Полный текст (3 567 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
لِلْآخَرِ بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ.
وَيَجُوزُ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ قَسْمُ مَالِ الْمُولَى عَلَيْهِ مَعَ شَرِيكِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَمَنِ اخْتَارَ الْأَوَّلَ قَالَ: تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِالرَّهْنِ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاخْتِيَارِ الْمَالِكِ، وَلِهَذَا مُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَعَلَى الْأُخْرَى: حُكْمُهُ حُكْمُ التَّرِكَةِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُؤْنَةِ مِنْهَا، فَإِنْ تَصَرَّفَ الْوَارِثُ فِيهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هُوَ صَحِيحٌ إِنْ قَضَى الدَّيْنَ، وَإِلَّا نُقِضَ تَصَرُّفُهُ، كَمَا إِذَا تَصَرَّفَ السَّيِّدُ فِي الْجَانِي وَلَمْ يُؤَدِّ الْجِنَايَةَ.
وَعَلَى الثَّانِيَةِ: تَصَرُّفُهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِالتَّرِكَةِ كَتَعَلُّقِهِ بِالرَّهْنِ، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ قَبْلَ الْوَفَاءِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِالنَّمَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي ـ وَهُوَ الْأَقْيَسُ ـ فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ الدَّيْنُ فَلِرَبِّهِ الْفَسْخُ وَأَخْذُ دَيْنِهِ، فِي الْأَصَحِّ، وَالدَّيْنُ الْمُسْتَغْرَقُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ لَهُ شَجَرٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَثْمَرَتْ، وَمَاتَ، فَالثَّمَرَةُ إِرْثٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا دَيْنٌ، وَفِيهَا الزَّكَاةُ إِنْ قُلْنَا تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ مَعَ الدَّيْنِ، تَعَلَّقَ بِهَا الدَّيْنُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ فَفِي الزَّكَاةِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ وَنَقَلْنَا التَّرِكَةَ قَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ فَكَذَا، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ أَرْضًا، وَرَضِيَ رَبُّهَا بِإِخْرَاجِ ثُلُثِهَا، فَقَسَمَهَا الْوَرَثَةُ وَقَالُوا: نَحْنُ نُخْرِجُ قِيمَةَ الثُّلُثِ بَيْنَنَا، فَقِيلَ: يَجُوزُ كَالدَّيْنِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالْوَصِيَّةِ بَعْضُ الْأَرْضِ، فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ.
وَقَالَ السَّامَرِّيُّ: تَبْطُلُ فِي حَقِّ كُلِّ وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنَ الثُّلُثِ، وَفِي الْبَاقِي وَجْهَانِ، وَكَذَا إِنْ أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ ثُلُثُهَا وَيُصْرَفَ فِي جِهَةِ عَيْنِهَا (وَإِذَا اقْتَسَمَا فَحَصَلَتِ الطَّرِيقُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلَا مَنْفَذَ لِلْآخَرِ بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ النَّصِيبَ الَّذِي لَا طَرِيقَ لَهُ لَا قِيمَةَ لَهُ إِلَّا قِيمَةُ مِلْكِهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ تَعْدِيلٌ، وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ أَنْ يَأْخُذَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ أَخَذَهُ رَاضِيًا عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ جَازَ، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكَذَا طَرِيقُ مَاءٍ، وَنَصُّهُ: هُوَ لَهُمَا مَا لَمْ يَشْتَرِطَا رَدَّهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قِيَاسُهُ: جُعِلَ الطَّرِيقُ مِثْلَهُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ، مَا لَمْ يَشْرُطْ صَرْفَهَا عَنْهُ،
стр. 3397
بَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ الْمُدَّعِي: مَنْ إِذَا سَكَتَ تَرَكَ، وَالْمُنْكِرُ: مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يَتْرُكْ.
وَلَا تَصِحُّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي مَجْرَى الْمَاءِ: لَا يُغَيِّرُ مَجْرَى الْمَاءِ وَلَا يَضُرُّ بِهَذَا، إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ النَّفَقَةَ حَتَّى يَصْلُحَ مَسِيلُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُمَا ظُلَّةٌ فَوَقَعَتْ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا (وَيَجُوزُ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ قَسْمُ مَالِ الْمُولَى عَلَيْهِ مَعَ شَرِيكِهِ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إِمَّا بَيْعٌ وَإِمَّا إِفْرَازُ حَقٍّ، وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ لَهُمَا، وَلِأَنَّ فِيهَا مَصْلَحَةَ الصَّغِيرِ فَجَازَتْ كَالشِّرَاءِ، وَيَجُوزُ لَهُمَا قِسْمَةُ التَّرَاضِي مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ لِضَرَرِ الْحَاجَةِ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ: وَوَلِيُّ الْمُولَى عَلَيْهِ فِي قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ بِمَنْزِلَتِهِ، وَكَذَلِكَ فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي إِذَا رَآهَا مَصْلَحَةً.
[بَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ]
[تَعْرِيفُ الدعاوى والبينات]
بَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ
الدَّعَاوَى: وَاحِدُهَا دَعْوَى، وَهِيَ إِضَافَةُ الْإِنْسَانِ إِلَى نَفْسِهِ مِلْكًا أَوِ اسْتِحْقَاقًا أَوْ نَحْوَهُ.
وَفِي الشَّرْعِ: إِضَافَتُهُ إِلَى نَفْسِهِ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُضَافُ إِلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ شَيْءٍ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: هِيَ إِخْبَارُ خَصْمِهِ بِاسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَجْهُولٍ، كَوَصِيَّةٍ وَإِقْرَارٍ عَلَيْهِ، أَوْ عِنْدَهُ لَهُ، أو لِمُوَكِّلِهِ أَوْ مُوَلِّيهِ أَوْ لِلَّهِ حَسْبُهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ عِنْدَ حَاكِمٍ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّلَبِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
стр. 3398
الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ
وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا لَهُ، لَا حَقَّ لِلْآخَرِ فِيهَا، إِذَا لَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْيَمِينُ تَخْتَصُّ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ وَدَعَاوَى الْأُمَنَاءِ الْمَقْبُولَةِ، وَحَيْثُ يَحْكُمُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ أَوْ نَقُولُ بِرَدِّهَا، وَالْبَيِّنَاتُ: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، مِنْ بَانَ يَبِينُ فَهُوَ بَيِّنٌ، وَالْأُنْثَى: بَيِّنَةٌ، أَيْ: وَاضِحَةٌ، وَهُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيِ: الدَّلَالَةُ الْبَيِّنَةُ، (الْمُدَّعِي: مَنْ إِذَا سَكَتَ تَرَكَ، وَالْمُنْكِرُ: مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يَتْرُكْ) ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ طَالِبٌ وَالْمُنْكِرَ مَطْلُوبٌ؛ أَيْ: مُطَالَبٌ بِالْحَقِّ، وَقِيلَ: الْمُدَّعِي مَنْ يَطْلُبُ خِلَافَ الظَّاهِرِ أَوِ الْأَصْلِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَكْسُهُ. / ٥٠ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ، وَادَّعَتِ التَّعَاقُبَ، فَالْمُدَّعِي هِيَ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ، وَقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ بِاعْتِبَارَيْنِ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى مَقْلُوبَةٌ وَسَمِعَهَا بَعْضُهُمْ وَاسْتَنْبَطَهَا، فَذَكَرُوا فِي الشُّفْعَةِ إِذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ أَوْ أَقَامَ الشَّفِيعُ بَيِّنَةً، وَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ وَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِ الثَّمَنِ، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يَبْقَى فِي يَدِ الشَّفِيعِ.
الثَّانِي: فِي يَدِ الْحَاكِمِ.
الثَّالِثُ: ـ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي ـ يَلْزَمُ الشَّفِيعَ بِقَبْضِهِ، أَوْ يبرئ مِنْهُ.
وَفِي السَّلَمِ إِذَا جَاءَهُ بِالسَّلَمِ قَبْلَ مَحِلِّهِ لَزِمَهُ قَبْضُهُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ، فَحَيْثُ لَزِمَهُ الْقَبْضُ إِنَّ دَعْوَاهُ تُسْمَعُ، وَيَلْزَمُ رَبُّ الدَّيْنِ بِقَبْضِهِ.
[مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ الدَّعْوَى]
(وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) لِأَنَّ مَنْ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لَا قَوْلَ لَهُ يُعْتَمَدُ، وَتَصِحُّ عَلَى السَّفِيهِ فِيمَا يُؤْخَذُ بِهِ إِذْنٌ، وَبَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ، وَيَحْلِفُ إِذَا أَنْكَرَ.
[أَحْوَالُ الْعَيْنِ الْمَدَّعَاةِ]
[أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا]
(وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا لَمْ تَخْلُ مِنْ أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا لَهُ، لَا حَقَّ لِلْآخَرِ فِيهَا، إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ) «لِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 3399
تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً، أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ، والآخر أخذ بزمامها، فهي للأول، وإن تنازعا قميصا أحدهما لابسه وَالْآخَرُ أخذ بِكُمِّهِ، فَهُوَ لِلَابِسِهِ.
وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالْخَيَّاطُ الْإِبْرَةَ وَالْمِقَصَّ فَهُمَا لِلْخَيَّاطِ، وَإِنْ تَنَازَعَ هُوَ وَالْقَرَّابُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِقَوْلِهِ فِي قَضِيَّةٍ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ ظَاهِرًا، أَوْ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَهُ، فَشُرِعَتِ الْيَمِينُ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ تُظْهِرُ الْحَقَّ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهَا، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِذَلِكَ كَثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ، وَلَا عَاقِلَةَ صَاحِبِ الْحَائِطِ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا تَثْبُتُ فِيهِ الْحُقُوقُ وَإِنَّمَا تُرَجَّحُ بِهِ الدَّعْوَى، وَفِي الرَّوْضَةِ: أَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَفِي التَّمْهِيدِ: بِبَيِّنَةٍ (وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ) الْحِمْلُ: بِالْكَسْرِ، مَا عَلَى رَأْسٍ وَظَهْرٍ، وَبِالْفَتْحِ: مَا فِي بَطْنِ الْحُبْلَى، وَفِي حَمْلِ الشَّجَرَةِ بِهِمَا (وَالْآخَرُ أخذ بِزِمَامِهَا) وَقِيلَ: غَيْرُ مَكَّارٍ (فَهِيَ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ أَقْوَى، وَيَدَهُ آكَدُ، لِأَنَّهُ الْمُسْتَوْفِي لِلْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ، وَالْآخَرُ رَاكِبُهَا فَهِيَ لِلرَّاكِبِ، فَإِنِ ادَّعَيَا الْحِمْلَ فَهُوَ لِلرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى الدَّابَّةِ وَالْحِمْلِ مَعًا، أَشْبَهَ مَا لَوِ اخْتَلَفَ السَّاكِنُ وَمَالِكُ الدَّارِ فِي قُمَاشٍ فِيهَا، بِخِلَافِ السَّرْجِ فَإِنَّهُ فِي الْعَادَةِ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ (وَإِنْ تَنَازَعَا قَمِيصًا، أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ أخذ بِكُمِّهِ، فَهُوَ لِلَابِسِهِ) لِأَنَّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الرَّاكِبِ مَعَ الْأَخْذِ بِالزِّمَامِ، فَالرَّاكِبُ أَوْلَى، فَكَذَا مَا هُوَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ كُمُّهُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَبَاقِيهِ مَعَ الْآخَرِ، أَوْ تَنَازَعَا عِمَامَةً طَرَفَهَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَبَاقِيَهَا بِيَدِ الْآخَرِ، تَحَالَفَا وَهِيَ بَيْنَهُمَا، فَيَمِينُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي أَخَذَهُ.
وَعَنْهُ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَهَا، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ وَاحِدٌ نِصْفَهَا فَأَقَلَّ، وَالْآخَرُ كُلَّهَا أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ، فَيَصْدُقُ مُدَّعِي الْأَقَلِّ بِيَمِينِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ جَمْعٌ: يَتَحَالَفَانِ، (وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالْخَيَّاطُ الْإِبْرَةَ وَالْمِقَصَّ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَتُسَمَّى كُلُّ فَرْدَةٍ مِقَصًّا (فَهُمَا لِلْخَيَّاطِ) لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْخَيَّاطِ فِي ذَلِكَ أَظْهَرُ، وَالظَّاهِرُ مَعَهُ فَكَانَ أَقْوَى، وَإِنْ نَازَعَهُ الْخَيَّاطُ فِي قَمِيصٍ يَخِيطُهُ فِيهَا، أَوِ النَّجَّارُ فِي خَشَبٍ يَنْجُرُهُ فِيهَا، أَوْ فِي فَرْشٍ وَقُطْنٍ وَصُوفٍ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ عَمَلًا بِالْعَادَةِ (وَإِنْ تَنَازَعَ هُوَ وَالْقَرَّابُ الْقِرْبَةَ فَهِيَ لِلْقَرَّابِ) لِمَا ذَكَرْنَا
стр. 3400
الْقِرْبَةَ فَهِيَ لِلْقَرَّابِ، وَإِنْ تَنَازَعَا عَرْصَةً فِيهَا شَجَرٌ، أَوْ بِنَاءً لِأَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، أَوْ مُتَّصِلًا بِهِ لَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ أَزْجٌ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا، أَوْ مَعْقُودًا بِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَلَا تُرَجَّحُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِخِلَافِ الْخَابِيَةِ وَالْجَرَّارِ فَإِنَّهُمَا لِصَاحِبِ الدَّارِ (وَإِنْ تَنَازَعَا عَرْصَةً فِيهَا شَجَرٌ أَوْ بِنَاءً لِأَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْمِلْكِ ظَاهِرًا، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ ثَبَتَا بِالِاقْتِدَارِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا (وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، أَوْ مُتَّصِلًا بِهِ لَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ أَزْجٌ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: هُوَ الْقَبْوُ (فَهُوَ لَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَجِّحُ قَوْلَ مُدَّعِيهِ، فَكَانَ لَهُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَيَحْلِفُ لِخَصْمِهِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ إِحْدَاثُهُ لَمْ يُرَجَّحْ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَمَلَّكَ الْحَائِطَ الْمُشْتَرَكَ. ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِهَذَا الِاتِّصَالِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَإِنْ كَانَ مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا، أَوْ مَعْقُودًا بِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنَّ نِصْفَ الْحَائِطِ لَهُ، وَإِنْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى جَمِيعِهِ أَنَّهُ لَهُ وَمَا هُوَ لِصَاحِبِهِ جَازَ، وَإِنْ نَكَلَا عَنِ الْيَمِينِ كَانَ الْحَائِطُ فِي أَيْدِيهِمَا عَلَى مَا كَانَ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا قضى عَلَيْهِ وَكَانَ الْكُلُّ لِلْآخَرِ، فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً تَعَارَضَتَا وَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا (وَلَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِوَضْعِ خَشَبِ أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَسْمَحُ بِهِ الْجَارُ، وَهُوَ عِنْدَنَا حَقٌّ يَجِبُ التَّمْكِينُ مِنْهُ، أَشْبَهَ إِسْنَادَ مَتَاعِهِ إِلَيْهِ وَتَزْوِيقِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرَجَّحَ بِهِ الدَّعْوَى، وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ كَالْبَانِي عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ كَوْنَهُ مُسْتَحِقًّا تَشْتَرِطُ لَهُ الْحَاجَةُ إِلَى وَضْعِهِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَتَسَامَحُونَ بِهِ، وَلِأَنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لِذَلِكَ، فَتَرَجَّحَ بِهِ كَالْأَزْجِ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا لَا تُرَجَّحُ، بِخِلَافِ الْجِذْعَيْنِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لَهُمَا (وَلَا بِوُجُوهِ الْآجُرِّ وَالتَّزْوِيقِ وَالتَّجْصِيصِ) وَالتَّحْسِينِ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا لَهُ عَلَى الْآخَرِ سُتْرَةٌ غَيْرُ
стр. 3401
الدَّعْوَى بِوَضْعِ خَشَبِ أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ وَلَا بِوُجُوهِ الْآجُرِّ، وَالتَّزْوِيقِ وَالتَّجْصِيصِ وَمَعَاقِدِ الْقَمْطِ فِي الْخُصِّ.
وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ فِي سُلَّمٍ مَنْصُوبٍ أَوْ دَرَجَةٍ منصوبة، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَسَامَحُ بِهِ وَيُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ (وَمَعَاقِدِ الْقَمْطِ) الْمَعَاقِدُ: جَمْعُ مَعْقِدٍ - بِكَسْرِ الْقَافِ - مَا تُشَدُّ بِهِ الْأَخْصَاصُ (فِي الْخُصِّ) وَهُوَ بَيْتٌ يُعْمَلُ مِنْ خَشَبٍ وَقَصَبٍ، وَجَمْعُهُ: أَخْصَاصٌ، سُمِّيَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفُرُوجِ وَالْأَنْقَابِ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهَا لَا يُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِكَوْنِ الدَّوَاخِلِ إِلَى أَحَدِهِمَا وَالْخَوَارِجِ، وَوُجُوهِ الْآجُرِّ وَالْحِجَارَةِ، وَلَا كَوْنِ الْآجُرَّةِ الصَّحِيحَةِ مِمَّا يَلِي أَحَدَهُمَا، وَلَا مَعَاقِدِ الْقَمْطِ فِي الْخُصِّ، يَعْنِي: الْخُيُوطَ الَّتِي يُشَدُّ بِهَا الْخُصُّ.
وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عِمْرَانَ ـ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ ـ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَلِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِأَنَّ مَنْ بَنَى حَائِطًا جَعَلَ وَجْهَ الْحَائِطِ كَمَا إِذَا لَبِسَ ثِيَابَهُ، فَيَجْعَلُ أَحْسَنَهَا أَعْلَاهَا الظَّاهِرُ لِلنَّاسِ، لِيَرَوْهُ فَيَتَزَيَّنُ بِهِ (وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ فِي سُلَّمٍ مَنْصُوبٍ أَوْ دَرَجَةٍ) مَنْصُوبَةٍ، (فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، لِكَوْنِهِ يُرَادُ لِلصُّعُودِ، وَالْعَرْصَةُ الَّتِي عَلَيْهَا الدَّرَجَةُ لَهُ أَيْضًا لِانْتِفَاعِهِ بِهَا وَحْدَهُ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا سَقْفًا لِلسُّفْلَانِيِّ وَمَوْطِئًا لِلْفَوْقَانِيِّ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنْ كَانَ تَحْتَهَا طَاقٌ صَغِيرٌ لَمْ تُبْنَ الدَّرَجَةُ لِأَجْلِهِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ مَرْفَقًا يُجْعَلُ فِيهِ جَبُّ الْمَاءِ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ؛ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لِأَجْلِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهَا وَانْتِفَاعَهُمَا حَاصِلٌ بِهَا، فَهِيَ كَالسَّقْفِ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ: فَإِنْ كَانَ فِي الدَّرَجَةِ طَاقَةٌ وَنَحْوُهَا، فَهَلْ تَكُونُ بَيْنَهُمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
١ -
مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَتْ دَارٌ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَبْيَاتٍ: وَاحِدٌ سَاكِنٌ فِي أَحَدِ أَبْيَاتِهَا، وَآخَرُ سَاكِنٌ فِي الْبَوَاقِي، وَاخْتَلَفَا فِيهَا، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ سَاكِنٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَنْفَصِلُ عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يُشَارِكُ الْخَارِجُ مِنْهُ السَّاكِنَ فِيهِ لِثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَنَازَعَا السَّاحَةَ الَّتِي يَتَطَرَّقُ مِنْهَا إِلَى
стр. 3402
وَإِنْ تَنَازَعَا فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ تَنَازَعَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي رَفٍّ مَقْلُوعٍ أَوْ مِصْرَاعٍ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فِي الدَّارِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تَنَازَعَا دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا، جُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ.
وَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ أَوْ وَرَثَتُهُمَا فِي قُمَاشِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْبُيُوتِ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهَا (وَإِنْ تَنَازَعَا فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ، غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا اتِّصَالَ الْبُنْيَانِ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا كَالْحَائِطِ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ، وَيَتَحَالَفَانِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ السُّكْنَى إِلَّا بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ أَمْكَنَ إِحْدَاثُهُ بَعْدَ بِنَاءِ الْعُلُوِّ فَهُوَ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ تَعَذَّرَ، فَهُوَ لِرَبِّ السُّفْلِ إِنْ حَلَفَ. وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطَ الْعُلُوِّ أَوْ سَقْفَهُ فَهُوَ لِرَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطَ السُّفْلِ فَهُوَ لِرَبِّهِ، لَمْ يُذْكَرْ فِي الشَّرْحِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْتَفِعُ بِهِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْبَيْتِ، فَكَانَ لِصَاحِبِهِ، وَقِيلَ: هُوَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لِنَفْعِهِمَا، فَهُوَ كَالسَّلَمِ تَحْتَ مَسْكَنٍ (وَإِنْ تَنَازَعَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي رَفٍّ مَقْلُوعٍ أَوْ مِصْرَاعٍ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فِي الدَّارِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ بَيْنَهُمَا) قَالَهُ مُعْظَمُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الرَّفَّ وَالْمِصْرَاعَ تَابِعٌ لِلْمَنْصُوبِ، وَذَلِكَ لِصَاحِبِ الدَّارِ فَكَذَا مَا يَتْبَعُهُ، وَإِمَّا كَوْنُهُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَيَتَحَالَفَانِ.
وَذَكَرَ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: أَنَّ مَا يَتْبَعُ الدَّارَ فِي الْبَيْعِ لِرَبِّ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهَا، أَشْبَهَ الشَّجَرَةَ الْمَغْرُوسَةَ فِيهَا، وَمَا لَا يَتْبَعُهَا لِلْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَالْعَادَةُ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤَجِّرُ دَارَهُ فَارِغَةً.
وَنَصُّهُ لِمُؤَجَّرٍ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ لَمْ يَدْخُلْ فِي بَيْعٍ، وَكَذَا مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، وَمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ فَلِمُكْتَرٍ (وَإِنْ تَنَازَعَا دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا، جُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُدَّعِيَ
стр. 3403
الْبَيْتِ، فَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ، وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنِ اخْتَلَفَ صَانِعَانِ فِي قُمَاشِ دُكَّانٍ لَهُمَا، حَكَمَ بِآلَةِ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَتْ أَيْدِيهِمَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْكُلِّ فِي يَدِهِ نِصْفٌ لَا مُنَازِعَ فِيهِ، وَمُدَّعِيَ النِّصْفِ فِي يَدِهِ نِصْفٌ مُدَّعَى عَلَيْهِ بِهِ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ لِلْخَبَرِ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا؛ لِأَنَّ النِّصْفَ لَا مُنَازِعَ فِيهِ، وَالنِّصْفَ الْآخَرَ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ دَعْوَاهُمَا فِيهِ. وَجَوَابُهُ: سَبَقَ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا ثُلُثَهَا، وَالْآخَرُ جَمِيعَهَا، وَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لِلْمُدَّعِي بِتَقَدُّمِ بَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ فِي النِّصْفِ، وَإِنْ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ فَالنِّصْفُ لِمُدَّعِيهِ، وَقِيلَ: إِنْ سَقَطَتَا فَالتَّسْوِيَةُ، وَفِي الْيَمِينِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ ثَالِثٍ فَلِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ رُبُعٌ مَعَ الْبَيِّنَةِ وَالتَّحَالُفِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: هِيَ لَهُمَا نِصْفَيْنِ لِلتَّسَاقُطِ، وَقِيلَ: يَقْتَرِعَانِ عَلَى النِّصْفِ. وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ ثَلَاثَةٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمْ نِصْفَهَا، وَالْآخَرُ ثُلُثَهَا، وَالثَّالِثُ سُدُسَهَا، فَهِيَ لَهُمْ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً أَمْ لَا (وَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ) ، حُرَّيْنِ كَانَا أَوْ رَقِيقَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُهُ، (أَوْ وَرَثَتُهُمَا) أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ (فِي قُمَاشِ الْبَيْتِ، فَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ) ، كَالسَّيْفِ وَالْعِمَامَةِ، (فَهُوَ لِلرَّجُلِ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ) ، كَالْحُلِيِّ وَزِينَتِهِنَّ، (فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَقِيلَ: وَلَا عَادَةَ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: الْمُصْحَفُ لَهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ تَكْتُبُ وَلَا تَقْرَأُ بِذَلِكَ فَهُوَ لَهُ (وَإِنِ اخْتَلَفَ صَانِعَانِ فِي قُمَاشِ دُكَّانٍ لَهُمَا، حَكَمَ بِآلَةِ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَلِأَنَّ الْآلَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّانِعِ كَالْقُمَاشِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِيمَا فِي أَيْدِيهِمَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي الْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ (وَقَالَ الْقَاضِي) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (إِنْ كَانَتْ أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ
стр. 3404
عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا هو فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حَكَمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ حَكَمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ) لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ أَقْوَى مِنَ الْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَنَازَعَ الْخَيَّاطُ وَصَاحِبُ الدَّارِ الْإِبْرَةَ وَالْمِقَصَّ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا الْمُشَاهَدَةُ فَهُوَ لَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ مِمَّا خَرَجَ عَنِ الْمَسْكَنِ وَالدُّكَّانِ بِالصَّلَاحِيَّةِ فَقَطْ بِحَالٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا يَدٌ حُكْمِيَّةٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمُخْتَلِفَيْنِ (وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا هو فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ، فَشُرِّعَتِ الْيَمِينُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ) لِأَنَّهَا تُظْهِرُ الْحَقَّ (وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حَكَمَ لَهُ بِهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَمْ يَحْلِفْ لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَحَدُ حُجَّتَيِ الدَّعْوَى، فَيُكْتَفَى بِهَا كَالْيَمِينِ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْفُتْيَا مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يُسْتَحْلَفُ الرَّجُلُ مَعَ بَيِّنَتِهِ. قِيلَ لِشُرَيْحٍ: مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي الْقَضَاءِ؛ فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّاسَ أَحْدَثُوا فَأَحْدَثْتُ. قَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الْقَيَّمِ: وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ، لَا سِيَّمَا مَعَ التُّهْمَةِ، وَيَخْرُجُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَجْهَانِ.
قَالَ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُهَنَّا، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يُقِيمُ الشُّهُودَ، أَيَسْتَقِيمُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِ الشُّهُودِ: احْلِفْ؛ قَالَ: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ.
قُلْتُ: مَنْ ذَكَرَهُ؛ قَالَ: ثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، ثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ حُنَيْسٍ، قَالَ: اسْتَحْلَفَ عَلِيٌّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحُرِّ الشُّهُودَ (وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ) وَهِيَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، أُقِيمَتْ بَيِّنَةُ مُنْكِرٍ بَعْدَ زَوَالِ يَدِهِ أَوْ لَا، (حَكَمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الْبَيِّنَةَ فِي جَنَبَةِ المدعي بِقَوْلِهِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» فَلَا يَبْقَى فِي جَنَبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَلِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ فَائِدَةً؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا كَبَيِّنَةِ الْجُرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ، وَبَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ إِنَّمَا تُثْبِتُ ظَاهِرًا دَلَّتِ الْيَدُ عَلَيْهِ فَلَمْ تُفِدْ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ بَيِّنَةِ الْمُنْكِرِ رُؤْيَةَ التَّصَرُّفِ، وَمُشَاهَدَةُ الْيَدِ أَشْبَهَتِ الْيَدَ الْمُفْرَدَةَ.
стр. 3405
وَعَنْهُ: إِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، أَوْ قَطِيعَةً مِنَ الْإِمَامِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِمَا: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ تَرْجِيحٌ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ـ فِيه رِوَايَة أُخْرَى ـ: أَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْخَارِجِ، وَأَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِيَةُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ مُطْلَقًا، اخْتَاره أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهُمَا تَعَارَضَتَا وَمَعَ صَاحِبِ الْيَدِ تَرْجِيحٌ بِهَا، فَقُدِّمَتْ كَالنَّصَّيْنِ إِذَا تَعَارَضَا وَمَعَ أَحَدِهِمَا الْقِيَاسُ (وَعَنْهُ: إِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، أَوْ قَطِيعَةٌ مِنَ الْإِمَامِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ أَنْتَجَهَا، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا لِلَّذِي فِي يَدِهِ» وَلِأَنَّهَا إِذَا شَهِدَتْ بِالسَّبَبِ أَفَادَتْ مَا لَا تُفِيدُهُ الْيَدُ، وَتَرَجَّحَتْ بِالْيَدِ فَوَجَبَ تَرْجِيحُهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِذَلِكَ (فَهِيَ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ) .
