Полный текст (3 567 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
إِنْ عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا قُلْتُ، وَلَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهِ، وَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ.
فصل.
وَلَا تُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ الْحُرِّيَّةُ، بَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الَّذِي لَمْ يَأْتِ بِمَا يُحَقِّقُ قَذْفَهُ، كَالزَّوْجِ يَقْذِفُ زَوْجَتَهُ وَيَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ اللِّعَانِ، وَكَالْأَجْنَبِيِّ يَقْذِفُ أَجْنَبِيَّةً وَيَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ بِالْبَيِّنَةِ، فَهَذَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ سَوَاءٌ حُدَّ أَوْ لَا، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ، وَكَسَائِرِ الذُّنُوبِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى.
وَلِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي ذَرٍّ: إِنْ تُبْتَ قَبِلْتُ شَهَادَتَكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَاحْتَجُّوا بِهِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، مَعَ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ لِعَدَمِ تَوْبَتِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إِنْ تَنَاوَلَتْهُ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ لِفِسْقِهِ، وَإِلَّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، كَرِوَايَتِهِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ (وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] «تَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ» وَلِكَذِبِهِ حُكْمًا (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا قُلْتُ، وَلَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهِ، وَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ النَّدَمَ تَوْبَةٌ لِلْخَبَرِ، وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ الْقَوْلُ لِيُعْلَمَ تَحَقُّقُ النَّدَمِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ سَبًّا، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ إِكْذَابُ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً، فَبِأَنْ يَقُولَ: الْقَذْفُ حَرَامٌ بَاطِلٌ، وَلَنْ أَعُودَ إِلَى مَا قُلْتُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا فَلَا يؤمن بِالْكَذِبِ، وَهُوَ قَوْلُ السَّامَرِّيِّ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ: نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي، وَلَا أَعُودُ إِلَى مَا أُتَّهَمُ فِيهِ، وَلَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِ مَا كَانَ مِنِّي؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ أَلَّا يَشْهَدَ.
[الْحُرِّيَّةُ لَا تُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ]
فصل.
(وَلَا تُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ الْحُرِّيَّةُ) نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ.
стр. 3467
الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ أَنَسٌ يُجِيزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ، لَيْسَ شَيْءٌ يَدْفَعُهُ، وَلِأَنَّهُ ـ تَعَالَى ـ أَمَرَ بِإِشْهَادِ ذَوِي عَدْلٍ مِنَّا، وَمَنْ فَقَدَ الْحُرِّيَّةَ فَهُوَ عَدْلٌ، بِدَلِيلِ قَبُولِ رِوَايَتِهِ وَفُتْيَاهُ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَالْحُرِّ (بَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ) ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَبُو ثَوْرٍ، وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ، وَهُوَ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَرَوَاهُ ـ أَيْضًا ـ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ لِعُمُومِ الْآيَاتِ، وَلِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي الرَّضَاعِ، وَلِقَوْلِهِ: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ» .
وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا وَصُلَحَائِهَا مَوَالِيَ، وَلَمْ يَحْدُثْ فِيهِمْ بِالْإِعْتَاقِ إِلَّا الْحُرِّيَّةُ، وَهِيَ لَا تَحْدُثُ عِلْمًا وَلَا دِينًا (إِلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِيهِمَا؛ لِمَا فِي شَهَادَتِهِ مِنَ الْخِلَافِ، إِذْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ـ وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ ـ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا الْحُرِّيَّةُ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ تُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: تُقْبَلُ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي يَعْقُوبُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ مَنْعٌ فِي الْحُدُودِ، وَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعُمُومِ.
وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: أَنَّهَا تُعْتَبَرُ فِي حَدٍّ لَا قِصَاصٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي الْفَرَجِ وَصَاحِبِ الرَّوْضَةِ.
وَفِي الْكَافِي: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِي الْحَدِّ، وَفِي الْقَوَدِ احْتِمَالَانِ.
فَرْعٌ: مَتَى تَعَيَّنَتْ حُرِمَ مَنْعُهُ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: مَنْ أَجَازَ بِشَهَادَتِهِ لَمْ يُجِزْ لِسَيِّدِهِ مَنْعَهُ مِنْ قِيَامِهَا، فَلَوْ عَتَقَ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ فَشَهِدَ حَرُمَ رَدُّهُ.
قَالَ فِي الْمُفْرَدَاتِ:
فَلَوْ رَدَّهُ مَعَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ فُسِّقَ، وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُدِيرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ كَالْقِنِّ. (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ) الْأَحْرَارِ؛ لِدُخُولِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، مَعَ حَدِيثِ عُقْبَةَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ
стр. 3468
النِّسَاءِ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَصَمِّ عَلَى مَا يَرَاهُ، وَعَلَى الْمَسْمُوعَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ صَمَمِهِ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِي الْمَسْمُوعَاتِ إِذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ وَبِالِاسْتِفَاضَةِ، وَتَجُوزُ فِي الْمَرْئِيَّاتِ الَّتِي تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الْعَمَى، إِذَا عَرَفَ الْفَاعِلَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا بِعَيْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، وَيَصِفُهُ لِلْحَاكِمِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا، وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَصَمِّ عَلَى مَا يَرَاهُ) لِأَنَّهُ فِيمَا رَآهُ كَغَيْرِهِ (وَعَلَى الْمَسْمُوعَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ صَمَمِهِ) لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَمَنْ لَيْسَ بِهِ صَمَمٌ (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِي الْمَسْمُوعَاتِ إِذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ) أَيِ: صوت الْمَشْهُود عَلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ: الْقَبُولُ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ لِلْأَعْمَى وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ كَالْبَصِيرِ، وَلِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا أَجَازَا شَهَادَةَ الْأَعْمَى، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَهُ بِذَلِكَ، كَاسْتِمْتَاعِهِ بِزَوْجَتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا طَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا رُؤْيَةَ لَهُ، (وَبِالِاسْتِفَاضَةِ) لِأَنَّهُ يُعْتَمَدُ الْقَوْلُ، وَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَزَادَ: وَالتَّرْجَمَةُ، وَإِذَا أَقَرَّ عِنْدَ أُذُنِهِ وَيَدُ الْأَعْمَى عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَبَطَهُ حَتَّى حَضَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَشَهِدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجِزْهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ لَا تَجُوزُ عَلَى الْأَقْوَالِ كَالصَّبِيِّ، وَلِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تُشْتَبَهُ (وَتَجُوزُ فِي الْمَرْئِيَّاتِ الَّتِي تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الْعَمَى، إِذَا عَرَفَ الْفَاعِلَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ) لِأَنَّ الْعَمَى فَقْدُ حَاسَّةٍ لَا يَخِلُّ بِالتَّكْلِيفِ، فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَالصَّمَمِ، وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ، سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ شَهَادَةِ الْأَعْمَى فِيمَا قَدْ عَرَفَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَى، فَقَالَ: جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا ظَنَّهُ نَحْوَ النَّسَبِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْحُدُودِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ أَصْحَابَهُ جَوَّزُوا ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا بِعَيْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ (تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، وَيَصِفُهُ لِلْحَاكِمِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكَذَا إِنْ تَعَذَّرَ رُؤْيَةُ الْعَيْنِ الْمَشْهُودِ لَهَا أَوْ عَلَيْهَا أَوْ بِهَا، لِمَوْتٍ أَوْ غَيْبَةٍ (وَيُحْتَمَلُ) هَذَا وَجْهٌ (أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا) وَعَلَّلَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا، وَفِي الْمُحَرَّرِ
стр. 3469
ثُمَّ عَمِيَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، كَالْمُرْضِعَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، وَالْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَالْحَاكِمِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْفُرُوعِ الْوَجْهَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ. وَهُمَا أَيْضًا فِيمَا إِذَا عَرَفَهُ بِصَوْتِهِ (وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ عَمِيَ) أَوْ خَرِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ (قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ طَرَأَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الْحُكْمَ بِهَا كَمَا لَوْ شَهِدَ ثُمَّ مَاتَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْبَلُ كَمَا لَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ.
وَفَرَّقَ فِي الشَّرْحِ: بِأَنَّ الْفِسْقَ يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ الشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، لَكِنْ لَوْ حَدَثَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ مَا لَا يَجُوزُ مَعَهُ شَهَادَةٌ، لَمْ يَحْكُمْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَبْطِنُ الْفِسْقَ وَيُظْهِرُ الْعَدَاوَةَ، فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا حِينَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ الشَّكِّ، إِلَّا عَدَاوَةً ابْتَدَاهَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، بِأَنْ قَذَفَ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ، لِأَنَّهَا لَوْ أَبْطَلْنَاهَا بِهَذَا لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ بِإِبْطَالِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِقَذْفِهِ، وَكَذَا الْمُنَازَعَةُ وَالْمُقَاوَلَةُ وَقْتَ غَضَبِهِ وَمُحَاكَمَتِهِ بِدُونِ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ سَابِقَةٍ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى حَدِّ الْعَدَاوَةِ أَوِ الْفِسْقِ.
فَإِنْ حَدَّثَ بَعْضَ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِهَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَدًّا لِلَّهِ لَمْ يَسْتَوْفِ؛ لِأَنَّ هَذَا شُبْهَةٌ وَهُوَ يَدْرَأُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مَالًا اسْتُوفِيَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ، وَإِنْ كَانَ قَوْدًا أَوْ حَدَّ قَذْفٍ فَوَجْهَانِ (وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَأَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ الزِّنَى، فَتُقْبَلُ فِيهِ كَغَيْرِهِ، وَلَدُ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا قَبِيحًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ، لِأَنَّ الزَّانِيَ لَوْ تَابَ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ فَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَعَ مَا ذُكِرَ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: وَدَّتِ الزَّانِيَةُ أَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ يَزْنِينَ، لَا أَعْلَمُهُ ثَابِتًا عَنْهُ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ عُثْمَانُ كَلَامًا بِالظَّنِّ عَنْ ضَمِيرِ امْرَأَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا تَذْكُرُهُ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، كَالْمُرْضِعَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، وَالْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ،
стр. 3470
عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ، وَعَنْهُ فِي شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ .
وَيَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَالِدٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْحَاكِمِ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ فِي الرَّضَاعِ وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ، إِذَا كَانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُغْنِي (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ (وَعَنْهُ: فِي شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ) .
أَحَدُهُمَا: لَا تُقْبَلُ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ.
لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ.» وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْجَفَاءِ فِي الدِّينِ.
وَالثَّانِي: تُقْبَلُ، صَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ الْمُنَجَّا؛ لِأَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَدْوِ قُبِلَتْ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، دَلِيلُهُ شَهَادَةُ الْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ لَا تُقْبَلُ لِلْجَهْلِ بِعَدَالَتِهِ الْبَاطِنَةِ، وَخَصَّهُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ.
[بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ]
[قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ]
بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ.
الْمَوَانِعُ: جَمْعُ مَانِعٍ، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ مَنَعَ الشَّيْءَ: إِذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصُودِهِ، فَهَذِهِ الْمَوَانِعُ تَحُولُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَمَقْصُودِهَا، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا قَبُولُهَا وَالْحُكْمُ بِهَا (وَيَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) يَأْتِي عَدُّهَا (أَحَدُهَا: قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ) وَهِيَ بِمَعْنَى لَا تُقْبَلُ
стр. 3471
لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا وَلَدٍ لِوَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ.
وَعَنْهُ: تُقْبَلُ فِيمَا لَا يَجُرُّ بِهِ نَفْعًا غَالِبًا، نَحْوَ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ قَذْفٍ، وَعَنْهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، ولا تقبل شهادة الوالد لولده، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِعَمُودَيْ نَسَبِهِ (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ) مِنْ قَبِيلِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ (وَلَا وَلَدٍ لِوَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ، وَآبَاؤُهُمَا وَأُمَّهَاتُهُمَا، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ: أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ» ، وَفِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمِيلُ إِلَيْهِ بِطَبْعِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇: «فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا» . وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ دِينُهُمَا أَوِ اخْتَلَفَ.
لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمُؤَلِّفُ وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ: لَا مِنْ زِنًى وَرَضَاعٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ وُجُوبِ الاتفاق وَالصِّلَةِ، وَعِتْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَالتَّبَسُّطِ فِي الْمَالِ (وَعَنْهُ: تُقْبَلُ فِيمَا لَا يَجُرُّ بِهِ نَفْعًا غَالِبًا، نَحْوَ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ قَذْفٍ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَنْتَفِعُ بِمَا يَحْصُلُ لِلْآخَرِ، فَتَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ عَنْهُ فِي شَهَادَتِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَشَهَادَتِهِ لَهُ بِمَالٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَنِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ (وَعَنْهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ) لِدُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ) لِأَنَّ مَالَ ابْنِهِ كَمَالِهِ لِلْخَبَرِ، فَكَانَتْ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: تُقْبَلُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهَا فِي الْمُبْهِجِ وَالْوَاضِحِ؛ لِأَنَّهُمَا عَدْلَانِ فَيَدْخُلَانِ فِيهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ، وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
стр. 3472
بَعْضٍ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا تُقَبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَا عَلَى أَبِيهِمَا بِقَذْفِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا وَهِيَ تَحْتَهُ أَوْ طَلَاقِهَا، فَاحْتِمَالَانِ فِي الْمُنْتَخَبِ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ لَا تُهْمَةَ فِيهَا، فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ أَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ كَشَهَادَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ عَلَيْهِ كَغَيْرِ الْعَدْلِ.
وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: لَا أَرَى شَهَادَةَ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ فِي حَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ؛ لِاتِّهَامِهِ فِي الْمِيرَاثِ، وَمُكَاتَبِ وَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ لَهُمَا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ لِوَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ، أَوْ أَجْنَبِيٌّ بِأَلْفٍ، أَوْ بِحَقٍّ آخَرَ مُشْتَرَكٍ، بَطَلَتْ فِي الْكُلِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ يَصِحُّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ فَقَطْ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهَا ابْنُ هُبَيْرَةَ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ لِيَنْبَسِطَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَالِ الْآخَرِ، وَاتِّسَاعِهِ بِسَعَتِهِ، وَإِضَافَةِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى الْآخَرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] ، وَ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ، وَلِأَنَّ يَسَارَ الرَّجُلِ يَزِيدُ فِي نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ، وَيَسَارَهَا يَزِيدُ فِي قِيمَةِ بُضْعِهَا الْمَمْلُوكِ لِزَوْجِهَا، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ، فَأَوْجَبَ التُّهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ.
وَظَاهِرٌ: وَلَوْ بَعْدَ الْفِرَاقِ، وَالْأُخْرَى: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عُقِدَ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَلَا يَتَضَمَّنُ رَدَّ الشَّهَادَةِ كَالْإِجَارَةِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مَقْبُولَةٌ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ، وَقِيلَ: فِي قَبُولِهَا رِوَايَتَانِ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِعَبْدِهِ بِنِكَاحٍ، وَلَا لِأَمَتِهِ بِطَلَاقٍ (وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ يَنْبَسِطُ فِي مَالِهِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ، فَهُوَ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، زَادَ
стр. 3473
لِأَخِيهِ، وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ وَالصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ، الْمَوْلَى لِعَتِيقِهِ.
فصل.
الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ كَشَهَادَةِ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ، وَالْوَارِثِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: بِمَالٍ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا.
قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ أَجَازَ ابْنُ الزُّبَيْرِ شَهَادَةَ الْأَخِ لِأَخِيهِ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومَاتِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى عَمُودَيِ النَّسَبِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ (وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ) أَيْ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كَالْأَخِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْهُ، (وَالصَّدِيقِ) الْمُلَاطِفِ (لِصَدِيقِهِ) وَهُوَ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِصَدَاقَةٍ وَكِيدَةٍ، وَعَاشِقٍ لِمَعْشُوقِة؛ لِأَنَّ الْعِشْقَ يَطِيشُ (الْمَوْلَى لِعَتِيقِهِ) كَالْأَخِ لِأَخِيهِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ، وعليه: وَلِغَيْرِ سَيِّدِهِ، لَكِنْ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ، وَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ الْمُعْتِقَ غَصَبَهُمَا مِنْهُ، فَشَهِدَ الْعَتِيقَانِ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لِعَوْدِهِمَا إِلَى الرِّقِّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَا بَعْدَ عِتْقِهِمَا أَنَّ مُعْتِقَهُمَا غَيْرُ بَالِغٍ حَالَ الْعِتْقِ، أَوْ جَرَحَا الشَّاهِدَيْنِ بِحُرِّيَّتِهِمَا، وَلَوْ عِتْقًا بِتَدْبِيرٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، فَشَهِدَا بَدَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ فِي الرِّقِّ، لَمْ يُقْبَلْ لِإِقْرَارِهِمَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ بِرِقِّهِمَا لِغَيْرِ سَيِّدٍ.
فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ الشَّاهِدُ مَعَ شَهَادَتِهِ لَمْ تُرَدَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَمَعَ النَّهْيِ عَنْهُ يُتَوَجَّهُ عَلَى كَلَامِهِ، فِي التَّرْغِيبِ: تُرَدُّ.
[أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ]
فصل.
(الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ) لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُتَّهَمٌ فِي الشَّهَادَةِ، وَالتُّهْمَةُ يُمْنَعُ مِنْ قَبُولِهَا (كَشَهَادَةِ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ) بِمَالٍ (وَالْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ) لِأَنَّهُ قَدْ يَسْرِي، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لَهُ ابْتِدَاءً، وَيُقْبَلُ لَهُ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ فِي الْأَشْهَرِ، فَلَوْ حَكَمَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ شَهِدَ غَيْرُ وَارِثٍ فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا، سَمِعْتُ دُونَ عَكْسِهِ، وَالْمَانِعُ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ نَفْعٌ حَالَ الشَّهَادَةِ.
стр. 3474
لِمَوْرُوثِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَالْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ، وَالْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ بِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، وَالشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَالْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ بِالْمَالِ، وَأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ بِعَفْوِ الْآخَرِ عَنْ شُفْعَتِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَلِهَذَا جَازَ شَهَادَةُ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِثَهُ، وَشَهَادَتُهُ لِامْرَأَةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَشَهَادَتُهُ لِغَرِيمٍ لَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُوَفِّيَهُ مِنْهُ، أَوْ يُفْلِسَ فَيَتَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ، وَمُنِعَتِ الشَّهَادَةُ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الْمَوْتِ بِهِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِلْوَارِثِ الشَّاهِدِ ابْتِدَاءً فَيَكُونُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ، مُوجِبًا لَهُ بِهِ حَقًّا ابْتِدَاءً، وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّاهِدِ لِمَوْرُوثِهِ الْمَرِيضِ بِحَقٍّ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ، فَلَمْ يُمْنَعِ الشَّهَادَةُ لَهُ كَالشَّهَادَةِ لِلْغَرِيمِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَجَزْتُمْ شَهَادَةَ الْغَرِيمِ لِغَرِيمِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، كَمَا أَجَزْتُمْ شَهَادَتَهُ لَهُ بِمَالٍ.
قُلْنَا: إِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ لِلشَّاهِدِ ابْتِدَاءً، إِنَّمَا تَجِبُ لِلْقَتِيلِ وَالْوَرَثَةِ ثُمَّ يَسْتَوْفِي الْغَرِيمُ مِنْهَا، فَأَشْبَهَتِ الشَّهَادَةَ لَهُ بِمَالٍ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ (وَالْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ فِيهِ حَقُّ التَّصَرُّفِ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِيهَا، وَأَجَازَ شُرَيْحٌ وَأَبُو ثَوْرٍ شَهَادَتَهُ لِلْمُوصَى عَلَيْهِمْ إِذَا كَانَ الْخَصْمُ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُمْ، فَقُبِلَتْ كَمَا بَعْدَ زَوَالِ الْوَصِيَّةِ، (وَالْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ بِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ) وَعَبَّرَ السَّامَرِّيُّ عَنْهُ بِالْقَانِعِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْوَكِيلِ، وَتُرَدُّ مِنْ وَصِيٍّ وَوَكِيلٍ وَلَوْ بَعْدَ الْعَزْلِ. وَقِيلَ: وَكَانَ خَاصَمَ فِيهِ، وَجَزَمَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: أَنَّهَا تقبل بَعْدَ عَزْلِهِ، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ خَاصَمَ فِي خُصُومَةٍ مَرَّةً، ثُمَّ نَزَعَ، ثُمَّ شَهِدَ لَمْ تُقْبَلْ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ، وَيَتِيمٌ فِي حِجْرِهِ، (وَالشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ) بِمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِاتِّهَامِهِ، وَكَذَا الْمُضَارِبُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ (وَالْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ) الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (بِمَالٍ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُفْلِسُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَأَمَّا قَبْلَ الْحَجْرِ فَتُقْبَلُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْحَجْرِ مَعَ إِعْسَارِهِ، (وَأَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ بِعَفْوِ الْآخَرِ عَنْ شُفْعَتِهِ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، فَإِنْ شَهِدَ بَعْدَ إِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ قُبِلَتْ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
مَسَائِلُ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَجِيرٍ لِمَنِ اسْتَأْجَرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ فِيهِ، وَذَكَرَ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ: أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ـ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ ـ:
стр. 3475
فصل.
الثَّالِثٌ: أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا ، كَشَهَادَةِ الْعَاقِلَةِ بِجُرْحِ شُهُودِ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَالْغُرَمَاءِ بِجُرْحِ شُهُودِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَالسَّيِّدِ بِجُرْحِ مَنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ بِدَيْنٍ، وَالْوَصِيِّ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى الْأَيْتَامِ، وَالشَّرِيكِ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَيْفَ لَا يَجُوزُ؛ وَلَكِنَّ النَّاسَ تَكَلَّمُوا فِيهِ فَرَأَيْتُهُ يَغْلِبُ عَلَى قَلْبِهِ جَوَازُهُ، وَلَا حَاكِمٍ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ، قَالَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَالرَّوْضَةِ، وَتُقْبَلُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ: وَلَا لِمَنْ لَهُ كَلَامٌ أَوِ اسْتِحْقَاقٌ فِي شَيْءٍ، وَإِنْ قَلَّ كَرِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي قَوْمٍ فِي دِيوَانٍ آجَرُوا شَيْئًا: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ؛ لِأَنَّهُمْ وُكَلَاءُ أَوْ وُلَاةٌ. قَالَ: وَلَا شَهَادَةُ دِيوَانِ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ عَلَى الْخُصُومِ.
[أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا]
فصل.
(الثَّالِثُ: أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا، كَشَهَادَةِ الْعَاقِلَةِ بِجُرْحِ شُهُودِ قَتْلِ الْخَطَأِ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْجَارِحُ فَقِيرًا أَوْ بَعِيدًا فَاحْتِمَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: لَا لِجَوَازِ أَنْ يُوسِرَ أَوْ يَمُوتَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَيَحْمِلَهَا، (وَالْغُرَمَاءِ بِجُرْحِ شُهُودِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْفِيرِ الْمَالِ عَلَيْهِمْ (وَالسَّيِّدِ بِجُرْحِ مَنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ بِدَيْنٍ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهَا لِمَا يَحْصُلُ بِهَا مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: «مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْإِسْلَامِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ، وَالظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ.
» يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ» . وَهُوَ مُرْسَلٌ.
وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ الضَّامِنِ بِإِبْرَاءِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ أَوْ قَضَائِهِ، غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا (وَالْوَصِيِّ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى الْأَيْتَامِ، وَالشَّرِيكِ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى شَرِيكِهِ) لِأَنَّهُ
стр. 3476
شَرِيكِهِ وَسَائِرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِإِنْسَانٍ إِذَا شَهِدَ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ.
فصل.
الرَّابِعُ: الْعَدَاوَةُ كَشَهَادَةِ الْمَقْذُوفِ عَلَى قَاذِفِهِ، وَالْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ عَلَى قَاطَعِهِ، وَالزَّوْجِ بِالزِّنَى عَلَى امْرَأَتِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُتَّهَمٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَسَائِرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِإِنْسَانٍ إِذَا شَهِدَ بِجُرْحِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ) كَالْوَصِيِّ، وَالْوَكِيلِ، وَالشَّرِيكِ، وَغَرِيمِ الْمُفْلِسِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَنَحْوِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَّهَمُونَ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ الَّذِي يَتَضَمَّنُ إِزَالَةَ حُقُوقِهِمْ مِنَ الْمَشْهُودِ بِهِ.
[الْعَدَاوَةُ]
فصل.
(الرَّابِعُ: الْعَدَاوَةُ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْغِمْرُ: الْحِقْدُ، وَلِأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُورِثُ تُهْمَةً شَدِيدَةً فَمَنَعَتِ الشَّهَادَةَ، كَالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهَا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَوْرُوثَةً أَوْ مُكْتَسَبَةً.
وَفِي التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ: ظَاهِرَةٌ، بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسُرُّ بِمَسَاءَةِ الْآخَرِ وَيَغْتَمُّ بِفَرَحِهِ، وَيَطْلُبُ لَهُ الشَّرَّ، زَادَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ حَاسِدٍ.
لَكِنْ فِي الْخَبَرِ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الْحَسَدُ وَالظَّنُّ وَالطِّيَرَةُ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِالْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ، إِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَتْبَعْ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَتَحَقَّقْ، وَإِذَا تَطَيَّرَتْ فَامْضِ» .
وَعِبَارَةُ الْخِرَقِيِّ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ. فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ خَاصَمَ فِي حَقٍّ، كَالْوَكِيلِ وَالشَّرِيكِ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ أَوْ شَرِيكٌ فِيهِ (كَشَهَادَةِ الْمَقْذُوفِ عَلَى قَاذِفِهِ، وَالْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ عَلَى قَاطِعِهِ) لِمَا ذَكَرْنَا.
فَعَلَى هَذَا: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إِنْ شَهِدُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَيْنَا أَوْ عَلَى الْقَافِلَةِ، بَلْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ: هَلْ قَطَعُوهَا عَلَيْكُمْ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْحَثُ
стр. 3477
فصل.
الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ بِشَهَادَةٍ فَتُرَدُّ، ثُمَّ يَتُوبُ ويُعِيدُهَا ، فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِلتُّهْمَةِ، وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَّى صَارَ عَدْلًا، قُبِلَتْ بغير خلاف نعلمه، وَلَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَمَّا يشَهد بِهِ المشهودُ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ عَرَضُوا لَنَا وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى غَيْرِنَا، فَفِي الْفُصُولِ: تُقْبَلُ، قَالَ: وَعِنْدِي لَا. (وَالزَّوْجِ بِالزِّنَى عَلَى امْرَأَتِهِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ تُهْمَةً بِخِلَافِ الصَّدَاقَةِ، فَإِنَّ فِي شَهَادَةِ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ بِالزُّورِ نَفْعَ غَيْرِهِ بِمَضَرَّةِ نَفْسِهِ، وَبَيْعِ آخِرَتِهِ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَشَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ يَقْصِدُ بِهَا نَفْعَ نَفْسِهِ مِنَ التَّشَفِّي بِعَدُوِّهِ فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا الْمُحَاكَمَةُ فِي الْأَمْوَالِ فَلَيْسَتْ عَدَاوَةً تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ فِي غَيْرِ مَا حَاكَمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَقْبَلْ لَاتَّخَذَ النَّاسُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَى إِبْطَالِ الشَّهَادَاتِ وَالْحُقُوقِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهَا تُقْبَلُ لِعَدُوِّهِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
وَعَنْهُ: لَا، كَمَا لَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ.
[أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ بِشَهَادَةٍ فَتُرَدُّ، ثُمَّ يَتُوبُ وَيُعِيدُهَا]
فصل.
(الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ بِشَهَادَةٍ فَتُرَدُّ، ثُمَّ يَتُوبُ وَيُعِيدُهَا فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ) جَزَمَ بِهِ الْمُحَرَّرُ وَالْوَجِيزُ وَالسَّامَرِّيُّ، وَزَادَ وَجْهًا وَاحِدًا (لِلتُّهْمَةِ) فِي أَدَائِهَا لِكَوْنِهِ يُعَيَّرُ بِرَدِّهَا، فَرُبَّمَا قَصَدَ بِأَدَائِهَا أَنْ تُقْبَلَ لِإِزَالَةِ الْعَارِ الَّذِي لَحِقَهُ بِرَدِّهَا، وَلِأَنَّهَا رُدَّتْ بِاجْتِهَادٍ فَقَبُولُهَا نَقْضٌ لِذَلِكَ الِاجْتِهَادِ، وَعَنْهُ: تُقْبَلُ، حَكَاهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَالنَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، كَغَيْرِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ وَهُوَ كَافِرٌ فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ (وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَّى صَارَ عَدْلًا قُبِلَتْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ أَجْلِ الْعَارِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي الرَّدِّ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا، وَهَكَذَا الصَّبِيُّ وَالْكَافِرُ إِذَا شَهِدَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ كَانُوا يَرْوُونَ بَعْدَمَا كَبِرُوا، كَابْنِ جَعْفَرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالشَّهَادَةُ فِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ هُنَا مُنْتَفِيَةٌ، وَكَذَا الْعَبْدُ
стр. 3478
شَهِدَ كَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا بَعْدَ زَوَالِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالصِّبَا قُبِلَتْ، وَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ أَوْ لِمَوْرُوثِهِ بالِجرْح قَبْلَ بُرْئِهِ، فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا بَعْدَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ وَبُرْءِ الْجريح، فَفِي رَدِّهَا وَجْهَانِ، وَإِنْ شَهِدَ الشفيع بِعَفْوِ شَرِيكِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِذَا شَهِدَ بَعْدَ الْعِتْقِ (وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا بَعْدَ زَوَالِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالصِّبَا) ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ وَهِيَ أَوْلَى، (قُبِلَتْ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ؛ لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ فِي الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ لَا غَضَاضَةَ فِيهَا، فَلَا تَقَعُ تُهْمَةٌ فِي الْإِعَادَةِ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ الْبُلُوغَ وَالْحُرِّيَّةَ لَيْسَا مِنْ فِعْلِهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ بِخِلَافِ الْفِسْقِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تُقْبَلُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى كَالْفَاسِقِ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ مُجْتَهِدٌ فِيهَا، فَإِذَا رُدَّتْ لَمْ تُقْبَلْ كَالْفَاسِقِ.
وَكَذَا إِذَا رُدَّتْ لِجُنُونٍ أَوْ خَرَسٍ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ عَلَى الْأَصَحِّ (وَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ أَوْ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ بُرْئِهِ، فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا بَعْدَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ وَبُرْءِ الْجَرِيحِ، فَفِي رَدِّهَا وَجْهَانِ) .
أَحَدُهُمَا: تُقْبَلُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمَانِعِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، أَشْبَهَ زَوَالَ الصِّبَا، وَلِأَنَّ رَدَّهَا بِسَبَبٍ لَا عَارَ فِيهِ، فَلَا يُتَّهَمُ فِي قَصْدِ نَفْيِ الْعَارِ بِإِعَادَتِهَا، بِخِلَافِ الْفِسْقِ.
وَالثَّانِي: لَا تُقْبَلُ، صَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.
وَذَكَرَ فِي الْكَافِي: أَنَّهُ الْأَوْلَى، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ رَدَّهَا بِاجْتِهَادِهِ فَلَا يَنْقُضُ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ، وَلِأَنَّهَا رُدَّتْ بِالتُّهْمَةِ كَالْمَرْدُودَةِ لِلْفِسْقِ، وَنَصَرَ الْمُؤَلِّفُ الْأَوَّلَ، فَإِنَّ الْأَصْلَ قَبُولُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ، وَأَمَّا نَقْضُ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ فَهُوَ جَائِزٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ، غَيْرُ جَائِزٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَاضِي.
стр. 3479
فِي الشُّفْعَةِ عَنْهَا فَرُدَّتْ، ثُمَّ عَفَا الشَّاهِدُ عَنْ شُفْعَتِهِ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ لَمْ يُقْبَلْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ.
بَابُ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ
وَالْمَشْهُودُ بِهِ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا: الزِّنَى وَمَا يُوجِبُ حَدَّهُ ، فَلَا يُقْبَلُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى فِي قَضِيَّةٍ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ، وَقَبُولُ الشَّهَادَةِ هُنَا مِنَ النَّقْضِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
فَرْعٌ: الْخِلَافُ جَارٍ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ رُدَّتِ التُّهْمَةُ رَحِمٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ عَدَاوَةٍ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ، ثُمَّ أَعَادَهَا، وَقِيلَ: إِنْ زَالَ الْمَانِعُ بِاخْتِيَارِ الشَّاهِدِ، كَإِعْتَاقِ الْعَبْدِ وَتَطْلِيقِ الزَّوْجَةِ رُدَّتْ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ شَهِدَ الشَّفِيعُ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ فِي الشُّفْعَةِ عَنْهَا، فَرُدَّتْ، ثُمَّ عَفَا الشَّاهِدُ عَنْ شُفْعَتِهِ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ، لَمْ يُقْبَلْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ أَشْبَهَ الْفَاسِقَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ) هَذَا وَجْهٌ؛ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا رُدَّتْ لِكَوْنِهِ يَجُرُّ بِهَا إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِعَفْوِهِ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: مِنْ مَوَانِعِهَا الْحِرْصُ عَلَى أَدَائِهَا قَبْلَ اسْتِشْهَادِ مَنْ يَعْلَمُ بِهَا، قَبْلَ الدَّعْوَى أَوْ بَعْدَهَا، فَتُرَدُّ، وَهَلْ يَصِيرُ مَجْرُوحًا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. قَالَ: وَمِنْ مَوَانِعِهَا الْعَصَبِيَّةُ، فَلَا شَهَادَةَ لِمَنْ عُرِفَ بِهَا، وَبِالْإِفْرَاطِ فِي الْحَمِيَّةِ، كَتَعْصِيبِ قَبِيلَةٍ عَلَى قَبِيلَةٍ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ الْعَدَاوَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ عِنْدَ حَاكِمٍ، فَقَالَ آخَرُ: أَشْهَدُ بِمِثْلِ مَا شَهِدَ بِهِ، أَوْ بِذَلِكَ، أَوْ كَذَلِكَ، أَوْ بِمَا وَضَعْتُ بِهِ خَطِّي، فَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا.
ثَالِثُهَا يَصِحُّ فِي: وَبِذَلِكَ وَكَذَلِكَ فَقَطْ، وَهُوَ أَشْهَرُ، وَفِي نُكَتِ الْمُحَرَّرِ: إِنَّ الْقَوْلَ بِالصِّحَّةِ فِي الْجَمِيعِ أَوْلَى.
[بَابُ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ]
[الزِّنَى وَمَا يُوجِبُ حَدَّهُ]
بَابُ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ.
وَعَدَدُ شُهُودِهِ (وَالْمَشْهُودُ بِهِ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ) يَأْتِي بَيَانُهَا (أَحَدُهَا: الزِّنَى وَمَا
стр. 3480
فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ، وَهَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
الثَّانِي: الْقِصَاصُ سَائِرُ الْحُدُودِ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يُوجِبُ حَدَّهُ) كَاللِّوَاطِ (فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ) عُدُولٍ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَى (وَهَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
إِحْدَاهُمَا: لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِحَدِّ الزِّنَى، فَأَشْبَهَ الْفِعْلَ، وَالْمُرَادُ الْإِقْرَارُ الْمُعْتَبَرُ وَهُوَ أَرْبَعُ.
الثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ عَدْلَانِ كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ، فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ أَعْجَمِيًّا، فَفِي التَّرْجَمَةِ وَجْهَانِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ تُرْجُمَانَانِ.
وَمَنْ عَزَّرَ بِوَطْءِ فَرْجٍ، ثَبَتَ بِرَجُلَيْنِ، قَدَّمَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: مَعَ الْبَيِّنَةِ وَاثْنَيْنِ مَعَ الْإِقْرَارِ، وَتَثْبُتُ الْمُبَاشَرَةُ دُونَ الْفَرْجِ وَمَا أَوْجَبَ تَعْزِيرًا بِعَدْلَيْنِ، أَشْبَهَ ظُلْمَ النَّاسِ.
[الْقِصَاصُ وَسَائِرُ الْحُدُودِ]
(الثَّانِي: الْقِصَاصُ سَائِرُ الْحُدُودِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ حُرَّانِ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ إِلَّا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَحَمَّادٍ: يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقِصَاصِ فَيُقْبَلُ فِيهِ اثْنَانِ، كَقَطْعِ الطَّرَفِ بِخِلَافِ الزِّنَى، وَهَذَا مِمَّا يَحْتَاطُ لِدَرْئِهِ وَيَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى إِثْبَاتِهِ.
لَا يُقَالُ: الْقَتْلُ أَعْظَمُ مِنَ الزِّنَى، وَاشْتُرِطَ فِيهِ أَرْبَعَةٌ كَانَ الْقَتْلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِيهِ حَقُّ آدَمِيٍّ.
وَفِي اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعَةِ إِسْقَاطٌ لَهُ، بِخِلَافِ الزِّنَى، وَفِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ شُبْهَةٌ، «رَوَى الزُّهْرِيُّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ.
» وَعَنْهُ: جَوَازُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ بَيْنَهِنَّ فِي الْحَمَّامَاتِ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ خِلَافٌ سَبَقَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِقَتْلٍ عَمْدٍ ثَبَتَ إِقْرَارُهُ بِمَرَّةٍ، وَعَنْهُ: أَرْبَعَ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: يَرُدُّهُ وَيَسْأَلُ عَنْهُ
стр. 3481
حُرَّانِ.
الثَّالِثُ: مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، غَيْرَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْوَكَالَةِ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ، وَعَنْهُ: فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْعِتْقِ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَعَنْهُ يقبل فِي الْعِتْقِ: شَاهِدٌ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي، وَقَالَ الْقَاضِي: النِّكَاحُ وَحُقُوقُهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّجْعَةِ، لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَالْوَكَالَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْكِتَابَةُ وَنَحْوُهَا تَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَعَلَّ بِهِ جُنُونًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
[مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ]
(الثَّالِثُ: مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، غَيْرَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ كَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْوَكَالَةِ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) ؛ كَالظِّهَارِ وَالِاسْتِيلَاء وَالنِّكَاحِ (وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَذَكَرَ السَّامَرِّيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، قَالَهُ فِي الرَّجْعَةِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، أَشْبَهَ الْعُقُوبَاتِ، وَلِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إِلَى عَدَمِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ (وَعَنْهُ: فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْعِتْقِ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، أَشْبَهَ الْمَالَ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ إِلْحَاقَ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْمَالِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي: لَا يَثْبُتَانِ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَعَنْهُ: يُقْبَلُ فِي الْعِتْقِ شَاهِدٌ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ مُسْتَنَدَهَا عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إِلَى الْعِتْقِ، وَفِي قَبُولِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُعْتِقِ تَوْسِعَةٌ فِي ثُبُوتِ الْعِتْقِ (وَقَالَ الْقَاضِي: النِّكَاحُ وَحُقُوقُهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّجْعَةِ، لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لَهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا (وَالْوَكَالَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْكِتَابَةُ وَنَحْوُهَا يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) مَا خَلَا الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ أَنَّهُ وَصِيٌّ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ، فَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْوَصِيَّةِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
стр. 3482
قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يُوَكِّلُ آخر وَيُشْهِدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ: إِنْ كَانَتْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِدَيْنٍ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا.
