٍ فِي الْأَصَحِّ بِالصِّفَةِ اكْتِفَاءً بِهَا، كَمَشْهُودٍ عَلَيْهِ لَا لَهُ. فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ مُشَارَكَتُهُ فِي صِفَتِهِ، أَخَذَهُ مُدَّعِيهِ بِكَفِيلٍ مَخْتُومًا عُنُقُهُ، فَيَأْتِي بِهِ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ لِيَشْهَدَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَيْنِهِ وَيَقْضِيَ لَهُ بِهِ، وَيَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا لِيَبْرَأَ كَفِيلُهُ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي جَارِيَةً سُلِّمَتْ إِلَى أَمِينٍ يُوَصِّلُهَا. وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مَا ادَّعَا لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَمَؤُنَتُهُ مُنْذُ تَسَلَّمَهُ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَزَادَ: دُونَ نَفْعِهِ، وَحُكْمُهُ كَمَغْصُوبٍ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِلَا حَقٍّ. وَقِيلَ: لَا يَقْبَلُ كِتَابَهُ بِهِ ; لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَكْفِي، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِرَجُلٍ

стр. 3371

كِتَابِهِ. وَإِنْ تَغَيَّرَتْ بِفِسْقٍ لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا حَكَمَ بِهِ، وَبَطَلَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] بِالْوَصْفِ وَالتَّحْلِيَةِ، كَذَلِكَ الْمَشْهُورُ بِهِ. وَالْأَوَّلُ: رَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ قِيَاسًا عَلَى الْعَيْنِ. وَيُخَالِفُ الْمَشْهُودَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ فِيهِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَهُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ. وَقِيلَ: يَحْكُمُ بِهِ الْكَاتِبُ، وَيُسَلِّمُ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ لِمُدَّعِيهِ. وَفِي التَّرْغِيبِ: عَلَى الْأَوَّلِ لَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا صِفَتُهُ كَذَا، وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ، بَلْ يَكْتُبْ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُدَّعَى بِهِ لِيَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهِ. فَلَوْ كَانَ عَقَارًا مَحْدُودًا فِي بَلَدِ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، أَنْفَذَ حُكْمَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَأَخَذَهُ بِهِ. وَكَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْقُولٍ مَعْرُوفٍ لَا يُشْتَبَهُ. تذنيب: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَكْتُبُ فِي الْكِتَابِ اسْمَ الْخَصْمَيْنِ، وَاسْمَ أَبَوَيْهِمَا أَوْ جَدَّيْهِمَا، وَحِلْيَتَهُمَا، وَقَدْرَ الْمَالِ، وَتَارِيخَ الدَّعْوَى، وَقِيَامَ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، وَطَلَبَ الْخَصْمِ الْحُكْمَ، وَإِجَابَتَهُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذِكْرُ شُهُودِ الْمَالِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْجَدِّ فِي النَّسَبِ بِلَا حَاجَةٍ. وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إِذَا عُرِفَ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْجَدِّ. فَائِدَةٌ: إِذَا تَحَمَّلَهَا وَشَهِدَ بِهَا عِنْدَ حَاكِمٍ، لَزِمَهُ الْحُكْمُ بِهَا بِشَرْطِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْكِتَابُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ أَوْ مُطْلَقًا. وَلَيْسَ لِشُهُودِ الْكِتَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا فِي مَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ. وَلَهُمْ كِرَاءُ دَوَابِّهِمْ فَقَطْ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَاكِمٌ: فَإِنْ شَاءُوا شَهِدُوا عِنْدَهُ لِيُمْضِيَهُ، وَيَكْتُبَ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْخَصْمِ. وَإِنْ شَاءُوا أَشْهَدَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى شَهَادَتِهِ شَاهِدَيْنِ، يَشْهَدَانِ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ. (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِعَزْلٍ أَوْ مَوْتٍ لَمْ يَقْدَحْ فِي كِتَابِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ; لِأَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي الْكِتَابِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَهُمَا حَيَّانِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ الْكِتَابُ كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ أَوْ يَنْعَزِلْ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَ إِنْ كَانَ فِيمَا حَكَمَ بِهِ فَحُكْمُهُ لَا يَبْطُلُ بِهِمَا، وَإِنْ كَانَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَهُوَ أَصْلٌ، وَاللَّذَانِ شَهِدَا عَلَيْهِ فَرْعٌ، وَلَا تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ بِمَوْتِ شَاهِدِ الْأَصْلِ. وَقِيلَ: لَا، كَمَا لَوْ فَسَقَ فَيَنْقَدِحُ، خَاصَّةً فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ. (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ بِفِسْقٍ لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا حَكَمَ بِهِ) قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَسَقَ وَفِيهِ شَيْءٌ. وَفِي الشَّرْحِ: كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ بَانَ فِسْقُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ، كَذَا هُنَا. (وَيَبْطُلُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ) لِأَنَّ بَقَاءَ عَدَالَةِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ شَرْطٌ فِي

стр. 3372

وَإِذَا تَغَيَّرَتْ حَالُ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، فَلِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ وَالْعَمَلُ بِهِ. فَصْلٌ وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اكْتُبْ إِلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ أَنَّكَ حَكَمْتَ عَلَيَّ حَتَّى لَا يَحْكُمَ عَلَيَّ ثَانِيًا. لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ. وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ مَحْضَرًا بِالْقَضِيَّةِ، وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ، مِثْلُ: إِنْ أَنْكَرَ، وَحَلَّفَهُ الْحَاكِمُ، فَسَأَلَ الْحَاكِمَ أَنْ يَكْتُبَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْحُكْمِ بِشَاهِدَيِ الْفَرْعِ، فَكَذَلِكَ بَقَاءُ عَدَالَةِ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ. (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ) بِأَيِّ حَالٍ كَانَ. (فَلِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ وَالْعَمَلُ بِهِ) كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ أَصْحَابِنَا ; لِأَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَى مَا حَفِظَهُ الشُّهُودُ وَتَحَمَّلُوهُ. وَمَنْ تَحَمَّلَ شَهَادَةً وَشَهِدَ بِهَا وَجَبَ عَلَى كُلِّ قَاضٍ الْحُكْمُ بِهَا، وَلَوْ ضَاعَ الْكِتَابُ أَوِ انْمَحَى. وَكَمَا لَوْ شَهِدَا بِأَنَّ فُلَانًا الْقَاضِيَ حَكَمَ بِكَذَا، لَزِمَهُ إِنْفَاذُهُ، قَالَهُ فِي الْوَاضِحِ وَغَيْرِهِ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ بِحَالِهِ، وَوَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى غَيْرِهِ، عَمِلَ بِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَلَوْ شَهِدَا بِخِلَافِ مَا فِيهِ قُبِلَ، اعْتِمَادًا عَلَى الْعِلْمِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْوَفَا: فَإِنْ قَالَا: هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إِلَيْكَ، أَخْبَرَنَا مَنْ نَثِقُ بِهِ. لَمْ يَجُزِ الْعَمَلُ بِهِمَا. وَإِنْ قَدِمَ غَائِبٌ فَلِلْكَاتِبِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِلَا إِعَادَةِ شُهُودٍ، قَالَهُ فِي الِانْتِصَارِ. [الْكِتَابَةُ إِلَى الْحَاكِمِ بِالْحُكْمِ] فَصْلٌ (وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اكْتُبْ إِلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ أَنَّكَ حَكَمْتَ عَلَيَّ حَتَّى لَا يَحْكُمَ عَلَيَّ ثَانِيًا. لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ ; لِأَنَّ الْحَاكِمَ إِنَّمَا يَحْكُمُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ غَيْرُهُ، أَوْ فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنَفِّذَهُ غَيْرُهُ، وَكِلَاهُمَا مَفْقُودٌ هُنَا. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ، لِيَخْلُصَ مِمَّا يَخَافُهُ. فَإِنْ قَالَ: اشْهَدْ لِي عَلَيْكَ بِمَا جَرَى. لَزِمَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ. (وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ مَحْضَرًا بِالْقَضِيَّةِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَكَمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ثَانِيًا، وَفِيهِ ضَرَرٌ، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا. (وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ، مِثْلُ: إِنْ أَنْكَرَ، وَحَلَّفَهُ الْحَاكِمُ) أَن ثُبُوتٌ مُجَرَّدٌ، أَوْ مُتَّصِلٌ بِحُكْمٍ وَتَنْفِيذٍ، أَوْ سَأَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ. (فَسَأَلَ الْحَاكِمَ أَنْ

стр. 3373

لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى ; لِيُثْبِتَ حَقَّهُ أَوْ بَرَاءَتَهُ، لَزِمَهُ إِجَابَتُهُ. وَإِنْ سَأَلَه مَنْ ثَبَتَ مَحْضَرُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ نُسْخَتَيْنِ: نُسْخَةً يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، ونسخة يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ. وَالْوَرَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَمِنْ مَالِ الْمَكْتُوبِ لَهُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، لِيُثْبِتَ حَقَّهُ أَوْ بَرَاءَتَهُ، لَزِمَهُ إِجَابَتُهُ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَلْزَمُهُ إِجَابَةُ مَنْ سَأَلَهُ لِتَبْقَى حُجَّتُهُ فِي يَدِهِ. فَعَلَى هَذَا: إِذَا ثَبْتَ لَهُ حَقٌّ بِإِقْرَارٍ، فَسَأَلَهُ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنَ الْإِقْرَارِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ قُلْنَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْسَى. وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ حَقٌّ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي بَعْدَ النُّكُولِ، فَسَأَلَهُ الْمُدَّعِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ، لَزِمَهُ. لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتْرُكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَحْلِفَ، وَلَا حُجَّةَ لِلْمُدَّعِي غَيْرُ الْإِشْهَادِ. فَأَمَّا إِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِبَيِّنَةٍ، فَسَأَلَهُ الْإِشْهَادَ، فَالْمَشْهُورُ: يَلْزَمُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ وَإِلْزَامِ خَصْمِهِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ لَهُ بِالْحَقِّ بَيِّنَةً. وَإِنْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ، وَسَأَلَ الْحَاكِمَ الْإِشْهَادَ عَلَى بَرَاءَتِهِ لَزِمَهُ ; لِيُكُونَ حُجَّةً لَهُ فِي سُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ مَرَّةً أُخْرَى. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ مَحْضَرًا بِجَمِيعِ ذَلِكَ، فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لَهُ، فَهُوَ كَالْإِشْهَادِ، لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ رُبَّمَا نَسِيَا الشَّهَادَةَ أَوْ نَسِيَا الْخَصْمَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ الْإِشْهَادَ يَكْفِيهِ. وَإِنْ سَأَلَهُ أَنْ يُسَجِّلَ بِهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ (وَإِنْ سَأَلَهُ مَنْ ثَبَتَ مَحْضَرُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ) أَيْ: كِتَابَتَهُ وَأَتَاهُ بِوَرَقَةٍ، لَزِمَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلِهَذَا قَالَ: (فَعَلَ ذَلِكَ) قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا أَخَذَ السَّاعِي زَكَاتَهُ كَتَبَ لَهُ بَرَاءَةً. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَلْزَمُهُ إِنْ تَضَرَّرَ بِتَرْكِهِ. وَمَا تَضَمَّنَ الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ سُجِّلَ وَغَيْرُهُ مَحْضَرٌ. وَفِي الْمُغْنِي وَالتَّرْغِيبِ: الْمَحْضَرُ: شَرْحُ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَهُ، لَا الْحُكْمُ بِثُبُوتِهِ. (وَجَعَلَهُ نُسْخَتَيْنِ: نُسْخَةً يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَنُسْخَةً يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ) هَذَا هُوَ الْأَوْلَى، حَتَّى إِذَا هَلَكَتْ وَاحِدَةٌ بَقِيَتِ الْأُخْرَى. (وَالْوَرَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَمِنْ مَالِ الْمَكْتُوبِ لَهُ) لِأَنَّهُ الطَّالِبُ لِذَلِكَ، لِأَنَّ مُعْظَمَ الْحَاجَةِ لَهُ. فَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ بِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ الْكِتَابَةَ دُونَ الْغُرْمِ. تَنْبِيهٌ: مَنْ حُكِمَ لَهُ بِحَقٍّ بِحُجَّةٍ بِيَدِهِ، فَأَقْبَضَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْحَقَّ، وَطَالَبَهُ بِتَسْلِيمِ الْحُجَّةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُ الشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ بِأَخْذِهِ. ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ مَا قَبَضَهُ مُسْتَحَقًّا، فَيَحْتَاجُ إِلَى حُجَّةٍ تَخُصُّهُ.