قَالَ أَحْمَدُ: الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي، لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ بَيِّنَةٌ، وَعَنْهُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ، إِلَّا أَنْ تَمْتَازَ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ أَوْ سَبْقِهِ فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ، وَعَلَى هَذَا يَكْفِي مُطْلَقُ السَّبَبِ.
وَعَنْهُ: تُعْتَبَرُ إِفَادَتُهُ لِلسَّبْقِ، فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهَا أَنْتَجَتْ فِي مِلْكِهِ تَعَارَضَتَا، وَقَدَّمَ فِي الْإِرْشَادِ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ خَارِجٍ (وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِمَا: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ تَرْجِيحٌ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَقْوَى مِنْهَا، لِأَنَّهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا الْيَدَ، بِخِلَافِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ـ فِيه رِوَايَة أُخْرَى ـ: أَنَّهَا) ، أَيْ: بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، (مُقَدَّمَةٌ بِكُلِّ حَالٍ) لِأَنَّ جَنْبَتَهُ أَقْوَى مِنْ جَنَبَةِ الْخَارِجِ، بِدَلِيلِ أَنَّ يَمِينَهُ تُقَدَّمُ عَلَى يَمِينِهِ (وَإِنْ أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْخَارِجِ، وَأَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَارِجُ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ صَاحِبُ الْيَدِ، وَأَنَّ يَدَ الدَّاخِلِ نَائِبَةٌ عَنْهُ (وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ) لِأَنَّهُ الْمُدَّعِي، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي حَقِّ الدَّاخِلِ فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ فِي حَقِّ الْخَارِجِ، وَقِيلَ: يَتَعَارَضَانِ، فَلَوِ
стр. 3406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّ الْعَيْنَ مِلْكُهُ أَوْدَعَهَا إِيَّاهُ أَوْ آجَرَهُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى؛ نَصَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَكَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْوَدِيعَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَةٌ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَارِجُ فِي الْمَعْنَى.
وَمِثْلُهُ: لَوِ ادَّعَى أَنَّ الدَّاخِلَ غَصَبَهُ إِيَّاهَا.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً وَلَمْ يَعْدِلْهَا، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَتُسْمَعُ بَعْدَ التَّعْدِيلِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَلَا تُسْمَعُ قَبْلَ سَمَاعِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَتَعْدِيلِهَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَالتَّسْلِيمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلدَّاخِلِ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، فَرَفَعْنَا يَدَهُ فَجَاءَتْ بَيِّنَتُهُ، وَقَدِ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فِي بَيِّنَةِ خَارِجٍ، وَإِنِ ادَّعَاهُ مُسْتَنِدًا إِلَى مَا قَبْلَ رَفْعِ يَدِهِ، فَبَيِّنَةُ دَاخِلٍ، وَالْمُرَادُ فَمَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يُقَدِّمُهَا وَيَنْقُضُ الْحُكْمَ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَالْمُرَادُ إِنْ كَانَ يَرَى تَقْدِيمَهَا عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ بَيِّنَةِ دَاخِلٍ، فَقَدْ بَيَّنَ إِسْنَادَ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ إِلَى حَالَةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا كَانَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ شَاةٌ مَسْلُوخَةٌ وَبَاقِيهَا فِي يَدِ آخَرَ، فَادَّعَاهَا كُلٌّ مِنْهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ، فَلِكُلٍّ مَا فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ـ وَقُلْنَا بِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ ـ فَلِكُلٍّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ فِي يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا شَاةٌ، فَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ لَهُ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَلَا تَعَارُضَ، وَإِنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِكَ مِنْ نِتَاجِ شَاتِي هَذِهِ، فَالتَّعَارُضُ فِي النِّتَاجِ لَا فِي الْمِلْكِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا ادَّعَى شَاةً بِيَدِ عَمْرٍو، وَأَقَامَ بَيِّنَةً قُضِيَ لَهُ، فَإِنْ أَقَامَ عَمْرٌو بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ لَمْ تُسْمَعْ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةُ دَاخِلٍ لَهُ يَدٌ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ شَاةٌ، فَادَّعَى عَمْرٌو أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَادَّعَى زَيْدٌ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً، فَهِيَ لِعَمْرٍو بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، فَإِنْ شُهِدَتْ بَيِّنَةُ عَمْرٍو بِأَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَقَدْ تَعَارَضَ التَّرْجِيحَانِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ أَنَّهُ مَلَكَهَا مُنْذُ سَنَةٍ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَنَّهُ مَلَكَهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، عَلَى الْمَشْهُورِ.
стр. 3407
فصل
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ فِي يَدَيْهِمَا فَيَتَحَالَفَانِ وَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ تَنَازَعَا مُسَنَّاةً بَيْنَ نَهَرِ أَحَدِهِمَا وَأَرْض الْآخَرِ، تَحَالَفَا وَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ تَنَازَعَا صَبِيًّا فِي يَدَيْهِمَا ـ وَإِنْ كَانَ مُمَيَّزًا ـ فَقَالَ: إِنِّي حُرٌّ، فَهُوَ حُرٌّ، إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرِقِّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[كَوْنُ الْعَيْنِ فِي يَدِي الْمُتَدَاعِيَيْنِ]
فصل (الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ فِي يَدَيْهِمَا فَيَتَحَالَفَانِ وَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا عَنِ الْيَمِينِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا وَحَلَفَ الْآخَرُ قُضِيَ لَهُ بِجَمِيعِهَا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدِهِ بِيَمِينِهِ، وَمَا فِي يَدِ الْآخَرِ بِنُكُولِهِ، أَوْ بِيَمِينِهِ الَّتِي رُدَّتْ عَلَيْهِ بِنُكُولِ صَاحِبِهِ، وَفَى كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: هُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، إِنَّمَا يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الَّذِي نَجْعَلُهُ لَهُ، (وَإِنْ تَنَازَعَا مُسَنَّاةً) الْمُسَنَّاةُ: السَّدُّ الَّذِي يَرِدُ مَاءَ النَّهْرِ مِنْ جَانِبِهِ (بَيْنَ نَهَرِ أَحَدِهِمَا وَأَرْضِ الْآخَرِ، تَحَالَفَا، وَهِيَ بَيْنَهُمَا) ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكِهِمَا يَنْتَفِعُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَشْبَهَ الْحَائِطَ بَيْنَ الدَّارَيْنِ، وَقِيلَ: لِرَبِّ النَّهْرِ، وَقِيلَ: لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَلِرَبِّ النَّهْرِ الِارْتِفَاقُ بِهَا فِي تَنْظِيفِ النَّهْرِ، وَالْحَوْضُ كَالنَّهْرِ فِي ذَلِكَ.
فَرْعٌ: إِذَا تَنَازَعَا جَرَّارًا بَيْنَ مِلْكِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَيَتَحَالَفَانِ، وَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّ نِصْفَهُ لَهُ، وَفِي الْمُغْنِي: يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ كُلَّهُ لَهُ (وَإِنْ تَنَازَعَا صَبِيًّا) مَجْهُولَ النَّسَبِ (فِي يَدَيْهِمَا) كذلك، أَيْ: يَتَحَالَفَانِ وَهُوَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ عَنْ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ الْبَهِيمَةَ، إِلَّا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ سَبَبَ يَدِهِ غَيْرُ الْمِلْكِ، مِثْلَ: أَنْ يَلْتَقِطَهُ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِرِقِّهِ؛ لِأَنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَقَدْ وُجِدَ فِيهِ دَلِيلُ الْمِلْكِ وَهُوَ الْيَدُ مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ، فَيَحْكُمُ بِرِقِّهِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ.
فَعَلَى هَذَا: إِذَا بَلَغَ وَادَّعَى الْحُرِّيَةَ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِرِقِّهِ قَبْلَ دَعْوَاهُ، فَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَدَنِهِ، وَالْآخَرُ عَلَى ثَوْبِهِ، فَهُوَ وَثَوْبُهُ لِلْأَوَّلِ (وَإِنْ كَانَ مُمَيَّزًا، فَقَالَ: إِنِّي حُرٌّ، فَهُوَ حُرٌّ) قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْحُرِّيَّةُ، وَهِيَ الْأَصْلُ فِي بَنِي آدَمَ، وَلِأَنَّهُ يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ
стр. 3408
يَكُونَ كَالطِّفْلِ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حَكَمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، قَدَّمَ أَسْبَقَهُمَا تَارِيخًا، فَإِنْ وُقِّتَتْ إِحْدَاهُمَا وَأُطْلِقَتِ الْأُخْرَى، فَهُمَا سَوَاءٌ، وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ الْمُطْلَقَةِ، وَإِنْ شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْمِلْكِ، وَالْأُخْرَى بِالْمِلْكِ وَالنِّتَاجِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرِقِّهِ) فَيُعْمَلُ بِهَا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالطِّفْلِ) أَيْ: يَكُونَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، أَشْبَهَ الطِّفْلَ، وَكَمَا لَوِ اعْتَرَفَ بِرِقِّهِ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَيَا رِقَّ بَالِغٍ فَصَدَّقَهُمَا فَهُوَ لَهُمَا، وَإِنْ كَذَّبَهُمَا ـ وَلَا بَيِّنَةَ ـ حَلَفَ لَهُمَا وَخُلِّيَ، وَإِنْ صَدَقَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ لَهُ؛ لِأَنَّ رِقَّهُ إِنَّمَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ جَحَدَهُمَا قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: إِنْ سَكَتَ هُوَ أَوِ الْمُمَيَّزُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُمَا.
وَقِيلَ: بَلَى، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً بِرِقِيِّة أَحَدُهُمَا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِحُرِّيَّتِهِ تَعَارَضَتَا، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْحُرِّيَّةِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ (وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حَكَمَ لَهُ بِهَا) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُظْهِرُ صَاحِبَ الْحَقِّ (وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، قَدَّمَ أَسْبَقَهُمَا تَارِيخًا) قَالَ الْقَاضِيَ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ لِصَاحِبِهَا فِي وَقْتٍ لَمْ تُعَارِضْ فِيهِ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ، وَلِهَذَا لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَاقِي ذَلِكَ الزَّمَانَ، وَتَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْمِلْكِ فِي الْحَالِ فَسَقَطَتَا وَبَقِيَ مِلْكُ السَّابِقِ تجب اسْتَدَامَتِهِ، مِثْلَ أَنْ تَشْهَدَ إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَالْأُخْرَى أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ.
وَظَاهِرُ الْخِرَقِيُّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِالْمِلْكِ الْحَادِثِ أَوْلَى لِجَوَازِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ دُونَ الْأَوَّلِ، فَإِذَا لَمْ يُرَجَّحْ بِهَذَا فَلَا أَقَلَّ مِنَ التَّسَاوِي. وَأَجَابَ فِي الْمُغْنِي عَنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَثْبُتُ تَبَعًا لِلزَّمَنِ الْحَاصِلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَتِ الدَّعْوَى بِالزَّمَنِ الْمَاضِي لَمْ تُسْمَعْ (فَإِنْ وُقِّتَتْ إِحْدَاهُمَا وَأُطْلِقَتِ الْأُخْرَى، فَهُمَا سَوَاءٌ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُطْلَقَةِ مَا يَقْتَضِي التَّقْدِيمَ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا، كَمَا لَوْ أُطْلِقَتَا جَمِيعًا (وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ الْمُطْلَقَةِ) هَذَا وَجْهٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِهَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا قَبْلَ الْمُوَقَّتَةِ (وَإِنْ شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْمِلْكِ، وَالْأُخْرَى بِالْمِلْكِ وَالنِّتَاجِ أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) :
стр. 3409
أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بِذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَا تُقَدَّمُ إِحْدَاهُمَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلَا اشْتِهَارِ الْعَدَالَةِ، وَلَا الرجلان عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِذَا تَسَاوَتَا تَعَارَضَتَا، وَقُسِّمَتِ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمُهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ: لَا تُرَجَّحُ بِهِ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي إِثْبَاتِ أَصْلِ الْمِلْكِ وَالْيَدِ فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي: تُقَدَّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْأُخْرَى، كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ.
وَعَنْهُ: لَا تُقَدَّمُ إِحْدَاهُمَا إِلَّا بِالسَّبْقِ، أَوْ سَبَبٍ يُفِيدُهُ كَالنِّتَاجِ فِي مِلْكِهِ وَالْإِقْطَاعِ، فَأَمَّا سَبَبُ الْإِرْثِ أَوِ الْهِبَةِ أَوِ الشِّرَاءِ فَلَا، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: فَعَلَى هَاتَيْنِ إِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِمِلْكٍ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأُطْلِقَتِ الْأُخْرَى، فَهَلْ هُمَا سَوَاءٌ أَوْ تُقَدَّمُ الْمُطْلَقَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ بِسَبْقِ الْمِلْكِ أَوْ سَبَبِهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ. وَقِيلَ: هُمَا كَغَيْرِهِمَا فِي السُّقُوطِ وَغَيْرِهِ.
وَكَذَا إِذَا اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَلَا تقدم إِحْدَاهُمَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلَا اشْتِهَارِ الْعَدَالَةِ، وَلَا الرجلان عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدَّرَ الشَّهَادَةَ بِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ وَبِالْعَدَالَةِ وَبِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ بِالزِّيَادَةِ.
وَعَنْهُ: تُرَجَّحُ بِاشْتِهَارِ الْعَدَالَةِ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرَّجُلَيْنِ وَتَخْرِيجٌ فِي كَثْرَةِ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ يُرَجَّحُ بِذَلِكَ، وَالشَّهَادَةُ خَبَرٌ، وَلِأَنَّ الظَّنَّ يَقْوَى بِذَلِكَ (وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) صَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ حُجَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، فَتَقَدَّمَ عَلَى الْمُخْتَلِفِ فِيهِ.
وَالثَّانِي: لَا تُرَجَّحُ بِذَلِكَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ: بَلْ تَتَعَارَضَانِ؛ لِأَنَّهُمَا حُجَّتَانِ أَشْبَهَتَا الْبَيِّنَتَيْنِ، (وَإِذَا تَسَاوَتَا تَعَارَضَتَا) لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى (وَقُسِّمَتِ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا) عَلَى
стр. 3410
بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَعَنْهُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَعَنْهُ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا، فَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَا: وَهِيَ مِلْكُهُ، وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ بِهِ، وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ وَهِيَ مِلْكُهُ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو وَهِيَ مِلْكُهُ، وَأَقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا.