الرَّابِعُ: الْمَالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ وَجِنَايَةِ الْخَطَأِ، يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَنَصَّ فِي الْإِعْسَارِ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِثَلَاثَةٍ؛ لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ فِي حِلِّ الْمَسْأَلَةِ لَا فِي الْإِعْسَارِ.
وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ وَأَبُو الْحَارِثِ وَيَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ فِي الْأَسِيرِ يَدَّعِي أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْأَسْرِ لِيَدْرَأَ عَنْهُ الرِّقَّ: إِنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْأَسْرَى، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَكَذَا إِنْ شَهِدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ. فَنَصَّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهَا فِي الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْقَاضِي: فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ الشَّهَادَةُ، يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ يَمِينٍ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ: هَلْ يُقْبَلُ الرَّجُلَانِ وَالْمَرْأَتَانِ أَوِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي دَعْوَى قَتْلِ الْكَافِرِ لِاسْتِحْقَاقِ سَلَبِهِ؟ وَدَعْوَى الْأَسِيرِ إِسْلَامًا سَابِقًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَرْعٌ: يُقْبَلُ طَبِيبٌ وَبَيْطَارٌ وَاحِدٌ فِي مَعْرِفَةِ دَاءٍ وَمُوضِحَةٍ، إِنْ تَعَذَّرَ آخَرُ. نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَعْسُرُ عَلَيْهِ إِشْهَادُ اثْنَيْنِ فَكَفَى الْوَاحِدُ كَالرَّضَاعِ. وَإِنْ أَمْكَنَ إِشْهَادُ اثْنَيْنِ لَمْ يَكْتَفِ بِدُونِهِمَا ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ قَبُولَ الْوَاحِدِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا قُدِّمَ قَوْلُ الْمُثْبِتِ. (قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يُوَكِّلُ آخَرَ وَيُشْهِدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ: إِنْ كَانَتْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِدَيْنٍ) صَحَّ ; لِأَنَّ الْوَكَالَةَ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ يُقْصَدُ مِنْهَا الْمَالُ كَالْحَوَالَةِ. (فَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا) لِمَا سَبَقَ.
[الْمَالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ]
(الرَّابِعُ: الْمَالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْبَيْعِ) وَالْأَجَلُ وَالْخِيَارُ فِيهِ. (وَالْقَرْضُ وَالْوَصِيَّةُ لَهُ) أَيْ: لِمُعَيَّنٍ، وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنْ مَلَكَهُ. وَتَسْمِيَةُ مَهْرٍ، وَرِقٌّ مَجْهُولُ النَّسَبِ. (وَجِنَايَةُ الْخَطَأِ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، نَصَّ عَلَى الْمُدَايَنَةِ، وَقِسْنَا عَلَيْهِ سَائِرَ مَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْمَالُ، أَشْبَهَتِ الشَّهَادَةَ بِنَفْسِ الْمَالِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ
стр. 3483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَعَ الرِّجَالِ لِلنَّصِّ. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ ثُبُوتَ الْمَالِ لِمُدَّعِيهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ» ، زَادَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فِي الْأَمْوَالِ.
وَلِأَحْمَدَ ـ فِي رِوَايَةٍ ـ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ؛ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْيَدِ، وَفِي حَقِّ الْمُنْكِرِ. وَالْمُدَّعِي هُنَا ظَهَرَ صِدْقُهُ بِشَاهِدِهِ فَوَجَبَ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ. وَقِيلَ: تُقْبَلُ امْرَأَتَانِ وَيَمِينٌ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ قُبِلَ امْرَأَةٌ وَيَمِينٌ تَوَجَّهَ ; لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا أُقِيمَا مَقَامَ رَجُلٍ فِي التَّحَمُّلِ، وَلِخَبَرِ الدِّيَانَةِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعِي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً. نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي: شَاهِدِي صَادِقٌ فِي شَهَادَتِهِ. وَقِيلَ: بَلَى، جَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ.
وَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَسَقَطَ الْحَقُّ. وَإِنْ نَكَلَ حُكِمَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَهَلْ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَشْهَرُهُمَا: لَا تُرَدُّ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي جَنْبَتِهِ وَقَدْ أَسْقَطَهَا بِنُكُولِهِ عَنْهَا، وَصَارَتْ فِي جَنْبَةِ غَيْرِهِ فَلَمْ تَعُدْ إِلَيْهِ. كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا نَكَلَ عَنْهَا فَرُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي فَنَكَلَ عَنْهَا.
وَالثَّانِيَ: تُرَدُّ ; لِأَنَّ سَبَبَهَا نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَإِذَا حَلَفَ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمَاعَةِ أَخَذَ نَصِيبَهُ، وَلَا يُشَارِكُهُ نَاكِلٌ. وَلَا يَحْلِفُ وَرَثَةُ نَاكِلٍ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ نُكُولِهِ. وَعَنْهُ: فِي الْوَصِيَّةِ يَكْفِي وَاحِدٌ. وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ إِلَّا نِسَاءٌ فَامْرَأَةٌ.
وَسَأَلَهُ ابْنُ صَدَقَةَ: الرَّجُلُ يُوصِي وَيُعْتِقُ وَلَا يَحْضُرُهُ إِلَّا النِّسَاءُ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ؛ قَالَ: نَعَمْ، فِي الْحُقُوقِ.
стр. 3484
الْمُدَّعِي، وَهَلْ تُقْبَلُ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ـ دُونَ الْقِصَاصِ ـ كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
الْخَامِسُ: مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ وَالرَّضَاعِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْحَيْضِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَنَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ: الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ، فَأَمَّا الْمَوَارِيثُ فَيُقْرَعُ.
وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِي جِنَايَةِ الْخَطَأِ إِلَّا رَجُلَانِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. (وَهَلْ تُقْبَلُ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ـ دُونَ الْقِصَاصِ ـ كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) نَقُولُ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ الَّتِي لَا تُوجِبُ قَوَدًا كَجَائِفَةٍ وَجِنَايَةِ أَبٍ وَقَتْلِ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ وَحُرٍّ بِعَبْدٍ: رِوَايَتَانِ. ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلُ وَامْرَأَتَانِ وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ إِلَّا الْمَالَ أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّهَا جِنَايَةُ عَمْدٍ، أَشْبَهَتِ الْمُوضِحَةَ.
فَعَلَى الْأُولَى: إِنْ كَانَ الْقَوَدُ فِي بَعْضِهَا كَمَأْمُومَةٍ وَهَاشِمَةٍ، هَلْ يَثْبُتُ الْمَالُ فَقَطْ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَالْمَذْهَبُ ـ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالتَّرْغِيبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ـ: أَنَّهُ يُقْبَلُ ; لِأَنَّ مُوجِبَهَا الْمَالُ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا رَمَى سَهْمًا عَلَى إِنْسَانٍ فَتَعَدَّى مِنْهُ إِلَى آخَرَ فَمَاتَا، ثَبَتَ الثَّانِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَكَذَا الْأَوَّلُ، إِنْ كَانَ مُوجِبَهُ الْقَوَدُ، وَالشَّاهِدُ لَوْثٌ حَلَفَ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَثْبُتُ الدِّيَةُ. وَقِيلَ: وَالْقَوَدُ أَيْضًا.
[مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ]
(الْخَامِسُ: مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ وَالرَّضَاعِ) وَعَنْهُ: وَتَحْلِفُ فِيهِ. (وَالِاسْتِهْلَالِ وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْحَيْضِ وَنَحْوِهِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ
стр. 3485
وَنَحْوِهِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنِ امْرَأَتَيْنِ، وَإِنْ شَهِدَ بِهِ الرَّجُلُ وكَانَ أَوْلَى بِثُبُوتِهِ.
فصل: إِذَا شَهِدَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لَمْ يَثْبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَإِنْ شَهِدُوا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّضَاعِ. وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا فِي الِاسْتِهْلَالِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ. وَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَالَةُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَفِي الْفُرُوعِ: يُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَةٌ لَا ذِمِّيَّةٌ. نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ وَغَيْرُهُ. وَفِي الِانْتِصَارِ: فَيَجِبُ أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَلَا مَجْلِسِ الْحُكْمِ كَالْخَبَرِ، وَلَا أَعْرِفُ عَنْ إِمَامِنَا مَا يَرُدُّهُ. (وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنِ امْرَأَتَيْنِ) لِأَنَّ كُلَّ جِنْسٍ لَمْ يَثْبُتِ الْحَقُّ فِيهِ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِاثْنَيْنِ كَالرِّجَالِ. (وَإِنْ شَهِدَ بِهِ الرَّجُلُ) كَانَ كَالْمَرْأَةِ. (كَانَ أَوْلَى بِثُبُوتِهِ) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهَا؛ وَلِأَنَّ مَا قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ، كَالرِّوَايَةِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُهُ: أَنَّ الْجِرَاحَةَ وَغَيْرَهَا فِي الْحَمَّامِ وَالْعُرْسِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ، أَنَّهُ تُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ. خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ ادَّعَتْ إِقْرَارَ زَوْجِهَا بِأُخُوَّةِ رَضَاعَةٍ فَأَنْكَرَ، قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَقُلْنَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِالْإِقْرَارِ، لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ نِسَاءٌ فَقَطْ. وَتَرْكُ الْقَابِلَةِ وَنَحْوِهَا الْأُجْرَةَ لِحَاجَةِ الْمَقْبُولَةِ أَفْضَلُ، وَإِلَّا دَفَعَتْهَا إِلَى مُحْتَاجٍ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[فصل فِي شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ]
فصل
(إِذَا شَهِدَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ. (لَمْ يَثْبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ ; لِأَنَّ الْقَتْلَ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَالْمَالُ بَدَلٌ مِنْهُ. فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْأَصْلُ لَمْ يَجِبْ بَدَلُهُ. وَإِنْ قُلْنَا مُوجِبُهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، لَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ. فَلَوْ أَوْجَبْنَا الدِّيَةَ وَحْدَهَا أَوْجَبْنَا مُعَيَّنًا.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ: أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمَالُ إِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَوْ حُرًّا. (وَإِنْ شَهِدُوا بِالسَّرِقَةِ ثَبَتَ الْمَالُ) لِكَمَالِ بَيِّنَتِهِ (دُونَ الْقَطْعِ) كَذَا فِي
стр. 3486
بِالسَّرِقَةِ ثَبَتَ الْمَالُ. وَإِنِ ادَّعَى رَجُلٌ الْخُلْعَ، قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وَإِنِ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ، وَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ وَوَلَدُهَا مِنْهُ، قُضِيَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ أُمَّ وَلَدٍ. وَهَلْ تَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَنَسَبُهُ مِنْ مُدَّعِيهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ ; لِأَنَّ السَّرِقَةَ تُوجِبُهُمَا أَيْ: الْمَالَ وَالْقَطْعَ، فَإِذَا قَصُرَتْ عَنْ أَحَدِهِمَا ثَبَتَ الْآخَرُ.
وَاخْتَارَ فِي الْإِرْشَادِ وَالْمُبْهِجِ: لَا يَثْبُتُ الْمَالُ كَالْقَطْعِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَا تُوجِبُ الْحَدَّ ـ وَهُوَ أَحَدُ مُوجِبَيْهَا ـ فَإِذَا بَطَلَتْ فِي أَحَدِهِمَا بَطَلَتْ فِي الْآخَرِ.