стр. 3374

فصل وَ صِفَةُ الْمَحْضَرِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حَضَرَ الْقَاضِي فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ عَلَى كَذَا. وَإِنْ كَانَ نَائِبًا كَتَبَ: خَلِيفَةُ الْقَاضِي فُلَانٍ قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، بِمَوْضِعِ كَذَا، مُدَّعٍ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، فَادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا، فَأَقَرَّ لَهُ أَوْ فَأَنْكَرَ. فَقَالَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؛ فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَحْضَرَهَا. وَسَأَلَهُ سَمَاعَهَا، فَفَعَلَ أَوْ فَأَنْكَرَ، وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ. وَسَأَلَ إِحْلَافَهُ، فَأَحْلَفَهُ. وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ ذَكَرَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَإِنَّ طَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنَ الْبَائِعِ الْأَصْلَ، لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ لَهُ عِنْدَ الدَّرْكِ. وَلِمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَائِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِ رَبُّهُ بِأَخْذِهِ، وَإِنْ كَانَ بِلَا بَيِّنَةٍ فَلَا. ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا. [صِفَةُ الْمَحْضَرِ] فَصْلٌ (وَصِفَةُ الْمَحْضَرِ) هُوَ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالضَّادِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الصَّكِّ، سُمِّيَ مَحْضَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ حُضُورِ الْخَصْمَيْنِ وَالشُّهُودِ. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تُذْكَرُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ فِعْلٍ تَبَرُّكًا بِهَا، (حَضَرَ الْقَاضِي فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ عَلَى كَذَا) إِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا. (وَإِنْ كَانَ نَائِبًا كَتَبَ: خَلِيفَةُ الْقَاضِي فُلَانٍ قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، بِمَوْضِعِ كَذَا) إِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ بِاعْتِرَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَكْتُبَ: فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ ; لِأَنَّ الِاعْتِرَافَ يَصِحُّ مِنْهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ. وَإِنْ كَتَبَ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ، كَانَ آكَدَ. ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ. وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ احْتَاجَ أَنْ يَذْكُرَ مَجْلِسَ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ إِلَّا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ. وَلَيْسَ فِي الْمَحْضَرِ ثُبُوتُ الْحَقِّ، سَوَاءٌ ثَبَتَ بِالِاعْتِرَافِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْحُ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَ الْحَاكِمِ. (مُدَّعٍ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ) يَرْفَعُ فِي نَسَبِهِمَا حَتَّى يَتَمَيَّزَا، وَيَذْكُرُ حِلْيَتَهُمَا ; لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا، فَرُبَّمَا اسْتَعَارَ النَّسَبَ. هَذَا إِذَا جَهِلَهُمَا الْحَاكِمُ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُمَا بِأَسْمَائِهِمَا وَنَسَبِهِمَا، قَالَ: فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ. وَإِنْ أَخَلَّ بِذِكْرِ حِلْيَتِهِمَا جَازَ ; لِأَنَّ ذِكْرَ نَسَبِهِمَا إِذَا رُفِعَ فِيهِ أَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْحِلْيَةِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: ذِكْرُ حِلْيَتِهِمَا أَوْلَى. (فَادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا، فَأَقَرَّ لَهُ أَوْ فَأَنْكَرَ، فَقَالَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَحْضَرَهَا، وَسَأَلَهُ سماعها، فَفَعَلَ أَوْ فَأَنْكَرَ، وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَسَأَلَ إِحْلَافَهُ، فَأَحْلَفَهُ. وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ ذَكَرَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، وَإِنْ رَدَّ الْيَمِينَ

стр. 3375

حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، وَإِنْ رَدَّ الْيَمِينَ فَحَلَّفَهُ حَكَى ذَلِكَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَيُعْلِمُ فِي الْإِقْرَارِ وَالْإِحْلَافِ جَرَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. وَفِي الْبَيِّنَةِ شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ. وَأَمَّا السِّجِلُّ فَهُوَ لِإِنْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمُ بِهِ. وَصِفَتُهُ: أَنْ يَكْتُبَ: هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، وَيَذْكُرَ مَا تَقَدَّمَ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ أَشْهَدَهُمْ، أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَقَدْ عَرَّفَهُمَا بِمَا رَأَى مَعَهُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ، وَيَذْكُرُهُمَا إِنْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ، وَإِلَّا قَالَ: مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، جَازَ حُضُورُهُمَا وَسَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، مَعْرِفَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ وَيَذْكُرُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ وَإِقْرَارُهُ طوعا فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمْرٍ بِجَمِيعِ مَا سُمِّيَ وَوُصِفَ فِي كِتَابٍ نُسْخَتُهُ. وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَحَلَّفَهُ حَكَى ذَلِكَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَيُعْلِمُ) عَلَى رَأْسِ الْمَحْضَرِ. (فِي الْإِقْرَارِ) وَالْإِنْكَارِ. (وَالْإِحْلَافِ جَرَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ جَرَى، فَالْعَلَامَةُ فِيهِ بِمَا ذُكِرَ تَحْقِيقٌ لِلْقَضِيَّةِ، وَإِخْبَارٌ عَنْهَا. وَيَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ فِي رَأْسِ الْمَحْضَرِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَفِي الْبَيِّنَةِ شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ) لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ، وَيَكُونُ فِي آخِرِ الْمَحْضَرِ. وَفِي الشَّرْحِ: يَكْتُبُ عَلَامَتَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي رَأْسِ الْمَحْضَرِ، وَإِنِ اقْتَصَرَ جَازَ. وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ. (وَأَمَّا السِّجِلُّ) : هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ وَالْجِيمِ، الْكِتَابُ الْكَبِيرُ. (فَهُوَ لِإِنْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمِ بِهِ) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَاهُ. (وَصِفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ: هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، وَيَذْكُرُ مَا تَقَدَّمَ) فِي أَوَّلِ الْمَحْضَرِ. (مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا رَأَى مَعَهُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ، وَيَذْكُرُهُمَا إِنْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ، وَإِلَّا قَالَ: مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، جَازَ حُضُورُهُمَا وَسَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، مَعْرِفَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ) مَعْرِفَةُ: مَرْفُوعًا، فَاعِلُ ثَبَتَ عِنْدَهُ. (وَيَذْكُرُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَصْلٌ. (وَإِقْرَارُهُ) بِالرَّفْعِ، مَعْطُوفٌ عَلَى (مَعْرِفَةُ) ، وَالتَّقْدِيرُ: ثَبَتَ عِنْدَهُ مَعْرِفَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، وَإِقْرَارُهُ. وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى (الْمَشْهُودَ) ، أَيْ: وَيَذْكُرُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ وَإِقْرَارَهُ طَوْعًا (فِي صِحَّةٍ مِنْهُ وَسَلَامَةٍ وَجَوَازِ أَمْرٍ) حَتَّى يَخْرُجَ الْمُكْرَهُ، وَنَحْوُهُ (بِجَمِيعِ مَا سُمِّيَ وَوُصِفَ فِي

стр. 3376

الْمُثْبَتَ وِالْمَحْضَرَ جَمِيعَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ: وَإِنَّ الْقَاضِيَ أَمْضَاهُ وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي مِثْلِهِ بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ، وَإِلا شَهِدَ بِهِ الْخَصْمُ الْمُدَّعِي، وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْخَصْمُ الْحَاضِرُ مَعَهُ بِحُجَّةٍ، وَجَعَلَ كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ، وَأَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ عَلَى إِنْفَاذِهِ وَحُكْمِهِ وَإِمْضَائِهِ، مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ فِي الْيَوْمِ الْمُؤَرَّخِ فِي أَعْلَاهُ، وَأَمَرَ بِكَتْبِ هَذَا السِّجِلِّ نُسْخَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ، ويجلد نُسْخَة مِنْهُمَا بِدِيوَانِ الْحُكْمِ، وَتُدْفَعُ الْأُخْرَى إِلَى مَنْ كَتَبَهَا لَهُ. وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ وَوَثِيقَةٌ فِيمَا أَنْفَذَهُ منهما لتضمنها، وَهَذَا يُذْكَرُ ليخرج مِنَ الْخِلَافِ. وَلَوْ قَالَ: إِنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مَا فِي كِتَابٍ نُسْخَتُهُ كَذَا. وَلَمْ يَذْكُرْ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، سَاغَ ذَلِكَ لِجَوَازِ الحكم عَلَى الْغَائِبِ. وَمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِنَ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ عَلَى قِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا، يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَيُكْتَبُ عَلَيْهَا: مَحَاضِرُ وَقْتِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا. ــ [المبدع في شرح المقنع] كِتَابٍ نسخته وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ الْمُثْبَتَ والْمَحْضَرَ جَمِيعَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ: وَإِنَّ الْقَاضِيَ أَمْضَاهُ وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي مِثْلِهِ بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا شَهِدَ بِهِ الْخَصْمُ الْمُدَّعِي، وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْخَصْمُ الْحَاضِرُ مَعَهُ بِحُجَّةٍ، وَجَعَلَ كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ، وَأَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ عَلَى إِنْفَاذِهِ وَحُكْمِهِ وَإِمْضَائِهِ، مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ فِي الْيَوْمِ الْمُؤَرَّخِ فِي أَعْلَاهُ، وَأَمَرَ بِكَتْبِ هَذَا السِّجِلِّ نُسْخَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ) لِأَنَّهُمَا اللتان، تَقُومُ إِحْدَاهُمَا مَقَامَ الْأُخْرَى. (وَيُجَلِّدُ نُسْخَةً مِنْهُمَا بِدِيوَانِ الْحُكْمِ، وَتُدْفَعُ الْأُخْرَى إِلَى مَنْ كَتَبَهَا لَهُ. وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ وَوَثِيقَةٌ فِيمَا أَنْفَذَهُ مِنْهُمَا) لِتَضَمُّنِهِمَا ذَلِكَ. (وَهَذَا يُذْكَرُ لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلَافِ) فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ. (وَلَوْ قَالَ: إِنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مَا فِي كِتَابِ نُسْخَتُهُ كَذَا. وَلَمْ يَذْكُرْ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، سَاغَ ذَلِكَ لِجَوَازِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ) عِنْدَنَا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الثُّبُوتُ الْمُجَرَّدُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى حُضُورِهِمَا، بَلْ إِلَى دَعْوَاهُمَا. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ هَلْ تَفْتَقِرُ إِلَى حضور الْخَصْمَيْنِ؟ فَأَمَّا التَّزْكِيَةُ فَلَا. (وَمَا يجتمع عِنْدَهُ مِنَ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ) زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْ سَنَةٍ. (عَلَى قِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا، يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) لِأَنَّ إِفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ يَشُقُّ. (وَيُكْتَبُ عَلَيْهَا: مَحَاضِرُ وَقْتِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا) لِتَتَمَيَّزَ وَلِيُمْكِنَ إِخْرَاجُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا. قَالَ فِي الْكَافِي: فَإِنْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَإِلَّا وَكَّلَ أَمِينَهُ. وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ

стр. 3377

بَابُ الْقِسْمَةِ وَقِسْمَةُ الْأَمْلَاكِ جَائِزَةٌ وَهي نَوْعَانِ: قِسْمَةُ تَرَاضٍ: وَهِيَ مَا فِيهَا ضَرَرٌ أَوْ رَدُّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، كَالدُّورِ الصِّغَارِ وَالْحَمَّامِ وَالْعَضَائِدِ الْمُتَلَاصِقَةِ اللَّاتِي لَا يُمْكِنُ ــ [المبدع في شرح المقنع] يَكْتُبُ مَعَ ذَلِكَ أَسْمَاءَ أَصْحَابِهَا وَيَخْتِمُ عَلَيْهَا. فَإِنْ أَحْضَرَ خَصْمَهُ وَادَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ أَلْزَمَهُ بِالْحَقِّ بِسُؤَالِ خَصْمِهِ. وَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِذَلِكَ، فَلَا فِي الْأَشْهَرِ. وَإِنْ نَسِيَ الْوَاقِعَةَ، فَشَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّهُ حَكَمَ بِهَا، أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ، لَزِمَهُ ثُبُوتُهَا وَالْحُكْمُ بِهَا بِسُؤَالِ الْمُدَّعِي فِي الْأَظْهَرِ. [بَابُ الْقِسْمَةِ] [تَعْرِيفُ الْقِسْمَةِ وَحُكْمُهَا] بَابُ الْقِسْمَةِ الْقِسْمَةُ: بِكَسْرِ الْقَافِ، وَالْقِسْمِ بِكَسْرِهَا أَيْضًا، وَهُوَ النَّصِيبُ الْمَقْسُومُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْقِسْمُ: مَصْدَرُ قَسَمْتُ الشَّيْءَ فَانْقَسَمَ. وَقَاسَمَهُ الْمَالَ، وَتَقَاسَمَاهُ، وَاقْتَسَمَاهُ، وَالِاسْمُ: الْقِسْمَةُ. وَهِيَ تَمْيِيزُ بَعْضِ الْأَنْصِبَاءِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِفْرَازُهَا عَنْهَا. وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهَا. وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] ، ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] الآية. وَقَوْلُهُ ﵇: الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ، وَكَانَ يُقَسِّمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ ; لِيَتَمَكَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ مِنَ التَّصَرُّفِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ، وَيَتَخَلَّصُ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَكَثْرَةِ الْأَيْدِي. (وَقِسْمَةُ الْأَمْلَاكِ جَائِزَةٌ) لِلدَّلِيلِ السَّابِقِ. [أَنْوَاعُ الْقِسْمَةِ] [قِسْمَةُ تَرَاضٍ] (وهي نَوْعَانِ: قِسْمَةُ تَرَاضٍ: وَهِيَ مَا فِيهَا ضَرَرٌ أَوْ رَدُّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، كَالدُّورِ الصِّغَارِ وَالْحَمَّامِ وَالْعَضَائِدِ) وَاحِدَتُهَا: عِضَادَةٌ، وَهِيَ مَا يُصْنَعُ لِجَرَيَانِ الْمَاءِ فِيهِ مِنَ السَّوَاقِي وَذَوَاتِ الْكَتِفَيْنِ، وَمِنْهُ عِضَادَتَا الْبَابِ: وَهُمَا جَنَبَتَاهُ مِنْ جَانِبَيْهِ. (الْمُتَلَاصِقَةِ اللَّاتِي لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ عَيْنٍ