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَفِي الْكَافِي: إنَّهُ الْأَوْلَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي بَعِيرٍ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَعِيرِ بَيْنَهُمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا دَاخِلٌ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ خَارِجٌ فِي نِصْفِهَا الْآخَرِ، (بِغَيْرِ يَمِينٍ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ لِظَاهِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ (وَعَنْهُ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا) ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، فَعَلَى هَذَا: يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ وَكَالْخَبَرَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ.
وَجَوَابُهُ: الْفَرْقُ أَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ، وَالْبَيِّنَةُ الرَّاجِحَةُ يَحْكُمُ بِهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَنَصَرَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: يَسْتَهِمَانِ عَلَى مَنْ يَحْلِفُ، وَتَكُونُ الْعَيْنُ لَهُ، وَنَقَلَهُ صَالِحٌ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ الْقُرْعَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي مَوْضِعِ الْإِبْهَامِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا (فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ لِصَاحِبِهِ (وَأَخَذَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ الْقُرْعَةِ، وَالْمُقَدَّمُ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ (فَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَا: وَهِيَ مِلْكُهُ، وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ بِهِ) لِأَنَّ مُجَرَّدَ الشِّرَاءِ لَا يُوجِبُ نَقْلَ الْمِلْكِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَقَعَ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ انْضِمَامِ الْمِلْكِ لِلْبَائِعِ، وَلِأَنَّ مُجَرَّدَ الشِّرَاءِ لَوْ أَفَادَ لَتَمَكَّنَ مَنْ أَرَادَ انْتِزَاعَ مِلْكٍ مِنْ يَدِ شَخْصٍ بِذَلِكَ، بِأَنْ يُوَافِقَ شَخْصًا لَا مِلْكَ لَهُ عَلَى إِيقَاعِ الشِّرَاءِ عَلَى الْمِلْكِ الَّذِي فِي يَدِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، وَيَنْتَزِعُهُ مِنْهُ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ (وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ وَهِيَ مِلْكُهُ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو وَهِيَ مِلْكُهُ، وَأَقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا) لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي السَّبَبِ وَثُبُوتِ الْمِلْكِ وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّعَارُضَ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَرْضًا. وهو رِوَايَةٌ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ.
стр. 3411
اشْتَرَاهَا مِنْهُ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ أَوْ أَعْتَقَهُ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ، وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِأَبِي خَلَّفَهَا تَرِكَةً، وَأَقَامَتِ امْرَأَتُهُ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا، فَهِيَ لِلْمَرْأَةِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِيَةُ: يُقَدِّمُ أَسْبَقَهُمَا تَارِيخًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لِلْخَارِجِ.
فَرْعٌ: مَنِ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِهِ، فَأَقَامَ زَيْدٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو حِينَ كَانَتْ مِلْكَهُ، وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ فَهِيَ لِزَيْدٍ، وَإِلَّا فَلَا.
وَكَذَا دَعْوَى وَقْفِهَا عَلَيْهِ مِنْ عَمْرٍو، وَهِبَتِهَا لَهُ مِنْهُ، وَمَنْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِشَيْءٍ ادَّعَاهُ، وَذَكَرَ تَلَقِّيَهُ مَنْ سَمِعَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ، فَهَلْ يَلْزَمُ ذِكْرُ تَلَقِّيهِ مِنْهُ؟ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
إِذَا قَالَ: آجرتك هَذَا الْبَيْتَ بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: بَلْ جَمِيعُ الدَّارِ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا وَقِيلَ: يُقَدَّمُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ (وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ أَوْ أَعْتَقَهُ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ) لِأَنَّهَا شَهِدَتْ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ عَلَى بَيِّنَةِ الْمِلْكِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، فَثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْأَوَّلِ وَالشِّرَاءُ مِنْهُ لِلثَّانِي، وَلَمْ تُرْفَعْ يَدُهُ بَلْ تُقِرُّ فِي يَدِهِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِأَنَّ بَيِّنَتَهُ مُقَدَّمَةٌ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، فَإِنَّ الْيَدَ تُرْفَعُ فِيهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ هُوَ الدَّاخِلُ، كَقَوْلِهِ: أَبْرَأَنِي مِنَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ، طُولِبَ بِالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ يَطُولُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُ بِمِلْكٍ إِلَى حِينِ وَقْفِهِ، وَأَقَامَ وَارِثٌ بَيِّنَةً أَنَّ مُوَرِّثَهُ اشْتَرَاهُ مِنَ الْوَاقِفِ قَبْلَ وَقْفِهِ: قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ وارث؛ لِأَنَّ مَعَهَا مَزِيدَ عِلْمٍ، كَتَقْدِيمِ مَنْ شَهِدَ بِأَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ (وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِأَبِي خَلَّفَهَا تَرِكَةً، وَأَقَامَتِ امْرَأَتُهُ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا فَهِيَ لِلْمَرْأَةِ) لِأَنَّ بَيِّنَتَهَا شَهِدَتْ بِالسَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِنَقْلِ الْمِلْكِ، وَقَوْلُ الِابْنِ: إِنَّ أَبَاهُ تَرَكَهَا تَرِكَةً لَا تُعَارِضُهَا، وَإِنَّ نَافِيَهَا فِي مُسْتَنَدِهَا فِيهِ هُوَ الِاسْتِصْحَابُ، وَقَدْ تَبَيَّنَ قَطْعُهُ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى سَبَبِ النَّقْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ فَيَصْدُقُ الِابْنُ إِنْ حَلَفَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَتْ دَارٌ بِيَدِ زَيْدٍ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ بِكَذَا وَقُبِلَ، أَوْ
стр. 3412
فصل
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ يقبل وَهِيَ مِلْكُهُ، بَلْ كَانَتْ تَحْتَ يَدِهِ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَاتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا.
فَإِنْ قُلْنَا: تُقَسَّمُ تَحَالُفًا، وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى زَيْدٍ بِمَا وَزَنَ لَهُ.
وَقِيلَ: بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عَلَيْهِ.
فَإِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا فَلِلْآخَرِ طَلَبُ كُلِّ الدَّارِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ حَكَمَ لَهُ بِنِصْفِ السِّلْعَةِ وَنِصْفِ الثَّمَنِ فَلَا يَعُودُ النِّصْفُ الْآخَرُ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَقْرَعْنَا فَهِيَ لِمَنْ قَرَعَ، وَفِي الْيَمِينِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَإِنْ سَقَطَتَا فَكَمَا سَبَقَ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا حَكَمَ بِالْأَسْبَقِ وَغَرِمَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ لِلثَّانِيَةِ وَإِنْ أَرْخَتْ إِحْدَاهُمَا أَوْ لَمْ تُؤَرِّخَا تَعَارَضَتَا فِي الْمِلْكِ فِي الْحَالِ، لَا فِي الشِّرَاءِ لِجَوَازِ تَعَدُّدِهِ وَتَجَدُّدِهِ، وَإِنِ ادَّعَاهَا زَيْدٌ لِنَفْسِهِ حَلَفَ لَهُمَا مَرَّةً، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: يَسْقُطَانِ، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا وَأَخَذَهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ فَمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا غَيْرَ زَيْدٍ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ وَحْدَهُ وَأَخَذَهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: تُقَسَّمُ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ـ فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ ـ فِي رَجُلٍ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَةً بِمِائَةٍ، وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا، فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ نِصْفَ السِّلْعَةِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ.
[كَوْنُ الْعَيْنِ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا]
فصل
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ: تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا) نَقُولُ: إِذَا ادَّعَاهَا صَاحِبُ الْيَدِ لِنَفْسِهِ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا فِي الْأَشْهَرِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا لَزِمَهُ الْعَيْنُ لَهُمَا أَوْ عَوَّضَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ (فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ»
стр. 3413
الْقُرْعَةُ حَلَفَ، وَأَخَذَهَا فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي عَبْدًا فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يُرَجَّحْ بإِقْرَاره، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حَكَمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ تَعَارَضَتَا، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَنَّ الْقُرْعَةَ تَتَمَيَّزُ عِنْدَ التَّسَاوِي، وَلِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدٌ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِهِ (فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا) لِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: يَقْتَسِمَانِهَا، وَيَتَحَالَفَانِ، وَقِيلَ: مَنْ قَرَعَ مِنَ الْمُدَّعِيَيْنِ وَحَلَفَ فَهِيَ لَهُ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ إِذَا اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا، وَصَدَّقَاهُ فِي نَفْيِ الْعِلْمِ لَمْ يَحْلِفْ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ وَاقْتَرَعَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ وَأَخَذَهَا.
وَإِنْ كَذَّبَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ بِذَلِكَ، وَاقْتَرَعَا قَبْلَ حَلِفِهِ الْوَاجِبِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ نَكَلَ تَعَيَّنَ قَبْلَهُ.
وَإِنِ اقْتَرَعَا قَبْلُ، فَلَا حَلِفَ عَلَيْهِ كَغَيْرِ الْمَقْرُوعِ الْمُكَذَّبِ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ الْقِيمَةُ، وَعَنْهُ: يَقِفُ الْحُكْمُ حَتَّى يَأْتِيَا بِأَمْرٍ بَيِّنٍ، قَالَ: لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ فَسَقَطَتَا، كَمَا لَوِ ادَّعَيَا زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّهُمَا يَسْقُطَانِ كَذَا هُنَا، (فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي عَبْدًا) مُكَلَّفًا (فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يُرَجَّحْ بإِقْرَاره) هذا رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ أَشْبَهَ الطِّفْلَ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا صَدَقَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ لَهُ كَمُدَّعٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ صَدَّقَهُمَا فَهُوَ لَهُمَا، وَإِنْ جَحَدَ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَحُكِيَ: لَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ.
مَسَائِلُ: إِذَا أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ حَلَفَ وَأَخَذَهَا، وَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ لِلْآخَرِ، وَإِنْ نَكَلَ أَخَذَ مِنْهُ بَدَلَهَا، وَإِنْ أَخَذَهَا الْمُقِرُّ لَهُ فَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَخَذَهَا مِنْهُ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لِلْمُقِرِّ لَهُ قِيمَتُهَا عَلَى الْمُقِرِّ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا وَنَكَلَ عَنِ التَّعْيِينِ اقْتَسَمَاهَا، وَإِنْ قَالَ: هِيَ لِأَحَدِهِمَا وَأَجْهَلَهُ، فَإِنْ صَدَّقَاهُ لَمْ يَحْلِفْ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حَكَمَ لَهُ بِهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا أَظْهَرَتْ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلَّعِينِ الْمَالِكِ لَهَا (وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ تَعَارَضَتَا) لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَسَوَاءٌ كَانَ مُقِرًّا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، أَوْ لَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدٍ (وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) وَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
стр. 3414
تَقَدَّمَ، فَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يرَجَّحْ بِذَلِكَ، وَإِنِ ادَّعَاهَا صَاحِبُ الْيَدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِحْدَاهُمَا: الْقُرْعَةُ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُسَيَّبِ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرٍ، وَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشُهُودٍ عُدُولٍ، فَأَسْهَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.
فَعَلَى هَذَا: مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عَلَيْهِ الْيَمِينُ مَعَ بَيِّنَتِهِ، تَرْجِيحًا لَهَا.
وَالثَّانِيَةُ: تُقَسَّمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى فِي الْبَعِيرِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ فِي يَدِهِمَا، وَفِي قَوْلٍ: يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
فَرْعٌ: إِذَا أَنْكَرَهُمَا مِنَ الْعَيْنِ فِي يَدِهِ، وَكَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حَكَمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَإِنْ قُلْنَا تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ، أُخِذَتِ الْعَيْنُ مِنْ يَدِهِ وَقُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُدْفَعُ إِلَى مَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَإِنْ قُلْنَا: بِسُقُوطِهِمَا، حَلَفَ صَاحِبُ الْيَدِ وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ (فَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يرَجَّحْ بِذَلِكَ) كَإِقْرَارِ الْعَبْدِ لِأَحَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ، إِذَا قُلْنَا: لَا تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ زَوَالُ مِلْكِهِ فَصَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ قُلْنَا: بِسُقُوطِهِمَا، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا قَبْلَ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ صَارَ الْمُقِرُّ لَهُ صَاحِبَ الْيَدِ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ الْعَيْنُ مُقِرٌّ بِأَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا فَالْيَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْجُزْءِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ: أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِهَا أَنَّهَا لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُقِرُّ لِلْآخَرِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ عِوَضُهَا.
فَرْعٌ: أَخَذَ ثَوْبًا مِنْ زَيْدٍ بِعَشَرَةٍ، وَآخَرَ مِنْ عَمْرٍو بِعِشْرِينَ، فَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا الْأَكْثَرَ قِيمَةً، وَلَا بَيِّنَةَ، اقْتَرَعَا، فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَ الْأَكْثَرَ قِيمَةً، وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَفِي الرِّعَايَةِ: وَكَذَا إِنِ اشْتَرَاهَا مِنْهُمَا اثْنَانِ أَوْ بَاعَهُ لَهُمَا وَاحِدٌ (وَإِنِ
стр. 3415
لِنَفْسِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهِيَ لَهُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ فَيكُونُ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٍ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً انْبَنَى عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ زَيْدٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ مَا إِذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ادَّعَاهَا صَاحِبُ الْيَدِ لِنَفْسِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهِيَ لَهُ) لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْيَدِ وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ لِلْخَبَرِ، وَكَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ) لِأَنَّهُ يَظْهَرُ الْمُسْتَحِقُّ لَهَا دُونَ صَاحِبِ الْيَدِ (فَيكُونُ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ) لِأَنَّ بَيِّنَتَهُمَا أَظْهَرَتْ أَنَّهُمَا الْمُسْتَحِقَّانِ لَهَا، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لِصَاحِبِ الْيَدِ، فَرَجَحَتْ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِالْقُرْعَةِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا لَكِنْ لَا يَعْلَمُهُ بِعَيْنِهِ.