وَبَنَى فِي التَّرْغِيبِ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءَ بِالْغُرْمِ عَلَى نَاكِلٍ. (وَإِنِ ادَّعَى رَجُلٌ الْخُلْعَ، قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْمَالَ الَّذِي خَالَعَتْهُ بِهِ، فَأَمَّا الْبَيْنُونَةُ فَتَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا. (وَإِنِ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْصِدُ بِذَلِكَ إِلَّا الْفَسْخَ، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِعَدْلَيْنِ. فَأَمَّا إِنِ اخْتَلَفَا فِي عِوَضِ الْخُلْعِ أَوِ الصَّدَاقِ ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ; لِأَنَّهُ مَالٌ. (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ. (لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهَا مِنْهُ قُضِيَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ أَمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي مِلْكَهَا، وَقَدْ أَقَامَ بَيِّنَةً كَافِيَةً فِيهِ، وَيَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ بِإِقْرَارِهِ ; لِأَنَّ إِقْرَارَهُ ثَبَتَ، وَالْمِلْكُ ثَبَتَ فِي مِلْكِهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ: أَنَّهُ حَصَلَ بِقَوْلِ الْبَيِّنَةِ، وَلَيْسَ هُوَ بِمُرَادٍ، بَلْ مُرَادُهُ الْحُكْمُ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عِلَّةِ ذَلِكَ، وَعِلَّتُهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُقِرٌّ بِأَنَّ وَطْأَهَا كَانَ فِي مِلْكِهِ. (وَهَلْ يَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَنَسَبُهُ مِنْ مُدَّعِيهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ. الْأَشْهَرُ ـ كَمَا نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ ـ: أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَلَا نَسَبُهُ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا يَبْقَى الْوَلَدُ فِي يَدِ الْمُنْكِرِ مَمْلُوكًا لَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَثْبُتَانِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ نَمَاءُ الْجَارِيَةِ وَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُ، فَتَبِعَهَا الْوَلَدُ فِي الْحُكْمِ، ثُمَّ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَحُرِّيَّتُهُ بِإِقْرَارِهِ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ أَبِيهِ بِدَعْوَاهُ وَإِنْ بَقِيَ عَبْدًا لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ. فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. قَدَّمَهُ
стр. 3487
بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي، وَتُرَدُّ فِيمَا يُرَدُّ فِيهِ، وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِمِلْكٍ قَدِيمٍ فَلَمْ يَثْبُتْ، وَالْحُرِّيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. وَقِيلَ: تَثْبُتُ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ الْحَلِفُ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ. كَمَنْ رَأَى خَطَّ مَوْرُوثِهِ بِأَنَّ لَهُ عَلَى زَيْدٍ شَيْئًا، أَوْ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، حَلَفَ إِذَا وَثِقَ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ. وَإِنْ رَأَى زَيْدٌ بِخَطِّهِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عَلَى عَمْرٍو أَوْ أَنَّهُ قَضَاهُ وَعَلِمَ صِحَّةَ ذَلِكَ، حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ أَنَّ زَيْدًا قَتَلَ أَبَاهُ أَوْ غَصَبَهُ شَيْئًا، حَلَفَ عَلَيْهِ وَضَمِنَهُ إِيَّاهُ، وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ لِغَيْرِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ قَدْ زَوَّرَ عَلَى خَطِّهِ، وَلَا يُحْتَمَلُ هَذَا فِيمَا يُحْلَفُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ إِنَّمَا هُوَ لِلْحَالِفِ فَلَا يُزَوِّرُ أَحَدٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حُقُوقِهِ يَكْثُرُ فَيَنْسَى بَعْضَهُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ. وَالْأَوْلَى التَّوَرُّعُ عَنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ]
[مَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَمَا تُرَدُّ فِيهِ]
بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. فَقَالَ: هِيَ جَائِزَةٌ.
وَكَانَ قَوْمٌ يُسَمُّونَهَا التَّأْوِيلَ. وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِجْمَاعُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَجْمَعَتِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى إِمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ.
وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَبَطَلَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوُقُوفِ، وَمَا يَتَأَخَّرُ إِثْبَاتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَوْ مَاتَتْ شُهُودُهُ. وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَوَجَبَ قَبُولُهَا كَشَهَادَةِ الْأَصْلِ. (تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي، وَتُرَدُّ فِيمَا يُرَدُّ فِيهِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَوْنِهِمَا فَرْعًا لِأَصْلٍ. وَذَكَرَ
стр. 3488
تُقْبَلُ إِلَّا أَنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الْأَصْلِ بِمَوْتٍ، أَوْ مَرَضٍ، غَيْبَةٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَه إِلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ، فَيَقُولُ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، أَقَرَّ عِنْدِي، وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ طَوْعًا بكَذَا، أَوْ شَهِدْتُ عَلَيْهِ، أَوْ أَقَرَّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّ قَبُولَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْقِصَاصَ وَالْحُدُودَ، فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. (وَلَا تُقْبَلُ) أَيْ: لَا يُحْكَمُ بِهَا، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ. (إِلَّا أَنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الْأَصْلِ بِمَوْتٍ) وَعَلَى الْأَصَحِّ (أَوْ مَرَضٍ) أَوْ خَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ (غَيْبَةٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ أَقْوَى ; لِأَنَّهَا تُثْبِتُ نَفْسَ الْحَقِّ، وَهَذِهِ لَا تُثْبِتُهُ ; لِأَنَّ سَمَاعَ الْقَاضِي مِنْهُمَا مُتَيَقَّنٌ، وَصِدْقُ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ عَلَيْهِمَا مَظْنُونٌ، فَلَمْ يُقْبَلِ الْأَدْنَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَقْوَى، وَكَسَائِرِ الْأَبْدَالِ، وَالْغَيْبَةُ هُنَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ. ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ مَا دُونُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي: أَنَّهَا مَا لَا يَتَّسِعُ الْعَوْدُ وَالذَّهَابُ فِي يَوْمٍ. وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَامِدِ الشَّافِعِيُّ لِلْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ مَا دُونَ الْيَوْمِ. (وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِمْ) هذا رِوَايَةٌ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِشَهَادَةِ فَرْعٍ فِي حَيَاةِ أَصْلٍ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ حَيًّا رُجِيَ حُضُورُهُ، فَكَانَ كَالْحَاضِرِ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ مَاتَ شَاهِدُ الْأَصْلِ.
[لَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ]
(وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يشهده إِلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا تَكُونُ شَهَادَةٌ إِلَّا أَنْ يُشْهِدَكَ ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا مَعْنَى النِّيَابَةِ، وَالنِّيَابَةُ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَا تَجُوزُ.
وَعَنْهُ: تَجُوزُ مُطْلَقًا. ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهَا فِي التَّبْصِرَةِ. (فَيَقُولُ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ وَقَدْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ أَقَرَّ عِنْدِي وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ طَوْعًا بِكَذَا، أَوْ شَهِدْتُ عَلَيْهِ، أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي بِذَلِكَ) هَذَا وَجْهُ تَعْدَادِ الشَّهَادَةِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا اسْتَرْعَى غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ حَتَّى يَسْتَرْعِيَهُ بِعَيْنِهِ. وَرَجَّحَ فِي الْمُغْنِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِحُصُولِ الِاسْتِرْعَاءِ.
стр. 3489
عِنْدِي. وَإِنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا. لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ يَشْهَدُ بِحَقٍّ يَعْزُوهُ إِلَى سَبَبٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ قَرْضٍ، فَهَلْ يَشْهَدُ بِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَ تَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا. لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ) مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبٍ وَلَا شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ لَمْ يَسْتَرْعِهِ الشَّهَادَةَ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ وَعْدٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالشَّهَادَةِ الْعِلْمَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ الِاحْتِمَالِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَرْعَاهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَرْعِيهِ إِلَّا عَلَى وَاجِبٍ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ. جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ، فَكَذَا هَذَا.
قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ تَحْتَمِلُ الْعِلْمَ وَلَا تَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَوْسَعُ فِي لُزُومِهِ مِنَ الشَّهَادَةِ، بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ فِي الْمَجْهُولِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْعَدَدُ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلَيْهَا.
فَلَوْ قَالَ: أَشْهَدَنِي فُلَانٌ بِكَذَا، أَوْ عِنْدِي شَهَادَةٌ عَلَيْهِ بِكَذَا، أَوْ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، أَوْ شَهِدْتُ، أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي بِهِ، فَوَجْهَانِ:
أَقْوَاهُمَا: الْمَنْعُ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. (إِلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ يَشْهَدُ بِحَقٍّ يَعْزُوهُ إِلَى سَبَبٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ قَرْضٍ، فَهَلْ يَشْهَدُ بِهِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ:
إِحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ. نَصَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ. قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: إنَّهُ الْأَشْهَرُ ; لِأَنَّهُ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَنِسْبَتُهُ الْحَقَّ إِلَى سَبَبِهِ يَزُولُ الِاحْتِمَالُ، أَشْبَهُ مَا لَوِ اسْتَرْعَاهُ. وَيُؤَدِّيهَا الْفَرْعُ بِصِفَةِ تَحَمُّلِهِ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ وَغَيْرِهِ: وَإِلَّا لَمْ يُحْكَمْ بِهَا.
وَفِي التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ: أَنَّهُ يَكْفِي الْعَارِفَ: أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ فُلَانٍ بِكَذَا. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُعَيِّنَا شَاهِدَيِ الْأَصْلِ وَيُسَمِّيَاهُمَا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا سَمِعَهُ خَارِجَ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ يَقُولُ: عِنْدِي شَهَادَةٌ لِزَيْدٍ أَوْ أَشْهَدُ بِكَذَا. لَمْ يَصِرْ فَرْعًا. فَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَعُزِلَ، فَهَلْ يَصِيرُ الْحَاكِمُ الْمَعْزُولُ فَرْعًا عَلَى الشَّاهِدِ؛ قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
[تَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ]
(وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ
стр. 3490
يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا، سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ: لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ، عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ.
وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ. وَعَنْهُ: لَهُنَّ مَدْخَلٌ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى هَذَا. (سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ الْجَمَاعَةُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقِيلَ: هُوَ إِجْمَاعٌ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحَقِّ ; وَلِأَنَّ شُهُودَ الْفَرْعِ بَدَلٌ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ، فَاكْتُفِيَ بِمِثْلِ عَدَدِهِمْ. (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ: لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ) اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ; لِأَنَّ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ يُثْبِتَانِ شَهَادَةَ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ، فَلَا تَثْبُتُ شَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِوَاحِدٍ، كَمَا لَا يَثْبُتُ إِقْرَارُ مُقِرَّيْنِ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ يَشْهَدُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى وَاحِدٍ. وَفِي الْمُحَرَّرِ: تَخْرِيجٌ أَنَّهُ يَكْفِي شَهَادَةُ فَرْعَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ.
وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: إنَّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ بَطَّةَ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ قَوْلِ اثْنَيْنِ فَجَازَ بِشَاهِدَيْنِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى إِقْرَارِ نَفْسَيْنِ. وَعَنْهُ: تَكْفِي شَهَادَةُ رَجُلٍ عَلَى اثْنَيْنِ. الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
فَرْعٌ: يَتَحَمَّلُ فَرْعٌ عَلَى فَرْعٍ. وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ أَصْلٍ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ مَعَهُ. وَلَا أَنْ يُزَكِّيَ أَصْلٌ رَفِيقَهُ فِي الشَّهَادَةِ.
[هَلْ هُنَاكَ مَدْخَلٌ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ]
(وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ) نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَالٍ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ أَشْبَهَ الْقَوَدَ وَالنِّكَاحَ.
وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ لَهُنَّ مَدْخَلًا فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ. وَهُوَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ قَدَّمَهَا فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِمَالٍ. وَصَحَّحَهَا فِي الْمُحَرَّرِ. (وَعَنْهُ: لَهُنَّ
стр. 3491
فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهَا.
وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ، حَتَّى تَثْبُتَ عِنْدَهُ عَدَالَتُهُمَا. وَعَدَالَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ. وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَلَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَدْخَلٌ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَهَادَتِهِنَّ إِثْبَاتُ الْحَقِّ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ شُهُودُ الْأَصْلِ، فَكَانَ لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ كَالْبَيْعِ.
وَعَنْهُ: لَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِي الْأُصُولِ ; لِأَنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ضَعْفًا فَاعْتُبِرَ تَقْوِيَتُهَا بِالذُّكُورِيَّةِ. وَفِي التَّرْغِيبِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِي الْأَصْلِ. وَفِي الْفُرُوعِ: رِوَايَتَانِ. (فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِدُخُولِهِنَّ فِيهِ. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ) لِأَنَّ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ ضَعْفًا، فَلَا يُضَمُّ ضَعْفٌ إِلَى ضَعْفٍ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهَا) لِأَنَّهُ إِذَا قُبِلَ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَلَى مِثْلِهَا فَلَأَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ رَجُلٍ عَلَى امْرَأَةٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْهَا؛ وَلِأَنَّ نَاقِلَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ فِيهَا: أَقْبَلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ. وَهَذَا مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ رَجُلًا وَاحِدًا لَوْ كَانَ أَصْلًا، فَشَهِدَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَمَعَهُ مِائَةُ امْرَأَةٍ لَمْ يُقْبَلْ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ إِذَا شَهِدَ بِهَا وَحْدَهُ وَهُوَ فَرْعٌ وَيُحْكَمُ بِهَا.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ذَلِكَ، حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيْهِ غَيْرُهُ. فَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى شَاهِدٍ وَاحِدٍ كَمَا يَقُولُهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
[حُكْمُ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ]
(وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ، حَتَّى تَثْبُتَ عِنْدَهُ عَدَالَتُهُمَا وَعَدَالَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْبَنِي عَلَى شَهَادَتِهِمَا، فَإِنْ عَدَّلَ شُهُودُ الْفَرْعِ شُهُودَ الْأَصْلِ كَفَى بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. وَفِي الرِّعَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا بِالْحَقِّ مَقْبُولَةٌ، فَكَذَا فِي الْعَدَالَةِ. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِعَدَالَتِهِمْ تَوَلَّى الْحَاكِمُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِنْ لَمْ يُعَدِّلْ شَاهِدُ الْفَرْعِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا ; لِأَنَّ تَرْكَ تَعْدِيلِهِمَا يَرْتَابُ بِهِ الْحَاكِمُ وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَا ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَا عَدَالَتَهُمَا،
стр. 3492
يَحْكُمْ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ، وَقَّفَ الْحُكْمَ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ حَدَثَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ. وَإِنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ. وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأَصْلِ لَمْ يَضْمَنُوا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَضْمَنُوا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيَتْرُكَاهَا اكْتِفَاءً بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ عَدَالَتِهِمَا. (وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَلَمْ يَحْكُمْ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ، وَقَّفَ الْحُكْمَ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ) لِأَنَّهُ قُدِرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِالْبَدَلِ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَفِسْقِ بَعْضِهِمْ. وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ حُضُورُهُمْ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ. (وَإِنْ حَدَثَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ) لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْبَنِي عَلَيْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَقَ شُهُودُ الْفَرْعِ أَوْ رَجَعُوا. (وَإِنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ) لِأَنَّ الْإِتْلَافَ كَانَ بِشَهَادَتِهِمْ، كَمَا لَوْ أَتْلَفُوا بِأَيْدِيهِمْ. فَإِنْ قَالُوا: بَانَ لَنَا كَذِبُ الْأَصْلِ أَوْ غَلَطُهُمْ. لَمْ يَضْمَنُوا. ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ. (وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأَصْلِ) أَيْ: بَعْدَ الْحُكْمِ. (لَمْ يَضْمَنُوا) قَدَّمَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ، كَالْمُتَسَبِّبِ مَعَ الْمُبَاشِرِ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُلْجِئُوا الْحَاكِمَ إِلَى الْحُكْمِ. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَضْمَنُوا) هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَنَصَرَهُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إِلَيْهِمْ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ عَدَالَتُهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ سَبَبٌ فِي الْحُكْمِ فَضَمِنُوا كَالْمُزَكِّينَ. فَإِنْ قَالَ شَاهِدَا الْأَصْلِ: كَذَبْنَا أَوْ غَلَطْنَا. ضَمِنُوا. وَقِيلَ: لَا. وَإِنْ قَالُوا بَعْدَ الْحُكْمِ: مَا أَشْهَدَنَا بِشَيْءٍ. لَمْ يَضْمَنِ الْفَرِيقَانِ شَيْئًا.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ، وَتَعَذَّرَ الْآخَرُ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ. ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ جَمْعٌ: إِذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا لِتَأَكُّدِ الشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا غَيَّرَ الْعَدْلُ شَهَادَتَهُ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ، فَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ قَبْلَ الْحُكْمِ، أَوْ أَدَّى بَعْدَ إِنْكَارِهَا، قُبِلَتْ. نَصَّ عَلَيْهِمَا. كَقَوْلِهِ: لَا أَعْرِفُ الشَّهَادَةَ. وَقِيلَ: لَا، كَبَعْدِ الْحُكْمِ.