стр. 3378

قِسْمَةُ كُلِّ عَيْنٍ مُفْرَدَةٍ، وَالْأَرْضِ الَّتِي فِي بَعْضِهَا بِئْرٌ أَوْ بِنَاءٌ، وَنَحْوُهُ. مِمَّا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ بِالْأَجْزَاءِ وَالتَّعْدِيلِ إِذَا رَضُوا بِقِسْمَتِهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ جَازَ. وَهَذِهِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْبَيْعِ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُمْتَنِعُ، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ. وَالضَّرَرُ الْمَانِعُ مِنَ ــ [المبدع في شرح المقنع] مُنْفَرِدَةً، وَالْأَرْضِ الَّتِي فِي بَعْضِهَا بِئْرٌ أَوْ بِنَاءٌ، وَنَحْوُهُ. لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ بِالْأَجْزَاءِ) لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ قِسْمَتُهُ بِالْأَجْزَاءِ مِثْلَ: أَنْ تَكُونَ الْبِئْرُ وَاسِعَةً، يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ نِصْفَهَا لِوَاحِدٍ وَنِصْفَهَا لِلْآخَرِ، وَيَجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزًا فِي أَعْلَاهَا. أَوِ الْبِنَاءُ كَبِيرًا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ. (وَالتَّعْدِيلِ) مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْأَرْضِ بِئْرٌ يُسَاوِي مِائَةً، وَفِي الْآخَرِ مِنْهَا بِنَاءٌ يُسَاوِي مِائَةً، تَكُونُ الْقِسْمَةُ قِسْمَةَ إِجْبَارٍ لَا قِسْمَةَ تَرَاضٍ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ الْبِئْرُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مَعَ نِصْفِ الْأَرْضِ، وَالْبِنَاءُ لِلْآخَرِ مَعَ نِصْفِ الْأَرْضِ. (إِذَا رَضُوا بِقِسْمَتِهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ جَازَ) فَأَجَازَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَإِنْ طَلَبَا مِنَ الْحَاكِمِ أَنْ يُقَسِّمَهُ بَيْنَهُمَا أَجَابَهُمَا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِلْكُهُمَا ; لِأَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ وَلَا مُنَازِعَ لَهُمْ، فَثَبَتَ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ. وَلِهَذَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ مِنَ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ كَالِاتِّهَابِ. (وَهَذِهِ) الْقِسْمَةُ. (جَارِيَةٌ مَجْرَى الْبَيْعِ) لِمَا فِيهَا مِنَ الرَّدِّ، وَبِهَذَا تَصِيرُ بَيْعًا ; لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ بَذَلَ الْمَالَ عِوَضًا عَمَّا حَصَلَ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ، وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ. (لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُمْتَنِعُ، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. وَلَهُمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ.» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَلِأَنَّهُ إِتْلَافٌ وَسَفَهٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْحَجْرَ، أَشْبَهَ هَدْمَ الْبِنَاءِ، وَلِأَنَّ فِيهَا إِمَّا ضَرَرٌ وَإِمَّا رَدُّ عِوَضٍ، وَكِلَاهُمَا لَا يُجْبَرُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ. لَكِنْ إِذَا دَعَا شَرِيكَهُ إِلَى بَيْعٍ فِي قِسْمَةِ تَرَاضٍ أُجْبِرَ، فَإِنْ أَبَى بِيعَ عَلَيْهِمَا، وَقُسِّمَ الثَّمَنُ. نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ وَحَنْبَلٌ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَالْفُصُولِ وَالْإِفْصَاحِ وَالتَّرْغِيبِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا الْإِجَارَةُ.

стр. 3379

الْقِسْمَةِ: وهُوَ نَقْصُ الْقِيمَةِ بِالْقِسْمِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ أَوْ لَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. فَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، كَرَجُلَيْنِ: لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ وَيَتَضَرَّرُ الْآخَرُ، فَطَلَبَ مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ الْقَسْمَ لَمْ يُجْبُرْ الْآخَرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَبَهُ الْآخَرُ أُجْبِرَ الْأَوَّلُ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ طَلَبَهُ الْأَوَّلُ أُجْبِرَ ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ فِي وَقْفٍ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ فِي الْإِجَارَةِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَدِدْتُ لَوْ مُحِيَ مِنَ الْمَذْهَبِ. قَالَ: وَقَدْ عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى مَمَالِيكِهِ، بَاعَهُمُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. فَإِذَا صِرْنَا إِلَى ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ شَرِيكٍ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَمِلْكٌ، فَلِمَ لَا يَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ شَرِيكٍ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا مِلْكَ! (وَالضَّرَرُ الْمَانِعُ مِنَ الْقِسْمَةِ) أَيْ: قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ. (هُوَ نَقْصُ الْقِيمَةِ بِالْقَسْمِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ نَقْصَ قِيمَتِهِ ضَرَرٌ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا. وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ، انْتَفَعُوا بِهِ مَقْسُومًا أو لا. (أَوْ لَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ) وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَذَكَرَ فِي الْكَافِي: أَنَّهُ الْقِيَاسُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا دَارٌ صَغِيرَةٌ، إِذَا قُسِّمَتْ أَصَابَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْضِعًا ضَيِّقًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِي شَيْءٍ غَيْرِ الدَّارِ، أَوْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ دَارًا، فَلَا إِجْبَارَ ; لِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَجْرِي مَجْرَى الْإِتْلَافِ، بِخِلَافِ نُقْصَانِ الْقِيمَةِ. فَإِنَّ اعْتِبَارَهُ يُؤَدِّي إِلَى بُطْلَانِ الْقِسْمَةِ غَالِبًا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ. وَلِأَنَّ ضَرَرَ نَقْصِ الْقِيمَةِ يَنْجَبِرُ بِزَوَالِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، فَيَصِيرُ كَالْمَعْدُومِ. (فَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، كَرَجُلَيْنِ؛ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ وَيَتَضَرَّرُ الْآخَرُ، فَطَلَبَ مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ الْقَسْمَ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ عَلَيْهِ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ فِيهِ إِضَاعَةَ مَالٍ، وَلِأَنَّهَا قِسْمَةٌ يَضُرُّ بِهَا صَاحِبَهُ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا، كَمَا لَوِ اسْتُضِرَّا مَعًا، فِي الْأَصَحِّ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. (فَإِنْ طَلَبَهُ الْآخَرُ أُجْبِرَ الْأَوَّلُ) لِأَنَّ شَرِيكَهُ مَالِكٌ، طَلَبَ إِفْرَازَ نَصِيبِهِ الَّذِي لَا يُسْتَضَرُّ بِتَمْيِيزِهِ، فَوَجَبَ إِجَابَتُهُ إِلَى ذَلِكَ. (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ طَلَبَهُ الْأَوَّلُ أُجْبِرَ الْآخَرُ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْمَضْرُورُ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ) ،

стр. 3380

الْآخَرُ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْمَضْرُورُ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبِيدٌ أَوْ بَهَائِمُ أَوْ ثِيَابٌ وَنَحْوُهَا، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ، لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ــ [المبدع في شرح المقنع] هذا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ كَمَا لَوْ كَانَا لَا يُسْتَضَرَّانِ، وَلِأَنَّهُ يُطَالِبُ بِحَقٍّ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ. وَالثَّالِثَةُ: أَيُّهُمَا طَلَبَ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْمُسْتَضِرُّ أُجْبِرَ الْآخَرُ. قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ ضَرَرَ الطَّالِبِ رَضِيَ بِهِ مَنْ يَسْقُطُ حُكْمُهُ، وَالْآخَرُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فَصَارَ كَمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ. وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا: أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَنِ الْقِسْمَةِ ; لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَإِنَّ طَلَبَ الْقِسْمَةِ مِنَ الْمُسْتَضِرِّ سَفَهٌ. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُلْنَا: الْمَانِعُ مِنَ الْإِجْبَارِ نَقْصُ الْقِيمَةِ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مُطْلَقًا، وَإِلَّا فَلَا. فَرْعٌ: مَا تَلَاصَقَ مِنْ دُورٍ وَعَضَائِدَ وَنَحْوِهَا، اعْتُبِرَ الضَّرَرُ وَعَدَمُهُ فِي كُلِّ عَيْنٍ وَحْدَهَا. نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ حَقَّهُ إِذَا كَانَ خَيْرًا لَهُ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبِيدٌ أَوْ بَهَائِمُ أَوْ ثِيَابٌ وَنَحْوُهَا) مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ. وَفِي الْمُغْنِي: مِنْ نَوْعٍ. (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ عَلَيْهِ) أَيْ: إِذَا كَانَتْ مُتَفَاضِلَةً، لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ. وَكَمَا لَوِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ضَرَرٌ وَلَا رَدُّ عِوَضٍ، فَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: أَنَّهُ لَا رِوَايَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْبَرُ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ إِذَا تَسَاوَتِ الْقِيمَةُ. وَفِي الرِّعَايَةِ: هُوَ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ. وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُجَابُ إِذَا تَفَاوَتَتِ الْقِيمَةُ. وَقَوَّى أَبُو الْخَطَّابِ عَدَمَ الْإِجْبَارِ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَةِ الدُّورِ، بِأَنْ يَأْخُذَ هَذَا دَارًا كَالْأَجْنَاسِ. يُؤَيِّدُهُ أَنَّ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ لَيْسَ بِأَكْثَرَ اخْتِلَافًا مِنْ قِيمَةِ الدَّارِ الْكَبِيرَةِ ; لِأَنَّهَا ذَاتُ بُيُوتٍ

стр. 3381

الْقَاضِي: يُجْبَرُ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ، لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَةٍ. وَإِنِ اسْتَهْدَمَ لَمْ يُجْبِرْ عَلَى قَسْمِ عَرْصَتِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ طَلَبَ قَسْمَهُ طُولًا، بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ الطُّولِ فِي كَمَالِ الْعَرْضِ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ. وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهُ عَرْضًا، وَكَانَتْ تَسَعُ حَائِطَيْنِ أُجْبِرَ الممتنع، وَإِلَّا فَلَا. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ لَهَا عُلُوٌّ وَسُفْلٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا، ــ [المبدع في شرح المقنع] وَاسِعَةٍ وَضَيِّقَةٍ وَقَدِيمَةٍ وَحَدِيثَةٍ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ لَا يَمْنَعُ الْإِجْبَارَ، كَذَلِكَ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ. وَفَارَقَ الدُّورَ فَإِنَّهُ أَمْكَنَ قِسْمَةُ كُلِّ دَارٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهَا، وَهُنَا لَا يُمْكِنُ. وَفِي الشَّرْحِ: فَإِنْ كَانَتِ الثِّيَابُ أَنْوَاعًا كَحَرِيرٍ وَقُطْنٍ فَهِيَ كَالْأَجْنَاسِ. فَرْعٌ: الْآجُرُّ وَاللَّبِنُ الْمُتَسَاوِي الْقَالَبِ: مِنْ قِسْمَةِ الْأَجْزَاءِ. وَالْمُتَفَاوِتُ: مِنْ قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ، لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَةٍ) صَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ به فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا. (وَإِنِ اسْتَهْدَمَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَسْمِ عَرْصَتِهِ) وَهِيَ الَّتِي لَا بِنَاءَ فِيهَا ; لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِلْحَائِطِ أَشْبَهَ الْأَوَّلَ. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ طَلَبَ قَسْمَهُ طُولًا، بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ الطُّولِ فِي كَمَالِ الْعَرْضِ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ. وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَبْقَى مِلْكُهُ الَّذِي يَلِي نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ حَائِطٍ. (وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهُ عَرْضًا، وَكَانَتْ تَسَعُ حَائِطَيْنِ أُجْبِرَ) الْمُمْتَنِعُ. قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَحَكَاهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ عَنِ الْقَاضِي فَقَطْ ; لِأَنَّهُ مِلْكٌ مُشْتَرَكٌ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَقْسُومًا. وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ ; لِأَنَّهُ لَا تَدْخُلُهُ الْقُرْعَةُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَحْصُلَ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَلِي مِلْكَ الْآخَرِ. وَفِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ: وَمَعَ الْقِسْمَةِ، فَقِيلَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا يَلِيهِ. وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا. (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا كَانَ لَا يَسَعُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ ; لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا إِجْبَارَ فِي الْحَائِطِ بِخِلَافِ الْعَرْصَةِ. وَقِيلَ: لَا إِجْبَارَ فِيهِمَا، إِلَّا فِي قِسْمَةِ الْعَرْصَةِ طُولًا فِي كَمَالِ عَرْضِهَا. وَإِنْ رَضِيَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ جَازَ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ لَهَا عُلُوٌّ وَسُفْلٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا، لِأَحَدِهِمَا الْعُلُوُّ وَلِلْآخَرِ السُّفْلُ) أَوْ قَسْمَ الْعُلُوِّ وَحْدَهُ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَا إِجْبَارَ كَدَارَيْنِ مُتَلَاصِقَتَيْنِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَسْكَنٌ مُنْفَرِدٌ. وَلِأَنَّ فِي إِحْدَى الصُّوَرِ قَدْ يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُلُوُّ سُفْلِ