تَنْبِيهٌ: ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى أَوِ اتَّهَبَ مِنْ زَيْدٍ عَبْدَهُ، وَادَّعَى آخَرُ كَذَلِكَ، أَوِ ادَّعَى الْعَبْدُ الْعِتْقَ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، بِذَلِكَ قَدَّمْنَا أَسْبَقَ التَّصَرُّفَيْنِ إِنْ عَلِمَ التَّارِيخَ، وَإِلَّا تَعَارَضَتَا فَتَسْقُطَانِ، أَوْ يُقَسَّمُ أَوْ يُقْرَعُ كَمَا سَبَقَ.
وَعَنْهُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعِتْقِ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بِيَدِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَوْ يَدِ نَفْسِهِ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ إِلْغَاءٌ لِهَذِهِ الْيَدِ، لِلْعِلْمِ بِمُسْتَنَدِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَعَنْهُ: أَنَّهَا يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ فَلَا تَعَارُضَ، بَلِ الْحُكْمُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، قَالَهُ الْمَجْدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً انْبَنَى عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ) لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَاخِلٌ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَالْعَبْدُ خَارِجٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ يَدٌ، هَذَا إِذَا كَانَا بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَا بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قَدَّمْنَا الْأُولَى وَبَطَلَتِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ إِنْ سَبَقَ الْعِتْقُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ صَحَّ الْبَيْعُ لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ.
لَا يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَادَ إِلَى مِلْكِهِ فَأَعْتَقَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي فَلَا يُبْطِلُهُ عِتْقُ الْبَائِعِ (وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ زَيْدٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ مَا إِذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا) لِأَنَّ الْعَبْدَ عَيْنٌ، وَهُوَ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، فَعَلَى هَذَا: يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ زَيْدٍ، فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا قُبِلَ إِقْرَارُهُ وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا
стр. 3416
غَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدٌ، فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنِّي بِثَمَنٍ سَمَّاهُ فَصَدَّقَهُمَا، لَزِمَهُ الثَّمَنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَنْكَرَهُمَا حَلَفَ لَهُمَا وَبَرِئَ، وإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا لَزِمَهُ مَا ادَّعَاهُ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ فَلَهُ الثَّمَنُ وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَأَمْكَنَه صِدْقُهُمَا لِاخْتِلَافِ تَارِيخِهِمَا، أَوْ إِطْلَاقِهِمَا، أَوْ إِطْلَاقِ إِحْدَاهُمَا وَتَارِيخِ الْأُخْرَى، عَمِلَ بِهِمَا، وَإِنِ اتَّفَقَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بَيِّنَةً حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً قُدِّمَتِ السَّابِقَةُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ، أُقْرِعَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالْعَبْدِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَحُكِمَ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ، جُعِلَ نِصْفُ الْعَبْدِ مَبِيعًا وَنَصِفُهُ حُرًّا، ثُمَّ يَسْرِي إِلَى بَاقِيهِ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُوسِرًا (وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدٌ فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنِّي بِثَمَنٍ سَمَّاهُ فَصَدَّقَهُمَا، لَزِمَهُ الثَّمَنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ مَلَكَهُ الْآخَرُ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ، فَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَقَدْ أَقَرَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَلَهُ تَحْلِيفُهُ عَلَى الْبَاقِي، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ (وَإِنْ أَنْكَرَهُمَا حَلَفَ لَهما وَبَرِئَ) لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَيَحْلِفُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَمِينًا، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي (وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا لَزِمَهُ مَا ادَّعَاهُ) لِتَوَافُقِهِمَا عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ (وَحَلَفَ لِلْآخَرِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ فَلَهُ الثَّمَنُ) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْإِنْكَارِ لِلْخَبَرِ (وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَأَمْكَنَ صِدْقُهُمَا لِاخْتِلَافِ تَارِيخِهِمَا، أَوْ إِطْلَاقِهِمَا، أَوْ إِطْلَاقِ إِحْدَاهُمَا وَتَارِيخِ الْأُخْرَى، عَمِلَ بِهما) ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَإِذَا أَمْكَنَ صِدْقُهُمَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِمَا، كَالْخَبَرَيْنِ إِذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا، وَقِيلَ: إِذَا لَمْ تُوَرّخَا أَوْ إِحْدَاهُمَا تَعَارَضَتَا، كَمَا لَوِ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا.
وَفِي الْكَافِي: بِاحْتِمَالِ اسْتِوَاءِ تَارِيخِهِمَا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ سُؤَالًا: وَهُوَ أَنَّهُ لِمَ قُلْتُمْ: إِنَّ الْبَائِعَ إِذَا كَانَ وَاحِدًا وَالْمُشْتَرِي اثْنَيْنِ، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي صَفَرٍ، يَكُونُ شِرَاءُ الثَّانِي بَاطِلًا؟
وَأَجَابَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْأَوَّلِ، لَمْ يُبْطِلْهُ بِأَنْ يَبِيعَهُ لِلثَّانِي ثَانِيًا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا ثُبُوتُ شِرَائِهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبْطِلُ مِلْكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَانِيًا مِلْكَ نَفْسِهِ،
стр. 3417
تَارِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاعَنِي إِيَّاهُ بِأَلْفٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً، قَدَّمَ أَسْبَقَهُمَا تَارِيخًا، وَإِنْ لَمْ تَسْبِقْ إِحْدَاهُمَا تَعَارَضَتَا، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: غَصَبَنِي إِيَّاهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: مَلَّكَنِيهِ، أَوْ أَقَرَّ لِي بِهِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا يَغْرَمُ لِلْآخَرِ شَيْئًا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ لَهُ فَافْتَرَقَا (وَإِنِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا) لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا، وَالتَّسَاوِي يُوجِبُ التَّعَارُضَ (وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّسَاقُطِ، رَجَعَ إِلَى قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.
فَعَلَى هَذَا: لَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ، وَجَبَ الثَّمَنُ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ وَيَبْرَأُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ، قُسِّمَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْلِفُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْبَاقِي (وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاعَنِي إِيَّاهُ بِأَلْفٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً، قَدَّمَ أَسْبَقَهُمَا تَارِيخًا) لِأَنَّ نَقْلَ الْمِلْكِ حَاصِلٌ لِمَنْ سَبَقَ، فَوُقُوعُ الْعَقْدِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ (وَإِنْ لَمْ تَسْبِقْ إِحْدَاهُمَا تَعَارَضَتَا) لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلتَّعَارُضِ (وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: غَصَبَنِي إِيَّاهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: مَلَّكَنِيهِ، أَوْ أَقَرَّ لِي بِهِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ) لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَصْبُهُ مِنْ هَذَا ثُمَّ مَلَكَهُ الْآخَرُ (وَلَا يَغْرَمُ لِلْآخَرِ شَيْئًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَإِنَّمَا حَالَتِ الْبَيِّنَةُ بَيْنَهُمَا.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى عَمْرٌو عَبْدًا بِيَدِ زَيْدٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، وَأَقَامَ زَيْدٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ عَمْرٍو، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ زَيْدٍ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ: لَمْ يَتَنَاقَضْ بِهِ أَصْلُنَا فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الدَّاخِلَةُ لَا تُفِيدُ إِلَّا مَا تُفِيدُهُ الْيَدُ، وَهَذِهِ تُفِيدُ الْيَدَ وَالشِّرَاءَ.
وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ عَمْرٍو؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ وَلَمْ يَقْبِضْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدِ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو وَقَبَضَهُ مِنْهُ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ السَّامَرِّيِّ: التَّعَارُضُ وَالتَّسَاقُطُ، وَأَنَّهُ يَبْقَى لِزَيْدٍ إِنْ حَلَفَ.
فَائِدَةٌ: ادَّعَى نِكَاحَ صَغِيرَةٍ فِي يَدِهِ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَفَسَخَهُ الْحَاكِمُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِعَقْدٍ وَشَهَادَةٍ، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ إِذَا بَلَغَتْ قُبِلُ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَفِي الرِّعَايَةِ هُوَ أَظْهَرُ.
стр. 3418
بَابُ في تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ
إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: مَتَى قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ فَيُعْتَقَ، أَوْ تَتَعَارَضَانِ وَيَبْقَى عَلَى الرِّقِّ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِي الْمُحَرَّمِ فَسَالِمٌ حُرٌّ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِنِ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَقَرَّتْهُ بِذَلِكَ قُبِلَ إِقْرَارُهَا؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا وَهِيَ غَيْرُ مُتَّهَمَةٍ، لِأَنَّهَا لَوْ أَرَادَتِ النِّكَاحَ لَمْ تُمْنَعْ مِنْهُ، فَإِنِ ادَّعَاهَا اثْنَانِ، فَأَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا بِلَا بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِأَصْلِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِهِ، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ، فَإِنَّهَا لَوْ أَرَادَتِ ابْتِدَاءَ تَزْوِيجِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا فَلَا نِكَاحَ، وَإِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا فَهِيَ لِلْأَسْبَقِ تَارِيخًا، فَإِنْ جُهِلَ الْأَسْبَقُ عُمِلَ بِقَوْلِ الْوَلِيِّ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: الْمُجْبَرُ، فَإِنْ جَهِلَ فَسَخَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابٌ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ]
[إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ مَتَى قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ]
بَابٌ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ
التَّعَارُضُ: مَصْدَرٌ، تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ: إِذَا تَقَابَلَتَا، تَقُولُ: عَارَضَتْهُ بِمِثْلِ مَا صَنَعَ؛ أَيْ: أَتَيْتُ بِمِثْلِ مَا أَتَى، فَتَعَارُضُهُمَا: أَنْ تَشَهَدَ إِحْدَاهُمَا بِنَفْيِ مَا أَثْبَتَتْهُ الْأُخْرَى، أَوْ بِالْعَكْسِ.
فَالتَّعَارُضُ: التَّعَادُلُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: مَتَى قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَتْلِ، لَكِنْ يَحْلِفُ الْوَرَثَةُ عَلَى نَفْيِهِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا أَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً، أَنَّهَا تُقْبَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ فَيُعْتَقَ، أَوْ تَتَعَارَضَانِ فَيَبْقَى عَلَى الرِّقِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ) الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ وَهُوَ الْقَتْلُ.
وَالثَّانِي: تَتَعَارَضَانِ فَتَسْقُطَانِ، صَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ؛ لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا تَشْهَدُ بِضِدِّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى، فَعَلَى هَذَا: يَبْقَى الْعَبْدُ رَقِيقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِتْقُهُ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يُقَسَّمُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: فَيُعْتَقُ نِصْفُهُ إِذَنْ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِي الْمُحَرَّمِ فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مِتُّ
стр. 3419
وَإِنْ مِتُّ فِي صَفَرٍ فَغَانِمٌ حُرٌّ، وأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ سَالِمٍ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِي مَرَضِي هَذَا فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ بَرِئْتُ فَغَانِمٌ حُرٌّ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا، بَقِيَا عَلَى الرِّقِّ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَعْتِقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ غَانِمٌ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ، وَإِنْ أَتْلَفَ ثَوْبًا، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي صَفَرٍ فَغَانِمٌ حُرٌّ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ سَالِمٍ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ: أَنَّهُمَا تَتَعَارَضَانِ فَتَسْقُطَانِ وَيَبْقَيَانِ عَلَى الرِّقِّ إِذَا جُهِلَ وَقْتُ مَوْتِهِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ غَانِمٍ فَيُعْتَقُ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَفِي الْكَافِي: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، فَيُعْتَقُ مَنْ يَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَإِنْ بَانَ مَوْتُهُ بَعْدُ وَجُهِلَ زَمَنُهُ وَلَا بَيِّنَةَ رُقَّا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ فِي غَيْرِ الشَّهْرَيْنِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ: يُحْتَمَلُ فِيمَا إِذَا ادَّعَى الْوَرَثَةُ مَوْتَهُ قَبْلَ الْمُحَرَّمِ أَنْ يُعْتَقَ مَنْ شَرَطَهُ الْمَوْتَ فِي صَفَرٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ مَعَهُ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ: إِذَا عُلِمَ مَوْتُهُ فِي أَحَدِ الشَّهْرَيْنِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يُعْمَلُ فِيهِمَا بِأَصْلِ الْحَيَاةِ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِي مَرَضِي هَذَا، فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ بَرِئْتُ فَغَانِمٌ حُرٌّ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا بَقِيَا عَلَى الرِّقِّ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تُكَذِّبُ الْأُخْرَى، وَتُثْبِتُ زِيَادَةً بِنَفْيِهَا الْأُخْرَى.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ التَّعَارُضَ أَثَرُهُ فِي إِسْقَاطِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَلَوْ لَمْ تَكُونَا لَعُتِقَ أَحَدُهُمَا، فَكَذَلِكَ إِذَا سَقَطَتَا (وَالْقِيَاسُ أَنْ يُعْتَقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ) وهو رِوَايَةٌ قَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ وَلَا يُعْلَمُ عَيْنُهُ، وَكَمَا لَوْ جُهِلَ مِمَّ مَاتَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ غَانِمٌ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ) وَقِيلَ: يُعْتَقُ سَالِمٌ وَحْدَهُ، وَحكي فِي الْفُرُوعِ: الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأَحَدِهَا، وَكَذَا حَكَمَ: إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي بَدَلَ فِي. وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ: أَنَّهُ إِذَا جُهِلَ مِمَّ مَاتَ، أَنَّهُمَا عَلَى الرِّقِّ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ فِي الْمَرَضِ بِحَادِثٍ، وَقِيلَ: يُعْتَقُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْحَادِثِ، وَيُحْتَمَلُ
стр. 3420
قِيمَتَهُ عِشْرُونَ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثُونَ، لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، وَلَوْ مَاتَتِ امْرَأَةٌ وَابْنُهَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْتُهُ، وَقَالَ أَخُوهَا: مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، وَلَا بَيِّنَةَ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَكَانَ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنْ يُعْتَقَ مَنْ شَرَطَهُ الْمَرَضَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُهُ وَعَدَمُ الْبُرْءِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ الْوَرَثَةُ: أَعْتَقَكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَقَالَ: بَلْ فِي صِحَّتِهِ، فَأَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ وَهُوَ دُونَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ، عُتِقَ، وَإِلَّا صُدِّقَ الْوَرَثَةُ (وَإِنْ أَتْلَفَ ثَوْبًا، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ قَيِمَتَهُ عِشْرُونَ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثُونَ، لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ، وَرُبَّمَا اطَّلَعَتْ بَيِّنَةُ الْأَقَلِّ عَلَى مَا يُوجِبُ النَّقْصَ، فَتَكُونُ شَهَادَةٌ بِزِيَادَةٍ خَفِيَتْ عَلَى بَيِّنَةِ الْأَكْثَرِ.