стр. 3493
فصل: وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ، وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ. وَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ الْحُكْمِ ـ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ـ لَغَتْ وَلَا حُكْمَ وَلَمْ يَضْمَنْ. وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ بَلْ قَالَ لِلْحَاكِمِ: تَوَقَّفْ. فَتَوَقَّفَ، ثُمَّ أَعَادَهَا إليها وقُبِلَتْ، فِي الْأَصَحِّ.
وَفِي وُجُوبِ إِعَادَتِهَا احْتِمَالَانِ. وَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ شَهَادَةً فَأَنْكَرَ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا وَقَالَ: كُنْتُ أُنْسِيتُهَا. قُبِلَتْ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْبَنَّا: لَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: شَاهِدٌ وَمَشْهُودٌ بِهِ وَمَشْهُودٌ لَهُ وَمَشْهُودٌ عَلَيْهِ وَمَشْهُودٌ فِيهِ، يَعْنِي مَجْلِسَ الْحُكْمِ.
[فصل فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ]
[رُجُوعُ شُهُودِ الْمَالِ]
فصل.
(وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَزِمَهُمْ) أَيْ: الشُّهُودَ. (الضَّمَانُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُمَا قَدِ اعْتَرَفَا بِأَنَّهُمَا قَدْ أَخْرَجَا مَالَهُ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ. وَلِأَنَّهُمَا نُسِبَا إِلَى إِتْلَافِ حَقِّهِ بِشَهَادَتِهِمَا بِالزُّورِ عَلَيْهِ فَضَمِنَا كَشَاهِدَيِ الْقِصَاصِ. بَلْ وُجُوبُ الْمَالِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُمْ مَشْهُودٌ لَهُ، فَأَمَّا الْمُزَكُّونَ فَلَا يَغْرَمُونَ شَيْئًا. ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ.
وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُرْجَعُ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِشَيْءٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْفُتْيَا مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُنْقَضُ وَإِنِ اسْتَوْفَى الْحَقَّ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ.
وَجَوَابُهُ: أَنْ حَقَّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَجَبَ فَلَا يَسْقُطُ، كَمَا لَوِ ادَّعَيَاهُ لِأَنْفُسِهِمَا. يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ حَقَّ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، وَلَيْسَ هَذَا وَاحِدًا مِنْهُمَا. وَفَارَقَ الْكَافِرُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحُكْمِ: وَهُوَ شَهَادَةُ الْعُدُولِ، وَهُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ صَادِقَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّمَا كَذَبَا فِي رُجُوعِهِمَا.
стр. 3494
سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أو بَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا.
وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ بعد الحكم غَرِمُوا الْقِيمَةَ.
وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا.
وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْقِصَاصِ أَوِ الْحَدِّ قَبْلَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَتُفَارِقُ الْعُقُوبَاتُ حَيْثُ لَا تُسْتَوْفَى لِأَنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ. (سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا) لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ ـ فِيمَا ذُكِرَ ـ عَلَى السَّوَاءِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُغْنِي: أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ بِدَيْنٍ فَأَبْرَأَ مِنْهُ مُسْتَحِقَّهُ، ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَغْرِمَاهُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
[رُجُوعُ شُهُودِ الْعِتْقِ]
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ) بَعْدَ الْحُكْمِ (غَرِمُوا الْقِيمَةَ) لِأَنَّهُمَا أَزَالَا يَدَهُ عَنْ عَبْدِهِ بِشَهَادَتِهِمَا الْمَرْجُوعِ عَنْهَا، أَشْبَهُ مَا لَوْ شَهِدَا بِحُرِّيَّتِهِ، وَإِنَّمَا غَرِمُوا الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِنَ الْمُتَقَوِّمَاتِ.
وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُمُ الْمَشْهُودُ لَهُ. فَإِنْ قَالَا: أَعْتَقَهُ عَلَى مِائَةٍ. وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا.
[رُجُوعُ شُهُودِ الطَّلَاقِ]
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) وَبَعْدَ الْحُكْمِ (غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى) أَوْ بَدَلَهُ، لَا مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ نِصْفَهُ ; لِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوَّمٍ. بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَخْرَجَتْهُ مِنْ مِلْكِهِ بِرِدَّةٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى ; لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ لِلزَّوْجِ بِشَهَادَتِهِمَا، كَمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ فَسَخَ نِكَاحَهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِالنِّصْفِ. (وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الدُّخُولِ. (لَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يُقَرِّرَا عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَنْ يُخْرِجَا مِنْ مِلْكِهِ مُتَقَوَّمًا، أَشْبَهُ مَا لَوْ أَخْرَجَاهُ مَنْ مِلْكِهِ بِقَتْلِهَا أَوْ رَضَاعٍ.
وَعَنْهُ: يَضْمَنُ الْمُسَمَّى كُلَّهُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا شَهِدَ قَوْمٌ بِتَعْلِيقِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ، وَآخَرُونَ بِوُجُودِ شَرْطِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا، فَالْغُرْمُ عَلَى عَدَدِهِمْ.
وَقِيلَ: عَلَى كُلِّ جِهَةٍ نِصْفُهُ. وَقِيلَ: يَغْرَمُ الْكُلَّ شُهُودُ التَّعْلِيقِ.
قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: إِذَا شَهِدَ اثْنَانِ بِالْعَقْدِ، وَاثْنَانِ بِالدُّخُولِ، وَاثْنَانِ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ رَجَعُوا فَالْغُرْمُ عَلَى شَاهِدَيِ الطَّلَاقِ. وَإِنْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ لِعَانٍ ثُمَّ رَجَعَا، غَرِمَا مَهْرَ الْمِثْلِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: بَلْ نِصْفَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَإِنْ رَجَعَا ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا. وَإِنْ رَجَعَ شُهُودٌ بِكِتَابَةٍ غَرِمُوا مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَلِيمًا وَمُكَاتَبًا. فَإِنْ عَتَقَ.. فَمَا قِيمَتِهِ وَمَالَ الْكِتَابَةِ. وَقِيلَ: كُلَّ قِيمَتِهِ، وَكَذَا شُهُودٌ بِاسْتِيلَاءٍ.
[رُجُوعُ شُهُودِ الْقِصَاصِ]
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْقِصَاصِ أَوِ الْحَدِّ) بَعْدَ
стр. 3495
الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يُسْتَوْفَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَقَالُوا: أَخْطَأْنَا. فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ، وَيَتَقَسَّطُ الْغُرْمُ بينهم عَلَى عَدَدِهِمْ. فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ غَرِمَ بِقِسْطِهِ.
وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِالزِّنَى،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْحُكْمِ (قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يُسْتَوْفَ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَالْمَالُ يُمْكِنُ جَبْرُهُ، وَالْقِصَاصُ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي لَا لِلْجَبْرِ.
فَعَلَى هَذَا: تَجِبُ دِيَةُ الْقَوَدِ، فَإِنْ وَجَبَ عَيْنًا فَلَا. قَالَهُ فِي الْوَاضِحِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يُسْتَوْفَى إِنْ كَانَ لِآدَمِيٍّ كَالْفِسْقِ الطَّارِئِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ. (وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ. (وَقَالُوا: أَخْطَأْنَا. فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ) أَوْ أَرْشُ الضَّرْبِ ـ نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ ــ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَيُعَزَّرَا وَلَا قَوَدَ ; لِأَنَّ بِإِقْرَارِهِمْ حَصَلَ التَّلَفُ بِسَبَبِهِمْ، لَكِنْ عَلَى طَرِيقِ الْخَطَأِ. فَلَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً. فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَمَدْتُ. وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْتُ. فَعَلَى الْعَامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظًا، وَعَلَى الْآخَرِ نِصْفُهَا مُخَفَّفًا، وَلَا قَوَدَ، فِي الْأَصَحِّ.
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَمَدْنَا. وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْنَا. قُتِلَ الْمُعْتَرِفُ بِالْعَمْدِ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي رِوَايَةٍ: أَوْ غَرِمَ نِصْفَ الدِّيَةِ مُغَلَّظًا، وَالْمُخْطِئُ نَصِفَهَا مُخَفَّفًا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ. وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: عَمَدْتُ، وَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَ غَيْرِي. قُتِلَا. جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ إِقْرَارَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَوَدٌ. (وَيَتَقَسَّطُ الْغُرْمُ) بَيْنَهُمْ (عَلَى عَدَدِهِمْ) لِأَنَّ التَّفْوِيتَ حَصَلَ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ، فَوَجَبَ تَقْسِيطُ الْغَرَامَةِ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، كَمَا لَوِ اتَّفَقَ جَمَاعَةٌ وَأَتْلَفُوا مِلْكًا لِإِنْسَانٍ.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ رَجَعَ شَاهِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ غَرِمَ الْعُشْرَ. (فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ غَرِمَ بِقِسْطِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ. كَمَا لَوْ رَجَعْنَا جَمِيعًا. وَقِيلَ: يَجِبُ الْكُلُّ عَلَى الرَّاجِعِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِهِ. ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِمَالٍ ثُمَّ رَجَعُوا، غَرِمَ الرَّجُلُ النِّصْفَ وَهُمَا النِّصْفَ.
نَصَّ
стр. 3496
فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، غَرِمَا ثُلْثَ الدِّيَةِ لأنهما ثلث البينة. وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا، وَإِنْ شَهِدَ عليه أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالْإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ الْجَمِيعُ ولَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وَعَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ النِّصْفُ وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، واثْنَانِ مِنْهُمْ بِالْإِحْصَانِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي ; لِأَنَّهُمَا كَرَجُلٍ، فَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ فَعَلَيْهِ السُّدُسُ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ سُدُسٌ. وَقِيلَ: مُنَاصَفَةً ; لِأَنَّ الرَّجُلَ نِصْفُ الْبَيِّنَةِ. وَقِيلَ: هُوَ كَأُنْثَى، وَكَذَا رَضَاعٌ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إِلَّا أَنَّهُ لَا تَشْطِيرَ، وَإِنَّا إِنْ قُلْنَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِامْرَأَتَيْنِ فَالْغُرْمُ بِالتَّسْدِيسِ.