стр. 3382

لِأَحَدِهِمَا الْعُلُوُّ وَلِلْآخَرِ السُّفْلُ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَنَافِعُ، لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا، وَإِنْ تَرَاضِيَا عَلَى قَسْمِهَا كَذَلِكَ وَعَلَى قَسْمِ الْمَنَافِعِ بِالْمُهَايَأَةِ جَازَ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ ذَاتُ زَرْعٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا دُونَ الزَّرْعِ قُسِّمَتْ، ــ [المبدع في شرح المقنع] الْآخَرِ، فَيُسْتَضَرُّ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَفِي أَحَدِهِمَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ، وَالْقِسْمَةُ تُرَادُ لَهُ. وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا مَعًا وَلَا ضَرَرَ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ وَعُدِلَ بِالْقِيمَةِ. وَلَا يُحْسَبُ فِيهَا ذِرَاعُ سُفْلٍ بِذِرَاعَيْ عُلُوٍّ، وَلَا ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ. (أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَنَافِعُ لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا) جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ ; لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَنَافِعِ إِنَّمَا تَكُونُ بِقِسْمَةِ الزَّمَانِ، وَالزَّمَانُ إِنَّمَا يُقْسَمُ بِأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَهَذَا لَا تَسْوِيَةَ فِيهِ، فَإِنَّ الْآخَرَ يَتَأَخَّرُ حَقُّهُ فَلَا يُجْبَرُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ مُشَاعٌ وَالْمَنَافِعَ تَابِعَةٌ لَهُ. وَعَنْهُ: يُجْبَرُ. وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحَرَّرِ فِي الْقِسْمَةِ بِالْمَكَانِ. وَلَا ضَرَرَ. (وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى قَسْمِهَا كَذَلِكَ) أَيْ: بِزَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ صَحَّ، وَيَقَعُ جَائِزًا. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَاخْتَارَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ: يَقَعُ لَازِمًا إِنْ تَعَاهَدَا مُدَّةً مَعْلُومَةً. وَقِيلَ: لَازِمًا بِالْمَكَانِ مُطْلَقًا. (وَعَلَى قَسْمِ الْمَنَافِعِ بِالْمُهَايَأَةِ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فَإِذَا رَضِيَا بِهِ جَازَ. فَإِنِ انْتَقَلَتْ كَانْتِقَالِ الْوَقْفِ، فَهَلْ تَنْتَقِلُ مَقْسُومَةً أَوْ لَا؛ فِيهِ نَظَرٌ. فَإِنْ كَانَتْ إِلَى مُدَّةٍ لَزِمَتِ الْوَرَثَةَ وَالْمُشْتَرِيَ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَ: وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَجُوزُ قِسْمَتُهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى جِهَتَيْنِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تُقْسَمُ عَيْنُهُ قِسْمَةً لَازِمَةً اتِّفَاقًا ; لِتَعَلُّقِ حَقِّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الْبُطُونِ، لَكِنْ تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ، وَهِيَ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ، وَهَذَا وَجْهٌ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ لَا فَرْقَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ. وَفِي الْمُبْهِجِ: لُزُومُهَا إِذَا اقْتَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ تَهَايَوْا. تَتِمَّةٌ: نَفَقَةُ الْحَيَوَانِ فِي مُدَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَصَ الْحَادِثُ عَنِ الْعَادَةِ فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ ذَاتُ زَرْعٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا دُونَ الزَّرْعِ قُسِّمَتْ) جَزَمَ بِهِ

стр. 3383

وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهَا مَعَ الزَّرْعِ أَوْ قَسْمَ الزَّرْعِ مُفْرَدًا، لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ وَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَيْهِ، وَالزَّرْعُ فَصِيلٌ أَوْ قُطْنٌ، جَازَ، وَإِنْ كَانَ بَذْرًا وسَنَابِلَ قَدِ اشْتَدَّ حَبُّهَا، فَهَلْ يَجُوزُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ فِي السَّنَابِلِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْبَذْرِ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا ــ [المبدع في شرح المقنع] الْأَصْحَابُ. كَالْخَالِيَةِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الزَّرْعَ فِي الْأَرْضِ كَالْقُمَاشِ فِي الدَّارِ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الْقَسْمَ، كَذَا هُنَا. وَسَوَاءٌ خَرَجَ الزَّرْعُ أَوْ كَانَ بَذْرًا، فَإِذَا اقْتَسَمَاهَا بَقِيَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا مُشْتَرَكًا، كَمَا لَوْ بَاعَا الْأَرْضَ لِغَيْرِهِمَا. قَالَ فِي الْكَافِي: هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا. وَالْأَوْلَى: أَنَّهُ لَا يَجِبُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ بَقَاءُ الزَّرْعِ الْمُشْتَرَكِ فِي الْأَرْضِ الْمَقْسُومَةِ إِلَى الْجَدَادِ، بِخِلَافِ الْقُمَاشِ. (وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهَا مَعَ الزَّرْعِ) لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ ; لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَسْمِهِ وَحْدَهُ وَهُوَ الزَّرْعُ، وَلِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا، فَلَمْ تَجِبْ قِسْمَتُهُ كَالْقُمَاشِ فِيهَا. وَفِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي: أَنَّهُ يُجْبَرُ فِي فَصِيلٍ وَحَبٍّ مُشْتَدٍّ ; لِأَنَّ الزَّرْعَ كَالشَّجَرِ فِي الْأَرْضِ، وَالْقِسْمَةُ إِفْرَازُ حَقٍّ. وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ، لَمْ يُجْبَرْ إِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ بَيْعَ السُّنْبُلِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ. وَقِيلَ: بَلَى، لِأَنَّهُ دَخَلَ تَبَعًا. وَفِي الْبَذْرِ وَجْهَانِ. (أَوْ قَسْمَ الزَّرْعِ مُفْرَدًا، لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَعْدِيلِ الْمَقْسُومِ، وَتَعْدِيلُ الزَّرْعِ بِالسِّهَامِ لَا يُمْكِنُ لِبَقَائِهِ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ. (وَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَيْهِ وَالزَّرْعُ فَصِيلٌ أَوْ قُطْنٌ، جَازَ) كَبَيْعِهِ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، وَلِجَوَازِ التَّفَاضُلِ إِذَنْ. (وَإِنْ كَانَ بَذْرًا وَسَنَابِلَ قَدِ اشْتَدَّ حَبُّهَا، فَهَلْ يَجُوزُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) . أَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْبَذْرَ مَجْهُولٌ. وَأَمَّا السُّنْبُلُ فَلِأَنَّهُ بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالتَّسَاوِي. وَالثَّانِي: بَلَى، إِذَا اقْتَسَمَاهُ مَعَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا. وَبَنَاهُ فِي التَّرْغِيبِ عَلَى أَنَّهَا هَلْ هِيَ إِفْرَازٌ أَوْ بَيْعٌ؟ (وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ فِي السَّنَابِلِ) مَعَ الْأَرْضِ. (وَلَا يَجُوزُ فِي الْبَذْرِ) لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي السُّنْبُلِ أَقَلُّ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ

стр. 3384

نَهْرٌ أَوْ قَنَاةٌ أَوْ عَيْنٌ يَنْبُعُ مَاؤُهَا، فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ. وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى قسمه بِالْمُهَايَأَةِ جَازَ. وَإِنْ أَرَادَا قَسْمَ ذَلِكَ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ، أَوْ حَجَرٍ مُسْتَوٍ فِي مَصْدِمِ الْمَاءِ فِيهِ ثُقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، جَازَ. فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِنَصِيبِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شِرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ جَازَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزُ. وَيَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا أَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ، وَيَنْتَفِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ. فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي: قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ: وَهِيَ مَا لَا ضَرَرَ فِيهَا، وَلَا رَدَّ عِوَضٍ، كَالْأَرْضِ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَوْ قَنَاةٌ أَوْ عَيْنٌ يَنْبُعُ مَاؤُهَا، فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . وَالنَّفَقَةُ لِحَاجَةٍ بِقَدْرِ سَقْيِهِمَا فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَى، شَارَكَ فِي الْغَرَامَةِ مَا فَوْقَهُ دُونَ مَا تَحْتَهُ. فَإِنِ احْتَاجَ النَّهْرُ بَعْدَ الْأَسْفَلِ إِصْلَاحًا، كَتَصَرُّفِ الْمَاءِ فَعَلَيْهِمَا (إِنِ اتَّفَقَا عَلَى قسمه بِالْمُهَايَأَةِ) كَيَوْمٍ لِهَذَا، وَيَوْمٍ لِلْآخَرِ. (جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَكَالْأَعْيَانِ. (وَإِنْ أَرَادَا قَسْمَ ذَلِكَ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ، أَوْ حَجَرٍ مُسْتَوٍ فِي مَصْدِمِ الْمَاءِ فِيهِ ثُقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، جَازَ) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، فَجَازَ كَقَسْمِ الْأَرْضِ بِالتَّعْدِيلِ، وَيُسَمَّى الْمَرَازَ. (فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِنَصِيبِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شِرْبٍ) الشِّرْبُ: بِكَسْرِ الشِّينِ، وَهُوَ النَّصِيبُ مِنَ الْمَاءِ. (مِنْ هَذَا النَّهْرِ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ. وَهُوَ يَتَصَرَّفُ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ. وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ) هَذَا وَجْهٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا طَالَ الزَّمَانُ يُظَنُّ أَنَّ لِهَذِهِ الْأَرْضِ حَقًّا فِي السَّقْيِ مِنَ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَيَأْخُذُ لِذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ. فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يُجْرِيَ بَعْضَهُ فِي سَاقِيَةٍ إِلَى أَرْضِهِ قَبْلَ قِسْمَتِهِ، لَمْ يَجُزْ، صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ. (وَيَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا أَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ، وَيَنْتَفِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَالْمُبَاحُ يَنْتَفِعُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ. [قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ] فَصْلٌ (النَّوْعُ الثَّانِي: قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ) لِأَنَّهُ يَلِي الْأَوَّلَ، وَهُوَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي. (وَهِيَ مَا لَا