وَعَنْهُ: تَسْقُطَانِ لِتَعَارُضِهِمَا فِي الزَّائِدِ، فَيَحْلِفُ الْغَارِمُ عَلَى الْأَقَلِّ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: الْأَكْثَرُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي نَظِيرِهَا فِيمَنْ آجَرَ حِصَّةَ مُولِيهِ، قَالَتْ: بَيِّنَةٌ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَبَيِّنَةٌ بِنِصْفِهَا، وَإِنْ كَانَ بِكُلِّ قِيمَةٍ شَاهِدٌ ثَبَتٌ عَشَرَةٌ بهما عَلَى الْأَوَّلَةِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَحْلِفُ مَعَ أَحَدِهِمَا وَلَا تَعَارُضَ؛ لِعَدَمِ كَمَالِ بَيِّنَةِ الْأَقَلِّ، وَنَصَرَ الْمُؤَلِّفُ الْأَوَّلَةَ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا فِي الزَّائِدِ، وَتُخَالِفُ الزِّيَادَةَ فِي الْإِخْبَارِ.
فَإِنَّ مَنْ يَرْوِي النَّاقِصَ لَا يَنْفِي الزَّائِدَ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَتْ بِأَلْفٍ لَا يَنْفِي أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا أُخْرَى.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ قَائِمَةً قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَا يُصَدِّقُهَا الْحِسُّ، فَإِنِ احْتَمَلَ، فَقَالَ شَيْخُنَا ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَوِ اخْتَلَفَتْ بَيِّنَتَانِ فِي قِيمَةِ عَيْنٍ قَائِمَةٍ لِيَتِيمٍ يُرِيدُ الْوَصِيُّ بَيْعَهَا، أُخِذَ بَيِّنَةُ الْأَكْثَرِ (ولَوْ مَاتَتِ امْرَأَةٌ وَابْنُهَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْتُهُ، وَقَالَ أَخُوهَا: مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، وَلَا بَيِّنَةَ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَكَانَ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ سَبَبَ الحي مَنْ مَوْرُوثه مَوْجُودٌ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ لِبَقَاءِ مَوْرُوثِ الْآخَرِ بَعْدَهُ، وَهَذَا الْأَمْرُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ عَنِ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ.
стр. 3421
مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا، وَقِيَاسُ مَسَائِلِ الْغَرْقَى أَنْ تجْعَلَ لِلْأَخِ سُدُسُ مَا لِلِابْنِ، وَالْبَاقِي لِلزَّوْجِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَا يُقَالُ: قَدْ أَعْطَيْتُمُ الزَّوْجَ وَهُوَ لَا يَدَّعِي إِلَّا الرُّبُعَ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لِجَمِيعِهِ؛ رُبُعُهُ بِمِيرَاثِهِ مِنْهَا وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ بِإِرْثِهِ مِنِ ابْنِهِ، (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْعَمَلُ بِهِمَا وَجَبَ تَسَاقُطُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى (وَقِيَاسُ مَسَائِلِ الْغَرْقَى أَنْ تُجْعَلَ لِلْأَخِ سُدُسُ مَا لِلِابْنِ، وَالْبَاقِي لِلزَّوْجِ) لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَاتَتْ أَوَّلًا، فَيَكُونُ مِيرَاثُهَا لِابْنِهَا وَزَوْجِهَا، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ فَوَرِثَ الزَّوْجُ كُلَّ مَا فِي يَدِهِ، فَصَارَ مِيرَاثُهَا كُلُّهُ لِزَوْجِهَا، ثُمَّ يُقَدَّرُ أَنَّ الِابْنَ مَاتَ أَوَّلًا فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ وَالْبَاقِي لِأَبِيهِ، ثُمَّ مَاتَتْ أُمُّهُ وَفِي يَدِهَا الثُّلُثُ فَكَانَ بَيْنَ أَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، فَلَمْ يَرِثِ الْأَخُ إِلَّا سُدُسَ مَالِ الِابْنِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَخْتَصُّ مَنْ جَهِلَ مَوْتَهُمَا وَاتَّفَقَ وَارِثُهُمَا عَلَى الْجَهْلِ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا شَهِدَ اثْنَانِ لِاثْنَيْنِ بِالْوَصِيَّةِ مِنْ تَرِكَةِ زَيْدٍ، فَشَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُمَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ التَّرِكَةِ، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ أَبَاهُمَا طَلَّقَ ضَرَّةَ أُمِّهِمَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا فِيهِمَا عَلَى الْأَشْهَرِ.
وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ زَيْدًا أَخَذَ مِنْ صَبِيٍّ أَلْفًا، وَشَهِدَ آخَرَانِ عَلَى عَمْرٍو أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ أَلْفًا، لَزِمَ الْوَلِيَّ طَلَبُهُ بِهِمَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَخَذَهَا مِنْهُ وَرَدَّهُ إِلَيْهِ بِلَا إِذْنِ وَلِيِّهِ.
وَإِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى أَلْفٍ بِعَيْنِهِ، طَلَبَهُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ.
وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى اثْنَيْنِ بِقَتْلٍ، فَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ قَتَلَاهُ، فَصَدَّقَ الْوَلِيُّ الْأَوَّلَيْنِ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَّهَمَيْنِ، وَإِنْ صَدَّقَ الْآخَرَيْنِ وَحْدَهُمَا لَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَّهَمَانِ لِكَوْنِهِمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا ضَرَرًا، وَإِنْ صَدَّقَ الْجَمِيعَ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
стр. 3422
فصل
إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّهُ وصى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ عُتِقَ دُونَ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى: يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفَهُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ، عُتِقَ غَانِمٌ وَحْدَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ وَارِثَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ أَوْصَى بِشَيْءٍ وَشَهِدَتْ أُخْرَى بِغَيْرِهِ]
فصل
(إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أنه وصى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ عُتِقَ دُونَ صَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ تَتَرَجَّحْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَالْقُرْعَةُ مُرَجَّحَةٌ، بِدَلِيلِ الْإِمَامَةِ (إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ) لِأَنَّ الْوَصِيَّيْنِ سَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا أَوِ اخْتَلَفَ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يُسَوَّى فِيهَا بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى: يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفَهُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ، وَلِأَنَّ الْقُرْعَةَ إِنَّمَا تَجِبُ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا وَالْآخَرُ عَبْدًا، وَالْأَوَّلُ هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَتَعَيَّنَتِ الْقُرْعَةُ، وَلِحَدِيثِ عِمْرَانَ، لِأَنَّ الْمُقْتَضَى مِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْحَيَاةِ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْمَمَاتِ.
وَالْمَذْهَبُ ـ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ ـ: أَنَّهُ إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ وَارِثِهِ بِعِتْقِ سَالِمٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَبَيِّنَةُ وَارِثِهِ بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأُجِيزَ الثُّلُثُ فَكَأَجْنَبِيَّيْنِ يُعْتَقُ أَسْبَقُهُمَا، عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ سَبَقَتِ الْأَجْنَبِيَّةُ فَكَذَّبَتْهَا الْوَارِثَةُ، أَوْ سَبَقَتِ الْوَارِثَةُ ـ وَهِيَ فَاسِقَةٌ ـ عُتِقَا، وَإِنْ جُهِلَ أَسْبَقُهُمَا عُتِقَ وَاحِدٌ بِقُرْعَةٍ، وَقِيلَ: يُعْتَقُ نِصْفُهُمَا، وَإِنْ كَانَتِ الْوَارِثَةُ فَاسِقَةً غَيْرَ مُكَذِّبَةٍ عُتِقَ سَالِمٌ وَحْدَهُ، وَوَقَفَ عِتْقُ غَانِمٍ عَلَى قُرْعَةٍ، أَوْ يُعْتَقُ نِصْفُهُ عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ جَمَعَتِ الْوَارِثَةُ الْفِسْقَ وَالتَّكْذِيبَ، أَوِ الْفِسْقَ وَالشَّهَادَةَ بِالرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ عُتِقَا مَعًا (وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ عُتِقَ غَانِمٌ وَحْدَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ وَارِثَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ) لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ.
لَا يُقَالُ: هُمَا يُثْبِتَانِ وَلَاءَ سَالِمٍ لِأَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يُسْقِطَانِ وَلَاءَ غَانِمٍ أَيْضًا. عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ سَبَبِ الْمِيرَاثِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ (وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ سُدُسَ الْمَالِ، وَبَيِّنَتُهُ أَجْنَبِيَّةً قُبِلَتْ) لِعَدَمِ التُّهْمَةِ فِيهَا، فَعَلَى هَذَا يُعْتَقُ غَانِمٌ وَحْدَهُ (وَإِنْ كَانَتْ
стр. 3423
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ سُدُسَ الْمَالِ، وَبَيِّنَتُهُ أَجْنَبِيَّةٌ قُبِلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ وَارِثَةً عُتِقَ الْعَبْدَانِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ عُتِقَ وَحْدَهُ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِغَانِمٍ عُتِقَ هُوَ وَنِصْفُ سَالِمٍ، وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي مَرَضِهِ، وَشَهِدَتِ الْأُخْرَى أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الْمَالِ عُتِقَ سَالِمٌ وَحْدَهُ، وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، عُتِقَ أَقْدَمُهُمَا تَارِيخًا، فَإِنْ جُهِلَ السَّابِقُ عُتِقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا وَارِثَةً وَلَمْ تَكْذِبِ الْأَجْنَبِيَّةُ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَتْ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَارِثَةً عُتِقَ الْعَبْدَانِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ أَمَّا سَالِمٌ فَلِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِ، وَأَمَّا غَانِمٌ فَلِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ بِعِتْقِهِ، مَعَ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرُّجُوعِ، فَتَبْطُلُ الشَّهَادَةُ بِهِمَا، وَيَبْقَى أَصْلُ الْعِتْقِ لِغَانِمٍ، فَاحْتِيجَ إِلَى الْقُرْعَةِ لِيَتَمَيَّزَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ غَيْرِهِ (فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ عُتِقَ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ ثُلُثُ الْمَالِ (وَإِنْ خَرَجَتْ لِغَانِمٍ عُتِقَ هُوَ وَنِصْفُ سَالِمٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ ثُلُثُ الْمَالِ، كَمَا لَوْ لَمْ تَشْهَدْ بِالرُّجُوعِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ بِالرُّجُوعِ لَمْ تُقْبَلْ، فَكَأَنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنْ يُعْتَقَ مِنَ الَّذِي قِيمَتُهُ الثُّلُثُ نِصْفُهُ، وَيُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، فَأَيُّهُمَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ عُتِقَ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ، عُتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَاهُ (وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي مَرَضِهِ، وَشَهِدَتِ الْأُخْرَى أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الْمَالِ عُتِقَ سَالِمٌ وَحْدَهُ) لِأَنَّ عَطَايَا الْمَرِيضِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى وَصَايَاهُ لِرُجْحَانِهَا بِنَفْسِ الْإِيقَاعِ (وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ) وَلَا تَارِيخَ ثَبَتَ إِعْتَاقُهُ لَهُمَا بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّ مَا شَهِدَتْ بِهِ كُلُّ بَيِّنَةٍ لَا تَنْفِي مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى (عُتِقَ أَقْدَمُهُمَا تَارِيخًا) لِأَنَّ عَطَايَا الْمَرِيضِ يُقَدَّمُ فِيهَا الْأَسْبَقُ فَالْأَسْبَقُ (فَإِنْ جُهِلَ السَّابِقُ) بِأَنِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا أَوْ أُطْلِقَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا، فَهُمَا سَوَاءٌ لِعَدَمِ الْمَزِيَّةِ (عُتِقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ) لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَسَاوَتَا فَاحْتِيجَ إِلَى التَّمْيِيزِ، وَالتَّرْجِيحُ حَاصِلٌ بِالْقُرْعَةِ، وَقِيلَ: يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ (فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا وَارِثَةً وَلَمْ تَكْذِبِ الْأَجْنَبِيَّةُ فَكَذَلِكَ) أَيْ: يُعْتَقُ أَقْدَمُهُمَا تَارِيخًا مَعَ الْعِلْمِ بِهِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَةَ غَيْرُ مُتَّهَمَةٍ وَلَا مُكَذَّبَةٍ، وَهِيَ بِمَثَابَةِ الْأَجْنَبِيِّ.