[رُجُوعُ شُهُودِ الزِّنَى]
(وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِالزِّنَى، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، غَرِمَا ثُلُثَ الدِّيَةِ) لِأَنَّهُمَا ثُلُثُ الْبَيِّنَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى قَائِمَةٌ بِغَيْرِهِمَا. (وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا) لِأَنَّهُمْ سِتَّةٌ فَالْغَرَامَةُ تُقَسَّطُ عَلَيْهِمْ. (وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالْإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ الْجَمِيعُ) ضَمِنُوهُ ; لِأَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِمَجْمُوعِ الشَّهَادَتَيْنِ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا جَمِيعًا بِالزِّنَى. (وَلَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ كَشُهُودِ الزِّنَى ; لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ مِنْ جَمِيعِهِمْ. (وَفِي الْآخَرِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ (عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وَعَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ النِّصْفُ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الْبَيِّنَةِ، فَتُقَسَّمُ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا. وَقِيلَ: لَا يَضْمَنَانِ ; لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالشَّرْطِ لَا بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ. فَإِنْ شَهِدَ بِزِنَاهُ ثَمَانِيَةٌ، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ أَرْبَعَةٌ، ضَمِنُوا نِصْفَ دِيَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُمْ شَيْءٌ. وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ ضَمِنُوهَا أَثْمَانًا. وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ أَحَدِ الْجِهَتَيْنِ لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ كُلُّهَا. وَقِيلَ: نَصِفُهَا. تَنْبِيهٌ: إِذَا شَهِدَ بِالْقَتْلِ ثَلَاثَةٌ، أَوْ بِالزِّنَى خَمْسَةٌ، ثُمَّ رَجَعَ الزَّائِدُ مِنْهُمْ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَضُرَّ ; لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الْبَيِّنَةِ كَافٍ. وَيُحَدُّ الرَّاجِعُ ; لِأَنَّهُ قَاذِفٌ. وَقِيلَ: لَا يُحَدُّ ; لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِمَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ زَانٍ. ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ. وَإِنِ اسْتَوْفَى ثُمَّ رَجَعُوا أَوْ بَعْضُهُمْ، فَكَشَاهِدَيِ الْقَتْلِ وَأَرْبَعَةِ الزِّنَى، فِيمَا ذَكَرْنَا، نَصَّ
стр. 3497
صَحَّتِ الشَّهَادَةُ، فَإِنْ رُجِمَ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ، فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالْإِحْصَانِ ثُلْثَا الدِّيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُهُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا
وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَغْرَمَ النِّصْفَ.
إذا بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْجَمَاعَةُ. فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ فِي الْقَتْلِ فَالثُّلُثُ، وَفِي الزِّنَى الْخُمُسُ. وَقِيلَ: لَا يَغْرَمُ شَيْئًا. وَهُوَ أَقْيَسُ.
فَلَوْ رَجَعَ مِنْ خَمْسَةِ زِنًى اثْنَانِ، فَهَلْ عَلَيْهِمَا خُمُسَانِ أَوْ رُبُعٌ؛ أَوِ اثْنَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ قَتْلٍ، فَالثُّلُثَانِ أَوِ النِّصْفُ؛ فِيهِ الْخِلَافُ. (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ مِنْهُمْ بِالْإِحْصَانِ صَحَّتِ الشَّهَادَةُ) لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ صِحَّتِهَا. (فَإِنْ رُجِمَ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ، فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالْإِحْصَانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الْأَشْهَرُ الثُّلْثُ لِشَهَادَتِهِمَا بِالْإِحْصَانِ. والثلث لشهادتهما بالزنى (وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُهُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا) النِّصْفُ لِشَهَادَتِهِمَا بِالْإِحْصَانِ، وَالرُّبُعُ لِشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى. وَالْبَاقِي عَلَى الْآخَرِينَ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَى شَاهِدَيِ الْإِحْصَانِ إِلَّا النِّصْفُ ; لِأَنَّهُمَا كَأَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ، جَنَى اثْنَانِ جِنَايَتَيْنِ وَجَنَى الْآخَرَانِ أَرْبَعَ جِنَايَاتٍ.
فَرْعٌ: لَا ضَمَانَ بِرُجُوعٍ عَنْ كَفَالَةٍ بِنَفْسٍ أَوْ بَرَاءَةٍ مِنْهَا، أَوْ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، أَوْ أَنَّهُ عَفَا عَنْ دَمٍ عَمْدٍ؛ لِعَدَمِ تَضَمُّنِهِ مَالًا.
وَفِي الْمُبْهِجِ: قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْكَفَالَةَ مُتَضَمَّنَةٌ بِهَرَبِ الْمَكْفُولِ، وَالْقَوَدُ قَدْ يَجِبُ مَالًا.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى آخَرَ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ بِصَدَاقٍ ذَكَرَاهُ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِدُخُولِهِ بِهَا، ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ، لَزِمَ شُهُودَ النِّكَاحِ الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْمُسَمَّى. وَقِيلَ: عَلَيْهِمُ النِّصْفُ. وَعَلَى الْآخَرِينَ النِّصْفُ. وَإِنْ شَهِدَ مَعَ هَذَا شَاهِدَانِ بِالطَّلَاقِ لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يُوجِبَا عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ
[رُجُوعُ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ]
(وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةُ الدَّعْوَى فَاخْتَصَّ الضَّمَانُ بِهِ، كَالشَّاهِدَيْنِ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْيَمِينَ قَوْلُ الْخَصْمِ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى خَصْمِهِ. وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ، فَجَرَى مَجْرَى مُطَالَبَتِهِ لِلْحَاكِمِ بِالْحُكْمِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا حُجَّةٌ لَكِنْ إِنَّمَا جَعَلْنَاهَا حُجَّةَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ. وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَى شَهَادَتِهِ، وَكَيَمِينِهِ عَلَى بَيِّنَةِ غَائِبٍ.
стр. 3498
أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ، نُقِضَ، وَيُرْجَعُ بِالْمَالِ أَوْ بِبَدَلِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ إِتْلَافًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٍ فَعَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ: يَجُوزُ فِي أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ أَنْ تُسْمَعَ يَمِينُ الْمُدَّعِي قَبْلَ الشَّاهِدِ. (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَغْرَمَ النِّصْفَ) لِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيِ الدَّعْوَى كَالشَّاهِدَيْنِ.
فَرْعٌ: رُجُوعُ شُهُودِ تَزْكِيَةٍ كَرُجُوعِ مَنْ زَكُّوهُمْ. وَمَنْ شَهِدَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِمُنَافٍ لِلْأُولَةِ فَكَرُجُوعِهِ وَأَوْلَى. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ
[بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ]
(إِذَا بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ نُقِضَ) أَيْ: إِذَا بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ كُفْرُ الشُّهُودِ نُقِضَ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ كَوْنُ الشَّاهِدِ مُسْلِمًا، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَكَذَا إِذَا بَانَ فِسْقُهُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَيُرْجَعُ بِالْمَالِ أَوْ بِبَدَلِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ نُقِضَ فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ الْحَقُّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا أُلْزِمَ بِرَدِّهِ بِعَيْنِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ إِتْلَافًا) كَقَتْلٍ أَوْ كَانَ الْحُكْمُ لِلَّهِ بِإِتْلَافٍ حِسِّيٍّ، أَوْ بِمَا سَرَى إِلَيْهِ (فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّينَ) ؛ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ قَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، وَشُهُودُ التَّزْكِيَةِ أَلْجَؤُوا الْحَاكِمَ إِلَى الْفِعْلِ، فَلَزِمَهُمُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِحَقٍّ ثُمَّ حَكَمَ حَاكِمٌ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَا؛ وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ، وَالشُّهُودُ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ مِنَ الْمُزَكِّينَ.
قَالَ الْقَاضِي: الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ السَّامَرِّيُّ ; لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي الْحُكْمِ بِمَنْ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ ; لِأَنَّهُمْ فَوَّتُوا الْحَقَّ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ بِشَهَادَتِهِمُ الْبَاطِلَةِ، كَمَا لَوْ رَجَعُوا. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ فَعَلَى الْحَاكِمِ) لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ لِتَفْرِيطِهِ. وَكَذَا إِنْ كَانَ مُزَكُّونَ فَمَاتُوا. ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ وَلَا قَوَدَ ; لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ.
стр. 3499
الْحَاكِمِ. وَعَنْهُ: لَا يُنْقَضُ إِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ.
وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، ثُمَّ مَاتُوا حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ إِذَا ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ.
وَ إِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ الزُّورِ وعَزَّرَهُ وَطَافَ بِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ قَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فَيَنْصَبُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ حُكِمَ لَهُ بِمَالٍ فَقَبَضَهُ، ثُمَّ بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ. قُلْنَا: ثُمَّ حَصَلَ فِي يَدِ الْمُسْتَوْفِي مَالُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَضَمَانُهُ إِنْ تَلِفَ، وَهُنَا لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا أَتْلَفَ شَيْئًا بِخَطَأِ الْإِمَامِ وَتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ فَافْتَرَقَا. (وَعَنْهُ: لَا يُنْقَضُ إِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ) لِأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلْقَاضِي فِسْقُ الشُّهُودِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ، وَالْكُفْرُ لَا يَخْفَى غَالِبًا.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْتَرِفَا بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِمَا، لَكِنْ تَبَيَّنَ فَقْدُ شَرْطِ الْحُكْمِ فَوَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ بِنَقْضِهِ. كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حُكْمٌ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ.
وَإِنْ ظَهَرُوا عَبِيدًا أَوْ وَلَدًا أَوْ وَالِدًا أَوْ عَدُوًّا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي حَكَمَ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ، لَمْ يُنْقَضْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إِجْمَاعًا، وَإِلَّا نُقِضَ.
فَرْعٌ: إِذَا جَلَدَ الْإِمَامَ إِنْسَانًا بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ بَانَ فِسْقُهُمْ أَوْ كُفْرُهُمْ أَوْ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ، ضَمِنَ الْإِمَامُ مَا حَصَلَ بِسَبَبِ الضَّرْبِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أَوْ قَتَلَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَضْمَنُ فِي الْكُفْرِ وَالرِّقِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
[شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ ثُمَّ مَاتُوا]
(وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقّه، ثُمَّ مَاتُوا حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ) لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ فِيهَا، وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ. وَكَذَا إِنْ جُنُّوا. (إِذَا ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ) لِحُصُولِ الثِّقَةِ لِلْحَاكِمِ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ مَعَ الْمَوْتِ كَالْحَيَاةِ.
[إِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ الزُّورِ]
(وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ الزُّورِ) بِإِقْرَارِهِ أَوْ عَلِمَ كَذِبَهُ وَتَعَمُّدَهُ. وَفِي الْكَافِي: يَثْبُتُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يُقِرَّ بِذَلِكَ، أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِهِ، أَوْ يَشْهَدَ بِمَا يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ. (وعَزَّرَهُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ ; وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ مُحَرَّمٌ يَضُرُّ بِهِ النَّاسَ، أَشْبَهَ النَّسَبَ
стр. 3500
فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُشْتَهَرُ فِيهَا، فَيُقَالُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاجْتَنِبُوهُ.
وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ أَحَقُّ. لَمْ يُحْكَمْ بِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْقَذْفَ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنِ ارْتِكَابِ مِثْلِ فِعْلِهِ. وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَابَ. وَهُوَ وَجْهٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
وَالثَّانِي: لَا تَعْزِيرَ. وَهُمَا فِي كُلِّ تَائِبٍ بَعْدَ وُجُوبِ التَّعْزِيرِ. وَتَعْزِيرُهُ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ. نَقَلَهُ حَنْبَلٌ مَا لَمْ يُخَالِفْ نصا.
وَفِي الْمُغْنِي: أَوْ مَعْنَى نَصٍّ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ عُقُوبَاتٍ إِنْ لَمْ يَرْتَدِعْ إِلَّا بِهِ.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرِ جَلْدَاتٍ. وَنَقَلَ مُهَنَّا كَرَاهَةَ تَسْوِيدِ الْوَجْهِ. (وَطَافَ بِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُشْتَهَرُ فِيهَا) لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ، فَيُجْتَنَبُ. (فَيُقَالُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاجْتَنِبُوهُ) لِيَحْصُلَ إِعْلَامُ النَّاسِ بِذَلِكَ، فَإِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَسَائِرِ التَّائِبِينَ. وَلَا يُعَزَّرُ بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَةِ وَلَا بِغَلَطِهِ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ رُجُوعِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي ; لِأَنَّ التَّعَارُضَ لَا يُعْلَمُ بِهِ كَذِبُ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِعَيْنِهَا، وَالْغَلَطُ قَدْ يَعْرِضُ لِلصَّادِقِ الْعَدْلِ وَلَا يَتَعَمَّدُهُ فَعُفِيَ عَنْهُ. وَكَذَا إِذَا ظَهَرَ فِسْقُهُ ; لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَمْنَعُ الصِّدْقَ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنِ ادَّعَى شُهُودُ الْقَوَدِ الْخَطَأَ عُزِّرُوا.
[اللَّفْظُ الَّذِي تُقْبَلَ بِهِ الشَّهَادَةُ]
(وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَصْدَرٌ فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِفِعْلِهَا الْمُشْتَقِّ مِنْهَا؛ وَلِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى لَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِهَا، بِدَلِيلٍ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي اللِّعَانِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا. (فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ أَحَقُّ. لَمْ يَحْكُمْ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَعْتَمِدُ لَفْظَ الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَالثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ. اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ. وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ عَنْ صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيٍّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ.
стр. 3501
بَابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلَّا فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: أَقُولُ: إِنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا أَشْهَدُ. فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: مَتَى قُلْتَ فَقَدْ شَهِدْتَ.
وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَهَلْ مَعْنَى الْقَوْلِ وَالشَّهَادَةِ إِلَّا وَاحِدٌ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ شَهَادَةٌ.
فَرْعٌ: لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى الْآنَ، بَلْ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى]
[مَشْرُوعِيَّة اليمين في الدعاوي]
بَابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى
الْيَمِينُ تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ فِي الْحَالِ، وَلَا تُسْقِطُ الْحَقَّ. وَتَصِحُّ يَمِينُ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى صَحِيحَةٌ فِيمَا يَصِحُّ بَذْلُهُ.