стр. 3385

الْوَاسِعَةِ وَالْقُرَى وَالْبَسَاتِينِ، وَالدُّورِ الْكِبَارِ وَالدَّكَاكِينِ الْوَاسِعَةِ، وَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ كَالدِّبْسِ وَخَلِّ التَّمْرِ، أَوْ لَمْ تَمَسَّهُ كَخَلِّ الْعِنَبِ وَالْأَدْهَانِ وَالْأَلْبَانِ. فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا القسم وَأَبَى الْآخَرُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] ضَرَرَ فِيهَا، وَلَا رَدَّ عِوَضٍ، كَالْأَرْضِ الْوَاسِعَةِ وَالْقُرَى وَالْبَسَاتِينِ، وَالدُّورُ الْكِبَارُ وَالدَّكَاكِينُ الْوَاسِعَةُ) وَالْمُرَادُ بِهِ أَحَدُهَا ـ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْأَجْزَاءِ أَوْ لَا ـ إِذَا أَمْكَنَ قَسْمُهَا بِالتَّعْدِيلِ، بِأَنْ لَا يُجْعَلَ شَيْءٌ مَعَهَا، فَلَهُمَا قَسْمُ أَرْضِ بُسْتَانٍ وَحْدَهَا وَغَلَّتِهِ وَالْجَمِيعِ، فَإِنْ قَسَّمَا الْجَمِيعَ أَوِ الْأَرْضَ فَقِسْمَةُ إِجْبَارٍ، وَيَدْخُلُ الشَّجَرُ تَبَعًا. وَإِنْ قَسَّمَا الشَّجَرَ فَقَطْ فَتَرَاضٍ، وَلِأَنَّ جَوَازَ قَسْمِ الْأَرْضِ مَعَ اخْتِلَافِهَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَسْمِ مَا لَا يَخْتَلِفُ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْقِسْمَةُ بَيْعٌ أَوْ إِفْرَازٌ (وَالْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّ الْغَرَضَ تَمْيِيزُ الْحَقِّ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ فِيهَا أَنْوَاعٌ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَّتِهِ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ، وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ، لَمْ يُجْبَرْ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ، وَلَيْسَ بِقِسْمَةٍ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ كَغَيْرِ الشَّرِيكِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ جَازَ، وَكَانَ بَيْعًا يُعْتَبَرُ لَهُ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقَابُضُ وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ (سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ كَالدِّبْسِ وَخَلِّ التَّمْرِ، أَوْ لَمْ تَمَسَّهُ كَخَلِّ الْعِنَبِ وَالْأَدْهَانِ وَالْأَلْبَانِ) وَنَحْوِهَا، لِمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْغَرَضَ تَمْيِيزُ الْحَقِّ (فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا) الْقَسْمَ (وَأَبَى الْآخَرُ أُجْبِرَ) الْمُمْتَنِعُ هُوَ أَوْ وَلِيُّهُ، وَكَذَا حَاكَمَ فِي الْأَشْهَرِ (عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِزَالَةَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالشَّرِكَةِ، وَحُصُولَ النَّفْعِ لِلشَّرِيكَيْنِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا تَمَيَّزَ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ إِحْدَاثِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ مَعَ الِاشْتِرَاكِ وَيُشْتَرَطُ لَهُ ـ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ـ أَنْ يُثْبِتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مَلَكَهُمَا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ فِي الْإِجْبَارِ عَلَيْهِمَا حُكْمًا عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ لِخَصْمِهِ، بِخِلَافِ حَالَةِ الرِّضَى؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ آخَرُونَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَبَيْعٍ مَرْهُونٍ وَجَانٍ. وَنَقَلَ حَرْبٌ: فَيَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِسَهْمٍ مِنْ ضَيْعَةٍ بِيَدِ قَوْمٍ، فَهَرَبُوا مِنْهُ، يُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ وَيُدْفَعُ إِلَيْهِ حَقُّهُ.

стр. 3386

الْقِسْمَةُ إِفْرَازُ حَقِّ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا فَتَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ وَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْعَقَارِ طَلْقًا وَنِصْفُهُ وَقْفًا، جَازَتْ قِسْمَتُهُ. وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصًا، وَقِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَزْنًا، وَمَا يُوزَنُ كَيْلًا، وَالتَّفَرُّقُ فِي قِسْمَةِ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَقَسَمَ لَمْ يَحْنَثْ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَالْبَيْعِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ بَعْضُهَا يُسْقَى سَيْحًا، وَبَعْضُهَا ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مِلْكُ الْغَائِبِ، فَدَلَّ أَنَّهُ يَجُوزُ ثُبُوتُهُ، وَأَنَّهُ أَوْلَى. وَفِي الْمُحَرَّرِ: يُقَسِّمُ حَاكِمٌ عَلَى غَائِبٍ قِسْمَةَ إِجْبَارٍ، وَفِي الْمُبْهِجِ وَالْمُسْتَوْعِبِ: بَلْ مَعَ وَكِيلِهِ فِيهَا الْحَاضِرُ، وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ فِي عَقَارٍ بِيَدِ غَائِبٍ (وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ إِفْرَازُ) يُقَالُ: فَرَزْتُ الشَّيْءَ وَأَفْرَزْتُهُ إِذَا عَزَلْتَهُ، وَالْإِفْرَازُ: مَصْدَرُ أَفْرَزَ، (حَقِّ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَقَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إِلَى لَفْظِ التَّمْلِيكِ، وَلَا تَجِبُ فِيهَا شُفْعَةٌ. وَيَلْزَمُ بِإِخْرَاجِ الْقُرْعَةِ، وَيَتَقَدَّرُ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ بِمُقَدَّرٍ، وَيَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ (وَلَيْسَتْ بَيْعًا) لِأَنَّهَا تُخَالِفُهُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَسْبَابِ، فَلَمْ تَكُنْ بَيْعًا كَسَائِرِ الْعُقُودِ، (فَتَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ) أَيْ: تَصِحُّ بِلَا رَدٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا (وَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْعَقَارِ طِلْقًا) الطِّلْقُ: - بِكَسْرِ الطَّاءِ - الْحَلَالُ، وَسُمِّيَ الْمَمْلُوكُ طِلْقًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ فِيهِ حَلَالٌ، وَالْمَوْقُوفُ لَيْسَ كَذَلِكَ (وَنِصْفُهُ وَقْفًا جَازَتْ قِسْمَتُهُ) إِنْ طَلَبَهَا صَاحِبُ الطِّلْقِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ، عُوِّضَ وَفَعَلَا ذَلِكَ فِي وَقْفٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ جَازَ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ بَعْضَ الطِّلْقِ، ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، (وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصًا) ، أَيِ: الَّتِي تُخْرَصُ، (وَقِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَزْنًا وَمَا يُوزَنُ كَيْلًا) لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّمْيِيزُ، زَادَ فِيهِمَا فِي التَّرْغِيبِ عَلَى الْأَصَحِّ. فَرْعٌ: يَجُوزُ قَسْمُ لَحْمِ رَطْبٍ بِمِثْلِهِ، وَلَحْمِ هَدْيٍ وَأَضَاحٍ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، (وَالتَّفَرُّقُ فِي قِسْمَةِ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ) لِأَنَّ التَّفَرُّقَ إِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ (وَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَقَسَمَ، لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ (وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَالْبَيْعِ) لِأَنَّهُ يَبْذُلُ نَصِيبَهُ مِنْ أَحَدِ السَّهْمَيْنِ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنَ السَّهْمِ الْآخَرِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْبَيْعِ (فَلَا يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ) فَلَا تَجُوزُ قِسْمَةُ مَا كُلُّهُ وَقْفٌ أَوْ بَعْضُهُ.

стр. 3387

بَعْلًا، أَوْ فِي بَعْضِهَا نَخْلٌ، وَفِي بَعْضِهَا شَجَرٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَ كُلِّ نوع عَلَى حِدَةٍ، وَطَلَبَ الْآخَرُ قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ، قُسِّمَتْ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ إِذَا أَمْكَنَ. فَصْلٌ. وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ وَأَنْ يُنَصِّبُوا قَاسِمًا يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ، وَأَنْ يَسْأَلُوا الْحَاكِمَ نَصْبَ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَفِي الْمُحَرَّرِ عَلَيْهِمَا: إِنْ كَانَ الرَّدُّ مِنْ رَبِّ وَقْفٍ لِرَبِّ الطِّلْقِ، جَازَتْ قِسْمَتُهُ بِالتَّرَاضِي فِي الْأَصَحِّ. وَفِي التَّرْغِيبِ عَلَيْهِمَا: مَا كُلُّهُ وَقْفٌ لَا تَصِحُّ قِسْمَتُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا شُفْعَةَ مُطْلَقًا لِجَهَالَةِ ثَمَنٍ وَيُفْسَخُ بِعَيْبٍ. وَقِيلَ: يَبْطُلُ لِفَوَاتِ التَّعْدِيلِ، وَإِنْ بَانَ غَبْنٌ فَاحِشٌ لَمْ يَصِحَّ. وَعَلَى الثَّانِي: كَبَيْعٍ، وَيَصِحُّ بِقَوْلِهِ: رَضِيتُ؛ بِدُونِ لَفْظِ الْقِسْمَةِ، وَفِيهِ عَلَى الثَّانِي فِي التَّرْغِيبِ وَجْهَانِ. مُلْحَقٌ: قَالَ الْقَاضِي: فِي الْخِلَافِ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ: وَيَثْبُتُ فِي الْقِسْمَةِ الْخِيَارَانِ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ وَضْعَهُمَا لِلنَّظَرِ، وَهَذَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا. وَفِي النِّهَايَةِ: الْقِسْمَةُ إِفْرَازُ حَقٍّ عَلَى الصَّحِيحِ، فَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ احْتَمَلَ أَنْ يَدْخُلَهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ بَعْضُهَا يُسْقَى سَيْحًا، وَبَعْضُهَا بَعْلًا، وَفِي بَعْضِهَا نَخْلٌ، وَفِي بَعْضِهَا شَجَرٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ، وَطَلَبَ الْآخَرُ قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ، قُسِّمَتْ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ إِذَا أَمْكَنَ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التَّعْدِيلِ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًّا فِي الْجَمِيعِ، وَلِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْقِسْمَةِ زَوَالُ الشَّرِكَةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِيمَا ذُكِرَ. وَحِينَئِذٍ فَتَتَعَيَّنُ إِجَابَةُ طَالِبِهِ، لِأَنَّ ضَرَرَ صَاحِبِهِ يَزُولُ بِإِجَابَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ قِسْمَةُ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ قُسِّمَ الْجَمِيعُ إِنْ كَانَ قَابِلًا لَهَا، وَإِلَّا فَلَا. [يَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ] فَصْلٌ (وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ) أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنْ يُنَصِّبُوا قَاسِمًا يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ) لِأَنَّ

стр. 3388

قَاسِمٍ يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ، وَمِنْ شَرْطِ مَنْ يُنَصَّبُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَارِفًا بِالْقِسْمَةِ، فَمَتَى عُدِلَتِ السِّهَامُ وَأُخْرِجَتِ الْقُرْعَةُ لَزِمَتِ الْقِسْمَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ فِيمَا فِيهِ رَدّ عوض بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ، حَتَّى يتراضيا بِذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ فِي الْقِسْمَةِ تَقْوِيمٌ لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْحَقَّ لَهُمْ لَا يَعْدُوهُمْ (وَأَنْ يَسْأَلُوا الْحَاكِمَ نَصْبَ قَاسِمٍ يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ) لِأَنَّ طَلَبَ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُمْ، فَجَازَ أَنْ يَسْأَلُوا الْحَاكِمَ ـ كَغَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ ـ (وَمِنْ شَرْطِ مَنْ يُنَصَّبُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَارِفًا بِالْقِسْمَةِ) مَعَ إِسْلَامٍ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، وَفِي الْمُغْنِي: عَارِفًا بِالْحِسَابِ؛ لِأَنَّهُ كَالْخَطِّ لِلْكَاتِبِ. وَفِي الْكَافِي: إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ اشْتُرِطَتْ عَدَالَتُهُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِمْ لَمْ تُشْتَرَطْ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَدْلًا كَانَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ فِي لُزُومِ قِسْمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لَمْ تَلْزَمْ قِسْمَتُهُ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا ـ كَمَا لَوِ اقْتَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ ـ وَتُبَاحُ أُجْرَتُهُ، وَعَنْهُ: هِيَ كَقُرْبَةٍ. نَقَلَ صَالِحٌ: أَكْرَهُهُ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَا تَأْخُذْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ أَجْرًا، وَهِيَ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَفِي التَّرْغِيبِ: إِذَا أَطْلَقَ الشُّرَكَاءُ الْعَقْدَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ وَاحِدٌ بِالِاسْتِئْجَارِ بِلَا إِذْنٍ، وَقِيلَ: بِعَدَدِ الْمُلَّاكِ، وَفِي الْكَافِي: عَلَى مَا شَرَطَا. فَعَلَى النَّصِّ: أُجْرَةُ شَاهِدٍ يَخْرُجُ لِقَسْمِ الْبِلَادِ، وَوَكِيلٍ وَأَمِينٍ لِلْحِفْظِ عَلَى مَالِكٍ وَفَلَّاحٍ كَأَمْلَاكٍ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فَمَتَى عُدِلَتِ السِّهَامُ وَأُخْرِجَتِ الْقُرْعَةُ لَزِمَتِ الْقِسْمَةُ) ـ أَيْ: قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ ـ لِأَنَّ الْقَاسِمَ كَالْحَاكِمِ، وَقُرْعَتَهُ كَالْحُكْمِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي تَعْدِيلِ السِّهَامِ، كَاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ، فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَ قُرْعَتُهُ. وَقِسْمَةُ التَّرَاضِي إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ فَتَلْزَمُ، كَمَا إِذَا كَانَ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ فِيمَا فِيهِ رَدٌّ) عِوَضٌ (بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ، حَتَّى يَتَرَاضَيَا بِذَلِكَ) بَعْدَ الْقُرْعَةِ، سَوَاءٌ قَسَّمَهَا الْحَاكِمُ أَوْ قَاسَمَهُ أَوْ قَاسَمَهُمْ؛ لِأَنَّ رِضَاهُمَا مُعْتَبَرٌ فِي الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُزِيلُهُ، فَوَجَبَ اسْتِمْرَارُهُ، وَلِأَنَّهَا بَيْعٌ فَلَا يَلْزَمُ بِغَيْرِ التَّرَاضِي كَسَائِرِ الْبُيُوعِ، وَقِيلَ: الرِّضَى بَعْدَهَا مُطْلَقًا.