وَلَوْ كَانَتِ الْبَيِّنَتَانِ أَجْنَبِيَّتَيْنِ لَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَكَذَا إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا وَارِثَةً (وَإِنْ قَالَتْ: مَا أَعْتَقَ سَالِمًا، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ غَانِمًا، عُتِقَ غَانِمٌ كُلُّهُ) لِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ بِعِتْقِهِ، وَقِيلَ: يُعْتَقُ ثُلُثَاهُ
стр. 3424
مَا أَعْتَقَ سَالِمًا، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ غَانِمًا، عُتِقَ غَانِمٌ كُلُّهُ، وَحُكْمُ سَالِمٍ كَحُكْمِهِ لَوْ لَمْ يُطْعَنْ فِي بَيِّنَتِهِ، أَنَّهُ يُعْتَقُ إِنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ، أَوْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ كَانَتِ الْوَارِثَةُ فَاسِقَةً، وَلَمْ تَطْعَنْ فِي بَيِّنَةِ سَالِمٍ عُتِقَ سَالِمٌ كُلُّهُ، فَإِنْ كَانَ تَارِيخُ عِتْقِهِ سَابِقًا، أَوْ خَرَجَتِ له الْقُرْعَةُ عُتِقَ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا أَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُعْتَقُ مِنْ غَانِمٍ نِصْفُهُ، وَإِنْ كَذَبَتْ بَيِّنَةُ سَالِمٍ عُتِقَ الْعَبْدَانِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِنْ حُكِمَ بِعِتْقِ سَالِمٍ وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي شَهِدَتِ الْأَجْنَبِيَّتَانِ كَالْمَغْصُوبِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنَ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ، وَحَالُ الْمَوْتِ فِي قَوْلِ الْوَرَثَةِ لَمْ يُعْتَقْ سَالِمٌ، إِنَّمَا عُتِقَ بِالشَّهَادَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ (وَحُكْمُ سَالِمٍ كَحُكْمِهِ لَوْ لَمْ يَطْعَنْ فِي بَيِّنَتِهِ، أَنَّهُ يُعْتَقُ إِنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ، أَوْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَإِلَّا فَلَا) لِأَنَّ طَعْنَ الْوَارِثَةِ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ مُثْبِتَةٌ وَالْوَارِثَةَ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَإِذَا لَمْ يُقْبَلِ الطَّعْنُ صَارَ طَعْنُهَا كَلَا طَعْنٍ، وَلَوْ لَمْ تَطْعَنِ الْوَارِثَةُ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ لَكَانَ الْحُكْمُ كَمَا ذُكِرَ، فَكَذَا مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ (فَإِنْ كَانَتِ الْوَارِثَةُ فَاسِقَةً، وَلَمْ تَطْعَنْ فِي بَيِّنَةِ سَالِمٍ عُتِقَ سَالِمٌ كُلُّهُ) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ شَهِدَتْ بِعِتْقِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُهَا (وَيُنْظَرُ فِي غَانِمٍ فَإِنْ كَانَ تَارِيخُ عِتْقِهِ سَابِقًا، أَوْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ عُتِقَ كُلُّهُ) كَإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ (وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا أَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ لَوْ كَانَتْ عَادِلَةً لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِذَا كَانَتْ فَاسِقَةً أَوْلَى (وَقَالَ الْقَاضِي: يُعْتَقُ مِنْ غَانِمٍ نَصِفُهُ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ مَعَ ثُبُوتِ الْعِتْقِ لِلْآخَرِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، فَصَارَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، قَالَ: الْمُؤَلِّفُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ لَأَعْتَقْنَا أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ؛ وَلِأَنَّهُ فِي حَالِ تَقْدِيمِ تَارِيخِ عِتْقِ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ لَا يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ عَادِلَةً، فَمَعَ فِسْقِهَا أَوْلَى (وَإِنْ كُذِّبَتْ بَيِّنَةُ سَالِمٍ عُتِقَ الْعَبْدَانِ) لِأَنَّ سَالِمًا مَشْهُودٌ بِعِتْقِهِ، وَغَانِمٌ مُقِرٌّ لَهُ بِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لِلْعِتْقِ سِوَاهُ، وَقِيلَ: يُعْتَقُ سِوَاهُ، وَقِيلَ: يُعْتَقُ مِنْ غَانِمٍ ثُلُثَاهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
فَرْعٌ: ذَكَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّدْبِيرَ مَعَ التَّنْجِيزِ، كَآخِرِ التَّنْجِيزَيْنِ مَعَ أَوَّلِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ تَنْجِيزٌ بِالْمَوْتِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنِ الْمُنْجَزِ فِي الْحَيَاةِ، أصل إِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ زَيْدًا أَوْصَى لِعَمْرٍو بِثُلُثِ مَالِهِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ وَصَّى لِبَكْرٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ
стр. 3425
فصل
إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ فَالْقَوْلُ قَوْل من يَدَّعِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقِرُّ وَلَدُهُ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفِ الْمُسْلِمُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رَجَعَ عَنْ وَصِيَّةِ أَحَدِهِمَا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ قُرِعَ قُدِّمَ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ وَصِيَّتُهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالسَّامَرِّيُّ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَإِذَا صَحَّ الرُّجُوعُ عَنْ إِحْدَاهُمَا بِغَيْرِ تَعْيِينٍ صَحَّتِ الشَّهَادَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ وَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ فِيهَا بِالْمَجْهُولِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُعِينَا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ أَلْفًا، فَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ وَصَّى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَشَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ وَصَّى لِعَمْرٍو بِثُلُثِ مَالِهِ، انْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ.
أَحَدُهُمَا: يَتَعَارَضَانِ، فَيَحْلِفُ عَمْرٌو مَعَ شَاهِدِهِ، وَيُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّانِي: لَا، فَيَنْفَرِدُ زَيْدٌ بِالثُّلُثِ، وَتَقِفُ وَصِيَّةُ عَمْرٍو عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
فَأَمَّا إِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِالرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّةِ زَيْدٍ فَلَا تَعَارُضَ، وَيَحْلِفُ عَمْرٌو مَعَ شَاهِدِهِ وَتَثْبُتُ لَهُ الْوَصِيَّةُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنْ فِي الْأُولَى تَقَابَلَتِ الْبَيِّنَتَانِ فَقَدَّمْنَا أَقْوَاهُمَا.
وَفِي الثَّانِيَةِ: لَمْ تَتَقَابَلَا وَإِنَّمَا ثَبَتَ الرُّجُوعُ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمَالُ.
[اخْتِلَافُ دِينِ الْوَرَثَةِ بِالِادِّعَاءِ]
فصل
(إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ) مِنْ إِسْلَامٍ أَوْ كُفْرٍ، (فَالْقَوْلُ قَوْلُ من يدَّعِيهِ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، إِنْ حَلَفَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ، (وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، إِنِ اعْتَرَفَ الْمُسْلِمُ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ، (لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقِرُّ وَلَدَهُ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ
стр. 3426
أَنَّهُ أَخُوهُ، وَلَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَيِّتِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ؛ فِي غَسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: ْقِيَاسُ المذهب أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ أَصْلُ دِينِهِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ تَعَارَضَتَا، وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ مُسْلِمًا، وَقَالَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْإِسْلَامِ) وَلِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا أَوْ هُوَ يَدَّعِي إِسْلَامَهُ، فَجُعِلَ أَصْلُ دِينِهِ الْكُفْرَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْأَصْلِ.
وَعَنْهُ: هُوَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهَا ابْنُ مَنْصُورٍ، اعْتَرَفَ أَنَّهُ أَخُوهُ أَوْ لَا، وَقِيلَ: هُوَ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخُوهُ الْكَافِرُ مُرْتَدًّا لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ رِدَّتُهُ، (وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفِ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ أَخُوهُ وَلَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْيَدِ وَالدَّعْوَى، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي أَيْدِيهِمَا (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَيِّتِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي غَسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) وَالدَّفْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا) إِنْ لَمْ تَكُنِ التَّرِكَةُ فِي أَيْدِيهِمَا، فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا، قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَيَتَحَالَفَانِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ سَهْوٌ لِاعْتِرَافِهِمَا أَنَّهُ إِرْثٌ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ التَّرِكَةَ إِذَا كَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا أَنَّهَا لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقِرُّ بِأَنَّ هَذِهِ التَّرِكَةَ تَرِكَةُ هَذَا الْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْمِيرَاثِ فَلَا حُكْمَ لِيَدِهِ، (يُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ أَصْلُ دِينِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْمُسْتَحِقَّ إِلَّا بِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَوْ يَصْطَلِحَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: إِنْ عَرَفَ وَلَا بَيِّنَةَ فَقَوْلٌ مُدَّعٍ.
وَقِيلَ: يُقْرَعُ أَوْ يُوقَفُ.
فَرْعٌ: حُكْمُ سَائِرِ الْأَقَارِبِ كَالْأَوْلَادِ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَسَيَأْتِي (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ) وَلَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ (تَعَارَضَتَا) لِأَنَّهُمَا تَسَاوَتَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّعَارُضَ، وَفِي الْكَافِي: إِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ أَبِي
стр. 3427
شَاهِدَانِ: نعرفه كَافِرًا، فَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يُؤَرِّخِ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ، وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَ الْقَوْلَ قَوْلُ الِابْنَيْنِ، وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا كَافِرًا، وَأَخًا وَامْرَأَةً مُسْلِمَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُوسَى: يَكُونَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ إِذَا تَعَارَضَتَا قُدِّمَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ فِي وَجْهٍ، وَفِي آخَرَ تُقَسَّمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا.
وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اطَّلَعْ عَلَى أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى.
ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْكَافِي: فَإِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا عَمِلَ بِالْأَخِيرَةِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهَا أَنَّهُ انْتَقَلَ عَمَّا شَهِدَتْ بِهِ الْأُولَى، وَإِنِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا.
وَإِنْ أَطْلَقَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ، (وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ مُسْلِمًا، وَقَالَ شَاهِدَانِ: كَافِرًا فَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يُؤَرِّخِ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ) لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا مُمْكِنٌ، إِذِ الْإِسْلَامُ يَطْرَأُ عَلَى الْكُفْرِ وَعَكْسِهِ، خِلَافَ الظَّاهِرِ، لِعَدَمِ إِقْرَارِ الْمُرْتَدِّ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ قُدِّمَتِ النَّاقِلَةُ عَنْهُ، وَإِلَّا فَرِوَايَاتُ التَّعَارُضِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي وَلَوِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنْتَخَبِ.
وَعَنْهُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِسْلَامِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مَاتَ نَاطِقًا بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَالْأُخْرَى بِعَكْسِهَا، تَعَارَضَتَا سَوَاءٌ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ أَوْ لَا، فَتَسْقُطَانِ، أَوْ تُسْتَعْمَلَانِ بِقِسْمَةٍ أَوْ قُرْعَةٍ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لَهُ مَعَ الِاشْتِبَاهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيُدْفَنُ مَعَنَا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: بَلْ وَحْدَهُ، (وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ) ، لِأَنَّ كَوْنَهُمَا كَافِرَيْنِ بِمَنْزِلَةِ مَعْرِفَةِ أَصْلِ دِينِهِ، وَقِيلَ: قَبْلَ بُلُوغِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَحْكُومٌ لَهُ بِدِينِ أَبَوَيْهِ، (وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الِابْنَيْنِ) هَذَا وَجْهٌ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى هُوَ أَوْلَى لِظَاهِرِ دَارٍ، وَانْقِطَاعِ حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ عَنِ الْأَبَوَيْنِ بِالْبُلُوغِ؛
стр. 3428
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ تُعْطَى الْمَرْأَةُ الرُّبُعَ وَيُقَسَّمَ الْبَاقِي بَيْنَ الِابْنِ وَالْأَخِ نِصْفَيْنِ، وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَقَالَ: أَسْلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي، وَقَالَ أَخُوهُ: بَلْ بَعْدَهُ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ، فَإِنْ قَالَ: أَسْلَمْتُ فِي الْمُحَرَّمِ، وَمَاتَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ كُفْرَ أَبَوَيْهِ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ دِينِهِ فِي صِغَرِهِ، وَإِسْلَامَ ابْنَيْهِ يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ فِي كِبَرِهِ، فَيُعْمَلُ بِهِمَا جَمِيعًا، يُحْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مُقْتَضَاهُ.
وَقِيلَ: يُصَدَّقُ ابْنَاهُ فِي دَارِنَا، وَقِيلَ: يَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا، وَيَحْلِفُ مَنْ قُدِّمَ قَوْلُهُ (وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا كَافِرًا وَأَخًا وَامْرَأَةً مُسْلِمِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَوْنُ الْأَبِ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَمَا أَقَرَّ وَلَدَهُ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي الْإِبْهَامِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ تُعْطَى الْمَرْأَةُ الرُّبُعَ) لِأَنَّ الْوَلَدَ الْكَافِرَ لَا يَحْجِبُ الزَّوْجَةَ (وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ الِابْنِ وَالْأَخِ نِصْفَيْنِ) لِتَسَاوِيهِمَا فِي الدَّعْوَى، وَعَلَى هَذَا تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الِابْنِ وَالْأَخِ نِصْفَيْنِ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ.
وَفِيهِ وَجْهٌ: جَمِيعُ الْمِيرَاثِ لِلِابْنِ، فَجَعَلَ أَصْلَ دِينِهِ الْكُفْرَ، وَحَكَمَ بِبَقَائِهِ اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ، وَقِيلَ: هُمَا مَعَ ابْنِهِ كَأَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِيمَا ذَكَرْنَا، لَكِنَّ النِّصْفَ لِلْمَرْأَةِ، وَالْأَخِ عَلَى أَرْبَعَةِ سهمٍ وَلَهُ ثَلَاثَةٌ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِابْنِهِ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ (وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَقَالَ: أَسَلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي) أو بعده قَبْلَ قَسْمِ تَرِكَتِهِ، وَقُلْنَا بِأَنَّهُ يَرِثُ، (وَقَالَ أَخُوهُ: بَلْ بَعْدَهُ. فَلَا مِيرَاثَ لَهُ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُفْرِ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ زَوَالُهُ، وَعَلَى أَخِيهِ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَيَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ أَخِيهِ، وَقُدِّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِمَا قَالَا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْكَافِرِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ مَوْتِ أَبِيهِمَا أَمْ لَا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا، فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فَأَنْكَرَ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا (فَإِنْ قَالَ: أَسْلَمْتُ فِي الْمُحَرَّمِ، وَمَاتَ أَبِي فِي صَفَرٍ، وَقَالَ أَخُوهُ: بَلْ مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ،
стр. 3429
أَبِي فِي صَفَرٍ، وَقَالَ أَخُوهُ: بَلْ مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَلَهُ الْمِيرَاثُ مَعَ أَخِيهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَلَهُ الْمِيرَاثُ مَعَ أَخِيهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ زَوَالُهَا، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، فَقِيلَ: تَتَعَارَضَانِ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ مَنِ ادَّعَى تَقْدِيمَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الْأُخْرَى، وَإِنْ قَالَ أَكْبَرُهُمَا: أَسْلَمْتُ أَنَا فِي الْمُحَرَّمِ، وَمَاتَ أَبِي فِي صَفَرٍ، وَقَالَ أَصْغَرُهُمَا: أَسْلَمْتُ أَنَا فِي صَفَرٍ، وَفِيهَا أَسْلَمَ أَبِي وَرِثَاهُ، وَقِيلَ: إِنْ صَدَقَ الْأَكْبَرُ بِإِسْلَامِ الْأَصْغَرِ فِيهِ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَإِلَّا فَلَا شَرِكَةَ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 3430
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِا مَنْ يَكْفِي سَقَطَ عَنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ] [تَعْرِيفُ الشهادات وَحُكْمُهَا]
ِ. وَهِيَ جَمْعُ شَهَادَةٍ، وَهِيَ الْإِخْبَارُ عَمَّا شُوهِدَ أَوْ عُلِمَ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ انْعِقَادُهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَذَّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] ، لِأَنَّ قُلُوبَهُمْ لَمْ تُوَاطِئْ أَلْسِنَتَهُمْ، وَالشَّهَادَةُ يَلْزَمُ مِنْهَا ذَلِكَ، فَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى الْمَلْزُومُ، وَإِذًا لَمْ يَصْدُقْ إِطْلَاقُ (نَشْهَدُ) انْتَهَى.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ، فَتُطْلَقُ عَلَى التَّحَمُّلِ، تَقُولُ: شَهِدْتُ، بِمَعْنَى تَحَمَّلْتُ، وَعَلَى الْأَدَاءِ، تَقُولُ: شَهِدْتُ عِنْدَ الْقَاضِي شَهَادَةً؛ أَيْ: أَدَّيْتُهَا، وَعَلَى الْمَشْهُودِ بِهِ تَقُولُ: تَحَمَّلْتُ شَهَادَةً، يَعْنِي الْمَشْهُودَ بِهِ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الْمُشَاهَدَةِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يُخْبِرُ عَمَّا شَاهَدَهُ، وَتُسَمَّى بَيِّنَةً لِأَنَّهَا تُبَيِّنُ مَا الْتُبِسَ.
وَهِيَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ تُظْهِرُ الْحَقَّ وَلَا تُوجِبُه، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا.
وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ؛ لِحُصُولِ التَّجَاحُدِ بَيْنَ النَّاسِ. (تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ) أَيِ: الْمَشْهُودِ بِهِ، فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ (وَأَدَاؤُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَلْبَ بِالْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْعِلْمِ بِهَا، وَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ، فَيُؤَدِّي إِلَى ضَيَاعِ الْحُقُوقِ، وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ، وَشَأْنُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ (إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ) وَفِي
стр. 3431
الْبَاقِينَ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا مَنْ يَكْفِي تَعَيَّنَتْ عَلَى مَنْ وُجِدَ، قَالَ الْخِرَقِيُّ: مَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إِقَامَتِهَا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا، وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: فِي إِثْمِهِ بِامْتِنَاعِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ؛ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِدُعَائِهِ، وَلِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنِ الِامْتِنَاعِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِي حَقِّهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ إِلَيْهَا، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ.
وَالْأَوْلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِالتَّحَمُّلِ، وَإِذَا وَجَبَ تَحَمُّلُهَا فَفِي وُجُوبِ كِتَابَتِهَا لِتُحْفَظَ وَجْهَانِ (وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا مَنْ يَكْفِي تَعَيَّنَتْ عَلَى مَنْ وُجِدَ) فَتَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِنْ دُعِيَ وَقُدِّرَ بِلَا ضَرَرٍ فِي بَدَنِهِ أَوْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا كَالْوَدِيعَةِ (قَالَ الْخِرَقِيُّ: مَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إِقَامَتِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ) ظَاهِرُهُ: أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِظَاهِرِ الْآيَاتِ.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] . وَقِيلَ: بَلْ أَدَاؤُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمُؤَلِّفُ فِي كُتُبِهِ.
فَعَلَى هَذَا: إِذَا كَانَ الْمُتَحَمِّلُ جَمَاعَةً فَالْأَدَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِالْجَمِيعِ، فَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي سَقَطَ عَنِ الْجَمِيعِ، وَإِنِ امْتَنَعَ الْكُلُّ أَثِمُوا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا مَنْ يَكْفِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ ـ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يَمْنَعْهُ سَيِّدُهُ ـ كصَلَاةِ الْفَرْضِ، فَإِنْ أَدَّى شَاهِدٌ وَأَبَى الْآخَرُ، وَقَالَ: احْلِفْ أَنْتَ بَدَلِي، فَهَلْ يَأْثَمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُتَحَمِّلَيْنِ الْقِيَامُ بِالشَّهَادَةِ، كَمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الصَّلَاةُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ نِسْبِيًّا أَوْ غَيْرَهُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَدَائِهَا، فَلَوْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهَا لِحَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ لَمْ يَلْزَمْهُ، إِذْ جَمِيعُ التَّكَالِيفِ مَلْحُوظٌ فِيهَا الْقُدْرَةُ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ، فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، عَلَى أَنْ
стр. 3432
يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، حَيْثُ قَرَأَ: (وَلَا يُضَارَرْ) بِالْفَتْحِ.
وَقِيلَ: مَبْنِيَّةٌ لِلْفَاعِلِ، قَالَهُ عُمَرُ، يَقْرَأُ: (وَلَا يُضَارِرْ) بِالْكَسْرِ، فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إِذًا لِلشَّاهِدِ عَمَّا يَطْلُبُ مِنْهُ، أَوْ عَنِ التَّحْرِيفِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» وَلِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضُرُّ نَفْسَهُ لِنَفْعِ غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ إِذَا عَجَزَ الشَّاهِدُ عَنِ الْمَشْيِ فَأُجْرَةُ الْمَرْكُوبِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى رَبِّ الشَّهَادَةِ، كَنَفَقَةِ الْمُحْرِمِ فِي الْحَجِّ، وَهَذَا إِذَا كَانَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ.
وَقِيلَ: مَا يَرْجِعُ إِلَى مَنْزِلِهِ لِيَوْمِهِ، حَكَاهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَقِيلَ: إِنْ قَلَّ الشُّهُودُ وَكَثُرَ أَهْلُ الْبَلَدِ فَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَإِلَّا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالْأَدَاءُ مُخْتَصٌّ بِمَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ مَذْهَبًا مُطْلَقًا، وَالَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ: أَنَّهُ يَخْتَصُّ الْمَالَ وَكُلَّ حَقِّ آدَمِيٍّ.
فَرْعٌ: إِذَا دُعِيَ فَاسِقٌ إِلَى شَهَادَةٍ، فَلَهُ الْحُضُورُ مَعَ عَدَمِ غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَمُرَادُهُ لِتَحَمُّلِهَا.
وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: إِنَّ التَّحَمُّلَ لَا تُعْتَبَرُ لَهُ الْعَدَالَةُ، فَلَوْ لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى صَارَ عَدْلًا قُبِلَتْ (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا) وَكَذَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ؛ لِئَلَّا يَأْخُذَ الْعَرْضَ عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ، (وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ وَقَعَ مِنْهُمْ فَرْضًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْجَعْلِ كَـ الْمُحَرَّرِ.
وَفِي الْفُرُوعِ: جَمَعَ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى عِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ فَلَا يَشْتَغِلُ عَنْهُ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْقُرْبِ.
стр. 3433
حَدٍّ لِلَّهِ تعالى أُبِيحَ إِقَامَتُهَا وَلَمْ تُسْتَحَبَّ، وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ بِالْوُقُوفِ عَنْهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِآدَمِيٍّ يَعْلَمُهَا لَمْ يُقِمْهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَفِي الْمُغْنِي: مَنْ لَهُ كِفَايَةٌ فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ كِفَايَةٌ، وَلَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، فَلَهُ أَخْذُهَا، وَإِلَّا فَاحْتِمَالَانِ، وَقِيلَ: يُبَاحُ مَعَ التَّعْيِينِ لِلْحَاجَةِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ مَعَ التَّحَمُّلِ، وَقِيلَ: أُجْرَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَمُزَكٍّ وَمُعَرَّفٍ وَمُتَرْجَمٍ وَمُفْتٍ وَمُقِيمِ حَدٍّ وَقَوْدٍ وَحَافِظِ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَمُحْتَسَبٍ وَخَلِيفَةٍ.
[مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى]
(وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى أُبِيحَ إِقَامَتُهَا) مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَأَصْحَابَهُ وَالْجَارُودَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ، أَقَامُوا الشَّهَادَةَ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، (وَلَمْ تُسْتَحَبَّ) لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» .
وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو الْفَرَجِ، وَالتَّرْغِيبُ كَالْمُؤَلِّفِ، تَرَكَهُ لِلتَّرْغِيبِ فِي السَّتْرِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي آخِرِ الرِّعَايَةِ مِنْ وُجُوبِ الْإِغْضَاءِ عَمَّنْ سَتَرَ الْمَعْصِيَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخَلَّالِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيمَنْ عُرِفَ بِالشَّرِّ وَالْفَسَادِ لَا يُسْتَرُ عَلَيْهِ (وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ بِالْوُقُوفِ عَنْهَا، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْمُغِيرَةِ لَمَّا شَهِدَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ وَجَاءَ الرَّابِعُ: مَا تَقُولُ يَا سَلْحَ الْغُرَابِ، وَكَالتَّعَرُّضِ لِلْفَاعِلِ بِالرُّجُوعِ عَنْ إِقْرَارِهِ.
وَفِي الِانْتِصَارِ: تَلْقِينُهُ الرُّجُوعَ مَشْرُوعٌ، وَالثَّانِي: لَا، كَحَقِّ آدَمِيٍّ.
فَرْعٌ: إِذَا دَعَا زَوْجٌ أَرْبَعَةً لِتَحَمُّلِهَا بِزِنَى امْرَأَتِهِ جَازَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٥] . وَقِيلَ: لَا، كَغَيْرِهِ، أَوْ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ قَالَ: احْضُرَا لِتَسْمَعَا قَذْفَ زَيْدٍ لِي، لَزِمَهُمَا، وَيَتَوَجَّهُ إِنْ لَزِمَ إِقَامَةُ الشَّهَادَةِ، وَهَلْ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِحَدٍّ
стр. 3434
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهَا اسْتَحَبَّ إِعْلَامُهُ بِه، وَلَهُ إِقَامَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَدِيمٍ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
[مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِآدَمِيٍّ يَعْلَمُهَا]
(وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِآدَمِيٍّ يَعْلَمُهَا لَمْ يُقِمْهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» الْخَبَرُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ أَدَاءَهَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ فَلَا يُسْتَوْفَى إِلَّا بِرِضَاهُ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِ؛ كَشَهَادَةِ حِسْبَةٍ، وَيُقِيمُهَا بِطَلَبِهِ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا الْحَاكِمُ، وَيَحْرُمُ كَتْمُهَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيُقْدَحُ فِيهِ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ بِيَدِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يَصِلُ إِلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إِعَانَةُ أَحَدِهِمَا، وَيُعِينُ مُتَأَوِّلًا مُجْتَهِدًا، (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهَا اسْتَحَبَّ إِعْلَامُهُ به) لِأَنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى حَقِّهِ، وَكَالْوَدِيعَةِ، (وَلَهُ إِقَامَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ! الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَتَرْكُ إِطْلَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَجْلِ الْخَبَرِ الْآخَرِ، جَمْعًا بَيْنَهُمَا.
[لَا يَشْهَدُ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ]
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا شَهِدَ بِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ وَإِتْقَانٍ.
وَمَعْنَاهُ: لَكِنْ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الشَّهَادَةِ، قَالَ: تَرَى الشَّمْسَ عَلَى مِثْلِهَا، فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ.» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِغَيْرِ عِلْمٍ رَجْمٌ بِالْغَيْبِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ.
وَمُدْرَكُ الْعِلْمِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الشَّهَادَةُ (بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ) غَالِبًا، زَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ: حَالُ التَّحَمُّلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . وَيَخْتَصُّ الثَّلَاثُ فِي الْآيَةِ بِالسُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْفُؤَادِ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إِلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، لِأَنَّ مُدْرَكَ الشَّهَادَةِ الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ، وَهُمَا بِالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ دُونَ مَا عَدَاهُمَا مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمَسُّ وَالذَّوْقُ وَالشَّمُّ، لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا فِي الشَّهَادَةِ فِي الْأَغْلَبِ، (وَالرُّؤْيَةُ تَخْتَصُّ بِأَفْعَالِ
стр. 3435
يَعْلَمُهُ بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ.
وَالرُّؤْيَةُ تَخْتَصُّ بِأَفْعَالِ؛ كَالْقَتْلِ، وَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالرَّضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَغَيْرِهَا، وَالسَّمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: سَمَاعٌ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، نَحْوَ الْإِقْرَارِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالرَّضَاعِ وَالْوِلَادَةِ وَغَيْرِهَا) كَالْعُيُوبِ الْمَرْئِيَّةِ فِي الْمَبِيعِ وَنَحْوِهَا، (وَالسَّمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: سَمَاعٌ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، نَحْوَ الْإِقْرَارِ وَالْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ) وَحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَلَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ فِيهَا إِلَّا بِسَمَاعِ الْقَوْلِ وَمَعْرِفَةِ الْقَائِلِ يَقِينًا، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي.
وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهُ بِهِ لِاخْتِفَائِهِ، أَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَإِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِدُونِهِ كَمَعْرِفَةِ صَوْتِ الْقَائِلِ كَفَى؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ رَآهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمْعٍ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ حَتَّى يُشَاهِدَ الْقَائِلُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تُشْتَبَهُ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّ جَوَازَ الِاشْتِبَاهِ فِي الْأَصْوَاتِ كَجَوَازِ اشْتِبَاهِ الصُّوَرِ.
وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ فَيُخَيَّرُ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ فِي إِقْرَارٍ وَحُكْمٍ، وَعَنْهُ: وَغَيْرُهُمَا حَتَّى يَشْهَدَهُ.
وَعَنْهُ: إِنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ سَابِقٍ نَحْوَ: كَانَ لَهُ، فَحَتَّى يَشْهَدَهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ شَهِدَ، سَوَاءٌ وَقْتَ الْحُكْمِ أَوْ لَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْوَفَا: إِذَا كَانَ بَعْدَهُ، فَيَقُولَانِ: أَخْبِرْنَا أَنَّهُ حُكْمٌ، وَلَا يَقُولَانِ: أَشْهِدْنَا. وَعَلَى الْأُولَى إِذَا قَالَ الْمُتَحَاسِبَانِ: لَا تَشْهَدُوا عَلَيْنَا بِمَا جَرَى بَيْنَنَا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الشَّهَادَةَ، وَلَزِمَ إِقَامَتُهَا عَلَى الْأَشْهَرِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَفِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَعَرَفَهُ بِهِ مَنْ يَسْكُنُ إِلَيْهِ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ فِي الْأَصَحِّ، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ مُهَنَّا الِاكْتِفَاءُ بِمَعْرِفَةِ الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ بِهِ التَّمْيِيزُ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّسَبِ، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إِلَّا لِمَنْ تُعْرَفُ، وَعَلَى مَنْ تُعْرَفُ، وَقَالَ: لَا تَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مَعْرِفَتَهَا، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْمَنْعِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ بِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِتَجْوِيزِهِ الشَّهَادَةَ بِالِاسْتِفَاضَةِ.
следующие страницы →