وَمَنْ أَنْكَرَ بُلُوغَهُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ، أَوِ ادَّعَاهُ لِتِسْعِ سِنِينَ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ.
فَإِذَا بَلَغَ حَلَفَ. وَقِيلَ: إِنِ ادَّعَاهُ بِالسِّنِّ احْتَاجَ بَيِّنَةً فَلَا يُحَلِّفُهُ.
وَلَا يَحْلِفُ وَصِيٌّ عَلَى نَفْيِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُوصِي.
قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: بَلْ عَلَى نَفْيِ لُزُومِهِ مِنَ التَّرِكَةِ إِلَى الْمُدَّعِي. وَلَا شَاهِدَ عَلَى صِدْقِهِ إِلَّا الْمُرْضِعَةُ، وَلَا حَاكِمَ عَلَى حُكْمِهِ أَوْ نَفْيِهِ أَوْ عَدْلِهِ أَوْ نَفْيِ جَوْرِهِ وَظُلْمِهِ، وَلَوْ مَعْزُولًا، وَلَا الْمُدَّعِي إِذَا طَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ، فَقَالَ: لِيَحْلِفْ أَنَّهُ مَا أَحْلَفَنِي. وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ، فَإِنْ أَبَى حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الرَّدِّ. وَلَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا قَالَ الْمُدَّعِي: لِيَحْلِفْ أَنَّهُ مَا أَحْلَفَنِي. وَلَا مَنْ حُكِمَ لَهُ بِشَيْءٍ فَقَالَ خَصْمُهُ: إِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ. وَإِنْ ادَّعَى الْوَصِيُّ أَنَّ الْمَيِّتَ وَصَّى لِلْفُقَرَاءِ بِشَيْءٍ فَأَنْكَرَهُ الْوَرَثَةُ، وَنَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا أَوْ يُقِرُّوا. وَقِيلَ: يَحْكُمُ بِذَلِكَ، وَلَا يَحْلِفُ الْوَصِيُّ. وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ فِي دَفْتَرِهِ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ لِمَيِّتٍ لَا وَارِثَ لَهُ وَلَمْ يَحْلِفْ، حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ. وَلَا يَحْلِفُ الْحَاكِمُ، فِي الْأَصَحِّ. (وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ فِي كُلِّ حَقٍّ
стр. 3502
النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ: النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالرِّقِّ وَالْوَلَاءِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الطَّلَاقِ وَالْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ رِوَايَتَانِ، وَسَائِرُ السِّتَّةِ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقَالَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِآدَمِيٍّ) فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَقَدَّمَهَا ابْنُ رَزِينٍ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهَا أَوْلَى ; لِقَوْلِهِ ﵇: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَجَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ ذِكْرِ الدِّمَاءِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الدَّعْوَى بِالدَّمِ تُشْرَعُ فِيهَا الْيَمِينُ، وَسَائِرُ الْحُقُوقِ إِمَّا مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ فَوَجَبَ مَشْرُوعِيَّةُ الْيَمِينِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى صَحِيحَةٌ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ كَدَعْوَى الْمَالِ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تُشْرَعُ فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ غَيْرِ الْعَشَرَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ، وَسَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ إِمَّا مَالٌ أَوْ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ فِي ذَلِكَ، إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلَّا فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ) فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِمَا. قَالَ: وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ; لِأَنَّ أَمْرَهُمَا أَشَدُّ وَلَا يَدْخُلُهُمَا الْبَدَلُ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ: النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ وَالرِّقِّ، وَالْوَلَاءِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَالنَّسَبِ وَالْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْآدَمِيُّ، وَزَادُوا: الْإِيلَاءَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، فَلَا تُشْرَعُ فِيهَا الْيَمِينُ كَالْحُدُودِ. (وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الطَّلَاقِ وَالْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ رِوَايَتَانِ) ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى تَأَكُّدِهَا يَنْبَغِي أَلَا تُشْرَعَ الْيَمِينُ فِيهَا، وَبِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهَا حَقُّ آدَمِيٍّ فَتُشْرَعُ فِيهَا. (وَسَائِرُ السِّتَّةِ) أَيْ: جَمِيعُهَا. (لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ) لِتَأَكُّدِهَا وَعَدَمِ مُسَاوَاةِ غَيْرِهَا لَهَا. وَعَنْهُ: يُسْتَحْلَفُ إلا فِي طَلَاقٍ وَإِيلَاءٍ وَقَوَدٍ وَقَذْفٍ.
وَعَنْهُ: يُسْتَحْلَفُ فِيمَا يقضي فِيهِ بِالنُّكُولِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: مَا لَا يَجُوزُ بَدَلُهُ وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ. وَفَسَّرَ الْقَاضِي الِاسْتِيلَادَ بِأَنْ يَدَّعِيَ اسْتِيلَادَ أَمَةٍ، فَتُنْكِرَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ الْمُدَّعِيَةُ.
стр. 3503
الْخِرَقِيُّ: لَا يُحْلَفُ فِي الْقِصَاصِ وَلَا فِي الْمَرْأَةِ إِذَا أَنْكَرَتِ النِّكَاحَ. وَتَحْلِفُ إِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُؤلِي مُضِيَّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ حَلَفَ، وَإِذَا أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدًا بِعِتْقِهِ حَلَفَ مَعَهُ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْحُدُودِ وَالْعِبَادَاتِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَالسَّامَرِّيُّ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ إِلَيْهِ وَالْوِكَالَةَ لَا يُسْتَحْلُفُ فِيهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يُسْتَحْلَفُ فِي إِيلَاءٍ وَلَا فِيهِ. قَالَ السَّامَرِّيُّ: لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ حُكْمَهُمَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ إِذَا ادَّعَيَا عَلَى الرَّجُلِ. فَإِنِ ادَّعَاهُمَا الرَّجُلُ فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ لَا دَعْوَى عَلَى غَيْرِهِ. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يُحْلَفُ فِي الْقِصَاصِ) لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ. (وَلَا فِي الْمَرْأَةِ إِذَا أَنْكَرَتِ النِّكَاحَ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَدَلُهَا. (وَتَحْلِفُ إِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا) لِمَا فِيهِ مِنَ الِاحْتِيَاطِ لِبُضْعِهَا، وَإِذَا أَحْلَفْنَاهُ فِي ذَلِكَ قَضَيْنَا فِيهِ بِالنُّكُولِ، إِلَّا فِي قَوَدِ النَّفْسِ خَاصَّةً.
قَالَ أَحْمَدُ ـ فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ ـ فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَذَفَهُ فَأَنْكَرَ: يَحْلِفُ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ أُقِيمَ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ. وَعَنْهُ: لَا يُقْضَى بِالْقَوَدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: وَهِيَ أَصَحُّ. وَعَنْهُ: لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ إِلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً. قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي. وَمَتَى لَمْ يَثْبُتِ الْقَوَدُ بِنُكُولِهِ، فَهَلْ يَلْزَمُ النَّاكِلَ الدِّيَةُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْقَسَامَةِ. وَكُلُّ نَاكِلٍ قُلْنَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ، فَهَلْ يُخَلَّى سَبِيلُهُ أَوْ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصْلُهُمَا إِذَا نَكَلَتِ الزَّوْجَةُ عَنِ اللِّعَانِ، وَفِي رَدِّ الْيَمِينِ خِلَافٌ سَبَقَ.
فَإِنْ قُلْنَا بِرَدِّ الْيَمِينِ فَتَعَذَّرَ رَدُّهَا، قُضِيَ بِالنُّكُولِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفُ وَلِيُّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ. وَقِيلَ: إِنْ بَاشَرَ مَا ادَّعَاهُ.
وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفَا إِذَا زَالَ الْمَانِعُ، وَلَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ قَبْلَ ذَلِكَ. (وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُؤلِي مُضِيَّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ حَلَفَ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْلِفْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَضَرُّرِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا. (وَإِذَا أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدًا بِعِتْقِهِ حَلَفَ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ نَقْلُ مِلْكٍ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ. (وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْحُدُودِ وَالْعِبَادَاتِ) أَمَّا الْحُدُودُ فَلَا نَعْلَمُ فِيهَا خِلَافًا ; لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ قُبِلَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَخُلِّيَ، فَلَئِنْ لَا يُسْتَحْلَفَ مَعَ الْإِقْرَارِ أَوْلَى.
стр. 3504
وَنَحْوِهَا وَيَجُوزُ الْحُكْمُ فِي الْمَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقْبَلَ. وَلَا يُقْبَلُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَسَائِرِ مَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ شَاهَدٌ وَيَمِين المدعي وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى النَّفْيِ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ. وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَأَمَّا الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ كَدَعْوَى السَّاعِي عَلَى الزَّكَاةِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَالْحُدُودِ وَكَالصَّلَاةِ وَكَذَا لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ صَدَقَةٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي نَفْيِ ذَلِكَ بِغَيْرِ يَمِينٍ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي فِيهِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ. كَمَا لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَضَمَّنَتْ دَعْوَاهُ حَقًّا لَهُ مِثْلُ: أَنْ يَدَّعِيَ سَرِقَةَ مَالِهِ أَوِ الزِّنَى بِجَارِيَتِهِ لِيَأْخُذَ مَهْرَهَا، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَتَجِبُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَيقضي بِالنُّكُولِ فِي الْمَغْرَمِ. (وَيَجُوزُ الْحُكْمُ فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَشْهُودِ بِهِ. (وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ) وما (شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٌ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ ; لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ نَاقِصَةٌ وَإِنَّمَا انْجَبَرَتْ بِانْضِمَامِ الذَّكَرِ إِلَيْهِنَّ. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُقْبَلَ) هَذَا وَجْهٌ ; لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْمَالِ تَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ، وَيَبْطُلُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِجْمَاعًا. (وَلَا يُقْبَلُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَسَائِرِ مَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ، شَاهِدٌ وَيَمِينُ) الْمُدَّعِي، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ) مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ مِائَةً عَلَى شَخْصٍ، وَيُقِيمَ شَاهِدًا وَيُرِيدَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ. (أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ) مِثْلُ أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ مِائَةٌ، فَيَقُولُ: مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا. (حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا، فَقَالَ: قُلْ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا لَهُ عَلَيْكَ حَقٌّ»
١ -
(وَإِنْ حَلَفَ عَلَى النَّفْيِ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ) وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ: يَحْلِفُ فِي إِثْبَاتٍ وَنَفْيٍ عَلَى الْبَتِّ، إِلَّا لِنَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ.
وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ: أَوْ نَفْيُ دَعْوَى عَلَى غَيْرِهِ فَيَكْفِيهِ نَفْيُ الْعِلْمِ. (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ) مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ غَيْرَهُ غَصَبَهُ ثَوْبَهُ. (أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ) اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
стр. 3505
غَيْرِهِ أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ. وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِجَمَاعَةٍ، فَقَالَ: أَحْلِفُ لَهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً. فَرَضُوا جَازَ وَإِنْ أَبَوْا حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ «وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي غَصَبَنِيهَا أَبُوهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِحَاطَةُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ فِعْلِ نَفْسِهِ. وَكَالشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِالْقَطْعِ فِيمَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ فِيهِ مِنَ الْعُقُودِ.
وَعَلَى الظَّنِّ فِيمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقَطْعُ مِنَ الْأَمْلَاكِ وَالْأَنْسَابِ.
وَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِانْتِفَائِهِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ إِلَّا فُلَانٌ وَفُلَانٌ.
وَعَنْهُ: يَمِينُ النَّفْيِ الْعِلْم فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَعَنْهُ: وَغَيْرُهَا عَلَى الْعِلْمِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَرْفُوعًا «لَا تَضْطَرُّوا النَّاسَ فِي أَيْمَانِهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ» .
وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يَمِينُهُ بَتٌّ عَلَى فِعْلِهِ، وَنَفْيٌ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ.
وَعَبْدُهُ كَأَجْنَبِيٍّ فِي حَلِفِهِ عَلَى الْبَتِّ. وَأَمَّا بَهِيمَتُهُ فَمَا يُنْسَبُ إِلَى تَفْرِيطٍ وَتَقْصِيرٍ فَعَلَى الْبَتِّ، وَإِلَّا فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ. (وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِجَمَاعَةٍ، فَقَالَ: أَحْلِفُ لَهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً. فَرَضُوا جَازَ) ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْضُ الْيَمِينِ، كَمَا أَنَّ الْحُقُوقَ إِذَا قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ الْوَاحِدَةُ لَا يَكُونُ لِكُلِّ حَقٍّ بَعْضُ الْبَيِّنَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ، فَإِذَا رَضِيَ بِهَا اثْنَانِ صَارَتِ الْحُجَّةُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصَةً، وَالْحَجَّةُ النَّاقِصَةُ لَا تَكْمُلُ بِرِضَى الْخَصْمِ، كَمَا لَوْ رَضِيَ أَنْ يُحْكَمَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.
١ -
(وَإِنْ أَبَوْا حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَحَكَى الْإِصْطَخْرِيُّ: أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِيَ حَلَّفَ رَجُلًا بِحَقٍّ لِرَجُلَيْنِ يَمِينًا وَاحِدَةً، فَخَطَّأَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ.
следующие страницы →