стр. 3389

قَاسِمَيْنِ، وَإِنْ خَلَتْ مِنْ تَقْوِيمٍ أَجْزَأَ قَاسِمٌ وَاحِدٌ، وَإِذَا سَأَلُوا الْحَاكِمَ قِسْمَةَ عَقَارٍ، لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ قَسْمُهُ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ: أَنَّ قَسْمَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شُهِدَتْ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى طَلَبِ الْقِسْمَةِ لَمْ يَقْسِمْهُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: بِالرِّضَى بَعْدَهَا إِنِ اقْتَسَمَاهُ بِأَنْفُسِهِمَا، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمًا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، أَوْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَاخْتَارَ أَحَدَ الْقَسْمَيْنِ جَازَ، وَيَلْزَمُ بِتَرَاضِيهِمَا وَتَفَرُّقِهِمَا كَالْبَيْعِ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ (وَإِذَا كَانَ فِي الْقِسْمَةِ تَقْوِيمٌ لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْقِيمَةِ فَلَمْ يَقْبَلْ أَقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ، كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ، وَقِيلَ: يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ (وَإِنْ خَلَتْ مِنْ تَقْوِيمٍ أَجْزَأَ قَاسِمٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّ الْقَاسِمَ مُجْتَهِدٌ فِي التَّقْوِيمِ، وَهُوَ يَعْمَلُ بِاجْتِهَادِهِ أَشْبَهَ الْحَاكِمَ. وَفِي الْكَافِي: لِأَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَهُمَا، فَأَشْبَهَ الْحَاكِمَ، (وَإِذَا سَأَلُوا الْحَاكِمَ قِسْمَةَ عَقَارٍ، لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ قَسْمُهُ) لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُمْ، فَثَبَتَ لَهُمْ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَاوَلَ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْقِسْمَةِ (وَذَكَرَ) الْحَاكِمُ الْقَاسِمَ (فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّ قَسْمَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شُهِدَتْ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ) لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الْحَاكِمُ بَعْدَهُ أَنَّ الْقِسْمَةَ وَقَعَتْ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِمْ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى ضَرَرِ مَنْ يَدَّعِي فِي الْعَيْنِ حَقًّا، وَقَدْ سَبَقَ (وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى القسمة طلب لَمْ يَقْسِمْهُ) حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِلْكُهُمْ؛ لِأَنَّ الْإِشَاعَةَ حَقٌّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ القسمة، لَمْ يَرْضَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُوجِبُ الْقِسْمَةَ لَمْ يَجُزِ التَّصَرُّفُ فِي حَقِّهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ. وَفِي الرِّعَايَةِ: إِنْ كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ مُهَايَأَةٌ لَازِمَةٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ بَطَلَتِ الْمُهَايَأَةُ.

стр. 3390

فَصْلٌ وَ يَعْدِلُ الْقَاسِمُ السِّهَامَ بِالْأَجْزَاءِ إِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً، وَبِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، وَبِالرَّدِّ إِنْ كَانَتْ تَقْتَضِيهِ، ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ صَارَ لَهُ، وَكَيْفَمَا أَقْرَعَ جَازَ إِلَّا أَنْ الأحوط أن يَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ يُدْرِجَهَا فِي بَنَادِقِ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مُتَسَاوِيَةِ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ، وَتُطْرَحُ فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ كَانَ لَهُ، ثُمَّ الثَّانِي كَذَلِكَ، ــ [المبدع في شرح المقنع] [يَعْدِلُ الْقَاسِمُ السِّهَامَ] فَصْلٌ (وَيَعْدِلُ الْقَاسِمُ السِّهَامَ) لِأَنَّ ضِدَّ ذَلِكَ جَوْرٌ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إِجْمَاعًا (بِالْأَجْزَاءِ إِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً) كَأَرْضٍ قِيمَةَ جَمِيعِ أَجْزَائِهَا مُتَسَاوِيَةً، فَهَذِهِ تَعْدِلُ سِهَامَهَا بِالْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ التَّسَاوِي بِالْأَجْزَاءِ التَّسَاوِي بِالْقِيمَةِ (وَبِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً) كَأَرْضِ أَحَدِ جَوَانِبِهَا يُسَاوِي مِثْلَيِ الْآخَرِ، فَهَذِهِ يَعْدِلُ فِيهَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ التَّعْدِيلُ بِالْأَجْزَاءِ، لَمْ يَبْقَ إِلَّا التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ ضَرُورَةً، لِأَنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِهِمَا ـ وَهَذَا مَعَ اتِّفَاقِ السِّهَامِ وَاخْتِلَافِهَا ـ (وَبِالرَّدِّ إِنْ كَانَتْ تَقْتَضِيهِ) كَأَرْضٍ قِيمَتُهَا مِائَةٌ، فِيهَا شَجَرٌ أَوْ بِئْرٌ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ، فَإِذَا جُعِلَتِ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا كَانَتِ الثُّلُثَ، وَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى أَنْ تُجْعَلَ مَعَ الْأَرْضِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، يَرُدُّهَا مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الشَّجَرُ أَوِ الْبِئْرُ عَلَى مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْأَرْضُ؛ لِيَكُونَا نِصْفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ (ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ) لِإِزَالَةِ الْإِبْهَامِ الْحَاصِلِ، قِيَاسًا لِبَعْضِ مَوَارِدِ الشَّرْعِ عَلَى بَعْضٍ (فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ صَارَ لَهُ) لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْقُرْعَةِ (وَكَيْفَمَا أَقْرَعَ جَازَ) لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّمْيِيزُ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ، فَعَلَى هَذَا: يَجُوزُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِخَوَاتِمَ وَحَصًى وَغَيْرِ ذَلِكَ (إِلَّا) أَنَّ الْأَحْوَطَ (أَنْ يَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ فِي رُقْعَةٍ) لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى التَّمْيِيزِ (ثُمَّ يُدْرِجَهَا فِي بَنَادِقِ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مُتَسَاوِيَةِ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ) لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ (وَتُطْرَحُ فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ (وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ) لِيَعْلَمَ مَنْ لَهُ ذَلِكَ (فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ كَانَ لَهُ) لِأَنَّ اسْمَهُ خَرَجَ عَلَيْهِ، وَيُمَيِّزُ سَهْمَهُ بِهِ (ثُمَّ الثَّانِي كَذَلِكَ) أَيْ: كَالْأَوَّلِ مِنَ الْقَوْلِ، لِأَنَّهُ كَالْأَوَّلِ مَعْنًى، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمًا (وَالسَّهْمُ الْبَاقِي لِلثَّالِثِ، إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً وَسِهَامُهُمْ مُتَسَاوِيَةٌ) لِأَنَّ السَّهْمَ الثَّالِثَ يُعَيَّنُ لَهُ لِزَوَالِ الْإِبْهَامِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْبَنَادِقَ تُجْعَلُ طِينًا وَتُطْرَحُ فِي مَاءٍ، فَأَيُّ الْبَنَادِقِ أَنْحَلَ عَنْهَا الطِّينُ،

стр. 3391

وَالسَّهْمُ الْبَاقِي لِلثَّالِثِ ـ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً وَسِهَامُهُمْ مُتَسَاوِيَةٌ ـ وَإِنْ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ سَهْمٍ فِي رُقْعَةٍ، وَقَالَ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً بِاسْمِ فُلَانٍ، وَأَخْرِجِ الثَّانِيَةَ بِاسْمِ الثَّانِي، وَالثَّالِثَةَ لِلثَّالِثِ، جَازَ. وَإِنْ كَانَتِ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً؛ كَثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمُ النِّصْفُ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ، وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ، فَإِنَّهُ يُجَزِّئُهَا سِتَّةَ أَجْزَاءٍ وَيُخْرِجُ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ لَا غَيْرَ، فَيَكْتُبُ بِاسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثًا وَبَاسِمِ صَاحِبِ الثُّلُثِ ثنتين وَبَاسِمِ صَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدَةً، ــ [المبدع في شرح المقنع] وَخَرَجَتْ رُقْعَتُهَا عَلَى أَعْلَى الْمَاءِ فَهِيَ لَهُ، وَكَذَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَمَا بَعْدَهُ، فَإِنْ خَرَجَ اثْنَانِ مَعًا أُعِيدَتِ الْقُرْعَةُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَوْلَى وَأَسْهَلُ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ (وَإِنْ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ سَهْمٍ فِي رُقْعَةٍ، وَقَالَ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً بِاسْمِ فُلَانٍ، وَأَخْرِجِ الثَّانِيَةَ بِاسْمِ الثَّانِي، وَالثَّالِثَةَ لِلثَّالِثِ، جَازَ) ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ (وَإِنْ كَانَتِ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً، كَثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمُ النِّصْفُ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ، وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ، فَإِنَّهُ يُجَزِّئُهَا سِتَّةَ أَجْزَاءٍ) لِأَنَّ السِّهَامَ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَجْزِئَتِهَا بِحَسَبِ أَقَلِّ الشُّرَكَاءِ نَصِيبًا وَهُوَ السُّدُسُ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ. فَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمُ النِّصْفُ، وَلِلْآخَرِ الرُّبُعُ، وَلِلْآخَرِ الثُّمُنُ، فَأَجْزَاؤُهَا ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ (وَيُخْرِجُ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ لَا غَيْرَ) أَيْ: لَا يَجُوزُ إِلَّا هَذَا؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ السَّهْمُ الرَّابِعُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ، فَيَقُولُ: آخُذُهُ وَسَهْمَيْنِ قَبْلَهُ، وَيَقُولُ صَاحِبَاهُ: يَأْخُذُهُ وَسَهْمَيْنِ بَعْدَهُ. فَيَخْتَلِفُونَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لِصَاحِبِ السُّدُسِ السَّهْمُ الثَّانِي، ثُمَّ خَرَجَ لِصَاحِبِ النِّصْفِ السَّهْمُ الْأَوَّلُ، لَتَفَرَّقَ نَصِيبُهُ (فَيَكْتُبُ بِاسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ رِقَاعٍ (وَبَاسِمِ صَاحِبِ الثُّلُثِ ثِنْتَيْنِ) أَيْ: رُقْعَتَيْنِ (وَبَاسِمِ صَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدَةً) كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ بِحَسَبِ التَّجْزِئَةِ. وَقَدَّمَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ يَكْتُبُ بِاسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةً لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، ثُمَّ ذَكَرَا هَذَا قَوْلًا، وَقَالَا: هَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ خُرُوجُ اسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ، وَإِذَا

стр. 3392

وَيُخْرِجُ بُنْدُقَةً عَلَى السَّهْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ النِّصْفِ أَخَذَهُ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ، وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ أَخَذَهُ وَالثَّانِيَ، ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الْآخَر وَالْبَاقِي لِلثَّالِثِ. فَصْلٌ فَ إِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ غَلَطًا فِيمَا تَقَاسَمُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَشْهَدُوا عَلَى تَرَاضِيهِمْ بِهِ، لَمْ ــ [المبدع في شرح المقنع] كَتَبَ ثَلَاثًا حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَأَغْنَى (وَيُخْرِجُ بُنْدُقَةً عَلَى السَّهْمِ الْأَوَّلِ) لِيَعْلَمَ لِمَنْ هُوَ (فَإِنْ خَرَجَ) اسْمُ صَاحِبِ النِّصْفِ (أَخَذَهُ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ) لِيَجْتَمِعَ لَهُ حَقُّهُ وَلَا يَتَضَرَّرَ بِتَفْرِقَتِهِ (وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ أَخَذَهُ وَالثَّانِيَ) لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الْآخَر) لِأَنَّ الْإِبْهَامَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا بَاقٍ (وَالْبَاقِي لِلثَّالِثِ) وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا قُرْعَةَ فِي مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ إِلَّا لِلِابْتِدَاءِ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِرَبِّ الْأَكْثَرِ أَخَذَ كُلٌّ حَقَّهُ، فَإِنْ تَعَدَّدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ تَوَجَّهَ وَجْهَانِ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا دَارَانِ أَوْ خَانَانِ أَوْ أَكْثَرُ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَهُ فِي إِحْدَى الدَّارَيْنِ أَوْ أَحَدِ الْخَانَيْنِ، وَيَجْعَلَ الْبَاقِيَ نَصِيبًا لِلْآخَرِ، لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُجْبَرُ إِذَا رَأَى الْحَاكِمُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ تَقَارَبَتَا أَوْ تَفَرَّقَتَا؛ لِأَنَّهُ أَنَفَعُ وَأَعْدَلُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَتَا مُتَجَاوِرَتَيْنِ أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ؛ لِأَنَّ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ تَتَقَارَبُ مَنْفَعَتُهُمَا، بِخِلَافِ الْمُتَبَاعِدَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا حُجْرَةَ الْأُخْرَى أُجْبِرَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُمَا تَجْرِيَانِ مَجْرَى الْوَاحِدَةِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ نَقَلَ حَقَّهُ مِنْ عَيْنٍ إِلَى عَيْنٍ أُخْرَى، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ كَالْمُتَفَرِّقِينَ، وَالْحُكْمُ فِي الدَّكَاكِينِ كَالدُّورِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. [إِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ غَلَطًا فِيمَا تَقَاسَمُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ] فَصْلٌ (فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ غَلَطًا فِيمَا تَقَاسَمُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَشْهَدُوا عَلَى تَرَاضِيهِمْ بِهِ، لَمْ يُلْتَفَتْ

стр. 3393

يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَّمَهُ قَاسِمُ الْحَاكِمِ فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَّمَهُ قَاسِمُهُمُ الَّذِي نَصَّبُوهُ، وَكَانَ فِيمَا اعْتَبَرْنَا فِيهِ الرِّضَى بَعْدَ الْقُرْعَةِ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَإِلَّا فَهُوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ، وَإِنْ تَقَاسَمُوا ثُمَّ اسْتَحَقَّ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ بَطَلَتْ، ــ [المبدع في شرح المقنع] إِلَيْهِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ، وَرِضَاهُ بِالزِّيَادَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ يَلْزَمُهُ، وَصَحَّحَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ تُقْبَلُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ، فَتُنْقَضُ الْقِسْمَةُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِقَبْضِ ثَمَنٍ أَوْ مُسَلَّمٍ فِيهِ، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا فِي كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ حَقَّهُ فِي الزِّيَادَةِ سَقَطَ بِرِضَاهُ، مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَسْقُطُ إِذَا عَلِمَهُ. وَفِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَرْسَلًا مَغْبُونًا بِمَا يُسَامَحُ بِهِ عَادَةً، أَوِ الثُّلُثُ أَوِ السُّدُسُ عَلَى الْخِلَافِ (وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَّمَهُ قَاسِمُ الْحَاكِمِ فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ) لِقَوْلِهِ ﵇: «فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ.» (وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇: «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ.» وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ الصِّحَّةُ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَلَا يَحْلِفُ الْقَاسِمُ (وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَّمَهُ قَاسِمُهُمُ الَّذِي نَصَّبُوهُ، وَكَانَ فِيمَا اعْتَبَرَنَا فِيهِ الرِّضَى بَعْدَ الْقُرْعَةِ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْقِسْمَةِ (وَإِلَّا فَهُوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ، وَكَذَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ. وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: الْقِسْمَةُ بَيْعٌ، أَوْ كَانَتْ مَعَ رَدٍّ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَى الْغَلَطِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ سُمِعَتْ. فَرْعٌ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاسِمِ أَنَّ زَيْدًا أَخَذَ حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ بِجَعْلٍ فَلَا. ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ (وَإِنْ تَقَاسَمُوا ثُمَّ اسْتَحَقَّ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ بَطَلَتْ) الْقِسْمَةُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَقَاسِمَيْنَ لَمْ يَأْخُذْ حَقَّهُ، وَكَمَا لَوْ فَعَلَا ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْحَالِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مِنَ الْحِصَّتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ لَمْ تَبْطُلْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى الْأَشْهَرِ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ حَقِّهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرَرُ الْمُسْتَحِقِّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ، كَسَدِّ طَرِيقِهِ أَوْ مَجْرَى مَائِهِ أَوْ ضَوْئِهِ وَنَحْوِهِ، فَيَبْطُلُ لِأَنَّ هَذَا يَمْنَعُ التَّعْدِيلَ.

стр. 3394

وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِيهِمَا فَهَلْ تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارَيْنِ قِسْمَةَ تَرَاضٍ، فَبَنَى أَحَدُهُمَا أو غرس فِي نَصِيبِهِ، ثُمَّ خَرَجَتِ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً، وَنُقِضَ بِنَاؤُهُ رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ خَرَجَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَيْبٌ فَلَهُ فَسْخُ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَقِيلَ: تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْبَاقِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مُقَابَلَةِ مَا بَقِيَ لِلْآخَرِ (وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِيهِمَا فَهَلْ تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) : أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ شَرِيكُهُمَا لَمْ يَحْضُرْ وَلَمْ يَأْذَنْ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَاهُ. وَالثَّانِي: لَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ بَقَاءُ حَقِّهِ فِي يَدِهِمَا جَمِيعًا مَعَ بَقَائِهِمَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَا. وَإِذَا ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ هَذَا مِنْ سَهْمِي تَحَالَفَا وَنَقَضَتِ الْقِسْمَةُ، (وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارَيْنِ قِسْمَةَ تَرَاضٍ، فَبَنَى أَحَدُهُمَا أَوْ غَرَسَ فِي نَصِيبِهِ، ثُمَّ خَرَجَتِ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً وَنَقَضَ بِنَاؤهُ) وَقُلِعَ غِرَاسُهُ رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى شَرِيكِهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الدَّارَيْنِ لَا يَقْتَسِمَانِ قِسْمَةَ إِجْبَارٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّرَاضِي، وَلَوْ بَاعَهُ نِصْفَ الدَّارِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَا غَرَمَ كَذَا هَذَا أَوْ كَذَا فِي قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ إِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ، وَإِنْ قُلْنَا إِفْرَازٌ فَلَا رُجُوعَ؛ لِأَنَّهُ أَفْرَزَ لَهُ حَقَّهُ مِنْ حَقِّهِ وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ مَا غَرَمَ فِيهِ. وَأَطْلَقَ فِي التَّبْصِرَةِ رُجُوعَهُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا لَمْ يَرْجِعْ حَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْعًا فَلَا يَرْجِعُ بِالْأُجْرَةِ وَلَا بِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ فِي الْغُرُورِ، إِذَا اقْتَسَمَا الْجَوَارِيَ أَعْيَانًا. وَعَلَى هَذَا فَالَّذِي لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ نَصِيبِهِ يَرْجِعُ الْآخَرُ عَلَيْهِ بِمَا فَوَّتَهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ (وَإِنْ خَرَجَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَيْبٌ فَلَهُ فَسْخُ الْقِسْمَةِ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا، إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ نَقْصٌ عَنْ قَدْرِ حَقِّهِ الْخَارِجِ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ فَسْخِ الْقِسْمَةِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَهُ. وَلَهُ الْإِمْسَاكُ مَعَ أَرْشِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي نَصِيبِهِ فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ اسْتِدْرَاكًا لِحَقِّهِ الثَّابِتِ كَالْمُشْتَرِي.

стр. 3395

الْقِسْمَةِ، وَإِذَا اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ الْعَقَارَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ إِفْرَازُ حَقٍّ، لَمْ تَبْطُلِ الْقِسْمَةُ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ انْبَنَى عَلَى بَيْعِ التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، هَلْ يَجُوزُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. وإذا اقْتَسَمَا، فَحَصَلَتِ الطَّرِيقُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلَا مَنْفَذَ ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ فِيهَا شَرْطٌ، وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ الْبَيْعِ (وَإِذَا اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ الْعَقَارَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ إِفْرَازُ حَقٍّ، لَمْ تَبْطُلِ الْقِسْمَةُ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، فَلَمْ يَقَعْ ضَرَرٌ فِي حَقِّ أَحَدٍ، لَكِنْ إِنِ امْتَنَعُوا مِنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَإِنِ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ بَطَلَ فِي نَصِيبِهِ وَحْدَهُ، وَفِي الْكَافِي فِي صِحَّةِ الْقِسْمَةِ وَجْهَانِ وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ فِي التَّرِكَةِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ (وَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ) ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ (انْبَنَى عَلَى بَيْعِ التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، هَلْ يَجُوزُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَحَكَاهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، رِوَايَتَانِ. الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْجَانِيَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَيَتَمَكَّنُّ مَالِكُهُ مِنْ بَيْعِهِ، فَكَذَا الْوَارِثُ. وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالْعَيْنِ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِيهَا كَالرَّهْنِ. تَنْبِيهٌ: تَرِكَةُ الْمَيِّتِ يَثْبُتُ فِيهَا الْمِلْكُ لِوَرَثَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يُمْنَعُ بِقَدْرِهِ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّةِ الْوَرَثَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالتَّرِكَةِ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْغَرِيمَ لَا يَحْلِفُ عَلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَحِلُّهُ الذِّمَّةُ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ، فَيَتَخَيَّرُ الْوَارِثُ بَيْنَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا كَالرَّهْنِ وَالْجَانِي، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ وَالنَّمَاءِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، أَشْبَهَ كَسْبَ الْجَانِي، وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ كَنَمَاءِ الرَّهْنِ.

стр. 3396

لِلْآخَرِ بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ. وَيَجُوزُ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ قَسْمُ مَالِ الْمُولَى عَلَيْهِ مَعَ شَرِيكِهِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] فَمَنِ اخْتَارَ الْأَوَّلَ قَالَ: تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِالرَّهْنِ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاخْتِيَارِ الْمَالِكِ، وَلِهَذَا مُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَعَلَى الْأُخْرَى: حُكْمُهُ حُكْمُ التَّرِكَةِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُؤْنَةِ مِنْهَا، فَإِنْ تَصَرَّفَ الْوَارِثُ فِيهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هُوَ صَحِيحٌ إِنْ قَضَى الدَّيْنَ، وَإِلَّا نُقِضَ تَصَرُّفُهُ، كَمَا إِذَا تَصَرَّفَ السَّيِّدُ فِي الْجَانِي وَلَمْ يُؤَدِّ الْجِنَايَةَ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: تَصَرُّفُهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِالتَّرِكَةِ كَتَعَلُّقِهِ بِالرَّهْنِ، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ قَبْلَ الْوَفَاءِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِالنَّمَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي ـ وَهُوَ الْأَقْيَسُ ـ فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ الدَّيْنُ فَلِرَبِّهِ الْفَسْخُ وَأَخْذُ دَيْنِهِ، فِي الْأَصَحِّ، وَالدَّيْنُ الْمُسْتَغْرَقُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ لَهُ شَجَرٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَثْمَرَتْ، وَمَاتَ، فَالثَّمَرَةُ إِرْثٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا دَيْنٌ، وَفِيهَا الزَّكَاةُ إِنْ قُلْنَا تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ مَعَ الدَّيْنِ، تَعَلَّقَ بِهَا الدَّيْنُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ فَفِي الزَّكَاةِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ وَنَقَلْنَا التَّرِكَةَ قَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ فَكَذَا، وَإِلَّا فَلَا. فَرْعٌ: إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ أَرْضًا، وَرَضِيَ رَبُّهَا بِإِخْرَاجِ ثُلُثِهَا، فَقَسَمَهَا الْوَرَثَةُ وَقَالُوا: نَحْنُ نُخْرِجُ قِيمَةَ الثُّلُثِ بَيْنَنَا، فَقِيلَ: يَجُوزُ كَالدَّيْنِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالْوَصِيَّةِ بَعْضُ الْأَرْضِ، فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ. وَقَالَ السَّامَرِّيُّ: تَبْطُلُ فِي حَقِّ كُلِّ وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنَ الثُّلُثِ، وَفِي الْبَاقِي وَجْهَانِ، وَكَذَا إِنْ أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ ثُلُثُهَا وَيُصْرَفَ فِي جِهَةِ عَيْنِهَا (وَإِذَا اقْتَسَمَا فَحَصَلَتِ الطَّرِيقُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلَا مَنْفَذَ لِلْآخَرِ بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ النَّصِيبَ الَّذِي لَا طَرِيقَ لَهُ لَا قِيمَةَ لَهُ إِلَّا قِيمَةُ مِلْكِهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ تَعْدِيلٌ، وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ أَنْ يَأْخُذَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ أَخَذَهُ رَاضِيًا عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ جَازَ، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكَذَا طَرِيقُ مَاءٍ، وَنَصُّهُ: هُوَ لَهُمَا مَا لَمْ يَشْتَرِطَا رَدَّهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قِيَاسُهُ: جُعِلَ الطَّرِيقُ مِثْلَهُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ، مَا لَمْ يَشْرُطْ صَرْفَهَا عَنْهُ،

стр. 3397

بَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ الْمُدَّعِي: مَنْ إِذَا سَكَتَ تَرَكَ، وَالْمُنْكِرُ: مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يَتْرُكْ. وَلَا تَصِحُّ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي مَجْرَى الْمَاءِ: لَا يُغَيِّرُ مَجْرَى الْمَاءِ وَلَا يَضُرُّ بِهَذَا، إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ النَّفَقَةَ حَتَّى يَصْلُحَ مَسِيلُهُ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُمَا ظُلَّةٌ فَوَقَعَتْ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا (وَيَجُوزُ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ قَسْمُ مَالِ الْمُولَى عَلَيْهِ مَعَ شَرِيكِهِ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إِمَّا بَيْعٌ وَإِمَّا إِفْرَازُ حَقٍّ، وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ لَهُمَا، وَلِأَنَّ فِيهَا مَصْلَحَةَ الصَّغِيرِ فَجَازَتْ كَالشِّرَاءِ، وَيَجُوزُ لَهُمَا قِسْمَةُ التَّرَاضِي مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ لِضَرَرِ الْحَاجَةِ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ. وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ: وَوَلِيُّ الْمُولَى عَلَيْهِ فِي قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ بِمَنْزِلَتِهِ، وَكَذَلِكَ فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي إِذَا رَآهَا مَصْلَحَةً. [بَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ] [تَعْرِيفُ الدعاوى والبينات] بَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ الدَّعَاوَى: وَاحِدُهَا دَعْوَى، وَهِيَ إِضَافَةُ الْإِنْسَانِ إِلَى نَفْسِهِ مِلْكًا أَوِ اسْتِحْقَاقًا أَوْ نَحْوَهُ. وَفِي الشَّرْعِ: إِضَافَتُهُ إِلَى نَفْسِهِ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُضَافُ إِلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ شَيْءٍ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: هِيَ إِخْبَارُ خَصْمِهِ بِاسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَجْهُولٍ، كَوَصِيَّةٍ وَإِقْرَارٍ عَلَيْهِ، أَوْ عِنْدَهُ لَهُ، أو لِمُوَكِّلِهِ أَوْ مُوَلِّيهِ أَوْ لِلَّهِ حَسْبُهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ عِنْدَ حَاكِمٍ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّلَبِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .

стр. 3398

الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا لَهُ، لَا حَقَّ لِلْآخَرِ فِيهَا، إِذَا لَمْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْيَمِينُ تَخْتَصُّ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ وَدَعَاوَى الْأُمَنَاءِ الْمَقْبُولَةِ، وَحَيْثُ يَحْكُمُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ أَوْ نَقُولُ بِرَدِّهَا، وَالْبَيِّنَاتُ: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، مِنْ بَانَ يَبِينُ فَهُوَ بَيِّنٌ، وَالْأُنْثَى: بَيِّنَةٌ، أَيْ: وَاضِحَةٌ، وَهُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيِ: الدَّلَالَةُ الْبَيِّنَةُ، (الْمُدَّعِي: مَنْ إِذَا سَكَتَ تَرَكَ، وَالْمُنْكِرُ: مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يَتْرُكْ) ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ طَالِبٌ وَالْمُنْكِرَ مَطْلُوبٌ؛ أَيْ: مُطَالَبٌ بِالْحَقِّ، وَقِيلَ: الْمُدَّعِي مَنْ يَطْلُبُ خِلَافَ الظَّاهِرِ أَوِ الْأَصْلِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَكْسُهُ. / ٥٠ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ، وَادَّعَتِ التَّعَاقُبَ، فَالْمُدَّعِي هِيَ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ، وَقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ بِاعْتِبَارَيْنِ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى مَقْلُوبَةٌ وَسَمِعَهَا بَعْضُهُمْ وَاسْتَنْبَطَهَا، فَذَكَرُوا فِي الشُّفْعَةِ إِذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ أَوْ أَقَامَ الشَّفِيعُ بَيِّنَةً، وَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ وَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِ الثَّمَنِ، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَبْقَى فِي يَدِ الشَّفِيعِ. الثَّانِي: فِي يَدِ الْحَاكِمِ. الثَّالِثُ: ـ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي ـ يَلْزَمُ الشَّفِيعَ بِقَبْضِهِ، أَوْ يبرئ مِنْهُ. وَفِي السَّلَمِ إِذَا جَاءَهُ بِالسَّلَمِ قَبْلَ مَحِلِّهِ لَزِمَهُ قَبْضُهُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ، فَحَيْثُ لَزِمَهُ الْقَبْضُ إِنَّ دَعْوَاهُ تُسْمَعُ، وَيَلْزَمُ رَبُّ الدَّيْنِ بِقَبْضِهِ. [مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ الدَّعْوَى] (وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) لِأَنَّ مَنْ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لَا قَوْلَ لَهُ يُعْتَمَدُ، وَتَصِحُّ عَلَى السَّفِيهِ فِيمَا يُؤْخَذُ بِهِ إِذْنٌ، وَبَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ، وَيَحْلِفُ إِذَا أَنْكَرَ. [أَحْوَالُ الْعَيْنِ الْمَدَّعَاةِ] [أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا] (وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا لَمْ تَخْلُ مِنْ أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا لَهُ، لَا حَقَّ لِلْآخَرِ فِيهَا، إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ) «لِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 3399

تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً، أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ، والآخر أخذ بزمامها، فهي للأول، وإن تنازعا قميصا أحدهما لابسه وَالْآخَرُ أخذ بِكُمِّهِ، فَهُوَ لِلَابِسِهِ. وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالْخَيَّاطُ الْإِبْرَةَ وَالْمِقَصَّ فَهُمَا لِلْخَيَّاطِ، وَإِنْ تَنَازَعَ هُوَ وَالْقَرَّابُ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَلِقَوْلِهِ فِي قَضِيَّةٍ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ ظَاهِرًا، أَوْ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَهُ، فَشُرِعَتِ الْيَمِينُ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ تُظْهِرُ الْحَقَّ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهَا، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِذَلِكَ كَثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ، وَلَا عَاقِلَةَ صَاحِبِ الْحَائِطِ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا تَثْبُتُ فِيهِ الْحُقُوقُ وَإِنَّمَا تُرَجَّحُ بِهِ الدَّعْوَى، وَفِي الرَّوْضَةِ: أَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَفِي التَّمْهِيدِ: بِبَيِّنَةٍ (وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ) الْحِمْلُ: بِالْكَسْرِ، مَا عَلَى رَأْسٍ وَظَهْرٍ، وَبِالْفَتْحِ: مَا فِي بَطْنِ الْحُبْلَى، وَفِي حَمْلِ الشَّجَرَةِ بِهِمَا (وَالْآخَرُ أخذ بِزِمَامِهَا) وَقِيلَ: غَيْرُ مَكَّارٍ (فَهِيَ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ أَقْوَى، وَيَدَهُ آكَدُ، لِأَنَّهُ الْمُسْتَوْفِي لِلْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ، وَالْآخَرُ رَاكِبُهَا فَهِيَ لِلرَّاكِبِ، فَإِنِ ادَّعَيَا الْحِمْلَ فَهُوَ لِلرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى الدَّابَّةِ وَالْحِمْلِ مَعًا، أَشْبَهَ مَا لَوِ اخْتَلَفَ السَّاكِنُ وَمَالِكُ الدَّارِ فِي قُمَاشٍ فِيهَا، بِخِلَافِ السَّرْجِ فَإِنَّهُ فِي الْعَادَةِ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ (وَإِنْ تَنَازَعَا قَمِيصًا، أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ أخذ بِكُمِّهِ، فَهُوَ لِلَابِسِهِ) لِأَنَّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الرَّاكِبِ مَعَ الْأَخْذِ بِالزِّمَامِ، فَالرَّاكِبُ أَوْلَى، فَكَذَا مَا هُوَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ كُمُّهُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَبَاقِيهِ مَعَ الْآخَرِ، أَوْ تَنَازَعَا عِمَامَةً طَرَفَهَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَبَاقِيَهَا بِيَدِ الْآخَرِ، تَحَالَفَا وَهِيَ بَيْنَهُمَا، فَيَمِينُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي أَخَذَهُ. وَعَنْهُ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَهَا، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ وَاحِدٌ نِصْفَهَا فَأَقَلَّ، وَالْآخَرُ كُلَّهَا أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ، فَيَصْدُقُ مُدَّعِي الْأَقَلِّ بِيَمِينِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ جَمْعٌ: يَتَحَالَفَانِ، (وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالْخَيَّاطُ الْإِبْرَةَ وَالْمِقَصَّ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَتُسَمَّى كُلُّ فَرْدَةٍ مِقَصًّا (فَهُمَا لِلْخَيَّاطِ) لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْخَيَّاطِ فِي ذَلِكَ أَظْهَرُ، وَالظَّاهِرُ مَعَهُ فَكَانَ أَقْوَى، وَإِنْ نَازَعَهُ الْخَيَّاطُ فِي قَمِيصٍ يَخِيطُهُ فِيهَا، أَوِ النَّجَّارُ فِي خَشَبٍ يَنْجُرُهُ فِيهَا، أَوْ فِي فَرْشٍ وَقُطْنٍ وَصُوفٍ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ عَمَلًا بِالْعَادَةِ (وَإِنْ تَنَازَعَ هُوَ وَالْقَرَّابُ الْقِرْبَةَ فَهِيَ لِلْقَرَّابِ) لِمَا ذَكَرْنَا

стр. 3400

الْقِرْبَةَ فَهِيَ لِلْقَرَّابِ، وَإِنْ تَنَازَعَا عَرْصَةً فِيهَا شَجَرٌ، أَوْ بِنَاءً لِأَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، أَوْ مُتَّصِلًا بِهِ لَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ أَزْجٌ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا، أَوْ مَعْقُودًا بِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَلَا تُرَجَّحُ ــ [المبدع في شرح المقنع] بِخِلَافِ الْخَابِيَةِ وَالْجَرَّارِ فَإِنَّهُمَا لِصَاحِبِ الدَّارِ (وَإِنْ تَنَازَعَا عَرْصَةً فِيهَا شَجَرٌ أَوْ بِنَاءً لِأَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْمِلْكِ ظَاهِرًا، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ ثَبَتَا بِالِاقْتِدَارِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا (وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، أَوْ مُتَّصِلًا بِهِ لَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ أَزْجٌ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: هُوَ الْقَبْوُ (فَهُوَ لَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَجِّحُ قَوْلَ مُدَّعِيهِ، فَكَانَ لَهُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَيَحْلِفُ لِخَصْمِهِ. وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ إِحْدَاثُهُ لَمْ يُرَجَّحْ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَمَلَّكَ الْحَائِطَ الْمُشْتَرَكَ. ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِهَذَا الِاتِّصَالِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَإِنْ كَانَ مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا، أَوْ مَعْقُودًا بِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنَّ نِصْفَ الْحَائِطِ لَهُ، وَإِنْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى جَمِيعِهِ أَنَّهُ لَهُ وَمَا هُوَ لِصَاحِبِهِ جَازَ، وَإِنْ نَكَلَا عَنِ الْيَمِينِ كَانَ الْحَائِطُ فِي أَيْدِيهِمَا عَلَى مَا كَانَ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا قضى عَلَيْهِ وَكَانَ الْكُلُّ لِلْآخَرِ، فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً تَعَارَضَتَا وَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا (وَلَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِوَضْعِ خَشَبِ أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَسْمَحُ بِهِ الْجَارُ، وَهُوَ عِنْدَنَا حَقٌّ يَجِبُ التَّمْكِينُ مِنْهُ، أَشْبَهَ إِسْنَادَ مَتَاعِهِ إِلَيْهِ وَتَزْوِيقِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرَجَّحَ بِهِ الدَّعْوَى، وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ كَالْبَانِي عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ كَوْنَهُ مُسْتَحِقًّا تَشْتَرِطُ لَهُ الْحَاجَةُ إِلَى وَضْعِهِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَتَسَامَحُونَ بِهِ، وَلِأَنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لِذَلِكَ، فَتَرَجَّحَ بِهِ كَالْأَزْجِ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا لَا تُرَجَّحُ، بِخِلَافِ الْجِذْعَيْنِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لَهُمَا (وَلَا بِوُجُوهِ الْآجُرِّ وَالتَّزْوِيقِ وَالتَّجْصِيصِ) وَالتَّحْسِينِ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا لَهُ عَلَى الْآخَرِ سُتْرَةٌ غَيْرُ
следующие страницы →